عناصر الدرس
* شروط إضافة كلا وكلتا
* أحوال (أي) وشروط إضافتها
* حكم (لن) واللغات فيها ومعناها
* الفرق بين (لن) و(عن) ـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ مُعَرَّفٍ بِلاَ تَفَرُّقٍ أُضِيفَ كِلْتَا وَكِلاَ
لا زالَ الحديثُ في بيانِ الألفاظ التي لازمت الإضافة، وذكرنا أنها على نوعين: النوع الأول ما يلزمُ الإضافة إلى الجمل مطلقًا، وهو الجمل الاسمية والفعلية، وهذا ذكرَ الناظم منه (إذ) و(حيث).
والنوع الثاني: ما يلزمُ الإضافة إلى الجملة الفعلية، وهو (إذا) على جهة الخصوص، وذكرَ بعضهم (لما) وإن كان فيها خلاف، وأما (إذا) فالصوابُ أنها مُلازمة للإضافة إلى الجمل الفعلية خلافًا للأخفشِ وغيره.
والنوع الثاني ما يلزمُ الإضافةَ إلى المفرد، وقلنا هذا على ثلاثةِ أنواع، وأما في الجملة فحينئذٍ نقول: الذي يلزمُ الإضافة إما أن يلزمَ الإضافة لفظًا ومعنى، وإما أن يلزمَ الإضافة معنى دون لفظ، وكلاهما لازمان للإضافة، فإذا قيل لازمٌ للإضافة معنى دون لفظ، ليس المراد أنه غيرُ مضاف، لا، بل هو مضاف، لكن يحذف المضاف إليه وينوى معناه.
لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ مُعَرَّفٍ بِلاَ تَفَرُّقٍ أُضِيفَ كِلْتَا وَكِلاَ
كلا وكلتا من الأسماءِ اللازمة للإضافة لفظًا ومعنى، بمعنى أنهما لا يَنفكّان عن الإضافةِ البتة، ليس كـ (إذ) إذ هذه تَنفكُّ عن الإضافة فيُؤتى بالتنوينِ بدلًا عن المضاف إليه وهو الجملة، حينئذٍ «وَأَنْتُمْ حينئذٍ تَنظُرُونَ» [الواقعة:٨٤] نقول: حُذفت الجملة وعُوِّض عنها تنوين، لذلك إذا سُئلتَ «وَأَنْتُمْ حينئذٍ» [الواقعة:٨٤] إذ هل هي مُضافة أم لا؟ تقول: نعم مُضافة، لكنها مُضافة معنى لا لفظًا، وهذا التنوينُ عوض عن اللفظ.
كلا وكلتا يلزمان الإضافة إلى الاسم المفرد، ثم هل يَنفكّان عن هذا المضاف إليه في حال من الأحوال؟ الجواب: لا، هو مِما يلزم الإضافة لفظًا ومعنى.
إذن مما يَلزمُ الإضافة كلا وكلتا، لكن لا يُضافان مُطلقًا لأي مُفرد، وإنما يُشترَط في المفرد الذي يُضاف إليه كلا وكلتا ثلاثةُ شروط، ذكرَها الناظم كلّها في هذا البيت: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ هذا الأول، مُعَرَّفٍ هذا الثاني، بِلاَ تَفَرُّقٍ هذا الثالث.
إذا استكمَلَ المفردُ هذه الشروط الثلاثة جازَ إضافة كلا إليه، وإذا انتقصَ واحدًا منها أو عُدم الجميع، حينئذٍ نقول: لا يصحّ إضافة كلا أوكلتا إلى المضاف إليه الذي هو مُتخلّف لشرطٍ من هذه الشروط.
لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: هذا جار ومجرور مُتعلّق بقوله: أُضِيفَ، أُضيف كلا وكلتا لمفهم اثنين معرف بلا تفرق.
لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: قلنا جار ومجرور مُتعلّق بقوله: أُضِيفَ.
مُعَرَّفٍ: هذا نعتٌ لـ مُفْهِمِ.
[ ٧٤ / ١ ]
بِلاَ تَفَرُّقٍ: نعتٌ ثاني لمفهم، إذن مُفهم اثنين معرّف بلا تفرق أُضيف، هنا قال: أُضيف ولم يقل أَضف، ولم يُعبِّر بـ (أَلْزَمُوا)، هل معنى ذلك أن الإضافة ليست لازمة؟ (أُضيف) هذا خبرٌ ليس بأمر، وهنا قال: وَأَلْزَمُوا إِضَافَةً، قال: أَضِفْ جَوَازًا؛ بيّنَ الحكم، وهنا قال: أُضِيفَ، نقول: مِن سياقة الأبيات وما أراده الناظم من كون هذا البيت وقعَ بينَ ما يلزمُ الإضافة، حينئذٍ نقول: أُضيف لزومًا، لا بدّ من التقدير، وإلا فقوله: (أُضِيفَ) لا يدلُّ على أن الإضافة لازمة.
إذن (أُضِيفَ) لزومًا، بدليل أن الكلام في واجبِ الإضافة .. لازم الإضافة، وإلا اللفظ من حيث هو (أُضيف) لا يدلّ على اللزوم، وهناك عبّرَ في غير مرة بـ (وألزموا) و(ألزموا)، دلَّ على أنه لازم وأن الإضافة لازمة، ولكن هنا قال: أُضيف، فحينئذٍ نحمله على ما سبقَ بأن الإضافة هنا لازمة.
لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: لِمُفْهِمِ هذا اسمُ فاعلٍ مِن (أفهمَ يُفهِم) فهو مُفهم، يعني ما يدلُّ على اثنين، فالمفهم المراد به الفهم، والفهم هو المعنى الذي يدلّ عليه اللفظ.
لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: إذن لا بد أن يكون المضافُ إليه كلا وكلتا دالًا على اثنين، إما بحسب الوضع وإما بحسب القصد، مُفهم اثنين، أو اثنتين، أو اثنين فحسب؟ مُفهم اثنين واثنتين كذلك؛ لأن (كلتا) هذا للمؤنث، وحينئذٍ لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ، اثنين لا مفهومَ له، يعني لم يُخرِج .. لم يَحترِز به عن اثنتين، وحينئذٍ المراد باثنين شيئين، فيشملُ المذكر اثني والمؤنث وهو اثنتين، وإن شئتَ قل: اثنين هذا من باب الاكتفاء؛ لأنه قال: أُضيف كلا وكلتا، كلا للمذكر وكلتا للمؤنث.
لمفهم اثنين واثنتين، إذن اكتفى بالأول عن الثاني، وهذا أولى من قولِ الصبان بأنّ المراد باثنين شيئين، هذا تأويل، ليشملَ المذكرين والمؤنثين، والأولى أن نقول: اكتفاء؛ لأنه قال: أُضيف (كلتا) و(كلا) لمفهم اثنين واثنتين، وسبقَ أن (كلا) للمثنى المذكر، و(كلتا) للمؤنث المثنى.
وحينئذٍ بالقرينة السابقة نقول: هنا اكتفاء في الكلام.
لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: إذن لا يُضافان للمفرد ولا يُقال: كلا رجل، وكلتا هند .. نقول: هذا ممنوع، لأن شرطَ صحةِ الإضافة في (كلا) و(كلتا) أن يكونَ المضاف إليه مما أفهمَ ودلَّ وأرشدَ في المعنى إلى اثنين .. لمفهم اثنين.
الدلالةُ على الاثنين إما أن تكونَ بالنص أو بالاشتراك أو باسم الإشارة، لأنَّ المراد أن يدلَّ اللفظ على اثنين، لا على واحد ولا على جمع.
[ ٧٤ / ٢ ]
إما بالنصّ نحو: كلاهما، كلتاهما، كلا الرجلين، كلتا الجنتين، هذا نصٌّ؛ لأن المثنى نصٌّ في الاثنين، بل وُضِع في لسان العرب للدلالة على الاثنين، إذن كلاهما وكلتاهما وكلا الرجلين، وكلتا المرأتين نقول: هذا المضاف إليه نصٌّ في الدلالة على الاثنين، أو بالاشتراك مثل (نا) الدالة على مُشترك، (نا) هذا مُشترك معنوي، يصدُقُ على الاثنين، وعلى الأكثر .. العشر، إذا قيل: كلانا نقول: كلانا (نا) هذا يحتملُ الواحد ويحتمل الاثنين ويحتمل الثلاثة وأكثر، حينئذٍ إذا أُضيف كلا إلى (نا) نقول: تخصّصَ أحدُ هذه الاحتمالات، فصارَ (نا) دالًا على اثنين، لكن بالاشتراك ليسَ لوحده .. ليسَ نصًّا في الدلالة على الاثنين؛ لأنه وُضِع للدلالة على الواحد والدلالة على الاثنين والدلالة على ثلاثة فأكثر، فهو مُشترَك يدلُّ على الاثنين وعلى غيره، فإذا أُضيف إلى كلا، أو أُضيفت كلا إليه أو كلتا، كلا إليه حينئذٍ نقول بالإضافة تخصّصَ، وإلا فالأصل فهو مُشترَك بين الواحد والاثنين والأكثر، بإضافة كلا إليه تخصّصَ، أو بالاشتراك كقول: (كِلاَنَا غَنِىٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ )؛ فإن كلمة (نا) مُشتركة بين الاثنين والجمع.
وكذلك تدلُّ على الواحد المعظِّم نفسه، وحينئذٍ نقول هنا: أُضيف كلا إلى ما دلَّ على الاثنين، إلى ما أفهم اثنين، هل بالنص؟ الجواب: لا، إنما دلَّ عليه بالاشتراك مع غيره.
فقوله: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ شملَ المثنى، بل هو نصٌّ في الاثنين، وهو أولى ما يُضاف إليه كلا وكلتا، ويقال: كلا الرجلين، وضميره نحو كلاهما، وهذا واضح، وما دلَّ عليه كلانا .. بالاشتراك، واسم الإشارة نحو كلا ذينك، وهذا جاءَ في قول الشاعر:
إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ
كِلاَ ذَلِكَ .. ذا لمفرد بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أشِرْ.
وأُضيف إليه كلا، ونحن نقول: شرطُ صحةِ إضافة كلا أن يكون المضاف إليه دالًا على اثنين، أفهم اثنين، مفهومه اثنين.
حينئذٍ نقول: ذا هذا لمفرد واحد، كيفَ أُضيف إليه كلا؟ نقول: هنا ذا مُثنّاة في المعنى، اللفظ المفرد في اللفظ قد يضمّن المعنى الاثنين، فحينئذٍ وَكِلاَ ذَلِكَ، المشارُ إليه ما هو؟ إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى وَكِلاَ ذَلِكَ .. (ذَا) المشار إليه الخير والشر، إذن ذا في المعنى قلنا: اسمُ إشارةٍ لا بد لها مِن مَرجع فيُفسّر معناه بمرجعه، فإن رجعَ إلى اثنين قلنا مدلوله الاثنان، وإن رجعَ إلى واحد قلنا مدلوله الواحد، وإن كان في أصلِ الوضع أن يُستعمَل في الواحد، لكن قد يُستعمَلُ ويُتجَوزُ به في الدلالة على الاثنين، إذن كلا ذا نقولُ: المشار إليه مُثنى، إذن ذا مُثناة في المعنى، كما قلنا: هَاكَ حُرُوفَ الْجَرِّ وَهْيَ: الضمير هنا يعودُ إلى حروف الجر وهي جمع، وهي في الأصل للمفرد المؤنث الغائبة.
[ ٧٤ / ٣ ]
إذن لما رجعَ إلى جمع قلنا دالٌّ على الجمع، قد يكونُ اسمُ الإشارةِ في وضعه دالًا على الواحد، وكذلك الضمير هو أو هي دالًا على الواحد، لكن إذا رجعَ إلى جمع فحينئذٍ ينتقلُ مفهومُه فيصيرُ معناه الجمع، وكذلك اسمُ الإشارة هنا: كلا ذا، المشار إليه هو مجموع الخير والشر وهو مُثنى، إذن ذا مثناة في المعنى، ومثلها «لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ» [البقرة:٦٨] مع كونها أشارَ به إلى الاثنين، أي وكلا ما ذُكر وبين ما ذُكر.
إذن: إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى وَكِلاَ ذَا، يعني ذا الذي هو المذكور والمذكور مُثنى، إذن نقول: ذا استُعمِل باستعمال المثنى فأُريد به الاثنان فدَخَل في قوله: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ.
نحو: كِلاَ ذَينك، واشتُرِطت الدلالة على الاثنين، لماذا اشترطنا كونَ المضاف إليه دالًا على الاثنين؟ لأنه كما مضى أن (كلا) و(كلتا) يُستعمَلان توكيدًا، وإذا كانا كذلك حينئذٍ يُؤكِّدان المضاف إليه وإذا أُكِّد المضاف إليه فشرطُ المؤكِّد مع المؤكَّد التطابق إفرادًا وتثنية وجمعًا، وإذا كان معنى كلا الاثنين وكلتا كذلك إذا كان معناها الاثنين، حينئذٍ لزِمَ أن يكونَ المؤكَّد بها وهو المضاف إليه أن يكونَ دالًا على الاثنين، سواء دلَّ عليه بحسب الوضع مثل المثنى أو بحسب القصد مثل ذا التي للإشارة، فحينئذٍ نقول: لزِمَ أن يكون المضاف إليه دالًا على اثنين؛ لأن المضاف إليه مؤكَّد، وكلا وكلتا مؤكِّد وشرطُهُ -التأكيد يعني-: التطابق بينَ المؤكِّد والمؤكَّد في الإفراد والتذكير والتثنية والجمع.
إذن: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: هذا هو الشرط الأول، إما بحسب الوضع وإما بحسب القصد، ومرادنا بحسب الوضع هو المثنى أو ضميره، وأما بحسب القصد فهذا (نا) لأنها مُشتركة بين الواحد والاثنين والجمع، وكذلك اسم الإشارة.
مُعَرَّفٍ: هذا الشرط الثاني .. احترَزَ به عن النكرة، فلا تُضاف (كلا) و(كلتا) إلى نكرة.
مُعَرَّفٍ: هذا الشرطُ أشارَ به إلى التعريف، فلا يجوزُ كلا رجلين، ولا كلتا امرأتين، خلافًا للكوفيين؛ إذ جَوّزوا إضافتهما إلى النكرة المختصة، يعني الموصوفة أو المضافة، نحو (كلا رجلينِ عندَك قائمان)، رجلين هذا مُضاف إليه وهو نكرة، عندك هذا منصوب على الظرفية مُتعلق بمحذوف صفة لرجل .. إذًا اختصت، صارت مختصّة، فحينئذٍ جوّزَ الكوفيون إضافة كلا وكلتا إلى النكرة المختصة، لأن عندهم -كما سيأتي في باب التوكيد- يجوزُ توكيد النكرة إن أفادت، وإنما تُفيد إذا كانت مختصّة، وهل يُشترَط بين المؤكِّد والمؤكَّد التعريف أم لا؟
[ ٧٤ / ٤ ]
مَن اشترطَ التعريف حينئذٍ لزِمَ أن لا يُضيف (كلا) و(كلتا) إلا إلى مُعرّف، ومَن جوَّزَ توكيد النكرة جوّزَ حينئذٍ أن تُضاف كلا وكلتا إلى النكرة؛ لأن العلاقة الآن بين كلا وكلتا بين مؤكِّد ومؤكَّد، فكل الشروط التي تُذكَر في باب التوكيد حينئذٍ تُذكَر في هذا المحلّ، ولذلك انتُقِد ابنُ مالك ﵀ هنا لأنه سيأتي أنه وافقَ الكوفيين في كون المؤكَّد إذا كان نكرة مُفيدة أنه يجوزُ، وَإنْ يُفِدْ تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ، فجوّزَ تأكيد النكرة إذا كانت مُختصّة، وهنا اشترطَ التعريف، والعلاقة هي واحدة، والحكم هو الحكم، ولذلك إن لزِمَ هنا أن يشترَط التعريف حينئذٍ لا بد هناك أن لا يصحح توكيد النكرة المخصوصة.
إذن التعريف شرط في كون كلا وكلتا مُضافة إلى ما يلزم الإضافة.
التعريف فلا يجوزُ كلا رجلين ولا كلتا امرأتين خلافًا للكوفيين إذ جوّزوا إضافتهما إلى النكرة المختصّة نحو: كلا رجلين عندَك قائمان، وحكي كلتا جاريتين عندَك مقطوعة يدها، هذا يُوافق مذهبَ الكوفيين.
حُكِي: يعني سُمِع، كلتا جاريتين: هذا أُضيف كلتا إلى النكرة، عندَك هذه مُختصّة وصفٌ لها، مقطعة يدها: أي: تاركة للغزل.
واشترط التعريف لأنهما يدلان على التوكيد، أي: توكيد ما يضافان إليه، والبصريون لا يجوِّزون توكيد النكرة.
بِلاَ تَفَرُّقٍ: يعني بأن يكون الدلالة على الاثنين لأن ما دلَّ على الاثنين قد يكون بتفرّق، تقول: (جاء الزيدان)، (جاءَ زيدٌ وزيدٌ)، هذا مُتفرّق، (جاء زيدٌ وعمرو)، هذا بتفرّق، هنا يُشترَطُ أن يكونَ اللفظُ الدال على الاثنين كلمة واحدة، فلا يصحّ أن يقال: (جاء كلا الرجل والرجل)، أو (كلا زيد وعمرو)؛ هذا لا يصحُّ لأنه مُتفرّق، والتأكيد إنما يكونُ مؤكِّدًا لكلمة واحدة لا لكلمتين، حينئذٍ تعيّنَ أن يُقال بأن المضافَ إليه في باب (كلا) و(كلتا) أن لا يكونا مُتفرّقين بل كلمة واحدة، فلا يجوزُ (كلا زيد وعمرو)، إذا استوفى المضافُ هذه الشروطَ الثلاثةَ حينئذٍ جازَ أن تُضاف (كلا) و(كلتا) إليها.
أُضيف (كلتا) و(كلا) لمفهم اثنين مُعرف بلا تفرق .. أُضيف: هذا مُغير الصيغة وكلتا نائب فاعل، و(كلا) مضاف إليه ولمفهم مُتعلق بأُضيف، والبقية نعتٌ له.
قال الشارح: مِن الأسماء الملازمة للإضافة لفظًا ومعنى، إذن لا تنفكُّ عن الإضافة كلتا وكلا، ولا يُضافان إلا إلى معرفة، مثنى لفظًا ومعنى، على ما ذكرناه من التفصيل.
نحو: (جاءني كلا الرجلين وكلتا المرأتين) أو معنى دون لفظ نحو: (جاءني كلاهما وكلتاهما) ومنه قوله:
إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ
كِلاَ ذَلِكَ، (ذا): قلنا المشار إليه مثنى.
وهذا هو المراد بقوله: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ مُعَرَّفٍ، واحترزَ بقوله بِلاَ تَفَرُّقٍ من معرّف أفهَمَ الاثنين بتفرّق، يعني كلمة وكلمة، فإنه لا يُضاف إليه كلا وكلتا فلا تقل: كلا زيد وعمرو جاء، وقد جاء شاذًا كقوله:
(كِلاَ أَخِى وَخَلِيلى وَاجِدِى عَضُدًا) كلا أخي، أخي هذا مفرد، وخليلي مثل كلا عمرو وزيد، هذا شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه.
كلا: هذا مُبتدأ ومُضاف، وأخي مضاف إليه، وخليلي معطوف عليه.
واجدي: هذا خبر.
[ ٧٤ / ٥ ]
عضدا: هذا حال من الياء في واجدي.
إذن: يُشترَط في مضاف كلا وكلتا الشروط الثلاثة التي هي مذكورة في البيت السابق.
وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ أَيًّا وَإِنْ كَرَّرْتَهَا فَأَضِفِ
أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ مَوْصُولَةً أَيًّا وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ
وَإِنْ تَكُنْ شَرْطًا أَوِ اسْتِفْهَامَا فَمُطْلَقًَا كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا
هذا ما يتعلّق بأي، (أَيٍّ) بفتح الهمزة وتشديد الياء، هذه تكونُ موصولة، وتكونُ استفهامية، وتكون شرطية، وتكون وصفية، هذه أربعة أحوال.
والوصفية هذه بعضها يُفصّل فيها، يقول: نعتية وحالية، هي نعم تأتي نعتية وتأتي حالية، إذن خمسة على جهة التفصيل وأربعة على جهة الإجمال.
من الأسماء الملازمة للإضافة معنى دون لفظ (أَيٍّ) بفتح الهمزة وتشديد الياء.
إذن هي ملازمة؛ لأنه كما سبق تُقطَع عن الإضافة فتُنوَّن، مَثّلنا بكل وبعض وأَيًّ، قلنا هذه مُلازمة للإضافة معنى دون لفظ، يعني: يُعوّض عنها التنوين والمضاف يُحذف، وإذا حُذِف المضاف، هل نَصِف اللفظَ بكونه مُضافًا؟ نعم، نقول: هو مضاف، لا زال مُضافًا وإن حُذِف المضاف إليه.
قال المصنف: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ: نهى أن تُضاف (أَيٍّ) لمفرد مُعرّف، نهى: لا تُضف، فعل مضارع مجزوم بـ (لا)، إذن أنتَ مَنهيٌّ عن إضافة (أيّ) لمفرد معرف.
المفرد: احترَزَ به عن المثنى والجمع، والمعرف: احترزَ به عن النكرة.
إذن: مفهومُ هذا البيت: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ: مفهومُه أنها تُضاف للمثنى والجمع مطلقًا، سواء كانا مُعرّفين أو نكرتين؛ لأنه خصَّه بالمفرد المعرف، مفهومُه المثنى والجمع مُطلقًا معرفًا أم لا، يجوز إضافة (أَيٍّ) إليهما، مُطلقًا نكرة كان أو معرف، أي رجال صحّ، أيّ أُضيفت إلى رجال وهو نكرة، جمع النكرة صحّ، لأنه نهى عن إضافة (أيّ) لمفرد معرف، و(رجال) ليس مفردًا مُعرّفًا.
(أي رجال) و(أي رجلين)؟ جائز، و(أي الرجال)؟ جائز؛ لأنه جمعٌ مُعرّف، أي الرجلين مُثنى مُعرّف، وأيضًا مفهومه أنها تُضاف للمفرد النكرة، (أي رجل) جائز؛ لأنه نهاكَ عن المفرد المعرف.
إذن المفرد النكرة جائز، ويمتنعُ أن تُضاف إلى المفرد المعرّف، ولذلك قال: وَلاَ تُضِفْ (لا) ناهية، والنهي يقتضي التحريم، وهذا مُحرّم عندهم لغة، نعم صحيح ممنوع.
وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ: جار ومجرور متعلق بقوله: تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ، صفة لمفرد.
أَيًّا: مفعول به.
لا تضف أيًا لمفرد معرف، وهذا دخلَ فيه (أي) بأنواعها الأربعة؛ لأنه نكرة في سياقِ النهي فعمَّت، إذن (أيًا) سواء كانت استفهامية أو شرطية أو وصفية أو موصولية، فهي داخلة في هذا الحكم، إذن كلُّ هذه الأنواعِ الأربعةِ لا يجوزُ إضافتها إلى المفرد المعرف إلا في صورتين استثناهما، مما يجوزُ فيهما إضافتُها إلى المعرف.
وَإِنْ كَرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا.
[ ٧٤ / ٦ ]
أولًا: هاتان الصورتان لا تدخلُ في (أيّ) الوصفية، يعني الاستثناء هنا (وَإِنْ كرَّرْتَهَا) هذا استثناء، مما يجوزُ إضافة المفرد المعرف لـ (أي)، نقول: أي الشرطية نعم، الاستفهامية نعم، الموصولية نعم، الوصفية لا؛ لأنه لا يجوزُ تَكرارُها ولا يجوزُ نيةُ أجزاء المضاف إليه، حينئذٍ صارَ الحكم مُختصًّا بالثلاث الأُوَل.
وَإِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، لما قال: كرّرتها علمنا أن أيًا في الحكم السابق مُفردة، وجاء ابنُ مالك يُقيّد الأول ويترك الثاني أو بالعكس، إذن: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ أَيًّا مفردة، لأنه قيّدَ الثاني بكونها -التي هي محلّ الاستثناء والصورة التي يجوزُ فيها إضافتها إلى المفرد المعرّف- إِنْ كرَّرْتَهَا: يعني كرّرت مرة أخرى، أي زيد وأي عمرو عندك، كُرِّرَت، إذن أي زيد دونَ تَكرار لا يجوزُ، بدليل كونه قيد الاستثناء بالمكررة، قال: أيًا، إذن تُقيد أيًا مفردة، أي: غير مُكرّرة مطلقًا؛ لأنها بمعنى بعض، يعني أيًا التي لا يجوزُ إضافتها لمفرد معرف، قالوا: بمعنى بعض، غير مُكرّرة مُطلقًا سواء كانت موصولة أو شرطية أو استفهامية أو وصفية؛ لأنها بمعنى بعض، أي: حيث أُضيفت للمعرف.
أي: والمطرد المعرّف شيءٌ واحد، يعني إذا كان المفرد المعرف شيئًا واحدًا بمعنى بعض، حينئذٍ امتنعَ إضافة أيّ إليه.
والمفرد المعرف شيء واحد ليسَ له أضعاف، بخلاف ما إذا أُضيفت للمنكّر، فإنها حينئذٍ بمعنى (كل).
وَإِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا: هذان موضعان يُستثنى فيهما إضافة (أي) إلى المفرد المعرف، وقلنا هذا الحكم الاستثناء لا يدخل فيه (أي) الوصفية، وإنما هو خاصٌّ بالموصولية والاستفهامية والشرطية.
وَإِنْ كَرَّرْتَهَا: يعني كررتها بالعطف، يعني بالواو خاصة، هكذا نصّ النحاة: أن التَّكرار يكون بالواو على جهة الخصوص.
وَإِنْ كرَّرْتَهَا: يعني كرّرت أي، فَأَضِفِ: يعني أجز إضافتها إلى ما ذُكر، وهو الممنوع أولًا، وهو المفرد المعرف، إِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ يعني: أجز إضافتَها إلى المفرد المعرّف، حينئذٍ منعكَ أولًا ثم أباحَ لك، منعكَ أولًا إن كانت أيًا مُفردة، وأباحَ لكَ الإضافة .. إضافة (أي) إلى المفرد المعرف إن كررت (أي)، أي زيد وأي عمرو عندك، أي زيد، زيد هذا مُفرد مُعرّف، الأصل فيه المنع، لو قال: أي زيد عندك قلنا: لا يجوزُ؛ لأن شرطَ إضافةِ (أي) أن يكون إلى غير مفرد معرف، وهذه لم تكرر حتى يجوز إضافتها إلى المفرد المعرف، أي زيد وأي عمرو عندك جاز، لماذا جاز؟ للتكرار.
إذن: وَإِنْ كرَّرْتَهَا: يعني كرّرت (أيًا) بالواو على جهة الخصوص.
فَأَضِفِ: أي أجز إضافتَها إلى ما ذُكر.
وهنا حذفَ المفعول والمجرور المتعلق به لدلالةِ ما تقدّمَ عليه، والتقدير فأضفها للمعرفة.
فَأَضِفِ: يعني أضف .. أضفها الذي هو الضمير مفعول به إليه، يعني للمعرفة، أو إن شئتَ صرّح بالمعرفة.
أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا: أو للتنويع والتقسيم، يعني ما بعدَها ليس داخلًا فيما قبلها، بل هو قسيم له.
[ ٧٤ / ٧ ]
تَنْوِ: تُقدِّر، إذن نية ومحلها القلب، (تَنْوِ) أين الياء؟ حُذفت لأنه معطوفٌ على قوله: كرّرتها، فهو معطوف على المجزوم، والمعطوف على المجزوم مجزوم؛ لأن محلّ كَرّر .. كَرّر فعل ماضي محله الجزم بإن، فلما عُطف عليه -وهذا البيت فيه إشكالات كثيرة-، وإن تنوِ، لما عطف على كرر حينئذٍ جُزمَ به، عطف على كرَّرْتَهَا فلهذا حذفَ الياء للجزم والتقدير وإن كررتها أو نويت الأجزا فأضفها، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا بحذف الهمزة وقصره هنا للضرورة.
أو تنو بالمفرد المعرف الجمع، إذا صحَّ أن يُنوى بالمفرد أنه جمعٌ ذو أجزاء صحَّ.
وابنُ هشام عبّرَ عن هذا التعبير قال: وعبّرَ عنه في الأوضح أن يكون بينهما جمع مُقدّر، -وهذا أوضح- أن يكونَ بينَ (أي) والمفرد المعرف جمع مُقدّر، إن صحّ صحّ، يعني إن صحَّ تقدير الجمع بين (أي) والمفرد المعرف صحَّ إضافة (أي) إلى المفرد المعرف وإلا فلا، نحو: أيُّ زيدٍ أحسنُ؟ يعني: أي أجزاءِ زيدٍ أحسن؟ فالمسؤول عن هنا: أي زيد أحسن، المسؤول عنه أجزاؤه، وجهه، أنفه، عينه، يده رأسه .. أي أجزاء زيد، ولذلك يُجابُ بالتعيين فيقال: عينُه، أيّ زيدٍ أحسن أجمل؟ عينه، أو رأسه، فحينئذٍ صحَّ أن يُضاف (أي) إلى المفرد المعرف، نحو: أي زيد أحسن؟ يعني أي أجزائه أحسن؟
قالَ ابنُ هشام: أن يكون بينهما جمعٌ مُقدّر، معناه أي أجزاء زيد، فبين أي وزيد في المثال لفظ مُقدّر يدلُّ على الجمع وهو الأجزا: أي زيد أحسن؟ أي أجزاء زيد أحسن؟ إن صحَّ فحينئذٍ صحَّ إضافتها إلى المفرد المعرف.
إذن: وَإِنْ كرَّرْتَهَا: أي أي بالواو، فَأَضِفِ: يعني أضفها إلى المفرد المعرف.
الحالة الثانية: أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا: أن تقدر بأن المراد بالمفرد المعرف الأجزاء، إن صحَّ، ليس كل مفرد يصحُّ فيه ذلك، لا، إن صحَّ تقدير الأجزاء بأن يكونَ المسؤول عنه جزء من أجزاء المفرد المعرّف صح، وإلا فلا، وعبارةُ ابنِ هشام: أن يصحَّ تقديرُ لفظِ جمع بين أي والمفرد المعرف، إن صحّ صحّ، وإلا فلا.
وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ مَوْصُولَةً أَيًّا: (وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ) ما تقدّمَ شرط في أي مُطلقًا، من حيث هي، الكلام في الجملة، أي بجميع أقسامِها ثم فصّلَ كل قسم وما يُضاف إليه.
قوله:
وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ أَيًّا: شمِلَ الأنواع الأربعة.
وَإِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا، هذا خاصٌّ بغير الوصفية.
إذن الوصفية لا يجوزُ إضافتها للمفرد المعرف مُطلقًا.
[ ٧٤ / ٨ ]
وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ أَيًّا: قلنا هذا يشملُ الأربعة، وإن كررتها هاتان الصورتان تختصّ بثلاثة فقط دون الوصفية، إذن نخلصُ من هذا أن الوصفية لا يجوزُ إضافتها للمفرد المعرف مطلقًا، لأنها لا تُكرّر ولا يُنوى بالمضاف إليه الأجزاء، إذن امتنعَ إضافة أي الوصفية إلى المفرد المعرف مُطلقًا بدون استثناء ولا تفصيل، وأما ما عداها وهو الموصولية والشرطية والاستفهامية ففيه تفصيل، نقول: إن لم تُكرَّر .. أُفردت، ولم ينوَ الأجزا بالمضاف إليه امتنع إضافتها للمفرد المعرف، فإن كُرّرت جازَ، أو نُوِي بالمضاف إليه -المفرد المعرف الأجزاء- بأن يُضاف أو يُقدّر بينَ أي والمفرد المعرف جمع جاز وإلا فلا.
ثم أراد أن يُفصِّل كل واحدة من هذه الأيات إن صحّ بما تضاف إليه، فقال: وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ مَوْصُولَةً أَيًّا وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ.
وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ: الباء هنا داخلة على المقصور عليه، واخصصن بالمعرفة.
أَيًّا: حالة كونها موصولة، موصولة هذا حال مُقدّم من أيًا، وأيًا هذا مفعول به لقوله: اخصصن.
إذن واخصصن أيًا موصولة بالمعرفة، فحينئذٍ تختصُّ الموصولية بالمعرفة، من أي شيء؟ قوله بالمعرفة هل يشملُ المفرد المعرف؟ واخصّصن بالمعرفة أيًا، يعني أي الموصولية لا تُضاف إلا إلى المعرفة، زد عليه إلا ما استثني، ما هو الذي استُثني؟ المفرد المعرف ما لم تُكرر أو ينو الأجزا.
إذن قوله: وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ: هل يرِدُ على الناظم أنه يشملُ المفرد المعرف؟ لا؛ لأنه بيّنَ في الأول وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ، أخرجَ هذا النوع، وقلنا هذا الحكم عامٌّ لجميع أنواع (أي).
حينئذٍ قوله: وَاخْصُصَنْ بالْمَعْرِفَهْ: يعني سوى ما استثني، وهو المفرد المعرف ما لم يُكرّر أو يُنو به الأجزا.
مَوْصُولَةً أَيًّا: قلنا مَوْصُولَةً هذا حال مُقدّم لـ أَيًّا.
حينئذٍ يُضاف أي الموصولية إلى الجمع المعرف، دون الجمع المنكر، وإلى المثنى المعرف دون المثنى المنكر، ولا يُضاف إلى المفرد إلا ما استُثني، والمفرد المنكر لا يُضاف.
إذن بالمعرفة أخرجَ المفرد المنكر، وبقي المفرد المعرّف، ففيه تفصيل إن لم تكرر أو ينو الأجزا؛ فالمنع وإلا فالجواز، وستأتي الأمثلة في الشرح.
وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ: الصفة بالعكس، مبتدأ وخبر، بالعكس خبر مُقدّم، والصفةُ مبتدأ مُؤخّر، وبالعكس المراد به العكس اللغوي، يعني خلاف.
وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ: يعني الصفة الموصوفية أو النعتية أو الحالية تختصُّ بالمضاف إليه إذا كان نكرة، فلا تُضاف إلى المعرفة، فشمِلَ النكرة المفرد والمثنى والجمع، وخرجَ المفرد المعرف والمثنى المعرف والجمع المعرف.
وَإِنْ تَكُنْ شَرْطًا أَوِ اسْتِفْهَامَا فَمُطْلَقًَا كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا
وَإِنْ تَكُنْ أيٌّ شرطية أو استفهامية.
[ ٧٤ / ٩ ]
فَمُطْلَقًا كَمِّلْ: كَمِّلْ مُطْلَقًا .. تكميلًا مطلقًا، أو مطلقًا حال من ضمير بِهَا المتأخِّر، وتذكيرُ الحال باعتبار لفظها، فَمُطْلَقًَا كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا، أي الكلام الذي هي جزؤه؛ لأنها مع ما أُضيفت إليه جزء الكلام، أي تُضاف إلى النكرة والمعرفة مُطلقًا سوى ما استُثني، مُطلقًا تُضاف (أي) الاستفهامية والشرطية إلى كل ما عدا المفرد المعرف، فتضافُ إلى النكرة المثنى، والمعرف المثنى، والجمع المعرف، والجمع النكرة، والمفرد النكرة، إلا ما استثني إلا بشرطه.
وَإِنْ تَكُنْ شَرْطًا أَوِ اسْتِفْهَامَا فَمُطْلَقًَا كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا
يعني تُضاف إلى النكرة والمعرفة مُطلقًا سِوى ما سبقَ منعُهُ وهو المفرد المعرفة.
أيُّ رجلٍ يأتي فله درهم، أيُّ رجلٍ: أُضيفت إلى النكرة المفرد، «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ» [القصص:٢٨] (أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ) مثنى معرفة، «أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا» [النمل:٣٨] جمع وهو معرفة، «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ» [الأعراف:١٨٥] مفرد نكرة.
حينئذٍ بعد هذه الأبيات الثلاثة نقول: ظهرَ لأي ثلاثة أحوال:
الأول: الإضافة إلى النكرة والمعرفة، وذلك في الشرطية والاستفهامية .. ما يُضاف إلى المعرفة والنكرة هذا خاصٌّ بالاستفهامية والشرطية.
الثاني: لزومُ الإضافة إلى النكرة، وذلك في الوصفية والحالية أو قل النعتية.
الثالث: لزوم الإضافة إلى المعرفة، وذلك في الموصولة.
إذا كانت أيُّ نعتًا أو حالًا وهي المراد بالصفة فهي مُلازِمة للإضافة لفظًا ومعنى، يعني لا يجوزُ حذف المضاف إليه البتة، مثل كلا وكلتا، أي الوصفية إذا وقعت نعتًا أو حالًا حينئذٍ تلزمُ الإضافة لفظًا ومعنى، وأما ما عداها فهي مُلازِمة للإضافة معنى لا لفظًا.
فأيُّ استفهامية، أيٌّ عندك؟ يجوزُ الحذف، أي يأتني أكرمه، حُذِف المضاف إليه وعُوّض عنه التنوين، حينئذٍ نقول: أي الاستفهامية وأي الشرطية وأي الموصولية هذه لا تلزمُ الإضافة لفظًا، بل هي لازِمة له معنى وقد يُحذَف المضاف إليه ويُعوّض عنه التنوين، وهو تنوينُ العوض عن كلمة مثل: كل وبعض، وأمّا (أي) الوصفية فهي لازمة للإضافة لفظًا ومعنى.
إذن: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ (أَيًّا)، لا تَضف (أيًا) لمفرد معرف مُطلقًا، إذن هو على الأربعة من (أي).
ثم استثنى حالتين بجواز إضافة (أيًا) إلى المفرد المعرف، وهما فيما إذا كُرّرت (أي) أو نُوِي الأجزاء بالمضاف إليه، حينئذٍ جازَ إضافتها إلى المفرد المعرّف، ويُستثنى من هذا أي الوصفية فإنها لا تكون مُكرّرة ولا يُنوى بالمضاف إليه الأجزا.
ثم بيّنَ .. فصّلَ كل نوع من الأنواع الأربعة فقال: واخصصن بالمعرفة (أيًا) موصولة، فلا تُضاف (أي) الموصولية إلا إلى المعرفة.
[ ٧٤ / ١٠ ]
وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ: يعني لا تجوزُ إضافتها إلى المعرفة، بل يجبُ إضافتها إلى النكرة، وأيُّ الوصفية هي المنعوت بها، والواقعة حالًا فلا تُضاف إلا إلى نكرة، (مررتُ بفارسٍ أيِّ فارس) هذه تدلُّ على الكمال، نفس التركيب (مررتُ بفارس أيِّ فارس)، إذا كان ما قبلَها نكرة حينئذٍ صارت صفة، وإذا كان ما قبلَها معرفة فحينئذٍ صارت حالًا، (مررتُ بزيد أيَّ فارس)، تعربها حالًا.
هذه هي التي يُعنوَن لها بالوصفية، وبعضهم يَفصِل بينهما ويقول: النعتية والحالية؛ إن أُعربت حالًا بعدَ المعرفة فهي حالية، وإن أُعربت نعتًا إنما يكون بعد النكرة (مررتُ بفارسٍ أيِّ فارس)، (جاء فارسٌ أيُّ فارسٍ)، (رأيت فارسًا أيَّ فارس) على حسب ما قبله.
وأما (جاء زيدٌ أيُّ فارس، أو أيَّ فارسٍ)؟ الثاني (أيَّ فارسٍ) بالنصب على أنه حال، فلا يوافِق ما قبلَه، وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ.
وَإِنْ تَكُنْ شَرْطًا أَوِ اسْتِفْهَامَا فَمُطْلَقًَا كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا
مُطْلَقًَا: يعني كمِّل بها الكلام مُطلقًا، تكميلًا مُطلقًا، أو مُطلقًا حال من ضمير بها، إذا قدّرَ النحاةُ تكميلًا مُطلقًا يعني جعلوه مصدرًا لموصوف محذوف، وهو مصدر نوعي، أو يجعل هو نفسه حالًا.
فَمُطْلَقًا كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا.
قال الشارح: مِن الأسماء الملازمة للإضافة معنى (أيٌّ) في الجملة؛ لأنه سيذكرُ أن الوصفية لا تلزم لفظًا ومعنى.
من الأسماءِ الملازمة للإضافة معنى (أي)، فلا تُضاف إلى مفرد معرفة إلا إذا تكررت، كقوله: (أيّ زيد وأيّ عمرو عندك)؟
أَلاَ تَسْأَلُونَ النَّاسَ أَيِّ وَأَيَّكُمْ غَدَاةَ التَقَينَا كَان خَيرًا وَأَكرَمًا
و(أَيِّى وَأيُّكَ فَارِسُ الأَحْزَابِ )، هنا في البيتين أي وأيك، أُضيف أيُّ الأولى إلى الضمير المتكلم، والثاني مَفتوح ليسَ فيه شرط، اشترط السيوطي وغيره في صحّة تَكرارِ (أيٍّ) وإضافتها إلى المفرد المعرف أن تكون (أيٍّ) الأولى مضافة إلى ضمير متكلم، فإن لم تُضَف فلا، لا يجوز، استنادًا إلى هذا البيت؛ لأنه قال: أيِّ وأيكم، أُضيفت (أي) الأولى إلى ضمير المتكلم، بهذا القيد صحّ، وإلا فلا، لماذا؟ لأنّ القياس يقتضي أن لا تُضاف أيًّ إلى المفرد المعرّف، فإذا سُمِع خلافه فحينئذٍ صارَ خارجًا عن القياس، فيتقيّد بالمذكور فحسب؛ لأنه لم يُنقل إلا إضافة الأول إلى الضمير، هكذا قال السيوطي وغيره، والأكثرُ على أنه مُطلقًا فلا يتقيّدُ بالضمير، اشترطَ بعضهم أن يكون أول لفظي (أيٍّ) مُضافًا إلى ضمير المتكلم كما في البيت السابق، إذا كُررت وجوّز إضافته إلى المفرد المعرّف لا بد أن تكون (أيٍّ) الأولى مُضافة إلى ضمير المتكلم، سواء أكان ما تُضاف إليه أي الثاني ضميرًا كما في البيت، أم كان اسمًا ظاهرًا نحو: (أي وأي زيد أفضلُ)، وعليه فلا يجوز أن يقال: (أيك وأيُّ زيد)، على رأي السيوطي لا يجوز؛ لأنه أُضيف الأولى إلى كاف الخطاب، أيُك ولم يقل أيِّ .. على هذا القول لا يجوز، وإنما يتعيّنُ أن تكون أي الأولى مُضافة إلى ضمير المتكلم.
[ ٧٤ / ١١ ]
وعليه فلا يجوزُ أن يُقال: (أيكم وأي زيد أفضل)، ولا (أي زيد وأي عمرو أفضل)، واستظهرَ ابنُ هشام وغيرُه أن ذلك كله جائز، فحينئذٍ التقييد بإضافته إلى ضمير المتكلم ليس بقيد.
والصوابُ أن (أي) سواء أُضيفت الأولى إلى المتكلم أم غيره حينئذٍ نقول: الحكم عام.
أَلاَ تَسْأَلُونَ النَّاسَ أَيِّ وَأَيَّكُمْ غَدَاةَ التَقَينَا كَان خَيرًا وَأَكرَمًا
أيكم وأيِّ في الموضعين أُضيفتا إلى الضمير، لكن الشاهد في الأولى ليسَ في الثانية؛ لأنّ الثانية هذه أُضيفت إلى ضمير الجمع وهو جائز، وأما الأولى (أي) هي التي محلّ الإشكال؛ لأنها أُضيفت إلى ضمير المتكلم وهو مُفرد، أي مفرد مُعرّف، جوّز ذلك كونها مُكرّرة، وأما الثانية فلا ليس فيها شاهد.
أو قصدت الأجزاء يعني: يجوزُ إضافتها إلى المفرد المعرفة إذا نويت أجزاء ذلك الاسم، إذا كان له أجزاء وإن لم يكن كذلك حينئذٍ لا يجوز، على هذا لا يجوزُ كل اسم مُفرّد مُعرّف أن يُضاف إلى أي يُقصد به الأجزاء، بل لا بد أن يصحّ معه المعنى، فإن لم يصح فلا.
أو قصدتَ بها الأجزاء، كقولك: أي زيد أحسن؟ أي: أيُّ أجزاء زيد أحسن؟ ولذلك يُجاب بالأجزاء، فيُقال: عينه أو أنفه، وهذا إنما يكونُ فيها إذا قُصد بها الاستفهام، وأكثر الشراح ردّوا على تخصيصِ ابنِ عقيل هنا، بل الصواب أنها عامّة تشملُ الاستفهام والشرطية والموصولية.
منعُ ابنُ عقيل هنا في هذا الموضع بكونها: تنوِ الأجزاء بأنه خاصٌّ بالاستفهام هذا ليس بصحيح، بل الصواب أنه عام. قال: وهذا إنما يكونُ فيها إذا قُصد بها الاستفهام، والصواب أنها عامّة في الثلاث.
وإنما يستثنى أي الوصفية فحسب، وأي تكون استفهامية وشرطية وصفة وموصولة، يعني أربعة أقسام، هذا هنا أي بالنظر إلى إضافته إلى المعرفة والنكرة ثلاثة أقسام هي التي قدّمناها فيما سبق.
فأمّا الموصولة .. (أي) الموصولة يجوزُ قطعها في اللفظ عن الإضافة (اضرب أيًا هو عاصٍ)، يجوزُ قطعُها عن الإضافة (اضرب أيًا هو عاصٍ)، يعني الذي هو عاصٍ.
فذكرَ المصنفُ أنها لا تُضاف إلا إلى معرفة، فتقول: (يعجبني أيهم قائم)؛ لأنها بمعنى الذي، أيٌّ بمعنى الذي وهو معرفة ولا يجوز أن تُضاف للنكرة، وذكرَ غيرُه أنها تُضاف، -وهذا مذهبُ ابنِ عصفور وهو مُخالِف- إلى نكرة ولكنه قليل: (يُعجبني أيُّ رجلين قاما).
وأما الصفة .. الوصفية والحالية هذه لا يجوزُ تكرارها ولا أن يُنوى بها الأجزاء، ويجبُ أن تُضاف لفظًا ولا يجوزُ قطعُها عن الإضافة، هذه من الفوارق بين هذه الآيات.
[ ٧٤ / ١٢ ]
وأما الصفة فالمراد بها ما كان صفة لنكرة أو حالًا من معرفة، ولا تُضاف إلا إلى نكرة؛ لأنّ القصدَ من الوصفية الدلالة على الكمال، والداخلة على المعرفة بمعنى بعض، فلا تدلُّ عليه، حصلَ تعارض، إذا أُضيفت إلى المفرد المعرفة دلَّ على البعضية، ونحن نريدُ معنى كلّ، وهذا إنما يحصلُ بالنكرة، النكرة فيها عموم، والمعرفة فيها خصوص، فإذا أضفتَها إلى المعرفة اكتسبت التخصيص وهو البعضية، ونحن نريدُ أنه بلغَ الكمال: (مررتُ بزيد أيَّ فارس)، بلغَ الكمال في الفروسية، فلا تدلُّ عليه ويُشترَط في النكرة أن تكون مماثلة للموصوف لفظًا ومعنى، أو معنى فقط: (مررتُ برجل أيّ رجل)، يعني ما قبلَها وما بعدَها لفظ واحد أو بمعنى واحد، يعني لا يُقال: (مررتُ برجل أي عالم)، نقول: عالم ليس هو معنى رجل، وليسَ مُشاركًا له في اللفظ، لكن (مررتُ برجلٍ أي رجل) صح، (مررتُ برجلٍ أي إنسان) صح، (مررتُ برجلٍ أي عالم) لا يصح، إذن يُشترَط في الوصفية أن تكونَ النكرة مماثلة للموصوف لفظًا ومعنى أو معنى فقط: نحو: (مررتُ برجلٍ أي رجل)، و(برجل أي إنسان)، ولا يجوزُ (برجل أي عالم) وعكسه: (مررتُ بعالم أي رجل) لا يصح؛ لعدم التماثل لا لفظًا ولا معنى.
ولأن الوصفية كذلك لا تقعُ إلا وصفًا للنكرة، ووصف النكرة ومثله الحال لا يكونان إلا نكرتين؛ لأنك إذا قلت: (مررتُ بزيد أي رجل، أي فارس) .. حينئذٍ أنت جئتَ بحالٍ من زيد، فلو أضفتَ (أي) إلى المعرفة لوصفتَ الحال بالمعرفة وهو ممنوع؛ لأن الحال لا بدَّ أن تكون نكرة، فحينئذٍ تعيّنَ أن يكونَ المضاف إليه في باب الوصفية والحالية أن يكونَ نكرة؛ لأنك إذا وصفتَ النكرة لا بُد من التطابق، وإذا وصفت المعرفة وكانت حالًا لا بد أن تكون الحال نكرة.
إذن في الحالين لا بدّ أن تكون نكرة، أيُّ النعتية إذا نعت النكرة، ضابطُ النعتية أن يكونَ ما قبلَها نكرة، إذن يتعيّنُ أن يكونَ المضاف إليه نكرة؛ لأنك إذا أضفتَه إلى المعرفة وصفتَ النكرة بالمعرفة، هذا ممنوع، وإذا جاءت بعدَ المعرفة قلنا هي حال، والحال لا يكونُ إلا نكرة، فلو أضفتَها إلى المعرفة صارت الحال معرفة، هذا باطل، إذن في كلا الحالين يتعينُ أن تكونَ أيّ مُضافة إلى النكرة.
أو حالًا وأما الصفة فالمراد بها ما كان صفة لنكرة، أو حالًا مِن معرفة ولا تُضاف إلا إلى نكرة لما ذكرناه من علةٍ: (مررتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ) بالكسر، و(مررتُ بزيدٍ أيَّ فتى) بالنصب، ومنه قوله:
فأوْمَأَتُ إِيمَاءً خَفِيًا لِحَبْتَرٍ فَلِلَّهِ عَيْنَا حَبْتَرٍ أَيّما فَتى
أَيّما: هذه حال .. بالنصب.
وأما الشرطية والاستفهامية فيُضافان إلى المعرفةِ وإلى النكرة مُطلقًا، وذلك أنّ (أيًا) الاستفهامية والشرطية اسم يعمّ جميعَ الأوصاف؛ لأنها تفيدُ العموم، والنكرة هذه مُتعلّقة بالأوصاف، والمعرفة مُتعلّقة بالأشخاص، فإذا أضفتَ الشرطية والاستفهامية إلى النكرة صارَ عمومُها في الأوصاف، وإذا أضفتَها إلى المعرفة صارَ عمومُها في الأشخاص.
[ ٧٤ / ١٣ ]
المعرفة خاصّة معرفة كاسمها، تدلُّ على معين، إذن مدلولُها مُشخَّص .. مدلول المعرفة مُشخَّص، فإذا أضفتَ الشرطية أو الاستفهامية إلى المعرفة صارَ عمومًا في الأشخاص، والنكرة تدلُّ على الأوصاف .. الشيوع، إذا أضفتَ الاستفهامية والشرطية للنكرة صارَ عمومًا في الأوصاف، هذا يُفيدُك في الأصول.
ذلك أنّ أي الاستفهامية والشرطية اسمٌ يعمُّ جميعَ الأوصاف، فإما أن يُراد تعميم أوصاف جنس من الأجناس فتُضاف إلى النكرة، وإما أن يُراد تعميم أوصاف ما هو مُتشخِّص بطريقٍ مِن طُرق التعريف فتُضاف إلى المعرفة، والشرطية والاستفهامية يجوزُ قطعُها عن الإضافة في اللفظ، «أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا» [النمل:٣٨] هذه استفهامية، أُضيفت إلى المعرفة، «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ» [القصص:٢٨] هذه شرطية أُضيفت إلى المعرفة، «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ» [الأعراف:١٨٥] استفهامية أُضيفت إلى نكرة، أي رجل جاءك فأكرمه، أُضيفت إلى نكرة وهو مُفرد وهو شرطية.
فيُضافان إلى المعرفة وإلى النكرة مُطلقًا على التفصيل الذي ذكرناه سابقًا، يعني سواء كانا مُثنيين أو مجموعين أو مُفردين إلا المفرد المعرفة، استثناهُ الناظم؛ فإنهما لا يُضافان إليه إلا الاستفهامية فإنها تُضاف إليه كما تقدّم ذكره.
هذا على الاستثناء الذي ذكره، الصواب لا، بل هو عامّ على التفصيل السابق، وَإِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا، هذا ابنُ عقيل خصّهُ بالاستفهامية، وما عداهُ -الشرطية والموصولية- لا.
إذن على كلامِه أن قولَه: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ أَيًّا هذا عامٌّ مُطلقًا، وإنما يُستثنى الاستفهامية بقوله: وَإِنْ كرَّرْتَهَا، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا، حينئذٍ لا يُضاف مُطلقًا عند ابنِ عقيل إلى المفرد المعرف إلا الاستفهامية بشرطين: إما أن تُكرّر وإما أن يُنوى بها الأجزاء، والصواب لا؛ ليسَ كذلك الأمر، وإنما يُستثنى ثلاثة: الموصولية، والاستفهامية، والشرطية، ويُستثنى فقط الوصفية، ولعله أراد الوصفية.
واعلم أن (أيًا) إن كانت صفة أو حالًا فهي مُلازمة للإضافة لفظًا ومعنى؛ نحو: (مررتُ برجلٍ أي رجل وبزيد أي فتى)، وإن كانت استفهامية أو شرطية أو موصولة فهي مُلازِمة للإضافة معنى لا لفظًا.
يعني: يجوزُ قطعُها عن الإضافة ويُعوّض عنها التنوين.
(أيُّ رجلٍ عندك)، (أيٌّ عندك) أضفتَها وقطعتها، (أيُّ رجل) بالإضافة، اقطعها تقول: (أيٌّ عندك)، تحذِفُ المضافَ إليه وتأتي بتنوينِ العوضِ عن المفرد.
و(أيَّ رجلٍ تضرب أضرب) و(أيًا تضرب أضرب)، «أَيًّا مَّا تَدْعُو» [الإسراء:١١٠] حُذِف المضافُ إليه وعُوّض عنها التنوين، و(يعجبني أيُّهم عندك)، ذكرَ المضاف إليه، و(أيٌّ عندك) هذا حذفَ المضاف إليه: أي الرجلين تضرب أضرب، وأي رجلين تضرب أضرب، وأيّ الرجال، وأيّ رجال، وأيّ الرجلين عندك، وأيّ الرجال عندك، وأيّ رجل، وأيّ رجلين، وأيّ رجال.
إذن يجوزُ فيها مطلقًا إلا المفردُ المعرّف فلا يجوزُ إلا إن كُررت أو نُوي بها الأجزاء.
وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ
[ ٧٤ / ١٤ ]
وَنَصْبُ غُدْوَةٍ، نَصْبُ غُدْوَةٍ: يجوزُ فيه الوجهان على الحكاية وعلى الجرّ، والجرُّ أولى.
وَأَلْزمُوا: أي العرب.
لَدُنْ إِضَافَةً، لَدُنْ بفَتح اللام وضمّ الدال ونون ساكنة، وفتحها وكسرها وضمهما وسكون النون لدُنْ، ولدَنْ، ولدِنْ، ولُدُنْ .. يعني فيها أربعُ لغات، لدُنْ، ولدَنْ، ولدِنْ، ولُدُنْ.
وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ: لدُن هذا مفعول أول، وإضافة هذا مفعول ثاني، - فجرّ ما بعدَه.
وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ: يعني ما بعده، بالإضافة.
قالوا: هنا صرّح ابنُ مالك ﵀ بأن المضاف هو الذي يُجرّ، بخلاف قوله في أول الباب: وَالثَّانِيَ اجْرُرْ، ما نصَّ على أن المضاف هو الذي يعملُ في المضاف إليه.
لكن قوله هناك: فَجَرّْ، دلَّ على أن العامل هو المضاف إليه، قوله: فجَرّ فائدتُه بعدَ قوله: (إضافة) بيان أن عامل الجرّ هو المضاف على الصحيح، وفُهِم أيضًا أنها لا تُضاف إلا للمفرد وعمّمه المرادي.
يعني: فجر ما بعدَه مُطلقًا، جره بالإضافة لفظًا إن كان مُعربًا، ومحلًا إن كان مبنيًا، أو جملة على القول بأنّ لدن تُضاف إلى الجملة، فجر ما بعدَه لفظًا أو محلًا سواء كان مبنيًا مُفردًا أو جملة فالحكم عامٌّ.
فالأول: الذي هو اللفظي نحو: «مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ» [هود:١] حكيمٌ هذا جُرَّ في اللفظ، والثاني نحو: «وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا» [الكهف:٦٥]، والثالث نحو قوله:
وتذكرُ نُعْماهُ لَدُنْ أنتَ يافعُ
ومنه: (لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ ) أُضيف إلى الجملة الاسمية بقوله: لَدُنْ أنتَ يافعُ، وإلى الجملة الفعلية نحو: شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ، فنقول: هذا جائزٌ وبعضهم منعَهُ أن تُضاف إلى الجملة.
وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ
إذن (لدُن) مِن الأسماء الملازمة للإضافة لفظًا ومعنى، فقيل: (لدُن) بمعنى (عند)، فتكونُ اسمًا لمكان الحضور وزمانه كما أن (عند) كذلك، فهي مُرادفة لعند، وقيل: هي لأول غايةِ من الزمان والمكان، أول غاية، وهي التي يعبر عنها ابن عقيل: فأما (لدن) فلابتداء غاية زمان أو مكان، إذن في تفسيرها معنيان، والمشهور الأول: أن (لدُن) بمعنى (عند)، إلا أنها تختَصّ بستةِ أمور وتُفارِق (عند) بها، الأول: أنها مُلازمة لمبدأ الغايات زمانية ومكانية، وغير غير ملازمة؛ تدلُّ عليها وعلى غيرها، تُستعمَل ظرفًا وتُستعمَل دالة على الغاية الزمانية والمكانية، وأما لدن ملازمة لا تخرج عنها بخلاف (عند)، إذن هي ملازمة لمبدأ الغايات.
ومن ثمَّ يَتعاقبان في نحو: (جئت من عنده) و(من لدنه)، (جئت من عنده) يعني: ابتداء الغاية المسافة المجيء مِن عند زيد مثلًا، و(جئت من لدنه)، حينئذٍ نقول: من لدنه، نقول: هذه دلّت على أول المسافة مثل (عند)، إذن تعاقبا يعني تواردا في مثال واحد.
[ ٧٤ / ١٥ ]
ومن ثم يتعاقبان في نحو: (جئت مِن عنده ومن لدنه)، وفي التنزيل: «آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا» [الكهف:٦٥] قيل هما بمعنى واحد، وغايرَ بينهما لئلا يتفقَ اللفظان، يعني من باب دفعِ التكرار فحسب، وإلا (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) معنى واحد، وكذلك (مِن عندنا) و(علمناه من عندنا). المعنى واحد إلا أنه لم يؤت بـ (عند) في الموضعين أو لدن في الموضعين تفاديًا للتكرار، بخلاف جلستُ عنده فلا يجوزُ جلست لدنه، لا يصح أن يقال: (جلست لدنه)، وإنما اتفقا في مبدأ الغاية، قد يُستعمل (عند) لمبدأ الغاية، و(لدن) هي مُلازمة لمبدأ الغاية، هي بمعنى (عند) في هذا الموضع، ولذلك تعاقبا في بعض الأمثلة دون بعض، (جلست عنده) لا يصح أن يقال: (جلست لدنه)، لعدم معنى الابتداء هنا، هذا الأول.
الثاني: أن الغالب في (لدن) استعمالها بمن مجرورة ونصبها قليل، ولذلك لم تأت في التنزيل منصوبة، بخلاف (عند).
الثالث: أنها مبنية على السكون إلا في لغة قيس؛ فإنها مُعربة عندهم تشبيهًا بعند، وبلغتهم قُرِئ «مِنْ لَدِنْهِ» [النساء:٤٠] يعني بإسكان الدال وكسر النون، بكسر النون يعني قراءة أبي بكر عن عاصم.
الرابع: أنه يجوزُ إضافتها إلى الجمل، وهذا محلّ نزاع، وذكرنا (لَدُنْ أنتَ يافعُ)، (لَدُنْ شَبَّ) .. حينئذٍ أضيفت، نقل إضافتها إلى الجملة الاسمية والجملة الفعلية.
أنه يجوز إضافتها إلى الجمل كقوله: (لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ)، وهي حينئذٍ مُتمحِّضة للزمن، يعني إذا أُضيفت إلى الجملة تمحَّضت للزمن، وإن كانت في الأصل تأتي للمكان.
خامسًا: جوازُ إفرادها قبل غدوة؛ يعني قطعها عن الإضافة لفظًا ومعنى، وسبقَ أن ذكرنا أن (لدن) مما يلزم الإضافة لفظًا ومعنى، يُستثنى (غدوة) فقط، هذه إذا نُصبت بعدَها انفصلت من لدن غدوة.
السادس: أنها لا تقعُ إلا فضلة، يعني: لا تقعُ عمدة، بخلاف (عند) تقول: (السفر من عند زيد)، (من عند) هذا وقعَ عُمدة وإن تعلّقَ بمحذوف، لكن لا يصلحُ أن يُقال: (السفر من لدن زيد)؛ لأنها لا تقعُ إلا فضلةً؛ لا تكون في محلّ عمدة.
إذن لا تقع إلا فضلة بخلاف (عند)؛ فإنها قد تكون عُمدة (السفر من عند زيد)، فحينئذٍ تجعلُ (عند) خبرًا عن السفر والخبرُ عمدة، ولا تقل: (من لدن)؛ لأن ذلك يُخرِجه عمّا استقرّ لها من مُلازمة الفضلة.
إذن: (السفر من عند زيد)، أو (من عند البصرة) مثلًا، ولا تقول: (من لدن البصرة)، أما (لدى) فهي مُوافقة لعند، أما (لدى) فهي مثل (عند) مطلقًا، بخلاف (لدن)، فرق بين (لدن) و(لدى).
أما (لدى) فهي مثل عندَ مُطلقًا إلا أنّ جرَّها ممتنعٌ بخلاف جرّ (عند)، (عند) تدخل عليها (من) فتجرُّها، وأما (لدى) فلا، لا يدخل عليها (من)، وأيضًا (عند) أمكن منها من وجهين، أمكن مِن (لدى) من وجهين:
أولًا: أنها تكونُ ظرفًا للأعيان والمعاني، تقول: (هذا القول عندي صواب)، -هذا لمن صلحَ أن يقول عندي-، و(عندَ فلان علمٌ به)، ويمتنعُ ذلك في (لدى)، فلا تقل: لدي، (هذا القول لدي صحيح)، وإنما تقول: عندي، إذن افترقت (عند) عن (لدى).
[ ٧٤ / ١٦ ]
الثاني: أنّك تقول: (عندي مال)، وإن كان غائبًا عنك، يعني لا يُشترَط فيه الحضورُ بخلاف (لدى)، تقول: (لدي مال)، لا بدّ أن يكونَ حاضرًا في جيبك أو نحو ذلك؛ قريبًا منك، وأما إذا كان غائبًا عنك فلا يصحّ أن تقول: (لدي مال)، وإنما تقول: (عندي مال)، (عندي سيارة) .. لا تقول: (لدي سيارة) إلا إذا كانت بجوارك.
أنك تقول: (عندي مال) وإن كان غائبًا، ولا تقل: (لدي مال) إلا إذا كان حاضرًا، هذا فرق بين (لدى) و(عند).
وَأَلْزمُوا: أي العرب.
لَدُنْ إِضَافَةً: مفعول أول ومفعول ثاني.
فَجَرّْ: يعني فجَر ما أُضيف إليه، فجر ما أُضيف إليه بالمضاف كما نصَّ عليه، لفظًا إن كان معربًا، «مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ» [هود:١] (لدن) مضاف، وحكيم مضاف إليه، وجُرّ بالكسرة الظاهرة، أو محلًا إن كان مبنيًا نحو: «وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا» [الكهف:٦٥] لدنا: هنا (نا).
أو جملة نحو قوله: (لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ) الجملة في محلّ جرِّ مُضاف إليه، والعامل فيه (لدن).
وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ: هذه مما ذكرناه بإن بعضهم قال: بأنه لم يُضف إلى الجملة إلا (حيث)، وزاد بعضهم (لدن).
وابنُ هشام في المغني نصَّ على أنه لا يجوزُ إضافة ظرفِ مكانٍ إلى الجملة إلا (حيث) فقط، وأما (لدن) فلا، ولذلك ابنُ برهان ذهبَ إلى هذا، وقال ابنُ برهان: (حيث) فقط أما (لدن) فلا.
ثم قال: وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا: الذي هو (لدن).
عَنْهُمْ: العرب، وألزموا ثم قال: عنهم.
نَدَرْ: نصبُ: مبتدأ، وغدوة: مضاف إليه، بها عنهم: مُتعلّق بـ (ندر)، وندر: الجملة خبر.
إذن الأصلُ في المضاف إليه أن يكونَ مجرورًا، والأصل فيما لزِمَ الإضافة أن يجرَّ ما بعدَه، ولذلك قال: وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ ما بعدَه، فإذا نصبَه هذا شذوذ وخروجٌ عن الأصل.
قال الشارح: مِن الأسماء الملازمة للإضافة (لدن)، وهي لابتداء الغايةِ زمانًا كان أو مكانًا.
وهي مبنيّة عندَ أكثر العرب، والعلةُ شبهها بالحرفِ في لزوم استعمال واحد وهو الظرفية، يعني لزِمَت الظرفية، حينئذٍ لا تخرجُ عنها، هذا وظيفةُ الحرفِ أن لا يتصرفَ في المعنى، هذا الأصلُ في الحرف لا في الأسماء، وهو الظرفية، وعدمُ التصرف وتوغُّله في مُلازَمة معنى الابتداء .. لهذه الأمور نقول: بني لدن، إذن هذا هو علة البناء.
عندَ أكثرِ العرب؛ لشبهها بالحرف في لزوم استعمالٍ واحد وهو الظرفية، وابتداء الغاية وعدم جواز الإخبارِ بها بخلاف (عند)، ولا تخرجُ عن الظرفية إلا بجرِّها بـ (مِن)، وهو الكثير فيها، ولذلك لم ترِد في القرآن إلا بـ (من) كقوله تعالى: «وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا» [الكهف:٦٥]، «لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ» [الكهف:٢] وقيسٌ تعربها.
ومنه قراءةُ أبي بكر عن عاصم (لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهِ) لكنه أسكنَ الدال وأشمّها الضم، يعني بالإشمام.
قال المصنف: ويحتمل أن يكونَ منه قوله:
تَنتهضُ الرَّعدةُ في ظَهِيرِي مِنْ لَدُن الظُّهرِ إِلى العَصيرِ
يحتمل منه أن يكونَ مُعربًا على لغةِ قيس.
ويجر ما وَليَ (لدن) بالإضافةِ إلا (غدوة) فإنهم نصبوها بعد (لدن).
[ ٧٤ / ١٧ ]
قال سيبويه: ولا ينتصب بعد (لدن) مِن الأسماء غير (غدوة) فقط، حينئذٍ لا يكون قياس، إنما يُحفظ ولا يُقاس عليه.
ومَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الكَلْبِ مِنْهُم لَدُنْ غُدْوَةً حتَّى دَنَتْ لِغُروبِ
لدن: الأصل أن يكون ما بعدَها مضاف إليه، هذا الأصل أن يكون مجرورًا، قلنا (غدوة) بالنصب، فحينئذٍ اختلفَ النحاةُ على ثلاثةِ أقوال في نصب (غدوة)، على أي وجه؟ هل هو تمييز أو حال أو مفعول به أو أو إلى آخره.
وقيل: منصوبةٌ على التمييز، وهو اختيارُ المصنف، ولهذا قالَ وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ، لكن هذا ليسَ فيه دلالة على أنه أرادَ به التمييز.
وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ، هل فيه إشارة إلى أنه تمييز؟
على كلٍّ ليس بظاهر، ليسَ بظاهر أن الناظم اختارَ هذا القول .. يُتأمّل.
وقيل: هي خبرٌ لكان الناقصة المحذوفة، مع اسمِها، والتقدير: لدن كانتِ الساعةُ غدوةُ، إذن: لَدُنْ غُدْوَةً، هذا خبرُ كان الناقصةِ المحذوفةِ مع اسمها، لدن كانتِ الساعةُ غدوةً.
وقيل -القول الثالث- على التشبيه بالمفعول، غدوة تشبيهٌ بالمفعول؛ لشبه (لدن) باسمِ الفاعل المنون، في ثبوتِ نونها تارة وحذفها أخرى، ولكن يضعِّفُه سماعُ النصبِ بها محذوفة النون (لدُ غدوةً)، يعني فيه روايتان: لدن غدوة، لد غدوة.
ويجوزُ في (غدوة) الجرُّ بالإضافة على الأصل وهو القياس، يعني في غير البيت، ونصبُها نادرٌ في القياس، فلو عَطفت على (غدوة) المنصوبة بعد (لدن) جازَ النصبُ عطفًا على اللفظ والجرُّ مراعاةً للأصل: (لدن غدوة وعشيةً وعشيةٍ) جاز الوجهان، مراعاةً للأصل جررتَ، ومراعاةً للفظ نصبتَ.
لكن الظاهر هذا فيه نظر؛ لأنه ليسَ لها محلان غدوة هنا، هنا نصبت على أنها تمييز أو خبر كان، أو مفعول به، إذن خرجَت عن المحلية، فانفصلَت فقُطعت (لدن)، إذا عُطِف عليها الأصل أنه لا يجوزُ الجرّ، ليسَ عندنا محلّ لم يبقَ المحل أصلي؛ لأننا حكَمنا عليها بأنها قُطعت، على كلٍّ هنا ذهبَ إلى أنه يجوزُ فيه وجهان: عشيةً وعشيةٍ .. عشيةً على اللفظ، وعشيةٍ على المحل، على الأصل، وأين هو الأصل؟ الأصلُ مقطوعٌ عنه، فُصلت (لدن) عن الإضافة.
ذكرَ ذلك الأخفشُ وحكى الكوفيون الرفعَ في (غدوة) بعد (لدن)، يعني جوَّزوا (من لدن غدوةٌ)، واختلفوا في الإعراب، قيل: مرفوعٌ بكان التامة المحذوفة والتقدير: (لدن كانت غدوة)، يعني وُجِدت غدوةٌ، فهي فاعلٌ لكان المحذوفة.
وقيل: خبرٌ لمبتدأ محذوف، والتقدير: (لدن وقت هو غدوةٌ)، وقيل: على التشبيه بالفاعل.
نقف على هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٧٤ / ١٨ ]