عناصر الدرس
* ما يجوز تثنيته وجمعه من أنواع المفعول المطلق (أنواع المفعول المطلق من حيث التثنيه والجمع) ـ
* حالات حذف عامل المفول المطلق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة، والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ
هذا شروع منه في بيان النائب عن المفعول المطلق، وَقَدْ يَنُوبُ، قَدْ هذا حرف تحقيق، يَنُوبُ فعل مضارع، وعَنْهُ هذا متعلق به، والضمير يعود إلى المصدر، ومَا اسم موصول بمعنى الذي فاعل، ودَلّ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ متعلق بـ (دَلّ)، و(دَلّ) هذه جملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، ثم مثل بـ: جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ، وهذا بناءً -كما ذكرنا- أن قوله: عَنْهُ يعني عن المصدر، ثم مثل بمصدر: وَافْرَحِ الْجَذَلْ ناب عنه، إذًا ناب مصدر عن مصدر، وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ: عن المصدر، ثم قال: وَافْرَحِ الْجَذَلْ، إذًا الجذل هذا نائب عن المصدر، وهو مصدر، إذًا ناب مصدر عن مصدر، لأن الأصل في المفعول المطلق أن يكون موافقًا لعامله في اللفظ والمعنى، فإن خالف، بأن وافق في المعنى دون اللفظ، عند ابن مالك -رحمه الله تعالى-: نائب عن المفعول المطلق، وليس بمفعول مطلق.
إذًا الأصل في المفعول المطلق، أن يكون من لفظ العامل فيه ومعناه، وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ يعني عن المصدر المتأصل في المفعولية المطلقة، وهو ما كان من لفظ عامله لا مطلق المصدر، حتى يرد أن المفعول المطلق في قوله: افْرَحِ الْجَذَلْ مصدر، هنا ناب مصدر عن مصدر، نعم، وهو مسلم به، لأن المراد بالمصدر الذي نيب عنه، المصدر الموافق لعامله في المعنى واللفظ، والمراد بالمصدر الذي وقع نائبًا هنا: ما وافق في المعنى دون اللفظ، ولا شك أن الثاني دون الأول، لا شك أن ما وافق في اللفظ والمعنى أعلى رتبة، وما وافق في المعنى دون اللفظ هذا أدنى، فلا يرد حينئذٍ قوله: افْرَحِ الْجَذَلْ بأنه مصدر.
والأصل في المفعول المطلق، أن يكون من لفظ العامل فيه ومعناه نحو: ضربت ضربًا، ضربًا، هذا من لفظ العامل ومعناه.
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ ما دل عليه من مغاير لفظ العامل فيه، ينوب عنه -عن المصدر الموافق للفظ عامله ومعناه- مغاير للفظ عامله، موافق له في معناه، يعني النوع الثاني، وهو: افْرَحِ الْجَذَلْ، نحو: جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، فكُلَّ منصوب على أنه مفعول مطلق، وليس من لفظ جِدَّ، جِدَّ كُلَّ، كُلَّ جِدِّ، إذًا ليس موافقًا له في اللفظ، مع أنه في المعنى موافق له، لماذا وافقه، وهو لفظ كل؟ نقول: كل القاعدة فيها، -وهذا سيأتينا في باب الإضافة إن شاء الله-، القاعدة فيها أن حكمها حكم المضاف إليه، يعني هل هي ظرف؟ هل هي مصدر؟ هل هي اسم زمان؟ نقول: العبرة بالمضاف إليه، إن أضيفت إلى اسم زمان فهي ظرف زمان، إن أضيفت إلى اسم مكان فهي ظرف مكان، إن أضيفت إلى مصدر فهي مصدر.
إذًا جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ هذا فيه معنى المصدر، وافق جِدَّ في المعنى دون اللفظ، تقول: كيف وافقه وهو لفظ كل، والأصل فيه أنه ليس مصدر؟ تقول: لإضافته إلى المصدر اكتسب معنى المصدرية، فهو موافق للعامل في المعنى دون اللفظ
[ ٥٦ / ١ ]
فكُلَّ منصوب على أنه مفعول مطلق، وليس من لفظ جِدَّ، لكنه دال عليه لإضافته –انظر- قال: دال عليه، دال على معنى العامل، لإضافته إلى المصدر، الذي هو من لفظ الفعل، ومثله: افْرَحِ الْجَذَلْ، الْجَذَلْ هو الفرح، كأنه قال: افرح الفرح، أو اجذل الجذل، حينئذٍ نقول: هنا وافق عامله في المعنى دون اللفظ، على رأي ابن مالك هذا ليس بمفعول مطلق، وإنما هو نائب عن المفعول المطلق، وعلى رأي الجمهور أن الجذل هذا مفعول مطلق لعامل محذوف من لفظه: افرح واجذل الجذل. إذًا الجذل هذا مثل اضرب ضربًا، حينئذٍ صار مفعولًا مطلقًا، فلا بد من التأويل، أما على جعل الجذل معمولًا لـ: افرح، هنا يرد رأي ابن مالك -رحمه الله تعالى-، هذا على رأي المازني والمبرد.
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ
مثل بنوعين، وهو ما أنيب فيه المصدر الموافق للعامل في المعنى دون اللفظ، كالجذل أي: الفرح، وما كان لفظُ كُلَّ مضافًا إلى المصدر، هذان نوعان، ونقول: ينوب عن المصدر ما يدل عليه من الكلية، والبعضية، يعني لفظ كل وما رادفها، ولفظ بعض وما رادفها؛ بشرط إضافتهما إلى المصدر لاكتساب معنى المصدرية من المضاف إليه دون لفظه، كـ: كل، وعامة، وجميع، وبعض، ونصف، وشطر، نقول: هذه كلها إذا أضيفت إلى المصدر، حينئذٍ اكتسبت المصدرية من المضاف إليه، فصح إنابتها عن المفعول المطلق.
مضافين إلى المصدر هذا قيد، الكلية والبعضية، كل ما دل على الكلية والبعضية سواء كان لفظ كل، وما رادفه، كـ: عامة وجميع، ولفظ بعض، وما رادفه، كـ: شطر ونصف، بشرط أن يكونا مضافين على المصدر، نحو: كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، وكقوله تعالى: «فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ» [النساء:١٢٩] الْمَيْلِ ---هذا مصدر، أضيف إليه كل، وضربته بعض الضرب، إذًا الأول والثاني: الكلية والبعضية.
الثالث الذي ينوب: المصدر المرادف لمصدر الفعل المذكور، وهو ما مثل له الناظم بقوله: افْرَحِ الْجَذَلْ، فالجذل هذا مفعول مطلق عند الجمهور، ثم في العامل فيه قولان: سيبويه والجمهور على أنه فعل محذوف من لفظ المصدر: افرح واجذل الجذل، ومذهب المازني والمبرد والسيرافي، على أنه بالعامل المذكور، هذا إذا أعربناه مفعولًا مطلقًا، وبعضهم جعله مفعولًا لأجله، وبعضهم جعل المصدر حالًا بتأويل المشتق، والمشهور هو الأول.
[ ٥٦ / ٢ ]
إذًا المصدر المرادف لمصدر العامل نقول: هذا نائب عن المفعول المطلق على رأي ابن مالك -رحمه الله تعالى-، قعدت جلوسًا، فجلوسًا هذا نائب عن المصدر في باب المفعول المطلق؛ لأنه نائب عن مصدر الفعل الموجود، قعدت قعودًا، هذا الأصل، قعدت قعودًا، لم يأت بـ (قعودًا)، وإنما ناب عنه ما هو من معناه دون لفظه، مرادف له في المعنى دون اللفظ، ومنه: "أحْبَبْتُهُ مِقَةً"، مِقَةً هو بمعنى المحبة، مِقَةً، حينئذٍ نقول: مِقَةً هذا مصدر ومِقَ، فحينئذٍ نقول: هذا نائب مناب المفعول المطلق؛ لأن الأصل أحببته محبة، فلم يأت باللفظ المرادف، باللفظ المطابق لمصدر العامل، وإنما جاء بمرادفه، وَافْرَحِ الْجَذَلْ، فالجلوس نائب مناب القعود لمرادفته له، والجذل نائب مناب الفرح، لمرادفته له في المعنى دون اللفظ.
الرابع -ما ينوب مناب المصدر-: اسم الإشارة، نحو ضربته ذلك الضرب، ضربته ذلك، الأصل ضربته الضرب، وهذا سبق معنا أنه من صور المبين للنوع؛ لأنه قال: ضربته الضرب، فأنيب (ذلك) اسم الإشارة مناب الضرب، ثم أبدل أو وصف أو عطف عليه المصدر، وهل هو شرط فيه أم لا؟ محل نزاع، والمشهور: لا، إذًا ضربته ذلك، ذلك نقول: هذا نائب عن المفعول المطلق، الأصل أن يقول: ضربته الضرب؛ لأنه مشار إليه، معرفة، هذا الأصل، ذلك أليس (ذا) من المعارف؟ حل محل الضرب، والضرب هذا مُحلًى بـ (ال)، وهو من المفعول المطلق المبين للنوع.
وزعم بعضهم أنه إذا ناب اسم الإشارة مناب المصدر، فلا بد من وصفه بالمصدر كما مثلنا، وفيه نظر، يعني: لا يشترط أن ينصب بالمصدر، فمن أمثلة سيبويه: ظننت ذاك، -ابن عقيل دائمًا يحتج بفعل سيبويه فحسب-، ظننت ذاك، ذاك، هذا مفعول مطلق، أين الحجة؟ أي: ظننت ذاك الظن، فذاك إشارة إلى الظن، ولم ينصب به، وهو مذهب الجمهور، مذهب الجمهور أنه لا يشترط، فلو قال: ظننت ذاك، اكتفينا، لو قال: الضرب، حينئذٍ هذا يعتبر من باب التأكيد بالمعنى.
الخامس: ينوب عن المصدر ضميره، هذا ذكرناه في:
عَلاَمَةُ الْفِعْلِ الْمُعَدَّى أَنْ تَصِلْ هَا غَيْرِ مَصْدَرٍ بِهِ نَحْوُ عَمِلْ
فإن كانت هاء المصدر قلنا: هذه نائبة عن المفعول المطلق؛ ضربته زيدًا، زيدًا: هذا بدل من الضمير ضربته زيدًا، وليس مفعولًا مطلقًا، المفعول المطلق الضمير، وهذا النائب، ضربته زيدًا، زيدًا هذا ليس مفعولًا مطلقًا، ليس مفعولًا به بل هو بدل من الضمير، والضمير هذا نقول فيه: نائب عن المفعول المطلق؛ لأنه هاء المصدر، وهاء المصدر هذه لا تدل على أن الفعل متعدي.
إذًا ضميره، قال: ينوب عنه ضميره، ضربته زيدًا، أي: ضربت الضرب زيدًا، ومنه قوله تعالى: «لا أُعَذِّبُهُ» [المائدة:١١٥] أي العذاب «أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ» [المائدة:٢٠].
السادس: ينوب عنه ما دل على العدد: ضربته عشرين ضربة، لكن يشترط فيه أن يكون له مميز مصدر، عشرين ضربة: «فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً» [النور:٤]، أما الثمانين هكذا لا، لا بد من تمييز يكون مصدرًا.
[ ٥٦ / ٣ ]
السابع: اسم الآلة: ضربته سوطًا أو عصًى، والأصل ضربته ضرب سوط، فحذف المضاف وهو الضرب، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانتصب انتصابه، فقيل: ضربته سوطًا، وهو مطرد في آلة الفعل دون غيرها، فلا يجوز ضربته خشبة، آلة الفعل يعني الذي يكون آلة، ضربته سوطًا، السوط معروف أنه آلة لكن الخشبة ليست معروفة أنها آلة للضرب، وإنما هو السوط، كذلك ينوب عنه الصفة نحو: سرت أحسن السير، واشتمل الصماء، يعني الشملة الصماء، حذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه، وضربته ضرب الأمير اللص، والأصل ضربًا مثل ضرب الأمير، فحذف الموصوف ثم المضاف، فأقيم المضاف إليه مقامه.
تاسعًا: ينوب عنه مشارك له في مادته، يعني: في حروفه، وهذا ثلاثة أقسام: اسم مصدر مثل: اغتسلت غسلًا، غسلًا هذا مشارك له في المادة، لكن ليس من كل وجه، واسم عين، ومصدر لفعل آخر، هذه ثلاثة أشياء: اسم عين، ومصدر لفعل آخر، «وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ .. إنباتا»، لكن ما قال: إنباتا .. قال: «نَبَاتًا»، هذا مثال لاسم المصدر، مثل اغتسلت غسلًا، «وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» [المزمل:٨]، الأصل تبتلًا، والأصل إنباتًا وتبتلًا.
عاشرًا: دال على نوع منه، نحو: قعد القرفصاء، القرفصاء هذا ما ذكرناه أولًا في صورة من صور المبين للنوع، قلنا: إذا دل بلفظه على نوع من أنواع العامل قلنا: هذا مبين للنوع، هنا بين أنه مما ينوب فيه المصدر عن المفعول المطلق، إذ ليس كل مصدر مفعولًا مطلقًا، ليس كل مصدر يكون مفعولًا مطلقًا، قرفصاء هذا اسم عين دال بنفسه على نوع من أنواع الجلوس؛ جلست جلسة القرفصاء، ورجع القهقرى، كذلك هذا اسم دال على نوع من أنواع الرجوع.
الحادي عشر: (ما) الاستفهامية، هذه تنوب مناب المفعول المطلق، نحو: ما تضرب زيدًا، ما استفهامية، أي: أيَّ ضرب تضربه؟
الثاني عشر: (ما) الشرطية، نحو: ما شئت فاجلس، أي: أيَّ جلوس شئته فاجلس.
هذه اثنا عشر مما ينوب عن المصدر المتأصل في باب المفعولية المطلقة، وليس كل مصدر يكون متأصلًا في باب المفعولية المطلقة، وإنما هو خاص بما وافق العامل في اللفظ والمعنى، وأما ما لم يوافقه فهذا محل نزاع، والناظم جعله من النائب، وهو قعدت جلوسًا، وافرح الجذل.
ثم قال ﵀:
وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ وَأَفْرِدَا
هذه الثلاثة الأنواع السابقة، منها ما يجوز جمعه وتثنيته باتفاق، ومنها ما يمتنع تثنيته وجمعه باتفاق، ومنها ما فيه خلاف.
قال: وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا: يعني النوع الأول لذا قال فيه: تَوْكِيدًا أوْ نَوْعًا يُبِينُ، النوع الأول: لا يجوز تثنيته ولا جمعه، فلا تقول: ضربت زيدًا ضربين ضروبًا، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه قائم مقام الفعل، تكرير الفعل؛ كأنه قال: ضربت ضربت، أليس هو مؤكد لأحد جزئي الفعل؟ بلى، حينئذٍ نقول: هو في قوة تكرار الفعل، ضربت ضربت، والفعل لا يثنى ولا يجمع، وهذا محل وفاق، ليس فيه خلاف.
[ ٥٦ / ٤ ]
وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ، وحد ما لتوكيد، إذًا مَا هذه في محل نصب مفعول به، لِتَوْكِيدٍ يعني وما سيق من المصادر لِتَوْكِيدٍ، وتَوْكِيدٍ هذا متعلق بمحذوف صلة الموصول، مَا هذه واقعة على المصدر المؤكِّد، لِتَوْكِيدٍ هذا متعلق بمحذوف صلة الموصول، سيق من المصادر، فَوَحِّدْ يعني اجعله واحدًا، أَبَدَا: في مدة الأزمنة القادمة، تأبيد للماضي والمستقبل، أَبَدَا، فحينئذٍ لا يثنى ولا يجمع، والعلة ما ذكرناها أنه بمنزلة تكرير الفعل.
أيضًا من جهة أخرى أن ضربًا هذا اسم جنس مبهم، واسم الجنس يدل على الحقيقة قلَّت أم كثرت. إذا قيل: ماء هذا اسم جنس إفرادي يعني يدل على الحقيقة قل الماء أو كثر، القطرة تقول: هذا ماء، تأتي عند النهر تقول: هذا ماء، عند البحر تقول: هذا ماء. إذًا لفظ واحد صدق على القليل والكثير، الضرب أيًا كان نوعه تقول: هذا ضرب هذا ضرب، إذًا اسم جنس مبهم.
إذا كانت الحقيقة شيئًا واحدًا، حينئذٍ هل يوجد فرد آخر من أجل أن يضم إليها فيثنى؟ لا يوجد، إذًا يمتنع وجود فرد آخر، وشرط التثنية والجمع، أن يكون لمتعدد، لشيء موجود في الخارج، له وجود في الخارج، وأن يكون له مرادف في اللفظ، زيد وزيد، هذا زيد موجود وهذا موجود، إذًا فردان، فقلت: الزيدان، زيد وزيد وزيد قلت: الزيدون، إذًا الأفراد موجودة، أما ضرب المراد به اسم الجنس –الحقيقة-، والحقيقة شيء واحد سواء كانت في الذهن أو في الخارج في ضمن أفرادها، حينئذٍ هذه لا تقبل التعدد، قلنا: الكلي وجوده وجود ذهني، ولا يقبل التعدد، وإنما التعدد يكون باعتبار الآحاد والأفراد، ووجود الآحاد والأفراد إنما يكون في خارج الذهن لا في داخل الذهن.
إذًا يمتنع تثنية المصدر المؤكِّد وجمعه لسببين: أولًا: أنه بمنزلة تكرير الفعل ضربت ضربت، والفعل لا يكرر .. لا يثنى، ولا يجمع. ثانيًا: ضربًا المصدر المؤكِّد هذا اسم جنس مبهم، وهو دال على الحقيقة، وما دل على الحقيقة فهو شيء واحد لا يقبل التعدد فليس ثَمَّ فرد آخر نحتاج إلى ضمه إلى هذا الفرد فنثنيه أو نجمعه.
وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ .. وَثَنِّ وَاجْمَعْ
إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
ثَنِّ غيره، وَاجْمَعْ غيره، أعملنا الثاني أو الأول؟ لو أعمل الأول ثَنِّ غَيْرَهُ وجب أن يضمر في الثاني عند جمهور البصريين، لو أعمل الأول وَثَنِّ غَيْرَهُ، غيره مفعول به لـ ثَنِّ، وجب الإضمار في الثاني، وهو وَاجْمَعْ، وجب الإضمار في الثاني وهو: وَاجْمَعْ، هنا لم يضمر، دل على أنه أعمل الثاني، ولم يعمل الأول، حينئذٍ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ، غَيْرَهُ هذا مفعول لـ َاجْمَعْ، وَثَنِّ هذا وجب حذفه: وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ سواء قلنا حذفه ابتداء أم أتينا به ثم حذفناه، بعضهم يقول: تضمر فيه أولًا ثم تحذفه، وهذا أو ذاك، المهم النتيجة أنه يجب حذفه.
إذًا وَثَنِّ غيره، المصدر المؤكِّد، وَاجْمَعْ غير المؤكِّد هذا يصدق غيره -غير المؤكد شيئان-؛ لأن القسمة ثلاثية، إن لم يكن مؤكِّدًا فهو إما نوعي وإما عددي.
[ ٥٦ / ٥ ]
إذًا على كلام الناظم أنه يثنى ويجمع العددي فتقول: ضربت ضربتين وضربات، ثنيت وجمعت، وهذا محل وفاق أنه جائز، والثاني: النوعي هل يثنى ويجمع؟ هذا محل خلاف، المشهور جوازه، وظاهر كلام سيبويه المنع، والصحيح جوازه قال تعالى: «وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» [الأحزاب:١٠] جُمع أو لا؟ الظُّنُونَ جاء بـ (أل) هذا مبين للنوع؛ لأن المحلى بـ (أل)، دائمًا المصدر محلى بـ (أل) مبين للنوع، وهنا جمع باعتبار آحاده، حينئذٍ الظن يختلف، فلما اختلف وله أحاد وأفراد جُمع «وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ» المختلفة الممنوعة يعني، هذا يظن كذا، وهذا الآخر يظن، حينئذٍ نقول: هذه ظنون «وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» [الأحزاب:١٠] فلما جاء في القرآن، وجب أن نقول أنه جائز، وهو قول الجمهور أنه يثنى ويجمع، ولو خالف سيبويه في هذا.
وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ يعني غير المؤكِّد.
وَأَفْرِدَا: و(أفردن) نون التوكيد الخفيفة، وَأَفْرِدَا لماذا قال: وَأَفْرِدَا وهو معلوم أنه مفرد؟ تحصيل حاصل تتمة للبيت؟ لئلا يُتوهم أن الإفراد خاص بالمؤكِّد؛ لأنه قال:
وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ –أفرد- وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ .. لو سكت لُتوهم أن غير المؤكِّد لا يُفرد، بل لا يكون إلا مثنًى أو جمعًا.
وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا، إذًا أفرد المؤكِّد، وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ مفهومه: أن غير المؤكِّد لا يفرد؛ دفعًا لهذا الوهم قال: وَأَفْرِدَا على الأصل، فنص عليه دفعًا لما يتوهم.
فـ أَفْرِدَا نص عليه وهو الأصل، دفع لما قد يتوهم أنه لا يجوز إفراده، بل الصواب أنه على الأصل.
قال الشارح: لا يجوز تثنية المصدر المؤكِّد لعامله ولا جمع، بل يجب إفراده، ضربت ضربًا، وذلك لأنه بمثابة تكرر الفعل: ضربت ضربت، والفعل لا يثنى ولا يجمع، وأما غير المؤكِّد وهو المبين للعدد والنوع فذكر المصنف أنه يجوز تثنيته وجمعه، فأما المبين للعدد فلا خلاف في جواز تثنيته وجمعه، وبعضهم خصه بالمختوم بتاء الوحدة ضربت ضربتين ضربات، مختوم بتاء الوحدة هذا مشهور ضربت ضربتين وضربات؛ لأنه كتمرة وكلمة، وأما المبين للنوع فالمشهور أنه يجوز تثنيته وجمعه إذا اختلفت أنواعه. لا بد من اختلاف الأنواع؛ لأنه إذا كان نوعًا واحدًا يجمع بأي سبب؟ ويثنى بأي سبب؟ لا بد من الاختلاف، نحو سرت سيري زيدٍ الحسنَ والقبيحَ، (سيري زيد) ثنَّاه باعتبار أن زيدًا له سيرين قبيح وحسن، والآية واضحة وبينة «وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» [الأحزاب:١٠]، وظاهر كلام سيبويه أنه لا يجوز تثنيته ولا جمعه قياسًا، بل يقتصر فيه على السماع، وهذا اختيار الشلوبين، والمشهور الجواز وهو أولى للآية السابقة.
وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ
عامل المصدر على ثلاثة أقسام:
الأول: ممتنع الحذف، لا يجوز حذفه يجب ذكره.
الثاني: جائز الحذف.
الثالث: واجب الحذف.
من هذه الأبيات إلى آخر الباب، سيتحدث عن عامل المصدر. انتهينا من المصدر .. من المفعول المطلق، والكلام عن المفعول المطلق قصير عند النحاة.
[ ٥٦ / ٦ ]
إذًا العامل المؤكِّد قال: وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ، وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ -عامل المصدر المؤكِّد- امْتَنَعْ يعني لا يجوز حذفه، بل يجب ذكره، قيل: لأنه إنما جيء به لتقوية عامله، وتقرير معناه، جيء به لتقرير العامل، ثم يحذف العامل؟ هل هذا مقبول؟ هذا ليس مقبولًا، جيء به من أجل تقوية العامل: ضربت ضربًا، جئنا بـ ضربًا من أجل ضربت ثم نحذفه؛ لأنه إنما جيء به لتقوية عامله وتقرير معناه، والحذف ينافي ذلك، فوجب ذكره، وَحَذْفُ عَامِلِ –المصدر- الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ، وكذا يمتنع تأخيره عن مؤكِّده، بخلاف عامل النوعي والعددي فلا يمتنع تأخيره عنهما، يعني هل يجوز أن يتقدم المؤِّكد على العامل؟ الجواب: لا، لا يحذف ولا يتأخر عن المصدر المؤكِّد، بخلاف النوعي والعددي يجوز تقديمه ويجوز تأخيره. وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ وَفِي سِوَاهُ سوى حَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ وهو عامل النوعي والعددي لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ متسع لدليل.
وَفِي سِوَاهُ: يعني في غيره، يعني حذف عامل سواه، سوى المؤكِّد، لِدَلِيلٍ هذا جار ومجرور متعلق بـ مُتَّسَعْ، لدليل عليه، مُتَّسَعْ، مُتَّسَعْ هذا اسم مفعول بمعنى المصدر، فهو اسم مصدر أي اتساع، لكن بقيد لِدَلِيلٍ للقاعدة العامة، أن ما جاز حذفه، لا بد وأن يكون ثَمَّ قرينة تدل عليه بعد الحذف وإلا فالمنع.
لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ هذا عند الجميع، جائز، يجوز حذف عامل العددي وعامل النوعي، وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ.
قال ﵀: المصدر المؤكِّد لا يجوز حذف عامله؛ لأنه مسوق لتقرير عامله وتقويته، والحذف مناف لذلك، يعني لدفع المجاز عنه، لكون المجاز لا يؤكَّد، على المشهور، جوزه بعضهم، لكن المشهور أن المجاز لا يؤكَّد، وإنما يؤكَّد الحقيقة؛ لأنها هي التي يرد فيها الاحتمال، وأما غير المؤكِّد فيحذف عامله بالدلالة عليه، يعني دلالته على معنى زائد على العامل؛ لأن المصدر المؤكِّد هنا ليس فيه معنًى زائدًا على معنى عامله، ضربت ضربًا، ضربًا ليس فيه معنًى زائدًا على معنى العامل، أما ضربت ضربًا شديدًا هذا فيه معنًى زائدًا على معنى عامله فجاز حذف العامل، ضربت زيدًا ضربتين أو ضربات نقول: ضربتين أو ضربات، هذا فيه زيادة على معنى العامل، وهو وقوع الضرب أصلًا ثم عدد الضرب، ضربتين أو ضربات فأقل الجمع ثلاثة، فحينئذٍ فيه معنى العامل وزيادة، بخلاف المؤكد ليس فيه إلا معنى العامل ليس فيه زيادة، ولذلك امتنع في الأول المؤكِّد، ولم يمتنع في الثاني، وأما غير المؤكد فيحذف عامله للدلالة عليه، ثم هذا الحذف قد يكون جوازًا، وقد يكون وجوبًا، كأن تقول لمن قدم: قدومًا مباركًا يعني: قدمت قدومًا مباركًا .. حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، نقول: هذا مفعول مطلق عامله محذوف مبين للنوع، هل يجوز حذف عامله؟ نقول: نعم قرينة، وما هي القرينة هنا؟ ما نوعها؟ حالية؛ يعني: هو الآن قادم للحج، حال قلت: حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا قبولًا، حينئذٍ تقول: هذا بقرينة الحال جاز حذف العامل.
[ ٥٦ / ٧ ]
كذلك إذا قيل: ما جلست؟ تقول: بلى جلوسًا طويلًا، بلى جلستين، نقول: هذا كله لوقوعه في جواب سؤال، وكل ما وقع في جواب سؤال، حينئذٍ نقول: يجوز حذف العامل.
قال: وجاز حذف العامل فيما ذكر، لدلالة المصدر على معنًى زائدٍ على معنى العامل، دلالة المبين للنوع والعدد على معنًى زائدٍ على معنى العامل، فأشبه المفعول به فجاز حذف عامله، إذًا حصل له شبه بالمفعول به؛ لأن المفعول به لا يدل على مطلق ما دل عليه العامل، وإنما هو محل لوقوع الحدث، فالمحذوف جوازًا مثل له، ثم قال: وقول المصنف -ابن الناظم اعترض والده قال: هذا سهو، قوله: وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ سهو منه-، ابن الناظم قالوا: وعق أباه في شرح ألفيته، هكذا قيل، اعترضه، أشد الناس على صاحب الألفية ابنه ﵀، وهو بياني ونحوي على مستوى، فقالوا: عق أباه -في شرح الألفية-.
قال: قوله: وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ سهو منه؛ لماذا؟ -هو سهو منه هو نفسه ابن الناظم، وليس سهوًا من ابن مالك ﵀، وإنما هو الذي سها-، ضربًا زيدًا قال: ضربًا زيدًا، إذا قيل: بأن حذف عامل المؤكد ممتنع، ونحن نقول: ضربًا زيدًا «فَضَرْبَ الرِّقَابِ» [محمد:٤] ضربًا زيدًا أي: اضرب ضربًا زيدًا، فهو مؤكِّد له، وهو محذوف، فكيف تقول: أنه يمتنع حَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ؟
قولك: ضربًا زيدًا مصدر مؤكد، وعامله محذوف وجوبًا كما سيأتي، قال ابن عقيل: ليس بصحيح، يعني قول ابن الناظم في الحكم على الشطر الأول بأنه سهو منه ليس بصحيح، وما استدل به وهم منه، لأن ضربًا هذا ليس مصدرًا مؤكِّدًا لعامل محذوف، بل مصدر أنيب مناب العامل، ففرق بينهما كما بين السماء والأرض، ضربًا نقول: هذا مصدر أنيب مناب العامل، وليس هو مؤكدًا حتى نقول: الأصل اضرب ضربًا.
قال ابن عقيل في الرد عليه: وما استدل به على دعواه من وجوب حذف عامل المؤكد بما سيأتي ليس منه، وذلك لأن ضربًا زيدًا ليس من التأكيد في شيء، بل هو أمر خال من التأكيد، ليس من باب التأكيد، بمثابة اضرب زيدًا، كأنه قال: اضرب زيدًا، حذف اضرب ثم أقيم المصدر مقامه، أين التأكيد؟ ليس فيه تأكيد، وإنما ناب مصدر عن فعله، وهذا لا إشكال فيه، فليس فيه تأكيد؛ لأنه واقع موقعه، فكما أن اضرب زيدًا لا تأكيد فيه، كذلك ضربًا زيدًا، وكذلك جميع الأمثلة التي ذكرها ليست من باب التأكيد في شيء؛ لأن المصدر فيها نائب مناب العامل، دال على ما يدل عليه، وهو عوض عنه، ولذلك نقول: لا يجوز ذكره؛ لأن ضربًا عوضًا عن اضرب، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه، ويدل على ذلك عدم جواز الجمع بينهما، ولو قيل بأن: ضربت ضربًا يجوز حذف العامل، حينئذٍ هل يمتنع أن يجتمع معه؟ لا يمتنع، لو قلنا: يجوز ضربت ضربًا، فهل تقول: ضربًا -حُذف عامله-؟ نقول: أنت مخير بين أن تقول: ضربت ضربًا، وبين أن تقول: ضربًا، ولا يمنع من الجمع بين العامل والمعمول، المصدر المؤكد، لكن في هذا المقام ضربًا زيدًا لا يصح، فدل على المغايرة بينهما، إذًا تلك مسألة وهذه مسألة أخرى.
[ ٥٦ / ٨ ]
ويدل على ذلك عدم جواز الجمع بينهما، ولا شيء من المؤكِّدات يمتنع الجمع بينها وبين المؤكَّد، ومما يدل أيضًا على أن ضربًا زيدًا ونحوه ليس من المصدر المؤكِّد لعامله، أن المصدر المؤكِّد لا خلاف في أنه لا يعمل، ضربت ضربًا لا يعمل في ما بعده، وهذا الذي معنا هنا ضربًا زيدًا، زيدًا الصحيح أنه معمول لـ ضربًا المصدر؛ الصحيح أنه معمول له.
واختلفوا في المصدر الواقع موقع الفعل، هل يعمل أو لا؟ والصحيح أنه يعمل، فزيدًا في قولك: ضربًا زيدًا منصوب بـ (ضربًا) على الأصح، وقيل أنه منصوب بالفعل المحذوف وهو اضرب، حينئذٍ ناب عنه في الدلالة على المعنى والعمل معًا، وإذا قيل: بأنه عمل فيما بعده، في المعنى فحسب، اضرب ضربًا زيدًا، حذفنا اضرب، ناب عنه ضربًا في المعنى فقط أو في المعنى والعمل؟ ينبني على القول بجواز إعماله أو لا، إن قلنا: يجوز إعماله، فحينئذٍ ناب مناب الفعل في المعنى فحسب، وإن قلنا: لا، لا يجوز إعماله، حينئذٍ ناب منابه في العمل والمعنى معًا، هذا مراده.
إذًا قول ابن الناظم: أنه سهو، سهو منه هو .. وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ.
ثم قال ﵀:
وَالْحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلاَ مِنْ فِعْلِهِ كَنَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلاَ
هذا شروع في القسم الثالث، وهو ما يجب حذفه، أشار إلى القسم الأول، وهو ما يمتنع حذفه بقوله: وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ، وأشار إلى القسم الثاني، وهو ما يجوز حذفه بقوله: وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ، ثم قال: وَالْحَذْفُ حَتْمٌ، هذا النوع الذي يجب فيه حذف عامل المصدر، يعني يجب حذف عامل المصدر في ستة مواضع، سيذكرها الناظم كلها في الأبيات القادمة.
الموضع الأول: أشار إليه بقوله: وَالْحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلًا ** مِنْ فِعْلِهِ ..
وَالْحَذْفُ مبتدأ، وحَتْمٌ هذا خبر، يعني الحذف واجب، متى؟ مَعَ آتٍ بَدَلًا، والحذف للعامل حتم مع آت بدلًا، مَعَ هذا ظرف متعلق بقوله: حَتْمٌ.
مَعَ آتٍ: مَعَ مضاف، وآتٍ مضاف إليه.
بَدَلاَ حال من الضمير المستتر في آتٍ، آت حال كونه بدلًا من فعله.
مِنْ فِعْلِهِ جار ومجرور متعلق بقوله: بَدَلاَ.
وهذا يقع على نوعين: سماعي وقياسي، بمعنى أنه إذا أنيب المصدر عن العامل، وجب حذف العامل، آتٍ بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ إذا جاء المصدر قائمًا مقام الفعل، حينئذٍ نقول: هذا المصدر قد عوض به عن الفعل، فصار الفعل معوضًا عنه، فلا يجوز الجمع بينهما، فيجب حذف العامل.
قد يقام المصدر مقام فعله فيمتنع ذكره معه، وهذا نوعان: الأول: ما لا فعل له، نحو ويل زيد، هذا منصوب على المفعولية ولا فعل له، ليس له فعل، ويل كلمة تهديد، وويحه بالنصب على المفعولية، فيقدر له عامل من معناه، نحو قعدت جلوسًا، مثل جاوزت زيدًا مررت به، يقدر له فعل من معنى العامل.
[ ٥٦ / ٩ ]
الثاني: ما له فعل، وهو نوعان: إما أن يكون واقعًا في الطلب، وإما أن يكون واقعًا في الخبر، واقعًا في الطلب، وهو ما ذكره هنا: كَنَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلاَ، وهذا يشمل، يكون مقيسًا في الأمر والنهي والدعاء، وبعد الاستفهام المقصود به التوبيخ، أربعة مواضع، ذكرها ابن عقيل في الشرح: الأمر والنهي والدعاء والاستفهام المقصود به التوبيخ، هذه في الطلب، وهي أربعة أنواع.
وأما الخبر فهذا سماعي قليل، وهو الذي ذكره الناظم في الأبيات الآتية.
إذا قوله: مَعَ آتٍ بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ سماعًا وقياسًا، سماعًا في ألفاظ محفوظة، وقياسًا في الأربعة الأمور المذكورة: الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام الذي يراد به التوبيخ، وما عداه فهو سماعي.
إذًا نقول: ما له فعل، الذي له فعل قسمان: واقع في الطلب، وهو الوارد دعاءً: سقيًا، ورعيًا، وكيًَّا، وجدعًا، هذه كلها دعاء إما له وإما عليه، هذه نقول: مفعول مطلق حذف عاملها وجوبًا.
أو أمرًا ونهيًا، أو مقرونًا باستفهام توبيخي، سيأتي أمثلتها في الشرح.
وواقع في الخبر -النوع الثاني- قلنا: الأول واقع في الطلب، والثاني واقع في الخبر، وذلك في مسائل أحدها مصادر مسموعة كثر استعمالها، ودلت القرائن على عواملها، هذا سماعي يحفظ، ولا يقاس عليه، كقولهم عند تذكر نعمة وشدة: حمدًا وشكرًا لا كفرًا، نقول: هذه تحفظ، ولا يقاس عليها، عواملها محذوفة وجوبًا، وصبرًا لا جزعًا، وعند ظهور أمر معجب: عجبًا نقول: هذا منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوفٌ وجوبًا، وعند خطاب مرضي عنه أو مغضوب عليه: أفعله وكرامة، أفعله -يعني أنا- وكرامة، ولا أفعله ولا كيدًا ولا همًا.
ثانيها أن يكون تفصيلًا لعاقبة، وهو الذي سيذكره الناظم -رحمه الله تعالى-.
إذًا الأول سماعي الواقع في الخبر، والثاني ما سيذكره الناظم، وهو قوله: تفصيلًا .. إلى آخره.
قال الشارح: يحذف عامل المصدر وجوبًا في مواضع منها: إذا وقع المصدر بدلًا من فعله، وهذا الذي عنون له بقوله: مَعَ آتٍ بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ، وهو مقيس في الأمر، هذا الأول، والنهي، هذا الثاني، والدعاء، هذا الثالث، والمصدر الواقع بعد الاستفهام المقصود به التوبيخ. إذا ناب مصدر عن فعل في باب الأمر قلنا: هذا واجب حذف عامله، لو قال: قيامًا لا قعودًا، قيامًا يعني قم قيامًا، قيامًا نقول: هذا مصدر ناب مناب فعله، وهو قم، حينئذٍ صار واجب الحذف؛ لأن قيامًا قد عوض عنه، ولا يجمع بينهما، لا يجمع بين العوض والمعوض، لا قعودًا، لا تقعد، قعودًا هذا في باب النهي، والدعاء نحو سقيًا لك، أي: سقاك الله، وراعيًا لك، وجدعًا لك، وكيًا لك، هذه كلها مصادر محذوفة العوامل، يجب حذفها؛ لأنها عوض عنها، ومنه «فَضَرْبَ الرِّقَابِ» [محمد:٤] أي: اضربه ضرب الرقاب نقول: هذا واجب الحذف، هذا الأول والثاني والثالث.
[ ٥٦ / ١٠ ]
وكذلك يحذف عامل المصدر وجوبًا إذا وقع المصدر بعد الاستفهام المقصود به التوبيخ؛ أتَوَانِيًا وَقَدْ علاك المَشِيبُ؟ أتتوانى وقد علاك المشيب، أتَوَانِيًا نقول هنا: مصدر (توانيًا) وقع بعد استفهام، والمراد بالاستفهام التوبيخ، من المعنى أتَوَانِيًا وَقَدْ علاك المَشِيبُ؟ أتتوانى، يعني: تتأخر عن الطاعة مثلًا، وقد علاك المشيب، ومثلك يتقدم، نقول: هذا استفهام مقصود به التوبيخ.
ويقل حذف عامل المصدر وإقامة المصدر مقامه في الفعل المقصود به الخبر، هذا قليل إلا ما ذكره الناظم فيما سيأتي من أبيات، أفعل وكرامة، يعني: أكرمك كرامة، فالمصدر في هذه الأمثلة كلها، في الدعاء وغيره منصوب بفعل محذوف وجوبًا، والمصدر نائب منابه في الدلالة على معناه.
إذًا وَالْحَذْفُ حَتْمٌ يعني واجب لعامل المصدر، منه: مَعَ آتٍ بَدَلًا، مع مصدر آتٍ بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ؛ لأنه لا يجوز الجمع بين البدل والمبدل منه، إذًا قوله: بَدَلًا أشار إلى علة وجوب حذف العامل، قوله: بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ فيه إشارة إلى علة وجوب حذف العامل، وهو أنه بدل عنه، والبدل لا يجمع مع المبدل منه، ثم هو على نوعين كما ذكرناه.
وذلك: كَنَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلاَ، اللَّذْ لغة في الذي، وهو صفة لسابقه، كَانْدُلاَ قصد لفظه، هذا فعل أمر مؤكَّد، والنون هذه نون التوكيد، أشار به إلى قول القائل:
فَنَدْلًا زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثَّعَالِبِ، نَدْلًا زُرَيْقُ المَالَ، نَدْلًا هذا مصدر أنيب مناب الفعل في الأمر، اندل ندلًا، نَدْلًا نقول: هذا مصدر أقيم مقام عامله فوجب حذفه؛ لأنه بدل عنه، فَنَدْلًا زُرَيْقُ المَالَ، زُرَيْقُ: يا زريق، هذا اسم رجل، والمال هذا مفعول به لـ (ندلًا) اندل ندلًا، إن قلنا أنه هو العامل، وإذا ناب عن عامله في المعنى دون العمل، حينئذٍ صار منصوبًا بالعامل المحذوف، مثل ضربًا زيدًا، زيدًاَ هذا دائمًا نقول: هذا معمول لضربًا، حينئذٍ يكون ضربًا ناب عن فعله في المعنى والعمل، وإما أن يكون منصوبًا، -وهذا الصحيح-، بـ (اضرب) المحذوف، وحينئذٍ ضربًا ناب عن فعله في المعنى دون العمل فحسب، هذا مثله، فندلًا المال، المال أن يكون منصوبًا بندلًا، فندلًا حينئذٍ ناب مناب الفعل في المعنى والعمل، وإما أن يكون منصوبًا بالفعل العامل المحذوف، أندل -فهو فعل أمر- المال، حينئذٍ ندلًا هذا ناب مناب الفعل في المعنى دون العمل.
قال ابن عقيل: فندلًا نائب مناب فعل الأمر وهو اندل، والندل هو الخطف، خطف الشيء بسرعة، وزريق منادى، أصلها يا زريق، وزريق اسم رجل، وأجاز المصنف أن يكون مرفوعًا بـ ندلًا، وهذا فيه نظر؛ لأن اندل فعل أمر، وفعل الأمر لا يرفع اسمًا ظاهرًا، قم زيدٌ لا يصح هذا، قم يا زيدُ، وإذا حذفت يا النداء قلت: قم زيد، زيد هذا منادى، وحرف النداء محذوف، ولا يمكن أن يكون مرفوعًا بالفعل المذكور؛ لأنه فعل أمر، وفعل الأمر لا يرفع اسمًا ظاهرًا.
[ ٥٦ / ١١ ]
قال هنا: وأجاز المصنف أن يكون مرفوعًا بندلًا، وفيه نظر؛ لأنه إن جعل ندلًا نائبًا مناب فعل الأمر للمخاطب، والتقدير اندل، لم يصح أن يكون مرفوعًا به؛ لأن فعل الأمر إذا كان للمخاطب لا يرفع ظاهرًا، فكذلك ما ناب منابه، وإن جُعِل نائبًا مناب فعل الأمر للغائب ليندل، والتقدير: ليندل، صح أن يكون مرفوعًا به، لكن المنقول أن المصدر لا ينوب مناب فعل الأمر الغائب، وإنما المخاطب فحسب، وإنما ينوب مناب فعل أمر المخاطب نحو ضربًا زيدًا، أي اضرب زيدًا.
إذًا وَالْحَذْفُ حَتْمٌ -واجبٌ- مَعَ آتٍ بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ يعني مع المصدر الذي جاء نائبًا مناب الفعل، كَنَدْلًا في قول القائل: نَدْلًا زُرَيْقُ المَالَ.
اللَّذْ كَانْدُلًا: الذي مثل كَانْدُل، نَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلًا، الألف هذه منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، ما العبارة هذه: كَنَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلًا؟ ما مراده؟ كَنَدْلًا هو أراد مثال أراد البيت، كَنَدْلًا الذي نطق به في البيت، كَنَدْلًا المصدر الذي أقيم مقام الفعل، ثم صرح، قال: اللَّذْ، المصدر الذي كَانْدُلًا، يعني مثل كَـ انْدُل، وهو فعل أمر مثله، قام مقامه، في المعنى والعمل، أو في المعنى فحسب؟ على الخلاف المذكور.
إذًا كَانْدُلًا نقول: هذا المراد به فعل الأمر، ونَدْلًا المراد به المصدر، كَنَدْلًا المصدر الذي جاء في البيت، اللَّذْ الذي، كَانْدُلًا قصد لفظه، فالكاف هذه داخلة على الاسم.
وَمَا لِتَفْصِيلٍ كَإمَّا مَنَّا عَامِلُهُ يُحْذَفُ حَيْثُ عَنَّا
هذا الموضع الثاني، -كلها تعداد أمثله-، الموضع الثاني الذي يجب فيه حذف العامل، وهو ما كان كقوله تعالى: «حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً» [محمد:٤] فَإِمَّا مَنًّا، منًّا هذا مفعول مطلق، فإما تمنون منًّا، وَإِمَّا فِدَاءً وإما تفدون فِدَاءً، في مثل هذا التفصيل إذا جاء المصدر حينئذٍ يكون عامله محذوفًا وجوبًا، بشرط أن يكون مسبوقًا بجملة -لا مفرد-، ثم أن يكون تفصيلًا لعاقبة ما تقدمه يعني أثر، «حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ»، يعني: إذا أكثرتم فيهم القتلى «فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا» [محمد:٤] فَشُدُّوا الْوَثَاقَ يعني الأسر، «فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً» إذًا المن والفداء تفصيل لقوله: «فَشُدُّوا الْوَثَاقَ»، «فَشُدُّوا الْوَثَاقَ» جملة متقدمة، وأريد ما بعدها بالتفصيل، هذه ثلاثة شروط: أن يقع للتفصيل؛ لا بد من التفصيل، أن يكون بعد جملة لا مفرد، أن تكون الجملة متقدمة لا متأخرة، إن انتفت هذه الشروط الثلاثة حينئذٍ نقول: ليس من هذا الباب.
[ ٥٦ / ١٢ ]
وَمَا لِتَفْصِيلٍ كَإمَّا مَنَّا، وَمَا لِتَفْصِيلٍ، والذي سيق من المصادر لِتَفْصِيلٍ لعاقبة ما قبله، وهي الفائدة المترتبة على ما قبله، والحاصلة بعده كقوله: إمَّا مَنَّا إشارة إلى الآية السابقة، عَامِلُهُ هذا مبتدأ ثاني، يُحْذَفُ هذا خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، وهو قوله: والذي لتفصيلٍ، حَيْثُ عَنَّا هذا متعلق بـ (يُحْذَفُ)، عَنَّا الألف للإطلاق، بمعنى عرض، ولكن يشترط فيه ما ذكر في الآية إذًا والذي، هذا عطف على وجوب حذف عامل المصدر، الذي جاء للتفصيل، يعني أن المصدر إذا أتي به في تفصيل، وجب حذف عامله، إذا وقع تفصيلًا لعاقبة ما تقدمه، هذا الشرط الأول، والشرط الثاني أن يكون جملة لا مفردًا، لِزيدًا سفر، فإما صحةٌ وإما اغتنامُ مالٍ -بالرفع وليس بالنصب- كقوله تعالى: «حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً» [محمد:٤] فـ مَنَّا وفِدَاءً مصدران منصوبان بفعل محذوف وجوبًا، والتقدير -والله أعلم- فإما تمنون مَنَّا، وإما تفدون فِدَاءً، وهذا معنى قوله: وَمَا لِتَفْصِيلٍ أي: يحذف عامل المصدر المسوق للتفصيل، حَيْثُ عَنَّا أي عرض، إذًا لا بد من توفر الشروط الثلاثة: أن تكون الجملة متقدمة لا متأخرة، وأن تكون جملة، ثم أن يكون الكلام الذي جاء بعد الجملة للتفصيل لعاقبة ما حصل وسبق، فهذا المراد بالموضع الثاني: وَمَا لِتَفْصِيلٍ يعني والذي سيق من المصادر لتفصيل، لِتَفْصِيلٍ هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، والذي سيق من المصادر، لِتَفْصِيلٍ يعني لتفصيل عاقبة ما سبق، كَإمَّا مَنَّا: كَإمَّا هذا حال من الضمير المستتر في سيق الذي قدرناه صلة الموصول، كَإمَّا حال منه، كـ «إِمَّا مَنًّا بَعْدُ» [محمد:٤] مَنًّا هذا مفعول مطلق، -نعربه حتى المثال هنا-، عَامِلُهُ يُحْذَفُ: مبتدأ وخبر، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول، يُحْذَفُ حَيْثُ عَنَّا من باب التكميل، حيث عرض، حيث جاء، حيث ثبت، يحذف العامل وجوبًا، لما ذكر من أنه بدل من اللفظ بعامله، والتقدير كما ذكرناه سابقًا.
ثم قال:
كَذَا مُكَرَّرٌ وَذُو حَصْرٍ وَرَدْ نَائِبَ فِعْلٍ لاِسْمِ عَيْنٍ اسْتَنَدْ
[ ٥٦ / ١٣ ]
الموضع الثالث، وبعضهم قال: الرابع، كَذَا مُكَرَّرٌ، مكرر كذا، يعني: مصدر مكرر، كَذَا، مُكَرَّرٌ مبتدأ مؤخر، مُكَرَّرٌ كَذَا، كَذَا أي في الحكم السابق بكونه واجب الحذف، وَالْحَذْفُ حَتْمٌ .. كَذَا مُكَرَّرٌ، ورد نائب فعل مسند إلى اسم عين، وَرَدَ هذا المصدر المكرر، ورد نائب فعل. إذًا الكلام الآن في كل مصدر ناب مناب الفعل. قلنا: الخبري إما سماعي وإما قياسي، السماعي ما ذكرناه أولًا، أفعل وكرامة، والقياسي ما بدأ به بقوله: وَمَا لِتَفْصِيلٍ، وهذا منه، وهو أن يكون المصدر مكررًا، وهذا التكرار للمصدر أن يكون المصدر قد ناب عن فعل، هذا الفعل وقع خبرًا، خبرًا عن مبتدأ اسم عين، المبتدأ قلنا: قد يكون اسم عين، وقد يكون اسم معنى، جوهر ومعنىً –عرض-، إذا كان جوهرًا -اسم عين- زيد يسير سيرًا سيرًا، نقول هنا: يجب حذف العامل، وهو: يسير، فحينئذٍ تقول: زيد سيرًا سيرًا، هذا مثال للمكرر، زيد هذا مبتدأ، وهو اسم عين جوهر ذات، سيرًا هذا ناب مناب فعل، هذا الفعل وقع خبرًا لزيد، وكُرِّرَ، لمَّا كُرِّرَ قام مقام الفعل، فلو قيل: زيد سيرًا دون تكرار جاز حذفه، وجاز ذكره، جاز فيه الحذف والذكر، لكن لمَّا كُرِّرَ، حينئذٍ وجب حذفه، إذًا كَذَا مُكَرَّرٌ، ورد نائب فعل مسند إلى اسم عين، وَذُو حَصْرٍ أيضًا وَرَدَ نَائِبَ فِعْلٍ لاِسْمِ عَيْنٍ اسْتَنَدْ، كلا المسألتين في التكرار والحصر، ناب فيهما المصدر مناب فعل وقع خبرًا عن اسم عين، إنما أنت سيرًا سيرًا، إنما أنت سيرٌ هذا الأصل، إنما أنت تسير سيرًا، تسير هذا وقع خبرًا لأنت، وهو جثة -اسم عين-، فلما وقع محصورًا: إنما أنت سيرًا، حينئذٍ نقول: الحصر قام مقام الفعل الذي حذف، فحينئذٍ وجب حذفه، فسيرًا هذا قائم مقام الفعل، وهذا الفعل وقع خبرًا لأنت.
إذًا قوله: كَذَا مُكَرَّرٌ في الحكم، كذا في الحكم، كَذَا هذا خبر مقدم، ومُكَرَّرٌ مبتدأ مؤخر، وَذُو حَصْرٍ إما بإلا وإما بإنما، وَرَدَ نَائِبَ فِعْلٍ، ورد كل منهما، من المكرر والمحصور نائب فعل. عرفنا أن الأصل في هذا الباب كله، نيابة المصدر عن الفعل. لاِسْمِ عَيْنٍ يعني لمبتدأ هو اسم عين، اسْتَنَدْ يعني صار مسندًا لاسم العين، وإذا كان مسندًا لاسم العين فهو خبر.
[ ٥٦ / ١٤ ]
قوله: وَرَدْ، الأصل أن يقول: وردا نائبي فعل لاسم عين استندا، هذا الأصل، إذا قلت: الزيدان -زيد وزيد- قام أو قاما؟ قاما، زيد وزيد قاما، كما تقول: الزيدان قاما، واجب التثنية أو جائز؟ يجب أن يطابق الضمير وهو فاعل لمفسِّره؛ لأن الزيدان هذا مفسِّر، وقاما الألف هذه مفسَّر، إذًا لا بد من المطابقة، إذا كان المرجع مثنىً، وجب أن يكون تفسير الألف هنا –الضمير- بالتثنية، وإذا كان جمعًا وجب أن يأتي بالواو، الزيدون قاموا، هنا قال: مُكَرَّرٌ وَذُو حَصْرٍ، ذكر اثنين، الأصل أن يقول: وردا نائبي فعل لاسم عين استندا، الجواب أن يقال: بأنه (ورد) كل منهما، حينئذٍ رد الضمير بما ذكر، يعني: أوَّل، على التأويل، ورد ما ذكر نائب فعل، فحينئذٍ إذا رَدَّ الضمير، وأرجع الضمير مؤوِلًا بالمذكور، لا يشترط فيه المطابقة، كأنه قال: ورَدَ كل منهما، ولا يحتاج إلى التثنية، إذا أولنا بالمذكور -اللفظ المذكور- هذا وارد حتى في القرآن، حينئذٍ نقول: هذا النوع من إرجاع الضمير إلى المعنى -الشيء المذكور السابق-، والمذكور شيء واحد، ورد ذلك المذكور، حينئذٍ نقول: لفظ المذكور هذا شيء واحد، فرد إليه الضمير مفردًا.
كَذَا مُكَرَّرٌ وَذُو حَصْرٍ بإلا أو بإنما، وَرَدَ نائب فعل، وَرَدَ صفة، نَائِبَ فِعْلٍ هذا حال من فاعل وَرَدَ، لاِسْمِ عَيْنٍ اسْتَنَدْ، استند لاسم عين، متعلق بـ استند، واستند هذا نعت لفعل، نَائِبَ فِعْلٍ استند لاِسْمِ عَيْنٍ، أنت سيرًا سيرًا، وإنما أنت سيرًا سيرًا، فالتكرار عوض من اللفظ بالفعل، والحصر ينوب مناب التكرار، فلو لم يكن مكررًا ولا محصورًا جاز الإضمار والإظهار، نحو أنت سيرًا، أنت سيرًا يجوز فيه الإظهار والإضمار، وكذلك أنت تسير سيرًا جاز فيه الإضمار والإظهار؛ لأنه غير محصور، فإن استند لاسم معنىً، لا لاسم عين، حينئذٍ وجب فيه الرفع على الخبرية، لو قال: أَمرُك سيرٌ سيرٌ، سيرٌ سيرٌ: خبر، أمرك: مبتدأ، لماذا لا نقول مثل ما قلنا: زيد سيرًا سيرًا؟ لأنه أخبر به عن اسم معنى، أمر ليس بجثة، حينئذٍ وجب الرفع على الخبرية، وإنما سيرك سير البريد، هنا محصور، لكنه لما وقع خبرًا لاسم معنى، حينئذٍ وجب الرفع.
إذًا قوله: لاِسْمِ عَيْنٍ هذا شرط، فإن انتفى حينئذٍ وجب الرفع على الخبرية لما ذكرناه، فيجب أن يرفع على الخبرية هنا لعدم الاحتياج إلى إضمار فعل، بخلافه بعد اسم العين؛ لأنه يؤمن معه اعتقاد الخبرية، إذ المعنى لا يخبر به عن العين إلا مجازًا، وهذا سبق معنا: زيد عدل، قلنا: عدل هذا معنى، لا يخبر به عن الذات، إلا مجازًا كقوله: فإِنما هىَ إِقْبالٌ وإِدْبارُ، أي: ذات إقبال، وذات إدبار.
[ ٥٦ / ١٥ ]
قال الشارح: أي كذلك يحذف عامل المصدر وجوبًا، إذا ناب المصدر عن فعل استند لاسم عين، يعني عن فعل صار خبرًا، أي أخبر به عنه، وكان المصدر مكررًا، أو محصورًا، فمثال المكرر: زيد سيرًا سيرًا، والتقدير زيد يسير سيرًا، فحُذف يسيرُ وجوبًا لقيام التكرير مقامه، ومثال المحصور: ما زيد إلا سيرًا، وإنما زيد سيرًا، والتقدير: ما زيد إلا يسير سيرًا، -والأصل لا يُمثَّل بالتكرار-، وإنما زيد يسير سيرًا، فحذف يسير وجوبًا لما في الحصر من التأكيد القائم مقام التكرير، فإن لم يكرر ولم يحصر لم يجب الحذف؛ زيد سيرًا، وهذا جائز الذكر وجائز الحذف، زيد يسير سيرًا، فإن شئت حذفت يسير، وإن شئت صرحت به.
إذًا النوع الثالث: إذا كان المصدر مكررًا أو محصورًا ووقع نائب مناب فعل، وهذا الفعل قد أخبر به عن اسم عين، بهذه الشروط حينئذٍ يجب حذف العامل، إن انتفت أو انتفى بعضها، حينئذٍ رُفِع أو نُصِب لا على المفعولية المطلقة.
وَمِنْهُ -وهذا الموضع الرابع والخامس-:
وَمِنْهُ مَا يَدْعُونَهُ مُؤَكِّدَا لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَالْمُبْتَداَ
نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفَا وَالثَّانِ كَابْنِي أَنْتَ حقًَّا صِرْفَا
[ ٥٦ / ١٦ ]
وَمِنْهُ أي: مما وجب حذف عامله، والحَذْفُ حَتْمٌ، مِنْهُ أي من المصدر الذي حذف عامله حتمًا، مَا يَدْعُونَهُ، مَا مبتدأ بمعنى الذي، يصدق على مصدر، -مصدرٌ بالرفع-، يَدْعُونَهُ مُؤَكِّدًَا يسمونه موكِّدًا، مُؤَكِّدًَا مفعول ثاني، والهاء مفعول أول؛ لأن سمى يتعدى إلى اثنين، الثاني قد يتعدى إليه بنفسه وقد يتعدى إليه بالباء، يسمونه مؤكِّدًا، أو يسمونه بالمؤكِّد، يجوز فيه الوجهان، وَمِنْهُ مَا أي المصدر الذي حذف عامله حتمًا، يَدْعُونَهُ يسمونه، مُؤَكِّدًَا هذا مفعول ثاني، إما لِنَفْسهِ أو لغَيْرِهِ، يعني له قسمان: قسم يسمى مؤكدًا لنفسه، وقسم يسمى مؤكدًا لغيره، فَالْمُبْتَداَ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، الْمُبْتَداَ ما هو المبتدأ؟ يعني المفتتح به بالتقسيم، هنا لف ونشر مرتب، فَالْمُبْتَداَ الذي هو المؤكد بنفسه، نَحْوُ مثل، لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفَا، عُرْفًَا هذا مصدر، أنيب مناب الفعل، ما هو الفعل؟؟؟؟ اعترافًا مصدر أو نائب أو اسم المصدر؟ اعترفت عرفًا أو اعترافًا؟ عرفًا اسم مصدر، إذًا هنا من باب التوسع قال: عرفًا مصدر، نسميه مصدر لا بأس، لَهُ عَلَيَّ، لَهُ هذا خبر مقدم، وأَلْفٌ هذا مبتدأ مؤخر، وعَلَيَّ هذا حال من الضمير المستتر المتعلق به لَهُ، لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ يعني: ألف دينار أو درهم أو ريال، عُرْفًَا أي اعترافًا، ما الفرق بين الجملة وبين مدلول المصدر؟ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، لك علي ألف، اعترافًا، ما الفرق بين الجملة: له علي ألف، وبين اعترافًا؟ هي نفسها، ما هو الاعتراف؟ له علي ألف، وما هو له علي ألف؟ الاعتراف، إذًا فيه معنى جديد؟ لا، مدلول المصدر هو عين الجملة، مدلول المصدر الاعتراف، هو عين الجملة، ولذلك سمي مؤكِّدًا لنفسه، فالجملة هي معنى المصدر، وهو أن يسبقه جملة لا تحتمل غيره، يعني غير الاعتراف، لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفَا، قال ابن عقيل: من المصدر المحذوف عامله وجوبًا ما يسمى المؤكد لنفسه، والمؤكد لغيره، فالمؤكد لنفسه: الواقع بعد جملة لا تحتمل غيره -نصًا فيه-، ليس ثم احتمال لغير معنى الاعتراف في قولنا: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، هذا يسمى مؤكدًا لنفسه؛ لأنه وقع بعد جملة لا تحتمل غير معنى المصدر، فإن احتملت غيره -غير المعنى الذي دل عليه المصدر-، حينئذٍ إذا جيء بالمصدر صار مؤكدًا لغيره، وذلك إذا وقع بعد جملة تحتمله وغيره، يعني: ليست نصًا في مدلول معنى المصدر.
[ ٥٦ / ١٧ ]
كَابْنِي أَنْتَ حقَّا، حقًا هذا مصدر، لو قال: أنت ابني، ابني هذا يحتمل أنه ابني بالفعل، ويحتمل أنه مثل ابني، في الحنو والشفقة والمعاملة، يحتمل هذا ويحتمل ذاك، إذًا هذه الجملة ليست نصًا في أحد المعنيين، بل هي محتملة لهذا ومحتملة لذاك، إذا قال: أنت ابني حقًا صارت نصًا بأن المراد بالبنوة هنا حقيقية، فليست من باب الشفقة ونحوها، نقول: هذا المصدر حقًا مؤكِّدٌ لنفسه أو لغيره؟ لغيره وهو الجملة، بخلاف السابق فهو مؤكد لنفسه، إذًا المصدر الواقع مؤكدًا إما أن يؤكد نفسه، وإما أن يؤكد غيره، وكلاهما شرطهما أن يقعا بعد جملة، لا بد، إلا أن المؤكد لنفسه، أن تكون الجملة نصًا، لا تحتمل غير ما دل عليه المصدر، والمؤكد لغيره، أن يقع بعد جملة تحتمله وتحتمل غيره، فليست نصًا في معنى مدلول المصدر، كَابْنِي أَنْتَ حقًَّا. وَالثَّانِ، وهو المؤكد لغيره، وهو ما وقع بعد جملة لها محتمل غيره فتصير به نصًا، كَابْنِي أَنْتَ حقًَّا، ابْنِي هذا خبر، وأَنْتَ هذا مبتدأ، وحقًَّاهذا مفعول مطلق، حُذف عامله وجوبًا؛ أحُقُّه حقًا أي: المذكور، كما حذف هناك: أعترف اعترافًا أو عرفًا، صِرْفًَا هذا نعت للمصدر، حينئذٍ صار مبينًا للنوع أي خالصًا، وسمي بذلك -مؤكدًا لغيره-؛ لأنه أثر في الجملة بخلاف الأول لم يؤثر في الجملة، عُرْفًَا ما أثَّر في الجملة؛ لأن الجملة لا تحتمل غيره، فإنما جيء به من باب تأكيد نفسه، وأما الثاني فهو أثَّر في الجملة؛ لأنه أثَّر في الجملة فكأنه غيرها؛ لأن المؤثِّر غير المؤثَّر فيه، والمؤثَّر فيه هو الجملة، والمؤثِّر هو المصدر.
قال: فالمؤكد لنفسه: هو الواقع بعد جملة لا تحتمل غيره، نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفًَا، أي: اعترافًا، اسم المصدر عرفًا، والمصدر اعترافًا، فاعترافًا مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبًا، والتقدير: أعترف اعترافًا، لماذا وجب حذفه؟ لأنه صار مؤكدًا لنفسه، ما ضابطه؟ وقوعه بعد جملة لا تحتمل غيره، ويسمى مؤكدًا لنفسه؛ لأنه مؤكد للجملة قبله، وهي نفس المصدر، بمعنى أنها لا تحتمل سواه، وهذا هو المراد بقوله: فَالْمُبْتَداَ، أي: فالأول من القسمين المذكورين في البيت الأول، والمؤكد لغيره: هو الواقع بعد جملة تحتمله وتحتمل غيره، فتصير بذكره نصًا فيه: أَنْتَ ابْنِي حقًَّا، فحقًا مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبًا، والتقدير أحقه حقًا، وسمي مؤكدًا لغيره؛ لأن الجملة قبله تصلح له ولغيره .. إلى آخره.
كَذَاكَ ذُو التَّشْبِيهِ بَعْدَ جُمْلَهْ كَلِي بُكًَا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ
هذا الموضع السادس مما يجب فيه حذف عامل المصدر، إذا كان المصدر المراد به التشبيه (المصدر التشبيي).
كَذَاكَ ذُو التَّشْبِيهِ بَعْدَ جُمْلَهْ كَلِي بُكًَا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ
[ ٥٦ / ١٨ ]
كَذَاكَ أي مما يلزم إضمار ناصبه: المصدر الذي يقع تشبيهًا، وهو المصدر المشعر بالحدث الدال على أمر يتجدد، لا على أمر راسخ ثابت، وهذا شرط فيه: أن يكون المصدر دالًا على الحدوث لا على الثبوت، فإن دل على أمر راسخ ثابت، خرج عن الأصل، كَذَاكَ ذُو: كَذَاكَ هذا خبر مقدم، ذُو التَّشْبِيهِ هذا مبتدأ مؤخر، الواقع بَعْدَ جُمْلَهْ، بَعْدَ جُمْلَهْ هذا حال، بَعْدَ جُمْلَهْ وهذه الجملة مشتملة على اسم بمعناه وصاحبه –سيأتي-، كَلِي بُكًَا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ، بُكَاءَ بالنصب، هذا محل الشاهد، وقع بعد جملة، ما هي الجملة؟ لِي بُكًَا، لِي خبر مقدم، وبُكًَا هذا بالقصر مبتدأ مؤخر، إذًا بُكَاءَ وقع بعد جملة، هذه الجملة مشتملة على فاعل المصدر في المعنى، أين هو؟ الياء، لِي بُكًَا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ، من الذي بكى بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ؟ لِي الياء، إذًا اشتملت الجملة السابقة على الفاعل في المعنى، والمراد بالمصدر هنا: التشبيه بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ، إذًا مصدر تشبيهي، وأطلق بعضهم عليه أنه علاجي، بمعنى أنه يدل على الحدوث، شيء بعد شيء، ليس بأمر راسخ، وقع بعد جملة، هذه الجملة فيها ما هو عامل للمصدر المنصوب، وهو قوله: بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ، هذا كم شرط؟ أن يكون مصدر تشبيهي، أن يقع بعد جملة، أن تكون الجملة مشتملة على فاعل ذلك المصدر في المعنى، أن لا يكون في الجملة ما يصلح للعمل في المصدر، حينئذٍ إذا كان فيه كذلك قلنا: خرجت المسألة من أصلها.
فالشروط التي تشترط في صحة حذف هذا العامل وجوبًا سبعة:
الأول: أن يكون مصدرًا.
والثاني: أن يكون علاجيًا.
والثالث: أن يكون المراد به التشبيه -هذه ثلاثة موجودة في قول ابن مالك: بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ-.
والرابع: أن يكون السابق عليه جملة - لِي بُكًَا-.
والخامس: أن تكون هذه الجملة مشتملة على فاعل المصدر، ليس نصًا –لفظًا-، إنما بالمعنى.
والسادس: أن تكون هذه الجملة مشتملة على معنى المصدر- لِي بُكًَا-.
والسابع: أن لا يكون في هذه الجملة ما يصلح للعمل في المصدر.
حينئذٍ إذا توفرت هذه الشروط السبعة، وجب النصب على أنه مفعول مطلق، والعامل فيه محذوف، فإن لم يكن مصدرًا؛ لو قال قائل: لِزيدٍ يدٌ يدُ أسدٍ، هذا تشبيه، لِزيدٍ يدٌ يدُ أسدٍ، يدُ أسد أو يدَ أسد؟ نقول: يدُ أسد، لماذا؟ لأنه ليس بمصدر.
أن يكون مشعرًا بالحدوث –علاجيًا-، لو قال: له عِلمٌ عِلمُ الحكماء، عِلمُ الحكماء أو عِلمَ الحكماء؟ عِلمُ؛ لأن العلم هذا صفة راسخة ثابتة، وهنا الشرط أن يكون علاجيًا، بمعنى أنه يدل على الحدوث.
أن يكون المراد به التشبيه بخلاف: لهُ صَوتٌ حَسَنٌ، -لهُ صَوتٌ مثل لهُ بُكَا-، صوتٌ حسنٌ أو صوتًا حسنًا؟ بالرفع؛ لأنه لم يُرد به التشبيه.
أن يكون سابق عليه جملة بخلاف: صوتُ زيدٍ صوتُ حمار، صوتَ حمار أو صوتُ حمار؟ بالرفع؛ لأنه لم يتقدمه جملة بل تقدمه مفرد.
أن تكون هذه الجملة مشتملة على فاعل المصدر بخلاف: عليه نَوحٌ نَوحُ الحمام، عليه الضمير هنا ليس للنائح، وإنما للمنُوح، فلم تكن بينهما علاقة.
[ ٥٦ / ١٩ ]
أن تكون الجملة مشتملة على معنى المصدر بخلاف: له ضربٌ صوتُ حمار، هذه منفكة، له ضرب صوت حمار، لم تشتمل الجملة على معنى المصدر، بخلاف: لِي بُكًَا بُكَاءَ، فمعنى المصدر موجود في ضمن الجملة.
وأن لا يكون في هذه الجملة ما يصرف العمل في المصدر، مثل: أنا أبكي بكاء ذات عضلة، لو قال: أنا أبكي، لقلنا: لا نحتاج إلى أن نجعل العامل محذوفًا، متى ما أمكن أن يعلق العامل بالمذكور فهو الأصل، ولا يعدل إلى الحذف إلا إذا تعذر تعليقه بالمذكور.
كَذَاكَ أي مثل ما سبق في وجوب حذف العامل، ذُو التَّشْبِيهِ يعني المصدر ذو التشبيه، الواقع بَعْدَ جُمْلَةٍ بالشروط التي ذكرناها.
كَلِي بُكًَا، لِي هذا خبر مقدم، وبُكًَا هذا قصره للضرورة.
بعضهم يقول: البكاء بالقصر هو سيلان الدموع، وبالمد رفع الصوت.
كَلِي بُكًَا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ، لِي بُكًَا الكاف هنا إذا أدخلناها على الجملة، حينئذٍ الأولى أن نجعل الجملة -الجار والمجرور- متعلقًا بمحذوف صفة لجملة، لأنه قال: بَعْدَ جُمْلَةٍ كَلِي بُكًَا، هو لم يذكر الشروط وإنما ذكرها في المثال، حينئذٍ صارت الجملة مقيدة لا مطلقة، لو قلنا: بعد جملة، وذلك كَلِي بُكًَا فصلناها عن السابق، حينئذٍ الشروط قد لا تكون مقرونة بالجملة، والأولى أن نجعلها صفة لقول الجملة.
قال الشارح: لِي بُكًَا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ أي: صاحبة داهية، أو قيل: ممنوعة من النكاح، وقيل: ذَاتُ عُضْلَهْ أي شدة، ضبطها في التوضيح: أن يكون فعلًا علاجيًا تشبيهيًا بعد جملة مشتملة عليه وعلى صاحبه،- هذا مختصر لكل الشروط السابقة-؛ أن يكون فعلًا علاجيًا تشبيهيًا بعد جملة مشتملة عليه وعلى صاحبه.
[ ٥٦ / ٢٠ ]
قال الشارح: أي كذلك يجب حذف عامل المصدر إذا قصد به التشبيه، لا بد أن يكون ذو تشبيه، قصد به التشبيه، فإن لم يقصد به التشبيه خرج عن المسألة، بعد جملة، فإن وقع بعد مفرد لا يكون له الحكم، مشتملة على فاعل المصدر في المعنى، فاعل معنى المصدر كالياء في مثال المصنف، نحو: لزيد صوت صوت حمار، لزيد هذا خبر مقدم، وصوت هذا مبتدأ مؤخر، صوتَ حمار نقول: هذا مصدر تشبيهي، وهو مسبوق بجملة، وهذه الجملة متضمنة لفاعل المصدر وهو زيد، لزيد صوت صوت حمار، صوت الحمار هذا لزيد، كذلك هو فاعل في المصدر، وهذا المصدر -صوت حمار- بدل من اللفظ في فعله، وعامله محذوف وجوبًا، وله بكاء بكاء الثكلى، وصوتَ حمار مصدر تشبيهي، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا، ولم نجعله منصوبًا بقوله: كَلِي بُكًَا؛ لأن كَلِي بُكًَا، ولزيد ضرب، لا يصلح للعمل؛ لأن شرط إعمال المصدر أن يكون بدلًا من الفعل، أو أن والفعل كما سيأتي «لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ» [البقرة:٢٥١] لولا أن يدفع الله، إذا صح أن يؤتى بالفعل، وأن ما دخلت عليه صح إعمال الفعل، وهذا أبرز شروط إعمال المصدر، سيأتي في محله، والتقدير يُصوِّتُ صوت حمار، وقبله جملة، وهي: لزيد صوت، وهي مشتملة على الفاعل في المعنى، وهو زيد، وكذلك: بكاء الثكلى منصوب بفعل محذوف وجوبًا، والتقدير يبكي بكاء الثكلى، فلو لم يكن قبل هذا المصدر جملة، وجب الرفع، نحو: صوته صوت حمار، وبكاؤه بكاء الثكلى، بكاءُ بالرفع، وكذا: لو كان قبله جملة، وليست مشتملة على الفاعل في المعنى: هذا بكاء بكاء الثكلى، وهذا صوت صوت حمار.
ولم يتعرض المصنف في هذا الشرح للمفهوم التمثيلي، إذًا الشروط كلها مأخوذة من المثال. إذًا هذه ست مواضع يجب فيها حذف عامل المصدر، وكلها قياسية، وأما النوع الأول في الخبر فهو سماعي، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد !!!
[ ٥٦ / ٢١ ]