عناصر الدرس
* حالات حذف عامل الحال، وبعض المسائل المتعلقة بالباب
* شرح الترجمة (التمييز) وحده
* حكم التمييز وأنواعه والعامل في كل نوع
* حكم تمييز أفعل التفضيل
* التعجب يقتضي تمييزاُ
* متى يجوز جر التمييز بـ (من)؟
* حالات التمييز مع عاملة من حيث التقديم والتأخير
* فائدة: ما يتفق عليه الحال مع التمييز وما نفترقافيه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِلْ
هذا يتعلَّق بالعامل وحذفه، والأصل فيه جوازُ الحذف، وقد يجبُ حذفُه، وقد يجبُ ذكرُه، حينئذٍ له ثلاثة أحوال: منها ما يجبُ ذكره ولا يجوزُ حذفه، ومنها ما يجبُ حذفه ولا يجوز ذِكره، والأصل فيه جواز الحذف والذكر.
وَالْحَالُ: هذا مبتدأ.
قَدْ يُحْذَفُ (قَدْ) للتحقيق، ليس للتقليل؛ لأن الحذف كثير، فالمراد هنا تحقيق القول بحذف عامل الحال.
وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ: (قَدْ يُحْذَفُ) هذه الجملة خبر.
يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ: ما عمِلَ فيها، يعني العامل فيها، (ما) الموصولة صلتها في قوة المشتقّ عند البيانيين، يُحذف عاملها، فعامل نأخذه من (ما) الموصولة مع صلتها، مَا فِيهَا عَمِلْ يعني: ما عمِلَ فيها، فـ (مَا) هذه مفعول واقع على العامل في الحال، يُحذف ما عمِلَ فيها، فِيهَا هذا مُتعلّق بعمل والضمير عائد على (ما).
وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ يعني: يحذف عاملها، وهذا على جهتين؛ إما على جهةِ الجواز، وإما على جهة الوجوب، مَا فِيهَا عَمِلَ: هل كلّ عاملٍ يجوز حذفه؟ الجواب: لا.
وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ حُرُوفَهُ مُؤَخَّرًا لَنْ يَعْمَلاَ
قلنا: العاملُ في الحال قد يكون فعلًا بنوعيه المتصرف والجامد، والصفة المتصرّفة كذلك ما أُلحقَ بها وهو اسم التفضيل في الحالة التي استثنيت، ما عدا ذلك هذا يجوزُ حذفُه وذكرُه بالشروط الآتية، وأما العامل المعنوي فلا يجوزُ حذفُه البتة، فيُستثنى من قوله: وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ، يُستثنى العامل المعنوي؛ فيجب ذكرُه ولا يجوزُ حذفه؛ سواء علم أم لا؛ لماذا؟ لما ذكرناه أنه ضعيف .. عامل ضعيف وهو ملفوظ به، فحينئذٍ نقولُ وهو ملفوظ به ضعيف، فكيف يعملُ وهو محذوف؟ هذا من بابٍ أولى وأحرى، فلا يقوى على العمل وهو محذوف.
قلنا: يُحذَف عامل الحال جوازًا، ومثاله أن يقال: كيف جئتَ؟ تقول: راكبًا، هنا حُذِف عامل الحال وصاحبها، لم يحذف عامل الحال فحسب، وإنما حُذِف عامل الحال مع صاحبها، تقديره: جئتُ راكبًا، حُذف (جئتُ) لأنه صارَ تبعًا للعامل، وكقولك: (بلى مسرعًا) لمن قال لك: لم تسر! تقول له: بلى، يعني: سِرتُ مسرعًا، ومنه قوله تعالى: «أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ» [القيامة:٣] «بَلَى قَادِرِينَ» [القيامة:٤] قَادِرِينَ هذا حال، يعني: بلى نجمعها قادرين.
هذا الأصل في عامل الحال أنه يجوزُ حذفه إذا دلَّت عليه قرينة، وهذه قاعدة عامة
وهي داخلة في كلامه السابق: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ، هذه قاعدة عامة تشمل هذا الباب.
وأما ما حُذف وجوبًا، وهو الذي أشارَ إليه بقوله: وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِل.
يعني: مُنِعَ ذكره، ذكره مُنِعَ، يعني لا يجوز ذكره، بل يجب حذفه حذفًا مؤبّدًا.
وَبَعْضُ هذا مبتدأ، وهو مضاف و(ما) اسم موصول بمعنى الذي يقعُ على العامل، يعني: وبعض العامل يحذف.
[ ٦٧ / ١ ]
وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ بعض العامل يحذف، وجملة يحذف هذه صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب.
ذِكْرُهُ حُظِل، ذِكْرُهُ: مبتدأ ثان، وحُظِل: هذه خبر لأنه فعل وفاعل، والمبتدأ الثاني وخبره في محلّ رفع خبر المبتدأ الأول وهوبَعْضُ.
إذن: بَعْضُ: مبتدأ أول، وذِكْرُهُ: مبتدأ ثاني، وحُظِل: هذا فعل والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محلّ رفع خبر المبتدأ الأول، حُظِل أي: مُنِعَ، منها هذا السابق .. وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا قلنا: يُحذف العامل وجوبًا متى؟ إذا كانت الحال مؤكِّدة لمضمون الجملة، عاملها حينئذٍ يكون محذوفًا، زيدٌ أخوكَ عطوفًا، أُحقِّه عطوفًا، ونحوه من الحال المؤكِّدة لمضمونِ الجملة وقد تقدَّم، كذلك الحال النائبة منابَ الخبر (ضربي زيدًا قائمًا)، هذا سبقَ معنا في آخر باب المبتدأ.
وَقَبْلَ حَالٍ لاَ يَكُونُ خَبَرَا عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا
كَضَرْبِيَ العَبْدَ مُسِيئًا وَأَتَمْ تَبْيِينِيَ الْحَقَّ مَنُوطًَا بِالحِكَمْ
هذا الذي أراده هنا، إذا كان قائمًا، وقد سبقَ تقريرُ ذلك في باب المبتدأ والخبر.
إذن: ذكرَ موضعين مما يجبُ فيه حذف الحال، وبقيَ عليه موضعان: أن ينوبَ الحال عن عامل الحال، وذلك كقولك لمن شربَ: هنيئًا، هنيئًا: نابَ مناب عامل الحال، وإذا أُنيب مناب عامل الحال حينئذٍ امتنعَ ذكره.
هَنِيئًَا مَرِيئًَا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ لِعِزَّةَ مِن أَعرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ
فـ هَنِيئًا هذا أُنيبَ مناب العامل، حينئذٍ وجبَ حذفه ولا يجوز ذكره ولا جمعه بينَ النائب والمناب عنه، يعني: كالعوض لا يُجمعَ بين العوض والمعوض عنه.
الثاني: أن تدلَّ الحال على توبيخ، أقائمًا وقد قعَدَ الناس؟ هذا فيه توبيخ، أقائمًا وقد قعدَ الناس؟ أتقوم قائمًا؟ أو أتكون قائمًا؟ أو نحو ذلك، حينئذٍ نقول: قائمًا هذا عامله محذوف لأنه دلَّ على توبيخ.
ومما حُذِف فيه عامل الحال وجوبًا قولهم: اشتريتُه بدرهمٍ فصاعدًا، وهذه ما يُعنوَن لها بالحال التي يُبيّنُ بها ازدياد أو نقصان على جهة التدريج، اشتريتُه بدرهم فصاعدًا، يعني: فذهبَ الثمنُ صاعدًا، وكذلك تصدّقتُ بدينار فسافلًا، سافلًا هذا حال دلّت على تدرج لكن في النقص لا في العلو، وذهبَ المتصدُّق به سافلًا يعني في الدنو.
إذن: يجبُ حذف عامل المؤكِّد فيما إذا نابت الحال مناب الخبر، وكذلك الحالة الدالّة على زيادة أو نقص أو تدريج، وكذلك الحالة المؤكدة لمضمون الجملة، هذه خمسة مواضع مما يجبُ فيه حذفُ عامل الحال، وما عدا ذلك يكون جوازًا، وإذا نظرنا إلى العامل المعنوي حينئذٍ نقولُ: هذا النوع مما يجبُ ذكر العامل ولا يجوزُ حذفه، فالقسمة ثلاثية، ما يجب حذفُ العامل وهو خمسة أنواع: ما يجبُ ذكر العامل، وهو العامل المعنوي السابق: (كَتِلْكَ لَيْتَ وَكَأَنَّ).
ما يجوزُ فيه الوجهان وهو ما عدا ذلك، والضابطُ فيه أن تدلَّ قرينة على المحذوف حينئذٍ نقول هذا مما جاز حذفُه.
[ ٦٧ / ٢ ]
تنقسمُ الحال باعتبارات -هذا نختمُ به الباب- الأول: نقول تنقسمُ الحال باعتبار انتقالها عن صاحبها ولزومها له إلى (المنتقلة) وهو الغالب و(اللازمة).
إذن: باعتبار انتقالها عن صاحبها ولزومها له نقول: تنقسم إلى منتقلة وهو الغالب، وهو الذي أشارَ إليه سابقًا: وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلًا، وإلى مُلازمة وليس مُستحقّة.
الثاني: باعتبار قصدها لذاتها وعدمها؛ هل هي مقصودة بالذات أو لا؟ تنقسم إلى قسمين:
مقصودة وهي الغالب، ومُوطِّئة وهي الجامدة الموصوفة التي ذكرناها سابقًا «بَشَرًا سَوِيًّا» [مريم:١٧].
الثالث: تنقسمُ باعتبار التبيين والتوكيد: إلى المبينة وهو الغالب وتُسمى المؤسِّسة، والمؤكِّدة: وهي التي يستفاد معناها بدونها، وهذه الأقسام الست تقدَّمت في كلام الناظم.
الرابع: تنقسمُ باعتبار جريانها على مَن هي له وغيره إلى الحقيقية وهي الغالب، والسببية نحو: مررتُ بالدار قائمًا سكانها، يعني: إذا رفعت ضميرًا مستترًا قلنا هذه حقيقية لأن الضمير رجعَ إلى مَن هي له، وأما إذا رفعت اسمًا ظاهرًا حينئذٍ نقول سبببي؛ كما هو الشأن في النعت، نعت حقيقيّ ونعت سبببيّ، "مررتُ بزيد قائم"، "مررتُ برجل قائم أبوه"، هذا مثلها، "مررتُ بالدار قائمًا سكانها".
الخامس: تنقسم باعتبار الزمان إلى مقارِنة لعاملها وهو الغالب، بل قيل الأصل في الحال أنها مقارِنة، مقارَنة كل شيء بحسبه، ومقدَّرة وهي المستقبله، ومنه: «ادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» [الزمر:٧٣] ادخلوها الآن خالدين، يعني: في المستقبل مقدَّرة.
فهذه أقسام خمسة تنقسم إليها الحال.
وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِلْ
إذن: يجوزُ حذفُ عامل الحال لدليل حالي أو لدليل مقالي، والمقالي يعنونَ به أن يكون جوابًا لسؤال، والدليل الحالي الذي هو الفعل، راشدًا .. لو قال راشدًا، لمن؟ للقاصد للسفر، قال: أريد أن أسافر، قال له: راشدًا، يعني: تسافر راشدًا، والقرينة هنا حالية، قيل: قد تُحذَفُ الحال كذلك، كما حذف عامل الحال للقرينة، وأكثر ما يكون ذلك إذا كانت قولًا أغنى عنه المقول، «وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ» [الرعد:٢٣] «سْلامُ» [الرعد:٢٤] قائلين سلام، سَلامٌ عَلَيْكُمْ، حينئذٍ نقولُ الحال هنا محذوفة، لأن شأنَها شأن الخبر والنعت، والنعتُ يجوز حذفه إذا عُقل .. إذا علم، وكذلك الخبر إذا علم جاز حذفه، مثلهما الحال لأنها وصفٌ في المعنى، وحينئذٍ يجوز حذفها قياسًا على ما سبق.
التَّمْيِيزْ
قال الناظم بعد ذلك رحمه الله تعالى: التَّمْيِيزْ، هذا خاتمة أبوابِ المنصوبات، التمييز يذكرونه بعد الحال لما بينهما من أمور يتّفقان عليهما، وهي خمسة، ويفترقان في سبعة تأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
التَّمْيِيزْ قلنا هذا آخرُ وخاتمةُ أبواب المنصوبات حيث يُذكر بعدَه المخفوضات ابتداءً بحروف الجر، ثم يذكر الإضافة، ثم تتوالى أبواب النحو مما لا يكون من العمد، لأنهم يذكرون المرفوعات ثم المنصوبات ثم المخفوضات، ثم بعد ذلك باب نعم وبئس وأفعل التفضيل إلى آخره.
[ ٦٧ / ٣ ]
التمييز من المنصوبات ليسَ في كل أحواله، وإنما في بعض أحواله، وهذا بناءً على إذا جَررنا التمييز هل يُسمى تمييزًا أو لا؟ المشهور أنه يُسمى تمييزًا، إذا قيل: قفيزُ برٍّ، برِّ جررناهُ .. يجوز فيه وجهان، شبرُ أرضٍ، شبرٌ أرضًا حينئذٍ نقول يجوز فيه الوجهان، إذا نصبناه لا شكّ أنه تمييز لأنه منصوب، وإذا جررناه – الوجه الآخر وهو جائز- هل يخرجُ بالجرِّ عن كونه تمييزًا أو لا؟ الجمهور لا، يُسمى تمييزًا، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول التمييز من المنصوبات في بعضِ أحواله كالمستثنى، وإذا قيلَ بأنه لا يُسمى تمييزًا حينئذٍ كلّ تمييز يكون منصوبًا هذا الأصل، ويَرِد التمييز في العدد، لكن جرت عادة النحاة في المطولات أنهم لا يُدخلون العدد في باب التمييز الذي يُذكر فيه، وإنما يُشار إليه إشارة ويذكرون بابًا كاملًا يُسمّونه باب العدد، هذا يأتينا في الأخير إن شاء الله تعالى، وهنا يذكرون ما عدا العدد، مع كونه داخلًا فيه لأنه من رفعِ إبهامِ مفرد.
التمييز نوعان: رفع إبهامِ لمفرد ومنه العدد، «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ» [يوسف:٤] أحد عشر ماذا؟ «كَوْكَبًا» [الأنعام:٧٦] فالكوكبُ هذا تمييز رفعَ إبهام المفرد وهو أحد عشر، حينئذٍ نقولُ هو مميِّز، لكن لا تُذكر أحكامه هنا، إنما يذكر في بابه المستقل.
التمييزُ يقال: تمييز ومُميِّز، وتبيين ومُبيِّن، وتفسير ومفسِّر، هذه ألفاظٌ مترادفة، ولكن التمييزُ هذا مشهور عند البصريين، والتفسير والتبيين مشهور عند الكوفيين، ولذلك الكوفي إذا فَسَّر القرآن يقول هذا تفسير، هذا يكثر في بعض التفاسير، (تفسير) إذا ما تعرف المصطلح .. ما (تفسير) هذه؟ يقف ما نعرف تفسير، نقول تفسير المراد به التمييز، فمعرفةُ اصطلاح الكوفيين يُفيد في معرفة ما قد يحكم به بعض المعربين لبعض الآي بأنه كذا وأنت تحفظُ المصطلح الخاص بالبصريين، وقد لا تحيط علمًا بمصطلح الكوفيين فتقع في لبسٍ، حينئذٍ التمييز يُسمّى تفسيرًا وتبيينًا ويُسمى تمييزًا، والأصل فيه أنه مصدر ميَّزَ يميزُ تمييزًا لأن التفعيل يأتي من فعَّلَ، تقول: ميَّزتُ كذا عن كذا إذا خلصت أحدهما من الآخر، وكذا إذا كانا متشابهين ففرقتَ بينهما؛ فميزتَ هذا عن ذاك.
[ ٦٧ / ٤ ]
التمييز هذا مصدر، وهل المراد به المعنى المصدري؟ لا شك أنه ليس هو المراد كالاستثناء، قلنا الاستثناء هناك أُريد به المستثنى، لأن الاستثناء هذا معنى من المعاني، معنى مصدري والذي يُحكم عليه هو اللفظ، والاستثناء معنى حينئذٍ لا بد أن نقول: إنه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول أي المستثنى، ولكن هنا التمييز قيل بأنه صارَ هذا اللفظ حقيقة عُرفية في المميِّز، وحينئذٍ يصحُّ أن يراد التمييز والمميز ويكون مَصدَقهما واحد، فالتمييزُ صار حقيقة عرفية في المميز، فقد لا نقول بأنه أُطلق المصدر وأريد به اسم المفعول، ولذلك إذا جئتَ تُعرب تقول «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا» [يوسف:٤] كوكبًا تقول مميِّز أو تمييز؟ تقول: تمييز، لماذا؟ لأنه صارَ حقيقة عرفية في ماذا؟ في مرادفًا للمميز، حينئذٍ لا نحتاجُ أن نقول كما قلنا في الاستثناء أنه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، وهذا هو الظاهر والذي عليه الاعتماد أن التمييز صار حقيقة عرفية وهو مرادف لقولهم: المميز وإن كان في الأصل هو معنى مصدري أُطلق وأريد به اسم الفاعل، إذن: هو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي المميز، وصار حقيقة عرفية على المميز، فتقول: هذا مميِّز وهذا تمييز.
اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ يُنْصَبُ تَمْيِيزًَا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ
عرَّفه الناظمُ هنا بكونه اِسمٌ، اِسمٌ هذا خبر لمبتدأ محذوف هو اِسمٌ، لم يقل مصدر ولم يقل وصفٌ لأنه لا يكون إلا جامدًا.
فقوله: اِسمٌ هذا جنس، أخرجَ الجملة والظرف والجار والمجرور لأنّ المراد به الاسم الصريح، والتمييزُ لا يكون إلا اسمًا صريحًا ولا يكون اسمًا مؤولًا بالصريح خلاف الحال، هذا مِن الفوارق بين الحال والتمييز؛ لأنه قد يلتبس وقد يشتبه على البعض الفرق بينهما، فنقول: الحال يكون وصفًا، والوصفُ يشملُ الصريح والمؤول بالصريح، فيكون جملة وظرفًا وجارًا ومجرورًا.
وأما التمييز فلا يكون إلا صريحًا، فلا تقع الجملة تمييزًا ولا الظرف ولا الجار والمجرور تمييزًا. إذن: يختصُّ بهما، فالتمييز لا يكون واحدًا منها، وهذا أحد الفوارق بين الحال والتمييز.
اِسمٌ هذا جنس.
بِمَعْنَى مِنْ يعني: التمييزُ يكون على معنى (من)؛ يعني يُفسَّر بـ (من). ما المراد بـ (من) هنا؟ المراد بها (من) التي لبيان الجنس، أن يكون لفظٌ عام ثم لفظ مبهم ثم يُؤتى بـ (من) فتفسِّر ذلك اللفظ المبهم، وأوضحُ مثال له قوله تعالى: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ» [الحج:٣٠] الرِّجْسَ هذا أنه يحتمل الرجس المعنوي؛ الرجس الحسي؛ الأصنام؛ الدماء؛ الميتتات. يصدق على هذا وذاك.
«فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ» [الحج:٣٠] هذا فيه نوع إبهام، قال: «مِنَ الأَوْثَانِ» [الحج:٣٠] مِنَ الأَوْثَانِ هذه مُفسِّرة للمراد بالرجس، حينئذٍ نقول (من) هذه لبيان الجنس، بِمَعْنَى (مِنْ) أي البيانية بأن يكون المجرور بها هو المُبيّن بها عينه، عينه هو المبين، كأنه قال الرجس هي الأوثان، الرجس المراد هنا في هذه الآية هي الأوثان.
[ ٦٧ / ٥ ]
إذن الرجسُ والأوثانُ بمعنى واحد، بأن يكون المجرورُ بها الذي بعدَها يتلوه هو المبين بها عينُه، الرجس عينه الأوثان والأوثان عينها هي الرجس، والمراد هنا أن التمييزَ بيَّنَ جنس المميز، إذا قلت: عندي عشرون، عشرون ماذا؟ هذا يحتمل مثل «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ» [الحج:٣٠] عشرون كتابًا؛ بيتًا؛ ألفًا؛ مليونًا؟ يحتمل هذا وذاك، إذا قلت عندي عشرون كتابًا، كتابًا هذا مثل «مِنَ الأَوْثَانِ» [الحج:٣٠] حينئذٍ حصلَ به البيان، فأُدِّي به ما أُدِّي بـ (من) التي لبيان الجنس، هذا المراد بكون التمييز على معنى (من)؛ يعني يُؤدّى به أو يُفسّر به ما يُفسّر بـ (من) وليس المراد أن (من) مُضمرة، أو أنه مُضمّن معنى (من) لا، ليس المراد، وإنما المراد كالظرف، نقول: الظرف يُلاحظ فيه معنى الظرفية، عندنا ظرف وعاء ومظروف، هذا المعنى موجود في الظرف، لا يشترط فيه أن يؤتى بـ (في) أو نقول في مقدرة أو اللفظ مضمن معنى في، لا، وإنما يُراد به أن التركيب هنا على معنى الظرفية، وهنا التركيب على معنى (من) البيانية، كما قلتَ هناك «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ» [الحج:٣٠] فسَّرتَ ورفعتَ الإبهام الذي في الرجس بقولِك الأوثان، حينئذٍ الأوثان هي عين الرجس والرجس هو عين الأوثان، عندي عشرون، عشرون ماذا؟ هذا مُبهَم فإذا قلت: كتابًا، الكتاب هو عين العشرين، والعشرون هي عينُها الكتب، حينئذٍ نقول هذه جرت على معنى (من) التي لبيان الجنس، والمراد هنا أن التمييز بيَّنَ جنس المميز كما أن (من) البيانية تُبيِّن ما قبلها، وليس المراد بأن (من) مقدرة قبل التمييز، وسيأتي معنا أنك قد تُظهِر لفظ (من)، هذا وجه جائز لكنه من جهة اللفظ .. النطق: وَاجْرُرْ بِـ (مِنْ) إِنْ شِئْتَ، لكن لفظًا وليس المراد أنها منوية، لا؛ المراد بها لفظًا لأن المعنى واحد، إذا حذفت (من) صار التركيب على معنى (من)، وإذا ذكرت لفظ (من) حينئذٍ خرج عن كونه تمييزًا من حيث النصب إلى الجر.
إذن: اِسمٌ صريح .. خرجَ به الجملة وما عطف عليه.
بِمَعْنَى مِنْ هذا جار ومجرور مُتعلّق بكائن صفة لاسم، يعني يُعتبر فصلًا، والفصول عند أرباب التعاريف تُعرَب نعتًا بعد نعت، يعني: لا يكون كلُّ فصل نعتًا لما قبله، وإنما ترجعُ إلى الجنس؛ لأن الإخراج يكون من الجنس.
بِمَعْنَى (مِنْ) أي أنه يُفيدُ معناها لا أنها مُقدَّرة في نظم الكلام، إذن: مرَّ معنا هذا الباب الثالث الذي يُقال فيه بأنه على معنى كذا، نؤول الظرف على معنى (في) الظرفية، وكذلك الحال في حال كذا، وهذا الباب الثالث وهو التمييز، وليسَ المراد بالأبواب الثلاثة أن هذه الحروف مُضمّنة في الأسماء بعدها، وإنما المراد أن التركيب يُفسَّر على آحاد هذه الحروف.
بِمَعْنَى (مِنْ) أي: أنه يُفيدُ معناها، لا أنها مُقدَّرة في نظم الكلام، إذ قد لا يصلح لتقديرها، كما هو الشأن في (في) الظرفية مع الظرف وفي مع الحال.
[ ٦٧ / ٦ ]
اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ: مُبِينٌ هذا نعت لاسم أي: مُزيل، أبان بمعنى أظهرَ، وإذا أظهرَ معناه أزال، فهو مُزيل لابهام اسم قبله مجمل الحقيقة أو إبهام نسبة في جملة أو شبهها؛ لأن التمييز نوعان: تمييز رفعُ إبهامٍ لمفرد، ورفعُ إبهامٍ لنسبة، والنسبة إنما تكون في الجمل الفعلية والإسمية.
إذن: مُزيلٌ لإبهام اسم قبله مُجمل الحقيقة كعشرون، عندي عشرون، هذا مُجمَل الحقيقة، أو إبهام نسبة في جملة أو شبهها، طاب زيد ماذا طاب؟ طاب نفسًا، فـ (نفسًا) هذا نقول تمييز رافع لإبهام نسبة، أي: نسبة الجملة التي قبلها، واستُفيدَ منه أن التمييز لا يكون مُؤكِّدًا، إذا أُخِذ التبيين في حد التمييز فرأي سيبويه أن التمييز لا يكون مؤكِّدًا، وأكثر النحاةِ على هذا، وخالفهم ابن هشام وغيره وأثبتوا أن التمييز قد يكون مؤكِّدًا، شأنه شأن الحال، كما أن الحال تكون مؤكِّدة، والحال المؤكِّدة إذا أُثبتت لا تنافي المؤسسة، كذلك التمييز الأصل فيه البيان ورفع الإبهام للنسبة أو للمفرد، حينئذٍ قد يكون مؤكِّدًا وقد يكون على حقيقته، لكن إذا أخذناه مُبين هنا في أصل الحدّ حينئذٍ أخرجنا به التأكيد فلا يكون مؤكِّدًا.
وكما ذكرنا في السابق: وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ مُفْهِمُ فِي حَالِ، هذا لا يدخُلُ فيه الحال المؤكدة، هذا التعريف خاصّ بالحال المؤسسة، فلا مانع أن يُقال التمييز حقيقة أن يُؤخَذ في حده مُبيّن، وإذا أردنا التأكيد حينئذٍ لا نحتاجُ إلى هذا اللفظ، فنقول: التمييز نوعان: تمييزٌ حقيقي وتمييزٌ مُؤكِّد، كما أن الشأن في الحال: حال حقيقية وهي المؤسسة، وحال ليست حقيقية وإنما هي مؤكِّدة لما قبلها، هنا كذلك.
واستُفيدَ منه أن التمييز لا يكون مؤكِّدًا وهو رأي سيبويه والجمهور .. جمهور النحاة على هذا، وقيلَ يأتي غيرَ مبين، يعني: مؤكِّد، غير مبين يعني مؤكد، فيُعدُّ مؤكدًا، ومنه قوله تعالى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا» [التوبة:٣٦] لو حُذِف شَهْرًا، اثْنَا عَشَرَ هل يحتاج إلى مُفسِّر؟ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ، اثْنَا عَشَرَ خبر إِنَّ، هل اثْنَا عَشَرَ دون شَهْرًا واضح المعنى أم مُجمَل؟ واضح المعنى، والتمييزُ إنما يأتي رافعا لإبهام، أين الإبهام؟ ليس عندنا إبهام.
إذن: شَهْرًا قالوا هذا تمييز مؤكد، لم يُؤتَ به من أجل رفع إبهام العدد؛ لأن العدد معلوم هنا دونه، وإذا كان كذلك حينئذٍ صارَ مؤكدًا.
أُجيبَ: بأن شَهْرًا بالنسبة لعامله وهو اثْنَا عَشَرَ مُبيّن يعني: لا تنظر إلى ِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ، إنما انظر إلى اثْنَا عَشَرَ فقط، اثْنَا عَشَرَ لوحده دون الجملة مُبهم أو مبين؟ مُبهم، إذن: قالوا: باعتبار العامل؛ لأن شهرًا ما العامل فيه؟ هو العددُ نفسه اثْنَا عَشَرَ، باعتبار عامله هو رافع لإبهام، إذن ليسَ فيه تأكيد، على كلٍّ المسألة مُحتملة.
[ ٦٧ / ٧ ]
اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ، نَكِرَهْ: هذا نعت ثالث لاسم، نكرة أخرجَ المعرفة، وهذا على مذهب البصريين أن التمييز لا يكون إلا نكرة، والعلةُ فيه هي عين العلة في الحال، أنه إذا حصلَ رفعُ الإبهام بالنكرة حينئذٍ مجيئُهُ بزيادة فيه تدلُّ على التعريف يُعتبر حشوًا، فحينئذٍ لا يُلتفتُ إلى تلك الزيادة.
مذهب الكوفيين جوازُ كونه نكرة ومعرفة .. يجوز هذا وذاك.
رَأَيْتُكَ لَمَّا أَنْ عَرَفْتَ وُجُوهَنَا صَدَدْتَ وَطِبْتَ النَّفْس يَا قَيْسُ عَنْ عَمْرِو
رأى الكوفيون أن النفس هنا تمييز، طِبْتَ النَّفْس يَا قَيْسُ، طِبْتَ النَّفْس، دخلت عليه (أل) والأصل فيها التعريف.
إذن: يقعُ التمييز معرفة كما يقع نكرة، وإن كان الأصل أن يكونَ مُنكَّرًا، هذا هو الأصل، لكن مجيئه معرفة وقد جاء به السماع حينئذٍ نقول: يجوز فيه الوجهان.
وذهب البصريون إلى تأويل البيت، وما جرى مجراه بأن (أل) هنا زائدة.
وَلاِضْطِرَارٍ كَبَنَاتِ الأَوْبَرِ كَذَاَ وَطِبْتَ الَّنفْسَ يَا قَيْسُ السَّرِي
إذن: حكمنا على (أل) بكونها زائدة، وإذا كانت زائدة حينئذٍ دخولها وخروجها سواء فلا تُفيدُ تعريفًا، فبقيَ التمييز على أصله، فكلُّ لفظٍ نُقِل في لسان العرب وهو تمييز دخلت عليه (أل) فاحكم عليها بأنها زائدة؛ لأنها دخلت على ما وجبَ فيه التنكير يعني: على واجب التنكير .. لازم التنكير.
وأما على مذهب الكوفيين فيجوز الوجهان، والصحيح مذهب البصريين؛ لأن العلة الموجودة في الحال هي عينها موجودة في التمييز، وإذا حصلَ الجواب بالنكرة حينئذٍ لا يصلحُ أن يأتي بالمعرفة؛ لأن المعرفة نكرة وزيادة، رجل: الرجل، نفس: النفس، نقول نفس هذا نكرة، النفس نكرة وزيادة.
إذن: إذا حصلَ المراد والمقصود بالنكرة لماذا نأتي بلفظ زائد على مجرد النكرة؟ نقول: هذا فيه حشو وهو مُنافٍ لأصل الكلام، إذن: نَكِرَهْ هذا نعت ثالث.
إذن: اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ، عرَّفه ابنُ هشام في القطر بقوله: اسمٌ فضلة نكرة جامد مفسِّر لما انبهمَ من الذوات، اسم: عرفنا الاحتراز به، فضلة: إذن لا يكون عمدة، وهذا وارِد على تعريف الناظم، جامد: هذا من الفوارق بين الحال والتمييز، إذ يُشترَط في الحال أن تكون وصفًا، ويُشترَط في التمييز أن يكون جامدًا؛ يعني: غير مشتق، مُفسِّر لما انبهمَ من الذوات، وهذا يَرِد عليه المفسّر للنسبة.
فقولُ الناظم: اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ ينقصُهُ قوله فضلة، فلو زيدَ عليه جامد كذلك يكون أولى.
وابن عقيل عرَّفه بقوله: كل اسم نكرة مُتضمِّن معنى (من) .. مٌتضمِّن معنى (من) هذا فيه إشكال، وإنما يُقال على معنى (من) أو بمعنى (من)، وأما التضمين هذا محلّ نظر، لبيان ما قبله من إجمال نحو: طاب زيد نفسًا، وعندي شبر أرضًا.
[ ٦٧ / ٨ ]
اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ قيل: اسم جنس، وبمعنى (من) هذا دخلَ فيه أربعة أشياء: التمييز، واسم (لا)، والمفعول الثاني من قولِك: أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا، والمشبّه بالمفعول به نحو: الحسن الوجه، هذه أربعةُ أشياء؛ لأنها تكون على معنى (من) .. التمييز واضح أنه على معنى (من)، واسم (لا): لا رجل في الدار، لا من رجلٍ في الدار على معنى (من).
المفعول الثاني: من (أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا) يعني: من ذنب، إذن: المفعول الثاني أقول على معنى (من)، المشبّه بالمفعول به نحو: الحسنَ الوجهَ، هنا الحسن من الوجه، يعني: حسنُهُ من الوجه حينئذٍ نقول هذه على معنى (من).
اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ إذا قيل بمعنى (من) وفسّرنا (من) بأن المراد بها البيانية حينئذٍ اختصَّ التعريف بالتمييز؛ لأن اسمَ (لا) وإن كان على معنى (من) إلا أنها ليست البيانية، وإنما هي الاستغراقية، فخرجت بقولنا (مِن) بيانية، والمفعول الثاني من (أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا) يعني: استغفرُ الله من ذنب، من ذنب هنا (من) إبتدائية وليست بيانية، حينئذٍ خرجَ بقولنا بمعنى (من) وفسّرنا (من) بالبيانية.
والمشبه بالمفعول به، (من) هنا فيه بيانية نحو: الحسنَ الوجهَ، لكن قوله: مُبِينٌ مخرِجٌ لما سوى التمييز والمشبه بالمفعول به، لأن (من) إذا فسَّرناها بأنها بيانية حينئذٍ لا يتأتى معنا (من) الاستغراقية ولا (من) الابتدائية، ثم التمييز داخِل معنا، وبقي المشبه بالمفعول به، والمشبه بالمفعول به لا يكون إلا معرفة، حينئذٍ (نَكِرَهْ) نقول: هذا مخرِج للمشبه بالمفعول به، فاسم الجنس وبمعنى (من) مُخرِج لما ليس بمعنى (من)، وهذا واضح كالظرف والحال، الحال يكون بمعنى (في).
ومُبيّنٌ مُخرِج لاسم (لا) النافية للجنس، ونحو: ذنبًا من قوله: " أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ "، فإنهما وإن كانا على (من)، لكنها في الأول للاستغراق (لا رجل) يعني: لا من رجل، وفي الثاني للابتداء، أي: استغفارًا مبتدأً من أول الذنوب إلى ما لا يَتناهى، ونكرة مُخرِج لنحو: الحسن وجهه، أي: بالنصب على التشبيه بالمفعول به لا على التمييز لعدم تنكيره.
اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ يُنْصَبُ تَمْيِيزًَا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ
هذا فيه إجمالٌ عند الناظم رحمه الله تعالى، فحينئذٍ نقولُ: التمييز: إما أن يكون تمييزًا لمفرد، وإما أن يكونَ تمييزًا لجُملة، والمراد بالجملة النسبة، العامِل في التمييز المفرد هو الاسم المُبهم قبله، التمييزُ الذي يكون تمييزًا لمفردٍ العاملُ فيه هو السابِق له، يعني: عندي عشرون كتابًا، كتابًا منصوب ما العامل فيه؟ عشرون نفسها، كَـ شِبْرٍ ارْضًّا، أَرْضًّا ما العامل فيه؟ شِبْرٍ، كذلك قَفِيزٍ بُرًّا، قَفِيزٍ بُرًّا تمييز والعامل فيه قَفِيزٍ نفسه، مَنَوَيْنِ عسلًا، عَسَلًا هذا تمييز، العامل فيه مَنَوَيْنِ.
إذن: أرْضًّا هذا مفسِّر، وشِبْرٍ هذا مفسَّر، العامل في المفسِّر هو المفسَّر، ولذلك قال:
[ ٦٧ / ٩ ]
يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ التمييز فسَّر الاسم المفرد، وهو شبر مثلًا أو قفيز أو منوين، هذا محلُّ وفاق بين النحاة؛ أن العامل في التمييز المفرد هو اللفظ الذي قبله وإن كان جامدًا إلا أنه أشبهَ اسم الفاعل في كونه طالبًا لما بعده، وسبقَ أن العامل إنما عمل لكونه يقتضي ما بعدَه ليُتمّم معناه، وهنا وقعَ إبهام كما هو الشأن في الفعل نفسه، فوقعَ إبهام: عشرون فصارَ هذا اللفظ طالبًا لما بعده على أنه رافعٌ لإبهامه فنصَبَه على التمييز، وهذا محلّ وفاق، ناصبُ التمييز في هذا النوع مميَّزه، مميَّزه بالفتح بلا خلاف، وعمل مع جموده كونه جامدًا ليس وصفًا لشبهه اسم الفاعل في الطلب المعنوي لمعموله، وهذا داخِل في قول الناظم هنا: يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا -يعني: بعامل- قد فسَّره التمييز، فسَّر فيه ضمير مستتر وفيه ضمير الذي هو الهاء، الهاء يعودُ على (ما) اسم الموصول، وفسّرناها بالعامل، وفسَّر الضمير المستتر فيه ضمير يعود على التمييز يعني: كأنه قال: يُنصَب تمييزًا بعامل قد فسَّر التمييزُ ذلك العامل، وحينئذٍ شمِلَ المفرد وهذا محلّ وفاق، كَشِبْرٍ ارْضًّا، وبقي معنا الجملة وهذا محلّ نزاع، إذا قيل: طابَ زيد نفسًا؛ نفسًا: هذا تمييز لنسبة، هل العاملُ فيه هو الفعل السابق في الجملة أو نفس الجملة؟ جمهورُ النحاة تبعًا لسيبويه أنه الفعل الذي تضمّنتهُ الجملة، ومذهب ابن عصفور ومن تبعه أنه مضمون الجملة، ونسبَه للمحققين، حينئذٍ ظاهرُ كلام الناظم هنا أي المذهبين؟ بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ، هو فسّر الجملة، إذن: صارَ منصوبًا بالجملة، صار منصوبًا بالجملة لا بالفعل أو شبه الفعل الذي تضمّنته الجملة، وهذا يُنافي ما اختاره في هذا الباب هو نفسه، ولذلك قال:
وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا إذن دلَّ على أنه يختارُ أن الفعل هو الذي عمِلَ في تمييز الجملة، ولذلك ابن هشام لما أوردَ هذا البيت في الأوضح قال: وقد بطلَ عمومُه بكون العامل في تمييز الجملة هو الفعل لا الجملة نفسُها؛ لأن قوله: بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ عامٌّ يشملُ تفسيرَه للمفرد، فالمفردُ عامل فيه، ويشمل تفسيره للجملة، فالجملة عاملةٌ فيه، وليس الأمر كذلك، بل الصواب أن العاملَ في تمييز الجملة هو الفعلُ الذي تضمّنته الجملة.
عباراته عامة وليسَ مرادًا بها العموم؛ لأنه يقتضي أن ناصب تمييز النسبة هو النسبة بين المسند والمسند إليه، يعني مضمون الجملة؛ لأنها هي المفسَّرة به –بالتمييز-، وذلك غير مراد حتى للناظم، وإن اختارَ هو في غير هذا الكتاب مذهبَ ابن عصفور، لكنه في هذا الكتاب لا. سيأتي معنا ذلك.
[ ٦٧ / ١٠ ]
وأُجيبَ بأن التمييز لما فسَّر إبهام نسبة الفعل إلى فاعله أو مفعوله فكأنه الفعل فسَّرَ نفسه فكان التمييز منصوبًا به، لأنه الذي يصح أن يكون عاملًا. يعني: أرادوا الاعتذار للناظم هنا بأن العمومَ ليس مرادًا، فإذا فسَّر التمييزُ الجملةَ كأنه في المعنى فسّر الفعل. يعني من أجل أن نردّ مراد الناظم هنا في كون الناصب للتمييز .. تمييز الجملة هو الفعل، قالوا: لما أكَّدَ التمييز الجملة والأصل في الجملة ما هو؟ هو الفعلُ أو ما جرى مجرى الفعل، فكأنه أكَّدَ نفس الفعل، هذا فيه تعسّف، والصواب أنه عامّ ولكنه ليس مرادًا لما سيأتي من كلامه.
اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ
ونقول المبهم المفتقِر للتمييز نوعان: جملة ومفرد، بما قد فسَّره، التمييز نوعان: رافع لإبهام مُفرد، ورافع لإبهام نِسبة، والمراد بالنسبة المعنى الذي ربطَ الفعل بالفاعل أو بالمفعول به .. النسبة التي يُريدها المناطقة هنا؛ الارتباط بين المسند والمسند إليه، الارتباط بين المبتدأ والخبر، ثَم ارتباط هذا يُسمى نسبة يأتينا في باب الإضافة مزيد توضيح.
المفرد هنا المراد به في باب التمييز ما يشمل أربعة أنواع:
الأول: العدد «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا» [يوسف:٤] أَحَدَ عَشَرَ يُعتبر مفردًا هنا وإن كان مركبًا في غير هذا الباب، وهذا كما ذكرنا لا يتعرّض له النحاة هنا عند من بوَّبَ للعدد بباب مُستقل، وسيأتي في محله.
النوع الثاني: المقدار، وهو ثلاثة أشياء إما مساحة كَشِبْرٍ ارْضًّا، أو كيل: كـ قَفِيزٍ بُرًّا، أو وزن كـ وَمَنَوَيْنِ عَسَلًا، تثنية مَنا كعصا، ويقال فيه مَنٌّ ويثنى، فيقال فيه مَنّان، مَنّانِ تثنية من، وهو لغة في مَنا كعصا.
إذن: الثاني المقدار وهو إما مساحة أو كيل أو وزن وهي التي مثل لها الناظم في قوله: كَشِبْرٍ ارْضًّا مساحة، وَقَفِيزٍ بُرًّا، وهذا مثال للكيل، وَمَنَوَيْنِ عَسَلًا، هذا مثال للوزن.
الثالث: ما يُشبِه المقدار، ليس مقدارًا، وإنما يشبه المقدار، يعني ألفاظ أجرتها العرب مُجرى المقدار .. ألفاظ المقدار، يعني السابقة كقفيز أو شبر أو منوين، أجرتها مجرى هذه الألفاظ في الافتقار إلى التمييز، نحو: مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا، نقول هذا مثقال يُعتبَر من المقادير، ليس حقيقة وإنما مما أشبه المقادير.
ونِحْيٌ سَمنًا، نِحيٌ بكسر النون وإسكان الحاء، هذا أشبه ما يكون بوزن عندهم معين «وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا» [الكهف:١٠٩] يعني ما كان فيه معنى أو دلَّ على المثلية كما عبَّر ابن هشام في غير موضع، ما دلَّ على المثلية أو دلَّ على المغايرة: إن لنا مثلها إبلًا، إن لنا غيرَها إبلًا.
[ ٦٧ / ١١ ]
الرابع: ما كان فرعًا للتمييز: خاتمٌ حديدًا، هذا خاتمٌ حديدًا، حديدًا هذا تمييز لحديد، فإن الخاتمَ فرعُ الحديد، ومثله بابٌ ساجًا، وجُبّةٌ خزًّا، فهذا تمييز عند المبرد، وجرى عليه ابنُ هشام في سائر كتبه، وعند سيبويه لا يُعتبر تمييزًا وإنما هو حال، هذا خاتمٌ حديدًا، حديدًا: عند سيبويه حال وليسَ بتمييز؛ لأن التمييز عندَه محصور في بابين المقدار وشبهه فحسب وما عداه فلا، حينئذٍ ما جاء منصوبًا وهو مُشبِه للتمييز أعربه حالًا، وقيل: إنه حال، لا يجوزُ جعله تمييزًا، لأن الاسم الذي ينتصب تمييزًا إنما يقع بعد المقدار أو ما يشبه المقدار، وهذا ليسَ واحدًا منهما، حينئذٍ تعيّنَ أن يكون حالًا لا تمييزًا، لأن ثَم تناسب بين الحال والتمييز، وهذا مذهب سيبويه وتبعه كثير، والصواب أنه يُعرب تمييزًا لماذا؟ لأنه فارق الحال من ثلاثة جهات:
أولًا: كون صاحبها نكرة، هذا خاتمٌ، خاتمٌ نكرة، وصاحب الحال يكون معرفة، هذا خاتم حديدًا، جامد لا مُشتقّ.
ثالثًا: حديد صفة لازمة أو منتقلة؟ لازِمة إذن: خالفَ الحال من ثلاثة جهات، فالأولى أن يُعرَب تمييزًا خلافًا لما اختاره سيبويه، هذا ما يُسمّى بمفسرٍ لمفرد، وهو ما دلَّ على مقدار وأُلحق به سائر الأنواع الثلاث.
والثاني: الجملة فتمييز الجملة رفعَ إبهام ما تضمّنته من نسبةِ عامل فعلًا كان أو ما جرى مجراه من مصدر أو وصف أو اسم فعل إلى معموله من فاعل أو مفعول، يعني النسبة إسناد الفعل وما جرى مجراه إلى معموله؛ سواء كان فاعلًا أو مفعولًا بينهما ارتباط، قد يقع إبهام فيه، حينئذٍ نقول إذا وقعَ الإبهام في النسبة بين الفعل وما جرى مجراه ومعموله كالفاعل والمفعول به احتجنا إلى لفظٍ يكشف هذا الإبهام، ولذلك يُمثّلون له بماذا؟ طابَ زيد نفسًا، قالوا هذا محوّل عن فاعل، طابت نفسُ زيد، طابت نفس زيد، (نفس) هذا فاعل، حُذف الفاعل الذي هو المضاف فارتفعَ المضافُ إليه ارتفاعه فقيل: طابَ زيد، حذفتَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه، وسيأتينا في باب الإضافة، حينئذٍ قال: طاب زيد، طاب زيد ماذا؟ هذا يحتمل صارَ مبهمًا، حينئذٍ رجعنا إلى المضاف الذي حذفناه، فجِئنا به منصوبًا على التمييز ليكشفَ لنا الإبهام الذي وقعَ بحذفه لأنه لما حُذِف وقعنا في إشكال.
[ ٦٧ / ١٢ ]
فإذا قيل: طاب زيد، ماذا طاب زيد؟ نفسًا «اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا» [مريم:٤] الأصل: اشتعلَ شيبُ الرأس، مضاف ومضاف إليه، شيبُ: فاعل، اشتعلَ شيب الرأس، حُذِف الفاعل الذي هو المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، فارتفعَ ارتفاعه، اشْتَعَلَ الرَّأْسُ، اشتعل ماذا؟ حريق، أو قمل أو ماذا؟ اشتعل ماذا؟ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا، رجعنا إلى المضاف الذي حذفناه، فجئنا به فنصبناه على التمييز، فكشفَ لنا إبهام النسبة، اشتعل لوحدها لا تحتاج إلى كشف؛ لأنها واضح المعنى، الرأس لوحدها لا تحتاج إلى كشف، ما الذي يحتاج إلى كشف؟ النسبة .. العلاقة بين الفعل والفاعل، ولذلك نقول: النسبة هي الارتباط بين العامل والمعمول، اشتعلَ لوحده لا يحتاج إلى كشف، رأس لوحده واضح معلوم ليس فيه إبهام، لكن لما نسبتَ الاشتعال إلى الرأس حينئذٍ احتملَ؛ اشتعال ماذا؟ فاحتملَ أكثر من معنى فاحتجنا إلى التمييز فقال: اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا.
«وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا» [القمر:١٢] فجّرنا عيون الأرض، هذا محول عن مفعول، «وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا»، فجرنا عيونَ الأرض، فُعِل به ما فُعِل بسابقه، قيلَ فجّرنا الأرض هذا يحتمل، عيونًا رفعنا الإبهام والذي وقعَ في النسبة فجّرنا، التفجير واضح، والعيون فجرنا الأرض، والأرض واضح، لا يحتاج إلى كشف، لكن فجرنا الأرض ماذا؟ هذا محتمل أنهارًا عيونًا غير ذلك حينئذٍ نقول: احتجنا إلى التمييز، ولذلك إذا نظرتَ إلى المعنى فجَّرنا عيون الأرض، فجّرنا الأرض عيونًا، أيهما أبلغ؟
هو لا شكّ القرآن أبلغ، لكن لو قيل في غير القرآن؟ فجرنا الأرض عيونًا كأن الأرض كلها صارت عيونًا، لكن فجرنا عيون الأرض .. عيون الأرض فقط العيون العين الجارية، حينئذٍ نقول (فجرنا عيون الأرض) هذا أدنى في المعنى من قوله «وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا»
إذن: تمييز الجملة يأتي لرفع إبهامِ ما تضمّنته من نسبة العامل إلى المعمول، ثم هو على ثلاثة أنحاء، والمشهور أنه إما محوّل عن فاعل كما ذكرناه في طاب زيد نفسًا، وإما محوّل عن مفعول كما في «وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا» [القمر:١٢].
قيل: قد يكونُ محوّلًا عن غيرهما، وذلك بعد أفعل التفضيل المخبَر به عن ما هو مُغايِر للتمييز يعني عن المبتدأ، مثل: زيدٌ أكثرُ منك علمًا، أصله علمُ زيدٍ أكثر، زيد أكثرُ منك علمًا، علمًا أصله مبتدأ، عِلمُ زيدٍ أكثر، حُذِف علمُ الذي هو المبتدأ فصارَ زيد هو المبتدأ، زيدٌ أكثر، أكثرُ ماذا؟ هذا احتملَ صارَ فيه إبهام أكثر منك ماذا؟ علمًا فجئنا بالمبتدأ الذي حذفناه فنصبناهُ على أنه تمييز لرفع إبهام النسبة.
[ ٦٧ / ١٣ ]
ومنه «أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا» [الكهف:٣٤] مالي أكثرُ منك، حُذِف مال، انفصلَ الضمير ارتفع صار (أنا)، إذن: أنا أصله الياء مالي، حُذِف المبتدأ مالي ثم انفصل الضمير، ولا يكون في محلّ رفع فجِيء بضمير مُنفصِل يكون في محلّ رفع فقال: أنا، أنا أكثر منك ماذا؟ هذا صارَ فيه إبهام، فاحتجنا إلى المبتدأ الذي حذفناهُ ورددناه لننصِبه على التمييز ليكشِفَ لنا الإبهام، مالي أكثر منك، فإن كان الواقعُ بعد أفعل التفضيل هو عينُ المخبر عنه وجبَ خفضه بالإضافة، مالُ زيدٍ أكثرُ مال، إلا إذا كان أفعل التفضيل مضافًا إلى غيره فيُنصَب، وهذا سيأتي منصوصًا عليه في قول الناظم.
وناصبُ التمييز في هذا النوع الجملة عند سيبويه هو العامل الذي تضمّنته الجملة لا نفس الجملة .. العامل الذي تضمّنته الجملة هو الناصب. طابَ زيد نفسًا، (نفسًا) تمييز منصوب ما العامل فيه؟ طاب هو العامل .. الفعل ماضي هو الذي عمل النصب في التمييز.
«فَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا» [القمر:١٢] عيونًا ما العاملُ فيه؟ فجّر نقول هذا هو العامل في التمييز.
«أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا» [الكهف:٣٤] أَكْثَرُ هو الخبر، وأكثرُ فيها معنى الفعل.
إذن: عندَ سيبويه العاملُ الذي تضمّنته الجملة لا نفس العامل، وهو الذي يقتضيه كلام الناظم كما سيأتي في هذا الباب، وذهبَ بعضُهم وهو منسوب إلى ابن عصفور إلى أن الناصبَ له نفس الجملة، وكلام الناظم هنا مُحتمِل للمذهبين؛ لأن لفظَه عام، بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا يحتمل؛ يحتمل أنه أراد به العامل الذي تضمّنته الجملة، ويحتملُ أنه أراد به نفس الجملة، ولذلك قالَ ابن هشام: أن عمومَه فيه إبطال. محتمِل للمذهبين؛ إذ يصحّ أن يقال إنه فسَّر العامل لأنه رفع إبهام نسبته إلى معموله، وأنه فسَّرَ الجملة لأنه رفعُ إبهام ما تضمنته من نسبة.
إذن: قوله اِسمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ هذا حدٌّ للتمييز.
قوله: يُنْصَبُ تَمْيِيزًا هذا بيانٌ لحكمه، يُنْصَبُ هذا الاسم بالقيود السابقة تَمْيِيزًا .. مميزًا، تَمْيِيزًا هذا حال من نائبِ الفاعل، يُنْصَبُ هو نائب الفاعل، تَمْيِيزًا هذا حال منه.
بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ: بِمَا هذا جار ومجرور مُتعلّق بقوله: يُنْصَبُ، يُنْصَبُ بِمَا: يعني بالذي قد فَسَّرَهْ، كَشِبْرٍ ارْضًّا، الكاف هذه تمثيلية داخلة على محذوف كقولك: هذا شِبر أرضًا، شِبْرٍ: خبر مبتدأ محذوف، وأرْضًّا: تمييز، هذا شبر، شبر من ماذا؟ ثوب .. بساط .. أرض .. جدار؟ يحتمل هذا وهذاك، حينئذٍ قِيل أرْضًّا، جِيءَ بالتمييز ليكشف لنا إبهام مفرد؛ لأنه مُبهم .. الشبر هذا مُبهم، العامل في (أرْضًّا) هو لفظ الشبر نفسه، وهذا مثال للمساحة.
وقفيز برًّا، القولُ فيه كسابقه، قَفِيزٍ بُرًّا، بُرًّا: تمييز منصوب بقفيز، وهو مكيل.
وَمَنَوَيْنِ قلنا: تثنية منا كعصا، ويقال منٌّ ويُثنى مَنّان، وَمَنَوَيْنِ عَسَلًا وَتَمْرًا، عَسَلًا هذا هو التمييز، وَتَمْرًا هذا معطوف عليه، ولا يكون ما بعد الواو تمييزًا لأن الواو تُعتبر فاصلًا.
[ ٦٧ / ١٤ ]
إذن: تمييز الفرد: رفعُ إبهام ما دلَّ عليه من مقدار مساحي، أو كيلي أو وزني وهو ما ذكره الناظم، ولم يذكر غيره لماذا؟ لأنه هو الأصل، الأصل في التمييز الذي يرفع إبهامَ مفرد أن يكون في المقدَّرات، وأما العددُ وإن كان كثيرًا لكنه سيأتي في بابه المستقل.
قال الشارح: وهو -أي التمييز- كل اسم نكرة مُتضمِّن معنى (من) لبيان ما قبله من إجمال نحو: طاب زيد نفسًا، وعند شبر أرضًا، (طاب زيد نفسًا) هذا مثال لتمييز الجملة .. النسبة، و(عندي شبر أرضًا) هذا تمييز المفرد.
واحترز بقوله: مُتضمّن معنى (من) من الحال .. قلنا الأولى حذفُ كلمة مُتضمّن. من الحال فإنها مُتضمّنة معنى (في).
وقوله: لبيان ما قبله: احتراز مما تضمّنَ معنى (من) وليس فيه بيانٌ لما قبله، يعني: ليست (من) فيه بيانية؛ كاسم (لا) التي لنفي الجنس فإن (من) فيها لبيان الاستغراق .. استغراقية؛ ونحو: لا رجل قائم، لا من رجلٍ قائم، نقول: هذه (من) ليست بيانية، وإنما هي للاستغراق.
وقوله: لبيان ما قبله من إجمال يشمل نوعَي التمييز، وهما المُبين إجمال ذات، والمبين إجمال نسبة؛ فالمبين إجمال الذات هو الواقع بعد المقادير وهو الأكثر، وهي الممسوحات نحو: له شبر أرضًا، حينئذٍ نقول (أرضًا) هذا العامل فيه شبر وهو جامد، فإن قيل: كيف عمل؟ نقول: لأنه أشبهَ اسم الفاعل في الطلب يقتضي ما بعده لذلك نصبَ، والمكيلات نحو: (له قفيز برًا)، والموزونات له (مَنوان عسلًا وتمرا). والأعداد نحو: (عندي عشرون درهمًا) وهو منصوب بما قد فسَّره بالمفسَّر يعني، وهو (شبر وقفيز ومنوان وعشرون)، والمبين إجمال النسبة هو المسُوق لبيان ما تعلَّقَ به العامل من فاعل أو مفعول والأمثلة ما ذكرناه.
وقد لا يكونُ محوّلًا مثل: امتلأ الإناء ماءً، إذن: المبين لنسبة قد يكون محوَّلًا وقد لا يكون، المحول هو الأكثر، والضابط فيه أن يكون محولًا عن فاعل أو مفعول أو مبتدأ، وغير المحوّل هذا سماعي يحفظ في ألفاظ ولا يُقاس عليه: امتلأ الأناء ماء.
والناصبُ له في هذا النوع هو العامل الذي قبله، اختارَ خلافًا ما دلَّ عليه النظم.
قال ﵀:
وَبَعْدَ ذِي وَشِبْهِهَا اجْرُرْهُ إِذَا أَضَفْتَهَا كَمُدُّ حِنْطَةٍ غِذَا
وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا إِنْ كَانَ مِثْلَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبَا
وَبَعْدَ ذِي المذكوراتُ الثلاث كَشِبْرٍ أَرْضًّا: ممسوحات، قَفِيزٍ بُرًّا: مكيلات، مَنَوَيْنِ عَسَلًا: موزونات، بعد ذي الثلاث المذكورات، وَشِبْهِهَا هو النوع الثاني الذي ذكرناه مثله ونحو ذلك، مما أجرتْهُ العربُ مجراها في الافتقار إلى مميِّز، وهي الأوعية المراد بها المقدار كذنوب ماء، وحُبّ عسل بضم الحاء، ونِحي سمنًا، ورقود خلًا، وما حُمل على ذلك في كلّ مجمل الحقيقة مرفوع إجماله بما بعده، كل لفظ مُجمل يحتاج إلى كشف ورفع إبهام فهو داخل في هذا، إما أنه محمول على التمييز حقيقة، وإما أنه داخل في قوله وشبهها.
وَبَعْدَ ذِي، بَعْدَ هذا ظرف منصوب على الظرفية متعلّق بقوله اجْرُرْهُ.
[ ٦٧ / ١٥ ]
واجْرُرْهُ أي التمييز بَعْدَ ذِي المذكورات وَشِبْهِهَا إِذَا أَضَفْتهَا. هذا وجه آخر يعني: يجوزُ لك في ما سبقَ النصب وهو الأصل، ويجوزُ لك الإضافة، تقولُ (له شبرٌ أرضًا)، ويجوز أن تقول: له شبرُ أرضٍ، وقفيزُ برٍّ، ومنوا عسلٍ، له شبرُ أرض، له خبر مُقدّم، وشبر مبتدأ مُؤخّر، وهو مضاف وأرض مضاف إليه، هل يُسمّى أرض هذا التمييز أو لا؟
الأكثر على أنه يُسمّى تمييزًا ويكون مجرورًا، وابنُ هشام لا يرى أنه يُسمى تمييز .. خرجَ عن باب التمييز إذا أضفته.
إذن: هذا تجويزٌ من الناظم تبعًا لما تقرّرَ في لسان العرب أن التمييز المُبين للمفرد يجوزُ إضافته حينئذٍ يخرجُ عن النصب إلى الجرّ، فيكون مجرورًا بعد أن كان منصوبًا.
وَبَعْدَ ذِي المقدرات الثلاث وَشِبْهِهَا: فُهم منه أن التمييز بعدَ العدد لا يجيءُ بالوجهين يعني: اثْنَا عَشَرَ كَوْكَبًا، لا يتصوّر هنا الإضافة، ولذلك قلتُ أن باب العدد الأصل أنه لا يدخل هنا، فيمن بوَّبَ للعدد، فالأحكام هنا خاصة بما عدا العدد؛ لأنهم سيذكره في باب مُستقلّ.
إذن: وَبَعْدَ ذِي هذا اسم إشارة خص به المذكورات، وَشِبْهِهَا أخرج به العدد، حينئذٍ العدد لا يجوز فيه الوجهان، بل يتعينُ فيه النصب فيما نصب تمييزه، والخفض فيما خفض تمييزه، وأما جواز الوجهين النصب في المخفوض أو الخفض للمنصوب فليس داخلًا معنا، إنما هو خاص بهذه المذكورات.
اجْرُرْهُ وجوبًا أو جوازًا؟ قطعًا جوازًا، كيف نقول واجب؟ بل هو جوازًا.
اجْرُرْهُ يعني جوازًا، فإن أُرِيد نفسُ الآلة التي يُقدّر بها وجبَ الجرَ. يعني الآن إذا قيل مقدار .. كيل. إذا قلت مثلًا اشتريت صاعًا تمرًا، المقدار يطلق ويراد به الآلة الصاع نفسه الصاع، ويراد به ما كِيل به، فإذا قلت: اشتريت صاعا تمرًا، هل أنت اشتريت التمر الذي وُزِن في لصاع أم الصاع الذي يُوزَن به التمر؟
يحتمل هو، يحتمل هذا وذاك، فإذا قلت: اشتريتُ صاعًا تمرًا، في أصل التركيب يُطلق الصاع ويراد به نفس الآلة، ويُطلق الصاع ويُراد به ما يكال به، يحتمل هذا وذاك.
إذا جررتَ حينئذٍ صار محتملًا، لأننا جوزنا في الوجه الأول السابق كَشِبْرٍ أَرْضًّا جوّزنا فيه الوجهين، وإذا أردنا به الآلة تعيّنَ الجرُّ، فإذا جررنا حينئذٍ صارَ مُحتملًا للصاع نفسه، وللذي كِيل به الصاع، لكن إذا أُضيف وأُريد به اسم الآلة صار على معنى اللام لا على معنى (من).
وإذا نصبنا قيلَ تعيّنَ في أن المراد به نفسُ التمرِ لا الصاع، يعني لا يُراد به الآلة.
إذن: تجويزُ الوجهين -النصب مع الجر- نقول هذا يختلفُ به المعنى، ليس هكذا، فإذا نصبنا حينئذٍ تعينَ أن يدل على أن المتكلم أراد أن عنده ما يملأ الوعاءَ المذكور من الجنس المذكور. اشتريت صاعًا تمرًا، بالنصب يتعين هذا، وأما إذا جررتَه حينئذٍ يحتمل، فهو نصٌّ في المقصود، وأما الجرّ فيحتمل أن يكون مراده ذلك، وأن يكون مرادُه بيان أن عنده الوعاء الصالح لذلك؛ لأن المقدار يُطلق ويُراد به ما يُعرف به قدر الشيء من آلة مساحة أو آلة وزن أو آلة كيل ويُطلق بمعنى الشيء المقدّر بالآلة، فهو يحتمل هذا وذاك.
[ ٦٧ / ١٦ ]
إذن: اجْرُرْهُ نقول: هذا جوازًا، متى؟ إذا أردنا الشيء الذي يُكال؛ التمر نفسه، البر نفسه، وإذا أردنا الآلة نفسَها المنا والقفيز والشبر -إذا أردنا الآلة نفسها وجب الجر لكن لا يكون على معنى (من) وإنما يكون على معنى اللام.
جوازًا .. اجرره جوازًا فإن أُريد نفس الآلة التي يُقدّر بها وجب الجر، لكن ليس هذا مرادًا هنا، لأن الإضافة فيه على معنى اللام لا (من)، حتى يكون تمييزًا، فليس بتمييز، لكن إذا تُكلِّم به يلتبس بالتمييز.
إذا أَضَفْتَهَا يعني: أضفتَها إلى التمييز هذه المقدّرات الثلاث إذا أضفتَها إلى التمييز اجرره جوازًا.
كَمُدُّ حِنْطَةٍ غِذَا كقولك: مُدُّ حِنْطَةٍ غِذَاء، عندي مدٌّ حِنطةً هذا الأصل، مثل صاعٌ .. حنطةً، حنطةً هذا نقول تمييز وقع بعد المدّ والمد هذا اسم آلة، حينئذٍ جاز إضافته إلى التمييز فتقول عندي مدُّ حنطةٍ بالإضافة، فيحتمل النوعين لكن ليس النوع الثاني مراد هنا.
(مدُّ حنطةٍ) الآلة نفسها وجب الجر يعني مدٌّ للحنطة، ويحتمل ماذا؟ الشيء المقدر نفسه الحنطة، حينئذٍ يكون (مدّ حنطةٍ) مدٌّ من حنطة على معنى (من)، لكن باللام ليس هو المراد، لكن إذا تُكلّم به يحتمل الوجهين.
وَبَعْدَ ذِي وَشِبْهِهَا اجْرُرْهُ جوازًا
إِذَا أَضَفْتَهَا يعني: إلى التمييز المنصوب؛ إذا أضفتها إليه.
كَمُدُّ حِنْطَةٍ، مُدُّ مبتدأ وهو مضاف، وحِنْطَةٍ مضاف إليه.
غِذَا هذا خبر المبتدأ، مُدُّ: مبتدأ، وغِذَا: هذا خبر المبتدأ. وشبرُ أرضٍ، شبرٌ أرضًا، وقفيزُ بر، (قفيزًا) (برًا) هذا الأصل، و(مَنوا عسلٍ) منوين هذا الأصل فيه، غِذَاء أعربه الشاطبي بدلًا أو حالًا، وغذاء بمعجمتين ككتاب، غذاءٌ ككتابٌ، وهو ما يُغتذى به في أي وقت، غذاء في أي وقت، وأما الغذاء كسحاب فهو ما يُؤكل أول النهار، غذاء كسحاب.
وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا إِنْ كَانَ مِثْلَ مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا
هذا تقييدٌ للبيت السابق، اجْرُرْهُ مطلقًا، ولو أُضيف إلى غير التمييز؟ لا، وإنما يشترط فيه أن لا يُضاف إلى غير التمييز، فإن أُضيف حينئذٍ وجبَ نصبُ التمييز، هذا البيت تقييدٌ لسابقه؛ فمعنى اجرره إذا أضفتها أي: إلى التمييز؛ بخلاف (ما) إذا كانت مضافة إلى غيره، إذا كانت هي مضافة إلى غيره حينئذٍ تعيّنَ النصب.
مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا (ذَهَبَا) هذا تمييز؛ لا يصح أن يُضاف إلى ما قبله؛ لماذا؟ لأنَّ مِلْءُ الاَرْضِ مضاف ومضاف إليه، مِلْءُ .. مِلْءُ ماذا؟ مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا، (مِلْءُ الاَرْضِ) هذا مُحتمل؛ فيه إبهام، فإذا قلت (مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا) هل يُتصوّر فيه الإضافة لا يتصور، لماذا؟ لأنه هو في نفسه مضاف والعرب لا تركّب ثلاث كلمات.
وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا وَالنَّصْبُ هذا مُبتدأ، بَعْدَ هذا مُتعلق بقوله النَّصْبُ لأنه مصدر، والمصدر يتعلَّق به الظرف.
بَعْدَ مَا أُضِيفَ ما هو الذي أُضيف؟ يعني من هذه المقدّرات الثلاث، لغير التمييز وَجَبَا الألف للإطلاق النصب وجبا، وجبا هذا خبر النصب.
[ ٦٧ / ١٧ ]
إِنْ كَانَ إن كانَ المضاف لا يصحّ إغناؤه عن المضاف إليه، مثل ماذا؟ مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا، الاَرْضِ هنا الهمزة مُسهّلة، ملء الاَرْضِ بتحريك اللام .. ذَهَبَا، حذف خبره لملء مبتدأ، وهو مضاف والأرض مضاف إليه، وذهبا التمييز والخبر محذوف؛ يعني لي .. جار ومجرور متعلق بمحذوف.
ومثله: (مَا فِي السَّمَاءِ قَدرُ رَاحَةٍ سَحَابًا)؛ إذ لا يصحّ (ملءُ ذهبٍ)، لا يصحّ أن يقال (ملءُ ذهبٍ)، ملءُ: مضاف إلى الأرض حينئذٍ يمتنع أن يُضاف التمييز -الذي هو ذهب- إلى ملء الأرض، فلا يُقال ملءُ ذهبٍ، ولا قدرُ سحابٍ، فإن صحّ إغناء المضاف عن المضاف إليه جازَ نصبُ التمييز وجازَ جرّه بالإضافة بعد حذف المضاف إليه.
أشجعُ الناس رجلًا زيد، لو قال: هو أشجعُ رجلٍ؛ يعني إذا حذف المضاف وأُضيف إلى التمييز فصح المعنى، حينئذٍ نقول يجوز فيه الوجهان: أن يبقى على أصله فينصب فيكون جائز النصب، ويحتمل أنه واجب النصب.
إذن: جائزُ النصب مع جرّه بعد حذف المضاف إليه، إذا قيل زيد أشجع الناس رجلًا، حينئذٍ نقول أشجع رجل يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لماذا؟ لأنه صح أن نستغني بالتمييز عن المضاف إليه، لكن (ملءُ ذهبٍ) هذا لا يصحّ، قدرُ سحابٍ نقول لا يصح، حينئذٍ يمتنع.
وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا إِنْ كَانَ مِثْلَ مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا
يعني: أن المميَّز إذا أُضيف وجبَ نصبُ التمييز، ومنه قولُه: إِنْ كَانَ مِثْلَ .. إلخ، أنه لا يجب نصبُه إلا إذا كان كالمثال المذكور وهو إن كان المضاف لا يصحّ إغناؤه عن المضاف إليه.
قال: فإن أُضيف الدال على مقدار إلى غير التمييز وجب نصبُ التمييز نحو: ما في السماء قدر راحة سحابًا، وهذا مُقيّد بأنه إذا لم يصحّ إغناء المضاف إليه عنه، ومنه قوله تعالى «فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا» [آل عمران:٩١] فلا يُقال: ملءُ ذهبٍ، لكن المثال الذي ذكرناه سابقًا يصح.
وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِأَفْعَلاَ مُفَضِّلًا كَأَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلاَ
هذا البيت خاص بأفعل التفضيل .. تمييز أفعل التفضيل، الاسمُ النكرة إذا وقعَ بعد أفعل التفضيل وكان فاعلًا في المعنى وجب نصبُهُ على التمييز هذا مرادُه، الاسمُ النكرة إذا وقعَ بعد أفعل التفضيل وكان فاعلًا في المعنى وجب نصبه على التمييز.
وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصبَنْ انصبن الفاعل المعنى، الْفَاعِلَ هذا مفعول به لقوله: انْصبَنْ.
[ ٦٧ / ١٨ ]
الْمَعْنَى هذا على نزعِ الخافض .. منصوب على نزع الخافض. والفاعل في المعنى لا غيره، من أين أخذنا الفاعل المعنى لا غيره؟ لأنه قدَّمَ ما حقه التأخير فأفاد الحصر. وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى أي: لا غيره. انصبن على التمييز بأفعل التفضيل مُفَضِّلًا هذا حال من فاعل انصبن، انصبن أنت حال كونك مُفضّلًا له على غيره؛ نحو: ماذا؟ مثَّل له بقوله: أَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلًا، (منزلًا) هذا لو نظرنا فيه فإذا به فاعل في المعنى؛ يعني لو جعلنا مكان أفعل التفضيل من لفظه فعل، ونظرنا فيما بعده، فإذا به تقول أنت علا منزلُك، إذن: منزلُك هذا الذي نصبناه على أنه تمييز في الأصل هو فاعل في المعنى، كيف نعرفُ أنه فاعل في المعنى؟ نأتي بفعلٍ من لفظ أفعل التفضيل، ثم ننظر في التمييز ما علاقته به؟ فإن كان فاعلًا حيئنذٍ قلنا فاعل في المعنى وإلا فلا؟
وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِأَفْعَلاَ مُفَضِّلًا كَأَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلاَ
أَعْلى هذا فيه ضمير يعودُ على أنت؛ أنت مبتدأ وأعلى هذا خبر، مَنزلًا هذا تمييز، وأعلى هذا فيه ضمير مستترٌ يعود على أنت، وهو بدل الكاف (منزلك) أين ذهبت الكاف؟ نقول استتر في أعلى، ومنزلًا هذا تمييز لأي شيء؟ أَعْلَى أي شيء؟ أَعْلَى مُحتمِل أو لا؟ فيه إبهام فيه إبهام.
إذن: نقول هذا تمييز لأفعل التفضيل، وأنت أكثرُ مالًا؛ حينئذٍ تقول كَثُرَ مالك، إذن صار فاعلًا في المعنى.
قال الشارح: التمييزُ الواقع بعد أفعل التفضيل إن كان فاعلًا في المعنى وجب نصبه، وإن لم يكن كذلك وجبَ جرُّه بالإضافة، والفاعل المعنى هو المتصل بالمعنى في الحقيقة، وهو السبببي، وعلامته أن يصلح للفاعلية عند جعل أفعل فعلًا، وعلامة ما هو فاعل في المعنى أن يصلحَ جعله فاعلًا بعد جعل أفعل التفضيل فعلًا؛ نحو: أنت أعلى منزلًا وأكثر مالًا؛ فـ (منزلًا ومالًا) يجب نصبهما إذ يصح جعلهما فاعلين بعد جعل أفعل التفضيل فعلًا، فتقول: أنت علا منزلُك، وكثر مالُك، أعلى منزلًا؛ منزلك كان فاعلًا ثم نُقل وجُعِل تمييزًا ثم المضاف إليه منزلك الكاف استترَ في الفعل وصار فاعلًا، ومثالُ ما ليس بفاعل في المعنى (زيد أفضل رجل)، و(هند أفضل امرأة)، لو جئتَ بفعل زيد يفضُلُ رجل؛ ما يأتي هنا فاعل في المعنى، وكذلك هند تفضُلُ امرأة؛ نقول: ليس هذا بفاعل في المعنى.
[ ٦٧ / ١٩ ]
وضابط ما ليس بفاعل في المعنى ما أفعل التفضيل بعضُه، وعلامتُهُ أن يصحَّ أن يُوضع موضع أفعل بعض -لفظ بعض- ويُضاف إلى جمع قائم مقامه، زيدٌ أفضل فقيهٍ، زيد: مبتدأ، وأفضل: هذا خبر، وهو مضاف وفقيه مضاف إليه، فإنه يصحّ فيه أن يقال: زيد بعض الفقهاء، فهذا النوع يجبُ جرُّه بالإضافة زيد أفضل فقيه، زيد بعضُ الفقهاء، إن صحَّ أن يجعل مكان أفعل التفضيل لفظُ بعض، ويؤتى بما بعده جمعًا حينئذٍ نقول وجب جره لأنه ليس فاعلًا في المعنى، فيجبُ جرّه بالإضافة إلا إذا أُضيف أفعل إلى غيره كالسابق .. كما ذكرناه سابقًا هناك: وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا، إن أضيف أفعل التفضيل إلى غير التمييز حينئذٍ وجبَ نصبه، أنت أفضل الناس رجلًا، نقولُ: رجلًا هذا تمييز، وأفضل هنا يصحّ جعلها بعض، أنت بعض الرجال، زيد أفضل فقيه، زيد بعض الفقهاء،.
إذن: صحَّ أن يكون بمعنى بعض، فحينئذٍ نقول وجبَ جرّه، لكن منعَ مِن الجر هنا كونُهُ مضافًا فرجعَ التمييز على أصله فوجبَ نصبه.
وَبَعْدَ كُلِّ مَا اقْتَضَى تَعَجُّبَا مَيِّزْ كَأَكْرِمْ بِأَبِي بَكْرٍ أَبَا
يعني: من المواضع التي يكون فيها التمييز منصوبًا واجبَ النصب بعد ما اقتضى تعجبًا، والمراد به ما اقتضى تعجبًا وضعًا أو سماعًا، والوضعُ هما الصيغتان الموضوعتان في لسان العرب، ما أفعله وأفعل به، حينئذٍ إذا جاء التمييز بعدهما فهو منصوب واجب النصب، وكذلك ما إذا كان سماعيًا وهي ألفاظ تُحفَظ ولا يُقاس عليها.
وَبَعْدَ كُلِّ مَا اقْتَضَى تَعَجُّبَا: (بَعْدَ) مُتعلّق بميّز.
مَيّز بعد كل ما اقتضى تعجبًا؛ كُلِّ مَا اقْتَضَى تَعَجُّبَا؛ إما وضعًا وهو ما أفعله وأفعل به، أو لا وهو ألفاظ محفوظة في لسان العرب؛ نحو ماذا؟ لله دره فارسًا.
وَبَعْدَ كُلِّ مَا اقْتَضَى تَعَجُّبَا مَيِّزْ كَأَكْرِمْ بِأَبِي بَكْرٍ أَبَا
أينَ التمييز هنا؟ أينَ صيغة التعجب؟ أَكْرِمْ بِأَبِي، «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ» [مريم:٣٨] مثله، أبًا هذا تمييز واجب النصب، منصوب بماذا؟
أَبٌ أخٌ حَمٌ كَذَاكَ وَهَنُ،؟؟؟ يقعُ التمييز بعدَ كل ما دلَّ على تعجب، وجهُه أن التمييز يُزيل الإبهام، والتعجبُ لا يكون إلا مِن شيء خفِي سببه، هذا في حقّ المخلوق، فإذا خفي سببه جِيءَ بالتمييز ليزيل الإبهام وليشرح السبب، وهذا في التمييز غير المؤكِّد، لكن في حاصل التعجب هذا السبب قيل فيه نظر.
يقعُ التمييز بعد كل ما دلَّ على تعجب، لكنه ليس خاصًا بالصيغتين الموضوعتين اصطلاحًا، (للتعجب) فدخل فيه ما أفهمَ التعجب من غير الصيغتين، ما أحسن زيدًا رجلًا، (ما) هذه تعجيبية بمعنى شيء، والصحيح أنها مبتدأ، وأحسن زيدًا هذا فعل وفاعل ومفعول به والجملة خبر، ورجلًا هذا تمييز؛ تمييز من مفعول أحسن، وأَكْرِمْ بِأَبِي بَكْرٍ أَبَا .. قال في شرح الكافية: المراد به أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ولله درُّكَ عالمًا، هذا سماعي، حسبُك بزيد رجلًا، سماعي كذلك، وكفى به عالمًا، هذا سماعي، ويله رجلًا سماعي، ويحه إنسانًا، هذا كله سماعي.
وَاجْرُرْ بِمِنْ إِنْ شِئْتَ غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ وَالْفَاعِلِ الْمَعْنَى كَطِبْ نَفْسًَا تُفَدْ
[ ٦٧ / ٢٠ ]
هذا الوجه الثالث مما يجوزُ في المقدَّرات السابقة، قلنا: يجوزُ فيها النصب هذا الأصل كَشِبْرٍ أَرْضًّا، ويجوزُ فيها الجرُّ بإضافتها إلى التمييز، هنا قال يجوزُ فيها إظهار (من)، عندي شبرٌ مِن أرض، وقفيزٌ مِن بر، ومنوانِ مِن عسل، إذن فيه ثلاثة أوجه: شبرٌ أرضًا، شبرُ أرضٍ بالإضافة، شبرٌ من أرضٍ، كونه مميزًا في حالة النصب محلّ وفاق، وأما إذا ظهرت (من) أو أُضيف فمحل نزاع، إذا أضيف واضح أنه تمييز، وأمّا إذا ظهرت (من) فيحتاج!
وَاجْرُرْ بِمِنْ إِنْ شِئْتَ، وَاجْرُرْ يعني جوازًا، ليس وجوبًا، لأنه يجوز إضافته ونصبه
وَاجْرُرْ بِمِنْ لفظا كلّ تمييز صالح لمباشرتها.
إِنْ شِئْتَ علّقَه بالمشيئة، هذا قرينة دالة على أن قوله اجْرُرْ المراد به التخيير.
غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ: غَيْرَ مفعول اجْرُرْ، اجرر غير ذي عدد، وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى.
إذن: كلُّ تمييز صالح لأن يُباشره (مِن) فاجرره، واستثنى حالتين: مسألتين عندهم فيما إذا كان التمييز تمييزَ عدد «أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا» [يوسف:٤] لا تقل: أحد عشر من كوكب؛ ممنوع، كذلك الفاعل المعنى، يعني تمييز النسبة إذا كان محوّلًا عن فاعل، (طاب زيد من نفس) لا يصح، بل يبقى على أصله ماذا بقي؟
المقدَّرات كلها، وذكرنا أمثلتها، بقي من النسبة «وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا» [القمر:١٢] هل يجوز أو لا؟
ظاهر كلام الناظم أنه يجوز أن يقال في غير القرآن (وفجرنا الأرض من عيون) لأنه استثنى مسألتين فقط: وهما العدد والفاعل المعنى، والصوابُ أنه يُضاف إلى الفاعل المعنى ما كان مفعولًا في المعنى.
وَاجْرُرْ بِمِنْ إِنْ شِئْتَ غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ وَالْفَاعِلِ الْمَعْنَى
والفاعل في المعنى هذا معطوف على قوله: (ذِي) الْفَاعِلِ بالكسر .. والفاعلِ بالخفض عطفًا على (ذِي) غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ، يعني: صاحب العدد، وَالْفَاعِلِ الْمَعْنَى، ويستثنى كذلك المحوَّل عن المفعول؛ فإنه يمتنع فيه الجر بـ (من)؛ فهذه ثلاث مسائل مستثناة.
أجاز بعضهم (شبرٌ أرضٌ)، عندي شبرٌ أرضٌ، عندي: هذا خبر، شبرٌ: مبتدأ، أرض بدل مما قبله، لكن ضعّفه الكثير.
كَطِبْ نَفْسًا تُفَدْ: أصله لتطبْ نفسك، نفسًا هذا تمييز محول عن الفاعل، طب نفسًا، نفسًا هذا تمييز، حينئذٍ هل يصح أن نقول: طبْ من نفس؟ لا، هذا مثال لأي شيء لما جاز جرّه بـ (من) أو لما امتنع؟ للثاني، لأنه مثَّلَ لما كان فاعلًا في المعنى. كطب نفسًا، فلا تقل طب من نفس لأنه فاعل في المعنى، حينئذٍ نقول: إذا ألحقنا المفعول المحوَّل عن المفعول نقول الصحيح أن المحول لا يصح جرَّه بـ (مِن)؛ سواء كان محولًا عن فاعل أو عن مفعول أو عن مبتدأ، وإنما الحكمُ خاص هنا بالمفردات .. المقدَّرات السابقة.
(وَاجْرُرْ) هذا يتناول تمييز الاسم المفرد والنسبة غير المحول فقط، لكن نستثني المحول بجميع أصنافه.
[ ٦٧ / ٢١ ]
وَاجْرُرْ بِمِنْ إِنْ شِئْتَ غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ وَالْفَاعِلِ الْمَعْنَى: يعني الفاعل في المعنى؛ يعني اجرره بـ (مِنْ) لفظًا؛ كل تمييز صالح لمباشرته؛ لأنها فيه معنى .. هي فيه معنى مقدرة من جهة المعنى؛ كما أن كل ظرف فيه معنى (في)؛ وبعضه صالح لمباشرتها؛ وكل تمييز فإنه صالح لمباشرة (من) إلا نوعين على ظاهر لفظ النظم؛ وهو العدد وما هو فاعل في المعنى.
قال الشارح: يجوزُ جرُّ التمييز بـ (من) إن لم يكن فاعلًا في المعنى، ولا مميزًا لعدد، فتقول: عندي شبر من أرض، وقفيزٌ من بر ومنوانِ من عسل وتمر، وغرستُ الأرض من شجر، جرى على ظاهر النظم.
يعني: كأن مراد الناظم هنا أن المحوَّل عن المفعول تدخله (مِن)، والصواب أنه كالفاعل. ولا تقول: طابَ زيد من نفس، ولا عندي عشرون من درهم، وقد يُقال بأنه .. ما وقفت على هذا، لكن قد يُعلّل بأن ثم فرقًا؛ الفاعل لا تدخل عليه (من)، وأما الممفعول فكثيرا ما تدخل عليه (مِن) الزائدة، لكن الصواب هو الأول.
وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا وَالْفِعْلُ ذُو التَّصْرِيفِ نَزْرًا سُبِقَا
عامل التمييز يجبُ تقديمه على التمييز؛ بمعنى أنه يجبُ تأخيرُ التمييزِ عن عامله فلا يتقدَّمُ عليه البتة.
وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا هذا حالٌ من عامل التمييز، قدّم عامل التمييز، عامل هذا مفعول به مُقدَّم، وهو مضاف والتمييز مضاف إليه، وقدم هو العامل فيه.
مُطْلَقَا هذا حال من عامل التمييز، العامل في التمييز يجبُ تقديمه عليه، فيلزم وجوب تأخير التمييز، مطلقا يعني: سواء كان اسمًا جامدًا؛ فلا تقل: له عندي كتابًا عشرون، لا يصحّ بل يجبُ تأخيره، لماذا؟ لأن (عشرون) هذا مفرد، وهذا محل إجماع، كذلك إذا كان محوَّلًا، (نفسًا طاب زيد) نقول لا يصح، (عيونًا فجرنا الأرض) لا يصح كذلك.
ولو فعلًا متصرفًا وفاقًا لسيبويه والفراء وأكثر البصريين والكوفيين؛ لأن الغالبَ في التمييز المنصوب بفعل مُتصرّف كونه فاعلًا في الأصل.
إذن قوله: قَدِّمْ مُطْلَقَا .. أعلى درجات العامل أن يكون فعلًا متصرفًا، حينئذٍ ولو كان فعلًا متصرفًا فغيره من بابٍ أولى وأحرى أن لا يتقدم عليه، وهذا وفاقًا لسيبويه وما عطف عليه، لأن الغالب في التمييز المنصوب بفعل متصرف كونه فاعلًا في الأصل، وقد حُوِّل الإسنادُ عنه إلى غيره لقصد المبالغة؛ فلا يُغيَّر عما يستحقه من وجوب التأخير لما فيه من تقديم الفاعل على عامله، وهذا لا يجوزُ عند البصريين.
لو قدّمنا التميز على العامل حينئذٍ قدّمنا ما أصله الفاعل، وإذا كان كذلك خالفنا أصلًا آخر، لما فيه من الإخلال بالأصل، أما غيرُ المتصرف؛ يشمل الجامد والاسم .. أما غير المتصرف فبالإجماع؛ يعني الجامد لا يجوز، نحو: ما أكرمَك أبًا، نقول (أبًا) هذا لا يجوز تقديمه؛ لأن ما أكرمك هذا صيغة تعجّب، وهي غير مُتصرفة فلا يتصرف في معمولها.
ونعمَ رجلًا زيدًا؛ لا يقال (رجلًا نعم زيدًا) لا يجوز لأن نعم هذا فعل جامد، وهذا محل إجماع.
[ ٦٧ / ٢٢ ]
والاسم كذلك بالإجماع لا يتقدَّمُ عليه التمييز؛ نحو: عندي عشرون درهمًا، فلا يجوز (عندي درهمًا عشرون)؛ لا يتقدم عليه وهذا محل وفاق؛ لأنه ضعيف والعامل الضعيف لا يتصرف في معموله.
وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا أما توسُّطه بين العامل ومعموله فهو جائز بالإجماع (طاب نفسًا زيد) توسَّطَ بين العامل ومعموله هذا جائز بالإجماع، والكلامُ هنا في تقديم التمييز على العامل.
وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا وأما تقديم التمييز على معمول العامل دون العامل هذا جائز.
وَالْفِعْلُ ذُو التَّصْرِيفِ نَزْرًا سُبِقَا قليل؛ قيل شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه.
وَالْفِعْلُ ذُو التَّصْرِيفِ يعني: مُتصرف أي: مجيءُ عاملِ التمييز الذي هو فعل متصرِّف مسبوقًا بالتمييز نزرٌ، أي: قليل، قليل أن يتقدم التمييز على العامل وهو فعل متصرف.
وَالْفِعْلُ: مبتدأ، ذُو التَّصْرِيفِ نعت، نَزْرًا سُبِقَا: الألف للإطلاق وسُبِقَ هذا مغير الصيغة وفيه نائب فاعل، ونَزْرًا هذا حال منه .. يعني قليل.
قال الشارح: مذهبُ سيبويه ﵀ أنه لا يجوزُ تقديمُ التمييز على عامله سواء كان مُتصرّفًا أو غير مُتصرف مطلقًا، فلا تقولُ نفسًا طاب زيد، ولا عندي درهمًا عشرون، وأجاز الكسائي والمازني والمبرد تقديمه على عامله المتصرف مُحتجينَ بما ورد وقياسًا على غيره من الفضلات المنصوبة بفعل متصرف .. من باب القياس؛ فتقول نفسًا طابَ زيد، وشيبًا اشتعلَ رأسي؛ ومنه قوله:
أَتهْجُرُ لَيْلَى لِلْفِرَاقِ حَبِيبَهَا وَمَا كَانَ نَفْسًا بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ
وَمَا كَانَ نَفْسًا بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ، أين العامل؟ تَطِيبُ، وهنا نفسًا تقدّم عليه.
والفراء وأكثر البصريين والكوفيين على المنع، لأن الغالب في التمييز المنصوب بفعل مُتصرِّف كونه فاعلًا في الأصل.
قال: ووافقه المصنفُ في غير هذا الكتاب على ذلك وجعله في هذا الكتاب قليلًا، فإن كان العاملُ غير متصرف فقد منعوا التقديم بالإجماع؛ يعني: الجامد والاسم، فلا يُقال (ما أحسن زيدًا رجلًا) أو غيره، لا يتقدّم (رجلًا) على (ما أحسن)، ولا يتوسط، و(عندي عشرون درهمًا) لا يتقدم (درهمًا) على (عشرون)، وقد يكون العامل مُتصرِّفا ويمتنع تقديمُ التمييز عليه عند الجميع (كفى بزيد رجلًا)، (كفى يكفي)، إذن هو متصرف هذا بالإجماع لا يجوز تقديم التمييز عليه؛ لأنه أشبهَ الجامد من حيث دلالته على المعنى، والجامدُ لا يصحُّ تقديم التمييز عليه، وكذلك ما أشبهه في المعنى مثل كفى.
وأجمعوا على منع التقديم في نحو كفى بزيد رجلًا لأن كفى وإن كان فعلًا متصرفًا إلا أنه في معنى غير المُتصرّف فهو فعل التعجب، لأن معناه ما أكفأه رجلًا.
إذن: كفى لكونه في معنى فعل التعجب مُنع من أن يتقدّم عليه.
بقيَ مسألة ونختم بها وهي: ما اتفقَ فيه الحال والتمييز وما افترقا، يتفقُ الحال والتمييزُ في خمسة أمور، ويفترقان في سبعة أمور، يتفقان في أنهما: اسمان .. نكرتان .. فضلتان .. منصوبتان .. رافعتان للإبهام.
ويفترقان في سبعة أمور:
الأول: أن الحال تجيءُ جملةً وظرفًا، والتمييز لا يكون إلا اسمًا.
الثاني: الحال قد يتوقّفُ معنى الكلام عليها بخلاف التمييز.
[ ٦٧ / ٢٣ ]
الثالث: الحالُ مُبينة للهيئات، والتمييز مُبين للذوات والنِّسَب، الحال مميز للهيئة، وأما التمييز مبين للذات نفسها، إذا قلت: جاء زيدٌ راكبًا، (راكبًا) هذا بين الهيئة، أما زيد فهو معلوم، فإذا قلت (عندي عشرون) الذات نفسها غير معلومة فإذا قلت كتابًا أفصحت عنه.
الرابع: الحال تتعدّد بخلاف التمييز فلا يتعدّد.
الخامس: الحال تتقدّمُ على عاملها إذا كان فعلًا متصرفًا أو وصفًا يشبههُ، ولا يجوز ذلك في التمييز على الصحيح.
السادس -وهذا محل خلاف-: حق الحال الاشتقاق، وحق التمييز الجمود، وقد يتعاكسان.
السابع: الحال قد تأتي مؤكِّدة لعاملها بخلاف التمييز.
الحال جماهير النحاة على أنها تأتي مؤكِّدة، وأما التمييز فالعكس جمهور النحاة على أنه لا يأتي مؤكِّدًا.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبيا محمد !!!
[ ٦٧ / ٢٤ ]