عناصر الدرس
* أنواع الحال من حيث التأكيد وعدمه
* الأصل في الحال أن تكون مفردة وقد تكون جملة بشروط.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نَحْوِ لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا
وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ
هذا شروع منه بعد أن أنهى الكلام على الحال المؤسسة، الحال عند النحاة على قسمين:
حال مؤسسة، وحال مؤكِّدة. الحال المؤسِّسة هي الأصل، قالوا: وهي التي لا يُستفاد معناها بدونها؛ بدونها يعني إذا سقطت حينئذٍ سقط معناها الذي جيء به من أجلها، فإذا قيل: جاء زيد راكبًا، راكبًا هذه حال مبينة مؤسسة، لو حذفتها "جاء زيد" ما استفدنا المعنى الذي دلّت عليه "راكبًا" من اللفظ بعد إسقاطها، "جاء زيد راكبًا". هي التي لا يستفاد معناها بدونها، إذن لا بد من ذكرها، وهذه هي التي مضت من أول الباب إلى البيت الأخير السابق يتعلق بالحال المبينة وهي المؤسسة.
والمؤكِّدة -وهي النوع الثاني- وهي التي شرعَ فيها الناظم هنا، وهي التي يُستفاد معناها بدونها، لأن التأكيد المراد به التقوية، والمؤكِّد والمؤكَّد الأصل يكون المؤكِّد زائدًا على المؤكَّد، حينئذٍ لو أسقط المؤكِّد حينئذٍ دلّ المؤكَّد على المعنى الذي دلّ عليه المؤكِّد. إذن لم نستفد منها إلا مجرّد التقوية فحسب. وهي التي يُستفاد معناها بدونها، وهذه المؤكِّدة عند النحاة على ثلاثة أنحاء:
مؤكِّدة لعاملها، ومؤكِّدة لصاحبها، ومؤكِّدة لمضمون الجملة، هذه ثلاثة أنواع وإن كان في بعضها نزاع.
الأول: إما مؤكِّدة لعاملها، وهي كلّ وصف وافقَ عامله؛ إما معنى دون اللفظ، أو وافقه في اللفظ والمعنى معًا، يعني إذا جاءَ لفظ الحال موافقًا للعامل؛ إما أن يوافقَه في اللفظ والمعنى؛ وإما أن يوافقه في المعنى فحسب، كالمثال الذي ذكره الناظم هنا: (لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا).
لاَ تَعْثَ: (لاَ) هذه ناهية، تَعْثَ: هذا فعل مضارع أصله تعثو، فِي الاَرْضِ: متعلّق به، مُفْسِدَا: هذا حال من الفاعل؛ لا تعث أنت مفسدًا، نقول: عثى يعثو بمعنى أفسد، حينئذٍ مُفْسِدَا ما الذي زاده على المعنى؟
نقول: هذا معلوم من قوله: (لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ)؛ لأن لا تعث المراد به لا تفسد في الأرض، فمُفسدًا نقول هذا أكَّد معنى عامل الحال، ووافقه في المعنى دون اللفظ.
وقد تكون مؤكِّدة له وموافقة له في اللفظ والمعنى معًا، «وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا» [النساء:٧٩] أرسلناك رسولًا، رسولًا حال مؤكِّدة، مؤكِّدة لأي شيء؟ للعامل الذي هو وأرسلناك من لفظه ومعناه، لو أُسقط؛ وأرسلناك للناس: معلوم أنه أُرسِل للناس رسُولًا، ما دام أنه أُرسل حينئذٍ لزِمَ منه أن يكون رسولًا، إذن يُستفاد معناها بدونها.
[ ٦٦ / ١ ]
إذن نقولُ: القسم الأول من المؤكِّدة، أن تؤكد عاملها، وهي كل وصف وافق عامله؛ إما معنى دون لفظ؛ كالمثال الذي ذكرَه الناظم: و(لاَ تَعْثَ فِي الأرضِ مُفْسِدَا).؛ لأن الإفساد والعثو بمعنى واحد، حينئذٍ وافَقَه في المعنى دون اللفظ، «فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا» [النمل:١٩] ضَاحِكًا حال مؤكِّدة لتبسَّم، لأنه معلوم منه إذ الابتسام نوع من الضحك، «ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» [التوبة:٢٥] مُدْبِرِينَ: حال مؤكِّدة للعامل وَلَّيْتُمْ، ولى وأدبر بمعنى واحد، ولّى زيد يعني فرّ، وأدبرَ يعني فرّ، حينئذٍ اختلفا في المادة واتحدا في المعنى، أو معنىً ولفظًا نحو: «وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا» [النساء:٧٩] هذه مؤكدة لعاملها.
أو مؤكِّدة لصاحبها، وهذه لم يذكرها الناظم، كقوله تعالى: «لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا» [يونس:٩٩] (مَنْ) صيغة عموم، فتدلُّ على كل الأفراد، لو لم يقل جَميِعًا لما أفادت الجمع؟ أفادت أم لا؟ لو لم يقل جميعًا في غير القرآن أفادت، لأنها لفظٌ يُفيدُ العموم فيَصدُق على كل الأفراد، فلما قالَ: جميعًا، "كلّ الناس جاءوا جميعًا" مثلًا، فنقول "جميعًا" هذا حال مؤكِّدة لصاحب الحال.
وهنا «لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا» (مَنْ) فاعل، (آمَنَ) فعلٌ ماضٍ، (كُلُّهُمْ) تأكيد لـ (ـمَنْ)، (جَمِيعًا) هذا منصوب على الحال. حينئذٍ نقول هذه مؤكِّدة لصاحبها.
والثالث: مؤكِّدة لمضمون الجملة، وهي التي عناها بقوله: وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ.
إذن قولُه: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا مُراده القسم الأول من أنواع الحال المؤكدة، وهي ما أكَّدت عاملها سواء وافقته في اللفظ والمعنى «وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا» [النساء:٧٩]، أو وافقته في المعنى دون اللفظ.
وَعَامِلُ الْحَالِ هذا مبتدأ، (عَامِلُ) مضاف و(الْحَالِ) مضاف إليه.
بِهَا قَدْ أُكِّدَا، قد أُكِّد بها، (قَدْ) حرف تحقيق، (أُكِّدَا) الألف للإطلاق، (بِهَا) جار ومجرور متعلق بـ أُكِّدَا، هنا تقدّم معمول الفعل المؤكَّد، والأصل فيه المنع، لأن ما بعد (قد) الأصل لا يعملُ فيما قبلها، حينئذٍ (بِهَا) نقول متعلق بـ (أُكِّدَا)، والضمير يعود إلى عامل الحال.
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا أين الخبر؟ جملة قَدْ أُكِّدَا.
فِي نَحْوِ هذا جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: أُكِّدَا.
فِي نَحْوِ قولك: (لاَ تَعْثَ فِي الأرضِ) هي في الأرض أصلُها، نُقلت حركةُ الهمزة إلى اللام في الَارض، ليس في الأَرض.
(لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا): مُفْسِدَا هذا حال من الفاعل تَعْثَ، يقال: عثا يعثو عثوًا، وعثا يعثى عثىً، يعني بالواو وبالألف المنقلِبة عن ياء.
وذهبَ الفراء والمبرد والسهيلي إلى أن الحال لا تكونُ إلا مؤسِّسة، فالحالُ عندهم قسمٌ واحدٌ فحسب، وليست منقسمة إلى نوعين: مؤسِّسة ومؤكِّدة.
[ ٦٦ / ٢ ]
وأنكروا أن تكونَ مؤكِّدة لعاملها، وتأوَّلوا الأمثلة حتى جعلوها من أمثلة المؤسِّسة، حينئذٍ الحال عندهم قسم واحد فحسب، ليست مؤكِّدة، لأنها إنما جيء بها لبيان هيئة إما الفاعل وإما المفعول وإما المضاف إلى آخره، حينئذٍ ما دلَّ على بيان هيئة أو جيءَ للدلالة على الهيئة، فالأصلُ فيه أنه يكون مُفيدًا لا يُستغنى عنه بدونه، يعني لا يمكن أن تُفيد الجملة بعد ذهاب الحال مثلما ولو وجدت الحال فيستويان .. هذا ليس عندهما، ولاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا، هذا مُؤوَّل حتى يجعلوها حالًا مؤسِّسة.
ولم يتعرَّضوا لإنكار المؤكّدة لصاحبها لأنها مما ولَّدَه المتأخرون .. وليسوا بمتأخرين إنما هُم من المتقدمين، إذن: لم يُنكروا الحال المؤكِّدة لصاحبها؛ لأنها غير معروفة عند المتقدمين.
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نَحْوِ لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا
تنقسمُ الحال إلى مؤكِّدة وغير مؤكِّدة، -هكذا قال الشارح-، فالمؤكِّدة على قسمين، وغير المؤكِّدة ما سوى القسمين، المؤكِّدة على قسمين هذا عندَ المتأخرين ليسَ مقبولًا، وإنما هي ثلاثة أقسام:
فالقسمُ الأول من المؤكِّدة: ما أكَّدت عاملها، وهي المراد بهذا البيت، وهي كل وصف دلَّ على معنى عامله وخالفَه لفظًا، وهو الأكثر، أو وافقه لفظًا وهو دون الأول في الكثرة، مثالُ الأول: (لاَ تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا)، ومنه: «ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» «وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ» الإفساد والعثو بمعنى واحد.
ومن الثاني قوله: «وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا» «وَسَخَّرَ لَكُمُ» ثم قال: «مُسَخَّرَاتٍ» هذا مما تعدَّد فيه صاحب الحال وجُمِعت الحال، أصلُه: سخَّرَ لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مُسخَّرًا مُسخَّرًا مُسخَّرًا مُسخَّرًا مُسخَّرًا، هذا الأصل، فقيل: مُسَخَّرَاتٍ جُمِع هذا الأصل من باب الاختصار.
وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ
هذا هو القسم الثاني من الحال المؤكِّدة، وهي المؤكِّدة لمضمون الجملة يعني ما دلَّت عليه الجملة.
وَإِنْ تُؤَكِّدْ الحال هي تؤكِّد .. تؤكَّد تؤكِّد.
جُمْلَةً هذا مفعول به.
فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا فمُضمرٌ عاملُها، إذن تقعُ الحالُ هنا بعد جملة، واشتُرطَ في هذه الجملة أن يكون جزءاها معرفتين، وأن يكونا جامدين، وأن تكون جملة اسمية.
وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً إذن ليسَ على إطلاق الجملة، وإن كانت الجملة تشملُ الجملةَ الفعلية والجملةَ الاسمية، لكن الجملة الفعلية هي التي عناها بقوله:
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نَحْوِ لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا
[ ٦٦ / ٣ ]
حينئذٍ اختصَّ قوله: وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ، وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً يعني: جملة اسمية؛ لأنها لو كانت فعلية لعملت في الحال، ولحاجت إلى تقدير محذوف، وهنا العامل محذوف، فالحال المؤكِّدة لمضمون الجملة هو من المواضع التي يجبُ فيها حذف عامل الحال، حينئذٍ وجبَ حذفُ عامل الحال، هذا يقتضي أن تكون الجملة ليست فعلية؛ لأنها لو كانت فعلية أو فيها ما فيه معنى الفعل لكان هو العامل في الحال، ولما احتجنا إلى تقدير محذوف ليكون هو الحال.
إذن: وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا الفاء هذه واقعة في جواب الشرط، (إن)، فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا، فَمُضْمَرُ هذا خبر مُقدَّم، عَامِلُهَا: مبتدأ مُؤخَّر، لماذا لا يجوزُ العكس؟ ماذا؟ ضمير، عاملها مضمر؟؟؟، فَمُضْمَرُ نقول: هذا خبر مُقدَّم، عَامِلُهَا: مبتدأ مؤخَّر، كونه مضمر وجوبًا، فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا، كونه مُضمر وجوبًا يعني: محذوفًا يدلُّ على أن الجملة هذه التي تؤكَّد بالحال كونها اسمية وليست فعلية لماذا؟ لأننا لو جعلناها فعلية وقدَّرنا أن فيها ما يعملُ عملَ الفعل لما احتجنا إلى عامل يكون محذوفًا، حينئذٍ تعيَّنَ أن يكونَ الفعل المذكور في الجملة السابقة وهي جملة فعلية أو ما فيه رائحةُ الفعل أن يكون هو العامل، لكن المسألة مفروضة فيما إذا لم يكن عاملًا، فحينئذٍ نجعلُ لها عامِلًا محذوفًا واجبَ الحذف، هذا دلّ على أنها جملة اسمية وليست بفعلية.
جزءاها مَعرفتان، لا بدّ أن يكونَ المبتدأ والخبر معرفتين، لماذا؟ قالوا: هذا كذلك مأخوذ من كلام الناظم من تسميتها مؤكِّدة أو مؤكَّدة؛ لأن الشيء لا يُؤكَّد إلا إذا كان معلومًا، وإذا لم يكن معلومًا حينئذٍ لا يصح تأكيدُه، ولذلك سبقَ أن صاحبَ الحال يُشترَط فيه أن يكون معرفة أو ما هو قريب من المعرفة، وهو النكرة الذي جِيءَ بمسوِّغ معه ليصحّح كونه صاحب حال، حينئذٍ إذا لم تكن الجملة معروفة معلومة حينئذٍ لا تُؤكَّد، لأنه لا يؤكَّد إلا ما كان معروفًا معلومًا، فدلَّ على أن جزئي الجملة معرفتان.
جامدان: وهذا الشرط الثالث؛ يعني كل منهما جامد ليس بمشتق؛ لأنه لو كان مُشتقًا لكان هو العامل، لو وُجد واحدٌ منهما المبتدأ أو الخبر اسم فاعل أو اسم مفعول، أو صفة مُشبَّهة حينئذٍ لكان هو العامل في الحال، ونحن فرضنا المسألة في جملة لا عاملَ فيها بحيث نجعلُ العامل محذوفًا واجبَ الحذف.
جامدان: مأخوذ من كون الحال مؤكِّدة للجملة لأنه إذا كان أحدُ الجزأين مُشتقًا أو في حكمه كان عاملًا في الحال، فكانت مؤكِّدة لعاملها لا للجملة.
إذن: يُشترَط في هذه الجملة التي تؤكَّد، وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً أي: اسمية .. جزءاها معرفتان جامدان، اسمية لأنه عنى بقوله: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا الجملة الفعلية، حينئذٍ لم يبقَ مُقابلًا لها إلا الاسمية، لأن ما أكَّد مضمون الجملة قسيم لما أكَّد عامل الجملة.
[ ٦٦ / ٤ ]
الحال المؤكِّدة لعاملها هذا قسم، والحال المؤكِّدة لمضمون الجملة هذا قسم، تعينَ في الأولى أن تكون فعلية، لأن الحال أكَّدت العامل، والعاملُ لا يكون إلا فعلًا أو ما فيه رائحة الفعل، هذه قسيمة لها، دلَّ على أنها اسمية، كذلك هما جامدان وجزءاهما معرفتان.
وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً وإن تؤكِّد الحال هي، الضمير يعود على (الحال).
جُمْلَةً عرفنا قوله جملة، هذا يُشترَط فيه أن تكون اسمية، جزءاها معرفتان جامدان، والتعليل كما سبق.
فَمُضْمَرُعَامِلُهَا: يعني محذوف، عاملها محذوف.
وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ: يعني لفظ الحال يُؤخَّر، هذا من المواضع التي ذكرناها في الست المسائل التي يجبُ فيها أن تكون الحال مُؤخَّرة عن عاملها أو عن صاحبها.
وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ: وَلَفْظُهَا (الواو) هذه استئنافية، يعني: الجملة مُستأنفة أفادت حُكمًا غير معلوم من السابق.
وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ يعني لفظ الحال يُؤخَّر عن الجملة فلا يتقدَّم الجملة ولا يتوسَّط الجملة.
وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ عن الجملة وجوبًا أيضًا، لضعف العامل؛ لأنَّ العاملَ ضعيف فيجبُ تأخيره عما هو كالعوض منه وهو الجملة، كأن الجملة عوض عن العامل حينئذٍ لا تتقدَّم الحال عليه.
وأيضًا لأنها مؤكِّدة، حال مؤكِّدة، والمؤكِّد بعد المؤكَّد.
قال الشارح: هذا هو القسمُ الثاني من الحال المؤكِّدة، وهي ما أَكدت مضمون الجملة، ما المرادُ بضمون الجملة؟ المُسند والمسند إليه، ما المراد بمضمون الجملة؟ يعني مدلول الجملة، ليسَ هو اللفظ "زيد أخوك"، المراد كون زيد أخاك، مضمون الجملة مم نأخذه؟
إن كان الخبر مُشتقًّا حينئذٍ نظرنا في المصدر فأضفناهُ إلى اسمها، زيد قائم: قيام زيد، هذا مضمونُ الجملة، مضمونُ الجملة نأخذه كيف؟ نقول: ننظرُ في الخبر إن كان مُشتقًا حينئذٍ نظرنا إلى المصدر، نُضيفُهُ إلى المبتدأ، تقول: قيام زيد، هذا مضمونُ الجملة، وإذا كان غير مُشتقّ حينئذٍ نظرنا إلى الكون، نأتي بلفظِ الكون مَصدر كان، فنضيفهُ إلى الاسم، ثم نأتي بالخبر منصوبًا على أنه خبرٌ للكون، "زيد أخوك"، "زيد قائم" ليس واردًا معنا هنا؛ لأن الخبر مُشتقّ والكلام مفروض فيما إذا كان المبتدأ والخبر جامدين، حينئذٍ نقول: زيد أخوك، ما مضمون الجملة؟ كون زيد –انظر جئتَ به مُضافا إليه- "أخاك" جئتَ بالخبر منصوبًا على أنه خبرٌ للكون، "كون زيدٍ أخاك" هو الذي تؤكِّده الحال، زيد أخوك.
قال: وشرطُ الجملة أن تكون اسمية وجزءاها معرفتان جامدان، وعرفنا المأخذَ من كلام الناظم، هذه شروطٌ كلُّها مأخوذة من كلام الناظم، من قوله: جملةُ إلى آخر ما ذكرناه.
نحو ماذا؟ زيد أخوك عَطوفًا، وأنا زيد معروفة، إذن "زيد أخوك" جملة اسمية جزءاها معرفتان، زيد معرفة وأخوك معرفة، وجامدان كذلك ليس فيهما ما هو فعل أو ما فيه رائحة الفعل، وأنا زيد (أنا) مُبتدأ وزيد خبر وهي جملة اسمية، معروفًا، فعطوفًا ومعروفًا حالان وهما منصوبان بفعل محذوف وجوبًا، حينئذٍ نقولُ: عطوفًا هذا أكَّدَ مضمون الجملة لأنه وقعَ بعد جملة اسمية، جزءاهما معرفة وجامدان.
[ ٦٦ / ٥ ]
ومعروفًا كذلك نقولُ: مؤكِّد لمضمون الجملة، وهو أنا زيد، كون زيد أنا، وهما منصوبان حينئذٍ العامل فيهما محذوف.
قال: فَمُضْمَرُعَامِلُهَا إذن لا بدَّ أن يكون العاملُ محذوفًا، وحكمُ الحذفِ هنا الإيجاب، وهنا تأخَّرت الحالُ؛ لم تسبقها الجملة. لا يصح أن يقال: عطوفًا زيد أخوك، ولا يقال: زيد عطوفًا أخوك، لماذا لا يصحُّ؟ لضعفِ العامل، وهما منصوبان بفعل محذوف وجوبًا، والتقدير في الأول: زيد أخوك أُحِقه عطوفًا، والثاني أحقّ معروفًا لأنه اسم مفعول، الأول عطوف فعول، والثاني معروف، حينئذٍ نأتي بلفظ أُحِقه معروفًا عطوفًا، فجعلنا العاملَ محذوفا، ولا يجوزُ تقديم هذه الحال على هذه الجملة، فلا تقول: "عطوفًا زيد أخوك" ولا "معروفًا أنا زيد"، ولا توسِّطها بين المبتدأ والخبر لئلا يتقدَّمَ المؤكِّد على المؤ كَّد، وإن لم يقولوا ذلك في المفرد، في المفرد لم يقولوا بهذا، لكن لما كانت الحال المؤكدة الضعيفة من حيث القبول هل هي موجودة أم لا؟ ومن حيث الفائدة، ومن حيث صدقِ حدِّ الحال عليها، حينئذٍ وُجِد فيها ضعف، فعُوملت مُعاملة العامل الضعيف، فلم يتصرَّف فيها كما تُصُرِّف في الحال المبيِّنَة.
إذن: وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا أي: عاملُ الحالِ محذوف وجوبًا، ولفظُها أي لفظُ الحال يُؤَخَّر عن الجملة وجوبًا، فلا يجوزُ أن يتقدَّمَ على الجملة، ولا يجوزُ أن يتوسَّط بينهما.
ثم قال ﵀:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ كَجَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ
تجيءُ جملةٌ موضعَ الحال. الحال قد يقعُ اسمًا مفردًا، وهذا هو الأصل، ولذلك قلنا الحال وصفٌ صريحٌ ومؤوّلٌ بالصريح يشملُ النوعين؛ لماذا؟ صريح هذا واضح، جاء زيد ضاحِكًا، ومؤوّل بالصريح؛ لأنّ من الحال ما يكون جملةً، سواء كان جملة اسمية أو جملة فعلية، وما يكون ظرفًا، وما يكون جارًّا ومجرورًا، فهذه أربعة أنواع أو ثلاث، كلُّها تأتي موضع الحال فتفيدُ ما أفادته الحالُ حينئذٍ تكونُ في موضع نصبِ في الجملة، ويكونُ الظرفُ والجارُّ والمجرور مُتعلّقينِ بمحذوف واجبِ الحذف؛ إما أن يكونَ اسمًا وإما أن يكون فعلًا، يجوزُ تقديرُه بفعل استقرّ، ويجوزُ تقديره بمستقرّ.
حينئذٍ نقولُ الحال يأتي اسمًا مفردًا وظرفًا وجارًا ومجرورًا وجملةً؛ كما نصَّ الناظم هنا عليه، وترَكَ الظرفَ ولم يُنبِّه عليه لعلّه إحالة إلى الخبر؛ لأنّ الحالَ هنا أشبهُ ما يكون بالخبر، فكما أن الخبرَ يأتي مُفردًا ويأتي جُملة، وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ، كما قالوا: وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أوْ بِحَرْفِ جَرْ، هذا مثلُهُ في الحكم، رأيتُ الهلالَ بينَ السحاب، رأيتُ: فعل وفاعل، والهلالَ: مفعول به، بينَ السحاب: هذا ظرف مكان مُتعلِّق بمحذوف حال تقديرُهُ استقرّ، جملة فعلية أو مُستقرًّا بالنصب؛ إذا قدَّرته مُفردًا تأتي به منصوبًا، كأنه قال: رأيتُ الهلالَ مُستقرًّا بينَ السحاب.
[ ٦٦ / ٦ ]
وجارًّا ومجرورًا: «فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ» [القصص:٧٩] استقرَّ في زينته، مُستقِرًّا في زينته، كائنًا في زينته، ثبتَ؛ حصلَ في زينته، إذن في زينته: نقول هذا حال وقعَ جارًّا ومجرورًا، ويَتعلّقان بمستقرِّ أو استقرَّ محذوفينِ وجوبًا، وجملةُ سواء كان جملة اسمية أو جملة فعلية، ولذلك قال:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ موضعَ هذا منصوب على الظرفية المكانية، وهو على غير القياس، مَوضع مضاف والحال مضاف إليه، والعامل فيه تجيءُ، وتجيءُ: فعل مضارع، وجملةُ: فاعل، تجيء جملة موضعَ الحال، حينئذٍ تكونُ في محلِّ نصب، لأن الحالَ منصوبة وكذلك ما جاء في موضع الحال يكون منصوبًا، لكن إعراب المفرد يكونُ لفظًا ظاهرًا أو مُقدّرًا.
وأما إعرابُ الجملةِ فيكون محليًّا. إعرابُ الجمل والمبنيات نقول هذا محليٌّ.
ويُشترَط في الجملة التي يصحُّ وقوعها حالا كونها خبرية، حينئذٍ لا يصحُّ إيقاع الجملة الطلبية ولا الإنشائية بموضع الحال، وهم حملوا الحال على باب الخبر والنعت، فهما مُشتبهين، فاشترطوا كونها خبرية تغليبًا لشبهه بالنعت، تغليبًا لشبه الحال بالنعت، سيأتي في النعت هنا: وَامْنَعْ هُنَا إيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ.
أي: ذات الطلب لا تصحُّ بخلاف الخبر، الخبر سبقَ معنا أنه يصحُّ أن يقال: زيدٌ اضربه، على الصحيح، يصحُّ أن تقع الجملة الطلبية خبرًا لمبتدأ، زيد: مُبتدأ، اضربه: جملة طلبية يصحُّ أن تكون خبرًا على المبتدأ، لكن في النعت لا يصح.
وامنع هنا -في النعت– هنا نصَّ على باب النعت، وامنع هنا إيقاع ذات الطلب، فإذا جاء حينئذٍ يُضمر فيها القول، هنا اشترطوا أن تكون خبرية تغليبًا لشبه الحال بالنعت في كونه قيدًا مخصّصًا على شبهه بالخبر في كونه محكومًا به. هذا من دقّة النحاة؛ لأن النعت مُخصّص، كما أن الحال مُخصِّص، والخبر محكوم به فحسب، ليس فيه فائدة الاختصاص، يعني: لا ينفى مدلولَ الخبر عن غير المبتدأ، زيد قائم: أثبتنا القيام لزيد، ليسَ فيه تخصيص، عمرو؛ خالد قد يكونُ قائمًا بخلاف النعت، فالأصل فيه أن يكونَ النعتُ للاحتراز؛ جاء زيد العالم، العالم الأصل أنه احتراز عن غير العالم، فهو فيه تخصيص، الحال أيُّهما أقربُ إلى الخبر في كونه محكومًا به فحسب أو كونه فيه نوع تخصيص؟ لاشكّ أنه الثاني، فلذلك أُلحقت بالنعت في هذا المقام؛ فاشتُرطَ في الجملة أن تكون خبرية لا طلبية ولا إنشائية، وحينئذٍ يمتنعُ إيقاعُ الطلبية حالًا؛ كما يمتنعُ إيقاع الإنشائية حالًا فلا يصحّ، وما جاء من ذلك مؤول كما قال ابن هشام في الأوضح وغيره.
إذن: وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ خبرية يُقيدها، فخرجت بها الإنشائية والطلبية.
الشرط الثاني: أن تكون غير مُصدَّرة بدليل استقبال، دليل الاستقبال مثل: (لن) و(السين) و(سوف)؛ نقول هذه لا تدخلُ على الجملة الخبرية، لأن الجملة الخبرية قد تكون مُصدّرة بذلك.
[ ٦٦ / ٧ ]
الثالث: أن تكون مُرتبطة؛ يعني لا بدّ من رابط كالجملة الخبرية والنعتية، الحكم واحد، الجملة في النعت لا تقعُ نعتًا إلا برابط، والجملة في الخبر لا تقع خبرًا إلا برابط، وهنا الرابط إما أن يكون الواو والضمير معًا، بالواو والضمير معًا، فالواو واو الحال، واو الابتداء والضمير، ومرجعُ الضمير يكون عائدًا على صاحب الحال «خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ» [البقرة:٢٤٣] خرجوا وهم ألوف، الواو واو الحال، هم ألوف: مبتدأ وخبر، الضمير الذي وقعَ عُمدة وهو المبتدأ، هذا رابط أيضًا يعود على صاحب الحال، خرجوا الواو، وهم ألوف: الجملة حالية وهي جملة اسمية خبرية، والرابط بين صاحب الحال هو الواو في خرجوا وبين الحال في الجملة نفسِها -اثنان: الواو نفسها واو الحال وهي رابط، وكذلك الضمير الذي هو المبتدأ.
إذن: أن تكون مُرتبطة إما بالواو والضمير معًا، يجتمعان معًا في جملة واحدة، أو بالضمير فقط، نحو: «اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» أي: مُتعادين، اهبطوا: الواو صاحب الحال، بعضكم: الكاف هي مردّها الواو بالمعنى، حينئذٍ نقول: الرابط هنا في " بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " هذه جملة إسمية الرابط فيها الكاف بَعْضُكُمْ .. الضمير فقط، لم تأتِ الواو هنا، حينئذٍ نقول: اكتُفيَ بالضمير عن الواو، لأن الواو رابط مُستقلّ، والضمير رابط مُستقل، فإذا وُجدت الواو اكتفينا بها عن الضمير، والعكس بالعكس، وإذا اجتمعا حينئذٍ نقول اجتمع فيه رابطان. أو بالواو فقط دون الضمير «لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ» [يوسف:١٤] "نَحْنُ عُصْبَةٌ" مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب حال، أين الرابط؟ الواو فحسب.
إذن: يُشترَط في هذه الجملة التي يصحّ إيقاعُها حالًا ثلاثةُ شروط، وهي: أن تكونَ خبرية، أن تكون غير مُصدَّرة بدليل استقبال؛ أي حرف يدلَّ على الاستقبال؛ (أن) المصدرية أو (لن) أو (سوف) أو (السين) نقول هذه كلها ممنوع.
ولذلك امتنعَ «فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ» [الزخرف:٢٧]، " سَيَهْدِينِ" بعضهم أعربها حال، نقول هذا ممتنع؛ لماذا؟ لكونها مُصدّرة بـ (السين). زاد بعضهم أن لا تكون جملة الحال تعجبية، جاء زيد أكرم به؛ لا يصح، لأن ثَم نزاعا؛ هل التعجبية خبرية أم إنشائية؟ إن كانت إنشائية فالحمد لله، نحن نقول: نشترط فيها الخبرية، إن كانت خبرية حينئذٍ لا بُدّ من استثنائها، فنقول خبرية بشرط أن لا تكون تعجبية.
قال: وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ كَجَاءَ زَيْدٌ كقولك: جَاءَ زَيْدٌ، الكاف داخلة على مقول محذوف، كقولك: جاء زيد، جَاءَ: فعل ماضي مبني على الفتح؛ لا محل من الإعراب، ما معنى لا محل له من الإعراب؟
ليسَ فاعلًا ولا مبتدأً ولا مفعولًا إلى آخره، جميع المحالِّ ننفيها عن الفعل الماضي، زَيْدٌ: فاعل مرفوع بـ جَاءَ، ورفعه الضمة الظاهرة على آخره، وَهْوَ بإسكان الهاء لغة، الواو واو الحال، تُسمّى واو الابتداء؛ لأنها أكثر ما تدخلُ على المبتدأ.
وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ، وَهْوَ: مبتدأ، نَاوٍ: خبر، نَاوٍ مكسور؛ كيف يكون خبرًا؟
وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا
[ ٦٦ / ٨ ]
كيف يكون مجرورًا بالكسرة؟ ناويٌ، إذن هذا منقوص:
ونَوِّنِ المُنَكَّرَ المَنقُوصَا
تَقُولُ هَذَا مُشتَرٍ مُخَادِعُ فَِي رَفعِهِ وَجَرِّهِ خُصُوصَا
وَافزَعْ إِلى حَامٍ حِمَاهُ مَانِعُ
إذن: نَاوٍ أصله ناويٌ، قاضيٌ، استُثقلت الضمة على الياء فحُذفت، صارَ ناوي، ثم نُوِّن لأنه مُنكّر وهو واجب التنكير فالتقى ساكنان، حُذفت الياء للتخلُّص من التقاء الساكنين، صار نَاوٍ.
إذن: نَاوٍ خبر مرفوع، ورفعه ضمّة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، إذن: نَاوٍ خبر مرفوع، ورفعه ضمّة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلُّص من التقاء الساكنين.
رِحْلَهْ: مفعول به لناوٍ لأنه اسم فاعل، إذن: كما تجيءُ موضع الخبر والنعت جملة، كذلك تتأتي في باب الحال، الأصلُ في الحال والخبر والصفة الإفراد لا شكّ في هذا، الأصلُ فيها الإفراد سواء كان في باب الخبر أو في باب النعت أو في باب الحال، الأصلُ أن تكون الحالُ مفردة (ضاحكًا).
ولذلك إذا جاءت جملة نقول: في محلّ نصب حال، ثم نؤوّلها؛ إن أمكنَ تأويلها رددناها إلى الوصف، فإن لم يمكن تُترك كما هي، ويقال: في محلّ نصب حال، وتقع الجملة موقع الحال كما تقع موقع الخبر والصفة، ولا بد فيها من رابط وهو في الحالية إما ضمير، ومرجع الضمير صاحب الحال، هناك المبتدأ والنعت على المنعوت .. والحال أن يشتملَ على ضمير يعود على صاحب الحال، نحو: جاء زيد يده على رأسه، جاء زيد: فعل وفاعل، يده على رأسه: يده مبتدأ، وعلى رأسه خبر، والجملةُ في محلّ نصب حال، وهي جملة اسمية خبرية لم تُصدَّر بعلامة استقبال، ومشتملة على رابط، وهو المضاف إليه، يده: يعني: يد زيد، هذا رابط بين الجملة الحالية وصاحب الحال. أو واو وتُسمّى واو الحال وواو الابتداء، وعلامتها يعني واو الحال وواو الابتداء صحةُ وقوع (إذ) موقعها، إذا صحَّ أن يُؤتى بـ (إذ) موقع الواو حينئذٍ قلنا هذه واو الحال، وكذلك إذا أفهمَت الجملةُ كشفًا لهيئة حينئذٍ قلنا أفادت ما أفادَه المفرد، ولذلك علامة واو الحال أن يصحّ محلها (إذ)؛ يعني من حيث معنى (إذ)؛ ليس المراد أنها مرادفة أن تُفسَّر بمعنى (إذ)، وإنما (إذ) لها علاقة بما قبلها. سيأتي هذا معنا.
جاء زيد وعمرو قائم، جاء زيد إذ عمرو قائم، أو الضمير والواو معًا: جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ.
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
هذا كالاستثناء أو التفصيل لما سبقَ: وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ لا بدَّ من رابط، إما واو، وأما ضمير، وإما هما معًا.
بعضُ الجملِ لا يصحُّ إدخال الواو عليها، يجبُ تجريدها من الواو، ذكرَ مسألة واحدة، وهي أكثر من هذا؛ هي ست مسائل أو سبع، ذكر واحدة منها وقال:
وَذَاتُ بَدْءٍ ذات يعني جملة فعلية وقعت حالًا ذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ يعني: مفتتحة بفعل مضارع.
ثَبَتْ يعني: مُثبت لا منفي.
ذَاتُ بَدْءٍ يعني: صاحبة ابتداء، ذَاتُ: مبتدأ وهو مضاف، وبَدْءٍ: مضاف إليه.
[ ٦٦ / ٩ ]
بِمُضَارِعٍ: بدء بمضارع مُتعلّق ببدء.
ثَبَتْ: الجملة نعت لمضارع.
حَوَتْ ضَمِيرًَا يعني: اشتملَت على رابطٍ هو الضمير، دون الواو ولا تدخل عليها الواو، بل يمتنع إدخال الواو على جملة حالية مفتتحة بمضارع مُثبت لا منفي، ولذلك قال:
ومِنَ الْواوِ خَلَتْ وجوبًا، ومن الواو خَلَت، خَلَت من الواو، من الواو مُتعلّق بقوله: خَلَت .. وجوبًا.
إذن: ذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ نقول: الحكمُ هنا مُعلَّق بالجملة الحالية إذا وقعت فعلًا مضارعًا مثبتًا؛ حينئذٍ تربط بالضمير دون الواو مثل: جاء زيد يضحكُ، جاء: فعل ماضي، وزيد: فاعل وهو صاحب الحال، (يضحك) هذه جملة، وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ، وقعَت الجملة هنا يضحك فعل وفاعل، والضميرُ مُستتر تقديره هو يعودُ على زيد، جاء زيد يضحكُ، هل يصحَّ أن يُقال: جاء زيد ويضحك؟
نقول الجواب: لا، لماذا؟ لأنهم استثنوا الجملة المضارعية المثبتة يعني: الذي لم يتقدَّم على الفعل المضارع حرف نفي، حينئذٍ نكتفي برابط واحد وهو الضمير، ولذلك قال:
حَوَتْ ضَمِيرًَا يربطها بصاحبها.
ومِنَ الْواوِ خَلَتْ وجوبًا، لماذا؟ قالوا: لشبهه باسم الفاعل، أشبهَ الفعلُ المضارع المثبت اسم الفاعل، واسمُ الفاعل مفردٌ، والمفرد لا تدخل عليه الواو: جاء زيد ضاحكًا، جاء زيد يضحكُ، يضحك أشبهَ ضاحكًا، وضاحكًا لا تدخل عليه الواو، وإنما يُكتفى بالضمير؛ لأن ضاحِكًا فيه ضميرٌ يعود إلى صاحب الحال. لشبهه باسم الفاعل بخلاف الماضي فليس شبهه به شديدًا، لأنه وإن أشبههُ في وقوعه صلة وصفة وحالًا؛ يزيد المضارع بكونه على حركاته وسكناته، وكالماضي في الجملة الاسمية.
أما الجملة الاسمية والجملة الفعلية المفتتحة بالماضي أو المضارع المنفي هذا سيأتي تفصيله معنا، الجملة الاسمية يصحُّ أن تقترنَ بالرابطين كما ذكرناه، يدُه على رأسه، ويده على رأسه، يجوزُ فيه الوجهان.
وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ جازَ فيه الوجهان، وهنا وجبَ تجريدها من الواو لأن المضارع أشبهَ اسم الفاعل واسم الفاعل إذا وقع حالًا لا تقترن به الواو.
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا يعني: إذا جاءَ في لسان العرب ما ظاهرُهُ أنه مخالف للبيت الأول قررنا القاعدة أنه في لسان العرب ما إذا كانت الحال جملة فعلية مُفتتحة بمضارع مُثبت لا تدخل عليه الواو، لو جاءَ في لسان العرب ما ظاهرُه كذلك، مثل ماذا؟ قمت وأصُكُّ عينه، أصكُّ هذا فعل مضارع والجملة حالية تقدّمت عليها الواو.
قال: وَذَاتُ وَاوٍ يعني: ما سُمع من لسان العرب في الجملة السابقة صاحبة واو.
انْوِ بعدها.
مُبْتَدَا بعد الواو، وأصكُّ: وأنا أصكُّ، إذن ظاهرُها أنها جملة فعلية بالتقدير: جعلناها جملة اسمية فصحَّ دخول الواو عليها، إذن هذا فيه تأويلٌ للجملة الظاهرة التي وقعت بعد الواو نجعلها جملة اسمية، وأنا أصكُّ عينه.
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا بعد الواو.
[ ٦٦ / ١٠ ]
انْوِ مُبْتَدَا لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا اجعلن المضارعَ له مسندًا يعني خبرًا، حينئذٍ وأنا أصكُّ نقول: أصكَّ هذه جملة في محل رفع خبر المبتدأ، أين المبتدأ؟ قدَّرناه، (أنا) لماذا؟ لنجعلَ هذا الظاهر الممنوع في لسان العرب مُوافِقًا للسان العرب، لأنه في الظاهر أنه ممنوع لأنه دخلت الواو على فعل مضارع مُثبت وواو الحال لا تدخُلُ على فعل مضارع مُثبَت، حينئذٍ لا بدّ من التأويل، ما هو التأويل؟ نقولُ هنا نُقدِّر مبتدأ محذوفًا هذا المضارع الذي تلى الواو نجعله مُسندًا يعني خبرًا للمبتدأ المحذوف، تقول: قمتُ وأصكُّ عينه يعني وأنا أصكُّ عينه، إذن لا إشكالَ فيها، صارت الجملة خالصة، ومما جاء به لسان العرب.
وَذَاتُ وَاوٍ هذا مبتدأ.
بَعْدَهَا الضمير يعودُ على الواو.
انْوِ بعدَها، بعدَ هذا منصوب بـ (انو)؛ انوِ بعدها.
مُبْتَدَا هذا مفعول لـ (انْوِ).
الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ: اجْعَلَنَّ هذا فعل أمر مُؤكَّد بالنون، الْمُضَارِعَ: مفعول أول لـ (اجْعَلَ).
مُسْنَدَا يعني: خبرًا له مسندًا، اجعلن المضارع مُسندًا له، له يعني للاسم المحذوف الذي هو المبتدأ.
َذَاتُ بَدْءٍ: ذَاتُ هذا مبتدأ، خبره جملة (انْوِ)، والرابط محذوف أي: انوِ فيها والضمير في بَعْدَهَا عائد على الواو.
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
أي: إذا جاءَ من لسان العرب ما ظاهرُهُ أن جملة الحال المصدَّرة بمضارع مُثبت تلت الواو حُمِل على أن المضارع خبر مبتدأ محذوف، وحينئذٍ تخلَّصنا من المحظور.
الجملة الواقعة حالًا إن صُدِّرت بمضارع مُثبت لم يجز أن تقترنَ بالواو، بل لا تُربط إلا بالضمير، وهذا يكادُ يكون محلَّ وفاق، جاء زيد يضحك، يضحك الجملة حالية، والفعل المضارع مُثبت ولم تقترن بالواو، جاء عمرو تُقاد الجنائبُ بين يديه، تُقادُ: فعل مضارع وقع حالًا حينئذٍ لم تدخل عليه الواو، ولا يجوزُ دخول الواو، فلا تقول: جاء زيد ويضحك، لما ذكرناه من كون يضحكُ هذا مُشبه لاسم الفاعل، فإن جاءَ من لسان العرب ما ظاهرُه ..؟؟؟ أُوِّل على إضمار مُبتدأ بعد الواو، ويكون المضارع خبرًا عن ذلك المبتدأ، وذلك نحو قولهم: قمتُ وأصكُّ عينه، يعني: وأنا أصك عينه.
فَلَمَّا خَشِيتُ أظَافِيرَهُمْ نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا
وأنا أرهنهم مالكًا؛ إذن كم شرطًا ذكر لهذه الجملة التي لا يصحُّ أن تقع بعد الواو؟
أولًا: كونها فعلًا مضارعًا.
ثانيًا: كونه مُثبتًا.
بقيَ عليه شرطان: الأول: يمكن أخذُهُ من قوله:
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ وهو كونه أن لا يتقدَّمَ عليه معمول من معمولات الفعل المضارع، فإن تقدَّمَ عليه جازَ اقترانه بالواو.
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ يمكن نأخذُ منه شرطا ثالثا، فإن بدأتَ بمعمول المضارع جازَ الربط بالواو، ولذلك قيل: «وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» [الفاتحة:٥] أعربها البيضاوي حالًا، «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» [الفاتحة:٥] إياك نعبد ونستعين قيلَ حال، ولما تقدَّم إياك وهو معمول نستعينُ جاز ربطها بالواو .. على قول.
[ ٦٦ / ١١ ]
الرابع: أن لا تقترن بـ (قد)، هذه الجملة لا تقترن بـ (قد)، فإن اقترنت بـ (قد) حينئذٍ دخلت عليها الواو، «لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ» [الصف:٥] وَقَدْ تَعْلَمُونَ، إذن: دخلت الواو هنا على الجملة، دخلت الواو على الجملة لماذا؟ لكون الفعل هنا صُدِّر بـ (قد)، ويمكن أخذُهُ من كلام الناظم أيضًا:
ذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ مُطلقًا لا يسبقه أيُّ حرفٍ؛ لا تحقيق ولا نفي، فيعمُّ ذا وذاك.
فقوله: ثَبَتْ لأن المنفي إنما يكون بحرف يدلُّ على النفي؛ إما (لم) و(لما) و(لن) إلى آخره، و(لن) هذا لا يُتصوّر هنا.
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ إذن يمكن أخذُ الشروطِ الأربعة من كلام الناظم صرَّحَ بالمضارع، وصرَّحَ بكونه مُثبتًا غيرَ منفي، وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ: مفهومُه إن بدأت بمعمول المضارع دخلت عليه الواو، وهذا واضح بيَّنٌ، كذلك وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ، فإن بدأت بحرف ولو لم يكن نفيًا كـ (قد) حينئذٍ نقولُ الأصل فيها دخول الواو، إذن هذه مسألة من المسائل التي لا تدخل الواو على الجملة الفعلية.
ومنها أن الجملة المضارعية المنفية بـ (لا) كذلك مثلها، يعني يُمنع من اتصال الواو بها؛ فلا تدخل عليها الواو، «مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ» [النمل:٢٠] لا أَرَى الْهُدْهُدَ، أرى: فعل مضارع ودخلت عليه (لا)، فهو منفي بـ (لا)، لا يصح دخول الواو عليه، إذن ليس خاصًّا بما ذكره الناظم، بل ثَم سبع مسائل يكاد يكون فيها اتفاق بين النحاة أنه لا تدخل الواو على الجملة.
الثالث: أن يكون المضارع منفيًا بـ (ما) .. موجودة في حاشية ابن عقيل:
عَهْدْتُكَ مَا تَصْبُو وَفِيكَ شَبيبةٌ فَما لَكَ بَعْدَ الشَّيْبِ صَبًّا مُتَيَّما؟
عَهْدْتُكَ مَا تَصْبُو، (ما) نافية، وتصبو: فعل مضارع، والجملة هنا حال، لا يصحُّ دخول الواو عليه؛ لأن هذا الفعل مُصدّر بنفي وهو (ما).
رابعًا: الجملة المعطوفة على حال قبلها، «فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ» [الأعراف:٤] هم قائلون الجملة حال، معطوفة على حال سابق، وهي بياتًا، جاءها بأسنا بياتًا، بياتًا حال، أو هم قائلون، هم: مبتدأ، وقائلون خبر، والجملة في محلِّ نصب حال معطوفة على حال، لا يصحُّ دخول الواو على هذه الجملة لما ذكرناه.
خامسًا: الجملة المؤكدة لمضمون جملة قبلها .. الذي ذكرناه سابقًا «ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ» [البقرة:٢] على قولِ لأن لا ريبَ حال مؤكِّدة لمضمون الجملة «ذَلِكَ الْكِتَابُ» [البقرة:٢] هذا في بعض الأعاريب.
سادسًا: الجملة التي تقع بعد (إلا)؛ سواء كانت جملة اسمية أو فعلية، «يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون» [يس:٣٠] لا يصحّ (إلا وكانوا)، وقد وردَ ذلك شذوذًا في بعض الكلام.
سابعًا: الجملة الفعلية التي فعلها ماضٍ مسبوق بـ (أو) العاطفة، لأضربنه حضر أو غاب، نقول هذه جملة فعلية فعلها ماضي مسبوق بـ (أو) العاطفة: حضر أو غاب، وعبَّرَ عنها ابنُ هشام الماضي المتلو بـ (أو).
إذن: هذه سبعُ مسائل يمتنعُ فيها دخول الواو على الجملة الحالية.
ثم قال ﵀:
[ ٦٦ / ١٢ ]
وَجُمْلَةُ الْحَاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
هذا من الأبيات المشكلة في الألفية.
وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا ما هو سِوَى مَا قُدِّمَا؟ ماذا قدَّمَ هو؟ قدَّمَ مسألة واحدة وهي المُفتتحة بالمضارع المُثبت، ما سواها: أنت مخيَّرٌ بينَ أن تصلَها بالواو فقط أو بالمضمر فقط أو بهما معًا، وهذا يشملُ السبع المسائل أو الست المسائل التي زدناها على كلام الناظم، لكن قيلَ لأن الأكثر في لسان العرب هو ما تدخل الواو على الجملة الحالية لم يعتبر ذاك المخالف يعني تنزيلًا للأكثر مَنزلة الكل، كأنه قال: سِوَى مَا قُدِّمَا هذا استثناء، والاستثناء معيار العموم، فدَلَّ على أن كل ما عدا المسألة التي ذكرها المفتتحة بالمضارع المُثبت أنت مخيَّرٌ بين هذه الروابط، والصواب لا بد من التفصيل.
وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سواء كانت فعلية أو اسمية.
سِوَى هذا منصوب على الاستثناء على رأي الناظم خلافًا لسيبوية، وعلى مذهب سيبوية منصوب على الظرفية.
سِوَى مَا قُدِّمَا، مَا قُدِّمَا الألف هذه للأطلاق، ما قُدّما (ما) واقعة على الجملة التي تقع حالًا.
بِوَاوٍ: وجملة الحال بواو، جملة الحال مبتدأ، بواو جار ومجرور متعلِّق بمحذوف، لكن هنا هل نجعلُ المحذوف كونًا مطلقًا أو خاصًا؟ لو جعلناهُ كونًا مطلقًا ما حصلَ فيه المعنى الذي يُراد .. وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا كائنة بواوٍ؟ لا، ليس المراد هذا، حينئذٍ نقولُ: مُتعلّق بمحذوف وليس كونًا مطلقًا، بل نُقدِّره إما مستعملا أو جاء بواو وحُذِفَ للعلم به، لأن السياق يدلُّ عليه، السياقُ يدلُّ على أن مُتعلّق الخبر هنا خاصّ وليس بعام؛ إذ لو كان عامًا لما فُهِم المعنى المراد.
بِوَاوٍ نقول: هذا خبر، وتُسمّى واو الحال وواو الابتداء؛ لأنها تدخلُ كثيرًا على المبتدأ وإن لم تلزمه؛ ليست بلازمة له أو لوقوعها في ابتداء الحال، وقدَّرها سيبوية والأقدمون بـ (إذ) السابقة .. ذكرَها ابن عقيل، ولا يُريدون أنها بمعناها؛ إذ لا يُرادِف الحرفُ الاسم، الحرفُ لا يُرادِف الاسم، إذا قيل الواو هذه بمعنى (إذ)؛ (إذ) تدل على الزمن الماضي، ليس المراد أن (الواو) تدلُّ على ما دلّت عليه (إذ)، لأن الحرفَ ليس فيه معنى في الأصل، و(إذ) هذا اسم كلمة دلَّت على معنى في نفسها، والحرفُ كلمة دلّت على معنى في غيرها، بل إنها وما بعدها قَيدٌ للعامل السابق، كما أن (إذ) تدلُّ على أن ما بعدها .. لإنها مُلازمة للإضافة، أن ما بعدها قيدٌ للعامل السابق مثلها واو الابتداء، جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ، ما بعدَها مُرتبِط بما قبلها وهو العامل، كذلك (إذ) تدلُّ على أن ما بعدَها مُرتبِط بما قبلها، فالتشبيهُ حينئذٍ في الوظيفة .. في العمل فحسب، وليس في المعنى.
وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا بِوَاوٍ قلنا هذا الخبر مُتعلِّق بمحذوف وهو كون خاص.
(أَوْ) للتخيير، بِوَاوٍ اوْ بإسقاط الهمزة طبعًا.
بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ: أَوْ للتخيير يعني أنت مُخيَّر بين الواو فقط، أَوْ بِمُضْمَرٍ يعني بالضمير فقط، ومرجعُهُ يكون إلى صاحب الحال.
أَوْ أيضًا للتخيير.
[ ٦٦ / ١٣ ]
بِهِمَا معًا، أن تقرنَ بين الواو والضمير.
قالَ ابن عقيل: الجملة الحالية إمّا أن تكون اسمية أو فعلية، والفعليةُ إما مُفتتحة بمضارع أو بماض أو بأمر .. الجملةُ الفعليةُ إما أن تكونَ مفتتحة بمضارع أو بماضٍ أو أمر، لأنها جملة فعلية، لا تكون خبرية، الجملة إذا وقعت فعلَ أمرٍ لا تكون حالًا لأنه يُشترَط فيها أن تكون جملة خبرية لا إنشائية ولا طلبية.
وكلّ واحد من هذه الأقسام: المضارع والماضي والاسمية؛ إما أن يكون مثبتًا، وإما أن يكون منفيًا، وقد تقدَّمَ أنه إذا صُدِّرت الجملة بمضارع مُثبت لا تصحبها الواو، وزِد عليه المسائل التي ذكرناها، بل لا ترتبطُ إلا بالضمير فقط، وذكرَ في هذا البيت أن ما عدا ذلك يجوزُ فيه أن يربط بالواو وحدها، أو بالضمير وحده أو بهما، فيدخل في ذلك حينئذٍ الجملة الاسمية المثبتة والمنفية والمضارع المنفي والماضي المثبت والمنفي؛ لأنها محصورة جُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا شمل الاسمية بنوعيها المثبتة والمنفية والفعل الماضي المثبت والمنفي والمضارع المنفي، فتقول: جاء زيد وعمرو قائم، عمرو قائم هنا جملة اسمية مربوطة بالواو .. واو الحال، وجاء زيد يدهُ على رأسه، مربوطة بالضمير يدُهُ على رأسه، وجاء زيد ويُدُه على رأسه؟ بهما معًا.
إذن: جملة اسمية واحدة صحَّ اقترانُها بالواو فقط، أو بالضمير فقط، أو بهما معًا، وكذلك المنفي: جاء زيد ولم يضحك، أو ولم يقم عمرو، وجاء زيدٌ وقد قامَ عمرو، قام عمرو، انظر (قد) هنا قدَّرها بعد الواو كما سيأتي، وجاء زيد قد قامَ عمرو إذ جاء الفعل الماضي حينئذٍ يُؤتى بـ (قد) إما على جهة الوجوب وإما على جهة الاستحباب، فيه خلاف. وإذا كانت مذكورة لا إشكال فيها وإذا كانت محذوفة حينئذٍ تُقدَّر، والكوفيون لا يرون مطلقَ التقدير. وجاء زيد قد قام أبوه، وجاء زيد وقد قام أبوه، وكذلك المنفي: جاء زيد وما قام عمرو، وجاء زيد ما قام أبوه أو وما قام أبوه، إذن الجملة الماضوية منفية أو مثبتة يجوزُ أن تربط بالواو فقط أو بالضمير فقط أو بهما معًا.
قال ابنُ عقيل: ويدخلُ تحتَ هذا أيضًا المضارع المنفي بـ (لا)، وهذا سبقَ أنه ماذا؟ «مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ» [النمل:٢٠] أنه لا يقترنُ بالواو وليس هذا فحسب، بل المسائل الست كلّها داخلة تحت قوله، وعلى هذا تقول: جاء زيد ولا يضرب عمرًا بالواو وهذا قبيح، وذكر المصنفُ في غير هذا الكتاب أنه لا يجوزُ اقترانُه بالواو كالمضارع المثبت إذن يجب استثناؤه، وأن ما وردَ مما ظاهرُهُ ذلك يُؤوّلُ على إضمار مُبتدأ كقراءة ابن ذكوان: «فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَان» [يونس:٨٩] بتخفيف النون والتقدير: أنتما لا تتبعان، فلا تتبعان خبر مبتدأ محذوف.
[ ٦٦ / ١٤ ]
إذن: ما عدا ما ذكره من المضارع المثبت على كلامه وأجراهُ على ظاهره ابن عقيل أنه يُخيَّر بين ربطها بالواو فقط أو بالضمير فقط أو بهما فقط، والصوابُ أنه يُستثنى المسائل الست، ويُقال بأن الناظم إنما عَمّم لأن الأكثر .. كما رأيتَ من الأمثلة .. الأكثر الكثير جدًا في لسان العرب أنت مُخيَّر بين هذه الروابط. حينئذٍ عامل الأكثر مُعاملة الكل؛ كأنه لم يعتبرها، ثم يُقال أيضًا في هذا المقام أن مذهب البصريين إلا الأخفش لزوم (قد) مع الماضي المثبت، الماضي المثبت يلزمُ أن تتصل به (قد)؛ لماذا؟ لأن (قد) هذه تُقرِّب الماضي إلى الحال كما ذكرناه سابقًا، قامَ زيد هذا في الزمن البعيد يحتملُ قبل سنة سنتين عشر قام زيد، لكن إذا أردتَ الزمن القريب تأتي بـ (قد) فإذا أردتَ البعيد وجئتَ بـ (قد) أخطأتَ، إذا أردتَ البعيد وجئتَ بـ (قد) حينئذٍ أخطأتَ، وإذا أردتَ القريب وتركتَ (قد) أخطأت، لكن من يدري عن هذا الخطأ؟ قامَ زيد هذا في الزمن البعيد، الزمن القريب: قد قام زيد، ولذلك تقول: قد قامت الصلاة، يعني قرُبَ زمنُها، قامت الصلاة معناها أُقيمت في السابق، لما كان الحال الأصل فيها أن تكون مقارنة لصاحبها تقول: جاء زيد، أنت تخبرُ عن زيد بشيء يقعُ معه أو شيء وقعَ في الزمن البعيد، إذا قلت: جاء زيد وقد قام أبوه، إذا قلتَ: جاء زيد الآن تخبِرُ عن مجيء زيد، هل تصفُه بوصفٍ وقعَ في زمن ماضي بعيد أم في زمن قريب من الحال من أجل أن تقرب الجملة الماضوية إلى الحالية التي هي الفعل المضارع؟ لا شكّ أنه الثاني، ولذلك ألزمَ بعضُهم إدخال (قد) على الفعل الماضي. مذهبُ البصريين إلا الأخفش لزومُ (قد) مع الماضي المثبت مُطلقًا ظاهرة أو مقدرة، إن لُفِظَ بها فلا إشكال، إن لم يُلفظ بها لا بد من التقدير، ولذلك ترى المُعربين في التفسير هناك يقولون على تقدير (قد) دائمًا، إذا جاءت الجملة الماضوية في الإثبات بالواو فقط حينئذٍ يقولون: على تقدير (قد)، جاء زيد وقام عمرو .. وقد قامَ عمرو يُقدَّرُ (قد) لماذا؟ لأنه فعلٌ ماضي مُثبت، والأصلُ فيه أن يُوصَف به صاحب الحال في الزمن القريب، وهذا الذي يُقرِّبُه لنا هو (قد) على جهة الخصوص، سواء رُبِط بالواو أو بالضمير أو بهما مُطلقًا؛ يعني بدون تفصيل بدون نظر إلى الرابط، متى ما جيءَ بالفعل الماضي المثبت حينئذٍ لا بُدّ من تقدير (قد)؛ إن لُفِظ بها فلا إشكال، وسواء ربط بالواو أو بالضمير أو بهما.
والمختار وِفاقًاَ للكوفيين والأخفش لزومُها مع المرتبِط بالواو فقط؛ لأنه هو الكثير في لسان العرب، وما عداهُ هو جوازُ إثباتِها وحذفِها في المرتبط بالضمير وحدَه أو بهما معًا.
مذهبُ البصريين أنه يؤتى بـ (قد) مطلقًا؛ سواء كان الضمير وحدَه أو الواو وحده أو بهما معًا، مذهبُ الكوفيين وهو الموافق للمنقول أنه يُفصل فيها لزومها مع المرتبط بالواو فقط، إذا جاءت بالواو لزِمَ أن يُؤتى بـ (قد) إن لُفِظ بها فلا إشكال، إن لم يُلفظ حينئذٍ وجبَ تقديرُها، وجواز إثباتها وحذفها في المرتبط بالضمير وحده أو بهما معًا.
[ ٦٦ / ١٥ ]
إذن: الإلزام والوجوب فيما إذا كانت مُرتبطة بالواو فقط، وما عدا الواو وهذا يُتصوّر بالضمير وحده أو بهما معًا أنت مُخيَّر بين إثباتها وحذفها تمسُّكًا بظاهر ما سُمع، سُمِع كثير في لسان العرب عدمُ ذكرِ (قد)؛ إذ الأصل عدمُ التقدير لا سيما مع الكثرة، نعم هناك أربع صُور قيلَ بالترتيب الأكثري ثم الأدنى ثم ما هو دونه، جاء زيد وقد قام أبوه: هذا أكثر شيء، ثم بعده في الرتبة: جاء زيد قد قام أبوه، بدون واو، ثم بعده في الرتبة الثالثة: جاء زيد وقام أبوه، ثم جاء زيد قام أبوه، بدون واو ولا (قد).
إذن: المراتب أربع في الكثرة، جاء زيد وقد قامَ أبوه، ثم جاء زيد قد قام أبوه بدون واو، ثم جاء زيد وقام أبوه بالواو دون (قد)، ثم جاء زيد قام أبوه.
نقف على هذا وصلى الله وسلم على نبينا !!!
[ ٦٦ / ١٦ ]