المدح والذم من أساليب العرب الإنشائية، ولهما أفعال تدل عليهما أشهرها (نِعْم) في المدح و(بئس) في الذم، وتأتي أفعال أخرى بمعناهما مثل ساء وحبذا ولا حبذا وفَعُل من الثلاثي، وأحكام أفعال المدح والذم الإعرابية وما تعمل فيه مذكورة بالتفصيل في هذا الباب.
[ ٤٧ / ١ ]
نعم وبئس وما جرى مجراها
هذان فعلان جامدان فـ (نعم) للمدح، و(بئس): للذم.
وهما فعلا إنشاءٍ، وليسا فعلي خبر؛ لأنك تنشىء المدح فيما إذا قلت: نعم الرجل زيدٌ، والذم فيما إذا قلت: بئس الرجل زيدٌ.
وقوله: (وما جرى مجراهما)، يريد به: (حبذا) في المدح، و(لا حبذا): في الذم.
قال المؤلف: [فعلان غير متصرفين نعم وبئس رافعان اسمين مقارني أل أو مضافين لما قارنها كنعم عقبى الكرما] قوله: (فعلان): خبر مقدم.
وقوله: (نعم، وبئس)، (نعم): مبتدأ، و(بئس): معطوف عليه.
يعني: أن نعم وبئس فعلان، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، والدليل على ذلك: دخول تاء التأنيث عليهما، فتقول: نعمت المرأة هند، وبئست المرأة دعد، وتاء التأنيث من علامة الأفعال.
وقيل: إنهما اسمان، واستدل القائلون بذلك بقول بعض العرب وقد بشر ببنت: ما هي بنعم الولدُ! فأدخل الباء على نعم، وحروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء.
وكذلك قول بعضهم: نعم السيرُ على بئس العير، والعير هو الحمار، فأدخل (على) على بئس، وحروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء.
لكن القول الأول الذي مشى عليه ابن مالك أصح، وهذان المثالان مؤولان: فمعنى الأول: ما هي بالتي يقال فيها نعم الولد.
والثاني يقال فيه: على مركوب يقال فيه: بئس العير.
وقول المؤلف: (غير متصرفين) معناه: لا يأتي منهما المضارع، ولا الأمر، ولا المصدر، بل هما هكذا وجدا في اللغة العربية غير متصرفين، وغير المتصرف يسمى جامدًا.
[ ٤٧ / ٢ ]
أنواع فاعل نعم وبئس
قال: (رافعان اسمين): رافعان: خبر ثان لقوله: نعم وبئس، يعني: هما فعلان غير متصرفين، وكذلك: رافعان اسمين.
و(رافعان) عملت في (اسمين) النصب، فقوله: (اسمين): مفعول به لرافعان، وفي (رافعان) ضمير مستتر يعود على نعم وبئس، وليس الضمير هو الألف؛ لأن الألف في قوله: (رافعان) علامة إعراب، وليست ضميرًا.
والمعنى: أن نعم وبئس يرفعان اسمين، وليس كل واحدة ترفع اسمين، ولكن كل واحدة ترفع اسمًا.
يقول: (مقارني أل) يعني: أن فاعلهما لا يكون إلا اسما معرفًا بأل، مثل: (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠].
المولى: فاعل مقرون بأل.
و(النصير) أيضًا فاعل مقرون بأل.
ولو قلت: نعم مولى، ونعم نصير، لا يجوز.
فلا بد أن يكون فاعلهما مقرونًا بأل.
وكذلك قوله تعالى: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:١٢٦].
(المصيرُ): فاعل، ولا بد في الفاعل أن يكون محلى بأل.
قال: (أو مضافين لما قارنها).
يعني: أو يكون فاعلهما مضافًا لما فيه (أل)، ومثاله قوله تعالى: (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل:٣٠].
فدارُ ليس فيها أل لكنها مضافة لما فيه أل.
إذًا فاعلهما لا بد أن يكون مقرونًا بأل، أو مضافا لما فيه أل، قال الشاعر: نعمت جزاء المتقين الجنة دار الأماني والمنى والمنة فالفاعل هنا مضاف لما فيه أل.
ويجوز أيضًا: أن يكون الفاعل مضافًا إلى مضاف لما فيه أل، تقول: نعم دار كريم القومِ، فـ (دار) فاعل مضاف إلى كريم، و(كريم): ليس فيه أل لكنه مضاف إلى ما فيه أل.
(كنعم عقبى الكرما).
فنعم في هذا المثال غير محلى بأل، لكنه مضاف إلى ما فيه (أل).
واعلم أن نعم وبئس تحتاج إلى فاعل، وتحتاج إلى مخصوص بالذم أو بالمدح، ويكون مبتدأ، فمثلًا تقول في قوله تعالى: (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠].
(المولى): فاعل، والمخصوص بالمدح تقديره: هو، أي: الله، نعم المولى الله، ونعم النصير الله.
والمخصوص في (نعم دار المتقين الجنة) هو: الجنة.
فالشيء الذي وقع عليه الثناء يكون محذوفا، ويعرب على أنه مبتدأ مؤخر، وجملة (نعم وفاعلها) خبر مقدم.
نقول في إعراب (نعم المولى الله) (نعم): فعل ماض، و(المولى): فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، والمخصوص محذوف تقديره الله، وهو مبتدأ وخبره الجملة التي قبله، وهي نعم المولى.
وفي (بئس المصير): المخصوص محذوف وتقديره: النار.
فنقول في الإعراب: (بئس): فعل ماض للذم.
و(المصير): فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والمخصوص محذوف تقديره: النار، وهو مبتدأ، وخبره: جملة بئس المصير.
[ ٤٧ / ٣ ]
إضمار فاعل نعم وبئس وتفسيره بالتمييز
قال ابن مالك ﵀: [ويرفعان مضمرًا يفسرُ مميز كنعم قومًا معشره] ولما قال ﵀: إنهما لا يرفعان إلا محلى بأل، أو مضافًا لمحلى بأل، ذكر أيضا: أنهما يرفعان مضمرًا يفسره يعني: تمييز، والمعنى: ويجوز أن يكون فاعلهما ضميرًا مفسرا بتمييز، مثاله: (نعم قومًا معشره).
وإعراب البيت: (يرفعان): فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل.
(مضمرًا) مفعول به.
(يفسره) فعل مضارع، ومفعول به.
(مميز) فاعل، والجملة صفة لمضمر.
وقوله: (كنعم قوما معشره): (الكاف): حرف جر.
(نعم قوما معشره): اسم مجرور بالكاف، وعلامة جره الكسرة المقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
لأن معنى قولنا: كنعم قومًا معشر، أي: كهذا المثال، فهو جملة في حكم المفرد.
وقال بعض المعربين: إن الكاف داخلة على مجرور محذوف، والتقدير: كقولك: نعم قومًا معشره.
وهذا وإن كان له وجه، لكنه ضعيف؛ لأنه يحتاج إلى تقدير محذوف، والأصل عدم الحذف.
فقوله: (كنعم قومًا معشره): (نعم): فعل ماض، و(قومًا): تمييز منصوب، والفاعل مستتر والتقدير: كنعم القوم قومًا.
(معشرُ): مبتدأ وهو المخصوص بالمدح، وهو مرفوع بالابتداء وعلامة رفعه ضمة على آخره، و(معشر): مضاف و(الهاء): مضاف إليه مبني على الضم في محل جر، والجملة من (نعم قومًا): خبر مقدم.
فتبين أن نعم وبئس وما جرى مجراهما يحتاجان إلى فاعل، ويحتاجان إلى المخصوص بالمدح والذم.
فإن قيل: ألا نعرب (معشر) فاعلًا؟ نقول: لا يجوز ذلك؛ ولهذا يقول: يرفعان مضمرًا يفسره مميز، فلو قلنا: (معشر) هي الفاعل لنعم لما رفع المضمر، بل يكون قد رفع الظاهر، ثم يفسد المعنى؛ لأنني أثني على قوم منهم معشره.
ولهذا يقال: إن نعم وبئس تدلان على العموم، ثم على الخصوص، يعني: إذا قلت: نعم القوم قومًا، فهذا عموم، ثم خصصت العشيرة.
ومثل: نعم الرجل زيد، فالرجل ليس بزيد، فـ (نعم الرجل) هذا شائع في جنس الرجال، ولهذا تعتبر (أل) هنا لاستغراق الجنس، ثم خص هذا الرجل بأنه زيد، فكأنه ذكر مرتين، مرة على سبيل العموم، ومرة على سبيل الخصوص، فلهذا لا بد أن نقول: إن التقدير: نعم القومُ قوما على سبيل العموم، ثم نخص ونقول: معشره.
[ ٤٧ / ٤ ]
حكم جمع التمييز والفاعل الظاهر
قال المؤلف: [وجمع تمييز وفاعل ظهر فيه خلاف عنهمُ قد اشتهر] لما ذكر ﵀ أنهما يرفعان مضمرا يفسره تمييز، كأن سائلًا يسأل: وهل يرفعان ظاهرًا مع وجود التمييز أم لا؟ يقول المؤلف: جمع التمييز والفاعل الظاهر فيه خلاف: فمنهم من يقول: إنه لا يجوز أن نجمع بين الفاعل والتمييز، لأن معنى ذلك أننا جمعنا بين المفسِر والمفسر.
وقال بعضهم: إنه يجوز؛ لأنه من باب التأكيد، كأننا أثنينا عليهم مرتين، مثال ذلك: نعم القوم قومًا معشره، فهنا جمعنا بين الفاعل والتمييز.
وابن مالك ﵀ أطلق الخلاف ولم يرجح، وقد ذكرنا قاعدة: وهو أنه إذا لم يكن من اللغة دليل بين نتبع الأسهل.
إذًا: فنقول: يجوز لك أن تجمع بين التمييز والفاعل، ويجوز لك ألا تجمع، فمن قال: نعم قوما معشره، هذا قلنا: صواب، ومن قال: نعم القوم قوما معشره، قلنا: هذا صواب.
والقائلون بالتخيير معهم دليل وهو قول الشاعر: والتغلبيون بئس الفحل فحلهم فحلًا وأمهم زلاء منطيق (بئس) فعل ماض، و(الفحلُ): فاعل، و(فحلهمُ): مبتدأ وهو المخصوص، و(فحلًا): تمييز.
أما (وأمهم زلاء منطيق)، فهي جملة مستقلة.
والمانعون يقولون: إنه شاذ أو نادر.
[ ٤٧ / ٥ ]
الخلاف في (ما) الواقعة بعد نعم وبئس
ثم قال المؤلف ﵀: [وما مميزٌ وقيل فاعلُ في نحو نعم ما يقول الفاضلُ] قوله: (نعم ما يقول الفاضل): (ما): لا تظهر عليها علامة الإعراب؛ لأنها مبنية، فماذا نقول: هل نجعلها اسمًا موصولًا، أم نجعلها نكرة؟ فإن جعلناها موصولة فهي فاعل، أو نكرة فهي تمييز.
فهل تقول: نعم القول يقول الفاضل، أم نعم قولًا يقول الفاضل؟ إذا جعلناها تمييزًا قلنا: التقدير: نعم قولًا يقول الفاضل.
وإذا جعلناها فاعلًا فالتقدير: نِعمَ القولُ يقوله الفاضل.
فلما كانت تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، وهو معرفة، أو تكون نكرة موصوفة، وهو التمييز، قال ابن مالك: إن فيها خلافًا فبعضهم يقول: إنها تمييز، وبعضهم يقول: إنها فاعل.
وقوله: (وما مميز وقيل فاعل)، معناه: أنه قدم أن تكون تمييزًا، أي: نعم قولًا يقول الفاضل، فعلى هذا تكون مثل قولك: نعم رجلًا زيد.
قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: [والثالث: أن يكون مضمرًا مفسرًا بنكرة بعده منصوبة على التمييز نحو: نعم قومًا معشره، ففي نعم ضمير مستتر يفسره (قومًا)، و(معشره): مبتدأ، وزعم بعضهم: أن معشره مرفوع بنعم وهو الفاعل، ولا ضمير فيها.
وقال بعض هؤلاء: إن قومًا حال، وبعضهم: إنه تمييز، ومثلُ (نعم قومًا معشره) قوله تعالى: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠].
وقول الشاعر: لنعم موئلا المولى إذا حذرت بأساء ذي البغى واستيلاء ذي الإحن وقول الآخر: تقول عرسى وهي لي في عومره بئس امرأ وإنني بئس المره.
قال ابن مالك ﵀: وجمع تمييز وفاعل ظهر فيه خلاف عنهم قد اشتهر اختلف النحويون في جواز الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر في نعم وأخواتها.
فقال قوم: لا يجوز ذلك، وهو المنقول عن سيبويه فلا تقول: نعم الرجل رجلًا زيد.
وذهب قوم إلى الجواز واستدلوا بقوله: والتغلبيون بئس الفحل فحلهم فحلا وأمهم زلاء منطيق وقوله: تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا وفصل بعضهم فقال: إن أفاد التمييز فائدة زائدة على الفاعل جاز الجمع بينهما نحو: نعم الرجل فارسًا زيد، وإلا فلا نحو: نعم الرجل رجلًا زيد.
فإن كان الفاعل مضمرًا جاز الجمع بينه وبين التمييز اتفاقًا نحو: نعم رجلًا زيد.
قال: وما مميز وقيل فاعل في نحو نعم ما يقول الفاضل تقع (ما) بعد نعم وبئس فتقول: نعم ما أو نعما وبئس ما، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) [البقرة:٢٧١].
وقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ) [البقرة:٩٠].
واختلف في (ما) هذه فقال قوم: هي نكرة منصوبة على التمييز وفاعل نعم ضمير مستتر.
وقيل: هي الفاعل وهي اسم معرفة، وهذا مذهب ابن خروف ونسبه إلى سيبويه].
أ.
هـ.
فإعراب قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠].
(بئس) فعل ماض و(للظالمين): جار ومجرور متعلق به، و(بدلًا): تمييز، والفاعل مستتر، والتقدير: بئس البدل للظالمين بدلًا.
[ ٤٧ / ٦ ]
أحكام المخصوص بالمدح أو الذم
هذان فعلان جامدان فـ (نعم) للمدح، و(بئس): للذم.
وهما فعلا إنشاءٍ، وليسا فعلي خبر؛ لأنك تنشىء المدح فيما إذا قلت: نعم الرجل زيدٌ، والذم فيما إذا قلت: بئس الرجل زيدٌ.
وقوله: (وما جرى مجراهما)، يريد به: (حبذا) في المدح، و(لا حبذا): في الذم.
قال المؤلف: [فعلان غير متصرفين نعم وبئس رافعان اسمين مقارني أل أو مضافين لما قارنها كنعم عقبى الكرما] قوله: (فعلان): خبر مقدم.
وقوله: (نعم، وبئس)، (نعم): مبتدأ، و(بئس): معطوف عليه.
يعني: أن نعم وبئس فعلان، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، والدليل على ذلك: دخول تاء التأنيث عليهما، فتقول: نعمت المرأة هند، وبئست المرأة دعد، وتاء التأنيث من علامة الأفعال.
وقيل: إنهما اسمان، واستدل القائلون بذلك بقول بعض العرب وقد بشر ببنت: ما هي بنعم الولدُ! فأدخل الباء على نعم، وحروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء.
وكذلك قول بعضهم: نعم السيرُ على بئس العير، والعير هو الحمار، فأدخل (على) على بئس، وحروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء.
لكن القول الأول الذي مشى عليه ابن مالك أصح، وهذان المثالان مؤولان: فمعنى الأول: ما هي بالتي يقال فيها نعم الولد.
والثاني يقال فيه: على مركوب يقال فيه: بئس العير.
وقول المؤلف: (غير متصرفين) معناه: لا يأتي منهما المضارع، ولا الأمر، ولا المصدر، بل هما هكذا وجدا في اللغة العربية غير متصرفين، وغير المتصرف يسمى جامدًا.
[ ٤٧ / ٧ ]
إعراب المخصوص بالمدح أو بالذم
قال المؤلف: [ويذكر المخصوص بعد مبتدا أو خبر اسم ليس يبدو أبدًا] وصف هنا نعم وبئس فقال: أي: ويذكر المخصوص بعد الفاعل، أو بعد التمييز إذا أضمر الفاعل، فيذكر على أنه مبتدأ.
فقوله: (مبتدأ): حال من نائب الفاعل، والتقدير: ويذكر المخصوص حال كونه مبتدأً.
(أو خبر اسم معطوف) على مبتدأ، أي: أو يذكر المخصوص على أنه خبر اسم ليس يبدو، أي: لا يظهر هذا الاسم أبدًا.
إذًا: أفادنا المؤلف ﵀ أن المخصوص يذكر بعد استيفاء نعم وبئس فاعلهما، أو التمييز إذا أضمر الفاعل.
ونقول: لنا في إعرابه وجهان: إما أن يكون مبتدأً مؤخرًا، والجملة قبله خبر.
وإما أن يكون خبر مبتدأ محذوف وجوبًا.
تقول مثلًا: نعم الرجل زيد، فـ (نعمَ): فعل ماض مبني على الفتح.
(الرجل): فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
(زيد) لك في إعرابه وجهان: إما أن تقول: (زيد): مبتدأ مرفوع بالابتداء وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وخبره الجملة السابقة: (نعم الرجل).
أو تقول: (زيد): خبر مبتدأ محذوف وجوبًا تقديره هو زيد، نعم الرجل هو -أي: الذي أنا أثني عليه- زيد.
إذًا: معنى البيت يشير إلى قاعدة وهي: يذكر المخصوص بعد استيفاء نعم وبئس فاعلهما، أو ما يدل عليه من التمييز، وهذا المخصوص: إما أن يكون مبتدأ وخبره الجملة قبله.
وإما أن يكون خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا، ولهذا قال: (ليس يبدو أبدًا).
[ ٤٧ / ٨ ]
حذف المخصوص بالمدح أو الذم إذا تقدم ما يدل عليه
يقول المؤلف: [وإن يقدم مشعر به كفى كالعلم نعم المقتنى والمقتفى] إن يقدم مشعر بالمخصوص كفى عن ذكر المخصوص، مثاله: (كالعلم نعم المقتنى والمقتفى).
وهذا مثال عظيم؛ فالعلم أفضل من المال، لو جاء عالم وتاجر، فالعالم أفضل فيما اقتنى بلا شك، وهذا أمرٌ تكفل الله به فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] ولم يقل: الذين أوتوا المال.
ولهذا تجد ذكر العلماء مرفوعًا حتى بعد موتهم؛ لكن أهل الأموال يذهبون مع أموالهم، وتقسم أموالهم بين الورثة وتنتهي، فالعلم هو القنية النافعة التي يثنى عليها، و(المقتفى) يعني: المتبع.
وعلى هذا فالمراد به العلم الشرعي، أما العلم الذي ليس بشرعي فهو على حسب ما يكون وسيلة له، فإن كان وسيلة إلى خير فهو خير، وإن كان وسيلة إلى شر فهو شر، وهذا المثال يوجب على طالب العلم أن يحرص على طلب العلم، لأن العلم نعم المقتنى والمقتفى.
والمخصوص في هذا المثال: العلم، فـ (العلم): مبتدأ، و(نعم): فعل ماض، و(المقتنى): فاعل، والجملة من الفعل والفاعل خبر المبتدأ، و(المقتفى): معطوف على (المقتنى).
فلا نقول: العلم نعم المقتنى العلم، ولهذا قال المؤلف: كفَى، أي: فلا حاجة إلى ذكره.
والكاف في (كالعلم) نقول: إنها داخلة على الجملة فتبقى الجملة على ما هي عليه، وقد ذكرنا أن للمعربين فيها وجهين: أحدهما: أن (الكاف) حرف جر، و(العلم نعم المقتنى والمقتفى) اسم مجرور بالكاف لأنه مؤول بقولك: كهذا المثال.
والثاني: أن الكاف حرف جر، وأن المجرور محذوف، والتقدير: كقولك العلم نعم المقتنى والمقتفى.
قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: [ويذكر المخصوص بعد مبتدأ أو خبر اسم ليس يبدو أبدًا يذكر بعد نعم وبئس وفاعلهما اسم مرفوع هو المخصوص بالمدح أو الذم، وعلامته: أن يصلح لجعله مبتدأ وجعل الفعل والفاعل خبرًا عنه نحو: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، ونعم غلام القوم زيد، وبئس غلام القوم عمرو ونعم رجلًا زيد، وبئس رجلًا عمرو، وفي إعرابه وجهان مشهوران] أ.
هـ.
[ ٤٧ / ٩ ]
استعمال ساء في الذم كبئس وفعل من الثلاثي كنعم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واجعل كبئس ساء واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مسجلا].
قوله: (اجعل) فعل أمر وقوله: (كبئس) الكاف اسم بمعنى مثل مبني على السكون في محل نصب، يعني: واجعل مثل بئس، وبئس مجرور بالكاف؛ لأن المراد لفظه، أي: واجعل كهذا اللفظ.
وقوله: (ساء) فعل، ومع ذلك نعربه على أنه مفعول به أول لاجعل، أي: اجعل ساء مثل بئس، وكيف يكون مفعولًا به وهو فعل؟ نقول: لأن المراد لفظه، يعني: اجعل هذا اللفظ ساء.
ومنه قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ [الأعراف:١٧٧] فالقوم: فاعل ساء، والمخصوص محذوف معوض عنه بالتمييز في قوله: (مثلًا)، وأصله ساء المثل مثلًا، أو: ساء مثل القوم مثلًا.
إذًا: حكم ساء كبئس إذا قصد بها إنشاء الذم، تقول: ساء الرجل زيد، كما تقول: بئس الرجل زيد.
أما إذا قلت: ساءني كذا، أو فلان ضرب زيدًا فساءه؛ فليس من هذا الباب، لأن الذي من هذا الباب ما قصد به إنشاء الذم، لا ما قصد به حدوث ما يسوء، فما قصد به حدوث ما يسوء ليس من هذا الباب، فهو فعل عادي.
قال: (واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مسجلا): (فَعُل) بضم العين، (من ذي ثلاثة) أي: من فعل ذي ثلاثة أحرف (كنعم) في المدح، وفي العمل أيضًا.
(مسجلًا) أي: مطلقًا.
ففعُل الذي يراد به إنشاء المدح يجعل كنعم، نقول مثلًا: صَدُق الرجل زيد؛ مثلما نقول: نِعْمَ الرجل زيد! فنجعل الرجل فاعلًا، و(زيد) المخصوص بالمدح.
[ ٤٧ / ١٠ ]
أحكام حبذا ولا حبذا في المدح والذم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واجعل كبئس ساء واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مسجلا].
قوله: (اجعل) فعل أمر وقوله: (كبئس) الكاف اسم بمعنى مثل مبني على السكون في محل نصب، يعني: واجعل مثل بئس، وبئس مجرور بالكاف؛ لأن المراد لفظه، أي: واجعل كهذا اللفظ.
وقوله: (ساء) فعل، ومع ذلك نعربه على أنه مفعول به أول لاجعل، أي: اجعل ساء مثل بئس، وكيف يكون مفعولًا به وهو فعل؟ نقول: لأن المراد لفظه، يعني: اجعل هذا اللفظ ساء.
ومنه قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ [الأعراف:١٧٧] فالقوم: فاعل ساء، والمخصوص محذوف معوض عنه بالتمييز في قوله: (مثلًا)، وأصله ساء المثل مثلًا، أو: ساء مثل القوم مثلًا.
إذًا: حكم ساء كبئس إذا قصد بها إنشاء الذم، تقول: ساء الرجل زيد، كما تقول: بئس الرجل زيد.
أما إذا قلت: ساءني كذا، أو فلان ضرب زيدًا فساءه؛ فليس من هذا الباب، لأن الذي من هذا الباب ما قصد به إنشاء الذم، لا ما قصد به حدوث ما يسوء، فما قصد به حدوث ما يسوء ليس من هذا الباب، فهو فعل عادي.
قال: (واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مسجلا): (فَعُل) بضم العين، (من ذي ثلاثة) أي: من فعل ذي ثلاثة أحرف (كنعم) في المدح، وفي العمل أيضًا.
(مسجلًا) أي: مطلقًا.
ففعُل الذي يراد به إنشاء المدح يجعل كنعم، نقول مثلًا: صَدُق الرجل زيد؛ مثلما نقول: نِعْمَ الرجل زيد! فنجعل الرجل فاعلًا، و(زيد) المخصوص بالمدح.
[ ٤٧ / ١١ ]
استعمال حبذا في المدح ولا حبذا في الذم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثل نعم حبذا الفاعل ذا وإن ترد ذمًا فقل لا حبذا].
قوله: (ومثل نعم) خبر مقدم، ومثل: مضاف، ونعم: مضاف إليه.
(حبذا): مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية فمثل نعم حبذا، أقول: حبذا زيد، وهذا لا شك أن المراد إنشاء المدح له.
والإعراب ذكره المؤلف فقال: الفاعل (ذا)، فاختلف عن (نعم)، إذ إن فاعلها إما أن يكون اسمًا محلى بأل، أو مضافًا لمحلى بأل، أو ضميرًا.
لكن هنا الفاعل (ذا) تقول: حبذا زيد، وإن شئت أتيت بتمييز أو حالٍ فتقول: حبذا زيد صديقًا، أو ما أشبه ذلك.
وتقول: في إعراب حبذا: (حب): فعل ماض.
(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع فاعل.
(زيد): مبتدأ مؤخر، وخبره جملة حبذا.
قوله: (وإن ترد ذمًا فقلت لا حبذا).
والإعراب لا يختلف، لكن بدل حبذا أقول: لا حبذا.
إذا أردت الذم تقول: بئس الرجل زيد وإن شئت فقل: لا نعم الرجل زيد، ولا حبذا الرجل زيد.
[ ٤٧ / ١٢ ]
كلام ابن عقيل في شرح استعمال ساء وحبذا في المدح والذم
قال ابن عقيل ﵀: [تستعمل ساء في الذم استعمال بئس، فلا يكون فاعلها إلا ما يكون فاعلا لبئس، وهو المحلى بالألف واللام نحو: ساء الرجل زيد، والمضاف إلى ما فيه الألف واللام نحو: ساء غلام القوم زيد، والمضمر المفسر بنكرة بعده نحو: ساء رجلًا زيد، ومنه قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأعراف:١٧٧].
ويذكر بعدها المخصوص بالذم كما يذكر بعد بئس، وإعرابه كما تقدم.
وأشار بقوله: (واجعل فعلا) إلى أن كل فعل ثلاثي يجوز أن يبنى منه فعل على (فَعُل) لقصد المدح أو الذم، ويعامل معاملة نعم وبئس في جميع ما تقدم لهما من الأحكام.
فتقول: شرُف الرجل زيد، ولؤم الرجل بكر، وشرف غلام الرجل زيد، وشرف رجلًا زيد.
ومقتضى هذا الإطلاق أنه يجوز في علم أن يقال: علُم الرجل زيد بضم عين الكلمة، وقد مثل هو وابنه به.
وصرح غيره أنه لا يجوز تحويل علم وجهل وسمع إلى فَعُل بضم العين؛ لأن العرب حين استعملتها هذا الاستعمال أبقتها على كسرة عينها، ولم تحولها إلى الضم، فلا يجوز لنا تحويلها، بل نبقيها على حالها كما أبقوها، فتقول: علم الرجل زيد، وجهل الرجل عمرو، وسمع الرجل بكر].
لكن الظاهر أن كلام ابن مالك أولى وأن المسألة فيها تحويل.
[ومثل نعم حبذا الفاعل ذا وإن ترد ذمًا فقل لا حبذا] يقال في المدح: حبذا زيد، وفي الذم: لا حبذا زيد، كقوله: ألا حبذا أهل الملا غير أنه إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا واختلف في إعرابها: فذهب أبو علي الفارسي في البغداديات وابن برهان وابن خروف وزعم أنه مذهب سيبويه، وأن من قال عنه غيره فقد أخطأ عليه، واختاره المصنف: إلى أن (حب) فعل ماض، و(ذا) فاعله، وأما المخصوص فجوز أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره، وجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو زيد، أي: الممدوح أو المذموم زيد، واختاره المصنف.
وذهب المبرد في المقتضب، وابن السراج في الأصول، وابن هشام اللخمي واختاره ابن عصفور إلى أن حبذا اسم وهو مبتدأ والمخصوص خبره، أو خبر مقدم والمخصوص مبتدأ مؤخر، فركبت حب مع ذا وجعلت اسمًا واحدًا.
وذهب قوم منهم ابن درستويه إلى أن (حبذا) فعل ماض، و(زيد) فاعله، فركبت حب مع ذا وجعلتا فعلًا، وهذا أضعف المذاهب] أ.
هـ.
فما ذهب إليه المؤلف هو أحسن الأقوال.
[ ٤٧ / ١٣ ]
ما يلزم إذا وقع المخصوص بالمدح أو الذم بعد ذا
قال: [وأول ذا المخصوص أيًا كان لا تعدل بذا فهو يضاهي المثلا].
قوله (أول): فعل أمر.
و(ذا): مفعول أول لـ (أول).
والمخصوص: مفعول ثان.
يعني: اجعل المخصوص يلي ذا أيًا كان حتى لو كان جمعًا أو مثنى، فتبقى (ذا) على ما هي عليه، تقول: حبذا القوم، حبذا الرجلان، وحبذا الرجال، ولا تقول: حب هؤلاء، ولهذا قال: (أيًا كان لا تعدل بذا).
وإعراب (أيًا): خبر كان مقدمًا، واسم كان ضمير مستتر، يعني: أيًا كان المخصوص فلا تعدل بذا.
ومعنى (لا تعدل بذا) أي: لا تأت عنها بعديل لها أو بديل لها، بل تبقى على ما هي عليه.
وقوله: (يضاهي المثلا)، أي: هذا التركيب يشابه المثل، وقد قيل: إن الأمثال لا تغير.
فإذا قيل: من يحفظ ألفية ابن مالك فله ألف ريال، وبعد انتهاء المدة المقررة جاء شخص وقال: أنا حفظتها، فأقول له: الصيف ضيعتِ اللبن! فضيعتِ بالكسرة، ولو كان المخاطب رجلًا؛ لأن هذا مثل، والأمثال تبقى على لفظها، وهذه قاعدة معروفة عند أهل العلم بالعربية.
قال المؤلف ﵀: [وما سوى ذا ارفع بحب أو فجر بالبا ودون ذا انضمام الحا كثر].
قوله: (ما سوى ذا) يعني: إذا كان فاعل حب سوى ذا وأنت تريد المدح، فارفع، أو جر بالباء، يعني: إما أن ترفعه، وإما أن تجره بالباء، فتقول: حب زيد، أو حب بزيد.
فقول ابن مالك: (وما سوى ذا) يعني: أنه إذا جاء فاعل لحب سوى ذا، فارفعه بحب، أو فجر بالباء.
وقول المؤلف: (أو فجر) (أو) حرف عطف، ومعناه التخيير، يعني: أنك مخير بين أن ترفعه بحب أو تجره بالباء.
و(الفاء) في قوله: (فجر) زائدة؛ لأن الحروف العاطفة لا تتداخل، فلا تقول: جاء زيد وثم عمرو، فحرف العطف لا يدخل على حرف العطف.
ولكن يجوز أن تكون الفاء رابطة جوابًا لشرط مقدم تقديره: أو إن لم ترفع فجر، وعلى هذا فتكون الفاء رابطة للجواب المحذوف شرطه.
وقوله: (فجر بالبا ودون ذا انضمام الحا كثر).
(انضمام): مبتدأ، وهو مضاف و(الحاء) مضاف إليه.
و(كثر): فعل ماض، والجملة خبر المبتدأ.
و(دون ذا) متعلق بكثر.
أي: وانضمام الحاء كثر دون ذا في حبذا، يعني: أنك تقول: حَبذا بالفتح، وتقول: حُب زيد أو حُب بزيد.
وخلاصة الكلام: أن (حب) يؤتى بها لإنشاء المدح كما يؤتى بنعم، ولكن إن كان فاعلها (ذا) فهي بفتح الحاء، وإن كان فاعلها غير ذا فهي على الأكثر بضم الحاء.
ثم نقول: إن كان فاعلها ذا؛ فإنه لا يجر بالباء، وإن كان فاعلها غير ذا جاز جره بالباء، فإذا قلنا: حب بزيد؛ فنقول: حُب: فعل ماض مبني على الفتح، وهو مبني للفاعل؛ لأن حُبّ في هذا المكان أصله حَبُبَ، لكن نقلت الضمة إلى الحاء على غير القاعدة التصريفية، فلما نقلت الضمة من الباء صارت ساكنة، وبعدها باء متحرك من جنسها فتدغم فيها، ولهذا قلنا: حُبَّ.
فإذا قلت: حُبّ بزيد، (حب) فعل ماض مبني للفاعل، فهذا إناء للمدح.
لكن لو أردت أن تخبر عن زيد بأنه محبوب فقلت: حُبَّ زيد، فتعرب (حب): فعلًا ماضيًا مبنيًا للمجهول؛ لأنك تريد أن تخبر بأنه محبوب لا أن تنشئ الثناء عليه بحب، فبينهما فرق، وهذا من دقائق اللغة لا يفهمه إلا إنسان يفهم المعاني.
لكن إذا قلت: حب بزيد، فلا يجوز أن يكون نائب فاعل بكل حال، إنما المراد به إنشاء المدح؛ لأن الباء منعت أن يكون زيد نائب فاعل.
[ ٤٧ / ١٤ ]