عناصر الدرس
* شرح الترجمة (فصل في ماولا ولات وإن ) ـ
* أوجه شته الحروف بـ (ليس) ـوشروط عملها عمل ليس.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَبَعْدَ أَنْ تَعْوِيضُ مَا عَنْهَا ارْتُكِبْ كَمِثْلِ أَمَّا أَنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ
عرفنا أن كانت تحذف دون اسمها ويبقى الاسم مرفوعًا والخبر منصوبًا، ويعوض عنها (ما) الزائدة بعد (أن) المصدرية كما مثّل الناظم هنا بقوله: أمَّا أنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ.
عرفنا كيف وصل إلى هذا:
أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنتَ ذَا نفَرٍ فإنَّ قَومِيَ لمْ تأكُلهُمُ الضَّبُعُ
فـ (أن) مصدرية، و(ما) زائدة عوضًا عن كان وأَنتَ اسم كان المحذوفة، وذَا نفر خبرها، ولا يجوز الجمع بين كان و(ما)؛ لكون (ما) عِوَضًا عنها ولا يجوز الجمع بين العِوَضِ والمُعَوَّض.
هذه قواعد عندهم أغلبية، قد يخالفون هذا النص لكن في بعض المواضع، وهذا الشأن كما هو الشأن في القواعد الفقهية والأصولية، الأصل أنها تكون مطردة، لكن قد يشذ عنها بعض الأفراد، لذلك ما من قاعدة إلا ولها استثناء هذا الأصل، ولذلك تجد في كتب القواعد أن يذكروا القاعدة و خرج كذا وكذا وكذا إلى آخره، لماذا؟ لأن هذه القاعدة -وإن كان أصلًا يدخل هذا الفرد تحتها إلا أنه لموجب أو لعارض أو لمانع- حينئذٍ لم يدخل تحت هذه القاعدة، مثلها الجمع بين العوض المعوض؛ لأنه قد يخالفون في بعض المسائل ويجمعون بين العوض والمعوض، فنقول: قاعدة أغلبية، ومثلها القاعدة التي ذكرناها في «أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ» [هود:٨] أنه تقديم المعمول يؤذن بتقديم العام، هذا أيضًا أغلبية فقد يخالفون في بعض المواضع، ويختلف النظر حينئذٍ يبقى الاجتهاد، هل هذه مما ينازع فيها فتخرج أو أنها داخلة تحت القاعدة، يبقى المسألة من باب تحقيق المناط كما يقولو الأصوليون.
وأجاز ذلك المبرد فيقول: أمَّا كنت منطلقًا انطلقت.
يعني جوز الجمع بين العوض والمعوض، أمَّا كنت، (ما) هذه زيدت من أجل كان المحذوفة، يعني كأنه جوز رجوع كان بعد حذفها، أما أنت منطلقًا انطلقت. هذا الأصل، فرد كان رجعت صار أما كنت منطلقًا انطلقت، لكن هذا يعتبر شاذ.
ولم يسمع من لسان العرب حذف كان وتعويض (ما) عنها وإبقاء اسمها وخبرها إلا إذا كان اسمها ضمير مخاطب كما مثل به المصنف.
وهذه القاعدة في مثل هذه المسائل كلها كل ما خرج عن القياس فالأصل أنه يكتفى بما سمع ولا يقاس عليه غيره، إذا سمع استثناء كان بأنها تزاد بهذا اللفظ لا يقاس عليه أبدًا لا المصدر، ولا اسم الفاعل، ولا الفعل المضارع .. إلى آخره، لماذا؟ لأن الأصل عدم الزيادة، فإذا كان كذلك حينئذٍ نقف على السماع.
ولم يسمع مع ضمير المتكلم نحو: أما أنا منطلقًا انطلقت، والأصل: أن كنت منطلقًا، ولا مع الظاهر: أما زيد ذاهبًا، زيد اسم كان المحذوفة وهو اسم ظاهر، الأصل عدم الزيادة، ومثّل به سيبويه في كتابه، والقياس جوازهما كما جاز مع المخاطب، قياس ما لم يسمع على ما سمع.
والأصل أن كان زيد ذاهبًا انطلقت وقد مثل سيبويه ﵀ في كتابه: أما زيد ذاهبًا.
[ ٣٥ / ١ ]
إذًا الحاصل أن المسموع هو ما كان بضمير المخاطب، وما عداه يكون من باب القياس، فهل يوافق أم يخالف؟ الثاني أقرب.
إذًا: هذه مواضع حذف كان كما ذكرناها.
قال ابن هشام رحمه الله تعالى في التوضيح: تحذف كان ويقع ذلك على أربعة أوجه:
الأول -وهو الأكثر-: أن تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، وكثر ذلك بعد إن ولو الشرطيتين، ومثّل لهما بقولهم: " النَّاسُ مجَزِيُّونَ بِأعْمَالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإنْ شَرًَّا فَشَرٌّ"، أي: إن كان عملهم خيرًا فجزاؤهم خير، ويجوز إن خير فخير بتقدير إن كان في عملهم خير فيجزون خيرًا، ويجوز نصبهما ورفعهما، والأول أرجحها والثاني أضعفها، والأخيران متوسطان، ومثال لو: ﴿الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ﴾، وقل الحذف المذكور بدون إن ولو.
الموضع الثاني: أن تحذف مع خبرها ويبقى الاسم وهو ضعيف كما سبق إن خير، إن كان في عمله خير، هذا ضعيف.
ثالثًا: أن تحذف وحدها، وكثر ذلك بعد أن المصدرية، بمثل أما أنت منطلقًا انطلقت، ثم شرحه.
الرابع: أن تحذف مع معموليها، -كلها يعني-، لكن هذا ضعيف جدًا، وذلك بعد إن الشرطية يعني، في قولهم: افعل هذا إما لا، إن كنت لا تفعل غيره، فما عوض ولا نافية للخبر. هذا أقل من ذكره ذكره في التوضيح.
وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ تُحْذَفُ نُونٌ وَهُوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
أيضًا هذا من خصائص كان ولا يلحق بها غيره، وهو أنه تحذف نون كان بشروط ذكرها المصنف هنا.
وَمِنْ مُضَارِعٍ: جار ومجرور متعلق بقوله: تُحْذَفُ نُونٌ .. تُحْذَفُ نُونٌ من مضارع، إذًا خصوص النون، وخص بها المضارع، إذًا لا الأمر ولا اسم الفاعل ولا الماضي ولا غيره، وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ: صفة لمضارع جار ومجرور متعلق بمحذوف، سواء كانت كان تامة أو ناقصة، أطلق الناظم هنا، لِكَانَ إذًا النون تحذف من كان سواء كانت كان تامة أو ناقصة، بشرط أن تكون بصيغة المضارع.
لِكَانَ مُنْجَزِمْ: هذه صفة ثانية لمضارع، صفة بعد صفة، مُنْجَزِمْ يعني بالسكون لا بحذف النون، لم يتصل به ضمير نصب وقد وليه متحرك، تُحْذَفُ نُونٌ هي لام الفعل تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وشبهها بحروف العلة؛ لأنها متطرفة، وإذا كان كذلك حينئذٍنقول: يجوز حذف هذه النون بهذه الشروط المذكورة في البيت، وهو حذف جائز يعني ليس بواجب، وهو حذف جائز مَا الْتُزِمْ، يعني لم يوجبه العرب أو يحكم بوجوبه النحاة، بل من أراد أن يحذف تخفيفًا حذف، ومن أراد الأصل نطق بالأصل.
إذًا شروط الحذف: أن يكون من مضارع بخلاف الأمر والماضي.
ثانيًا: مجزومًا بالسكون، بخلاف المرفوع والمجزوم بالحذف.
[ ٣٥ / ٢ ]
ثالثًا: ألا توصل بضمير، فإن وصلت بضمير حينئذٍلا يجوز حذفها نحو: (إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّط عَلَيْهِ)، لا يجوز حذف النون هنا، ولا بساكن نحو: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ» [البينة:١] حينئذٍنقول: تحركت النون هنا للتخلص من التقاء الساكنين، ومثال ما اجتمعت فيه الشروط قوله: «وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا» [مريم:٢٠] أَكُ أصلها: أكون، سكنت النون للجازمة ولم، فالتقى ساكنان الواو ساكنة والنون ساكنة، حينئذٍحذفنا الواو للتخلص من التقاء الساكنين فصار أَكُن، الأصل عدم الحذف؛ لأنه حذف منه حرف الواو، وإن كان للتخلص من التقاء الساكنين والمحذوف لعلة كالثابت، إلا أن الأصل أنه لا يحذف منه، لكن لكثرة استعمال هذا اللفظ (أك، ونك) خفف أيضًا بحذف النون، إذًا لم أك نقول: هذا فعل مضارع مجزوم بلم وجزمه السكون على النون المحذوفة تخفيفًا «لَمْ أَكُ» فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وجزمه سكون ظاهر على النون المحذوفة تخفيفًا.
«لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ» [المدثر:٤٣] أصلها نكن، حذفت النون تخفيفة، «وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ» [النحل:١٢٧]، «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ» [غافر:٨٥] –انظر- تصرَّفَ في الفعل المضارع من كان يك، أك، تكن، نكن .. كلها حذفت منها النون تخفيفًا، وسواء في ذلك الناقصة كالأمثلة السابقة والتامة، لكن الحذف فيها أقل، «وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ» [النساء:٤٠] بالرفع –قراءة- «وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ» يعني توجد حَسَنَةٌ، حينئذٍ حذفت منها النون تخفيفًا.
إذًا: وَمِنْ مُضَارِعٍ: لا من ماضي ولا أمر.
لِكَانَ: لا لغيرها.
مُنْجَزِمْ: بالسكون لا مرفوع ولا منصوب.
تُحْذَفُ نُونٌ: وهي لام الفعل تخفيفًا. وَهُوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ.
يقول ابن عقيل: إذا جزم الفعل المضارع من كان قيل: لم يكن والأصل: يكون فحذف الجازم الضمة التي على النون فالتقى ساكنان الواو والنون، فحذف الواو لالتقاء الساكنين، يعني: للتخلص من التقاء الساكنين، فصار اللفظ لم يكن والقياس يقتضي أن لا يحذف منه بعد ذلك شيء آخر، هذا هو القياس؛ لأنه إذا حذف منه حرف صار إجحافًا به، وإذا زيد عليه حذف آخر صار إجحافًا بعد إجحاف، ولو جوز القياس أن يحذف منها حرف واحد حينئذٍ الأصل عدم حذف حرف آخر.
هذا من حيث النظر والتأصيل، وأما من حيث الوجوب فشيء آخر.
لكنهم حذفوا النون بعد ذلك تخفيفًا لكثرة الاستعمال، فقالوا: لم يك وهو حذف جائز لا لازم ومذهب سيبويه ومن تابعه: أن هذه النون لا تحذف عنه ملاقاة ساكن، بل تحرك: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ» [البينة:١] لا تحذف إذا حصل التقاء بين ساكنين، بل يجب تحريك النون للتخلص من التقاء الساكنين.
أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن، فلا تقل: لم يك الرجل، هذا غلط بل: لم يكن الرجل.
وأجاز ذلك يونس، وقد قُرِءَ شاذًا (لم يكُ الذين كفروا).
[ ٣٥ / ٣ ]
وأما إذا لاقت متحركًا فلا يخلو إما أن يكون ذلك المتحرك ضميرًا متصلًا أولا، يعني إذا كان بعدها -بعد النون- متحرك، قلنا الساكن لا تحذف، إذًا يكون بعدها متحرك، هذا المتحرك إما أن يكون ضميرًا أو لا، إن كان ضميرًا فلا يجوز إن يكن هو، لا يجوز الحذف؛ لأنه يصير متصلًا بكان، وإن لم يكن ضميرًا حينئذٍ جاءت المسألة.
فإن كان ضميرًا متصلًا لم تحذف النون اتفاقًا، قالوا: لأن الضمير يرد الشيء إلى أصله، إذا حذفت رده الضمير .. تحذف يرده الضمير يبقى الدور فيها.
كقوله ﷺ: ﴿إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلّط عَليْه وَإنْ لاَ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ في قَتْلِهِ﴾ فلا يجوز حذف النون فلا تقل: إنْ يَكُهُ وَإنْ لاَ يَكُ، وإن كان غير ضمير متصل جاز الحذف والإثبات نحو: لم يكن زيد لم يك زيد، لم أك بغيًا، لم أكن بغيًا.
وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين كان الناقصة والتامة، وقد قرء «وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا» [النساء:٤٠] برفع حَسَنَةٌ وحذف النون وهذه هي التامة.
مسائل: الأولى في تعدد الخبر، في كان الخلاف في تعدد الخبر المبتدأ.
هل يجوز أن يتعدد خبر كان؟
قلنا هذا الباب مفرع على الباب السابق، هذا هو الأصل، فما جاز هناك جاز هنا إلا لمانع، وما امتنع هناك امتنع هنا إلا لمانع؛ لأن كان هذه داخلة على جنس المبتدأ والخبر، حينئذٍ كلما ثبت للمبتدأ والخبر قبل دخول الناسخ فهو مستصحب، الأصل بقاء ما كان على ما كان، حتى يدل دليل على انتفاء ما قد ثبت قبل دخول كان، هذا هو الأصل.
فحينئذٍ تعدُّدُ الخبر هل يجوز أم لا؟
وَأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا
الأصل –القياس- جواز تعدد خبر كان، لكن خالف بعض النحاة هنا ممن جوز هناك منع هنا، في تعدد الخبر في كان الخلاف في تعدد خبر المبتدأ، والمنع هنا أولى؛ لقيام المانع المقتضي على المانع من جواز تعدد الخبر، والمنع هنا أولى ووجهه أن هذه الأفعال قلنا الأصل فيها عدم العمل، هذا القياس، لكنها شُبّهت بما تعدى إلى اسمين ضرب، الأول فاعل والثاني مفعول به، إذًا أُعملت هذه الأفعال على خلاف الأصل، الأصل أنها أفعال غير صحيحة، غير تامة، وحينئذٍ الأصل فيها عدم العمل، لماذا أُعمِلت؟ حملًا لها على ضرب مُشَبَّهٌ به، هذا القياس، وهذا المُشَبَّهٌ به وجدناه يعمل في اسمين فقط ولا يتعدى إلى الثالث، حينئذٍ صار الأصل هنا ألا تعمل كان إلا في اسمين؛ لأنها ما أعملت إلا حملًا على ضرب ونحوه.
[ ٣٥ / ٤ ]
والمنع هنا أولى ووجهه أن هذه الأفعال شبهت بما يتعدى إلى واحد، قالوا: فلا يزاد عليه، ضرب زيد عمروًا ينصب واحدًا، إذًا كان ليس لها إلا منصوب واحد فقط، لماذا؟ لأنها إنما أعملت حملًا على ضرب، فلذلك لا تتعدى، إذًا وجد المانع من تعدد الخبر هنا، ومن جوزه قال: هو في الأصل خبر مبتدأ، فإذا جاز تعدده مع العامل الأضعف وهو الابتداء فمع الأقوى أولى، لكن هناك العامل في الخبر ليس هو الابتداء، بل هو المبتدأ، فليس هو ضعيف، بل كان والمبتدأ قد يكونان في مرتبة واحدة؛ لأن كان ليست فعلًا متمحضًا حتى نقول: هو مثل ضرب، وإنما هو ضعيف، فإذا كان ضعيفًا حينئذٍ الأصل في المبتدأ ألا يعمل أيضًا، ولكنه أعمل هناك للاقتضاء؛ لأنه لا يتم معناه إلا بالمبتدأ كالمضاف مع المضاف إليه.
إذًا: قولان في جواز تعدد خبر كان، القياس يقتضي ألا يتعدد، هذا هو القياس، واستصحاب الأصل يقتضي أي يتعدد.
الثانية قال أبو حيان: نص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها، ولا حذف خبرها لا اختصارًا ولا اقتصارًا، -هذا الأصل فيه، ولذلك اختصت كان لأنها أم الباب بما ذكر، أما ما عدا كان فلا يجوز، لا حذف اسم أصبح ولا خبرها إلى آخره، ولذلك خص الحكم بكان لأنها أم الباب فهو استثناء من الأصل- (لا اختصارًا ولا اقتصارًا) ما الفرق بينهما؟
الاختصار: هو حذف لدليل، والاقتصار: هو حذف لا لدليل.
إن حذف لقرينة –لدليل- سمي اختصارًا، وإن حذف لا لدليل هكذا لا لقرينة لا للعلم به .. صار اقتصارًا، ففرق بين الاختصار والاقتصار.
نص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها ولا حذف خبرها لا اختصارًا ولا اقتصارًا، أما الاسم فلأنه مشبه بالفاعل، والفاعل لا يجوز حذفه، وأما الخبر فكان قياسه جواز الحذف؛ لأنه إن روعي أصله وهو خبر المبتدأ فإنه يجوز حذفه للعلم به، أو ما آل إليه من شبهه بالمفعول فكذلك، يعني إما أن يكون في الأصل أن يراعى الأصل وهو أنه خبر، والخبر يجوز حذفه للعلم به، أو ما آل إليه بعد دخول كان وهو كونه مشبهًا بالمفعول به – وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ.
حينئذٍ على الطريقتين قبل دخول كان وبعد كان الأصل فيه القياس يقتضي أنه يحذف.
لكنه صار عندهم عوضًا من المصدر؛ لأنه في معناها إذ القيام: كون من أكوان زيد، والأعراض لا يجوز حذفها، قالوا: قد تحذف في الضرورة، يعني اسم كان لغير ما ذكر من الشروط السابقة وأخواتها قد تحذف في الضرورة.
ومن النحويين من أجاز حذفه لقرينة اختيارًا، يعني لا في الضرورة، إذا دل عليه دليل وعلم المحذوف سواء كان اسم كان أو خبرها جاز، وهذا هو الأصل والمطرد الذي ذكرناه.
وفصّل ابن مالك فمنعه في الجميع إلا ليس، منعه في الجميع لا يحذف منه لا اسم ولا خبر، إلا ليس لوجود السماع المقتضي ذلك.
فأجاز حذف خبرها اختيارًا ولو بلا قرينة، لماذا؟ إذا كان اسمها نكرة عامة تشبيهًا بـ: لا، كقولهم: ليس أحد أي: هنا، لكن هذا مسموع حكاه سيبويه، ليس أحد هنا، هنا هذا حذف كما ذكرناه سابقًا.
هذا مسموع يحفظ ولا يقاس عليه، وحينئذٍ نقول: الأصل عدم جواز حذف اسم كان وخبر كان، هذا هو الأصل، لما ذكرناه من الأمور.
ثم قال رحمه الله تعالى:
[ ٣٥ / ٥ ]
﴿فَصْلٌ فِي مَا، وَلا، وَلاتَ، وإنِ، الْمُشَبَّهَات بِلَيْس﴾.
هذا الفصل تابع للمسائل التي ذكرناها، وباب كان وأخواتها
وهو أن ثم حروفًا أشبهت ليس، وليس هي من أخوات كان، وحينئذٍ تختص بالدخول على الجملة الاسمية فترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر على أنه خبر لها.
فَصْلٌ: أي هذا فصل، وهذا أول موضع يترجم له المصنف، السابق كله لم يقل: باب ولا فصل، وإنما ذكر الفصل هنا لأن هذه المسائل الأصل أنها داخلة تحت الباب السابق: كان وأخواتها، لكن فصلها لماذا؟ لأن كان وأخواتها قلنا هذه كلها أفعال، وما سيذكره في الفصل هذا كلها حروف، وحينئذٍ فرق بينهما ويقتضي التصنيف وحسن التأليف أن يفصل هذا عن ذاك.
فَصْلٌ: أي هذا فصل، فَصْلٌ هذا فعل مصدر، إما أن يكون بمعنى اسم الفاعل، أي هذا كلام فاصل ما بعده عما قبله، أو أن يكون هذا كلام مفصول، إما يكون بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول، وهو في اللغة: الحاجز بين الشيئين، وفي الاصطلاح: ألفاظ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة.
فَصْلٌ هذا فصل خبر مبتدئٍ محذوف، يجوز فيه ما يجوز في (بَاب): الرفع والنصب على لغة ربيعة والجر، انظر في فصلٍ فصلًا فصلْ -وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة-. فصلٌ هذا فصلٌ، فصلٌ هذا محله يجوز الوجهان، وحينئذٍ الأولى أن يجعل من هذه الأعاريب أن يكون خبرًا لمبتدىءٍ محذوف هذا أرجحها.
فَصْلٌ فِي (مَا) جار ومجرور متعلق بقوله: فَصْلٌ؛ لأنه مصدر، والمصدر من متعلقات الظروف والمجرورات، فَصْلٌ فِي (مَا): هذه اسم هنا في هذا التركيب بدليل دخول حرف الجر عليها، وحينئذٍ صارت اسمًا، وما عطف عليه مثله، و(إنِ).
قال: الْمُشَبَّهَات بِـ (لَيْس) يعني أُعملت (مَا) وما عطف عليها لكونها أشبهت ليس، إذًا ليس هي أصل وهذه الحروف الأربعة فروع مقيسة على ليس بجامع النفي المحض الحال، حينئذٍ انتقل الحكم من المشبه به وهو ليس من رفع الاسم ونصب الخبر إلى هذه الحروف، وإن المشبهات بـ (ليس) لم يقل المعملات عمل ليس، مع كونه قال: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا)، هذا فيه إشارة إلى علة عمل (مَا)، لماذا أعملت؟ لكونها مشبهة بـ (ليس) فذكر المشبهات وعدل عنه بالتوضيح قال: المعملات عمل ليس، والظاهر أن صنيع المصنف أولى؛ لأنه أراد أن ينص في الأبيات على أن (مَا) أعملت إعمال ليس، إذًا رفعت ونصبت، لماذا؟ ما العلة؟ لكونها أشبهت ليس، فنص على العلة في الترجمة، فحينئذٍ العدول عنه عدول عن تعليل المصنف في الحكم الذي ذكره في البيت.
و(إنِ) الْمُشَبَّهَات بِـ (لَيْس) أي: المعملات عمل ليس تشبيهًا بها، فحينئذٍ جَمَعَ بين الحكم وبين العلة في قوله: المشبَّهات، فلما أشبه الشيء الشيء أخذ حكمه، وهذه قاعدة مطردة عند العرب.
وإنما شُبهت هذه بـ (ليس) لمشابتها إياها في المعنى، ولأنها حروف أفردها عن الأفعال، ولكونها أشبهت ليس في المعنى حينئذٍ ألحقت بها في العمل.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتيبٍ زُكِنْ
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا بِي أَنْتَ مَعْنِيًَّا أَجَازَ الْعُلَمَا
[ ٣٥ / ٦ ]
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا): أُعْمِلَتْ (مَا) إِعْمَالَ لَيْسَ، إِعْمَالَ: هذا مفعول مطلق مقيد بالإضافة.
إِعْمَالَ مضاف ولَيْسَ مضاف إليه، قصد لفظها في محل جر.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا –النافية- وبدأ بها لأنها هي أم الباب، الأصل في هذه الحروف الأربعة ألا تعمل، وخاصة (مَا)؛ لأن الحرف كما سبق هناك: سِوَاهُمَا الْحَرْفُ كَـ (هَلْ) وَ(فِي) وَ(لَمْ).
قلنا عدَّد الأمثلة للإشارة إلى أن الحرف منه ما هو مشترك ومنه ما هو خاص، والخاص إما أن يكون خاصًا بالاسم، وإما أن يكون خاصًا بالفعل -قاعدة عنده-: أن ما كان مشتركًا فالأصل فيه الإهمال ألا يعمل؛ لأنه غير مختص يدخل على الاسم ما زيد قائم، ويدخل على الفعل ما يقوم زيد، إذًا ماذا يعمل؟ الأصل فيه الإهمال ألا يعمل، وحينئذٍ لو وجد من هذا النوع المشترك ما قد عمل يأتي السؤال: لماذا أعملت (مَا)؟ وما جاء منه مهملًا: هل زيد قام، هل قام زيد .. حينئذٍ لا يتوجه السؤال، لماذا؟ لأن الأصل في المشترك ألا يعمل، فإن أُعمل مثل (مَا) حينئذٍ يرد السؤال: لماذا أعمل، والمختص الأصل فيه العمل، فإذا أعمل حينئذٍ لا يقال لماذا أعمل، بل جرى على الأصل، فإن أهمل مثل السين وسوف وقد وأل المعرفة، حينئذٍ يرد السؤال: لماذا أهملت هذه والأصل فيها أنها تعمل، وهذا يعلل في كل محل بحسب ما يناسبها، ولكن الذي وقع فيه النزاع المختص بالاسم، هل الأصل فيه أنه يعمل ما اختص بالاسم من أنواع الإعراب، أم أنه يعمل فحسب أي عمل؟ يعني مثلًا الآن حرف الجر في: مررت بزيد، نقول: حرف الجر الباء هذا مختص بالاسم، هنا عمل الجر في الاسم، والجر هذا خاص بالاسم، هل الحرف المختص يختص بأثر يختص به مدخوله، فحرف الجر حينئذٍ يؤثر الجر ولم حرف جزم يؤثر الجزم في الفعل المضارع لأنه مختص به، أم أنه يعمل مطلق العمل، وحينئذٍ إن زيدًا نقول: إن هذا حرف يختص بالاسم، عمل لكنه ما عمل شيئًا يختص بالاسم، وإنما عمل شيئًا مشتركًا وهو النصب، هل هذا خروجٌ عن الأصل، أم المراد أن ما اختص يعمل مطلق العمل أو العمل الخاص؟
قولان للنحاة: المشهور أنه مطلق العمل، فحينئذٍ إنَّ زيدًا لا نقول خرجت عن الأصل، هي عملت النصب، ثم يكفي هذا في كونها مختصة، أم نحتاج إلى سؤال نقول: هي عملت لأن الأصل فيها أنها تعمل؛ لأنها مختصة، يبقى السؤال: لماذا لم تعمل الجر وإنما عملت النصب؟ هذا بعضهم يعلل بهذا التعليل يقول: لأنها أشبهت الفعل إنَّ وأنَّ للتوكيد، ولكنَّ للتشبيه .. ونحو ذلك، فهي أشبهت الفعل في المعنى كما سيأتي، فحينئذٍ عملت النصب.
فنحتاج إلى تعليل لكونها خرجت من الجر إلى النصب، ولا نحتاج إلى تعليل في كونها قد عملت؛ لأن عمل المختص على الأصل، وتعليله يكون بخروجه عن الجر إلى النصب.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا: أُعْمِلَتْ، مَا نائب فاعل، وأُعْمِلَتْ فعل ماضي مغير الصيغة.
إِعْمَالَ لَيْسَ: قلنا هذا مفعول مطلق مقدم.
أُعْمِلَتْ (مَا) إِعْمَالَ لَيْسَ، لماذا؟ لكونها أشبهتها في المعنى، ولذلك قيل: أشبهت (مَا) ليس من ثلاثة أوجه:
أولًا: أنها تدل على النفي في الحال، كما أن ليس تدل على النفي في الحال.
[ ٣٥ / ٧ ]
كيف تدل على النفي في الحال، ما وجهه؟
ليس زيد قائمًا، متى نفي القيام عن زيد؟ الآن وقت الكلام، ثم إذا قيد بقيد فيحمل بحسبه، ليس زيد قائمًا غدًا، ليس زيد صائمًا اليوم، ليس زيد صائمًا غدًا .. فحينئذٍ إذا قيد يحمل النفي على ما قيد به، وإذا لم يرد قيد لا بماضي ولا باستقبال، حينئذٍ يحمل على الحال، مثلها: (مَا)، ما زيد قائمًا، يحمل على نفي الحال، ما زيد قائمًا غدًا، اليوم، أمس .. إلى آخره.
إذًا: أنها تدل على النفي في الحال كما أن ليس تدل على النفي في الحال.
الثاني: دخولها على المبتدئ والخبر، ليس تختص بالمبتدأ والخبر، وما كذلك النافية تختص بالمبتدئ والخبر، سواء أعملت كما هي لغة أهل الحجاز أو أنها تميمة بإلغائها.
ثالثًا: اقتران خبر (مَا) بالباء الزائدة، وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ، سيأتينا.
وكذلك لَيْسَ يأتي في خبرها حرف الجر الزائد وهو الباء «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ» [التين:٨]، «وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» [البقرة:٧٤] دخلت الباء في خبر ما، ودخلت في خبر ليس، فدل على أن مَا مثل لَيْسَ في المعنى؛ لوجود هذه الأحكام، أنها في المعنى للنفي -نفي الحال- وكذلك أنها خاصة بالدخول على المبتدأ والخبر.
ثالثًا: دخول الباء الزائدة للتأكيد في خبر مَا ولَيْسَ، فلما أشبهت (ما) (ليس) هذا الشبه القوي عملت عملها فرفعت الاسم ونصبت الخبر في لغة أهل الحجاز.
وَمَا التِي تَنفي كليسَ النَّاصِبَهْ فِي قَولِ سُكّانِ الحِجَازِ قَاطِبَهْ
حينئذٍ تعمل ما النافية عمل ليس برفع المبتدئ على أنه اسم لها، والخبر تنصبه على أنه خبر لها.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا -أعملت ما النافية للاستقراء والعلة هي المشابهة- دُونَ إنْ مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتيبٍ زُكِنْ: ذكر ثلاثة شروط صريحة، والبيت الذي يليه ذكر شرطًا رابعًا ضمنًا، حينئذٍ لا تعمل مطلقًا، لماذا لا تعمل مطلقًا؟ الأصل يقال: بالاستقراء، أنه لما كان الأصل فيها عدم العمل فإذا وجدت قد عملت، حينئذٍ نكتفي بما سمع، فنستنبط ما الذي دخلت عليه؟ وكيف دخلت عليه؟ فنقول: هذه هي الشروط، هذا هو الأصل فيه؛ لأن الأصل أنها لا تعمل.
حينئذٍ ما لم يكن أصلًا في العمل إذا عمل لا بد من شروط، في أبواب النحو كلها، اسم الفاعل لا يعمل مطلقًا إلا بشرط، اسم المفعول لا يعمل إلا بشرط، المصدر لا يعمل إلا بشرط مطلقًا، لماذا؟ لأن الأصل في هذه الألفاظ عدم العمل، فإذا أعمل حينئذٍ لا بد من تقريبه إلى الأصل وهو الفعل.
هنا الأصل في مَا أنها لا تعمل، حينئذٍ إذا أعملت لا بد من شروط تقربها وتؤكد أنها قريبة المعنى من ليس، وأول شرط قال: دُونَ إنْ، يعني ألا يقترن بها إن، فإن زيدت عليها إن، حينئذٍ بطل عملها، والمراد بـ (إن) هنا إن الزائدة لا النافية المؤكدة.
إن حلولها بعد ما على ثلاثة أنحاء: إما أن تأتي زائدة، وإما أن تأتي نافية، وإما أن تأتي مؤكدة للنفي .. ثلاثة أنحاء.
[ ٣٥ / ٨ ]
إما أن تكون زائدة محضة، إذا قيل الحرف زائد معناه لم يستعمل في المعنى الذي وضع له في لسان العرب، إذا جيء بها نافية، حينئذٍ إما أن يكون نفيًا مستقلًا، وإما أن يكون من باب التأكيد .. هذه ثلاثة أنحاء.
ما الذي يُمنَعُ هنا؟ دُونَ إنْ الزائدة، والنفي المنفي هنا هو أن تكون إنْ مقصودًا بها النفي المستقل، يعني إنْ لو قصد بها أنها بمعنى مَا النافية، حينئذٍ الأولى بطلت -بطل عملها-؛ لأن نفي النفي إثبات، ومَا إنما ألحقت بـ (ليس) لشبه النفي، إذًا إذا نفيت مَا بطل، وإذا استعملت إن تأكيدًا بمعنى مَا، حينئذٍ بقي على أصله.
إذًا: إِعْمَالَ مَا: أعملت ما إعمال ليس دون إن الزائدة لا النافية المؤكدة، أما النافية المؤكدة فلا إشكال في كونها تالية لـ: مَا، ويبقى عمله على الأصل.
إذًا: الشرط الأول: ألا يزاد بعدها إن، فإن زيد بطل عملها؛ لأن (ما) عامل ضعيف، والضعيف لا يقوى على العمل إلا إذا وقع معموله في موقعه الأصلي؛ إذ أصلها حرف مشترك فالأصل إهمالها، وأعملت حملًا على فعل جامد لا يتصرف، حينئذٍ يبقى على ما سمع فحسب، نحو: ما إن زيد قائم، الأصل: ما زيد قائمًا، زيد هذا اسم ما، وقائمًا هذا خبرها، لما زيدت إن بعد ما وهي الزائدة حينئذٍ بطل عملها فقيل: ما إن زيد قائم، ما حرف نفي ملغى، وإن زائدة، وزيد مبتدأ وقائم خبره، هذا مرفوع وهذا مرفوع على الأصل كأنها لم تدخل على الجملة.
ما إن زيد قائم، برفع قائم ولا يجوز نصبه وأجازه بعض النحاة.
استدلوا بقول القائل: بَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَبًا بالنصب، والبصريون يمنعون هذا، والصحيح أنه مروي بالرفع بَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ: ما نافية، إن زائدة، أنتم مبتدأ، ذهب خبر؛ لأنه بطل عملها، وإذا بطل عملها رجعنا إلى الأصل، فما نافية وإن زائدة فبطل عملها، وروي بنصب ذهبًا فهي نافية إن مؤكدة لنفي ما، وإن المؤكدة لنفي ما لا تعارض ما، على رواية النصب بَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَبًا، لا نقول: إن هنا زائدة؛ لأنها لو كانت زائدة لبطل عملها، فعلى الرواية الثانية مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَبًا نحمل إن هنا على أنها نافية على أصلها، لكنها مؤكدة لمعنى ما، ولو حملناها على أنها مستقلة النفي بطل عملها؛ لأن نفي النفي إثبات. إذًا: فهي نافية إن مؤكدة لنفي ما، فالنفي التي عملت ما لدلالته عليه باق، بخلاف ما لو جعلت إن نافية لنفي ما فإن الكلام يكون موجبًا ثابتًا؛ لأن نفي النفي إيجاب، فيزول حينئذٍ سبب عمل ما؛ لأن شرط إعمالها بقاء النفي.
إذًا: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إنْ، نقول: ألا يقترن ما بـ: إن، يعني ألا يتلو ما حرف إن، ثم ننظر إن كانت زائدة بطل عملها، إن كانت مؤكدة للنفي بقي عملها، إن كانت نافية محضة مثل: (ما) بطل عملها، إذًا يبطل عملها في موضعين: إذا كانت زائدة وإذا كانت نافية أصالة، وأما إذا كانت مؤكدة للنفي حينئذٍ بقي عملها، وعليه يحمل رواية النصب بَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ.
هذا هو الشرط الأول.
[ ٣٥ / ٩ ]
الثاني قال: مَعَ بَقَا النَّفْي، يعني نفي الخبر أن يبقى على أصله، فلا ينتقض، ومتى ينتقض؟ إذا اقترن الخبر بإلا؛ لأن الأصل في إلا أنه يثبت لما بعدها نقيض حكم ما قبلها، وإذا كان ما قبلها منفيًا حينئذٍ نقيض حكم ما قبلها ثابت لما بعد إلا وهو الإيجاب، وشرط إعمال (ما) في اسمها وخبرها أن يكونا منفيين، فحينئذٍ صار الاسم منفيًا والخبر مثبتًا، وهذا يبطل اختصاصها بالنفي.
ألا ينتقض النفي بـ: إلا -يعني: نفي خبرها- فلو كان النفي بغير إلا لم يبطل عمل (ما) نحو: ما زيد غير شجاع، ما زيد إلا قائم. نقول هذا باطل، يعني عملها مبطل، لماذا؟ لأن إلا يثبت لما بعدها نقيض حكم ما قبلها، وشرط إعمال (ما) أن يكون اسمها وخبرها منفيين، فإذا أثبت أحدهما ونفي الآخر انتقى شرط العمل، فلا يجوز نصب قائم كقوله تعالى: «مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا» [يس:١٥] أَنْتُمْ مبتدأ، وبَشَرٌ خبر، ومَا هذه نقول: حجازية في الأصل لكنها ملغاة، «وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ» [الأحقاف:٩] خلافًا لمن أجازه.
جمهور البصريين على أنه إذا انتقض نفي خبر (ما) بـ (إلا) وجب رفع الخبر مطلقًا، وذهب يونس بن حبيب إلى أنه يجوز نصب الخبر حينئذٍ مطلقًا، وذهب الفراء إلى جواز نصب الخبر حينئذٍ بشرط كونه وصفًا نحو: ما زيد إلا قائمًا، وذهب جمهور الكوفيين إلى جواز نصبه حينئذٍ بشرط كون الخبر مشبهًا به نحو: ما زيد إلا أسد، والصواب هو الأول: أنه ينتقض مطلقًا؛ لأن شرط إعمال (ما) حملها على (ليس) النافية بجامع النفي، حينئذٍ يشترط أن يكون الاسم منفيًا والخبر منفيًا، فإذا لم ينف واحد منهما حينئذٍ حكمنا على (ما) بأنها ملغاة.
ثالثًا قال: وَتَرْتيبٍ زُكِنْ، هذا الشرط ثالث وهو أن يكون الاسم مقدمًا على الخبر.
وَتَرْتيبٍ زُكِنْ: يعني علم، علم من أين؟ من الباب السابق أن المبتدأ حقه التقديم، والخبر حقه التأخير، إذًا يلتزم هذا الترتيب، فإن لم يلتزم بأن قدم الخبر على الاسم ولو كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا ألغي عمل (ما) هذا هو الأصل؛ لأنها ضعيفة، (ما) في نفسها ضعيفة، حينئذٍ الأصل في الضعيف ألا يتصرف فيه.
وَتَرْتيبٍ زُكِنْ: يعني علم، ألا يتقدم خبرها على اسم مطلقًا، ولو كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، لذلك الناظم أطلق قال: وَتَرْتيبٍ زُكِنْ، فعلمنا أنه يرى أن الظرف لو وقع خبرًا لا يجوز أن يتقدم على اسم (ما)، وكذلك لو وقع ظرفًا، فالكلام عامٌ في النظم.
مذهب جمهور النحاة أنه لو تقدم الخبر على الاسم بطل العمل مطلقًا، سواء كان مفردًا نحو: ما قائم زيد، أم ظرفًا نحو: ما عندك زيد، أو جارًا ومجرورًا نحو: ما في الدار زيد، وهذا هو الأصل وهو الصحيح؛ لأن (ما) الأصل فيها عدم العمل، فما سمع يبقى على الأصل ولا نتصرف فيه.
وذهب الفراء إلى أن تقديم الخبر لا يبطل العمل مطلقًا، هذا من باب الاجتهاد.
وذهب ابن عصفور إلى التفصيل: إلى أن الظرف والجار والمجرور لا يبطل العمل، استثنى الجار والمجرور؛ للقاعدة السابقة أنهم يتوسعون في الظروف والمجرورات ما لا يتوسعون في غيره، وما عداه يبطل، ووجهه أن الظرف والجار والمجرور يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما.
[ ٣٥ / ١٠ ]
إذًا ثلاثة أقوال: جمهور البصريين على المنع مطلقًا سواء كان مفردًا أو جارًا ومجرورًا أو ظرفًا، وهذا الذي ذهب إليه الناظم قال: وَتَرْتيبٍ زُكِنْ، بتقديم المبتدأ على الخبر والخبر يلتزم التأخير ولو كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا.
والفراء على الجواز مطلقًا، وابن عصفور على التفصيل، وظاهر ابن عقيل أنه اختار قول ابن عصفور.
فإن تقدم وجب رفعه نحو: ما قائم زيد، فلا تقول: ما قائمًا زيد وفي ذلك خلاف كما ذكرناه.
وإن جاء في لسان العرب ما ظاهره تقدم الخبر على الاسم وجب تأويله.
فأَصْبَحوا قَد أَعادَ الله نِعْمَتَهُمْ إِذْ هُمْ قُرَيْشٌ وَإِذْ مَا مِثْلَهم بَشَرُ
ما بشر مثلهم تقدم الخبر على الاسم، والخبر هنا منصوب، يجب التأويل، وحينئذٍ نقول: وإذ ما مثلهم بشر، سيبويه قال: شاذ، انتهينا.
إذا أردنا تأويله حينئذٍ نقول: إذ ما مثلهم، مثلهم هذا حال، والخبر محذوف أي: ما في الوجود بشر مثلهم، إذًا لا بد من التأويل أو نحكم عليه بأنه شاذ، مثل ما سبق: وَمُضْمَرَ الشَّانِ اسْمًا انْوِ إِنْ وَقَعْ.
قال ابن عقيل: فإن كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا فقدمته فقلت: ما في الدار زيد وما عندك عمرو فاختلف الناس في (ما) حينئذٍ هل هي عاملة أم لا؟
هذا محل نزاع كما ذكرناه سابقًا، والناظم اختار أنها تكون غير عاملة، فيبطل عملها.
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا بِي أَنْتَ مَعْنِيًاّ أَجَازَ العُلَمَا
وَسَبْقَ: هذا مصدر مضاف إلى فاعله، مفعول به لأجاز.
أَجَازَ العُلَمَا يعني: النحاة.
سَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ مع مجروره أوْ ظَرْفٍ مدخولي (ما) مع بقاء العمل، لكن ليس الظرف والجار والمجرور مطلقًا، إنما المراد معمول الخبر، الكلام في معمول الخبر، البيت هذا مراده أنه يمنع أن يتقدم معمول الخبر على الخبر إلا إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، مثل ما سبق وَلاَ يَلِى الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ، والحكم سحبه إلى هذا الموضع، لكن يستثنى الجار والمجرور.
كَمَا بِي أنْتَ مَعْنِيًاّ:
أصل التركيب مَا أنْتَ مَعْنِيًاّ بِي.
(مَا) هذه حجازية نافية.
أنْتَ اسمها.
مَعْنِيًاّ بالنصب على أنه خبر.
بِي جار ومجرور متعلق بالخبر معنيًا، إذًا هو معمول الخبر وقد تلا ما، وسبق:
وَلاَ يَلِي الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ إِلاَّ إِذَا ظَرْفًا أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرْ
إذًا استثنى والقاعدة نفسها:
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا بِي أَنْتَ مَعْنِيًَّا أَجَازَ العُلَمَا
إذًا يجوز أن يتقدم معمول الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا على اسم (ما) الحجازية، وأما التميمية هذا لا إشكال فيه يأتي إن شاء الله.
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا بِي أَنْتَ مَعْنِيًَّا أَجَازَ العُلَمَا
وما عندك زيد قائمًا، ما زيد قائمًا عندك هذا هو الأصل فيه.
[ ٣٥ / ١١ ]
قال الشارح: أمَّا (مَا) فلغة بني تميم أنها لا تعمل شيئًا فتقول: ما زيد قائم، فزيد مرفوع بالابتداء وقائم خبره، ولا عمل لما في شيء منهما، وذلك لأن (ما) حرف لا يختص بدخوله على الاسم نحو: ما زيد قائم وعلى الفعل ما يقوم زيد، وما لا يختص فحقه ألا يعمل، ولغة أهل الحجاز إعمالها كعمل ليس لشبهها بها في أنها لنفي الحال عند الإطلاق، فيرفعون بها الاسم وينصبون بها الخبر -هذا مذهب البصريين-، وأما الكوفيون فيجعلون الخبر أنه منصوب على نزع الخافض، وهذا بعيد جدًا. هذا مشكل ضعيف هذا جدًا.
قال الله تعالى: «مَا هَذَا بَشَرًا» [يوسف:٣١] (مَا) نافية، أعملت إعمال ليس، كأنه قال: ليس هذا بشرًا، هَذَا _ذَا- اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، وها حرف تنبيه، وبَشَرًا بالنصب هكذا، فحينئذٍ نقول: الأرجح إعمال (ما) ردًا على من منع، لماذا؟ للنص «مَا هَذَا بَشَرًا» [يوسف:٣١] لو كانت ملغاة لقيل: ممَا هَذَا بَشَرٌ كما هي لغة بني تميم، لكن لما أعملت وهو نص في القرآن، حينئذٍ نقول: الأصل والقياس هنا صحيح، وهو قياس (ما) على (ليس) في كونها تعمل عمل (ليس) بجامع النفي -المشابهة السابقة-.
«مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ» [المجادلة:٢] ما قال: مَا هُنَّ أُمَّهَاتُهُمْ، «مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ» فـ: أُمَّهَاتِهِمْ بالكسر على أنه خبر لـ (ما) فدل على أنه يُعمل، فإذا جاء -الظاهر أنه لم يرد في القرآن بالنصب خبر لـ (ما) إلا في هذين الموضعين وما عداه إما أن يكون فعلًا وإما أن يكون دخل عليه حرف الجر الباء- فحينئذٍ صار المحتمل «وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ» [البقرة:٧٤]، هل نقول: هذه تميمية أو حجازية؟
حجازية؛ لأنه محتمل وجاء عندنا نص صريح وهو «مَا هَذَا بَشَرًا» [يوسف:٣١] فحينئذٍ نحمل المحتمل على الصريح، فكلما ورد في القرآن (ما) ودخلت الباء في الخبر، حينئذٍ نجعلها حجازية، هذا الأولى، فتقول في الإعراب -تستفيد في الإعراب-: «مَا هَذَا بَشَرًا» [يوسف:٣١] هذا النصب ظاهر «وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ» [البقرة:٧٤] (مَا) حرف نفي، لفظ الجلالة اسم (ما)، بِغَافِلٍ الباء حرف جر زائد، وغَافِل خبر (ما) منصوب، ونصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وحينئذٍ تعربه بهذا الإعراب، ولو جعلتها تميمية لا بأس.
قال الله تعالى: «مَا هَذَا بَشَرًا» [يوسف:٣١]، «مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ» [المجادلة:٢].
أَبناؤُهَا مُتكَنفون أَباهُمُ حنقُو الصُّدور ومَا هُم أولادُها
إذًا الأصل إعمالها وهو صحيح خلافًا لمن منع.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إنْ: هذا هو الشرط الأول وقيدنا إن المراد بها الزائدة، احترازًا من المؤكدة، وكذلك إن النافية، فحينئذٍ إذا أعملت إن وهي نافية أريد وقصد معناها بطل عمل (ما)، فحينئذٍ نخص إِنْ هنا بالزائدة وبالنافية التي أريد معناها، خرج معنا أو عنا (إن) المؤكدة لنفي (ما).
[ ٣٥ / ١٢ ]
مَعَ بَقَا النَّفْي: هذا الشرط الثاني، نفي الخبر فلا يضر انتقاض نفي معمول خبرها، لو قال قائل: ما زيد ضاربًا إلا عمرًا، ما الذي انتقض هنا؟ انتقض معمول الخبر لا الخبر، وهذا لا يضر، يعني لا يقال: بأن إلا هنا دخلت على معمول الخبر وحينئذٍ انتقض! نقول: لا، الشرط هنا انتقاض الخبر نفسه، لو قال: ما زيد إلا ضاربًا عمرًا، قلنا انتقض، يجب إلا ضارب، لا إذا رجح الاستثناء أو نحو ذلك، وأما كونه منصوبًا على أنه خبر (ما) فممنوع.
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا بِي أَنْتَ مَعْنِيًَّا أَجَازَ العُلَمَا
المراد أنه يجوز تقديم معمول خبر (ما) على اسمها إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، فإن كان غير ظرف أو مجرور بطل عملها ما طعامك زيد آكل، كما مر معنا.
ابن عقيل زاد شرطين على ما ذكره الناظم، وهما يردان إلى الشرط الأول والثاني، يعني ليست بشروط مستقلة.
قال: الشرط الخامس: ألا تتكرر (ما) فإن تكررت بطل عملها، إذًا هذا انتقض النفي، ألا يبدل من خبرها موجب، حينئذٍ انتقض النفي، لماذا؟ لأن (ما) لا تعمل إلا في اسم منفي وخبر منفي، وهذا داخل في ما سبق.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ بِلكِنْ أَوْ بِبَلْ مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ بِمَا الْزَمْ حَيْثُ حَلّ
إذا نصبت (ما) الحجازية، حينئذٍ إذا عطف على منصوبها وهو الخبر ببل ولكن، قال: يجب الرفع، مثل أن تقول: ما زيد قائمًا بل قاعد، هل يصح أن نقول: بل قاعدًا عطفًا على قائمًا؟ لا يصح؛ لأنها للإيجاب، فحينئذٍ ما بعد بل منفي أو مثبت؟ مثبت، فإذا جعلته متصلًا بما قبله نقضت النفي، وحينئذٍ يتعين أن يرفع ما بعد بل، ويجعل خبرًا لمبتدئٍ محذوف، ما زيد قائمًا، بل عمرو، عمرو هذا خبر مبتدئٍ محذوف، كذلك بـ: لكن، ما عمرو شجاعًا لكن كريم .. لكن هو كريم، حينئذٍ تجعله خبر مبتدئٍ محذوف.
وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ بِلكِنْ أوْ بِبَلْ مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ بِـ (مَا) الحجازية، الْزَمْ رفع معطوف، (الْزَمْ) هذا الأصل- رَفْعَ مَعْطُوفٍ - هذا مفعول به مقدم لـ: الْزَمْ، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، والفاعل محذوف والتقدير: الزم رفعك معطوفًا .. الزم رفعك- أنت الذي ترفع معطوفًا- بـ: بل إلى آخره.
وقوله: وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ: سماه معطوفًا مجاز؛ إذ ليس معطوفًا هو، وإنما هو خبر مبتدأ محذوف، وبل ولكن حرفا ابتداء، فحينئذٍ إذا قلت: وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ بِلكِنْ، هذه للاستدراك وهي تفيد إثبات الحكم، أو نفي الحكم السابق إثباته لما بعدها، وكذلك بل المراد ببل هنا ليس الانتقالية وإنما الإضرابية.
مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ: يعني من بعد خبر منصوب، بما الحجازية الْزَمْ حَيْثُ حَلْ ونزل، وإنما وجب الرفع لكونه خبر مبتدئٍ مقدر، ولا يجوز نصبه عطفًا على خبر (ما) لأنه موجب، وهي لا تعمل في الموجب.
[ ٣٥ / ١٣ ]
هذا متمم للشرط السابق؛ لأنه وإن كان منفصلًا موهمًا أن بل ولكن يعطف بما بعدهما على ما قبلهما، فالحكم واحد نبه على هذا رحمه الله تعالى، فبين أن بل ولكن، الحكم يكون فيهما مختلف عن الواو والفاء، فإنه لو عطف بالواو والفاء حينئذٍ حكمه يختلف، وأما إذا عطف بلكن وبل اللذان يفيدان أن ما بعدهما مخالف لما قبلهما في الحكم، وما قبلهما منفي وما بعدهما موجب، حينئذٍ انتقض النفي، فوجب أن يفصل الكلام وأن يقدر للملفوظ مبتدأً محذوفًا؛ لأنه موجب، وهي لا تعمل في الموجب نحو: ما زيد قائمًا بل قاعد، وما عمرو شجاعًا لكن كريم، أي بل هو قاعد، قاعد خبر مبتدئٍ محذوف، إذًا ليس بمعطوف؛ لأن قاعد مفرد والأصل في المعطوفات أن يكون للمفرد، ولكن هو كريم، فإن كان العطف بحرف لا يوجب كالواو والفاء جاز الرفع والنصب نحو: ما زيد قائمًا ولا قاعد، ولا قاعدًا .. يجوز فيه الوجهان: لأن الواو لا تفيد أن ما بعدها مخالف لما قبلها بل تفيد الاشتراك، ومثلها الفاء ما زيد قائمًا ولا قاعد على أنه خبر مبتدئٍ محذوف، ولا قاعدًا بالنصب على أنه معطوف على منصوب، والمعطوف على المنصوب منصوب،، ومثله بالفاء ما زيد قائمًا فعمرو، إن كان العطف بالواو والفاء حينئذٍ نقول ما بعده معطوف على ما قبله، هل نعيد لا مع الفاء؟ لا نعيدها.
إذًا ما زيد قائمًا فعمرو، فعمروًا .. يجوز فيه الوجهان. إن نصبنا فهو معطوف على ما قبله، وإن رفعنا حينئذٍ فصلنا فقلنا: فعمرو قاعد أو فعمرو جالس، نقدر ما يناسب الحال؛ لأن الفاء مثل قولك: جاء زيد فعمرو، فما بعده يكون مناسبًا لما قبله في الحكم، رأيت زيدًا فعمرو، ولا نحتاج إلى إعادتها.
وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ بِلكِنْ أَوْ بِبَلْ مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ بِمَا الْزَمْ حَيْثُ حَلّ
مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ بِمَا -الحجازية- الْزَمْ حَيْثُ حَلْ لَكِنْ وبَلْ هنا لا يقال إنها عاطفة؛ لأنهما لا يعطفان إلا المفرد وهنا جملة في الحقيقة بَلْ ولَكِنْ حرفان للانتقال.
قال الشارح رحمه الله تعالى: إذا وقع بعد خبر ما عاطف فلا يخلو إما أن يكون مقتضيًا للإيجاب أو لا، فإن كان مقتضيًا للإيجاب تعين رفع الاسم الواقع بعده وذلك نحو: بل ولكن فتقول: ما زيد قائمًا لكن عمرو أو بل قاعد، فيجب رفع الاسم على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير لكن هو قاعد، وبل هو قاعد ولا يجوز النصب البتة، لما ذكرناه سابقًا.
وإن كان الحرف العاطف غير مقتض للإيجاب كالواو ونحوها كالفاء جاز النصب والرفع والمختار النصب: ما زيد قائمًا ولا قاعدًا، ويجوز الرفع: ولا قاعد، وهو خبر لمبتدأ محذوف.
ففهم من تخصيص المصنف وجوب الرفع بما إذا وقع الاسم بعد بل ولكن أنه لا يجب الرفع بعد غيرهما.
وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ وَبَعْدَ لاَ وَنَفْيِ كَانَ قَدْ يُجَرّ
ليس قد يقع في خبرها أو يتصل بها الباء الزائدة التي تفيد التأكيد، ومثلها (ما) النافية.
[ ٣٥ / ١٤ ]
وَبَعْدَ (ما) النافية وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ: جَرَّ الباءُ الْخَبَرَ، بعد (ما) النافية، مطلقًا سواء كانت تميمية أو حجازية، فليس الحكم خاصًا بالحجازية، وسواء كانت الحجازية عاملة أو ليست بعاملة؛ لأنها إذا أبطلت ما إن زيد قائم، هل يصح إدخال الباء الزائدة على قائم؟ نقول: نعم، ولو كانت مبطلة ولو كانت ملغاة.
وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ: الباء الزائدة خبر كثيرًا، أطلق الناظم هنا (ما) فيشمل الحجازية والتميمية وهو كذلك، وقيده بعضهم بالحجازية وهو مردود فقد نقله سيبويه عن تميم وهو موجود في أشعارهم فلا التفات إلى من منع ذلك.
وأيضًا يشمل إطلاقه العاملة والتي بطل عملها بدخول إن، كما صرح بذلك هو في غير هذا الكتاب.
وَلَيْسَ جَرَّ البَا: إذًا الزائدة.
وَبَعْدَ لا وَنَفْي كَانَ قَدْ يُجَرّ: قد هنا للتقليل، إذًا قد تتصل الباء وتدخل الباء المؤكدة في خبر (لا) النافية عاملة عمل ليس، وَنَفْي كَانَ وبقية النواسخ، غير إن وأخواتها وكاد وأخواتها، إذًا كان ما كان زيد بقائم، كان المنفية أو كل ما دخل عليه النفي من النواسخ حينئذٍ يجوز أن يتصل بخبرها الباء التي تفيد التأكيد.
ويشمل إطلاقه أنه لا فرق في (لا) العاملة عمل ليس والعاملة عمل إن نحو: لا خَيْرَ بخيرٍ بعده النار، أي لا خير خير، لقوله: وَبَعْدَ لا –النافية-، سواء التي تعمل عمل ليس أو التي تعمل عمل إن كما سيأتي.
وَنَفْي كَانَ: أي كان المنفية.
قَدْ يُجَرّ: قليلًا، قد للتقليل.
تزاد الباء كثيرًا في الخبر بعد ليس وما نحو قوله تعالى: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ» [الزمر:٣٦] كَافٍ هذا قطعًا أنه خبر ليس وهو منصوب، ولكنه جر لموافقة العامل الظاهر، وإلا في التقدير فهو منصوب.
«أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ» [الزمر:٣٧] أليس الله عزيزًا، زيدت الباب هنا للتأكيد، لتأكيد النفي، «وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» [الأنعام:١٣٢]، و«وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» [فصلت:٤٦] ولا تختص زيادة الباء بعد ما بكونها حجازية، بل تزاد بعدها وبعد التميمية، وقد نقل سيبويه والفراء زيادة الباء بعد ما عن بني تميم، فلا التفات إلى من منع ذلك وهو موجود في أشعارهم.
وذهب الكوفيون إلى أن الزيادة لتأكيد النفي، وهذا هو المرجح، وذهب البصريون إلى أنها لرفع أن يتوهم السامع أن الكلام بني على الإثبات لكونه لم يسمع أوله، هذه فلسفه.
يعني يقولون: زيدت الباب لماذا؟ لأنه يحتمل أنه لم يسمع أوله، «وَمَا اللَّهُ» ما سمع هذا، وإنما سمع «بِغَافِلٍ» علم أن الباء إنما تزاد في جواب ما وليس، هذا ليس صحيح.
وقد وردت زيادة الباء قليلًا في خبر لا وكل ناسخ منفي كقوله:
فَكُنْ لي شَفِيعًا يومَ لا ذُو شَفاعَةٍ بمُغنٍ هذا الشاهد.
فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ لاَ وَقَدْ تَلِي لاَتَ وَإِنْ ذَا الْعَمَلاَ
انتهينا من ما وما يتعلق بها، ثم شرع في لا ولات وإن، وإعمالها أضعف من (ما)، والأشهر هو (ما)، وأما إن ولا ولات، هذه حتى بعضهم منع إعمالها،
فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ: أُعْمِلَتْ لا، لا هذا نائب فاعل كَلَيْسَ: حال كونها كَلَيْسَ.
[ ٣٥ / ١٥ ]
فِي النَّكِرَاتِ: جار ومجرور متعلق بقوله: أعملت، أعملت في النكرات لا في المعارف، إذًا هي مختصة بماذا؟ بالنكرات، وهذا قليل إعمال لا إعمال ليس قليل جدًا.
وهم مع ذلك مختلفون في جواز إعمالها قياسًا على ما سمع، فذهب سيبويه إلى جواز الإعمال، لكنه قليل، وذهب الأخفش والمبرد إلى منع إعمالها وهو أقيس -وهو القياس- لماذا؟ لأنه مهمل هذا الأصل فيه، فالأصل فيه عدم العمل، لكنه سمع بعض الأشعار إعمال لا، وحينئذٍ نقول: تعمل لا، لكن بشروط وهو قليل، وليس هو كـ (ما) النافية؛ إذ (لا) حرف مشترك بين الأسماء والأفعال فحقه الإهمال، هكذا علله الأخفش والمبرد بمنع إعمالها وهو القياس، لكن السماع هنا مقدم.
ويبقى السماع على ما سمع، حينئذٍ يكون قيلًا.
إذًا فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ، ظاهر كلامه مساواة (لا) لـ: ليس في العمل؛ لأنه قال: أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ لا.
ثم قال: وَقَدْ تَلِي: تليها، قد يفهم منه أن لا وليس في العمل في مرتبة واحدة، وليس الأمر كذلك؛ لأن ليس إعمالها متفق عليه، وأما لا مختلف فيه، حينئذٍ ليس المراد هنا المساواة من كل وجه، ظاهر كلامه مساواة (لا) لـ (ليس) في كثرة العمل، وليس كذلك، بل عملها -عمل (ليس) - قليل، حتى منعه الأخفش والمبرد.
فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ لا: بشرط بقاء النفي والترتيب على ما مر .. بشرط بقاء النفي فلا ينتقض، فإن انتقض حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو الإهمال، كذلك يشترط فيه الترتيب على ما مر بتقديم المبتدئ على الخبر، فإن تقدم الخبر على المبتدئ، حينئذٍ بطل عملها، وهي لا تقترن بـ: إن أصلًا، حينئذٍ لا نحتاج إلى اشتراط إن؛ لأنه قال:
دُونَ إنْ مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتيبٍ زُكِنْ.
(لا) لا تقترن بـ (إن) البتة، حينئذٍ لا نحتاج إلى اشتراط هذا الشرط، وإنما نقول: مَعَ بَقَا النَّفْي، يبقى النفي، فإن انتقض النفي بـ: إلا أو غيره بطل عمل لا.
تَرْتيبٍ زُكِنْ على ما هو الأصل، وهو أيضًا خاص بلغة الحجاز دون تميم، إعمال لا الحجازية، أما تميم فلا.
فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ لا: إنما اختص عمل لا في النكرات؛ لأنها عند الإطلاق لنفي الجنس برجحان، والوحدة بمرجوحية، وكلاهما بالنكرات أنسب، وهذا يأتينا في باب لا النافية للجنس، أما التي لنفي الجنس نصًا فعاملة عمل إن.
إذًا النوع الثاني هو لا.
قال الشارح: أما لا فمذهب الحجازيين إعمالها عمل ليس ومذهب تميم إهمالها، ولا تعمل عند الحجازيين إلا بشروط ثلاثة، والغالب أن يكون خبرها محذوفًا، الغالب في لا أن يحذف خبرها، حتى قيل: يجب حذف الخبر.
كقوله: (فَأَنَا ابْنُ قَيْسِ لا بَرَاحُ )، يعني لا براح لي، والصحيح جواز ذكره، لقوله:
تَعَزّ فَلاَ شَئٌ عَلَى الأَرْضِ بَاقِيًا، بَاقِيًا هذا تصريح بخبر لا، وَلا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللهُ وَاقِيًا، إذًا الصواب أنه يذكر، إذًا لا تعمل عند الحجازيين إلا بثلاثة شروط:
أولًا: أن يكون الاسم والخبر نكرتين؛ لأنه نص على ذلك قال: فِي النَّكِرَاتِ، ومنه قول الشاعر:
تَعَزّ فَلاَ شَئٌ (فلا) نافية تعمل عمل ليس، شَئٌ اسمها.
[ ٣٥ / ١٦ ]
تَعَزّ فَلاَ شَئٌ عَلَى الأَرْضِ بَاقِيًا: (بَاقِيًا) هذا خبر لا، وعَلَى الأَرْضِ جار ومجرور متعلق بباقيًا.
وَلا وَزَرٌ: (لا) نافية، تعمل عمل ليس، وَزَرٌ اسمها.
مِمَّا قَضَى اللهُ: من الذي قضى الله، متعلق بقوله: وَاقِيًا، وواقيًا هو الخبر -هذا الشرط الأول-.
وزعم بعضهم أنها قد تعمل في المعرفة بناء على ما ذكر عن النابغة:
وحَلَّتْ سَوادَ القَلبِ لاَ أَنَا بَاغِيًا سِواهَا، وَلاَ عَنْ حُبِّهَا مُتَرَاخِيًَا
لا أَنَا: هذا معرفة، ودخلت عليه (لا) وأعملت بدليل ماذا؟ باغيًا، هذا خبر فدل على إعمالها، وتردد الناظم في هذا البيت فأجاز في التسهيل القياس عليه، وتأوله في شرح الكافية، فقال: يمكن عندي أن يجعل أنا مرفوع فعل مضمر ناصب باغيًا على الحال تقديره لا أرى باغيًا، وهذا أولى أن يقدم لما ذكرناه.
الشرط الثاني: ألا يتقدم خبرها على اسمها: لا قائمًا رجل - وَتَرْتيبٍ زُكِنْ -.
الشرط الثالث: ألا ينتقض النفي بـ: إلا: لا رجل إلا أفضل من زيد بنصب أفضل بل يجب رفعه، ولم يتعرض المصنف لهذين الشرطين.
بل الصواب أنه تعرض؛ لأنه ذكر الحكم أولًا.
وزِيد عليه شرط رابع: ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها، وهو غير ظرف ولا جار ومجرور، وهذا يمكن أن نأخذه من قوله:
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا بِي أَنْتَ مَعْنِيًَّا أَجَازَ الْعُلَمَا
الخامس: ألا تكون نصًا في نفي الجنس.
ثم قال: وَقَدْ تَلِي لاَتَ وَإِنْ ذَا الْعَمَلاَ.
: وَقَدْ تَلِي تَلِي من ولي الشيء يليه ولاية إذا تولاه، وَقَدْ تَلِي لاَتَ، لات هنا فاعل قصد لفظه، وإن معطوف عليه، (ذَا) اسم إشارة مفعول به، تَلِي لاَتَ ذَا الْعَمَلاَ، العمل المذكور السابق وهو عمل ليس، وَقَدْ تَلِي لاَتَ ذَا الْعَمَلاَ، (ذَا) اسم إشارة في محل نصب مفعول به لتلي، ولاَتَ هذه فاعل، والْعَمَل هذا بدل أو عطف بيان.
أما لاَتَ فأثبت سيبويه عملها، ومنعه الأخفش.
وأما إِنْ فأجاز إعمالها الكسائي وأكثر الكوفيين، ومنعه جمهور البصريين، والصحيح الإعمال فقد سمع نثرًا ونظمًا.
الصحيح في هذه المسائل الأربعة الإعمال؛ لأنه سمع نثرًا وشعرًا، حينئذٍ يبقى على ما سمع عليه، القليل قليل، والكثير كثير، ونبقى على أصول.
وأما إِنْ النافية فمذهب أكثر البصريين والفراء أنها لا تعمل شيئًا، -الصحيح أنها تعمل وأن إعمالها نادر-، ومذهب الكوفيين أنها تعمل عمل ليس وقال به من البصريين أبو العباس المبرد وأبو بكر بن السراج وأبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جني، وزعم أن في كلام سيبويه إشارة إلى ذلك وقد ورد السماع به
إِنْ هُوَ مُسْتَوْلِيًا عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ عَلَى أَضْعَفِ الْمَجَانِينِ
وسمع: (إنْ أَحَدٌ خَيْرًا مِنْ أَحَدٍ إلا بِالْعَافَيَةِ)، إن أحد خيرًا من أحد يعني: ما أحد خيرًا من أحد، فنصب خيرًا دل على أن إن هذه معملة.
إِنْ هُوَ مُسْتَوْلِيًا: إن حرف نفي، يعمل عمل ليس، هو اسمها، مستوليًا: هنا جاء معرفة لا يشترط فيها أن يكون نكرة، وإنما النكرة تشترط في (لا)، وأما (ما) لا يشترط فيها، وكذلك (إن).
[ ٣٥ / ١٧ ]
مُسْتَوْلِيًا: هذا خبر (إن)، شروط إعمال إن، أن يبقى النفي، أن يتقدم اسمها على خبرها، ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها وهو غير ظرف ولا جار ومجرور.
وذكر ابن جني في المستحب أن سعيد بن جبير قرأ: «إِنْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالَكُمْ» بالنصب، نعت لـ: عبادًا -نعت له-.
إِنْ الَّذِينَ نافية رفعت الذين ونصبت عبادًا، إِنْ الَّذِينَ يعني ما الذين تدعون من دون الله عِبَادًا بالنصب على أنه خبر لـ (إن) وله توجيه عند النحاة.
ولا يشترط في اسمها وخبرها أن يكونا نكرتين، بل تعمل في النكرة والمعرفة، إن رجل قائمًا، وإن زيد القائم، وإن زيد قائمًا.
وأما لاتَ بزيادة التاء قيل: هي أصلها (لا) النافية زيدت عليها التاء، تاء التأنيث المفتوحة لتأنيث اللفظ، وقيل: زيدت للدلالة على المبالغة في النفي، وقيل: ليقوى شبهها بالفعل.
ومذهب الجمهور أنها تعمل عمل ليس، فترفع الاسم وتنصب الخبر، لكن اختصت بأنها لا يذكر معها الاسم والخبر معًا، بل لا بد من حذف أحدهما، والأكثر أن يحذف الاسم، بل إنما يذكر معها أحدهما، والكثير في لسان العرب حذف اسمها وبقاء خبرها «وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ» [ص:٣] وَلاتَ الحين حِينَ مَنَاص، يعني فرار، وَلاتَ الحينُ حينَ، فـ: حِينَ منصوب على أنه خبر لات، وإن اسمها محذوف تقديره: ولات الوقت وقت مناص، يعني فرار، أو وَلاتَ الحين حين مناص.
فحذف الاسم وبقي الخبر، والتقدير: وَلاتَ الحين وحين مناص، والحين اسمها، وحين مناص خبرها، وقد قرأ شذوذًا «وَلاتَ حِينُ مَنَاصٍ» على أنه اسم لات، وحذف خبرها.
والخبر محذوف والتقدير وَلاتَ حين مناص لهم، وَلاتَ حين مناص كائنًا لهم.
قال الناظم:
وَقَدْ تَلِي لاَتَ وَإِنْ ذَا الْعَمَلاَ
وَحَذْفُ ذِي الرَّفْعِ فَشَا وَالْعَكْسُ قَلّ
وَمَا لِلاَتَ فِي سِوَى حِينٍ عَمَلْ
وَمَا لِلاَتَ: ليس للات في غير اسم حينٍ يعني زمان، هل المراد في لفظ الحين فقط أو المراد الحين ومثله؟ كل ما دل على زمن من أسماء الزمان، الثاني هو الظاهر، ليس المراد لفظ الحين، وإنما المراد كل ما دل على الزمن، فحينئذٍ يختص اسم أو يختص مدخولا لات بأسماء الزمان، وليس الحكم خاص بالحين، والآية إنما تذكر كمثال فقط.
وَمَا لِلاَتَ فِي سِوَى حِينٍ: لعله خص حين للآية؛ لأنها هي المثال المشهور عند النحاة.
وَمَا لِلاَتَ فِي سِوَى حِينٍ: اسم حين، أي زمان عمل.
بل لا تعمل إلا في أسماء الأحيان، نحو: حين، وساعة، وأوان؛ للآية السابقة، وقول الشاعر: نَدِمَ البُغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ.
وَحَذْفُ ذِي الرَّفْعِ فَشَا: يعني لا يذكر معها المرفوعان، وإنما لا بد من حذف أحدهما.
وَحَذْفُ ذِي الرَّفْعِ: أي المرفوع، يعني صاحب الرفع، وهو الاسم المرفوع.
فَشَا: يعني كثر، وَالْعَكْسُ قَلْ: وهو حذف الخبر وإبقاء الاسم.
الأول كثير حذف الاسم وإبقاء الخبر، والعكس قل .. قل جدًا؛ للآية التي ذكرناها «وَلاتَ حِينُ مَنَاصٍ».
[ ٣٥ / ١٨ ]
قال: وأشار بقوله: وَمَا لِلاَتَ فِي سِوَى حِينٍ عَمَلْ إلى ما ذكره سيبويه من أن لات لا تعمل إلا في الحين، واختلف الناس فيه، فقال قوم: المراد أنها لا تعمل إلا في لفظ الحين، ولا تعمل في مرادفه كالساعة ونحوها، وقال قوم: المراد أنها لا تعمل إلا في أسماء الزمان، وتعمل في لفظ الحين وفيما رادفه من أسماء الزمان، ومن عملها فيما رادفه قول الشاعر:
نَدِمَ البُغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ: إذًا سمع، وإذا سمع حينئذٍ نقول: لا يراد به لفظ الحين بل هو عام، وكلام المصنف محتمل القولين، وجزم بالثاني في التسهيل.
ومذهب الأخفش أنها لا تعمل شيئًا، وأنه إن وجد الاسم بعدها منصوبًا فناصبه فعل مضمر، والتقدير لات أرى حين مناص، وإن وجد مرفوعًا فهو مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: لات حين مناص كان اللفظ.
ولكن المشهور هو الأول.
إذًا: شروط عمل لاَتَ: أن يبقى النفي، وأن يتقدم اسمه على خبرها، ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها وهو غير ظرف ولا جار ومجرور، أن يكونا نكرتين، ألا يجمع بين جزئيها والأكثر حذف الاسم، لا تعمل إلا في الحين وما رادفه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٣٥ / ١٩ ]