إذا غيرت صيغة الفعل المبني للفاعل إلى صيغة ما لم يسم فاعله حذف الفاعل وقام مقامه المفعول به، فيأخذ ما له من أحكام، ويشترط في تغيير صيغة الفعل الالتزام بضوابط محددة، وقد يقوم غير المفعول مقام الفاعل كالظرف، لكن بشروط محددة.
[ ٣١ / ١ ]
النائب عن الفاعل
[ ٣١ / ٢ ]
قيام نائب الفاعل مقام الفاعل في الأحكام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النائب عن الفاعل: ينوب مفعول به عن فاعل فيما له كنيل خير نائل] يقول ابن مالك: (النائب عن الفاعل)، وهذا ترتيب حسن، حيث ذكر الفاعل أولًا ثم ذكر النائب عنه.
والنائب عن الفاعل هو المفعول به إذا حذف الفاعل، لكن يلزم على ذلك تغيير صيغة الفعل؛ لأن الفاعل أصل والنائب فرع، فلا بد أن يبنى للنائب بيت آخر غير بيت الفاعل، وذلك بتغيير صيغة الفعل.
ثم إن حذف الفاعل يكون لأغراض كثيرة لا يذكرها النحويون؛ لأن هذا ليس من شأنهم، وإنما يذكرها أهل البلاغة.
ومن تلك الأغراض التي يذكرونها: العلم به، أي: لأنه معروف، مثل قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨] فإنه معلوم أن الخالق هو الله تعالى.
ومنها: الجهل به والستر عليه، تقول: سُرِقَ المتاع، فقد يكون أخفى السارق إما للجهل به وإما للستر عليه.
فالمهم أن هناك أسبابًا توجب أن يحذف الفاعل ويقوم المفعول به مقامه، فإذا حذف الفاعل وأقيم المفعول به مقامه فهل يعطى حكم الفاعل لأنه نائبه أم تحدث له أحكام جديدة؟ يقول ابن مالك: (ينوب مفعول به عن فاعل فيما له كنيل خير نائل) ينوب: فعل مضارع مرفوع.
مفعول: فاعل.
عن فاعل: جار ومجرور متعلق بينوب.
فيما له: فيما: جار ومجرور متعلق بينوب أيضًا، وما: هنا اسم موصول للعموم، وله: جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: ثبت، أي: فيما ثبت له، والجملة صلة الموصول.
كنيل خير نائل: الكاف حرف جر، ونيل خير نائل: اسم مجرور بالكاف وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية، وإنما دخلت الكاف هنا على الجملة لأن المراد بها المفرد، إذ إن المراد بقوله: (كنيل خير نائل) أي: كهذا المثال.
قوله: (ينوب مفعول به عن فاعل فيما له) أي: في كل ما ثبت له: من الرفع، فإنه يرفع الفاعل ويرفع النائب عن الفاعل.
ومن وجوب ذكره وعدم جواز حذفه؛ لأنه نائبه.
ومن وجوب تأخره عن العامل.
ووجوب تأنيث الفعل معه إذا كان مؤنثًا حقيقيًا أو ضميرًا متصلًا لمؤنث.
المهم أن جميع الأحكام السابقة في الفاعل تنقل إلى نائب الفاعل، لكن لابد من تغيير الفعل كما سيذكر المؤلف ﵀.
قوله: (نيل خير نائل) أصلها: نال الرجل خير نائل، لكن حذف الفاعل، فلما حذف الفاعل أقيم المفعول به مقامه، فصار: نيلَ خيرُ نائل، وإعرابها تفصيلًا: نيل: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله.
وقولنا: (مبني لما لم يسم فاعله) أحسن من قولنا: مبني للمجهول؛ لأنها أعم؛ إذ إن حذف الفاعل قد يكون للجهل به، وقد يكون للستر عليه، أو غير ذلك.
خير: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، وخير: مضاف، ونائل: مضاف إليه.
[ ٣١ / ٣ ]
تغيير صورة الفعل عند إسناده للمفعول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأول الفعل اضممن والمتصل بالآخر اكسر في مضي كوصل واجعله من مضارع منفتحًا كينتحي المقول فيه ينتحى] بين المؤلف هنا تغيير صيغة الفعل الذي بني لما لم يسم فاعله.
قوله: (أول): مفعول مقدم، وهو مضاف إلى (الفعل).
اضمم: فعل أمر، والنون الساكنة للتوكيد، ولهذا بني فعل الأمر معها على الفتح، لكن نون التوكيد هنا نون خفيفة، وهناك نون ثقيلة مشددة، وقد اجتمع النونان في قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢].
إذًا: اضمم: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والنون حرف توكيد، والفاعل مستتر وجوبًا تقديره أنت.
والمتصل بالآخر اكسر: الواو حرف عطف، وهو من باب عطف الجملة على الجملة، والمتصل: مفعول مقدم لاكسر مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره مراعاة الروي، وهو آخر الشطر.
بالآخر: جار ومجرور متعلق بالمتصل.
اكسر: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره أنت.
(في مضي كوصل)، في مضي: جار ومجرور متعلق باكسر.
كوصل: الكاف حرف جر، ووصل: اسم مجرور بالكاف وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
يقول ابن مالك: (أول الفعل اضممن)، أي: سواء كان ماضيًا أو مضارعًا.
فإذا كان الفعل ماضيًا أو مضارعًا فلابد من ضم أوله عند بنائه لما لم يسم فاعله، تقول: يُفهَمُ الدرسُ، أُكرِم زيدٌ، يُكرم زيدٌ.
إذًا: أول الفعل مضموم على كل حال، سواء كان ماضيًا أم مضارعًا، وآخر الفعل في المضارع معرب، وفي الماضي مبني على ما هو عليه لا يختلف.
وما قبل الآخر يختلف: ففي الماضي يكسر وفي المضارع يفتح؛ ولهذا قال: (والمتصل بالآخر اكسر في مضي كوصل) ففي (وُصِل) المتصل بالآخر الصاد، فبدلًا من أن يقال: وَصَل، يقال: وُصِل فيضم أوله ويكسر ما قبل آخره، هذا في الفعل الماضي.
وفي المضارع قال: (واجعله من مضارع منفتحًا) الضمير يعود على ما قبل الآخر.
(من مضارع) أي: من فعل مضارع.
(منفتحًا) مفعول ثان لاجعل، والمفعول الأول الهاء في (اجعله).
الإعراب: اجعل: فعل أمر بمعنى صيَّر، فهي تنصب مفعولين، وفاعلها مستتر وجوبًا تقديره أنت.
والهاء ضمير مبني على الضم في محل نصب مفعولها الأول.
من مضارع: جار ومجرور متعلق باجعل.
منفتحًا: هو المفعول الثاني.
(كينتحي المقول فيه ينتحى)، يَنْتَحِي: فعل مضارع أوله مفتوح وما قبل آخره مكسور، وحينما بناه لما لم يسم فاعله قال: (يُنتحَى)، فضم الأول وفتح ما قبل الآخر.
إذًا: القاعدة في المضارع إذا بني لما لم يسم فاعله: أن يضم أوله ويفتح ما قبل آخره، وفي الماضي: أن يضم أوله ويسكر ما قبل آخره.
قوله: (كينتحي المقول فيه ينتحى): الكاف: حرف جر.
وينتحي: اسم مجرور؛ لأنه مؤول بقوله كهذا المثال، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
المقول: صفة لينتحي، وصفة المجرور مجرورة.
فيه: جار ومجرور متعلق بالمقول؛ لأنه اسم مفعول يعمل عمل الفعل.
ويُنتحَى: مقول القول مرفوع لأنه نائب فاعل.
[ ٣١ / ٤ ]
صياغة الفعل لما لم يسم فاعله إذا بدئ بتاء المطاوعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والثاني التالي تا المطاوعه كالأول اجعله بلا منازعه] قوله: (الثاني): منصوب على الاشتغال، وذلك لأن (اجعل) اشتغل بضميره المباشر عن نصبه، ومعلوم أن الاشتغال أن يتقدم معمول ويشتغل عامله بضميره عنه، ولهذا سمي اشتغالًا، ولو كانت الهاء غير موجودة لقلنا: إن (الثاني) مفعول لاجعل، لكنه الآن مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده.
ويجوز أن تقول: إنه غير منصوب، لكن الراجح النصب، ويرجح النصب أمران: الأمر الأول: أن الفعل طلبي والطلب يترجح به النصب، والأمر الثاني: أنه معطوف على جمل فعلية، فيترجح النصب، ولكن يجوز الرفع كما ذكرنا.
التالي: صفة للثاني منصوب أيضًا.
تا: مفعول للتالي؛ لأن التالي اسم فاعل، وتا مضاف، والمطاوعة: مضاف إليه مجرور بالإضافة.
كالأول: جار ومجرور متعلق باجعل.
اجعله: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره أنت، والهاء: مفعول أول لاجعل، والمفعول الثاني قوله: (كالأول).
بلا منازعة: الباء حرف جر، لا: اسم مجرور بالباء، ولكن ينقل إعرابه للاسم الذي بعده لأن (لا) صورتها صورة الحرف، فلا تؤثر فيها العوامل، ولو أن أحدًا من الناس قال: إننا سنجعل (لا) اسمًا ويكون مضافًا إلى (منازعة) لأن (لا) هنا بمعنى غير، أي: بغير منازعة، فإن قوله ليس بعيدًا؛ لكن المشهور الأول.
يقول المؤلف ﵀: (والثاني التالي تا المطاوعة كالأول اجعله)، والأول مضموم.
وتاء المطاوعة: هي التي تكون في فعل مطاوع لما سبق، أي: متأثر منه، تقول: عَلَّمته فتعلم، التاء في (تعلم) للمطاوعة، وتقول أيضًا: نحيته فانتحى، فالحرف الثاني الذي يلي تاء المطاوعة اجعله كالأول، أي: اجعله مضمومًا.
فمثلًا: إذا أردنا أن نبني الفعل (تعلَّم) نقول: تُعُلِّم، فالذي بعد التاء صار مضمومًا.
كذلك نقول في (تَكَبر عن الحق) تُكُبِّر عن الحق.
[ ٣١ / ٥ ]
صياغة الفعل لما لم يسم فاعله إذا بدئ بهمزة وصل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وثالث الذي بهمز الوصل كالأول اجعلنه كاستُحلي] قوله: (ثالث): مفعول لفعل محذوف، وهو من باب الاشتغال، وثالث: مضاف، والذي: مضاف إليه.
وبهمز: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، وهمز: مضاف، والوصل: مضاف إليه.
كالأول: جار ومجرور متعلق بمحذوف المفعول الثاني لاجعل.
اجعلنه: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والنون: حرف توكيد، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول أول لاجعل.
كاستحلي: جار ومجرور.
يقول ﵀: كل ما ابتدي بهمزة الوصل فثالثه كالأول، أي: أنه مضموم، مثل: (اسْتُحْلِي) فهذا مبدوء بهمزة وصل، وثالثه تاء، ولهذا ضم.
ومثله: استُغفِر، انتُقِم، اطُّرِد، وعلى هذا فقس كل مبدوء بهمزة وصل فإنه يضم ثالثه فيجعل كالأول.
فنقول في اسْتَحلى: استُحْلي، وفي انتحى: انتُحي، وفي اصطفى: اصطُفي، وفي ارتقى: ارتُقي وعلى هذا فقس.
[ ٣١ / ٦ ]
كيفية صياغة الفعل الأجوف الثلاثي لما لم يسم فاعله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واكسر أو اشمم فا ثلاثي أعل عينًا وضم جا كبوع فاحتمل] ما زلنا مع المؤلف ﵀ في كيفية صياغة الفعل إذا بني لما لم يسم فاعله، وقد سبق الكلام على جمل من ذلك، وهنا قال: (واكسر أو اشمم فا ثلاثي أعل عينًا وضم جا).
فهذه ثلاثة أوجه إذا كان الفعل ثلاثيًا معل العين، ومعنى (معل العين) أن عينه حرف علة، والعين هي الثانية من تركيب الفعل؛ لأن الصرفيين اصطلحوا على أن يجعلوا (فَعَلَ) هي الميزان، فالفاء هي الفاء، والعين هي العين، واللام هي اللام.
يقول ﵀: إذا كان الفعل ثلاثيًا وعينه حرف علة ففيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: الكسرة.
والوجه الثاني: الإشمام.
والوجه الثالث: الضم.
أي: الأول: كسر خالص، والثاني: ضم خالص، والثالث: إشمام أي: بين الضم الخالص والكسر الخالص، لكنه أشار ﵀ بقوله: (فاحتمل) إلى أن الثالث ضعيف، لكنه احتمل لوروده في اللغة العربية.
قوله: (اكسر): فعل أمر.
أو اشمم: أو: للتخير، واشمم: فعل أمر.
فا: مفعول تنازع فيه اكسر واشمم، وإذا حدث تنازع فإن النحويين اختلفوا: هل يعمل فيه العامل الثاني لمباشرته أو الأول لسبقه؟ على قولين: قال ابن مالك: والثاني أولى عند أهل البصره واختار عكسًا غيرهم ذا أسره وفا: مضاف، وثلاثي: مضاف إليه.
أُعل: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل مستتر.
عينًا: مفعول ثان لأُعل، وأصلها أعللت عينه.
وضم: مبتدأ، جا: الجملة خبره.
وكبوع: جار ومجرور.
فاحتمل: معطوفة على (ضم جا)، واحتمل بمعنى: أنه أجيز.
مثاله: قال، فـ (قال) فعل ثلاثي معل العين بالواو؛ لأن (قال) أصلها: قَوَل، بدليل المضارع: يقول، إذا أردنا أن نبنيه لما لم يسم فاعله قلنا حسب القاعدة السابقة: قُوِلَ؛ لأن الماضي يضم أوله ويكسر ما قبل آخره، لكن هذا مستثقل؛ لأن ظهور الحركات على الواو ثقيل، فماذا نصنع؟ ننقل حركة الواو التي هي الكسرة إلى ما قبلها، فنقول: قِوْلَ، وهذا أيضًا مستثقل؛ أن تقع الواو بعد الكسرة، إذًا: حول الواو إلى ياء وقل: قيل.
ولا أظن بدويًا من العرب تحت شجرة يعرف هذا التصريف، ولو قلت له: حل لي هذه الكلمة على هذا التصريف، لقال: اذهب أنا لا أعرف إلا (قيل) بدل (قال)، لكن النحويين يريدون أن ينزلوا الألفاظ على القواعد المعروفة تمرينًا للطالب، وإلا فمن المعلوم أنه لا يمكن لأحد أن يقول: قُوِلَ، ولا أن يقول: قِوْلَ، بل يقول: قيل، وبكل سهولة، فهذا الوجه الأول، كسرنا أوله كسرًا خالصًا.
الوجه الثاني: الإشمام.
والإشمام: أن تأتي بحركة بين الكسرة والضمة، فتنطق القاف من (قيل) لا مضمومة ولا مكسورة، بل بحركة بينهما، والنطق بالإشمام أمر فيه صعوبة، وقد كان شيخنا عبد الرحمن بن السعدي ﵀ يدرسنا في هذا الباب ولم نعرف كلنا لا نحن ولا هو؛ لأنه صعب جدًا، لكن لعل العرب الذين ألفوا هذه اللهجة تسهل عليهم، ونحن هنا في المملكة في بعض الجهات يتكلمون بلهجة لا نستطيع أن نتكلم بها، وهي عندهم سهلة، وهذا شيء معروف.
الوجه الثالث: الضم الخالص، فنقول في (قيل): قُوْل، في (بيع): بُوْع.
مع أن (البيع) يائي: فلماذا كانت واوًا؟ لأنها وقعت بعد ضم لا بد منه؛ إذ إن هذا الضم هو الذي يفرق بين البناء للفاعل والبناء لما لم يسم فاعله، فالضمة لا بد منها، ولا يناسبها إلا الواو، ولهذا نقول: بوع، ولا نقول: بُيع.
ففي (بوع) إذًا ثلاث لغات: الكسر الخالص، قيل: والإشمام، والضم الخالص: بوع.
وقوله: (وضم جا) أي: جاء من عند العرب، ومنه قول الشاعر: ليت وهل ينفع شيئًا ليتُ ليت شبابًا بوع فاشتريتُ يعني: أن (ليت) لا تنفع، وهذا كقول الرسول ﵊: (ولا تقل: لو؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان).
وهذا الشاعر جاهلي يعرف أن التمني لا يفيد، وفي المثل العامي عندنا: التمني رأس مال المفاليس، أي: أن المفلس الذي ليس عنده شيء رأس ماله التمني.
المهم أن الشاعر قال: (بوع فاشتريت)، واللغة المشهورة: بيع فاشتريت، فكون الشاعر عدل من (بيع) إلى (بوع)، مع أن وزن البيت لا يختلف، يدل على أن هذه لغة، ولهذا قال: (ضم جا كبوع)، لكن هذه اللغة ضعيفة باعتبار اللغة الكثيرة الفصحى.
والخلاصة: أنه يجوز في الفعل الثلاثي المعل العين ثلاثة أوجه: الأول: الكسر الخالص، وهو الأكثر.
والثاني: الإشمام.
والثالث: الضم الخالص، وهو قليل.
[ ٣١ / ٧ ]
بناء الثلاثي المعل العين إذا خيف اللبس
[وإن بشكل خيف لبس يجتنب وما لباع قد يرى لنحو حب] يعني: إذا جازت الأوجه الثلاثة، وخيف اللبس بالشكل فإنه يجتنب الوجه الذي يكون فيه اللبس.
قوله: (إن بشكل خيف لبس) إن: شرطية، وفعل الشرط قوله: خيف.
بشكل: جار ومجرور متعلق بخيف.
لبس: نائب فاعل.
يجتنب: جواب الشرط، أي: يجتنب الشكل فلا ينطق به.
وكلمة: (خيف) تصلح أن تكون مثالًا، فإذا أسندتها إلى التاء، تقول: خِفْتَ، وإذا أردت أن أوجه الخطاب إليك وأقول: أنت الذي يخافك الناس، وأسندها إلى نائب الفاعل أقول: خِفْت، فهنا التبس الفاعل ونائب الفاعل.
وللتوضيح أكثر نقول: كلمة (خاف) فعل ثلاثي معتل العين، إذا بنينا لما لم يسم فاعله ففيه ثلاثة أوجه: إذا أسندته إلى الفاعل فإنك تقول للرجل: خِفْتَ من الناس، أي: أنك جبان تخاف.
وإذا أردنا أن نبنيه لما لم يسم فاعله ونسنده إلى التاء نقول على وجه الكسر: خِفْتَ، أي: أن الناس يخافونك، فلو قلت: يا فلان! خِفْتَ، فإنه يلتبس الفاعل بنائب الفاعل، ولذلك يقول: (إن بشكل خيف لبس يجتنب) أي: يجتنب هذا الوجه.
وعلى هذا فالفرق بين كون الخوف واقعًا منه أو واقعًا عليه: أنك إذا قلت: خُفت، فالخوف واقع منه، أي: أن الناس يخافونه، وإذا قلت: خِفت، فالخوف واقع عليه، أي: أنه هو يخاف الناس.
مثال آخر: (سام يسوم) إذا بنيناه للفاعل فنقول: سُمتُ، وإذا بنيناه للمفعول فنقول: سُمتُ، وعليه فإذا إذا قلنا: يجوز الضم والكسر والإشمام، صار يجوز أن نقول: سُمت للفاعل والمفعول، وحينها سوف يشتبه الفاعل بالمفعول، فيتعين إذًا الكسر أو الإشمام إذا أسندناه إلى نائب الفاعل، فنقول: سِمتُ.
والخلاصة: أنه إذا كان الفعل ثلاثيًا معل العين جاز في أوله ثلاثة أوجه: الضم والكسر والإشمام، إلا إذا خيف التباس الفاعل بنائب الفاعل إذا كسر فإنه يمتنع الكسر، وإذا خيف التباس الفاعل بنائب الفاعل إذا ضم فإنه يمتنع الضم.
مثال ما عينه ياء: باع، إذا بنيناه للفاعل قلنا: بِعتَ، وإذا بنيناه للمفعول قلنا: بُعتَ؛ لأنك لو كسرت لالتبس الفاعل بنائب الفاعل؛ لأن التاء في (بِعتَ) بالكسر فاعل، وفي (بُعتَ) بالضم نائب فاعل، ومثال الأول كأن تقول: هل بِعتَ بضاعتك؟ ومثال الثاني كأن تقول لعبد مكاتب: هل بُعتَ؟ أي: هل باعك سيدك؟
[ ٣١ / ٨ ]
بناء الثلاثي المضعف العين إذا خيف اللبس
قوله: (وما لباع قد يرى لنحو حب): أي: أن الذي ثبت لباع من جواز الضم والكسر والإشمام (قد يرى لنحو حب) من كل فعل ثلاثي مشدد، كحَبَّ وشَدّ وشَذَّ، وما أشبهها.
فيجوز فيها ما ذكره المؤلف: الكسر والضم والإشمام، فتقول إذا أردت أن تخبر أن زيدًا محبوب: حِبّ زيدٌ، أي: صار محبوبًا، وتقول: حُبَّ زيدٌ، وتشم، يقول: (ما لباع قد يرى لنحو حَب)، وإلا فالأصل أن يقال فيها: حُبَّ زيدٌ، شُدَّ الحبل، شُذَّ عن الجادة، لكن قد تعامل معاملة الفعل الثلاثي المعل عينه، وهو في لغة العرب، لكن اللغة الفصحى والأصل أن يقال: حُبَّ.
فإن قال قائل: (حُبّ) قد تشتبه بالمصدر، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] أي: لمحبة الخير، قلنا: المعنى يعينه السياق.
وقوله: (وما لباع قد يرى لنحو حب): ما: اسم موصول بمعنى الذي، والواو: للاستئناف.
لباع: جار ومجرور باعتبار اللفظ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو صلة الموصول في قوله: (ما).
قد: حرف تقليل؛ لأن ذلك هو الأصل فيما إذا دخلت (قد) على الفعل المضارع.
يرى: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل مستتر يعود على ما.
لنحو: جار ومجرور متعلق بيرى، ونحو مضاف، وحب مضاف إليه، والجملة من (قد يرى) خبر (ما) الموصولة.
[ ٣١ / ٩ ]
صياغة الفعل لما لم يسم فاعله من (افتعل) و(انفعل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما لفا باع لما العين تلي في اختار وانقاد وشبه ينجلي] قوله: (وما لفا باع).
ما: مبتدأ.
لفا: جار ومجرور، وفا: مضاف، وباع: مضاف إليه باعتبار اللفظ.
لما: اللام حرف جر، وما: اسم موصول.
العين: مبتدأ.
تلي: فعل مضارع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول، أعني: (ما) الثانية، أما الأولى: فالجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول.
وخبر المبتدأ الأول (ما) هو قوله: (لما العين تلي)، أي: الجار والمجرور، فالجار والمجرور هنا متعلق بمحذوف خبر (ما).
في اختار: في حرف جر، واختار: اسم مجرور باعتبار اللفظ، وهي متعلقة بتلي.
وانقاد: معطوف عليها.
وشبه: معطوف عليها أيضًا.
ينجلي: فعل مضارع، والجملة وصف لشبه.
يقول ﵀: ما ثبت لفا باع من الأوجه الثلاثة يثبت للذي تليه العين في (اختار) و(انقاد)، والذي تليه العين هو الذي قبل العين.
فمثلًا: (اختار) على وزن: افتعل، فالذي تليه العين هو التاء، إذًا ففي التاء ثلاثة أوجه: الكسر الخالص: اختير المتاع، والإشمام، والضم الخالص: اختور، لكن هذا قليل.
ولذلك الآن نحن عندما نتكلم في (اختار) نقول: اختير المتاع، اختير المكان، اختير الزمان، اختير الكتاب، اختير الرجل، ويجوز: اختور، لكن في ظني لو تكلمت عند العامة وقلت: اختور، سيقولون: هذه غير عربية؛ لأنها قليلة.
وكذلك (انقاد) مثلها، تقول: انقاد الجمل لقائده، إذا حولناه إلى فعل مبني لما لم يسم فاعله نقول: انقيد للقائد، بالكسر، أو بالإشمام بين الضم والكسر، أو بالضم الخالص، انقود للقائد.
[ ٣١ / ١٠ ]
ما ينوب عن الفاعل غير المفعول
[ ٣١ / ١١ ]
نيابة الظرف والمصدر والجار والمجرور عن الفاعل
انتهى المؤلف ﵀ من صيغة الفعل المبني لما لم يسم فاعله، ثم انتقل ﵀ إلى: هل ينوب غير المفعول به عن الفاعل؟ لأن الكلام في نيابة المفعول به عن الفاعل، كما قال في أول الباب: (ينوب مفعول به عن فاعل)، فهل ينوب غير المفعول به عن الفاعل؟ يقول ﵀: [وقابل من ظرف او من مصدر أو حرف جر بنيابة حري] قوله: (قابل) مبتدأ، وسوغ الابتداء به الوصف: قابل من كذا.
من ظرف: جار ومجرور.
أو من مصدر: أو: حرف عطف، من مصدر: معطوف على (ظرف) بإعادة العامل.
أو حرف جر: معطوف على ظرف.
بنيابة: بنيابة جار ومجرور متعلق بحري.
حري: خبر المبتدأ، الذي هو: قابل.
أي: أن القابل من الظرف أو المصدر أو حرف الجر حري بالنيابة عن الفاعل، كما ناب المفعول به عن الفاعل.
بين المؤلف ﵀ في هذا البيت أنه قد ينوب عن الفاعل ثلاثة أشياء: الأول: الظرف.
والثاني: المصدر.
والثالث: الجار والمجرور.
لكنه اشترط أن تكون قابلة للنيابة عن الفاعل.
والقابل للنيابة عن الفاعل هو الذي لم يلزم صيغة واحدة، فإن لزم صيغة واحدة فإنه لا يمكن أن يكون نائبًا عن الفاعل؛ لأنه لو ناب عن الفاعل لتحول من اللزوم إلى الجواز، فلا بد أن يكون قابلًا للنيابة، وأن يكون مخصَّصًا بشيء من المخصصات، كما يقول في الشرح.
أولًا: الظرف: هناك بعض الظروف لا يمكن أن تكون نائبًا عن الفاعل؛ لأنها لا تتحول عن الظرفية، وإذا لم تتحول عن الظرفية فلا يصح أن تكون نائبًا عن الفاعل، ولنضرب أمثلة للذي يتحول عن الظرفية: كلمة (يوم) تتحول عن الظرفية، والدليل: أنها وردت اسمًا لـ (إن) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
وجاءت مفعولًا به كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
وجاءت مجرورة كقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:٥].
إذًا: يصح أن ينوب عن الفاعل، فيقال مثلًا: صيمَ يومٌ.
لفظ: (مكان)، أيضًا يصح أن ينوب عن الفاعل؛ لأنه يتصرف فيستعمل ظرفًا وغير ظرف، فتقول: نزل الرجل مكان زيدٍ، هذه ظرف، وتقول: سافرت إلى مكانٍ بعيد، كما قال تعالى: ﴿يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤]، فتحول الآن عن الظرف إلى الجار والمجرور، فيصح أن يقال: اشتُريَ مكانٌ بعيد، وسُكِنَ مكانٌ بعيد، ويكون (مكان) نائبًا عن الفاعل.
ثانيًا: المصدر، إن كان يتحول عن المصدرية جاز أن ينوب، وإن كان لا يتحول لم يجز أن ينوب، فكلمة: (سبحان)، يقولون إنها ملازمة للنصب على المصدرية أو على المفعولية المطلقة، فلا يمكن أن تنوب عن الفاعل؛ لأنها لا تتحول عن حال واحدة، فلو قلت مثلًا: سُبِّحَ سبحانُ الله، لكان هذا غير جائز، لأن (سبحان) لا تتحول عن المصدر أو عن المفعولية المطلقة.
ومن أمثلة المصادر التي يصح أن تكون نائبًا للفاعل: المصدر (شُرْب) تقول: شُرِبَ شُربٌ كثير، فهذا المصدر يجوز أن يكون نائبًا للفاعل؛ لأن (شُرب) تتحول عن المصدرية إلى أن تكون فاعلًا أو مفعولًا به أو مجرورًا أو مبتدأ، لكن (سبحان) لا يمكن أن تتغير عما كانت عليه.
ثالثًا: حرف الجر، من حروف الجر ما لا يتحول عن حاله، مثل: حروف القسم، فالمجرور بحروف القسم لا يمكن أن يقع نائب فاعل؛ لأنه مختص بالقسم، فلا يمكن أن يقع نائب فاعل، فلو قلت: حُلِفَ والله، لكان هذا غير سائغ؛ لأنه لا يتحول عن القسم، لكن لو قلت: مُرَّ بزيد، فإنه يجوز أن ينوب عن الفاعل؛ لأنه يتحول عن هذه الصيغة، حتى إنهم يقولون: لو حذف حرف الجر لنصب، على حد قول الشاعر: تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم عليّ إذًا حرام
[ ٣١ / ١٢ ]
متى وجد المفعول لم ينب عن الفاعل غيره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا ينوب بعض هذي إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد] أي: إذا وجد في اللفظ مفعول به فإنه لا يجوز أن ينوب شيء من هذه الثلاثة عن الفاعل، مثل: ضُرِبَ زيدٌ أمامَ الأمير يومَ السبت ضربًا شديدًا، فعندنا الآن ثلاثة أمور: أمام: ظرف مكان، ويوم السبت: ظرف زمان، وضربًا: مصدر، فلا يجوز أن تنيب واحدًا من هذه الثلاثة؛ لوجود المفعول به وهو زيد، لأن الضرب واقع على زيد.
فإذا وجد مفعول به في اللفظ فإنه لا يجوز العدول عنه، لكنه قال: (وقد يرد).
وقد هذه للتقليل؛ لأنها دخلت على الفعل المضارع، و(قد) إذا دخلت على فعل مضارع كانت للتقليل، أو على فعل ماض كانت للتحقيق، إلا أنها قد ترد للتحقيق مع الفعل المضارع، كقول الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨].
وقوله: (قد يرد) أي: عن العرب، ومعلوم أن العرب يحكمون على النحاة وليس النحاة هم الذين يحكمون على العرب، ومثاله قول الشاعر: لم يُعن بالعلياء إلا سيدًا ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى الشاهد قوله: لم يعن بالعلياء إلا سيدًا، فإن (سيدًا) مفعول به: و(بالعلياء): جار ومجرور، ومع ذلك نصب سيدًا الذي هو المفعول به، فيكون (بالعلياء) نائب الفاعل مع أنه جار ومجرور.
لكن هذا نادر؛ لأنه متى أمكن أن يسلط الفعل على المفعول به فإنه لا يعدل عنه.
قوله: (لا ينوب): فعل مضارع منفي بلا.
وبعض: فاعل، وبعض: مضاف، وهذي: مضاف إليه.
إن وجد: جملة شرطية أداة الشرط فيها (إن)، وفعل الشرط (وجد)، فأين جواب الشرط؟ قيل: إن جواب الشرط لا يحتاج إليه في مثل هذا التركيب، وقيل: إنه محذوف دل عليه ما قبله، وعلى هذا فالتقدير: إن وجد فلا ينوب، لكن القول الأول أحسن، وهو الذي اختاره ابن القيم ﵀: أنه في مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب؛ وذلك لأن النفس لا تتشوف إلى الجواب، وإذا كانت لا تتشوف إليه فلا حاجة إلى أن نقدره، ثم إنك إن قدرته مع وجود ما يدل عليه جمعت بين الدال والمدلول، وإن قدرته مع حذفه فات مقصود الذي ركب الكلام على هذا الوجه.
وقوله: (مفعول به): نائب فاعل وجد.
وقد يرد: جملة فعلية مؤكدة بقد، ويرد: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله مستتر جوازًا تقديره هو.
[ ٣١ / ١٣ ]
نيابة المفعول الثاني من باب كسا عن الفاعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وباتفاق قد ينوب الثان من باب كسا فيما التباسه أمن] قوله: (وباتفاق قد ينوب الثان من باب كسا) ظاهره أن النحويين متفقون على جواز نيابة الثاني من باب كسا إذا أمن اللبس، فإن لم يؤمن اللبس فإنه لا يجوز.
مثال ذلك: كُسي زيدٌ جبة، المفعول الثاني: جبة، والذي دلنا أنه المفعول الثاني: أن المفعول الأول هو لابس الجبة، فهو الفاعل في المعنى، فيقدم، فيكون زيد نائب الفاعل، وجبة: المفعول الثاني.
ولك أن تقول: كُسي زيدًا جبةٌ وهذا باتفاق، كما قال ابن مالك ﵀.
وقوله: (فيما التباسه أمن): يدل على أنه إن وجد التباس فإنه لا يجوز، فإذا قلت: مُلِّكَ زيدٌ عمرًا، فهنا لا يجوز أن تقول: مُلِّكَ زيدًا عمرو؛ لأنه يلتبس المعنى، ففي العبارة الأولى: مُلِّك زيدٌ عمرًا، الرقيق هو عمرو، فإذا قلت: مُلِّكَ زيدًا عمرو، أوهم أن الرقيق هو زيد، فلذلك يمتنع هنا أن ينوب المفعول الثاني عن الفاعل لأنه يلتبس.
قوله: (باتفاق) متعلق بينوب بـ (ينوب).
قد ينوب: فعل مضارع مؤكد بقد، والظاهر أنها للتقليل.
الثان: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف، وإن شئت فقل: على الياء المحذوفة لإقامة الوزن.
من باب كسا: هذه متعلقة بمحذوف حال من (الثاني)، أي: الثاني حال كونه من باب كسا، وباب: مضاف، وكسا: مضاف إليه باعتبار اللفظ.
فيما: جار ومجرور متعلق بينوب، و(ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر.
التباسه: التباس مبتدأ، وأُمِن خبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
[ ٣١ / ١٤ ]
حكم إقامة غير المفعول الأول مقام الفاعل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [في باب ظن وأرى المنع اشتهر ولا أرى منعًا إذا القصد ظهر] قوله: (في باب ظن) أي: في باب ظن الذي ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف كسا التي تنصب مفعولين فليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وقوله: (وأرى) ليست هنا فعلًا مضارعًا، بل هي فعل ماض، والمراد بها: أرى التي تنصب ثلاثة مفاعيل، نحو: أريت زيدًا عمرًا قائمًا، هذا مراد ابن مالك.
قوله: (ولا أرى منعًا إذا القصد ظهر)، نسب إلى نفسه أنه إذا كان القصد ظاهرًا فلا مانع من أن ينوب الثاني عن الفاعل مع نصب الأول.
وبالنسبة لـ (أرى) ليس الذي ينوب الثاني عن الأول، بل الثالث عن الثاني، لأن الثاني والثالث هما اللذان أصلهما المبتدأ والخبر.
تقول: أُعلِمَ زيدٌ عمرًا قائمًا، فنائب الفاعل هو (زيد)، والنحويون منعوا من أن يكون نائب الفاعل هو الثاني أو الثالث، وابن مالك يقول: لا أرى منعًا إذا القصد ظهر، مثل أن يقال: أُعلِمَ زيدًا فرسُك مسرجًا، فهنا أقيم الثاني، وتقول: أُعلِمَ زيدًا فرسَك مسرجٌ، وهنا أقيم الثالث، لكن الظاهر أن الصواب مع الذين منعوه؛ لأنه يتغير المعنى، وقول المؤلف: (إذا القصد ظهر)، قد يكون تصويره صعبًا.
يقول ابن عقيل ﵀: [يعني أنه إذا كان الفعل متعديًا إلى مفعولين الثاني منهما خبر في الأصل كظن وأخواتها، أو كان متعديًا إلى ثلاثة مفاعيل كأرى وأخواتها، فالأشهر عند النحويين أنه يجب إقامة الأول ويمتنع إقامة الثاني في باب ظن، والثاني والثالث في باب أَعلم، فتقول: ظُن زيدٌ قائمًا، ولا يجوز: ظُن زيدًا قائمٌ، وتقول: أُعلمَ زيدٌ فرسَك مسرجًا، ولا يجوز إقامة الثاني، فلا تقول: أُعلمَ زيدًا فرسُك مسرجًا، ولا إقامة الثالث فتقول: أُعلمَ زيدًا فرسَك مسرجٌ.
ونقل ابن أبي الربيع الاتفاق على منع إقامة الثاني، ونقل الاتفاق أيضًا ابن المصنف.
وذهب قوم منهم المصنف إلى أنه لا يتعين إقامة الأول لا في باب ظن ولا باب أعلم، لكن اشترطوا ألا يحصل لبس، فتقول: ظُن زيدًا قائمٌ، وأُعلمَ زيدًا فرسُك مسرجًا.
وأما إقامة الثالث من باب أعلم فنقل ابن أبي الربيع وابن المصنف الاتفاق على منعه، وليس كما زعما، فقد نقل غيرهما الخلاف في ذلك، فتقول: أُعلمَ زيدًا فرسَك مسرجٌ.
فلو حصل لبس تعين إقامة الأول في باب ظن وأعلم، فلا تقول: ظُنّ زيدًا عمرو، على أن (عمرو) هو المفعول الأول، ولا أُعلمَ زيدًا خالدٌ منطلقًا].
وذلك أنك إذا قلت: ظُنَّ زيدًا عمرو، كان عمرو هو الذي ظُنَّ أنه زيد، وأنت تريد أن زيدًا هو الذي ظُنَّ أنه عمرو، فنقول: إذا كنت تريد هذا فقل: ظُن زيدٌ عمرًا، ولا يجوز أن تقول: ظُن زيدًا عمرو.
أما ظُن زيدٌ منطلقًا، فيجوز أن تقول: ظُن زيدًا منطلقٌ، هذا على كلام ابن مالك ﵀، لكن كلام الجمهور أَسَدٌّ؛ لأنك إذا قلت: ظُن عمرًا منطلقٌ، يكون الكلام ركيك جدًا؛ لأنك لو حولته فقلت: ظُن منطلقٌ عمرًا، سيكون الكلام ركيكًا، فالظاهر أن ما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح، أنه لا يجوز في باب ظن وأرى أن يتحول العمل إلى الثاني في باب ظن، أو الثالث والثاني في باب أرى، بل يتعين أن يكون الأول هو نائب الفاعل، بخلاف كسا وأعطى، فالأمر فيه سعة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما سوى النائب مما علقا بالرافع النصب له محققا] ما: مبتدأ، وقوله: (النصب): مبتدأ ثان، وله: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
والمعنى: ما سوى النائب عن الفاعل مما تعلق بالفعل فإنه منصوب على كل حال، فتقول: ظُن زيدٌ منطلقًا، وأُرِيَ زيدٌ عمرًا قائمًا.
[ ٣١ / ١٥ ]