عناصر الدرس
* بيان الباب الخامس من ابواب النيابة (الممنوع من الصرف) ـ
* معنى (الممنوع من الصرف) - حكمه وشروطه
* بيان الباب السادس من أبواب النيابة (الأمثلة الخمسة) ـ
* حدها وأوزانها وحكمها
* بيان الإسم المقصوروحكمه
* بيان الإسم المنقوص وحكمه
* بيان الباب السابع من أبواب النيابة (الفعل المضارع المعتل الآخر) ـ
* حده وحكمه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
س: هذا يسأل يقول: متى نراعي اللفظ ومتى نراعي المعنى؟
ج: هذا يُنظر فيه، ليست المسألة اجتهادية، إنما ينظر فيه كل بحسبه، إذا كان اللفظ مذكَّرًا والمعنى مذكَّر، الأصل فيه أنه يذكَّر، وإذا كان المعنى مؤنث واللفظ مذكَّر حينئذٍ يجوز فيه الوجهان، لكن الأصل أنه يُسمَع عَوْدُ الضمير الأصل، أنه يعود على المذكَّر مذكَّر وعلى المؤنث مؤنث.
س: قال تعالى: «كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ» [المؤمنون:١١٢]، قلتم في سنين أنه شاذ؟
ج: ليس أنا الذي قلت، قلت: أن النحاة حكموا أنه شاذ، وهذا محل وفاق.
س: قلتم في سنين أنه شاذ قياسًا، وعرَّفتم الشاذ قياسًا بأنه ما شذَّ عن القواعد المستعملة، فكيف لفظٌ في القرآن وهو عربي مبين يشذ عن القواعد المستعملة
بل هذا لفظ من الشاذ من حيث استعمال القياس؟
شاذ استعمالًا لا يجوز أن يقال بأنه موجود في القرآن، وأما الشاذ قياسًا، وقد عرفنا أن لغة العرب منها ما هو كثير الاستعمال ومنها ما هو قليل الاستعمال، فحينئذٍ سمَّى النحاة ما جاء موافقًا للكثرة - غالب- سموه قياسًا -هو الأصل-، وما جاء مخالفًا لهذه القاعدة سموه شاذًا، المسألة اصطلاحية لا نفخِّم الأمور، حينئذٍ إذا قيل: هذا شاذ مرادهم أنه خالف المشهور في لسان العرب، وما المانع من هذا لا بأس.
ولذلك قلت: أنه لا يُقال عند العامة؛ لئلا يُفهم خطأ، مثله مثل الحرف الزائد، بعضهم ينازع في الحرف الزائد هل هو موجود في القرآن؟ نقول: موجود قطعًا، لكن ما معنى الزائد؟ نمسحه .. نحذفه؟ .. لا، ليس هذا مراد، المراد لم يستعمل فيما وضع له في لسان العرب.
إذا قيل: (مِنْ) للابتداء أو لبيان الجنس، أو للتبعيض، (مِنْ) في قوله: «هَلْ مِنْ خَالِقٍ» [فاطر:٣] أي معنى يستفاد منها؟ لا يمكن أن تأتي لا للتبعيض ولا لبيان الجنس، ولا ولا إلى آخره.
و(خَاْلِقُ) ما إعرابه؟ مبتدأ، إذن كيف نقول هذه ليست بالزائدة! زائدة قطعًا، «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء» [الشورى:١١]، الكاف هذه زائدة، لكن المراد بالزائد هو الذي جاء من أجل التأكيد فحسب، ولذلك قال الخُضري في أول حاشيته على ابن عقيل: الزائد عند النحاة هو الذي ليس له معنىً إلا التوكيد، -والتوكيد معنى-، حينئذٍ نفهم الاصطلاحات، حتى لا يُقال زائدة أو يكفر أو لا يكفر؟ ونفرِّع المسائل.
س: قال بعض الشراح: لم يأتِ في القرآن فعل الأمر مؤكدًا بالنون على الرغم من جواز توكيده، فهل هذا صحيح؟
الجواب: ما أدري، يحتاج تتبع واستقراء، تقرأ القرآن بهذا القصد.
س: معلوم أن الكلمات العربية موضوع علم النحو فيلزم من هذا على طالب النحو أن يتكلم باللغة العربية؟
ج: انظر هذا الترابط، هذا ليس بصحيح، موضوع علم النحو الكلمات العربية، وهذه الكلمات يتألف منها الكلام فيلزم من هذا على طالب علم النحو أن يتكلم باللغة العربية، على كلٍ دون تقعُّر فيأتي بالمرفوع مرفوع، وبالمنصوب منصوب، وبالمجرور مجرور، أما أنه يأتي بالمخارج ويأتي، وهذا ليس من
س: (جاء رجال فاضلون) .. (جاء رجال فضلاء)؟
ج: يجوز هذا وهذا، قد يُجمع اللفظ الواحد بجمعين: جمع مؤنث، وجمع تكسير.
[ ١٧ / ١ ]
هذه قاعدة: (أن الجمع لا يكون أخصّ من المفرد) مسلمة؟
ج: عند أكثر النحاة.
تابع السؤال: وألا تنتقض بنحو عرب وأعراب؟
ج: القاعدة ما تنتقض بصورة واحدة.
س: غلام لا يجمع جمع مذكر سالم رغم أنه علم، أرجو التوضيح؟
ج: غلام لا يجمع جمع مذكر سالم رغم أنه علم، لماذا لا نجمعه بواو ونون مع كونه علم؟ وابن مالك يقول:
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَبِيَا اجْرُرْ وانْصِبِ سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ وَمُذْنِبِ
ليس بعلم إذًا.
(؟؟؟) هذا مشهور عند النحاة له شرح تسهيل الفوائد، مطبوع عشر مجلدات أو تسعة.
س: في نحو: قاضي، هل يقال إن أصله قاضيُون بضم الياء استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الضاد؟
ج: على كل هذا يعود عليك ما في بأس؛ النكات لا تتزاحم.
س: أحيانًا تقول: قُصِد لفظه، تعربون الكلمة إعرابًا مختلفًا، نريد إيراد مثال من اسم وفعل وتعربونه قصد لفظه وأخرى لم يقصد لفظه؟
ج: ضرب زيد عمرًا، ضرب: فعل ماض قصد معناه، ضرب: فعل ماض قصد لفظه.
خرجت من الدار، (مِنْ): حرف قصد معناه، (من): حرف جر وهذا قصد لفظه.
وإن نَسَبْتَ لأَداةٍ حُكْما فاحْكِ أَو اعرِبْ واجْعَلَنْها إِسْما
يجوز فيه وجهان.
بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ مَالاَ يَنْصَرِفْ مَالَمْ يُضَفْ أَوْيَكُ بَعْدَ ألْ رَدِفْ
(أل) ردف، ألردف، فُكَّها أو أدغمها لا بأس.
وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ مَالاَ يَنْصَرِفْ مَالَمْ يُضَفْ أَوْيَكُ بَعْدَ ألْ رَدِفْ
هذا هو الباب الثاني مما ناب فيه حركة عن حركة، وهو الممنوع من الصرف، سيأتي باب كبير اسمه: باب الممنوع من الصرف، ذكر فيه سبعًا وعشرين بيتًا، يشرح فيه العلل التي إذا وجدت في الاسم حينئذٍ يُلحق بالفعل فيُمنع من الكسر، ويُمنع من التنوين.
ومراده هنا أن ينبِّه فحسب على أن هذا الباب من أبواب النيابة، وليس المراد شرح العلل ولا متى يُحكم على الاسم بأنه أشبهَ الفعل، ولا على فلسفة: ما وجه الشبه بين الاسم والفعل، وإنما المراد أن هذا الباب من أبواب النيابة؛ لأنه في مقام سرد ما ناب فيه حرف عن حركة أو حركة عن حرف.
قلنا: خمسة أبواب في باب الأسماء: الأسماء الستة، المثنى، جمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم، وهذه الحمد لله كلها انتهينا منها، بقي باب واحد من الأسماء وهو: الممنوع من الصرف في حالة الجر فحسب.
وَجُرَّ، هذا يحتمل وجهين: أنه فعل أمر، أو أنه فعل ماض، يحتمل أنه فعل أمر ناصبًا ما لا ينصرف (جُرَّ) أنت، (مَا): اسم موصول بمعنى الذي في محل نصب مفعول به، جُرَّ مَالا يَنْصَرِفْ، فينصب ما على المفعولية حينئذٍ إذا كان كذلك، الأمر إذا كان مضعَّفًا مثل: مدَّ، مُدَّ، قلنا: يجوز في داله وفي راءه هنا ثلاثة أوجه: جُرَّ جُرِّ جُرُّ، ثلاثة، جُرَّ جُرِّ جُرُّ.
[ ١٧ / ٢ ]
جُرُّ: على الإتباع بالضم هذه أضعفها، جُرِّ: على الأصل للتخلص من التقاء الساكنين، جُرَّ: هذا على الفتح تخلصًا من الساكنين وطلبًا للخفة، يعني: لماذا كانت الحركة فتحة مع كون الأصل في التخلص من التقاء الساكنين هو الكسر وجُرِّ على الأصل؟ نقول: جُرِّ وإن كان على الأصل إلا أن جُرَّ أوفقُ للقياس منه؛ لأن الأصل أن الفعل لا يدخله ضم ولا كسر.
حينئذٍ جُرَّ هذا فعل أمر، يحتمل أنه فعل أمر، ومَالا يَنْصَرِفْ (ما) هذا اسم موصول في محل نصب مفعول به، فيكون مثلث الآخر، ويحتمل أنه ماضٍ لكنه مغيَّر الصيغة.
وجُرَّ (ما): اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع نائب فاعل مغيَّر الصيغة، يحتمل هذا ويحتمل الأول، لكن إذا كان فعلًا ماضيًا حينئذٍ ليس له إلا جُرَّ فحسب، جُرَّ؛ لأنه مبني على الفتح فلا يجوز فيه الضم ولا الكسر.
يؤيد الأول لاحقه والثاني سابقه، -هذه عبارة الصبَّان-، يؤيد الأول الذي كونه فعل أمر لاحقه، والثاني سابقه، ما معنى هذه الجملة؟ يؤيد الأول الذي هو فعل أمر لاحقه، والثاني كونه ماضيًا سابقه، ما المقصود؟
يؤيد الأول لاحقه يعني: اللاحق الذي سيأتي وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ النُّونَا، إذن وجُرَّ فعل أمر؛ لأنه في سياقٍ واحد، جُرَّ فعل أمر، وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ النُّونَا.
هنا قال: وَمَا بِتَا وَأَلِفٍ قَدْ جُمِعَا مغيَّر الصيغة، حينئذٍ (جُرَّ) كونه ماضيًا نائب فاعل يؤيده السابق، وكونه فعل أمر يؤيده اللاحق، إذن هذا أو ذاك لا بأس.
وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ، سواء كانت ظاهرة كـ (أحمد) أو مقدَّرة كـ (موسى)، نيابة عن الكسرة.
(مَاْ): اسمٌ موصولٌ بمعنى الذي، يصدُق على اسم مفرد أو جمع؛ لأن الذي يُمنع من الصرف نوعان: اسم مفرد، وجمع تكسير، حينئذٍ قوله: مَا لا يَنْصَرِفْ، يعمّ هذا وذاك؛ لأن المفرد يكون ممنوعًا من الصرف كـ (أحمد) والجمع كذلك يكون ممنوعًا من الصرف كـ (مساجد)، وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ نيابة على الكسرة، سواء كانت ظاهرة كـ (أحمدَ) ومقدرة كـ (موسى).
وأورد على قوله: وجر بالفتحة ما سمِّي به مؤنث من الجمع بألف وتاء والملحق به، -هناك قال-:
وَمَا بِتَا وَأَلِفٍ قَدْ جُمِعَا يُكْسَرُ فِي الْجَرِّ وَفِي النَّصْبِ مَعَا
وهنا قال: وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ، هل يَرِد عليه ما جُمِع بألف وتاء؟ يرد أو لا يَرِد؟
قلنا المسمى به فيه ثلاث لغات منها: إعراب ما لا ينصرف، ومنها: أن يُسلب منه التنوين مع بقاء الكسر، حينئذٍ ما وجه الاشتباه؟ ليس فيه ثَمَّ اشتباه، ولذلك ما أورد على المصنف ليس بوارد، أورد عليه على قوله: وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ ما سمي به مؤنث، من الجمع بألف وتاء، والملحق به بناءً على أنه معرب بإعراب أصله، ويمكن دفعه بأنه عُلِم استثناؤه من قوله (سابقة)، هكذا أورده الصبَّان وغيره، لكن نقول: هذا ليس بوارد إلا على مذهب الكوفيين، وقلنا: هذا مذهب ضعيف ليس عليه لسان العرب، بل المشهور هو ما ذكره المصنف أنه يُجرُّ وينصب بالكسرة، إذن لا يرد على المصنف: وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ ما سمِّي بجمع المؤنث السالم أو بأصله.
[ ١٧ / ٣ ]
وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ مَالا يَنْصَرِفْ، وهو ما فيه علتان من علل تسع: كأحسن، أو واحدة منهما تقوم مقام العلتين كـ (مساجد) و(صحراء).
اجْمَعْ وَزِنْ عَادِلًا أنِّثْ بِمعْرِفَةٍ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَة فالْوَصْفُ قَدْ كَمُلاَ
لأنه شابَه الفعل فثَقُل، الاسم الذي مُنع من الصرف وجد فيه علتان أو علة واحدة تقوم مقام العلتين، حينئذٍ ثَقُل الفعل فلم يدخله التنوين؛ لأنه علامة الأخف عليهم والأمكن عندهم، فامتنع الجر بالكسرة لمنع التنوين لتآخيهما في اختصاصهما بالأسماء، فلما منعوه الكسرة عوَّضوه منها الفتحة، نحو قوله تعالى: «فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا» [النساء:٨٦]، وهذا كله سيأتي شرحه في محله.
إذًا مَالا يَنْصَرِفْ الصرف هو التنوين، وهل الذي مُنِع من الصرف هو التنوين فحسب أم التنوين والكسر؟ هذا فيه قولان والمشهور أنه مُنِع الكسر مع التنوين.
قال: مَالَمْ يُضَفْ أَوْ يَكُ بَعْدَ ألْ رَدِفْ، بيَّن لنا حكم الجر فحسب، وسكت عن الرفع والنصب، لماذا؟ لأنَّه جاء على الأصل، رُفع بالضمة ونُصِبَ بالفتحة، جاء أحمدُ، ورأيت أحمدَ، ومررت بأحمدَ، حينئذٍ أحمدُ مُنع من الصرف -وهو التنوين- ورأيت أحمدَ مُنِع من الصرف وهو التنوين، ومررت بأحمدَ مُنِع شيئان وهما: التنوين والكسرة، وهذا كله سيأتي شرحه في محله.
مَالَمْ يُضَفْ، (مَا) هذه ليست موصولة، بل هي حرفية ظرفية مصدرية، يعني: تضاف إلى ما بعدها.
وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ (الذي) لا يَنْصَرِفْ، -لا يدخله التنوين والكسر- مدة كونه غير مضافٍ والقاعدة هنا: المصدر إذا اشتمل على نفيٍ مثل هذا الذي معنا، مَا لَمْ يُضَفْ مدة عدم إضافته، المصدر إذا اشتمل على نفي فإنه عند سبكه يقدَّر بلفظ عدم: (يعجبني أن لا تهمل)، أي: عدم إهمالك، مَالَمْ يُضَفْ، أي: مدة عدم إضافته، حينئذٍ جئنا بكلمة (عدم) من النفي؛ لأن النفي قُصِد به العدم هذا الأصل فيه، حينئذٍ إذا جئنا نَسْبِك المصدر ونأتي بالأصل، ونأتي ببدل عن (أن) أو (ما) وما دخلت عليه نأتي بلفظ عدم، مَا لَمْ يُضَفْ، أي: مدة عدم كونه غير مضاف.
أَوْ يَكُ بَعْدَ ألْ رَدِفْ، يعني: ألا يكون تابعًا لـ (أل)، إذن يُجَرُ بالفتحة إلا إذا دخلت عليه (أل)، حينئذٍ يرجع إلى أصله، يُجر بالفتحة نيابة عن الكسرة مدة عدم إضافته، فإذا أُضيف حينئذٍ رجع إلى أصله وجُرَّ بالكسرة.
مَالَمْ يُضَفْ أَوْ يَكُ، يَك، هذا فعل مضارع مغيَّر الصيغة مجزومًا بـ (لم)، أو: حرف عطف، يكُ: (يَكُنْ) الأصل بالإسكان، حذفت النون هنا تخفيفًا.
وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ تُحْذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
ليس بلازم، بعد (أل)، هذه (أل) لا فرق فيها بين أن تكون معرِّفة، أو موصولة كالأعمى والأصم، أو تكون زائدة: رأيتُ الوليدَ بن اليَزيدِ، يزيد: هذا ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، حينئذٍ لما دخلت عليه (أل) وهي زائدة؛ لأن (أل) الداخلة على الأعلام زائدة حينئذٍ رجع إلى أصله، أشار بهذا البيت إلى القسم الثاني مما ناب فيه حركةٌ عن حركة وهو الاسم الذي لا ينصرف.
[ ١٧ / ٤ ]
وحكمه: أنه يُرفع بالضَّمة نحو: جاء أحمدُ، وينصب بالفتحة نحو: رأيت أحمدَ، ويجر بالفتحة أيضًا نحو: مررت بأحمدَ، فنابت الفتحة عن الكسرة هذا إذا لم يضف، أو يقع بعد الألف واللام لو قال (أل) لكان أحسن.
فإن أُضيف جُرَّ بالكسرة نحو: مررت بأحمدِكم، وكذا إذا دخله الألف واللام يعني (أل).
إذن في هاتين الحالتين يَرجع إلى أصله، إن أُضيف أو تَبِع (أل) حينئذٍ عارَض شَبَه الفعل ما هو من خواص الأسماء، عارض الفعل ما هو من خواص الأسماء؛ لأن الفعل لا يَدخل عليه (أل) ولا يُضاف فإذا وقع للاسم شبه بالفعل أُلحق به، حينئذٍ أُلحق به في منع التنوين والكسر؛ لأن الفعل لا يجرُّ ولا يدخله تنوين، حينئذٍ انتقل حكمه إلى الاسم الذي أَشْبَهَهُ، إذا أُضيف الاسم الذي أشبه الفعل حينئذٍ نقول: عارَض الشبه ما هو من خواص الأسماء، فرجع إلى أصله.
وكذلك (أل) من خواص الأسماء، إذا دخلت على الاسم الممنوع من الصرف حينئذٍ عارضت الشَّبه الذي في الاسم بالفعل فرجع إلى أصله.
ظاهر كلام المصنف هنا رحمه الله تعالى أن ما لا ينصرف إذا أُضيف أو تبع (أل) يكون باقيًا على منعه من الصرف، وهذه مسألة فيها نزاع؛ لأن قوله: مَالَمْ يُضَفْ قيد للجر بالفتح، لا لمنع الصرف؛ لأنه قال: وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ مَالا يَنْصَرِفْ مَالَمْ يُضَفْ، (ما لم) هذا قيد، قيد لأي الجزأين: ما لا ينصرف أو جُرَّ بالفتحة؟
قَيْدٌ للأول ظاهره جُرَّ بالفتحة مدة عدم إضافته، لو كان قيدًا للثاني مَالا يَنْصَرِفْ مدة كونه غير مضاف حينئذٍ قلنا: إذا أُضيف أو دخلت عليه (أل) صار مصروفًا، لكن ظاهره قيد للجزء الأول، وهو جُرَّ بِالْفَتْحَةِ مَالَمْ يُضَفْ فإن أُضيف رجع إلى الأصل، وحينئذٍ مَالا يَنْصَرِفْ بقي على وصفه كما هو: مررت بأحمدِكم نقول: أحمد ممنوع من الصرفجُرَّ بِالْفَتْحَةِ، مَالَمْ يُضَفْ، هنا أُضيف إذن هو ممنوع من الصرف على أصله فلما أُضيف رجع إلى الجر بالكسرة.
وأما كونه منصرفًا أو غير منصرف فهو على الأصل، هذا ظاهر عبارة المصنف رحمه الله تعالى؛ لأن قوله: مَالَمْ يُضَفْ قَيْدٌ للجر بالفتح لا لمنع الصرف، يعني: لا لقوله مَالا يَنْصَرِفْ، فأفاد كلامه أنه إذا أُضيف غير المنصرف أو تلا (أل) امتنع جرُّه بالفتح مع بقاءه غير منصرف، هذا ظاهر كلامه.
وذهب جماعة كالمبرِّد والصيرافي وابن السرَّاجي إلى أنه يكون منصرفًا مطلقًا وهذا الأقوى، واختار الناظم في بعض كتبه أنه إذا زالت منه علة، فمنصرف نحو: بأحمدِكم، وإن بقيت العلتان فلا، نحو: بأحسنكم، يعني: إذا أُزيلت إحدى العلتين فهو باقٍ على المنع من الصرف، ومثَّل له بأحمدِكم.
وإذا بقيت العلتان فلا، نحو: بأحسنِكُم، ما الفرق بين: بأحمدِكم وبأحسنِكم؟ بأحمدِكم هذا في الأصل ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، فيه علتان: لما أُضيف -العلم لا يُضاف- فلما أُضيف قصد تنكيره فزالت العلمية فصار فيه وزن الفعل، إذن بقيت فيه علة واحدة، وأما بأحسنِكم، أحسن هذا أَفْعَل التفضيل ووصفٌ، لما أُضيف هل زال كونه أَفْعَلَ التفضيل؟ لا، هل زال وصفه؟ لا، إذن بقي فيه العلتان.
وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ مَالاَ يَنْصَرِفْ مَالَمْ يُضَفْ أَوْيَكُ
[ ١٧ / ٥ ]
مَا لَمْ يُضَفْ، أي: مدة عدم الإضافة والردف لـ (أل)؛ لأن النفي مع العطف بـ (أو) يفيد نفي كلٍ، يعني: لابد منهما، فهو من عموم السلب.
مَالَمْ يُضَفْ أَوْيَكُ بَعْدَ ألْ رَدِفْ، يعني: تبع، هل فيها زيادة معنى أم حشو؟ لأنه إذا قال: مَالَمْ يُضَفْ أَوْيَكُ بَعْدَ ألْ، إذا كان بعده (أل) لا يُعقل منه إلا أنه رِدْفَ (أل)، حينئذٍ (رَدِفْ) ما الفائدة منه؟ قيل: حشو، حينئذٍ لا فائدة منها، ولكن الصواب أنها لها فائدة، ليس حشوًا؛ لأن البعدية لا تقتضي الاتصال، إذا قيل بعده -بعد (أل) - يحتمل بفاصل، آتيك بعد العصر، آتيك بعد العشاء، يعني: إذا قلت: بعد العصرِ، آتيك الساعة التاسعة ليلًا، بعد العصرِ أو لا؟ بعد العصر، بل لو أتيتك بعد الفجر بعد العصر، بعد أسبوع أيضًا بعد العصر، صحيح أو لا؟ نعم، فالبعدية لا تقتضي الاتصال، هنا قال: بَعْدَ ألْ رَدِفْ، لكن هنا (أل) بالنظر لا توجد (أل) وما بعدها إلا متصل بها، فالإشكال ما زال واردًا.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ النُّونَا رَفْعًَا وَتَدْعِينَ وَتَسْأَلُونَا
وَحَذْفُهَا لِلْجَزْمِ وَالنَّصْبِ سِمَهْ كَلَمْ تَكُونِي لِتَرُومِي مَظْلَِمَهْ
لما فَرَغ من مواضع النيابة في الاسم، شرع في مواضعها في الفعل؛ لأنَّا قلنا: أبواب النيابة سبعة: خمسة في الأسماء، واثنان في الأفعال، انتهينا من أبواب النيابة في الأسماء، شرع في الأفعال.
فقال: وَاجْعَلْ لِنَحْوِ، وَاجْعَلْ: هذا أمر، لِنَحْوِ، يعني: لمثل، فدل على أنه لم يتتبع كل الأفعال، وهذا الباب المسمى عندهم بباب الأمثلة الخمسة، مثال يعني الوزن، ولا نقول الأفعال الخمسة؛ لأنها ليست كالأسماء الستة، الأسماء الستة أسماء معينة بإزاء معانٍ: أبٌ أخٌ حمٌ .. إلى آخره.
أما الأمثلة الخمسة فهي أوزان، وزن: يفعلان، ثم يدخل تحته: يأكلان ويشربان إلى آخره، حينئذٍ نقول: ليس المراد هو عين الآحاد -الفعل- وإنما المراد الوزن الذي يأتي عليه الفعل، وهذه محصورة في خمسة -في الجملة-.
إذًا الأمثلة الخمسة تعبير أولى من الأفعال الخمسة؛ لأنها ليست ألفاظًا معلومة بخلاف الأسماء الستة وإنما هي أمثلة يكنى بها عن كل فعل كان بمنزلتها، فإنَّ يفعلان كناية عن يذهبان، يفعلان: وزن، ويذهبان: موزون، وزنٌ وموزون، ميزان، فيفعلان وتفعلان ويفعلون نقول هذا وزن، ويذهبون ويذهبان وتذهبان نقول هذا موزون، فرق بين الوزن والموزون، والكلام هنا –الباب- في أيٍّ في الوزن أو في الموزون؟ في الوزن نفسه، حينئذٍ صارت خمسة.
وإنما هي أمثلة يكنى بها عن كل فعل كان بمنزلتها، فإن يفعلان كناية عن يذهبان ونحوه، وسمِّيت خمسة على إدراج المخاطبتين تحت المخاطبَين والأحسن أن تعد ستة، بل عدها بعضهم ثمانية كما سيأتي.
[ ١٧ / ٦ ]
وَاجْعَلْ لِنَحْوِ، يعني: لمثل، يَفْعَلاَنِ، هكذا بالياء (يفعلان)، من كل فعل مضارع اتصل به ألف الاثنين، يَفْعَلاَنِ: فعل مضارع اتصل به ألف الاثنين اسمًا أو حرفًا، أي: شخصين سواء كان مخاطبين أو مخاطبتين أو غائبين أو غائبتين، اسمًا أو حرفًا؛ لأن الفعل إذا كان على هذه الصورة يفعلان فقلت: الزيدان يضربان، الزيدان: مبتدأ، ويضربان: هذا فعل مضارع، والألف فيه فاعل، حينئذٍ أُسند الفعل إلى الفاعل، وأما يفعلان الزيدان، قاعدة: الأصل في لغة العرب أن الفعل إذا أُسند إلى فاعل مثنى أو جمع أن يُجرَّد من علامة تدل على التثنية أو على الجمع.
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إذَا مَا أُسْنِدَا لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا
تقول: قام الزيدان، وقام الزيدون، وقام زيد كالمفرد، لكن سُمِع من يُلحق الفعل علامة تثنية إذا أسند إلى فاعل مثنى، وعلامة جمع إذا أُسند إلى فاعل وهو جمع، فيقول: قام زيدٌ، قامت هندٌ، قاما الزيدان، قاموا الزيدون، وهذا بناءً على أن هذه علامة تثنية أو علامة جمع، يفعلان يضربان الزيدان، القول فيه كالقول في سابقه، فيضربان نقول: هذه الألف على لغة (أكلوني البراغيث)، هذه الألف حرفٌ دال على التثنية، وليست بفاعل، ليست بضمير، بل الفاعل الذي يليه زيدان، فيضربان: فعل مضارع مرفوع ورفعه ثبوت النون، والألف حرف دال على التثنية ليس بفاعل لا محل له من الإعراب، والزيدان فاعل، هل هذا معدود من الأمثلة الخمسة أو لا؟ النحاة عمموا، فجعلوا (يفعلان) بقطع النظر عن كون الألف ضميرًا فاعلًا أو حرفًا، سواء كان على لغة جمهور العرب أو أكلوني البراغيث، فهو حكم عام.
إذن يفعلان، نقول: من كل فعل مضارع اتصل به ألف اثنين اسمًا أو حرفًا، سواءً كان مبدوءًا بالياء أو بالتاء، يفعلان أو تفعلان، وأشار المصنِّف بقوله: لِنَحْوِ، أشار إلى إدخال تفعلان بالتاء للخطاب، حينئذٍ سواء كان بالياء للغائب، أو صار بالتاء للخطاب أو الغائبتين.
وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ النُّونَا رَفْعًا، ما إعراب النون؟ مفعول، ورَفْعًا: مفعول ثانٍ، وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ، اجعل النون رفعًا، اجعل النون، أي نون؟ هل سبق لها ذكر -النون نون الرفع-؟
لم يسبق قطعًا؛ لأنه باب الكلام والاسم والفعل والحرف والعلامات ثم باب المعرب والمبني، ثم بدأنا: وفعل أمر ومضي، ثم بعد ذلك بدأ في أبواب النيابة، إذن لم يذكر.
النون هذه (أل) للعهد الحضوري، النون الحاضرة التي هي في يفعلان وليست (أل) هذه للعهد الذِّكْري الذي يحتال سبق ذكر النون فيما مضى، رَفْعًا، أي: علامة للرفع، فالأصل علامة رفع، وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ النُّونَا، الألف للإطلاق، ورَفْعًا، أي: علامة رفع، فحُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فانتصب انتصابه.
[ ١٧ / ٧ ]
يدل على ذلك ما بعده، والتقدير: اجعل النون علامة الرفع لنحو يفعلان، وَتَدْعِينَ، أي: ولنحو تدعين، هناك أتى بالمثال وهنا أتى بالموزون نفسه، فحينئذٍ أفاد أمرين: أفاد الوزن وأفاد المثال نفسه، وهذا على القاعدة: أنه بالمثال تؤخذ منه الأحكام، يعطي الحكم بالمثال، ولذلك لو قال: واجعل لنحو يفعلان يذهبان النون رفعًا وتدعين، لو قال بالمثال في الأول وبالمثال في الثاني لكان أولى، أليس كذلك؟ لو قال: واجعل لنحو يضربان أو يذهبان النون رفعًا وتدعين وتسألون؛ لأنه مَثَّل لـ: تدعين تفعلين، ومَثَّل لـ: تفعلون، تسألون وترك الأول، أليس كذلك؟
ولكن نقول: الأولى ما صنعه المصنف، لأنه أطلق في الأول المثال، فحينئذٍ هو يريد المثال، ومثَّل للثاني إحالة على الأول، يعني: واجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلَانِ، المراد المثال، فهو مثال لكل فعل مضارع أُسند إليه ألف الاثنين، وَتَدْعِينَ المراد به المثال، إحالة على ما سبق، المراد به المثال -يعني الوزن-، ثم مثَّل لهذا الآحاد فأفادك فائدتين بهذا التركيب: أن المراد؛ لأنه لو لم يقل يفعلان في الأول يحتمل أن المراد أفعال خمسة وليس المراد به الأمثلة الخمسة، لكنه مثَّل في الأول ليفعلان بالمثال يعني الوزن، ثم لما ذكر الوزن الثاني والثالث أتى بمثال بآحاد فدل على فائدتين.
ولنحو تَدْعِينَ، يعني: تفعلين، ولا يكون المضارع معها إلا مبدوءً بالتاء بخلاف يفعلان، وَتَسْأَلُونَا تدعين هذا من كل مضارع أسند إليه ياء مؤنثة المخاطبة تدعين، أنتِ يا هند تدعين، وَتَسْأَلُونَا من كل مضارع اتصل به واو الجمع اسمًا أو حرفًا حاضرة: أنتم تقومون، أو غائبة: الزيدون يقومون.
إذًا ذكر ثلاثة أمثلة، ونحن نقول الأمثلة الخمسة، ذكر ثلاثة أمثلة في اللفظ وفُهِم من قوله لِنَحْوِ: أنها أكثر، أليس كذلك؟ ذكر ثلاثة أمثلة في اللفظ، واحد بالوزن: يفعلان، واثنين بالمثال، دالًا على الوزن يعني: تدعين موزون، وتسألون موزون، ويفعلان وزن.
وقوله: لِنَحْوِ، يفيد أنها أكثر من ثلاثة وهو كذلك، وبالاستقراء تبلغ ثمانية؛ لأن يفعلان شامل لما كان أَلِفُهُ ضميرًا: نحو الزيدان يفعلان، ولما كان أَلِفُهُ علامة تثنية نحو يفعلان الزيدان، يعني: على اللغة المشهورة وعلى لغة أكلوني البراغيث، يفعلانِ بالياء يعد باثنين سواء جعلنا الألف ضميرًا فاعلًا، أو جعلناه علامة تثنية، ولما كان أَلِفُهُ علامة تثنية نحو: يفعلان زيدان، على لغة أكلوني البراغيث، ويتضمن تفعلان بالتاء فإنه شبيه بـ: يفعلان، وتكون أَلِفُهُ كذلك ضميرًا نحو: أنتما تفعلان أو علامة تثنية تفعلان الهندانِ، هذه أربعة دخلت في قوله: يفعلان، وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ يدخل تحتها أربعة: يفعلان: أَلِفٌ ضمير وعلامة تثنية، ومثله وشبيهه تفعلان: أيضًا الألف ضمير أو علامة تثنية على لغة أكلوني البراغيث وعلى لغة العرب، هذه أربعة.
[ ١٧ / ٨ ]
وأما تَسَاءَلُونَ فيكون واوه ضميرًا نحو: أنتم تسألونَ، وهو متضمن ليفعلونَ؛ لأنه شبيه به، وواو يفعلونَ يكون ضميرًا ويكون علامة جمع، الزيدون يسألون: الواو ضمير، يسألون الزيدون: الواو علامة جمع، وأما تَدْعِينَ فلا يكون ياؤه إلا ضميرًا، هذه ثمانية أمثلة في التقدير وثلاثة في اللفظ.
هذه ترفع في حالة الرفع بثبات النون، حينئذٍ نقول: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن ناصب وجازم ورفعه ثبوت النون، وضابطه كل فعلٍ مضارع أُسنِد إلى ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المؤنثة المخاطبة.
وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ النُّونَا، الألف هذه للإطلاق، رَفْعًا أي: علامة رفع، تَدْعِينَ، أي: ولنحو تدعين، وتَسَاءَلُونَ، أي: نحو تسألون ليدخل يسألون بنوعيه.
وَحَذْفُهَا لِلْجَزْمِ وَالنَّصْبِ سِمَهْ، وهذه أفعال، والأفعال لها ثلاثة أنواع من أنواع الإعراب: رفع ونصب وجزم، إذا كانت تُرفع بثبات النون حينئذٍ في حالتي النصب والجزم يتحد الإعراب فتحذف هذه النون، فهذه الأفعال تُرفع بثبات النون، أي: بثبوتها يعني النون الثابتة، وهذه النون تُكسر مع الألف، وتفتح مع الواو، تُكسر مع الألف: يَفْعَلانِ وتفتح مع الواو: تَفْعَلون، تشبيهًا بنون المثنى والجمع، يَفْعَلان هذه أشبهت نون المثنى، تَفعَلون هذه أشبهت نون الجمع.
وقد تُفتح مع الألف أيضًا، وقرأ: «أَتَعِدَانِنِي»، الأصل بالكسر «أَتَعِدَانَنِي» بفتح النون بعد الألف، وقد تضمن أيضًا، وقُرأ في الشاذ: «لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانُهُ» [يوسف:٣٧] بضم النون، وحذفها أي النون للجزم، يعني: قد تحذف لا للجزم وحذفها للجزم والنصب، إذًا قد تحذف لا للجزم والنصب أليس كذلك؟ هل تحذف لا للجزم والنصب؟ متى؟ «وَلا تَتَّبِعَانِّ» [يونس:٨٩] توالي الأمثال، نعم، هناك حذفت النون هل هو للجزم والنصب؟ «وَلا تَتَّبِعَانِّ» [يونس:٨٩]، قلنا: ثلاث نونات: نون الرفع، ونون التوكيد، ثلاث نونات، كراهة توالي الأمثال حذفت نون الرفع.
هل تضربان، هل تضربان، نقول هنا: النون نون الرفع حذفت، لماذا؟ لكراهة توالي الأمثال، هل حذفت للجازم أو الناصب؟ الجواب: لا، ولذلك قيَّدها المصنف هنا قال: وَحَذْفُهَا لِلْجَزْمِ، يعني: الذي يكون إعرابًا للجزم، يعني بسبب دخول الجازم لا بسبب آخر، ولذلك قيل: قد تحذف هكذا لكنه ضعيف لا يعول عليه.
﴿لا تدخلوا الجنة حتى﴾ هذه حذفت دون جازم أو ناصب، وَحَذْفُهَا لِلْجَزْمِ وَالنَّصْبِ حملًا على الجزم سِمَهْ، يعني: علامة، نيابة عن السكون في الأول، وعن الفتحة في الثاني.
كَلَمْ تَكُونِي لِتَرُومِي مَظْلَمَهْ، مظلمة بفتح الله على القياس، وبكسرها على الكثير، كَلَمْ تَكُونِي الكاف هذه للتمثيل للتشبيه، يعني كقولك -داخلة على محذوف- كقولك: لم تكوني يا هند، تكوني أصلها تكونين، مثل: تَدْعِينَ، فهو فعل مضارع أُسند إلى ياء فاعلة، أليس كذلك؟ دخل عليه الجازم فحذف النون، لِتَرُومِي، اللام هذه لام الجحود، ترومي أصلها ترومين، مثال للنصب، الأول للجزم والثاني للنصب، لام الجحود ناصبة.
[ ١٧ / ٩ ]
لِتَرُومِي على مذهب الكوفيين هي ناصبة بنفسها، وعلى مذهب البصريين (أن) مقدرة مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود مظلمة.
إذًا الأمثلة الخمسة ترفع بثبات النون وتجزم وتنصب بحذفها، قدَّم الحذف للجزم؛ لأنه الأصل، يعني: لماذا قال وحذفها للجزم والنصب سمة؟ قال: لأنه الأصل، أي: الحذف للجزم أصل للحذف للنصب، يعني: هنا حُمِل النصب على الجزم؛ لأن الجزم هو عدم الحركة، وعدم الحرف هذا الأصل فيه، أليس كذلك؟ الأصل في الجزم عدم الحركة، فينوب عنه الحذف، وهنا قدَّم الحذف للجزم؛ لأنه الأصل، أي: الحذف للجزم أصل للحذف للنصب، وإنما كان أصلًا لمناسبة الحذف للسكون الذي هو الأصل في الجزم، ووجه المناسبة كون كلٍ عدم شيء فالسكون عدم حركة، والحذف عدم الحركة.
وأما الحذف للنصب فهو محمول عليه، كما حُمِل النصب على الجر في المثنى والجمع على حده؛ لأن الجزم نظير الجر في الاختصاص وهذا مذهب الجمهور، وذهب بعضهم إلى أن إعراب هذه الأمثلة بحركات مقدَّرة على لام الفعل مَنَع من ظهوره حركة المناسبة، أي: وثبوت النون أو حذفها دليل على ذلك المقدَّر، فالحذف عند الجازم -هذا مذهب سيبويه- أن النون حذفت عند الجازم لا به، ليس به.
كـ (لَمْ تَكُونِي)، هنا نقول: فعل مضارع مجزوم بلم وجزمه سكون مقدر على آخره، والنون هذه قال: حذفت عنده لا به لم يؤثر فيه، لماذا حذف؟ قال: لئلا يلتبس مع المرفوع، فالحذف عند الجازم فرقًا بين صورتي المجزوم والمرفوع لا به، وهذا منسوب لسيبويه، والجازم إنما حذف الحركة المقدَّرة، وكالجازم الناصب، والمراد الحركات وجودًا أو عدمًا يدخلها السكون، على كل الجمهور على أن الجازم هو الذي حذف النون، ومذهب سيبويه ما ذكرناه سابقًا.
وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ النُّونَا رَفْعًا وَتَدْعِينَ وَتَسْأَلُونَا
وَحَذْفُهَا أي النون للجزم، يعني: للجازم، والنصب، يعني: للناصب، سِمَهْ، أو للجزم كونه علامة الذي هو نوع من الإعراب، والنصب، أي: الذي هو نوع من الإعراب، ثم قال:
وَسَمِّ مُعْتَلًاّ مِنَ الأَسْمَاءِ مَا كالْمُصْطَفى وَالمُرتْقَيِ مَكَارِمَا
لما فرغ من بيان الإعراب الصحيح من النوعين، شرع في بيان إعراب المعتل منهما -الاسم والفعل- منه ما هو صحيح ومنه ما هو معتل، الصحيح يظهر عليه الإعراب، والمعتل لا يكون من قسم المقدَّر.
ولذلك مضى معنا أن الإعراب أثر ظاهر أو مقدَّر، إذًا ظاهر، يعني: يلفظ به ويقدَّر وجوده، أو مُقدَّر بمعنى أنه معدوم، وقلنا هناك: أثرٌ ظاهرٌ أو مقدَّر، ظاهر بمعنى أنه موجود ليشمل السكون والحذف.
وبدأ بالاسم وإن كان في ابتدائه بالاسم فاصل بين النظائر وهي أبواب النيابة ولهذا قدَّم الموضِّح الفعل المعتل، هكذا قال الصبَّان.
وَسَمِّ مُعْتَلًاّ مِنَ الأَسْمَاءِ مَا كالْمُصْطَفى والمُرتْقَيِ مَكَارِمَا
[ ١٧ / ١٠ ]
مِنَ الأَسْمَاءِ: المعربة ما لا يظهر عليه الإعراب بل يقدَّر، ثم النظر إلى آخره؛ لأن الذي هو يكون معتلًا ما كانت لامه واوًا أو ألفًا أو ياءً، هل كل ما كانت لامه واوًا أو ألفًا أو ياءً يكون من إعراب التقدير أو لا؟ نقول: هذا فيه تفصيل، ولذلك نقول: من الأسماء المُعربة نوعٌ صحيحُ الآخر مثل صالح، هذا من الأسماء المعربة ما يظهر فيه الإعراب، ومنها نوع معتل الآخر هذا الذي معنا، معتل الآخر يعني: آخره حرف من حروف العلة وهي: الواو أو الياء أو الألف، لكن بعضه عند النحاة اصطلحوا عليه أن يسمى بأنه جارٍ مجرى الصحيح، وذلك إذا لم يكن ما قبله موافقًا له في الحركة؛ لأن الأصل في حرف العلة الواو أن تُضَم ما قبلها، والألف أن يُفتح ما قبلها هذا مطرد حرف العلة واللين وغيرهم، والياء أن يكون ما قبلها مكسورًا، هذا الأصل.
لكن إذا لم يكن كذلك كأن يكون سَكَنَ ما قبل الواو مثل: دَلْو، هذا آخره واو ومع ذلك لم يُضم ما قبله، هل هو معتل؟ نقول: آخره –لامه- حرف من حروف العلة؟ الجواب لا، وإن سمي معتلًا لكن ليس المعتل الذي تُقدَّر عليه الحركات ولذلك يقال فيه: معتل جارٍ مجرى الصحيح يعني: حكمه في الإعراب حكم الصحيح بأنه تظهر عليه الحركات.
ومثله: ظبي، هذا آخره ياء وهو حرف من حروف العلة، هل نقول تُقَدَّر عليه الحركات، مثل المصطفى والمرتقي؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن حرف العلة الذي تُقدَّر عليه الحركات أن يكون ما قبله مكسورًا وهذا ساكن، ظبيٌ، إذًا نوع المعتل الآخر يسمى معتلًا معتل الآخر لكنه جارٍ مجرى الصحيح، وهو ما آخره ياء أو واو، وكلا الحرفين متحرك قبله ساكن، ليس هو بساكن، متحرك قبله ساكن، وقد يكون الحرفان مشددين أو مخففين نحو: ظبيٌ، دلوٌ، مَرْمِيٌ، مَغْزُوٌ، كلها تجري مجرى الصحيح، يعني: يكون الإعراب عليها ظاهرًا وإن كان في الظاهر أنه معتل الآخر، وحكم آخره من الناحية الإعرابية كحكم صحيح الآخر فهو شبيه بالحكم.
النوع الثالث: نوع معتل الآخر لا يُشبِه الصحيح، وهذا ثلاثة أقسام، نوع معتل الآخر لا يُشبِه الصحيح -مخالف للأول- وهذا ثلاثة أقسام على حسب حرف العلة الذي في آخره:
أولها: هو الذي أشار إليه المصنف بقوله: كالْمُصْطَفى، الذي هو المقصور، وهو الاسم المعرب الذي في آخره ألفٌ لازمة، المقصور اسم مفعول من القصر، سمي مقصورًا؛ لأنه حُبِس عن الحركات، يعني: لا تظهر عليه لا ضمة ولا فتحة ولا كسرة، ولذلك تقول: حاء الفتى، ورأيت الفتى، ومررت بالفتى، جاء الفتى نقول: هذا مقصور، لماذا سمِّي مقصورًا؛ لأنه حبس عن إظهار الضمة، فتى، منع من ظهورها التعذر الذاتي، يعني: الحرف ليس قابلًا للحركة لذاته، التعذُّر الأصلي: أن يكون الحرف غير قابل للحركة كالألف، والتعذُّر العرضي: أن يكون الحرف قابلًا للحركة، ولكنه اشتغل بحرف آخر وهو كـ: غلام، إذن المقصور: هو الاسم المعرب الذي في آخره ألف لازمه، وهو الذي عناه المصنف بقوله: كالْمُصْطَفى، سماه معتلًا.
[ ١٧ / ١١ ]
وَسَمِّ، هذا فعل أمرٍ، ما المراد به؟ علِّم، مُعْتَلًاّ مِنَ الأَسْمَاءِ مَا كالْمُصْطَفى، وَسَمِّ مُعْتَلًاّ مِنَ الأَسْمَاءِ مَا كالْمُصْطَفى: (ما): هذا في محل نصب مفعول أول، سَمِّ مَا كالْمُصْطَفى، معتلًا، إذن المسمى هو ما كان كالْمُصْطَفى، اسمه معتلًا، وَسَمِّ مُعْتَلًاّ مِنَ الأَسْمَاءِ، المعتل عند النحاة: ما آخره حرف علة، يعني: لامه حرف من حروف العلة، إما واو مضموم ما قبلها، وإما ياء مكسور ما قبلها، وعند الصرفيين: المعتل ما فيه حرف علة أولًا أو أثناءً أو آخرًا، فبينهما عموم وخصوص مطلق، وعد هذا معتل عند الصرفيين صحيح عند النحاة، قال: معتل عند الصرفيين صحيح عند النحاة، دعى معتل عندهما.
إذًا نظرُ النحاة إلى آخر الكلمة إلى اللام فقط، هل هي حرف صحيح أو معتل؟ إن كان معتلًا سموه معتلًا، على هذا التقرير قولهم: معتل الآخر، الآخر هذا قيد لا داعي له لبيان الواقع؛ لأن المعتل لا يكون إلا آخرًا هذا عند النحاة، وأما عند الصرفيين فلا قد يكون معتل الأول معتل الثاني الأجوف، ومعتل الآخر.
وَسَمِّ مُعْتَلًاّ مِنَ الأَسْمَاءِ مَا، أي: الاسم المعرب الذي حرف إعرابه ألفٌ لينةٌ لازمه، وهذا يسمَّى بالمقصور ولذلك قال: كالْمُصْطَفَى، وهو الاسم المعرب الذي في آخره ألف لازمه، الاسم المعرب الذي في آخره ألف لازمة، الاسم خرج به الفعل والحرف، فالفعل لا يكون مقصورًا، يعني: لا يسمَّى مقصورًا ولو كان آخره ألف لازمه كـ: يخشى، يخشى في الأصل كالفتى أليس كذلك؟ آخره ألف لازمه، لكن لا يسمَّى الفعل مقصورًا وإنما هو اصطلاح خاص بالاسم، فخرج الفعل نحو يخشى، وكذلك الحرف نحو إلى وعلى، الاسم المعرب أخرج المبني فالمبني لا يسمَّى مقصورًا نحو (ذا) اسم إشارة و(إذا، وما، ومتى.
الاسم المعرب الذي في آخره، يعني: في اللفظ، أَلِفٌ لازمة المراد باللزوم في الألف لزوم الوجود في الأحوال الثلاثة رفعًا ونصبًا وخفضًا، كالفتى، إذا كانت الألف موجودة حينئذٍ صارت محلًا للإعراب وهي ملفوظة، وإذا كانت محذوفة حينئذٍ قُدِّر عليها الإعراب وهي محذوفة، هل تُحذف الألف؟ نعم، مثاله:
[ ١٧ / ١٢ ]
فتىً، جاء فتىً، رأيت فتىً، نظرت إلى فتىً، نقول: جاء فتىً، هذا فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة ليست موجودة للتخلص من التقاء الساكنين، التنوين والألف، رأيت فتىً، فتىً بدون (أل)، تقول: فتىً مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة ليست موجودة، وأما جاء الفتى بـ (أل) الألف تكون موجودة، حينئذٍ تقول: مرفوع ورفعه الضمة المقدرة على الألف، ملفوظة وكذلك في النصب و، «إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ» [آل عمران:٧٣]، ما الذي قُدِّر هنا؟ «إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ» [آل عمران:٧٣] إن: حرف توكيد ونصب، الهدى: اسم إن منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، هُدَى اللَّهِ: هدى خبر إن مرفوع، هدى الـ هدى الله، إذن الألف محذوفة، هدى الله الألف محذوفة حينئذٍ تقول: هدى، هدى الله، هذا خبر إن مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، إن الهدى الألف ملفوظ بها والحركة مقدرة، هدى الله الألف مرسومة مكتوبة لكن في النطق محذوفة والإعراب يتبع الملفوظات لا المرسومات، إذن الخلاصة نقول: الْمُصْطَفى المراد به الاسم المعرب الذي في آخره ألف لازمة، وبعضهم يقول: قبلها فتحة، لكن هذا ليس بقيد؛ لأن الألف لا يكون قبلها إلا مفتوحًا.
حينئذٍ نقول: ليس من المقصور ما يأتي، يعني: لا يسمى مقصورًا في اصطلاح النحاة ما يأتي:
أولًا: الأفعال المختومة بألف لازمة مثل: دعى، وسعى، ويخشى.
ثانيًا: الحروف المختومة بألف لازمة مثل: إلى، وعلى.
ثالثًا: الأسماء المبنية المختومة بالألف مثل: ذا، وتاء، من أسماء الإشارة، وما الموصولة، وإذا الظرفية.
رابعًا: الأسماء المعربة التي في آخرها واو أو ياء ومثل بعضهم: بطوكيو، آخرها واو أو ياء، الهادي العالي؛ لأنها ليست معتلة الآخر بالألف.
خامسًا: المثنى في حالة الرفع والأسماء الستة في حالة النصب؛ لأن الألف فيهما غير لازمة، إذا قيل: الأسماء الستة إن أخاك، هذا اسم معرب آخره ألف قبله فتحة، آخره ألف؛ لأن آخره ليس الكاف هذا مضاف ومضاف إليه، إذن آخره، إنَّ أخاك، ألف لكن هل هي لازمة؟ لا، ليست بلازمة، لماذا؟ لأنك تقول: مررت بأخيك، انتقلت أليس كذلك؟ وفي الرفع المثنى تقول: جاء الزيدان، النون هذه ليست بآخر الكلمة بل الألف هي الآخر، حينئذٍ نقول: هو اسم معرب آخره ألف لكنها ليست بلازمة؛ لأنك تقول رأيت الزيدين انتقلت لم تَلزَم، إذن المثنى في حالة الرفع، والأسماء الستة في حالة النصب؛ لأن الألف فيهما غير لازمة.
فائدة: المقصور إذا زيدت بعد ألفه تاء التأنيث نحو: فتاةٍ، قلنا: فتى هذا مقصور، لو جعلته مؤنثًا وزدته تاءً تقول: فتاةٌ، خرج عن المقصور، وصار إعرابه بالحركات الظاهرة على الأصل.
[ ١٧ / ١٣ ]
إذًا المقصور إن كان مذكرًا فهو الذي يدخل معنا، وإذا زيدت عليه التاء وفُرِّق بينه وبين مذكره حينئذٍ خرج عن المقصور فصار إعرابه ظاهرًا، المقصور إذا زيدت بعد ألفه تاء التأنيث نحو فتاةٍ يَفقِد اسمه وحكمه، فقد الاسم، يعني: عند النحاة لا يسمى مقصورًا، وحكمه وهو الإعراب التقديري، يفقد اسمه وحكمه بسبب هذه التاء ولا يسمى مقصورًا؛ لأنه لا يكون مقصورًا إلا بشرط انتهاءه بألف تقع عليها الحركات الإعرابية مقدرة، حينئذٍ ينتقل الإعراب إلى التاء، هذا هو الأصل في هذا.
والمُرتْقَيِ مَكَارِمَا، هذا هو النوع الثاني من الأسماء المعتلة وهو: الاسم المعرب الذي آخره ياءٌ لازمة غير مشددة قبلها كسرة، خرج بالاسم الفعل والحرف.
(يرمي): هذا آخره ياء لازمة قبلها كسرة لكن لا يسمى في الاصطلاح منقوصًا.
(في): هذا حرف ليس باسم إذن خرج الحرف في وخرج الفعل يرمي، المعرب، خرج المبني نحو -مبني آخره ياء قبلها كسرة-: الذي، لغة من ذو، إذا أردتها على الإعراب فحسبيَ مِن ذِي عِندَهُم مَا كَفَانِيا، قلنا: الأسماء الستة بعضهم زاد سابعًا وهو: (ذو) في لغة طيء بمعنى الذي، وهذه الأشهر أنها تكون مبنية وقد تعرب، ذي، هذا مثال جيد، و(الذي) كذلك مبني آخره ياء قبلها كسرة، وذي اللازمة خرج غيرها كالياء في المثنى جرًا ونصبًا، يعني: اشتراط اللازمة، قبلها كسرة خرج نحو ظبي، هذه ياء قبلها سكون، إذن ليس من المنقوص ما يأتي، يعني: لا يسمى منقوصًا عند النحاة:
أولًا: الفعل بجميع أنواعه لاسيما المختوم بياء لازمة نحو: ينوي، يرمي، وكذلك الحرف المختوم بياء نحو (في)، هذا ليس من المنقوص في اصطلاح النحاة.
ثانيًا: الاسم الذي في آخره ياء لازمة ولكنها مشددة نحو: كرسيٌّ، هذا ليس بمنقوص.
ثالثًا: الاسم المبني المختوم بياء: الذي، التي، ذي -اسم إشارة-.
رابعًا: الاسم المعرب الذي آخره ياء لازمة في بعض حالاته لكنها ليست ملازمة له كالأسماء الستة في حالة جرِّها وكذلك المثنى والجمع في حالتي النصب والجر.
خامسًا: الاسم المعرب الذي آخره ياء لازمة ولكنه ليس قبلها كسرة نحو: ظبي، هذا آخره ياء لازمة لكنه ليس قبلها كسرة.
وَسَمِّ مُعْتَلًاّ مِنَ الأَسْمَاءِ مَا (الذي) كالْمُصْطَفى وموسى والعصى والمُرتْقَيِ: هذا المراد به المنقوص، وسمي منقوصًا؛ لأنه نقص بعض حركاته وهو الضمة والكسرة، أو لأنه نقصت لامه عند تنوينه قاضٍ.
وَسَمِّ مُعْتَلًاّ مِنَ الأَسْمَاءِ مَا، وسمِّ، ما كالْمُصْطَفى وهو المقصور بشروطه السابقة، والمُرتْقَيِ وهو المنقوص بشروطه السابقة معتلًا عند النحاة من الأسماء احترازًا من المعتل من الأفعال.
[ ١٧ / ١٤ ]
فالأول: الفاء فصيحة، ما هو الأول؟ الْمُصْطَفى، يعني: المقصور، وهو ما كان كالْمُصْطَفى، الإعراب فيه قدِّرا جميعه، جميع أنواع الإعراب التي تتعلق بالاسم الرفع والنصب والخفض كلها مقدرة فالضمة مقدَّرة، والفتحة مقدَّرة، والكسرة مقدَّرة، وهذا يسمى بالتعذر الأصلي احترازًا من التعذر العرضي، والفرق بينهما أن التعذر الأصلي ما كان المانع فيه ذات الحرف لا يقبل حركة كالألف، والتعذر العرضي المراد به نحو غلامي الميم هذه تقبل لو فصلته قلت: جاء غلامٌ ليس كالفتى، رأيت غلامًا، مررت بغلامٍ، لكن لما أُضيف إلى ياء المتكلم حينئذٍ لزم منه أن يكون مكسورًا فَالأوَّلُ الإعْرَابُ فِيهِ قُدَّرَا جَمِيعُهُ على الألف، لتعذر تحريكها، ويستثنى من تقدير الكسرة حال الجر ما لا ينصرف، فإنه إنما يقدَّر فيه الفتحة خلافًا لبعضهم معللًا بأنه لا ثقل مع التقدير، ليالٍ، هذا مثل جوارٍ وغواشٍ.
فَالأوَّلُ الإعْرَابُ فِيهِ قُدَّرَا جَمِيعُهُ على الألف لتعذر تحريكه، وَهْوَ الَّذي قَدْ قُصِرَا، يعني: سمي مقصورًا، والقصر لغة الحبس؛ لأنه محبوس عن المد أو عن ظهور الإعراب والثاني أشهر، وَهْوَ الَّذي قَدْ قُصِرَا، الألف هذه للإطلاق.
والثاني وهو ما كان كالمرتقي منقوصٌ، يعني: سمِّي منقوصًا؛ لحذف لامه للتنوين، هذا قاضٍ، قاضٍ حذفت لامه للتنوين، يعني: للتخلص من التقاء الساكنين، أو لأنه نُقص منه ظهور بعض الحركات.
وَالثَّانِ مَنْقُوصٌ، يعني: اسمه منقوص، ونصبه ظَهر، يعني: الفتحة تظهر عليه لخفة الفتحة على الياء، «أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ» [الأحقاف:٣١]، داعي هذا منقوص، وظهرت عليه الفتحة لخفتها، وَرَفْعُهُ يُنْوَى، يعني: يُقَدَّر، هنا عبر بالنية وفي المقصور هناك قال: فَالأوَّلُ الإعْرَابُ فِيهِ قُدَّرَا، وهنا قال: يُنْوَى، ما الفرق بينهما؟ لا فرق بينهما، التقدير هو النية، عبر هنا بالنية وسابقًا بالتقدير للتفنن فحسب، وَنْصْبُهُ ظَهَرْ، وَرَفْعُهُ يُنْوَى كَذَا أيْضًا يُجَرّ، يعني: بكسر مَنْوِي، يجر المنقوص بكسر مَنْوِي، إذن المنقوص في الرفع والجر تكون العلامة مقدرة، جاء القاضي، القاضي فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهوره الثِّقل، يعني: لو أراد أن يحرِّك الحرف الأخير -الياء- لأمكنه ذلك، بخلاف، لو أراد أن يحرِّك الألف ما استطاع، هذا فرق بين التعذر والثقل.
وَرَفْعُهُ يُنْوَى كَذَا أيْضًا يُجَرّ، يعني.
كَذَا، أي: مثل ذا السابق أيضًا، آض يأيض، نرجع رجوعًا، فنقول: يجر، يعني: ينوى الكسر.
هنا قال: وأشار بقوله: والثاني منقوص إلى مرتقي، فالمنقوص هو الاسم المعرب الذي آخره ياء لازمة قبلها كسر نحو مرتقي إلى آخره.
[ ١٧ / ١٥ ]
وحكم هذا المنقوص أنه يظهر فيه النصب، نحو رأيت القاضي، وقال الله تعالى: «يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ» [الأحقاف:٣١]، ويقدر فيه الرفع والجر لثقلهما على الياء، الضمة الثقيلة وكذلك الكسرة ثقيلة، جاء القاضي، ومررت بالقاضي، وكذلك جاء وَلَوْ أَنَّ وَاشٍ بِاليَمَامَةِ دَارُهُ، الأصل فيما إذا كان منصوبًا أن تبقى الياء وينصب، لكن سمع: وَلَوْ أَنَّ وَاشٍ والأصل ولو أن واشيًا، لكن هذا يُحفظ ولا يُقاس عليه، يعني: معاملة المنقوص المنكَّر رفعًا وجرًا هذا يحفظ ولا يقاس عليه.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَأَيُّ فِعْلٍ آخِرٌ مِنْهُ أَلِفْ أَوْ وَاوٌ اوْ يَاءٌ فَمُعْتَلًاّ عُرِفْ
وَأَيُّ فِعْلٍ، يعني: مضارع، آخِرٌ مِنْهُ أَلِفْ، قبلها فتحة نحو: يخشى، إذا كان آخره ألف، هو يريد أن يبين الباب الأخير الباب السابع وهو: الفعل المضارع المعتل الآخر في حالة الجزم، قلنا: يلزم بحذف آخره نيابة عن السكون، هذا مراده.
وَأَيُّ فِعْلٍ، أي: مضارع، كان آخر منه ألف قبلها فتحة نحو يخشى، أو واو قبلها ضمة نحو يدعو، أو ياء قبلها كسرة نحو يرمي، فَمُعْتَلًاّ عُرِفْ، عرف معتلًا، يعني: وَسَمِّ مُعْتَلًاّ، إذن المعتل الآخر في اصطلاح النحاة في الفعل: ما كانت لامه واوًا أو ياءً أو ألفًا بشرط أن يكون ما قبلها من جنس حركة اللام إن كانت واو فما قبلها يكون مضمومًا، وأي فعل كان آخر منه ألف نحو يخشى، أو واو نحو يدعو، أو ياء فمعتلًا عرف.
فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الجَزْمِ وَأبْدِ نَصْبَ مَاكَيَدْعُو يَرْمِي
معتل الآخر من الأفعال الضمة تُقدَّر على الجميع، إذا نظرنا إلى الحركات، إذا نظرنا إلى الحركات، فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الجَزْمِ، ما كان مختومًا بالألف كيخشى انوِ فيه الضمة على آخره، وانو فيه الفتحة على آخره، ماذا بقي؟ الجزم، قال: غير الجزم، استثنى الجزم، الأحكام ثلاثة رفع نصب جزم، الكلام في الفعل، انوِ غير الجزم، يعني: الرفع والنصب، فَالأَلِفَ: ما إعراب الألف؟ مفعول به، انوِ فيه هذا من باب الاشتغال، فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الجَزْمِ وهو الرفع والنصب، نحو سعى زيد يسعى، ولم يخشى لتعذر الحركة على الألف، والألف نُصِبَ بفعل مُضمَر يفسِّره الفعل الذي بعده، أي: معنىً لا لفظًا، والتقدير أقصد الألف؛ لأن انوِ فِيِهِ هذا نقول: اشتغل بضمير يعود على الاسم المعمول المشغول عنه، وهذا سيأتي بحثه.
فَالأَلِفَ هذا مفعول به لفعل محذوف وجوبًا، يعني: أُقصد الألف، انو فيه، يعني: في الألف، غير الجزم، غير: الأصل فيها أنها نكرة لا تتعرف بإضافتها إلى المعرفة لكن في مثل هذا المقام نقول: اكتسبت التعريف؛ لأن الأحوال ثلاثة: رفع، نصب، جزم، حينئذٍ غير الجزم تعيَّن أن يكون رفعًا ونصبًا فهو معرفة.
[ ١٧ / ١٦ ]
وَأبْدِ نَصْبَ مَاكَيَدْعُو يَرْمِي، يعني: أظهر نصب ما كَيَدْعُو، يعني: الفعل الذي يكون مختومًا بواو والفعل الذي يكون مختومًا بياء فالفتحة تظهر على يدعو؛ لخفة الفتحة، وعلى يرمي، لن يدعوَ، ولن يرميَ، الفتحة تكون ظاهرة، وَالرَّفْعَ فِيهِمَا انْوِ، فيهما في يدعو ويرمي، انوِ يعني: قدِّره ولا يظهر عليه لثقل الضمة على الياء والواو، وَالرَّفْعَ فِيهِمَا انْوِ، يعني: خاص بها.
الأحوال ثلاثة: رفع، نصب، جزم، قلنا: وَأبْدِ نَصْبَ مَاكَيَدْعُو يَرْمِي، يظهر، بقي الرفع والجزم، وَالرَّفْعَ فِيهِمَا انْوِ، يعني: قدِّره منويًا، وَاحْذِفْ جَازِمًا ثَلاثَهُنَّ، ثلاثهن ضمير يعود إلى الأحرف الثلاثة، يعني: ما كان مختومًا بالألف جزمه بحذف الألف، ما كان مختومًا بواو جزمه بحذف الواو، ما كان مختومًا بياء جزمه بحذف الياء.
تَقِْض حُكْمًا لازِمًا، تقضي يعني تؤدي، حُكْمًا لازِمًا؛ لأنه واجب، إذا وجد الجازم حينئذٍ تعيَّن أن يكون أثره معمولًا له.
فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الجَزْمِ وَأبْدِ نَصْبَ مَاكَيَدْعُو يَرْمِي
فهذا ما يتعلق بالفعل المعتل الآخر وهو آخر باب من أبواب النيابة، فحينئذٍ ما كان مختومًا بألف، تُقدَّر عليه الفتحة والضمة ويُجزم بحذف الألف، ما كان مختومًا بواو تُقدَّر عليه الضمة وتظهر عليه الفتحة وجزمه بحذف الواو، ما كان مختومًا بياء تُقدَّر عليه الضمة وتظهر الفتحة وجزمه بحذف الياء.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
[ ١٧ / ١٧ ]