عناصر الدرس
* وجوب ذكره بعد الفعل
* تجريد عامله من علامة تدل على التثنية والجمع
* إلحاق بعض العرب العامل علامة تثنية أوجمع
* حذف عامله إذا دل عليه دليل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ فَهْوَ وَإِلاَّ فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
ما سبق في البيت السابق بيَّن فيه حدَّ الفاعل لكن بالمثال كما جرى عليه في سائر الأبواب، أكثرها يبين الحدَّ بالمثال وحينئذٍ تأخذ من المثال الأحكام المتعلقة من حيث إثبات الحقيقة.
قوله: اَلْفَاعِلُ الَّذِي، اَلْفَاعِلُ: مبتدأ، الَّذِي: خبره، كَمَرْفُوعَيْ هذا صلة الموصول، وأَتَى زَيْدٌ ومُنِيرًا وَجْهُهُ ونِعْمَ الْفَتَى هذه متعاطفات على قوله: أَتَى زَيْدٌ، وأَتَى زَيْدٌ هذه في محل نصب لقولٍ محذوف، يعني: كقولك أتى زيد.
كَمَرْفُوعَيْ أَتَى، أشار بهذا إلى أن العامل في الفاعل هو الفعل، وهذا هو الصحيح من قول جمهور النحاة، إذ في المسألة أربعة أقوال والصواب: أن الفعل أو ما كان في معنى الفعل هو العامل في الفاعل وليس الفاعلية كما ظنه البعض، وليس هو والمفعول ترافعا -كل منهما طلب رفع الآخر أو نصب الآخر-.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ فَهْوَ وَإِلاّ فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
بين في هذا البيت مسألتين وحكمين يتعلقان بالفاعل.
أما المسألة الأولى: فهي وجوب تأخير الفاعل عن عامله، يجب أن يتأخر، لا يجوز أن يتقدم، وأشار إليها بقوله: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ.
المسألة الثانية: وهي يجب ذكر الفاعل ولا يجوز حذفه، أشار إليها بقوله:
فَإِنْ ظَهَرْ فَهْوَ وَإلاَّ فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ: فَاعِلٌ هذا مبتدأ مؤخر.
وَبَعْدَ: متعلق بمحذوف خبر مقدم.
بَعْدَ فِعْلٍ وشبهه -شبه الفعل-، لأن الفاعل ليس خاصًا بالفعل، وإنما ذكر أو خص الفعل لأنه الأصل.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ: أي يجب أن يكون الفاعل بعد الفعل، لأن الفعل وفاعله كجزئي كلمة، ولا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها، قام زيد، قالوا: هاتان الكلمتان في منزلة كلمة واحدة -كجزئي كلمة-، مثل: غلام زيد، وزيد لا يجوز أن يتقدم على غلام، مثله زيد في: قام زيد لا يجوز أن يتقدم على قام، ما الدليل على أنه كجزئي كلمة؟ نقول:
أولًا: دلالة الفعل على الفاعل دلالة التزامية، بمعنى: أن الفعل يدل على الحدث، وهذا يستلزم محدث فاعل، إذ لا يمكن -وهو ممتنع عقلًا- أن يوجد حدث بدون فاعل، هذا ممتنع، وحينئذٍ نقول: قام زيد، زيد هذا فاعل لقام، اقتضاه وطلبه واستلزمه لماذا؟ لأن القيام لا يتصور هكذا بدون محدث، قام يدل على قيام فحسب لا يدل على ذات، فحينئذٍ نقول: دلالة الفعل على الفاعل دلالة التزامية، وهي دلالة لفظ على خارج عن مسماه لازم له، وحينئذٍ ليس من مسمى قام أو يقوم أو قم الفاعل، ليس من مسماه، وإنما هو لازم له، وإذا لزمه حينئذٍ لا ينفك عنه البتة، لا بد أن يوجد.
[ ٤٥ / ١ ]
ثانيًا: أن الفعل يسكَّن مع تاء الفاعل، (ضربْتُ)، وسبق تعليله عند الجمهور بأن التسكين هنا لدفع كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، هما كلمتان، العرب تكره أربع متحركات في كلمة واحدة، لا بد أن يكون فيها ساكن، لا بد أن يكون الثاني أو الثالث ساكن، وحينئذٍ إذا قيل: قمت وضربت، ضرَبْتُ الأصل ضَرَبَتُ، كيف العرب تكره أربع متحركات في كلمة واحدة وليس عندنا كلمة واحدة أربع متحركات؟، ضرب هذه كلمة، والتاء كلمة مستقلة، لما اتصلت بها وكانت لازمة لها من جهة المعنى اعتبرت التاء كأنها حرف من ضرب فكأنها أربعة أحرف، والعرب تكره توالي المتحركات فيما هو أربعة أحرف، هذا دليل على أنهم نزلوا الفاعل كجزء من الكلمة فاعتبر حرفًا وهو التاء هنا ومثله الاسم الظاهر، هذا دليل ثاني على أن الفاعل كجزء من الفعل، أنه يسكن له آخر الماضي لاتصاله به، وإنما سكن لدفع توالي أربع متحركات فيما هو كلمة واحدة في الأصل، وفيما هو كالكلمة الواحدة، وهو الفعل مع فاعله، هذا تعليل وله وزنه عندهم.
ثالثًا: في الأمثلة الخمسة وهذا أوضح، الأمثلة الخمسة نقول: يفعلان، تفعلان، يفعلون، تفعلون، تفعلين. هذه تعرب بثبوت النون، الزيدان يضربان، يضربان: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، أين النون؟ بعد الألف، ما حقيقة الإعراب؟ أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة، قلنا: هذا بيان لمحل الإعراب.
يضربان، أين ظهر الإعراب؟ بعد الألف، وهذه الألف فاعل، إذًا: نُزِّلَ الفاعل مُنَزَّلةَ الكلمة فظهر بعده ثبوت النون، هذا يدل على أن (يضربا) هي كلمتان في الحقيقة، لكن جعلت الثانية مُنَزَّلةً من الأولى مُنَزَّلةَ الجزء من كله، ولذلك ظهر الإعراب بعد الألف، (يضربان)، وهذا واضح بين أن الفاعل كالجزء من فعله، بهذه الأدلة الثلاثة قال: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ، والتعليل: أن الفعل وفاعله كجزئي كلمة، ولا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها، هذا مذهب جماهير النحاة من البصريين ومن وافقهم من الكوفيين، وحينئذٍ تقول: قام زيد، قام الزيدان، قام الزيدون، لا بد أن يكون بعده، وأشار إلى ذلك بقوله: وَبَعْدَ فِعْلٍ، فإن تقدم حينئذٍ خرج عن كونه فاعلًا، لا نقول: التركيب لا يصح، لا. يصح، لكن لا يصح على كونه فاعلًا، وأما على جعله مبتدأً وما بعده خبر فلا بأس، زيد قام، قام زيد، لو قال قائل: قام زيد، قام: فعل ماضي وزيد فاعل، أنا أريد أن أقدم، أقول: زيد قام، زيد: فاعل مقدم على عامله، وقام: فعل مؤخر، يجوز أو لا يجوز؟ لماذا؟ لأن شرط الفعل والفاعل أن يكون العامل متقدمًا على الفاعل، فإن تقدم المعمول –الفاعل- على عامله خرج عن كونه فاعلًا، صار مبتدأً.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ: إذًا وجوب تأخير الفاعل عن عامله، لماذا؟ لأن الفاعل كجزء من الكلمة، حينئذٍ نُزِّلَ مُنَزَّلةَ الجزء فصار كالصدر والعجز، والعجز لا يتقدم على صدره.
[ ٤٥ / ٢ ]
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ: إذًا فهم منه أن الفعل لا بد له من فاعل، وفُهم من قوله: بَعْدَ، الترتيب -أن الفاعل لا يكون إلا بعد الفعل-، وسيأتي أن بعض الأفعال قد لا تحتاج إلى فاعل، استثناء، بعض الأفعال قد لا تحتاج إلى فاعل من الفعل المؤكِّد، لو قلت: قام قام زيد، يجوز هذا، (أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ)، أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ، قام قام زيد، قام: فعل ماض، وقام الثاني مؤكِّد، وزيد فاعل للأول، الثاني قام هل له فاعل؟ ليس له فاعل.
كذلك بعض الأفعال التي اتصلت بها ما الكافة "قَلَّ" و"طالَ" و"كثُر" .. قَلَّمَا وكَثُرَ مَا وطَالَمَا هذه أفعال ليس لها فاعل على المشهور عند النحاة، لأن (ما) هذه كافة كفتها عن طلب الفاعل، وقيل: بل (ما) هذه مصدرية، وحينئذٍ تؤول مع ما بعدها فيكون فاعل، وهذا أقيس.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ: وكذلك المحذوف، -الفاعل المحذوف- للتخلص من التقاء الساكنين، نقول: الفعل ليس له فاعل باعتبار النطق، وإن كان المحذوف لعلة كالثابت عند النحاة، لكن من حيث الشيء المحسوس .. وقد سبق أن الجملة قد ينظر إليها من جهة الحس، يعني ما يلفظ به، وحينئذٍ قد يحذف بعض أنواع الفاعل، ومنها: «لَتُبْلَوُنَّ» [آل عمران:١٨٦] مثلًا، الواو حذفت، إذا أُكِّد الفعل المسند إلى ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المؤنثة المخاطبة، وحينئذٍ يحصل التقاء ساكنين ويحذف الفاعل، ولذلك يقال: اتَّقُوا اللَّهَ، اتقوا أنتم الله، هذا نقول: ضمير مستتر.
نريد أن نأتي بواو ساكنة بعدها ساكن حتى يحذف من أجل التخلص من التقاء الساكنين، مثل: أبو العباس، أبو العباس قلنا: الواو هذه محذوفة، سمعوا القول، الناس سمعوا القول، سمعوا: الواو هذه فاعل، وحينئذٍ التقى الساكنان وحذفت في النطق، والمحذوف للتخلص من التقاء الساكنين هذا محذوف لعلة وحينئذٍ يكون كالثابت، لكن هذا يذكر في مثل هذه المواضع، ما حذف –الفاعل- للتخلص من التقاء الساكنين سواء كان لوجود النون، نون التوكيد الثقيلة كما في: "تَرَيِنَّ"، "لَتُبْلَوُنَّ"، أو: الناس سمعوا كذا، حينئذٍ نقول: التقى الساكنان.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ فَإنْ ظَهَرْ فَهْوَ
فَإنْ ظَهَرْ فَهْوَ: هنا حصل اتحاد في الظاهر اللفظي بين الشرط ومشروطه، والأصل التخالف.
فَإنْ ظَهَرْ: الفاعل فهو الفاعل، إذًا: جواب الشرط ما الذي فيه جديد؟
فَإنْ ظَهَرْ: يعني بدأ ونطق به الفاعل فهو الفاعل، إذا ظهر الفاعل فهو الفاعل قطعًا، لا بد من تخالف جواب الشرط مع الشرط، فذهب الشراح إلى مسلكين، إما أن نقول: فإن ظهر أي: وجد في اللفظ فهو ذاك، وهذا تقدير الأشموني وهو جيد.
والمكودي ذهب إلى قوله: فإن ظهر ما هو فاعل في المعنى فهو الفاعل في الاصطلاح.
فَإنْ ظَهَرْ يعني: في التركيب، ما هو فاعل في المعنى فهو فاعل في الاصطلاح.
[ ٤٥ / ٣ ]
أجيب: بأنه يشمل المبتدأ وغيره، يعني: هذا غير جامع، أجيب: بأن قوله: فإن ظهر في المعنى أنه فاعل باعتبار الشروط السابقة ليس مطلقًا، وحينئذٍ لا بد من التأويل لئلا يتحد جواب الشرط مع فعل الشرط، ولذلك لما هناك في الحديث: ﴿فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ من كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا وعملًا، فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا، إذًا: اختلفا، لا بد من التقدير؛ لأن جواب الشرط لا يكون عين فعل الشرط، لأن الشيء يكون معلقًا على شيء مغاير لا على نفسه، إن جاء زيد جاء زيد، إن جاء زيد أكرمته، أما: إن جاء زيد جاء زيد، إن جاء عمرو جاء عمرو، نقول: هذا متحد، وحينئذٍ لا بد من المغايرة.
فَإنْ ظَهَرْ: يعني وجد في اللفظ ونطق به فهو ذاك، أي: الفاعل الاصطلاحي، مثل قام زيد، نقول: هذا ظهر في اللفظ، قام: فعل ماضي، وزيد: اسم صريح -نُطِق به-، وقام الزيدان، قام الزيدون، قامت هند، قمتُ، نقول: هذا ظهر في اللفظ.
وَإلاّ وإن لم يظهر في اللفظ لا بد أن يقدر، لأنه لا ينفك الفعل عن الفاعل، لأن الدلالة عقلية، وهنا اشترك النقل مع العقل، فنقول: الدلالة عقلية لا يمكن أن ينفك الفعل عن فاعل.
إن لم يظهر في اللفظ، فَضَمِيرٌ، فهو ضمير مستتر، وَإلاّ وإن لم يظهر في اللفظ، فَضَمِيرٌ، ضمير هذا خبر مبتدأ محذوف، يعني: فهو ضمير.
اسْتَتَرْ: هذا صفة له، نحو: قم، نقول: لم يظهر عندنا فاعل، لم ننطق بفاعل، أين الفاعل؟ نقول: هنا أسند الفعل إلى ضمير مستتر، وسبق معنا في أول الكتاب كَلاَمُنَا لَفْظٌ، قلنا: اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية، قلنا هنا: لا بد أن ندخل الضمائر المستترة من أجل أن نحكم عليها أنها فاعل، نحن لا نحكم على فاعل إلا إذا كان اسمًا صريحًا أو مؤول بالصريح، وهذه ليست باسم، فحينئذٍ لا بد من التأويل والتكلف والتعسف حتى ندخل هذه الألفاظ.
فـ قم نقول فيه: ضمير مستتر؛ لأنه وإن لم يكن لفظًا منطوقًا به إلا أنه في قوة اللفظ، فهو صَوْتٌ مُصَوَتٌ بالقوة وليس بالفعل، إذ اللفظ منه ما هو أفراد محققة وأفراد مقدرة، هكذا قيل.
قم وزيد قام، قام هو، وهند قامت، يعني هي، وحينئذٍ إذا لم يوجد لفظ يصح أن يكون فاعلًا اصطلاحيًا لا بد من التقدير، لكن لا بد من التقدير على المواضع السابقة، متى نقول واجب الاستتار ومتى نقول جائز الاستتار ومتى نحكم عليه بأنه ضمير بارز ومتى نحكم عليه بأنه ضمير مستتر!
إذًا:
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ فَهْوَ وَإِلاّ فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
قال الشارح: حكم الفاعل التأخر عن رافعه، وهو الفعل أو شبهه نحو: قام الزيدان، وزيد قائم غلاماه، غلاماه هنا فاعل لقائم، وقام زيد، ولا يجوز تقديمه على رافعه، الزيدان قام لا يصح، ولا الزيدون قام لا يصح، بل لا بد أن تقول: الزيدان قاما بالألف، والزيدون قاموا بالواو، ولا زيد قام على أن يكون زيد فاعلًا مقدمًا، بل على أن يكون مبتدأً، التركيب صحيح، لكن من جهة كونه مبتدأً لا فاعلًا.
والفعل بعده رافع لضمير مستتر، زيد قام هو، هذا مذهب البصريين.
[ ٤٥ / ٤ ]
وأما مذهب الكوفيين فجوزوا تقديم الفاعل على المفعول:
مَا لِلجمالِ مَشْيُهَا وَئِيدًَا أَجَنْدَلًا يحْمِلْنَ أمْ حَدِيدَا
قالوا: هنا قدم الفاعل على عامله: مَشْيُهَا وَئِيدًَا.
مَا لِلجمالِ، مَا: اسم استفهام مبتدأ، لِلجمالِ: هذا خبر، مَشْيُهَا: بالرفع، وَئِيدًا: هذا حال من الجمال، ما للجمال حالة كونها وئيدًا مشيها، فمشيها فاعل لوئيد فعيل، حينئذٍ تقدم على عامله، قالوا: يجوز مطلقًا في جميع التراكيب أن يكون الفاعل مقدمًا على عامله، فحينئذٍ قام زيد فعل وفاعل، زيد قام، زيد إما أن يكون فاعلًا، إما أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده، فيجوز عندهم وجهان في زيد قام، زيد فاعل مقدم، وقام هذا فعل مؤخر وليس فيه ضمير، وزيد: مبتدأ، وقام: هذا جملة خبر، لأنه مسند إلى ضمير مستتر، فحينئذٍ نقول: الصحيح الذي لا ينبغي التعويل على غيره أنه لا يجوز أن يتقدم الفاعل على عامله، لأنه يؤدي إلى اللبس، هل هذا مبتدأ أو فاعل! لأن ثَمَّ فرقًا عند النحاة وغيرهم بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية، الجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، وأما الجملة الاسمية فتدل على الثبوت والاستمرار.
إذًا: لا يمكن أن يجوَّز الأمران ثم نقول اعرب ما شئت أو اعتقد ما شئت، هذا مبتدأ أو فاعل. وأما ما استدلوا به: مَشْيُهَا وَئِيدًَا هذا سهل تأويله: ما للجمال وئيدًا مشيها، ما للجمال نقول: وئيدًا مشيها، مشيها هذا مبتدأ، ما دام أنه مرفوع نجوز أنه مبتدأ، وئيدًا هذا حال من الخبر المحذوف، مشيها ثابت أو ثبت وئيدًا أو يكون أو يوجد، قدر له ما شئت، فوئيدًا حال من الفاعل المستتر في الخبر المحذوف.
مَشْيُهَا: كائن أو ثابت وئيدًا، أو وجد وئيدًا، لا إشكال، وحينئذٍ هو حال من فاعل الخبر المحذوف، التقدير: مشيها يكون أو يثبت وئيدًا، إذًا جاز تأويله، هذا المراد، جاز تأويله على وجه صحيح، وحينئذٍ لا يتعين أن يكون فاعلًا مقدمًا، نعم لو جيء بأمثلة لا يجوز فيها إلا أن يكون فاعلًا له شأن آخر، وأما إذا أمكن التأويل فحينئذٍ نرجع إلى التأويل، لأنه لا يمكن أن ننظر في القرآن من أوله إلى آخره والسنة وما ورد في أشعار العرب كلها العامل مقدم والفاعل مؤخر، ثم العقل والنظر يقتضي ذلك، ونأتي بمثل هذا البيت والبيتين والثلاثة ثم ننسف هذه القاعدة من أصلها.
إذًا نقول: الصواب أنه لا يجوز تقدم الفاعل على عامله.
واستدل البصريون على أنه لا يجوز تقديم الفاعل على فعله بوجهين:
أحدهما: أن الفعل وفاعله كجزئي الكلمة الواحدة كما ذكرناه سابقًا.
وثانيهما: أن تقديم الفاعل يوقع في اللبس بينه وبين المبتدأ، إذ فرق بين الجملة الاسمية ودلالتها والجملة الفعلية ودلالتها.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ فَهْوَ وَإِلاَّ فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
[ ٤٥ / ٥ ]
هل ثَمَّ قسم ثالث من أنواع الفاعل؟ بعضهم رأى أن ثَمَّ قسمًا ثالثًا وهو الفاعل المحذوف، بعض التراكيب قلنا: يحذف منها الفاعل وجوبًا، لا يجوز ذكر الفاعل معها البتة، وحينئذٍ هل هو قسم ثالث أم لا؟ من نظر إلى لسان العرب من حيث الوضع: الأصل في كل فعل أن يكون له فاعل حينئذٍ يصير هذا الحذف عرضًا، والتأصيل والتقعيد إنما يكون بالأصول لا بالفروع. هذا أولًا.
ثانيًا: ينظر إلى أن الفاعل الذي حذف لعلة والمحذوف لعلة كالثابت بأنه موجود، وحينئذٍ يدخل في قوله: بَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ، يعني ما حذف لعلة تصريفية كالواو من: "لَتُبْلَوُنَّ" أو "تَرَيِنَّ" الياء، وحينئذٍ نقول: هذا داخل في قوله: بَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ، وهذا لا إشكال فيه.
وأما: (أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ)، حينئذٍ نقول: أتاكِ لا فاعل له، هل هو بأصل الوضع أم بطروء عليه؟ الثاني. لو قلت: أتاكَ لا بد من فاعل: أتاك زيد، نقول: هذا فعل اقتضى فاعلًا، إذًا: في هذا التركيب على جهة الخصوص لكونه مؤكدًا، والفعل المؤكد لم يقصد فيه الإسناد أصالة، ما قصد فيه الإسناد، وإنما قصد فيه تأكيد المعنى الذي دل عليه الفعل السابق، وحينئذٍ نقول: القسمة ثنائية: فعل ظاهر وفعل مستتر.
لم يذكر الناظم القسم الثالث وهو الفاعل المحذوف لندرته ولا حكم له، وكلها قابلة للنقاش، يعني ما قيل فيها أنها محذوفة، وسيأتي شيء منها.
وتظهر فائدة الخلاف في غير الصورة الأخيرة وهي صورة الإفراد، نحو: زيد قام، فتقول على مذهب الكوفيين: الزيدان قام بالإفراد، ما تقول: قاما بالألف، وعلى مذهب البصريين: الزيدان قاما بالألف، والزيدون قاموا، وأما مذهب الكوفيين لا، الزيدان قام، والزيدون قام، -حتى أنها ركيكة-. الزيدون هذا فاعل مقدم، وقام: هذا فعل مؤخر، وهذا ما يتحد.
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
أشرنا إلى هذه المسألة في كلامنا على المبتدأ الذي هو النوع الثاني، أن الأصل في الفعل أن يجرد عن علامة تدل على تثنية الفاعل أو جمعه، فتقول: قام زيد، زيد هذا فاعل وهو مفرد، وإذا ثني الفاعل بقي الفعل على إفراده كما هو، لأن الحدث واحد، الجنس واحد، قام الزيدان، فالزيدان قد اشتركا في إحداث قيام وهو شيء واحد دل عليه لفظ قام، وليس هما قيامين حتى نحتاج إلى تثنية قاما وإنما هو شيء واحد، فيلزم الإفراد مع الفاعل المثنى، فتقول: قام –بالإفراد- الزيدان كما تقول: قام زيد.
[ ٤٥ / ٦ ]
وكذلك إذا أسند الفعل إلى فاعل جمعًا وهو: قام الزيدون، الزيدون هذا فاعل وهو جمع، لا تقل: قاموا الزيدون إشارة إلى أن الفاعل جمع، لا، وإنما يلزم الإفراد، هذا هو اللغة السائدة في لسان العرب: أنه إذا أسند الفعل إلى فاعل مثنىً أو جمعًا وجب تجريد الفعل من علامة تدل على التثنية أو على الجمع، وهذا يفارق ما إذا أسند الفعل إلى فاعل مؤنث، وحينئذٍ يلزمه وجوبًا أو جوازًا -كما سيأتي- أن يتصل بالفعل علامة تدل على تأنيث الفاعل، قامت هند، هند: فاعل وهو مؤنث، حينئذٍ اتصل بالفعل علامة تدل على تأنيث الفاعل، هل مثله إذا كان الفاعل مثنى يتصل بالفعل علامة تدل على أنه مثنى مثل التاء، وإذا كان الفعل جمعًا اتصل بالفعل علامة تدل على أنه جمع؟ لا، ليس هما سيان.
أولًا: لأن إلحاق التاء بالفعل لغة عامة سائدة في لسان العرب، فليست هي لغة خاصة بفرد أو قبيلة أو نحو ذلك.
ثم أن الزيدان والزيدون يدل على التثنية بذاته، فلا لبس، أما هند فهذا قدر مشترك بين المذكر والمؤنث، يعني علم لمذكر وهو علم لمؤنث، وحينئذٍ إذا قيل: قام هند وأردت به المؤنث حصل لبس، وكلما حصل لبس لا بد من دفعه في لسان العرب، فثمَّ فرق بين إلحاق الفعل تاءً تدل على تأنيث الفاعل فيما إذا كان الفاعل مؤنثًا، وبين أن يلحق الفعل علامة تثنية تدل على تثنية الفاعل أو جمع تدل على جمع الفاعل، ففرق بين هذا وذاك.
ثم أمر ثالث: وهو أن تأنيث الفعل قد يكون واجبًا -في بعض الصور-، قد يكون التأنيث واجبًا وذلك إذا كان الفاعل مؤنثًا تأنيثًا حقيقيًا ولم يفصل بينه وبين عامله بفاصل، حضرت هند، قامت هند، هذا واجب ليس بجائز.
وأما لغةُ من ألحق علامة التثنية فهو جائز، يجوز عندهم: قاما الزيدان وقام الزيدان، ويجوز عندهم: قاموا الزيدون وقاما الزيدون، وحينئذٍ فرق بين ما وجب وبين ما جاز، هذه المسألة أشار إليها بقوله: وَجَرِّدِ الْفِعْلَ، جَرِّدِيعني: عرِّه ولا تلحقه علامة تثنية ولا علامة جمع.
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ: الذي هو عامل في الفاعل، وهل الوصف مثله؟ هل الوصف مثله إذا رفع فاعلًا، أقائم الزيدان، مثله؟ نعم. إذًا خص الفعل لماذا؟ لكونه أصلًا، ومثله الوصف الرافع لفاعل، ولذلك سبق معنا:
وَالثَّانِ مُبْتَدًَا وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقًَا اسْتَقَرّْ
احترازًا من هذه المسألة: أقائمان الزيدان، الثاني مبتدأ والأول خبر، لماذا؟ لئلا يلحق بالوصف وهو عامل في الفاعل علامة تدل على التثنية، ومثله: أقائمون الزيدون.
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ: عرِّه الْفِعْلَ وما عمل عمله أو ما جرى مجراه، جرده من ماذا؟ من علامة التثنية والجمع، لا تلحقه علامة وهي حرف يدل على التثنية، أو حرف يدل على الجمع، متى؟
إذَا مَا أُسْنِدَا لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ: إذَا أُسْنِدَا، مَا: هذه زائدة.
يا طالبا خذ فائدة ** بعد إذا (ما) زائدة
إذَا مَا أُسْنِدَا: الألف للإطلاق.
لاِثْنَيْنِ: يعني لفاعل مثنى يدل على اثنين.
أَوْ جَمْعٍ: أو فاعل يدل على جمع.
[ ٤٥ / ٧ ]
كَفَازَ الشُّهَدَا: فاز الشهداء، نقول: فاز هذا مفرد، فاز زيد وفاز الشهيدان وفاز الشهداء، الفعل واحد مفرد في الجميع سواء كان مفردًا الفاعل أو مثنىً أو جمعًا «قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ» [المائدة:٢٣]، «وَقَالَ الظَّالِمُونَ» [الفرقان:٨]، «وَقَالَ نِسْوَةٌ» [يوسف:٣٠] كلها في القرآن، فدل على أن إفراد الفعل مع كون الفاعل متعدد سواء كان مثنىً أو جمعًا، هذا هو اللغة الفصحى وعليه التعويل.
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وَقَدْ: للتقليل، قليل، سمع في طي وغيرها أنهم يلحقون الفعل علامة تثنية إذا كان الفاعل مثنى وعلامة جمع إذا كان الفاعل جمعًا، فيقولون: قاما الزيدان، قام: فعل ماض، والألف حرف تثنية مبني على السكون لا محل له من الإعراب، لا تعربه فاعل، والزيدان: فاعل.
قاموا الزيدون، قاموا، قام: فعل ماضي مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، مناسبة الضمير أو حرف الجمع؟ حرف الجمع، هذا تزيده هناك في الفعل الماضي.
والواو هذا حرف دال على الجمع مبني على السكون لا محل له من الإعراب، ليس هو الفاعل، وإنما هو مثل: قامت –التاء-.
قاموا الزيدون، فالزيدون هذا فاعل يعتبر عند من نطق بهذا التركيب.
وَقَدْ يُقَالُ: وهي لغة قليلة، سَعِدَا هذا نائب فاعل لـ: يقال، بناه للمجهول، لأنها لغة قليلة، ولذلك دل عليها بقوله: قد.
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
قَدْ يُقَالُ: سَعِدَا الشهيدان، ووَسَعِدوا الشهداء مع الجمع ومع التثنية، يلحق علامة تثنية وعلامة جمع، لكن ليس مطلقًا وإنما قيده:
وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ.
يعني: هذه اللغة القليلة لها صورتان: في اللفظ واحدة، وفي التقدير مختلفتان، إذا قلت: قاما الزيدان، ثَمَّ صورة مشتهرة شهيرة، وثَمَّ صورة هي لغة قليلة رديئة، بالنظر إلى الألف هذه: قاما الزيدان، إن جعلتها حرفًا ليست بضمير فحينئذٍ أسندتَ قاما إلى الزيدان، هذا هو الذي أشار إليه الناظم بأنه لغة قليلة، وأنه مخالف للفصيح المشتهر في لسان العرب، متى؟ إذا أسندت الفعل إلى الاسم الظاهر الزيدان، وحينئذٍ لا يكون للفعل فاعلان، إذا قلت بأن الفاعل هو الزيدان امتنع أن يكون الألف فاعل قطعًا، الفاعل له واحد، فحينئذٍ قاما الزيدان إذا أسند الفعل للاسم الظاهر امتنع جعل الألف -ألف التثنية- فاعلًا، ولك صورة أخرى أن تقول: قاما الزيدان، قاما قام: فعل أسند إلى الألف وحينئذٍ صارت ضميرًا اسمًا فاعلًا، والزيدان صار مبتدأً مؤخرًا ليس هو الفاعل، ففَصلتَ بين قام والزيدان، جعلتَ قام مسندًا إلى الألف، تقول: الزيدان قاما هذه الألف فاعل ضمير، لك في مثل هذا التركيب قاما الزيدان أن تجعل الألف هذه ضميرًا، فإذا جعلتها ضميرًا أعربتها فاعل، وحينئذٍ استوفى قاما فاعله وبقي الزيدان منفصل، وإذا انفصل حينئذٍ له توجيهان في الإعراب: إما أن يكون بدلًا من الألف من الضمير، وإما أن يكون مبتدأً مؤخرًا، وجملة قاما في محل رفع خبر مقدم، ولذلك اللغة الرديئة ليست بإسناد قاما إلى الألف، وإنما قيدها بقوله:
[ ٤٥ / ٨ ]
وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ لا زال مسندًا مع إلحاق الفعل علامة التثنية، وإلحاق الفعل علامة جمع، وحينئذٍ القلة هنا ومخالفة الفصيح ليس بالتركيب نفسه، وإنما بإسناد قام إلى الاسم الظاهر مع كونه ملحقًا بألف التثنية.
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ: من علامة التثنية.
إذَا مَا أُسْنِدَا: الألف للإطلاق.
لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا
فَازَ الشهيدان وفَازَ الشُّهَدَا، وقد يقال في لغة قليلة: سعدا الزيدان أو الشهيدان بالألف، يعني لم يجرد من ألف التثنية مع كونه مسندًا إلى الاسم الظاهر، وكذلك: سعدوا الزيدون أو الشهداء مع كون الفعل مسندًا إلى الاسم الظاهر، وبين هذا بقوله:
وَالْفِعْلُ الواو هذه واو الحال وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ مُسْنَدُ: وَالْفِعْلُ مُسْنَدٌ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ يعني: لا زال، بَعْدُ، ما إعرابها؟ متعلق بماذا؟ بَعْدُ متعلق بـ: مُسْنَدُ، مُسْنَدُ بعد، يعني لا زال أنه مسند للاسم الظاهر، هذا الذي يعتبر لغة قليلة.
مذهب جمهور العرب أنه إذا أسند الفعل إلى ظاهر مثنى أو مجموع وجب تجريده من علامة تدل على التثنية أو الجمع، فيكون كحاله إذا أسند إلى مفرد، فتقول: قام الزيدان وقام الزيدون وقامت الهندات كما تقول: قام الزيدون، لا فرق بين الإسناد إلى المفرد وإلى المثنى وإلى الجمع باعتبار الفعل نفسه.
ولا تقول -على مذهب هؤلاء-: قاما الزيدان ولا قاموا الزيدون ولا قمن الهندات، فتأتي بعلامة في الفعل الرافع للظاهر على أن يكون ما بعد الفعل مرفوعًا به، وما اتصل بالفعل من الألف والواو والنون حروف تدل على تثنية الفاعل أو جمعه بل على أن يكون الاسم الظاهر مبتدأً مؤخرًا والفعل متقدم، وما اتصل به اسمًا في موضع رفع به، والجملة في موضع رفع خبرًا عن الاسم المتأخر.
ويحتمل وجهًا آخر: هو أن يكون ما اتصل بالفعل مرفوعًا به فاعل يعني، وما بعده بدل الذي هو الزيدان، هذا وجه ولا بأس به.
ومذهب طائفة من العرب وهم بنو الحارث بن كعب ونسب إلى طيء كذلك: أن الفعل إذا أسند إلى الظاهر مثنى أو مجموع أتي فيه بعلامة تدل على التثنية أو الجمع، فتقول: قاما الزيدان وقاموا الزيدون وقمن الهندات، فتكون الألف والواو والنون حروف تدل على التثنية والجمع، كما كانت التاء في: قامت هند، حرف تدل على التأنيث عند جميع العرب. والاسم الذي بعد الفعل المذكور مرفوع به كما ارتفعت هند بقامت، ومن ذلك قوله:
تَوَلّى قِتَالَ المَارِقِينَ بِنَفْسِهِ وَقَدْ أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ
أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ: الألف هذه ألف التثنية حرف، ومُبْعَدٌ وَحَمِيمُ، مُبْعَدٌ: هذا فاعل. والأصل أن يقول القياس: وقد أسلمه مبعد، فهذه اللغة لا تمنع مع المفردين أو المفردات المخاطبة.
[ ٤٥ / ٩ ]
هنا إشكال في الاستدلال بهذا البيت، نحن نقول: إذا أسند الفعل إلى مثنى، وحينئذٍ: قَدْ أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ، وحميم هذا ليس فاعلًا اصطلاحًا، أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ كأنه قال: قام زيد، حينئذٍ أسند إلى مفرد، والنحاة إنما يذكرون إذا أسند الفعل إلى مثنىً، هل مرادهم المثنى الاصطلاحي أو ما هو أعم من ذلك؟ لا، مرادهم الاصطلاحي، مراد النحاة المثنى الاصطلاحي، لكن إذا استدلوا على هذه اللغة أتوا بهذا البيت: أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ، وهذا فيه إشكال من حيث إن الفعل مسند إلى مفرد.
وأما من حيث المعنى فحينئذٍ المعطوف والمعطوف عليه في قوة الاثنين، ولذلك قلنا: أصل المثنى الزيدان جاء زيد وزيد، هذا الأصل، فاختصارًا قيل الزيدان؛ لما ذكرناه سابقًا.
أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ، وحينئذٍ ألحق بالفعل علامة تدل على التثنية، والفاعل مركب من جهة المعنى لا من جهة الاصطلاح، وحينئذٍ إذا أسند الفعل إلى مثنىً اصطلاحًا أو معنىً ألحقت هذه اللغة بالفعل علامة تثنية، ليس خاصًا بالمثنى فقط، لاِثْنَيْنِ قال: لاِثْنَيْنِ، المراد المثنى هذا الذي عليه أكثر الشراح وكتب النحو، ولذلك يمثلون: قام الزيدان، وأما أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ فليس مطابقًا لما ذكر.
تَوَلَّى قِتَالَ المَارِقِينَ بِنَفْسِهِ وَقَدْ أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ
(يَلُومُونَنيِ فيِ اشْتِراءِ النَّخِيلِ أَهْلىِ ) يلومونني: الواو هذه علامة جمع، وأَهْلىِ هو الفاعل، حرف يدل على الجمع.
(رَأَيْنَ الْغَوَانِي )، رَأَيْنَ النون هذه نون الإناث، والْغَوَانِي: هذا فاعل، حرف يدل على جمع الإناث.
قال: فـ: مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ مرفوعان بقوله: أَسْلَمَاهُ، وهذا يدل على ما ذكرناه، وإن كان أكثر النحاة على غير ذلك.
مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ: مرفوعان بقوله: أَسْلَمَاهُ، ليس هو فاعل اصطلاحًا، وإنما الأول مرفوع بـ: أسلما، والثاني معطوف عليه، وفي المعنى هو فاعل، كما قلنا في باب ضارب، قلنا: أحدهما فاعل اصطلاحًا والثاني فاعل معنىً لغةً، ضارب زيد عمرًا، هذه تدل على المفاعلة مشاركة، ضارب زيد عمرًا، المشاركة تقتضي أن كلًا من زيد وعمرو ضارب ومضروب، ما تقع المضاربة إلا هكذا، ضارب زيد فزيد هذا فاعل اصطلاحًا، وهو مفعول لأنه وقع عليه شيء من الضرب، وعمرًا هذا مفعول وقع عليه وهو ضارب أيضًا، إذًا كلًا منهما إما فاعل اصطلاحًا وهو مفعول به في المعنى، وكذلك قد يكون مفعولًا به في الاصطلاح وهو فاعل في المعنى، هذا مثله: مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ كلاهما فاعل، لكن لغة ليس اصطلاحًا، وأما الاصطلاح فهو خاص بالأول.
وإنما قال: وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ لينبه على أن مثل هذا التركيب إنما يكون قليلًا إذا جعلت الفعل مسندًا إلى الظاهر الذي بعده، وأما إذا جعلته مسندًا إلى المتصل به من الألف والواو والنون وجعلت الظاهر مبتدأ أو بدل من الضمير فلا يكون ذلك قليلًا بل هو مشهور.
وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا كَمِثْلِ: زَيْدٌ فِي جَوَابِ: مَنْ قَرَا
[ ٤٥ / ١٠ ]
قلنا: يحذف الفاعل كما سبق وكذلك يحذف الفعل، وهل يحذفان معًا؟ لا يمكن أن يحذفان معًا أبدًا، وإنما يحذف الفاعل فقط، والأصل ذكره، ولذلك تُعَدُّ المواضع التي يحذف فيها الفاعل، وذكرها بعضهم أنها خمسة.
أولًا: لا يجوز حذف الفاعل بل يجب ذكره، وعليه البصريون، وذهب الكسائي إلى جواز حذف الفاعل لدليل كالمبتدأ والخبر، ويستثنى مواضع يجوز فيها حذف الفاعل، أولًا: مع رافعه تبعًا له، من باب التبعية.
إذًا: قد يحذفان معًا. إذا قيل: من ضربت؟ زيدًا، زيدًا مفعول به لفعل محذوف، تقديره: ضربتُ، إذًا حذفت الفعل مع فاعله، إذًا قد يحذف أو لا؟ نقول: قد يحذف مع رافعه تبعًا له، زيدًا لمن قال: من ضربت؟
ثانيًا: فاعل المصدر: «أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ» [البلد:١٤] «يَتِيمًا» إطعامه يحذف هذا.
الثالث: المؤكد بالنون كما ذكرناه: "لَتُبْلَوُنَّ" فاعل فعل اثنين مؤنث أو الجماعة.
«فَإِمَّا تَرَيْنَ» [مريم:٢٦] الفاعل محذوف هنا، أو إذا حذف للتخلص من التقاء الساكنين.
كذلك نقول أيضًا: الاستثناء المفرغ، ما قام أحد إلا زيد، وهذا من المواضع التي يحذف فيها الفاعل.
كذلك التعجب في نحو: «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ» [مريم:٣٨] أَبْصِرْ بهم حذف الثاني لدلالة الأول عليه، الذي على صورة الأمر إذا كان معطوفًا على مثله.
كذلك فاعل الأفعال المكفوفة بـ (ما)، طالما، قلما، كثر ما، المشهور عند النحاة أنها ليس لها فاعل، كفت بـ (ما) لا تطلب فاعلًا، وذهب بعضهم -وهو أقيس- أن (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر.
إذًا: يحذف متى؟
مع رافعه -تبعًا لرافعه-.
ثانيًا: فاعل المصدر.
ثالثًا: المؤكد أو التخلص من التقاء الساكنين.
رابعًا: الاستثناء.
خامسًا: التعجب.
سادسًا: فاعل الأفعال المكفوفة.
قال: وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا
بمعنى: أن الفاعل قد يلفظ دون عامله، وهذا قد يكون جائزًا وقد يكون واجبًا، وأشار إليه بقوله: أُضْمِرَا، فـ أُضْمِرَا هنا استعمله بمعنى المحذوف، وهذا كما سبق في قوله: اسْتَكَنْ:
وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ
اسْتَكَنْ هناك مجاز عن الحذف، هنا أُضْمِرَا الأصل فيه أنه يكون مستترًا، هذا الاستتار هو الإضمار، وحينئذٍ نقول: أراد بالإضمار هنا الحذف، ثم قد يكون هذا الحذف جائزًا وقد يكون واجبًا.
وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا
أي: حذف إما جوازًا وإما وجوبًا، ومثل للجواز بقوله: كَمِثْلِ: زَيْدٌ فِي جَوَابِ مَنْ قَرَا؟ مَنْ قَرَأ؟ زيد، من صلى اليوم؟ محمد، فنقول: محمد هذا فاعل لفعل محذوف تقديره: صلى محمد.
[ ٤٥ / ١١ ]
من قرأ؟ زيد، زيد قرأ. ومراد المصنف هنا المثال فقط، يعني يجوز أن يعرب زيد في هذا المثال فِي جَوَابِ مَنْ قَرَا فاعلًا، مع كونه مرجوحًا، والأرجح أن يعرب مبتدأً؛ لأن الأصل في الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال، فإذا قدرت اسمًا من عندك مثلًا (زيد) يحتمل أنه مبتدأ وفاعل، انظر في السؤال هل هو جملة فعلية أو جملة اسمية! لا بد أن يكون الجواب مطابقًا له، إن كان جملة فعلية قدرت فعلًا صار فاعلًا، وإن كان جملة اسمية قدرته مبتدأً حذف خبره، وحينئذٍ: من قرأ؟ قرأ من؟ من قرأ؟ من: مبتدأ اسم استفهام، وقرأ: خبر، زيد قرأ، هذا التقدير، هذا أفصح، زيد قرأ، فزيد مبتدأ، هذا أرجح.
وَالشَّأنُ لاَ يُعتَرَضُ المِثَالُ إِذْ قَدْ كَفَى الفَرضُ والاِحتِمَالُ
والشَّأنُ والحال عند أرباب التصنيف والعلم لاَ يُعتَرَضُ المِثَالُ، إذ قد يكفي الفرض والاحتمال، إِذْ قَدْ كَفَى الفَرضُ والاحتِمَالُ، ما دام أنه محتمل لأن يعرب فاعلًا فلا بأس، لكن نبين فقط.
وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا كَمِثْلِ: زَيْدٌ فِي جَوَابِ سائلٍ مَنْ قَرَا؟
وكذلك في جواب نفي: ما حضر أحد، بلى زيد، ما حضر أحد اليوم، بلى محمد، فمحمد هنا فاعل وهو وقع في جواب نفي، وكذلك في جواب استفهام محقق، مثل: هل قام زيد؟ قام زيد نعم، من الذي قام؟ زيد، زيد ماذا يكون هنا مبتدأ أو فاعل؟ من الذي قام؟ هذا مثل من قرأ.
وأيضًا في الاستفهام المقدر: «رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ» [النور:٣٧] رِجَالٌ، قالوا: هذا الأفصح فيه أن يعرب فاعلًا لفعل محذوف.
«يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ» [النور: ٣٦، ٣٧] يُسَبَّحُ على قراءة البناء للمفعول، «يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ» كأنه قال: من المسبِّح؟ قال: رِجَالٌ، على ما ذهب إليه الناظم، فلا يصح جعل رجال نائب فاعل لأنهم مسبِّحون لا مسبَّحون، يُسبَّح له، رجال، رجال لا يصلح أن يكون نائب فاعل؛ لأنهم مسبِّحون، هم الفاعلون، وأما مسبَّحون هذا ليس هو شأن الرجال.
إذًا: رجال فاعل لفعل محذوف دل عليه استفهام مقدر، دل عليه: «يُسَبَّحُ لَهُ» فقال قائل: من يسبح له؟ فقال: رجال، أي: يسبح رجال.
إذا دل دليل على الفعل جاز حذفه، وهذه قاعدة عامة كما ذكرناه ولا نحتاج أن نعيدها دائمًا، ما لا يدل عليه دليل الأصل لا يجوز حذفه إلا ما يستثنى.
[ ٤٥ / ١٢ ]
إذا دل دليل على الفعل جاز حذفه وإبقاء فاعله، كما إذا قيل لك: من قرأ؟ تقول: زيد، التقدير: قرأ زيد، وقد يحذف الفعل وجوبًا إذا فسر بـ (ما) بعد الفاعل من فعل مسند إلى ضميره أو ملابسه، إذا فسر بما بعد الفاعل من فعل مسند إلى ضميره، مثل ماذا؟ «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ» [التوبة:٦]، «إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ» [الانشقاق:١]. إذا وقع الاسم بعد (إن) الشرطية أو (إذا) الشرطية فحينئذٍ يتعين أن يكون ما بعدها فاعل، والذي دل على ذلك المفسِّر بعده مع أن (إن) الشرطية و(إذا) الشرطية لا يليهما الجملة الاسمية البتة، وإنما لا يليهما إلا الفعل، فإذا وجد في التركيب ما قد تبع أو جاء تاليًا لـ (إن) الشرطية أو (إذا) حينئذٍ لزم أن نعرب الاسم مبتدأ وما بعده خبر، وعلى مذهب الكوفيين من جواز تقدم الفاعل على فعله يجوز عندهم أن يعرب مبتدأً، ويجوز أن يعرب فاعل، وهو مرجح.
«وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ» اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ، حينئذٍ أَحَدٌ هذا يصلح أن يكون فاعلًا لقوله: «اسْتَجَارَكَ»، وعلى القاعدة: يجوز تقديم الفاعل على عامله، إذًا: إِنْ أَحَدٌ، أَحَدٌ هذا فاعل بناءً على القاعدة السابقة: مَشْيُهَا وَئِيدًَا، وحينئذٍ نقول: أَحَدٌ هذا فاعل، وإذا أعرب فاعل حينئذٍ لم يتلو (إن) اسم، وإنما تلاه فعل، هذا هو الأصل، إذًا: وافق الكوفيون البصريين في أن (إن) لا يليها إلا الفعل، ولكن لجواز أن يقدم الفاعل على الفعل أعربوا أَحَدٌ أنه فاعل.
إذًا النتيجة: أن (إن) هنا لا يليها إلا الفعل، وخالفناهم في صحة القاعدة والاستدلال، لما امتنع أن يكون أَحَدٌ فاعلًا عند البصريين، إذًا لا بد من تقدير فعل محذوف، هذا الفعل ما حكمه، جائز الحذف أم واجب الحذف؟ واجب الحذف، لماذا؟ لأن الذي دل عليه الملفوظ، ولذلك قلنا في الضابط: إذا فسر بما بعد الفاعل من فعل مسند إلى ضميره أو ملابسه، هذا هو الذي دلنا على الفعل المحذوف، هو الذي فسره، فإذا قدرناه امتنع أن يجمع بين المفسِّر والمفسَّر فصار واجب الحذف.
وَإِنْ أَحَدٌ، (وإن استجارك أحد من المشركين استجارك)، هذا التركيب، لكن لا يفصح به إلا في مقام التعليم، وأما عند الإعراب فلا، غلط، فلا تقل: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك لا، لأنه لا يجمع بين الجملتين، استجارك واستجارك لا يجمع بينهما إلا في مقام التعليم، وحينئذٍ: استجارك الملفوظ به الموجود في الآية دل على استجارك المحذوف، ولما امتنع الجمع بينهما حينئذٍ صار حذفه واجبًا.
«إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ» [الانشقاق:١] السَّمَاءُ على مذهب الكوفيين فاعل للفعل المتأخر انشَقَّتْ ولا إشكال.
إذًا: «إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ» أصلها: إذا انشقت السماء، إذًا لم يتل إذا إلا فعل، عند البصريين لا، إذا انشقت السماء انشقت، صار واجب الحذف لماذا؟ لأنه لا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، هذان قولان متقابلان.
[ ٤٥ / ١٣ ]
وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنه يجوز أن يكون التالي لـ (إن) و(إذا) مبتدأً، جوز أن يكون السَّمَاءُ وأَحَدٌ مبتدأ، وما بعده خبره له، وإِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ، إِذَا السَّمَاءُ: مبتدأ، وانشَقَّتْ: الجملة في محل رفع خبر، وهذا ليس بجيد، ولذلك اتفق البصريون والكوفيون على أنه لا يلي هذين الشرطيين (إن وإذا) إلا الفعل.
إذًا قوله:
وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا كَمِثْلِ: زَيْدٌ فِي جَوَابِ: مَنْ قَرَا؟
أراد أن الرافع للفاعل قد يكون محذوفًا جوازًا إذ دل عليه دليل، وكذلك وجوبًا.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٤٥ / ١٤ ]