عناصر الدرس
* اللغات في (سوى) وحكم المستثنى بها
* حكم المستثنى بـ (ليس وخلا وعلا ويكون) ـ
* حكم المستثنى بـ (حاشا» واللغات فيها
* شرح الترجمة (الحال) وحده وبعض المسائل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَلِسِوَىً سُوَىً سَوَاءً اجْعَلاَ عَلَى الأَصَحِّ مَا لِغَيْرٍ جُعِلاَ
وَلِسِوَىً كـ (رضى)، سِوَى: (رِضى)، سُوَى: (هُدى)، سَوَاء: (سَمَاء)، بقي واحدة وهي: (سِوَاء) كـ (بِناء)، وهي أغربها؛ ولذلك ترَكَها الناظم، والظاهر أنه لم يذكرها عمدًا.
وَلِسِوَىً سُوَىً سَوَاءً: عدَّدَها بلغاتها، يعني: أراد أن يُبيِّن أن لـ (سِوَى) عدة لغات كلها بدون تفصيل، اجعل لها عَلَى الأَصَحِّ مَا لِغَيْرٍ جُعِلاَ: ما جُعل لـ (غير)، والذي جُعِل لغير هو: ما نُسِب لمستثنىً بـ (إلا)، إذن: كل ما أُعطي لغير كذلك يُعطى سِوَى، إذن لا فرقَ بينهما؛ لكن في الأول قال:
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًَا بِغَيْرٍ مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنىً بِإِلاَّ نُسِبَا
ولم يقل: على الأصح، وهنا قالَ: عَلَى الأَصَحِّ، والأصحُّ: أفعلُ تفضيل، قيل: مقابله الصحيح؛ تأدُّبًا مع سيبويه؛ لأنه خالفَه وخالفَ شيخه الخليل في أن (سِوَى) لا تخرجُ عن الظرفية، فهي مُلازمةٌ لها، الظرفية المكانية، وخالفَهم ابن مالك رحمه الله تعالى لكثرة الشواهد في كون (سِوَى) تأتي مُبتدأً، وتأتي فاعلًا، وتأتي مجرورةً بحرف الجر، وتأتي مُضافةً، وتأتي اسم (إن)، وستأتي الشواهد كلها، هذه كلها تدلُّ على أنها مُتصرّفة، وإذا كان كذلك فحينئذٍ ليست بظرفٍ مُلازمٍ للظرفية، بل قد تأتي -وهذا قول للرماني وغيره- أنها قد تأتي ظرفًا كثيرًا وغيرَ ظرفٍ قليلًا، وخصَّه بعضُهم بالشعر كما سيأتي.
إذا: وَلِسِوىً سُوَىً سَواءٍ اجْعَلاَ: (اجْعَلاَ) الألفُ هذه بدلٌ عن نون التوكيد الخفيفة (اجعلنْ) هذا الأصل فيها، فحينئذٍ (لسِوَىً) هذا مُتعلِّق به، والأصلُ في الفعل المؤكَّد أن لا يتقدَّمَ عليه عامله، ممنوع هذا، ولكن في مثل هذا نقول: من باب الضرورة، الفعل المؤكَّد بنون التوكيد الخفيفة والثقيلة، وكذلك ما دخلت عليه (قد) لأنها من المؤكِّدات، أو لام الابتداء، كل مؤكِّد حينئذٍ يمتنع أن يتقدّمَ معمول المؤكَّد عليه، ولكن في مثل هذه الأبيات -الشعر- يُقال فيه: من باب الضرورة.
إذن: (لِسِوَىً) هذا مُتعلّق بقوله: (اجعل)، على أنه مفعولٌ ثانٍ له.
عَلَى الأَصَحِّ: جار ومجرور متعلق بقوله: (اجْعَلاَ)، خِلافًا لسيبويه والخليل، أي: هو صحيح وما اختارَه الناظم أصحُّ، هو صحيح من قبيل: صحيح وأصح، وهذا من باب أن لا يخالفَ الناظمُ سيبويه فحسب، يخرِّجون هذه التخريجات من أجل أن لا يخالف الناظم سيبويه؛ لأن الأصل موافقة سيبويه وعدم مخالفته، فإذا وُجِد ما يخالف لا بد من التأويل.
[ ٦٢ / ١ ]
(مَا لِغَيْرٍ جُعِلاَ) ما جُعِل لغيرٍ، (ما جُعل) هذه صلة الموصول، والألف هنا للإطلاق، (ما جُعل لغيرٍ)، والذي جُعِل لغير هو الأحكام السابقة من أحكام فيما سبق؛ لأنها مثلُها؛ (سوى وغير) مثلان بمعنى واحد، واستدلّوا على ذلك بأمرين: الأول: إجماعُ أهل اللغة على أن معنى قول القائل: (قاموا سواك) و(قاموا غيرك) المعنى واحد، إذا قلت: قاموا سواك، يعني: إلا أنت، قاموا غيرُك: إلا أنت، فالمعنى واحد. إذن: (سِوى وغير) بمعنى واحد في مثل هذا التركيب. وأنه لا أحد منهم يقولُ: إن (سِوى) عبارة عن مكان أو زمان، هكذا قيل، مع أن سيبويه ظاهر كلامه أنها ظرف، لكن قيل: بأنه لم يقل أحدٌ ممن قال بظرفيتها أنها ظرف مكان أو ظرف زمان، يعني عبارة عن المكان أو الزمان.
والثاني: أن مَن حكمَ بظرفيتها حكمَ بلزوم ذلك وأنها لا تتصرفُ، ولذلك قالوا: مُلازمة للظرفية، وأنها لا تتصرّفُ البتة، وهذا ينقضُهُ ما جاء من شواهد عديدة في تصرُّف (سِوَى) بأنها تكون مبتدأً وتكون وخبرًا وتكون غير ذلك ..
وَلاَ يَنْطِقُ الْفَحْشَاءَ مَنْ كَانَ مِنْهُمُو إِذَا جَلَسُوا مِنَّا وَلاَ مِنْ سِوَائِنَا
(وَلاَ مِنْ سِوَائِنَا) دلَّ على أن (مِن) تدخل على (سوى)، كذلك جاءت قبل ذلك مجرورة، في الحديث: ﴿دعوتُ ربي أن لا يُسلِّط على أمتي عدوًا مِن سوى أنفسهم﴾ (من سوى) من: حرف جر، و(سوى): اسم مجرور، هذا الأصل فيها، كذلك في الحديث: ﴿ما أنتم في سواكم من الأمم ﴾ إلخ، كذلك القول السابق:
إِذَا جَلَسُوا مِنَّا وَلاَ مِنْ سِوَائِنَا
وكذلك:
فَإِنَّنِي وَالَّذِي يَحُجُّ لَهُ النّا سُ بِجَدْوَى سِوَاكَ لَمْ أَثِقِ
ومن استعمالها مرفوعة بالابتداء:
وَإِذَا تُبَاعُ كَرِيمَةٌ أَوْ تُشتَرَى فَسِوَاكَ بَائِعُهَا وَأَنْتَ المُشْتَرِي
(سِوَاكَ) هذا مبتدأ، و(بَائِعُهَا) خبرها.
وكذلك من وقوعها مرفوعةً بالفاعلية:
وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعُدْوَانِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا
فـ (سِوَاكَ) مرفوع بالابتداء، و(سِوَى الْعُدْوَانِ) مرفوع بالفاعلية.
كذلك جاءت منصوبة اسم (إن):
لَدَيْكَ كَفِيلٌ بِالمُنَى لِمُؤَمِّلٍ وَإِنّ سِوَاكَ مَن يُؤَمِّلُهُ يَشْقَى
(وَإِنّ سِوَاكَ) جاءت اسم (إن)، إذن: هذه متصرفة، هذه لا يقال بأنها ملازمة للظرفية، فـ (سواك) اسم (إن)، هذا تقرير كلام المصنف، ولذلك ذهبَ ابن مالك رحمه الله تعالى إلى أنها مثل (غير)، يُستثنى بها كما يُستثنى بـ (غير)، ولكن لا يمثِّلون لـ (سوى)؛ لأنها لا يظهرُ فيها الإعراب، بخلاف (غير)، فالراء حرفٌ صحيح غير معتل، وأما (سوى) هذا مثل: (فتى)، حينئذٍ لا يظهرُ عليها الإعراب، وإلا يُقال: قامَ القوم سوى زيدٍ، هنا النصب مُتعيِّن واجب وهو مقدر، (ما قام القوم سوى زيدٍ) يجوزُ فيه الوجهان، (ما قام سوى زيدٍ) هذا يتعيَّنُ فيه الرفع على أنه فاعل، الحكم واحد مثلها مثل (غير).
[ ٦٢ / ٢ ]
إذن: مذهبُ سيبويه وجمهورُ البصريين أن (سوى) من الظروف اللازمة، أي: الظروف المكانية، بمعنى: مكان بمعنى: عوض، فمعنى: جاء الذي سواك، في الأصل: جاء الذي في مكانك، أي: حلَّ فيه عِوضُك، ثم توسَّعوا واستعملوا (مكانك وسواك) بمعنى: عوض، وإن لم يكن ثَم حلولٌ فظرفيتُها مجازية، ولهذا لم يتصرَّفا. إذن: مذهب سيبويه أنها لا تخرج عن الظرفية بل تلازمُها، إلا في الشعر، فما جاءَ مما استدلَّ به الناظم قالوا: هذا في الشعر خاصّة، والكلام في النثر لا في الشعر؛ لأنها يُوصَل بها الموصول: جاء الذي سواك، قالوا: ولا تخرجُ عن الظرفية إلا في الشعر، وقال الرماني والعكبري: تُستعمَل ظرفًا غالبًا وكـ (غيرٍ) قليلًا، قال ابنُ هشام في الأوضح: وإلى هذا أذهبُ .. قول الرماني إلى أنها تأتي ظرفًا غالبًا وكـ (غيرٍ) قليلًا، وما استُشهِدَ به على خلاف ذلك يحتمل التأويل.
تُفارِق (سوى) (غيرًا) في أمرين؛ الأول: أن المستثنى بغير قد يُحذَف إذا فُهِم المعنى، نحو: ليس غيرُ، قامَ القومُ ليس غيرُ، ليس غيرَ، ليس غيرًَِا –بالتنوين-؛ يجوز فيها، إذن: حُذِف ما بعدَ (غير) الذي هو المستثنى بها إذا فُهِم المعنى بخلاف سوى.
ثانيًا: سِوى تقعُ صلةَ الموصول في فصيحِ الكلام بخلاف غير: جاء الذي سِواك، واكتفينا بها، هذا مثل: جاء الذي عندك، أو في الدار، اكتفينا بها، أين المبتدأ والخبر؟ جاء الذي استقرَّ سواك، إذن: نقدِّر لها فعلًا محذوفًا، فدلَّ على أنها ظرف، هذا عند سيبويه.
إذن: نقول: (سِوى) هذه مثل (غير) عندَ الناظم، وسوَّى بينهما لما ذكرناه من الدليلين أن: قاموا سِواك وقاموا غيرُك بمعنى واحد، المراد به الاستثناء، كذلك ما ورد في الأبيات السابقة من ذكرها مبتدأً وذكرها خبرًا وفاعلًا واسم (إن) .. إلى آخره، هذا التصرف التام، هذا معنى التصرف، وإذا كان كذلك هذا ينافي الظرفية.
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًَا بِغَيْرٍ مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنىً بِإِلاَّ نُسِبَا
وَلِسِوَىً سُوَىً سَوَاءً اجْعَلاَ عَلَى الأَصَحِّ مَا لِغَيْرٍ جُعِلاَ
إذن: هذان اسمان يُستثنى بهما عند الناظم، أما (غير) فمحلُّ وفاق، وأما (سوى) فهذا محلُّ نظرٍ عند سيبويه وغيره، ولذلك قالَ الشارح: وأما سِوى فالمشهورُ فيها كسر السين والقصر (سِوى)، ومن العرب من يفتح سينها (سَواء) ويمدَّ، ومنهم من يضم سينها ويقصر (سُوى) كـ (هُدى)، ومنهم من يكسِرُ سينها ويمدّ (سِواء) بالكسر كـ (بناء)، وهذه اللغة لم يذكرها المصنف لأنها غريبة وقل من ذكرها، وممن ذكرها الفاسي في شرحه للشاطبية، -هذا طُبع الآن- ومذهب سيبويه والفراء وغيرهما أنها لا تكون إلا ظرفًا -يعني: ظرف مكان- فإذا قلت: قامَ القوم سوى زيد، فسوى عندَهم منصوبة على الظرفية ليست استثناء مثل (غير)، وهي مُشعِرة بالاستثناء، ولا تخرجُ عندهم عن الظرفية إلا في ضرورة الشعر، واختارَ المصنف أنها كغير فتُعامَل بما تعامل به غير من الرفع والنصب والجر، وإلى هذا أشارَ بقوله السابق.
ثم قال ﵀:
وَاسْتَثْنِ نَاصِبًَا بِلَيْسَ وَخَلاَ وَبِعَدَا وَبِيَكُونُ بَعْدَ لاَ
[ ٦٢ / ٣ ]
(وَاسْتَثْنِ نَاصِبًَا): وجوبًا (وَاسْتَثْنِ) أنت (نَاصِبًَا)، (نَاصِبًَا) إعرابه: حال من الفاعل المستتر في (اسْتَثْنِ)، استثنِ أنت وجوبًا حال كونك ناصبًا، ناصبًا وجوبًا للمستثنى، ولكن المستثنى هنا عيَّنَ له أربعة ألفاظ: (ليس، وخلا، وعدا، وبيكون) وشرَطَ لها (لا) النافية دون أخواتها، هذه الأربعة تكون مُستثنيات، يعني: مما يُستثنى بها، لكن لا يُسمى مستثنى، وإنما الاستثناء هنا وافق من جهة المعنى، وصارَ الإخراجُ معنى، وأما في اللفظ فلا، ولذلك تقولُ: قامَ القوم ليس زيدًا، زيدًا هذا: خبر ليس، لا تقل: مُستثنى ليس عندنا هنا مستثنى في اللفظ، وإنما هو من جهة المعنى فيه إخراج، قامَ القوم ليس زيدًا، فـ (ليس) هذا فعل ماضي ناقص، واسمها ضميرُ مُستتِر وجوبًا، وزيدًا خبرها، فليس عندنا هنا مستثنى.
وَاسْتَثْنِ نَاصِبًا وجوبًا نَاصِبًا بِلَيْسَ وَخَلاَ وَبِعَدَا وَبِيَكُونُ بَعْدَ لاَ حينئذٍ تقول: قامَ القوم ليس زيدًا، وقامَ القوم خلا زيدًا؛ لأنه قال: ناصبًا، وعدَّ منها: خلا، إذن: تنصبُ بخلا فتقول: قامَ القوم خلا زيدًا، وقامَ القوم عدا زيدًا، وقام القوم لا يكون زيدًا، وحينئذٍ (ليسَ زيدًا)، زيدًا: خبر ليس، وخلا زيدًا، زيدًا: مفعولٌ به منصوب لخلا، و(عدا) مثلُها، ولا يكون زيدًا، اسم (يكون) ضمير مستترٌ وجوبًا، و(زيدًا) هذا مثل (ليس) يُعتبر خبر يكون، إذن ليس عندنا مستثنى، وإنما النصب يكون مُتعيّنًا في موضعين اثنين مما ذكره الناظم، وهما: (ليس ولا يكون)، وأما (خلا وعدا) فيجوزُ فيها الوجهان: النصب والخفض، وهنا إذا تجرَّدت عن (ما) فالأرجح النصب، ولذلك ذكرَها الناظم هنا مع (ليس ولا يكون)، فدلَّ على أن (خَلاَ وَعَدَا) إذا خلت من (ما) لم تسبقها (ما) الأرجح فيها النصب على الجر: فقامَ القوم خلا زيدًا، أرجحُ من: خلا زيدٍ، وقامَ القوم عدا زيدًا، أرجحُ من: عدا زيدٍ، وهذا يدلُّ على أن الناظم قصد هذا المعنى لقرنها أو قرن هذين الحرفين أو الفعلين بـ (ليس ولا يكون). (وَاسْتَثْنِ نَاصِبًا بِلَيْسَ وَخَلاَ وَبِعَدَا وَبِيَكُونُ) بهذا اللفظ، يعني: (كان) ماضيًا لا يصلح، وإنما (يكون) بهذه الصيغة، كما قال هناك: (وَقَدْ تُزَادُ كَانَ) كان بلفظ الماضي، إذن قصَدَ اللفظ، وهنا: (وبيكون) قصدَ اللفظ، بيكون: الباء حرف جر، ويكون: قُصِد لفظُه فهو اسمٌ مجرور بالباء، وجرّهُ كسرة مقدّرة على آخره منعَ من ظهورها اشتغالُ المحلّ بحركة الحكاية وهي الضمّة؛ لأنه حكاهُ مرفوعًا، (وَبِيَكُونُ بَعْدَ لاَ) النافية .. بعد (لا) النافية، ولا تُستعمَل (يكون) في الاستثناء مع غير (لا) من أدوات النفي، إذن: على خصوص (يكون) من جهة المضارع و(لا) من جهة النفي دون غيرها من أدوات النفي.
[ ٦٢ / ٤ ]
قالَ الشارح: استثنِ بليس وما بعدَها ناصِبًا المستثنى، فتقول: قامَ القومُ ليس زيدًا، فـ (زيدًا) من قولك: "ليس زيدًا ولا يكونُ زيدًا": منصوب على أنه خبر ليس ولا يكون، واسمها: ضميرٌ مستتر وجوبًا باتفاق، وإنما اختلفوا في المرجع، على أيّ شيءٍ يرجع؟ المشهور عندهم أنه يعودُ إلى البعض المفهوم من القوم، البعض من القوم: قامَ القوم ليس زيدًا: ليسَ بعضُهم زيدًا، قام القوم لا يكونُ زيدًا: لا يكون البعضُ زيدًا، فحينئذٍ عادَ إلى البعض المفهوم من القوم، هذا المشهور عند النحاة، وقيل: مرجعُهُ اسم فاعل، يعني وصف مفهوم من السابق، والتقدير: ليس هو أي: القائم، وهذا اختارَهُ ابن هشام في الأوضح، ليس هو، أي: القائم زيدًا، ومثله اسم المفعول نحو: أكرمتُ القوم ليسَ زيدًا، ليس المكرَمُ زيدًا، إذن: عادَ إلى الوصف.
والثالث: أن مرجعَهُ مصدر الفعل السابق العامل في المستثنى منه، فحينئذٍ: قامَ القوم خلا زيدًا: خلا القيامُ، خلا هو أي: القيام، وهذا ضعيف، والسابق كذلك ضعيف، والأشهر هو الأول وهو الظاهر، أنه يعودُ إلى البعض المفهوم من الكلّ السابق: قامَ القوم ليس زيدًا: ليسَ البعضُ زيدًا، وهذا واضح، ولذلك قال هنا: ويضعف الوجهين الثاني والثالث، -يعني: تقديره بالوصف سواءً كان اسم فاعل أو اسم مفعول، والثالث: أنه مصدر- عدمُ الاطراد؛ لأنه لا يكونُ هناك فعلٌ نحو: القوم إخوتك ليسَ زيدًا. هنا قال: والمشهور أنه عائِدٌ على البعض المفهوم مِن القوم، والتقدير: ليسَ بعضُهم زيدًا، ولا يكون بعضُهم زيدًا، وهو مُستتِرٌ وجوبًا، وفي قولك: خلا زيدًا، وعدا زيدًا (زيدًا) هذا منصوبٌ على المفعولية، ولو لم تتقدَّم (ما) المصدرية؛ لأنها يجوزُ فيها الوجهان، وخلا وعدا فعلان فاعلهما في المشهور الخلافُ فيهما كالخلاف في ليس، ولذلك يقول: خلا وعدا فعلان غير متصرِّفين؛ لوقوعهما موقع (إلا)، وانتصابُ المستثنى بهما على المفعولية، وفاعلهما ضميرٌ مُستتر، وفي مرجعه الخلاف في ليس، والصوابُ أنه ضميرٌ عائدٌ على البعض المفهوم من القوم، وهو مُستترٌ وجوبًا والتقدير: خلا بعضُهم زيدًا وعدا بعضُهم زيدًا.
[ ٦٢ / ٥ ]
هذه الأربع الجمل إذا قيل: قام القومُ خلا زيدًا، عدا زيدًا، ليس زيدًا، لا يكون زيدًا، الجملة ما محلها؟ موضعُ جملة الاستثناء من هذه الأربع نصبٌ على الحال، هذا المشهور، إذن قامَ القومُ خلا زيدًا، نقول: الجملة في محلِّ نصب حال، وعدا زيدًا: في محلِّ نصب حال، ولا يكون وليس: في محلّ نصب حال، حينئذٍ يَرِد الإشكال في (خلا وليس وعدا): أن الجملة الحالية -كما سيأتي- إذا كانت ماضوية وجَبَ اقترانها بـ (قد)، حينئذٍ ما الإشكال هنا؟ (خلا زيدًا) إذا قلنا: حال لا بدّ أن ندخل عليها (قد): قد خلا زيدًا، قد عدا زيدًا، قد ليسَ زيدًا، وأما (لا يكون) فهي مضارعية فلا إشكال، وأما الماضوية فلا بدّ من إدخال (قد) عليها، ولم تقترن بـ (قد) في ليسَ وخلا وعدا مع كونهما ماضوية لاستثناء أفعال الاستثناء، سيأتي أن ثَم خلاف في دخول قد على الجملة الحالية إذا كانت أفعال الاستثناء، وبعضهم استثناها، حينئذٍ إذا استُثنيت لا إشكال، إذن دخول (قد) على الجملة الماضوية إذا وقعت حالًا في غير أفعال الاستثناء فلا اعتراض حينئذٍ، ومحلُّ ذلك الأفعال المتصرِّفة.
وقيلَ: مُستأنفة لا موضعَ لها، نقول: لاستثناء أفعال الاستثناء، أو يقالُ: محلُّ ذلك الأفعال المتصرفة لا الجامدة، إذن يُجابُ بعدمِ دخول (قد) على خلا وعدا وليس، وهي في موضع نَصبٍِ على الحال مع كونها ماضوية، إما أن يُقال باستثناء أفعال الاستثناء، وإما أن يُقال بأن قد تُشترَط في الأفعال المتصرِّفة وأما الجامدة فلا، وقيلَ: مُستأنفة لا موضعَ لها، يعني: غير مُتعلِّقة بما قبلها في الإعراب، وإن تعلَّقت به في المعنى، تقول: قامَ القوم خلا زيدًا، لا محلَّ لها من الإعراب، لا محل لها من الإعراب يعني: لا علاقة لها بما قبلَها، وإذا قيل بأنها في موضع حال حينئذٍ صارت الجملةُ مُرتبطة بما قبلها؛ لأن العاملَ في موضع الحال هو (قام)، وإذا قيلَ: لا موضع لها حينئذٍ انفصلت من جهة الإعراب لا من جهة المعنى؛ لأن المعنى تابع لا يمكن أن تنفصل، ونبَّه بقوله: (وَبِيَكُونُ بَعْدَ لاَ) وهو قَيدٌ في (يكون) فقط على أنه لا يُستعمَل في الاستثناء من لفظ الكون غير (يكون) -غير مضاف ويكون مضاف إليه- وأنها لا تُستعمَل فيه إلا بعد (لا) على جهة الخصوص دون (لم، وإن، ولن، ولما، وما).
وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ يَكُونُ إِنْ تُرِدْ وَبَعْدَ مَا انْصِبْ وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ
(سَابِقَيْ يَكُونُ) وهما: خلا وعدا، ليس ولا يكون واجبُ النصب، وأما خلا وعدا فلهما حالان: إما أن يتجرَّدا عن (ما) المصدرية، حينئذٍ فيهما وجهان: الجرُّ والنصبُ، والنصبُ أرجح، والدليل على ذلك: أن هذا رأي ابن مالك أنه عدَّها مع ليس ولا يكون، فدلَّ على أن النصب بها أرجحُ من الجرّ.
الوجه الثاني فيما إذا لم تتقدَّم عليها (ما) المصدرية: الجر، حينئذٍ لك حالان: "قامَ القوم خلا زيدًا"، "قامَ القوم خلا زيدٍ"، حرفُ جرّ .. سيأتي عدُّها من حروف الجر، "قامَ القوم عدا زيدًا" بالنصب، "قامَ القوم خلا عدا زيدٍ"، بالجرّ، إذن جازَ فيها الوجهان والنصبُ أرجح.
[ ٦٢ / ٦ ]
قال: (وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ يَكًُونُ) سابقي يكون في البيت السابق، قال اسْتَثْنِ نَاصِبًا بِلَيْسَ، ثم قال: خَلاَ وَبِعَدَا وَبِيَكُونُ، ما الذي سبقَ (يكون) سَابِقَيْ بالتثنية؟ خلا وعدا، إذن اجرُر بهما ما بعدَهما، وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ يَكُونُ وهما: خلا وعدا إِنْ تُرِدْ الجرّ إن أردتَ الجرّ جُرَّ بهما، لكن هنا المراد بالجر متى؟ عند التجرد، ويدلُّ على ذلك شيء آخر: أنه أحال على سابقَي يكون وهو قد ذكرهما مجرَّدتين، فدلَّ على أن شرطَ الجرِّ هو التجرد عن (ما) المصدرية، (وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ يَكُونُ) حينئذٍ نأخذُ شرطَ التجرُّد عن (ما) المصدرية بكونه أحالَ على البيت السابق وقد ذكرهما مجرَّدتين، وفُهِم شرطُ التجريد بالإحال على لفظهما وهما خاليان من (ما)؛ لأنه قال: بِسَابِقَيْ يَكُونُ، إِنْ تُرِدْ الْجَرِّ فاجرُر، أما إذا ما أردتَ فنصبتَ حينئذٍ لك مسلك ولك مخرج، إما هذا وإما ذاك، فهو فصيحٌ في لسان عرب؛ إِنْ تُرِدْ الجرّ فإنه جائزٌ وإن كانَ قليلًا والنصبُ أرجح، هُنا لا يُلامُ من أخذَ بما دون الفصيح؛ لأن هذا وارِدٌ في لسان العرب وهذا كذلك واردٌ في لسان العرب، حينئذٍ من اختارَ الأحسن أن يتكلَّم الإنسان بما هو أفصح وأن يحملَ القرآن على ما هو أفصح، لكن إذا لم يمكن حينئذٍ على ما هو دونه وهو فصيح يعني سائغ في كلام عرب فلا إشكال، وأما:
وَالخُلْفُ إِنْ كَان فَخُذْ بِالأَسْهَلِ فِي النَّحْوِ لاَ فِي غَيرِهِ فَالأَفْضَلِ
نقول: هذا تَلاعُبٌ بالنحو ولا يُحال عليه، بل هذا من تتبّعِ الرُّخص، نقول: هذا ممنوعٌ، لماذا؟ لأن لسانَ العرب مطّرد ونحن الآن بعدَ هجر اللغات يعني لم يتكلم أرباب القرى والقبائل باللغة، حينئذٍ رجعنا إلى اللغة الأم الفصحى، وإلا لو وُجِد بنو تميم بلسانهم المحفوظ وقريش والحجازيون .. إلخ كلٌّ يتكلّمُ بلسانه، لكن إذا لم يُوجَد حينئذٍ رجعنا إلى الأفصح، وأما مثلُ هذه القواعد أنه يتتبّع الرخص وخُذ الأسهل وحينئذٍ يُحمَل القرآن على هذا نقول: لا، هذا تلاعب، هذا ليس بصحيح، بل الصواب أنه يُعمل بالأفصح وخاصّة في القرآن، القرآن لا يجوز أن يُحمَل على لغة شاذة البتة لا يجوز، ولذلك أكثر المفسِّرين على أنهم إذا جاءوا في قوله تعالى: «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» [الأنبياء:٣] نقول: لا يمكنُ حملُها على لغة (أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ) البتة، مع أن ظاهرها (وَأَسَرُّوا) بالواو (النَّجْوَى) مَفعولٌ به (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، فلا بُدّ من التقديم والتأخير: (الذين ظلموا أسرّوا النجوى) لا بد من هذا، «ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ» [المائدة:٧١] (عَموا) بالواو (وَصَمُّوا) بالواو فهي فاعل في الأصل، لكن نقول: لا (كَثِيرٌ مِنْهُمْ) هذا مُبتدأ مؤخَّر، و(عَمُوا) الجملة خبر مُقدّم، ولا نحمله على لغة (أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ) فإنها ليست فصيحة.
[ ٦٢ / ٧ ]
وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ يَكُونُ إِنْ تُرِدْ الجرَّ فإنه جائزٌ وإن كان قليلًا، حينئذٍ هل لهما مُتعلَّق؟ إذا جرَرنا بخلا وعدا هل هو مثل: مررتُ بزيدٍ، بزيدٍ نقول؟؟؟: الباء متعلّقة بمرّ؟ هل هي مثلها؟ قيل: نعم يتعلَّقان حينئذٍ بما قبلَهما من فعلٍ أو شبهِه، تقولُ: قامَ القوم خلا زيدٍ، خلا زيدٍ: جار ومجرور مُتعلّق بقوله: قام، مثلما تقول: مررت بزيدٍ، بزيدٍ: جار ومجرور متعلق بمر، مثله لماذا؟ لأنه حرفُ جرّ، والأصل في حرف الجر إن كان أصليًا حينئذٍ على القاعدة:
لاَ بُدَّ لِلجَارِّ مِن التَّعَلُّقِ بِفِعلٍ أَو مَعنَاهُ نَحوَ مُرتَقِي
لا بد للجار الأصلي، أما الزائد والشبيه فلا، وسيأتينا في باب حروف الجر.
الحروفُ ثلاثة أقسام: جرّ أصلي وهذا الذي يحتاج إلى مُتعلّق، وأما الزائد -هذا كما نذكره دائمًا: «هَلْ مِنْ خَالِقٍ» [فاطر:٣] «مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ» [المائدة:١٩] (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ) هذه كلّها زائدة والمراد بها التأكيد، ليس لها متعلق، لا نقول: مِنْ بَشِيرٍ جار ومجرور متعلق بـ جَاءَ، لا، بل (من) هنا دخولها وخروجها سواء يعني لا تؤثِّر، لم تنقل الفاعل عن كونه فاعل إلى كونه مجرورًا، بخلاف إذا قلت: جاء زيدٌ ثم تقول: مررتُ بزيدٍ، الباء نقلت زيدًا من كونه فاعلًا إلى كونه مجرورًا بحرف الجر، هنا أثّرت لأنها جاءت في معناها الأصلي، وأما «مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ» [المائدة:١٩] (بَشِيرٍ) هو هو فاعل: ما جاءنا بشيرٌ بالرفع لأنه فاعل، (مِنْ بَشِيرٍ) فاعل أيضًا، فحينئذٍ لم تنقله عن أصله، وحينئذٍ نقول: هذا لا يحتاج إلى مُتعلَّق، خلا زيدٍ نقول: جار ومجرور مُتعلّق بقوله: قام الذي سبق، يتعلقان حينئذٍ بما قبلهما من فعلٍ أو شبهه على قاعدة حروف الجر؛ إذ موضعُ مجرورِها نصبٌ بالفعل أو شبهه، (مررتُ بزيدٍ) قالوا: زيد هنا في محلّ نصب؛ لأن (مرَّ) هذا من حيث المعنى يتعدّى من حيث المعنى حَدثٌ يتعدّى، لكن لا يتعدى بنفسه فاحتجنا إلى حرف جرّ، وهذا ما سبق في قوله: (وَعَدِّ لاَزِمًا بِحَرْفِ جَرِّ). أما ما لا يحتاج: قام زيدٌ، يحتاج إلى تعدِّي؟ قام زيدٌ؟؟؟ بالقيام، جلس عمروٌ، لا يحتاج، أما: جلسَ زيدٌ على الكرسي يحتاج إلى تعدّي لأن الجلوس متعدّي، "قامَ زيد" غير متعدي، "مرَّ زيدٌ" مرّ بمن؟ المرور وقع على من؟ الجلوس وقع على أي شيء؟ إذن لا بدّ من حدثٍ، وهذا الحدث يتعدّى، كونُه لا يتعدّى بنفسه هذا معنى كونه لازمًا، حينئذٍ إذا أردنا تعديته إلى مفعوله في المعنى لا بدّ من حرف جر: مررتُ بزيدٍ، إذن زيد في المعنى مفعول به، وهذا الذي عناهُ في المعنى مفعول به، وكذلك: جلستُ على الكرسيِّ، الكرسي هذا مفعولٌ به؛ لأنه وقعَ عليه فعل الفاعل .. ضربتُ زيدًا، جلستُ على الكرسي، الكرسي وزيد لا فرقَ بينهما من جهة المعنى، مع كون الكرسي هذا مجرور بـ (على) وزيدًا منصوب على أنه مفعولٌ به، والذي أثّرَ في هذا دون ذاك هو الفعلُ ذاته نفسه بالنظر إليه، ذاك مُتعدٍّ وهذا لازمٌ، والتعدي قد يكون اصطلاحًا بمعنى أنه له أثر، وقد يكون من جهة المعنى، فمرّ مُتعدٍ من جهة المعنى، وضربَ مُتعدٍ لفظًا ومعنى.
[ ٦٢ / ٨ ]
إذن: يتعلَّقان حينئذٍ بما قبلَهما من فعلٍ أو شبهه على قاعدة حروف الجر؛ إذ موضعُ مجرورِها نصبٌ بالفعل أو شبهه، وقيل: موضعُهما نَصبٌ عن تمام الكلام أي: موضعُ مجرورِهما نصبٌ ناشئٌ عن تمام الكلام أي: تمام الجملة قبلهما، فتكونُ هي الناصبة ولا تعلُّقَ بالحرف حينئذٍ.
إذن: قولان؛ خلا زيدٍ متعلق بقام "قام القوم خلا زيدٍ"، فقيل لا "خلا زيدٍ" ليس متعلقًا بما قبلهم وإنما ما بعدَه في محل نصبٍ، بماذا؟ بتمام الكلام، كأنهم جعلوا تمام الكلام عاملا، إذا تم الكلام حينئذٍ نُصب ما بعده، هذا فيه إشكال والصواب هو الأول.
وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ يَكُونُ إِنْ تُرِدْ: إذن سَابِقَيْ يَكُونُ هما خلا وعدا إذا جُرِّدتا عن (ما)، فأما إذا دخلت عليهما ما فعندَ جماهير النُحاة أنه يتعين النصب ويجب، لأن ما هذه مصدرية، وإذا كانت ما مصدرية حينئذٍ لا تدخل إلا على الفعل، يعني لا تختص إلا بالفعل، فإذا كانت خلا مُحتمِلة للفعلية والحرفية حينئذٍ إذا دخلت عيلها ما المصدرية عيّنتها خصصتها للفعلية فلا يجوز ما بعدَها إلا النصب، فتقول: قام القوم ما خلا زيدًا ولا يجوزُ ما خلا زيدٍ بالجر، لماذا؟ لأن ما خلا زيدٍ، زيدٍ نقول هنا جُعلت (ما) زائدة، وهذا خلافُ القياس، لأن (ما) الزائدة إنما تُزادُ بعدَ الحرفِ لا قبلَه، فَبِمَا رَحْمَةٍ .. (ما)، فَبِمَا إذن دخلت الباء ثم (ما) ثم رحمةٍ هذا قياس، "عما قليلٍ" إذن دخلت ما الزائدة بعد الحرف لا قبله، فنقول في هذا التركيب "ما خلا زيدٍ" فيه ضعفٌ من هذه الجهة.
وَبَعْدَ (مَا) انْصِبْ وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ، وبعدَ ما المصدرية انصِب وجوبًا ليس على الجواز كما هو في الشأن إذا لم تتقدَّم عليها ما، لا؛ واجبُ النصب، ولذا قال: وَبَعْدَ مَا المصدرية انْصِبْ حتمًا لأنهما تعيَّنا بها للفعلية، فلما دخلت ما المصدرية حينئذٍ صارَ (عدا وخلا) فعلين كقوله:
أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ الله بَاطِلُ ..
الله هذا مفعول به، وخَلاَ هذا فعلٌ تعيّنَت في الفعلية، والفاعل ضميرٌ مستترٌ وجوبًا تقديره هو؛ يعودُ على البعضِ المفهوم من الكل السابق
أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ ما خَلاَ الله بَاطِلُ
إذن " مَا خَلاَ الله بَاطِلُ" بَاطِلُ: هذا خبر.
وموضعُ الموصول وصلته نَصبٌ بالاتفاق، لأنَّ (ما) وما دخلَت عليه .. ما مصدرية، وما المصدرية تؤوّل مع ما بعدَها بمصدر.
إذن ما موضعُ هذه الصلة هنا؟ قالوا موضعُ الموصول وصلته نصبٌ بالاتفاق، فقال السيرافي على الحال؛ اتفقوا على أنه نَصبٌ واختلفوا في إعرابه، فقال السيرافي على الحال، وقيلَ على الظرف وما وقتية حينئذٍ، إذا قيلَ بأنها منصوبة على الظرف حينئذٍ ما تكون وقتيّة؛ بمعنى وقت؛ نابتْ هي وصلتها عن الوقت، فالمعنى على الأول قاموا مُجاوزِين زيدًا، وعلى الثاني: قامُوا وقتَ مجاوزتهم زيدًا.
إذا جعلنا ما مصدرية: قاموا مجاوزين مصدر، وإذا جعلناها مؤوّلينها باسم الفاعل لأنه حال وإذا جعلناها وقتية حينئذٍ نأتي بلفظ وقت؛ قاموا وقتَ مجاوزتهم زيدًا. هذا الفرق.
[ ٦٢ / ٩ ]
وعلى الأول هي حال وعلى الثاني ظرفية، وقيلَ على الاستثناء كانتصاب غير في: قاموا غيرَ زيدًا. إذن هي منصوبة باتفاق، وإنما اختلفوا في وجه النصب؛ قيلَ الحال وما مصدرية، وقيلَ على الظرفية وما وقتية، وقيلَ مُنتصبة كانتصاب (غير) على الاستثناء.
وَبَعْدَ مَا انْصِبْ حتمًا .. انصب حتمًا لأنه واجب، وقد يُقال: بأننا لا نحمله على الوجوب، لأنه قال: وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ، نقول: لا؛ وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ هذا شاذٌ يُحفَظ ولا يقاس عليه، ولذلك لا نجعله قرينة لقوله انْصِبْ على أنه مُرادٌ به الجواز، وإنما المراد به الوجوب على الأصل.
وَبَعْدَ مَا انْصِبْ وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ ولذلك قال: وَانْجِرَارٌ أفادَ بتنكيره قلة الجر، قَدْ يَرِدْ أجاز ذلك الجرمي والربعي والكسائي والفارسي، لكن على تقدير ما زائدة لا مصدرية، يعني من جوَّزَ الجر بها مع دخول ما لا يمكن أن يقول بأن ما مصدرية على بابها، وإنما قدَّر أن ما زائدة، قاموا ما عدا زيدٍ، ما خلا زيدٍ، ما وجهه؟ ما زائدة. لكن على تقدير ما زائدةً لا مصدرية، فإن قالوا بالقياس ففاسد، إن قالوا بالقياس على غيرها لأنها تُزاد (ما) بعد الحرف .. نقول: إن قالوا بالقياس ففاسد، لماذا؟ لأنه حُمِل ما زِيدت (ما) فيه قبلَ الحرف على ما زِيدت (ما) فيه بعد الحرف. القياس في لسان العرب -هذا سينصُّ عليه الناظم في آخر باب حروف الجر- أنه قد تُزادُ ما بعد الحرف، فيبقى العمل في بعضها وبعضها يُكفّ. فحينئذٍ " فَبِمَا رَحْمَةٍ" نقول رحمة هذا مجرور بماذا؟ بالباء حرف الجر و(ما) هذه لم تكفها. حينئذٍ زيدة ما بعد الحرف، وما ادّعوه من القياس باطل للفرق بين الفرع والأصل، لم يقع تساوي بينهما، قاسوا ما زيدت فيهما قبل الحرف على ما زيدت فيه ما بعد الحرف، قاسوا ما لا نظير له على ماله نظير، نقول هذا فاسد قياسٌ فاسد لا يعول عليه، فإن قالوا بالقياس ففاسد، لأن ما لا تُزاد قبل الجار بل بعده، " عَمَّا قَلِيلٍ" واضح هذا " فَبِمَا رَحْمَةٍ"، وإن قالوا بالسماع فهو من الشذوذِ بحيث لا يُحتج به. إذن الصواب أن يُقال بأن خلا وعدا فيهما وجهان الأول: خلوهما عن (ما) فيجوز فيهما الوجهان النصب على الاستثناء والجر بكونهما حرف جر، إن جررت بهما حينئذٍ حكمت عليهما بالحرفية، وإذا نصبتَ بهما حكمتَ عليهما بالفعلية، والأرجحُ هو النصب، وإذا تقدمت ما حينئذٍ يتعينُ النصب بها، ولا يجوز الجر، وأما قوله: وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ " وَانْجِرَارٌ" هذا مبتدأ يعني انجرار بهم حينئذٍ قَدْ يَرِدْ قد بالتقليل، ونكَّر انجرار للقلة فدلَّ على أنه قليل جدًا، ولذلك لا يعول عليه، إن سُمع يعتبر مما لا يُقاس عليه، فهو شاذٌ كما قال الأشموني: فهو من الشذوذ بحيث لا يُحتج به لا يُحتج به.
[ ٦٢ / ١٠ ]
قال الشارح: إذا لم تتقدَّم ما على خلا وعدا فاجرُر بهما إن شئت، لأنه قال إِنْ تُرِدْ فأنت مخير أنت الذي تتكلم، حينئذٍ أردت النصب أو أردت الجر فأنت المخير، فتقول قام القوم خلا زيدٍ، حينئذٍ خلا زيدٍ فيهما الوجهان السابقان، نقول خلا حرف جر وزيدٍ مجرور مثل بزيدٍ متعلق بقوله قام، حينئذٍ يكونُ موضع خلا زيدٍ النصب، وقد يكون كذلك النصب ولا يكون متعلقًا بما قبله، وإنما يكون العامل هو خلا نفسه، وتكونُ الجملة التامّة السابقة هي عاملة النصب في ما بعدها، وعدا زيد كذلك، فخلا وعدا حرفا جرٍ، ولم يحفظ سيبويه الجر بهما، وإنما حكاه الأخفش فمِن الجر بخلا قوله:
خَلاَ اللهِ لاَ أَرْجُو سِوَاكَ وَإِنَّمَا أَعُدُّ عِيَالِي شُعْبَةً مِنْ عِيَالِكَا
خَلاَ اللهِ هذا جرَّ بهما وهي لم تتقدّم عليها ما، ومن الجر بعدا قوله:
أَبَحْنَا حَيَّهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا عَدَا الشَّمْطَاءِ وَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ
عَدَا الشَّمْطَاءِ جرَّ بها دون تقدم (ما) عليها.
فإن تقدمت عليهما (ما) وجبَ النصب: "قام القوم ما خلا زيدا"، إذن (ما) هذه مصدرية، ويكون المصدر المنسبك من (ما) والفعل بعدها في محل نصب، إما على الحالية وإما على الظرفية وإما على الاستثناء، وإذا جعلناها على المصدرية فما مصدرية، وإذا جعلناها ظرفية فما وقتية، فيُقدّر لفظ وقت، وإذا كانت استثناءً فهي مثل غير. وصلتها، فما مصدرية وخلا وعدا صلتها وفاعلهما ضمير مستتر يعود على البعض كما تقدم تقريره، وزيدٌ مفعولٌ، وهذا معنى قوله: وَبَعْدَ مَا انْصِبْ هذا هو المشهور.
وزاد الكسائي الجرّ بهما بعد ما على جعلِ ما زائدة، وجعلِ خلا وعدا حرفي جرٍّ، فتقول: قام القوم ما خلا زيدٍ وما عدا زيدٍ، وهذا معنى قوله: وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِدْ، وقد حكى الجرميُّ في الشرح الجرّ بعد (ما) عن بعض العرب، لكنه يُحفَظ ولا يُقاس عليه.
وَحَيْثُ جَرَّا فَهُمَا حَرْفَانِ كَمَا هُمَا إِنْ نَصَبَا فِعْلاَنِ
وَحَيْثُ جَرَّا فَهُمَا حَرْفَانِ.
قيلَ هذا البيت من المشكل في ألفية ابنِ مالك من جهة الإعراب، لوجودِ الفاء فقط، وَحَيْثُ جَرَّا فَ ..، هُنا أجري حَيْثُ مُجرى حيثما الشرطية، وهذا على رأي الفراء، لماذا؟ لأن الفاء واضح أنها واقعة في جواب الشرط، وإذا كان في جواب الشرط فأين الشرط؟ ليس عندنا شرط، وحيثُ ليست من أدوات الشرط، وإنما من أدوات الشرط إذا رُكبت مع ما، حيثما تستقم، حينئذٍ نقول: هنا حيثما بزيادة ما هي الشرطية، وأما حيثُ لوحدها فلا، سيأتي معنا في باب الإضافة، إذن حَيْثُ أجري الظرف مجرى الشرط فأُدخل الفاء على الجواب كقوله: " وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ".
يعني معنى الشرط، أحيانًا يُلاحظُ معنى الشرط فتدخل الفاء في الجواب، وهذا واضحٌ بيّن في المبتدأ، كما ذكرناه سابقًا؛ كالمثال: الذي يأتيني فله درهمٌ.
[ ٦٢ / ١١ ]
الذي: هذا مبتدأ، جملة فله درهمٌ خبر، دخلت الفاء في الخبر لماذا؟ تشبيهًا له في الشرط، لأن فيه معنى الشرط، وهو التعليق، "إن تأتيني لك درهم" هذا المعنى، ففيه تعليقُ الدرهم على المجيئ، وهذا معنى الشرط، "من جاءني أكرمته" "إن جئتني أعطيتك درهم" كذلك هنا، وَحَيْثُ جَرَّا نقول هنا: أُدخل الفاء في الجواب حملًا أو إجراءً لحيث مجرى الشرط، وقيل: لا؛ ظرفٌ متعلق بـ حَرْفَانِ هنا في هذا التركيب. كيف تعلَّق بـ حَرْفَانِ وحرفٌ هذا جامد؟ قالوا: لأنه مؤولٌ بالمشتق، ظرف متعلق بـ حَرْفَانِ لأنه في معنى محكومٌ بحرفيتهما، حَرْفَانِ يعني شيئان محكومٌ بحرفيتهما، إذن فيه معنى المشتق، ولذلك صح تعليق الظرف به، وَحَيْثُ جَرَّا .. جَرَّا: فعل ماضي مبني على الفتحة لا محل له من الأعراب، والألف هذه ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، فَهُمَا حَرْفَانِ؟ فإما زائدة وإما واقعة في جواب الشرط، إما زائدة إذا جعلنا حَيْثُ ظرف متعلق ب حَرْفَانِ تكون زائدة، لأن فاء الشرط لا يعملُ ما بعدها فيما قبلها، لو جعلنا حيثُ متعلّقة بحرفان، حينئذٍ لا يكون الفاء واقعة في جواب الشرط، لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، وحينئذٍ كيف نعلق حيث بها؟ الصواب أن نقول: حيثُ هذه ظرف متعلق بحرفان، والفاء هذه زائدة، وهُمَا حَرْفَانِ مبتدأ وخبر باتفاقٍ، يعني إن جرّا هما حرفان باتفاق، ولو تقدّمت ما؟ نعم حتى عند من قال بتقدّم (ما) ويجوزُ الجرّ كذلك هي حرفٌ عنده، لأن ما زائدة عنده، وإذا كانت زائدة إذن ليست مصدرية، والمصدرية هي التي تُعين فعلية ما بعدها إما خلا وإما عدا.
إذن "قاموا ما عدا زيدٍ" نقول عدا هنا حرف حتى عند الكسائي وغيره، "جاءوا ما خلا زيدٍ" نقول خلا هنا حرف. إذن وَحَيْثُ جَرَّا فَهُمَا حَرْفَانِ مطلقًا، وهذا باتفاق؛ سواءٌ دخلت عليهما (ما) أو لا عند من قال بجواز انجرار ما بعدهما فيما إذا دخلت عليهما ما.
" كَمَا هُمَا إِنْ نَصَبَا فِعْلاَنِ" كَمَا هذا متعلق جار ومجرور بـ (فِعْلاَنِ)، فعلانِ فعل هذا جامد فكيف تعلق به؟ لأن المراد بالفعل هنا الاسم، ليس المراد فعل من مصدر المراد به اسم المفعول لا، فعل المراد به اسم فإذا كان كذلك صار جامدًا. خلا فعل، عدا فعل، قام فعل، صار اسم مُسمّاه خلا وعدا وقام.
[ ٦٢ / ١٢ ]
حينئذٍ كيف يُعلّق كما بفعلانِ؟ أيضًا مؤولٌ بالمشتق، كما هما فعلانِ، أيضًا في معنى محكومٌ بفعليتهما كما قيل في الأول حرفان، كَمَا هُمَا إِنْ نَصَبَا فِعْلاَنِ، يعني محكومٌ بفعليتهما، وإذا قيل محكومٌ صار مردّه إلى الاشتقاق أو اسم مفعول، كَمَا هُمَا: "هُمَا" مبتدأ إِنْ نَصَبَا: إن حرف شرط ونصبا؟؟؟ والألف فاعل؟ ومردهما مرجعهما خلا وعدا، فِعْلاَنِ يعني هذا خبر، هُمَا مبتدأ وفِعْلاَنِ خبر مرفوع ورفعه الألف وهذا باتفاق أيضًا، إذا نصبا هما فعلان باتفاق. وفي الحالين سواءٌ اقترنا بـ (ما) أو تجردا عنها، "قام القوم خلا زيدًا" هنا نصبت إذن هي فعلٌ باتفاق، "جاء القوم عدا زيدًا" لم تتقدّم عليهما (ما) إذن نقول هي فعلٌ. إذن هما إِنْ نَصَبَا فِعْلاَنِ مطلقًا سواءً تقدمت عليهما ما المصدرية أو لا، لماذا؟ لأنه لو نصبت حينئذٍ لم تكن حرف جر، لو قيل: "جاء القوم عدا زيدًا، زيدًا: هل يمكن أن يكون ما قبله حرف جر؟ ما يُتصوّر؛ لأن حرف الجر يجرّ لا ينصب، حينئذٍ إذا نصبت علمنا أن خلا وعدا فعلان. أي إن جررت بخلا وعدا فهما حرفا جرٍ وإن نصبتَ فهما فعلانِ، وهذا مما لا خلاف فيه:
وَكَخَلاَ حَاشَا وَلاَ تَصْحَبُ مَا وَقِيلَ حَاشَا وَحَشَا فَاحْفَظْهُمَا
[ ٦٢ / ١٣ ]
يعني هاتين اللغتين، حَاشَا الحرف الأخير على رأي سيبويه، وهي مثل خلا عند غيره. حرفٌ مطلقًا عند سيبويه لا تخرج عن الحرفية، ولكن عند الناظم وكثير من النحاء أن خلا وحشا بمعنى واحد؛ يعني تكون حرفًا وتكون فعلًا؛ تكون حرفًا يُجر بها، وفعلًا يُنصب ما بعدها، فتقول: جاء القوم حاشا زيدٍ حاشا زيدًا، ولا يصح أن يُقال جاء القوم ما حاشا زيدًا، لأن حاشا لا تدخل عليها ما، إذن قوله: وَكَخَلاَ حَاشَا، حاشا كخلا؛ كَخَلاَ هذا خبرٌ مقدّم، وحَاشَا هذا قُصد لفظه مبتدأ مؤخر. حاشا كخلا في ماذا؟ في جواز جر المستثنى بها ونصبه، يعني يُجرّ ما بعدها ويُستثنى بها أولًا، حاشا كخلا في كونه يُستثنى بها، هذا أولًا من جهة المعنى، لأننا نحتاج أن نثبت أن هذا الحرف مما يصح الاستثناء به، هذا أولًا من جهة إثبات الاستثناء بحاشا، ثم عملها نقول: هي مثل خلا عند الجمهور؛ بمعنى أنه يُجرّ بها ما بعدها، ويُنصب بها ما بعدها، فكما تقول جاء القوم خلا زيدٍ وخلا زيدًا؛ إن جررت فهي حرفٌ، وإن نصبت فهي فعلٌ، مثلها حاشا فتقول قام القوم حاشا زيدًا؛ فهي فعلٌ لأنك نصبت بها، وحاشا زيدٍ فهي حرفٌ لأنك جررت بها، ولا يتعين النصب؛ لأن النصب هناك تعين في عدا وخلا لماذا؟ لتقدم ما المصدرية عليها. إذن لخارجٍ عن مجرد اللفظ، وأما هنا فلا؛ لا يتعين النصب لأن ما المصدرية لا تدخل على حاشا، وَكَخَلاَ حَاشَا، إذن هذه ثلاثة ألفاظ خلا وحاشا وعدا يُجر بهن وينصب بهن، تكون فعلًا يعني من حيث هي بقطع النظر عن تقدم ما، خلا وعدا وحاشا يُجر بهن المستثنى، وينصب بهن المستثنى، إن جررت فهن حروف، وإن نصبت فهن أفعالٌ، إذا جررت بالثلاثة فقلت: خلاي وحاشاي وعداي بدون نون الوقاية؛ إذا جررتَ بها الياء قلت: عداي وحاشاي وخلاي، مثل لي ولك، وما إلى ذلك، وإن نصبت فبنون الوقاية؛ خلاني حاشاني عداني، إن نصبت حينئذٍ لا بد من نون الوقاية، لأنها فعل:
وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ التُزِمْ نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسي قَدْ نُظِمْ
وهو الشاهد.
إذن خلاني عداني حشاني، نقول: إذا نصبت بهن حينئذٍ لزمت نون الوقاية، وإذا لم تنصب حينئذٍ تقول: خلايا وعدايا وحاشايا، ويجوز في خلاك وخلاه وحاشاكا وحاشاه وعداك وعداه كون الضمير منصوبًا أو مجرورًا، لأن هذه الضماير تأتي في محل نصب وتأتي في محل جر، لك .. ضربتك، إذن لو جاءت بعد خلاك وخلاه، نقول هذا يحتمل النصب ويحتمل الجر، فيوجّه على الاحتمالين، وَلاَ تَصْحَبُ مَا: يعني لا تتقدم عليها ما المصدرية، وهذا مرده إلى لسان العرب، وَقِيلَ حَاشَا بدون ألف حاشا بالألف، وحاشْ، إذا وقفت عليه، وحاشَ بالفتحة فقط في حال الوصل، وَحَشَا تحذف الألف التي بين الحاء والشين تقول حشا، فَاحْفَظْهُمَا يعني احفظ هاتين اللغتين زيادةً على حَاشَا.
[ ٦٢ / ١٤ ]
إذن: الجر بحاشا هو الكثير الراجح هكذا قال الأشموني: الجر بحاشا هو الكثير الراجح، ولذلك التزم سيبويه وأكثر البصريين حرفيتها، ولم يجيزوا النصب، والصحيح جوازه لسماعه، وذهب الفراء إلى أنها فعلٌ، لكن لا فاعل له، والنصب بعده إنما هو بالحمل على إلا، فيكون منصوبًا بالاستثناء، إذا قيل: جاء القوم حاشا زيدًا، قال حاشا فعلٌ لا فاعل له، لماذا نُصب بعدها؟ قال: حملًا على إلا الاستثنائية، ولم يُنقل عنه ذلك في خلا وعدا، ويحتمل أنه يقول بذلك في خلا وعدا أيضًا، لكنه لم ينقل عنه.
إذن: المشهور أن حاشا لا تكون إلا حرف جرٍ، فتقول: قام القوم حاشا زيدٍ، بجر زيد، وذهب الأخفش والجرمي والمازني والمبرد وجماعة منهم المصنف إلى أنها مثلُ خلا تُستعمل فعلًا، فتنصب ما بعدها، وحرفًا فتجر ما بعدها، فتقول: قام القوم حاشا زيدًا وحاشا زيدٍ، وحكى جماعة منهم الفراء وأبو زيد الأنصاري والشيباني النصبَ بها، ومنه قول الشاعر: (حَاشَا قَريْشًا) نصب بها، حَاشَا قَريْشًا صارت حاشا فعلًا ماضي والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره هو؛ يعود على المفهوم، يعني هذا لا بد من النظر في البيت السابق: حَاشَا قَريْشًا.
وقول المصنف: وَلاَ تَصْحَبُ مَا، معناهُ أن حاشا مثل خلا في أنها تنصب ما بعدها أو تجره، ولكن لا يتقدَّمُ عليها ما، كما تتقدَّم على خلا، فلا تقول: قام القوم ما حاشا زيدًا، وهذا الذي ذكره هو الكثير وقد صحبتها ما قليلًا، جاء في الحديث: ﴿إليّ ما حاشا فاطمة﴾، لكن قيل هذه ما نافية وحاشا هنا استثنائية، ليست حرفًا وإنما هي فعل، وسيأتي في أقسامها وقوله:
رَأَيتُ النَّاسَ مَا حَاشَا قُرَيْشًا فَإِنَّا نَحنُ أَفْضَلُهُم فَعَالًا
يقال في حاشا: حاشا وحشى، حَاشَا تأتي في اللغة على ثلاثة أوجه:
الأول: أن تكون استثنائية، وهي التي قدم الكلام عليها، وهذه حرف، أو فعلٌ على ما ذكره الناظم، وحرفٌ فقط على مذهب سيبويه، الوجه الأول أن تكون استثنائية.
الثاني: أن تكون تنزيهية نحو: «حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ»، وليست حرفًا، أي مدلولًا بها على تنزيه ما بعدها من السوء، وليست حرفًا، قال في التسهيل: ليست حرفًا بلا خلاف بل هي فعلٌ، ورُدّ بأن المبرد وابن جني والكوفيين على أنها فعل. إذن قال حرفٌ بلا خلاف؛ حكى الإجماع .. القول بحرفيتها، ولكن مذهب الكوفيين أنها فعل، والصحيح أنها اسمٌ مرادفٌ للتنزيه منصوب انتصاب المصدر الواقع بدلًا من اللفظ بالفعل، بدليل قراءة ابن مسعود: حاشا اللهِ .. بالإضافة، حَاشَ لِلَّهِ استعملها استعمال معاذ الله وسبحان الله، إذن بالإضافة، وقراءة بعضهم حاشًا لله بالتنوين أي تنزيهًا لله كما يقال: رعيًا لزيدٍ، ومَن تركَ التنوين فهي مبنية عنده لشبهها بحاشا الحرفية لفظًا ومعنى، هذا النوع الثاني وهي حاشا التنزيهية، قيل: فعل، وقيل: حرف، والصواب أنها اسمٌ مثل سبحان الله ومعاذ الله، ويدل عليها قراءة ابن مسعود: حاشا الله بالإضافة، دلّ على أنه عاملها معاملة سبحان الله ومعاذ الله.
[ ٦٢ / ١٥ ]
الثالث: أنها تكونُ فعلًا متعدّيًا متصرفًا؛ تقول: حاشيته، بمعنى استثنيته، وهذه حاشا تُكتب بالألف .. الألف بصورة الياء لأنها رُباعية، الفرقُ بينها وبين حاشا الاستثنائية أن حاشا الاستثنائية تُكتب ألف .. عصا، وأما حاشى التي تكون فعلًا استثنائيًا إنما تكتب بالياء على صورة الياء، تُكتب ألفًا وياءً لكونها رابعة.
إذن خلاصة ما ذكره الناظم: أن الاستثناء يكون بأدواتٍ ثمانية؛ الأم فيها (إلا)، ثم ما بعدها فهو محمول عليها، ولذلك قد يُعرب في بعضها خبرًا كما هو في ليس ولا يكون، ويُعرب مفعولًا به كما هو في خلا وعدا.
بَابُ الْحَالِ
قال ﵀: بَابُ الْحَالِ: أي هذا باب الحالِ، وهو من المنصوبات مما يجب نصبه ولا يجوز جره، وهو واجب النصب، قد سمع أو قيل: لم أجئ بمبكرٍ، لم أجي مبكرًا، هذا الأصل، الأصل في الحال واجبة النصب، ولكن دخلت عليها الباء الزائدة، قيل: لم أجيء بمبكرٍ، حينئذٍ نقول الباء حرف جر زائد، مبكرٍ حالٌ منصوبٌ واجب النصبِ، وعلامته فتحةٌ مقدرة على آخره منعَ من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، لكن هذا يُحفظُ ولا يقاس عليه، ليس كالمبتدأ والفاعل والمفعول به هناك، هناك يجوز دخول حرف الجر الزائد عليه، وأما الحال لا، لأنها ملازمة للنصب.
الْحَالُ: الألف هذه منقلبة عن واو، وأصلها حَوَلٌ فَعَلٌ تحركت الواو وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفًا، لجمعها على أحوال وتصغيرها على حُويلة، إذن الواو رجعت، وهذا سبق معنا إذا أشكل عليك الألف هذه منقلبة عن واو أو ياء حينئذٍ ردّها إلى الجمع، الجمع يردّ الأشياء إلى أصولها، وكذلك التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، فحينئذٍ يجمع حال على أحوال ويصغر حال على حويلة، واشتقاقها من التحول، ولذلك اشترط فيها الانتقال، وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلًا مُشْتَقَّا يَغْلِبُ .. لماذا؟ لأنها مأخذوةٌ من التحول، والحال يُذكّر لفظه ويؤنث، وهي في اللغة ما عليه الإنسان من خيرٍ أو شر، وعلى الوقت الذي أنت فيه، يعني يُطلق على هذا وذاك، يطلق على الوقت الذي أنت فيه، يُقال حال ويُطلق على ما عليه الإنسان من خيرٍ أو شر، ومن جهة اللفظ يُذكر ويؤنث يُقال: حالٌ وحالةٌ؛ يجوز فيه الوجهان، إلا أن تجريده من التاء أفصح، ولذلك جاء:
إِذَا أعْجَبتْكَ الدَّهرَ حالٌ مِنِ امْرِىءٍ فَدَعْهُ وواكِلْ أَمْرَهُ واللَّيالِيَا
إذن: جاء لفظ حال بدون تاء، وكذلك جاء بالتاء:
عَلَى حَالَةٍ لَوْ أَنَّ في الْقَوْمِ حَاتِمًا عَلَى جُودِهِ ظَنَّتْ بِهِ نَفسُ حَاتمِ
إذن: يجوز الوجهان، والترك أفصح، إذا قيل: حالةٌ حينئذٍ وجب التأنيث مراعاةٌ للفظ، فتقول حالةٌ حسنةٌ، وتحسنت حالةُ زيدٍ، وحسنت حالةُ زيدٍ، واجب التأنيث، لأن اللفظ مؤنث، على التفصيل السابق فيما إذا كان مجازي التأنيث.
[ ٦٢ / ١٦ ]
أما إذا كان مجرّدًا عن التاء حينئذٍ يجوزُ فيه الوجهان، فتقول: حالٌ حسنٌ وحالٌ حسنةٌ، وتقول: "حسُن حال زيدٍ وتحسّنت حال زيدٍ"، يجوز فيه هذا ويجوز ذاك، هذا متى؟ ليس مطلقًا كما يظن البعض لا؟ هذا إذا جُرّدت عن التاء، إذا قيل حالٌ هكذا بدون تاء جاز في اللفظ التأنيث والتذكير، وأما حالةٌ بالتاء التي ذكرها بقوله: عَلَى حَالَةٍ، نقول هذه واجب، إن جاءت في موضع وجوبٍ.
والحال يُذكّر لفظه وضميره ووصفه، أما إذا قيلَ حالةٌ لا إشكال فيه، الكلام في الحال .. يُذكّر لفظه وضميره ووصفه وغير ذلك، لكن الأرجح في اللفظ التذكير، التذكير أرجح من التأنيث؛ بأن يُقال: حالٌ بلا تاء، وفي غيره التأنيث، يُقال: حالٌ وحالةٌ، فيذكر لفظه ويؤنث، فيقال: هذا حالٌ وهذه حالٌ، وحالٌ حسن وحالٌ حسنةٌ، أما في الاصطلاح فقال الناظم:
الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ مُفْهِمُ فِي حَالِ كَفَرْدًَا أَذْهَبُ
ذكرَ وصفًا فضلةً منتصبًا مُفهمَ في حالٍ، هذه أربعة قيود، لا بد من اجتماعها في اللفظ من أجل أن يصدق عليه أنه حال، وهنا الخلل في التعريف أنه أدخل الحكم في الحد؛ لأنه قال: مُنْتَصِبُ، هذا إن أرادَ به مجرد النصب حينئذٍ صار حكمًا مجردًا؛ يعني غير مُضمّن بفصلٍ يُخرج به ما قد يدخل، فحينئذٍ صار معيبًا:
وَعِندَهُم مِن جُملةِ المَردُودِ أَنْ تُدخَلَ الأَحَكَامُ فِي الحُدُودِ
لا يجوزُ أن يُذكر في الحد الحكم، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وإن أُريد به الإخراج حينئذٍ لا بد من تقييد مُنْتَصِبُ لزومًا، يعني واجب النصب، وفرق بين أن يقال الشيء منصوبٌ وبين لازم النصب، لأنه إذا قيل لازم النصب نصبٌ وزيادة، وإذا قيل منتصب هذا يحتمل أنه على جهة الإيجاب ويحتمل على أنه على جهة الجواز.
الْحَالُ: الحالُ أظهر في مقام الإضمار، الأفصح إذا ذُكر اللفظ مظهرًا حينئذٍ فالأفصح أن تُعيد إليه الضمير وتقول: وهي أو وهو، وَصْفٌ فَضْلَةٌ وأما أن تقول الحالُ الحالُ، نقول هذا فيه تكرار إظهارٌ في مقام الإضمار يعني المقام البياني البلاغي يقتضي منك أن تُضمر هنا؛ تأتي بضمير ولا تعيد الاسم الظاهر؛ إذا أعدته هذا خلاف الفصيح، فلا بد من علة فابحثوا له عن علة.
الحال وصفٌ هذا أول قيد، والوصف المراد به عند النحاة ما دل على ذاتٍ ومعنى. إذن يُشترط في أول ما يصدق عليه أنه حال أن يكون وصفًا، والمراد بالوصف هنا أن يدل على ذات ومعنى، فالوصف عند النحاة ما دل على ذاتٍ ومعنى، أو إن شئت قل: على حدثٍ وصاحبه، وهنا في هذا المقام يُفسر باسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل وصيغ المبالغة؛ خمسة أشياء. اسم الفاعل اسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل وصيغ المبالغة؛ هذه تقع حالًا كما هو معلوم.
[ ٦٢ / ١٧ ]
الْحَالُ وَصْفٌ؛ إذن الوصفُ هذا نقول جنس، يشمل الخبر، ويشمل النعت، ويشمل الحال. فَضْلَةٌ والفضلة ما ليسَ ركنًا في الإسنادِ، ولا نقول ما يُستغنى عنه، وإن أجابوا عن الاعتراض الوارد على هذا الحدّ، بل نقول الفضلة هي ما ليس ركنًا في الاسنادِ، فخرجَ حينئذٍ الخبرُ إذا وقعَ وصفًا، "زيدٌ قائمٌ" قائمٌ هذا حال لأنه وصف من اسم فاعل، نقول لا ليس بحالٍ؛ لماذا؟ لأنه عمدة والشرط أن يكون فضلة، أقائمٌ الزيدان؟ قائمٌ هذا وصفٌ، حال؟ ليس بحال؛ لماذا؟ لأنه عمدة، ويشترط في الحال أن يكون فضلةً. إذن الفضلة أخرج العمدة، سواءٌ وقعَ الوصفُ خبرًا، كما في قولك زيدٌ قائمٌ أو وقعَ الوصف مبتدأً، كما في قولك أقائمٌ الزيدان؟
الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ، إذن فَضْلَةٌ أخرجَ الخبر، مُنْتَصِبُ المراد بالنصب الظاهر والله أعلم هنا النصب اللازم، حينئذٍ هو مخرجٌ لنعتي المرفوع والمخفوض، أخرجَ النعت لأنه قد يُقال: جاءني رجلٌ راكبٌ، راكبٌ هذا نعت ليس بحال، لماذا؟ هو وصفٌ وفضلةٌ، صدق عليه أنه وصف، لأنه اسم فاعل راكب، وصدق عليه أنه فضلة، لأنه ليس بعمدة. بقي ماذا؟ مُنْتَصِبُ، إذن النعتُ في حالة الرفع خرجَ بقوله: مُنْتَصِبُ، لأنه مرفوع والحال لا يكون مرفوعًا، بل يكون منصوبًا.
إذن "جاءني رجلٌ راكبٌ"، لا نقول: راكب هذا حال، وإنما هو نعتٌ، "مررتُ برجل راكبٍ"، وصف فضلةٌ لكنه ليس منتصبًا، إذن مُنْتَصِبُ نقول أخرجَ النعت في حالتي الرفع والجر، "مررتُ برجلٍ راكبٍ" و"جاءني رجل راكب".
مُفْهِمُ فِي حَالِ بدون تنوين لأنه مضاف في حال كذا، وهذا الذي يُريد به النحاة في غير هذا الكتاب أن يكون دالًا على الهيئة، بمعنى أنه يكشف هيئة صاحب الحال؛ "جاء زيد راكبًا"؛ راكبًا: نقول: هذا وصف فضلة منتصبُ؛ هل هو مثل رأيت رجلًا راكبًا؟ ليس مثله؛ "رأيتُ رجلًا راكبًا"، راكبًا: هذا نعت وجاء زيدٌ راكبًا، راكبًا هذا حال؛ راكبًا من قولك "جاء زيدٌ راكبًا جيءَ به لبيان هيئة مجيء زيد، لأن المجئ محتمل، حينئذٍ "جاء زيد .. جاء راكبًا ماشيًا متزحلقًا" يحتمل هذا وذاك، لما قلت راكبًا حينئذٍ قيدت العامل، وأخرجتَ بهذا القيد فيما إذا وقع راكبًا نعتًا لرجل من جهتين: أولًا يقال بأن صاحب الحال لا يكون إلا معرفة، حينئذٍ جاء زيد راكبًا يتعين أن يكون حالًا، ورأيت رجلًا ركبًا، هذا يعتبر نعتًا لأن المنعوت هنا نكرة وصاحب الحال لا يكون نكرة، هذا واحد.
ثانيًا: يُقال بأن راكبًا في " رأيت رجلًا راكبًا" وهو النعت هنا جاء بيان الهيئة تبعًا لا قصدًا، لا بد أن يقال بأنه فيه دلالة على هيئة الموصوف، لكن هنا جاءت الدلالة من جهة ماذا؟ من جهة كونها تابعة لا مقصودة، لئلا يلتبس بغيره الرجل ذاته، راكبًا، فحينئذٍ راكبًا هذا مُنصَبٌّ على الرجل نفسه، ولا علاقة له بالعامل، بخلاف الحال، ولذلك المشهور عند الأصوليين وغيرهم حتى النحاة أن الحال قيد لعاملها وصف لصاحبها؛ بخلاف النعت، النعت لا يكون إلا وصفًا لصاحبه ولا علاقة له بالعامل، إذن مُفْهِمُ فِي حَالِ: يعني في حال كذا، هنا بدون تنوين لأن المضاف إليه محذوف وهو منوي إلا حال كذا يعني في حال كذا.
[ ٦٢ / ١٨ ]
الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ مُفْهِمُ فِي حَالِ كَفَرْدًَا أَذْهَبُ
وهذا المثال سيأتي.
الْحَالُ وَصْفٌ، إذن نقول: وَصْفٌ والمراد به ما دلَّ على حدثٍ وصاحبه، والوصف قد يكون صريحًا وقد يكون مُؤوّلًا بالصريح، وهنا هل المراد به العموم أم الوصف الصريح فحسب؟ نقول: المراد به ما يعمّ المؤول، لأنه سيأتي أن الحال تكون مفردة، وقد تقع جملة، وقد تقع شبه جملة، حينئذٍ الجملة وشبه الجملة مؤولان بالمفرد إذا رددناهما إلى الوصف. إذن وصفٌ أي صريح أو مؤولٌ فدخلت الجملة وشبه الجملة، والوصف جنس يشمل الحال وغيره، كما ذكرناه يشمل الخبر والنعت والحال، ويُخرج نحو القهقرى في نحو: رجعت القهقرى، لأنه ليس بوصف، القهقرى هذا اسم جامد وإن دل على وصف في نفسه لكنه ليس دالًا على ذات وحدث، حينئذٍ خرج بقولنا وَصْفٌ فهو ليس بوصف.
فَضْلَةٌ أخرج العمدة كالمبتدأ في نحو: أقائم الزيدان والخبر في نحو زيدٌ قائمُ.
مُنْتَصِبُ أخرجَ النعت؛ لأنه ليس بلازم النصب، والمراد منتصب وجوبًا، أخرج النعت من حيث النصب بقطع النظر عن كونه لازمًا، أخرج المرفوع والمجرور، جاءني رجلٌ راكب، مررت برجل راكب أخرجناه بمنتصب، كونه لازمًا؛ هذا قيد على قيد، أخرجَ النعت في حال كونه منصوبًا؛ رأيت رجلًا راكبًا، والفرق بين النعت والحال بأن يقال النعت لتقليل الشيوع، فـ"جاءني كلّ رجل قائمٍ" قائم هذا نعت أقلُّ أفرادًا من "جاءني كل رجل قائمًا" عندنا حال وعندنا نعت كلاهما في المعنى وُصِف بهما رجل، مع مجوِّز هناك، إذن "جاءني كل رجل قائم" نقول هذا نعت، هذا أقلّ أفرادًا من قولك جاءني كلّ رجل قائمًا، هذا يصحّ أن يأتي منه الحال لأنه مخصّص؛ مثل «فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً»، إذن صح أن يكون صاحب حال، أيهما أقل شيوعًا؟ النعت أقل شيوعًا من الحال، فعموم كلّ رجل قائمٍ باق في جميع الأشخاص، والحال مقيدة لمجيئ الجميع، فهذه مقيدة للعامل والنعت مُقيد للأفراد، إذا نظرنا إلى التقييد قلنا العامل يُقيد بالحال، وأما النعت حينئذٍ لا اعتبار له بالعامل وإنما النظر فيه في الأفراد، وهذا الفرد في النكرات والمعارف؛ إذ النعت لا يُفهم في حال، وإنما يفهم ذلك فيه من سياق الكلام، إذن دلالته على الهيئة ليس من ذات اللفظ، وإنما من سياق الكلام، ثم علاقته بالموصف فحسب دون العامل، ثم دلالته على الشيوع هو أقل شيوعًا من الحال كما ذكرناه سابقًا، فلا يُفهم من لفظه دلالة الحال، وإنما من سياق الكلام لا من لفظ النعت بخلاف الحال.
[ ٦٢ / ١٩ ]
الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ، قيل الأولى أن يكون قوله كَفَرْدًَا أَذْهَبُ تتميمًا للتعريف، لأن قوله مُنْتَصِبُ وهذا تعريف للشيء بحكمه، وأيضًا لم يُقيد منتصب باللزوم، فإن كان مراده فحينئذٍ يخرج النعت المنصوب؛ كرأيت رجلًا راكبًا، فإنه يُفهم في حال ركوبه، وإن كان ذلك لا بطريق القصد؛ يعني دلالته على الهيئة لا بطريق القصد، فإن القصد إنما هو تقييد المنعوت فحسب، لا علاقة له بالعامل، فوقع بيان الهيئة ضمنًا لا قصدًا يعني في النظر إلى النعت كونه مبينًا للهيئة أو لا؛ نقول نعم هو مبين للهيئة؛ كالحال، إلا أن تبيين الهنيئة في النعت لا يتعدى المنعوت ثم هو ضمنًا لا قصدًا، وأما الحال فلها تعدٍّ إلى العامل وإلى نفس صاحب الحال، وبيان الهيئة يكون مقصودًا بالذات، يعني ما جيء بالحال إلا من أجل كشف الهيئة، بخلاف النعت، وإنما يُرد به تمييزه عن غيره من الأشخاص؛ "رأيتُ رجلًا راكبًا" راكبًا أنتَ جئتَ براكب لماذا؟ لتميّز أن الرجل منه ما هو راكب ومنه ما ليس براكب؛ أنتَ قصد ماذا؟ راكبًا، إذن أردتَ تعيين الشخص وجاءت الوصفية بالركوب تبعًا لا قصدًا.
الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ مُفْهِمُ فِي حَالِ كَفَرْدًَا أَذْهَبُ
هنا فيه جوازُ تقديم الحال على العامل وصاحبه، أذهب فردًا، صاحب الحال ضمير مُستتر، وأذهب هذا هو العامل.
قال الشارح: عرّف الحال بأنه الوصف الفضلة المنتصبُ للدلالة على هيئته، نحو كَفَرْدًَا أَذْهَبُ، ففردًا حال لوجود القيود المذكورة فيه، وخرجَ بقوله فَضْلَةٌ الوصف الواقع عمدة، وبقوله بالدلالة على الهيئة كذلك التمييز المشتق: لله دره فارسًا، هنا لم يُرد به الدلالة على الهيئة وإنما التعجب؛ كونه متعجبًا منه؛ لله دره فارسًا، كأنه أُعجب بفروسيته، بل التعجب من فروسيته فهو لبيان المتعجب منه لا لبيان الهيئة، وكذلك رأيت رجلًا راكبًا؛ فإن راكبًا لم يسق للدلالة على الهيئة، بل لتخصيص الرجل، وقول المصنف مُفْهِمُ فِي حَالِ هو معنى قول للدلالة على الهيئة. إذن الوصف جنسٌ يشمل الخبر والنعت والحال، وفضلة مخرج للخبر، ومنتصب مخرج لنعتي المرفوع والمخفوض كجاءني رجل راكبٌ ومررت برجل راكبٍ، ومُفْهِمُ فِي حَالِ كذا مخرج لنعت المنصوب كرأيت رجلًا راكبًا، فإنه إنما سِيق لتقييد المنعوت وهو لا يُفهم في حال كذا بطريق القصد وإنما بطريق التبعية.
وكذلك يُقال في الحال أنها على معنى في، وهذا من الفوارق بين التمييز والحال، وأن الحال إنما يكون على معنى في، والتمييز يكون على معنى من، وسبق شيئ آخر أنه يكون على معنى كيف، ضابط الحال أنه يقع في جواب كيف، جاء زيد، كيف؟ راكبًا، جاء عمروٌ، كيف؟ ماشيًا .. الخ.
في حال كذا فهو على نية الإضافة فيُقرأ بلا تنوين، أخرجَ به التمييز في نحو "لله دره فارسًا" أي من كل تمييزٍ وقع وصفًا مُشتقًّا لأنه على معنى (من) لا (في)، لأنه لبيان جنس المتعجب منه.
وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلًا مُشْتَقَّا يَغْلِبُ لكِنْ لَيْسَ مُسْتَحَقَّا
[ ٦٢ / ٢٠ ]
تكون الحال على أربعة أنحاء، ذكر في هذا البيت شيئين الأول: كَوْنُهُ مُنْتَقِلًا، والثاني كَوْنُهُ مُشْتَقَّا، والمراد بالانتقال هنا أن لا تكون الحال ملازمة للمتصف بها، يعني يفارقها ولا تلازمه في كل وقت، بل ينفك عنها، تقول جاء زيدٌ راكبًا، راكبًا هذا وصف لزيد في المعنى، وهو حال منه، زيد كل اليوم وكل السنين وهو راكب؟ أو يكون في وقت راكب وفي وقت ماشٍ؟ وفي وقت مُضطجع مُستلقٍ؟ إذن اختلفت وانفكت عنه الحال، هذا الأصل في الحال أن تكون منتقلة، فإن جاءت لازمة فهو خلاف الأصل، مُشْتَقَّا يعني من المصدر على ما ذكرناه، إما اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة وأفعل تفضيل أو أمثلة مبالغة، إن جاء جامدًا حينئذٍ نقول هذا على خلاف الأصل.
وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلًا: يعني منتقلًا عن صاحبه غير لازم له ليست بثابتة، الحال ليست كالصفة المشبهة، الصفة المشبهة تدل على الثبوت، وأما الحال فلا.
وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلًا مُشْتَقَّا: مُشْتَقَّا هذا خبر بعد خبر، كَوْنُهُ الضمير هنا يعود على الحال، كونه وهو اسم كون وهو مبتدأ، حينئذٍ يحتاج إلى خبرين: خبر الكون في نفسه وخبر المبتدأ .. أين خبر الكون؟ مُنْتَقِلًا هذا خبر الكون؛ خبر أول، مُشْتَقَّا خبر ثاني، هذا على جواز تعدد خبر الكون، وإلا إن لم يصح أن يتعدد حينئذٍ لا بد من تخريجه بأن يُجعل الحال متداخلًا، يعني الثاني يكون حالًا من فاعل مُنْتَقِلًا، وأين خبر الكون مبتدأ؟ يَغْلِبُ الجملة خبر.
قال: الأكثر في الحال أن تكون منتقِلة مشتقّة، ومعنى الانتقال أن لا تكون ملازمة للمتصف بها؛ نحو جاء زيد راكبًا، فراكبًا وصف منتقل لجواز انفكاكه عن زيد، بأن يجي ماشيًا، وقد تجيء الحال غير منتقلة يعني وصفًا لازمًا، "دعوتُ الله سميعًا" سميعًا: صفة لازمة لله ﷿، لا يكون في حالٍ سميع وفي حالٍ ليس بسميع، نقول: لا هذه صفة لازمة.
وكذلك خلقَ الله الزرافة يديها أطولَ من رجليها، هذه لازمة .. يديها أطول من رجليها .. في الصباح يديها أطول وفي المساء عكس؟ لا هذه صفة لازمة ولذلك قال:
فَجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظَامِ كَأَنَّمَا عِمَامتُهُ بَينَ الرِّجَالِ لِوَاءُ
فـ"سميعًا وأطولَ وسبطَ" أحوال وهي أوصاف لازمة وقد تأتي الحال جامدة،
ونقف على هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد !!!
[ ٦٢ / ٢١ ]