عناصر الدرس
* حالات المفعول الأول والثاني من حيث التقديم والتأخير
* حالات حذف الفضلة (مع تعريف الفضلة والعمدة) ـ
* حالات حذف عامل الفضلة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فما زال الحديث في الباب الذي عقده الناظم رحمه الله تعالى في:
تَعَدِّي الفِعلِ وَلُزُومُهُ.
قال رحمه الله تعالى:
وَالأَصْلُ سَبْقُ فَاعِلٍ مَعْنًى كَمَنْ مِنْ أَلْبِسَنْ مَنْ زارَكُمْ نَسْجَ الْيَمَنْ
أَلْبِسَنْ .. أَلْبِسُنْ يجوز فيها الوجهان.
وَالأَصْلُ سَبْقُ فَاعِلٍ: أراد أن يبين لنا بعض مراتب المفاعيل في تقديمها على بعض؛ لأن لبعض المفاعيل الأصالة في التقدم على بعض، وحينئذٍ الأصل التزام ما جاء في لسان العرب، فما قدم من جهة كونه فاعلًا في المعنى على ما هو مفعول به في المعنى هذا هو الأصل، وحينئذٍ يتبع الأصل، نقول: لبعض المفاعيل الأصالة في التقدم على بعض، إما بكونه مبتدأً في الأصل، فما كان مبتدأً في الأصل هو الأولى بالتقدم، وهذا في باب (ظن وأخواتها) ظننت زيدًا قائمًا، نقول: زيدًا هذا مفعول أول، وقائم: هذا مفعول ثاني، أيهما أولى بالتقديم؟ زيد أولى بالتقديم، لماذا؟ لكونه مبتدأً في الأصل.
إذًا: إذا كان المفعول مبتدأً في الأصل فله أحقية التقدم باعتبار أصله قبل دخول (ظن) ظننت زيدًا قائمًا، وقد يلتزم هذا الأصل فيما إذا قال: ظننت زيدًا عمْرًا كما سبق بيانه.
أو فاعلًا في المعنى، يقدم على ما كان مفعولًا في المعنى، وهو الذي عقد له هذا البيت، أعطيت زيدًا درهمًا، أعطيت: فعل وفاعل، وزيدًا: مفعول أول، وردهمًا: مفعول ثان. أي المفعولين أولى بالتقديم؟ نقول: ما كان فاعلًا في المعنى؛ لأن الفاعل متقدم على المفعول في الرتبة، فما كان فاعلًا في المعنى أولى بالتقديم على ما كان مفعولًا في المعنى، وحينئذٍ زيد هو الآخذ، والدرهم هو المأخوذ، حينئذٍ زيد فاعل في المعنى فهو أولى بالتقديم على المفعول في المعنى.
أو غير مقيد بحرف لفظًا أو تقديرًا والآخر مقيد، وهذا في باب اختار، نقول: اخترت زيدًا القوم، اخترت زيدًا من القوم، زيدًا: هذا مفعول أول لاختار، والقوم: مفعول ثاني، أيهما أولى بالتقديم؟ غير المقيد بحرف أولى، لأن المقيد بحرف أدنى، وإذا كان أدنى فرتبته حينئذٍ التأخير، فزيدًا نقول: هذا مفعول به تعدى إليه اختار بنفسه مباشرة، وأما قومًا؛ فهذا مقيد بحرف الجر، إما ملفوظًا في نحو: اخترت زيدًا من القوم، ملفوظ به. وإما مقدرًا فيما إذا حذف: اخترت زيدًا القومَ، ظننت زيدًا قائمًا، أعطيت زيدًا درهمًا، اخترت زيدًا القومَ أو من القومِ، هذه مفاعيل النظر فيها باعتبار المعاني، فحينئذٍ الأولى بالتقديم هو ما كان فاعلًا في المعنى أو ما كان مبتدأً في الأصل أو ما كان غير مقيد بحرف جر لفظًا أو تقديرًا.
قال الناظم:
وَالأَصْلُ: ما المراد بالأصل هنا؟ الراجح، يطلق ويراد به الراجح، الراجح سَبْقُ فَاعِلٍ: الأَصْلُ مبتدأ، وسَبْقُ فَاعِلٍ، سَبْقُ: خبر، وهو مضاف وفَاعِلٍ مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، فالفاعل فاعل، في اللفظ مفعول به وهو فاعل في المعنى.
[ ٥٢ / ١ ]
والأصل أن يسبق فاعل معنىً، يسبق ماذا؟ يسبق المفعول في المعنى، ولذلك قال: فَاعِلٍ مَعْنًى: هذا منصوب بنزع الخافض، أي: أنه فاعل في المعنى، وليس المراد هنا الفاعل اصطلاحًا؛ لأنه لو كان اصطلاحًا كيف نتحدث عنه في باب المفعول به! هذا تعارض، حينئذٍ الفاعل معنىً، يعني في المعنى، منصوب على نزع الخافض.
الأصل أن يسبق فاعل في المعنى، يسبق ماذا؟ مفعولًا في المعنى، وهذا إنما يكون في باب (كسى) لماذا؟ لأن باب (ظن) الأول مبتدأ في المعنى والثاني خبر في المعنى، وحينئذٍ ليس المراد هنا باب (ظن وأخواتها) وإنما المراد به: ما تعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر وهو باب (كسا وأعطى) كما سبق معنا مرارًا.
وَالأَصْلُ سَبْقُ فَاعِلٍ: أن يسبق فاعل.
مَعْنًى: أي في المعنى، منهما المفعول معنى، مثل ماذا؟ قال:
كَمَنْ من قولك: ألبِسُنْ بضم السين أمرًا للجماعة ليطابق قوله: مَنْ زارَكُمْ، زاركم هذا جمع، فكيف يقال: ألبِسَن، ألبِسَن مفرد، وزاركم، زاركم أنتم، إذًا جمع، وحينئذٍ نقول: السين هنا بالضم، ويجوز فتحها على أن الميم للتعظيم: زاركم أنتم وهو واحد، وإذا كانت الميم هنا للتعظيم صح أن يقال: أَلْبِسَنْ مَنْ زارَكُمْ نَسْجَ الْيَمَنْ.
كَمَنْ: (مَنْ) هذا فاعل في المعنى وهو مفعول أول في التركيب الذي ذكره: أَلْبِسَنْ (مَنْ)، زارَكُمْ نَسْجَ الْيَمَنْ، عندنا لابس وعندنا ملبوس، اللابس هو الفاعل في المعنى وهو (من)، والملبوس هو نسج اليمن، إذًا: الأولى بالتقديم: من زاركم، (منْ) اسم موصول بمعنى الذي أو الذين على الاحتمالين السابقين.
زارَكُمْ: صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
نَسْجَ الْيَمَنْ: نقول: هذا مفعول ثاني لألبسن، هو مفعول في المعنى ومفعول في الإعراب، وأما: من زاركم؛ فهذا فاعل في المعنى مفعول في الإعراب، هل يجوز أن يقال: ألبسن نسج اليمن من زاركم؟ يجوز، لماذا؟ لعدم وجود ما يقتضي التزام الأصل.
وَيَلْزَمُ الأَصْلُ لِمُوجِبٍ عَرَا
وحينئذٍ نقول: الأصل هنا غير واجب الإلزام، فيجوز التقديم والتأخير، فيقال: ألزمن نسج اليمن من زاركم، والأولى أن يقدم ما هو فاعل في المعنى، وحينئذٍ القياس تقديم (من) على نسج، لو خولف القياس نقول: جائز، ولكنه ترك الأولى ولذلك قال: الأصل الراجح الذي ينبغي استصحابه في كل التراكيب، وحينئذٍ لو رجع عن هذا الأصل ولم يعتبره مع عدم وجود ما يقتضي أو يلزم استصحاب الأصل نقول: هذا على الأصل وهو جواز الطرفين، إما تقديم هذا أو ذاك.
مِنْ أَلْبِسَنْ مَنْ زارَكُمْ نَسْجَ الْيَمَنْ: يعني منسوج اليمن، نسج هذا مصدر بمعنى اسم المفعول، فإن (من) هو اللابس، فهو فاعل في المعنى، ونسج اليمن هو الملبوس فهو مفعول في المعنى، ويجوز العدول عن هذا الأصل، فيقدم ما هو مفعول في المعنى على ما هو فاعل في المعنى، فيقال: ألبسُن نسج اليمن من زاركم، وهذا لا إشكال فيه.
إذًا:
وَالأَصْلُ سَبْقُ فَاعِلٍ مَعْنًى كَمَنْ مِنْ أَلْبِسَنْ مَنْ زارَكُمْ نَسْجَ الْيَمَنْ
[ ٥٢ / ٢ ]
نقول: ترتيب مفعولي الفعل المتعدي لاثنين ليس أصلهما المبتدأ والخبر باعتبار الفاعل في المعنى فهو المفعول الأول، وما كان مفعولًا في المعنى فهو المفعول الثاني، ينبغي اعتبار هذا، ولذلك هناك:
وَبَعْدَ مَا إِيلاَؤُهُ الْفِعْلَ غَلَبْ
إِيلاَؤُهُ الْفِعْلَ: الفعل يلي الأداة، إذًا: الفعل صار مفعولًا أول؛ لأنه هو الفاعل في المعنى، أولى من إعرابه مفعولًا ثانيًا لما ذكرناه الآن.
ثم إن المفعول الأول في ذلك -في هذا القسم وهو ما كان أصلهما ليس مبتدأً وخبر- على ثلاثة أقسام:
قسم يجب فيه تقديم ما هو فاعل في المعنى.
وقسم يجب فيه تأخيره.
وقسم يجوز فيه الوجهان.
الحكم واحد في المفاعيل كلها: إما واجب التقديم، وإما واجب التأخير، وإما جواز الوجهين، إما أن يلتزم الأصل، وإما أن يخالف الأصل وكل منهما واجب، أو جواز الطرفين، وأشار بهذا البيت إلى القسم الثالث وهو ما جاز فيه الطرفان، يعني: تقديم ما هو مفعول في المعنى وتأخير ما هو فاعل في المعنى، لعدم وجود ما يقتضي التزام الأصل، لأننا قلنا: الأصل تقديم ما هو فاعل في المعنى، قد يجب هذا الأصل.
لِمُوجِبٍ: يعني لسبب خارجٍ، فإن لم يكن ثَمَّ سبب رجعنا إلى الأصل.
قال الشارح: إذا تعدى الفعل إلى مفعولين الثاني منهما ليس خبرًا في الأصل، فالأصل تقديم ما هو فاعل في المعنى، نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، زيدًا: هذا مفعول أول، ودرهمًا: مفعول ثاني، يجوز أن تقول: أعطيت درهمًا زيدًا؛ لعدم وجود ما يقتضي التزام الأصل، فحينئذٍ نقول: زيدًا في المعنى هو فاعل هو الآخذ، ودرهمًا: هذا مأخوذ، فدل على أن ما كان فاعلًا في المعنى هو المفعول الأول، وما كان مفعولًا في المعنى هو المفعول الثاني، فالأصل تقديم زيد على درهم؛ لأنه فاعل في المعنى، لأنه آخذ للدرهم.
وكذا كسوت زيدًا جبة، من الآخذ للكسوة؟ زيد، والجبة؟ هي مأخوذة، إذًا: زيد هو مفعول أول؛ لأنه فاعل في المعنى، والجبة هي مفعول ثاني لكونها مفعولًا في المعنى.
وأَلْبِسَنْ مَنْ زارَكُمْ نَسْجَ الْيَمَنْ
مَنْ: مفعول أول، ونَسْجَ: مفعول ثاني، والأصل تقديم (مَنْ) على نَسْجَ الْيَمَنْ؛ لأنه اللابس، ويجوز تقديم ما ليس فاعلًا معنى لكنه خلاف الأصل.
وَيَلْزَمُ الأَصْلُ لِمُوجِبٍ عَرَا وَتَرْكُ ذَاكَ الأَصْلِ حَتْمًا قَدْ يُرَى
وَيَلْزَمُ الأَصْلُ يعني: وقد يلزم الأصل، يَلْزَمُ: هذا فعل مضارع، والأَصْلُ فاعله.
لِمُوجِبٍ: هذا متعلق بيلزم، جار ومجرور متعلق بقوله: وَيَلْزَمُ، يلزم لموجب، إن وجد هذا الموجب المقتضي السبب والعلة، عَرَا بمعنى: أنه طرأ على الأصل، لماذا؟ لأنه سبق معنا أن الأصلَ، الأصلُ فيه الجواز، فحينئذٍ ننظر فيه من جهتين: تقديم ما هو فاعل في المعنى، ثم لزومه نقول: هذا خروج عن الأصل، التزام الأصل أصل أم فرع؟ التزام الأصل فرع ليس بأصل؛ لأن الأصل تقديم ما هو فاعل في المعنى على ما هو مفعول في المعنى، يجوز أن تقدم وتؤخر، أنت مخير بين هذا وذاك.
[ ٥٢ / ٣ ]
إذا وجب هذا الأصل حينئذٍ نقول: هذا خروج عن القياس؛ لأن الأصل عدم الالتزام، وإذا وجب التبديل بتأخير ما هو فاعل في المعنى حينئذٍ نقول: خالف من جهتين، خالف الأصل بكونه يتقدم المفعول في المعنى على الفاعل في المعنى، ثم التزامه وإيجابه هذا قدر زائد.
وَيَلْزَمُ: يعني يجب ويتحتم.
الأَصْلُ: السابق، ما هو الأصل السابق؟ تقديم الفاعل في المعنى على المفعول في المعنى.
لِمُوجِبٍ عَرَا: يعني لسبب طرأ ووجد، منها ثلاثة -المشهورة عند النحاة- وقل من ذكر رابعًا: كخوف اللبس، خوف اللبس: أعطيت زيدًا عمْرًا، زيدًا: هذا مفعول أول، وعمْرًا: مفعول ثان، وحينئذٍ لو أُخر المفعول الأول وهو زيد لالتبس الآخذ بالمأخوذ، لو التزمنا الأصل وهو كون زيد مفعولًا أول وهو فاعل في المعنى اتضحت الصورة، زيد آخذ وعمرو مأخوذ، زيد آخذ فهو فاعل في المعنى، وعمرو مأخوذ، إذًا: أعطيت زيدًا عمْرًا؛ هذا جاء على الأصل، فحينئذٍ إذا بُدل وقيل: أعطيت عمْرًا زيدًا ماذا يستفيد السامع؟ يستفيد أن عمْرًا آخذ، وأن زيدًا مأخوذ، إذًا: حصل لبس وحصل خلل.
إذًا نحو: أعطيت زيدًا عمْرًا؛ خوف اللبس وجب التزام الأصل وهو تقديم المفعول الأول وهو زيد وهو فاعل في المعنى على المفعول الثاني وهو عمرو وهو المفعول في المعنى.
الثاني: كون الثاني محصورًا فيه، ما أعطيت زيدًا إلا درهمًا، حينئذٍ لو قدم وأخر: ما أعطيت درهمًا إلا زيدًا حصل انتكاس في المعنى، فصار زيدًا محصورًا فيه وصار درهم لا، ما أعطيت درهمًا إلا زيدًا، ما أعطيت زيدًا إلا درهمًا، إذا قيل: ما أعطيت زيدًا إلا درهمًا يعني: زيد لم يأخذ إلا درهم، وغير زيد؟ لا ينفى عنه الحكم، قد يكون آخذ درهم ودرهمين وثلاثة وعشرة، وأما إذا قلت: ما أعطيت درهمًا إلا زيدًا عكسنا، يعني: لم يأخذ إلا زيد وغير زيد لم أعطه شيئًا، حصل انتكاس في المعنى، وحينئذٍ يلزم اتباع الأصل والتزام الأصل وهو تقديم ما هو فاعل في المعنى على ما هو مفعول به في المعنى.
ما أعطيت زيدًا إلا درهمًا، ومثله: إنما أعطيت زيدًا درهمًا، زيدًا: هذا مفعول أول، ودرهمًا: مفعول ثاني، الأول فاعل في المعنى والثاني مفعول به في المعنى، لا يجوز التقديم والتأخير لوجود اللبس.
أو -الحالة الثالثة-: ظاهرًا والأول ضمير متصل، يكون الثاني اسمًا ظاهرًا والأول ضمير متصل، لا بد من التزام الأصل، هذا لا إشكال فيه واضح، مثل: ضربني زيد، نقول: هنا يجب تأخير الفاعل لكون المفعول به متصل، ضمير متصل، لو فصلته حينئذٍ خالفت القياس.
وَفِي اخْتِيَارٍ لا يَجِيءُ المنُْْفَْصِلْ إِذَا تَأَتَّى أنْ يَجِيءَ المُتَّصِلْ
كذلك: ضربت زيدًا التزم الأصل، التاء هنا فاعل، وزيدًا: مفعول به، هل يمكن تقديم زيد على التاء؟ لا يمكن؛ لأنه ضمير متصل، «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ» إنا أعطيناك، أعطى –باب أعطى-، أَعْطَيْنَاكَ الكاف هذا مفعول أول؛ لأنه فاعل في المعنى هو آخذ، والْكَوْثَرَ مأخوذ، هل يجوز تقديم الْكَوْثَرَ على الكاف؟ لا يجوز، لأنه متصل.
وَفِي اخْتِيَارٍ لا يَجِيءُ المنُْْفَْصِلْ إذَا تَأَتَّى أنْ يَجِيءَ المُتَّصِلْ
[ ٥٢ / ٤ ]
إذًا: في هذه الأحوال الثلاث، يجب التزام الأصل وهو تقديم ما هو فاعل في المعنى على ما هو مفعول في المعنى: خوف اللبس أعطيت زيدًا عمْرًا، كونه محصورًا ما أعطيت زيدًا إلا درهمًا، إنما أعطيت زيدًا درهمًا، الثالث: كونه ضميرًا متصلًا والثاني اسمًا ظاهرًا، «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ».
وَيَلْزَمُ الأَصْلُ: يعني السابق وهو تقديم الفاعل في المعنى.
لِمُوجِبٍ: لسبب ومقتضٍ وعلة.
عَرَا: يعني وجد أو طرأ.
وَتَرْكُ ذَاكَ الأَصْلِ قد يرى حتمًا.
ترك ذاك الأصل ما هو الأصل؟ تقديم ما هو فاعل في المعنى، كيف نتركه؟ بأن نؤخر المفعول الأول ونقدم المفعول الثاني.
حَتْمًا: واجبًا، قَدْ يُرَى.
وَتَرْكُ: ترك هذا مبتدأ، وَتَرْكُ ذَاكَ، تَرْكُ: مضاف، وذَاكَ: مضاف إليه.
والأَصْلِ: بدل أو عطف بيان.
قَدْ يُرَى: قَدْ للتقليل. إذًا: ترك الأصل قليل باعتبار الأصل، قَدْ للتقليل، قَدْ يُرَى، يُرَى هو نائب فاعل، أي: ترك هذا الأصل.
حَتْمًا: هذا حال من نائب الفاعل، أي: قد يرى واجبًا، ترك الأصل قد يرى واجبًا، وذلك كما إذا كان الذي هو فاعل في المعنى محصورًا، لو كان الذي هو فاعل في المعنى محصورًا نحو: ما أعطيت الدرهم إلا زيدًا، زيدًا: هذا فاعل في المعنى وهو محصور، وحينئذٍ لزم تأخيره، كما سبق معنا:
وَمَا بِإلاَّ أَوْ بِإِنَّمَا انْحَصَرْ أَخِّرْ
مطلقًا بلا تفصيل، كل ما كان محصورًا بـ (إلاَّ) أو بـ (إِنَّمَا) لزم تأخيره.
إنما أعطيت درهمًا زيدًا، زيدًا محصور فيه، وحينئذٍ يلزم من هذا تقديم المفعول في المعنى على الفاعل في المعنى فيعكس، يقدم المفعول الثاني على المفعول الأول، وكذلك التزمه في الإعراب، تقول: ما أعطيت درهمًا إلا زيدًا، أعطيت: فعل وفاعل، ودرهمًا: مفعول ثاني، وزيدًا: مفعول أول مؤخر، وحكم التأخير هنا واجب؛ لكونه محصورًا فيه.
إذًا: كما إذا كان الذي هو فاعل في المعنى محصورًا نحو: ما أعطيت الدرهم إلا زيدًا، أو ظاهرًا والثاني ضميرًا متصلًا: الدرهم أعطيته زيدًا، مثل: ضربني زيد، ما حكم ضربني زيد؟ وجوب تقديم المفعول به على الفاعل وتأخير الفاعل، لماذا؟ لكون الفاعل اسمًا ظاهرًا والمفعول ضميرًا متصلًا، وحينئذٍ لا يجوز أن يقال: ضرب زيد إياي، لا يصح؛ لأنك لو أردت الترتيب الأصلي تقديم الفاعل على المفعول قلت: ضرب زيد إياي، إياي: هذا مفعول جاء في محله، لكن نقول: لا، هذا لا يجوز، متى ما تأتى وأمكن أن يؤتى بالضمير متصلًا فلا يعدل عنه إلى المنفصل، فتقول: ضربني زيد بتقديم المفعول به على الفاعل وجوبًا، الدرهم أعطيته زيدًا، زيدًا آخذ أو مأخوذ؟ آخذ، إذًا: هو فاعل في المعنى، أعطيته: الضمير يعود إلى الدرهم والدرهم مأخوذ.
إذًا: الهاء نقول: في محل نصب مفعول ثاني، وزيدًا: منصوب على أنه مفعول أول، تقدم المفعول الثاني على المفعول الأول، المفعول في المعنى على الفاعل في المعنى وجوبًا لكون المفعول الثاني ضميرًا متصلًا والمفعول الأول اسمًا ظاهرًا، وللقاعدة السابقة وَفِي اخْتِيَارٍ إلى آخره نقول: يجب أن يتصل الضمير بعامله، الدرهم أعطيته زيدًا.
[ ٥٢ / ٥ ]
أو ملتبسًا بضمير الثاني، نحو: أسكنت الدار بانيها، أسكنت بانيها الدار، باني هو الفاعل في المعنى هو الذي يبني، والدار: مفعول في المعنى مبنيًا، وهنا قال: أسكنت الدار بانيها؛ وجب تأخير المفعول الأول لاشتماله على ضمير يعود على المفعول الثاني وهو متأخر في اللفظ والرتبة، هذا الأصل، الأصل أسكنت بانيها الدار حينئذٍ وقعنا في محذور؛ وهو عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، في اللفظ نطق به متأخرًا، وفي الرتبة لأنه مفعول ثاني، ورتبة المفعول الثاني متأخرة عن رتبة المفعول الأول. إذًا: عاد الضمير على متأخر في الرتبة واللفظ، وهذا ممنوع إلا في ست مسائل، وحينئذٍ نقول: وجب تقديم المفعول الثاني الذي هو مفعول في المعنى على المفعول الأول وهو فاعل في المعنى.
أسكنت الدار بانيها، وحينئذٍ هذه ثلاث مسائل يجب فيها ترك الأصل، كما أن ثَمَّ ثلاث مسائل يجب فيها التزام الأصل.
فلو كان الثاني ملتبسًا بضمير الأول كما في: أعطيت زيدًا ماله، زيدًا: مفعول أول وهو فاعل في المعنى، ماله: مفعول ثاني، هل يصح أن يقال: أعطيت ماله زيدًا؟ يصح، ما وجهه؟ أعطيت ماله زيدًا، ماله: الضمير يعود على زيد، زيد أين هو؟ متقدم ومتأخر، متأخر في اللفظ ومتقدم في الرتبة، جائز أو لا؟ جائز، إذا عاد الضمير على متأخر في اللفظ دون الرتبة فهو جائز، في اللفظ دون الرتبة: «وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ» رَبُّهُ: هذا فاعل متصل بضمير يعود على إبراهيم، هنا مفعول به واجب التقديم؛ لأنه لو أخرته فقلت: (وإذ ابتلى ربه إبراهيم) عاد الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة وهذا ممنوع، وأما إذا عاد على متأخر في اللفظ دون الرتبة فهذا جائز.
إذًا: أحكام الضمير ثلاثة: إما أن يعود -وهو الأصل- أن يعود على متقدم في الرتبة واللفظ، وحينئذٍ نقول: هذا هو الأصل، مثل: إذا عاد على متقدم في اللفظ والرتبة: زيد ضربته، ضربته الضمير هنا يعود على متقدم في اللفظ والرتبة، اللفظ لأننا نطقنا به متقدمًا باعتبار النطق، وفي الرتبة لأنه مبتدأ والجملة خبر إذا رفعنا، زيد ضربته، فعاد الضمير على متقدم في الرتبة واللفظ.
على متأخر في اللفظ والرتبة، هذه الحال الثانية، هذا ممتنع لا يجوز إلا في ست مسائل ذكرناها عند قوله:
وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ
ست مسائل وسيأتي منها باب التنازع.
بقي حالة ثالثة وهي وسطى: أن يعود الضمير على متأخر في اللفظ دون الرتبة، رتبته متقدمة لكنه في اللفظ نطق به متأخرًا وحينئذٍ نقول: هذا جائز، مثل: أعطيت زيدًا ماله، ماله هذا ضمير يعود على متقدم في الرتبة واللفظ وهو زيدًا، أعطيت زيدًا ماله: الضمير يعود على زيد، وهو متقدم في الرتبة؛ لأنه مفعول أول، وماله: مفعول ثاني، وفي اللفظ نطق به متقدمًا، لو وسطته قلت: أعطيت ماله زيدًا؛ حينئذٍ عاد على متأخر في اللفظ دون الرتبة، لكونه متقدمًا في الرتبة، هذا نقول: جائز.
وَيَلْزَمُ الأَصْلُ لِمُوجِبٍ عَرَا وَتَرْكُ ذَاكَ الأَصْلِ حَتْمًا قَدْ يُرَى
وَتَرْكُ ذَاكَ الأَصْلِ: السابق، يعني: بتقديم المفعول في المعنى على الفاعل في المعنى قد يرى حتمًا يعني: محتومًا.
[ ٥٢ / ٦ ]
قال الشارح: أي يلزم الأصل وهو تقديم الفاعل في المعنى إذا طرأ ما يوجب ذلك وهو خوف اللبس، نحو: أعطيت زيدًا عمْرًا فيجب تقديم الآخذ منهما ولا يجوز تقديم غيره لأجل اللبس، إذ يحتمل أن يكون هو الفاعل، وإذا وقع الاحتمال حينئذٍ لا بد من الرجوع إلى الأصل.
وقد يجب تقديم ما ليس فاعلًا في المعنى وتأخير ما هو فاعل في المعنى، أعطيت الدرهمَ صاحبه، الدرهمَ بالنصب، أعطيت الدرهم صاحبه، صاحب هو آخذ، هو فاعل في المعنى، والدرهم مأخوذ.
إذًا: صاحب؛ هذا مفعول أول، والدرهم: مفعول ثاني، وجب تأخيره وتقديم المفعول في المعنى؛ لأنه اتصل بضمير يعود على متأخر في اللفظ والرتبة وهو ممنوع، ولا يمكن تصحيح هذا الكلام إلا بتأخير المفعول الأول ليعود على متقدم في اللفظ دون الرتبة، أعطيت الدرهم صاحبه؛ عاد على متقدم في اللفظ فحسب دون الرتبة، لأن رتبته متأخرة عنه، فلا يجوز تقديم صاحبه وإن كان فاعلًا في المعنى، فلا تقل: أعطيت صاحبه الدرهم لئلا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة وهو ممتنع، والله أعلم.
حكم المبتدأ مع خبره فيما سبق، إذا وقع مفعولين كحكم الفاعل في المعنى مع المفعول في المعنى، الحكم واحد، قد يجب التزام الأصل، قلنا: الأصل أن يكون المبتدأ هو المفعول الأول، -سبق تقريره-، والخبر هو المفعول الثاني، قد يجب التزام الأصل وقد يمتنع، فالأحوال ثلاثة حينئذٍ وتؤخذ أحكامها مما سبق.
ظننت زيدًا قائمًا، زيدًا: هذا مفعول أول، لماذا حكمنا عليه بأنه مفعول أول؟ لأنه مبتدأ ليس فاعلًا في المعنى، ما كان أصلهما المبتدأ والخبر لا نقول فاعل في المعنى، إذًا: ظننت زيدًا، زيدًا حكمنا عليه بأنه مفعول أول لكونه مبتدأ في المعنى، وقائمًا: مفعول ثاني لكونه خبر، ورتبة المبتدأ متقدمة على رتبة الخبر، هل يجوز: ظننت قائمًا زيدًا؟ يجوز، ليس فيه لبس؛ لأنه يعلم الأول من الثاني، المحكوم عليه من المحكوم به.
ووجوبه في نحو: ظننت زيدًا عمْرًا، زيدًا: هذا مفعول أول، وعمْرًا: مفعول ثاني، في أصلهما مبتدأ وخبر، زيد عمرو قلنا: يصح أو لا؟ السيهلي قال: لا، لا تختص هذه الأفعال بدخولها على المبتدأ والخبر، وعرفنا أن الصواب أنها خاصة بالمبتدأ والخبر، وزيد عمروٌ المراد به: زيد كعمْرٍ، وهذا مبتدأ وخبر، وحينئذٍ المراد به التشبيه، فلا يجوز تقديم المفعول الثاني على الأول لئلا يلتبس؛ لأن ثَمَّ فرقًا بين قولك: زيدٌ كعمروٍ وبين قولك: عمروٌ كزيدٍ، فرق بين المشبه والمشبه به، تشبه من بمن؟ لا شك أن المشبه أدنى من المشبه به، -هذه قاعدة- إلا على التشبيه المقلوب.
فزيد كعمروٍ حينئذٍ نقول: يلتزم فيه تقديم المبتدأ على الخبر، ولا يصح أن يقال: عمروٌ كزيدٍ، إذا دخلت (ظن) عليه حينئذٍ نقول: ظننت زيدًا عمْرًا على التشبيه أيضًا، فلا يجوز أن يتقدم المفعول الثاني وهو عمْرًا على الأول، لماذا؟ لوقوع اللبس.
وامتناعه في نحو: ظننت في الدار صاحبها، ظننت صاحبها في الدار، في الدار هذا لا يمكن أن يكون مبتدأً؛ لأنه شبه جملة، وشبه الجملة لا يقع مبتدأً البتة؛ لأنه متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف إما أن يكون اسم فاعل وإما أن يكون اسم مفعول، وعليهما لا يصح أن يكون مبتدأً.
[ ٥٢ / ٧ ]
إذًا: الظرف والجار والمجرور لا يصح واحد منهما أن يعرب مبتدأً البتة.
إذًا: ظننت في الدار صاحبها؛ الأصل قبل دخول (ظن): صاحبُها في الدار، عاد الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة، صاحبُها: مبتدأ وهو مضاف والهاء مضاف إليه، في الدار: هذا جزء خبر؛ لأنه متعلق بمحذوف -بعض الخبر-.
إذًا: عاد الضمير على بعض الخبر.
كَذَا إذا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ مِمَّا بِهِ عَنْهُ مُبِينًا يُخْبَرُ
حينئذٍ عاد على بعض الخبر، على ملابس الخبر.
لتصحيح هذا التركيب، وهو امتناع عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة وجب تقديم الخبر، في الدار صاحبها؛ نقول: هذا من المواضع التي يجب فيها تقديم الخبر على المبتدأ، وتأخير المبتدأ.
إذا دخلت (ظن) على هذا التركيب وهو مبتدأ وخبر التزم الأصل قبل دخول (ظن) لأن الحكم واحد، ولذلك سبق أن ما ثبت في باب المبتدأ والخبر، عينه ما ثبت في باب كان وأخواتها وإن وأخواتها وظن وأخواتها، هذا هو الأصل إلا ما اختصت به الأبواب في بعض المسائل والأحكام المخالفة للأصل، وإلا الأصل واحد.
صاحبها في الدار، ظننت صاحبها في الدار، ظننت في الدار صاحبها؛ وجب التقديم كما وجب في الأصل.
إذًا: (ظن وأخواتها) كذلك الحكم فيها سيان، ولكن الناظم هنا ذكر ما يتعلق بمفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأن مفعولي (ظن وأخواتها) يعلم مما سبق، وإلا الأصل أن هذه الأحكام الثلاثة: التزام الأصل، امتناع التزام الأصل، جواز الوجهين؛ هذه تسري في النوعين: ما كان أصلهما المبتدأ والخبر، وما ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فليس الحكم خاصًا بهذه المفاعيل، فلا يظن شيء.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ
أَجِزْ: فعل أمر.
وَحَذْفَ: هذا مفعول به متقدم.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: أجز حذف فضلة، حذف فضلة أجز لا غيره، للاهتمام أو للحصر؟ هذا ينبني على مسألة: وهو أن العمدة -ما ليس فضلة-، وسيأتي تفسيره، العمدة كالفاعل هل يجوز حذفه أو لا؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنه عمدة، والعمدة لا يجوز حذفها، هذا على مذهب البصريين، وأجاز الكسائي ومن تبعه، جواز حذف العمدة الفاعل، وعلى رأي المصنف: وهو أن الفعل يتلوه فاعل، فإن لم يكن وجب الاستتار، حينئذٍ يدل على أن الناظم يرى عدم جواز حذف الفاعل:
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ فَإنْ ظَهَرْ فَهْوَ وَإلاّ -إن لم يظهر، ما قال: اتركه محذوفًا- فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ: دل على أنه لا بد منه، إما ظاهرًا وإما مستترًا، إذًا: لا يجوز حذفه البتة عند المصنف إلا المسائل المستثناة التي ذكرناها سابقًا.
إذًا: قوله: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: للحصر لا للاهتمام، حذف فضلة لا عمدة، أجز حذف فضلة، وأما العمدة فلا يجوز حذفها، والفضلة اشتهر عند النحاة بأنه خلاف العمدة كما قال ابن عقيل، والعمدة ما لا يستغنى عنه، يعني: لا يصح الكلام بدونه، لا يستغنى عنه، مثل: الفاعل ونائبه والفعل والمبتدأ والخبر، هذا لا يستغنى عنه؛ لأن أقل الكلام يتألف من ماذا؟
أقَلُّ مَا مِنْهُ الْكَلامَ رَكَّبُوا اسْمَانِ أَوْ اسْمٌ وفِعْلٌ كَاْرْكَبُوا
[ ٥٢ / ٨ ]
إلى هنا الصحيح، ما بعده لا، وحينئذٍ نقول: أقل ما يتألف منه الكلام اسمان أو اسم وفعل، وفي الجملة الاسمان مبتدأ وخبر، والاسم والفعل، فعل مبني للمعلوم وفاعله أو مبني لما لم يسم فاعله ونائبه، إما هذا أو ذاك.
إذًا: المبتدأ عمدة فلا يجوز حذفه، هذا الأصل إلا بدليل –قرينة-، هذا لا إشكال فيه، والكلام فيما هو بدون قرينة، والخبر عمدة، الفاعل عمدة، فعله رافعه عمدة، نائب الفاعل عمدة كذلك رافعه عمدة.
ما عدا هذا عندهم يسمى فضلة، ولذلك قال: والعمدة ما لا يستغنى عنه، يعني: في أقل ما يتألف منه الكلام، والفضلة: ما يمكن الاستغناء عنه كالمفعول به، ما يمكن الاستغناء عنه هذا يسمى فضلة، هذا المشهور عند النحاة، ولكنه هذا الحد ضعيف، والصواب أن يقال: الفضلة ما ليس ركنًا في الإسناد، والعمدة ما هو ركن في الإسناد، ركن في الإسناد يعني: يزول الكلام لأن هذا شأن الركن، تزول الماهية بزواله:
وَالرُّكنُ جُزءُ الذَّاتِ وَالشَّرطُ خَرَج.
وحينئذٍ نقول: الركن داخل في الماهية، إذا زال زالت الماهية، فما كان داخلًا في أصل الكلام هو المبتدأ والخبر والفعل وفاعله أو نائبه، نقول: هذا يسمى عمدة.
إذًا: ما ليس ركنًا في الإسناد هو الفضلة، والركن الفعل والفاعل أو نائبه والمبتدأ والخبر.
إذًا: ما ليس ركنًا في الإسناد هذا يشمل ما يمكن الاستغناء عنه وما لا يمكن؛ لأن بعض الفضلات لا يصح الاستغناء عنها البتة، لا يمكن ولو كانت فضلة، لو حكم عليها فضلة، ولذلك الحال باتفاق أنها فضلة، «وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا» مرحًا ما إعرابه؟ حال، يستغنى عنه؟ لا يستغنى عنه، لو استغني عنه حذف تقديرًا: (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ) قف مكانك، صار النهي عام عن كل مشي مع كون الحال هنا مقيدة للعامل: «وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا» غير المرح مباح ليس منهيًا عنه، إذًا: يستغنى عنها؟ يستغنى عن الحال؟ لا يستغنى عنها مع كونها فضلة، والصواب: أنه لا يعرَّف الفضلة بكونه ما يمكن الاستغناء عنه؛ لأن بعض أنواع التمييز قد يستغنى وبعضه لا يستغنى، كذلك النعت والبدل وعطف البيان بعضهم قد لا يستغنى عنه وهي فضلات، كلها فضلات، كل ما عدا باب المبتدأ والخبر والفعل والفاعل ونائب الفاعل كلها فضلات، المنصوبات كلها فضلات والمجرورات كلها فضلات، هذا لا يمكن أن يقال: كلها يستغنى عنها بالكلام، لا، نقول: منه ما يستغنى عنه يصح الكلام بدونه ومنها لا، وحينئذٍ نقول: الصواب أن الفضلة ما ليس ركنًا في الإسناد، والركن المراد به الفعل والفاعل أو نائبه المبتدأ والخبر، وما عدا ذلك فضلات سواء استغني عنها أم لا.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ: لكن مراده بالفضلة هنا، وحذف فضلة المراد به: ما عدا مفعولي باب (ظن) مما ليس بعمدة؛ لأنه سبق أن باب (ظن) للمفعولين حكم خاص، قال: ولاَ تُجِزْ هُنَا، يعني: في باب (ظن) بِلاَ دَلِيلِ سُقُوطَ مَفْعْولَيْنِ أوْ مَفْعُولِ
إذًا: لهما حكم خاص من جهة الاقتصار والاختصار على ما بيناه سابقًا.
[ ٥٢ / ٩ ]
هنا قال: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ؛ المراد به: المفعول من غير باب (ظن)؛ لأنه قد يقال: بأن الناظم قد يعمم، إذا لم يقيد الحكم ببابه قلنا: قد يستفاد منه التعميم، إذًا قال: وَشَاعَ فِي ذَا البَابِ هذا الباب، إذًا حكم خاص.
ولاَ تُجِزْ هُنَا: أي في هذا الباب، وإذا عمم –أطلق-، فالظاهر أنه يريد الأبواب كلها.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ زَيْدٌ
وحينئذٍ نقول: هذا حكم عام، هذا الظاهر، هنا قال: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ؛ الظاهر أنه عام، إذًا: لا بد من تقييده بما عدا مفعولي (ظن)، لماذا؟ لأن (ظن) أصل المفعولين المبتدأ والخبر، فهما عمدة لا يستغنى عنهما، هذا الأصل، وأما باب (كسا وأعطى) هذا سيأتي أنه يجوز حذف المفعولين اقتصارًا واختصارًا، بخلاف باب (ظن) فالحكم يختلف؛ لأن المفعول الأول في باب (ظن) مبتدأ فهو عمدة، ولذلك العمدة قد يكون عمدة في الحال وقد يكون عمدة باعتبار الأصل، عمدة في الحال: زيد قائم، زيد عمدة في الحال الآن يعني في النطق، وقائم: هذا عمدة كذلك خبر حال، ظننت زيدًا قائمًا، نقول: زيدًا هذا عمدة باعتبار الأصل، وقائمًا: هذا عمدة باعتبار الأصل،، إذًا: النظر في العمدة يكون من جهتين.
إذًا: قوله: أجز حذف فضلة، المراد بالفضلة: ما ليس بعمدة.
أَجِزْ: اختصارًا أو اقتصارًا، يعني: يجوز حذف الفضلة سواء كان من باب الاقتصار أو الاختصار، وقلنا: الفرق بينهما أن حذف الاقتصار بالقاف هو حذف بلا دليل، بلا قرينة، تحذفها هكذا ولا يدل عليها شيء، والاختصار لا يكون الحذف إلا بدليل.
إذًا: فرق بين النوعين.
هنا حكم عام قال: أَجِزْ؛ فالجواز مطلق، وحينئذٍ أجاز الحذف مطلقًا سواء كان من باب الاقتصار أو من باب الاختصار، سواء كان دال عليه دليل بعد الحذف أو لا، مطلقًا، لو قال: ضربت وسكت نقول: يجوز، يجوز أن يحذف المفعول به ولو لم يذكره ولو لم يعلمه السامع، لماذا؟ لأنه فضلة وليس عمدة في الأصل، فيقول: ضربت، لكن ظننت قائمًا؛ لا، ظننت زيدًا، لا، لا بد من دليل؛ لأن أصل زيدًا من ظننت زيدًا وقائمًا كذلك أصله عمدة، فلا يجوز حذفه إلا بدليل على التفصيل السابق الذي ذكرناه فيما سبق.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: مراده بالجواز هنا عدم الامتناع، الجواز المراد به عدم الامتناع، فيصدق بالوجوب، يعني: يجب الحذف، وهذا سيأتينا مثاله في باب التنازع، فيصدق بالوجوب: ضربت وضربني زيد، ضربت، ضربته وضربني زيد؛ حُذف الضمير من الأول وجوبًا.
إذًا: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: المراد به ما يقابل المنع، فيصدق بالوجوب.
إذًا: حذف الفضلة قد يكون جائزًا وقد يكون واجبًا، واجبًا في مثل: ضربت وضربني زيد، ضربتُ هذا محل الشاهد، الأصل: ضربته؛ حذف الهاء وجوبًا كما سيأتي في باب التنازع.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ
[ ٥٢ / ١٠ ]
يَضِرْ: بكسر الضاد ويجوز ضمها: يضُر، يضِر يضُر، يجوز ضمها على أن الفعل أجوف واوي، أو على أنه مضعف وُقِف عليه في القافية بالتخفيف، بالسكون يعني، ضرَّ يضِرُّ يضرَّ لكن الكسر أنسب هنا؛ لأنه قال: أَوْ حُصِرْ، يضُر يضِر يجوز الوجهان، لكن يضِر أنسب لئلا يحصل التباس بين نهاية الشطر الأول والثاني، لأنه قال: حُصِرْ يَضِرْ.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ إِنْ لَمْ يَضِرْ: حذفها كما هو الأصل، الأصل فيها عدم الإضرار بعد الحذف، وإنما يكون الحذف لعلة، هذا الأصل فيه، فكل ما ذكر من الأغراض اللفظية أو المعنوية لحذف الفاعل هي عينها في حذف المفعول مطلقًا، حذف الفضلة، إن لم يضر حذفها، وحينئذٍ حذف الفضلة إما لغرض لفظي وإما لغرض معنوي، لغرض لفظي كتناسب الفواصل، قالوا: «مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى» ما قلاك، حذف المفعول قلاك، حذف من أجل التناسب، تناسب الفواصل، وهذا غرض لفظي.
«إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى» لمن يخشاه، حذف المفعول به لأجل التناسب.
والإيجاز كما: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا» تفعلوا ماذا؟ «وَلَنْ تَفْعَلُوا» ماذا؟ حذف المفعول في الفعلين من أجل الإيجاز.
وإما معنوي كاحتقاره، كما في قوله تعالى: «كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ» أي الكافرين، حذف المفعول به قيل: لاحتقاره هنا.
أو استهجانه، أو العلم به، أو الجهل به، أو تعظيمه، أو الخوف منه، فيحذف المفعول لما يحذف له الفاعل من الأغراض اللفظية أو المعنوية السابقة.
إِنْ لَمْ يَضِرْ: فإن ضر حينئذٍ امتنع حذفه، فإن ضر امتنع حذفه.
كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
كَحذْفِ: المثال هنا لأي شيء؟ إن لم يضر أو لما ضر؟ ظاهر الكلام هنا:
إِنْ لَمْ يَضِرْ كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
ظاهر الكلام أنه لما لم يضر، لكن الظاهر الصحيح عكسه، كأن التقدير: إن لم يضر فإن ضر امتنع وذلك كحذف، وحينئذٍ التمثيل هنا للحذف الضار.
كَحذْفِ مَا: يعني فضلة.
سِيقَ جَوَابًا: سيق هذا مغير الصيغة، مثل قيل ساق يسوق سُوِقَ هذا الأصل، سيق بكسر السين، ساق يسوق أي: باب قال يقول.
جَوَابًا: هذا مفعول ثاني لسيق، وسيق هذا فيه نائب فاعل.
كَحذْفِ مَا: يعني مفعول.
سِيقَ جَوَابًا؛ لسؤال سائل: من ضربت؟ ضربت زيدًا، فيصح أن يقول: ضربت زيدًا ويصح أن يقول: زيدًا، المهم أن يذكر المفعول به سواء ذكر الناصب أو لا.
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِما
فحينئذٍ لا بد أن نقول: زيدًا، لو قيل له: من ضربت؟ قال: ضربت وحذفه ما استفدنا شيء، ما حصل الجواب. إذًا: لا بد أن يحصل الجواب بذكر المفعول، والمفعول به هنا فضلة ولا يستغنى عنه، لا يمكن أن يستغنى عنه؛ لأنه لم يحصل الجواب إلا بذكره بقطع النظر عن العامل ذكر أو لا.
إذًا: كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا: لسؤال سائل: من ضربت؟ ضربت زيدًا، أو زيدًا، وحينئذٍ نقول: زيدًا هذا مفعول به لا يجوز حذفه واجب؛ لأنه لو حذف ضر، ضر بماذا؟ لم يحصل الجواب للسؤال، فبقي السؤال معلقًا دون الجواب، وهذا باطل.
[ ٥٢ / ١١ ]
أَوْ حُصِرْ: يعني حصر المفعول به، كان محصورًا فلا يجوز حذفه، مثل ما ضربت إلا زيدًا، زيدًا هذا مفعول به محصور بعد (إلا) لا يجوز حذفه، لا تقول: ما ضربت إلا زيدًا، بمعنى: أنه نفي الضرب مطلقًا عن غير زيد وأُثبت لزيد. ما ضربت إلا زيدًا؛ أُثبت الضرب لخصوص زيد ونفي عما عداه، لو قال: ما ضربت وحذف المفعول به نفي الضرب مطلقًا وهو قد ضرب زيد، إنما ضربت زيدًا، زيدًا هذا محصور فيه، لا يصح أن نقول: إنما ضربت، ضربت من؟ كل الناس، هذا ممتنع، بعض الناس، من هم؟ لا بد من التعيين.
أو حُذف عامله، نحو: إياك والأسدَ، احذر، تحذير، هذا منصوب على التحذير، إياك: هذا مفعول به لفعل محذوف وجوبًا، هل يجوز حذفه؟ لا يجوز حذفه.
إذًا: في هذه المواضع الثلاث لا يجوز حذف الفضلة البتة؛ إذا كان جوابًا لسؤال، أو كان محصورًا، أو كان منصوبًا على التحذير أو الإغراء.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ
قوله: فَضْلَةٍ؛ عرفنا الآن بالأمثلة السابقة المفعول الواحد.
قوله: فَضْلَةٍ؛ يشمل المتعدي إلى واحد، نحو: ضربت، والأمثلة السابقة عليه، ويدخل فيه أيضًا يدخل فيه الأول من المتعدي إلى الاثنين، مثل «وَأَعْطَى قَلِيلًا» قَلِيلًا هذا مفعول ثاني حذف الأول، وأعطاك، أو أعطاه نقول: هذا حذف فيه الأول، والثاني كقوله: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ» يعطيك ماذا؟ حذف، حُذف الثاني، «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ» والأول والثاني معًا، نحو: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى» فهذا يجوز حذف المفعولين اقتصارًا واختصارًا، «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى» أعطى يتعدى إلى اثنين، أين المفعولان؟ لم يذكرا.
ويجوز حذفهما ولو بدون قرينة، ولو لم يعلمه السامع، لا يشترط فيه ذكر قرينة إلا في باب (ظن)؛ لأنه عمدة في الأصل، وأما هذا لا، هذا داخل في قوله: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ؛ فهو مطلق.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
الفضلة خلاف العمدة، والعمدة: ما لا يستغنى عنه. وهذا ليس بجيد؛ لأن ما لا يستغنى عنه قد يكون فضلة، ومثله ما كان واقعًا في جواب سؤال، زيدًا لا بد منه لا يستغنى عنه، ما ضربت إلا زيدًا؛ هذا لا يستغنى عنه وهو فضلة عندهم، وحينئذٍ ما لا يستغنى عنه فيه نظر.
والفضلة ما يمكن الاستغناء عنه كالمفعول به، فيجوز حذف الفضلة إن لم يضر، كقولك في ضربت زيدًا: ضربتُ، جائز هذا، تقول: ضربت، أكلت، ليس شرطًا أنك تخبر الناس ماذا أكلت، تقول: أكلت والحمد لله، وحينئذٍ تحذف المفعول ولا يشترط ذكره، قد لا يعلم السامع بالمفعول، لا يشترط فيه قرينة، وحينئذٍ نقول: أكلت، ضربت، شربت، يكفي، شربت ماذا؟ تحذف المفعول ولا تخبر، نقول: هذا حذف فيه المفعول بدون قرينة ولا يشترط فيه قرينة.
[ ٥٢ / ١٢ ]
وكقولك في أعطيت زيدًا درهمًا: أعطيتُ، أعطيتُ زيدًا درهمًا؛ حذفت المفعولين، اقتصارًا أو اختصارًا جائز، ومنه قوله تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى» حذف المفعولين، وأعطيت زيدًا: هذا حُذف الثاني، ومنه قوله تعالى: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ» يُعْطِيكَ رَبُّكَ؛ حذف الثاني، وأعطيت درهمًا أعطيت من؟ هذا لا يشترط فيه ذكره، أعطيت درهمًا المراد: أني أخبرك أني أعطيت درهمًا، أعطيت من؟ هذا ليس إليك، لا يشترط فيه أن يكون عالمًا بالمحذوف.
ومنه: «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ» حتى يعطوكم الجزية.
فإن ضر حذف الفضلة لم يجز حذفها كما إذا وقع المفعول به في جواب سؤال نحو: أن يقال: من ضربتَ؟ فتقول: ضربت زيدًا، أو وقع محصورًا: ما ضربت إلا زيدًا، فلا يجوز حذف زيدًا في الموضعين إلا يحصل في الأول الجواب ويبقى الكلام في الثاني دالًا على نفي الضرب مطلقًا، والمقصود نفيه عن غير زيد فلا يفهم المقصود عند حذفه.
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا، أولًا قال: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ يعني: المفعول به ما عدا مفعولي ظن، هذا الكلام في المفعول نفسه، والمفعول لا بد أن يكون منصوبًا بعامل، والعامل قد يكون اسمًا وقد يكون فعلًا، وحينئذٍ نقول: يجوز حذف الناصب، الآن الكلام في الناصب ليس في الفضلة، وإنما ما نصب الفضلة، هل يجوز حذفه أم لا؟ الأصل الجواز، لكن بشرط أن يدل عليه دليل، هنا اشترطنا القرينة مع الحذف، يعني: لا يحذف إلا بقرينة، وفي السابق قلنا: لا يشترط فيه قرينةك
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: مطلقًا بلا دليل وبدليل اقتصارًا واختصارًا، هنا لا، لا يحذف اقتصارًا وإنما يحذف اختصارًا وهو ما كان بدليل، لماذا؟ لأن السابق ليس عمدة فلا يجب ذكره، هذا الأصل.
وأما الناصب إذا كان فعلًا فهو عمدة، والعمدة لا يحذف بلا دليل، ولذلك قال هنا:
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِما
لا بد من هذا القيد، فإن لم يعلم لا يجوز حذفه البتة.
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا
النَّاصِبُهَا: الغلامُ زيدٍ، يصح؟ هل يصح دخول ناصبها؟ ناصبها: مضاف ومضاف إليه، الإضافة لا تجامع (أل)، الغلامُ زيدٍ هذا لا يصح، كونه وصفًا، وهذا سيأتينا إن شاء الله.
وَوَصْلُ (ألْ) بِذَا المُضَافِ مُغْتَفَرْ، فيه شروط.
إذًا: النَّاصِبُهَا: يعني الذي نصبها، هذا مراده؛ لأنه في قوة الجملة الفعلية.
[ ٥٢ / ١٣ ]
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا: يعني ناصب الفضلة، فالضمير هنا يعود على قوله: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ، على المضاف إليه، فأعاد الناظم هنا الضمير على المضاف إليه، وهذا على الصحيح أنه جائز، أنه يجوز عود الضمير على المضاف إليه، وقيل: لا؛ لأن المضاف إليه كجزء من كلمة، كالدال من زيد والياء من زيد، فلا يجوز عود الضمير على بعض الكلمة، والمضاف والمضاف إليه بعد الإضافة صار كجزءٍ واحد، وحينئذٍ نقول: عود الضمير على المضاف إليه كعوده على دال زيد، والصواب: لا؛ لأن غلام زيد وإن كان في المعنى كالكلمة الواحدة إلا أنه في الحقيقة كلمتان، بدليل: إجراء الإعراب على محلين، جاء غلام زيد، كم إعراب هنا؟ غلام زيد كم إعراب؟ فيه إعرابان، فيه محلان: أولًا: غلامُ على أنه فاعل، والمقتضي للرفع هو جاء، والميم حرف الإعراب، يعني محل الإعراب. زيدٍ: مضاف إليه، هذا مجرور. إذًا: الأول مرفوع والثاني مجرور اختلفا، فدل على أنهما ليسا كلمة واحدة حقيقية، حينئذٍ لا بد من الفصل.
إذًا: وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا أعاد الضمير على المضاف إليه وهو جائز.
وَيُحْذَفُ: هل المراد بالحذف هنا الحذف الواجب أم الجائز؟ الجائز، لماذا؟ وَقدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا، دل على أن المراد بقوله: وَيُحْذَفُ؛ جوازًا، ولا يشمل الواجب؛ لأنه فصله عنه.
وَيُحْذَفُ: أي يجوز حذفه؛ لأنه في مقابلة الحذف الواجب.
النَّاصِبُهَا: يعني الذي نصبها.
إِنْ عُلِمَا: يعني بالقرينة، إن علما بالقرينة، وإذا حذف فقد يكون حذفه جائزًا نحو: «قَالُوا خَيْرًا» «مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا» يعني: أنزل ربنا خيرًا، خَيْرًا هذا مفعول به حُذف ناصبه، هل دل عليه دليل؟ نقول: نعم، لا بد من دليل. «قالوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا» يعني: أنزل خيرًا، قالوا: أنزل خيرًا. «وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ» يعني: بل أتبع ملة إبراهيم، فملة نقول: هذا منصوب على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره: أتبع.
القرطاسَ، إذا رأيت رجل يسدد سهمًا، القرطاسَ: هذا مفعول به لفعل محذوف جوازًا.
إذًا: وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا
نقول: اشترط في حذف الناصب علمه دون حذف الفضلة؛ لأنه أحد ركني الإسناد وعمديته، فلا يستغني الإسناد عنه حتى يحذف بلا دليل بخلاف الفضلة، الفضلة يحذف بدليل وبدون دليل، وأما ناصب الفضلة فلا يحذف إلا بدليل؛ لأنه عمدة وركن في الإسناد.
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا
وإذا أردنا تقديره حينئذٍ، قلت مثلًا: زيدًا، ضربت من؟ زيدًا، حذفت، إذا أردت تقديره أين تقدره، متأخر أو متقدم؟ متقدم، لماذا؟ لأنه الأصل، بقطع النظر عن كونه مطابقًا للسؤال. ضربتَ من؟ من ضربتَ؟ زيدًا، الأصل في المعمول أن يكون متأخرًا عن العامل، فإذا جئت تقدره حينئذٍ تقدم العامل على المعمول، فتقول: ضربتُ زيدًا، وكذلك في قوله: «قَالُوا خَيْرًا» المفعول به يجوز تقديمه على العامل، خيرًا أنزل، أنزل خيرًا؛ يجوز الوجهان، لكن لا تقدره إلا قبله؛ لأنه عامل وهو الأصل.
[ ٥٢ / ١٤ ]
وإذا حُذف فالأصل تقديره في مكانه الأصلي، إذا حذف الناصب حينئذٍ تقدره في مكانه الأصلي، ما هو مكانه الأصلي؟ التقديم؛ لأن العامل رتبته مقدمة على المعمول، لأن العامل يقتضي، يطلب، وحينئذٍ نحتاج إلى أن يكون متقدمًا على معموله، إلا لمانع أو مقتضي، إلا لسبب يعني، فإن وجد السبب حينئذٍ لا نقدره في مكانه الأصلي بل نؤخره، فالأول الذي هو لمانع نحو: أيَّهم رأيته، نقول: هذا من باب الاشتغال، أيَّ: بالنصب، إذا جئنا نقدر لا نقول: (أيَّ) منصوب بفعل محذوف تقديره: رأيت أيَّ؛ لا، تؤخره، أيَّهم رأيتَ، رأيتَه؟ فإذا جئت تقدر تجعله بعد المفعول به، لماذا؟ لأن أيَّهم الاستفهام له الصدارة في الكلام، فلا يتقدم عليه عامله، ولذلك نقول هنا: يقدر لمانع، يقدر في غير مكانه الأصلي بأن يكون تاليًا لمعموله، وليس معمولُه تاليًا أو تابعًا له، فلا تقل: رأيت أيَّهم، وإن كان هذا هو الأصل لأنه مفعول به، لكن نقدره متأخرًا لما ذكرناه.
أيَّهم رأيته؛ إذ لا يعمل في الاستفهام ما قبله لأن لها حق الصدارة.
ونحو: «وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ» وَأَمَّا ثَمُودَ بالنصب، قراءة من نصب، وحينئذٍ نقول: ثمودَ هذا مفعول به لفعل محذوف تقديره: أما ثمود هدينا فهديناهم، نؤخره؛ لأن (أَمَّا) لا يتلوها فعل لا لفظًا ولا مقدرًا، وحينئذٍ خالفنا لمانع، لوجود (أما)، فنقول: أما ثمود هدينا لا نقول: هديناهم، لا، هديناهم نحتاج تقدير آخر. ثمودَ هدينا هديناهم، إذًا: دل عليه المذكور لكن لا يتقدم على المفعول، إذ لا يلي (أما) فعل.
كذلك نحو: في الدار زيد، أين نقدر؟ إذا أردنا أن نجعل زيد مبتدأ قطعًا لا يحتمل غيره، وفي الدار خبر وقلنا: الخبر هنا متعلق بـ استقر على الصحيح مثلًا، كيف نقدر؟ في الدار: جار ومجرور متعلق بمحذوفٍ خبر تقديره: في الدار زيد استقر، هكذا تقدره: في الدار زيد استقر؛ لأنك لو قلت: استقر في الدار؛ صار زيد فاعل، وإذا أردته مبتدأ حينئذٍ تقدَّم الفعلُ -الجملة الفعلية- على المبتدأ، وإذا قلت: في الدار استقر زيد لم تخرج عن المشكلة، ولا تخرج عنها إلا بتأخير التقدير، فتقول: في الدار زيد استقر، ولذلك في الدار زيد قلنا: يجوز فيه وجهان: زيد على أنه مبتدأ، حينئذٍ إذا قدرنا المتعلق وجب تأخيره، وإذا قلنا: فاعل؛ حينئذٍ يجب تقديمه إلا على مذهب الكوفيين من جواز تقدم الفاعل على الفعل، فإذا أعربنا زيد فاعل هكذا نقول: في الدار متعلق بـ استقر، تقديره: استقر في الدار زيد، فزيد: فاعل، وفي الدار: متعلق به. أو تقول: في الدار استقر زيد، زيد: فاعل. هذا واضح بين.
في الدار زيد استقر؛ على مذهب البصريين يتعين أن يكون زيد مبتدأ، وعلى مذهب الكوفيين من جواز تقدم الفاعل على الفعل يجوز فيه الوجهان.
إذًا: في الدار زيد نقول: يجب تأخير متعلق الجار عن زيد إن قدرته فعلًا؛ لأن الخبر الفعلي لا يتقدم على المبتدأ في مثل هذا، ونحو: إنَّ خلفك زيدًا، هذه المواضع نذكرها استثناءً من الأصل، الأصل أنه إذا حذف الناصب –متعلَّق- إذا حذف أن يقدر، ويقدر قبل المعمول، زيدًا ضربت زيدًا، إلا في بعض المسائل يؤخر عنه.
[ ٥٢ / ١٥ ]
إنَّ خلفك زيدًا، ما إعراب إن خلفك زيدًا؟ إن: حرف نصب، خلفك: ظرف متعلق بمحذوف.
قدره فعلًا، لو قلت: (إنَّ استقر خلفك) مشكلة هذه، دخلت (إنَّ) على الجملة الفعلية، ثم إذا جعلته أيضًا خبرًا مقدمًا سبق معنا: وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ، فالخبر إذا كان جملة فعلية لا يتقدم على الاسم.
إذًا: يتعين أن تقول: إن خلفك زيدًا استقر، تؤخره؛ لأنه هو الخبر، والخبر إذا كان جملة ولم يكن ظرفًا أو جارًا ومجرورًا لا يجوز أن يتقدم على الاسم.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إلاَّ فِي الَّذِي كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي
خبر إِنَّ لا يتقدم على اسمها، إلا إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، فإذا قدرته: إن استقر خلفك زيدًا؛ صار جملة فعلية، فصل بين (إن واسمها) وهذا ممتنع، أو: إن خلفك استقر زيدًا كذلك، وحينئذٍ يتعين تأخيره: إن خلفك زيدًا استقر، لئلا يلي (إن) الفعل؛ لأنه ممنوع.
ونحو: إن خلفك زيدًا، فيجب تأخير المتعلَّق مطلقًا اسمًا كان أو فعلًا؛ لأن مرفوع (إنَّ) لا يسبق منصوبها مطلقًا، إلا إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا ثم هو متعلق بمحذوف.
إذًا: لا بد من تأخيره عند التقدير، بخلاف: كان خلفك زيد، زيد: اسم كان، وخلف: متعلق بمحذوف خبر (كان)، تقديره: كان استقر خلفك زيد، يصح؟ يصح؛ لأنه يجوز الفصل بين (كان) واسمها بالجملة الفعلية، لما جاءت جاز التقدير وهو الأصل في محله، فيجوز تقديم المتعلَّق ولو كان فعلًا؛ لأن خبر (كان) يجوز تقديمه مع كونه فعلًا، والثاني الذي هو لمقتضي، هذا لمانع، قلنا: يتأخر.
المقتضي مثل البسملة ليس فيه مانع، وإنما ثَمَّ معنىً يقتضي تأخير المتعلق: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقرأ، قلنا دائمًا في شرح البسملة: الجار والمجرور متعلق بمحذوف فعل، قلنا: متأخر، هذا هو الشاهد، متأخر، لماذا متأخر؟ يمتنع تقديمه؟ لا، لا يمتنع، ليس ثَمَّ مانع من تقديمه، وإنما المعنى الذي نريده وهو الحصر لا يحصل إلا بالتأخير، إفادة الحصر.
إذًا: وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا: بالقرينة.
عُلِمَا: الألف هذه للإطلاق، فإن لم يعلم لا يجوز حذفه؛ لأنه ركن في الإسناد، ثم إذا أردنا حذفه لقرينة، ثم أردنا تقديره فالأصل أنه يكون متقدمًا على الفضلة، هذا هو الأصل، إلا لما ذكر من المواضع فحينئذٍ يعدل عن الأصل.
وَقدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا: الألف هذه للإطلاق.
[ ٥٢ / ١٦ ]
وَقدْ يَكُونُ حَذْفُهُ: قد للتقليل أو التحقيق؟ يحتمل هذا ويحتمل ذاك، يحتمل أنها للتقليل ويحتمل أنها للتحقيق، إن أريد الحكم نفسه، هو نفسه في عينه دون اعتبار بالسابق فهي للتحقيق، يعني: الحكم محقق هذا، موجود في لسان العرب أن يحذف الناصب ويكون حذفه واجب، لكن لو نظرنا إلى قوله: وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا الحذف الجائز هنا، فإذا بالحذف الجائز كثير، والحذف الواجب قليل، صارت (قد) هنا للتقليل، وحينئذٍ يكون فيه استعمال الحرف الواحد مشترك في معنيين، وهذا الصواب أنه جائز، عند الأصوليين الصواب أنه يجوز حذف المشترك في معنييه إن لم يكن بينهما تنافي: «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» نقول: هنا مشترك ولا يجوز حمله على معنيين؛ لأنهما متضادان.
وأما إذا لم يكونا متضادين فالصواب الجواز، وعليه الشافعي رحمه الله تعالى.
وَقدْ يَكُونُ حَذْفُهُ: أي حذف الناصب.
مُلْتَزَمَا: يعني واجبًا، كما في باب الاشتغال:
فَالسَّابِقَ انْصِبْهُ بِفعْلٍ أُضْمِرَا حَتْمًا
إذًا: باب الاشتغال من المواضع التي يجب فيها حذف الناصب، زيدًا اضربه، اضرب زيدًا، اضرب هو الناصب وجب حذفه.
والنداء كذلك: يا زيد، أصلها: أدعو زيدًا، حذفه واجب؛ لأنه أنيب عنه ياء، وحينئذٍ لا يجمع بين العوض والمعوض.
وكذلك التحذير والإغراء بشرطه، وما كان مثلًا نحو: الكلاب على البقر، يعني: أرسل، الكلاب: هذا مفعول به لفعل محذوف واجب الحذف؛ لأن الأمثال تُحكى كما هي، فلا يجوز تقدير المحذوفات.
إذًا: حذف الناصب نقول: الأصل فيه الجواز إن علم، ثم قد يكون الحذف ملتزمًا، بمعنى: أنه واجب لا يجوز ذكره البتة، وهذا في مواضع معدودة.
قال الشارح: يجوز حذف ناصب الفضلة إذا دل عليه دليل، نحو أن يقال: من ضربت؟ فتقول: زيدًا، يعني ضربت زيدًا، ضربت زيدًا ولا تقل: زيدًا ضربت؛ للقاعدة السابقة: أن التقدير إنما يكون في محله الأصلي، مكانه الأصلي. التقدير: ضربت زيدًا، فحذف ضربت لدلالة ما قبله عليه، وهذا الحذف جائز، وقد يكون واجبًا كما تقدم في باب الاشتغال: زيدًا ضربته، التقدير: ضربت زيدًا ضربته، فحذف ضربت وجوبًا كما تقدم.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٥٢ / ١٧ ]