عناصر الدرس
* حد النعت. وذكر أقسامه وحكم كل
* وقوع النعت جملة وشروط الجملة
* وقوع النعت مصدرًا وشروط المصدر
* صور تعدد النعت والمنعوت
* القطع وأحكامه
* شرط حذف النعت أو المنعوت.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا زال الحديث في الباب الأول من أبواب التوابع وهو: النعت، حيث قسم التوابع إلى أربعة أنواع في الجملة وعند التفصيل إلى خمسة.
يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الاَسْمَاءَ الأُوَلْ نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ
العطف هذا يشمل نوعين: عطف البيان وعطف النسق، ثم عرَّف النعت بأنه:
فَالنَّعْتُ تَابِعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ بِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ
النَّعْتُ تَابِعٌ يعني: مشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبر، وهذا حدُّ التابع كما سبق بيانه، (مُتِمٌّ مَا سَبَقْ) أي مُتِمٌّ متبوعه بوصفه، أو وصف ما اعتلق به، وهذا ما يشار إليه بأن الوصف جارٍ على ما هو له، أو جارٍ على غير ما هو له بشرط أن يكون قد رفع اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا بارز.
حينئذٍ ينقسم النعت إلى نوعين: نعت حقيقي ونعت سببي، والمراد بالنعت الحقيقي: هو ما رفع ضميرًا مستترًا، والنعت السببي: ما رفع اسمًا ظاهرًا.
فحينئذٍ إذا لم يرفع اسمًا ظاهرًا حكمنا عليه بأنه نعت حقيقي سواء أضيف إلى ما بعده أو نصب ما بعده، ولذلك نقول: زيدٌ حسنُ الوجهِ، نقول: هذا نعت حقيقي وليس نعتًا سببيًا، وكذلك تقول: زيدٌ حسنٌ وجهًا، وجهًا هذا منصوب على التمييز أو أنه مشبَّه بالمفعول به، قلنا المنصوب بعد حسن وفعل نقول: إما أن يكون معرفة وإما أن يكون نكرة، إذا كان معرفة تعين أن يكون مشبهًا بالمفعول به، وإذا كان نكرة جاز فيه وجهان، الأرجح أن يكون تمييزًا.
إذًا: إذا قيل زيد حسنٌ وجهًا نقول: هذا نعت حقيقي؛ لأنه رفع ضميرًا مستترًا، والمنصوب الذي يليه، نقول: شرط السببي أن يكون رافعًا .. لا بد أن يكون رافعًا لاسم ظاهر، فإذا لم يرفع اسمًا ظاهرًا حينئذٍ حكمنا عليه بكونه نعتًا حقيقيًا، ولو نصب أو خفض ما بعده، أشار إليه .. أدخله بقوله: (أَوْ وَسْمِ مَا اعْتَلَقْ بِهِ) حينئذٍ يكون راجعًا إلى ما بعده، يعني وسم ما اعتلق به بأن يكون الوصف جاريًا على غير ما هو له، فإذا قيل: جاء زيدٌ الفاضلُ، الفاضلُ نقول هنا: رفع ضميرًا مستترًا، وهذا الوصف جار على ما هو له، يعني على الذي هو له، ما هو الذي هو له؟ جئنا به في هذا المثال لأي شيء؟ لنصف زيد، بماذا؟ بمضمون النعت وهو كونه دالًا على ذات متصفة بصفة هي الفضلُ، حينئذٍ تقول: جاء زيدٌ الفاضلُ، نقول: الفاضل هذا نعت لزيد وهذا الوصف الموصوف به زيدٌ، وهذا واضح بين لا إشكال فيه.
[ ٨٩ / ١ ]
وأما السببي فلا، فهو جار على غير ما هو له، جاء زيدٌ الفاضلُ أبوهُ، إذًا رفع اسمًا ظاهرًا، نقول: جاء فعل ماضي وزيدٌ فاعل، والفاضلُ نعتُ زيد .. صفة له، أبوهُ هذا فاعل بالفاضل، فإذا جئنا نحقق: الفاضل نعت لزيد إذًا هو صفة وذاك موصوف، هل هذا الوصف -وهو الوصف بالفضلِ- هل جرى لما هو له؟ في الإعراب نقول هو صفة لزيد، وزيد موصوف، إذًا هذا في الإعراب، صفة وموصوف، نعت ومنعوت .. هل جرى، يعني من حيث المعنى هل أثبت معناه لموصوفه أم لغيره؟ لغيره، هذا نسميه جاريًا على غير ما هو له، وإن كان في الإعراب نقول: هو صفة، لكن في الحقيقة ليس صفة لزيد، وإنما هو صفة لأبي زيد، جاء زيدٌ الفاضلُ أبوهُ، إذًا قسم لنا بهذا الحدَّ فأدخل في الحد قسمي النعت: الحقيقي والسببي.
ابن هشام عرف النعت في القطر بأنه: التابع المشتق أو المؤول به المباين للفظ متبوعه، وهذا التعريف جيد وأوضح من تعريف الناظم إلا أنه خاص بالنعت الحقيقي، فلا يشمل النعت السببي، ويمكن إدراجه لكن على تأويل، التابع عرفنا معنى التابع، المشتق أو المؤول به، فحينئذٍ خرجت جميع التوابع؛ لأنه لا يشترط فيها أن تكون مشتقة، وسيأتي أن النعت يشترط عند الجمهور أن يكون مشتقًا أو مؤولًا بالمشتق .. وَانْعَتْ بَمشْتَقٍّ ثم قال: وَشِبْهِهِ، يعني شبه المشتق، يعني مؤولًا بالمشتق، حينئذٍ خرجت جميع التوابع لأنها ليست مشتقة، ولو وُجد فيها نوع اشتقاق إما أنه مؤول وإما أنه يجاب بأنه لا يشترط فيها كما إذا قلت: رأيت شاعرًا وكاتبًا، شاعرًا هذا مشتق، وكاتبًا هذا مشتق .. رأيتُ شاعرًا وكاتبًا.
أوله ابن هشام على أنه: رأيت رجلًا شاعرًا ورجلًا كاتبًا، فهو في الحقيقة نعت لمنعوت، لكنه محذوف وهذا صار مهجورًا لا يلتفت إليه، وإلا الأصل كل مشتق إن كان نعتًا أو خبرًا إلى آخره، فهو إما أن يكون نعت للفظ شخص أو رجل أو نحو ذلك، فإذا قلت: أبوك كريمٌ وعالمٌ، كريم هذا واضح أنه خبر، وعالمٌ هل يمكن تأويله أو لا؟ من حيث المعنى نعم، عالمٌ يعني رجلٌ أو شخصٌ عالمٌ، لكن لا يتأتى فيه التأويل الذي ذكره ابن هشام في شرح القطر.
وأما: جاء أبو بكرٍ أو قال أبو بكرٍ الصديق، هذا بدل أو عطف بيان، قال عمر الفاروق .. هذا مشتق .. نقول: هذا سلب الاشتقاق لأنه قبل العلمية أو قبل جعله لقبًا حينئذٍ نقول: هو مشتق، ولكن لما اشتهر لقبًا على الصديق أبي بكر الصديق، وكذلك عمر الفاروق حينئذٍ عومل معاملة الأعلام الجامدة.
[ ٨٩ / ٢ ]
بقي إذا أكد بالتوكيد اللفظي المشتق، جاء زيدٌ الفاضلُ الفاضلُ، الفاضلُ الأول نعت والثاني يصدق عليه أنه نعت، لكن يشترط في النعت والمنعوت أن يكون بين اللفظين تباين، يعني اختلاف، زيد الفاضل بينهما تخالف، وأما إذا جاء الفاضلُ الفاضلُ، العالم العالم، الأمين الأمين .. نقول: الثاني هذا توكيد؛ لأنه تكرار للسابق، كما إذا قلت: جاء زيد زيد، زيد الثاني هذا توكيد، ليس فاعلًا، والأول هو الفاعل، كذلك إذا قلت: قام قام زيد، الثاني ليس فعلًا مسندًا إلى ما بعده، وإنما هو فعل لا فاعل له، حينئذٍ المباين للفظ متبوعه أخرج به التوكيد اللفظي إذا وقع مشتقًا، لكن يرد عليه كما ذكرنا أنه لا يشمل النوع الثاني، (فَالنَّعْتُ تَابِعٌ مُتِمٌّ) أي: مكملٌ (مَا سَبَقْ) يعني: الذي سبقه، الذي هو المنعوت، (بِوَسْمِهِ) يعني: بوصفه (أَوْ وصف مَا اعْتَلَقْ بِهِ).
ثم قال ﵀:
وَلْيُعْطَ في التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَا لِمَا تَلاَ كَـ امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا
كلٌّ من نوعي النعت الحقيقي ..، عرفنا الفرق بين الحقيقي والسببي، الحقيقي: ما يرفع ضميرًا مستترًا، والسببي: ما يرفع اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا بارزًا، بقطع النظر عن عملٍ آخر، فلو نصب ولم يرفع اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا بارزًا كالصفة المشبهة؛ لأنها لا ترفع اسما ظاهرا، حينئذٍ نقول: هذا يعتبر من الحقيقي لا من السببي، إذًا ما جرى لغير ما هو له فيه تفصيل، إن رفع اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا بارزًا فهو سببيًا، وإلا فهو حقيقي.
زيدٌ حسنٌ وجهًا، حقيقي، ووجهًا هذا معمول ليس مرفوعًا والكلام في المرفوع، كل من نوعي النعت الحقيقي والسببي يشتركان في أنهما يتبعان المنعوت في اثنين من خمسة، وهي: واحد من الرفع والنصب والخفض، وهذا مستفاد من قوله: تَابِعٌ؛ لأنه قال في السابق: (يَتْبَعُ في الإِعْرَابِ الأَسْمَاءَ الأُوَلْ) ثم قال: (فَالنَّعْتُ تَابِعٌ).
كونه تابعًا عرفنا أنه الاسم المشارك لما قبله في إعرابه، إذًا النعت لا يكون إلا محكومًا عليه بما حكم لمتبوعه رفعًا ونصبًا وخفضًا، هل هذا يحتاج إلى تنصيص مرة أخرى أم أنه داخل في حدِّ النعت؟ أما قلنا النعت أحد التوابع؟ ما معنى التابع؟ الاسم المشارك لما قبله مطلقًا، أو في إعرابه الحاصل المتجدد غير خبر، إذًا صدق عليه أنه لا بد أن يكون مشاركًا لما قبله، رفعًا، نصبًا، خفضًا، فإن خالفه فليس بمشارك.
وهذا مستفاد من قوله: تَابِعٌ، في حد النعت، أو في الأبواب التبويب، وواحد من التعريف والتنكير.
الاسم له أحوال عشرة؛ لأن الإعراب إما أن يكون رفعًا أو نصبًا أو خفضًا، فهو واحد من هذه الثلاث، وإما أن يكون مفردًا أو مثنىً أو جمعًا، وهذه ثلاث ست، وإما أن يكون نكرة أو معرفة، هذه ثمان، وإما أن يكون مذكرًا أو مؤنثًا، هذه عشر.
فباعتبار الإعراب ثلاث، وباعتبار الإفراد وضديه وهو التثنية والجمع ثلاث، وباعتبار التعريف والتنكير اثنان، وباعتبار التذكير والتأنيث اثنان هذه عشرة.
[ ٨٩ / ٣ ]
لكل اسم أربعة منها، لا يمكن أن يجتمع الثلاثة رفعًا ونصبًا وخفضًا في اسم واحد من جهة واحدة، قد يكون من جهتين نعم، وأما من جهة واحدة فلا، كأن يكون الإعراب تقديري رفعًا، نصبًا، أو أن يكون لفظي رفعًا نصبًا لا، ما يجتمعان، إنما يجتمع أن يكون الظاهر مرفوع، وفي المحل منصوب، هذا لا إشكال فيه، «لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ» [البقرة:٢٥١] هذا من حيث اللفظ مخفوض ومن حيث المعنى إعرابه محلي فهو مرفوع، إذًا اجتمعا لكن من جهتين لا من جهة واحدة، وأما من جهة واحدة كأن يكون الإعراب تقديري رفعًا، نصبًا، خفضًا .. أو ظاهر أو محلي فلا يجتمعان، كذلك التثنية والجمع والإفراد: زيدٌ، زيدان، زيدون، لا يجتمع في كلمة واحدة اسم يكون مفردًا مثنى مجموعًا إلا من جهة أخرى، من جهتين فريق مثلًا قلنا من جهة اللفظ مفرد، ومن جهة المعنى جمع، ومر معنا كذلك كلا وكلتا من جهة اللفظ مفرد، ومن جهة المعنى مثنى .. إذًا لا إشكال فيه باختلاف الاعتبار، وأما من جهة واحدة فلا، كذلك معرفة نكرة لا، لا يكون كذلك إلا من جهتين كمدخول أل الجنسية، مدخول أل الجنسية في اللفظ معرفة، وفي المعنى نكرة خلافًا لأبي حيان، ولذلك سيأتي معنا: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّني، اللَّئِيمِ يَسُبُّني الجملة هذه نعت للئيم، ومعلوم أن الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال، ومع ذلك اللَّئِيمِ مدخول أل أعربنا الجملة يَسُبُّني على أنه صفة، لماذا؟ مراعاة للمعنى، ترجيحًا للمعنى على اللفظ فهو نكرة، حينئذٍ من جهة اللفظ معرفة لا إشكال فيه، لكن من جهة المعنى فهو نكرة، إذًا باختلاف التعريف والتنكير في اسم واحد من جهة واحدة لا يجتمعان، باقي التذكير والتأنيث، فكذلك لا يجتمعان إلا باختلاف وهذا سبق مثاله مرارًا.
إذًا: هذه عشرة أحوال، النعت الحقيقي له منها أربعة من ستة، لكن النحاة يفصلون، إذا ذكروا الرفع والنصب والخفض الذي هو حالة الإعراب يجمعون معه التنكير والتعريف، ثم بقية الأحوال تقرن بالنعت السببي، ولذلك ابن هشام يغلط في شرح القطر المعربين بأنهم يقولون: للنعت الحقيقي أربعة من عشرة، يقول: الصواب اثنان من خمسة، نقول: نعم اثنان من خمسة، هذا فيما اتفق فيه النعتان الحقيقي والسببي، وأما النعت السببي فله اثنان من خمسة باعتبار الإعراب والتعريف والتنكير، وأما باعتبار الإفراد فيلزم حالة واحدة وباعتبار التذكير والتأنيث فالنظر يكون إلى الاسم المرفوع، على كلٍّ قوله: (وَلْيُعْطَ فِي التَّعْرِيفِ) نقول: هذا المراد به النوعين النعت الحقيقي والسببي، فحينئذٍ لهما اثنان من خمسة، ما هي هذه الخمسة؟ الرفع، أو النصب، أو الخفض، أو التعريف، أو التنكير .. هذه خمسة أحوال للاسم، للنعت مطلقًا سواء كان حقيقيًا أو سببيًا له اثنان من خمسة؛ لأنه إما أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مخفوضًا واحد من هذه الثلاث ولا يجتمع اثنان، ثم واحد من التعريف والتنكير، إذًا اثنان من خمسة، وهذا أمر متفق عليه.
قال: (وَلْيُعْطَ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَا لِمَا تَلاَ)
[ ٨٩ / ٤ ]
(وَلْيُعْطَ) اللام هذه لام الأمر، ويُعْطَ فعل مضارع مغير الصيغة، وأصله يتعدى إلى اثنين، فلما غير وبني للمجهول حينئذٍ ارتفع المفعول الأول على أنه نائب فاعل، و(ما) الموصولة الأولى ليست المجرورة باللام .. (ما) الموصولة الأولى في محل نصب مفعول ثاني، يُعْطَ مَا أي: الذي لِمَا تَلاَ.
(وَلْيُعْطَ في التَّعْرِيفِ) جار ومجرور متعلق بقوله: يُعْطَ.
(وَالتَّنْكِيرِ) معطوف على التعريف، إذًا يعطى في هذين الحالين باعتبار التعريف والتنكير (مَا لِمَا تَلاَ) للذي تلاه، الذي هو المنعوت.
إذًا: إذا كان المنعوت معرفة فليعط النعت التعريف، وإذا كان المنعوت نكرة فليعط النعت التنكير ولا يختلفان، فحينئذٍ لا ينعت النكرة بالمعرفة، ولا ينعت المعرفة بالنكرة، لا يختلفان، لا بد من اتحادهما تعريفًا وتنكيرًا، وهذا قول جماهير النحاة، خلافًا للأخفش كما سيأتي.
حينئذٍ نقول: إذا كان المنعوت نكرة فالنعت نكرة، وإذا كان المنعوت معرفة فالنعت معرفة، لا بد من التطابق تعريفًا وتنكيرًا.
(كَـ امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا) امْرُرْ هذا فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت (بِقومٍ) جار ومجرور متعلق بقوله: امْرُرْ، (كُرَمَا) بالقصر للضرورة كرماء بالهمز الأصل قصره للضرورة.
كُرَمَا نقول: جمع كريم ووقع هنا نعتًا لقومٍ، قومٍ نكرة، وكرماء نكرة، طابقه، لا يصح أن يقال بقومٍ الكرماء؛ لأن الكرماء هذا معرفة، وقومٍ هذا منعوت وهو نكرة، وإذا نعتنا النكرة بالمعرفة وقعنا في مخالفة ما اتفق عليه العرب في الجملة، وإذا أردنا التعريف فنقول: (كَـ امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا) امرر بالقوم الكرماء، فالكرماء صار نعتًا وهو معرفة لكون المنعوت معرفة، إذًا: النعت مطلقًا الحقيقي والسببي يجب أن يطابق منعوته تعريفًا وتنكيرًا، حينئذٍ مع الرفع أو النصب أو الخفض هذه اثنان من خمسة، فطابق النعت منعوته في اثنين من خمسة، وهذا محل وفاق بين النحاة.
(وَلْيُعْطَ) يعني: النعت مطلقًا، في بعض النسخ: فَلْيُعْطَ بالفاء، لكن المشهور بالواو، وهي أحسن.
(وَلْيُعْطَ) أي: النعت مطلقًا سواء كان حقيقيًا أو سببيًا.
(فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَا) أي: الذي.
(لِمَا تَلاَ) مَا لِمَا: جار ومجرور، تلا ما يعني: تبع ما، لا أقصد تلا أفسرها، الجار والمجرور وقع بعد (مَا) و(مَا) هذه تقتضي جملة .. أن يكون ما بعدها جملة؛ لأنها موصولة، حينئذٍ الجار والمجرور لا يصلح أن يكون جملة، فلا بد من تقديره بمتعلق يتعلق به الجار والمجرور، فتقول: ما استقر وثبت ولا يصح مستقرٌ وثابتٌ، لما استقر، تلا يعني: تبع المنعوت، فتلا .. تلاه الفاعل يعود على (مَا) وهو ضمير مستتر، والعائد محذوف؛ لأنه مفعول به وهو منتصب فجاز حذفه، تلاه وجملة تلاه لا محل لها من الإعراب، صلة (مَا) الثانية المخفوضة باللام،
[ ٨٩ / ٥ ]
(كَـ امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا) أي: كقولك، لماذا نقدر كقولك؟ لأن الكاف حرف، والجملة جملة لا تكون مدخولًا للحرف، وإنما الذي يكون مدخولًا للحرف هو الاسم، فلو جاء حرف كـ: في قلنا: قصد لفظه، لو جاء كقام، كاستقر، قلنا: قصد لفظه فهو علم، نؤوله، وأما الجملة لا، دائمًا تقول الكاف هذه داخلة على قول محذوف كقولك: (كَـ امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا) ثم إذا أعربت الجملة تقول: في محل نصب مقول القول المحذوف، يعني: كامرر تقول: الكاف هذه حرف جر، مجرورها قول محذوف كقولك، ثم: امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا بعد إعرابها تقول: والجملة في محل نصب مفعول به أو مقول القول المحذوف.
النعت يجب فيه أن يتبع ما قبله في إعرابه وتعريفه وتنكيره نحو: مررتُ بقوم كرماء، ومررتُ بزيدٍ الكريم، وبهندٍ الكريمة تأتي بالتأنيث، فلا تنعت المعرفة بالنكرة، فلا تقول: مررتُ بزيدٍ كريمٍ لعدم التطابق، لا بد أن يكون النعت معرفة كما أن المنعوت معرفة، ولا تنعت النكرة بالمعرفة .. عكس، فلا تقول: مررتُ برجلٍ الكريمِ.
رجلٍ هذا منعوت وهو نكرة، والكريمِ هذا نعته وهو معرفة، نقول: هذا لا يصح.
وأجاز الأخفش نعت النكرة بالمعرفة؛ بشرط أن تكون النكرة مخصصة، يعني خالف ما اشتهر عند النحاة، هذا اشتراط التنكير والتعريف الأصل أنه إذا ذكر القول هذا ألا يذكر الخلاف الآخر لقلة القائلين به، ولذلك ابن عقيل لم يتعرض له، ابن عقيل من سيما الشرح أنه لا يتعرض إلا للخلاف المعتبر، ولا يذكر أقوالا ضعيفة جدًا إلا إذا نبه عليها يقول: وهو ضعيف، وهو أضعفها، وهذا لا يلتفت إليه .. مثل هذه العبارات، ولذلك في هذه الأبواب قلل ذكر الخلاف في هذا الشرح، تلاحظون هذا يذكر المشتهر عند النحاة؛ لأن الأبواب هذه والسابقة التعجب، وأفعل التفضيل .. كثير من المسائل شهيرة جدًا يكاد أن يكون فيها إطباق، وإنما وقع خلاف من المتأخرين أرباب الحواشي ونحوها، فمثل هذه لا يشتغل بهذا السياق، لكن الأخفش له حجمه وهو من المتقدمين، يعني قوله قد يكون له اعتبار.
أجاز الأخفش نعت النكرة إذا خصصت بالمعرفة، يعني ليس مطلق النكرة، سبق أن النكرة تكون تامة وتكون ناقصة، وقد تكون مخصصة وقد تكون محضة، إذًا هذا تجعله تقسيمًا للنكرة معك.
إذا خصصت النكرة جاز نعتها بالمعرفة، يعني يكون النعت معرفة، والمنعوت نكرة لكنها مخصصة، موصوفة مثلًا، جوز الأخفش النعت، واستدل بآية وهي قوله تعالى: «فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ» [المائدة:١٠٧]، قال: آخرَان، هذا منعوت، الأوليان هذا نعته صفته، إذًا آخران تثنية آخر، وهو نكرة .. آخَرَانِ نكرة، والأوليان معرفة .. مدخول أل، إذًا صح أن ينعت بالمعرفة النكرة، لكن قال: هذه النكرة ليست محضة؛ لأنها مخصوصة بالجار والمجرور «مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ» [المائدة:١٠٧] جار ومجرور متعلق محذوف نعت لآخران.
إذًا هي مخصوصة، ومعلوم أن المخصصة أقرب إلى المعرفة، فلما خصصت النكرة صح أن توصف بالمعرفة، هذا رأي الأخفش، فجعل الأوليان وهو معرف بأل نعتًا لقول: آخران، مع أنه نكرة وسوغ ذلك عنده لكونه موصوفًا بالجار والمجرور.
[ ٨٩ / ٦ ]
وأجاز بعضهم وصف المعرفة بالنكرة، وخصه ابن طراوة بشرط تكون النكرة مما لا ينعت بها غير هذه المعرفة؛ كقوله: فِي أَنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعُ، قال: السُّمُّ، هذا منعوت، ونَاقِعُ هذا نعته، السُّمُّ محلى بأل، ونَاقِعُ هذا نعته، فناقع نعت للسم، والصحيح من الأقوال مذهب الجمهور.
وما مثلا به مؤول، يعني الأخفش جوابه سهل، فيجوز أن يكون أوليان بدلًا من آخران، وسيأتي أنه يبدل النكرة من المعرفة والعكس، لا يشترط فيه التطابق تعريفًا وتنكيرًا في البدل، بخلاف النعت، إذًا جاز أن يعرب الأوليان بدلًا من آخران، ودائمًا مثل هذه المخالفات للقواعد العامة، لا يصح أن يستند إلى بيت إلا إذا تعين فيه الإعراب الذي انبنى عليه هذا الاستثناء، أما إذا جاز احتمال آخر، نطبق القاعدة الشهيرة عند الفقهاء: إذا ورد الاحتمال إلى الدليل نقول: يضعف الاستدلال به، ولا نقول: يسقط، يضعف الاستدلال به.
حينئذٍ إذا جاز وجه آخر وهو وجه صحيح معتبر، لا نقول: يتعين، ونخالف القاعدة العامة نقول: لا، نحمله على هذا الوجه ولو جاز غيره نقول: هذا يعتبر شاذًا لا نحمله على الوجه الذي مشى عليه الأخفش.
فيجوز أن يكون بدلًا من آخران، أو خبرًا لمبتدأ محذوف أي: هما الأوليان.
ويجوز أن يكون نَاقِعُ بدلًا من السُّمُّ، أو خبرًا ثانيًا، والجار والمجرور خبرًا أولًا مقدم عليه، فِي أَنْيَابِهَا نقول: هذا خبر مقدم، واستثنى كثير من النحاة الاسم المحلى بأل الجنسية، هذا كما ذكرناه في السابق .. هذا كثير من النحاة استثنوا أل إذا كانت جنسية ودخلت على الاسم قالوا: هو في معنى النكرة، وحينئذٍ إذا وقع بعده النعت أو الجملة حينئذٍ نقول: لا يشترط فيه التطابق، فلو جاء النعت نكرة بعد محلى بأل الجنسية لا نقول: وقع التخالف، لماذا؟ لأنه روعي المعنى هنا، فحصل التطابق بين النعت وهو نكرة ومعنى مدخول أل الجنسية، وهذا أمر بين واضح.
استثنى كثير من النحاة الاسم المحلى بأل الجنسية فإنه لقربه من النكرة يجوز نعته بالنكرة، ومنه قوله تعالى: «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ» [يس:٣٧] نسلخ: هذه الجملة صفة لليل؛ لأنه ليس مرادًا به ليل معين، وإنما مراد به مطلق ليل صار نكرة، أو فرد مبهم فصار نكرة، ومثله البيت المشهور: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّني، أيُّ لَّئِيمِ ما هو معين أيُّ لَّئِيمِ يتسفه علي، يَسُبُّني، يشتمني .. كأني ما سمعت شيئًا.
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّني فَمَضيْتُ، إذًا نقول: يَسُبُّني الجملة هنا نعت .. صفة، كيف والجملة مؤولة بالنكرة كما سيأتي (وَنَعَتُوا بِجُمْلَةٍ مُنَكَّرَا)؟ الجملة لا تقع نعتًا إلا بعد النكرة؛ لأنها لو وقعت بعد معرفة صارت حالًا لا نكرة، فحينئذٍ اللَّئِيمِ يَسُبُّني نقول: يَسُبُّني هذا صفة ونعت وليس بحال؛ لأن اللَّئِيمَ وإن كان معرفة في اللفظ، إلا أن المراد به نكرة فهو في معنى النكرة، حينئذٍ يستويا اللئيمُ واللئيم، وإنما استفدنا الجنس من أل، وهذا فيه عموم في النكرة، والآية واضحة بينة.
[ ٨٩ / ٧ ]
والحاصل: أنه لا يمتنع النعت في النكرات بالأخص، يعني الأقل شيوعًا، إذا قيل: ينعت النكرة بالنكرة، والمعرفة بالمعرفة، إذًا هل النكرات في مرتبة واحدة أم أنها متفاوتة؟ لا شك أنها متفاوتة، النكرة المحضة ليست كالنكرة المخصوصة، والمعارف كما سبق هي ست، وهي درجات، فحينئذٍ هل ينعت الأعلى بالأدنى أو الأدنى بالأعلى؟ هذا محل نزاع بين النحويين، بعضهم يرى أن كل معرفة تنعت بمعرفة بدون استثناء، وكل نكرة تنعت بكل نكرة بدون استثناء، والبصريون لا يجرون على هذا؛ لأنهم ينظرون إلى المعنى.
لا يمتنع النعت في النكرات بالأخص: رجل فصيح، جاء رجلٌ فصيح، جاء فعل ماضي، ورجلٌ فاعل، وفصيح نعت، أيهما أخص وأيهما أعم؟ رجل وفصيح، كل منهما نكرة، رجل منعوت وفصيح نعت، أيهما أعم وأيهما أخص؟
رجل أعم، وفصيح أخص؛ لأن رجل يشمل فصيح وغير فصيح فهو أعم، مع كونه نكرة، وفصيح نكرة كذلك، لكنه يختص بالفصيح دون غيره.
إذًا نُعِت هنا الأعم بالأخص هذا لا إشكال فيه، هذا غلامٌ يافعٌ. مراهق يعني، غلام: غلام هذا يشمل مراهق وغيره، إذا وصفته بيافع حينئذٍ وصفته بالأخص، هل هذا جائز؟ نقول: نعم جائز، جائز أن توصف النكرة بالنكرة وهي أخص منها، والأخص المراد به الأقل شيوعًا، إذًا: لا يمتنع النعت في النكرات بالأخص نحو: رجلٌ فصيح وغلام يافع. وأما في المعارف ففيه تفصيل عند البصريين، فلا يكون النعت أخص عند البصريين -يعني: أعرف-، وهذا مر معنا: مررتُ بزيدٍ صاحبكَ، قلنا المضاف إلى الضمير في رتبة العلم، لماذا؟ لأن الشرط عندهم .. عند البصريين ألا يكون النعت أعرف من المنعوت، لا بد أن يكون مساويًا أو أعم منه، أما أن يكون أعرف لا.
وأما في المعارف فلا يكون النعت أخص عند البصريين -أخص: يعني أعرف- بل مساويًا أو أعم، يعني أقل تعريفًا.
فنحو: مررتُ بالرجلِ أخيكَ، أيهما أعلى درجة؟ أخيكَ أعلى؛ لأنه مضاف إلى الضمير فهو في رتبة العلم، والرجل هذا مرتبة متدنية؛ لأنه محلى بأل، إذًا وصف الرجل بما هو أعرف منه، نقول: هذا ممنوع، حينئذٍ نلجأ إلى أن يكون مررتُ بالرجل أخيكَ، أن يكون أخيك بدلًا لا نعتًا.
وقال الفراء: ينعت الأعم بالأخص، ولم يلتفت إليه كثير من البصريين، وبعضهم أطلق فقال: توصف كل معرفة بكل معرفة كما توصف كل نكرة بكل نكرة.
إذًا: (وَلْيُعْطَ في التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَا لِمَا تَلاَ) لما تلاه.
حكم النعت في التعريف والتنكير أنه يتبع منعوته مطلقًا تعريفًا وتنكيرًا (كَـ امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا).
وَهْوَ لَدَى التَّوْحِيدِ وَالتَّذْكِيرِ أَوْ سِوَاهُمَا كَالْفِعْلِ فَاقْفُ مَا قَفَوْا
(وَهْوَ لَدَى التَّوْحِيدِ) بقي ماذا من العشرة؟ بقي الإفراد، والتثنية، والجمع، والتذكير، والتأنيث، هذه خمسة.
عرفنا الخمسة الأُول السابقة اشترك فيها النعت بنوعيه الحقيقي والسببي، وأما ما يذكر من التوحيد وهو الإفراد والتذكير وسواهما، وسوى الإفراد وهو التثنية والجمع، وسوى التذكير هو التأنيث.
هنا يفصل بين النعتين، فالنعت الحقيقي يكون كسابقه، بمعنى أنه يوافقه إفرادًا وتثنية وجمعًا، ويوافقه كذلك تأنيثًا وتذكيرًا.
[ ٨٩ / ٨ ]
إذًا: يأخذ حكم ما قبله المنعوت في الإفراد، إن كان مفردًا فهو مفرد، وإن كان مثنىً فهو مثنى، وإن كان جمعًا فهو جمع، وكذلك إن كان مذكرًا فهو مذكر، والمؤنث مؤنث .. مثل التنكير والتعريف، حينئذٍ النعت الحقيقي له أربعة من عشرة؛ لأن الأقسام أربعة: إعراب، وتذكير وتأنيث، وإفراد وتثنية وجمع، وتعريف وتنكير.
النعت الحقيقي يأخذ من كل قسم واحد، ويتبع ما قبله فيه، فله أربع من عشرة، وأما النعت السببي فلا؛ لأن حكمه حكم الفعل، وإن كان الضابط يعمم على النعت الحقيقي والسببي، فينظر فيه نظر الفعل، فلو وضع في مقامه فعل، إذا قلت: مررت برجلٍ فاضلٍ أبوهُ، قالوا: فاضلٍ، هذا يلزم الإفراد، وما بعده ينظر إليه باعتبار التأنيث والتذكير.
إذًا يلزم الإفراد لأنه في مقام الفعل، والفعل إذا كان فاعله مثنى، أو جمعًا على اللغة الفصحى يكون مفردًا، قام زيد، قام الزيدان، قام الزيدون .. إذًا لا يلتفت إلى ما بعد النعت الذي هو المشتق؛ لكونه مثنى أو مجموعًا، بل يبقى على حاله وهي الإفراد، ثم التذكير والتأنيث يكون باعتبار الاسم المرفوع بعده، فإن كان مذكرًا حينئذٍ ذكر، وإن كان مؤنثًا أنث، ولا يلتفت إلى المنعوت البتة.
قال ﵀: (وَهْوَ) أي: النعت، (لَدَى التَّوْحِيدِ) أي الإفراد التَّوْحِيدِ وحَّد يوحِّد توحيدًا، قلنا التوحيد المراد به الإفراد، (وَالتَّذْكِيرِ) يعني: باعتبار هذين النوعين (أَوْ سِوَاهُمَا) يعني: سوى التوحيد وهو الإفراد، سواه ما هو؟ التثنية والجمع، وسوى التذكير هو التأنيث، (كَالْفِعْلِ) يعني: ينظر كأن الفعل أقيم مقام النعت، فتنظر ماذا تصنع بالفعل، لو كان في النعت الحقيقي وأقمت الفعل مقامه فقلت مثلًا: جاء رجلٌ فاضلٌ، نقول: فاضلٌ هنا رفع ضميرًا مستترًا، لو كان في مقامه فعل، هل يرفع اسمًا ظاهرًا، هل يؤنث، أم يبقى على تذكيره؟ يبقى على تذكيره، فإذا قلت: جاء الزيدانِ الفاضلانِ، هنا تبع ما قبله في التذكير وفي التثنية، كما تقول: الزيدانِ قاما، تأتي بالتثنية؛ لأن الذي سبق المنعوت مثنى، وإذا قلت: جاء الزيدون الأفضلون تأتي به جمعًا، كما تقول: الزيدون قاموا تأتي بالواو.
وأما النعت السببي فإذا كان ما بعده مرفوعًا على أنه فاعل .. وهو كذلك إن كان مثنى ثني له الوصف، وإن كان مذكرًا ذكر له الوصف، حينئذٍ ينظر فيه نظر الفعل.
قال هنا: (كَالْفِعْلِ) يعني: أحال في ذلك على الفعل، فعلم أن النعت الحقيقي يجب مطابقته للموصوف في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع، وأن السببي لا يجب مطابقته في ذلك؛ لأنه أحالنا فيه على الفعل، والفعل يطابق ما قبله في النعت الحقيقي ويخالفه في السببي.
قال هنا: فإن رفع ضميرًا مستترًا طابق المنعوت مطلقًا: زيدٌ رجلٌ حسنٌ، رجلٌ هذا خير، وحسنٌ هذا نعته، والزيدان رجلانِ حسنانِ .. يحسنان، والزيدونَ رجالٌ حسنونَ .. يحسنونَ، وهندٌ امرأةٌ حسنةٌ .. حسنتْ، والهندانِ امرأتانِ حسنتانِ .. تحسنانِ، والهندات نساءٌ حسناتٌ .. يُحسنَ.
[ ٨٩ / ٩ ]
إذًا لو وضعت مكانه فعلًا حينئذٍ لا يتعلق بما بعده؛ لأنه ليس عندنا شيء يذكر، وإنما هو ضمير مستتر، نعربه ضميرًا مستترًا، ثم ليس له من الأحكام لا باعتبار التذكير ولا التأنيث ولا الإفراد ولا غيره، وإنما يلزم حالة واحدة.
فيطابق في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع كما يطابق الفعل لو جئت مكان النعت بفعل لو قلت: رجلٌ حسُن، ورجلان حسُنا طابق الفعل؛ لأنه رفع ضميرًا بارزًا يعود على ما سبق، ورجال حسنوا، وامرأة حسنت، وامرأتان حسنتا، ونساء حسُنَّ.
إذًا باعتبار ما سبق ينظر إلى النعت الحقيقي مطلقًا في الأحوال العشرة، ولو لم يعلق بالفعل لكان أجود؛ لأنه لم يرفع اسمًا ظاهرًا، فلذلك هو وإن كان في معنى الفعل من حيث دلالته على الحدث، لكن باعتبار ما يلحقه لا، وهذا سبق معنا أن بعضهم يرى: زيدٌ قائمٌ، هل هو ثلاث كلمات أم كلمتان؟ كلمتان، فيه ضمير مستتر، إذا نعت به: زيدٌ قائم .. هذا زيدٌ قائمٌ، حينئذٍ قائم نقول: نعم فيه ضمير مستتر، هو ضابطه في كونه نعتًا حقيقيًا، لكن هذا من حيث النظر في المعنى فحسب، أما ما يترتب عليه من أحكام فلا، لا يترتب عليه أحكام، ولذلك: زيد قامَ (قامَ) رفع ضميرًا مستترًا، وزيدٌ قائمٌ فيه ضمير مستتر، لكن فرق بينهما كما بين السماء والأرض؛ لأنك تقول: الزيدانِ قاما، زيد قام ضمير مستتر، فإذا ثني برز، فتقول: الزيدانِ قاما، فإذا جمعت: الزيدون قاموا برز، صار جمعًا فبرز صار ظاهرًا، إذًا هذا دل على أن "زيدٌ قام" الضمير المستتر هنا معتبر، ولذلك تقول: زيدٌ مبتدأ والخبر هنا ما نوعه؟ جملة ليس فعلًا، وإنما هو جملة باعتبار الفاعل الذي هو الضمير المستتر، لكن قائمٌ ما يعتبر، ولذلك تقول: الزيدان قائمانِ، الألف هذه ما نوعها؟ هل هي فاعل؟ علامة رفع فقط، وعلامة تثنية، أين الفاعل؟ لو كان الضمير المستتر معتبر كاعتبار المستتر في الفعل .. مثله، زيدٌ قائمٌ لو كان الضمير المستتر معتبر هنا لبرز في التثنية كما برز قاما، ولبرز في الجمع فتقول: الزيدونَ قائمونَ، هذه الواو ليست ضمير كما الشأن في الزيدون قاموا، إذًا فرق بينهما.
[ ٨٩ / ١٠ ]
ولذلك الإحالة في النعت الحقيقي إلى الفعل لا أرى لها وجه، وإنما ينظر فيه باعتبار الأصل، فيقال: النعت الحقيقي يطابق ما قبله في أربعة من عشرة فحسب، ولا يوازن بالفعل البتة؛ لأنه ليس مقام الفعل، بخلاف الذي رفع: زيدٌ قائمٌ أبوهُ، هذا لا شك أنه فاعل، بل هو أقوى من الضمير المستتر، وحينئذٍ لما رفع فاعلًا علمنا أنه مساوٍ للفعل، فلو قيل: ينزل منزلة الفعل فتضبط المسائل عليه هذا جيد، بل هذا المشتهر عند النحاة، إذًا كَالْفِعْلِ ساوى الناظم هنا في النظر إلى النعت بنوعيه بأنه يعامل معاملة الفعل، وهذا صحيح لا إشكال فيه، لكن الأولى أن يعلق الحكم بالنظر إلى الفعل في النعت السببي فحسب؛ لأن الضمير المستتر في النعت الحقيقي كأنه غير موجود كأنه معدوم، ولذلك يعترض على من اعترض بأن "زيدٌ قائمٌ" مثالٌ لما أُلِّفَ من اسمين، في أول الكتب .. الحواشي، زيدٌ قائمٌ نقول: أقل ما يتألف منه الكلام اسمان كزيدٌ قائمٌ، يأتيك بعض أرباب الحواشي يقول: لا. ليس اسمين هذا، هذا من ثلاثة الذي هو زيد، وقائم، والضمير المستتر، يرد عليه بما ذكرناه: أن الضمير هنا المستتر ينظر إليه باعتبار المعنى فحسب، وأما باعتبار الإعراب والعد في الكلمات فلا، لا يلتفت إليه.
وإن رفع أي: النعت اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا بارزًا، يعني: رفع فاعلًا هذا المقصود، فاعلًا ظاهرًا سواء كان اسمًا ظاهرًا، أو ضميرًا بارزًا أعطي حكم الفعل، وهذا صحيح؛ لأنه ساوى الفعل في دلالته على الحدث وفي كونه رفع فاعلًا، أعطي حكم الفعل ولم يعتبر حال الموصوف، يعني: إذا رفع الاسم ظاهر انقطعت علاقتنا بالمنعوت في هذه الخمسة الأشياء، لا نلتفت إلى المنعوت، وإنما ننظر إلى ما بعده في التذكير والتأنيث فحسب، وأما في الإفراد والتثنية والجمع فنلزمه على اللغة الفصحى الإفراد فقط، وإن ثني وإن جمع الفاعل الذي رفعه.
أعطي حكم الفعل ولم يعتبر حال الموصوف فتقول: مررت برجلٍ قائمةٍ أمه، رجلٍ موصوف، وقائمةٍ صفة، كيف هذا؟! ما طابقه في التأنيث؛ لأن المرفوع بعده مؤنث، حينئذٍ في التأنيث لما رفع اسمًا ظاهرًا راعينا الاسم المرفوع، فتقول: مررتُ برجلٍ قائمةٍ -تؤنث- أمه، لماذا أنثت؟ لأن الفاعل مؤنث، وهو فاعل حقيقي، لو وضع فعل في هذا المحل وكان فاعله أمه ماذا يكون وضعه؟ يكون واجب التأنيث قامت أمهُ، ولذلك تقول كذلك: بامرأةٍ قائمٍ أبوها، مررت بامرأةٍ، امرأةٍ هذا مؤنث وهو منعوت، قائمٍ بالتذكير أبوها، لماذا؟ لأنك لو جئت بفعل في هذا المقام قلت: قامَ أبوها، ولا تقل: قامت أبوها، كما لا تقل: قام أمه، وإنما تقول: قامت أمه وقام أبوها، إذًا ينظر باعتبار التذكير والتأنيث إلى الاسم الذي يلي النعت، فإن كان مؤنثًا حينئذٍ راعينا فيه الأحكام التي تتعلق بالتأنيث، وكذلك التذكير.
إذًا: مررتُ برجلٍ قائمةٍ أمه، وبامرأة قائمٍ أبوها، كما تقول: قامت أمه وقام أبوها، فإذا جئت تعرب تقول: مررتُ برجلٍ، رجلٍ هذا جار ومجرور متعلق بمر .. مررتُ برجل قائمة نعت .. صفة، ولم يطابقه في التأنيث والتذكير؛ لأنه سببي والسببي يكون تذكيره وتأنيثه باعتبار ما بعده، فإن كان مؤنثًا أنث له، وإن كان مذكرًا حينئذٍ ذكر.
[ ٨٩ / ١١ ]
إذًا: برجلٍ قائمةٍ أمه نقول: ألزم الإفراد والتأنيث إنما أنث باعتبار ما بعده لا باعتبار ما قبله، وتقول: مررتُ برجلين قائمٍ أبواهما، برجلينِ هذا جار ومجرور متعلق بقوله: مر، وهو مثنى منعوت، برجلينِ قائمٍ نعت، طابقه هنا في الإفراد والتثنية؟ لا. لم يطابقه، لماذا؟ لكونه سببيًا، وإذا كان سببيًا يلزم حالة واحدة وهي الإفراد؛ لأن الفعل إذا كان فاعله مثنى لزم الإفراد في اللغة الفصحى، فتقول: مررتُ برجلينِ قائمٍ –بالإفراد- أبواهما، كما تقول: قام أبواهما، ومن قال: قاما أبواهما على لغة أكلوني البراغيث، حينئذٍ يقول: مررت برجلين قائمينِ أبواهما، كما يقول هو في لغته: قاما أبواهما، فيصح مراعاة الفعل باعتبار التثنية هنا لا باعتبار المنعوت، فإذا قيل: مررتُ برجلينِ قائمينِ أبواهما، قائمينِ على لغة أكلوني البراغيث، لا تقل هنا: طابق النعت المنعوت! لا. وإنما تقول: نظر إلى الفعل وفي لغتهم يجوز إلحاق علامة تثنية إذا كان الفاعل مثنى، فجُوِّز لا باعتبار ما قبله، وتقول: مررتُ برجالٍ قائمٍ آباؤهم، مررت برجالٍ هذا منعوت وهو جمع، قائمٍ نعت واحد مفرد، آباؤهم.
إذًا أفرد مع كون المنعوت جمعًا، باعتبار كونه في مقام الفعل، والفعل إذا كان فاعله جمعًا حينئذٍ على اللغة الفصحى يفرد، وعلى لغة أكلوني البراغيث مررتُ برجالٍ قائمينَ آباؤهم، يجوز على لغة أكلوني البراغيث، ومن قال: قاموا آباؤهم قال: قائمين آباؤهم، وأجاز الجميع .. النحاة أن تجمع الصفة جمع تكسير إذا كان الاسم المرفوع جمعًا، فتقول: مررتُ برجالٍ قيامٍ آباؤهم، وبرجلٍ قعودٍ غلمانه، ورأوا ذلك أحسن من الإفراد الذي هو أحسن من جمع التصحيح.
يعني إذا جُمع على لغة أكلوني البراغيث، حينئذٍ جمعه جمع تكسير أفصح، ثم الإفراد، ثم جمع التصحيح. على هذه المراتب الثلاث.
(فَاقْفُ مَا قَفَوْا) يعني اتبع ما اتبعوه وهو ما ذكرناه سابقًا.
قال ابن عقيل: فالحاصل أن النعت إذا رفع ضميرًا -يعني: مستترًا- طابق المنعوت في أربعة من عشرة ما لم يمنع مانع كـ: إذا كان على وزن فعيل، كصبور وجريح و؟؟؟، فلا يؤنث ولو كان منصوبه مؤنث، وأفعل التفضيل هذا سبق معنا الاستثناء، مجرد من أل والإضافة، أو المضاف إلى النكرة؛ لأنه لا يثنى ولا يجمع ولو كان المنعوت مثنى أو مجموعًا.
وواحد من ألقاب الإعراب وهو الرفع والنصب والجر، وواحد من التعريف والتنكير، وواحد من التذكير والتأنيث، وواحد من الإفراد والتثنية والجمع.
هذا في النعت الحقيقي يتبعه في أربعة من عشرة.
وإذا رفع ظاهرًا طابقه في اثنين من خمسة واحد من ألقاب الإعراب، وواحد من التعريف والتنكير.
وأما الخمسة الباقية وهي: التذكير، والتأنيث. فهذا باعتبار الاسم المرفوع، وأما الإفراد والتثنية والجمع. فيلزم حالة واحدة وهي الإفراد؛ لأنه في مقام الفعل.
فحكمه فيها حكم الفعل إذا رفع ظاهرًا، فإن أسند إلى مؤنث أنث وإن كان المنعوت مذكرًا. ولذلك جاء «رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا» [النساء:٧٥] الظالمِ هذا نعت، والقرية منعوت، ولم يحصل التطابق باعتبار ما بعده «الظَّالِمِ أَهْلُهَا» [النساء:٧٥].
[ ٨٩ / ١٢ ]
وإن كان المنعوت مذكرًا، وإن أسند إلى مذكر ذُكِّر وإن كان المنعوت مؤنثًا، وإن أسند إلى مفرد أو مثنى أو مجموع أفرد وإن كان المنعوت بخلاف ذلك.
إذًا أشار بالبيتين:
وَلْيُعْطَ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَا لِمَا تَلاَ كَـ امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا
وَهْوَ لَدَى التَّوْحِيدِ وَالتَّذْكِيرِ أَوْ سِوَاهُمَا كَالْفِعْلِ فَاقْفُ مَا قَفَوْا
قال: أفهم قوله كَالْفِعْلِ جواز تثنية أو جمع الوصف الرافع للسببي على لغة أكلوني البراغيث، وهْوَ هذا مبتدأ و(لَدَى التَّوْحِيدِ وَالتَّذْكِيرِ) هذا متعلق بما تعلق به الخبر، وأين الخبر؟ قوله: كَالْفِعْلِ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وهو، وقوله: لَدَى بمعنى عند، كما سبق وهو مضاف والتوحيد مضاف إليه، والتذكير معطوف عليه.
(أَوْ) هذا للتنويع.
(سِوَاهُمَا) يعني سوى التوحيد والتذكير، وهو ما أشرنا إليه سابقًا.
(كَالْفِعْلِ) هذا خبر المبتدأ
(فَاقْفُ): اتبع.
(مَا قَفَوْا) إذا كان هذا هو لسان العرب، ويكاد أن يكون مجمعًا عليه وإن لم يكن كذلك، فحينئذٍ لا يسعك إلا المتابعة.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَانْعَتْ بِمُشْتَقًّ كَصَعْبٍ وَذَرِبْ وَشِبْهِهِ كَذَا وَذِي وَالْمُنْتَسِبْ
(وَانْعَتْ بِمُشْتَقًّ) أشار إلى أن النعت كما مر معنا في حد ابن هشام أنه لا يكون إلا مشتقًا، أو مؤولًا بالمشتق، ولا يخرج عن هذين الحالين البتة.
إذًا إما أن يكون مشتقًا وإما أن يكون مؤولًا بالمشتق.
(وَانْعَتْ) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، إذًا إذا لم تنعت بمشتق وشبه المشتق لم يحصل منك النعت على وجهه الصحيح، وهذا خلافًا لما ذهب إليه ابن الحاجب من جواز النعت بغير مشتق.
(وَانْعَتْ بِمُشْتَقًّ كَصَعْبٍ وَذَرِبْ وَشِبْهِهِ) الضمير يعود على المشتق.
إذًا: إما أن يكون مشتقًا وإما أن يكون شبيهًا بالمشتق، وهو الجامد الذي يؤول بالمشتق، يعني يكون معناه معنى المشتق، أو إن شئت قل: أقيم مقام المشتق، عبر بهذا أو بذاك، يعني يفهم منه ما يفهم من المشتق.
نقول: الأشياء التي ينعت بها أربعة: المشتق، والمؤول به، والجملة، والمصدر.
وهذه كلها ذكرها الناظم (المشتق، والمؤول به، والجملة، والمصدر)
ابن مالك نص على الجملة والمصدر، إن شئت قل: إن أُولت الجملة بالنكرة فحينئذٍ داخلة في قوله: مؤول بالمشتق، والمصدر إن أُول ولا بد أن يؤول لأنه جامد، فهو مؤول بالمشتق، فعند التحقيق الجملة والمصدر وإن جعلها الناظم هنا مباينة في الظاهر، مباينة للمشتق وشبه المشتق إلا أنها راجعة إليهما، ولذلك جزم ابن عقيل هنا قال: لا ينعت إلا بمشتق لفظًا أو تأويلًا.
طيب ابن مالك يقول: وَنَعَتُوا بِجُمْلَةٍ مُنكَّرَا، وسيأتي أن المصدر: وَنَعَتُوا بِمصْدَرٍ كَثِيرًا، نقول: المصدر جامد لكنه مؤول بالمشتق، والجملة هذه مؤولة بالنكرة، فحينئذٍ إذا جعلناها داخلة فيما سبق فنقول: النعت منحصر في مشتق ومؤول بالمشتق.
[ ٨٩ / ١٣ ]
فأما المشتق كما سبق مرارًا فالمراد به ما دل على حدث وصاحبه، وفسرناه مرارًا، ويشمل حينئذٍ اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، وأمثلة المبالغة، وفعيلًا بمعنى مفعول .. هذه ستة، نقول: (وَانْعَتْ بِمُشْتَقًّ) كأنه قال لك: وانعت باسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، وأمثلة المبالغة، وفعيلًا أو فعيل بمعنى مفعول.
وهل يشمل المشتق؛ لأن المشتق عند النحاة غير المشتق عند الصرفيين، المشتق عند الصرفيين: كل ما أخذ من المصدر ولو لم يدل على ذات وحدث، وعند النحاة المشتق لا بد أن يكون دالًا على ذات وحدث، حينئذٍ اسم المكان، واسم الزمان، واسم الآلة عند الصرفيين هذه من المشتقات، حينئذٍ المشتقات عندهم عشرة أظن أو تسعة، فإذا قيل بأنه مشتق اسم الآلة، واسم المكان، واسم الزمان .. هل يدخل معنى هنا؟ نقول: لا. لماذا لا يدخل مع كونه مشتقًا؟ لأن أهل الاصطلاح إذا نصوا على شيء فإنما ينصرف على ما اصطلحوا عليه في ذلك الفن، فإذا قيل مشتق عند النحاة فمرادهم به ما دل على ذات وحدث، فحينئذٍ ما أخذ من المصدر للدلالة على زمان الفعل أو مكانه أو آلته، وذلك اسم المكان، اسم الزمان، اسم الآلة .. فلا ينعت بواحد من هذه الثلاثة البتة؛ لأنه عند النحاة ليس مشتقًا، وإنما هو اسم جامد.
والثاني: المؤول بالمشتق، هنا مثّل قال: (وَانْعَتْ بِمُشْتَقًّ كَصَعْبٍ وَذَرِبْ) صعب: فَعْل، ما نوعها؟ صفة مشبهة، لماذا حكمنا عليه بأنه صفة مشبهة؟ لأنه صعب فَعْل، وفَعْل هذا كما سبق أنه ليس اسم فاعل ولا اسم مفعول، اسم الفاعل الثلاثي فاعل، ومن غير الثلاثي مُفْعِل، واسم المفعول من الثلاثي مفعول، ومن غيره مُفعَل، إذًا صَعْب ليس واحدًا منها.
إذًا: (كَصَعْبٍ) نقول: هذا صفة مشبهة، (وَذَرِبْ) بالذال مع كسر الراء فَعِل، صَعْب معلوم معناه، وَذَرِبْ المراد به الحاد من كل شيء، وهو كذلك صفة مشبهة.
(وَانْعَتْ بِمُشْتَقًّ) انْعَتْ: فعل أمر، قلنا الفاعل أنت، وهو يدل على الوجوب وهو مراد هنا، وبِمُشْتَقًّ متعلق به.
و(كَصَعْبٍ) هو أراد أن يمثل، فإذا كان كذلك صعبٍ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، يعني وذلك كصعبٍ.
(وَذَرِبْ) معطوف على صعبٍ.
(وَشِبْهِهِ) هذا النوع الثاني، وهو الشبيه بالمشتق، وهو ما أقيم مقام المشتق في المعنى من الجوامد، إذًا هو جامد يعني ليس واحدًا من اسم الفاعل ولا اسم المفعول وما عطف عليه مما ذكرناه في المشتق، ليس واحدًا منها، وإنما يدل على ذات فقط، أو على معنى فقط.
الجامد إما أن يدل على ذات فقط وهو تسميه جامدًا مثل: زيد، أو على معنى فقط مثل: عِلم، نقول: هذا معنى، ولا يدل على ذات، وزيد يدل على ذات لا على معنى.
فالجامد واحد من هذين الأمرين، إذا وقع نعتًا أُوِّل بالمشتق، لكن ليس كل ما يكون جامدًا يُوؤل بالمشتق! لا. لا بد من نظر خاص عند النحاة.
والثاني: الجامد وهو المؤول بالمشتق ويشمل ما ذكره الناظم بقوله: (كَذَا) أي وذلك كـ ذا، (وَشِبْهِهِ) هذا معطوف على قوله: (بِمُشْتَقًّ).
(كَذَا) أي: مثل ذا، يعني: وذلك كـ ذا، فهو جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف.
[ ٨٩ / ١٤ ]
(وَشِبْهِهِ كَذَا) أي: اسم الإشارة وهو النوع الأول من الجامد الذي يؤول بالمشتق، أي اسم الإشارة لكن يقيد بكونه لغير مكان، كثم وهنا لا يقع مباشرة نعتًا كما سيأتي، فإذا قلت: قام زيد هذا، هذا اسم إشارة، وزيد هذا فاعل، نقول: هذا (ذا) اسم إشارة نعت .. صفة لزيد كيف صفة وهو ليس بمشتق؟ نقول: هو في معنى المشتق؛ لأن أسماء الإشارة كلها سواء كان المفرد والمثنى والجمع في قوة قولك: الحاضر أو المشار إليه، والحاضر اسم فاعل من حضر والمشار إليه اسم مفعول، هي تدل على هذا المعنى، إذًا: كأنه قال: جاء زيد، أو هذا زيد الحاضرُ كأنه نعت بلفظ الحاضر، فهذا في قوة قولك الحاضر، أو هذا في قوة قولك المشار إليه، وكلاهما مشتقان.
إذًا: قام زيد هذا فإنه في قوة زيد الحاضر أو المشار إليه، فاسم الإشارة هنا نفسه نعت، بنفسه وقع نعتًا يعني لا بغيره.
فاسم الإشارة هنا نفسه نعت لزيد، أما اسم الإشارة لمكان كهنا وثم فإنه لا يقع نعتًا بنفسه؛ لكونه ظرفًا، فهذا مثل لو قيل: جاء رجل عندك، مثله، أو جاء رجل في العِلم بمكان مثلًا، فنقول: الظرف إذا وقع بعد النكرة وكذلك الجار والمجرور يتعلق بمحذوف، ليس هو عينه الصفة، وإنما يتعلق .. مثله اسم الإشارة إذا كان ظرف مكان.
فإنه لا يقع نعتًا بنفسه لكونه ظرفًا، لكنه يتعلق بمحذوف قد يكون نعتًا، رأيت رجلًا هنا، رأيت رجلًا فعل وفاعل ومفعول به، هنا هذا اسم إشارة هل نقول نعت مباشرة؟ نقول: لا. لكونه ظرفًا وهو اسم مكان نقول: متعلق بمحذوف نعت، إذًا وقع نعتًا لكن لا بنفسه مباشرة وإنما بواسطة غيره.
أي كائنًا هنا، رأيت رجلًا هنا أي: كائنًا هنا نقدره كائنًا بالنصب.
إذًا: وَشِبْهِهِ كَذَا يعني مثل (ذا) وهو اسم إشارة، هل هو خاص بـ (ذا) أو يشمل فروع (ذا) ذان وتان وهؤلاء وأولى وأولاء، يشمل أو لا؟ نعم يشمل، فكل أسماء الإشارة داخلة، إذًا: كذا وفروعه، تقدره هكذا: كذا وفروعه من أسماء الإشارة غير المكانية.
(وَذِي) ذي هذا معطوف على (ذا) وهو في محل جر، ولذلك جره، قال: ذِي، فدل على أنه أراد بها بمعنى صاحب، ومن عمم قال بأنه أراد بها بمعنى: ذو الطائية أخطأ إلا إذا كانت في حال الإعراب وهي لغة قليلة لأنها مبنية، لو قال ابن مالك: كذا وذو قلنا: أطلق ذو بالرفع، فشمل حينئذٍ ذو التي بمعنى صاحب وذو الطائية، لكنه لما جرها ذي امتنع أن يكون المراد به ذو التي بمعنى الذي، وهي الطائية، وإن كانت مما يؤول، إلا إذا جعلنا ابن مالك ﵀ أراد بذي النوعين، وهذا خلاف الأصل.
إذًا: الثاني من الجوامد مما يقع مؤولًا بالمشتق ذو بمعنى صاحب، تقول: هذا رجل ذو مال، ذو علم، ذو تقوى .. هذا رجل، رجل هذا منعوت، ذو وقعت نعت، ذو في اللفظ جامد، كيف صح إيقاعها نعت؟ حينئذٍ نقول: لأنها في قوة المشتق، والمشتق هو صاحب، كأنه قال: جاء رجل صاحب مال، صاحب علم، صاحب تقوى .. فأولت بالمشتق.
ويلحق به كذلك فروعه، وهي ذوا وذوي في المثنى المذكر، وذووا وذوي في جمع المذكر، وذات في المفردة المؤنثة، وذاتي في المثنى المؤنث، وذاتُ في جمع المؤنث، ولذلك جاء في القرآن: «جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ» [سبأ:١٦] ذواتي هذا نعت لجنتين وهو مثنى.
[ ٨٩ / ١٥ ]
إذًا قوله: (وَذِي) كذلك تضيف إليه: وفروعه مطلقًا بدون استثناء.
(وَالْمُنْتَسِبْ) انتسب ينتسب فهو منتسب، المراد به اسم النسبة، والمنتسب يعني المنسوب، وسيأتي باب كامل كبير عريض ستة وعشرين بيت، كلها في باب المنسوب، جاء رجل قرشي، رجل نقول: فاعل، قرشي نعت، كيف وقع نعت وهو قريش علم؟ نقول: قرشي في قوة قولك منسوب إلى قريش، إذًا منسوب إلى قريش أخذناه من الياء، قرشي، نقول: منسوب إلى قريش، وَالْمُنْتَسِبْ يعني: النسبة إلى قريش في المثال الذي ذكره.
إذًا الاسم المنسوب يعتبر من الجوامد التي تؤول بالمشتق، إذًا ذكر الناظم كم نوع لما يؤول بالمشتق؟ ذكر ثلاثة أنواع:
الأول: أسماء الإشارة عمومًا.
ثانيًا: ذو التي بمعنى صاحب.
وثالثًا: الاسم المنسوب.
هذه ثلاثة، وعلى قول من يرى يمكن حمله لكن ليس بظاهر، أن قوله: ذِي يشمل النوعين، ذي الطائية كحالة الإعراب، لكن لا ذي الطائية الأصل أنها .. الأفصح ملازمة للبنا، فتقول: ذو، فذي هنا بمعنى صاحب، وأما الموصولة إذا أعربت وفروعها هذا يحتاج إلى تأويل.
الرابع مما يكون من الجوامد ويؤول بالمشتق "ذو" الموصولة الطائية، التي بمعنى الذي وفروعها كذلك كذات وذواتُ، جاءني الرجل ذو تحدثت إليه، يعني المتحدَّث إليه؛ لأنه بمعنى الذي وسبق قاعدة عند البيانيين الموصول مع صلته في قوة المشتق، يعني تؤولها باسم الفاعل أو اسم المفعول، إذا قلت مثلًا: جاءني الرجل ذو تحدثت إليه، يعني الذي تحدثت إليه، فحينئذٍ صار موصولًا مع صلته، فهو في قوة المشتق، هكذا، وجامد في قوة المشتق، ما هو المشتق؟ إما اسم فاعل أو اسم مفعول، يعني تأتي في هذا المحل باسم فاعل أو اسم مفعول، جاء الرجل المتحدث إليه، وسبق أن ذكرنا فرقًا بين ذي التي بمعنى صاحب وذي أو ذو الطائية من حيث ما ينعت بها، فقلنا: ذو التي بمعنى صاحب ملازمة للتعريف، يعني لا ينعت بها إلا لمعرفة، وذو الطائية، الموصولات معارف فلا ينعت بها إلا المعرفة، إذًا لا يصح جاءني رجل ذو تحدثت إليه، نقول: لا يصح؛ لأن المنعوت هنا نكرة وذو معرفة ملازمة للتعريف؛ لأن الموصولات كلها معارف، فلا يصح أن يكون المنعوت إلا معرفة.
وذو التي بمعنى صاحب ينعت بها النكرة والمعرفة، لكن إذا نعت بها النكرة نكرت المضاف إليه، تقول: جاءني رجل ذو مالٍ، تنكير، ولا تقل: جاءني رجل ذو المالِ. لا غلط؛ لأن المنعوت هنا رجل وهو نكرة، وذو في نفسها نكرة، ما الدليل؟
نَكِرَةٌ قَابِلُ أَلْ مُؤَثِّرَا أَوْ وَاقِعٌ مَوْقِعَ مَا قَدْ ذُكِرَا
إذًا: ذو مال نقول: ذو هذا نكرة، وإذا أضيف إلى نكرة اكتسب التخصيص، فحينئذٍ جاءني رجل ذو مال، صحيح. جاءني رجل ذو المال. غلط، جاءني الرجل ذو مالٍ، غلط. جاءني الرجل ذو المال، صحيح. إذًا ذو التي بمعنى صاحب ينعت بها النكرة والمعرفة لكن إذا نعت النكرة وجب إضافتها إلى نكرة، وإذا نعت بها المعرفة وجب إضافتها إلى المعرفة، وأما التغاير فهذا لا يجوز عند جماهير النحاة.
[ ٨٩ / ١٦ ]
الخامس من الجوامد التي يؤول بها بالمشتق: الأسماء الموصولة، المبدوءة بهمزة الوصل كالذي والتي، أما غير المبدوءة بهمز الوصل كمن وما أو المبدوءة بهمزة القطع كأي فلا تقع نعتًا، وتؤول بالمشتق كما ذكرنا القاعدة العامة الموصول مع صلته في قوة المشتق.
السادس: لفظ أي الوصفية، سبق معنا هذا، جاءني رجل أيُّ رجلٍ، جاءني الرجل أيُّ رجلٍ، أيُّ الوصفية قلنا هذه ينعت بها المعرفة والنكرة أو تختص بالنكرة؟ إذا تليت معرفة فهي حال، وتلزم الإضافة إلى نكرة.
إذًا: جاءني فارس أيُّ فارسٍ صفة، رأيت فارسًا أيَّ فارسٍ صفة، جاء زيد أيُّ رجلٍ حال.
إذًا السادس: لفظ أيّ الوصفية. سبق بيانها.
السابق: شبه الجملة .. الجار والمجرور والظرف، لكن لا يقع بنفسه وإنما يتعلق بمحذوف.
وإن جعلنا الجملة كذلك ثامنًا، والمصدر تاسعًا فهو صحيح، حينئذٍ تكون تسعة، إذًا ما يؤول بالمشتق تسعة.
وَانْعَتْ بِمُشْتَقًّ كَصَعْبٍ وَذَرِبْ وَشِبْهِهِ كَذَا وَذِي وَالْمُنْتَسِبْ
ذي معطوف على (ذا) والمنتسب كذلك معطوف على (ذا)، والظاهر من صنع المصنف هنا اشتراط كون النعت مشتقًا، وهذا قول جماهير النحاة، فإذا لم يكن مشتقًا لم يصح أن يكون نعتًا، وهذا رأي الجمهور، وذهب جمع ومنهم ابن الحاجب إلى عدم الاشتراط، بل قال: كل ما أدى معنًى حينئذٍ صح أن ينعت به، ولو لفظ رجل، جاء زيد الرجل، الرجل نعت عنده يصح؛ لأن فيه معنى الرجولة، فحينئذٍ كل ما كان فيه معنىً -وهذا كل الألفاظ- يصح النعت به، وأن الضابط دلالته على معنى في متبوعه كالرجل الدال على الرجولية، لكن الصواب هو ما سبق، أنه لا بد أن يكون مشتقًا أو مؤولًا بالمشتق.
وَنَعَتُوا بِجُمْلَةٍ مُنَكَّرَا فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا
تقع الجملة نعتًا كما تقع خبرًا وحالًا، الجملة مؤلفة من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، تقع نعتًا كما تقع خبرًا وتقع حالًا.
قال: (وَنَعَتُوا) أي العرب (بِجُمْلَةٍ) أطلق الناظم هنا الجملة فشملت النوعين الاسمية والفعلية، وإن كان النعت بالجملة الفعلية أقوى من الاسمية، لماذا؟ لأن الفعلية متضمنة لفعلٍ، والفعل في معنى المشتق، بل هو من المشتقات، وأما الاسمية قد تخلو من المشتق، فتقول مثلًا: زيدٌ رجلٌ، زيدٌ هذا مبتدأ ورجلٌ خبر ليس فيه مشتق، إذًا قد تخلو الجملة الاسمية من وصف دال على ذات ووصف .. من وصف يعني اسم فاعل أو اسم مفعول دال على صفة.
فحينئذٍ نقول: هذه خالية من الدلالة على الحدث تقع نعتًا أو لا؟ تقع نعتًا، حينئذٍ نقول: الوصف بالجملة الفعلية أقوى، إذًا كل منهما يقع نعتًا هذا المراد.
(وَنَعَتُوا بِجُمْلَةٍ) لكن ليس مطلقًا، قال: (مُنَكَّرَا) إذًا بشروط، وقالوا: بثلاثة شروط: شرط في المنعوت وهو أن يكون منكرًا، أشار إليه بقوله: (مُنَكَّرَا)، هذا شرط في المنعوت، فحينئذٍ إذا وقعت الجملة بعد النكرة على القاعدة هي صفة .. نعت، إذا وقعت بعد معرفة لا يصح أن تكون نعتًا.
[ ٨٩ / ١٧ ]
إذًا: (وَنَعَتُوا) أي: العرب (بِجُمْلَةٍ) مطلقًا بثلاثة شروط: شرط في المنعوت وهو ما أشار إليه بقوله: (مُنَكَّرًَا) وهو مفعول به، نعتوا العرب، هم منكرًا .. حال كونهم منكرين هم أنفسهم، انظر المعنى كيف، وإذا قلت: بجملة يعني حال كونها نكرة، حينئذٍ قد تكون الجملة معرفة، هذا إذا أعربناها حال يفسد المعنى، مُنَكَّرًَا نعتوا منكرًا يعني: لفظًا منكرًا، هذا المراد؛ لأن التنكير وصف للألفاظ وقد يكون وصفًا للمعنى، إذًا مُنَكَّرًَا هذا مفعول به.
شرط المنعوت أن يكون نكرة، إما لفظًا ومعنى، أو معنى لا لفظًا؛ ليعم ما سبق وهو اللئيم، إذًا: أن يكون المنعوت نكرة إما لفظًا ومعنى نحو: «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ» [البقرة:٢٨١] (يومًا) مفعول به، (ترجعون) الجملة من الفعل المغير الصيغة ونائب الفاعل نعت لـ يومًا، الجملة هنا وقعت نعتًا لـ يومًا وهو نكرة في اللفظ والمعنى، والضمير فيه هو العائد، أو معنى لا لفظًا، وهذا مختلف فيه هل يكون في المعنى نكرة وفي اللفظ معرفة؟ قلنا: نعم، وهو المحلى بأل الجنسية، كما في الآية السابقة «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ» [يس:٣٧] وكذلك قول الشاعر: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّني، حينئذٍ هذان اللفظان في المعنى نكرتان، وأما في اللفظ فهما معرفتان، الليل، واللئيم دخلت عليه أل فهو معرفة.
أو معنى لا لفظًا وهو معرف بأل الجنسية وهذا اختيار ابن مالك رحمه الله تعالى، واختار أبو حيان أنه لا يجوز أن تكون الجملة نعتًا للاسم المحلى بأل، وإن كانت أل الجنسية؛ لأنها مثل أل العهدية في كون مدخول كل منهما معرفة.
إذًا نظر أبو حيان إلى اللفظ، ونظر ابن مالك إلى المعنى.
نظر أبو حيان إلى اللفظ فقال: أل الجنسية كالمعرِّفة، يعني في كون مدخولها اسمًا ثم تكسوه بالتعريف، ونظر ابن مالك إلى المعنى لكون مدخول أل هنا غير معرف، فحينئذٍ صار مبهمًا، وإذا صار مبهمًا هذا حقيقة النكرة: شائع في جنس موجود أو مقدر، فصدق عليه من حيث المعنى حد النكرة، فحينئذٍ نظر ابن مالك إلى المعنى .. وهذا قول الجماهير، ونظر أبو حيان إلى اللفظ.
(وَنَعَتُوا بِجُمْلَةٍ مُنَكَّرَا) هذا شرط منعوت الجملة أن يكون نكرة، إما لفظًا ومعنى كقوله: «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ» [البقرة:٢٨١] وإما أن يكون معنىً لا لفظًا والمراد به المحلى بأل الجنسية.
(فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا) إذًا الشرط الأول فيما يتعلق بمنعوت الجملة، وثم شرطان يتعلقان بالجملة، الجملة نفسها، الشرط الأول: أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمنعوت، يعني لا بد من ضمير وهذا كالشأن مع جملة الخبر، ولذلك قال: فَأُعْطِيَتْ، يعني الجملة التي وقت نعتًا، أُعْطِيَتْ مَا -الذي- أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا من الضمير الذي يكون رابطًا بين الجملة النعتية والمنعوت.
إذًا: أن تكون مشتملة على رابط، وهو ضمير يربطها بالموصوف.
والثاني: أن تكون خبرية، الشرط الثاني الذي يكون في الجملة: أن تكون خبرية، وهذا أشار إليه بقوله: (وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ) كما سيأتي.
[ ٨٩ / ١٨ ]
وبقي شرط: أن تكون النكرة المنعوتة مذكورة فلا يجوز حذفها إلا في حالة سيأتي ذكرها، هذه ثلاثة شروط تشترط في الجملة التي يصح أن تقع نكرة:
الشرط الأول: أن يكون منعوتها نكرة.
الشرط الثاني والثالث يعودان إلى الجملة نفسها لا إلى المنعوت، وهو أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالمنعوت، وهذا متفق عليه، وكذلك يشترط فيها أن تكون خبرية، وأما الطلبية فالجماهير على أنه لا تقع نعتًا.
(وَنَعَتُوا بِجُمْلَةٍ مُنَكَّرَا)
قال الشارح: تقع الجملة نعتًا كما تقع خبرًا وحالًا، وسبق بيانه، وهي مؤولة بالنكرة، ولذلك اشترط في منعوتها أن يكون نكرة؛ ليحصل التطابق بين النعت والمنعوت (وَلْيُعْطَ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَا لِمَا تَلاَ)، إذًا لماذا اشترط النحاة في كون منعوت الجملة نكرة؟ لكونها هي مؤولة بالنكرة، لماذا نقول مؤولة بالنكرة ولا نقول هي نكرة؟ لأن التنكير والتعريف وصف للأسماء المفردة لا للجمل، ولذلك النحاة يقولون: مؤولة بالنكرة، ولا يحكمون عليها بأنها نكرة، لماذا؟ لأن التنكير وصف للاسم المفرد، وكذلك التعريف، ولا يوصف به الجملة.
قيل: الجملة ليست نكرة ولا معرفة، هذا بالفعل ليست نكرة ولا معرفة، لماذا؟ لأن التعريف والتنكير من عوارض مدلول الاسم، والجملة من حيث هي جملة ليست اسمًا، وإنما جاز نعت النكرة بها دون المعرفة لتأولها بالنكرة، يعني كأنها في قوة النكرة.
ولذلك لا ينعت بها إلا النكرة نحو: مررت برجل قام أبوه، أو أبوه قائم، ولا تنعت بها المعرفة، فلا تقول: مررت بزيد قام أبوه على أنه نعت، التركيب جائز على أنه حال، أو أبوه قائم.
وزعم بعضهم أنه يجوز نعت المعرف بالألف واللام الجنسية بالجملة وجعل منه: «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ» [يس:٣٧] والبيت الذي ذكرناه، وهذا ميل منه إلى قول أبي حيان والصواب خلافه، أنه يجوز أن ينعت بالجملة ما حلي بأل الجنسية خلافًا لما ذكره هنا.
وأشار بقوله فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرًَا إلى أنه لا بد للجملة الواقعة صفة من ضمير يربطها بالموصوف وقد يحذف للدلالة عليه.
الرابط هنا لا يكون إلا ضميرًا، يعني فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا، يعني مراده في اشتمالها على الضمير، ولذلك عبارته موهمة، قد يظن المساواة مطلقًا بين جملة الخبر وجملة النعت وليس الأمر كذلك، وإنما مراده أنها تشتمل على ضمير يربطها بالمنعوت كما أن الخبر يشتمل على ضمير يربطها بالمبتدأ، هذا مراده.
إذًا الرابط هنا لا يكون إلا ضميرًا بخلاف الخبر، هناك يكون اسم إشارة، إعادة المبتدأ بلفظه، بمعناه، العموم .. الخ، أما هنا فلا يتأتى هذا، وإنما لا بد من ضمير، وقد يحذف للعلم به، يعني لماذا فرقنا بين المنعوت والخبر؟ والفرق أن المنعوت لا يستلزم النعت صناعة، بخلاف المبتدأ، المبتدأ يطلب الخبر، إذًا: إذا قلت: هذا مبتدأ يلزم منك أن تذكر له خبر وإلا أخطأت في الإعراب، لكن إذا قلت: جاء رجل لا يلزم أن تنعته، إذًا المنعوت لا يستلزم النعت، بخلاف المبتدأ.
[ ٨٩ / ١٩ ]
والفرق أن المنعوت لا يستلزم النعت صناعة، فضعف طلبه له فاحتيج لدليل قوي يدل على ارتباط الجملة به، وأنها نعت له، وهذا خاص بالضمير، بخلاف المبتدأ فإنه يستلزم الخبر، يعني المبتدأ بنفسه قبل أن تذكر الخبر هو دال عليه؛ لأن كل مبتدأ لا بد أن يكون له خبر.
إذًا المبتدأ يستلزم الخبر، والنعت والمنعوت لا يستلزم النعت، إذا كان لا يستلزمه لا بد من رابط قوي، وأقوى الروابط هو الضمير، لذا سبق معنا في شأن الرابط بين الجملة الخبرية والمبتدأ أن الأصل هو الضمير، وما عداه فهو مقام مقام الضمير، توسعوا هناك لوجود هذا الاستلزام، وهنا لا. بخلاف المبتدأ فإنه يستلزم الخبر، فقوي طلبه له فاكتُفي بأي دليل يدل على ارتباط الجملة به، وأنها خبر عنه.
أي دليل يدل على أن هذه الجملة مرتبطة بالمبتدأ صح أن تكون خبر، وأما هنا لا، لماذا؟ لقيام الاستلزام هناك مقام الرابط، وأما هنا فلا، بل يحتاج إلى رابط قوي.
وقد يحذف للدلالة عليه كقوله:
وَمَا أَدري أَغَيَّرَهمْ تَناءٍ وطُولُ الدَّهرِ؟ أَمْ مَالٌ أَصابُوا؟
يعني: أصابوه، مَالٌ: هذا منعوت، وأَصابُوا الجملة هذه نعت .. أصابوه .. أصابوهم.
ويفهم من قوله: فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا أنها لا تقترن بالواو بخلاف الحالية؛ لأنه لم يقل: فأعطيته ما أعطيته حالًا، يعني: تدخل عليه واو الحال لا، هنا دل على أنها تكون متصلة مباشرة، فلا يفصل بينهما عاطف.
ومن الحذف قوله: «وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي» [البقرة:٤٨] يعني: فيه، حذف فيه، يومًا هذا مثل «يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ» [البقرة:٢٨١] «يَوْمًا لا تَجْزِي» [البقرة:٤٨] فيه، حذف فيه للعلم به.
ثم قال:
وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ وَإِنْ أَتَتْ فَالْقَوْلَ أَضْمِرْ تُصِبِ
يشترط في جملة النعت أن تكون خبرية، ما معنى خبرية؟
أن تكون محتملة للصدق والكذب، والطلبية: غير محتملة للصدق والكذب. لماذا؟ لأنها لم تقع، ليست واقعة، قم يا زيد، ما قمت أنت بعد، كلامي قبل حصول الحدث منك هو الذي يوصف بكونه إنشاء، ليس بعد القيام، إذا قلت: قم يا زيد، قولي: قم، هل له شيء موجود في الخارج حتى نقول: صدقت قام أو لم يقم ليس له وجود.
إذًا: الجملة الخبرية: ما احتمل الصدق والكذب لذاته، والطلبية أو الإنشائية ما ليس كذلك.
إذًا: شرط الجملة التي يصح أن تقع نعتًا: أن تكون خبرية؛ لأن النعت يوضح المنعوت أو يخصصه، النعت وظيفته الكبرى توضيح، أو تخصيص، هذا أو ذاك، والجملة لا تصلح لذلك إلا إذا كان مضمونها معلومًا للسامع قبلُ.
ومضمون الجملة الإنشائية غير معلوم قبل النطق بها، حينئذٍ إذا أردت أن تخصص أو توضح هل توضح للسامع .. المخاطب؟ هل توضح له بشيء معلوم عنده وقع أو بشيء غير معلوم؟ ما يتصور في العقل أنه يحصل بالثاني، ولذلك اشترطوا أن تكون الجملة خبرية، يعني: مدلولها واقع في الخارج حاصل، هذا مرادهم، فإذا نعت وجئت بالنعت المخاطب يعلم، يعلم أن هذا الجملة قد وقعت وهي مخصصة أو موضحة للمنعوت، أما شيء لم يقع ما حصل لا يحصل به ذلك.
[ ٨٩ / ٢٠ ]
إذًا: شُرط أن تكون الجملة خبرية لأن النعت يوضح المنعوت أو يخصصه، والجملة لا تصلح لذلك إلا إذا كان مضمونها معلومًا للسامع قبل، ومضمون الجملة الإنشائية غير معلوم قبل:
(وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ) هذا كالاستدراك بل هو استدراك، من قوله: فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا، سبق أن الصحيح قول الجمهور .. من صحة إيقاع الجملة الطلبية خبرًا عن المبتدأ خلافًا لابن الأنباري، فإذا قيل: زيد اضربه، زيد مبتدأ وجملة اضربه خبر، زيد لا تهنه، زيد مبتدأ ولا تهنه الجملة خبر. هذا صحيح وهو المرجح هناك.
وجوِّز هناك أن يكون الخبر جملة إنشائية؛ لأن الخبر حكم والأصل في الحكم أن يكون مجهولًا، فلا مانع من أن يؤدى بالجملة الإنشائية .. بشيء لم يكن معلومًا عند المخاطب، وأما هنا فلا؛ لأن المراد به التخصيص أو التوضيح فهذا لا بد أن يكون معلومًا، وأما الخبر فهو حكم والأصل فيه أن يكون مجهولًا، ولذلك لا يشترط فيه أن يكون معرفة بخلاف المبتدأ.
(وَامْنَعْ هُنَا) يعني في هذا الباب لا في الخبر على المختار وهو قول الجمهور.
(وَامْنَعْ) هذا فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت وجوبًا.
و(هُنَا) هذا ظرف. لا في الخبر على المختار، قيده لئلا يفهم أن الحكم عام، فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا.
حينئذٍ قد يفهم من المنع لو لم يقيده أن الحكم عام وليس الأمر كذلك.
(وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ)
(إِيقَاعَ) أوقع يوقع إيقاعًا، إيوقاعًا هذا الأصل؛ لأنه من الوقوع.
(إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ) إيقاع هذا مصدر، مضاف إلى المفعول، يعني إيقاعك أنت ذات الطلب، أنت الموقع وذات الطلب هي الموقعة، إذًا إِيقَاعَ نقول: مصدر مضاف إلى المفعول، وذَاتِ الطَّلَبِ في المعنى هي مفعول والفاعل ضمير مستتر أنت، أنت الفاعل.
(إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ)، ذَاتِ: هذا نعت لمحذوف، يعني: إيقاع الجملة ذات الطلب، فذات الطلب ليست وصفًا لك أنت، وإنما وصف للجملة.
(وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ) نعتًا.
(وَإِنْ أَتَتْ) يعني: الجملة التي منعنا إيقاعها وهي الجملة الطلبية والمراد بها جملة الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والعرض والتحضيض .. فلا يقع شيء من ذلك نعتًا؛ لأنها لا تدل على شيء محصل يحصل به تخصيص المنعوت.
(وَإِنْ أَتَتْ) يعني الجملة الطلبية الممنوع إيقاعها نعتًا في كلام العرب، يعني في المنثور أو المنظوم.
(فَالْقَوْلَ أَضْمِرْ تُصِبِ) فأضمر القول، فأضمر: يعني انو، وقدر القول.
(تُصِبِ) جواب الأمر، أين الأمر؟ (أَضْمِرْ تُصِبِ) «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ» [الأنعام:١٥١] أتلو هذا فعل مضارع واوي، مثل: أدعو، «أَتْلُ» [الأنعام:١٥١] أنت لا تقرؤها بالواو، مجزوم، ما الجازم له؟ وقوعه في جواب الأمر .. طلب. سيأتي معنا هذا.
(وَإِنْ أَتَتْ) الجملة الطلبية يعني: نعتًا (فَالْقَوْلَ) الفاء واقعة في جواب الشرط (إن).
(فَالْقَوْلَ أَضْمِرْ): يعني فأضمر القول تُصِبِ، يعني يكون النعت ليس هو الجملة الطلبية، وإنما المقدر المضمر، لو قال: مررت برجل اضربه وقعت هنا، ماذا نصنع؟ لو نقل الكلام هكذا: مررت برجل اضربه، اضربه هذه الجملة طلبية.
[ ٨٩ / ٢١ ]
قال: (فَالْقَوْلَ أَضْمِرْ): يعني: انو أن القول محذوف، برجل مقول فيه اضربه، مقولٍ هو الذي وقع نعت، وأما الجملة فليست نعتًا، وإنما هي مفعول لمقول كما ذكرناه في: بنعم الولد، وعلى بئس العير، حينئذٍ دخل على مقول محذوف.
فأضمر القول تُصِبِ، (تُصِبِ) هذا مجزوم بجواب الشرط.
قال الشارح هنا: لا تقع الجملة الطلبية صفة فلا تقول: مررت برجل اضربه وتقع خبرًا خلافًا لابن الأنباري، وفرق بينهما كما ذكرناه سابقًا.
فتقول: زيد اضربه، هذا جائز، ولما كان قوله: فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا، يوهم أن كل جملة وقعت خبرًا يجوز أن تقع صفة قال: (وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ).
إذًا: ماذا استفدنا من قول ابن مالك: فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا؟
أولًا: أن تكون خبرية؛ لأن فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا يفهم منه .. بل هو ظاهره أنها تشمل الجملة بنوعيها الخبرية والإنشائية، ثم استثنى الإنشائية (وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ) بقي الخبرية، إذًا: دل على أنها خبرية.
ثانيًا: اشتماله على رابط، لكنه لم يبين حقيقة هذا الرابط فأوقع في إيهام: وهو أن الرابط مطلق، لكنه هنا خاص بالضمير، إذًا عمم والمراد التخصيص، هذا محل نظر.
ثالثًا: يمكن أن يستفاد بأنها لا تتصل بها الواو كالجملة الحالية؛ لأن ثم نسب بين هذه الجمل التي تقع خبرًا ونعتًا وحالًا.
الجملة النعتية لا تكون متصلة بالواو، يعني لا تدخل عليها الواو كالجملة الخبرية.
إذًا: ثلاثة أحكام تؤخذ من قوله: فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرَا.
فلما كان القول موهمًا بأن الإنشائية تقع نعتًا .. الطلبية قال: (وَامْنَعْ هُنَا) لا هناك، أما هناك فالصواب أنه جائز، (وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ) أي: امنع وقوع الجملة الطلبية في باب النعت وإن كان لا يمتنع في باب الخبر، ثم قال: فإن جاء ما ظاهره أنه نعت فيه بالجملة الطلبية فيخرج على إضمار القول، على حذفه، ويكون المضمر صفة والجملة الطلبية معمول القول المضمر.
وذلك مثل البيت المشهور:
حَتى إِذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطْ جاؤُوا بمَذْقٍ هَلْ رَأَيتَ الذِّئْبَ قَطْ؟
المذق ما هو؟ هو اللبن المخلوط بالماء، (بمَذْقٍ هَلْ رَأَيتَ الذِّئْبَ قَطْ؟) بمَذْقٍ هَلْ رَأَيتَ يعني موصوف بكونه (هل رأيت الذئب قط) يعني مثله، لونه لون الذئب.
وهل هذا استفهام، فهي جملة طلبية إنشائية هل تقع نعتًا؟ قال: لا.
إذًا: بمذق مقول فيه هَلْ رَأَيتَ الذِّئْبَ قَطْ؟ حينئذٍ هَلْ رَأَيتَ الذِّئْبَ قَطْ ليست نعتًا وإنما هي في محل نصب للمقول المقدر.
(بمَذْقٍ هَلْ رَأَيتَ الذِّئْبَ قَطْ) لأن المذق: هو اللبن الممزوج بالماء، شبهه بالذئب لاتفاق لونهما؛ لأن فيه غبرة وكدرة.
فظاهر هذا أن قوله: هَلْ رَأَيتَ الذِّئْبَ قَطْ صفة لمذق، وهي جملة طلبية ولكن ليس هو على ظاهره بل هَلْ رَأَيتَ الذِّئْبَ قَطْ معمول لقول مضمر هو صفة لمذق، والتقدير: بمذق مقول فيه هل رأيت الذئب قط.
وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا فَالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا
[ ٨٩ / ٢٢ ]
مما يقع نعت .. وهو النوع الرابع، قلنا: المشتق، والمؤول به، والجملة، بقي المصدر.
والمصدر في الأصل هو جامد، وإذا كان جامدًا فحينئذٍ الأصل أنه لا يصح أن ينعت به، كان حقه ألا ينعت به، فإذا قيل: هذا رجل عدل، عدل هذا مصدر، وهو نعت، ورجل هذا منعوت.
انظر في مدلول كل لفظ: رجل يدل على ذات، وعدل يدل على معنى.
إذًا لا يصح أن ينعت بالمعنى الذات، ولذلك اتفق الفريقان البصريون والكوفيون على التأويل، لا بد من التأويل؛ لأنه لا يمكن أن ينعت الذات بالمعنى؛ لأن المصدر دال على حدث، فلو بقي على ظاهره كنت قد وصفت الذات بالمعنى وهو لا يجوز، ومن أجل هذا التزم البصريون والكوفيون جميعًا تأويل العبارة للتخلص من هذا الظاهر، لا بد من الفرار منه إما بجعل اسم المعنى في تأويل المشتق، الذي هو عدل، نؤوله في تأويل المشتق عادلٌ، هذا رجل عادلٌ خرجنا من الإشكال، فعدل في قوة عادل، وهو مشتق، إذًا أولناه بمشتق. إما بجعل اسم المعنى في تأويل المشتق الدال على الذات، ومعنى قائم به أو واقع عليه، وإما بتقدير مضاف يدل على الذات وهو ذو التي بمعنى صاحب. هذان مشهوران: إما هذا رجل ذو عدل، ذو عدل: يعني صاحب عدل، رددناه إلى ذي .. كَذَا وَذِي، وإما أنه بمعنى عادل، فأولناه باسم الفاعل .. رددناه إلى اسم الفاعل، وكلاهما جائز، إلا أن مذهب البصريين أدق.
(وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا) نَعَتُوا: أي العرب، وصفوا منعوتًا، بمصدرٍ جار ومجرور متعلق بقوله: نَعَتُوا.
(كَثِيرًا) يعني وقع كثير كما وقع هناك في الحال: (وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ حَالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ)، كذلك هنا (كَثِيرًا) كثير المصدر يتصرفون فيه، على خلاف الأصل؛ لأن المصدر جامد لكنه إذا عرفنا التأويل السابق فهو شبيه بالمشتق.
(فَالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا) ولو كان المنعوت مثنى أو جمعًا، ولو كان مؤنثًا، فتقول: جاءت هندٌ عدلٌ، ما تقول: عادلةٌ ولا عدلةٌ، لماذا؟ لأنه مصدر.
وهذان الزيدان عدلٌ بالإفراد، وهؤلاء الزيدون عدلٌ بالإفراد، حينئذٍ التزموا فيه الإفراد ولو كان المنعوت مثنى أو جمعًا، والتذكير ولو كان المنعوت مؤنثًا.
(فَالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا) .. كَثِيرًا الألف الأولى بدل عن التنوين، وَالتَّذْكِيرَا الألف الثانية هذه للإطلاق.
(وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا) وذلك عند الكوفيين مؤول بالمشتق وعند البصريين على تقدير مضاف أي: ذو كذا، وبهذا التزم إفراده وتذكيره كما لو صرح بذو. يكثر استعمال المصدر نعتًا لكنه غير مطرد كَثِيرًا: يعني غير مطرد، لا يلزم من الكثرة أن يكون مطردًا قياسًا، قد يكون كثيرًا وهو شاذ عند النحاة.
[ ٨٩ / ٢٣ ]
نحو: مررت برجلٍ عدلٍ، وبرجلين عدلٍ، وبرجالٍ عدلٍ، وبامرأةٍ عدلٍ، وبامرأتين عدلٍ، وبنساء عدلٍ .. اللفظ واحد مطلقًا بقطع النظر عن المنعوت، ويلزم حينئذٍ الإفراد والتذكير، والسر في ذلك: أنهم نظروا إلى اللفظ، يعني لفظ المصدر، والمصدر من حيث هو لا يثنى ولا يجمع، ولم ينظروا إلى المعنى الذي يصح عليه الكلام، وهذا مما يرجح تقدير البصريين مضافًا محذوفًا؛ لأنهم لو نظروا إلى المعنى بكونه اسم فاعل أو مفعول لثنوه وجمعوه، يعني: العرب لما نعتوا به لم يراعوا فيه المعنى، بل راعوا فيه اللفظ، حينئذٍ إذا جئت تقدر إما أن تقدر باعتبار اللفظ وإما أن تقدر باعتبار المعنى، ما الدليل على أن العرب لم يراعوا فيه المعنى؟ التزام اللفظ من حيث هو مع المذكر والمثنى والجمع، فلما التزموا تذكيره وإفراده علمنا أنهم قصدوا اللفظ من حيث هو لفظ لا باعتبار المعنى، فإذا جئنا نؤوله نؤوله بما يكون مضافًا أولى من أن ننظر إلى المعنى، لأنهم تركوا؛ إذ لو نظروا للمعنى لقالوا: عادلًا، وعادلتينِ، وعُدّل، ونحو ذلك، لكنهم تركوا هذا فدل على أنهم نظروا إلى اللفظ.
وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا فَالْتَزَمُوا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا
قال: وهو مؤول -هنا قال-: ويلزم حينئذٍ الإفراد والتذكير والنعت به على خلاف الأصل؛ لأنه يدل على المعنى لا على صاحبه، وهو مؤول إما على وضع عدلٍ موضع عادل أو على حذف مضاف والأصل مررت برجلٍ ذي عدلٍ، وهذا أولى، ثم حذف ذي وأقيم عدل مقامه وإما على المبالغة بجعل العين نفس المعنى مجازًا أو ادعاء.
يعني: جاء زيدٌ عدلٌ هو العدل نفسه، مبالغة، لذلك عبر به، لكن هذا ليس بجيد.
قوله: (وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ) العرب لم ينعتوا بالمصدر إلا بشرط: أن يكون مصدرًا لفعل ثلاثي، أو بزنة مصدر الفعل الثلاثي، فالأول: كعدلٍ، ورضى، وزور، والثاني: كفطر اسم مصدر فعله أَفطَر، فِطْر هذا اسم مصدر؛ لأنه نقص حرف من الفعل الماضي، أفطَر فِطْر، أفطر مفطرٌ ولا تقل: فاطر، أفطر فهو مفطر.
وألا يكون هذا المصدر مصدرًا ميميًا كمضرب، ومنصب، إذًا يشترط فيه .. في هذا المصدر الذي يصح أن يقع نعتًا .. ليس مطلقًا، فإن أطلق الناظم هنا (بِمَصْدَرٍ) ليس كل مصدر، المصدر الرباعي، والخماسي، والسداسي لا، وإنما هو مصدر ثلاثي بشرط ألا يكون ميميًا فقط. إذًا: ليس كل مصدر.
وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ إِذَا اخْتَلَفْ فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ لاَ إِذَا ائْتَلَفْ
هذا شروع منه في تعدد النعت، هل يجوز أن يتعدد النعت أولًا؟ نقول: نعم. يجوز أن يتعدد النعت كما جاز تعدد الخبر لأن محملهما واحد، كل منهما فيه معنى الإخبار، كل منهما وصف.
وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ إِذَا اخْتَلَفْ فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ لاَ إِذَا ائْتَلَفْ
(غَيْرِ وَاحِدٍ) أراد به المثنى والجمع، هذا الظاهر من عبارة الناظم وجماهير النحاة على هذا، أن الحكم مخصوص بما إذا كان المنعوت مثنى أو مجموعًا.
(وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ) غير الواحد هو المثنى والجمع، وهذا تحته صورتان:
[ ٨٩ / ٢٤ ]
إحداهما: اختلاف معنى النعتين، أو النعوت، يعني: إذا اختلف معنى النعت: مررت بالزيدين الكريم والبخيل، الكريم والبخيل تعددت النعوت هنا، والمنعوت مثنى، مررت برجال كريم وبخيل وسفيه، هذه تعددت النعوت والمنعوت جمع.
إحداهما: اختلاف معنى النعتين أو النعوت، فهذه يعطف فيها النعت بعضها على بعض، يعني النعوت كلها يعطف بعضها على بعض، فلا يصح أن تقول: جاء الزيدان البخيل الكريم، وإنما يجب أن يعطف الثاني على الأول، فتقول: جاء الزيدان الكريم والبخيل.
إذا اختلفت حينئذٍ وجب التفريق، إذا اختلفت فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ، فرقه بالعاطف وهو حرف الواو على جهة الخصوص. فهذه يعطف فيها النعوت بعضها على بعض بالواو خاصة، نحو: مررت برجلين كريمٍ وبخيل، أو برجالٍ كريمٍ وبخيلٍ وعاقلٍ، إذًا: إذا كان المنعوت مثنى أو جمعًا وتعددت النعوت فحينئذٍ ننظر فيها، اختلفت أم اتفقت؟ اختلفت بخيل، كريم، عاقل .. هذه معاني متحدة أو مختلفة؟ مختلفة، إذًا فرقه، ائت بحرف العطف فتقول: جاء الزيدون الكريم، والبخيل، والعاقل بالواو واجب؛ لأنه يمتنع أن تثني النعت أو أن تجمعه، فتقول: مررت برجال كريم وعاقل وسفيه، نقول: وجب التفريق، هذه الصورة الأولى.
الثانية: أن تكون مؤتلفة، يعني بمعنى واحد، زيد كريم والثاني زيد كريم، فتقول: جاء الزيدان الكريم والكريم، أو تقول: الكريمان؟ الكريمان هو هذا المراد، إذا كان المنعوت مثنى وكان النعت مؤتلفًا، يعني: متفقًا: كريم وكريم وكريم، فتقول: جاء الرجال الكرماء، فلا تقل: جاء الرجال الكريم والكريم والكريم، هذا يخالف لسان العرب وهو القاعدة الكبرى: الاختصار، لا بد من الاختصار، حينئذٍ بدلًا من أن نأتي بالألفاظ على أصلها: الكريم والكريم والكريم، نقول نجمعها.
إذًا الصورة الثانية: ائتلافهما أو ائتلافها، فهذه يستغنى فيها بالتثنية والجمع عن العطف، نحو: مررت برجلين كريمين، ولا تقل: برجل كريم كريم، ولا: برجل كريم وكريم، لماذا؟ لاتفاق لفظي النعت، وتقول: مررت برجال كرام، بدلًا من أن تقول: برجال كريم كريم كريم، هذا مراده بهذا البيت.
(وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ).
نَعْتُ مبتدًا وهو مضاف و(غَيْرِ وَاحِدٍ) هذا مضاف إليه.
و(وَاحِدٍ) هذا نعت لمحذوف تقديره: ونعت غير منعوتٍ واحدٍ. لا بد من هذا، والمراد به المثنى والمجموع فقط.
(إِذَا اخْتَلَفْ فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ) إذا اختلف لفظًا ومعنى، كالعاقل والكريم في المثال الذي ذكرناه، أو معنى لا لفظًا، أو لفظًا لا معنى، إذًا الاختلاف إما أن يكون في اللفظ والمعنى معًا، أو في اللفظ دون المعنى، أو في المعنى دون اللفظ، القسمة ثلاثية عقلية كلها مرادة.
(وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ إِذَا اخْتَلَفْ) أي لفظًا ومعنى، كالعاقل والكريم، أو معنى لا لفظًا كالضارب من الضرب بالعصا مثلًا والضارب من الضرب في الأرض أي: السير فيه، أو لفظًا لا معنى كالذاهب والمنطلق.
[ ٨٩ / ٢٥ ]
(فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ) إذًا تقول: جاء الزيدان الذاهب والمنطلق، اتفقا في المعنى واللفظ أم اختلفا؟ اختلفا في اللفظ دون المعنى، إذًا قوله: (إِذَا اخْتَلَفْ) يشمل هذه الأحوال الثلاثة، فيما إذا اختلفا لفظًا ومعنى كالكريم والبخيل، معنى البخيل مغاير بل هو ضد لمعنى الكريم، واللفظ مختلف، كذلك إذا اتفقا لفظًا واختلفا معنى كالضارب، جاء الزيدان الضارب والضارب، هنا يجب التفريق، إذا كان معنى الأول "الضارب" الذي يضرب "يصفع"، والثاني: الذي يضرب يعني: يسير في الأرض، إذًا اتفقا في اللفظ واختلفا في المعنى.
(فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ) يجب التفريق هنا، لعدم الاتحاد، كذلك إذا اتفقا معنىً واختلفا لفظًا، جاء الرجلان المنطلق والذاهب، عين المنطلق هو عين الذاهب بمعنى واحد، لكن اختلفا في اللفظ، إذًا قوله: (إِذَا اخْتَلَفْ) هذا عام، مطلق الاختلاف.
(فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ) الفاء واقعة في جواب الشرط، يعني ففرقه عاطفًا .. حال كونك عاطفًا، عَاطِفًاحال من الضمير في فَرَّقْهُ، وفرقه فعل أمر، والضمير هذا المتصل في محل نصب مفعول به.
(فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ) أي فرق النعت حال كونك عاطفًا بالواو، أطلق الناظم هنا، فعاطفًا بأي حرف؟ يحتمل الواو، ويحتمل أو، ويحتمل ثم، الفاء .. إلى آخره، لكن المراد به الواو. (فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ) أي: فرق النعت حال كونك عاطفًا بالواو فقط إجماعًا بخلاف ما إذا كان المنعوت واحدًا، فإنه يجوز العطف بغير الواو، حكى سيبويه: مررت برجل راكبٍ فذاهبٍ، وليس هذا محله، الكلام هنا ليس في هذا، مررت برجلٍ، الكلام هنا فيما إذا كان مثنى أو جمع، وأما الواحد فاستثناه الناظم قال: (وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ) يعني المفرد إذا نُعت ليس الكلام فيه. مررت برجل راكب فذاهب يجوز، مررت برجل راكب فذاهب عطفته بغير الواو وهو جائز. وبرجل راكب ثم ذاهب؛ لأن قصد الترتيب في حصول الوصفين للرجل سائغ؛ لأنه قد يكون رتب بين الوصفين، بخلاف ما إذا كان المنعوت مثنى أو جمعًا.
(لاَ إِذَا ائْتَلَفْ) أما إذا ائتلف حينئذٍ تثنيه وتجمعه، يعني إذا اتفق النعت لفظًا ومعنى وكان المنعوت مثنى ثنيت النعت، وإذا كان المنعوت جمعًا جمعت النعت، فتقول: مررت برجلين كريمين، ولا تقل: كريم وكريم؛ لأنهما ائتلفا لفظًا ومعنى، وتقول: مررت برجال كرماء، ولا تقل: كريم وكريم وكريم؛ لأنها ائتلفت لفظًا ومعنى.
وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ إِذَا اخْتَلَفْ فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ لاَ إِذَا ائْتَلَفْ
(وَنَعْتُ) قلنا هذا مبتدأ، أين الخبر؟ أين جملة الشرط؟ (إِذَا اخْتَلَفْ) (إذا) هذه ظرف زمان مضمنة معنى الشرط، واختلفا هذا فعل الشرط.
(فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ) فرقه عاطفًا، (لاَ إِذَا ائْتَلَفْ) (لا) حرف عطف، (إِذَا ائْتَلَفْ) أين جوابه؟ فلا تفرقه، معلوم مما سبق، دل عليه ما سبق، أين الخبر؟
[ ٨٩ / ٢٦ ]
جملة: إذا اختلف ففرقه عاطفًا، هذه الجملة في محل رفع على الصحيح، أن جملتي الشرط: فعل الشرط والجواب في محل رفع خبر المبتدأ، وقيل: جملة الشرط فقط، دون الجواب، وقيل العكس وقيل: مما سد فيه جملة الشرط مسد الخبر، يعني: هذا المبتدأ لا خبر له، إذا قيل: (وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ) عند بعض النحاة وليسوا بقلة: نَعْتُ هنا مبتدأ وليس له خبر، مثل: أقائم الزيدان، قائم مبتدأ وليس له خبر، وإنما له فاعل سد مسد الخبر، كذلك له هنا جملة شرط سدت مسد الخبر.
وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ إِذَا اخْتَلَفْ فَعَاطِفًا فَرَّقْهُ لاَ إِذَا ائْتَلَفْ
إذا نعت غير الواحد فإما أن يختلف النعت أو يتفق، فإن اختلفا وجب التفريق بالعطف، كذلك أطلق ابن عقيل، لا بد أن نقيده بالواو فتقول في المختلف: مررت بالزيدين الكريم والبخيل، وبرجال فقيه وكاتب وشاعر، وإن اتفقا جيء به مثنى أو مجموعًا نحو: مررت برجلين كريمين وبرجال كرماء.
قال في التسهيل: يُغلب التذكير والعقل عند الشمول يعني: عند الجمع إذا جمع، فإذا جمع .. جمعت هذا وذاك، وعبرت بمثنى أو جمع تغلب التذكير والعقل، التذكير على المؤنث، والعقل على غير العاقل، يعني تأتي به بصيغة جمع تصحيح مثلًا بالواو والنون.
يُغلَّب التذكير والعقل عند الشمول وجوبًا وعند التفصيل اختيارًا، تقول: مررت برجل وامرأة صالحين، الأصل: مررت برجل وامرأة صالح وصالحة، لكن نقول هنا: وجب العطف أو أن نأتي بمثنى؟ الثاني، أن نجمعهما بلفظ واحد فتقول: مررت برجل وامرأة صالحَين، صالحين مثنى مذكر أو مؤنث؟ مذكر، إذًا مررت برجل وامرأة صالحين، ولم تقل صالحتين، لو قلت: صالحتين غلبت المؤنث على المذكر، وهنا مررت برجل وامرأة صالحين، غلبت المذكر على المؤنث، مع أن كلًا منهما عاقل: الرجل عاقل والمرأة عاقل.
وبرجلٍ وامرأتين صالحِين، ولا تقل: صالحات؛ لأن الرجل واحد يغلب، وبرجلٍ وأفراس سابقين ولا تقل: سابقات؛ لاعتبار أفراس؛ لأنه جمع ما لا يعقل.
والتغليب بالعقل خاص بجمع المذكر وعند التفصيل، يعني: التفريق اختيارًا: مررت بعبيد وأفراس سابقين وسابقات، سابقين وسابقات، يجوز هذا وذاك، وعلى عدمه: سابقين وسابقات.
وَنَعْتَ مَعْمُولَيْ وَحِيدَيْ مَعنْىَ وَعَمَلٍ أَتْبِعْ بِغَيْرِ اسْتِثْنَا
إذا نُعت معمولان لعاملين متحدي في المعنى والعمل أتبع النعت المنعوت رفعًا ونصبًا وجرًا، نأخذ المثال؛ لأنا وقفنا مع البيت.
إذا قيل: ذهب زيد وانطلق عمروٌ، وجمعت بينهما في نعت واحد فقلت: العاقلان، هنا العاقلان هذا نعت لمعمولين وهو فاعل ذهب وفاعل انطلق، العاقلان نعت لمعمولين، ما حكم هذين المعمولان؟ هل اتفقا في المعنى والعمل أم اختلفا؟ ذهب زيد، انطلق عمرو، ذهب وانطلق مختلفان في المعنى أو متحدان؟ متحدان في المعنى، الذهاب والانطلاق بمعنى واحد، ذهب زيد رفع فاعلًا، وانطلق عمروً رفع فاعلًا، إذًا وقع النعت هنا لمعمولين متحدي في المعنى والعمل، هذا الذي أراده بالبيت.
[ ٨٩ / ٢٧ ]
(وَنَعْتَ مَعْمُولَيْ وَحِيدَيْ مَعنْىَ وَعَمَلٍ أَتْبِعْ): يعني يكون تابعًا لما قبله، في الرفع؛ لأن التابع يأخذ حكم المتبوع، فإذا كان مرفوعًا رفع، ولكون المتبوع هنا في المحلين المعمولين مرفوعًا كذلك صار النعت مرفوعًا.
(وَنَعْتَ مَعْمُولَيْ) نَعْتَ هذا مفعول مقدم لقوله: أَتْبِعْ، نَعْتَ هذا مصدر أضيف إلى المفعول، (وَنَعْتَ مَعْمُولَيْ وَحِيدَيْ مَعنْىَ وَعَمَلٍ) يعني متحدين في المعنى والعمل.
وقوله: (وَحِيدَيْ) هذا نعت لمحذوف يجب تقديره، يعني نعت معمولي عاملين، (وَحِيدَيْ مَعنْىَ وَعَمَلٍ) يعني: متحدين في المعنى والعمل.
(أَتْبِعْ) مطلقًا (بِغَيْرِ اسْتِثْنَا) يعني: لا تقطعه بأن تفصله عما سبق، فتفصله عن كونه نعتًا لسابقه، بل تعربه نعتًا لما سبق.
وَنَعْتَ مَعْمُولَيْ وَحِيدَيْ مَعنْىَ وَعَمَلٍ أَتْبِعْ بِغَيْرِ اسْتِثْنَا
أي: متحدين في المعنى والعمل، سواء اتحدا لفظًا أم لا، يعني المعمولان قد يتحدان في اللفظ: جاء زيد وجار عمرو العاقلان، العاقلان هذا نعت، أين المنعوت؟ زيد وعمرو، المنعوت هو المعمولان زيد وعمرو، إذًا جاء زيد، وجاء عمرو العاقلان، نقول: العاقلان نعت، أين منعوته؟ زيد وعمرو، ما العامل فيهما؟ جاء، اتحدا في اللفظ والمعنى؟ نعم اتحدا في اللفظ والمعنى.
إذًا: (وَحِيدَيْ مَعنْىَ وَعَمَلٍ) يعني متحدين في اللفظ والمعنى معًا، أو متحدين في المعنى دون اللفظ فيشمل هذا وذاك، مثل المثال الذي ذكره ابن عقيل: ذهب زيد وانطلق عمرو العاقلان، العاقلان نعت لأي شيء؟ لزيد وعمرو، ما العامل فيهما؟ ذهب وانطلق، متحدان في المعنى دون اللفظ.
فالأول: كجاء زيد وجاء عمرو العاقلان، والثاني: كذهب زيد وانطلق عمرو العاقلان.
زاد بعضهم شرطًا ثاني وهو اتفاق المنعوتين تعريفًا وتنكيرًا، فلا يجوز جاء رجل وجاء زيد العاقلان، العاقلان نعت لأي شيء؟ لرجل وزيد، لا يصح هذا، لماذا؟ لاشتراط اتفاق اتحاد النعت والمنعوت تعريفًا وتنكيرًا، فلا يجوز: جاء رجل وجاء زيد العاقلان، ولا عاقلان، يعني: لا يجوز لا بالتعريف ولا بالتنكير، لما يلزم من نعت النكرة بالمعرفة والعكس.
وزاد بعضهم شرطًا رابعًا: وهو ألا يكون أحد المنعوتين اسم إشارة، فلا يجوز جاء هذا وجاء زيد العاقلان، لا يجوز أن يكون أحد المنعوتين اسم إشارة، جاء هذا وجاء زيد العاقلان؛ لعدم جواز الفصل بين المبهم ونعته، يعني سيأتي اسم الإشارة إذا نعت لا بد أن يكون متصل به بلا فاصل، لو فصل بينهما ما جاز أن يكون نعتًا، فإذا قلت: جاء هذا وجاء زيد العاقلان امتنع، لو عكست: جاء زيد وجاء هذا العاقلان صح؛ لأن العلة السابقة منفية هنا، وهو الفصل بين النعت والمبهم.
لعدم جواز الفصل بين المبهم ونعته، فإن أخر اسم الإشارة كجاء زيد وجاء هذا العاقلان جاز.
(وَنَعْتَ مَعْمُولَيْ وَحِيدَيْ مَعنْىَ وَعَمَلٍ أَتْبِعْ) أي أجز الإتباع، لا أن الإتباع واجب؛ لأنه يجوز فيه القطع، وفهم منه جواز الإتباع إذا كان العامل فيهما واحدًا نحو: ذهب زيدٌ وعمروٌ العاقلان وهو من باب أولى وأحرى، وليس الحديث فيه.
[ ٨٩ / ٢٨ ]
إذًا قوله: (أَتْبِعْ) المراد به جواز الإتباع لا أنه واجب؛ لأنه نقل عدم الإتباع، مطلقًا بغير استثناء، هنا قال: (بِغَيْرِ اسْتِثْنَا) ما مراده بغير استثناء؟ فسر بثلاثة أقوال .. بغير استثناء؛ لأنه متعلق بقوله: (أَتْبِعْ) مطلقًا (بِغَيْرِ اسْتِثْنَا) مراده: بغير استثناء قصره للضرورة، أي: سواء كان المتبوعان مرفوعي فعل أو خبري مبتدأين، أو منصوبين أو مخفوضين مطلقًا كله منعوت، لا يستثنى شيء من هذه؛ لأن بعضهم استثنى إذا كان خبري مبتدأ، وبعضهم استثنى إذا كان مرفوعي فعل، والصواب أنه مطلقًا، فالمنعوت يكون مطلقًا، إذًا بِغَيْرِ اسْتِثْنَا أي: سواء كان المتبوعان مرفوعي فعل أو خبري مبتدأين أو منصوبين أو مخفوضين.
وقيل: يحتمل قوله (بِغَيْرِ اسْتِثْنَا) أن الإتباع سائغ فيما ذكر بغير استثناء، يشير إلى قول من يمنع الإتباع وإن اتفقا في المعنى وهو قول ابن السراج ويحتمل أنه يريد بغير استثناء في الرفع والنصب والجر وبه جزم ابن الناظم، على أن مراده بِغَيْرِ اسْتِثْنَا سواء كان مرفوعًا أو مخفوضًا أو منصوبًا، وكلها متداخلة هذه خاصة القولان الأخيران متداخلان.
وَنَعْتَ مَعْمُولَيْ وَحِيدَيْ مَعنْىَ وَعَمَلٍ أَتْبِعْ بِغَيْرِ اسْتِثْنَا
قال الشارح: إذا نعت معمولان لعاملين متحدي المعنى والعمل أُتبع النعت المنعوت رفعًا ونصبًا وجرًا نحو -فيما اتحدا معنى لا لفظًا-: ذهب زيد وانطلق عمرو العاقلان، العاقلان هذا نعت منعوته زيد وعمرو، فهما معمولان لفعلين متحدي في المعنى والعمل، كل منهما رفع فاعلًا.
وحدثت زيدًا وكلمت عمرًا الكريمين، الكريمين نعت، منعوته زيدًا وعمرًا اتفقا، لعاملين حدثتُ وكلمتُ، اختلفا في اللفظ واتفقا في المعنى، والعمل كذلك؛ لأن كلًا منهما نصب، والكريمين نعت للمنصوبين.
ومررت بزيدٍ وجزت على عمروٍ الصالحين، الصالحين نعت، لماذا؟ زيد وعمرو معمولان للباء وعلى، إذًا نقول هنا: أَتْبِعْ يجوز الإتباع.
(وَنَعْتَ مَعْمُولَيْ وَحِيدَيْ مَعنْىَ وَعَمَلٍ أَتْبِعْ) إذا اختلف معنى العاملين لا يجوز الإتباع، يجب القطع.
إذا اختلف معنى العاملين لم يجز الإتباع وتحته ثلاث صور .. اختلاف المعنى. إذا اختلف معنى العاملين لم يجز الإتباع وفيه ثلاث صور: الأولى: أن يختلفا في المعنى واللفظ، اختلفا مطلقًا، اختلاف كلي من كل وجه معنى ولفظًا نحو: ذهب زيد وهذا عمروٌ العاقلان أو العاقلين يجوز الوجهان، على القطع العاقلان خبر مبتدأ محذوف، والعاقلين مفعول به.
إذًا: ذهب زيد وهذا عمروٌ العاقلان، هنا اختلفا في المعنى، ذهب هذا فعل، وهذا هذا اسم، إذًا اختلفا في الجنس، هذا من جنس الفعل وهذا من جنس الاسم، إذًا لا يمكن أن يكون ما بعدهما تابعًا لهما.
إذًا: زيد وعمروٌ نقول: العاقلان نعت لهما، هذا في الأصل، لكن لما اختلف العاملان في المعنى وجب القطع، فالعاقلان بالألف على أنه خبر لمبتدأ محذوف، ويجوز النصب، فتقول: ذهب زيد وهذا عمروٌ العاقلين .. أعني العاقلين.
[ ٨٩ / ٢٩ ]
الثانية: أن يختلفا في اللفظ والمعنى ويتحدا في الجنس، قام زيد وخرج عمروٌ الكريمان، قام وخرج مختلفان في اللفظ وفي المعنى، لكن قام فعل وخرج فعل اتحدا في الجنس، العاقلان لا نقول: نعت، وإنما هو خبر لمبتدأ محذوف هما العاقلان، أو العاقلين بالنصب على أنه مفعول به.
الثالثة: أن يتفقا في الجنس وفي اللفظ ويختلفا في المعنى. يتفقا في الجنس، كل منهما فعل، وفي اللفظ .. النطق، ويختلفا في المعنى نحو: وجد زيد ووجد عمروٌ، إذا أريد بوجد الأول حزن، وبالثاني أصاب .. وجد ضالته، فالوجود يختلف، اتفقا في اللفظ وفي الجنس كل منهما فعل واختلفا في المعنى.
إذًا إذا اختلف معنى العاملين مطلقًا ولو اتحدا في اللفظ حكمنا عليه بوجوب القطع.
فإن اختلفا معنى العاملين أو عملهما، قد يتحدان لكن يختلف العمل لم يجز الإتباع بل يجب القطع، ضربت زيدًا وقام عمروٌ العاقلان، نقول: اختلف العمل هنا، الأول نصب زيدًا والثاني رفع، إذًا العاقلان بالرفع أو بالنصب؟ لو أردنا أننا نتبعه النعت لا بد أن يكون مطابقًا للمنعوت، حينئذٍ لما اختلف العمل لا يمكن الإتباع، امتنع الإتباع؛ لأنه إذا اتحدا رفعًا كالصورة الأولى: ذهب زيد وانطلق عمروٌ العاقلان لا إشكال فيه، أما ضربت زيدًا وقام عمروٌ العاقلان! نقول: لا. العاقلان هذا خبر لمبتدأ محذوف، أو العاقلين.
وكذا إذا كان العامل واحدًا واختلف عمله نحو: خاصم زيدٌ عمرًا العاقلان لا يصح، وإن جوزه البعض، الجمهور على عدم الجواز، حينئذٍ خاصم زيد عمرًا لا نقول: العاقلان، على أنه تابع لما سبق.
إذًا: إذا اختلف معنى العاملين أو عملهما وجب القطع وامتنع الإتباع، لماذا؟ لأن العمل الواحد لا يمكن نسبته لعاملين، من شأن كل واحد منهما أن يستقل بنفسه.
وامتنع الإتباع فتقول: جاء زيدٌ وذهب عمروٌ العاقلين، جاء زيدٌ وذهب عمروٌ هنا اختلف المعنى أو العمل؟ المعنى؛ لأن العمل متحد، كل منهما مرفوع، هذا اقتضى فاعل وهذا اقتضى فاعل، وأما جاء وذهب مختلفان.
بالنصب على إضمار فعل أي: أعني العاقلين وبالرفع على إضمار مبتدأ أي هما العاقلان، وتقول انطلق زيد وكلمت عمرًا الظريفين، اختلفا في المعنى والعمل، أي: أعنى الظريفين أو الظريفان، أي: هما الظريفان، ومررت بزيدٍ وجاوزت خالدًا الكاتبين أو الكاتبان. كسابقه.
وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَدْ تَلَتْ مُفْتَقِرًا لِذِكْرِهِنَّ أُتْبِعَتْ
(وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ) قد يكون للمنعوت الواحد نعتان فصاعدًا بعطفٍ كقوله تعالى: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى» [الأعلى:١] «الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى» [الأعلى:٢] «وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى» [الأعلى:٣] «وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى» [الأعلى:٤] «وَالَّذِي» هذه كلها نعوت والمنعوت واحد ومعطوفًا بالواو، لا نعربها نعوت، هي في المعنى نعت، الأول نعت، وما بعده الذي عطف بالواو فصل هذا صار عطف النسق، وبغير عطف كقول: «هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ» [القلم:١١] هذه كلها نعوت وبدون واو.
فإن كان المنعوت مفتقرًا لذكرها كلها وجب إتباعها، وهو الذي عناه بالبيت الأول:
[ ٨٩ / ٣٠ ]
(وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَدْ تَلَتْ مُفْتَقِرًا) تَلَتْ: يعني تبعت منعوتًا مُفْتَقِرًا لِذِكْرِهِنَّ أُتْبِعَتْ يعني: إذا كان المنعوت لا يعرف إلا بهذه النعوت مجتمعة لا يجوز القطع، ويجب الإتباع، متى؟ إذا اتحد المنعوت .. كان واحدًا، ثم النعوت متعددة: زيدٌ البخيل، الكريم، العالم .. إلى آخره، نقول: إذا كان لا يتميز المنعوت إلا بذكر النعوت كلها وجب الإتباع؛ لأن النعت من شأنه أن يكون موضحًا ومخصصًا، فإذا كان التخصيص والتوضيح لا يحصل إلا باجتماع هذه النعوت وجب أن تكون تابعة لما سبق.
(وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ) وإن كثرت نعوت.
(كَثُرَتْ) فعل ماضي.
و(نُعُوتٌ) هذا فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده أي: وإن كثرت نعوت.
(وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ) كثيرة .. يعني: زادت على نعت واحد، نعت واحد فصاعدًا، اثنان فصاعدًا.
(وَقَدْ) الواو واو الحال، وقد للتحقيق.
(تَلَتْ): يعني تبعت منعوتًا واحدًا.
(مُفْتَقِرًا) افتقارًا كليًا (لِذِكْرِهِنَّ) جميعًا .. كلها، بأن كان لا يعرف إلا بذكرها جميعًا.
(أُتْبِعَتْ) وجوبًا، أي: وجب إتباعها للمنعوت في إعرابه، لماذا؟ لتنزيلها منه منزلة الشيء الواحد، كأنها شيء واحد؛ لأنه مفتقر لها.
إذا تكررت النعوت وكان المنعوت لا يتضح إلا بها جميعًا وجب إتباعها كلها، للعلة التي ذكرناها لتنزيلها منه منزلة الشيء الواحد، فتقول: مررت بزيد الفقيه الشاعر الكاتب.
وهذه إذا كان لا يتميز إلا بها، هذا متى؟ إذا كان عندنا زيد فقيه، زيد آخر شاعر، زيد ثالث كاتب، إذا عندنا ثلاثة وهذا الرابع، إذا عندنا زيد فقيه، وزيد شاعر، وزيد كاتب، حينئذٍ لو قلت: زيد الفقيه الشاعر الكاتب، لو سكت على الأول أتبعته التبس بغيره وهو الشاعر فقط، ولو قلت الكاتب فقط أتبعته التبس بغيره.
إذًا: لا يتميز إلا بذكر هذه النعوت كلها تابعة لسابقه، هذا تصور المثال، يعني لو وجد زيد آخر شاعر، ووجد زيد ثان وهو فقيه، ووجد زيد ثالث وهو كاتب، حينئذٍ إذا نعت زيد آخر رابع بهذه النعوت لا يتميز إلا بهذا؛ لأنك لو سكت على الأول التبس بالفقيه أو بالشاعر أو بالكاتب، ونحو ذلك.
وقد يكون المنعوت معينًا غير محتاج إلى تخصيص بالنعت وإليه أشار بالبيت الآتي.
وَاقْطَعْ أَوَ اتْبعْ إِنْ يَكُنْ مُعَيَّنا بِدُونِهَا أَوْ بَعَضَهَا اقْطَعْ مُعْلِنَا
يعني: إذا اجتمعت أو تعددت النعوت -كثرت-، لكن قد يتضح المنعوت بدونها كلها، فحينئذٍ يجوز قطعها كلها ويجوز إتباعها كلها .. لا يجب، في الأول يجب، هنا يجوز الإتباع، ويجوز القطع، وإذا كان بعضها مفتقرًا إليها المنعوت دون بعض، فحينئذٍ وجب في المفتقَر إليه الإتباع، وجاز في غيره الوجهان الذي هو القطع والإتباع.
وَاقْطَعْ: يعني الجميع.
أَوَ اتْبعْ: يعني الجميع
إِنْ يَكُنْ: المنعوت.
مُعَيَّنا: يعني تعين مسماه بدون النعت.
بِدُونِهَا: كلها.
[ ٨٩ / ٣١ ]
أو اقطع بعضها: متى؟ إذا تعين البعض دون البعض، يعني إذا كان يتميز .. في المثال السابق عندنا زيد شاعر وكاتب وليس عندنا فقيه، فحينئذٍ قلنا: بزيد الفقيه الشاعر الكاتب، نقول: الأول الذي هو الفقيه هذا يتعين؛ لأنه يحصل به التعيين، وما بعده يجوز فيه الوجهان، فتقول: مررت بزيد الفقيه بالنعت وجوبًا، والثاني يجوز الشاعرُ الكاتبُ، الشاعرَ الكاتبَ على القطع، لماذا؟ لأن المنعوت غير مفتقر لهذين الوصفين، وأما الوصف الأول فهو مفتقر إليه، فإن لم يفتقر إليها كلها جاز فيها الوجهان القطع والإتباع، وإن افتقر إليها كلها فهو البيت الذي سبق، إن افتقر لبعضها دون بعض فما افتقر تعين الإتباع وما لا فيجوز فيه الوجهان.
(وَاقْطَعْ) الجميع (أَوَ اتْبِعْ) الجميع، أو أقطع البعض واتبع البعض، وهو ما أشار إليه بقوله: (أَوْ بَعْضَهَا اقْطَعْ) اقطع بعضها (اقْطَعْ) هذا فعل أمر، وبَعْضَهَا هذا مفعول مقدم.
(مُعْلِنَا) يعني مظهرًا ذلك وهو تنكيت على من يقول: أن القطع لا يكون إلا بعد الإتباع.
قال الشارح هنا: إذا كان المنعوت متضحًا بدونها كلها جاز فيها جميعها الإتباع والقطع، وإن كان معينًا ببعضها دون بعض وجب فيما لا يتعين إلا به الإتباع، وجاز فيما يتعين بدونه الإتباع والقطع .. جاز فيه الوجهان، لكن بشرط تقديم المتبع الأول، فإذا كان لا يتعين إلا بالأول حينئذٍ وجب تقديمه أو الثالث وجب أن يتقدم. بشرط تقديم المتبِع.
وإذا كان المنعوت نكرة تعين في الأول من نعوته الإتباع وجاز في الباقي القطع، فلو كان نعتًا نكرة واحدًا نحو: جاء رجل كريم لم يجز قطعه إلا في الشعر ضرورة على المشهور، ونقل عن سيبويه جوازه.
إذًا: إذا كان متعددًا في النكرة مطلقًا يجب أن يتبع الأول، وأما إذا كان غير متعدد فحينئذٍ تعين فيه الإتباع، ولم يتعرض هنا للقطع عند عدم تعدد النعت، والصحيح جوازه، يعني لو قال: مررت بزيد الكريم دون تعدد، الكلام فيما سبق في المتعدد، مررت بزيد الكريم، هنا الأصل الإتباع الكريمِ إذًا نقول: لم يتعرض هنا الناظم للقطع عند عدم تعدد النعت والصحيح جوازه خلافًا للزجاج المشترط في جواز القطع تعدد النعت. ثم النعت إذا قطع خرج عن كونه نعتًا.
إذا قيل: مررت بزيد الكريمِ، الكريمِ هذا على الإتباع بمعنى أن يكون نعت لما سبق بالخفض، هل يجوز قطعه أم لا؟ الزجاج شرط أن القطع لا يصح إلا في المتعدد: مررت بزيدٍ الكريمِ الفقيهِ، فيجوز القطع، أما إذا كان واحدًا فلا، والجمهور على الجواز، فيصح أن يقال: مررت بزيد الكريمِ الكريمَ الكريمُ، بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وبالنصب على أنه مفعول به، ولذلك إذا قطع النعت سواء قطع إلى الرفع أو إلى النصب خرج عن كونه نعتًا .. فليس بنعت، وإنما نرتب عليه جواز القطع وعدم النظر إلى أصله، وهو أنه نعت، نحكم عليه أولًا أنه نعت فُيتبع ثم نقول: لك وجه آخر وهو القطع إلى الرفع أو إلى النصب.
(وَاقْطَعْ أَوَ اتْبِعْ إِنْ يَكُنْ) يعني المنعوت (مُعَيَّنًا بِدُونِهَا) كلها، حينئذٍ جاز لك الوجهان ولا يتعين.
(أَوْ بَعْضَهَا اقْطَعْ مُعْلِنَا) أي: مظهرًا ذلك وهو تنكيت على من منع.
ثم قال:
[ ٨٩ / ٣٢ ]
وَارْفَعْ أَوِ انْصِبْ إِنْ قَطَعْتَ مُضْمِرَا مُبْتَدأً أَوْ نَاصِبًا لَنْ يَظْهَرَا
إذا قطعنا النعت فإما أن نقطعه إلى الرفع أو إلى النصب، ولا يجوز وجه ثالث، يعني تقول: مررت بزيدٍ الكريمِ هذا الأصل، هذا الإتباع، المراد بالإتباع أن يكون نعتًا لما سبق فيأخذ حكمه وهو الخفض في مثل هذا المثال، لك أن تقطعه، يعني: تفصله، يجعل جملة مستقلة ليس تابعًا لما سبق، هذا يسمى قطعًا، تقطعه إلى ماذا؟ إما الرفع وإما النصب، الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف: مررت بزيدٍ الكريمُ أي وهو الكريمُ، والنصب: مررت بزيدٍ الكريمَ أي: أعني الكريم، أو أمدح أو أذم .. إلى آخره، لا يأتي الذم هنا، أي: أعني الكريمَ، حينئذٍ يتعين هذان الإعرابان عند القطع في الرفع والنصب، ولا يجوز غيرهما، وأما باعتبار وجوب الإضمار وعدمه ففيه تفصيل.
(وَارْفَعْ) على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وارفع يعني: إن قطعت النعت، ارفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
(أَوِ) هذا للتخيير، أنت المخير.
(انْصِبْ) على أنه مفعول به.
(إِنْ قَطَعْتَ) النعت عن التبعية أو النعوت أو بعضها، الحكم عام فيما سبق كلها، إن قطعت النعت إن كان واحدًا، عن التبعية، أو النعوت كلها، أو بعضها، إن قطعت هذا شرط في جواز الوجهين، إن لم تقطع وجب الإتباع، إن لم تقطع يعني: لم تنو انفصال هذا النعت عن سابقه، حينئذٍ وجب الإتباع، لا يجوز أن ترفع أو تنصب إلا بنية القطع.
(إِنْ قَطَعْتَ) شرط في جواز الوجهين، وهذا قلنا مفعوله محذوف، يعني: قطعت النعت.
حال كونك (مُضْمِرَا) يعني: حاذفًا مقدرًا (مُبْتَدأً أَوْ نَاصِبًا) مبتدأ في حالة الرفع، لست مقدر المبتدأ الذي رفعته لا، الذي رفعته على أنه خبر، المبتدأ هو المضمر، هو المحذوف.
(أَوْ نَاصِبًا) فعل وهو ناصب على الأصل في النصب، وهو أن يكون للأفعال.
(لَنْ يَظْهَرَا) الألف هذه تثنية فاعل، يعني لن يظهرا الذي هو المبتدأ والناصب، وهذا إذا كان النعت لمجرد مدح أو ذم أو ترحم وجب الإضمار، وأما إذا كان للتخصيص أو الإيضاح فيجوز فيه الوجهان: الذكر والحذف.
قال الشارح: إذا قطع النعت عن المنعوت رفع على إضمار مبتدأ أو نصب على إضمار فعل نحو: مررت بزيد الكريمُ أي هو الكريمُ أو الكريمَ يعني: أعني الكريم.
الحمدُ للهِ الحميدُ، «وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ» [المسد:٤] [المسد:٤] حمالةُ الجمهور على الرفع، وقرأ عاصم بالنصب حَمَّالَةَ يعني: أذم.
وقول المصنف (لَنْ يَظْهَرَا) معناه أنه يجب إضمار الرافع أو الناصب، وإنما وجب حذف العامل ليكون حذفه الملتزم أمارة على قصد إنشاء المدح أو الذم أو الترحم، ولا يجوز إظهاره وهذا صحيح إذا كان النعت لمدح أو ذم أو ترحم، كما ذكرناه في الأمثلة السابقة.
فأما إذا كان لتخصيص أو توضيح فلا يجب الإضمار بل يجوز الوجهان: مررت بزيد الخياطُ خبر لمبتدأ محذوف، مررت بزيد هو الخياط يجوز، هو ابن مالك الذي ذكره سابقًا، أو الخياطَ يعني: أعني الخياطَ. وإن شئت أظهرت فتقول: هو الخياطُ أو أعنى الخياطَ، والمراد بالرافع والناصب لفظة: هو أو أعني.
[ ٨٩ / ٣٣ ]
إذًا قوله: (لَنْ يَظْهَرَا) المراد به أنه خاص بما إذا كان النعت لمجرد مدح أو ذم أو ترحم، أما إذا كان للتخصيص أو التوضيح فيجوز فيه الوجهان ولا يجب، وهذا ما اعتُذر به على الناظم في أول الألفية: قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ، إذ كيف أظهر؟ نقول: لا. هنا للإيضاح وليس للمدح أو الذم أو الترحم، وإنما يجب الإضمار فيما إذا كان واحدًا من هذه الأمثلة، ولذلك نقول: مررت بزيد الكريمُ، وهذا مدح هو الكريمُ، فيجب حينئذٍ إذا رفعت أن تضمر المبتدأ، ولا يجوز إظهاره، فلا يصح أن يقال: مررت بزيد هو الكريمُ، أو ذم مررت بعمروٍ الخبيث أي هو الخبيث، فيجب حذف المبتدأ، أو ترحم مررت بزيد المسكينُ، فيجب حينئذٍ أن تحذف المبتدأ، فأما إذا كان لتخصيص أو توضيح فلا يجب الإضمار، مررت بزيد الخياطُ أو الخياطَ، وإن شئت أظهرت فتقول: هو الخياطُ أو أعني الخياطَ، والمراد بالرافع والناصب لفظة هو أو أعني، وبعضهم عمم، هذا تعميم، لكن في مقام المدح أو الذم يجوز أن تقول: أمدح، ولذلك «وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ» [المسد:٤] أي: أذم حمالة الحطب، ثم قال ﵀:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ
يجوز بكثرة حذف المنعوت إن علم، وكان النعت إما صالحًا لمباشرة العامل نحو: «أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ» [سبأ:١١] أي: دروعًا سابغات، أو بعض اسم مقدم مخفوض بـ (من) أو (في)، فالمخفوض بـ (من) نحو قوله: (مِنَّا ظَعَنَ وَمِنَّا أَقَامَ) أي: منا فريق ظعن، ومنا فريق أقام .. فريق وفريق حذفه في الموضعين، والثاني كقوله: لَوْ قُلْتَ مَا فِي قَوْمِهَا لَمْ تِيثَمِ تأثم .. يَفْضُلُهَا فِي حَسَبٍ وَمَيسَمِ، هذا فيه تفصيل.
قال: أصله لو قلت: ما في قومها أحد يفضلها، يفضلها هذه الجملة نعت لموصوف محذوف تقديره أحد.
إذًا: (وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ) ما عقل: يعني علم، (ما) مبتدأ، وجملة (عقل) صلة الموصول، و(مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ) متعلق بعقل.
(مِنَ الْمَنْعُوتِ) جار ومجرور متعلق بعقل، وعقل بمعنى العلم؛ لأن المراد به الإدراك والإدراك هو عين العلم.
(يَجُوزُ حَذْفُهُ) الجملة خبر عن المبتدأ، ويكثر ذلك في المنعوت ويقل في النعت.
قال: (وَفِي النَّعْتِ يَقِلّ) ويقل في النعت، في النعت متعلق بقوله يقل، والضمير هنا يعود على الحذف، يعني يقل الحذف في النعت.
مفهومه: أنه في المنعوت كثير، إذًا يحذف كلٌّ من النعت والمنعوت إذا علم، وأما إذا لم يعلم فلا يجوز على القاعدة المشهورة، والأكثر أن يكون الحذف للمنعوت بخلاف النعت؛ لأن النعت إنما جيء به للغرض الذي ذكرناه.
قال الشارح: أي: يجوز حذف المنعوت وإقامة النعت مقامه إذا دل عليه دليل نحو قوله تعالى: «أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ» [سبأ:١١] وهذا لأن العامل صالحًا لأن يباشره، أي: دروعًا سابغات، وكذلك يحذف النعت إذ دل عليه دليل لكنه قليل: «قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ» [البقرة:٧١] البين، «إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» [هود:٤٦] الناجين .. حذف الناجين.
«يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا» [الكهف:٧٩] سفينة صالحة.
[ ٨٩ / ٣٤ ]
وقوله: (مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ) يشمل حذفهما معًا، نحو: «لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا» [طه:٧٤] يعني: لا يموت فيها ولا يحيا حياة نافعة، حذف الموصوف وصفته، إذ لا واسطة بين مطلق الحياة والموت، وقوله: (عُقِلْ) مفهومه أنه إذا لم يعقل لا يجوز الحذف، وقوله: (يَجُوزُ حَذْفُهُ) هذا إطلاق ومفهومه مقيد بقوله: (وَفي النَّعْتِ يَقِلّ) يعني: أنه كثير.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٨٩ / ٣٥ ]