عناصر الدرس
* تتمة معاني حروف العطف (أم) وأنواعها
* أو إما لكن لا بل
* العطف على الضمير المرفوع المتصل
* العطف على الضمير المخفوض.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
قال الناظم - رحمه الله تعالى -:
وَ"أَمْ" بِهَا اعْطِفْ إِثْرَ هَمْزِ التَّسْوِيَهْ أَوْ هَمْزَةٍ عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ" مُغْنِيَهْ
(أمْ) على قسمين: منقطعة وستأتي، ومُتَّصِلة: وهي التي عناها الناظم رحمه الله تعالى بهذا البيت: (وَ"أَمْ" بِهَا اعْطِفْ إِثْرَ هَمْزِ التَّسْوِيَهْ)، و(أم) المُتَّصِلة سميت مُتَّصِلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمى: معادِلة، لمعادلتها للهمزة في إفادة التسوية، وهذا في النوع الأول الذي عناه بقوله: (وَ"أَمْ" بِهَا اعْطِفْ إِثْرَ هَمْزِ التَّسْوِيَهْ) والاستفهام في النوع الثاني وهي (أم) التي تكون مغنيةً عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ").
إذًا (أم) المراد بهذا البيت أم المُتَّصِلة، المنقطعة ستأتي.
(أَمْ) هذا مبتدأ، و(اعطف بها) (بها) جار ومجرور مُتعلِّق بـ: (اعْطِفْ) وهو فعل أمر، والجملة خبر، كما سبق أنه يجوز إيقاع الجملة الطلبية خبرًا عن المبتدأ، فـ (أم) قصد لفظها وهي حرف في الأصل، لكن هنا مبتدأ، و(بِهَا) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (اعْطِفْ) والفاعل: ضمير مستتر وجوبًا
تقديره أنت، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، هذا بناءً على قول الجمهور من صحة إيقاع الجملة الطلبية خبرًا عن المبتدأ.
(إِثْرَ) هذا ظرف، بمعنى: بعد، ظرف مكان مُتعلِّق بقوله: (اعْطِفْ) اعطف بعد .. إثر، وهو مضاف و(هَمْزِ التَّسْوِيَهْ) (هَمْز) مضاف إليه، و(هَمْزِ) مضاف و(التَّسْويَهْ) مضافٌ إليه، (أَوْ) للتنويع (هَمْزَةٍ) هذا معطوف على (هَمْزٍ) يعني: أو إثر همزٍ .. أو إثر همزةٍ، معطوف عليه، والهمز يُذكَّر ويُؤنَّث، ولذلك ذَكَّره في الأول وأنَّثَه في الثاني، فهو معطوفٌ على قوله: (هَمْزٍ).
(عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ" مُغْنِيَهْ) مغنية هذا نعت لهمزٍ، همزة مغنيةٍ، (عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ") عن لفظ: جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (مُغْنِيَهْ) لأن المغني اسم فاعل فتعلق به الجار والمجرور، ولفظ: مضاف، وأيِّ: مضافٌ إليه.
إذًا: أشار بهذا البيت إلى أن (أم) تكون مُتَّصِلة، وهي التي تقع بعد همزة التسوية (إِثْرَ هَمْزِ التَّسْوِيَهْ) يعني: تقع بعد همزة التسوية، نحو: سواءٌ عليَّ أقُمتَ أم قَعَدتَ، (أمْ) نقول: هذه مُتَّصِلة، لماذا؟ لأنها وقعت بعد همز التسوية، وهي الداخلة على: أقُمت، وهي المتقدمة عليها سواء وليس اللفظ خاصٌ بسواء.
[ ٩٤ / ١ ]
(وَ"أَمْ" بِهَا اعْطِفْ إِثْرَ هَمْزِ التَّسْوِيَهْ)، همز التسوية هي الهمزة الداخلة على جملةٍ في محل المصدر، يعني: ما بعدها يكون مصدرًا، وسبق معنا: أن همز التسوية بعضهم يرى أنها من حروف المصدرية، يعني: تؤول مع ما بعدها بمصدر، وإن كان المشهور عند النحاة خلاف ذلك، حينئذٍ: «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ» [البقرة:٦] الهمزة هنا همز التسوية، دخلت على فعل .. جملة فعلية، حينئذٍ تؤول مع ما بعدها بمصدرٍ عند بعضهم، فيجعلون مثل (أن) المصدرية و(ما) المصدرية و(لو) و(كي)، فهي حرفٌ مصدري، حينئذٍ تصير الحروف المصدرية ستة، مع ما سبق خمسة وهذه السادسة، لكن أكثر النحاة على المنع.
وجعلوا ما بعدها في قوة المصدر، يعني: يؤول بمصدر، وهذا من الغرائب! «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ» [البقرة:٦] يعني: مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه، من أين جئنا بإنذارك؟ قالوا: جُعل ما بعدها همزة التسوية مصدر، فهي داخلةٌ على جملة في محل المصدر، ولكنها لا تؤول مع ما بعدها بمصدر، من أين جئنا بالمصدر؟ لا بُدَّ من حرفٍ ينسبك مع ما بعده فيؤول بالمصدر، قالوا: لا، وإنما دخلت على جملةٍ في محل المصدر.
إذًا (هَمْزُ التَّسْوِيَهْ) هي الهمزة الداخلة على جملةٍ في محل المصدر، يعني: ما بعد الهمزة في محل المصدر، وليست الهمزة حرفًا مصدريًا تؤول مع ما بعده بمصدر، هذا على قول الجمهور، ومن رأى أنها مصدرية أولها ما بعدها بمصدر، مثل: (أن) و(ما) المصدرية.
وتكون هي والمعطوفة عليها فعليتين وهو الأكثر، نحو قوله تعالى: «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ» [البقرة:٦] يعني: تكون (أمْ) والمعطوف عليها جملتان فعليتان، «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ» [البقرة:٦] أمْ: هنا الشاهد، أأنذرتهم: هذه سابقة على (أمْ) «أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ» [البقرة:٦] هذه لاحقة، إذًا: وقعت (أمْ) بين جملتين فعليتين، الأولى: أنذرتهم، والثانية: أم لم تنذرهم، وقعت (أمْ) بينهما.
والجملة الأولى دخلت عليها همزة التسوية: أأنذرتهم، الهمزة الأولى همزة التسوية، إذًا: (أمْ) مسبوقة بهمزة التسوية، ودخلت على جملةٍ فعلية، وجاء بعد (أمْ) جملة فعلية، هذا صورة لـ (أمْ) المُتَّصِلة.
أن تكون هي والمعطوفة عليها فعليتين وهو الأكثر، كالآية التي ذكرناها.
واسميتين، نحو: (أَموتيَ ناءٍ أَمْ هوَ الآنَ واقعُ) إذًا (أمْ) المُتَّصِلة وقعت بين جملتين، أموتي ناءٍ: بعيد، جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر، أم هو الآن واقع .. هو واقع، إذًا: وقعت بين جملتين اسميتين، ودخلت همزة التسوية على الجملة الأولى: أموتي، إذًا: (أَموتيَ ناءٍ أَم هوَ الآنَ واقعُ) (أمْ) المُتَّصِلة وقعت بين جملتين اسميتين، والجملة الأولى دخلت عليها همزة التسوية.
[ ٩٤ / ٢ ]
ومختلفتين، يعني: أن تقع (أمْ) بين جملتين إحداهما اسمية والأخرى فعلية، نحو: «سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ» [الأعراف:١٩٣] أدعوتموهم: همزة التسوية، دخلت على: دعوتموهم، جملة فعلية دعا، فعلٌ ماضي، «أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ» [الأعراف:١٩٣] أنتم صامتون: جملة اسمية، إذًا: وقعت (أمْ) المُتَّصِلة بين جملتين مختلفتين.
نأخذ من هذا: أن (أمْ) المُتَّصِلة لا يشترط فيها أن تقع بين جملتين فعليتين، أو اسميتين، أو مختلفتين، بل تقع في الأحوال الثلاثة مع الجميع، ولكن الأكثر أن تقع بين جملتين فعليتين.
وَ"أَمْ" بِهَا اعْطِفْ إِثْرَ هَمْزِ التَّسْوِيَهْ أَوْ هَمْزَةٍ ..
إذًا: عرفنا الأولى أن (أمْ) يعطف بها بعد همز التسوية، وهمز التسوية قيل: أنها المسبوقة بسواء، وهذا الكثير الغالب: «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ» [البقرة:٦] يعني: مستوٍ عليهم، ومن هنا أُخذت همزة التسوية، سُويَّ بين ما قبل (أمْ) وما بعدها، ولكن هذا ليس بلازم، يعني: همزة التسوية لا يلزم أن تكون واقعةً بعد لفظة: سواء، بل كما تقع بعدها تقع بعد: ما أبالي، وما أدري، وليت شعري ونحوه، لكن الأكثر أنها تقع بعد: سواء.
ويُفهم من غيرها حينئذٍ المساواة بين طرفين: كل ما دل على مساواةٍ بين طرفين حينئذٍ ما بعده تكون الهمزة همزة التسوية.
(أَوْ هَمْزَةٍ عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ" مُغْنِيَهْ) هذا النوع الثاني مما يُحكم عليه بكونها مُتَّصِلة، وهو أن تقع (أمْ) بعد همزة تؤدي معنى (أي)، أيهما عندك: زيدٌ أم عمروٌ .. أزيدٌ عندك أم عمروٌ؟ (أمْ) هذه المُتَّصِلة، وقعت بين مفردين، أزيدٌ: الهمزة هذه ليست همزة تسوية، وإنما هي همزة مغنيةٌ عن لفظ (أي) يعني: يستغنى بلفظها عن لفظ (أي) فإذا قلت: أزيدٌ عندك أم عمروٌ في قوة قولك: أيهما عندك؟ حينئذٍ الهمزة هنا و(أي) في المعنى واحد، وليس فيه استواء كما هو الشأن في الهمزة السابقة.
إذًا: ضابط (أمْ) المُتَّصِلة هو ما ذكرنا.
(أَوْ هَمْزَةٍ عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ" مُغْنِيَهْ) وهي الهمزة التي يُطلب بها وبـ (أمْ) التعيين، مثل: أيهما عندك زيدٌ أم عمروٌ؟ وهي الهمزة -المعادلة لـ (أيٍّ) - التي يُطلب بها وبـ (أمْ) التعيين، وتقع بين مفردين غالبًا، انظر! همزة التسوية السابقة التي تقع بعد (أمْ) الغالب، بل لا تقع إلا بين جملتين فعليتين أو اسميتين أو مختلفتين، (أمْ) التي تقع بعد الهمزة المعادلة لـ (أيِّ) في الغالب تقع بين مفردين، إذًا: لا لبس.
ومن غير الغالب أن تقع بين مفردٍ وجملة لكنه قليل، أمَّا الغالب المُطَّرِد في لسان العرب تقع بين مفردين.
[ ٩٤ / ٣ ]
وهي الهمزة التي يُطلب بها وبـ (أمْ) التعيين، وتقع بين مفردين غالبًا، ويتوسط بينهما ما لا يسأل عنه، نحو: «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا» [النازعات:٢٧] يتوسط بينهما ما لا يسأل عنه، إذا قيل: أزيدٌ عندك أم عمروٌ؟ هنا توسط بين زيد وعمرو: عندك، إذًا: قطعنا .. السائل لم يسأل: هل عندك أحدٌ أم لا، بل قطع بكون أحد المذكورين عندك، إذًا: زيدٌ عندك أم عمروٌ؟ فالمسئول عنه هو تحديد الذي هو كائنٌ عندك، فتوسط بين اللفظين المفردين ما لا يسأل عنه، أنا لا أسألك عن وجود أحد، بل أقطع بأن واحدًا منهما موجودٌ عندك، وإنما المشكوك فيه: هو تعيين هل هو زيد أم عمرو؟
إذًا: توسط بين المفردين ما لا يسأل عنه، نحو: «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا» [النازعات:٢٧] ما لا يسأل عنه في الأول المسند، لأن السؤال عن المسند إليه، وفي الثاني العكس، وبيان ذلك: أن شرط الهمزة المعادلة لـ (أمْ) أن يليها أحد الأمرين المطلوبُ تعيين أحدهما، ويلي (أمْ) المعادل الآخر، ليفهم السامع من أول الأمر ما طُلب تعيينه، تقول إذا استفهمت عن تعيين المبتدأ دون الخبر: أزيدٌ قائمٌ أم عمروٌ؟ قائم: توسط بين زيد وعمرو، هذا لا يسأل عنه، هنا المستفهم عنه هو المبتدأ، أزيدٌ: هو الذي وليَّ الهمزة، إذا استفهمت عن تعيين المبتدأ دون الخبر قلت: أزيدٌ قائمٌ أم عمروٌ؟
وإن شئت أخرت قائم، لأنه غير مسئول عنه، فإذا قلت: أزيدٌ أم عمروٌ قائمٌ؟ صح، أخرت قائم، لأنه غير مسئول عنه، بل هو مجزوم به، ولا يطلب تعيينه، إنما المطلوب تعيينه هو ما وليَّ همزة الاستفهام: أزيدٌ عندك أم عمروٌ قائم .. أزيدٌ قائمٌ أم عمروٌ؟ حينئذٍ نقول: المستفهم عنه هو قائم. وإن شئت أخرت قائم لأنه غير مسئولٍ عنه، وإذا استفهمت عن تعيين الخبر دون المبتدأ قلت: أقائمُ زيدٌ أم قاعدٌ؟ زيدٌ موصوفٌ بأحد الوصفين قطعًا، لكن المستفهم عنه هو ما وليَّ همزة الاستفهام: أقائمٌ زيدٌ أم قاعدٌ؟ وإن شئت أخرت زيد، لأنه غير مسئولٍ عنه، وقس على هذا.
إذًا: الهمزة المُعَادلة تقع بين مفردين غالبًا ويتوسط بينهما ما لا يسأل عنه، يعني: أنت السائل .. أنت المستفهم، تسأل عن أي شيء، أزيدٌ عندك أم عمروٌ؟ سؤالك ليس عن كون أحد المذكورين عندك، بل هذا مقطوعٌ به، وإنما المستفهم عنه هل هو زيدٌ أم عمروٌ؟ حينئذٍ توسط بين اللفظين المفردين اللذين توسطت بينهما (أمْ) ما هو مقطوعٌ به، فقلت: أزيدٌ عندك أم عمروٌ، ولذلك لا يُجاب في هذه الحال بنعم ولا لا، وإنما يُقال: زيد، أو يُقال: عمروٌ، حينئذٍ نقول: هذا حصل به الجواب، لأن المراد هنا التعيين.
إذًا: (أَوْ هَمْزَةٍ عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ") يعني: قائمةٌ مقام (أيٍّ) والغالب أنها تكون بين مفردين يتوسط بينهما ما لا يُسأل عنه، ثم إن استفهمت عن المبتدأ أوْلَيْتَه الهمزة: أزيدٌ قائمٌ أم عمروٌ؟ وإن استفهمت عن الخبر أوْلَيْتَه الهمزة، فقلت: أقائمٌ زيدٌ أم قاعدٌ؟ فالذي يلي الهمزة هو المستفهم عنه في الأصل.
[ ٩٤ / ٤ ]
ويتوسط بينهما ما لا يُسأل عنه، -وعرفنا الحالتين المذكورتين-، أو يتأخر عنهما نحو: «وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ» [الأنبياء:١٠٩].
وبين فعلين، كقوله:
فَقُلتُ: أَهْيَ سَرَتْ أَمْ عادَنِي حُلُم ..
إذ هي فاعلٌ لفعلٍ محذوف يفسره المذكور.
واسميتين، كقوله:
شُعَيْثُ بنُ سَهمٍ أَم شُعَيْثُ بن مِنقَرِ ..
الأصل: (أشعيث) فحذفت الهمزة والتنوين معًا، لكن هذا ليس بالمُطَّرِد، يعني: وقوع (أمْ) المعادلة بين غير مفردين ليس بالغالب، وإنما الغالب وقوعها بين مفردين، وقد تقع بين جملتين اسميتين أو فعليتين، لكنهما ليسا بالغالب.
قال الشارح هنا: (أمْ) على قسمين منقطعة وستأتي، والمُتَّصِلة وهي التي تقع بعد همزة التسوية، وليست سواءً هي التي تعين أنها همزة التسوية ومثلها نقول: ما أبالي، وما أدري، وليت شعري، وكل لفظٍ يدل على مساواة بين شيئين، فإذا وقعت الهمزة بعدها، حكمنا عليها بكونها همزة التسوية: سواءٌ عليِّ أقمت أم قعدت، يعني: مستوٍ عليِّ قيامك وقعودك .. يستوي عندي ومستوٍ قيامك، أولناها بمصدر، لأن همزة التسوية هي داخلة على جملةٍ في محل مصدر: مستوٍ عليِّ قيامك وقعودك.
ومنه قوله تعالى: «سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا» [إبراهيم:٢١] مستوٍ علينا جزعنا .. جزعنا أُوِّلت بمصدر، سواءً جعلنا الهمزة .. همزة التسوية حرفًا مصدريًا أم لا، والتي تقع بعد همزةٍ مغنيةٍ عن (أيٍّ) نحو: أزيدٌ عندك أم عمروٌ، أي: أيهما عندك؟ إذًا: (أمْ) حرف عطف إذا كانت مُتَّصِلة وهي على نوعين:
(أمْ) تقع بعد همزة التسوية، وعرفنا ضابطها، وهمزة تكون مغنيةً عن لفظ (أيٍّ) وتقع (أمْ) بعدها.
وَرُبَّمَا أُسْقِطَتِ الهَمْزَةُ إِنْ كَانَ خَفَا المَعْنَى بِحَذْفِهَا أُمِنْ
الهمزة السابقة: همزة التسوية والمعادلة لـ (أيٍّ) هذه قد تُذْكَر وقد تحذف، يعني: قد تكون موجودة ملفوظًا بها، وقد تكون محذوفة كالشأن في الاستفهام على جهة العموم، همزة الاستفهام مطلقًا، وهذا محل وفاق .. مجمع عليه أنه يحذف: أزيدٌ عندك أم عمروٌ .. زيدٌ عندك أم عمروٌ؟ يجوز حذفها إذا فُهِم المراد، وأمَّا إذا لم يُفهم وقد يُخشى الإيقاع في اللبس، حينئذٍ لا يجوز الحذف على القاعدة العامة، ليس خاصًا بهمزة التسوية، بل على جهة العموم.
(وَرُبَّمَا) (رُبَّ) هنا للتقليل، يعني: قليل، (وَرُبَّمَا) رب: الأصل أنها من خواص الأسماء، تدخل على النكرة، من علامات الأسماء، وهي التي تعين أن مدخولها نكرة، (أُسْقِطَت) دخلت على الجملة الفعلية، لماذا؟ (ما) كافة هنا، كفتها عن العمل، فحينئذٍ سوَّغَت دخولها على الجملة الفعلية.
[ ٩٤ / ٥ ]
إذًا: (وَرُبَّمَا أُسْقِطَتِ الهَمْزَةُ) أسقط: فعلٌ ماضي مغيَّر الصيغة، والهمزة: هذا نائب فاعل، وَرُبَّمَا أُسْقِطَتِ الهَمْزَةُ .. المذكورة، يعني: التسوية والمعادلة لـ (أيٍّ)، (أُسْقِطَتِ) يعني: حذفت، متى؟ (إِنْ كَانَ خَفَا المَعْنَى بِحَذْفِهَا أُمِنْ) إذا أُمِنَ اللبس وعدم الوقوع في خفاء المعنى جاز حذفها، وإن لم يُؤمَن بأن يكون المعنى فيه خفاء بعد حذفها ولبسٌ، حينئذٍ مُنِع، (إِنْ كَانَ) إن حرف شرط، وكان: فعل الشرط، (خَفَا المَعْنَى) خفاء المعنى، قصره للضرورة، الأصل بالهمز: خفاء المعنى، خفاء: مضاف، والمعنى: مضاف إليه، وخفاء: مرفوع على أنه اسم كان.
(خَفَا المَعْنَى) خفاء المعنى، معنى ماذا؟ معنى الهمزة، الذي هو التسوية أو كونها معادلة لـ (أيِّ)، إن كان عُلِمَ بعد الحذف حينئذٍ نقول: أمِنَ اللبس فجاز، وإن لم يُعْلَم هل المراد به الاستفهام الحقيقي، أم المراد به الاستفهام مع التسوية، وكون هذه (أي) نائبة مناب (أي) إذا خفي المعنى ..، (إِنْ كَانَ خَفَا المَعْنَى بِحَذْفِهَا أُمِنْ)، (أُمِنْ) هذا فعل ماضي مغيَّر الصيغة، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على خفاء المعنى، و(بِحَذْفِهَا) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: خفا، إن كان خفاء المعنى بسبب حذفها أمِنَ، والباء سببية هنا.
حينئذٍ القاعدة: أن الأصل أن (أمْ) تكون تاليةً لهمزة التسوية أو همزة معادلة للفظ (أيٍّ) ثم الأصل أن تكون مذكورة، وهذا هو الكثير الغالب، وَرُبَّمَا على قلةٍ حذفت الهمزة بنوعيها إن كان خفاء المعنى بحذفها مأمون ليس بخافٍ، فإذا كان خافيًا فالخفاء حينئذٍ يوقع في اللبس، وكل ما أوقع في اللبس فهو ممنوعٌ.
أي: قد تحذف الهمزة، والهمزة المغنية عن (أيٍّ).
إذًا: (خَفَا المَعْنَى) يعني: معنى همزة التسوية، ومعنى الهمزة المغنية عن (أيٍّ) فاللفظ عام. عند أمن اللبس وتكون أم مُتَّصِلة كما كانت والهمزة موجودة، إذًا: لا فرق بينهما، فحذفت الهمزة قبل (أمْ) لا يخرجها عن كونها مُتَّصِلة، هذا مراده، إذا حذفت الهمزة حينئذٍ نقول: (أمْ) لم تسبق بهمزة: «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ» [البقرة:٦] أين الهمزة؟ لا يوجد عندنا همزة، بقراءة ابن محيصن: سواءٌ عليهم أَنذرتهم، القراءة المشهورة: «أَأَنذَرْتَهُمْ» [البقرة:٦] حذفت الهمزة لدلالة سواء، لأن سواء تدل على التسوية، فحذفت الهمزة، هل وجود (أمْ) في اللفظ هنا غير مسبوقة بهمزة التسوية يخرجها عن كونها حرف عطف .. كونها مُتَّصِلة؟ الجواب: لا.
عند أمن اللبس، وتكون (أمْ) مُتَّصِلة كما كانت والهمزة موجودة، ومنه قراءة ابن محيصن: سواءٌ عليهم أنذرتهم، همزة واحدة، «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ» [البقرة:٦] بإسقاط الهمزة من: أنذرتهم، إذًا: (أمْ) هذه تحكم عليها بأنها مُتَّصِلة وهي مسبوقة بهمزة التسوية تقديرًا، ومنه قول الشاعر:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنتُ دَارِيًا بِسَبعٍ رَمَينَ الجَمرَ أَمْ بِثَمَانِ
[ ٩٤ / ٦ ]
(لَعمرُكَ مَا أدري) ما أدري هذا مثل: سواء، مثل: ليت شعري، (بسبعٍ رمينَ الجمرَ أمْ بِثَمَانِ) (أمْ) هنا نقول: مُتَّصِلة لكونها مسبوقة بما دل على التسوية وهو: (مَا أدري)، من شرطها أن تكون مسبوقةً بالهمزة، أين الهمزة؟ نقول: الهمزة هنا مُقدَّرة، ولا يشترط في الحكم عليها بكونها مُتَّصِلة: أن تكون الهمزة ملفوظًا بها لا، وإنما ولو كانت بالنية .. ولو كانت مُقدَّرة، (ورُبَّمَا أسقِطَت الهمزة) إذًا: هنا أسقطت: أبسبعٍ رمين الجمر أم بثمان؟ لا يدري، إذًا: فرق بين (أمْ) المُتَّصِلة و(أمْ) المنقطعة، و(أمْ) المُتَّصِلة هذه هي المسبوقة بهمزة التسوية أو همزة مغنيٍة عن لفظ (أيٍّ)، وسواءٌ كانت هاتان الهمزتان ملفوظًا بهما أم محذوفين.
ويُفرَّق أيضًا بين النوعين، يعني: ما كان مسبوقًا بهمزة التسوية، والهمزة المغنية عن لفظ (أيٍّ)، يفرق بينهما من أربعة أوجه:
الأول والثاني: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابًا، يعني: لا ينتظر المُتكَلِّم جوابًا من المخاطب، لأنه ما قصد بها الاستفهام بخلاف التي أغنت عن لفظ (أيٍّ). أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابًا، لأن المعنى معها ليس على الاستفهام، بل على الإخبار بالتسوية: «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ» [البقرة:٦] يعني: يستوي عليهم إنذارك وعدمه، أين الجواب؟ ما تقتضي جوابًا، المعنى واضح، بل على الإخبار بالتسوية، أخبر بأنه يستوي عندهم الإنذار وعدمه، إذًا: لا تقتضي جوابًا.
وأن الكلام معها قابلٌ للتصديق والتكذيب، لأنه خبر، وليست تلك كذلك -التي هي المغنية عن لفظ (أيٍّ) - ليست كذلك، لأن الاستفهام معها على حقيقته، ولذلك تقتضي جوابًا: أزيدٌ عندك أم عمروٌ؟ زيد جواب .. عمرو جواب، تقتضي جواب لأنها قائمةٌ مقام (أيّ) و(أيّ) استفهامية بخلاف التي للتسوية.
وليست تلك كذلك لأن الاستفهام معها على حقيقته، يعني جملة: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، تقبل التصديق والتكذيب لأنه خبر صادق أم كاذب، قد يقول: سواءٌ عليِّ قعدت أم مشيت، نقول: لا هذا يحتمل أنه يكذب، ويحتمل أنه يصدق بخلاف جملة: أزيدٌ قائمٌ أم عمروٌظ لأنه استفهام وهو إنشاء، والاستفهام لا يحتمل التصديق والتكذيب، هذا الأول والثاني.
الثالث والرابع: أن (أمْ) الواقعة بعد همزة التسوية لا تقع إلا بين جملتين ولا تقع بين مفردين كما ذكرناه، ولا تكون الجملتان معها، إلا في تأويل المفردين، حينئذٍ يُفرَّق بين النوعين، وأهم شيء: أن الأولى لا تقتضي جوابًا: سواءٌ عليَّ أقمت أم قعدت، لا تقتضي جوابًا، والثانية بخلافها، لأن الاستفهام معها باقٍ، ولذلك تؤول بـ (أيّ)، أيهما عندك؟ زيد، أيهما عندك؟ عمرو.
وَبِانْقِطَاعٍ وَبِمَعْنَى "بَلْ" وَفَتْ إِنْ تَكُ مِمَّا قُيِّدَتْ بِهِ خَلَتْ
هذا هو النوع الثاني، وهو: (أمْ) المنقطعة، وهي بمعنى: (بل) الإضرابية، والإضراب المراد به: الإبطال، يعني: أن يُبْطَل حكم ما قبل (أمْ) كما هو الشأن في (بل) في بعض مواضعها.
[ ٩٤ / ٧ ]
(وَبِانْقِطَاعٍ) هذا مُتعلِّق بقبله: (وَفَتْ) يعني: (أمْ)، أيُّ (أمْ)؟ الضمير في قوله: (وَفَتْ، وتَكُ .. قُيِّدَتْ .. خَلَتْ) هذا أربعة ضمائر تعود على (أمْ) السابقة، وهو قد تكلم عن (أمْ) المُتَّصِلة، قال بعضهم: يلزم منه تعارض، كيف يَحكم على (أمْ) المُتَّصِلة السابقة بأنها بمعنى (بل)؟ هذا تناقض، لا: الضمير هنا يرجع إلى لفظ (أمْ) السابقة دون معناها.
(أمْ) السابقة من حيث اللفظ بمعنى: (بل) وأمَّا (أمْ) المُتَّصِلة المقيدة بالمعنى .. المُتَّصِلة، فلا يرجع إليها الضمير، وإلا حصل تناقض، كيف يَحكم عليها بأنها مُتَّصِلة، ثُمَّ يقول: (وَبِانْقِطَاعٍ وبِمَعْنى "بَلْ" وَفَتْ) وفت يعني: أتت، يُقال: وافى فلان إذا أتى.
(وَبِانْقِطَاعٍ) قلنا جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (وَفَتْ) يعني: وفت بانقطاعٍ، (وَبِمَعْنَى "بَلْ") ما الفرق بين الانقطاع ومعنى (بل)؟ هذا من عطف أحد المتلازمين على الآخر، لأنه إذا قيل: منقطعة معناه أنها بمعنى: (بل) وإذا قيل بمعنى (بل) لزم أن تكون منقطعة، فالمعنى حينئذٍ من عطف أحد اللازمين على الآخر.
(وَبِانْقِطَاعٍ) قلنا مُتعلِّق بقوله: (وَفَتْ)، (وَبِمَعْنَى "بَلْ") كذلك معطوفٌ على بانقطاعٍ، والمراد بـ (بل) هنا: بل المنقطعة.
(إِنْ تَكُ) أن تك (أمْ) (مِمَّا قُيِّدَتْ بِهِ) وهو أن تكون مسبوقةً بإحدى الهمزتين السابقتين: همزة التسوية و(هَمْزَةٍ عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ" مُغْنِيَهْ)، إن لم تكن مسبوقةً بواحدةٍ من هاتين الهمزتين لفظًا أو تقديرًا فهي (أمْ) المنقطعة التي بمعنى: (بل)، إِنْ تَكُ مِمَّا قُيِّدَتْ بِهِ وما هو القيد؟ أن تكون مسبوقةً:
. . . إِثْرَ هَمْزِ التَّسْوِيَهْ أَوْ هَمْزَةٍ عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ" مُغْنِيَهْ
هذا هو القيد.
إذًا: إذا خلت عن هذا القيد فاحكم عليها بأنها منقطعة وبمعنى (بل).
إذًا قوله: (قُيِّدَتْ بِهِ) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (قُيِّدَتْ)، وهو أن تكون مسبوقةً بإحدى الهمزتين لفظًا أو تقديرًا.
قوله: (وَبِانْقِطَاعٍ) ظاهره أنها عاطفة .. أنها باقيةٌ على عطفها، وهذا أمرٌ مختلفٌ فيه، إذا كانت منقطعة هل هي عاطفة أم لا؟ لكن ظاهر من كلام الناظم هنا أنها عاطفة، وعليه يكون ذكرها هنا استطراديًا لتتميم أقسام (أمْ)؛ لأنه ما دام أنه ذكرها في السابق حينئذٍ تذكر (أمْ) من حيث هي، وأمَّا من حيث ذكر الأقسام فهذا من باب التتميم، لأننا إذا ذكرنا الحرف بكونه عاطفًا وأثبتناه بأحد أنواعه كفى، لأنه يريد ماذا بهذا الباب؟ أن يثبت ما يحصل به عطف النسق، حينئذٍ أثبت أن عطف النسق يحصل بـ (أمْ) المُتَّصِلة، فكفى عن أن يذكر القسم الثاني لـ (أمْ) وهي المنقطعة.
حينئذٍ إذا أثبت أنها عاطفة، وهو ظاهر كلامه هنا، يكون ذكرها هنا استطراديًا لتتميم أقسام (أمْ)، وفي كون (أمْ) المنقطعة عاطفة أم لا؟ ثلاثة أقوال، يعني: مختلف فيها، السابقة عاطفة لا شك .. مُتَّصِلة عاطفة، وأمَّا المنقطعة ففيها ثلاثة مذاهب:
الأول: ليست عاطفةً أصلًا لا في مفردٍ ولا جملة، وهو قول ابن جني.
[ ٩٤ / ٨ ]
الثاني: أنها للعطف في المفرد قليلًا، وفي الجمل كثيرًا، وعليه ابن مالك في غير هذا الكتاب: أنها عاطفة في المفرد قليلًا، يعني: تكون عاطفةً في المفردات والجمل، لكنها في الجمل أكثر منها في المفرد.
الثالث: للعطف في الجمل فقط، ولا تعطِف مفردًا البتة، وكل ما ورد في لسان العرب من أن ظاهره عطف مفرد على مفرد بـ (أمْ) المنقطعة فهو مؤول.
(وَبِانْقِطَاعٍ وبِمَعْنى "بَلْ") هذا معطوفٌ على قوله: (بِانْقِطَاعٍ) لأن الجار والمجرور قد يعطف على ما قبله، لا يلزم منه أن يكون بمعنى (بل) مُتعلِّق بقوله: (وَفَتْ) لا، بل هو جار ومجرور معطوفٌ على ما سبق، يعني: قد يعطف الاسم المفرد على الاسم المفرد، وقد تعطف الجملة على الجملة، وقد يعطف الفعل على الفعل، وقد يعطف الجار والمجرور على الجار المجرور مثله.
(وَبِانْقِطَاع) نقول: هذا مُتعلِّق بقوله: (وَفَتْ)، (وبِمَعْنى "بَلْ") معطوف على (بِانْقِطَاعٍ) لأنه متممٌ له، كلٌ منهما ملازمٌ للآخر، ولذلك العطف هنا من عطف أحد المتلازمين على الآخر، والضمير في قوله: (وَفَتْ)، و(تَكُ)، و(قُيِّدَتْ)، و(خَلَتْ) راجعٌ إلى (أمْ) في قوله: (وَ"أَمْ" بِهَا اعْطِفْ) والمراد بها ثَمَّ لفظها.
(إِنْ تَكُ) ما إعراب: تكُ؟ فعل مضارع ناسخ مجزوم، وجزمه السكون على النون محذوفة، علة الحذف تخفيفًا، (إِنْ تَكُ) واسمها: ضمير مستتر يعود على (أمْ) هي، وأين الخبر؟ (خَلَتْ) إن تكُ خاليةً .. مفردة، (مِمَّا قُيِّدَتْ بِهِ) مما: جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: خلت، إن تك خلت من الذي قيدت به، وجملة: قيدت به، لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، لأن (مِمَّا) من: حرف جر، وما: اسمٌ موصولٌ بمعنى: الذي، مجرور .. جار ومجرور لا بُدَّ لهما من مُتعلَّقٍ تتعلق به وهو خلت.
و(قُيِّدَتْ بِهِ) نقول: ما هذه اسم موصولٌ بمعنى: الذي، تقتضي الصلة .. تقتضي جملة لا بُدَّ من تتميمها وكشف الإبهام الذي فيها بجملةٍ، وهو جملة: قيدت به.
ولا يفارقها حينئذٍ معنى الإضراب، إذا قيل: (بِانْقِطَاعٍ وبِمَعْنى "بَلْ") معناه حينئذٍ دلت على معنى الإضراب وهو الإبطال، قيل: لا يفارقها حينئذٍ معنى الإضراب، وكثيرًا ما تقتضي مع ذلك استفهامًا حقيقيًا، يعني: تكون دالةً على معنيين معًا، وهما الإضراب والاستفهام، يعني: دلت على الإضراب وهو الإبطال .. وهو الانقطاع وهو معنى: (بل) كلها هذه مترادفة.
وكذلك دلت مع ذلك .. اقتضت استفهامًا حقيقيًا نحو: إنها لإبلٌ أم شاءٌ؟ (أمْ) هنا نقول: مُتَّصِلة أم منقطعة؟ منقطعة، لماذا؟ لأنها لم تسبق بهمزة التسوية ولا بهمزة عَنْ لَفْظِ "أَيٍّ" مُغْنِيَهْ، إذًا: إذا خلت عن القيد المشترط في (أمْ) المُتَّصِلة حكمنا عليها بكونها منقطعة، يعني بمعنى: (بل).
[ ٩٤ / ٩ ]
طيب! إذا قال قائل -وهذا مسموعٌ-: إنها لإبلٌ أم شاءٌ؟ يعني: بل شاءٌ، إمَّا إبل أو شاء واحد منهما، المحكوم عليه شيء واحد، إنها لإبلٌ ثم ظهر له أنها ليست بإبل، قال: أم شاءٌ يعني: بل هي شاء. أي: بل أهي شاءٌ، وإنما قُدِّرَ بعدها المبتدأ لأنها لا تدخل على المفرد .. المنقطعة لا تدخل على المفرد، أو كان الاستفهام إنكاريًا، عرفنا المثال السابق: إنها لإبلٌ أم شاءٌ؟ أم أهي شاءٌ؟ إذًا: الكلام هنا فيه معنى الاستفهام، أم منقطعة قطعًا، لأنها لم تسبق بالهمزتين.
قال بعضهم: في هذا المحل هي مشربةٌ معنى الاستفهام، لأن قوله: إنها لإبلٌ أم شاءٌ .. أم أهي شاءٌ؟ على معنى الاستفهام، ويُقدَّر لشاء أنه خبر مبتدأ محذوف داخلةٌ عليه الهمزة، لأن (أمْ) المنقطعة لا تدخل على المفرد.
أو كان الاستفهام إنكاريًا نحو قوله تعالى: «أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ» [الطور:٣٩] يعني: بل أله البنات؟ إذًا نقول: بعد (أمْ) هنا المنقطعة له البنات، وهي جملة ليست مثل: شاء، حتى نحتاج إلى تقدير، وإنما قال: «أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ» [الطور:٣٩] يعني: أم أله، إذًا: صار استفهامًا لكنه ليس استفهامًا حقيقيًا كالسابق، وإنما استفهام مرادٌ به الإنكار.
أو إنكاريًا نحو: «أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ» [الطور:٣٩] أي: بل أله البنات، وقد لا تقتضيه البتة، يعني: تكون مجردةً للإضراب فحسب، وليست متضمنة للاستفهام، نحو: «أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ» [الرعد:١٦] أم: هذه منقطعة، يعني: بل، «هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ» [الرعد:١٦] هل يصح أن يكون التقدير: بل أهل تستوي الظلمات والنور، فيدخل الاستفهام على الاستفهام؟ لا يصح، إذًا: هنا جُرِّدت لمعنى الإضراب فحسب، لأن الجملة التي تليها هي للاستفهام، فكيف تكون متضمنةً لمعنى الاستفهام؟! فحينئذٍ يلزم منه إدخال الاستفهام على الاستفهام وهذا باطل.
إذًا: «أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ» [الرعد:١٦] نقول: هنا الجملة (أمْ) منقطعة، وهي مقتضية للإضراب فحسب، وليست مقتضية للاستفهام قطعًا، لأن ما بعدها جملةٌ مستفهم عنها بـ (هل) والاستفهام لا يدخل على الاستفهام. أي: بل هل تستوي، إذ لا يدخل استفهامٌ على استفهام، وهذا مذهب الكوفيين:
أن (بل) المنقطعة تأتي للإضراب مشربةً الاستفهام بنوعيه الحقيقي والإنكاري، وتأتي للإضراب فحسب البتة، إذًا: قد تُجرَّد للإضراب عن الاستفهام، هذا مذهب الكوفيين.
ومذهب البصريين: أنها أبدًا بمعنى (بل) والهمز جميعًا، لا يمكن أن تكون (أمْ) المنقطعة مُجرَّدةً للإضراب، بل لا بُدَّ وأن تكون في كل مثال متضمنة لمعنى الاستفهام. ومذهب البصريين: أنها أبدًا بمعنى: (بل) والهمز جميعًا، فلا تكون في مثالٍ ما للإضراب وحده، ولا تكون في مثالٍ ما للاستفهام وحده، بل لا بُدَّ أن يجتمعا.
[ ٩٤ / ١٠ ]
وقيل: لا خلاف بينهما -بين البصريين والكوفيين- في مجيء (أمْ) للدلالة على الإضراب وحده، وإنما الخلاف في تسميتها، فالكوفيون يسمونها: منقطعة، والبصريون يقولون: لا مُتَّصِلة ولا منقطعة، يعني: أراد التسوية بين المذهبين، يقول: البصريون لا يمنعون أن تأتي (أمْ) المنقطعة للإضراب وحده، لكن لا يسمونها منقطعة.
إذًا الخلاصة: أن (أمْ) إذا كانت منقطعة ففي معناها مذهبان:
الأول: أنها للإضراب والاستفهام معًا، لا تنفك عن الاستفهام البتة، لا تكون في محلٍ للاستفهام دون الإضراب، ولا في محلٍ للإضراب دون الاستفهام، بل لا بُدَّ من اجتماعهما معًا، وهذا مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين لا: تأتي مشربةً استفهام وتأتي مُجرَّدةً عن الاستفهام، والمثال الذي ذكروه واضح: «أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ» [الرعد:١٦] لأنه لا يتصور هنا مذهب البصريين إلا على تأويلٍ بعيد، وهم قد يسلمون بأنها هنا للإضراب، لكنها لا يسمونها: منقطعة، فحينئذٍ تكون النتيجة في ماذا؟ يكون الخلاف لفظيًا، لكن لو سُلِّم هذا وإلا الخلاف موجود.
وَبِانْقِطَاعٍ وَبِمَعْنَى "بَلْ" وَفَتْ إِنْ تَكُ مِمَّا قُيِّدَتْ بِهِ خَلَتْ
قال الشارح: " أي: إذا لم يتقدم على (أمْ) همزة التسوية ولا همزة مغنيةٌ عن (أيّ) فهي منقطعة، وسميت بذلك لوقوعها بين جملتين مستقلتين "، منفصلتين مثل: (بل)، ما جاء زيدٌ بل عمروٌ .. منفصلة، وتفيد الإضراب، والمراد بالإضراب: الإبطال، يعني: أبطلت ما قبله، وجعلت الحكم لما بعده: ما جاء زيدٌ بل عمروٌ، من الذي ثبت له الحكم؟ ما بعد (بل) ولذلك قال: (بِمَعْنَى "بَلْ").
و(بل) ليست دائمًا للإضراب قد تكون للانتقال، لكن المراد به هنا: الإبطال الكلي، يعني: الذي يُعرض كليًا عن ما قبلها.
وتفيد الإضراب كـ (بل) كقوله تعالى: «لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ» [يونس: ٣٧ - ٣٨] بل يقولون افتراه، ومثله: إنها لإبلٌ أم شاء، أي: بل أهي شاءٌ على مذهب الكوفيين، بل هي شاءٌ على مذهب البصريين، لأنه لا ينفك عندهم الاستفهام عن الإضراب، وأمَّا عند الكوفيين فالمثال صالحٌ للاجتماع، وليس بصالحٍ للانفكاك، أي: بل هي شاءٌ، ويحتمل هذا.
إذًا: اختلف في معنى (أمْ) المنقطعة على مذهبين، فقيل: الإضراب والاستفهام معًا، وقيل: الإضراب فقط، وقد تُشرب معنى الاستفهام.
خَيِّرْ أَبِحْ قَسِّمْ بِأَوْ وَأَبْهِمِ وَاشْكُكْ وَإِضْرَابٌ بِهَا أَيْضًَا نُمِي
(خَيِّرْ أَبِحْ قَسِّمْ بِأَوْ)، بأو جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (خَيِّرْ)، وأو هنا قُصِدَ لفظها، فحينئذٍ صارت اسمًا فدخل عليه الحرف فجُرَّ بحرفٍ .. جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (قَسِّمْ)، وخير وأبح حينئذٍ نُقدر له بأو ثم نحذفها، خير بأو .. أبح بأو .. قسم بأو، والجمل هنا معطوفة بحذف العاطف:
خَيِّرْ وأَبِحْ وقَسِّمْ وَأَبْهِمِ وَاشْكُكْ وَإِضْرابٌ ..
إذًا: (بِأَوْ) تنازع فيه العوامل الثلاثة السابقة، فأعمل ما شئت منها، والأولى أن يُعمَل المتأخر وهو (قَسِّمْ)، حينئذٍ تقول بأو مُتعلِّق بقوله: (قَسِّمْ)، وأمَّا (خَيِّرْ أَبِحْ) حينئذٍ نحتاج إلى محذوفٍ نقدره له.
[ ٩٤ / ١١ ]
(وَأَبْهِمِ وَاشْكُكْ) يعني: أبهم بأو، واشكك بأو، هنا لا نقول: تنازع، لأنه متأخر إلا على مذهب من يرى التوسط، أنه من باب التنازع، والصواب أن نقول: وأبهم بأو حذف منه الجار والمجرور لدلالة ما سبق عليه، حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وَاشْكُكْ: واشكك بأو كذلك.
(خَيِّرْ أَبِحْ) .. خَيِّر بـ: (أوْ) يعني: إتي بـ (أوْ) حال كونك مريدًا معنى التخيير، فتُستعمل (أوْ) في ستة معانٍ ذكرها الناظم في هذا البيت، وهو التخيير المراد بقوله: (خَيِّرْ)، و(أَبِحْ) الإباحة، و(قَسِّمْ) التقسيم، الثالث (وَأَبْهِمِ) الإبهام، (وَاشْكُكْ) الشك، وسادسًا: الإضراب، وهذا محل النزاع.
إذًا: تأتي (أوْ) للتخيير، ليس المراد هنا خيِّر بمعنى: أن الفعل هنا يدل على الوجوب لا، وإنما أبيح لك أن تأتي بـ (أوْ) مرادًا بها التخيير، وأبيح لك أن تأتي بـ (أوْ) مرادًا بها الإباحة وهكذا.
تُستعمل (أوْ) للتخيير نحو: خذ من مالي درهمًا أو دينارًا، خيره يعني: أنت مُخيِّر بين شيئين، وقد تأتي بين أشياء، لكن المثال هنا بين اثنين: خذ من مالي درهمًا أو دينارًا، نقول: (أوْ) هنا أفادت التخيير، يعني: لا تجمع بينهما خذ واحدًا فقط، خذ إمَّا دينار وإمَّا درهم .. هذا التخيير.
وللإباحة: (أَبِحْ) الإباحة الشرعية أم العقلية؟ لا يمكن أن يتصور أن تكون الإباحة الشرعية، لماذا؟ لأن البحث لغوي، واللغة سابقة على الشرع، قطعًا هذا، يعني: موجودة اللغة ثم جاء الوحي، فهي سابقة، إذًا: ليس المراد بالإباحة هنا الإباحة الشرعية، لأن الكلام في معنى (أوْ) بحسب اللغة قبل ظهور الشرع، بل المراد الإباحة بحسب العقل .. الإباحة العقلية، أو بحسب العرف في أي وقتٍ كان وعند أي قومٍ كانوا.
إذًا: ينظر في العرف هنا .. العرف مُحكَّم، حينئذٍ إذا ثَمَّ كان تخيير بين أشياء عرفًا، وقد لا يقتضيه العقل، نقول: لا بأس به أن تستعمل (أوْ) في الإباحة، نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين، -النحاة من الآجرومية إلى شروحات الألفية والمثال هذا معهم-، جالس الحسن: مفعولٌ به، أو ابن سيرين، هنا أو: للإباحة، لماذا؟ لأنه ليس كالأول، خذ من مالي دينارًا أو درهمًا .. واحد لا تجمع بينهما، فـ: (أو) هنا تقتضي عدم الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وأمَّا: جالس الحسن أو ابن سيرين، يجوز الجمع، ادرس النحو أو الفقه هذا للإباحة، ليس المراد ألا تجمع هذا إلا إذا ثَمَّ قرينة شيء آخر هذا، إنما المراد من اللفظ من حيث هو: ادرس النحو .. تعلم النحو أو الصرف، نقول: لك أن تجمع بينهما.
إذًا: الفرق بين (أوْ) التي للتخيير، والتي للإباحة: أن الإباحة لا تمنع الجمع، يباح أن تجمع بينهما، وأمَّا التخيير فيمنعه، هذا التخيير يعني: بين اثنين أو أكثر.
(قَسِّمْ) يعني: تأتي (أوْ) للتقسيم بنوعيه، سواء كان التقسيم: من تقسيم الكلي إلى جزئياته، أو تقسم الكل إلى أجزاءه، الكلمة: اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ، الكلام: خبرٌ أو إنشاء، الكلام: اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ، يجوز في نوعي التقسيم أن تأتي بـ (أوْ) إذًا: جاءت (أوْ) للتقسيم.
[ ٩٤ / ١٢ ]
(أَبْهِمِ) يعني: تأتي للإبهام .. لإبهام التعمية على السامع، جاء زيدٌ أو عمروٌ؟ أنت تعرف الذي جاء، لكن تريد أن تُلبِّس عليه، فتقول: جاء زيد أو عمرو، لأنك تعلم أنه لو علم أن عمرو الذي جاء قد يأتي، فإذا قلت: جاء زيدٌ أو عمرو قد تصرفه وما يأتي، حينئذٍ نقول: هذا فيه إبهام وتدليس على السامع، جاء زيدٌ أو عمروٌ، إذا كنت عالمًا بالجائي منهما وقصدت الإبهام على السامع، قيل: منه قوله تعالى: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» [سبأ:٢٤] هذا تقسيم أو إبهام؟
مُثِّل به للتقسيم ومُثِّل به للإبهام، الشيخ ابن عثيمين ﵀ يرى أنه للتقسيم ولا يصح أن يكون للإبهام، لكن بعضهم يذكره في الإبهام.
(وَاشْكُكْ) يعني: تأتي للشك، والفرق بين الشك والإبهام: أن المُتكَلِّم عالمٌ بالحكم في الإبهام دون الشك، يعني: المثال واحد، جاء زيدٌ أو عمروٌ، إذا كنت عالمًا بالجائي فأنت مُبهِم، فـ (أوْ) حينئذٍ تكون للإبهام، إذا كنت ما تدري من الجائي صارت للشك، لأن الشك هو التردد، إذًا: الفرق بين الشك والإبهام أن المُتكَلِّم عالمٌ بالحكم في الإبهام دون الشك، والشك: هو كون المُتكَلِّم نفسه واقعًا في التردد.
وبعضهم يزيد: التشكيك، ولم يذكره المصنف، وهو معنىً زائد، يعني: مقارب لقوله: الإبهام، وهو أن تقول: جاء زيدٌ أو عمروٌ، تريد تشكيك المخاطَب، لكن هذا قد يكون داخلًا في الإبهام، وأمَّا التشكيك فهو أن يوقع المُتكَلِّم المخاطَب في الشك والتردد، وهذا في الظاهر أنه مرادف للإبهام ولذلك لم يذكره الناظم.
إذًا: (خَيِّرْ) يعني: ائتي بـ (أوْ) مرادًا بها التخيير، و(أَبِحْ) كذلك في معنى الإباحة، و(قَسِّمْ) كذلك في معنى التقسيم، (بِأَوْ وَأَبْهِمِ) يعني: ائتي بها مبهمًا على غيرك .. على السامع، (وَاشْكُكْ) ائتي بها وأنت شاكًَّا في صدق النسبة على أيٍّ من المعطوفين، (وَإِضْرابٌ بِهَا أَيْضًا نُمِي) فصله عما قبله للخلاف، هل (أوْ) تأتي للإضراب بمعنى: (بل) أم لا؟ فيه نزاع بين النحاة، (وَإِضْرابٌ) يعني: إبطال، إِضْرَابٌ: هذا مبتدأ، وجملة: (نُمِي) يعني: نُسِبَ إلى العرب، وإضرابٌ نُمي: نُسِبَ إلى العرب، هذا خبر.
(أَيْضًَا) آض يئيض أيضًا، نرجع إلى ذِكْر معاني (أوْ)، و(بِهَا) هذا مُتعلِّق بقوله: (إِضْرابٌ)، وجعله الصبَّان مما تنازع فيه المصدر والفعل، لكن هذا فيه نظر، لأن الواو هنا استقلال يعني: كلام جديد أو منفصل، ولذلك يُعلَّل: لماذا لم يقل: واضربِ، أو: للإضراب .. لماذا قال: (وَإِضْرَابٌ بِهَا أَيْضًا نُمِي) .. نُسِبَ إلى العرب؟ هذا دل على أن ثَمَّ فرقًا بين هذا المعنى المتأخر السادس، وبين المعاني الخمسة السابقة، حينئذٍ وقع نزاع في السادس دون غيره.
(وَإِضْرَابٌ) إشارة إلى أن الإضراب غير متفق عليه، ولذلك فصله عما قبله، إذًا: بِهَا مُتعلِّق بقوله: (إِضْرَابٌ).
[ ٩٤ / ١٣ ]
قال النحاة: التخيير والإباحة يكونان بعد الطلب ملفوظًا أو مقدرًا، والمراد بعد الطلب يعني: صيغة الطلب، وما سواهما يكون بعد الخبر. الكلام: إمَّا طلب وإمَّا خبر: خذ من مالي دينارًا أو درهمًا: جاء بعد: خذ، وهو طلب، جالس الحسن أو ابن سيرين: جاء بعد طلب، إذًا: التخيير والإباحة يكونان بعد الطلب ملفوظًا بهما أو مقدرًا، والمراد بعد الطلب أي: صيغته، وما سواهما من المعاني التقسيم والإبهام والشك والتشكيك مثلًا أو الإضراب فبعد الخبر.
مَثَّلوا للمُقدَّر من الطلب، قوله تعالى: «فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» [البقرة:١٩٦] ففديةٌ، يعني: فليفعل .. ليفعل فديةٌ، وصَرَّح الشاطبي: بأن الذي يختص بالخبر الشك والإبهام، وأمَّا الباقي فيستعمل في الموضعين.
(وَإِضْرَابٌ بِهَا أَيْضًَا نُمِي) إذًا: تأتي للإضراب (أوْ) عند الناظم، فيقال: جاء زيدٌ أو عمروٌ، يعني: بل عمروٌ .. أضرب عن الأول يعني: أراد أن يقول: جاء عمرو، فقال: جاء زيد، أو عمروٌ يعني: بل عمروٌ، تبين له أنه يحتاج إلى إضراب فأتى بـ (أوْ). وللإضراب: وهذا في قول الكوفيين وأبي علي وابن جني مطلقًا، يعني: تأتي (أوْ) مطلقًا دون قيدٍ أو شرط للإضراب.
والمراد بالإطلاق سواءٌ أكان المتقدم عليها خبرًا مُثبَتًا أو منفيًا، أم كان المتقدم عليها أمرًا أو نهيًا، وسواءٌ أعيد معها العامل في الكلام المتقدم عليها أم لم يُعد، إذًا: هذا المراد بالإطلاق، يعني: لا تقيد بقيدٍ مهما كان من جهة تقديم أو تأخير، ومن جهة كونها مسبوقة بأمر أو نهي .. نفي إلى آخره، تقول: أنا مسافرٌ اليوم، ثم يبدو لك فتقول: أو مقيمٌ، يعني: بل مقيم، أنا مسافرٌ اليوم فيبدوا لك أنك معرض عن السفر فتقول: أو مقيمٌ، يعني: تستمل استعمال (بل) أنا مسافرٌ اليوم بل مقيمٌ .. أو مقيم، استعملتها للإضراب، تريد الإضراب عن الكلام الأول وإثبات ما بعد (أوْ).
إذًا في قول الكوفيين وأبي علي الفارس وابن جني: أن (أوْ) تأتي للإضراب مطلقًا، ونسبه ابن عصفور لسيبويه: أن (أوْ) للإضراب هو مذهب سيبويه، لكن بشرطين لا مطلقًا بخلاف ما ذهب إليه الكوفيون.
الشرط الأول: تقدُّم نفي أو نهي، يعني: لا تكون (أوْ) عند سيبويه للإضراب إلا إذا تقدم النهي أو النفي.
الثاني: إعادة العامل، فإن لم يُعد لا تكون للإضراب، نحو: ما قام زيدٌ أو ما قام عمروٌ، يعني لو قال: ما قام زيدٌ أو عمروٌ، بأن (أوْ) هنا للإضراب لا تصح، لا بُدَّ أن يعيد العامل، ما قام زيدٌ أو ما قام عمروٌ، حينئذٍ إذا عاد العامل صح أن تكون (أوْ) هنا للإضراب، وأن يكون النفي أو النهي متقدمًا عليها، وقيل: إنها حينئذٍ غير عاطفةٍ، نعم إذًا: إعادة العامل نحو: ما قام زيدٌ أو ما قام عمروٌ، ولا يقم زيدٌ ولا يقم عمروٌ بالإعادة، وقيل: إنها حينئذٍ غير عاطفة كـ (أمْ) الإضرابية على رأي الجمهور، لا تكون عاطفةً إذا كانت (أوْ) بمعنى: الإضراب .. بمعنى: (بل) ليست حرفًا من حروف العطف.
[ ٩٤ / ١٤ ]
وقيل: عاطفٌة، وإن كان بعدها جملة، إذ العطف يكون في المفردات والجمل وهذا ظاهر كلام المصنف، لأنه ذكر هذا المعنى في ضمن ذكره لـ (أوْ) العاطفة، فدَلَّ على أن (أوْ) الإضرابية عاطفةٌ عند الناظم، إذًا: (أوْ) للإضراب، وهذا مذهب الكوفيين وهو الذي عناه الناظم هنا بذكره: (وَإِضْرابٌ بِهَا أَيْضًا نُمِى) نُسِبَ للعرب، وذِكْره لهذا المعنى من معاني (أوْ) العاطفة دل على أنها عاطفةٌ عنده.
إذًا: هذه ستة معانٍ ذكرها لـ (أوْ) في هذا البيت.
قال الشارح هنا: " وللإضراب كقوله:
مَاذا تَرَى فِي عِيَالٍ قَدْ بَرِمْتُ بِهِمْ لمْ أُحْصِ عِدَّتَهُمْ إِلاَّ بِعَدَّادِ
كَانُوا ثَمَانِينَ أَوْ زَادُوا ثَمَانِيَةً . . . . . . . .
يعني: بل زادوا، إذًا (أوْ) هذه للإضراب.
قيل: ومنه قوله تعالى: «وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ» [الصافات:١٤٧] يعني: بل يزيدون، وهذه الآية فيها نزاع كبير، ولكن يذكرونها في هذا الموضع.
وَرُبَّمَا عَاقَبَتِ الْوَاوَ إِذَا لَمْ يُلْفِ ذُو النُّطْقِ لِلَبْسٍ مَنْفَذَا
ما المراد بهذا البيت؟ تأتي بمعنى الواو: مطلق الجمع، لأن الواو تأتي بالمعنى الأصلي: مطلق الجمع، ما معنى: مطلق الجمع؟ لا تقتضي ترتيبًا ولا معية، يعني: تَعْطِف اللاحق على السابق والمصاحب، (وَرُبَّمَا) ماذا يعني بها؟ التقليل، هذا المعنى هو المعنى السابع لـ (أوْ) وهي أنها تكون بمعنى: الواو، جاء زيدٌ أو عمروٌ، يعني: جاء زيدٌ وعمروٌ .. لمطلق الجمع.
ثُمَّ بعد ذلك قد تَعْطِف اللاحق على السابق أو العكس، أو تفيد المصاحبة، إذا كانت (أوْ) بمعنى الواو كانت لمطلق الجمع: وهو مذهب الكوفيين.
(وَرُبَّمَا) تقليل، وما: هذه كآفة، والدليل على أنها كآفة: أنها أدخلتها على الجملة الفعلية، (عَاقَبَتِ الوَاوَ) يعني: عاقبت (أوْ) .. الضمير يعود على الواو، يعني: جاءت عَقِبَها، والمراد بكونها جاءت معاقبةً لها أنها جاءت بمعناها، ومعنى الواو: هو مطلق الجمع. أي: تجيء (أوْ) بمعنى الواو فتكون للجمع، وهو مذهب الكوفيين، لكن شرطه الناظم ليس مطلقًا، قال: (إِذَا لَمْ يُلْفِ ذُو النُّطْقِ لِلَبْسٍ مَنْفَذَا) إذا لم يكن ثَمَّ لبسٌ، إن كان ثَمَّ لبسٌ حينئذٍ امتنع مجيء (أوْ) بمعنى الواو، وإذا ظهر المعنى حينئذٍ صحَّ مجيء (أوْ) بمعنى الواو، وهنا ينظر في السياق والسباق، يعني: الذي يُلبِس أو لا يُلبِس هذا له ضابط معيَّن، إنما يُرجع إلى السياق.
(إِذَا لَمْ يُلْفِ) لم يَجد يعني، (يُلْفِ) هذا فعل مضارع مجزومٌ بلم، وجزمه حذف حرف العلة الذي هو الياء، والكسرة دليلٌ عليها، (ذُو النُّطْقِ) (ذُو) هذا فاعل (يُلْفِ) مرفوع ورفعه ضمة مُقدَّرة .. الواو لأنه من الأسماء الستة، وذُو: مضاف، والنطق: مضاف إليه.
(لِلَبْسٍ مَنْفَذًَا) للبس جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (مَنْفَذًَا) يعني: طريقًا، منفذًا للبسٍِ، منفذًا: هذا إعرابه أنه مفعول أول (يُلْفِ)، وأين المفعول الثاني؟ المفعول الثاني محذوف .. جواب إذا محذوف، (إِذَا لَمْ يُلْفِ ذُو النُّطْقِ لِلَبْسٍ مَنْفَذَا) أي: إذا أُمِنَ اللبس.
[ ٩٤ / ١٥ ]
(إِذَا لَمْ يُلْفِ) يعني: يجد، (ذُو النُّطْقِ لِلَبْسٍ مَنْفَذًَا) لِلَبْسٍ: جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (مَنْفَذًَا) والمنفذ المراد به: الطريق.
قال الشارح: " قد تستعمل (أوْ) بمعنى الواو عند أمن اللبس: (جَاءَ الْخِلاَفَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا) يعني: وكانت له قدرًا، شيءٌ مكتوبٌ له، جاء الخلافة وكانت له قدرًا، لأن (جَاءَ الْخِلاَفَةَ) أمرٌ وقع .. حصل (أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًَا) لا يقع الشيء إلا بشيءٍ مُقَدَّر، إذا قال: (جَاءَ الْخِلاَفَةَ) إذًا وصل إلى الخلافة، إذًا: وقع المقدَّر .. حصل .. علمنا أنه مكتوبٌ عليه، حينئذٍ: (أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًَا) (أوْ) هنا ليست للتخيير، ولا يمكن أن تُحمل على معنىً من المعاني السابقة، وإنما هي بمعنى: الواو، أي: وكانت له قدرًا.
وقوله (وَرُبَّمَا) أفاد أن ذلك قليل مطلقًا، أي: سواءٌ كانت للإباحة أو لا .. مطلقًا جميع المعاني السابقة، وذكر في التسهيل: أن (أوْ) تعاقب الواو في الإباحة كثيرًا، وفي عطف المصاحبة والمؤكد قليلًا، والإباحة كما سبق معنا، فالمصاحبة نحو قوله ﵌: ﴿فإنما عليك نبنيٌ أو صديقٌ أو شهيد﴾ أو .. أو هنا ليست بمعناها الأصل، إنما هي بمعنى الواو، ثم هي بمعنى الواو في أي الأحوال الثلاثة؟ المصاحبة: نبيٌ وصديقٌ وشهيد، هذا المراد، والمؤكَّد نحو: «وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا» [النساء:١١٢] وإثمًا: من عطف الشيء على نفسه هذا الأصل، لكنه باعتبارٍ آخر .. باعتبار وصفٍ آخر، فيكون تأكيدًا لما سبق.
إذًا: هذه سبعة معانٍ ذكرها الناظم رحمه الله تعالى، والأخير هذا مذهب الكوفيين، وقيل: أن الصحيح أن (أوْ) موضوعةٌ لأحد الشيئين أو الأشياء، وقد تخرج إلى معنى: (بل) والواو، وأمَّا بقية المعاني فمستفادةٌ من غيرها، يعني: جالس الحسنَ أو ابن سيرين، (أوْ) هنا ليست للإباحة وإنما تستفاد الإباحة من التركيب نفسه، وكذلك في التخيير، وكذلك في التقسيم، وكذلك في الشك والإبهام، لا يُقال: بأن (أوْ) لوحدها هي التي للإبهام، أو هي التي للشك أو التقسيم، وإنما يُعرف من التركيب، حينئذٍ الأصل في وضع (أوْ) أنها تكون لأحد الشيئين أو الأشياء، أشبه ما يكون بالتخيير، وخروجها إلى الواو، أو معنى (بل) هذا يحتاج إلى سند يعني دليل، وهذا ثابتٌ.
بقي المعاني الأخرى، حينئذٍ نقول: المعاني الأخرى ليست مستفادة من (أوْ) من حيث هي، وإنما مستفادة من القرائن والتركيب، ثم قال:
وَمِثْلُ "أَوْ" فِي الْقَصْدِ "إِمَّا" الثَّانِيَهْ فِي نَحْوِ إِمَّا ذِي وَإِمَّا النَّائِيَهْ
[ ٩٤ / ١٦ ]
(وَمِثْلُ "أَوْ" فِي الْقَصْدِ "إِمَّا") الناظم لم يَذْكر "إمَّا" لمَّا عَدَّ الحروف، فهل هذا استدراكٌ بأنه حرفٌ ثابتٌ فيما سبق، أو أنه تفريعٌ على ذكر معاني (أوْ) .. هل هو ذِكْرٌ لما تركه في عدِّ الحروف، بأن ثَمَّ حرفًا تركه إمَّا عمدًا وإمَّا نسيانًا، ثم استدركه، أو أنه ليس بحرف عطفٍ، وإنما ذكره لمناسبة معاني (أوْ)؟ الظاهر الثاني، والدليل على ذلك قوله: (فِي القَصْدِ) يعني: في المعنى لا في العمل الذي هو العطف، قوله: (فِي القَصْدِ) نقول: دَلَّ على أن مراده به: أن (إمَّا) هنا مثل (أوْ) في المعنى، يعني: تستعمل في المعاني السابقة كلها ظاهر النظم، سيأتي استثناء (فِي القَصْدِ) لا في العمل الذي هو العطف، لأن (أوْ) إذا كانت عاطفةً حينئذٍ تعطف ما بعدها على ما قبلها فتُشرِّكه في حكمه .. في الإعراب رفعًا ونصبًا وخفضًا.
(وَمِثْلُ "أَوْ")، مِثْلُ: مبتدأ، وهو مضاف، و(أَوْ) قُصِدَ لفظه مضافٌ إليه، و(فِي القَصْدِ) هذا مُتعلِّق بقوله: مثل، لأنه مصدر: مثل .. فعل، و("إِمَّا") هذا خبر المبتدأ، قُصِدَ لفظه فهو خبر، (الثَّانِيَهْ) هذا نعت، (فِي نَحْوِ) هذا مُتعلِّق بمحذوف، يعني: أعني .. أقصد (فِي نَحْوِ) قولك: (إِمَّا ذِي وَإِمَّا النَّائِيَهْ)، النَّائِيَهْ يعني: البعيدة.
تَزوَّج (إمَّا ذِي) (ذِي) اسم إشارة (وَإِمَّا النَّائِيَهْ) ماذا أراد بـ (إمَّا) الثانية أم الأولى؟ الثانية لأنه قيدها، قال: ("إِمَّا" الثَّانِيَةُ) بالرفع على أنها صفة لـ (إمَّا)، (فِي نَحْوِ) قولك: تَزوَّج (إمَّا) هذه و(إمَّا) النائية، (إمَّا) الثانية مثل (أوْ) في القصد، فتأخذ المعاني السابقة كلها السبعة، تأتي للتخيير وللإباحة وللتقسيم وللإبهام وللشك والتشكيك والإضراب، وتأتي بمعنى: (أوْ) جميع المعاني السبعة السابقة أعطاها لـ (إمَّا) الثانية في قولك: (إمَّا ذِي وَإِمَّا النَّائِيَهْ).
فتقول: خذ من مالي إمَّا ردهمًا وإمَّا دينارًا، إذًا: جاءت للتخيير، وتقول: جالس إمَّا الحسن وإمَّا ابن سيرين: جاءت للإباحة، وتقول: الكلمة إمَّا اسمٌ وإمَّا فعلٌ وإمَّا حرفٌ: جاءت للتقسيم، وجاء إمَّا زيدٌ وإمَّا عمروٌ، الإبهام إذا علمت الحكم والشك إذا لم تعلم الحكم، وهل تأتي للإضراب؟ الناظم أطلق هنا، وهل تأتي بمعنى: الواو؟ كذلك الناظم أطلق، فظاهره أنها تأتي بمعنى الإضراب وبمعنى الواو، وليس الأمر كذلك.
فقوله (مِثْلُ أَوْ) أطلَق المِثْلية هنا في المعنى .. مِثْلُ (أَوْ) فِي الْقَصْدِ .. في المعنى ("إِمَّا" الثَّانِيَهْ)، ظاهر كلامه أنها للمعاني السبعة المذكورة في (أوْ) وليس كذلك، فإنها لا تأتي بمعنى الواو، ولا بمعنى: (بل) الإضراب يعني .. لا تأتي بمعنى: الواو (وَرُبَّمَا عَاقَبَتِ الوَاوَ إِذَا) نقول: هذا خاصٌ بـ (أوْ) وكذلك (وَإِضْرابٌ بِهَا أَيْضًَا نُمِى) هذا خاصٌ بـ (أوْ) ولا تكون (إمَّا) الثانية مثل (أوْ) في كونها تعاقب الواو أو أنها للإضراب، فإنها لا تأتي بمعنى الواو، ولا بمعنى: (بل) وورودهم في هذين المعنيين قليل، بل هو مختلفٌ فيه، يعني: في جوازه.
[ ٩٤ / ١٧ ]
فالإحالة إنما هي على المعاني المتفق عليها، وهي خمسة، إذًا: يستثنى المتأخران.
قيل: قال بعضهم: ظاهر كلامه أنها مثل (أوْ) في العطف والمعنى، وهو مذهب أكثر النحاة، قال: بعضهم: أن ظاهر كلام الناظم هو هذا، وهل هذا يُوافق عليه؟ لا، ما يُوافق عليه، لماذا؟ لأنه قيَّد، لو قال: مثل (أوْ) إمَّا الثانية، قلنا: هذا الظهور واضح بيِّن، أن الناظم هنا جعل (إمَّا) الثانية حرف عطف، مثل (أوْ) في كونها عاطفة تُشرِّك ما بعدها فيما قبلها في الإعراب، وكذلك تُشرِّكه في المعنى الذي هو من معاني (أوْ)، لكن هذا ليس بظاهر.
إذًا قال بعضهم: ظاهر كلامه أنها مثل (أوْ) في العطف والمعنى، وهو مذهب أكثر النحاة، وقال الفارسي وابن كيسان، وابن برهان: مثلها في المعنى فقط، وهو الذي أشار إليه بقوله: (في القَصْدِ).
ووافقهم الناظم هنا وهو الصحيح، ويؤيده قولهم: إنها مُجامعة للواو لزومًا، يعني: لا تكون الثانية في هذا الموضع في مثل هذا التركيب إلا إذا سبقتها الواو، حينئذٍ قيل: (إِمَّا ذِي، وَإِمَّا النَّائِيَهْ) يلزم (إمَّا) الثانية أن تكون مسبوقةً بالواو لازم، وإلا ما صار كلامًا فصيحًا، إذا كان كذلك حينئذٍ إذا قيل بأن (إمَّا) حرف عطف، والواو حرف عطف، حينئذٍ دخل حرف عطفٍ على حرف عطف وهذا ممتنع، من قال بأنها حرف عطفٍ أولًا وخَرَّج الواو على أنها زائدة، وهذا خلاف الأصل .. خلاف الأصل أن تُجعل الواو زائدة و(إمَّا) عاطفة، بل لو دار الأمر بين جعل أحد الحرفين زائدًا لكان (إمَّا) أولى بالزيادة.
إذًا نقول هنا: ويؤيده قوله: إنها مجامعة للواو، يؤيد ماذا؟ القول بأنها: ليست عاطفة، وإنما هي مثل (أوْ) في المعنى فحسب.
والعاطف لا يدخل على العاطف، وقد نقل ابن عصفور اتفاق النحويين: أنها ليست عاطفةً، وإنما أوردوها في حروف العطف لمحصاحبتها لها .. للواو يعني، وكذلك بأنها بمعنى: واو، لكن الإجماع هذا محل نظر ليس متفقًا عليه.
إذًا: (وَمِثْلُ "أَوْ" فِي القَصْدِ) إشارة إلى أنها ليست عاطفةً، وإنما في القصد، أي: المعنى لا سيما أنه لم يعدها في الحروف أول الباب، هذا دليل على أنه يرى أنها ليست عاطفة.
(إِمَّا) مذهب سيبويه أنها مركبة من (إنْ) و(مَا)، وذهب غيره إلى أنها بسيطة، وهو الظاهر لأنه الأصل، يختلف كثير من النحاة في كثير من الحروف: هل هي أصلية .. هي هكذا نُطِقَ بها، أم أنها فرعٌ، فيقال: (لَنْ) هل هي لن، أم أصلها: لا، فقلبت الهمزة، أو أصلها: لأن، وإمَّا هل أصلها: إنْ ما، ثُمَّ أدغمت النون في ما؟
[ ٩٤ / ١٨ ]
نقول: هذا كله أشبه ما يكون بدعوى بلا دليل؛ لأن الأصل في وضع الحروف أن ينطق بها الناطق كما هي، يعني: الأصل أنها بسيطة غير مركبة، فلا يُعدل إلى القول بالتركيب إلا أن يُصرَّح بالتركيب ولو شذوذًا، فأي خلاف يمر معك في حرفٍ .. ومغني اللبيب من أوله إلى آخره ما يأتي حرف إلا في الغالب يقول: اختُلِفَ فيه، هل هو مركب أم بسيط؟ فالراجح أنه بسيط، إلا أن يثبت من ادعى أنه مركب ببيت أو لفظٍ منقول عن العرب نطق بأصل التركيب، وما عداه فالترجيح أنه بسيط، لماذا؟ لأنه الأصل .. لأنه مفرد، والتركيب فرع، حينئذٍ نستصحب الأصل حتى يثبت الفرع، فالأصل: أن (إمَّا) هكذا نطق بها العرب، وإمَّا القول بأن الأصل (إنْ وما) ثم أدغمت فيها واستعملت بمعنىً آخر، نقول: هذا يحتاج إلى دليل، ائتي به على العين والرأس، وإن لم تأتِ به فحينئذٍ نقول: الأصل هو البساطة فنستصحبها ونقول: هو الراجح.
فهذه قاعدة معك: في كل حرفٍ اختلفوا فيه، هل مركبٌ أم بسيط؟ فالصحيح أنه بسيط إلا إن ادعى أو أقام مدعي التركيب بدليل، ما هو الدليل هذا؟ ليس اجتهاد هكذا من عنده، إنما يُنظر فيما نُقِل عن العرب: إن نُطِقَ به نقول: هذا شذوذٌ يستدل به على أصل، ولذلك ذكرت لكم سابقًا: أن الصرفيين يتمسكون .. يفرحون بمثل هذه الشذوذات للاستدلال بها على أصولٍ، يُقال: هذا أصلٌ مهجور، يعني: النطق بهذا أصلٌ مهجور، الأصل في الكلام: أن يأتي على ما نَطَق به، هو شاذ .. نحكم عليه بأنه شاذ، لكنه في التقعيد والتأصيل: أصل الكلام أن يكون موافقًا لهذا الشاذ، ولكن خرجوا عنه إلى هذا الذي حصل الآن، ثم نطق به ليدل على أن هذا الفرع ليس أصلًا وإنما هو فرعٌ.
إذًا: ذهب سيبويه إلى أنها مركبة من: (إنْ وما) وذهب غيره إلى أنها بسيطة وهو الظاهر، بل الأصح لأنه الأصل.
(إِمَّا) قلنا: هذا خبر و(الثَّانِيَه) هذا نعته، (الثَّانِيَه) احترز به عن الأولى، فإن الأولى لا خلاف في أنها غير عاطفة بالإجماع، والدليل على أنها ليست عاطفة لأنها تعترض بين العامل والمعمول، تقول: قام إمَّا زيدٌ وإمَّا عمروٌ، وإذا جاء الحرف تاليًا للفعل علمنا أنه ليس بحرف عطف، لأنه لا يُقال: جاء جاء وعمروٌ زيدٌ، لا يصح أن تكون الواو تاليةً للفعل، إلا ما استثني فيما سيأتي إن شاء الله، حينئذٍ نقول: كونها تاليةً للعامل دون فاصلٍ دل على أنها ليست عاطفةً.
إذًا قوله: (الثَّانِيَه) احترز به عن الأولى، فإنه لا خلاف في أنها غير عاطفة.
(في نَحْوِ) قلنا: هذا مُتعلِّق بمحذوف، أي: أعني، وقوله: (في القَصْدِ) أي: في المعنى لا في العمل.
(إِمَّا ذِي، وَإِمَّا النَائِيَه) ذِي: هذا مفعولٌ بفعلٍ محذوف، تزوَّج (إِمَّا ذِي، وَإِمَّا النَّائِيَه)، فـ (إمَّا) هنا بمعنى: (أوْ) والنائية يعني: بعيدة.
[ ٩٤ / ١٩ ]
مقتضى كلامه في المثال: أنه لا بُدَّ من تكرارها -لأن ابن مالك يعطي الأحكام بالأمثلة-، مقتضى كلامه في المثال: أنه لا بُدَّ من تكرارها وذلك غالبٌ لا لازمٌ، فقد يستغنى عن الثانية، بذكر ما يغني عنها، نحو: إمَّا أن تتكلم بخير، وإلا فاسكت: وإمَّا أن تسكت، هذا الأصل، فأُبْدِل بدلًا من (إمَّا) الثانية جيء بها .. ببدلها أو بما يقوم مقامها، إذًا ظاهر كلامه: أنه لا بُدَّ من التكرار، ونقول: هذا ليس بلازمٍ، فقد تحذف الثانية ويعوض عنها ما يقوم مقامها كـ (إلا) في قولك: إمَّا أن تتكلم بخير وإلا فاسكت، وإمَّا أن تسكت .. وإلا فاسكت، وقد يستغنى عن الأولى بالثانية، أي: لفظًا لا تقديرًا، كما سيأتي.
وَمِثْلُ "أَوْ" فِي الْقَصْدِ "إِمَّا" الثَّانِيَهْ فِي نَحْوِ إِمَّا ذِي وَإِمَّا النَّائِيَهْ
قال المكُودِي: " فُهِمَ من قوله: ("إِمَّا" الثَّانِيَهْ) فائدتان:
الأولى: أن التي بمعنى (أوْ) إنما هي الثانية دون الأولى.
الفائدة الثانية: أنها لا بُدَّ أن تكون مسبوقةً بـ (إمَّا) أخرى.
وفُهِمَ من المثال: أنها لا بُدَّ أن تكون مع الواو وهذا واضح: (وَإِمَّا النَّائِيَهْ) استعملها بالواو، فدل على أنها لا تكون كذلك إلا إذا سبقتها الواو:
وَمِثْلُ "أَوْ" فِي الْقَصْدِ "إِمَّا" الثَّانِيَهْ فِي نَحْوِ إِمَّا ذِي وَإِمَّا النَّائِيَهْ
نقول: في (إمَّا) مباحث -تلخيصًا لما سبق-:
الأول: لغة أكثر العرب كسر همزة (إمَّا) ولغة تميم وقيس وأسد: فتح همزتها (أَمَّا)، يعني يقال: أَمَّا ذِيِ وأَمَّا النَائِيَه .. في لغة تميم وأسد: أَمَّا ذِيِ وأَمَّا النَائِيَه.
الثاني: الغالب في (إمَّا) هذه تكرارها، وقد تحذف الثانية ويُؤتى في الكلام ما يقوم مقامها، نحو: إمَّا أن تتكلَّم بخير وإلا فاسكت، وقد تحذف الأولى ويُكتفى بالثانية، وذلك نحو قول الشاعر:
تُلِمُّ بِدَارٍ قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا وَإمَّا بِأَمْوَاتٍ أَلَمَّ خَيَالُهَا
(تُلِمُّ بِدَارٍ) المعنى تُلِمُّ إمَّا بِدَارٍ قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا وَإمَّا بِأَمْوَاتٍ والفراء يقيس على هذا فيجوز عنده: زيدٌ يبقى وإمَّا يسافر، يعني: يحذف الأولى، كما تقول: زيدٌ يبقى أو يسافر.
ثالثًا: اتفق النحاة على أن (إمَّا) لا تأتي بمعنى: الواو، ولا بمعنى: (بل) هذا باتفاق، ولذلك قلنا: (مِثْلُ "أوْ" في القَصْدِ) هذا فيه إشكال! وإنما تأتي لما تأتي له (أوْ) من المعاني المشهورة المتفق عليها، وهي التخيير، والإباحة بعد الطلب، والشك والإبهام بعد الخبر، وأمثلتها أمثلة (أوْ) كما سبق.
رابعًا: اختلف النحاة في (إمَّا) هذه أمركبةٌ أم بسيطة؟ فمذهب سيبويه: أنها مركبة من (إن وما) وذهب غيره: إلى أنها بسيطة وهو الصحيح، لأن البساطة هي الأصل.
خامسًا: لا خلاف بين النحاة في أن (إمَّا) الأولى غير عاطفة، هذا باتفاق، وذلك لأنها قد تقع بين العامل ومعموله: تزوَّج إمَّا هندًا وإمَّا أختها، واختلفوا في (إمَّا) الثانية: فمذهب أكثر النحاة أنها عاطفة، والواو التي قبلها زائدة، لئلا يلزم دخول العاطف على العاطف، وهذا فيه ضعف، من حيث إن الحكم على الواو بكونها زائدة فيه إشكال.
[ ٩٤ / ٢٠ ]
ومذهب أبي عليّ الفارسي وابن كيسان وابن برْهَان: أن العاطف هو الواو، و(إمَّا) دالةٌ على الإباحة أو التخيير أو الشك أو الإبهام، إذًا: لها معنى وهو الذي دلت عليه (أوْ) لكن العطف لا، إنما العطف يكون بالواو.
فإمَّا مثل (أوْ) في الدلالة على المعنى فقط عندهم، وهذا الذي كلام الناظم يشير إليه، وليست مثلها في عطف ما بعدها على ما قبلها، وزعم ابن عصفور: أن هذا مجمعٌ عليه، وفيه نظر.
ولذلك قال ابن عقيل هنا: " وليست (إمَّا) هذه عاطفة خلافًا لبعضهم وذلك لدخول الواو عليها، وحرف العطف لا يدخل على حرف العطف " وهذا الصحيح: أن (إمَّا) ليست عاطفة، ولذلك ذكرها بن آجروم هناك في حروف العطف.
ثُمَّ قال ﵀:
وَأَوْلِ "لَكِنْ"نَفْيًَا اوْ نَهْيًَا وَ"لاَ" نِدَاءً اوْ أَمْرًَا أَوِ اثْبَاتًَا تَلاَ
(وَأَوْلِ "لَكِنْ" نَفْيًا أَوْ نَهْيًَا) يعني: اجعل (لكِنْ) تاليةً .. مواليةً .. تابعةً (نَفْيًا أَوْ نَهْيًَا) يعني: لا تكون (لكِنْ) حرف عطفٍ إلا إذا كانت تابعةً لنفي أو نهي، (وَأَوْلِ) أي: اجعلها واليةً، أي: تاليةً وتابعةً، (لكِنْ)، أَوْلِ أنت ولَكِنْ: مفعولٌ أول، قُصِدَ لفظه، و(نَفْيًا) هذا مفعولٌ ثاني، (أَوْ نَهْيًا) معطوفٌ على نَفْيًا، والمعطوف على المنصوب منصوب.
(لكِنْ) حرف عطفٍ عند الجمهور بشروطٍ كما سيأتي، وذهب يونس بن حبيب: إلى أنها لا تكون حرف عطفٍ أبدًا، إذًا: في كون (لكِنْ) حرف عطف أم لا؟ فيه خلاف، الجمهور على أنها حرف عطف، لكن ليست مطلقًا .. ليست في كل موضع، وإنما بشروط. وذهب يونس بن حبيب: إلى أنها لا تكون حرف عطفٍ أبدًا .. مطلقًا، وأنها تكون حرف استدراكٍ في كل كلامٍ وردت فيه مطلقًا .. في كل كلام إذا جاءت (لكِنْ) حينئذٍ هي حرف استدراكٍ وليست بحرف عطفٍ، فإن ذُكِرَت معها الواو فالعاطف هو الواو .. لا شك .. إذا قيل: جاء زيدٌ ولكن عمروٌ، فالعاطف هو الواو، وإمَّا (لكِنْ) تكون حرف استدراك، نحو: ما قام زيدٌ ولكن عمروٌ.
وإن لم تُذكر معها الواو فهي حرف استدراك، وما بعدها معمولٌ لمحذوف، إذا قيل: ما قام زيدٌ لكن عمروٌ، (لكِنْ) هنا ليست حرف عطفٍ عند يونس، وإنما هي حرف استدراك، حينئذٍ ما بعدها يكون معمولًا لفعلٍ محذوف يُفَسِّره المذكور، ما قام زيدٌ لكن قام عمروٌ، فعمروٌ: فاعل لفعل محذوف يدل عليه المذكور، والتقدير: ما قام زيدٌ لكن قام عمروٌ، ووافقه في التسهيل، يعني: رجح ابن مالك في التسهيل رأي يونس بن حبيب بكون (لكِنْ) لا تكون حرف عطفٍ البتة، وخالفه هنا!
وأمَّا عند الجمهور فهي حرف عطفٍ لكن بشروط ثلاثة، لأن الناظم هنا لم يذكرها:
[ ٩٤ / ٢١ ]
الأول: ألا تتقدم عليها الواو، متى تكون حرف عطف عند الجمهور؟ بشرط: ألا تتقدم عليها الواو، يعني لا يصح أن يُقال: ما جاء زيدٌ ولكن عمروٌ، على أن (لكِنْ) حرف عطف، لماذا؟ لأنها لو دخلت الواو فالواو هي حرف العطف، فإن تقدمت الواو نحو: ما مررت بزيدٍ ولكن عمروٌ كانت الواو هي العاطفة، ثم إن أكثر النحاة: على أن المعطوف بالواو يعني: إذا كان قبل (لكِنْ) .. على أن المعطوف بالواو إذا كان مفردًا فإنه يجب فيه أن يشارك المعطوف عليه في الإثبات والنفي، يعني: إذا كان ما قبلها منفي .. إذا كان ما بعد (لكِنْ) مفردًا، فوجب أن يشارك ما قبلها في النفي والإثبات، بمعنى: أنه لا يُقدَّر له محذوف فتُجعل الجملة مستقلة، وإنما يبقى على كونه مفردًا، فحينئذٍ يَثبت له ما ثبت لما قبل (لكِنْ) إمَّا من جهة الإثبات أو النفي.
ثُمَّ إن أكثر النحاة: على أن المعطوف بالواو إذا كان مفردًا، فإنه يجب فيه أن يشارك المعطوف عليه في الإثبات والنفي، وعلى هذا يقدر للمعطوف عامل مُثبَتٌ من جنس العامل في المعطوف عليه، وتكون الواو قد عطفت جملة على جملة، فتقدير المثال السابق: ما مررت بزيدٍ ولكن مررت بعمروٍ، هذا عند الجمهور.
إذًا الشرط الأول: ألا تكون مسبوقةً بالواو، فإن سُبِقَت بالواو فليست حرف عطف.
الشرط الثاني: أن تُسْبَق (لكِنْ) بنفيٍ أو نهيٍ، وهو الذي نَصَّ عليه الناظم هنا، وهذا الشرط اشترطه البصريون ولم يشترطه الكوفيون، كونها: مسبوقةً بنهي أو نفي، هذا الشرط عند البصريين ولم يشترطه الكوفيون، فنحو: قام زيدٌ لكن عمروٌ، فعمروٌ عند الكوفيين معطوفٌ على زيد عطف مفرد على مفرد، و(لكِنْ) عاطفةٌ وإن لم يتقدمها نفيٌ ولا نهيٌ، وعند البصريين لا تكون عاطفةً، فعمروٌ في هذا المثال لا يجوز أن يكون معطوفًا على زيد عطف مفرد على مفرد لعدم الشرط، وهو النفي والنهي، يعني: لم يتقدم نفيٌ ولا نهيٌ، حينئذٍ يكون فاعلًا بفعلٍ محذوفٍ يدل عليه المتقدم على (لكِنْ)، والتقدير: قام زيدٌ لكن عمروٌ لم يقم .. لكن لم يقم عمروٌ.
قام زيدٌ لكن: لكن هنا سبقت بماذا؟ بإيجاب .. بإثبات، إذًا: لا تكون حرف عطف، طيب! إذا عُطِفَ بعدها مفرد: قام زيدٌ لكن عمروٌ؟ نقول: (لكِنْ) تقتضي أن ما بعدها يأخذ حكم نقيض ما قبلها، حينئذٍ نقول: قام زيدٌ لكن لم يقم عمروٌ، على النفي. ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، وتقديره: قام زيدٌ لكن عمروٌ لم يقم، وعلى كلا التقديرين: (لكِنْ) حرف ابتداء جيء به لإفادة الاستدراك لا حرف عطف.
إذًا: يشترط في (لكِنْ) أن يتقدمها نفيٌ أو نهيٌ، فإن لم يتقدمها فحينئذٍ هي حرف استدراكٍ عند البصريين، وحرف عطفٍ عند الكوفيين.
الشرط الثالث: ألا يقع بعد (لكِنْ) جملة تامة، فإن وقع بعدها جملة تامة فهي حينئذٍ حرف عطف، وليس عاطفةً.
إذًا: بهذه الشروط الثلاثة، نحكم على (لكِنْ) بكونها حرف عطفٍ: ألا يتقدمها الواو، الثاني: أن يتقدمها نهيٌ أو نفيٌ، والثالث: ألا يكون بعدها جملة تامة.
[ ٩٤ / ٢٢ ]
(وَأَوْلِ "لَكِنْ") يعني: اجعلها واليةً، يعني: تاليةً وتابعةً، (نَفْيًا أَوْ نَهْيًَا) فُهِمَ منه أن (لكِنْ) لا تجيء بعد الإيجاب، لأنه خصَّ الحكم بماذا؟ بكونها تاليةً للنفي أو النهي، ولم يذكر الإيجاب فدل على أنها لا تكون حرف عطفٍ بعد الإيجاب، خلافًا للكوفيين فإنهم لا يشترطون تقدم النفي أو النهي.
(وَ"لاَ" نِدَاءً اوْ أَمْرًَا أَوِ اثْبَاتًَا تَلاَ)، وَ"لاَ" تَلاَ .. لاَ: قُصِدَ لفظه وهو مبتدأ، وتَلاَ: فعلٌ ماضي والضمير المستتر فيه يعود على (لاَ)، تلا (نِدَاءً) نداءً هذا مفعول بتلا مُقدَّم عليه، يعني: تابعةً للمنادى، (أَوْ أَمْرًَا أَوِ اثْبَاتًَا)، إذًا: "لاَ" تلا نِدَاءً أَوْ أَمْرًَا أَوِ اثْبَاتًَا، فهي تاليةٌ لواحدة من هذه الأمور الثلاثة.
إذًا: (لاَ) تكون عاطفة، وذكر الناظم شرطًا واحدًا، وهو: أن تكون تاليًا لأمرٍ أو إثباتٍ وهو الإيجاب أو النداء، حينئذٍ إذا وقعت تاليةً لواحدٍ من هذه الأمور صح أن تكون عاطفةً، نقول: (لاَ) يُعطف بها بشروط، والناظم هنا قَصَّر في ذكر الشروط:
الأول: إفراد معطوفها، يعني: أن يكون المعطوف بها مفردًا: جاء زيدٌ لا عمروٌ، عمروٌ: هذا مفرد.
الثاني: أن تُسْبَق بإيجابٍ أو أمرٍ اتفاقًا، نحو: هذا زيدٌ لا عمروٌ، سبقت بإيجاب .. هذا زيدٌ موجَب ليس بمنفي ولا نهي. أن تُسْبَق بإيجابٍ أو أمرٍ: اضرب زيدًا لا عمرًا، أو نداءً نحو: يا ابن أخي لا ابن عمي.
الثالث: ألا يَصْدُق أحد مُتعاطِفَيْها على الآخر، نَصَّ عليه السُهَيِلي، قال ابن هشام في التوضيح: وهو حقٌ، فلا يجوز حينئذٍ: جاءني رجلٌ لا زيد، زجل وزيد معطوف ومعطوف عليه، يصدق أحدهما على الآخر، جاءني رجلٌ لا زيدٌ: معروف هذا .. ما الفائدة من هذا الكلام؟ ليس فيه فائدة، إذًا: صدق المعطوف على المعطوف عليه، صدق أحدهما على الآخر، هو هو! لكن لو قلت: جاءني زيدٌ لا عمروٌ، ذاتان مختلفتان، وأمَّا: جاءني رجلٌ لا زيدٌ، نقول: زيد هو الرجل، والرجل هو زيد، ليس بشيءٍ آخر، لأنه يصدق عليه.
إذًا: الثالث: ألا يصدق أحد متعاطفيها على الآخر، نَصَّ عليه السُهَيِلي، قال ابن هشام في التوضيح: وهو حقٌ، فلا يجوز: جاءني رجلٌ لا زيدٌ.
ويجوز: جاءني رجل لا امرأة، ما يصدق الرجل على المرأة والمرأة على الرجل، ما يصدق هذا على ذاك.
الرابع: ألا تقترن بعاطف، فإن اقترنت بعاطف نحو: جاء زيدٌ لا بل عمروٌ، بل: حرف عطف، حينئذٍ (بل) هي حرف العطف، فإن اقترنت بعاطف فالعاطف وهو (بل) في المثال المذكور هنا هو الذي أُدي به العطف، و(لاَ) غير عاطفةً لكنها أفادت نفي ما قبلها، يعني: ليست زائدة، وإنما جيء بها لكونها نافية، لا بل .. فهي نافيةٌ.
خامسًا من شروط العطف بـ (لاَ): ألا يكون مدخولها صفةً لسابقٍ، أو خبرًا، أو حالًا. ألا يكون مدخولها يعني: ما بعدها، الذي يتلوها لا يكون صفة لما يسبق (لاَ) أو خبرًا، أو حالًا. فليست عاطفةً حينئذٍ ووجب تكرارها، نحو: إن هذا رجلٌ لا صادق ولا كاذب، صادق: ما إعرابه؟ صفة لرجل، وقع بعد (لاَ) صفة لما قبلها، إذًا: لا تكون (لاَ) عاطفة، فوجب تكرارها: لا صادقٌ ولا مأمونٌ.
[ ٩٤ / ٢٣ ]
ونحو: خالدٌ لا شجاعٌ ولا كريم، خالدٌ: مبتدأ، أين خبره؟ شجاع، إذًا: وقع بعد (لاَ) ما هو خبرٌ للسابق، إذًا: لا يصح أن تكون (لاَ) حرف عطف، ولا كريمٌ: وجب تكرارها.
ونحو: جاء زيدٌ لا ضاحكًا ولا رضا النفس، ضاحكًا: هذا حال من زيد، حينئذٍ نقول: (لاَ) هنا ليست عاطفةً، ولا رضا النفس، فوجب تكرارها.
إذًا: (وَ"لاَ" نِدَاءً أَو أَمْرًا أَوِ اثبَاتًا تَلاَ) أشار إلى أحد هذه الشروط الخمسة، وترك البقية.
قال الشارح هنا: " أي: إنما يعطف بـ (لكنْ) بعد النفي، نحو: ما ضربت زيدًا لكن عمرًا، وبعد النهي نحو: لا تضرب زيدًا لكن عمرًا، ويعطف بـ (لاَ) بعد النداء " ولذلك قال: (وَ"لاَ" نِدَاءً) يعني: تاليةً أو تابعةً للمنادى، نحو: يا زيد لا عمرو، والأمر نحو: اضرب زيدًا لا عمرًا، وبعد الإثبات نحو: جاء زيدٌ لا عمروٌ، ولا يُعطف بـ (لاَ) بعد النفي، نحو: ما جاء زيدٌ لا عمروٌ، لأنه يحصل تناقص لما قبلها في المعنى.
ولا يعطف بـ (لكنْ) في الإثبات، حينئذٍ لو عُطف بها في الإثبات تكون حرف ابتداء، يعني: كونها لا يعطف .. يعني: إذا جاءت (لكنْ) في الإثبات لا يحكم عليها بكونها حرف عطف، وليس المراد: أنه لا يستخدم (لكنْ) في الإثبات لا، المراد أنه يستخدم لكن لا على أنه حرف عطف، وإنما هو حرف استدراك، نحو: جاء زيدٌ لكن عمروٌ.
ثُمَّ قال:
وَ"بَلْ" كَـ "لَكِنْ" بَعَدَ مَصْحُوبَيْهَا كَلَمْ أَكُنْ فِي مَرْبَعٍ بَلْ تَيْهَا
(وَ"بَلْ") مبتدأ، (كَ "لَكِنْ") جاء ومجرور مُتعلِّق بمحذوف خبر المبتدأ، (كَـ "لَكِنْ") يعني: مثل لكن في تقرير حكم ما قبلها، وجَعْل ضده لما بعدها، (لكِنْ) تثبت لما بعدها نقيض حكم ما قبلها، مع إقرار ما قبلها، يعني: لا تسلُب عنه الحكم وتجعله في حكم المسكوت عنه لا، وإنما تبقيه كما هو، لو قال قائل .. مثلًا المثال الذي هنا: لا تضرب زيدًا لكن عمرًا، فهو منهيٌ عن ضرب زيد، ثم قال: لكن عمرًا، يعني: لكن اضرب عمرًا، فالمسلوب عن الأول مثبتٌ للثاني، فالمحكوم على الأول بكونه لا تضرب مثبتٌ للثاني، يعني: اضرب عمرًا، والأول هل سُلِبَ عنه النهي: لا تضرب زيدًا؟ لا، باقٍ كما هو: لا تضرب زيدًا لكن اضرب عمرًا.
إذًا: فائدة (لكنْ) تقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها، ما هو ضد: لا تضرب زيدًا؟ اضرب زيدًا، طيب! ما بعد (لكِنْ) ثَبَتَ له نقيض الحكم السابق، طيب! ما قبل (لكِنْ) هل هو باقٍ على حكمه؟ نعم باقٍ: لا تضرب زيدًا منهي، ولو قلنا لك: اضرب عمرًا .. ما بعد (لكِنْ) فهو باقٍ على ما هو عليه.
(وَ"بَلْ" كَـ "لَكِنْ") يعني: في تقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها، (بَعَدَ مَصْحُوبَيْهَا) بعد: ما إعرابه؟ مُتعلِّق بالاستقرار في موضع نصب حال، كَـ (لَكِنْ) وبل كائنٌ كـ (لكِنْ) حال كونه بعد مصحوبيها، ومصحوبيّ (لكِنْ) هما النفي والنهي: (وَأَوْلِ "لَكِنْ"نَفْيًَا اوْ نَهْيًَا) .. مصحوبا (لكِنْ) هما النفي والنهي.
[ ٩٤ / ٢٤ ]
(كَلَمْ أَكُنْ في مَرْبَعٍ بَلْ تَيْهَا)، لَمْ أَكُنْ: يعني كقولك .. الكاف داخلة على مقولٍ محذوف: لم أكن أنا في مَرْبَعٍ، مَرْبَعٍ: هذا موضع الربيع، أو منزل الربيع، (بَلْ تَيْهَا) أصله: تيهاء بالهمز: الأرض التي لا يُهتدى بها، وقيل: الفلاة، وقيل: القفر، قصره للضرورة، إذًا: (بل) تفيد ما تفيده (لكِنْ)، لكن بشرط: أن يكون بعد نفيٍ أو نهيٍز
يعطف بـ (بل) وتكون حرف عطف بشرطين:
الأول: إفراد معطوفها، يعني: أن يكون ما بعدها مفرد، مثل: (لاَ).
الثاني: أن تُسبَق بإيجابٍ، أو أمرٍ، أو نفيٍ، أو نهيٍ، فإن وقع بعد (بل) جملة لم تكن عاطفة، لأن من شرط كونها عاطفة: أن يعطف بها المفرد، فإن وقع بعدها جملة لم تكن (بل) عاطفة، وكانت حينئذٍ حرف ابتداءٍ مثل (لكِنْ) دالٍ على الإضراب سواءٌ كان إبطاليًا أو انتقاليًا، الإضراب الإبطالي مثل ماذا؟ مثل قوله تعالى: «وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ» [الأنبياء:٢٦] بل: مضربٌ عنه بالكلية .. باطل، بل هم عبادٌ، عبادٌ: هذا خبر مبتدأ محذوف، لماذا؟ هل نقول: عدم التقدير أولى من التقدير؟ «بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ» [الأنبياء:٢٦] كيف نقول: من شروط (بل) إفراد معطوفها، وهنا نقول: بل عباد، أي: بل هم عبادٌ؟
ليست عاطفة، إذا كانت إضرابية حينئذٍ لم تكن عاطفة، وهنا لا بُدَّ من التقدير وإلا فسد المعنى، حينئذٍ تلا (بل) جملة، فحكمنا عليها بكونها ليست عاطفة بل هي حرف ابتداء: «وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ» [الأنبياء:٢٦].
أو انتقاليًا .. ليس إضراب وإنما انتقال من حكمٍ إلى حكمٍ آخر، ولا يلزم منه أن يكون ما قبلها مبطلًا، يعني: باطل، كقوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ» [الأعلى: ١٤ - ١٦] هل هو مثل: «بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ» [الأنبياء:٢٦]؟ لا، «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى» [الأعلى: ١٤] هو الأصل هذا، «بَلْ تُؤْثِرُونَ» [الأعلى: ١٦] إذًا: انتقال من حكمٍ إلى حكمٍ آخر، هذا يُسمى: إضرابًا انتقاليًا، والأول الذي قُصِدَ به إبطال ما قبل (بل) بأنه حكمٌ فاسد يُسمى: إبطالًا كليًا.
إذًا: ("بَلْ" كَـ "لَكِنْ") يعني: أن (بل) إذا وقعت بعد مصحوبيّ (لكِنْ) وهما: النفي والنهي، كانت بمنزلة (لكنْ) في تقرير حُكْم ما قبلها وجعل ضِده لما بعدها.
ثُمَّ قال ﵀:
وَانْقُلْ بِهَا لِلثَّانِ حُكْمَ الأَوَّلِ فِي الْخَبَرِ المُثْبَتِ وَالأَمْرِ الْجَلِي
إذًا: (بلْ) تقع بعد ماذا؟ يُعطف بها في أربعة مواضع:
- بعد النفي والنهي.
[ ٩٤ / ٢٥ ]
- وبعد الأمر والخبر المُثْبَت، أشار بالبيت الأول: أنها تقع بعد النفي النهي، فتكون بمعنى: (لكنْ) من حيث المعنى، وتقع كذلك بعد الخبر المثبَت، وبعد الأمر، حينئذٍ تكون بماذا؟ (وَانْقُلْ بِهَا) يعني: بـ (بل) (لِلثَّانِ) الذي هو المعطوف بها (حُكْمَ الأَوَّلِ)، فيصير ما قبل (بل) كالمسكوت عنه. يُعطف بـ (بل) في النفي والنهي، فتكون كـ (لكنْ) في أنها تُقرر حُكْم ما قبلها وتثبت نقيضه لما بعدها: ما قام زيدٌ بل عمروٌ، نقول: (بلْ) هنا مثل (لكِنْ) ما تقرير المعنى هنا: ما قام زيدٌ بل عمروٌ؟ عمروٌ: مثبتٌ له الحكم الذي نُفِي قبل (بل) .. ما قام زيدٌ بل عمروٌ، يعني: بل قام عمروٌ، فأُثبت القيام لعمرو الذي هو بعد (بل).
طيب! ما قام زيدٌ، هل الحكم باقٍ في النفي .. مقرر كما هو، أم أنه مسلوب؟ مقرر كما هو، لأن (لكنْ) تفيد هذا المعنى، فـ (بلْ) مثل (لكنْ)، (بلْ) و(لكنْ) يتفقان فيما إذا وقعا بعد نفيٍ أو نهيٍ، أنه يُثبت لما بعدهما نقيض الحكم الذي قبلهما، والحكم السابق يبقى كما هو ثابتٌ لا يتغير: ما قام زيدٌ بل عمروٌ، ولا تضرب زيدًا بل عمرًا، يعني: اضرب عمرًا، وزيدًا كذلك منهيٌ عن ضربه .. مستمر الحكم، فقرَّرَت النفي والنهي السابقين، قررته يعني: أبقته كما هو، لم يُسلب الحكم، وأثبتت القيام لعمرو، لأنه نقيض ما قبله، والأمر بضربه لأنه نقيض ما قبله.
ويُعطف بها في الخبر المُثْبَت والأمر، حينئذٍ تفيد الإضراب عن الأول وتنقل الحكم إلى الثاني، فحينئذٍ يصير الأول في حكم المسكوت عنه، يعني: كأنه سُلِبَ لم تُقِرُّه على ما هو عليه: قام زيدٌ بل عمروٌ، إذا قلت: قام زيدٌ بل عمروٌ، (بلْ) هنا جاءت بعد إثبات، الذي يُميِّز هو وقوعها بعد إثباتٍ وأمرٍ، أو نهيٍ ونفيٍ، إذا قيل: قام زيدٌ بل عمروٌ، ماذا تفهم من هذه الجملة؟ ما هو هكذا بالرأس، لغة العرب أن (بلْ) إذا وقعت بعد إيجابٍ .. بعد إثباتٍ، حينئذٍ يُثْبَت لما بعدها الحكم الذي أُثْبِتَ للسابق.
قام زيدٌ بل عمروٌ .. لا النقيض، فتفيد الإضراب عن الأول وتنقل الحكم إلى الثاني، قام زيدٌ بل عمروٌ: بل الذي قام عمروٌ، فأثبتت الحكم الذي قبل (بل) لما بعدها، طيب! قام زيدٌ الأول الذي هو قبل (بلْ) سُلِبَ الحكم، فلم يُثبَت له قيام ولم يُنف، موقوفٌ فيه، زيد هل قام؟ ما ندري قام أو لا، لماذا؟ لأن (بلْ) هنا نقلت الحكم .. أخذته، وهو إثبات القيام لما قبلها، فأثبتته لما بعدها، فلما أخِذَ القيام وهو الوصف، حينئذٍ صار ما قبلها في حكم المسكوت عنه، لا نثبت له قيام ولا ننفي، إذًا: قام زيدٌ بل عمروٌ .. بل قام عمروٌ، فنقلت الحكم من السابق إلى اللاحق .. المعطوف.
طيب! ماذا يكون حكم ما قبل (بل)؟ نقول: مسكوتٌ عنه، يعني: لا نُثْبِت له قيام، ولا ننفي عنه القيام، ولذلك قال هنا ابن عقيل: حتى يصير الأول كأنه مسكوتٌ عنه، يعني: سلْب الحكم عما قبله وجعْله لما بعدها، هذه وظيفة (بل) بعد الإثبات .. (فِي الخَبَرِ المُثْبَتِ) غير منفي (وَالأَمْرِ): اضرب زيدًا بل عمرًا، عمرًا هو المأمور بالضرب، أن يُضرب، وزيد لا تضربه ولا لا تضربه: مسكوتٌ عنه.
[ ٩٤ / ٢٦ ]
(وَالأَمْرِ الجَلِيّ) الجلي يعني: الواضح، هذا تتميمٌ لصحة الاستغناء عنه، إذًا: (لكِنْ) و(لاَ) و(بَلْ) هذه الحاصل نقول: أنهما يشتركان ويفترقان، ابن هشام ﵀ قرر هذه الأحرف الثلاثة في شرح قطر الندى من أحسن ما يكون، قال ﵀ هناك: " والحاصل: أن بين (لاَ) و(لكِنْ) و(بلْ) اشتراكًا وافتراقًا " هذه الحروف الثلاث تشترك وتفترق، فأمَّا اشتراكها فمن وجهين:
الأول: أنها عاطفة، كلها عاطفة بالشروط السابقة ليس مُطلقًا.
الثاني: أنها تفيد رد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب، وهذا أيضًا قدر مشترك بينها .. تفيد رد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب: ما قام زيدٌ بل قام عمروٌ، إذًا: فيه رَدٌّ، وإمَّا افتراقهما فمن وجهين أيضًا:
أحدهما: أن (لاَ) تكون لقصر القلب وقصر الإفراد، و(بلْ) و(لكِنْ) إنما يكونان لقصر القلب فقط: قصر إفراد، وقصر قلب، وقصر تعيين، الذي هو الإفراد أيضًا، تقول: جاءني زيدٌ لا عمروٌ، قلنا: (لا) تكون لقصر القلب وقصر الإفراد: جاءني زيدٌ لا عمروٌ هذا يحتمل أنه رَدُّ على من اعتقد أن الذي جاءك عمروٌ لا زيد، حينئذٍ قلبت الاعتقاد عنده، هو اعتقد أن الذي جاء زيد مثلًا، فأنا أقول: جاءني عمروٌ لا زيدٌ، أنت اعتقدت شيء واحد في نفسك: أن الذي جاءني زيد، فأقول لك: جاءني عمروٌ لا زيدٌ، هنا قصر قلب، قلبت الذي اعتَقَدْتَه أنت، وأنت يحتمل في هذا المثال أن يكون جوابًا لمن اعتقد الشركة، فيمن إذا اعتَقَدتَ أن الذي جاءني زيدٌ وعمروٌ، فأقول لك: جاءني زيدٌ لا عمروٌ، هنا إفراد، هذا يُسمى: قصر إفراد.
على كلٍّ: (لا) تكون لقصر القلب وقصر الإفراد، يعني: تستعمل لهذا وتستعمل لهذا، ليس في وقتٍ واحد، وإنما في تركيبين، وأمَّا (بلْ) و(لكِنْ) إنما يكونان لقصر القلب فقط، جاءني زيدٌ لا عمروٌ، ردًا على من اعتقد أن عمرًا جاء دون زيد، أو أنهما جاءاك معًا، وتقول: ما جاءني زيدٌ لكن عمروٌ، أو: بل عمروٌ، ردٌّ على من اعتقد العكس: أن الذي جاءني زيد، وأنا أرد عليه .. أقلب عليه .. قلبت عليه الحكم، فأقول: الذي جاءني .. ما جاءني زيدٌ لكن عمروٌ .. ما جاءني زيدٌ بل عمروٌ، قلبت الذي عنده.
والثاني مما يفترقان: أن (لا) إنما يعطف بها بعد الإثبات، و(بل) يعطف بها بعد النفي، -على ما ذكرناه سابقًا-، و(لكِنْ) إنما يعطف بها بعد النفي، ويعطف بـ (بل) بعد الإثبات، ومعناها حينئذٍ: إثبات الحكم لما بعدها وصرفه عما قبلها وتصييره كالمسكوت عنه.
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ المُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلاَ فَصْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ)، (إِنْ) حرف شرط، أين فعله؟ (عَطَفْتَ) لأني قلت حتى تفهم البيت .. ابن مالك ألفاظه غريبة أحيانًا! ما تفهمها إلا بالإعراب.
[ ٩٤ / ٢٧ ]
(وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ المُنْفَصِل) لَمَّا عَرَفتَ فعل الشرط تم واستقام معك الكلام، وإن عَطَفْتَ على ضميرٍ، إذًا (عَلَى ضَمِيرِ) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (عَطَفْت)، وعَلَى ضَمِيرِ: مجرور بعلى وهو مضاف ورَفْعٍ: مضاف إليه، و(مُتَّصِلْ) صفة لرفع، وقوله: فَافْصِلْ الفاء واقعة في جواب الشرط، وافصل: هذا أمرٌ .. جواب الشرط.
(فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: افصل، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا، و(المُنْفَصِلْ) هذا صفة للضمير.
(أَوْ فَاصِلٍ مَا) هذا معطوف على قوله: (بِالضَّمِيْرِ)، (أَوْ فَاصِلٍ مَا) و(مَا) هذه زائدة، إن على ضمير رفعٍ مُتَّصِل عَطَفْتَ فافصل .. فافصل بين المعطوف عليه وحرف العطف، وهذا شروعٌ من الناظم في بيان أحكامٍ تتعلق بالـ؟؟؟.
إذا عطفت على ضمير الرفع المُتَّصِل، إذا قيل: ضمير الرفع المُتَّصِل احتمل واحدًا من اثنين: إمَّا أن يكون مستترًا، وإمَّا أن يكون بارزًا، وهنا الناظم أطلق فشمل المستتر والبارز، يعني: إذا عطفت على ضمير رفعٍ مستتر، فافصل بالضمير المنفصل، وإن عطفت على ضمير رفعٍ بارزٍ فافصل بالضمير المنفصل.
قمتَ أنت وزيدٌ، قمتَ: فعل وفاعل، الفاعل هنا ضمير رفع مُتَّصِل بارز أو مستتر؟ قمتَ بارز، عطفت عليه زيد، قلت: قمتَ وزيدٌ، يقول لك ابن مالك: لا، لا تعطف هكذا مباشر الاسم الظاهر على ضمير الرفع، افصل بينهما بالضمير المنفصل، اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ، قمتَ أنت وزيدٌ، فزيدٌ: هذا معطوفٌ على التاء الذي هو الضمير المُتَّصِل البارز المرفوع، حينئذٍ في قولٍ أن يُفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وكذلك إذا عطفتَ على الضمير المستتر: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ، زوجُ بالرفع معطوف على الضمير المستتر وجوبًا في: اسكن، لأنه فعل أمر والفاعل ضمير مستتر، إذا عطفت عليه حينئذٍ تعطف عليه بفاصل، ولا تعطف عليه هكذا مباشرة، وإنما تقول: قم أنت وزيدٌ .. اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ، قم أنت وزيدٌ زيدٌ: هذا معطوف على الضمير وهو مرفوع.
إذًا: وإن عطفتَ على ضمير رفعٍ مُتَّصِل، مستترًا كان أو بارزًا، نحو: قمتَ أنتَ وزيدٌ، وقم أنتَ وزيدٌ، وما اتصل كذلك بالوصف، ولا يكون إلا مستترًا: زيدٌ قائمٌ هو وعمروٌ، زيدٌ: مبتدأ، قائمٌ خبر، وعمروٌ: أردت أن تعطف على الفاعل المستتر في الوصف، لأنه كما سبق أن الوصف يرفع ضميرًا مستترًا على أنه فاعل، تقول: زيدٌ قائمٌ هو وعمروٌ، أو ضاربٌ هو وعمروٌ، فتأتي بالفاصل الذي هو لفظ: هو.
[ ٩٤ / ٢٨ ]
فَافْصِلْ بين المعطوف والمعطوف عليه بِالضَّمِيْرِ المُنْفَصِلْ، لماذا؟ قالوا: لأن المُتَّصِل المرفوع كالجزء مما اتصل به، يعني: قمت وقم كما سبق: أن الفاعل كجزءٍ من عامله .. من الفعل، فلو عُطِف عليه كان كالعطف على جزء الكلمة، هذا كالتعليل في كونه لا يعود الضمير على المضاف إليه، لأنه كالجزء، حينئذٍ لا يرجع الضمير، هنا لو عُطف عليه مباشرةً: قمت وزيدٌ .. اسكن وزوجك، لو عطف مباشرة كأنه عطف على جزءٍ من الكلمة .. كأنك عطفت على الباء الذي هو أحد أجزاء الكلمة. على جزءٍ من الكلمة، فإذا أُكِّد بالمنفصل دل إفراده مما اتصل به بالتأكيد على انفصاله في الحقيقة، فحصل له نوع استقلال، يعني: إذا قلت: قمتَ أنتَ، لمَّا أكَّدَته بـ: أنتَ- لأنا نعربه ماذا: أنت؟ توكيد-، لمَّا أكَّدته حينئذٍ دل على أن له نوع استقلال، فصار كالتمهيد لأن يعطف عليه بالواو، هذا تعليل.
فحصل له نوع استقلال، ولم يجعل العطف على هذا التوكيد لأن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فكان يلزم كون المعطوف تأكيدًا للمُتَّصِل وهو باطل، على كلٍ: مراده أن يكون له نوع استقلالٍ فأُكد أولًا فكأن الكلمة مستقلة، فكان لها وضعٌ ثم عطف عليها بعد ذلك، وأمَّا إذا عطف عليه دون توكيد، دون الفصل حينئذٍ كأنك عطفت على جزء الكلمة والحجة هو السماع.
(وَإِنْ عَلَى ضَمِيِرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ) ضمير هذا قيد و(رَفْعٍ مُتَّصِلْ) هذا قيدٌ ثانٍ، وأفهم كلامه جواز العطف على الضمير المنفصل مطلقًا، لأنه قيده بضمير رفعٍ مُتَّصِل، إذًا: أفهم كلامه جواز العطف على الضمير المنفصل مطلقًا مرفوعًا كان أو منصوبًا، وعلى المُتَّصِل المنصوب بلا شرط لأنه قال: (ضَمِيرِ رَفْعٍ) دون شرطٍ، إذًا: يجوز أن يعطف على ضمير النصب مطلقًا، نحو: أنا وزيدٌ قائمان، أنا: هذا ضمير رفع منفَصِل لا مُتَّصِل، إذًا: جاز العطف عليه فتقول: أنا وزيدٌ، لا نحتاج: أنا وهو زيدٌ، لا بد من الفصل لا، نقول: نعطف عليه مباشرة، لأن الشرط أن يكون مُتَّصِلًا، وهذا منفصل.
وإياك والأسد، هذا منصوبٌ على التحذير، احذر .. أحذرك، إياك والأسدَ، عُطف الأسد على: إياك، جاز دون فاصلٍ لكون: إياك ضمير نصب، ونحو: «جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ» [المرسلات:٣٨] جَمَعْنَاكُمْ: الكاف في محل نصب، وَالأَوَّلِينَ: معطوفٌ عليه، جاز دون فاصلٍ لأن الشرط: أن يكون ضمير رفعٍ، وجاز ذلك لأن كلًا من المذكورين ليس كالجزء فأُجري مُجرى الظاهر.
(أَوْ فَاصِلٍ مَا) هذا أشبه ما يكون بصرفٍ لما سبق عن أن يكون متعينًا، لأن ظاهر قوله: (فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ المُنْفَصِلْ) أنه يجب أن يكون الفاصل هو الضمير المنفصل لا، ليس هذا بالشرط، المراد: أن يُفْصَل بينهما فحسب، سواءٌ كان ضميرًا منفصلًا أو فاصلٍ ما، أي فاصلٍ كان، وإنما نَصَّ على الضمير المنفصل لكثرته، يعني: لكثرة الفصل به في لسان العرب.
[ ٩٤ / ٢٩ ]
(أَوْ فَاصِلٍ مَا)، (مَا): اسمٌ نكرة في موضع نعتٍ لفاصل، بمعنى: أيّ فاصلٍ كان، وجُوَّز المكُودِي أن تكون زائدة، وإنما اكتفي بأي فاصلٍ، لأن فصل الكلام قد يغني عما هو واجبٌ، فغير الواجب من باب أولى وأحرى، سبق معنا: أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ، التأنيث هنا واجب، والفصل أغنى عن الوجوب، صار مندوبًا مستحبًا أن يُؤنَّث، فلما قيل بالفصل هنا في إسقاط الوجوب .. وجوب التأنيث، إذًا: صار الفاصل له مقامٌ في صرف الحكم، وإنما اكتفي بأي فاصلٍ يعني: بين العاطف والمعطوف، لأن فصل الكلام من حيث هو فصلٌ قد يغني عما هو واجب، نَحْوِ أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ، فلأن يغني عما هو غير واجبٍ أولى، لأنه ليس بواجب هنا، وإنما هو مستحبٌ، ولذلك قال:
وبِلاَ فَصْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ.
إذًا (أَوْ فَاصِلٍ مَا) هذا معطوف على قوله: (بِالضَّمِيْرِ) إذًا: المراد أن يُفصل، حينئذٍ قد يُقال: بأن الواجب هو الفصل، وأمَّا الذي يقع فاصلًا فهذا يقع أيُّ فاصلٍ كان، سواءٌ كان ضميرًا منفصلًا أو مفعولًا به، أو جار ومجرور إلى غيره.
(أَوْ فَاصِلٍ مَا) يعني: إمَّا بين العاطف والمعطوف عليه، وإمَّا بين العاطف والمعطوف، كالمفعول به: «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ» [الرعد:٢٣] من صلح: من هذا معطوفٌ على الواو، وهذا ضمير رفعٍ مُتَّصِل، يدخلون: الواو ضمير رفع مُتَّصِل، قال: «وَمَنْ صَلَحَ» [الرعد:٢٣] هم يدخلون، ومن صلح: معطوفٌ عليه، الأصل: أن يكون الفاصل ضمير منفصل، ولكن هنا فصل بالمفعول به، يدخلونها الجنة «وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ» [الرعد:٢٣] فـ (من) معطوفٌ على الواو في يدخلونها، وصح ذلك للفَصْل بالمفعول به، وهو الهاء من يدخلونها.
ومثل الفاصل بـ (لا) النافية: «مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا» [الأنعام:١٤٨] (مَا أَشْرَكْنَا) (نَا) هذا ضمير رفع مُتَّصِل، عطف عليه آباؤنا، وآباؤنا هذا الأصل: عطفٌ على (نا) حينئذٍ نقول: الأصل المنوع، لكن سوَّغ هن العطف للفصل، ما نوع الفاصل؟ (لا) النافية، فآباؤنا معطوفٌ بالواو على (نا) وجاز ذلك للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بـ (لا).
وقد اجتمع الفصلان، في نحو: «مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ» [الأنعام:٩١] جميل هذا! وآباؤكم: هنا معطوف فُصِل بينهما بـ (أنتم) و(لا) جُمِعَ بينهما، أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ هذا معطوف آباؤكم على تعلموا .. الواو، مثل: يدخلون.
إذًا (أَوْ فَاصِلٍ مَا) نقول: المراد هنا أن يَفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو ضمير الرفع المُتَّصِل أيُّ فاصلٍ، سواءٌ كان ضميرًا منفصل، أو كان مفعولًا به، أو كان (لا)، أو يُجمع بينهما.
[ ٩٤ / ٣٠ ]
(وبِلاَ فَصْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمِ فَاشِيًا) ويرد الفصل -العطف- دون فصلٍ .. (بِلاَ فَصْلٍ)، (فِي النَّظْمِ) .. في الشِّعْر، (فَاشِيًا) كثيرًا، ولكن (ضَعْفَهُ اعْتَقِدْ) اعتقد ضعفه .. ضعيف، لأنه مخالفٌ للواجب، إذًا: فافصل على أصله أنه واجب، ولكن الذي يحصل به الفصل أنت مُخيرٌ به. أَوْ فَاصِلٍ مَا، ثم نبه على أنه قد ورد العطف على ضمير الرفع المُتَّصِل من غير فصلٍ.
قال: و(يَرِدْ) أي: العطف، (بِلاَ فَصْلٍ) من غير فصلٍ .. لا بمعنى: غير، والجار والمجرور مُتعلِّق بقوله: (يَرِدْ)، (فِي النَّظْمِ) يعني: الشِّعْر، (فِي النَّظْمِ) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (يَرِدْ)، (فَاشِيًا) هذا حال من فاعل (يَرِدْ) يعني: كثيرًا، فُهِمَ منه أنه كثيرٌ في الشِّعْر، وفُهِمَ منه العكس: أنه غير فاشٍ في النثر، (فَاشِيًَا) كثيرًا مُنتشِرًا، فحينئذٍ فاشيًا هذا حالٌ من فاعل (يَرِدْ) فُهِمَ منه لأنه صفة .. حال وصفٌ في المعنى، حينئذٍ فُهِمَ منه: أنه غير فاشٍ في النثر.
(وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ) يعني: مع فشوه وكثرته اعتقد ضعفه أنه ضعيف، لأنه مخالفٌ للأصل، (وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ) اعتقد ضعفه، أي: على مذهب البصريين، وأجازه الكوفيون بلا ضعفٍ قياسًا على البدل نحو: أعجبْتني جَمالُك، جمالُك: بدل من التاء .. أعجبْتني .. التاء .. أنت، جمالُك: وقع بدل دون فاصلٍ، قيس عليه العطف، لكن هذا بعيد، لأن البدل والمُبدل منه شيءٌ واحد، وأمَّا العطف فلا، فهما منفصلان: «أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ» [الأنعام:٩١] فرقٌ بينهما.
وأجازه الكوفيون بلا ضعفٍ قياسًا على البدل، نحو: أعجبتني جمالُك، والفرق على مذهب البصريين، يعني: بين البدل وبين العطف، لماذا لا تقيسون كما قاس الكوفيون؟ قالوا: لا، ثَمَّ فرق، الفرق على مذهب البصريين: أن الثاني في العطف غير الأول غالبًا، يعني: مُنفصل .. منفك، وأمَّا البدل هو عينه، البدل والمبدل منه شيءٌ واحد، جاء زيدٌ أخوك: أخوك هو زيد، وزيد هو أخوك، إذًا: هذا أمرٌ سهل.
أن الثاني في العطف غير الأول غالبًا، فلا بُدَّ من تقوية الأول بخلاف البدل، وكالبدل التأكيد إلا النفس والعين، قال المكودي: " ووجه الضعف: أن ضمير الرفع المُتَّصِل شديد الاتصال برافعه، فصار كأنه حرفٌ من حروف عامله، فإذا لم يفصل بينهما فكأنه عُطف اسمٌ على فعلٍ ".
إذًا:
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلاَ فَصْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
فِي النَّظْمِ فَاشِيًا: كثيرًا، مفهومه أنه في النثر قليل، (وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ) سواءٌ كان في النظم أو في النثر، هذا مطلقٌ.
قال ابن عقيل: " والضمير المرفوع المستتر في ذلك كالمُتَّصِل نحو: اضرب أنت وزيدٌ .. "اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ" هذا على المشهور عند النحاة، ومنه قوله تعالى: «اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ» [البقرة:٣٥] فزوجك: معطوفٌ على الضمير المستتر في: اسكن، وصح ذلك للفصل بالضمير المنفصل وهو: أنت.
وأشار بقوله: بِلَا فَصْلٍ يَرِدْ: إلى أنه قد ورد في النظم كثير من العطف على الضمير المذكور بلا فصلٍ، كقوله:
قُلتُ إِذْ أقْبَلَتْ وَزُهْرٌ تَهَادَى كَنِعَاجِ الفَلاَ تَعَسَّفْنَ رَمْلاَ
[ ٩٤ / ٣١ ]
(زُهرٌ) معطوفٌ على الضمير المستتر في: أقْبَلَتْ، من غير فصلٍِ ولا توكيد، وقد ورد ذلك في النثر قليلًا، هذا مفهوم قوله: (فِي النَّظْمِ فَاشِيًَا) إذًا: في النثر وقع لكنه قليل، وعلى ضعفه جوَّزه بعضهم في السَّعة، حكى سيبويه ﵀: مررت برجلٍ سواءٍ والعدمُ، يعني: مستوٍ هو والعدم، مستوٍ .. سواءٍ، هذا في قوة المشتق، والمشتق هذا فيه ضمير، كأنه قال: مستوٍ والعدمُ، العدم بالرفع معطوف على الضمير المستتر في: مستوٍ، دون فاصلٍ.
مررت برجل سواءٍ والعدمُ، سواءٍ نقول: هذا مؤول بمشتق، أي: مستوٍ، والعدم الأصل أن يقول: مستوٍ هو والعدم، لا بُدَّ من الفاصل، لكن نقول: هذا قليل. برفع العدم، بالعطف على الضمير المستتر في سواء، لأنه مؤولٌ بالمشتق، أي: مستوٍ هو العدم وليس بينهما فاصل.
وعُلِمَ من كلام المصنف: أن العطف على الضمير المرفوع المنفصل لا يحتاج إلى فصلٍ، هذا واضح نحو: زيدٌ ما قام إلا هو وعمروٌ، وكذلك الضمير المنصوب المُتَّصِل والمنفَصِل، زيدٌ ضربته وعمرًا، عمرًا: معطوف على الضمير ضربته، لا يحتاج إلى فاصل، وما أكرمت إلا إياك وعمرًا، عمرًا: معطوف على إياك ولا يحتاج، مثل: إياكَ والأسد.
وأمَّا الضمير المجرور فهذا لا يعطف عليه إلا بإعادة الجآر له، يعني: لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجآر، سواءٌ كان اسمًا أو حرفًا، نحو: مررت بك وبزيدٍ، لا يصح أن يُقال: مررت بك وزيدٍ، لا بُدَّ أن تعيد حرف الجر، فتقول: مررت بك وبزيدٍ، بحرف الجر. ولا يجوز: مررت بك وزيدٍ، هذا مذهب الجمهور، وأجاز ذلك الكوفيون، واختاره المصنف هنا، ولذلك قال:
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ضَمِيرِ خَفْضٍ لاَزِمًَا قَدْ جُعِلاَ
(وَلَيْسَ عِنْدِي لاَزِمًْا) .. خَالَف!
وَلَيْسَ عِنْدِيْ لاَزِمًَا إِذْ قَدْ أَتَى فِيْ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
هنا نسختان: (فِيْ النَّثْرِ وَالنَّظْمِ الصَّحِيحِ) .. فِيْ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ، لكن هذا أولى: (فِيْ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ) لأن مراده بالنثر: القرآن، النثر الصحيح يعني: القراءة الثابتة الصحيحة، ولم يُعهد أنهم يصفون الشِّعْر بكونه صحيحًا، حينئذٍ النسخة الأولى .. شرحوا على هذا وذاك، تقديم وتأخير، لكن الأولى أن يقال: (فِيْ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ) فيكون الصحيح صفة للنثر لا للنظم، لأنه هو هذا المعهود.
(وَعَوْدُ خَافِضٍ) يعني: إذا عُطِفَ اسمٌ على الضمير المخفوض، لزم إعادة الخافض، وشمل المخفوض بالحرف: مررت بك وبزيدٍ، والمخفوض بالاسم: جلست بينك وبين زيدٍ، لا يُقال: جلست بينك وزيدٍ، زيدٍ: معطوف على الكاف، بينك: بين هذا مضاف، والكاف مضاف إليه، لو عطفت على المضاف إليه حينئذٍ لو قيل بالجواز لقيل: جلست بينك وزيدٍ، وإذا قيل بالمنع على المشهور: لا يُقال: إلا جلست بينك وبين زيدٍ بإعادة الخافض.
[ ٩٤ / ٣٢ ]
إذًا (عَوْدُ خَافِضٍ) يشمل الخافض إذا كان حرفًا: مررت بك وبزيدٍ، ويشمل الخافض إذا كان اسمًا: جلست بينك وبين زيدٍ، لا بُدَّ من إعادته. فإعادة الخافض في ذلك لازمةٌ عند جمهور البصريين إلا في الضرورة، وذهب الكوفيون: إلى أنه لا يلزم، يعني: يجوز العطف دون إعادته الخافض، فيُقال: مررت بك وزيدٍ، وجلست بينك وزيدٍ دون إعادة الخافض.
(وَعَوْدُ خَافِضٍ) عود: مبتدأ وهو مضاف، وخافضٍ: مضاف إليه، وهذا عام شاملٌ للحرف والاسم، لكن لا يعاد الاسم إلا إذا لم يُلبِس، فإن ألبس حينئذٍ مُنِعَ، كقولك: جاء غلامك وغلام زيدٍ، لو قال: جاء غلامك وزيدٍ، وهو غلام واحد، حينئذٍ لا يُعاد، فلا يُقال: جاء غلامك وغلام زيدٍ، لأنه إذا أعيد أوقع في لبسٍ، وهو أن المراد به غلامان، والمراد به في النفس غلامٌ واحد، جاء غلامك وزيدٍ، لا يُعاد الخافض هنا، لماذا؟ لأنك لو أعدته لأوقعت في لبسٍ، وهو أن الغلام هو واحد لزيد ولك، فإذا قلت: جاء غلامك وغلام زيدٍ صار اثنين، وأنت تريد أن يكون واحدًا، إذًا: السامع لا يفهم أنه واحد، وإنما يفهم أنه اثنان، فتقول: جاء غلامك وزيدٍ، يعني: غلامك وغلام زيدٍ. تريد غلامًا واحدًا مشتركًا بينهما لم يجز إلا إذا قامت قرينة تدل على المقصود.
(وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَىَ) (لَدَىَ) بمعنى: عِنْدَ، مُتعلِّق بقوله: عود، لأن عود هذا مصدر: عاد يعود عودًا، فيتعلق بالظرف.
(وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَىَ) يعني: عِنَد، (عَطْفٍ عَلَى ضَمِيِر خَفْضٍ): عِنَد عطفك أنتَ عَطْفٍ عَلَى ضَمِيِر خَفْضٍ، (لاَزِمًَا قَدْ جُعِلاَ) قد جُعِلَ لازمًا، قد: للتحقيق، وجُعلا: الألف للإطلاق، وجُعِلَ: هذا مغيِّر الصيغة، وفيه نائب فاعل هو المفعول الأول و(لاَزِمًَا) مفعولٌ ثاني، قد جُعِلَ لازمًا في غير الضرورة، وعليه جمهور البصريين، ومنه: «فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ» [فصلت:١١] أعاد اللام، لها وللأرض: أعاد اللام مرة أخرى.
كذلك: «وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ» [المؤمنون:٢٢] ما قال: والفلك، إنما عطف على الضمير المجرور بإعادة الخافض.
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ضَمِيرِ خَفْضٍ لاَزِمًَا قَدْ جُعِلاَ
قد جُعِلَ لازمًا عند جمهور البصريين في غير الضرورة، والآيات واضحة.
(وَلَيْسَ عِنْدِي لاَزِمًْا) خالف! وَلَيْسَ عِنْدِي يعني: وليس عَودُ الخافض لازمًا عندي، (عِنْدِي) هذا مُتعلِّق بقوله: (لاَزِمًْا) وهو معمولٌ للخبر، وقد فصل بين العامل وهو ناسخ، وبين الخبر:
وَلا يَلِي الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ إِلاَّ إِذَا ظَرْفًَا أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرّ
فهو مُستساغ .. فهو جائز، لأنه ظرف، إذًا: معمول الخبر هنا فصل بين العامل والخبر، وهذا جائزٌ لكونه ظرفًا.
[ ٩٤ / ٣٣ ]
(وَلَيْسَ عِنْدِي لاَزِمًا)، (لاَزِمْ) هذا خبر ليس، واسم ليس ضمير مستتر يعود على عود الخافض، وَلَيْسَ عِنْدِي لاَزِمًَا وفاقًا ليونس والأخْفَش والكوفيين، لماذا؟ قال: (إِذْ قَدْ أتَى فِي النَّظْمِ والنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا) حالٌ من فاعل أتى، (إذْ) للتعليل، (قَدْ) للتحقيق، (أَتَى) الضمير هنا يعود إلى عدم عَود الخافض، إذًا: عكس لأنه قال: وَلَيْسَ لاَزِمًَا عِنْدِي، ما هو الذي ليس لازمًا؟ إعادة الخافض إذا عُطِفَ على الضمير المخفوض، هذا ليس بلازم عند ابن مالك رحمه الله تعالى وفاقًا للأخفش والكوفيين ويونس، لماذا؟ قال: (إِذْ) تعليل هذا، لا بُدَّ من دليل:
(إِذْ قَدْ أتَى) ولما كانت المسألة قوية هنا علل في المتن، والأصل أن لا يُعلَّل في المتون كما سبق، المتون ليست مقام للتعليل.
(إِذْ) تعليل، (قَدْ) للتحقيق، (أتَى) أي: العود دون إعادة الضمير، العطف على ضميرٍ مخفوض دون إعادة الضمير، (فِي النَّظْمِ) يعني: الشِّعْر، (وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ) الذي هو القرآن .. يقصد به القرآن .. القراءة الثابتة، (مُثْبَتَا) حالٌ من فاعل (أَتَى).
قال هنا: أي: جعل جمهور النحاة إعادة الخافض إذا عُطِفَ على ضمير الخفض لازمًا، ولا أقول به .. ليس عندي لازمًا، لورود السماع نثرًا ونظمًا، بالعطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، فمن النثر قراءة حمزة: «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ» [النساء:١] والأرحامِ: بالخفض معطوف على (به) الضمير، إذًا: لم يرجع .. لم يُعِد الضمير، دل على أنه جائز. بجر الأرحام عطفًا على الهاء المجرورة بالباء.
ومن النظم ما أنشده سيبويه:
فَاليَومَ قرَّبتَ تَهجُونَا وَتَشتُمُنَا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ
والأيام: هذا عطف على الكاف المجرورة بالباء.
وحكا قطرب: مَا فِيهَا غَيْرُهُ وَفَرَسِهِ، ما فيها: ليس فيها، غيره وفرسه يعني: غير فرسه، لم يُعِد الخافض.
نقف على هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٩٤ / ٣٤ ]