عناصر الدرس
* أقسام (ظن وأخواتها) من حيث الإلغاء والتعليق وتصرفها
* أحكام الإلغاء والتعليق ومسائلها
* بعص الأفعال المستخدمة في غير المعاني المتقدة
* مفعولي (ظن) وأحكامهما من حيث الحذف والأمتناع
* يستعمل القول بمعنى الظن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
ما زال الحديث في باب (ظنَّ) وأخواتها، حيث قسَّم الناظم رحمه الله تعالى هذا الباب إلى قسمين: أفعال قلوب، وأفعال تحويل.
أفعال القلوب: قلنا: سميت أفعال قلوب؛ لأن معانيها تقوم بالقلب، وأما أفعال التحويل فالمراد بها التصيير، تصيير الشيء وتحويله من صفة إلى صفة، أو من ذات إلى ذات أخرى، كلاهما داخل في معنى التفصيل، وعَدَّ ثلاثة عشر فعلًا من أفعال القلوب، ثم أحال أو أجمل في أفعال التصيير، وهذه أفعال القلوب قلنا: تنقسم في الجملة إلى قسمين ما يدل على اليقين وما يدل على الرجحان، ثم ذكرنا أنها من جهة التفصيل تنقسم إلى أربعة أقسام: منها ما يفيد في الخبر يقينًا، وهو ثلاثة: وجد وتعلم ودرى، ومنها ما يفيد فيه رجحانًا وهو خمسة: جعل وحجى وعد وزعم وهب.
ثالثًا: ما يرد للأمرين يعني اليقين والرجحان تأتي لهذا وذاك، والغالب كونه لليقين وهما اثنان: رأى وعلم، بل هما أم الباب.
رابعًا: ما يرد لهما -اليقين الرجحان- والغالب كونه للرجحان وهو ثلاثة: (ظنَّ) وخال وحسب.
هذه الأفعال كلها تدخل على الجملة الاسمية -المبتدأ والخبر-، قلنا: كل ما دخل عليه (كان) جاز دخول (ظنَّ) عليه، والعكس بالعكس إلا في الاستفهام، يعني: كل ما ما امتنع دخول كان عليه يمتنع دخول (ظنَّ) وأخواتها عليه إلا الاستفهام، لماذا؟ لأن الاستفهام له حق الصدارة، حينئذٍ إذا دخلت عليه (ظنَّ) ونصبته على أنه مفعول أول تقدم ولا إشكال فيه؛ لأنه لا يلتبس في المبتدأ لأنه منصوب، وأما كان لو دخلت على الاستفهام -اسم الاستفهام- حينئذٍ لو تقدم لالتبس بالجملة الاسمية، كونه مبتدأ أو اسم كان، ثم اسم كان أصلًا لا يتقدم عليه، لا يجوز أن يتقدم عليه، وأما كونه خبرًا في الموضعين، فهذا جائز كما ذكرناه سابقًا.
بقي أن نقول: تسد عن المفعولين في هذا الباب (أنّ) المشددة، وسبق التنبيه عليه عند ذكر الموصولات الحرفية: (أنّ) وما دخلت عليه تقع في موقع المفعولين: ظننت أن زيدًا قائمٌ، حينئذٍ ظننت أن زيدًا قائمٌ، نقول: ظننت فعل وفاعل، (أنّ) تعربها تفصيلًا، ثم تقول: (أنّ) وما دخلت عليه -معموليها-: سدت مسد مفعولي ظن، لماذا؟ لأن (أنّ) هذه إنما هي في قوة المفرد؛ لأنها مصدر، إذا كان كذلك حينئذٍ كيف تقوم مقام المبتدأ والخبر؟ إنما نقول: هي سدت مسد معمولي ظن.
[ ٤٣ / ١ ]
وإن كانت بتقدير اسم مفرد، -اسم مفرد للطول-، ولجيران الخبر والمخبر عنه بالذكر في الصلة، يعني: الذي جعل وسوغ أن تقوم (أنْ) وتسد مسد مفعولي (ظنَّ) هو وجود اسمها وخبرها: أن زيدًا قائمًا، ظننت زيدًا قائمًا، كأنه موجود، الخبر والمخبر عنه يعني: في باب (أنّ) من جهة المعنى هذا موجود في: ظننت زيدًا قائمًا، والذي سوغ أن تقوم (أنّ) وتسد مسد المفعولين ذكر المخبر والمخبر عنه في معموليها في الصلة نفسها، ما الفرق بين ظننت زيدًا قائمًا، وظننت أن زيدًا قائمًا، زيد موجود في الذكر، وكذلك قائمٌ موجود في الذكر، هذا الذي سوغ مجيء (أنّ) وسدها مسد مفعولي ظن، ثم لا حذف فيه عند سيبويه، ظننت أن زيدًا قائمًا ليس فيه حذف، وهذا الذي عليه الجمهور، وذهب الأخفش والمبرِّد إلى أن الخبر محذوف، يعني: في قولنا: ظننت أن زيدًا قائمٌ، عند الأخفش والمبرِّد ثم محذوف، ظننت أن زيدًا قائمٌ ثابتٌ أو مستقر، هذا فيه تكلُّف، لماذا؟ لأننا لا نحتاج إلى هذا التركيب، المعنى حاصل، والإفادة تامة بوجود أنَّ زيدًا قائمٌ، وإذا حصلت حينئذٍ لا نحتاج إلى التقدير، ولا ندعي أن ثم محذوفًا حذف ثم بعد ذلك أقيمت (أنّ) مقامه، وكذا يسد عنها (أنْ) وصلتها نحو: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا» [العنكبوت:٢]، حسب قلنا: هذه تتعدى إلى مفعولين: «أَحَسِبَ النَّاسُ» هذا فاعلها، «أَنْ يُتْرَكُوا»؛ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، فنقول: سدت مسد معمولي حسب، إذًا: يقوم مقام المفعولين (أنّ) المشددة ومعمولها، وكذلك (أنْ) المصدرية والفعل المضارع، وقلنا فيما سبق أن هذه تعتبر من الموصولات الحرفية، فقط هذان النوعان، وما عداهما لا، والذي سوغ سد (أنّ) المثقلة و(أنْ) وجود المخبر عنه في نفس الصلة، هذا الذي سوغ ذلك، فـ «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا»، لتضمن مسند أو مسند إليه مصرح بهما في الصلة: «أَنْ يُتْرَكُوا» فيه مسند ومسند إليه، إذًا: هو في قوة المفعول الأول والمفعول الثاني لحسب، حكم هذين المفعولين بالتقديم والتأخير كما لو كانا قبل دخول هذه الأفعال، بمعنى أن الحكم للأصل مبتدأ وخبر، كل ما جاز هناك جاز هنا، وكل ما امتنع هناك امتنع هنا، حينئذٍ تقول: ظننت في الدار صاحبها، أين المفعول الأول؟ صاحبها، المفعول الثاني؟ في الدار، ما حكم تقدم المفعول الثاني على المفعول الأول؟ واجب، الأحكام نفسها، كل ما كان هناك جائز فهو جائز هنا، إذًا: حكم هذين المفعولين بالتقديم والتأخير كما لو كانا قبل دخول هذه الأفعال، والأصل تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني، ويجوز عكسه، وقد يجب الأصل، نحو ظننت زيدًا صديقك هذا واجب على رأي ابن مالك:
فَامْنَعْهُ حِيْنَ يَسْتَوِى الْجُزْءَانِ عُرْفًَا .. الشاهد هنا عُرْفًَا، إذا استويا معرفة امتنع تقديم الثاني على الأول، ظننت زيدًا صديقك كل منهما معرفة، لو قلت: زيدٌ صديقك امتنع تقديم الثاني على الأول -التزم الأول يكون مقدم والثاني متأخر-، وقد يجب خلافه في نحو: ما ظننت زيدًا إلا بخيلًا، أين الأول؟ فكُّ الجملة: ما زيدٌ إلا بخيلٌ أين الخبر؟
[ ٤٣ / ٢ ]
بخيل، واجب التأخير؟ واجب التأخير، إذًا: الأول زيدًا والثاني بخيلًا، ما ظننت زيدًا إلا بخيلًا، ثم قال ﵀:
وَخُصَّ بِالتَّعْلِيقِ وَالإِلْغَاءِ مَا مِنْ قَبْلِ هَبْ وَالأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا
كَذَا تَعَلَّمْ وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ سِوَاهُمَا اجْعَلْ كُلَّ مَالَهُ زُكِنْ
هذه الأفعال -أفعال القلوب- قلنا: تعتريها ثلاثة أحكام: الأول: الإعمال وهذا هو الأصل فيها، ظننت زيدًا قائمًا واجب الإعمال خلافًا للكوفيين.
الثاني: التعليق، وهو إبطال أو ترك العمل لفظًا لا محلًا، بمعنى أن هذه الأفعال تسلط على المحل دون اللفظ، فيترك العمل لفظًا وهو النصب، ثم يسلط العامل على المحل، وهذا له نظائر كثيرة في لسان العرب؛ أن يكون العامل مسلطًا على المحل دون اللفظ، وهذا في إضافة المصدر كثير، المصدر قد يضاف إلى الفاعل وقد يضاف إلى المفعول، وكلاهما إذا أضيف إلى الفاعل حينئذٍ يكون في المحل فاعلًا والمفعول يكون مفعولًا، مثل ماذا؟
ظننت لزيدٌ قائمٌ، هذا يسمى تعليق، ونحن نُعرِّف التعليق.
إذًا: ظننتُ لزيدٌ قائمٌ، زيدٌ قائمٌ الأصل فيه النصب، ظننت زيدًا قائمًا، زيدًا مفعول أول، وقائم مفعول ثاني، قد يُترك تسلط على العامل (ظنَّ) على اللفظ ثم يتوجه إلى المحل، وذلك إذا وجد أو أحال بينهما -بين العامل والمعمول- ما له صدارة الكلام، منها لام الابتداء، فإذا قلت: ظننت لزيدٌ قائمٌ، زيدٌ رُفع بعد أن كان منصوبًا، وقائمٌ رُفع بعد أن كان منصوبًا، رفع زيد على أنه مبتدأ، وقائمٌ على أنه خبر، إذًا: رجعت الجملة إلى أصلها، لكن باعتبار اللفظ لا باعتبار المحل؛ لأن اللام هذه لام الابتداء ولها حق الصدارة، وحينئذٍ توسطت بين العامل والمعمول، فعلق الفعل، بمعنى أنه لم يستطع أن يصل إلى اللفظ؛ لأن لام الابتداء لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، فلما مُنِع الفعل من أن ينصب (زيد) لفظًا و(قائمًا) لفظًا حينئذٍ لابد له من محل يظهر له أثره، فوُجِّه إلى المحل، فتقول: ظننتُ لزيدٌ، ظننتُ: فعل وفاعل، اللام لام الابتداء، زيدٌ قائمٌ مبتدأ وخبر في محل نصب مفعولي ظن، وهذا المراد بأنها في اللفظ جملة اسمية، وفي المحل مفعولا ظن، هذا التعليق، وأما الإلغاء فهو إبطال العمل لفظًا ومحلًا، مطلقًا يلغى العامل كأنه غير موجود، كأنه لم يدخل، زيدٌ قائمٌ، ظننتُ زيدًا قائمًا، إذا توسط أو تأخر جاز الإلغاء، زيدًا ظننتُ قائمًا بالنصب، زيدٌ ظننتُ قائمٌ بالرفع، جاز الوجهان، إذا نصبت على الإعمال هذا هو الأصل، وإذا رفعت وهو الشاهد، إبطال عمل (ظنَّ) في اللفظ والمحل، تقول: زيدٌ مبتدأ قائمٌ خبره، وظننتُ فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب معترضة بين المبتدأ والخبر، حينئذٍ أين عمل ظن؟ ليس لها عمل لا في اللفظ ولا في المحل، وهذا له ضابط سيأتي.
وَخُصّ بِالتَّعْلِيقِ والإلْغَاءِ: إذًا: هذان حكمان، التعليق وعرفنا أنه ترك العمل في اللفظ لا في المحل، أو إلغاء وإبطال عملها في اللفظ لا في المحل، وأما الإلغاء فهو ترك العمل لفظًا ومحلًا.
[ ٤٣ / ٣ ]
مَا مِنْ قَبْلِ هَبْ: وَخُصّ، هذا أمر أو ماضٍ؟ يحتمل هذا ويحتمل ذاك، يحتمل أنه أمر، حينئذٍ: مَا مِنْ قَبْلِ هَبْ، ما: اسم موصول بمعنى الذي في محل نصب مفعول به، ويحتمل أن: وَخُصّ، فعل ماضي مغير الصيغة، و(ما) حينئذٍ تكون نائب فاعل، والأظهر أنه فعل أمر، المناسب لقوله: وَالَّتِي كَصَيَّرَا انْصِبْ، أن يكون خص فعل أمر، وباعتبار ما بعده:
والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا كَذَا تَعَلَّمْ
ثم قال: اجْعَلْ.
والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا: أن يكون خُصّ ماضيًا مبني للمجهول، يعني: مثلما سبق، باعتبار السابق وباعتبار اللاحق، ما سبق ما هو؟ انْصِبْ، ثم قال هنا: أُلْزِمَا، وقع بين نوعين، أحدهما فعل أمر والثاني مغير الصغية، لكن الأكثر في هذا المقام أنه يأتي بفعل الأمر؛ لأنه قال: وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ سِوَاهُمَا اجْعَلْ وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ .. وَالْتَزِمِ التَّعْلِيقَ .. كلها أفعال أمر، فدل على أن المراد به الأمر، والأمر سهل.
وَخُصَّ بِالتَّعْلِيقِ وَالإِلْغَاءِ مَا مِنْ قَبْلِ هَبْ
كل ما ذكره في الأبيات الثلاثة الأول قبل هب، حينئذٍ يكون محلًا لهذين الحكمين، يعني: يجوز فيهما الإلغاء ويجوز فيهما التعليق، حينئذٍ ليس كل أفعال القلوب التي تنصب مفعولين يجوز فيها الإلغاء والتعليق، بل فيه تفصيل، ما كان من قبل هب الذي ذكره فيما سبق يجوز فيه الإلغاء والتعليق، وأما هب وتعلم فلا يجوز فيهما لا إلغاء ولا تعليق.
وَخُصّ بِالتَّعْلِيقِ والإلْغَاءِ مَا مِنْ قَبْلِ هَبْ: من أفعال القلوب وهو أحد عشر فعلًا ذكرها قبل هَبْ، ولماذا التفصيل هذا، لماذا فصلنا بين أفعال القلوب، بعضها يعلق ويلغى وبعضها الآخر لا يعلق ولا يلغى؟ وذلك لأن هذه الأفعال لا تؤثر فيما دخلت عليه تأثير الفعل في المفعول، وإن كانت أفعال تنصب إلا أنها ليست كضربت وقتلت ومشيت، تلك لها تأثير في الذوات، وأما هذه لا، التأثير يختلف، تأثيرها في مفاعليها ليس كتأثير الأفعال الحقيقة في مفاعيلها، فثم فرق بين النوعين، وإن قيل: بأن هذا الباب أعمل حملًا على باب أعطيت، إلا أن ثم فرقًا من حيث تعلق المفعول بعامله، ثم فرق بين التعلُّقين؛ لأن هذه الأفعال لا تؤثر فيما دخلت عليه تأثير الفعل في المفعول؛ لأن متعلقها في الحقيقة ليس هو الأشخاص، وإنما متعلقها الأحداث التي تدل عليها أسامي الفاعلين والمفعولين، حينئذٍ صارت ضعيفة، تقول: ضربت زيدًا، زيدًا هذا مفعول به، تعلق الضرب بشخص –بذات-، وأما ظننت زيدًا قائمًا تعلق هنا ظننت بقيام زيد ليس بزيد نفسه، إذًا علاقة ضربت زيدًا ليست كعلاقة ظننت زيدًا قائمًا، لماذا؟ لأن ضربت زيدًا تعلق الضرب بذات بشخص فهو أقوى في العمل، وأما ظننت زيدًا قائمًا، فهنا تعلق بصفات الذوات لا بالأشخاص والذوات أنفسهم، وهذا تأثير يختلف بين النوعين.
[ ٤٣ / ٤ ]
بخلاف أفعال التصيير، فإنها متناولةٌ للذات فهي قوية في العمل. أفعال التصيير في هذا الباب أقوى من أفعال القلوب: صيرت الطين خزفًا، تعلق بالذات، مثل: ضربتُ زيدًا، وأما الظن والاعتقاد والرجحان هذه متعلقة بالصفات لا تتعلق بالذوات، وإنما لم يدخل التعليق والإلغاء هب وتعلم وإن كانا قلبيين؛ لضعف شبهها بأفعال القلوب من حيث لزوم صيغة الأمر كما أشار إلى ذلك الناظم.
إذًا: لكون هذه الصيغة (هب تعلم) التُزِمت في هذين الفعلين ضعف؛ لأن الجامد أضعف من المتصرف، حينئذٍ لما كان هذان الفعلان جامدين لازمين لصيغة الأمر فحسب، لا يأتي منهما الماضي ولا المضارع، حينئذٍ لم يدخل فيهما التعليق ولا الإلغاء.
الحاصل: أن الأفعال التي يدخل فيها التعلق والإلغاء هي أحد عشر فعلًا من غير هب وتعلم، هب وتعلم كلاهما مع المجموع تصير ثلاثة عشر فعلًا، وأما أفعال التصيير فلا يدخلها لا تعليق ولا إلغاء، فهو خاص بما ذكره الناظم مِنْ قَبْلِ هَبْ.
وَخُصّ بِالتَّعْلِيقِ والإلْغَاءِ-بالمفهومين السابقين- مَا مِنْ قَبْلِ هَبْ، يعني: ما ذكر من قبل هب، وهو أحد عشر فعلًا، وأما هب وتعلم فلا يشملهما الحكم، كذلك أفعال التصيير ليست داخلة؛ لأنه ذكرها بعد هب وتعلم، فكل ما ذكر: هب وتعلم والتي كصيرا لا يدخلها تعليق ولا إلغاء، وما كان قبل هب حينئذٍ داخل في التعليق والإلغاء.
ثم قال كأنه معللًا لانتفاء دخول هب وتعلم لحيز التعليق والإلغاء، قال:
والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا
كَذَا تَعَلَّمْ : إذًا: تعلم هب ألزما صيغة الأمر، فلا يأتي منهما ماضٍ ولا مضارع، هَبْ فهبني.
والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا: هَبْ هذا مبتدأ قَدْ أُلْزِمَا الأمرَ، الألف هذه للإطلاق، والضمير المستتر هذا يعود إلى هب، وهو نائب فاعل، والأمر هذا مفعول ثاني مقدم، قَدْ أُلْزِمَا الأمرَ، هب ألزم الأمر، إذًا: الأمر هذا مفعول ثاني، والمفعول الأول اكتفى على أنه نائب فاعل؛ لأن ألزم هذا مغير الصيغة.
والأَمْرَ بالنصب مفعول ثاني مقدم على عامله وهو أُلْزِمَا، هَبْ: هذا مبتدأ وقَدْ للتحقيق، وأُلْزِمَا: هذا فعل ماضٍ مغير الصيغة، والمفعول الأول هو النائب، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ هَبْ.
كذا تعلم: تعلم كذا أي: مثل هب؛ في كونه ألزم صيغة الأمر فلا يأتي منه ماضٍ ولا مضارع.
كَذَا تَعَلَّمْ، أي: مثل هب في لزوم الأمر، حينئذٍ لا يأتي منهما ماضٍ ولا مضارع، فقصد الناظم رحمه الله تعالى أن هذين فعلين يلزمان صيغة الأمر فلا يستعملان ماضيين ولا مضارعين.
. وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ سِوَاهُمَا اجْعَلْ كُلَّ مَالَهُ زُكِنْ
لما ذكر الأفعال عدها بصيغة الماضي، حينئذٍ دفعًا لإيهام أن العمل مخصوص بهذا اللفظ ولا يتعداه إذا كان مضارعًا أو اسم فاعل أو اسم مفعول أو مصدر أو نحو ذلك أزال هذا اللبس كما سبق في باب كان:
وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ إِنْ كانَ غَيْرُ الْمَاضِ مِنْهُ اسْتُعْمِلاَ
[ ٤٣ / ٥ ]
فالحكم ليس خاصًا بصيغة الماضي، بل هو عام، ولذلك قال: وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ سِوَاهُمَا اجْعَلْ، سوى: هب وتعلم؛ لأنهما لا يأتي منهما إلا الأمر، اجعل لغير الماضي من سواهما كُلَّ مَالَهُ–للماضي- زُكِنْ: علم، من التعليق والإلغاء والدخول على الجملة الاسمية، وكون الأصل أن يتقدم مفعول أول ومفعول ثاني واستيفاء الفاعل ونحو ذلك، كل الأحكام السابقة ليست خاصة بالفعل الماضي، بل يكون في الفعل المضارع والأمر إن وجد منه، وكذلك اسم الفاعل اسم المفعول والمصدر.
وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ سِوَاهُمَا اجْعَلْ: اجعل لغير الماضي، لغير الماضي هذا مفعول ثاني، يعني: هو متعلق بقوله اجعل، لكنه مفعول ثاني لاجعل.
ومِنْ سِوَاهُمَا -سوى هب وتعلم- هذا يحتمل أنه نعت لغير، ويحتمل أنه حال لبيان الواقع، حال لازمة أتى به لبيان الواقع، أي: اجعل كل الأحكام التي علمت للماضي ثابتة لغير الماضي حالة كونه جائيًا من سوى هب وتعلق، حينئذٍ تقول: يظن زيدٌ عمرًا قائمًا، أنا ظانٌّ زيدًا عمرًا قائمًا، وهَلُمَّ جَرًّا.
وَلِغَيْرِ الْمَاضِ، ما هو غير الماضي؟ هو المضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، ولا يشمل الصفة المشبهة وأفعل التفضيل وفعل التعجب ليست داخلة هذه، أما الصفة المشبهة لأنها لا تصاغ إلا من لازم فلا تنصب، (وَصَوغُهَا مِنْ لاَزِمٍ لِحَاضِرِ)، فلا تنصب، حينئذٍ كيف تتعدى -هي لازمة-؟ حينئذٍ لابد من أن يكون هذا الفعل متعد إلى مفعولين، ينصب مفعولًا أول ومفعول ثاني، وهذه لازمة ليست بمتعدية، وما بعدها الذي هو أفعل التفضيل هذا لا ينصب مفعولًا، بل المشهور أنه لا يرفع فاعلًا ظاهرًا إلا في مسألة واحدة، وإنما يرفع ضميرًا مستترًا فحسب فلا ينصب، حينئذٍ كيف يكون ناصبًا لمفعولين، وكذلك فعل التعجب لا يتعدى إلا إلى واحد، ما أحسن زيدًا، إذًا: لِغَيْرِ الْمَاضِي مراده به المضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، وما عداه فلا.
[ ٤٣ / ٦ ]
قال الشارح: تقدم أن هذه الأفعال قسمان أفعال قلوب وأفعال تحويل، أفعال القلوب: هذه منقسمة إلى قسمين: متصرفة وغير متصرفة، متصرف: بمعنى أنه يأتي منه ماضٍ وأمر ومضارع، يتصرف فيه، وأما غير المتصرف فهذا الذي يلزم حالة واحدة: ماضي لا يأتي منه مضارع، مثل نِعمْ، نِعْم لا يأتي منه مضارع ولا أمر إلى آخره فهو لازم للماضي، أو مضارع لم يسمع له ماضٍ ولا أمر ولا آخره، مثل: يذر، أو أمر لم يسمع له ماضي ولا مضارع، مثل: هب تعلم، هذه ملازمة، قد يلازم، ليس دائمًا يكون ملازمًا للماضي، غير متصرف الجامد، قد لا يكون ماضيًا فحسب، قد يكون أمرًا مثل هب، هذا جامد نقول فيه، ليس الأمر والشأن خاصًا بنعم وبئس وعسى وليس أنها جامدة لا تتصرف؛ لأنها أفعال ماضية، لا، قد يكون فعل مضارع، مثل: يذر، وقد يكون فعل أمر، مثل: هب وتعلم، ومتصرف هذا قد يكون متصرفًا تصرفًا تامًا، بمعنى أنه يؤتى منه بالماضي والمضارع والأمر، واسم الفاعل واسم المفعول، وقد يكون تصرفه ناقصًا فيما إذا سمع له شيئٌ واحد فحسب، قد يكون له مثلًا اسم فاعل، وليس له مضارع، أو يكون له مضارع ولا يصاغ منه اسم الفاعل ولا اسم المفعول، نقول: هذا متصرف، لكن تصرفه ناقص وليس بتام.
فالمتصرفة ما عدى هب وتعلم، كما قال الناظم: والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا كَذَا تَعَلَّمْ.
فيستعمل منها المتصرف الماضي: ظننت زيدًا قائمًا، هذا هو الأصل فيها، وغير الماضي كالمضارع: أظن زيدًا قائمًا، يعمل عمله، زيدًا، هذا مفعول أول لـ (أظن) وقائمًا مفعوله الثاني، والأمر كذلك: (ظُنَّ) زيدًا قائمًا، (ظُنَّ) هذا فاعله ضمير مستتر، استوفى فاعله وزيدًا مفعول أول وقائمًا مفعول ثاني.
إذًا: نصب كما أن (ظنَّ) الماضي ينصب، و(يظن) كذلك نصب مفعولين كما أن (ظنَّ) الماضي ينصب، واسم الفاعل: أنا ظانٌّ زيدًا قائمًا، أنا مبتدأ، وظانّ خبر، وفيه ضمير مستتر فاعل، وزيدًا مفعول أول لظانّ وهو اسم، وقائمًا مفعول ثاني، حينئذٍ تأخذ من هذا أن بعض الأسماء يتعدى إلى مفعولين، اسم الفاعل قد يتعدى إلى مفعولين، قد يظن الظانّ أنه خاص بالفعل أنه يتعدى إلى مفعولين، إذا اشتق من (ظنَّ) اسم فاعل حينئذٍ نقول: يتعدى إلى مفعولين، أنا ظانٌّ زيدًا قائمًا، دائمًا نمثل: أنا ضارب زيدًا، مفعول واحد، لأن ضرب يتعدى إلى واحد، فإذا كان الأصل الماضي يتعدى إلى واحد تعدى اسم الفاعل إلى واحد، وإذا كان الأصل يتعدى إلى اثنين حينئذٍ تعدى إلى اثنين، أنا ظانٌّ زيدًا قائمًا.
[ ٤٣ / ٧ ]
إذًا: الاسم قد يتعدى إلى مفعولين، كذلك اسم المفعول: زيدٌ مظنونٌ أبوه قائمًا، زيدٌ: مبتدأ، مظنونٌ هذا خبر المبتدأ، مظنون اسم مفعول يرفع نائب فاعل ولا يرفع فاعلًا، أبوه: اكتفى على أنه نائب فاعل، هو المفعول الأول، قائمًا: هذا مفعول ثاني، إذًا: المفعول الأول هو مفعول قبل تسلط العامل عليه، فلما تسلط العامل عليه وهو مظنون حينئذٍ اقتضاه وطلبه على أن يكون نائب فاعل فرفعه على النيابة، فلا تقل: أبوه مفعول أول، وإنما تقول: نائب فاعل وهو المفعول الأول؛ لأن الذي يكون محلًا للحركة هو المقدم، وهنا أبوه مرفوع، ولو كان مفعولًا أول –لفظًا- حينئذٍ لوجب أن يكون منصوبًا، إذ لو كان مفعولًا أول لفظًا لوجب أن يكون منصوبًا؛ لأن المفعول الأول منصوب، لكن لما كان مظنون: يقتضي نائب فاعل حينئذٍ رفعه، فتقول: أبوه نائب فاعل، وهو المفعول الأول، تشير إلى ذلك من جهة المعنى لا من جهة الإعراب، يعني: ليس له محلان باعتبار الإعراب، وإنما باعتبار المعنى، وسبق أن الحل، حل الجملة التركيب بيت أو غيره، قد يكون باعتبار المعنى فنقدر، وقد يكون باعتبار الإعراب، هنا باعتبار المعنى، أما الإعراب لا، أبوه لفظًا ومعنىً نقول الأصل فيه أنه نائب فاعل، هذا الأصل، ولكونه قبل تسلط مظنون عليه مفعولٌ أول، وأن مظنون يقتضي مفعولين، حينئذٍ نقول: هو نائب فاعل، وهو المفعول الأول.
والمصدر كذلك: عجبتُ من ظنك زيدًا قائمًا، عجبتُ من ظنك، من ظنك، (ظنَّ) هذا جار ومجرور متعلق بعجبت، وظنك: نقول هذا مصدر (ظنَّ) وهو يتعدى مثله، ظنك زيدًا قائمًا، ظنك الكاف هنا مضاف إليه من إضافة المصدر إلى الفاعل، زيدًا قائمًا مفعول أول ومفعول ثاني، إذًا: ثبت لها من العمل ما يثبت لظن.
. وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ سِوَاهُمَا اجْعَلْ كُلَّ مَالَهُ زُكِنْ
اجْعَلْ كُلَّ مَالَهُ: اجعل كل الأحكام التي له –للماضي-، زكن التي علمت، ما زكن له: يعني: ما علم من الأحكام السابقة من التعليق والإلغاء وكونها تنصب مفعولين مفعول أول وثاني وما اشترط للماضي اجْعَلْهُ لِغَيْرِ الْمَاضِي، مِنْ سِوَاهُمَا: من سوى هب وتعلم، وأما غير المتصرف فهو اثنان: هب وتعلم بمعنى اعلم، كذلك في الإلغاء، يعني: هذه كما أننا أعملناها تبعًا للماضي لغير الماضي كذلك في الإلغاء، تقول: ظننت لزيدٌ قائمٌ ألغي، وتقول: أنا ظانٌّ لزيدٌ قائمٌ، دخلها الإلغاء، فتقول: أنا زيدٌ ظانٌّ قائمٌ بالإلغاء؛ لأنه توسط بين المفعولين، إذًا: إذا توسط أو تأخر أو تسلط ما له حق الصدارة بين العامل والمعمول علق كما هو الشأن في الماضي، وفي الإلغاء كذلك: زيدٌ أظنُ قائمٌ، وزيدٌ قائمٌ أظنُ، وزيدٌ أنا ظانٌ قائمٌ، وفي التعليق: أظنُّ ما زيدٌ قائمٌ وأنا ظانٌّ ما زيدٌ قائمٌ هذه كلها الحكم فيها واحد بين الماضي وغير الماضي.
واختصت القلبية المتصرفة بالتعليق والإلغاء، والتعليق هو ترك العمل لفظًا دون معنى لمانع.
[ ٤٣ / ٨ ]
إذًا: لا يدخل التعليق ولا الإلغاء في شيء من أفعال التصيير، قال: اختصت القلبية دون أفعال التصيير، المتصرفة دون الجامدة غير المتصرفة، حينئذٍ لا يدخل التعليق ولا الإلغاء في شيء من أفعال التصيير، ولا في قلبي جامد وهو اثنان: هب وتعلم، وإنهما يلزمان الأمر كما سبق.
ثم عرَّف الإلغاء والتعليق كما ذكرناه، ولكن الإلغاء هذا جائز كما سيأتي: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ، وأما التعليق فهو واجب، وسمي التعليق تعليقًا كما ذكرناه؛ لأن العامل ملغى ليس بعامل؛ ملغى من حيث اللفظ ليس بعامل، فهو عامل لا عامل، من حيث المعنى عامل، ومن حيث اللفظ ليس بعامل، ولذلك قيل: شُبِّه بالمرأة المعلقة التي لا مزوجة ولا مطلقة.
قال ﵀:
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الاِبْتِدَا وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّانِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا
فِي مُوهِمٍ إِلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا وَالْتَزِمِ التَّعلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ مَا
وَإِنْ وَلاَ لاَمُ ابْتِدَاءٍ أَوْ قَسَمْ كَذَا وَالاِسْتِفْهَامُ ذَا لَهُ انْحَتَمْ
هذا شروع في بيان حقيقة الإلغاء وحقيقة التعليق؛ لأنه أجمل أولًا، بين لنا الأفعال التي يدخلها تعليق وإلغاء، وعرفنا معنى التعليق ومعنى الإلغاء، متى نقول: هذا ملغى ومتى نقول: هذا معلق؟
قال: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ: جَوِّزِ، إذًا: هو جائز ليس بواجب، إذًا: ليس كقوله والْتَزِمِ التَّعلِيقَ، فالتعليق واجب، لوجود سببه الموجب، وأما الإلغاء فهو جائز، ففرق بينهما، الإلغاء عند وجود سببه جائز، والتعليق عند وجود سببه الموجب واجب، وأن الملغى لا عمله له البتة، والمعلق عامل في المعنى يعني: في المحل كما سيأتي.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ إذًا: لا واجب خلافًا للأخفش، حيث أوجب الإلغاء كالتعليق، والصحيح ما عليه الجماهير أنه جائز وليس بواجب.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ يعني: ترك العمل في اللفظ والمحل معًا، وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ: يعني: جوز ترك العمل لهذه الأفعال أو ما اشتق منها أو ما تصرف منها في اللفظ والمحل معًا لا في الابتداءز
[ ٤٣ / ٩ ]
لاَ فِي الابْتِدَا، لاَ هذا معطوف على محذوف، يعني: جوز الإلغاء في حالتي التوسط والتأخر هذا على المشهور؛ لأن الصور ثنتان، لاَ فِي الابْتِدَا، يعني: لا في حال الابتداء، الابتداء بماذا؟ بالفعل نفسه، إذ الصور ثلاثة على أكثر ما ذكره النحاة، إما أن يتقدم وإما أن يتوسط وإما أن يتأخر، ظننت زيدًا قائمًا، تقدم العامل على المعمولين، توسط: زيدًا ظننتُ قائمًا الحالة الثانية، الثالثة: زيدًا قائمًا ظننتُ تأخر على المفعولين، قال: جَوِّزِ الإِلْغَاءَ الذي هو ترك العمل في اللفظ والمحل لاَ فِي الابْتِدَا، يعني: في أي الصور؟ في المتوسط والمتأخر، إذًا: تقول: زيدٌ ظننتُ قائمٌ، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ واجب أو جائز؟ جائز، إذًا: يجوز أن تقول: زيدًا ظننت قائمًا، وزيدٌ ظننت قائمٌ، ويجوز أن تقول: زيدًا قائمًا ظننت، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ هاتان حالتان، ولا يجوز عند جميع البصريين أن تقول: ظننتُ زيدٌ قائمٌ، بل يجب الإعمال، ولذلك قال: لاَ فِي الابْتِدَا، هذه الصورة مستثناة، فيجب الإعمال إذا تقدم العامل على المفعولين، ظننت زيدًا قائمًا واجب الإعمال خلافًا للكوفيين، وأما زيدًا ظننتُ قائمًا فيجوز فيه الوجهان، وأيهما أرجح؟ قيل: هما سواء الرفع والنصب، وقيل: الإعمال أرجح، وهو أظهر أن الإعمال أرجح من الإلغاء، لماذا؟ لأنك إذا أعملت ظن، أعملت فعلًا، وإذا ألغيتها أعملت الابتداء وهو عامل معنوي، أنت مخير بين اثنين، إما أن تقدم العامل اللفظي وهو فعل وهو الأصل في العمل، وإما أنك تلغيه، وهذا أمر أنت مخير فيه أن تلغيه وتجعل الجملة ابتدائية: زيدٌ ظننتُ زيدٌ رفع بماذا؟ بالابتداء وهو عامل معنوي وهو ضعيف، حينئذٍ قدمت الضعيف على القوي، وهذا فيه نوع مرجوحية، ولذلك الراجح أن تنصب، فتقول: زيدًا ظننتُ قائمًا، هذا أرجح من قولك: زيدٌ ظننتُ قائمٌ، لماذا؟ لأنك إذا نصبت أعملت الفعل، وهو الأصل في العمل، وإذا رفعت أعملت الابتداء وهو أمر معنوي، ولا شك أن العامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي.
وأما إذا تأخرَت: زيدًا قائمًا ظننتُ، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ فالأكثر على أن -بل حكي إجماع- على أن الإلغاء هنا أرجح من الإعمال، فزيدٌ ظننتُ، فزيدٌ قائمٌ ظننتُ أرجح من (زيدًا قائمًا ظننتُ)، لماذا؟ لأن العامل إذا تأخر ضعف، (ظنَّ) الأصل فيها أنها لا تعمل، الأصل في الفعل أن لا يدخل على الجملة، إذا قيل: الفعل أنه عامل، أو العامل عمومًا العامل من حيث هو سواء كان يرفع أو ينصب، الأصل فيه أن يتعلق بالمفردات، ولا يتعلق بالجمل، لا يعني لا دخل على الجمل، فكل عامل دخل على جملة فالأصل فيه أنه لا يعمل، فـ (إنّ) وأخواتها الأصل فيها أنها لا تعمل، و(كان) وأخواتها الأصل فيها أنها لا تعمل، و(ظنَّ) وأخواتها الأصل فيها أنها لا تعمل.
إذًا: باب النواسخ كله الأصل فيه أنه لا يعمل، لماذا؟ لأنه تسلط على جملة -مبتدأ وخبر-، ولم يتسلط على مفرد، وهذا خلاف ما جعل العامل له في الأصل، حينئذٍ إذا أعمل لابد أن يكون محمولًا على شيئًا آخر، وإذا حمل صار فرعًا والفرع ضعيف، كما سبق.
[ ٤٣ / ١٠ ]
حينئذٍ: إذا قلت: زيدًا ظننت قائمًا، قلنا: جاز الإعمال والإهمال والإعمال أرجح، الإعمال أرجح من الإهمال، إذا تأخر رتبة -متأخر-ضعف جاز إعماله استصحابًا للأصل، ولأنه في رائحة الفعل، إلا أنه لما تأخر ضعف ضعفًا شديدًا فصار الإهمال أولى من الإعمال، ولذلك لما تقدم هو متسلسل متدحدر، لما تقدم: ظننتُ زيدًا قائمًا وجب، ثم لما انتقل إلى الثاني: زيدًا ظننتُ قائمًا جاز –ألغي-، لكن الإعمال أرجح، لما جاء المرتبة الأخيرة حينئذٍ صار الإهمال أرجح، وهذا ليس في (ظنَّ) فحسب، حتى في الأفعال الصحيحة التامة، ولذلك: ضربت زيدًا، زيدًا مفعولًا به، وقوة العامل -من قواعد العوامل-؛ قوة العامل إنما تتوجه لطلب ما بعده، وتضعف في طلب شيء قبله، هذا الأصل في العامل: أن يعمل فيما بعده ولا يعمل فيما قبله، فإذا عمل فيما بعده حينئذٍ إذا تقدم هذا المعمول ضعف تسلط العامل عليه، وذلك جاز إذا تقدم المفعول على عامله ولو في ضرب أن يتصل به حرف زائد للتقوية، ولذلك ضربت زيدًا، زيدًا مفعول به، زيدًا ضربتُ، هل قوة العامل واحدة؟ قالوا: لا، ليست قوة العامل واحدة، العامل في الثاني زيدًا ضربتُ أضعف، مع كونه لو تأخر صار قويًا على الأصل، ما الدليل؟ الدليل تسويغ دخول اللام الزائدة المؤكدة على المفعول به إذا تقدم دون إذا ما تأخر، فتقول: زيدًا ضربتُ، يجوز لك أن تقول: لِزيدٍ ضربتُ؛ لأن الأفعال إنما تتعدى وتتقوى إلى المعمولات بحروف الجر، قلنا: حروف الجر سميت حروف جر لكونها تدور معاني الأفعال إلى الأسماء، فإذا كانت تالية لها لا إشكال، فلما نصب (ضربَ زيدًا) قوي ولا يحتاج إلى حرف، لما تقدم عليه ضعف، وحينئذٍ احتاج إلى مقوي، وقيل: لِزيدٍ ضربتُ -هذا قياس-، وأما ضربتُ لِزيدٍ هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه: «إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ» [يوسف:٤٣]، للرؤيا ما إعرابه؟ مفعول به، تعبرون الرؤيا، هذا الأصل مفعول به، لما تقدم احتاج إلى واسطة إلى مقوي إلى ما يعيد إليه قوته، فجيء باللام الزائدة مؤكدة، ولذلك تقول: لِزيدٍ ما تقول: جار ومجرور متعلق بضرب لا، تقول: اللام حرف جر زائد مقوي مؤكد، وزيدٍ مفعول به منصوب، ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وضربتُ فعل وافعل، إذًا: هو مفعول به، إذًا: زيدًا ظننتُ قائمًا نقول: هذا أرجح من الإهمال: زيدٌ ظننتُ قائمٌ لضعف العامل؛ لأنه ضعف، وزيدًا قائمًا ظننتُ نقول: الإهمال أرجح؛ لأنه ازداد ضعفًا لبعده عن معموليه.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا: يعني: لا في حال الابتداء بالفعل، يعني: بل في حال توسطه أو تأخره.
[ ٤٣ / ١١ ]
بقي حالة واحدة وهي محل نزاع بين النحاة، هل هي من قبيل الابتداء أو لا؛ فيما إذا تقدم على الفعل شيء ولا يبتدأ به، وإنما يتقدم عليه شيء من متعلقات الفعل: متى ظننتَ زيدًا قائمًا؟ هل يشترط في الابتداء أن لا يتقدم عليه شيءٌ البتة ولا حرف ولا حرفان، أم المراد أنه قد يتقدم عليه شيء وقد لا يكون له علاقة بما بعده؟ هذا محل نزاع، ما المراد بالابتداء هنا؟ قيل: الابتداء المراد به أن لا يتقدم عليه شيء البتة، فإن تقدم عليه أي لفظ حينئذٍ صار من باب جواز الإلغاء، لم يكن مبتدأً به، أو يراد بالابتداء: ابتداء الجملة في نفسها، فحينئذٍ: متى ظننتَ زيدًا قائمًا؟ زيدًا قائمًا نقول: الأصل أنه لم يتعلق به شيء، ولكن لما تقدم عليه اسم الاستفهام (متى) هل أخرجها عن كونها مبتدأً بها أو لا؟ هذا محل نزاع والأكثرون على أنه ليس مما يجوز فيه الإلغاء، بل يجب فيه الإعمال، ولكن ابن هشام رحمه الله تعالى يرى أنه داخل في الإلغاء، يعني: يجوز فيه الإلغاء، ويجوز فيه الإعمال والإعمال أرجح، لأنه باقٍ على أصله، ولكن تقدم عليه شيء، فمتى ظننتَ زيدًا قائمًا، هل هو مبتدأٌ به أو لا؟ نقول: هنا في اللفظ ليس مبتدأ به، لكن في الجملة نعم، هو مبتدأ لم يتقدم عليه لا مفعول أول، ولم يتأخر عن المفعولين، وأما زيدٌ ظننتُ قائمٌ لا شك أنه لم يبتدأ به الجملة نفسها، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ لا شك أنه لم يبتدأ به الجملة نفسها، لكن ظننتُ زيدًا قائمًا، لم يتقدم عليه شيء من متعلقات ظن، فهل تقدم لفظ آخر ليس متعلقًا بظن من حيث العمل -مفعول أول ومفعول ثاني-، هل يخرجه عن كونه مبتدأ به أو لا؟ محل نزاع.
إذًا: قوله: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا، لاَ فِي الابْتِدَا بأن لم يسبقه شيء البتة، فحينئذٍ يصدق على هذه الصور الثلاثة: زيدٌ ظننتُ قائمٌ، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ ومتى ظننتَ زيدٌ قائمٌ، هذا ظاهر كلام ابن مالك رحمه الله تعالى، ولذلك حمله على هذا في التوضيح ابن هشام أنه أدخل الصورة الثالثة بهذا، وبأن مراده بالابتداء أن لا يسبقه شيء البتة ولا حرف، فإن سبقه شيء حينئذٍ خرج عن كونه مبتدأً به وجاز فيه الإلغاء والإهمال، إلا أن الصورة الأخيرة هذه الإعمال أرجح من الإهمال.
إذًا: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا، يعني: لا في حال الابتداء، ولم يتعرض الناظم هنا للأرجح منها وقد ذكرناه، فإن جاء في لسان العرب ما ظاهره أنه يجب فيه الإعمال، وذلك فيما إذا ابتدئ بالفعل: ظننتُ زيدًا قائمًا، لو جاء في لسان العرب ما ظاهره الإهمال، حينئذٍ وجب التأويل، ولا نقول: ظننتُ زيدٌ قائمٌ يجوز فيه الوجهان الإلغاء وعدمه، نقول: لا، لابد من التأويل، خلافًا لمذهب الكوفيين المجوزين أنه يجوز عند التقدم يعني: الابتداء بالفعل الإلغاء والإعمال.
وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا
فِي مُوهِمٍ إِلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا
[ ٤٣ / ١٢ ]
وَانْوِ: يعني: قدر، فِي مُوهِمٍ: في لفظ أوهم، إلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا: من الأفعال ظننت زيدًا قائمًا، انْوِ ماذا؟ ضَمِيرَ الشَّأَنِ، فإذا جاء: ظننتُ زيدٌ قائمٌ، قُل: ظننتهُ زيدٌ قائمٌ، انو ضمير الشأن، حينئذٍ يكون ضمير الشأن هو المفعول الأول، وزيدٌ قائمٌ مبتدأ وخبر في محل نصب مفعول ثاني، إذًا: أُعمل أو لا؟ أُعمل، وما تُوهم أنه ليس بعامل هذا ملغي، لماذا؟ لأن العامل هنا تسلط على ضمير الشأن فنصبه على أنه مفعول أول، وما ظاهره الإلغاء زيدٌ قائمٌ، نقول: هذا الجملة في محل نصب مفعول ثاني لـ (ظنَّ).
وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا: يعني: قدر اللام لام الابتداء، ظننتُ زيدٌ قائمٌ، قل: هذا ليس بملغى؛ لأنه واجب الإعمال، تقدم العامل هنا، حينئذٍ إذا لم ننوِ ضمير الشأن نقول: ظننتُ لزيدٌ قائمٌ -هذا التقدير-، فلام الابتداء محذوفة، زيدٌ قائمٌ هذا جملة اسمية في محل نصب مفعولي ظن، إذًا: إذا جاء في لسان العرب ما ظاهره الإلغاء وقد تقدم العامل وجب التأويل.
لنا صورتان: إما أن يكون المفعول الأول ضمير الشأن والجملة المذكورة المرفوعة الطرفين الجزأين في محل نصب مفعول ثاني، وإما أن نقدر لام الابتداء.
وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ: ليكون هو المفعول الأول، فحينئذٍ الجزءان جملة في موضع المفعول الثاني، الجزءان في موضع نصب المفعول الثاني.
أو انْوِ لاَمَ الابْتِدَاءِ، لاَمَ ابْتِدَا قصره للضرورة لتكون من باب التعليق، كما سيأتي في محله.
فِي مُوهِمٍ: يعني: في تركيب موهم، متعلق بقوله: انْوِ، انْوِ فِي مُوهِمٍ في تركيب نقل من لسان العرب، إلغاء: هذا مفعول لموهم، إلْغَاءَ (مَا) أي: فعل تَقَدَّمَا الذي تقدم، تَقَدَّمَا الألف هذه الإطلاق، الذي تقدم يعني جاء في صورة الابتداء، لأنه قال لك أولًا وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا فلا يجوز فيه الإلغاء، لا يجوز الإلغاء في الابتداء، ظننت زيدًا قائمًا، فإن جاء ما ظاهره الإلغاء حينئذٍ انْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا:
أَرْجُو وآمُلُ أنْ تَدْنو مَوَدَّتُها وما إخالُ لدَيْنا منْك تنويلُ
هذا حجة الكوفيين في كون الفعل المتقدم يجوز إلغاؤه، الكوفيين لا تفصيل عندهم بين المسائل المذكورة، كل فعل قلبي يجوز إلغاؤه تقدم أم توسط أم تأخر، حينئذٍ نحن نستثني صورة واحدة وهي فيما إذا تقدم هذا محل النزاع، وأما التوسط والتأخر فلا إشكال، فإن جاء ما ظاهره الإلغاء أُوِّل.
[ ٤٣ / ١٣ ]
قال: (وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ): هذا ظاهره الإلغاء، لأنه قال: إخَالُ تَنْوِيلُ هذا بالرفع، لَدَيْنَا مِنْكِ، يحتمل أن أحدهما هو المفعول الثاني، وتنويل، هذا لو كان معمولًا لإخَالُ، لو كان معمولًا لها لنصبه، فلما رفعه علمنا أنه قد أهمله ألغاه، وهنا هذه الصورة هل هي من صورة الابتداء أم التوسط أم التأخر؟ الابتداء، هذا ظاهرها، فـ إخَالُ لم يتقدم عليه شيء من معموليه، إذًا: مثل: ظننت زيدًا قائمًا فألغي فدل على أنه لا يجب الإعمال فيما إذا تقدم العامل، بل يجوز الإلغاء، وهذه حجة الكوفيين، البصريون يمنعون، يقولون: لا ثم تقدير، وما إخاله لدينا منك تنويل، وما إخاله أعملنا إخال في ضمير الشأن، وهو المفعول الأول، وجملة: لدينا منك تنويل في محل نصب مفعول ثاني، أو: وما إخال لَلَدينا منك تنويل، يعني: بإدخال لام الابتداء، أو نقول: الصورة الثالثة: وهي ما يجوز فيها الإلغاء إذا تقدم إخال شيء من الكلام مطلقًا، وَمَا هذه نافية، مثل: متى ظننتَ زيدًا قائمًا، إذًا: هذه الصورة مما يجوز فيه الإلغاء، فإذا ألغيت حينئذٍ لا نسأل عنها، وهذا توجيه حسن أيضًا، إذًا: (وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ، نقول: ما نافية فحينئذٍ يباح الإلغاء كما هو الشأن في الصورة الثالثة.
إذًا: يُخَرَّج على واحد من هذه الأحوال الثلاثة، إما أن ننوي ضمير الشأن، وإما أن ننوي لام الابتداء، وإما إذا تقدمه شيء ولو نفي أو استفهام ونحو ذلك، قلنا: هذا مما يجوز فيه الإلغاء فهو ملغى.
كذلك قول الشاعر:
كَذَاكَ اُدِّبْتُ حَتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِي أَنِّي وَجَدْتُ مِلاَكُ الشِّيْمَةِ الأَدَبُ
هذا أظهر من السابق؛ لأنه لفظ بهما، أَنِّي وَجَدْتُ، وجدت، وجد تعدى إلى مفعولين، مِلاَكُ الشِّيْمَةِ الأَدَبُ، مبتدأ وخبر، دخلت عليه وجدت أين النصب؟ لم ينصب في الظاهر، وهو متقدم واجب النصب واجب الإعمال، ولا يجوز فيه الإلغاء، وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا، الكوفيون احتجوا بهذا على أنه لا يجب الإعمال فيما إذا تقدم العامل، البصريون يمنعون يقولون: لابد من التأويل على واحد من الأمور الثلاثة السابقة، أَنِّي وجدته مِلاَكُ الشِّيْمَةِ الأَدَبُ، مِلاَكُ مبتدأ والأَدَبُ خبر، والجملة في محل نصب مفعول ثاني، والمفعول الأول محذوف هو ضمير الشأن، وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا:
أني وجدت لملاك الشيمةِ الأدبُ، حينئذٍ نوينا لام الابتداء، وهي تمنع الفعل أن يعمل في اللفظ فيكون من باب التعليق، كذلك أَنِّي وَجَدْتُ هذا يدخل في الصورة الثالثة التي يباح فيها الإلغاء، إذًا: لا يحتج بهذا البيت على أنه يجوز الإلغاء فيما إذا تقدم العامل على المعمولين.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا، فإن كان في الابتداء حينئذٍ وجب الإعمال.
وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا
فِي مُوهِمٍ إِلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا
هذا ما يتعلق بالإلغاء.
[ ٤٣ / ١٤ ]
إذًا: خلاصة الإلغاء نقول: حقيقته ترك العمل لفظًا ومحلًا، وهذا إنما يكون جائزًا لا واجبًا، يعني: إذا وجدت سببه حكمه الجواز لا الوجوب، خلافًا للأخفش، وما سببه؟ سببه نقول: إما أن يتوسط العامل وإما أن يتأخر، إذا توسط العامل بين معموليه المفعول الأول والثاني، حينئذٍ نقول: جاز الإلغاء، وإذا تأخر عن مفعوليه -معموليه- جاز الإلغاء وجاز الإعمال، وفي حالة التوسط الإعمال أرجح من الإهمال، وفي حالة التأخر الإهمال أرجح من الإعمال، فحينئذٍ نقول: بقي صورة واحدة: وهي فيما إذا تقدم: ظننتُ زيدًا قائمًا، عند البصريين يجب فيه الإعمال ولا يجوز الإلغاء، فإن جاء في لسان العرب ما ظاهره الإلغاء وجب التأويل بواحد من أمور ثلاثة، إما أن ندعي أن المفعول الأول هو ضمير الشأن، والجملة الظاهرة المرفوعة هذه في محل نصب مفعول ثاني، أو ندعي أنه من باب التعليق بتقدير لام الابتداء داخلة وهي محذوفة، أو إذا تقدمه شيء: أَنِّي وَجَدْتُ، متى ظننت، حينئذٍ نقول: هذا ليس من باب الابتداء، بل مما يجوز فيه الإلغاء، والعامل المُلغَى لا يعمل لا في اللفظ ولا في المحل فوجوده وعدمه سواء، ولذلك إذا ألغي حينئذٍ تعرب الجملة على أنها لا محل لها من الإعراب: زيدٌ ظننتُ قائمٌ، ظننتُ فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب معترضة، لا اعتبار لها.
ثم قال:
والْتَزِمِ التَّعلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ مَا
كَذَا وَالاِسْتِفْهَامُ ذَا لَهُ انْحَتَمْ
وَإِنْ وَلاَ لاَمُ ابْتِداءٍ أَوْ قَسَمْ
التَّعلِيقَ قلنا: حقيقته ترك العمل في اللفظ لا في المحل، وحقيقته: أنه يحول بين العامل والمعمولين ما له صدر الكلام، -هذا هو ضابطه- أن يقع بين العامل والمعمولين ما له صدر الكلام، ومنه مثلًا لام الابتداء، تقول: ظننتُ لزيدٌ قائمٌ، نقول: أصل التركيب، ظننتُ زيدًا قائمًا –بالنصب-، دخلت لام الابتداء، فقيل: لزيدٌ قائمٌ، أبطلت العمل، أحالت بين العامل والمعمول، لماذا؟ لأن لها حق الصدارة في الكلام، يعني: لا يسبقها شيء، وما كان له حق الصدارة في الكلام لا يعمل ما قبله فيما بعده، حينئذٍ لا يتسلط ظننت على زيد، أي: هو عامل في الأصل، وهذه دخيلة، فحينئذٍ قالوا: يتوجه العمل إلى المحل لا إلى اللفظ، فإذا عطفت عليه حينئذٍ جاز لك الأمران: الرفع، باعتبار اللغو، والنصب باعتبار المحل، مثل ما ذكرناه في قول: لا رجل ظريفٌ ظريفًا، يجوز فيه الوجهان إما باعتبار اللفظ: ظريفا -وهذا التركيب-، أو ظريفٌ باعتبار لا ومدخولها، أو ظريفًا باعتبار المحل، والشاهد: ظريفًا، حينئذٍ إذا قلت: ظننتُ لزيدٌ قائمٌ وعمروٌ منطلقٌ وعمروًا منطلقًا، يجوز فيه الوجهان، وعمروٌ منطلقٌ باعتبار اللفظ، المعطوف على المرفوع مرفوع، وعمرًا من أين جاء النصب؟ لابد من سؤال ولابد من جواب، وعمرًا ما العامل فيه؟ وعمرًا منطلقًا، نقول: هذا معطوف على المنصوب؟ أين المنصوب؟ في المحل، إذًا: دل هذا على أن (ظنَّ) لم تلغ كليًا، وإنما ألغي إعمالها في اللفظ فحسب، وأما المحل فهذا باقٍ على أصله أو على ظاهره.
[ ٤٣ / ١٥ ]
والْتَزِمِ التَّعلِيقَ، والتُزمَ التعليقُ، والتَزمِ التعليقَ يجوز فيه الوجهان: والْتَزِمِ التَّعلِيقَ أولى؛ لأنه هو ظاهر كلام الناظم دائمًا يأتي بهذا: والْتَزِمِ إذًا: وهو واجب ليس كالإلغاء، فالتعليق واجب، إذا وجد سببه، والإلغاء جائز إذا وجد سببه.
والْتَزِمِ التَّعلِيقَ عن العمل في اللفظ: إذا وقع الفعل قبل شيء له الصدر، وما هو هذا الذي له الصدر؟ ذكر الناظم ستة أشياء فقط: (ما وإن ولا) النافيات، ثلاثة، و(لام الابتداء) أربعة، (لام القسم) خمسة، (الاستفهام)، هذه ستة أشياء إذا أحالت بين العامل والمعمول صار من باب التعليق، لمَ علق؟ لأن هذه لها صدر الكلام، لماذا؟ لأنه لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، فلما أبطل عملها في اللفظ أرجع وأحيل إلى المحل.
والْتَزِمِ التَّعلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ مَا: (ما) النافية، ظننتُ ما زيدٌ قائمٌ، ظننتُ: فعل وفاعل، و(ما) نافية، زيدٌ قائمٌ: هذا نقول: من باب التعليق وليس من باب الإلغاء، فهو مبتدأ وخبر، تعربه، تقول: زيدٌ مبتدأٌ وقائمٌ خبر، والجملة في محل نصب مفعولي ظننتُ.
«لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ» [الأنبياء:٦٥]، «هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ»، هَؤُلاءِ: مفعول أول في الأصل، ويَنطِقُونَ: الجملة في محل نصب مفعول ثاني، دخلت (ما) -وإن كان لا يظهر الإعراب؛ لأن هؤلاء مبني-، «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا» مَا: هذه نافية، أحالت بين علِم والمفعولين، حينئذٍ نقول: «عَلِمْتَ» فعل وفاعل، مَا هذه نافية، «هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ» الجملة الاسمية في محل نصب مفعولي علم.
إذًا: إذا تلا (ظنَّ) (ما) النافية صار من باب التعليق، و(إن) النافية كذلك، سواء كانت عاملة أو مهملة: ظننتُ إن زيدٌ قائمٌ، يعني: ما زيدٌ قائمٌ، حينئذٍ الإعراب كالإعراب السابق.
وقدَّر بعضهم: أنها لا تكون معلِّقة إلا إذا كانت في جواب قسم: (إِنْ وَلاَ)، لكن الكثير على الإطلاق، قدرها ابن هشام هكذا في التوضيح، قال: (إِنْ وَلاَ) النافيتان، إنما تكونا معلِّقتين إذا كانتا في جواب قسم، لكن هذا الظاهر ليس بشديد.
و(إِنْ) يعني: سواء كانت عاملة أو مهملة، و(لاَ) كذلك سواء كانت عاملة عمل ليس أو عمل (إنَّ) أو كانت مهملة مطلقًا، كل (لاَ) النافية عملت أو لا، عملت عمل ليس أو عمل (إنّ)، فهي مما لها حق الصدارة، فإذا تلت حينئذٍ (ظنَّ) وأخواتها نقول: هذا يعتبر من التعليق، ومثله: (إِنْ)، «وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا» [الإسراء:٥٢]، (إِنْ) هذه نافية، بدليل الاستثناء بعدها: إلا، -كل (إِنْ) وقعت في مقابلها إلا فهي نافية-، حينئذٍ نقول: هذا من باب التعليق، لماذا؟ لإحالة (إِنْ) النافية بين العامل والمعمول.
(وَإِنْ وَلاَ) النافيتين، قال ابن هشام: في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر، لكن الكثير على أنه لا يشترط أن يكون في جواب قسم لا ملفوظًا ولا مقدم، تقول: ظننتُ إن زيدٌ قائمٌ ولا إشكال ليس فيه قسم، ظننتُ لا زيدٌ قائمٌ ولا عمروٌ، نقول: هذا ليس فيه قسم، علمت والله لا زيدٌ في الدار ولا عمروٌ هكذا قدرها لابد من قسم، وعلمتُ إن زيدٌ قائمٌ، الصواب: أنه لا يشترط أن يكون في جواب قسم.
[ ٤٣ / ١٦ ]
لاَمُ ابْتِدَاءٍ أَوْ قَسَمْ أو لام قسم، لاَمُ بالرفع قَبْلَ نَفْيِ مَا، (مَا) هنا في محل جر مضاف إليه، إذًا: هي اسم.
قال: لاَمُ ابْتِدَاءٍ -بالرفع-، لاَمُ ابْتِدَاءٍ كَذَا، لاَمُ: مبتدأ، خبره: كَذَا، وقسم هذا معطوف على لام ابتداء.
أَوْ قَسَمْ يعني: أو لام قسم، لاَمُ ابْتِدَاءٍ: مبتدأ خبره: كذا، أي: كنفي (ما وإن ولا)، كَذَا أي: مثلُ نفي (ما وإن ولا) لام ابتداء، ظننتُ لزيدٌ قائمٌ، تقول: زيدٌ قائمٌ هذا عُلِّق عنه الفعل لدخول لام الابتداء عليه؛ لأن لام الابتداء لها حق الصدارة في الكلام، «وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» [البقرة:١٠٢]، (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ) اللام هذه لام الابتداء، أَوْ قَسَمْ: يعني: لام القسم:
(وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِى): نقول: اللام هذه لام القسم، لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِى: الجملة في محل نصب مفعولي ظن، أَوْ قَسَمْ كَذَا قلنا: هذا خبر ابتداء لاَمُ.
والاسْتِفْهَامُ ذَا لَهُ انْحَتَمْ: هذا هو السادس وهو الاستفهام، وهنا أطلق الاستفهام فيشمل الاستفهام بالحرف والاستفهام بالفعل، ويشمل الاستفهام فيما إذا كان فضلة أو كان عمدة مطلقًا -أطلق المصنف-.
والاسْتِفْهَامُ ذَا لَهُ انْحَتَمْ، والاسْتِفْهَامُ مبتدأ أول، ذَا مبتدأ ثاني، انْحَتَمْ له، انْحَتَمْ يعني تحتم، هذا خبر المبتدأ الثاني والجملة من ذا وحتم له خبر المبتدأ الأول وهو الاستفهام.
ذَا لَهُ انْحَتَمْ، بمعنى: لزم، سواء كان الاستفهام بالحرف نحو: «وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ» [الأنبياء:١٠٩]، (وَإِنْ أَدْرِي) درى عرفنا أنها من أفعال القلوب، «وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ» دخل حرف الاستفهام على قَرِيبٌ، «أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ» حينئذٍ نقول: الاستفهام هنا له حق الصدارة، فلا يعمل ما قبله فيما بعده، فوجب التعليق.
[ ٤٣ / ١٧ ]
أم كان بالاسم: سواء كان الاسم مبتدأً، نحو: «لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى» [الكهف:١٢]، أَيُّ: مبتدأ وأَحْصَى: هذا خبر، قد يقول قائل: أين الاستفهام هذا مبتدأ وهذا خبر؟ نقول: قد يكون الاستفهام جزءًا عمدة هو الاسم نفسه، قد يكون زائدًا على الجملة: «وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ» هذا دخيل داخل على الجملة حرف زائد، لا أقصد حرف زائد مثل (من) وكذا، وإنما دخيل على الجملة، وقد يكون هو جزءٌ من الجملة، يعني: عمدة مبتدأ أو خبر، فحينئذٍ: «لِنَعْلَمَ أَيُّ» أَيُّ: نقول: هذا مبتدأ: «أَحْصَى» خبر، التركيب هنا من التعليق، أين دخول الاستفهام لم يدخل أصلًا! نقول: كون الاستفهام مبتدأً يكفي في التعليق، ولا يشترط أن يكون خارجًا عن الجملة: «لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى»، «وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا» [طه:٧١]، (أَيُّنَا أَشَدُّ) الكلام واحد، أم كان خبرًا للاستفهام، نحو: علمتُ متى السفر، أين الخبر هنا؟ متى السفر: السفر متى، واجب التقديم أو جائز؟ واجب التقديم، إذًا: علمتُ متى السفرُ، نقول: هذه معلقة، لم نقل: متى السفرَ، معلقة لماذا؟ لكون الاستفهام أحال بين علِم ومعموليها، أين هو الاستفهام؟ وقع خبرًا، ولذلك عمم النظام: (كَذَا والاسْتِفْهَامُ)، فيشمل ما إذا كان عمدة مبتدأً أو خبرًا، وفيما إذا كان حرفًا أو اسمًا، أم مضافًا إليه المبتدأ: علمتُ أبو مَنْ زيدٌ، (علمتُ أبو مَنْ)، عرفنا أن الاستفهام إذا أضيف إليه لفظ أخذ حكمه في وجوب الصدارة: (أبو مَنْ) أبو نقول: هنا واجب التصدير، فلا يجوز أن يعمل ما قبله فيه، لماذا وجب تصديره والأصل فيه أنه اسم صريح؟ نقول: لكونه أضيف إلى ما له حق الصدارة فاكتسب الحكم، إذًا: علمتُ أبو من؟ نقول: الاستفهام هنا وقع مضافًا إليه، أم فضلة: «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ» [الشعراء:٢٢٧]، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ) أَيَّ هذا منصوب على المصدرية بما بعده، أي: ينقلبون منقلبًا أيَّ انقلاب، فهو صفة لموصوف محذوف، وليس منصوبًا بما قبله؛ لأن الاستفهام له الصدر، فلا يعمل فيه ما قبله.
إذًا: قوله: والاستفهام أطلقه الناظم ليشمل كل المسائل التي ذكرناها، مطلق الاستفهام سواء كان حرفًا، كان اسمًا كان عمدةً خبرًا كان عمدةً مبتدأً، كان مضافًا إلى المبتدأ، كان فضلة، مادام أن الاستفهام موجود حينئذٍ يتعين التعليق.
إذًا: هذه ستة أشياء توجب التعليق، إذا وجدت بعد الفعل الذي يتعدى إلى مفعوليه، حينئذٍ نقول: يجب أن يمنع منه في اللفظ ويتوجه العمل إلى المحل.
والْتَزِمِ التَّعلِيقَ: عن العمل في اللفظ إذا وقع الفعل قبل شيء له الصدر، قَبْلَ نَفْيِ (مَا) النافية، و(إنْ) سواء كانت عاملة أو مهملة، و(لا) أيضًا مطلقًا لاَمُ ابْتِدَاءٍ أَوْ قَسَمْ: يعني: لام قسم، كَذَا أي: مثل، (إن وما ولا) في التعليق، والاسْتِفْهَامُ: هذا مبتدأ أول، ذَا: مبتدأ ثاني، يعني: الحكم، لَهُ للاستفهام انْحَتَمْ، هذا خبر الثاني.
[ ٤٣ / ١٨ ]
قال ابن عقيل: أو لام القسم نحو: علمت ليقومن زيد، ولم يعدها أحد من النحويين من المعلِّقات، قال أبو حيان: ولم يذكرها أكثر أصحابنا، لا تعرف إلا عن ابن مالك، وإن أثبت السيوطي أنه قد قال بها بعضهم.
إذا: ابن مالك هنا عَّد شيئًا جديدًا، وهو قوله: (أَوْ قَسَمْ)، عد لام القسم من المعلِّقات.
قال ابن عقيل: ولم يذكرها أحد من النحويين من المعلِّقات، قال أبو حيان: ولم يذكرها أكثر أصحابنا، زاد بعضهم (لعلَّ) من المعلِّقات، نحو: «وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ» [الأنبياء:١١١]، درى هنا بمعنى علم، و(لو) الشرطية، ومنه قول القائل:
وقدْ علِمَ الأَقوامُ لَو أنَّ حاتمًا أَرادَ ثراءَ المالِ كَانَ لهُ وفرُ
لو أنَّ حاتمًا علِمَ الأقوامُ، علِمَ: فعل، والأقوامُ: فاعل لو أنَّ حاتمًا أرادَ، لو أن حاتمًا أراد، أين المفعول الأول؟
(أنَّ) وما دخلت عليه سدت مسد المفعولين، لكن الاستشهاد بهذا بكون (لو) معلِّق هذا فيه إشكال.
إذًا: قوله: ولم يعدها أحد من النحويين من المعلقات هذا فيه خلاف، أو الاستفهام قال: وله صور ثلاث: أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام مبتدأ أو خبر، نحو: علمتُ أيهم أبوك، وقع مبتدأ، علمت من أبوك، وقع خبرًا.
ثانيًا: أن يكون مضافًا إلى اسم استفهام، علمتُ غلامُ أيِّهِم أبوك، عملتُ غلامَ من عندك.
ثالثًا: أن تدخل عليه أداة استفهام، -حرف أو اسم-، أزيدٌ عندك أم عمروٌ؟ علمتُ هل زيدٌ قائمٌ أم عمروٌ، للاستفهام أو الاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة، يعني: ينظر في الاستفهام من حيث هو استفهام، وما قبله حينئذٍ لا يؤثر فيما بعده من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فله تأثير، إذًا: تختص هذه الأفعال بالتعليق والإلغاء على ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى.
يزاد نوع ثالث من الاختصاص، وهذا أشرنا إليه فيما قبل عند قوله: خِلْتُنِي لِيَ اسْمٌ؛ أن المتصرف من الأفعال القلبية يجوز إعماله في ضميرين متصلين لمسمى واحد، أحدهما فاعل والآخر مفعولًا، ظننتُني خارجًا، خِلْتُنِي لِيَ اسْمٌ، التاء هنا فاعل، والياء مفعول أول، ومصدقهما واحد وهو المتكلم.
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنّ تُهَمَهْ تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ
أراد أن يبين ما ذكرناه سابقًا أن هذه الأفعال إنما تعمل إذا دلت على اليقين أو الرجحان، وقد تخرج بعضها إلى معانٍ أخرى، مما يخرج: علم عن معنى اليقين، تأتي بمعنى عرف، وظن تأتي بمعنى اتهم، عرفتُ زيدًا، علمتُ زيدًا .. عرفت زيدًا.
[ ٤٣ / ١٩ ]
إذًا: عرفتُ زيدًا يتعدى إلى واحد، إذا جاءت علم بمعنى عرف حينئذٍ يتعدى إلى واحد، هل تكون من هذا الباب؟ الجواب: لا، لا تكون من هذا الباب، علمتُ زيدًا، نقول: هذا يتعدى إلى واحد فقط، (ظنَّ) تتعدى إلى اثنين، وقد تأتي بمعنى اتهم، اللفظ هنا لا يراعى فحسب، إنما ينظر إلى معناه أيضًا، ظننت زيدًا، قد يظن الظان ظننت زيدًا قائمًا، فحذف المفعول الثاني، لكن ظننتُ إذا كانت بمعنى اتهم، حينئذٍ تتعدى إلى واحد: اتهمتُ زيدًا، ظننتُ زيدًا. ذكرها من باب الاستطراد فحسب؛ لبين أنه إذا دخلت عليها همزة الاستفهام وتعدت إلى اثنين ليس للمفعولين حكم المفعولين الأصليين.
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ: مضاف ومضاف إليه، هذا خبر مقدم.
وَظَنِّ تُهَمَه: أيضًا: مضاف ومضاف إليه، عِرْفَانٍ هذا مصدر عرف، وَظَنِّ تُهَمَه: تُهَمَه مصدر اتهم.
عِلْمِ عِرْفَانٍ، عِلْمِ يدل على العرفان، فهو من إضافة الدال إلى المدلول.
(ظَنِّ) تُهَمَه، (ظنَّ) يدل على التهمة، هذا من إضافة الدال إلى المدلول، والمراد: لعلم عرفان أي: لهذه المادة الدالة على العرفان بأي صيغة كانت، وكذا يقال فيما بعده.
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ
يعني: يجب أن يتعدى إلى واحد، تَعْدِيةٌ هذا مبتدأ مؤخر؛ لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَه: متعلق به، لِوَاحِدٍ: هذا متعلق بقوله: تَعْدِيةٌ، ومُلْتَزَمَهْ: هذا صفة لتعدية.
تَعْدِيةٌ مُلْتَزَمَهْ، يعني: واجبة متحتمة.
لِوَاحِدٍ: لمفعول واحد لا لاثنين، فليس كلما رأيت (علم وظن) فهو يتعدى لاثنين، لا، قد يتعدى إلى واحد، وإن لم يكن بمعنى السابق.
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَه: نقول: نبه على أنهما لا يتعديان إلى مفعولين أحيانًا، إذا كانت علم بمعنى عرف، وظن بمعنى اتهم، مع أن الحكم عام في سائر الأفعال، أفعال القلوب، كما ذكرناه سابقًا، (خال) قد تتعدى إلى واحد وكذلك (درى ووجد) قد تتعدى إلى واحد كل الأفعال، قد تكون لازمة لا تتعدى، وقد تتعدى إلى واحد، لماذا نص على هذين الفعلين وترك البقية، مع أن الحكم عام في سائر الأفعال؟ لأن (علم وظن) الأصل -هي الأصل-، وما عداهما فهو محمول عليه، ولذلك نقول: وجد تأتي بمعنى علم، وحسب تأتي بمعنى ظن، هي أصل، حينئذٍ لها مراعاة من حيث الذكر وعدمه، وغيرهما ينصبان إذا كانا في معناهما، وأيضًا غيرهما عند عدم النصب يخرج عن القلبية غالبًا، إذا لم تنصب: (درى وحسب) ونحو ذلك إذا لم تنصب حينئذٍ خرجت عن معنى القلب، هذا في الغالب، بخلاف (علم) إذا خرجت إلى المعرفة، المعرفة قلبية أيضًا ما زالت، والتهمة كذلك ما زلت قلبية، إذًا: كونها تتعدى إلى واحد لن يخرج عن معناها الأصل، وهو أنه فعل قلبي، ولذلك نص الناظم عليهما.
الفرق بين العلم والمعرفة: قيل: بأن المعرفة هنا تتعلق بالذات -شخص واحد-، وأما العلم فيتعلق بالصفات المعاني، العلم يتعلق بصفات الذوات وأقسامها، والمعرفة تتعلق بالذوات.
[ ٤٣ / ٢٠ ]
قال الرضي: لا فرق بينهما في المعنى، يعني: بين العلم والمعرفة في المعنى، إذا كانت علم بمعنى عرف تعدت إلى مفعول واحد، كقوله: علمتُ زيدًا عرفته عرفت زيدًا، ومنه قوله تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا» [النحل:٧٨]، يعني: لا تعرفون شيئًا، فالعلم هنا بمعنى المعرفة.
وكذلك إذا كانت (ظنَّ) بمعنى اتهم تعدت إلى مفعول واحد، ظننتُ زيدًا اتهمته، «وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ» [التكوير:٢٤]، ضَنِينٍ أي: بمتهم هو، وتقول لمن سرق ماله: وظننتُ زيدًا، يعني: اتهمته، إذا سرق المال، ظننتُ زيدًا، يعني: هو السارق اتهمته بالسرقة، «وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ» أي: بمتهم، واسم المفعول منه: مظنون الظنين، وحينئذٍ إذا قيل: بأن علم بمعنى عرف تتعدى إلى مفعول واحد، وظن بمعنى اتهم تتعدى إلى مفعول واحد، هل هما من هذا الباب؟ ليس من هذا الباب، إذًا: ليست من التي تنصب مفعولين.
وَلِرَأَى الرُّؤْيَا انْمِ مَا لِعَلِمَا طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ انْتَمَى
وَلِرَأى الرُّؤيا: رأى التي مصدرها الرؤيا، احترازًا من رأى التي مصدرها رؤية بالتاء؛ لأنها تكون بصرية، وأما رأى التي مصدرها الرؤية فهي رأى الحُلُمية، -منام-، رأى شيئًا في المنام، هذه رأى تتعدى إلى مفعولين، مثل: علم ونحوه، وهذا سبق التنبيه عليه في أوله. وَلِرَأى الرُّؤيا يعني: التي مصدرها الرؤية، أضاف رأى للرؤية ليُعلم أنها الحلمية؛ لأن مصدرها الرؤية، في المشهور، وإلا ابن هشام يخالف في هذا.
وَلِرَأى الرُّؤيا انْمِ: انْمِ يعني: انسب لِرَأى الرُّؤيا، مَا لِعَلِمَا: يعني: ما انتمى لعلم حال كونه: طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ: علم لها قبل وله بعد الآن في كلام الناظم، ذكرها أولًا تنصب مفعولين، وذكرها ثانيًا: تنصب مفعولًا واحد، الذي هو: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ، فلها إطلاقان: إطلاق تنصب مفعولين، وإطلاق تنصب مفعولًا واحدًا، قال هنا:
[ ٤٣ / ٢١ ]
انْمِ انسب، لِرَأى: التي مصدرها الرؤيا وهي حلمية، الذي انْتَمَى: انتسب لِعَلِمَا حال كونه: طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ، أي: قبل ذكر علم العرفانية، قبل: يعني: قبل ذكر علم العرفانية، وهي السابقة، لِعَلِمَا: نقول: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: انْتَمَى، طَالِبَ بالنصب حال من فاعل علم، طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ: أي: قبل ذكر علم العرفانية، وانْتَمَى، بمعنى: انتسب، أي -معنى البيت-: انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا الذي انتسب لعلِم متعدية إلى مفعولين من الأحكام؛ ولذلك لأنها مثلها من حيث الإدراك بالحس الباطني، رأى الرؤيا حسٌ باطني، وعلم الاعتقادية اليقينية كذلك حسٌ باطني، هذا وجه المشابهة فحملت عليه، إذا كانت رأى حلمية بإسكان اللام ويتحرك بالضم، حُلُمية وحُلْمية التي للرؤيا في المنام تعدت إلى مفعولين كما تتعدى إليهما علِم، مذكورة مِنْ قَبْلُ، يعني: قبل علم العرفانية، ولذلك قال: طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ، هذا قيد به؛ لئلا يعتقد أنه أحال على علم العرفانية، ولهذا أشار بقوله: وَلِرَأى الرُّؤيا انْمِ: أي: انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا، وليس مطلقًا، وإنما هو في المشهور الأكثر، احترازًا من رأى رؤية، حينئذٍ هذه بصرية لا تتعدى إلا إلى واحد.
قال ابن هشام: ولا تختص الرؤيا بمصدر الحلمية، بل تقع مصدرًا للبصرية، خلافًا للحريري وابن مالك؛ بدليل: «وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ» [الإسراء:٦٠]، قال ابن عباس: هي رؤيا عين، لكن الأكثر والأشهر أن رأى حلمية، مصدرها يطلق رؤيا، وأما الأشهر والأكثر في رأى البصرية فهو (رؤية) بالتاء، وتلك بالألف، ولا مانع من أن يأتي هذا مقام ذاك.
انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا ما نسب لعلم المتعدية إلى اثنين، فعبر عن الحلمية بما ذكر؛ لأن الرؤيا وإن كانت تقع مصدرًا لغير رأى الحلمية، وهذا كلام جيد، فالمشهور كونها مصدرًا لها، ومثال استعمال رأى الحلمية المتعدية لاثنين قوله تعالى: «إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا» [يوسف:٣٦]، أَرَانِي: الرؤيا هذه حلمية، والياء هذه مفعول أول، وأَعْصِرُ خَمْرًا، الجملة هذه في مفعول ثاني. إذًا: تعدت إلى مفعولين، حملت على علم التي تتعدى إلى مفعولين، بجامع أن كلًا منهما إدراك باطني بحس الباطن.
وَلاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَلِيلِ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ
لما كان الأصل في دخول هذه الأفعال على المبتدأ والخبر، والمبتدأ والخبر لهما أحكامٌ من حيث الحذف وعدمه، ومن حيث وجوب الحذف وعدم جواز الذكر .. إلى آخره، كان الأصل في هذا الباب أن يكون محمولًا على ما سبق، هذا هو الأصل، لكنه خالف في بعض المسائل.
ولاَ تُجِزْ: لا ناهية، تُجِزْ، هذا مجزوم بها، هُنَا: يعني: في هذا الموضع في هذا المكان، بخلاف غيره، وإذا قيد ابن مالك في الباب حينئذٍ حمل عليه، وإذا أطلقه الأصل الإطلاق، كما قال: وَشَاعَ فِي ذَا البَابِ إسْقَاطُ الخَبَرْ هنا قال: ولاَ تُجِزْ هُنَا، أي: في هذا الباب.
[ ٤٣ / ٢٢ ]
إذًا: ثم مسألة هنا تخالف ما سبق، ولاَ تُجِزْ هُنَا، يعني: في هذا الباب بِلاَ دَلِيلِ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ: لا تجز سقوط مفعولين، لا تقل: ظننتُ وتسكت، متى هذا؟ إذا لم يكن بلا دليل، مفهومه: إذا كان ثم دليل يعني: قرينة، حينئذٍ، هل زيدٌ قائمٌ؟ تقول: ظننتُ، يعني: ظننتُ زيدًا قائمًا، وقع في جواب السؤال، فجاز حينئذٍ حذف المبتدأ أو حذف المفعول الأول وخبره، بِلاَ دَلِيلِ: وهذا يسمى -الحذف إذا كان بلا دليل- يسمى اقتصارًا، وإذا كان بدليل يسمى اختصارًا، ففرق بين الاختصار والاقتصار، الاقتصار حذف بلا دليل، والاختصار حذف بدليل، ولاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَلِيلِ، يسمى اقتصارًا، يعني: الحذف بلا دليل يسمى اقتصارًا، بالاقتصار على نسبة الفعل إلى الفاعل بتنزيله منزلة اللازم في صورة حذف المفعولين، إذا حذفنا المفعولين ولم يجز- في الاقتصار الكلام في الاقتصا، إذا حذفنا المفعولين، تقول: ظننت، هنا نزلته مُنَزّلَة الفعل اللازم الذي لا يتعدى، وعلى أحد المفعولين، يعني: في صورة حذف أحد المفعولين، لتنزيله المتعدي إلى واحد، بصورة حذف أحدهما، إذا قلت: ظننتُ زيدًا، شبهته بـ (ضربت زيدًا) هذا فيه نوع اقتصار.
وَلاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَلِيلِ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ
أما الثاني فبالإجماع: لاَ تُجِزْ بِلاَ دَلِيلِ سُقُوطَ مَفْعُولِ: الثاني هذا بالإجماع، يعني: بالاقتصار في حال الاقتصار؛ لأنه فرق بين الحالين، أما الثاني فبالإجماع لا يجوز، وفي الأول الذي هو سقوط المفعولين وهو حذفهما معًا اقتصارًا خلافٌ.
إذًا: عندنا حالان: سقوط مفعولين أو مفعول، سواء كان الأول أو الثاني عندنا حالان.
القسم الثاني: الذي هو سقوط المفعول هذا بالإجماع لا يجوز اقتصارًا، وفي الأول: سقوط المفعولين وحذفهما معًا اقتصارًا خلاف، فعن سيبويه والأخفش المنع مطلقًا كما هو ظاهر إطلاق الناظم، عن سيبويه والأخفش المنع مطلقًا، يعني: سقوط المفعولين فيه خلاف، اقتصارًا بلا دليل، والناظم هنا قال: وَلاَ تُجِزْ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ بِلاَ دَلِيلِ، إذًا: وافق سيبويه والأخفش، وعن الأكثرين الجواز مطلقًا.
الجمهور أنه يجوز بلا دليل سقوط المفعولين، وعن الأكثرين الجواز ملطقًا، لقوله: «أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى» [النجم:٣٥]، أي: يعلم، رأى علمية هنا، ما ذكر المفعول ولا المفعول الثاني، لا الأول ولا الثاني سقط المفعولان.
وليس في التركيب ما يدل على تقدير هذين المفعولين، فدل على أنه يجوز حذف المفعولين اقتصارًا بلا دليل، «وَظَنَنْتُمْ (ظنَّ) السَّوْءِ» [الفتح:١٢]، أين المفعولان؟ محذوفان، «ظَنَّ السَّوْءِ» هذا مفعول مطلق، أين المفعولان؟ لا وجود لهما، هذا اختصار.
إذًا: حذف مفعول واحد منهما اقتصارًا لا يجوز بالإجماع، وأما حذف المفعولين اقتصارًا ففيه خلاف، منعه سيبويه والأخفش، وظاهر كلام الناظم عليه، والجمهور على الجواز للآيتين المذكورتين.
[ ٤٣ / ٢٣ ]
وأما حذفهما لدليل ويسمى اختصارًا، فجائز إجماعًا -حذف المفعولين-، ولا تجز بلا دليل سقوط مفعولين، سقوط المفعولين بدليل جائز، مفهوم مخالفة، بلا دليل مفهومه أنه إذا كان بدليل، وسقط المفعولان جائز، وهذا محل إجماع:
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بأَيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَىَّ وَتَحْسِبُ
وَتَحْسِبُ، أين المفعولان؟ محذوفان، التقدير وتحسب حبهم عارًا علي.
إذًا: حذف المفعولين بدلالة ما سبق عليه: «أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ» [القصص:٦٢]، تزعمون ماذا أين هو؟ أين المفعولان؟ محذوفان، تزعمونهم شركائي.
إذًا: حذف المفعولين اختصارًا جائز بالإجماع، وفي حذف أحدهما اختصارًا خلاف، هذا من أغرب الخلاف عند النحاة، وفي حذف أحدهما اختصارًا خلاف، فأجازه الجمهور ومنعه البعض.
إذًا: الخلاصة نقول: يجوز بالإجماع حذف المفعولين اختصارًا، وأما حذفهما اقتصارًا فالأكثرون على الجواز، ومنعه سيبويه وظاهر النظم على ذلك.
ويمتنع حذف أحدهما اقتصارًا بالإجماع، وأما اختصارًا ففيه خلاف أجازه الجمهور ومنعه البعض.
قال: لا يجوز في هذا الباب سقوط المفعولين ولا سقوط أحدهما إلا إذا دل عليه دليل.
مثال حذف المفعولين: هل ظننتَ زيدًا قائمًا، إذا وقع في سؤال، تقول: ظننتُ يعني: ظننتُ زيدًا قائمًا، والبيت الذي ذكرناه سابقًا والآية.
ومثال حذف أحدهما للدلالة أن يقال: هل ظننتَ أحدًا قائمًا؟ ظننتُ زيدًا، حذفت الثاني؛ لدلالة السؤال، أي: ظننتُ زيدًا قائمًا، تحذف الثاني للدلالة عليه:
وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي: تَظُنِّي غَيْرَهُ واقعًا مني، حذف الثاني لدلالة المقام عليه.
وهذا الذي ذكره المصنف هو الصحيح من مذاهب النحاة، فإن لم يدل دليل على الحذف لم يجز لا فيهما ولا في أحدهما، فلا تقل: ظننتُ، ظننتُ ماذا؟! ولا ظننتُ زيدًا، ولا ظننتُ قائمًا، تريد ظننتُ زيدًا قائمًا.
وَكَتَظُنُّ اجْعَلْ تَقُولُ إِنْ وَلِي مُسْتَفْهَمًَا بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ
القول -كما سبق معنا مرارًا- هو وما اشتُق منه: (قال، يقول، قل)، يتعدى إلى مفعول وينصب مفعول، والأصل أن يكون جملة محكية: «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ» [مريم:٣٠]، قَالَ: فعل ماض، ذكرناه عند قوله: قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ، قلنا يتعدى إلى مفعول واحد، والغالب فيه أن يكون محكيًا، -جملة محكية-: «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ»، وحينئذٍ نقول: الأصل فيه أن الجملة تحكى كما هي، يعني: لا ننصبها؛ لأنه قال: قال محمدٌ عمروٌ منطلقٌ لا نقول: قال محمدٌ عمرًا منطلقًا، فننصبهما على تسليط قال، لا، بل تحكى كما هي، وإن جوز بعضهم النصب، لكن المشهور أنها تحكى كما هي، إن كانت مبنية مبنية فعلية، وإن كانت اسمية فهي على الرفع.
[ ٤٣ / ٢٤ ]
ومفعوله إما مفرد وهو على نوعين: مفرد في معنى الجملة، قلتُ قصيدةً، قلتُ خطبةً، قلتُ كلمةً، يعني: محاضرةً مثلًا، فنقول: هذه كلها ألفاظ مفردات في اللفظ إلا أنها في المعنى جمل، هذا يُنصب مباشرة ليس كالجملة، الجملة تحكى: «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ»، وأما قلتُ قصيدةً، بالنصب مفعول به، مثل: ضربتُ زيدًا، نقول: قصيدةً مفعول به العامل فيه قال، لماذا؟ لأنه يتعدى إلى مفعول، ينصب مفعول، إما جملة وإما مفرد، والمفرد هذا ليس كل مفرد، لا تقل: قال زيدًا، وإنما يكون في معنى الجملة، قلتُ قصيدةً.
ومفردًا يراد به مجرد اللفظ: «يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ» [الأنبياء:٦٠]، إِبْرَاهِيمُ نقول: هذا يراد به اللفظ، يعني: الاسم يطلق عليه هذا الاسم، وزيد ثالث -وهذا أشبه ما يكون بالاصطلاح-: المفرد الذي مدلوله لفظ: قلتُ كلمةً، إذا كنت تلفظت بلفظ زيد مثلًا، ليس المراد كلمة محاضرة موعظة لا، قلتُ كلمةً، تلك هي في المعنى جُمل، وهذه لا المراد بها قلتُ كلمةً يعني: اسمًا لفظ زيد واحد كلمة، زيد قال كلمة: يعني: نطق بكلمة واحدة، نقول: هذا شيء ثالث.
إذًا: مفرد يراد به مجرد اللفظ، ومفرد في المعنى -في معنى الجملة-: قلتُ شعرًا، خطبة إلى آخره، وزيد: مفردٌ مدلوله لفظ كما ذكرناه.
إذًا: الجملة تحكى به فتكون في موضع مفعولٍ له، سواء لفظ بالجملة بأجزائها كلها أم لا؟ «قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ» [هود:٦٩]، سَلامًا: هل نقول هذا كلمة واحدة منصوبة بـ (قال)، أم أنها جملة؟ جملة، لكنها لم تذكر كل الأجزاء، حينئذٍ الجملة كلها نقول في محل نصب، وليست سَلامًا فحسب، أسلم سلامًا كلها - «قَالَ سَلامٌ): سَلامٌ عَلَيْكُمْ، الجملة كلها في محل نصب لقال، وقد يكون اللفظ (قال) يعامل معاملة ظن، يعني: يضمن معنى الظن، وإذا ضمن معنى الظن حينئذٍ تعدى إلى مفعولين، هذا يكون مثل: ظن، ظننتُ زيدًا قائمًا، أتقول زيدًا قائمًا؟ تعدى إلى مفعولين، لكن ليس له شروط ليس على إطلاقه.
وَكتَظُنُّ اجْعلْ تَقُولُ: إذًا: خرج عن أصله، الأصل في لسان العرب المشهور: أن الجمل بعده تحكى، وأن المفردات على التفصيل السابق، فيقتضي مفعولا واحدًا، -ينصب مفعول واحد-، وإذا جعل طالبًا لمفعولين نقول: خرج عن الأصل.
اجْعلْ تَقُولُ كتَظُنُّ: كتظن متعلق بقوله: اجْعلْ، واجعل هذا فعل أمر وتَقُولُ: هذا قصد لفظه فهو في محل نصب، اجعل تقول كتظن عملًا ومعنى، معنى من حيث تضمين، تقول معنى الظن، أتقول زيدًا عالمًا، يعني: أتظن من جهة المعنى، أو من جهة العمل أن تعمله مثلما تعمل ظن، فظن يتعدى إلى مفعولين إذا كان فعل مضارع كذلك تقول.
[ ٤٣ / ٢٥ ]
وَكتَظُنُّ عملًا، ومعنى اجْعلْ تَقُولُ: اجعل صيغته صيغة الأمر، لكن المراد به الجوار، ليس واجب، يعني: ما سيذكر من الشروط شروط للجواز لا للوجوب، إذًا: اجْعلْ هذا ليس على ظاهره، بل هو مصروفٌ، اجْعلْ تَقُولُ، تقول هذا فعل مضارع، -هذا أول شرط-، ابن مالك يذكر الأمثلة ونأخذ منها الشرط، تَقُولُ: هذا فعل مضارع، مبدوء بتاء الخطاب،- هذان شرطان-، إنْ وَلِي مُسْتَفْهَمًا: -شرط ثالث-، وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيرِ ظرفٍ: -شرط رابع-، أربعة شروط، إن وجدت جاز أن ينصب هذا اللفظ مفعولين كتظن، إن انتفت كلها أو بعضها، لا يجوز أن ينصب به مفعولان إلا في لغة سليم كما سيأتي.
إذًا: تَقُولُ، نقول: هذا مضارع مبدوء بتاء الخطاب، فإن قال: أيقول زيدٌ عالمٌ، وجب الرفع ولا يجوز النصب؛ لأن شرطه أن يكون بتاء الخطاب، تقول: زيدًا منطلقًا، نقول: هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه لم يسبقه استفهام.
وَكتَظُنُّ اجْعلْ تَقُولُ: سوَّى به السِّيرافي قلتَ بالخطاب، وهو ضعيف، وسوَّى به الكوفي قل، وهو أمر، تقول: هذا كذلك ضعيف.
إنْ وَلِي تَقُولُ مُسْتَفْهَمًا بِهِ من حرف أو اسم كما سيأتي.
وَلَمْ يَنْفَصِلِ عنه بِغَيرِ ظرفٍ، فإن فُصل بظرف لا إشكال، أوْ كَظَرْفٍ وهو الجار والمجرور، أوْ عَمَلْ، يعني: معمول لتقول، إن انفصل بين الاستفهام وبين تقول بواحد من هذه الثلاثة، حينئذٍ نقول: هو باق على أصله من كونه ينصب مفعولين، إن انفصل بغير هذه الثلاث، حينئذٍ نقول: خرج عن الإعمال.
بِغَيرِ ظرفٍ: أَبَعْدَ بُعْدٍ تَقُولُ الدَّارَ جَامِعَةً: أبعد بعدٍ، بعد بعدٍ هذا ظرف، تَقُولُ الدَّارَ جَامِعَةً، أتقول الدار جامعة؟ تقول هنا نصب لأنه فعل مضارع، وبتاء الخطاب، وسبقه استفهام ولم يفصله شيء بينه وبين الاستفهام وهو بمعنى ظن، فتعدى إلى مفعولين، تقول: تقولُ زيدًا عالمًا، مفعول أول ومفعول ثاني، إذا قلت: أبعدَ بعدٍ تقولُ زيدًا عالمًا، فصل بين الاستفهام وتقول ظرف، هل يمنعه؟ لا؛ لأنه يتوسع في الظروف والمجرورات ما لا يتوسع في غيرهما.
أعندكَ تقولُ عمرًا مقيمًا؟
فصل بالظرف الصريح، أفي الدار تقول زيدًا جالسًا، جار ومجرور جائز.
(أَجُهَّالًا تَقُولُ بَنِي لُؤَىٍّ)؟ - أَوْ عَمَلْ- المراد بالعمل هنا المعمول لتقوم، يعني: بالمفعول
الأول أو بالثاني لا بأس، (أَجُهَّالًا تَقُولُ بَنِي لُؤَىٍّ)؟ أَتَقُولُ: بَنِي لُؤَىٍّ جُهَّالًا؟ فصل بالمعمول الثاني هذا جائز لا يمنعه.
إذًا: وَلَمْ يَنْفَصِلِ .. بِغَيْرِ هذه المذكورات، فإن فصل بغير هذه المذكورات نقول: لا يعمل، ولذلك قال: وَلَمْ يَنْفَصِلِ عنه، يعني: عن الاستفهام بِغَيْرِ ظَرْفٍ، فإن فصل بالظرف فهو باق على أصله، أوْ كَظَرْفٍ وهو الجار والمجرور، أفي الدار تقول زيدًا جالسًا، أوْ عَمَلْ، يعني: معمول والمراد به ما يعم المفعولين معًا، أي: عمل أحد المفعولين؛ لأنه بمعنى معمول وفي تذكير عمل إشعار بأنه لا يفصل إلا بأحد المفعولين لا بهما معًا؛ لأن التنكير يشعر بالتقليل.
[ ٤٣ / ٢٦ ]
وَإنْ بِبعْضٍ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ: هذا قال المكودي: تصريح بما فهم من الشطر الذي قبله، يعني: هل في فائدة في قوله: وَإنْ بِبعْضٍ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ؟ لأنه قال:
وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيْرِ ظَرْفٍ أوْ كَظَرْفٍ أوْ عَمَلْ: مفهومه أنه لو فصل بواحد من هذه الثلاث يمنع، إذًا: ما الفائدة من قوله: وَإنْ بِبعْضٍ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ؟ تصريح بالمفهوم السابق، حينئذٍ لا وجه لهذا الشطر؛ لأنه مأخوذ من قوله:
وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيْرِ ظَرْفٍ : وهنا مفهوم مخالفة، فإن فصل بواحدة من هذه، حينئذٍ نقول: لا يعمل، قد يقال فيه فائدة، وهذا هو الظاهر.
وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيْرِ ظَرْفٍ أوْ كَظَرْفٍ أوْ عَمَلْ: يحتمل أنه لو فصل بها كلها جاز، وليس الأمر كذلك، يعني: لو قيل مثلًا: أعندك في الدار عمرًا؟ تقول: جالسًا، فصل بالجميع، يجوز أو لا يجوز؟ عند الناظم لا يجوز، لذلك في البيت الشطر الثاني فيه فائدة: تنصيص على أنه الفصل يكون بالبعض لا بالكل.
وَإنْ بِبعْضٍ ذِي: لا بكلها، فإن فصل بكلها فالمنع عند سيبويه وظاهر كلام الناظم عليه، إذًا: فيه فائدة خلافًا لما ذكره المكودي.
وَإنْ بِبعْضٍ: يعني: لا بالكل، أعندك؟ هذا ظرف، في الدار ظرف، جار ومجرور .. عمرًا هذا مفعول أول، تقول: جالسًا، نقول هنا على كلام الناظم: ما يصح النصب، بل تقول: أعندك في الدار عمروٌ تقولُ جالسٌ، لا يصح النصب، نصب وسيبويه على المنع. وَإنْ بِبعْضٍ ذِي -المذكورات الثلاث المتقدمة- فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ، بمعنى يغتفر، يعني: اغتفر، يحتمل بمعنى يغتفر وزنًا ومعنى.
قال ابن عقيل: القول شأنه إذا وقعت بعده جملة أن تحكى هذا هو الأصل فيه، تحكى كما هي، إن كانت مرفوعة فهي مرفوعة: «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ» [مريم:٣٠] كما هي، قال زيدٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ
قال زيدٌ عمروٌ منطلق، أين المحكي هنا؟ عمروٌ منطلق، أما زيد هذا فاعل، وتقول زيدٌ منطلقٌ، لكن الجملة بعده في موضع نصب على المفعولية، وقد ينصب مفردًا كما ذكرناه سابقًا.
ويجوز إجراؤه مجرى الظن، فينصب المبتدأ والخبر مفعولين كما تنصبهما ظن. والمشهور أن للعرب في ذلك مذهبين: أحدهما: وهو مذهب عامة العرب أنه لا يجرى القول مجرى الظن إلا بشروط أربعة ذكرها الناظم فيما سبق.
فمثال ما اجتمعت فيه الشروط قولك: أتقول عمرًا منطلقًا، الهمزة للاستفهام، وتقول: هذا بمعنى ظن، وسبقه استفهام، وهو فعل مضارع وذو خطاب ولم ينفصل بشيء بينه وبين الاستفهام، فـ (عمرًا) مفعول أول، ومنطلقًا مفعول ثاني، وهذه شروط للجواز لا للوجوب -تنبه-، فيصح أن تقول: أتقول عمروٌ منطلق -مع استيفاء الشروط-، فإن فقد شرط من هذه الشروط تعين رفع الجزأين على الحكاية، نحو: قال زيدٌ عمروٌ منطلقٌ، ويقول: زيدٌ عمروٌ منطلقٌ وأنت تقولُ زيدٌ منطلقٌ، وأأنت تقولُ زيدٌ منطلقٌ، أأنت تقول: زيدٌ منطلقٌ، هذا فصل بأجنبي .. أأنت تقولُ زيدٌ منطلقٌ جاء بعد همزة استفهام، فهو مبتدأ والجملة خبر، تقول: زيدٌ منطلقٌ إذًا فصل بغير المعمول.
[ ٤٣ / ٢٧ ]
زاد السهيلي شرطًا آخر خامسًا: وهو أن لا يتعدى باللام، فإن تعدى باللام حينئذٍ بطل عمله، نحو: أتقول لزيدٍ عمروٌ منطلقٌ، وزاد في التسهيل أن يكون حاضرًا لا مستقبلًا، أن يكون الزمن فيه حاضرًا، أما إذا كان في زمن المستقبل لا يمنع، وفي شرحه أن يكون مقصودًا به الحال، وهذا كله في غير لغة سُليم.
فإن كان الفعل غير مضارع، وهذا ذكر فيه الاحترازات.
وَأُجْرِيَ القَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوُ قُلْ ذَا مُشْفِقَا
سُلَيْمٍ في لغتهم أُجْرِيَ القَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا بلا شرط ولا قيد، يعني: ينصب مفعولين بمعنى (ظنَّ) بدون أن يشترط فيه واحد من الشروط الأربعة السابقة، وهذا سهل، تقول: زيدًا منطلقًا، قل: زيدًا منطلقًا، أنت تقول هو يقول: زيدًا منطلقًا، قل ما شئت، فينصب مفعولين اثنين.
وَأُجْرِيَ القَوْلُ: القَوْلُ هذا نائب فاعل، كَظَنٍّ: هذا حال من القول، مُطْلَقَا: حال ثانية، حالٌ بعد حال، يعني: بدون شرط، مطلقًا هنا مقابل لما سبق.
(وَكتَظُنُّ اجْعلْ تَقُولُ إنْ وَلِي مُسْتَفْهَمًا): هذا مقيد، ودائمًا إذا جاء لفظ (مطلقًا) تبحث عما قبله وعما بعده، هل ثم قيد، لأن وحده ما يكفي، إذا قيل: مطلقًا، ما مطلقًا هذا! لابد من شيء مفسِّر، يعني: مطلقًا عن القيد والشرط، لابد أن يكون شيءٌ ذكر فيه شرط سابق أو لاحق، فإذا لم يكن لم يصح اللفظ من أصله.
وَأُجْرِيَ القَوْلُ كَظَنٍّ: أجري القول وما تصرف منه، كَظَنٍّ: يعني: من جهة المعنى والعمل، مُطْلَقَا: بدون شرط أو قيد، عِنْدَ سُلَيْمٍ: هذا متعلق بأُجْرِيَ، نَحْوُ قُلْ ذَا مُشْفِقَا: ذَا مُشْفِقَ ما إعرابه؟
ذَا مفعول أول مبني لأنه اسم إشارة، ومُشْفِقَا، هذا مفعول ثاني، لو لم يرد مشفقًا يحتمل أنه منصوب الاثنين أو لا، وهذا على جهة الجواز؛ لأن الرفع على الحكاية عندهم جائز.
قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلًا فَطِينَا هَذَا لَعَمْرُ اللهِ إِسْرَائِينَا
هَذَا مفعول أول لـ: قالت، وإِسْرَائِينَا مفعول ثاني.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٤٣ / ٢٨ ]