من المفاعيل المفعول فيه، وهو الظرف، وهو إما ظرف مكان أو ظرف زمان، ومنه لازم ومنه متصرف، وقد ينوب عنه المصدر.
ومن المفاعيل المفعول معه، وهو المنصوب بعد واو تفيد معنى المصاحبة، ويكون منصوبًا بالفعل وشبهه، وقد يجب النصب على المعية، وقد يجوز العطف، وقد يترجح أحدهما.
[ ٣٦ / ١ ]
المفعول فيه
[ ٣٦ / ٢ ]
تعريف المفعول فيه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المفعول فيه وهو المسمى ظرفًا الظرف وقت أو مكان ضمنا في باطراد كهنا امكث أزمنا فانصبه بالواقع فيه مظهرا كان وإلا فانوه مقدرا وكل وقت قابل ذاك وما يقبله المكان إلا مبهما نحو الجهات والمقادير وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى وشرط كون ذا مقيسًا أن يقع ظرفا لما في أصله معه اجتمع].
والمفاعيل خمسة كما ذكرنا من منظومة الشبراوي، وأنشدنا منها بيتين، هما: منه المفاعيل خمس مطلق وبه له وفيه معه وهو للمثَلِ ضربت ضربًا أبا عمروٍ غداة أتى وسرت والنيل خوفًا من عقابك لي وهذا باب المفعول فيه، قال: (وهو المسمى ظرفًا) أي: يسميه النحويون ظرفًا، والظرف: هو ما كان وعاءً للشيء، وكل إنسان فهو في ظرف زمان ومكان، أما الزمان فظاهر، وأما المكان فأنت في البيت أو في المسجد أو في السوق، أو في غيره.
يقول المؤلف: (الظرف وقت أو مكان).
وقت: هذا ظرف الزمان.
أو مكان: هذا ظرف المكان، فإذا قلت: جلستُ ساعة عندكَ، فظرف الزمان هو (ساعة) وظرف المكان (عندك).
والألف في (ضمنا) للإطلاق؛ لأنه قال: (وقت أو مكان)، لو قال: وقت ومكان، لكانت الألف للتثنية، لكن عندما قال (أو) فمعناه: أنهما لا يجتمعان.
ومعنى (ضّمِّن في): دل على معنى (في).
وقوله: (باطراد) فيه احتراز مما تضمنها بقرينة في مكان دون مكان، فإن بعض الكلمات قد تتضمنها في مكان دون مكان، مثل: سكنتُ الدارَ، فالدار تضمنت هنا معنى (في)، أي: سكنتُ في الدار، لكن ليس ذلك باطراد؛ لأنك تقول: بنيتُ الدار، فلم تتضمن معنى (في).
إذًا: الدار لا نعربها ظرفًا؛ لأنها لا تتضمن معنى (في) باطراد، والذي ينصب مفعولًا فيه هو الذي يتضمن معنى (في) باطراد، أي: في جميع الأمكنة.
ثم ضرب المؤلف مثلًا للنوعين فقال: (كهنا امكث أزمنا) هنا: ظرف.
وأزمنًا: ظرف.
وكلمة (هنا) ظرف مكان مبني على السكون في محل نصب.
ولم نقل "منصوب" لأنه اسم إشارة، واسم الإشارة مبني كما سبق.
وقوله: (أزمنًا) جمع زمان، وهو ظرف زمان منصوب على الظرفية، وعلامة نصبة فتحة ظاهرة في آخره.
والمؤلف ﵀ أتى بمثال واحد يشتمل على شاهدين: شاهد على ظرف المكان وشاهد على ظرف الزمان.
تقول مثلًا: سرتُ يومًا ميلًا.
فيومًا: ظرف زمان.
وميلًا: ظرف مكان.
قوله: (فانصبه بالواقع فيه) انصبه: الضمير يعود على الظرف.
والواقع فيه هو الفعل أو ما جرى مجراه، فتقول: مكثتُ عندك ساعة.
الواقع في الظرف هو المكث.
وتقول: أنا ماكثٌ عندك ساعة، (ماكث) ليست فعلًا لكنها جارية مجرى الفعل.
فقوله: (بالواقع فيه) أي: في الذي وقع فيه سواء كان فعلًا أو كان قائمًا مقام الفعل، وهو اسم الفاعل واسم المفعول.
[ ٣٦ / ٣ ]
الناصب للظرف
قال المؤلف: (فانصبه بالواقع فيه مظهرًا كان وإلا فانوه مقدرا) (مظهرًا كان) يعني: إن كان ظاهرًا فذاك، وإلا فينوى مقدرًا، مثال المظهر كما مثل المؤلف: (هنا امكث) العامل الواقع فيه (امكث) وهو ظاهر بين.
وإذا سئلت: كم مكثت في هذا المكان؟ فتقول: ساعة! أي: مكثت ساعة، فهنا الواقع فيه غير مظهر؛ ولهذا قال: (فانوه مقدرًا).
[ ٣٦ / ٤ ]
ما يكون ظرفًا من الأمكنة والأزمنة
قال رحمه الله تعالى: (وكل وقت قابل ذاك وما يقبله المكان إلا مبهما) المراد بالوقت هنا: الزمان، فكل زمان قابل أن يكون مفعولًا فيه، والزمان مثل: ساعة، دقيقة، ثانية، يومًا، أسبوعًا، شهرًا، سنة، حينًا، عصرًا، وما أشبه ذلك.
القاعدة: الزمان كله قابل أن يكون مفعولًا فيه؛ لأنه ما من شيء إلا وهو في زمان، تقول: انتظرني ثانية، وإعرابها: ثانية: ظرف زمان منصوب على الظرفية.
واعلم أن الساعة في اللغة العربية غيرها في العُرف، عندنا الساعة في العرف جزء من أربعة وعشرين جزءًا من اليوم والليلة؛ لكنها في اللغة العربية تطلق على الزمن قل أو كثر.
قوله: (وما يقبله المكان إلا مبهما).
أي أن المكان المُعيَّن مثل: حُجرة وغرفة بيت وما أشبهها لا يكون مفعولًا فيه، بخلاف ما إذا كان المكان مبهمًا.
والمبهم غير المحدود، وهو الذي ليس له شيء يحده، قال: (نحو الجهات) أي: الجهات الست: يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت.
فهذه الجهات كلها ظروف مكان.
تقول: جلست أمامك، جلست خلفك، جلست يمينك، جلست شمالك أو يسارك.
صعدت فوق السطح، نمتُ تحت الشجرة.
إذًا: الجهات الست كلها ظروف مكان.
قال: (والمقادير)، والمقادير هي مقادير المسافة، مثل: الميل والفرسخ والبريد.
وفي الوقت الحاضر مثل الكيلو.
تقول مثلًا: سرت ميلين، إعرابها: سرتُ: فعل وفاعل.
ميلين: ظرف مكان منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة.
وتقول: سرتُ فرسخًا: سرت: تقدم إعرابها.
فرسخًا: ظرف منصوب على الظرفية وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره.
قال: (وما صيغ من الفعل) يعني: ظرف المكان يكون مصوغًا من الفعل.
قال: (كمرمىً من رمى).
هذه يسمونها ظرف مكان، وتأتي ظرف زمان، تقول: رميت مرمى زيدٍ، مثل: جلست مكان زيد.
تقول: رميتُ: فعل وفاعل.
ومرمى: ظرف مكان منصوب على الظرفية وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر.
والظرف المبهم هو الذي لا يدل على شيء محدد معين، بخلاف المحدد معين مثل البيت والمسجد وما أشبه ذلك، فالمكان المحدد لا ينصب على الظرفية، ولهذا لا تقول: جلستُ المسجدَ، أما: دخلتُ المسجد فهو جائز في اللغة العربية؛ لكن اختلف فيه النحويون: فبعضهم يقول: هو منصوب على الظرفية توسعًا.
وبعضهم يقول: منصوب بنزع الخافض، والتقدير: دخلتُ في المسجد.
وبعضهم يقول: منصوب على التشبيه بالمفعول به، مثل قولهم في (خلق الله السماواتِ): إن السماوات منصوب على التشبيه بالمفعول به.
[ ٣٦ / ٥ ]
المقيس من ظروف المكان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وشرط كون ذا مقيسًا أن يقع ظرفًا لما في أصله معه اجتمع) شرط: مبتدأ.
وهو مضاف، وكون: مضاف إليه.
وكون مضاف، وذا: مضاف إليه، والإشارة في قوله: ذا تعود إلى (ما صيغ من الفعل)؛ لأن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور.
ومقيسًا: خبر كون منصوب، واسمه (ذا) المضاف إليه؛ لأن (كون) له اسم وخبر كما يقول ابن مالك: (وغير ماض مثله قد عملا إن كان غير الماضي منه استعملا) وقوله: (أن يقع).
أن: حرف مصدري.
يقع: فعل مضارع منصوب بأن، وهو مؤول بمصدر والتقدير: وقوعه، وهو خبر (شرط) يعني: شرط كون ما صيغ من الفعل مقيسًا أن يقع ظرفًا لما في أصله معه اجتمع، أي: لما اجتمع معه في الأصل، وذلك مثل: مرمى إذا صار منصوبًا لرمى، كقولك: رميت مرمى زيد، لكن إذا قلت: جلستُ منه مرمى البندق، فليس مقيسًا؛ لأنه لم يجتمع معه بأصله، إذ إن الفعل: جلس، والظرف: مرمى.
والمقيس معناه: أنه يمكنك أن تنطق بمثله.
وغير المقيس معناه: لا يمكنك أن تأتي بمثله، وإنما يقتصر فيه على ما جاء عن العرب فقط.
والحاصل: أن شرط كون ما صيغ من الفعل ظرفًا أن يكون مطابقًا لعامله في مادته.
والخلاصة: أن ظرف المكان ينحصر في الجهات والمقادير وما صيغ من الفعل العامل فيه موافقًا له في المادة.
[ ٣٦ / ٦ ]
الظرف المتصرف وغير المتصرف
ثم انتقل المؤلف إلى أمر آخر، وهو أن بعض الظروف يكون متصرفًا وبعضها يكون غير متصرف، فما هو الضابط؟ قال: (وما يرى ظرفًا وغير ظرف فذاك ذو تصرف في العرف وغير ذي التصرف الذي لزم ظرفية أو شبهها من الكلم) أفادنا المؤلف ﵀ في هذه الأبيات: أن الظرف ينقسم إلى قسمين: متصرف وغير متصرف، فما هو المتصرف؟ قال: (وما يرى ظرفًا وغير ظرف فذاك ذو تصرف في العرف).
إذا كانت الكلمة تارة تأتي ظرفًا وتارة تأتي غير ظرف فإن هذا يسمى ظرفًا متصرفًا، مثل كلمة (يوم)، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١].
فهي في الآية ظرف؛ لأنها منصوبة على تقدير (في)، أي: في يوم يقوم الحساب.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ:١٧]؟ فيوم في الآيتين ليست ظرفًا.
كذلك كلمة (مكان) تقول: جلستُ مكانك، فهي ظرف، لأنها على تقدير (في)، أي: جلست في مكانك.
وتقول مثلًا: إن هذا المكان مريحٌ.
فليست بظرف.
إذًا: ينقسم الظرف إلى قسمين سواء كان مكانيًا أو زمانيًا: متصرف وغير متصرف، فما كان يأتي لغير الظرفية فهو متصرف.
قال المؤلف ﵀: (وغير ذي التصرف الذي لزم) غير: مبتدأ.
والذي: خبره.
يعني: غير الظرف المتصرف هو الظرف اللازم، وهو الذي لا يأتي إلا ظرفًا أو مختصًا بحال معينة كالجر.
فمثلًا كلمة (عند) ظرف لازم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وقال تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٤].
فهذا ظرف غير متصرف، لأنه لا يأتي إلا منصوبًا على الظرفية أو مجرورًا بمن، مثل ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]، وهو معنى قول المؤلف: (أو شبهها) يعني: لزم الظرفية، أو لزم شبه الظرفية وهو الجر بحرف من حروف الجر.
وكلمة (فوق) ظرف لازم؛ لكنه قد يخرج عن الظرفية كما جاء في الحديث: (وفوقُه عرش الرحمن)، الفوق في الحديث بضم القاف، وليس ظرفًا؛ فكأنه يقول: هذا الفوق هو عرش الرحمن.
تحت: ظرف غير متصرف؛ لأنها لا تستعمل إلا منصوبة على الظرفية أو مجرورة بمن: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:١٠٠] هذه منصوبة على الظرفية، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [آل عمران:١٥]، هذه مجرورة بمن.
ومن اللحن قول بعض الناس: نظرتُ إلى تحت قدمهِ.
فهذا ليس بصحيح، لأن (تحت) لا تجر بإلى في اللغة العربية.
نعم لو قال: نظرت إلى مكانٍ تحت قدمه، لصح.
والخلاصة من هذا البحث أن الظروف تنقسم إلى قسمين: متصرفة وغير متصرفة.
فما كان ملازمًا للظرفية أو شبهها فهو غير متصرف، وما كان يكون ظرفًا ومبتدأ ومفعولًا به وفاعلًا ومجرورًا بأي حرف فهذا متصرف.
[ ٣٦ / ٧ ]
نيابة المصدر عن الظرف
قال: (وقد ينوب عن مكان مصدر وذاك في ظرف الزمان يكثر) يعني: أن المصادر قد تنوب عن ظرف المكان، مثل: جلست قرب زيد، نقول: أصل (قرب) مصدر قرب يقرب قربًا، لكنها نابت مناب الظرف، فكأنك قلت: جلست مكانًا قرب مكانه، فعندما حذفت الظرف وأتيت بالمصدر صار المصدر نائبًا منابه.
وقوله: (وذاك في ظرف الزمان يكثر).
أي: كون المصدر ينوب عن الظرف يكثر في ظرف الزمان، تقول: آتيك طلوع الشمس.
طلوع: مصدر طلع تطلع طلوعًا، لكنها نائبة مناب ظرف الزمان، فكأنك قلت: آتيك وقت طلوع الشمس.
القاعدة من هذا البيت: ينوب المصدر مناب الظرف زمانيًا كان أو مكانيًا، لكنه بالنسبة لظرف الزمان أكثر منه بالنسبة لظرف المكان.
وقول المؤلف: (قد ينوب) ظاهره التقليل مع كونه قياسيًا، وظاهر كلام الشارح أنه سماعي فلا يمكن أن تقيسه، بل لا بد أن يكون قد ورد عن العرب؛ ولكن الظاهر أن ما هو ظاهر المتن أولى: وهو أنه قد ينوب لكنه قليل سماعًا وقياسًا، فلا مانع من أن تأتي بمصدر نائب مناب الظرف وإن لم يُسمع في اللغة العربية، ما دام المعنى واضحًا.
[ ٣٦ / ٨ ]
المفعول معه
[ ٣٦ / ٩ ]
تعريف المفعول معه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المفعول معه ينصب تالي الواو مفعولًا معه في نحو سيري والطريق مسرعة بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب لا بالواو في القول الأحق وبعد ما استفهام او كيف نصب بفعل كون مضمر بعض العرب والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق والنصب إن لم يجز العطف يجب أو اعتقد إضمار عامل تصب].
المفعول معه: كلمة (معه) تفيد المصاحبة، فمعنى المفعول معه: المفعول من أجل المصاحبة، والمفعول معه هو اسم منصوب يأتي بعد واو المعية المسبوقة بفعل أو ما في معناه.
مثلًا: سار محمدٌ والطريق، معنى (والطريق) مع الطريق، ولا يجوز أن تكون الواو هنا عاطفة؛ لأن الطريق لا تسير.
ومثال آخر: استوى الماءُ والخشبة، أي: مع الخشبة، إذ لا يمكن أن يكون المعنى: استوى الماء واستوت الخشبة.
فاتضح أن المفعول معه يأتي بعد واو هي نص في المعية مسبوقة بفعل أو معناه ولا يمكن أن تكون عاطفة، ولهذا قال المؤلف مبينًا حده بحكم: (ينصب تالي الواو مفعولًا معه) ينصب: فعل مضارع مبني للمجهول.
تالي: نائب فاعل، وهو مضاف، والواو مضاف إليه.
مفعولًا: حال من تالي، يعني: حال كونه مفعولًا منه.
في نحو: أي: في شبه.
سيري والطريق: الخطاب لامرأة، وهو فعل أمر.
والواو واو المعية، ولا يمكن أن تكون عاطفة.
تقول: مشيتُ وزيدًا.
فمشيت: فعل وفاعل.
والواو للمعية.
وزيدًا: مفعول معه منصوب على المعية، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره.
ويجوز أن نقول: مشيتُ وزيدٌ؛ لكنه ضعيف؛ لأن ابن مالك يقول: وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل أو فاصل ما وبلا فصل يرد في النظم فاشيًا وضعفه اعتقد الأمثلة كثيرة، وضابط المفعول معه: أن تكون الواو بمعنى مع.
[ ٣٦ / ١٠ ]
العامل في المفعول معه
قال المؤلف: (بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب لا بالواو في القول الأحق) بما من الفعل: الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والمبتدأ الذي هذا خبره هو قوله: (ذا النصب).
(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
النصب: صفة.
وتقدير البيت: هذا النصب بما سبق من الفعل وشبهه.
وقوله: ما في (بما): اسم موصول وصلتها قوله: (سبق).
ومن الفعل: جار ومجرور متعلق بسبق.
ففيه تقديم وتأخير كثير: أولًا: تقديم الخبر.
ثانيًا: تقديم متعلق الصلة (من الفعل وشبهه) لأنه متعلق بـ (سبق).
إذًا التقدير: هذا النصب بما سبق من الفعل وشبهه.
وكأن سائلًا سأل ابن مالك: نحن نصبنا الاسم بعد واو المعية، فما الذي نصبه؟ فقال: الذي نصبه ما سبق من الفعل وشبهه.
مثال النصب بما سبق من الفعل: سرت والطريق ومثال النصب بما سبق من شبه الفعل: أنا سائرٌ والطريق.
هذا شبه فعل؛ لأنه اسم فاعل.
أنا مُسيَّرٌ والطريقَ.
شبه فعل؛ لأنه اسم مفعول.
يعجبني سيري والطريقَ.
هذا مصدر وهو شبه الفعل أيضًا.
إذًا: الناصب للاسم الواقع بعد واو المعية هو ما سبقها من الفعل وشبهه.
وفهم من قول المؤلف: (بما سبق) أن العامل لا بد أن يسبق واو المعية، فلو قلت: والطريقَ سرتُ، لم يصح.
لا بد أن يتقدم الفعل، فلا يجوز: والطريق سار محمد.
ويجوز: سار والطريق محمدٌ؛ لأن الفعل سبق.
وقول المؤلف: (لا بالواو) يعني: الاسم الواقع بعد الواو المنصوب ليس منصوبًا بالواو.
قوله: (في القول الأحق) أفادنا المؤلف أن المسألة فيها قولان للنحويين: بعضهم يقول: سرتُ والطريقَ.
سرت: فعل وفاعل.
والواو: واو المعية.
الطريق: مفعول معه منصوب بالواو، والمؤلف يقول: منصوب بالفعل.
لكن قال: (في القول الأحق) يعني الأثبت والأقوى، والسبب أن الواو هنا مختصة بهذا الاسم وكل شيء مختص وليس كالجزء من الكلمة فإنه لا يعمل.
والحقيقة أن هذا التعليل لو عكس لكان أولى؛ لأن كل حرف مختص وليس كالجزء من الكلمة فهو عامل، وهذا معروف وله قاعدة منفردة، لكن هم يقولون إنها قاعدة أغلبية.
فمثلًا: (في) تعمل لأنها مختصة بالاسم وليست كالجزء منه.
(هل) لا تعمل لأنها غير مختصة، بل تدخل على الاسم فيقال: (هل محمد في البيت)، وعلى الفعل: (هل قام محمد).
السين: (سيقول السفهاء) مختصة بالفعل ولكنها لا تعمل؛ لأنها كالجزء منه.
هكذا يعلل النحويون، وأنا رأيي في كون الأداة تعمل أو لا تعمل أنه راجع إلى لغة العرب، وهم الحكم في هذا الأمر.
وهنا في ناصب المفعول معه نقول: في ذلك رأيان لأهل العلم: منهم من يقول: منصوب بالواو.
ومنهم من يقول: منصوب بما سبقه من الفعل وشبهه.
وقد قلت لكم سابقًا إننا نختار في النحو ما هو أصلح، وعلى هذا فمن أعرب وقال: إن الناصب ما سبق من الفعل وشبهه، قلنا له: هذا صحيح، ومن قال إنه الواو قلنا: إنه صحيح، ولسنا في ذلك نعطل نصًا ولا ننسخه!
[ ٣٦ / ١١ ]
العامل في المفعول معه بعد ما وكيف الاستفهاميتين
قال المؤلف: [وبعد ما استفهام او كيف نصب بفعل كون مضمر بعض العرب] كأنه قيل للمؤلف: أنت تقول إنه لابد أن يتقدم الفعل أو شبهه وأنه هو الناصب، ووجدنا أن العرب يقولون: كيف أنت وقصعة من ثريد؟ ويقولون: ما أنت وزيدًا؟ فما هو الجواب؟
و
الجواب
أن النصب بفعل كون مضمر.
يعني أننا نقدر فعل كون وهو (كان أو تكون) أو ما أشبه ذلك، فالتقدير: كيف تكون أنت وقصعةً من ثريد؟ ما تكون أنت وزيدًا؟ وبعضهم يقول: نقدر (تصنع) أي: ما تصنع أنت وزيدًا؟ فبعد: ظرف منصوب على الظرفية، والعامل فيه (نصب)، ما استفهام: ما: مضاف، واستفهام: مضاف إليه.
وإنما قال: (بعد ما استفهام) للتخصيص؛ لأن (ما) تكون استفهامية، وتكون شرطية، وتكون نكرة موصوفة، وتكون غير ذلك، فلها عشر معان نظمها بعضهم فقال: محامل ما عشر إذا رمت عدها فحافظ على بيت سليم من الشعر ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها بكف ونفي زيد تعظيم مصدر هذه معاني ما، ولهذا احتاج أنه يقول: (بعد ما استفهام).
ولم يقل: (كيف استفهام) لأنها لا ترد إلا استفهامية.
قوله: (بفعل كون مضمر) أي: محذوف.
(بعض العرب) فاعل نصب، يعني: أن بعض العرب نصب المفعول معه بعد الواو التي لم تسبق بفعل أو شبهه، ولكنه بعد ما أو كيف، ويقدر لذلك فعل مناسب، والمؤلف يقول: إنه يقدر فعل مشتق من الكون، وهو: "يكون أو تكون أو كن"، ولكن الأصح كما قاله أهل الحواشي: أن نقدر الفعل المناسب، على أنه يمكن أن نجعل "كون" في كلام المؤلف ليست هي التي اشتق منها كان، وأن المراد بالكون الحدث، يعني: بفعل حدث ويقدر بما يناسب المقام.
القواعد المستفادة من هذه الأبيات: القاعدة الأولى: أن المفعول معه اسم منصوب تال لواو بمعنى مع مسبوقة بفعل أو شبهه.
القاعدة الثانية: هل الناصب لهذا الاسم الواو أو ما سبقها من فعل أو شبهه؟ في ذلك قولان للعلماء، والذي يرجحه ابن مالك أنه منصوب بالفعل السابق أو شبهه.
القاعدة الثالثة: يجوز أن ينصب بعد واو المعية إذا سبقت بما الاستفهامية أو كيف كما ورد ذلك عن بعض العرب، وعلى هذا فيجب أن نقدر فعلًا مناسبًا للمقام.
[ ٣٦ / ١٢ ]
تقديم العطف على المعية والعكس
قال المؤلف ﵀: [والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق] ونحن عندنا شيئان أحدهما أرجح من الآخر، وهما: هل الأولى في الواو إذا جاءت بين شيئين أن نجعلها للمعية فينصب ما بعدها، أو الأولى أن نجعلها عاطفة فيكون ما بعدها تابعًا لما قبلها؟ يقول المؤلف: إن العطف إذا لم يكن فيه ضعف أحق من أن تكون الواو للمعية.
مثال ذلك: قام زيدٌ وعمروٌ، هنا الواو حالت بين زيد وعمرو، فهل تجعلها عاطفة أو تقول: قام زيدٌ وعمرًا، وتجعل الواو للمعية؟ الأولى العطف؛ لأنه الأصل، فما دام غير ضعيف فهو الأولى فنقول: قام زيدٌ وعمروٌ، ولنا أن نقول: قام زيدٌ وعمرًا، ونقول: قام: فعل ماض.
زيدٌ: فاعل.
والواو للمعية.
وعمرًا: منصوب على المعية.
ولو قال قائل: قام زيدًا وعمروٌ.
لم يصح؛ لأن الفاعل لابد أن يكون مرفوعًا، فنقول: قام زيدٌ، أما عمرو فيجوز فيه وجهان، لكن العطف أولى.
المسألة الثانية: ترجيح النصب: قال المؤلف: (والنصب مختار لدى ضعف النسق).
يعني: إذا ضعف العطف رجحنا النصب، مثال ذلك: إذا عطفت على ضمير متصل فإن الأولى النصب تقول: جئت وزيدًا.
جئت: فعل وفاعل.
الواو للمعية.
زيدًا: منصوب على المعية.
ويجوز: جئت وزيدٌ؛ لكنه ضعيف، بل إن بعض العلماء من النحويين منع هذا، ومنهم ابن مالك بقوله: (وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل أو فاصل ما) وكذلك أيضًا إذا قلت: مررت بك وزيدًا، ويجوز: مررت بك وزيدٍ.
والنصب أفصح؛ لأن العطف على المتصل ضعيف أو ممنوع عند بعض العلماء.
فإذا قلت: جئت أنا وزيد، جئت أنا وزيدًا، فالأولى العطف؛ لأن العطف هنا يمكن بلا رابط.
نأخذ من هذا أنه إذا جاءت الواو بين شيئين فالعطف أولى من المعية إذا لم يكن ضعيفًا، وإذا جاء بين شيئين وكان العطف ضعيفًا فالنصب على المعية أولى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والنصب إن لم يجز العطف يجب) هذه قاعدة معناها أنه إذا كان العطف لا يجوز فإنه يجب النصب على المعية، أو على إضمار فعل، ولهذا قال: (أو اعتقد إضمار عامل تصب).
المهم: إذا لم يجز العطف يجب النصب إما على المعية أو على إضمار الفعل.
مثال الأول: استوى الماء والخشبةَ، ولا يجوز: والخشبةُ؛ لأنه يختلف المعنى، فإذا عطفت فالمعنى: استوى الماء واستوت الخشبةُ، وهذا ليس له معنى، لكن إذا نصبت فالمعنى: استوى الماء مع الخشبة، أي: صار بحذائها، فهنا نقول: الواو هنا للمعية ويجب النصب على المعية.
وتقول: استوى الغني والفقيرُ فترفع الفقير على العطف.
قوله: (أو اعتقد إضمار عامل تصب).
قال الشاعر: علفتها تبنًا وماء باردًا.
تبنًا: مفعول ثان لعلفتها، والمفعول الأول الضمير، والواو حرف عطف.
ماء: مفعول به لفعل محذوف تقديره: وسقيتها ماء باردًا، وهذا الفعل المحذوف معطوف على جملة (علفتها) ولو قلنا: الواو حرف عطف وماء معطوفة على تبنًا لم يصح لأن الماء لا يعلف.
فإذا قلت: أطعمته خبزًا وحليبًا.
جاز ذلك على العطف دون إضمار فعل، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩].
وإذا قلت: سقيته حليبًا وخبزًا، فالتركيب سليم، لكن عند الإعراب نقول: سقيته: فعل وفاعل ومفعول أول.
حليبًا: مفعول ثان.
وخبزًا: الواو حرف عطف، خبزًا: مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: وأطعمته خبزًا.
فالحاصل أن المفعول معه تجري فيه الأحكام الخمسة: ترجح النصب، وضعفه، وترجح العطف، وضعفه، وتعين النصب، والله أعلم.
[ ٣٦ / ١٣ ]