عناصر الدرس
* شرح الترجمة (لا التي لنفي الجنس) ـ
* عمل (لا) النافية للجنس وشروطها
* أحوال وأنواع خبرها
* أحكام التوابع اسمها وبعض أحكامها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال الناظم رحمه الله تعالى: "لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس.
هذا فصل لاحق بباب (إن) وأخواتها؛ لأنَّ (لا) النافية للجنس هذه محمولة على (إن) في إعمالها النصب مبتدأ، والرفع خبر، ولذلك عدها ابن هشام ثمانية .. - (إن) وأخواتها- عدها ثمانية وجعل منها (لا) التي لنفي الجنس، لماذا؟ لأن هذه أحرف تدخل على المبتدأ والخبر فتنصب المبتدأ على أنه اسم لها، وترفع الخبر على أنه خبر لها، وإن كان في بعض أحوال (لا) يكون مبنيًا في اللفظ؛ لأنه من جهة المحل يكون معربًا، يعني مبنيًا في اللفظ ولكنه في المحل معرب على النصب.
"لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس.
(لاَ) قد تكون ناهية، وهذه تختص بالفعل المضارع تدخل عليه فتجزمه «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» [التوبة:٤٠] وقد تكون زائدة، حينئذٍ لا عمل لها، «مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ» [الأعراف:١٢] (أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (لا) هذه زائدة، دخولها وخروجها من حيث العمل واحد، يعني لا تأثير لها، وقد تكون (لا) عاطفة -حرف عطف- كما سيأتي في محله، جاء زيد لا عمرو، وقد تكون (لا) عاملة عمل (ليس) وهي التي سبقت معنا في:
" فَصْلٌ فِي مَا، وَلا، وَلاتَ، وإنِ، الْمُشَبَّهَات بِلَيْس".
إذًا هذه أربعة: (لا) الناهية، (لا) الزائدة، (لا) العاطفة، (لا) التي تعمل عمل ليس، بقي معنا الخامسة وهو (لا) التي للجنس.
ولما قال الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس عرفنا أن تلك اللاءات إن صح التعبير خرجت بهذا القيد؛ لأنها موافقة لها في اللفظ إلا أنها من حيث العمل أو من حيث المعنى مفارقة، الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس هذا أخرج (لا) الناهية، و(لا) الزائدة، والعاطفة، والتي تعمل عمل ليس؛ وحينئذٍ اختص الحكم بنوع واحد من (لا).
الْجِنْس: المراد به هنا هو ما يعبر عنه بالجنس عند المناطقة، فاللفظ مُتَّحِد .. -اللفظ واحد-، ويعرَّف هناك بأنه كلي مقول على كثيرين مختلفين في الحقائق.
كلي يعني: لفظ مشترك:
فَمُفْهِمُ اشْتِراكٍ الكُلِّيُّ كَأَسَدٍ وَعَكْسُهُ الجُزْئِيُّ
سبق معنا مرارًا أن اللفظ المفرد ينقسم إلى كلي وجزئي باعتبار معناه، باعتبار ما يصدق عليه، إن اشتركا في مفهومه اثنان فأكثر، هذا يسمى كليًا، وإن اختص بفرد واحد دون غيره هذا يسمى جزئيًا ..
فَمُفْهِمُ اشْتِراكٍ الكُلِّيُّ كَأَسَدٍ وَعَكْسُهُ الجُزْئِيُّ
حينئذٍ الجنس كلي مقول على كثيرين، يعني محمول على كثيرين حمل مواطئة، يعني يخبر به على كثيرين، مختلفين في الحقائق، أخرج النوع فإنه وإن كان محمولًا على كثيرين أو مقولًا على كثيرين إلا أنها متفقة في الحقائق، وأما الجنس فلا.
[ ٤١ / ١ ]
مثاله: يقال الفرس حيوان، حيوان هذا جنس يصدر على كثيرين آحاد أفراد كثيرة متفقة في الحقائق أو مختلفة؟ مختلفة في الحقائق، لماذا؟ لأنه يصدق على الفرس، ويصدق على الإنسان، ويصدق على الثعبان، ويصدق على الجرادة، ويصدق على الدجاجة، ويصدق على الماعز والإبل .. كلها حيوان. هذه آحاد وهي متفقة في الحقائق أو مختلفة؟ مختلفة حقيقة الإنسان مغايرة لحقيقة الفرس، وحقيقة الفرس مغايرة لحقيقة الحمار ونحو ذلك، فحينئذٍ نقول: هذه حقائق مختلفة، صدق عليها لفظ واحد مشترك بينه وهو لفظ حيوان، حيوان هذا نقول: جنس، مقول كلي، -فَمُفْهِمُ اشْتِراكٍ- كلي مقول يعني: محمول على كثيرين فرس، وحيوان، إنسان إلى آخره مختلفين بالحقائق. إذًا حقائقه مختلفة بجواب (ما هو؟).
وإن شئت قل: الجنس هو جزء الماهية الصادق عليها وعلى غيرها، فالحيوان جزء ماهية الإنسان يصدق على الإنسان وعلى غيره وهو الفرس مثلًا، والحيوان جزء ماهية الفرس يصدق عليه وعلى غيره كالإنسان، وهَلُمَّ جَرَّا.
وأما لفظ إنسان هذا له حقائق .. حقائق لكنها متفقة لا مختلفة، يعني إذا قيل: زيد إنسان، وعمرو إنسان، وخالد إنسان .. إذًا حمل على كثيرين كما أن حيوان حمل على كثيرين، إلا أن حيوان حمل على كثيرين مختلفة في الحقائق، حقيقة الإنسان مغايرة لحقيقة الثعبان ونحو ذلك.
وأما زيد وعمرو وخالد، فهذه حقيقتهم واحدة، وأما ما يكون من الأعراض والصفات هذا ليس داخلًا في الحقائق، يعني كونه طويلًا، وكونه أسمر، وكونه أبيض .. هذه صفات ليست هي في حقيقة الإنسان وإنما شيء مغاير له، بمعنى أنه عرض يمكن وجود الإنسان بدونه، فحينئذٍ نقول: الجنس الذي أراده النحاة هنا هو الجنس الذي عند المناطقة وهو جزء الماهية الصادق عليها وعلى غيرها، وكذلك هو كلي مقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب (ما هو؟).
"لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس.
بعضهم عبر عنها بأنها (لا) التّبرِئَة، التي تبرئ اسمها عن حكم الخبر.
"لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس: هذا اختصار، -اختصار في التعبير-، والواقع أنها نافية لحكم الخبر عن الجنس؛ لأن الجنس هذا معنى، والنفي معنى، وحكم الخبر معنى، والاسم الأصل فيه أن يكون ذاتًا.
حينئذٍ يرد السؤال: ما الذي ينفى؟ هل الذي ينفى الحقائق أم الذوات؟ لا شك الأول هو الذي يتسلط عليه النفي، حينئذٍ إذا قيل: لا رجل في الدار، ما الذي يراد نفيه بهذه الجملة؟ هل وجود شيء اسمه رجل في الدنيا أم المراد نفي كينونة الرجل في الدار؟ إذًا شيء خارج عن ذات الرجل، فليس المراد بقولنا: لا رجل في الدار نفي شيء اسمه رجل! لا، إنما المراد نفي صفة اسم (لا)، وهو الكينونة والوجود والثبوت في الدار كما سيأتي.
إذًا: "لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس نقول: هذا اختصار، والواقع أنها نافية لحكم الخبر عن الجنس؛ لأن النفي (لا) يتسلط إلا على الأفعال ونحوها، ولا يتسلط على الذوات.
ويقال لها: (لا) التّبرِئَة؛ لأنها تبرئ الجنس من حكم خبره، برأت الجنس وهو رجل من حكم الخبر وهو الكينونة في الدار.
"لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس: أي: لنفي الخبر عن الجنس الواقع بعدها نصًا.
لنفي الخبر يعني: حكم الخبر عن الجنس.
[ ٤١ / ٢ ]
الواقع بعدها نصًا يعني: على جهة الاستغراق لا على جهة الاحتمال، ثم هو على جهة النص لا على جهة الاحتمال، كما هو الشأن في (لا) التي تعمل عمل (ليس) ونفيه عن الجنس يستلزم نفيه عن جميع أفراده؛ لأنه إذا قيل: لا رجل في الدار، رجل هذا قلنا يصدق على زيد وعمرو وخالد .. إلى آخره، فإذا نفينا الجنس وهو القدر المشترك بين زيد وعمرو وخالد، يستلزم نفي الأفراد –الآحاد-، إذا نفينا القدر المشترك بين زيد وخالد وعمرو لا رجل، فحينئذٍ (رجل) الرجولة هذه لا توجد هكذا دون عمروٍ وخالد كما مر معنا.
حينئذٍ إذا نفي الجنس يستلزم نفي أفراده، فإذا قيل: لا رجل بمعنى لا خالد ولا عمرو ولا محمد .. ولا إلى آخره، فهذه الأفراد نفيت، هل من جهة النص أو من جهة الاستلزام؟
من جهة الاستلزام؛ لأننا نحن لم ننف الآحاد، لم ننف الأفراد، وإنما سلط النفي على الجنس، والجنس هذا قدر مشترك معنا، فحينئذٍ نقول: هذا يستلزم نفي الآحاد والأفراد.
وتسمى (لا) التّبرِئَة كما سبق بإضافة الدال للمدلول، لتبرئة المتكلم وتنزيهه الجنس عن الخبر، والمراد بكونها لنفي الجنس نصًا كونها له في الجملة -"لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس- نقول هذه معناها أنها تنفي الجنس في الجملة، لماذا؟ لأن اسمها كما سيأتي يكون مفردًا ويكون مضافًا ويكون شبيهًا بالمضاف، وإذا كان مفردًا يكون مثنىً ويكون جمعًا، وإذا كان جمعًا يكون جمع تكسير ويكون جمع مؤنث سالم، ويكون جمع مذكر سالم .. هل هذه كلها تفيد الاستغراق في نفي الجنس؟ هل كلها إذا تسلطت عليها (لا) حينئذٍ تكون نصًا في العموم؟ لا، وإنما المراد منها نوع واحد وهو لا رجل فحسب، وأما لا رجلين، ولا رجال، ولا مسلمِين ولا مسلمَين الظاهر أنها ليست نصًا في العموم، فإذا قيل: (لا) التي لنفي الجنس حينئذٍ نقول: المراد به نوع واحد من أنواعها وهو الغالب الكثير؛ لأنه مفرد واستعمال المفرد أكثر من استعمال المثنى والجمع.
إذًا المراد بكونها لنفي الجنس نصًا كونها له في الجملة؛ لأن (لا) العاملة عمل (إن) إنما تكون نصًا في نفي الجنس إذا كان اسمها مفردًا لا رجل، وأما لا رجلين، ولا رجالًا، ولا مسلمين .. فلا، هذه مقيدة بالجمع ومقيدة بالاثنين، فإذا قيل: لا مسلمَين، لا مسلمِين حينئذٍ نفي القيد الذي قيد به اسم (لا) وهو الاثنينية أو الجمعية، وأما ماعداه فهو محتمل، إذا قيل: لا مسلمَين في الدار قد يكون مسلم موجود، قد يكون مسلمون، ولكن هنا نص على نفي الاثنين، فاستغرق النفي قيد الاثنينية فحسب، وما عداه فلا، هذا هو الظاهر.
فإن كان مثنىً نحو لا رجلين أو جمعًا نحو لا رجال كانت محتملة، ليست نصًا في نفي الجنس كانت محتملة لنفي الجنس ولنفي قيد الاثنينية أو الجمعية، وهذا كثير من الأصوليين على هذا.
وأما (لا) العاملة عمل ليس فإنها عند إفراد اسمها لنفي الجنس ظهورًا، لا رجلٌ في الدار، قلنا: لا رجل، هذه (لا) النافية للجنس، لا رجلٌ في الدار .. هذه (لا) التي تعمل عمل ليس.
[ ٤١ / ٣ ]
إذا قيل: لا رجل في الدار قلنا هذا نص في نفي الجنس، هل يصح أن يقال: لا رجل في الدار بل رجلان؟ تناقض هذا، ولا يصح أن يقال: لا رجل في الدار بل رجال، هذا تناقض، ويصح أن يقال: لا رجل في الدار بل امرأة؛ لأنك نفيت جنس الرجل، فحينئذٍ نقيضه المرأة لا بأس بوجودها، فإذا نفيت جنس الرجل حينئذٍ استلزم نفي الأفراد، فإذا قلت: لا رجل نفي كل فرد من أفراد هذا اللفظ، فإذا قلت: بل رجل، بل رجلان، بل ثلاثة، بل رجال .. نقول هذا كله يعتبر من التناقض، لماذا؟ لأنك نفيت الجنس ونفي الجنس يستلزم نفي الآحاد والأفراد، فيمتنع حينئذٍ أن تعطف على مدخول (لا) النافية للجنس بإثبات اثنين أو ثلاثة، تقول: هذا فاسد ويعود على الأول بالنقض، وأما لا رجلٌ في الدار فهذه النكرة التي وقعت في سياق النفي محتملة لأمرين: إما أنها لنفي الوحدة، وإما إنها لنفي الجنس، فحينئذٍ هي مشتركة مع (لا) النافية للجنس إلا أن (لا) النافية للجنس نص في العموم، لا تحتمل أبدًا الوحدة، وأما (لا) النافية أو (لا) التي تعمل عمل ليس .. فهذه ليست نصًا في نفي الجنس، وإنما هي محتملة، فحينئذٍ يحتمل إذا قيل: لا رجلٌ في الدار، المراد به نفي الوحدة، ولذلك يصح أن يقال: لا رجلٌ بل رجلان، صحيح هذا، لماذا؟ لأنك قلت: لا رجلٌ يعني: لا واحد، فإذا نفيت الواحد حينئذٍ يحتمل الوجود الاثنين والثلاثة والعشرة، وأما إذا قلت: لا رجل في الدار –هكذا- دون عطف، حينئذٍ احتمل الأمرين، ونحملها على نفي الجنس، ولذلك من القواعد المقررة عند الأصوليين أن النكرة في سياق النفي تعم، وهل هذه منها -لا رجلٌ في الدار-، داخل في القاعدة؟ نعم داخل في القاعدة، لكن النكرة في سياق النفي، إما أن تكون لنفي الجنس، فحينئذٍ تكون نصًا في العموم، وهذه خاصة بـ (لا) النافية للجنس، وإما أن تكون ظاهرة في العموم، وفرق بين نص العموم والظهور في العموم.
النص لا يحتمل أبدًا، بل قيل لا يحتمل التخصيص أصلًا، وأما الظاهر في العموم فهذا محتمل، كما هو الشأن في: لا رجل ٌفي الدار، قلنا ظاهره أنه لنفي الجنس، فحينئذٍ هي ظاهرة في العموم، فإذا لم توجد قرينة تدل على الوحدة مع كونها محتملة لها فنحمله على العموم لكنه ظاهر وليس بنص.
فإنها عند إفراد اسمها لنفي الجنس ظهورًا لعموم النكرة مطلقًا في سياق النفي، ولنفي الوحدة -وحدة مدخولها المفرد،- هذا أيضًا محتمل بمرجوحية-، فتحتاج إلى قرنية، حينئذٍ إذا جاء اللفظ هكذا: لا رجلٌ في الدار، تحملها مباشرة على أنه لنفي الجنس، لكنه ليس نصًا بل هو ظاهر، فإذا أردنا الوحدة وهو ما دلت عليه: لا رجل في الدار بمرجوحية حينئذٍ لا بد من قرينة.
إذًا: لا رجلٌ في الدار لها احتمالان: احتمال راجح، واحتمال مرجوح .. وكلاهما مما يدل عليه اللفظ وضعًا، أما الاحتمال الراجح فهو العموم في النفي ويكون ظاهرًا، وأما الاحتمال المرجوح وهو الدلالة على الوحدة.
إذا أطلقت هكذا: لا رجلٌ في الدار حملت على الاحتمال الراجح، وإذا أريد الاحتمال المرجوح لا بد من قرينة.
[ ٤١ / ٤ ]
فتحتاج إلى قرينة، ولهذا يجوز بعدها أن تقول: بل رجلان أو رجال، فإن ثُنِّيَ اسمها أو جُمِعَ كانت في الاحتمال مثل (لا) العاملة عمل (إن) إذا ثُنِّيَ اسمها أو جُمِعَ.
حينئذٍ نقول: (لا) النافية للجنس إذا كان اسمها مثنًى أو جمعًا هي مثل (لا) التي تعمل عمل ليس إذا ثني اسمها أو جمع لا فرق بينهما كلاهما محتمل لهذا وذاك، وأما المفرد في باب (لا) النافية للجنس والمفرد في باب (لا) التي تعمل عمل ليس هو الذي يقع فيها النزاع والانفصال، فالتي لنفي الجنس نص في نفي الجنس، والتي تعمل عمل ليس هي محتملة وظاهرة في نفي الجنس.
فالاختلاف بين العاملة عمل (إن) والعاملة عمل ليس إنما هو عند إفراد الاسم -عند المفرد فقط، إذا كان اسمها مفردًا-، وما عداه الأصل ينظر فيه إلى القرائن.
والمهملة كالعاملة عمل ليس، يعني إذا أبطل عمل (لا) التي لنفي الجنس، فحينئذٍ نقول: هذه هل هي باقية على أصلها في كونها لنفي الجنس نصًا؟ نقول: لا هي كالعاملة عمل ليس ظاهرة في العموم ومحتملة للوحدة.
هذا الفرق بين النوعين (لا) التي لنفي الجنس و(لا) التي تعمل عمل ليس، وهذا فرق جوهري يحتاجه الأصولي.
"لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس أو النافية للجنس أي: لصفته وحكمه، المراد بالجنس هنا -نفي الجنس-: حكم الجنس وصفة الجنس، وإلا فالجنس لا ينفى؛ لأنه معنى وحقيقة في الذهن، إذا قيل: قدر مشترك، هذا لا وجود له في الخارج إنما هو وجود في الذهن، حينئذٍ لا ينفى بل هو باق.
للجنس أي: جنس اسم (لا)، من حيث اتصافه بالخبر، وإلا فليس المنفي الاسم بل الخبر، هذا هو الأصل أن المنفي عن رجل هو كينونته في الدار وليس هو عين الرجل، فالمنفي حينئذٍ حكمه حكم الاسم؛ لأن الاسم ذات، فلا تنفى الذوات.
"لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس، (لا) المحمولة على (إن) لأن (لا) المشبهة بـ (ليس) قد تكون نافية للجنس.
عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ فِي نَكِرَهْ مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ
لِلاَ: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: اجْعَلْ.
وعَمَلَ إِنَّ: هذا مفعول به مقدم منصوب لـ اجْعَلْ.
اجْعَلْ عَمَلَ إِنَّ لِلاَ، وما هو عمل (إن)؟ نصب المبتدأ ورفع الخبر اجعله لِلاَ، انقله للا، فدل على الفرعية، حينئذٍ (لا) التي لنفي الجنس تعمل عمل (إن) بالحمل على (إن)، فليست هي مساوية لها من كل وجه، نستفيد من هذا أن الشيء إذا حمل على شيء آخر كان المحمول عليه أقوى في العمل، وكان له من التوسع في الأحكام ما ليس للمحمول أصلًا وهو (لا) التي لنفي الجنس.
إذًا: عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ نعلم أن (لا) هذه أدنى وأقل أحكامًا من (إن) التي هي الأصل، حينئذٍ ليس كل ما ساغ هناك يسوغ هنا؛ لأن (لا) هذه عامل ضعيف؛ لأنها في الأصل لا تعمل، وإذا أعملت حينئذٍ نقول: إعمالها ضعيف، بل الحروف كلها إعمالها ضعيف.
[ ٤١ / ٥ ]
عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ حملًا لها على (إن)، لماذا أعملت؟ في أي وجه من أوجه الشبه أشبهت (لا) النافية للجنس (إنَّ)؟ قالوا: لمشابهتها إياها في التوكيد، فإن (لا) لتوكيد النفي، و(إنَّ) لتوكيد الإثبات، إذًا كل منهما للتوكيد (إنَّ) للتوكيد و(لا) التي لنفي الجنس للتوكيد، إلا أن (إنَّ) تؤكد الإثبات ولا تؤكد النفي، وهذا يسمى قياس أو حمل النقيض على نقيضه، بمعنى أنها تفيد نفيًا أكيدًا قويًا، وهذا لا يقتضي وجود النفي أولًا بغيرها، إذا قيل: (لا) النافية للجنس لتوكيد النفي، قد يفهم أن ثم نفي وجد أولًا ثم جاءت (لا) فأكدته، مثل ما نقول: ما ما زيد (ما) الثانية هذه مؤكدة، لاَ لاَ أَبُوحُ بحِبِّ بَثْنَةَ إنّهَا .. (لا) الثانية نافية، مؤكدة للا الأولى، حينئذٍ إذا قيل مؤكدة يفهم منه أن الجملة قد دخلها نفي أولًا، ثم جيء بالحرف الثاني النافي فأكد المنفي الموجود في الجملة، هنا لا، ليس الأمر كذلك، بل المراد أنها تفيد نفيًا أكيدًا قويًا، وهذا لا يقتضي وجود النفي أولًا بغيرها، وإن كانت بتأكيد النفي لأنها نفت احتمال الوحدة من مدخولها، وهذا تأكيد فرق بين لا رجلَ، ولا رجلٌ .. الأولى آكد في النفي من الثانية، لماذا؟ لكونها لنفي الجنس، والثانية لنفي الجنس ظاهرًا مع احتمال الوحدة.
إذًا تعمل (لا) عمل (إن) إلحاقًا بها لمشابهتها لها في تأكيد النفي -هذا أولًا-.
ثانيًا: التصدر والتصدير، (إن) لها صدر الكلام، ولا التي لنفي الجنس لها صدر الكلام، يعني تقع في أول الجملة مثل (إنَّ) ولام الابتداء ونحوها.
والدخول على المبتدأ والخبر، (إن) من خصائص الأسماء تدخل على المبتدأ والخبر، و(لا) التي لنفي الجنس كذلك من خصائص المبتدأ والخبر تدخل على الجملة الاسمية؛ ولأنها لتوكيد النفي كما (إنَّ) لتوكيد الإثبات فهو قياس نقيض، وإلحاقها بليس قياس نظير، إلحاقها بـ (ليس) فيما سبق (لا) النافية، قلنا: تعمل عمل ليس قياسًا عليها، بجامع أن كلًا منهما ينفي، هذا قياس نظير، -نظير على نظير-، وهنا (لا) قيست على (إنَّ) بجامع ماذا؟ كل منهما مؤكِّد، إلا أن (إن) مؤكِّد في الإثبات و(لا) في النفي، هذا نظير أو نقيض؟ نقيض، إذًا فرق بين المسألتين.
لأنها نافية مثلها فهو أقوى في القياس، لكن عملها -عمل (إن) - أفصح وأكثر في الاستعمال وله شروط، كما قال الناظم: فِي نَكِرَهْ، أراد أن يبين لنا الشروط التي تشترط في إعمال (لا) عمل (إن) -التي لنفي الجنس-؛ لأن شأن الفرع ألا يعمل مطلقًا، هذه قاعدة مطردة، شأن الفرع عند النحاة في العمل لا يعمل مطلقًا، بل لا بد من قيود ولا بد من شروط:
الشرط الأول: أن تكون نافية، خرج بها الناهية، والزائدة، والعاطفة .. هذه خرجت باشتراط النافية، فإن كانت زائدة حينئذٍ لا تعمل عمل (إن)، وشذ إعمال الزائدة في نحو
لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لاَ ذُنُوبَ لهَاَ **** إذَا لَلاَمَ ذَوُو أَحْسَابِهَا عُمَرَا
لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لاَ ذُنُوبَ لهَاَ، لا رجل في الدار، (لاَ ذُنُوبَ لهَاَ) أعملها أو لا؟ أعملها، نقول: هذه زائدة وهو شاذ.
[ ٤١ / ٦ ]
الثاني: أن يكون منفيها الجنس، يعني لا الوحدة، وهذه نأخذها من أين من كلام الناظم؟ العنوان الترجمة "لاَ" الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْس، معناها نافية وأنها تنفي الجنس.
ثالثًا: أن يكون نفيها نصًا، لا على جهة الاحتمال، وهذا أيضًا مأخوذ من الترجمة؛ لأنه متى أطلق نفي الجنس انصرف إلى نفيه نصًا؛ لأنه يستلزم نفي الأفراد، وإذا استلزم نفي الأفراد مطلقًا حينئذٍ صار نصًا، هذا أيضًا نأخذه من الترجمة.
رابعًا: ألا يدخل عليها جار، جئت بلا زاد .. لا زاد لي، لو دخلت عليها الباء: جئت بلا زاد، حينئذٍ النكرة هذه صارت مطلوبة للباء (بلا زاد) وهذه الحركة التي في زاد الحركة العارية، بمعنى أن الباء هنا أعملت في (لا) وهي بمعنى غير ولما كانت هذه الحركة لا تظهر على (لا) أعيرت إلى زاد، وظهرت فيها، ولذلك تقول: بلا زاد، الباء حرف جر ولا اسم بمعنى غير مجرور بالباء، وجره -حركته- هي التي في زاد -حركة ظاهرة-، هنا زحلقت الحركة مثل اللام المزحلقة، بلا زاد (لا) مضاف وزاد مضاف إليه، زاد نقول: مضاف إليه مجرور وجره كسرة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية؛ لأن زاد هذه الكسرة ليست كسرة زاد المضاف إليه وإنما هي كسرة (لا) وهي بمعنى غير، على كل المراد هنا أن (لا) النافية للجنس يشترط في إعمالها ألا يسبقها حرف جر، فإن سبقها حرف جر حينئذٍ صارت النكرة مطلوبة للجر، وهذا يمكن أخذه من قوله: لِلاَ فِي نَكِرَهْ، لأن النكرة إذا كانت مطلوبة لِلاَ امتنع أن تكون مطلوبة لحرف الجر وهو الباء.
إذًا: ألا يدخل عليها جار وهذا مأخوذ من قوله: عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ لأن عمل (إن) إنما يكون مع عدم دخول الجار.
خامسًا: أن يكون اسمها نكرة وكذا خبرها؛ لأنه قال: فِي نَكِرَهْ إذًا لا بد أن يكون الاسم نكرة.
سادسًا: أن يتصل بها اسمها، لا يفصل بينها ولو بالخبر، ولو كان ظرفًا أو جارًا ومجرور لا يجوز أن يتقدم ولا أن يفصل بين (لا) ومدخولها، وهذا يأتي أنه نص عليه: وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ بعد ذاك الاسم الخبر اذْكُرْ رَافِعَهْ، اذكر الخبر بعد ذاك، يعني بعد الاسم، فدل على أنه لا يفصل بين (لا) واسمها، فإن فصل حينئذٍ نقول: بطل عملها.
إذًا: بهذه الشروط الستة لا بد من اجتماعها، وحينئذٍ اجتمعت في (لا) وجب إذا لم تكن مكررة أن تعمل عمل (إن).
وإن كانت لنفي الوحدة أو الجنس (لا) نصًا عملت عمل ليس، وإن دخل عليها حرف خفض النكرة، جئت بلا زاد، وشذ جئت بلا شيءَ بالفتح، هذا شاذ، وإن كان الاسم معرفة أو منفصلًا أهملت ووجب تكرار (لا) نحو لا زيدٌ في الدار ولا عمروٌ ولا في الدار رجلٌ ولا امرأةٌ. إذًا: عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ ليس مطلقًا بل هو بشروط ستة ذكرناها فيما مضى.
فِي نَكِرَهْ متصلة بها.
مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ: هذا فيه إشارة إلى أن (لا) قد تكون مفردة، لا رجل في الدار، وقد تكون مكررة (لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ الاّ باللهِ)، لكن إذا كانت مفردة فالعمل واجب، وإذا كانت مكررة فالعمل جائز، إذًا قوله: اجْعَلْ نحمله على معنييه قدر مشترك الوجوب والجواز، الوجوب فيما إذا أفردت (لا)، والجواز فيما إذا تكررت (لا).
[ ٤١ / ٧ ]
إذًا (لا) التي لنفي الجنس المراد بها (لا) التي هي نافية لحكم الخبر عن الجنس، وذلك إنما يكون إذا قصد بـ (لا) نفي الجنس على سبيل الاستغراق، اختصت بالاسم حينئذٍ؛ لأن قصد الاستغراق على سبيل التنصيص يستلزم وجود (من) لفظًا أو تقديرًا، ولا يليق ذلك إلا بالنكرات، ولذلك اشترط أن يكون اسمها مدخوله نكرة؛ لأن أصل التركيب لا من رجل في الدار، هذا الأصل، إذا نطق بمن عند الأصوليين هناك النكرة إذا سبقت بمن صارت نصًا في العموم.
لا رجلَ ليس فيه من، حتى نقول: نص في العموم، حينئذٍ نقول: أصل التركيب هو جود من لفظًا أو تقديرًا، لفظًا خرجت عن باب (لا) التي لنفي الجنس، ومثله «هَلْ مِنْ خَالِقٍ» [فاطر:٣] خَالِقٍ قلنا دخلت عليه من الزائدة، فحينئذٍ نقول: هذه من دلت على التنصيص في العموم، بمعنى أنه لا يحتمل التخصيص البتة، هذه من قد تكون ملفوظًا بها وقد تكون مقدرة، في باب (لا) التي لنفي الجنس تعتبر مقدرة، ولذلك سمع شذوذًا النطق بها مصرحًا، ويحفظ ولا يقاس عليه، يعني تنبيهًا على أصل مهجور كما ذكرناه
فَقَامَ يَذُودُ النَّا سَ عَنهَا بسَيفِهِ وقالَ: ألاَ لاَ مِن سَبيلٍ إلى هِندِ
ألاَ لاَ مِن سَبيلٍ .. لا سبيل إلى هند، هذا الأصل لا سبيل، لكن قال: لاَ مِن سَبيلٍ إلى هِندِ.
هذا قياس أو شاذ؟ هذا يعتبر شذوذ؛ لأن النطق بمن المضمنة في اسم، أو (لا) التي لنفي الجنس نقول: التصريح به يعتبر شاذًا، ولذلك استفيد الاستغراق بتضمن هذا التركيب من الاستغراقية، فصُرح هنا بمن ضرورة.
عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ فِي نَكِرَهْ مُفْرَدَةً
ما هو إعراب مُفْرَدَةً؟
حال من فاعل جَاءَتْكَ، جاءتك حال كونها مفردة، يعني غير مكررة، لا رجلَ في الدار، لا غلام رجل قائم، أَوْ مُكَرَّرَهْ: (لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ الاّ باللهِ)، إذا لم تعمل لا إما لأجل الفصل أو لكون مدخولها معرفة، فمذهب سيبويه والجمهور لزوم تكرارها، لكن لا يلزم العمل بل هو جائز.
إذًا مُفْرَدَةً العمل يكون واجبًا، ومُكَرَّرَهْ يكون العمل جائزًا.
قال ابن عقيل: ولا يكون اسمها وخبرها إلا نكرة، فلا تعمل في المعرفة، لماذا؟ لأننا قلنا إن هذا اللفظ (لا) يستفاد منه الاستغراق، والاستغراق إنما يكون على تضمن (من) الاستغراقية، ومن الاستغراقية لا تدخل إلا على النكرات، فيمتنع حينئذٍ أن يكون اسم (لا) معرفة، لذلك اشترط أن يكون اسمها نكرة: عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ فِي نَكِرَهْ، أما معرفة لا، لا تكون نافية للجنس، وما ورد من ذلك مؤول بنكرة.
إذا جاء في لسان العرب لا نقول: يجوز أن يكون معرفة بل لا، نقول هذا مما يؤول: " قَضِيَّةٌ ولاَ أبَا حَسَنٍ لَهَا"، نقول هذا الأولى أن يؤول بماذا؟ ولا مثل أبي حسن لها، ومثل هذه كلمة متوغلة في الإبهام لا تتعرف بالإضافة.
أو يجعل أبَا حَسَنٍ عبارة عن اسم جنس وكأنه قد قيل ولا فيصل لها، وهذا مثل تأويلهم في باب الاستعارة نحو: حَاتمٌ بالمُتَنَاهِي فِي الجُود.
[ ٤١ / ٨ ]
إذًا: " قَضِيَّةٌ ولاَ أبَا حَسَنٍ لَهَا" هذا معرفة، أبا أضيف إلى حسن، اكتسب التعريف، كيف جاء اسمًا للا النافية للجنس؟ نقول: مؤول، يعني ولا مثل أبا حسن لها، هذا أحسن توجيه لها.
ويدل على أنه معامل معاملة النكرة وصفه بالنكرة كقولك: لاَ أبَا حَسَنٍ لَهَاحلالًا لَهَا، فلما وصف بالنكرة دل على أن (لا) هذه للجنس، وأن مدخولها نكرة، نكرة في المعنى لكنه في اللفظ معرفة.
حينئذٍ وجب التأويل ليوافق اللفظ المعنى. ولا مثل أبي حسن لها.
ولا يفصل بينها وبين اسمها فإن فصل بينهما ألغيت كقوله تعالى: «لا فِيهَا غَوْلٌ» [الصافات:٤٧].
إذًا: ألا يفصل بين (لا) والنكرة بشيء، فإن فصل تعين الرفع لضعفها عن درجة (إن) «لا فِيهَا غَوْلٌ» [الصافات:٤٧].
ثم قال ﵀:
فَانْصِبْ بِهَا مُضَافًا اوْ مُضَارِعَهْ وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ
وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحًَا كَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ وَالثَّانِ اجْعَلاَ
مَرْفُوعًَا اوْ مَنْصُوبًا اوْ مُرَكَّبَا وَإِنْ رَفَعْتَ أَوَّلًا لاَ تَنْصِبَا
خبر (لا) لا يخرج عن ثلاثة أحوال: إما أن يكون مضافًا، وإما أن يكون شبيهًا بالمضاف، وإما أن يكون مفردًا.
المضاف هنا هو المضاف في غيره من الأبواب، فحينئذٍ يقال فيه: كل كلمتين نُزِّل ثانيهما مُنُزَّلة التنوين مما قبله، غلام زيد نقول: هذا مضاف ومضاف إليه، والشبيه بالمضاف: هو ما اتصل به شيء من تمام معناه، يعني شيء يكمِّله تعلق به على جهة العمل إما بالرفع، وإما بالنصب، وإما بالتعلق -الجار والمجرور-، وإما بالعطف .. هذه أربعة أحوال.
تقول: لاَ قبِيحًا فعلُه ممدُوحٌ، قبيحًا هذا اسم اتصل به شيء من تمام معناه، وهو يطلب فاعل، والفاعل مكمِّل لعامله، إذًا متمم له في المعنى وهو مرفوع، أو منصوب لا طالعًا جبلًا حاضر، لا طالعًا: طالعًا هذا اسم (لا)، اتصل به شيء متمم لمعناه وهو: جبلًا لأنه مفعول به، والعامل الذي يعمل لا يتم معناه إلا بمعموله، هذه قاعدة: كل عامل تسلط على اسم أو على ظرف أو على مجرور حينئذٍ لا يتم معناه إلا بالمعمول: قبيحًا فعله، قبيحًا عمل الرفع في فعله، إذًا لا قبيحًا .. ما قبيحًا! كلامه، فعله، نومه، أكله، شربه؟ يحتمل، فلما قلت: فعله عمَّمت الحكم، حينئذٍ صار فاعلًا فتمم معناه، أو منصوب لا طالعًا جبلًا، طالعًا ماذا؟ يحتمل، الطلوع ليس خاص بالجبل، حينئذٍ إذا قلت: طالعًا جبلًا تخصص، تخصص بماذا؟ بالمفعول به وهو معمول، إذًا تممه شيء متصل به.
أو مخفوض يتعلق به: لا خيرًا من زيد عندنا، من زيد جار ومجرور متعلق بخير، وهو أفعل تفضيل، وحينئذٍ لا خيرًا –بالنصب- ممن؟ من زيد، من عمرو، من خالد .. إلى آخره؟
[ ٤١ / ٩ ]
نقول: من زيد هذا متعلق بخير وهو أفعل تفضيل تمم معناه، كذلك بقي العطف: لا ثلاثة وثلاثين عندنا، -لو واحد اسمه ثلاثة وثلاثين-، لا ثلاثة وثلاثين عندنا، لا ثلاثة، وهو يريد العدد ثلاثة وثلاثين، لو لم يقل: وثلاثين، ما حصل المراد، إذًا ارتبط بقوله: ثلاثة ما بعد الواو -عطف-؛ لأن المعطوف والمعطوف عليه في المعنى كالجزء الواحد، إذا أردت أن أخبر أني ضربت زيدًا وعمرًا .. ضربت زيدًا وعمرًا، والفائدة مترتبة على ذكر المفعول والمعطوف عليه، حينئذٍ لا يحصل بأحدهما، ضربت زيدًا فقط ما حصل الإخبار أو تمام الفائدة، ضربت زيدًا وعمرًا لا بد من المعطوف والمعطوف عليه معًا، إذًا الشبيه بالمضاف ما اتصل به شيء من تمام معناه، يعني شيء معمول به متمم معناه، إما أن يكون مرفوعًا وإما أن يكون منصوبًا، وإما أن يكون مخفوضًا وإما أن يكون معطوفًا، هذا يسمى المشبه بالمضاف مُطَوَّلًا وممطولًا، ثلاثة أسماء شبيه بالمضاف، والمُطَوَّل والممطُول أي: الممدود.
الثالث: المفرد، المفرد هنا إذا حصرنا القسمة ثلاثية: مضاف وعرفنا حقيقته، والشبيه بالمضاف وعرفنا حقيقته، حينئذٍ المفرد ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف، فيشمل: رجل ورجلان ورجال ومسلمات ومسلمون، يعني دخل فيه المفرد في باب الإعراب وهو زيد سواء كان إعرابه بحرف أو بحركة على الأصل، ودخل فيه المثنى، ودخل فيه الجمع بأنواعه الثلاث: جمع التصحيح المؤنث، جمع التصحيح المذكر، جمع التكسير.
هذه كلها مفرد في باب (لا).
قال الناظم في بيان أحكام هذه الثلاثة -لأنها مختلفة-:
فَانْصِبْ بِهَا مُضَافًا بها بـ (لا)، إذًا (لا) هي التي تعمل النصب، حينئذٍ أثرت النصب في مدخولها وهو مضاف؛ لأنه قيد هنا فَانْصِبْ بِهَا-بـ (لا) - مُضَافًا، مطلقًا أو مضافًا إلى نكرة؟
عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ فِي نَكِرَهْ، المضاف إلى المعرفة ما حكمه؟
معرفة.
إذًا مُضَافًا المراد به هنا المضاف إلى نكرة، -انتبه لهذا- المضاف إلى نكرة؛ لأنه يبقى على تنكيره، وأما المضاف إلى معرفة فهو معرفة، ومعلوم أن (لا) التي لنفي الجنس لا تعمل في معرفة، فإن تلاها معرفة بطل عملها: لا زيد في الدار ولا عمرو، واجب الإبطال هنا إلغاء، وأما لا غلامَ رجل .. حينئذٍ نقول: هذا يعتبر نكرة. لا صاحبَ علمٍ ممقوتٌ، هذا واجب النصب، لا صاحب علم، صاحب علم (صاحب) مضاف، و(علم) مضاف إليه، دخلت عليه لا النافية للجنس لا صاحب علم ممقوت، يعني علم نافع، وأما العلم الذي هو بين بين قد يمقت.
لا صاحب علم ممقوت، (صاحب) مضاف، و(علم) مضاف إليه، حينئذٍ دخلت عليه (لا) فوجب نصبه على أنه اسم لها، نفي للجنس؟ نقول: نعم نفي للجنس، لا صاحب علم ممقوت، هذا خبر (لا) مرفوع بها كما سيأتي.
فَانْصِبْ بِهَا مُضَافًا: مُضَافًا إلى نكرة أو مضارعة، أو للتنويع، أي مشابهة، والذي أشبه المضاف هو ما كان عاملًا عمل الفعل في غيره.
[ ٤١ / ١٠ ]
لا طالعًا جبلًا ظاهر، (طالعًا) هذا اسم فاعل دخلت عليه (لا) فنصبته، لماذا؟ لأنه شبيه بالمضاف؛ لأن طالعًا هذا منون وقد اعتمد سبقه نفي حينئذٍ هو اسم فاعل رفع ضميرًا مستترًا وعمل في المفعول به، لا طالعًا جبلًا، إذًا تممه شيء من معناه، أو معمول تمم معنى اسم الفاعل.
أو مُضَارِعَهْ: يعني مشابهة.
وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ يعني: بعد نصب المضاف ونصب الشبيه بالمضاف اذكر الخبر، ائت بالخبر رَافِعَهْ حال كونك رافعه لأن (لا) تنصب الأول وترفع الثاني، تنصب الأول على أنه اسم لها وترفع الثاني على أنه خبر لها.
وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ اذْكُرْ: اذْكُرْ بعد ذاك المنصوب، وهو الاسم المضاف والشبيه بالمضاف، (الْخَبَرَ) هذا مفعول به مقدم لاذكر حال كونك رَافِعَهْ، حتمًا يعني رافع الخبر.
أما الرافع له هل هو (لا) أم غيرها! لا خلاف في أن (لا) هي الرافعة له عند عدم تركبها، يعني إذا كان اسمها مضافًا أو شبيهًا بالمضاف لا خلاف بين النحاة أن الرافع للخبر هو (لا).
إذًا القسم الأول المضاف، الشبيه بالمضاف لا إشكال أن الناصب للاسم هو (لا)، وأن الرافع للخبر هو (لا) عينها، هذا لا خلاف بينهم.
فإن رُكِّبَت مع الاسم المفرد (لا رجل) حاضر مثلًا، لا رجل قائم، قائم هل هو مرفوع بـ (لا) هنا أم لا؟ هنا محل خلاف بين النحاة، وأما النوع الأول والثاني فمحل وفاق.
لا رجل قائم، قائم هذا محل نزاع، فمذهب الأخفش أنها أيضًا هي الرافعة له، يعني كلها الثلاثة مرفوعة بـ (لا) على مذهب الأخفش، وافق الحالتين الأولى.
فمذهب الأخفش أنها أيضًا هي الرافعة له، وصححه في التسهيل، يعني ابن مالك رحمه الله تعالى.
ومذهب سيبويه أنه مرفوع بما كان مرفوعًا به قبل دخولها، ولم تعمل إلا في الاسم، والمرفوع خبر المبتدأ، مذهب سيبويه في هذه المسألة مشكل.
(لا رجل قائم) قائم عند الأخفش أنه مرفوع بـ (لا)، مثل لا صاحب علم ممقوت، ممقوت مرفوع بـ (لا)، عند سيبويه أن لا رجل هذه ركبت تركيب خمسة عشر، فحينئذٍ (لا) مع اسمها في محل رفع مبتدأ، حينئذٍ لما ركبت تركيب خمسة عشر صارت (لا) جزءًا من الكلمة، وإذا صارت جزءًا من الكلمة حينئذٍ لا يمكن أن تعمل في الخبر، ما الذي رفعه؟ لا رجل قائم، لا بد أن يوجد عامل، قال: مرفوع بما رفع به قبل دخول (لا)، وقبل دخول (لا) الخبر مرفوع بالمبتدأ، فدخلت عليه (لا) فبُني معها، صارت كالجزء معه، فحينئذٍ بقي تأثير مدخول (لا) على الخبر، وهذا بعيد، لا رجل حاضر، حاضر هذا مرفوع بالمبتدأ، أين المبتدأ؟ ليس عندنا مبتدأ، قبل دخول (لا) رُفع الخبر بالمبتدأ، وحينئذٍ دخلت (لا) فأثرت في الاسم فقط، عملت في الاسم، وأما الخبر فليس لها عمل فيه، وهذا محل إشكال.
وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ: بعد ذاك الخبر، أين الخبر؟ الخبر هذا مفعول به، لقوله: (اذْكُرْ) حال كونك رافعه: (رَافِعَهْ) هذا حال، كيف جاء حال وهو مضاف إلى الضمير! رافع هذا اسم فاعل، واسم الفاعل لا يتخصص بالإضافة ولو كان معرفة.
وَإِنْ يُشَابِهِ المُضَافُ يَفْعَلُ وَصْفًا فَعَنْ تَنْكِيرِهِ لاَ يُعْزَلُ
[ ٤١ / ١١ ]
ولو أضيف إلى معرفة، (لا) يكتسب التعريف وَإِنْ يُشَابِهِ المُضَافُ يَفْعَلُ شابه ماذا؟ الفعل، وهو اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة وَصْفًا فَعَنْ تَنْكِيرِهِ لا يُعْزَلُ، هو نكرة مطلقًا.
إذًا رَافِعَهْ نقول: هذا ولو أضيف فهو نكرة، ولذلك صح مجيئه حالًا
وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ: قلنا أشار به إلى أنه يجب اتصال الاسم بـ (لا)، ثم لا يجوز أن يتقدم الخبر على الاسم، ولو كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، وإذا فصل حينئذٍ وجب الإلغاء «لا فِيهَا غَوْلٌ» [الصافات:٤٧] لا غولَ فيها، هذا الأصل، فلما تقدم الخبر وهو جار ومجرور على الاسم وفصل بين (لا) ومدخولها النكرة وجب الإلغاء «لا فِيهَا غَوْلٌ» [الصافات:٤٧] إذًا قوله: وَبَعْدَ ذَاكَ الْخَبَرَ دل على أنه لا يتقدم الخبر على اسم (لا).
يجب تنكير الخبر -خبر (لا) -؛ لأن اسمها نكرة، فلا يخبر عنها بمعرفة كما سبق بيانه من الشروط.
وتأخيره عنها وعن الاسم هذا واجب، ولو كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا لضعفها فلا يجوز الفصل بينها وبين اسمها لا بخبر ولا بأجنبي.
وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحًا: قال: (وَرَكِّبِ)، إذًا عندنا تركيب، والمراد به تركيب خمسة عشر، وهذا خاص بالمفرد.
إذًا المضاف معرب والشبيه بالمضاف معرب لا إشكال فيه، وهو منصوب لفظًا وظاهرًا وينون فيما إذا كان شبيهًا بالمضاف، ويمنع التنوين لسبب وهو في المضاف، وأما المفرد فهذا حكمه البناء وهو قول الجمهور، أنه مبني.
فالمفرد حينئذٍ قلنا: يدخل فيه المثنى والمجموع
قال: وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحًا يعني وركب الاسم المفرد مع (لا)، فاتحًا هذا أشار به إلى البناء؛ لأنه قال رَكِّب .. فَاتِحًا، قد يقال: بأن الفتح قد يطلق على الإعراب، والعكس والناظم يتساهل في هذا، نقول: لا، ثم قرينة يريد به الفتح الذي هو فتح بناء وليس فتح إعراب وهو قوله: (وَرَكِّب) لأن المعربات لا تركيب فيها وإنما المبنيات هي التي يكون فيها تركيب، بعلبك، خمسة عشر .. إلى آخره.
فقوله: (وَرَكِّبِ) الاسم المفرد مع (لا) تركيب خمسة عشر، فَاتِحًا: هذا حال من فاعل رَكِّب، كَلاَ حَوْلَ، لاَ حَوْلَ (لا) هذه نافية للجنس، وحَوْلَ هذا اسمها، رُكِّبَ معها (لا) تركيب خمسة عشر، فوجب حينئذٍ البناء؛ لأن التركيب لا يناسب إلا البناء، لأنه ثقيل، فلما ثقل حينئذٍ بني لأنه متضمن للحرف خمسة عشر قالوا: لماذا بني، هو مفرد في الأصل خمسة وعشرة، هذا الأصل، أصل التركيب.
حينئذٍ أريد التخفيف فحذفت الواو وضمن أحد الجزأين بمعنى الواو -وهو العطف-، حينئذٍ ضمن معنى واو العطف، وسبق أن الكلمة إذا ضمنت معنى الحرف حينئذٍ بنيت، فخمسة عشر لم بني؟ قالوا: لأنه تضمن معنى واو العطف؛ لأن أصله خمسة وعشرة، هنا كذلك لا رجلَ ركب تركيب خمسة عشر، مرادهم أن أصله: لا من رجل هذا المراد، هذا أصله لا من رجل، فحينئذٍ أريد التركيب هنا أن يمزج بين (لا) ورجل كما مزج بين خمسة وعشرة، فضمن قيد الاسم معنى (من) الاستغراقية، وقيل: الحرف، وهذا مشكل معنى (من) الاستغراقية فبني لا رجل، سيأتي علة البناء.
[ ٤١ / ١٢ ]
وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ مع (لا) تركيب خمسة عشر فاتحًا له من غير تنوين، وهذا الفتح فتح بناء على الصحيح، وليس فتح إعراب، وقيل: فتح إعراب، وحُذف التنوين تخفيفًا كما سيأتي.
كَلاَ حَوْلَ، يعني: كقولك: لاَ حَوْلَ، (لا) هذه نافية للجنس، وحَوْلَ هذا اسمها نكرة دخلت عليه (لا) النافية للجنس، فحينئذٍ بني معها على الفتح.
إذًا بني لماذا؟ للعلة التي ذكرناها.
لِمَ حرك وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أَنْ يُسَكَّنَا؟ ليُعلم أن له أصلًا في الإعراب؛ لأن حول ليست مبنية أصالة، فحينئذٍ حرك من أجل أن يعلم أن له أصلًا في الإعراب، لم كانت الحركة فتحة؟ طلبًا للخفة؛ لأن التركيب ثقيل ولا يناسبه إلا الفتح.
أما علة البناء: قيل: إن كان اسم (لا) مفردًا غير مضاف ولا شبيه بالمضاف، ركب معها وبني، هذا مذهب أكثر البصريين، واختلف في موجب البناء، ما السبب؟ سبق هناك: لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوْفِ مُدْنِي، وذكرنا أن قوله: (لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوْفِ مُدْنِي) المراد به البناء الأصلي لا البناء الطارئ، البناء الأصلي أصل الكلمة، فمن للاستفهامية هكذا ولدت، يعني مبنية لم تكن معربة ثم بعد ذلك طرأ عليها البناء، وبعض الكلمات والأسماء تكون في الأصل هي معربة وقد يطرأ عليها البناء مثل ماذا؟ مثل الذي معنا (رجل) هذا معرب دخلت عليه (لا) لا رجلَ، زيدٌ هذا معرب دخلت عليه (ياء) يا زيدٌ.
حينئذٍ هل الحكم واحد مطرد فتكون العلة التي ذكرت في البناء الأصلي هي عينها في البناء الطارئ العارض، أم لكل وجهة؟ قولان: بعضهم قال: كل مبني في لسان العرب لا يخرج عن هذه العلة ولو بتكلف، ما دام أن الأصل بني لشبه بالحرف، حينئذٍ كل طارئ لا بد وأن يكون فيه نوع شبه بالحرف، فتأتي العلل وعسر التكلف في استنباط معنىً يصلح أن يكون تضمن ذلك الاسم معنى الحرف.
وبعضهم قال: لا، البناء الطارئ لا يدخل تحت البناء الأصلي، فتلك الأوجه الأربعة خاصة بالبناء الأصلي، وما عداه، حينئذٍ تأتي أنواع أخرى تكون سببًا للبناء، ومنها التركيب، تركيب خمسة عشر ليس لذات الواو وليس ثم واو كانت ثم ضمنت خمسة ولا عشرة، وإنما التركيب نفسه سببًا للبناء، فحينئذٍ قيل: إن (لا رجلَ) مبني لكونه مركبًا فحسب؛ لأن لا رجل هذا كأنك نطقت به كلمة واحدة، لا رجل خمسة عشر.
فقيل: تضمُّنُه معنى (من) -الذي ذكرناه سابقًا-، وكأن قائلًا قال: هل من رجل في الدار؟ فقال مجيبه: لا رجلَ في الدار؛ لأن نفي (لا) عامٌّ، فينبغي أن يكون لسؤال عام.
ولذلك صرح بـ (من) كما سبق في قوله هناك: (وَقَالَ أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيلٍ إلَى هِنْدِ)، فدل على أن (من) موجودة، ولكن اختلفوا هل الذي ضمن معنى (من) هو (لا) النافية للجنس أو الاسم؟ محل نزاع بينهم، وهذا صححه ابن عصفور ورد بأن التضمن معنى (من) هو (لا) لا الاسم، وهذا مشكل، كيف حرف يتضمن معنى حرف! لا رجل، ما علة البناء؟ قيل: كون الاسم -اسم (لا) - بني مع (لا) لتضمنه معنى (من) الاستغراقية؛ إذ الأصل لا من رجل وقد نطق بهذه شذوذًا.
[ ٤١ / ١٣ ]
رُد عليهم بأن الذي تضمن معنى (من) هو (لا) النافية للجنس وليس الاسم، وهذا يلزم عليه أن الحرف يتضمن معنى حرف آخر، وهذا باطل، فحينئذٍ لا مانع بأن يقال: الاسم بني هنا لتضمنه معنى من الاستغراقية، بل هذا أولى من أن يقال بأنه مركب معها تركيب خمسة عشر؛ لأنه لو ركب معها تركيب خمسة عشر لجاءنا الإشكال في الخبر بماذا رفع! إذا قيل: ركب معها تركيب خمسة عشر حينئذٍ صارت (لا) جزءًا من الكلمة، وجزء الكلمة لا يعمل في غيره، فـ (لا رجلَ قائم)، قائم بماذا مرفوع؟ جلس بدون عامل، فإذا قيل: (لا) صارت جزءًا من الكلمة (لا رجلَ) كأنها كلمة واحدة، وقائم هذه ماذا نفعل فيها؟ بدلًا من أن نقول بأنها رفعت بالمبتدأ قبل دخول (لا) هذا تكلف، وإنما نقول: هذه (لا) بني الاسم معها (لا) للتركيب -تركيب خمسة عشر-، بل هي كما هي لا رجل، مثل يا زيد، لا نقول: ياء ركبت مع زيد، لا، نقول: زيد منادى مبني، ولا نحتاج أن نقول: يا زيد مركب تركيب خمسة عشر، حينئذٍ لا رجل الظاهر والله أعلم يقال: أنه لا تركيب هنا، وإنما الاسم بني لتضمنه معنى من -من الاستغراقية-؛ إذ الأصل لا من رجل وقد جاء التصريح بـ (من) هذه، فحينئذٍ بقيت لا كما هي منفصلة، وإذا بقيت كما هي سلمنا في مسألة عامل الخبر، فتكون لا قد عملت في محل لاسم نصب وفي لفظ الخبر، وهذا أجود مما ذهب إليه سيبويه، هذا قول.
وقيل: تركيبه معها تركيب خمسة عشر، بدليل زواله عند الفصل، يعني (لاَ غَوْلَ) مركبة تركيب خمسة عشر، ما الدليل؟ لو قلت: «لاَ فِيهَا غَوْلٌ» زال البناء للانفصال، نقول: لا ليس للانفصال؛ لأن العامل يشترط في الأصل أن يكون متصلًا بعامله هذا الأصل -كل عامل- سواء (لا) أو غيرها، ومعلوم أن (لا) هنا ضعيفة ليست لها أصالة العمل، بل هي محمولة على (إِنَّ)، و(إِنَّ) في نفسها ضعيفة لأنها حرف، وإنما أعملت النصب كما سبق شبهت بالفعل، ألحقت بالفعل في اللفظ والمعنى.
إذًا هي محمولة على ضعيف فهي أضعف، فحينئذٍ يشترط فيه أن يكون متصلًا بعامله، فإذا فصل بينهما حينئذٍ ألغيت، فعَدَمُ إعمالها في «لا فِيهَا غَوْلٌ» لانتفاء الاتصال، لا لانتفاء التركيب، ونقل عن سيبويه.
وقيل لتضمنه معنى اللام الاستغراقية، ورد بأنه لو كان كذلك لوصف بالمعرفة كما قيل: لقيته أمس الدابر.
على كلٍ الظاهر أنه متضمن معنى من، وأن المتضمن هو الاسم، وأنه لا تركيب في قولنا: لا رجلَ، وهذا شأنه شأن: يا زيدُ، وإن كان أكثر النحاة على أن لا جلَ مركب تركيب خمسة عشر.
وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحًا كَلاَ حَوْلَ.
[ ٤١ / ١٤ ]
إذًا عرفنا أن حكمه البناء، أنه مبني، ثم يأتي مبني على ماذا؟ نقول: يبنى على ما ينصب به لو كان معربًا؛ لأنه أحوال: مفرد في باب الإعراب، مثنى، جمع، جمع مذكر سالم، كل واحد من هذه يبنى على ما ينصب به لو كان معربًا، فالمفرد لا رجلَ مبني على الفتح؛ لأنك تقول: رأيت رجلًا، لا رجالَ مبني على الفتح؛ لأن جمع التكسير ينصب بالفتحة، لا مسلمَينِ مبني على الياء؛ لأنه ينصب على الياء، لا مسلمِينَ مبني على الياء لأنه ينصب بالياء، لا مسلماتِ، لا مسلماتَ قولان، يجوز فيه الوجهان: أن يبنى على الكسر؛ لأنه ينصب بالكسر، أو يبنى على الفتح لأنه الأصل فيه الفتح، ويجوز الوجهان، فيه ثلاثة أقوال.
إذًا حكمه البناء على ما كان ينصب به؛ لتركبه مع (لا) وصيرورته معها كالشيء الواحد، فهو معها كخمسة عشر، هكذا قال ابن عقيل تبعًا لكثير.
ولكن محله النصب بلا لأنه اسم لها؛ لأنها تعمل النصب، فإذا كانت تعمل النصب لا إشكال أنه ظهر في: لا غلامَ رجلٍ ولا طالعًا جبلًا، ظهر فيه النصب، وأما لا رجلَ أين النصب وهي تعمل النصب؟ قلنا: توجه إلى المحل، فحينئذٍ هو مبني من جهة اللفظ، ومعرب من جهة المحل.
يدل على ذلك ما سيأتي -العطف على المحل بالنصب-: لا حولَ ولا قوةً، النصب من أين جاء هنا؟ جاء من محل رجل، سيأتي.
فالمفرد الذي ليس بمثنى ولا مجموع يبنى على الفتح؛ لأنه ينصب بالفتحة (لا حول ولا قوة)، والمثنى وجمع المذكر السالم يبنيان على ما كانا ينصبان به وهو الياء لا مسلِمِينَ لك ولا مسلِمَينِ، فمسلِمِينَ ومسلِمَينِ مبنيان لتركبهما مع (لا) كما بني رجل.
بل الصواب أنه لتضمنه معنى من الاستغراقية.
وذهب الكوفيون والزجاج إلى أن المفرد معها معرب، وحذف التنوين منه تخفيفًا لا رجل، قالوا: هذا منصوب بالفتحة الظاهرة على آخرة، إذًا لماذا لم نقل: لا رجلًا؟ قالوا: حذف التنوين تخيفًا.
ورُد بأن حذفه من النكرة المطولة كان أولى، يعني لا رجل حذف التنوين تخفيفًا، لماذا ذكرتموه لا طالعًا جبلًا، هذا من باب أولى أن يحذف؛ لأن حذفه من الأطول أولى من حذفه من الأقصر، وبأنه لم يعهد في التنوين -حذف التنوين- إلا لسبب، وهي أسباب معلومة وليس هذا واحد منها.
إذًا مذهب الكوفيين أن لا رجل معرب، وأنه منصوب في لفظًا ومحلًا، وأما جمهور البصريين والنحاة على أنه في اللفظ مبني وفي المحل منصوب.
وذهب المبرد إلى أن مسلمِين ومسلمَين معربان، يعني المثنى والجمع معربان؛ لأنه لم يعهد فيهما التركيب مع شيء آخر، وهذا بناء على العلة التي ذكروها، وهي التركيب مع خمسة عشر.
وأما جمع المؤنث السالم فقال قوم: مبني على ما كان ينصب به وهو الكسر فتقول: لا مسلمات لك بكسر التاء بدون تنوين، وقيل: بالتنوين؛ لأن التنوين هنا تنوين مقابلة، فلا ينافي البناء.
إنَّ الشَّبَابَ الّذيِ مَجْدٌ عَوَاقِبُهُ فِيهِ نَلَذُّ وَلاَ لَذَّاتِ لِلشِّيبِ
وَلاَ لَذَّاتِ جمع لذة، إذًا هو جمع مؤنث سالم، وبني على الكسر؛ لأنه إذا أعرب ونصب حينئذٍ ينصب بالكسرة.
قيل: ينصب بالكسرة مع التنوين، وقيل بدون تنوين، لماذا؟ لأن التنوين هنا تنوين مقابلة لا ينافي البناء.
إذًا: أربعة مذاهب فيه:
[ ٤١ / ١٥ ]
وجوب بنائه على الكسر؛ لأنه علامة نصبه مع التنوين.
وجوب بنائه على الفتح مع التنوين وبدون التنوين.
جواز الأمرين وهو الصحيح للسماع؛ لأن هذا البيت أطبق النحاة -خاصة شراح الألفية- على أنه روي بوجهين: ولا لذاتِ ولا لذاتَ، روي بالوجهين بدون تنوين، وهذا هو المرجح أنه يجوز فيه الأمران للسماع، ولكن بدون تنوين، ولذلك قال الشارح: وأجاز بعضهم الفتح نحو لا مسلماتَ لك.
ثم قال ﵀: إذًا وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحًا أراد أن يبين أن المفرد يكون مفتوحًا آخره فتح بناء لا فتح إعراب، ولكن لم يذكر حكم المبني الذي يكون مثنى، أو مجموعًا سواء كان جمع تكسير، أو جمع مذكر سالم، أو جمع مؤنث سالم. ذكره أو لا؟ ما يمكن إدخاله، نقول: ذكره، وهو المفرد كرجل ورجال، ومسلمات إذا كان بالفتح عنده لا إشكال فيه، وإن كان بالكسر فحينئذٍ بقي الإشكال في المثنى، وجمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم إذا كان يبنى على الفتح.
ثم قال:
كَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَةَ وَالْثَّانِ اجْعَلاَ
مَرْفُوعًَا اوْ مَنْصُوبًا اوْ مُرَكَّبَا وَإِنْ رَفَعْتَ أَوَّلًا لاَ تَنْصِبَا
هذا إذا كررت (لا)، يعني إذا جاء بعد (لا) النافية للجنس وقد عملت كَلاَ حَوْلَ، وجاء بعدها حرف عطف وكررت (لا)، وجاء بعدها نكرة، يعني بهذه الضوابط التي ذكرها: لاَ حَوْلَ، هذا الأصل وهذا مثال لقوله: وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحًا: لاَ حَوْلَ، ثم قال: وَلاَ قُوَةَ، وحذف الخبر.
إذًا: نأخذ من هذا المثال (ولا)، يعني عطف على (لا) بالواو، وكررت (لا)، وجاء بعدها اسم نكرة، بهذه الضوابط قال:
وَالْثَّانِ اجْعَلاَ مَرْفُوعًا أوْ مَنْصُوبًا أَوْ مُرَكَّبَا مع إعمال الأولى لاَ حَوْلَ أعملها، يجوز في الثاني ثلاثة أوجه -الذي هو-: لاَ قُوَةَ، مَرْفُوعًا، يعني يجوز ولا قوةٌ، مَنْصُوبًا ولا قوةً، مركبًا وَلاَ قُوَةَ، هذه ثلاثة أوجه، لاَ حَوْلَ أبقها كما هي بالإعمال، ثم انظر إلى الثاني.
وَالْثَّانِ اجْعَلاَ: يعني المعطوف مع تكرر (لا)، اجْعَلاَ: اجعلن .. الألف هذه نون التوكيد الخفيفة مبدلًا منها.
مَرْفُوعًا: هذا مفعول ثاني، الْثَّانِ اجْعَلاَ، اجعلا الثاني، الْثَّانِي هذا مفعول أول مقدم، ومَرْفُوعًا هذا مفعول ثاني، و(مَنْصُوبًا أَوْ مُرَكَّبَا) معطوفان عليه.
مَرفُوع: يعني لا حول ولا قوةٌ، ما توجيهه؟ له أحد ثلاثة أوجه:
الأول: على إعمال (لا) الثانية عمل ليس، (لا حولَ ولا قوةٌ)، وليس قوةٌ، إعمال الثاني عمل ليس، وليس تطلب اسمًا ترفعه؛ لأنها تعمل عمل ليس، وليس ماذا تصنع؟ ترفع الاسم على أنه اسم لها وتنصب الخبر.
إذًا: ولاَ قُوَةٌ، يحتمل أن الواو هنا حرف عطف و(لا) تعمل عمل ليس، وقوةٌ بالرفع اسمها.
فحينئذٍ يكون العطف هنا من عطف جملة على جملة، فالكلام صار جملتين، وليس جملة واحدة.
الوجه الثاني: أن (لا) زائدة، وإذا كانت زائدة حينئذٍ لا عمل لها، وحينئذٍ تكون الواو حرف عطف، عطفت ماذا؟ عطفت (قوةٌ) على (لا) مع اسمها على مذهب سيبويه؛ لأن (لا) مع اسمها مركبة، صارت كلمة واحدة عند سيبويه وهي في محل رفع مبتدأ.
[ ٤١ / ١٦ ]
حينئذٍ عطفت هذه الواو مع الحكم على (لا) بكونها زائدة على محل (لا) مع اسمها، هذا وجه، لكنه ضعيف.
الثالث: أن يكون مبتدأً محذوف الخبر، ولا قوةٌ إلا بالله، قوةٌ مبتدأ، و(لا) هذه زائدة، مبتدأ خبره محذوف، والذي سوغ الابتداء بالنكرة هنا كونها في سياق النفي فَمَا خِلٌّ لَنَا.
إذًا: ثلاثة أوجه في رفع قوة، والأحسن منها أن تُجعل (لا) عاملة عمل ليس، ثم يأتي بعدها أن يكون مبتدأً خبره محذوف، ثم الثالثة على مذهب سيبويه.
أوْ مَنْصُوبًا لا حولَ ولا قوةً بالنصب، هذا ليس له إلا احتمال واحد وهو أن تكون الواو حرف عطف، ولا زائدة، وقوةً معطوف على محل اسم (لا) وهو النصب، فصار الكلام جملة واحدة.
إذًا: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةٌ نقول: بالنصب عطفًا على محل حول، حول هذه في محل نصب لا حول، (لا) نافية للجنس وحول اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والمحل هنا يجوز العطف عليه بالنصب، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ.
أَوْ مُرَكَّبَا: الألف هذه للإطلاق، يعني مركبة، يعني مبنية تجعل (لا) هذه (لا) النافية للجنس، وهي التي نطق بها الناظم لاَ حَوْلَ (لا) نافية للجنس، وَلاَ قُوَّةَ نافية للجنس.
هذه ثلاثة أحوال إذا بني الأول -ركبا-، والأول يجوز فيه الإلغاء .. الأول لا حول، قلنا إذا تكررت (لا) الإعمال جائز وليس بواجب، فيجوز حينئذٍ تقول: لا حولٌ ولا قوةَ، فتُعمل الثانية دون الأولى.
وَإِنْ رَفَعْتَ أَوَّلًا: الذي هو حَوْلَ إن رفعته (لاَ تَنْصِبَا) يعني استثنى حالة واحدة مَرْفُوعًا أوْ مَنْصُوبًا أوْ مُرَكَّبًا، هذا مع تركيب الأول، إن رفعت أولًا يبقى ثلاثة أحوال منع واحدة وهي النصب، بقي الرفع والتركيب.
وَإِنْ رَفَعْتَ أَوَّلًا: يعني ألغيت الأولى، حينئذٍ ليس لك في الثاني وهو قُوَّةَ إلا أمران: إما التركيب لا حولٌ ولا قوةَ، وإما الرفع لا حولَ ولا قوةٌ.
فحينئذٍ ولا قوةٌ صارت (لا) هذه تعمل عمل ليس، أو أنه (لا) زائدة وهو معطوف على اللفظ لا حولٌ ولا قوةٌ. إذًا هذه خمسة أحوال.
وَإِنْ رَفَعْتَ أَوَّلًا إما بالابتداء أو على إعمال (لا) عمل ليس لاَ حَوْلٌ، لاَ تَنْصِبَا: لا تنصبًا الألف هذه بدل من نون التوكيد؛ لأن نصبه إنما كان مراعاة لمحل اسم (لا) الأولى لا حولَ ولا قوةً، إذا رفعت الأول قلت: لا حولٌ ما صار عندنا نصب، الأول لا حولَ له لفظ وله محل؛ لأنك أعملت (لا) النافية للجنس، لكن إذا ألغيتها صار لا حولٌ ليس عندنا نصب، حينئذٍ ولا قوةً هذا ممتنع تعطفه على ماذا؟ ليس عندنا منصوب، ولذلك قال: لاَ تَنْصِبَا؛ لأن نصبه إنما يكون بالعطف على منصوب لفظًا أو محلًا وهو مفقود.
فيتعين حينئذٍ إما رفعه وإما بناؤه على الفتح، فالأحوال خمسة: فتحهما معًا، رفعهما معًا، فتح الأول مع نصب الثاني، وفتح الأول مع رفع الثاني، ورفع الأول مع فتح الثاني، ويمتنع رفع الأول مع نصب الثاني.
[ ٤١ / ١٧ ]
إذًا: وَالْثَّانِ اجْعَلاَ: اجعلن الألف هذه مبدلة عن نون، وَالْثَّانِ اجْعَلاَ، يعني واجعل الثاني وهو قوة مَرْفُوعًا أوْ مَنْصُوبًا أوْ مُرَكَّبًا، أنت مخير بين هذه، إن ركبت الأولى مع (لا)، وإن رفعت الأولى وألغيتها لاَ تَنْصِبَا: فلا تنصبا، أسقط الفاء للضرورة؛ لأنه في جواب الشرط.
فلا تنصبا: نهي، أي فلا تنصبًا، لماذا؟ لانتفاء المعطوف عليه أولًا، وابن عقيل وضحه.
وَمُفْرَدًا نَعْتًَا لِمَبْنِيٍّ يَلِي فَافْتَحْ أَوِ ِانْصِبَنْ أَوِ ارْفَعْ تَعْدِلِ
وَمُفْرَدًا نَعْتًا لِمَبْنِيٍّ يَلِي: إذا قلت: لا رجلًا هذه المسألة "نعت اسم لا المبني على الفتح"، مسألتنا هذه نعت اسم (لا) المبني على الفتح.
إذا قلت: لا رجل، هذا مفرد وهو مبني على الفتح، إذا جئت بنعت له أردت أن تنعته فقلت: لا رجل ظريف مثلًا، ما حكم ظريف؟ عندنا رجل، (لا) وما دخلت عليه على مذهب سيبويه في محل رفع، ورجل في محل نصب، وهو في اللفظ مبني.
إذًا له ثلاثة أحوال: بناء، ونصب، ورفع.
إعراب من جهتين رفع ونصب، وبناء في اللفظ، ثلاثة أحوال، لا رجل، نقول في اللفظ مبني على الفتح، وفي المحل منصوب بـ (لا) ثم (لا) وما دخلت عليه مع اسمه على مذهب سيبويه في محل رفع بالابتداء، إذا جئت تنعت فالنعت يأخذ حكم المنعوت، ما الذي يأخذه من هذه الأحوال الثلاثة؟ قال: وَمُفْرَدًا نَعْتًا، يعني نعتًا مفردًا على التقديم والتأخير، قدَّم مفردًا على نعتًا وحقه التأخير عنه؛ لأنه وصف له لأجل الضرورة، ويجوز نصبه على الحال؛ لأنه نعت نكرة تقدم عاملها، ونعتًا مفردًا .. مُفْرَدًا نَعْتًا لِمَبْنِيٍّ متعلق بـ: نعتًا، يَلِي يعني: منعوته.
فَافْتَحْ أَوِانْصِبَنْ أَوِارْفَعْ: له ثلاثة أحوال، إذًا لا رجلَ ظريفَ، لا رجلَ ظريفًا، لا رجلَ ظريفٌ قل ما شئت .. كلها صحيحة؛ لأنك إذا نصبت اعتبرت المحل فصار تابعًا للمتبوع في المحل، لا رجلَ ظريفًا بالنصب، مراعاة لمحل اسم (لا)، لا رجلَ ظريفَ بالبناء على أنه ركب الصفة مع الموصوف قبل دخول (لا)، لا رجلَ ظريفَ، رجلَ ظريفَ بالبناء، حينئذٍ صار مركبًا مثل تركيب خمسة عشر، ثم دخلت (لا) عليه؛ لأنهم لا يركبون ثلاثة أشياء معًا، فركب أولًا رجلَ ظريف، ثم دخلت عليه (لا)، وهذا تكلف.
والثالث: الرفع مراعاة لمحل (لا) واسمها المنعوت؛ لأنه في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه.
إذًا: وَمُفْرَدًا نَعْتًا لِمَبْنِيٍّ يَلِي فَافْتَحْ: هذه الحالة الأولى، وهي بناؤه مع اسم (لا)، أَوِ للتخيير (انْصِبَنْ) يعني على إتباعه لمحل اسم (لا)، (أَوِ ارْفَعْ) يعني إتباعه لمحل (لا) مع اسمها، (تَعْدِلِ) فإن تفعل ذلك تعدل -عدل-؛ لأنك إذا فعلت هذا تارة وهذا تارة حينئذٍ أعطيت النعت حق المنعوت من كل وجه، فصار عندك نوع عدل.
وَمُفْرَدًا نَعْتًا: هذا يجوز أن يكون تنازعه فَافْتَحْ أَوِ انْصِبَنْ أوِ ارْفَعْ تَعْدِلِ، سيأتينا التنازع، وإن كان المشهور أن العامل يشترط فيه أن يكون مقدمًا على المتنازع فيه، وإذا تقدم المعمول على العوامل، حينئذٍ هل يكون من باب التنازع أو لا؟ البصريون على المنع.
[ ٤١ / ١٨ ]
وحينئذٍ: افْتَحْ مفردًا، انْصِبَنْ مفردًا، ارْفَعْ مفردًا، كلها طلبته على أن يكون مفعولًا له، ماذا نصنع؟ نعطي واحد مفردًا والباقي نقدر له الضمير ثم نحذفه، وهذا سيأتي في باب التنازع.
والأحسن أن نجعل مفردًا هذا حال؛ لأنه والأصل ونعتًا مفردًا، والنكرة إذا تقدمت على منعوتها موصوفها انتصبت على الحالية.
وَمُفْرَدًا نَعْتًا لِمَبْنِيٍّ، إذًا احترازًا عن غير المبني، وهو المضاف والشبيه بالمضاف، هذا لا يكون مبنيًا، لِمَبْنِيٍّ متعلق بنَعْتًا، يَلِي: يعني يتصل بمنعوته لا ينفصل عنه.
حينئذٍ كم شرط ذكر لنا في هذه المسألة؟
أن يكون مفردًا.
أن يكون تاليًا له: يعني متصلًا بالمنعوت، قال: يَلِي يعني يلي منعوته بدون فاصل.
وأن يكون النعت مفردًا، وكذلك المنعوت مفردًا، من أين أخذنا المنعوت مفردًا؟
لِمَبْنِيٍّ؛ لأن المبني لا يكون إلا مفردًا في باب (لا)، وأما المضاف والشبيه بالمضاف لا.
إذًا: مفردًا واحد، مبني ثانيًا، يلي الاتصال.
حينئذٍ له ثلاثة أحوال.
قال ابن عقيل: إذا كان اسم لا مبنيًا ونعت بمفرد يليه أي: لم يفصل بينه وبينه بفاصل جاز في النعت ثلاثة أوجه:
الأول: البناء على الفتح لتركبه مع اسم (لا) نحو: لا رجلَ ظريفَ، على نية تركيب الصفة مع موصوفه قبل دخول (لا) تركيب خمسة عشر.
الثاني: النصب مراعاة لمحل اسم (لا) نحو: لا رجلَ ظريفًا.
الثالث: الرفع مراعاة لمحل (لا) واسمها المنعوت؛ لأنهما في موضع رفع عند سيبويه كما تقدم نحو: لا رجلَ ظريفٌ.
هذه الثلاثة الشروط إذا انتفى واحد منها انتفى البناء –التركيب-، وبقي الرفع والنصب، وهو ما أشار إليه بقوله:
وَغَيْرَ مَا يَلِي وَغَيْرَ الْمُفْرَدِ لاَتَبْنِ وَانْصِبْهُ أَوِ الرَّفْعَ اقْصِدِ
إذًا الشروط الثلاثة السابقة إذا انتفى واحد منها حينئذٍ ينتفي ويرتفع البناء، ويبقى معنا النصب والرفع.
وَغَيْرَ مَا يَلِي، هذا من نعت المبني –مفرد-.
أشار بهذه المسألة إلى مسألتين: أن يكون اسم (لا) مبنيًا على الفتح والنعت مفردًا إلا أنه مفصول بينهما، أن يكون كل منهما مفرد لا رجلَ في الدار ظريفٌ، هنا رجل مفرد مبني، وظريف مبني، إلا أنه فصل بينهما، لا رجل فيها ظريفٌ - ظريفًا، ظريفٌ على محل لا مع اسمها، ظريفًا باعتبار محل اسم (لا)، كما هو الشأن في السابق.
ما الذي امتنع؟ البناء، لماذا؟ لأنهم لا يركبون ثلاثة أشياء؛ لأنه لو أراد أن يركب، حينئذٍ لا رجلَ فيها ظريفَ، وهذا لا وجود له، رجلَ فيها ظريفَ يكون مركب واحد مثل خمسة عشر! هذا لا وجود له.
إذًا انتفى وارتفع البناء لارتفاع موجبه وهو عدم إمكان التركيب، فبقي على الرفع والنصب.
وَغَيْرَ مَا يَلِي، الذي لا يلي انفصل، وَغَيْرَ الْمُفْرَدِ وهو المضاف والشبيه بالمضاف (لاَتَبْنِ) لا يبنى، لماذا؟ لتعذر موجب البناء بالطول، وزوال التركيب بالفصل في الأول؛ لأنك إذا قلت: لا رجلَ فيها ظريفَ، نقول: هذا ما يمكن، لماذا؟ لأن التركيب قد زال بالفصل وهو الجار والمجرور بين اسم (لا) والنعت، فلا يجوز.
إذًا لتعذر موجب البناء بالطول وزوال التركيب بالفصل في الأول.
[ ٤١ / ١٩ ]
لا رجلَ صاحب علم ممقوت، لو وصفنا بالمضاف، صار صفة نعتًا لا رجل صاحب علم، صاحبُ علم يجوز فيه الوجهان، هل يصح لا رجل صاحب على أنه مبني؟ نقول: لا يصح، لماذا؟ لأن رجل كلمة، وصاحب كلمة، وعلم كلمة .. هذه ثلاثة أشياء، فلا يركب بينها.
وَغَيْرَ مَا يَلِي وَغَيْرَ الْمُفْرَدِ لاَتَبْنِ، لاَتَبْنِ غَيْرَ مَا يَلِي، هذا مفعول مقدم لتَبْنِ.
وَغَيْرَ مَا يَلِي: يعني يلي منعوته من نعت المبني المفرد،
وَغَيْرَ الْمُفْرَدِ: وهو المضاف والشبيه بالمضاف.
إذا كان النعت غير مفرد فلا يجوز بناؤه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المنعوت مفردًا أو غير مفرد مطلقًا، ولا أن يفصل بينه وبين النعت أو لا يفصل، لا رجل صاحب بر فيها، هذا يمتنع البناء، ولا غلام رجل فيها صاحب بر، نقول يمتنع للانفصال.
إذًا لا يتصور مع التركيب المضاف والمضاف إليه مع اسم (لا) سواء كان اسم (لا) مفردًا أو مضافًا أو شبيهًا بالمضاف يمتنع التركيب مطلقًا، فلا يكون مبنيًا.
وَانْصِبْهُ نحو: لا رجلَ فيها ظريفًا، ولا رجلَ قبيحًا فعله عندك، هنا نعته بالشبيه بالمضاف، وجب نصبه، وَانْصِبْهُ، ليس على جهة الوجوب بل هو على الجواز.
نحو: لا رجلَ فيها ظريفٌ أَوالرَّفْعَ، ولا رجلَ قبيحٌ فعله عندك، إذًا لا رجل قبيحًا فعله، لا رجل قبيحٌ فعله .. يجوز فيه الرفع والنصب ويمتنع البناء، مع كونه مطولًا يعني شبيهًا بالمضاف.
ويجوز النصب والرفع أيضًا في نعت غير المبني.
وَغَيْرَ مَا يَلِي وَغَيْرَ الْمُفْرَدِ لاَ تَبْنِ وَانْصِبْهُ أَوِ الرَّفْعَ اقْصِدِ
الرفع حملًا على موضع لا مع اسمها.
ثم قال:
وَالْعَطْفُ إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ لاَ احْكُمَا لَهُ بِمَا لِلنَّعْتِ ذِي الْفَصْلِ انْتَمَى
وَالْعَطْفُ وَالْعَطْفَ يجوز فيه الوجهان.
وَالْعَطْفُ على أنه مبتدأ، وَالْعَطْفَ على أنه مفعول به لفعل محذوف وجوبًا من باب الاشتغال، يعني احكم العطفَ، يعني يجوز نصبه بفعل مضمر على الاشتغال.
احكمن العطف، حينئذٍ يكون على نزع الخافض.
إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ لاَ معه احْكُمَا لَهُ بِمَا لِلنَّعْتِ ذِي الْفَصْلِ انْتَمَى
لا رجلَ ولا امرأةَ في الدار، لا رجلَ ولا امرأةَ، يجوز فيه خمسة أوجه.
احذف (لا) من الثانية لا رجلَ وامرأةَ، هل الحكم واحد خمسة أوجه؟ لا، هنا ليس إلا وجهان فحسب وهو: الرفع، والنصب. الرفع على أي شيء؟ عطف على محل (لا) مع اسمها، حكم واحد مطرد.
والنصب على محل اسم (لا)، هل يجوز البناء؟ لا يجوز، لماذا؟ لوجود العاطف، لا رجلَ وامرأة، الواو هذه تمنع التركيب، هنا خمسة عشر قلنا الواو حذفت، خمسة وعشر هذا الأصل.
حينئذٍ نقول: الواو تمنع التركيب، إذًا حكم العطف إن لم تتكرر (لا) حكم النعت الذي لم يلي منعوته، أو لم يكن مفردًا، فالحكم واحد البيت هذا والبيت السابق الحكم واحد والمسألتان مختلفتان.
وَالْعَطْفُ أي المعطوف، يعني إذا عطف على اسم (لا) المبني، ولم تتكرر (لا)، جاز في المعطوف ما جاز في النعت المفصول وهو النصب والرفع فقط، النصب على محل اسم (لا) والرفع على (لا) مع اسمها.
[ ٤١ / ٢٠ ]
وامتناع البناء عن الفتح لوجود العاطف فتقول: لا رجلَ وامرأةً بالنصب، لا رجلَ وامرأةٌ بالرفع، ولا يجوز لا رجلَ وامرأةَ بالبناء على الفتح.
وَالْعَطْفُ إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ لاَ احْكُمَا، لاَ هذا فاعل تتكرر احْكُمَا: هذا خبر المبتدئ إذا رفعنا العطف (لَهُ) الضمير يعود على المعطوف (احكمًا له) يعني للمعطوف.
بِمَا لِلنَّعْتِ: (مَا) اسم موصول جار ومجرور متعلق بقوله: احْكُمَا.
لِلنَّعْتِ: جار ومجرور متعلق بـ: انْتَمَى.
بالذي انْتَمَى لِلنَّعْتِ ذي الْفَصْلِ، مَا اسم موصول أين صلته؟ جملة انْتَمَى يعني انتسب، من جواز النصب والرفع دون البناء، إذًا البيت هكذا:
وَالْعَطْفُ إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ لاَ -معه- احْكُمَا لَهُ بالذِي انْتَمَى لِلنَّعْتِ ذي الْفَصْلِ المفصول
والذي تقرر للنعت المفصول عن منعوته هو وجهان فقط: الرفع والنصب، وانتفاء التركيب.
تقدم أنه إذا عطف على اسم لا نكرة مفردة وتكررت لا، يجوز في المعطوف ثلاثة أوجه، على ما سبق.
وذكر في هذا البيت أنه إذا لم تتكرر (لا) يجوز في المعطوف ما جاز في النعت المفصول وقد تقدم في البيت الذي قبله أنه يجوز فيه الرفع والنصب، ولا يجوز فيه البناء.
لا رجلَ وامرأةٌ وامرأةً، ولا يجوز البناء على الفتح مطلقًا الفتح ولا غيره.
وحكى الأخفش لا رجلَ وامرأةَ لكنه شاذ يحفظه ولا يقاس عليه بالبناء على الفتح، على تقدير تكرر (لا) هذا من باب التوجيه فحسب.
وكذلك إذا كان المعطوف غير مفرد لا يجوز فيه إلا الرفع والنصب سواء تكررت (لا) نحو: لا رجلَ ولا غلامَ امرأة، أو لم تتكرر لا رجلَ وغلامَ امرأة.
لماذا لا رجلَ ولا غلامَ امرأة لا يجوز إلا الوجهان، ولا غلامَ امرأة؟
لأنه لا يبنى هذا؛ لأنه مضاف، إذا تسلطت عليه (لا) النافية للجنس حينئذٍ ينصب لفظًا، وإنما الذي يبنى نحو: لا رجلَ، ولا مسلمينَ ..
هذا كله إذا كان المعطوف نكرة فإن كان معرفة لا يجوز فيه إلا الرفع على كل حال لا رجلَ ولا زيدٌ فيها أو لا رجلَ وزيدٌ فيها.
لماذا إذا كان معرفة لا يجوز إلا حالة واحدة وهي الرفع؟
لأنك لو جعلتها معطوفة على محل اسم لا النصب حينئذٍ سلطت (لا) عليها، و(لا) لا تدخل على المعرفة.
لو قلت: لا رجلَ كما قال هنا: ولا زيدٌ، ولا زيدًا لو نصبته حينئذٍ صار معطوفًا على محل اسم (لا)، وإذا كان كذلك حينئذٍ (لا) عملت في النكرة مدخولها وفي المعرفة، وهذا باطل؛ لأنها لا تعمل إلا في النكرة؛ لأنها على معنى من الاستغراقية.
لم يذكر المصنف حكم البدل ولا التوكيد وإنما ذكر حكم العطف، أما البدل فإن كان نكرة فكالنعت المفصول نحو: لا أحدَ رجلٌ وامرأةٌ فيها، بنصب رجل ورفعه، وكذا عطف البيان عند من أجازه في النكرات.
إن لم يكن نكرة عند من أجازه في النكرات، وإن لم يكن نكرة فالرفع نحو لا أحدَ زيدٌ فيها، وأما التوكيد فيجوز تركيبه مع المؤكد وتنوينه نحو: لا ماءَ ماءً باردًا، قاله في شرح الكافي، أما التوكيد المعنوي لا يتأتى هنا؛ لأن التوكيد المعنوي كله ألفاظ تعتبر معارف.
وَالْعَطْفُ إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ لاَ احْكُمَا لَهُ بِمَا لِلنَّعْتِ ذِي الْفَصْلِ يعني: المفصول انْتَمَى
[ ٤١ / ٢١ ]
ذِي هذا صفة للنعت، وهو مضاف والفصل مضاف إليه وهي بمعنى الذي.
وَأَعْطِ لاَ مَعْ هَمْزَةِ استِفْهَامِ مَا تَسْتَحِقُّ دُونَ الاِسْتِفْهَامِ
قد تدخل همزة الاستفهام على (لاَ) النافية للجنس، حينئذٍ هل يتغير الحكم معها أم لا؟
الناظم هنا أطلق وقال: وَأَعْطِ لاَ السابقة النافية للجنس مَعْ هَمْزَةِ استِفْهَامِ مَا تَسْتَحِقُّ دُونَ الاسْتِفْهَامِ.
والذي تستحقه دون الاستفهام ما هو؟ البناء، إن كان مدخولها يصح بناؤه والنصب والعطف عليه .. الخ، كل الأحكام السابقة تثبت بلا، سواء دخلت عليها الهمزة أم لا، وهذا كلام مطلق عند المصنف.
وَأَعْطِ: هذا يتعدى إلى مفعولين، (لاَ) هذا مفعول الأول، مَا تَسْتَحِقُّ، مَا مفعول ثاني، تَسْتَحِقُّ هذا صلة الموصول، من الأحكام دُونَ الاسْتِفْهَامِ، هذا متعلق بـ (تَسْتَحِقُّ)، دُونَ الاسْتِفْهَامِ، قال همزة استفهام، دون الاستفهام يسمى إيطان، لكنه مدفوع بماذا؟ بتنكير الأول وتعريف الثاني، حينئذٍ لا يكون عيبًا.
وَأَعْطِ لاَ مَعْ هَمْزَةِ اسْتِفْهَامِ مَا تَسْتَحِقُّ دُونَ الاِسْتِفْهَامِ
من العمل والإتباع على ما تقدم.
إذا دخل همزة الاستفهام على لا النافية للجنس بقيت على ما كان لها من العمل، وسائر الأحكام التي سبقت، فتقول: ألا رجلَ قائمٌ، لا رجلَ قائمٌ، دخلت عليه همزة، صارت: ألا رجل قائم، وألا غلام رجل قائم، وألا طالع جبلًا ظاهر، وحكم المعطوف والصفة بعد دخول همزة الاستفهام كحكمها قبل دخولها، الحكم واحد، وظاهر كلام الناظم أنه يميل إلى هذا.
وأكثر النحاة على التفريق بين ما إذا كانت همزة الاستفهام للنفي أو التقرير والتوبيخ، وبين ما إذا كانت للتمني، إن كانت للأول، فعلى ظاهر النظم، وإن كانت للثاني فلا، ففيها تفصيل، هكذا أطلق المصنف هنا، وفي كل ذلك تفصيل، وهو أن همزة الاستفهام إذا دخلت على (لا) لها عدة معاني، منها:
إذا قصد بالاستفهام التوبيخ، هذا واحد، أو الاستفهام عن النفي اثنان، فالحكم كما ذكر الناظم، لا فرق بين (لا) بعد دخول الهمزة ولا قبل دخولها، من أنه يبقى عملها وجميع ما تقدم ذكره من أحكام العطف والصفة وجواز الإلغاء كما لو لم تدخل عليها الهمزة.
مثال التوبيخ: ألا رجوع وقد شبت، لا رجوع وقد شبت، دخلت عليه الهمزة أفادت التوبيخ، ألا رجوع وقد شبت، في معنى التوبيخ.
أَلاَ ارْعِوَاءَ لِمَنْ وَلَّت شَبِيبتُه وآذَنَتْ بمشِيبٍ بعدَهُ هَرَمُ
كذلك توبيخ.
ومثال الاستفهام عن النفي: ألا رجل قائم، هذا استفهام نفي، ألا رجل قائم.
ألاَ اصطَبارَ لِسَلمَى أمْ لَهَا جَلَدٌ إِذَا أُلاَقِي الَّذِي لاَقَاهُ أَمْثَالِي
هذا أيضًا مبني على الفتح كما هو السابق.
إذًا جاءت بالتوبيخ فقال: ألا رجوع، بقيت كما هي مبنية على الفتح، أَلاَ ارْعِوَاءَ: ارعواء يعني كف وانزجار بقيت على أصلها وهو البناء على الفتح.
كذلك من استفهام على النفي: ألا رجل قائم، ألا اصطبار، فهي كما هي.
[ ٤١ / ٢٢ ]
أما النوع الثالث وهو أن تكون للتمني، فهذا ليست الأحكام باقية كما هي، وإذا قُصِد بألا التمني فمذهب المبرد والمازني أنها تبقى على جميع ما كان لها من الأحكام، وهذا ظاهر كلام الناظم؛ لأنه لم يفرِّق بين استفهام النفي ولا التوبيخ ولا التي بمعنى التمني فسوى بين الأحكام كلها فدل على أنه وافق المبرد والمازني في اختار أن الأحكام باقية مع ألا التي للتمني، وعليه يتمشى إطلاق المصنف.
ومذهب سيبويه أنه يبقى لها عملها في الاسم خاصة، إذًا إذا كانت للتمني ثم فروق بين (ألا) بعد دخول الهمزة وقبل دخول الهمزة.
منها: أنها لا عمل لها إلا في الاسم خاصة، ولا يكون لها خبر في اللفظ ولا في التقدير -هذا من الفوارق بين ألا التي للتمني وقبل دخول الهمزة- أنه يبقى لها عملها في الاسم خاصة، تعمل في الاسم، إذًا هي تعمل، بقي عملها، لكن بعض العمل وهو الاسم فقط أما الخبر فليس لها خبر لا في اللفظ ولا في التقدير، ولا يتبع اسمها إلا على اللفظ خاصة، أما المحل فلا، لا يتبع اسمها إلا على اللفظ خاصة، ولا يلغى بحالٍ ولا تعمل عمل ليس، ولا يلغى عملها بحال، بخلاف تلك.
ومن استعمالها للتمني قوله: (أَلاَ مَاءَ مَاءً بَارِدًا) يعني يتمنى ماءً باردًا:
أَلاَ عُمْرَ وَلَّى مُسْتَطَاعٌ رُجُوعُهُ فَيَرْأَبَ ..، ألا عُمْر يعني التمني ما الدليل على أن ألا هنا استعملها في التمني، نَصْبُ المضارع فَيَرْأَبَ نَصَبَ المضارع بعد الفاء الواقعة جواب التمني.
ومن المواضع التي ينصب الفعل المضارع أن يكون بعد فاء السببية أو الواقعة في جواب التمني، وهذا منها.
حينئذٍ أَلاَ عُمْرَ وَلَّى، هذا دل على أنه أراد التمني، يتمنى عمر ولى، فَيَرْأَبَ هذا جواب الطلب، بدليل نصب الفعل المضارع بعده.
إذًا في هذه الحالة نقول: تفترق (ألا) بعد (لا) النافية للجنس بعد دخول الهمزة التي يراد بها التمني عما قبل دخولها.
قال: بل يجب في وصفهِ والمعطوفِ النصبُ ولا خبر لها وهذا على مذهب سيبويه؛ لأنها جاءت بمعنى أتمنى، فكأن اسمها مفعول به فلذلك لا تحتاج إلى خبر، كأن الاسم صار مفعولًا به لأن (ألا) في معنى أتمنى، حينئذٍ لا تحتاج إلى خبر.
ولا يجوز رفع المعطوف ولا النعت ولا تُلغى لأنها بمعنى ليت، وليت لا يجوز إلغاؤها كما سبق معنا، ولا مراعاة محل اسمها ولا يجوز في العطف على اسمها ولا وصفه إلا بالنصب.
إذًا نقول: (ألا) إذا كانت للتمني حينئذٍ ثم فروق بينها وبين (لا) التي لنفي الجنس، يبقى عملها من حيث الجملة وتفترق عنها في بعض المسائل.
وَشَاعَ فِي ذَا البَابِ إِسْقَاطُ الْخَبَرْ إِذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَرْ
قلنا (لا) هذه تقتضي اسمًا وخبرًا هذا الأصل فيها لأنها محمولة على إنَّ وقلنا من وجه المشابهة بينها وبين إنَّ دخولها على المبتدأ والخبر، إذًا لا بد لها من خبرٍ.
[ ٤١ / ٢٣ ]
وَشَاعَ أي كثر فِي ذَا البَابِ لا غيره لأن الأصل في الخبر أن يكون عمدة والأصل في العمدة أنه لا يجوز حذفه، هذا الأصل فيه، لكن كثر في هذا الباب على جهة الخصوص وهو باب (لا) النافية للجنس، ولذلك لم يطلق، فحينئذٍ لما قيد هنا: فِي ذَا البَابِ قد يستفاد بأن قوله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ، قلنا (ما) هذه يحتمل أنها عامة تشمل الباب الذي ذكر فيه وغيره.
وذكر بعضهم أنها خاصة، التقييد هنا فِي ذَا البَابِ قد يستفاد منه أن قوله هناك أراد به العموم إذ لو كان مرادًا به الخصوص لقيد كما قيد هنا.
وَشَاعَ أي كثر وذاع فِي ذَا البَابِ: باب "لاَ" النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ لا غيره إسْقَاطُ الخَبَرْ بمعنى حذف، جوازًا عند الحجازيين ولزومًا عند التميميين والطائيين إسْقَاطُ الخَبَرْ إما على جهة الجواز وإما على جهة الإيجاب، جوازًا عند الحجازيين ووجوبًا عند التميميين، قال: الخَبَرْ أطلق هنا فدل على العموم يعني: سواء كان مفردًا أو كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا أو غيرهما، حينئذٍ إسْقَاطُ الخَبَرْ: لا رجل قائم هذا الأصل لو قال: هل من رجل في الدار قال: لا رجل، فأسقط الخبر للعلم به، نقول جائز مع كونه ليس ظرفًا ولا جارًا ومجرورًا.
إذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَرْ، يعني هذا قيد إسقاط الخبر ليس على إطلاقه، لأن ما لا يُعلم لا يجوز حذفه، حينئذٍ إذا علم الخبر وجب إسقاطه عند التميميين وجاز عند الحجازيين، وأما إذا لم يعلم فالمنع مطلقًاَ عند الطائفتين لا يجوز حذف الخبر.
إذَا الْمُرَادُ: الْمُرَادُ هذا فاعل، إذا ظهر المراد لأن ذا جاءت بعد إذا فهي شرط.
إذَا الْمُرَادُ يعني إذا ظهر المراد مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَرْ بقرينة (قالوا لا ضير)، (فلا فوت)، لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله -لا حولَ- من الأول.
حينئذٍ خلاصة هذا الباب أنه يجوز حذف الخبر إذا علم عند الحجازيين ويجب عند التميميين. إذا دل دليل على خبر لا النافية للجنس وجب حذفه عند التميميين والطائيين وكثر حذفه عند الحجازيين، ومثاله أن يقال هل من رجل قائم فتقول لا رجل تحذف الخبر وهو قائم وجوبًا عند التميميين والطائيين وجوازًا عند الحجازيين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر غير ظرف ولا جار ومجرور كما مُثِّل، أو ظرفًا أو جارًا ومجرورًا نحو أن يقال: هل عندك رجل أو هل في الدار رجل فتقول لا رجل فإن لم يدل على الخبر دليل لم يجز حذفه عند الجميع.
قوله ﷺ (لاَ أَحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللهِ) أغير هذا خبر لا يجوز حذفه ولاَ كَرِيمَ مِنَ الوِلْدَان مَصْبُوحُ، مَصْبُوحُ لا يجوز حذفه لأنه لا يعلم.
إذًا حذف خبر هذا الباب إن علم غالبٌ في لغة الحجاز ملتزم في لغة تميم وطي فلم يلفظوا به أصلًا ومنه (لا ضَيْرَ) (فَلا فَوْتَ) "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" "لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ " "لاَ بَأْسَ، لاَ بَأْسَ"، يعني لا بأس عليك، نقول هذا بأس حذف خبره وهو عليك.
[ ٤١ / ٢٤ ]
وإذا ما كثر أو وجب لأن لا وما دخلت عليه جواب استفهام عام والأجوبة يقع فيها الحذف والاختصار كثيرًا ولهذا يكتفون عنها بلا ونعم هل جاء زيد؟ لا. هل جاء عمرو؟ نعم. حينئذٍ يحذفون الجملة اكتفاءً بحرفي الجواب.
ويحذفون الجملة بعدهما رأسًا وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع (إلا) نحو ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه﴾ و(لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة الاّ باللهِ) وإن لم يعلم بقرينة حالية ولا قالية لم يجز حذفه عند أحد فضلًا عن أن يجب.
وربما حذف الاسم وبقي الخبر قالوا لا عليك، أي لا بأس عليك هذا محكي ولكنه يحفظ ولا يقاس عليه.
وإلى هذا أشار بقوله إذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَرْ واحترز بهذا مما لا يظهر المراد مع سقوطه فإنه لا يجوز حينئذٍ حذفه كما تقدم، ظن وأخواتها ..
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد !!!
[ ٤١ / ٢٥ ]