الاستثناء يرد كثيرًا في كلام العرب، وله أدوات كثيرة منها ما هو اسم ومنها ما هو فعل ومنها ماهو حرف، وأشهرها (إلا)، وللمستثنى بعد إلا أحكام إعرابية تختلف باختلاف الجملة الاستثنائية، وكذا تختلف بحسب تكررها ونحو ذلك.
وغير إلا من الأدوات يجر ما بعدها إن كانت اسمًا، وينصب إن كانت فعلًا في الغالب.
[ ٣٧ / ١ ]
الاستثناء
[ ٣٧ / ٢ ]
تعريف الاستثناء
الاستثناء مأخوذ من الثني وهو العطف، لأن فيه رجوعًا إلى كلام سابق، فكأنك انعطفت إلى الكلام السابق.
وهو في الاصطلاح: إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بـ (إلا) أو إحدى أخواتها.
مثال ذلك: حفظ الطلبة الدرسَ، فهذا يفيد أن كل الطلبة حفظوا الدرس، فتقول: إلا زيدًا، وزيد من الطلبة فأخرجت زيدًا من الحكم السابق بـ (إلا).
وقوله: (أو إحدى أخواتها) أي: مثل "سوى وغير وحاشا".
النحويون لا يعتنون بمعنى الاستثناء وشروط الاستثناء وما إلى ذلك، وإنما يعتني به البلاغيون أو الأصوليون، فالنحويون يقولون: ما علينا إلا إصلاح اللسان، فالنحوي يخبرك بالذي ينصب والذي لا ينصب بعد إلا.
والمؤلف ﵀ بيَّن ذلك بيانًا كافيًا في كلمات قيل إنها معقدة، والظاهر من الشرح أنها لم تكن معقدة.
[ ٣٧ / ٣ ]
وجوب نصب المستثنى في الجملة التامة الموجبة
يقول المؤلف: (ما استثنت الا مع تمام ينتصب): ما: اسم موصول بمعنى الذي.
واستثنت: بمعنى أخرجت بالاستثناء.
وإلا: فاعل استثنت، وجعلت همزتها همزة وصل من أجل الحفاظ على وزن البيت.
مع تمام: حال من (إلا).
وقوله ينتصب: الجملة خبر (ما) في قوله: (ما استثنت).
ومعناه: أن الذي تستثنيه إلا مع التمام ينتصب.
ومعنى التمام وجود ركني الجملة قبل إلا، وهما الفعل والفاعل، أو الفعل ونائب الفاعل، أو المبتدأ والخبر، يعني: إذا جاءت إلا بعد جملة تامة فما بعدها يكون منصوبًا.
وبقي عليه قيد واحد لم يذكره لكنه يفهم مما يأتي بعد، وهو الإيجاب، فما استثنت إلا مع تمام وإيجاب فإنه يجب نصبه.
ومعنى الإيجاب: ألا يكون مسبوقًا بنفي أو شبهه، مثاله: قام القوم إلا زيدًا.
قام: فعل ماض.
القوم: فاعل.
وبهذا تمت الجملة، وهي موجبة، أي مثبتة غير منفية، فيجب نصب ما بعد إلا.
لو قلت: قام القوم إلا زيدٌ.
لقلنا: لا يجوز.
قال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] (فشربوا منه) جملة تامة موجبة جاء المستثنى بعدها منصوبًا (إلا قليلًا).
إذًا: يشترط لنصب المستثنى بعد إلا شرطان: ١ - تمام الجملة.
٢ - وكون الكلام موجبًا.
أمثلة: جاء الرجال إلا عمرًا، قرأت الكتاب إلا ورقةً، أضيئت اللمبات إلا واحدة، الناس هالكون إلا المؤمنين، جاء القوم إلا سيارةً.
ما دام الكلام تامًا ولم يسبق بنفي أو شبهه فما بعد إلا منصوبة.
[ ٣٧ / ٤ ]
الاستثناء في الكلام التام المنفي
يقول المؤلف: (ما استثنت الا مع تمام ينتصب): ما: اسم موصول بمعنى الذي.
واستثنت: بمعنى أخرجت بالاستثناء.
وإلا: فاعل استثنت، وجعلت همزتها همزة وصل من أجل الحفاظ على وزن البيت.
مع تمام: حال من (إلا).
وقوله ينتصب: الجملة خبر (ما) في قوله: (ما استثنت).
ومعناه: أن الذي تستثنيه إلا مع التمام ينتصب.
ومعنى التمام وجود ركني الجملة قبل إلا، وهما الفعل والفاعل، أو الفعل ونائب الفاعل، أو المبتدأ والخبر، يعني: إذا جاءت إلا بعد جملة تامة فما بعدها يكون منصوبًا.
وبقي عليه قيد واحد لم يذكره لكنه يفهم مما يأتي بعد، وهو الإيجاب، فما استثنت إلا مع تمام وإيجاب فإنه يجب نصبه.
ومعنى الإيجاب: ألا يكون مسبوقًا بنفي أو شبهه، مثاله: قام القوم إلا زيدًا.
قام: فعل ماض.
القوم: فاعل.
وبهذا تمت الجملة، وهي موجبة، أي مثبتة غير منفية، فيجب نصب ما بعد إلا.
لو قلت: قام القوم إلا زيدٌ.
لقلنا: لا يجوز.
قال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] (فشربوا منه) جملة تامة موجبة جاء المستثنى بعدها منصوبًا (إلا قليلًا).
إذًا: يشترط لنصب المستثنى بعد إلا شرطان: ١ - تمام الجملة.
٢ - وكون الكلام موجبًا.
أمثلة: جاء الرجال إلا عمرًا، قرأت الكتاب إلا ورقةً، أضيئت اللمبات إلا واحدة، الناس هالكون إلا المؤمنين، جاء القوم إلا سيارةً.
ما دام الكلام تامًا ولم يسبق بنفي أو شبهه فما بعد إلا منصوبة.
[ ٣٧ / ٥ ]
ترجيح الإتباع على النصب في الجملة التامة المنفية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وبعد نفي او كنفي انتخب، إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع) النفي إما بما أو بلا، والذي كالنفي هو النهي والاستفهام، وانتخب بمعنى اختير.
والذي اختير هو إتباع ما اتصل، أي: أن يكون تابعًا لما قبل إلا في الإعراب، فإن كان الذي قبل إلا مرفوعًا فهو مرفوع، وإن كان منصوبًا فهو منصوب، وإن كان مجرورًا فهو مجرور.
قوله: (إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع) ما هو المنقطع والمتصل في الاستثناء؟ يقولون: إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه فهو متصل، وإذا كان من غير جنسه فهو منقطع.
فهمنا من كلام المؤلف أنه إذا كان الكلام تامًا مسبوقًا بنفي أو شبهه فلا يخلو إما أن يكون المستثنى متصلًا أو منقطعًا؛ فإن كان متصلًا فالمختار إتباعه بما سبق إلا، وإن كان منقطعًا وجب نصبه، ولهذا قال: (وانصب ما انقطع) وانصب: فعل أمر، والأمر للوجوب.
فإذا قلت: ما قام القوم إلا زيد.
فهو تام منفي، فالمختار الإتباع وهو رفع المستثنى (زيد) تبعًا للمستثنى منه (القوم)، لأن الاستثناء متصل، ويجوز النصب على الاستثناء لكنه مرجوح.
ما: نافية.
قام: فعل ماض.
أحد: فاعل.
إلا: أداة استثناء.
زيدٌ: بدل من أحد.
ما قرأت في كتاب إلا شرح ابن عقيل: ما: نافية.
قرأت: فعل وفاعل.
في: حرف جر.
كتاب: اسم مجرور.
إلا: أداة استثناء.
شرحِ ابن عقيل: شرحِ: بدل من كتاب مجرور، وعلامة جرة الكسرة الظاهرة في آخره، وهو مضاف وابن مضاف إليه، وابن مضاف وعقيل مضاف إليه.
وإذا قلت: ما قرأت كتابًا إلا شرحَ ابن عقيل.
فاللفظ لا يختلف؛ لكن هل تقول إن (شرحَ) منصوب على الاستثناء أو منصوب على البدلية؟ كلاهما جائزان، لكن الراجح البدلية، لأن الاستثناء متصل والجملة تامة منفية.
[ ٣٧ / ٦ ]
وجوب نصب المستثنى في الاستثناء المنقطع عند غير تميم
والحاصل أنه إذا كان الكلام تامًا موجبًا وجب نصب المستثنى على كل حال.
وإن كان الكلام تامًا منفيًا ففيه تفصيل: فإن كان الاستثناء متصلًا جاز النصب على الاستثناء، وجاز الإتباع وهو المختار.
وإن كان الاستثناء منقطعًا وجب النصب، ومن أمثلة هذا القسم الأخير: ما قام القوم إلا حمارًا.
فيجب النصب لأن (إلا) بمعنى (لكن) فالمعنى: ما قام القوم لكنَّ حمارًا قام، فيقولون: الاستثناء المنقطع تكون فيه (إلا) بمعنى لكن، ولكن تنصب المبتدأ اسمًا لها.
قال المؤلف: (وعن تميم فيه إبدال وقع) أي: التميميون يقولون: يجوز أن تجعل المنقطع منصوبًا على الاستثناء وأن تجعله تابعًا على البدلية، يعني: لا يفرقون بين المتصل والمنقطع إلا في الترجيح، فهم يرجحون الإبدال في المتصل ويرجحون النصب في المنقطع، فالفرق بينهم وبين الحجازيين أن الحجازيين يوجبون النصب في المنقطع وهؤلاء يرجحونه.
والدليل على أنهم يرجحونه أنه قال: (وعن تميم فيه إبدال) أي: وإلا فالراجح عندهم النصب على الاستثناء.
[ ٣٧ / ٧ ]
ترجيح نصب المستثنى إذا تقدم في الجملة التامة المنفية
قوله: (وغير نصب سابق في النفي قد يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد) غير: مبتدأ، وجملة "قد يأتي" خبره.
وقوله: (وغير نصب سابق في النفي قد يأتي) غير نصب السابق هو الإتباع.
والنفي قد تقدم، يقول المؤلف: وغير نصب سابق في حال النفي قد يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد، يعني: دون الإتباع.
وقوله: (غير نصب سابق في النفي) متعلقة بـ (يأتي) والمعنى: قد يأتي في النفي غير نصب السابق.
مثاله: ما قام الناس إلا زيدًا.
فالمستثنى هنا متأخر، وإذا تأخر المستثنى في الاستثناء التام المنفي فالمختار الإتباع مثلما قال: (وبعد نفي أو كنفي انتخب إتباع ما اتصل)، أما إذا سبق المستثنى في التام المنفي فإنه يجوز الإتباع ويجوز النصب وهو معنى قوله: (وغير نصب سابق في النفي قد يأتي) وغير النصب هو الإتباع، ولكن النصب أرجح، ولذا قال: (ولكن نصبه اختر إن ورد).
فكأن المؤلف يقول: بعد نفي أو كنفي انتخب إتباع ما اتصل ما لم يسبق المستثنى المستثنى منه.
مثاله: ما قام إلا زيدًا الناسُ، فهنا "زيد" سابق، فغير نصبه قد يأتي وهو الإتباع، لكن نصبه أولى كما في المثال.
والإتباع أن تقول: ما قام إلا زيدٌ الناس.
وإعرابه: ما: نافية.
قام: فعل ماض.
إلا: أداة حصر.
زيدٌ: فاعل.
الناس: بدل، لكن بعضهم يقول: بدل مقلوب، وأصله: ما قام الناس إلا زيدٌ، وبعضهم يقول: بدل كل من بعض، وأن بدل الكل من البعض وارد في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر: رحم الله أعظمًا دفنوها بسجستان طلحة الطلحات فطلحة الطلحات بدل من (أعظمًا) والأعظم إنما هي جزء منه، لكنه بدل كل من بعض.
[ ٣٧ / ٨ ]
الاستثناء المفرغ
الحال الثالثة من أحوال المستثنى: أن تكون الجملة قبله مفرغة له غير كاملة، قال المؤلف: [وإن يفرغ سابق إلا لما بعد يكن كما لو الا عُدما] ويجوز: (عَدِما) وهما نسختان.
يفرغ: مجزومة بإن على أنها فعل الشرط.
سابق: فاعل يفرغ.
إلا: مفعول به لسابق.
يكن: جواب الشرط: والمعنى: إن يفرغ العامل السابق لـ (إلا) لما بعد إلا يكن هذا العامل المفرغ كما لو عدمت إلا؛ فإن فرغ للرفع صار ما بعد إلا مرفوعًا، وإن فرغ للنصب صار ما بعد إلا منصوبًا، وإن فرغ للجر صار ما بعد إلا مجرورًا.
وأمثلة ذلك: (ما قام إلا زيدٌ): ما: نافية.
قام: فعل ماض.
و(إلا) يسمونها هنا: أداة حصر، أو أداة استثناء ملغاة، وهذا أقيس.
وزيد: فاعل (قام) وكأن (إلا) ليست موجودة كأنك قلت: قام زيد.
(ما أكرمت إلا المجتهد).
أين مفعول (أكرمت)؟
الجواب
المجتهد؛ لأني فرغت (أكرمت) من المفعول وسلطت على الذي بعد إلا، فكان ما بعد إلا هو مفعوله.
(ما مررت إلا بزيد): (مررت) معروف أنها تتعدى بالباء، وقد فرغناها فلم نأت بالمعمول وجعلناه بعد إلا، فصار معمول مررت بعد قوله: إلا؛ لأن (إلا) لما فرغنا ما قبلها لما بعدها صارت كالمعدومة فيعمل ما قبلها فيما بعدها.
فهذه هي الحال الثالثة للاستثناء، وهي أن يكون ما قبلها ناقصًا، بمعنى: أنه يتطلب المعمول، فيكون ما بعد إلا معمولًا له؛ إن طلبه على أنه فاعل فهو فاعل، أو على أنه مفعول به فهو مفعول به، أو على أنه مجرور فهو مجرور.
وإذا قلت: (ما كان زيدٌ إلا قائمًا)، فهذا مفرغ؛ لأن كان تطلب اسمًا وخبرًا ففرغناها من الخبر فكان ما بعد إلا هو خبرها.
وتقول: (ما ظننت زيدًا إلا فاهمًا) فهذا مفرغ للمفعول الثاني، فيكون المفعول الثاني ما بعد إلا.
[ ٣٧ / ٩ ]
تكرر إلا في الاستثناء
قال رحمه الله تعالى: [وألغ إلا ذات توكيد كلا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا] (ألغ إلا) يعني: أبطل عملها، (ذات توكيد) يعني: حال كونها صاحبة توكيد، ولا تكون مؤكدة إلا وقد سبقتها إلا؛ لأن التوكيد لابد له من مؤكَّد سابق، فمعنى ذلك أن إلا إذا تكررت وكانت الثانية توكيدًا للأولى فإن الثانية تعتبر لاغية ليس لها عمل.
مثاله: (لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا)، العلا هو الفتى، والعلا بمعنى الشرف والرفعة، وهو صفة بالمصدر مثلما تقول: زيد عدل فتصفه بالمصدر.
وهذا المثال هل هو من المفرغ، أم من التام الموجب، أم من التام المسبوق بنفي أو شبهه؟
الجواب
هو من التام المسبوق بنفي أو شبهه، وعلى هذا يكون (الفتى) في محل جر بدلًا من الضمير في قوله: (بهم) ويجوز أن يكون محل النصب، لكنه مرجوح؛ لأنه يقول: (وبعد نفي او كنفي انتخب إتباع ما اتصل) إذًا: لا: ناهية.
تمرر: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره أنت.
بهم: جار ومجرور متعلق بـ (تمرر).
إلا: أداة استثناء.
الفتى: بدل من الهاء، وبدل المجرور مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
إلا العلا، إلا: حرف استثناء ملغى، أي ليس له معنى.
العلا: عطف بيان أو بدل من الفتى؛ لأن العلا هو الفتى.
وكما تلغى في البدل وعطف البيان تلغى في العطف، كما تقول: (لا تكرم إلا زيدًا وإلا عمرًا).
فإلا زيدًا: مفعول به، والواو: حرف عطف.
إلا: ملغاة.
وعمرًا: معطوف على (زيدًا) منصوب مثله.
والحاصل أنه إذا كررت إلا بقصد التوكيد فإنها تكون ملغاة، سواء كانت في عطف بيان أو بدل أو كانت في عطف نسق أو ما أشبه ذلك.
فقوله: (لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا)، مثال لعطف البيان أو البدل.
ومثال عطف النسق: (لا تمرر بأحد إلا زيد وإلا عمرو) فإلا الثانية هنا ملغاة ليس لها قيمة ولا يضر حذفها، وهي مثل الزائدة.
فقولنا: (لا تكرم أحدًا إلا زيدًا وإلا عمرًا)، لو حذفنا إلا لصح الكلام فنقول: لا تكرم إلا زيدًا وعمرًا.
[ ٣٧ / ١٠ ]
تكرار إلا لغير التوكيد في الاستثناء المفرغ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن تكرر لا لتوكيد فمع تفريغ التأثير بالعامل دع في واحد مما بإلا استثني وليس عن نصب سواه مغني] أي: إذا تكررت (إلا) فإما أن تكون لتوكيد أو لغير توكيد، فإذا كانت لتوكيد فلا حكم لها ولا عمل، وهي ملغاة.
وإذا كانت لغير توكيد فلا تخلو من حالين: الحال الأولى: أن يكون ما قبلها مفرغًا لم يستوف معموله.
والحال الثانية: أن يكون غير مفرغ.
فيستفاد من قول المؤلف: (فمع تفريغ) حكم القسم الأول.
قال: (فمع تفريغ التأثير بالعامل دع في واحد مما بإلا استثني).
التأثير: مفعول دع مقدم، يعني: فدع التأثير بالعامل المفرغ في واحد مما بإلا استثني، فيكون الذي يتأثر بالعامل السابق لـ (إلا) واحدًا من المستثنيات، والباقي ينصبن.
مثاله: (لم يقم إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا بكرًا)، أولًا الكلام مفرغ؛ لأن (يقم) ما استوفت الفاعل، وقد كررت (إلا) ثلاث مرات، وليست الثانية منها توكيدًا للأولى، وكذلك الثالثة، بل كل واحدة مستقلة، فهي: إذًا غير ملغاة.
ولا يجوز: (لم يقم إلا زيدٌ إلا عمرو إلا بكرٌ).
ولا يجوز: (لم يقم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا)؛ لأن العامل المفرغ يطلب ما بعد (إلا) على أنه فاعل، والفاعل مرفوع.
ويجوز أن تقول: (لم يقم إلا زيدًا إلا بكرٌ إلا عمرًا)؛ لأنه وإن نصب الأول لكن الذي بعد الثاني مرفوع، وهو يقول: (في واحد مما بإلا) ولم يقل: (بالأول).
وكذلك يجوز: (لم يقم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرٌ).
وإذا قلت: (ما رأيت إلا زيدًا إلا عمرا ًإلا بكرًا) فهو صحيح؛ لأن (رأيت) تطلب ما بعد إلا على أنه مفعول به، والمفعول به منصوب، لكن الإعراب يختلف؛ فتقول: ما: نافية.
رأيت: فعل وفاعل.
إلا: أداة حصر.
زيدًا: مفعول رأيت.
إلا عمرًا، إلا: أداة استثناء.
عمرًا: منصوب على الاستثناء.
إلا بكرًا، إلا: أداة استثناء، وبكرًا: منصوب على الاستثناء.
وفي قولنا: (لم يقم إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا بكرًا) وجب نصب عمرو وبكر؛ لأن الكلام الذي قبلها قد صار تامًا موجبًا في الواقع، فقولك: لم يقم إلا زيدٌ، هو بمنزلة قام زيد؛ لأن النفي نقض بإلا، ولهذا يقول: (ليس عن نصب سواه مغني) فيجب نصب ما بعده على الاستثناء.
ولو قلت: (لم يقم إلا زيدٌ إلا عمروٌ) لم يجز لأنه يجب النصب في أحدهما على الاستثناء.
[ ٣٧ / ١١ ]
تكرار إلا لغير التوكيد في الاستثناء غير المفرغ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم وانصب لتأخير وجئ بواحد منها كما لو كان دون زائد كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي وحكمها في القصد حكم الأول يعني: إذا لم يفرغ العامل لما بعد إلا فلا يخلو: إما أن تتقدم المستثنيات على المستثنى أو تتأخر؛ فإن تقدمت المستثنيات وجب النصب في الجميع؛ فتقول مثلًا: (ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا القوم).
فقوله: إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا، مستثنى من القوم؛ لكن تقدمت المستثنيات على المستثنى منه فوجب نصب الجميع، وهذا مأخوذ من البيت الأول.
قوله: (نصب الجميع احكم به) هذا من باب الاشتغال فكلمة (نصب) مفعول به لفعل محذوف دل عليه ما بعده؛ لأن (احكم) اشتغل بالضمير (به)، يعني: الزم نصب الجميع واحكم به.
والتزم: أي هذا الحكم في كل ما يأتيك من كلام العرب.
أما إذا تأخرت المستثنيات عن المستثنى منه، فالحكم فيها ما ذكره بقوله: (وانصب لتأخير وجئ بواحد منها كما لو كان دون زائد) أي: إذا تأخرت المستثنيات عن المستثنى منه وليس في الكلام تفريغ فانصب المستثنيات إلا واحدًا منها، فاحكم فيه كما لو لم تزد المستثنيات على واحد، وقد علمنا فيما سبق أنه إذا كان الكلام تامًا منفيًا جاز في المستثنى وجهان، وهما: الإتباع، والنصب على الاستثناء، والأحسن الإتباع، إلا فيما إذا كان المستثنى منقطعًا فإنه يجب النصب، ويجوز فيه الإتباع عند بني تميم كما قال: (وعن تميم فيه إبدال وقع).
إذًا: ما الفرق بين ما إذا تقدمت المستثنيات وما إذا تأخرت؟
و
الجواب
الفرق بينهما أنه إذا تقدمت وجب النصب للجميع في كل حال، وإذا تأخرت ينصب الجميع إلا واحدًا فإنه يعامل كما لو لم يكن معه غيره.
ومثال التأخر: (ما قام القوم إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا خالدًا).
ويجوز: (ما قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا)، وهو أحسن لأنه إبدال.
وإذا قلت: (ما قام القوم إلا حمارٌ إلا بكرًا إلا خالدًا) فهو خطأ على لغة الحجازيين، لأن الاستثناء منقطع فيجب النصب عندهم، ويجوز عند بعض بني تميم، مع أن الأرجح عند بني تميم النصب، وعلى هذا فنقول: (ما قام القوم إلا حمارًا إلا بكرًا إلا خالدًا) قال المؤلف في مثاله: (كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي).
وكان عليه أن يقول: إلا عليًا، لكن منعه الوزن الشعري، وذلك لأنه لا يعامل كما لو لم يكن معه غيره إلا واحد فقط، وهو الآن قال: إلا امرؤ، فلو قال: (كلم يفوا إلا امرأً إلا عليٌ) بنصب (امرؤ) لصح الكلام دون تكسير في البيت الشعري، فلما لم ينصبه فهمنا أن الأولى أن يكون الأول هو الذي يعامل معاملة المنفرد فيعرب على التبعية.
فيجوز أن أقول: (ما قام القوم إلا زيدًا إلا بكرٌ إلا خالدًا)، لكن الأولى أن أقول: (ما قام القوم إلا بكرٌ إلا زيدًا إلا عمرًا).
هذه المستثنيات إذا تكررت اختلفت في الإعراب؛ لكن هل تختلف في المعنى؟ قال المؤلف: (وحكمها في القصد حكم الأول).
يعني: أن الاستثناء منسحب على الجميع في المعنى، وإن كنت في الإعراب تجعل واحدًا منها مخالفًا لها؛ فأنت إذا قلت: (ما قام القوم إلا زيد إلا بكرًا إلا عمرًا)، فالمعنى أن هؤلاء الثلاثة كلهم قاموا.
فهذا معنى قوله: (وحكمها في القصد حكم الأول).
[ ٣٧ / ١٢ ]
خلاصة الكلام على الاستثناء بإلا إذا تكررت
وخلاصة هذه الأبيات: أولًا: إذا تكررت إلا للتوكيد فالثانية ملغاة ليس لها حكم إطلاقًا.
ثانيًا: إذا تكررت لغير التوكيد وهو مفرغ فإنه يجب تسليط العامل على واحد من المستثنيات ونصب ما عداه.
ثالثًا: إذا تكررت لغير توكيد ودون تفريغ فإما أن تتقدم المستثنيات أو تتأخر: فإن تقدمت المستثنيات وجب نصبها جميعًا، ولهذا قال المؤلف: (ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم).
والحال الثانية في هذا القسم: أن تتأخر المستثنيات، فالواجب أن يعطى واحد منها كما لو كان وحده، والباقي يجب نصبه.
واختلاف المستثنيات في الإعراب لا يجعلها تختلف في المعنى، ولهذا قال: (وحكمها في القصد حكم الأول) وقد ذكر الفقهاء والنحويون في هذا المكان مسائل لا ندري هل من المصلحة أن نبينها أو لا، وهي: أنه إذا تكررت المستثنيات وكان يمكن استثناء بعضها من بعض، فبعضهم يقول: إنها كلها مستثناة من الأول، وبعضهم يقول: إن كل واحد مستثنى مما قبله، والفقهاء مختلفون في الأحكام بناء على ذلك.
فإذا قال مثلًا: عندي له عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا، لزمه سبعة عند الحنابلة، لأنهم يستثنون كل واحد مما قبله، فتبدأ من الأخير، فيستثنى واحد من اثنين يبقى واحد، يستثنى الواحد من ثلاثة يبقى اثنان، إذا استُثني اثنان من خمسة يبقى ثلاثة، يستثنى ثلاثة من عشرة يبقى سبعة، فيلزمه في هذا سبعة.
وإذا قال: عندي له عشرة إلا خمسة إلا اثنين، نأخذ على القول الأول إنهن كلهن مستثنيات من الأول فنقول: المستثنى خمسة واثنين ومجموعهما سبعة يبقى ثلاثة.
وعلى القول الثاني نقول: اثنان من خمسة يبقى ثلاثة، ثلاثة من عشرة يبقى سبعة.
وافرض أن المسألة ملايين مثلًا، فالفرق بين ثلاثة ملايين وسبعة ملايين كبير جدًا.
ولهذا فالحقيقة أن الراجح أن كل واحد مستثنى من الذي قبله إذا أمكن، أما مثل: قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا، فهذا لا يمكن فيه أن يستثنى كل واحد مما قبله.
وقول ابن مالك: (وحكمها في القصد حكم أول) عام يقتضي أنها كلها مستثنيات من الأول ولو كان يمكن استثناء بعضها من بعض.
وهذه الأمثلة موجودة في كلام الفقهاء في باب الإقرار، وربما يذكرونه في الطلاق؛ لكنه في باب الطلاق محصور لا يتعدى أكثر من ثلاثة.
[ ٣٧ / ١٣ ]
الاستثناء بغير إلا
[ ٣٧ / ١٤ ]
حكم المستثنى بغير
قال المؤلف: [واستثن مجرورًا بغير معربًا بما لمستثنى بإلا نسبا] معناه: أن (غير) من أدوات الاستثناء، وهي تجر ما بعدها بالإضافة.
وقوله: (معربًا) حال من (غير)، وإنما صح مجيء الحال منها لأن المقصود لفظها فهي معرفة بهذا المعنى، وإلا فالأصل الحال لا تأتي من النكرة إلا بعد أن تخصص.
يعني: لفظ (غير) يستثنى المجرور به حال كون هذا الغير معربًا بما لمستثنى بإلا نسبا.
وقوله: (بما لمستثنى) هذا متعلق بقوله: (معربًا).
وقوله: (لمستثنى بإلا) متعلق بقوله: (نسبا)، والألف في (نسبا) للإطلاق، أي: معربًا بما نسب للمستثنى بإلا.
إذًا: الاستثناء بغير له حكمان: الأول: حكم هذا المستثنى، والثاني: حكم غير.
أما حكم المستثنى بها فهو الجر دائمًا، تقول: (قام القوم غيرَ زيدٍ) وتقول: (ما قام القوم غيرُ زيدٍ) وتقول: (ما قام غيرُ زيدٍ)، فزيد في كل هذه الحالات مجرور بالإضافة، وهو المستثنى.
أما حكم (غير) فهو حكم المستثنى بإلا تمامًا، ولهذا قال: (معربًا بما لمستثنى بإلا نسبا) فإذا كان الكلام تامًا موجبًا فالواجب نصب غير، تقول: (قام القوم غيرَ زيدٍ)، (قدم القوم غيرَ الأميرِ).
وإذا كان تامًا منفيًا أو فيه شبه نفي فإنه يترجح الإبدال، ويجوز النصب إذا كان الاستثناء متصلًا، تقول: (ما قام القوم غيرُ زيدٍ)، ويجوز: (ما قام القوم غيرَ زيدٍ).
وإذا كان الاستثناء منقطعًا وجب النصب عند الحجازيين وجاز فيه البدل عند بني تميم، فتقول: (ما قام القوم غيرَ حمار) بل هو واجب عند الحجازيين، وإذا قلت: (ما قام القومُ غيرُ حمارٍ)، فهذا عند الحجازيين لحن لا يجوز، وعند التميميين جائز.
وإذا قلت: (ما قام غيرُ زيدٍ) يجب الرفع؛ لأنه مفرغ.
ما: نافية.
قام: فعل ماض.
غيرُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضم آخره، وغيرُ مضاف، وزيد مضاف إليه.
وإذا قلت: (ما أكرمت غيرَ طالبِ العلم) وجب النصب.
وإذا قلت: (ما مررت بغيرِ زيدٍ) يجب الجر، كما لو قلت: (ما مررت إلا بزيدٍ).
[ ٣٧ / ١٥ ]
حكم المستثنى بسوى
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولسِوى سُوى سواء اجعلا على الأصح ما لغير جعلا] اجعلا: بالألف للإطلاق، ويجوز أن تكون منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، لأن نون التوكيد الخفيفة يجوز قلبها ألفًا (وقفًا كما تقول في قفن قفا) كما قال ابن مالك.
فهنا يجوز أن نجعل (اجعلا) فعل أمر مؤكدًا بالنون المنقلبة ألفًا، ويجوز أن نجعله فعل أمر والألف للإطلاق؛ لكن الأولى أن نجعله فعل أمر مؤكدًا، لأننا إذا جعلنا الألف للإطلاق، لزم من هذا أمران: تغيير الفعل، وزيادة ألف، وإذا جعلناها نيابة عن نون التوكيد صار الفعل مبنيًا على الفتح لأنه متصل بنون التوكيد، وصارت الألف أصلية منقلبة عن نون التوكيد.
وقوله: (ولسوى سوى سواء) هي كلمة واحدة في الواقع لكن لها ثلاث صور: سِوى، سُوى، سواء، بالمد.
(اجعلا على الأصح ما لغير جعلا)، يعني: اجعل لها ما جعلت لغير، وتقدم أن ما بعد (غير) يجر بالإضافة دائمًا، وأما هي فتعرب كإعراب المستثنى بإلا.
إذًا: أضف (سوى) بصورها الثلاث في الحكم إلى غير، ويكون المستثنى بسوى دائمًا مجرورًا، أما هي فعلى حسب المستثنى بإلا، مثل غير تمامًا.
فتقول مثلًا: قام القوم سواء زيد، أي: غير زيد، وتقول: قام القوم سِوى زيد، وقام القوم سُوى زيد، وإعراب "سِوى وسُوى وسواء" واحد.
تقول: قام القوم سواءَ زيدٍ.
وتقول: ما قام القوم سواءَ زيدٍ، لكنه مرجوح، وتقول: ما قام القوم سواءُ زيدٍ، وهو الراجح.
وإذا قلت: ما قام القوم سواءُ حمارٍ.
فهذا ممنوع عند الحجازيين، وجائز عند بني تميم.
وتقول: (ما قام سواءُ زيدٍ) بالرفع وجوبًا.
وتقول: (ما رأيت سواءَ زيدٍ) بالنصب وجوبًا.
وتقول: (ما مررت بسواءِ زيد) بالجر وجوبًا.
وأنا اخترت التمثيل بسواء لأنها تظهر عليها الحركات، وإلا فسِوى وسُوى معناهما مع سواء واحد.
وقول المؤلف: (على الأصح) يشير إلى أن هناك خلافًا مرجوحًا وهو خلاف سيبويه، الذي جعل (سِوى وسُوى وسواء) دائمة النصب على الظرفية، وما ورد على خلاف ذلك فمؤول.
ولا ريب أن هذا القول لا حظ له من النظر، وأن قول ابن مالك أصح، إذ إنه ورد في اللغة العربية على أنها حسب العوامل، فتكون منصوبة إذا تم الكلام وكان موجبًا، وتكون مبدلة أو منصوبة إذا تم وكان منفيًا أو شبهه، فكل من يقول إنها إذا وردت غير منصوبة تحتاج إلى تأويل، فقوله خلاف الظاهر، والصواب مع ابن مالك.
وتوسط قوم فقالوا: إن الأكثر أن تكون منصوبة على الظرفية، وأنها تستعمل أحيانًا للاستثناء فتكون كغير، لكن رأي ابن مالك أن حكمها حكم غير، و(غير) حكمها حكم المستثنى بإلا على حسب التفصيل السابق.
وليس من الاستثناء مثل قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦] لكن إذا جاءت (سواء) بمعنى إلا، فهي التي تعامل كغير، أما إذا جاءت مبتدأ أو ما أشبه ذلك فحكمها معروف.
[ ٣٧ / ١٦ ]
حكم المستثنى بليس وخلا وعدا ولا يكون
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واستثن ناصبًا بليس وخلا وبعدا وبيكون بعد لا] واستثن ناصبًا: أي: واستثن حال كونك ناصبًا للمستثنى.
إذًا: فالمستثنى بما يأتي يكون دائمًا منصوبًا، كما أن المستثنى بغير وسوى يأتي دائمًا مجرورًا.
ومفعول (ناصبًا) محذوف تقديره: المستثنى، أما فاعل (ناصبًا) فهو مستتر تقديره: أنت.
واستثن ناصبًا المستثنى بـ (ليس) و(خلا) وبـ (عدا) وبـ (يكون) بعد لا، فهي أربعة.
إذًا (ليس) تكون من أدوات الاستثناء، تقول: قام القوم ليس زيدًا.
قام: فعل ماض.
القوم: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
ليس: أداة استثناء واسمها محذوف، أو إن شئت فقل: اسمها مستتر، فإن جعلناها حرفًا فاسمها محذوف، وإن جعلناها فعلًا فاسمها مستتر تقديره (هو) يعود على البعض المستثنى من القوم، يعني: ليس بعض المستثنى زيدًا، أي: ليس القائم زيدًا.
زيدًا: خبر ليس منصوب بالفتحة الظاهرة.
كذلك أيضًا (خلا) نقول: قام القوم خلا زيدًا.
خلا: فعل ماض، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره هو، فهم يقولون: إن الضمير يستتر وجوبًا في هذه الأدوات.
زيدًا: مفعول به منصوب.
إذًا: هل نصب المستثنى بخلا على الاستثناء أم أن معناه معنى الاستثناء؟
الجواب
إذا أعربناه هذا الإعراب فمعناه معنى الاستثناء، أما لو أعربنا زيدًا في قولك (خلا زيدًا) مستثنى منصوب فمعناه أنه نصب على الاستثناء.
قال: و(بعدا)، تقول: قام القوم عدا زيدًا.
فهي مثل خلا.
قال: (وبيكون بعد لا) يكون: فعل مضارع ولكن بشرط مجيئه بعد (لا).
ومعلوم أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦] وهنا (يكون) هي أداة الاستثناء، أي الفعل المضارع، وذلك بعد (لا) وليس بعد (ما) أو بعد (لم) من أدوات النفي.
فـ ابن مالك ﵀ اشترط شرطين: ١ - أن تكون بلفظ المضارع، كما يؤخذ من قوله: (وبيكون).
٢ - وأن تقع بعد أداة النفي (لا) خاصة.
مثاله: قام القوم لا يكون زيدًا، فنقول: قام القوم: فعل وفاعل.
لا: نافية.
يكون: فعل مضارع، واسمها مستتر وجوبًا تقديره هو.
زيدًا: خبرها منصوب بها.
فالاستثناء هنا معنوي.
ولو قلت: قام القوم لم يكن زيدًا.
فليس من هذا الباب لأنه بعد (لم).
ولا يجوز: قام القوم لا يكون القائم زيدًا، لأن اسمها يجب أن يستتر.
وبهذا عرفنا أن الاستثناء يكون بالحروف وبالأسماء وبالأفعال، فالاستثناء بالحروف يكون بحرف واحد وهو (إلا).
والأسماء اثنان: (غير وسُوى)، أما (سِوى وسواء) فهي لغات في (سُوى).
وأما الأفعال فأربعة (ليس، خلا، عدا، لا يكون).
[ ٣٧ / ١٧ ]
حكم المستثنى بخلا وعدا إذا سبقتها (ما)
قال المؤلف: [واجرر بسابقي يكون إن ترد وبعد ما انصب وانجرار قد يرد] يقول: (واجرر بسابقي يكون إن ترد)، وسابقاها هما (خلا وعدا).
ويفهم من قوله: (إن ترد) أن الأفضل النصب، لكن إن شئت فاجرر.
قال: (وبعد ما انصب) (ما) تكون قبل (خلا) وقبل (عدا)، والمعنى: إن وقع (خلا وعدا) بعد (ما) فانصب المستثنى.
قال: (وانجرار قد يرد) يعني قد يرد الجر في هذه الحالة، ولكن الأصل النصب، والجر مسموح.
قال: (واجرر بسابقي يكون) مثال ذلك: (قام القوم خلا زيد) الإعراب: قام: فعل ماض.
القوم: فاعل.
خلا: حرف جر.
زيد: اسم مجرور بخلا.
(قام القوم عدا زيد): قام القوم: فعل وفاعل.
عدا: حرف جر.
زيد: اسم مجرور بعدا وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره.
وعلى هذا فـ (خلا وعدا) يصح أن يكونا فعلين، وأن يكونا حرفين؛ فإن نصبت ما بعدهما فهما فعلان، وإن جررته فهما حرفان، ولهذا قال: [وحيث جرا فهما حرفان كما إنهما إن نصبا فعلان] إذًا: (خلا وعدا)، إن نصب ما بعدهما فهما فعلان، وإن جر فهما حرفان.
أما إن وقعت قبلهما (ما) فهما فعلان ويجب نصب ما بعدهما، نقول: (قام القوم ما خلا زيدًا، وما عدا بكرًا) ولا يجوز أن تقول: (قام القوم ما خلا زيدٍ) ولا (ما عدا بكرٍ) بل يتعين النصب، ولهذا قال: (وبعدما انصب) كما تقدم؛ ولكن قد يرد انجرار، فقد تقول: ما خلا زيدٍ، وما عدا بكرٍ، ولكنه قليل، وبعض العلماء يقولون: لا يجوز، وما ورد فإنه شاذ، وهذا أقرب، والله أعلم.
[ ٣٧ / ١٨ ]
حكم المستثنى بحاشا
قال المؤلف: [وكخلا حاشا ولا تصحب ما وقيل حاش وحشا فاحفظهما] إذًا: تكون الأفعال خمسة: (ليس، لا يكون، خلا، عدا، حاشا)، وكخلا حاشا لكنها تخالفها في قوله: (ولا تصحب ما) وعلى هذا فليس لها حال يتعين فيها النصب، بل يجوز فيها النصب والجر، ولا نقول: إلا أن تسبق بنفي، لأنها لا تصحبها ما.
نقول: قام القوم حاشا زيدًا، قام القوم حاشا زيدٍ، والمعنى: أستثني زيدًا.
قال: (وقيل حاش وحشا فاحفظهما).
والفرق أن (حاش) آخرها الشين، وهو حرف صحيح، أما (حاشا) فآخرها ألف مقصورة.
وقيل أيضًا: (حشا) والفرق أن (حاشا) فيها ألفان و(حشا) فيها ألف واحد.
قال ابن مالك ﵀: (فاحفظهما) يريد أن يبين لك أن استعمالهما قليل، والذي يستعمل قليلًا ينسى، أو أنه يريد أن يرد به على من قال: إنه لا يصح أن يقال: (حاشا وحشا) فقال: احفظهما فإني مؤكد أنهما أتيا في اللغة العربية.
وحاش وحشا هما نفس حاشا؛ لكن اختلفت صورة، مثلما قلنا في (سِوى وسُوى وسواء).
وقوله تعالى: (حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف:٣١] هذه ليست من هذا النوع، بل هذه بمعنى: تنزيهًا لله، فهي اسم مصدر.
[ ٣٧ / ١٩ ]