العطف قسمان: عطف بيان وعطف نسق، وكلاهما يتبع متبوعه في الإعراب، وعطف النسق له حروف تسمى حروف العطف، فمنها ما يعطف لفظًا ومعنى ومنها ما يعطف لفظًا فقط.
[ ٥٢ / ١ ]
عطف البيان
[ ٥٢ / ٢ ]
تعريف عطف البيان
قال رحمه الله تعالى: [العطفُ إما ذو بيان أو نسق والغرض الآن بيانُ ما سبق فذو البيان تابع شبه الصفه حقيقة القصد به منكشفة] قوله ﵀: (العطف).
تقدم أن العطف معناه الثني، فثني الشيء على الشيء يسمى عطفًا، ومنه عطف طرفي الحبل بعضهما إلى بعض.
أما هنا فإن العطف قد بينه المؤلف بقوله: (إما ذو بيان أو نسق).
فالعطف ينقسم إلى قسمين: عطف بيان، وعطف نسق.
فما كان بواسطة الحرف فهو عطف نسق، مثل جاء زيدٌ وعمرو، فقولنا: (عمرو)، هذا عطف نسق.
وما كان بغير واسطة الحرف فهو عطف بيان.
قال: (والغرض الآن): (الآن) تقدم أنها ظرف للإشارة إلى الزمان الحاضر، كما أن هنا ظرف للإشارة إلى المكان الحاضر، فالآن ظرف مبني على الفتح في محل نصب.
وقوله: (الغرض الآن)، أي: في هذا الباب، (بيان ما سبق).
الذي سبق هو عطف البيان، فقدم المؤلف الكلام على عطف البيان لأنه أقل، ولأنه أشبه بالنعت، فكان أولى أن يكون أقرب إليه، وقد فصل بينه وبين النعت بالتوكيد، وإنما فصل بينه وبين النعت بالتوكيد لأن التوكيد في الحقيقة مؤكد لذات الشيء.
قال: (فذو البيان) أي: فعطف البيان، تعريفه: (تابع شبه الصفة).
فقولنا: (تابع) جنس يدخل فيه جميع التوابع.
وقولنا: (شبه الصفة)، خرج به النعت؛ لأن مشابه الشيء ليس هو الشيء، فهو يشبه النعت في بيان متبوعه، لكنه يخالف النعت في أنه جامد، والنعت مشتق أو مؤول به، ويظهر ذلك بالمثال: تقول: جاء أبو حفص الفاروق، فـ الفاروق: صفة لـ أبي حفص، وتقول: جاء أبو حفص عمر، فـ عمر عطف بيان وليس بصفة؛ لأن عمر علم جامد، لكن الفاروق مشتق، ولهذا قال المؤلف: (تابع شبه الصفة)، أي: وليس بصفة.
وقوله: (حقيقة القصد به منكشفة) خرج بهذا بقية التوابع؛ لأن التوابع لا تنكشف بها حقيقة القصد، فكل تابع مستقل، والنعت قد تتبين به حقيقة القصد لكنه مشتق كما سبق، أما بقية التوابع فليست كذلك.
[ ٥٢ / ٣ ]
ما يتبع فيه عطف البيان متبوعه
[فأوليَنه من وفاق الأول ما من وفاق الأول النعت ولي] (أولينه) يعني: أعطه، (من وفاق الأول) الأول المتبوع.
وقوله: (ما من وفاق الأول النعت ولي).
يعني: ما أعطي النعت من وفاق الأول.
وإعراب البيت كما يلي: (أولينه): فعل أمر والهاء مفعول أول.
وقوله: (ما من وفاق)، (ما): هي المفعول الثاني.
وقد سبق أن النعت يتبع المنعوت في أربعة من عشرة: في واحد من أوجه الإعراب، وفي واحد من التعريف أو التنكير، وفي واحد من الإفراد وفرعيه، وفي واحد من التذكير والتأنيث.
وهذا أيضًا يتبع في أربعة من عشرة، مثلًا: إذا كان المتبوع مرفوعًا صار عطف البيان مرفوعًا، وإذا كان المتبوع منصوبًا صار عطف البيان منصوبًا، وإذا كان مفردًا صار عطف البيان مفردًا، وإذا كان مؤنثًا صار عطف البيان مؤنثًا، والعكس بالعكس.
وفهمنا من قول المؤلف إنه يعطى أحكام النعت بالتبعية أنه يجوز أن يكون عطف البيان بين نكرتين، وإلى هذا أشار بقوله: [فقد يكونان منكرين كما يكونان معرفين] فقاس المختلف فيه على المتفق عليه.
والنحويون: بصريهم وكوفيهم اتفقوا على أن عطف البيان يكون بين معرفتين؛ لأنه يفيد التخصيص، فتقول مثلًا: جاء أبو بكر عبد الله بن أبي قحافه، أبو بكر معرفة وهو المتبوع، وعبد الله معرفة وهو التابع.
هل يكون بين نكرتين؟
الجواب
نعم، وهذا ما ذهب إليه ابن مالك مع أن ابن مالك يعد من البصريين لكنه بصري مجتهد يميل إلى ما يراه هو الصواب؛ ولهذا مذهب الكوفيين ومنهم ابن آجروم أنه يقع عطف البيان بين نكرتين، فوافقهم على هذا، واستشهدوا لذلك من القرآن، فقالوا: إن الله ﷾ يقول: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] (ماء) نكرة، ونوع الماء صديد، وصديد اسم جامد، ومع ذلك صار عطف بيان.
والبصريون يجيبون على الآية فيقولون: هذا بدل.
وسيأتينا أن ضابط البدل: هو الذي لو حذف المبدل منه قام مقامه، فلو قال ﷾: ويسقى من صديد، استقام الكلام، فهو إذًا بدل وليس عطف بيان.
أما هؤلاء فيقولون: نحن نقول: إنه يجوز أن يكون بدلًا، لكن يجوز أيضًا أن يكون عطف بيان.
وكذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥] فزيتونة عطف بيان؛ لأن (زيتونة) ليست مشتقًا فهي عطف بيان.
وأولئك يقولون: إنها بدل؛ لأنه لو قال: يوقد من زيتونة مباركة لصح.
لكن نقول: هي أيضًا عطف بيان.
ويقولون: إن المراد بعطف البيان أنه يبين متبوعه ويخصصه ويميزه من غيره، والنكرة لا تبين النكرة.
والرد عليهم بسيط جدًا، وهو: أن النكرة الموصوفة أو المبينة مخصصة، فبدلًا من أن نقول: (من ماء) ونطلق ويكون صالحًا لكل ماء، ميز هذا الماء بقوله: (صديد).
وبدلًا من أن (شجرة مباركة) عامة لكل شجرة مباركة خصصها بقوله: زيتونة.
فالتخصيص حتى في النكرات موجود.
فإذًا: دليلهم ليس بصحيح؛ ولهذا مشى ابن مالك على هذا القول وهو أنه يجوز أن يكون عطف البيان ومتبوعه نكرتين.
[ ٥٢ / ٤ ]
متى يمتنع أن يكون عطف البيان بدلًا
قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [وصالحًا لبدلية يرى في غير نحو يا غلام يعمرا] القاعدة: أن كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدلًا، والعكس بالعكس إلا في بعض أنواع البدل كما سيأتينا، وهي: بدل الغلط، وبدل البعض، وبدل الشمول، فلا يمكن في هذه الأنواع أن تكون عطف بيان، إنما المقصود بدل الكل من الكل، فقوله: (صالحًا لبدلية) ليس على إطلاقه، إنما المراد بدلية كل من كل، فيجب أن يقيد بهذا.
وإعراب (صالحًا) مفعول مقدم ليرى، يعني: أنَّ أي عطف البيان صالح لأن يكون بدل كل من كل، إلا في مسائل، قال: (في غير نحو يا غلام يعمرًا).
قد يظن أن الغلام مضافة إلى يعمر، وليس الأمر كذلك، فلو كان مضافًا لم يكن عندنا بدل أو عطف بيان.
و(غلام): نكره مقصودة منادى مبني على الضم.
و(يعمر) عطف بيان لغلام منصوب بالفتحة الظاهرة.
وهنا (يعمر) لا يصلح أن نجعله بدلًا من (غلام)؛ لأن البدل هو الذي يصح أن يحل محل المبدل منه، ولا يصلح أن يحل يعمر محل غلام؛ لأنه منصوب، فلو قلت: يا يعمرَ! لا يصح ويكون لحنًا، لأن حقه البناء على الضم عند النداء.
فالقاعدة: أنه إذا وجد منادى مبني على الضم، وبعده مفرد معرفة معرب؛ فإنه لا يصح أن يعرب بدلًا.
فإذا قلنا: يا غلام يعمرَ، قلنا: يعمر لا بد أن تكون عطف بيان، ولا يصح أن تكون بدلًا.
وإذا قيل: ما وجه نصبها إذا كانت عطف بيان؟ نقول: لأنها كالصفة في الإعراب، وصفة المنادى يجوز أن تنعت على محله لا على لفظه، ومحل المنادى هو النصب، فنقول: (يعمرَ) بدل من غلام تابع لمحله.
المسألة الثانية: قال: [ونحو بشر تابع البكري وليس أن يبدل بالمرضي] يشير إلى قول الشاعر: أنا ابن التارك البكري بشر عليه الطير ترقبه وقوعًا.
تقدم لنا في باب الإضافة أنه لا يضاف المحلى بأل إلا إذا كان وصفًا مضافًا لما فيه أل أو مضافًا إلى مضاف إلى ما فيه أل.
فالتارك: اسم فاعل محلى بأل مضاف إلى البكري وهو محلى بأل، فالإضافة صحيحة، و(بشر) علم لا يصح أن يضاف إليه ما فيه أل؛ فنعربه عطف بيان للبكري ولا يصح أن نجعله بدلًا؛ لأنه لو أزيل المتبوع وجعل التابع مكانه لم يصح.
ثم أشار المؤلف إلى رد قول بعض النحويين الذين يجوزون إضافة اسم الفاعل المحلى بأل إلى العلم وإن لم يكن فيه أل.
فقال: (وليس أن يبدل بالمرضي).
المعنى: وليس أن يجعل بدلًا بالقول المرضي، أي: لا نقبل أن يكون بدلًا.
وخلاصة القول في البيتين: أن كل عطف بيان يصح أن يكون بدلًا، إلا إذا كان هذا الذي هو عطف بيان لا يصح أن يحل محل التابع لأي سبب من الأسباب، سواء ما ذكر المؤلف وغيره.
[ ٥٢ / ٥ ]
عطف النسق
[ ٥٢ / ٦ ]
تعريف عطف النسق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عطف النسق] العطف تقدم لنا أنه الثني، ومنه ثني الرداء بعضه إلى بعض.
وأما النسق فإنه في اللغة: التتابع.
تقول: جاءوا على نسق واحد، أي: متتابعين.
وأما عطف النسق في الاصطلاح فقد قال فيه المؤلف: [تال بحرف متبع عطف النسق كاخصص بود وثناء من صدق] أي: ما تبع غيره بواسطة الحرف فهذا هو عطف النسق.
ولكن المؤلف اشترط فقال: (بحرف متبع)، احترازًا من الحروف غير المتبعة؛ لأنه قد يتلو فاء السببية، وحرف الجر ولا يكون معطوفًا.
وحروف الإتباع معروفة عند العلماء بالتتبع والاستقراء لكلام العرب، فوجدوا أن هذه الحروف إذا جاءت بين كلمتين جعلت الثانية تابعة للأولى، إذًا فالعطف لابد فيه من واسطة بين التابع والمتبوع، وهي حرف العطف.
وإعراب ما أشكل في البيت كما يلي: (تالٍ): خبر مقدم مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، وأصله (تالي)، لكن حذفت الياء وبقي الكسر.
قال: (اخصص بود)، الود معناه خالص المحبة، وليس مطلق المحبة.
(وثناء)، الثناء: المدح بالصفات الحميدة، ويطلق على المدح مطلقًا حتى على غير الخصال الحميدة، وفي الحديث (اثنوا عليه شرًا وأثنوا عليه خيرًا)؛ لكن المراد هنا الخير.
والمعنى: لا تحب إلا من صدق، ولا تثن إلا على من صدق، صدق في قوله وفعله وقصده؛ فالصدق في القصد هو الإخلاص، وفي القول هو الإخبار بما يطابق الواقع، وفي الفعل أن يكون موافقًا لما في قلبه، هذا هو الصادق في الفعل، ومنه في الشرع اتباع النبي ﵊.
ويقصد ابن مالك ذلك كلَّه.
[ ٥٢ / ٧ ]
حروف العطف لفظًا ومعنى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالعطف مطلقًا بواو ثم فا حتى أم او كفيك صدق ووفا] يقول أهل العلم: إذا رأيت كلام العلماء مطلقًا فانظر إلى الذي قبله وإلى الذي بعده؛ لأنه مطلق من قيد سابق أو لاحق، وهذا البيت مطلق من قيد لاحق؛ لأن قوله بعده: (وأتبعت لفظًا فحسب) يبين لنا ما هو معنى الإطلاق.
إذًا فالعطف مطلقًا، يعني: لفظًا ومعنى، وعرفنا ذلك من قوله فيما بعد: (وأتبعت لفظًا فحسب بل ولا) فالعطف مطلقًا بواو مثل: جاء زيد وعمر، رأيت زيدًا وعمرًا، مررت بزيد وعمر.
قوله: (بواو ثم فا) (ثم) معطوفة على الواو بإسقاط حرف العطف، أي: بواو وثم فليست ثم حرف عطف، وإنما هي مما بين أنها من حروف العطف، وكذلك الفاء، وحتى، وأم، وأو، كلها حروف عطف.
لكن لأجل ضرورة الشعر قال: (حتى أم او) فنقل حركة الهمزة إلى الميم وخفف الهمزة، والأصل: حتى أم أو.
ثم قال: (كفيك صدق ووفاء)، أثنى على الصادق بالوفاء، والشاهد قوله: (ووفا)، فالواو: حرف عطف.
و(وفا): معطوفة على الصدق، والمعطوف على المرفوع مرفوع.
كفيك صدق: الكاف حرف جر، و(فيك صدق ووفاء) كلها مجرورة بالكاف، بقصد اللفظ.
وقد سبق أن ذكرنا للمعربين في ذلك رأيين: الرأي الأول: (الكاف) حرف جر، والجملة كلها مجرورة بالكاف وعلامة جرها الكسرة المقدرة على آخرها منع من ظهورها الحكاية.
والرأي الآخر: أنه على تقدير محذوف، والتقدير: كقولك فيك صدق ووفا.
(فيك) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
(صدق) مبتدأ مؤخر.
[ ٥٢ / ٨ ]
حروف العطف لفظًا فقط
قال ابن مالك: [وأتبعت لفظًا فحسب بل ولا لكن كلم يبد امرؤ لكن طلا] قوله: (أتبعت لفظًا فحسب)، يعني: دون معنى، وهذا محترز قوله فيما سبق: (العطف مطلقًا).
وقوله: (فحسب) مبنية على الضم، والفاء زائدة لتحسين اللفظ، وأصلها: أتبعت لفظًا حسبُ.
و(بل)، و(لا)، و(لكن) حروف عطف، وهي ثلاثة، وتقدم في البيت السابق ستة، فذكر ابن مالك تسعة حروف، وزاد ابن آجروم واحدًا، فأصبحت حروف العطف عنده عشرة، والذي زاده هو (إما)، وابن مالك لا يراها من حروف العطف.
فإذًا: حروف العطف على رأي ابن مالك تسعة: ستة تتبع المعطوف لفظًا ومعنى، وثلاثة تتبعه لفظًا لا معنى.
وقوله: (بل) فاعل أتبعت، والواو حرف عطف و(لا) معطوفة على (بل)، و(لكن) معطوفة على (بل)؛ لكن بإسقاط حرف العطف، أصلها: وأتبعت لفظًا فحسب بل ولا ولكن.
فهذه تتبعه لفظًا لا معنى، تقول: نام الرجل بل الصبي، هذه أتبعت لفظًا، بمعنى: أن الذي نام هو الصبي.
أو تقول: ما نام الرجل بل الصبي، فـ (ما نام الرجل) نفي، (بل الصبي): إثبات.
وكذلك (لا) تقول: جاء زيد لا عمرو، أتبعت باللفظ فقط؛ لأن عمرًا ما جاء.
وكذلك (لكن) مثل: ما قدم زيد لكن عمرو، أتبعت لفظًا دون معنى.
وقوله: (كلم يبد امرؤ لكن طلا).
(لم): حرف نفي وجزم وقلب.
(يبد): فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة وهو الواو، والضمة قبله دليل عليها.
(امرؤ) فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
(لكن): حرف عطف.
(طلا): اسم للظبي، فمعنى لكن طلا يعني: لكن بدا طلا.
فعلى هذا نقول: (لكن) حرف عطف، و(طلا) معطوف على (امرؤ)، والمعطوف على المرفوع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، ويكون المعنى: أن الذي بدا هو الطلا.
[ ٥٢ / ٩ ]
ما يعطف بالواو
قال المؤلف ﵀: [فاعطف بواو سابقًا أو لاحقًا في الحكم أو مصاحبًا موافقًا] الواو هي أم الباب؛ لأنه يعطف بها كل شيء.
والسابق هو المتقدم، واللاحق هو المتأخر، والمصاحب الموافق هو الذي يأتي معه، تقول مثلًا: ولد محمد وابنه، فالسابق محمد، واللاحق ابنه.
وتقول: مر علي رمضان وشعبان وأنا هنا.
فعطفنا سابقًا على لاحق.
ولو قلت: جلست في البلد الفلاني رمضان ثم شعبان، فهذا غلط؛ لأن شعبان هو السابق، ولهذا احتاجوا إلى أن يجيبوا على قول الشاعر: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد بعد ذلك جده فهذا عكس لا يصح.
لكن بعض الناس قال: إن الشاعر يريد أن يقول: أنا ما أردت أن أرتبهم في الوجود، إذ إن ترتيبهم في الوجود أن الجد هو الأول ثم الأب ثم الولد.
لكن أنا أريد أن أرتبهم بما ينتفع به، فينتفع الإنسان أولًا بسيادته بنفسه، ثم بأبيه، ثم بجده.
لكن يتوجه عليه التغليط.
أما إذا قلت: بقيت في هذا المكان رمضان وشعبان، فلا يستطيع أحد أن يغلطك.
وقوله: (أو مصاحبًا موافقًا) أي: جميعًا، كأن تقول: جاء زيد وعلي معًا، أي: جميعًا.
ودخل عليَّ زيد وعلي، فإن كان الباب ضيقًا لا يكون موافقًا، وإن كان الباب واسعًا فهو موافق.
قال ابن مالك: [واخصص بها عطف الذي لا يغني متبوعه كاصطف هذا وابني] المعنى: اخصص بالواو عطف الذي لا يغني متبوعه، وهو: كل ما دل على الافتراق، فهذا لا يكون فيه إلا الواو فقط.
فلا يصح أن تقول: تخاصم زيد ثم عمرو، ولا: تخاصم زيد فعمرو؛ فكل الحروف لا تصلح إلا الواو فتقول: تخاصم زيد وعمر.
ومثال آخر قول ابن مالك: اصطف هذا وابني.
ولو قلت: اصطف هذا ثم ابني، لا يصح.
فكل ما دل على المشاركة فلا يكون العطف فيه إلا بالواو.
[ ٥٢ / ١٠ ]
ما يعطف بالفاء وثم
قال المؤلف: [والفاء للترتيب باتصال وثم للترتيب بانفصال].
أفاد المؤلف ﵀ أن معنى الفاء وثم الترتيب.
فكلاهما للترتيب لكنهما تختلفان، فـ (الفاء) للترتيب باتصال، و(ثم) للترتيب بانقطاع؛ ولهذا نقول: ثم للتراخي.
فإذا قلت: جاء زيد فعمر، فالمدة بينهما قليلة.
وإذا قلت: جاء زيد ثم عمر، فالمدة بينهما كثيرة، لأنها للتراخي.
واعلم أن (الفاء) أيضًا إذا عطفت جملة على جملة أو مشتق فإنها تدل مع ذلك على السببية، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] أي: فقضى عليه بسبب وكزه، فإذا كان العطف عطف جملة على جملة أو مشتق فإنها تفيد مع ذلك السببية، وهي عاطفة في نفس الوقت.
[ ٥٢ / ١١ ]
ما تختص به الفاء
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واخصص بفاء عطف ما ليس صله على الذي استقر أنه الصله] وهذه أيضًا من خصائص الفاء: أنه يعطف بها ما لا يصح أن يكون صلة للموصول على الذي يصح أن يكون صلة للموصول.
وفهمنا أن المراد صلة الموصول لأن الصلة عند الإطلاق هي صلة الموصول.
قول ابن مالك: (ما ليس صلة) أي: ما لا يصح أن يكون صلة.
وقوله: (على الذي استقر أنه الصلة).
أي: على شيء يصح أن يكون صلة؛ لأنها تفيد الارتباط بين الجملتين، ولما كانت تفيد الارتباط بين الجملتين أغنى العطف بها عن وجود عائد يعود على الموصول.
ومعلوم أن جملة صلة الموصول تحتاج إلى رابط أو على الأصح إلى عائد يعود على الموصول، فلو قلت: جاءني الذي قام زيد، لا يصلح؛ لأنه ليس فيها عائد.
لكن لو قلت: جاءني الذي قام -أي: هو- يصح.
أو قلت: جاءني الذي قام أبوه، فهو صحيح لوجود العائد.
ولو قلت: أكرمت اللذين ذهبا.
يصح.
ولو قلت: أكرمت اللذين ذهب عمرو، لا يصح.
ولو قلت: أكرمت اللذين ذهبا فغضب زيد؛ يصلح مع أن غضب زيد ليس فيها ضمير يعود على الموصول، نقول: لأنها عطفت بالفاء.
وقد مثل النحويون بمثال: غريب وهو قولهم: الذي يطير فيغضب زيد الذباب.
والخلاصة: تختص الفاء بأنه يعطف بها ما لا يصح أن يكون صلة على ما يصح أن يكون صلة، ولو جئت بدل الفاء بالواو لما صح؛ فلو قلت: الذي يرعد وينزعج الطلبة الماطور لا يجوز إلا على تقدير حذف عائد في الجملة الثانية، والتقدير: وينزعج منه الطلبة.
أما بدون تقدير عائد فهو لا يختص إلا بالفاء فقط.
والفرق بين الفاء وغيرها كما قلت قبل قليل: أنها تفيد ارتباط الجملتين بعضهما لبعض، ولهذا استدللنا بأن الإخوة مع الأب والأم يحجبونها من الثلث إلى السدس مع أنهم لا يرثون؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء:١١] فهذه مربوطة بالتي قبلها، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١].
إذًا: لو قلنا: بدل الفاء بالواو لا يصح، ولو جئنا بدلها بثم لم يصح، ولو جئنا بدلها بأو لم يصح.
[ ٥٢ / ١٢ ]
العطف على الضمير المتصل المرفوع
قال ابن مالك ﵀: [وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل] (إن) شرطيه، وفعل الشرط قوله: (عطفت)، يعني: (وإن عطفت على ضمير رفع متصل)، وجواب الشرط: (فافصل بالضمير المنفصل).
وقوله: (إن على ضمير رفع) خرج به ضمير النصب وضمير الجر، فلا يثبت لهما هذا الحكم.
وقوله (متصل) دخل فيه البارز والمستتر؛ لأن كليهما متصل، وخرج به الضمير المنفصل فلا يدخل في هذا الحكم.
وقوله: (فافصل): فعل أمر، والأمر للوجوب.
وقوله: (بالضمير المنفصل) أي الضمائر المنفصلة، ويكون الضمير المنفصل الذي يفصل به ضمير رفع، مثال ذلك أن تقول: زيدٌ قام وعمرو؛ تريد أن تعطف عمرًا على الضمير المستتر في قام فيجب أن تقول: زيد قام هو وعمرو.
وفي قولك: قمت وعمرو، يجب أن تقول: قمت أنا وعمرو؛ لأن التاء في (قمت) ضمير رفع متصل، فإن لم أقل: (أنا) فإنني أقول: قمت وعمرًا بالنصب، لتكون واو المعية، وقد أشار إلى هذا ابن مالك في باب المفعول معه حيث قال: (والنصب مختارٌ لدى ضعف النسق).
إذًا: نقول: إذا عطفت على ضمير رفع متصل فأت بالضمير المنفصل، فإن لم تأت به فاعدل عن العطف إلى النصب لتكون الواو واو المعية، ويكون ما بعدها مفعولًا معه.
وقوله: (ضمير رفع متصل) فلو كان ضميرًا منفصلًا؛ فإنه لا يجب الفصل بضمير منفصل، والسبب أنه لو عطفنا بالضمير المنفصل لما أتينا به ثانيًا؛ إذ إن الضمير المنفصل معنا من قبل، فتقول: ما قام إلا أنا وعمرو.
فـ (أنا): فاعل قام، (وعمرو): الواو حرف عطف، وعمرو معطوفة على الضمير أنا، والمعطوف على المرفوع مرفوع.
وإعراب قولنا: قمت أنا وزيد: (قمت): فعل وفاعل.
(أنا): توكيد للتاء في قمت مبني على السكون في محل رفع، وهذا توكيد لفظي.
(وزيد): الواو حرف عطف، وزيد: معطوف.
وإذا قلت: زيدٌ قام هو وعمرو، فـ (هو): توكيد أيضًا للضمير المتصل وليس هو الفاعل، ونقول: (زيدٌ): مبتدأ.
و(قام): فعل ماض، وفاعله مستتر جوازًا تقديره هو.
و(هو): توكيد للضمير المستتر.
و(عمرو): معطوفة على الضمير المستتر في قام.
وقوله: (عطفت فافصل بالضمير المنفصل) المراد بالضمير المنفصل ضمير الرفع، فـ (أل) هنا تكون للعهد، أي: بالضمير الذي هو للرفع.
قال ابن مالك: [أو فاصل ما وبلا فصل يرد في النظم فاشيًا وضعفه اعتقد] المعنى: أو افصل بأي فاصل حتى وإن لم يكن ضمير الرفع المنفصل، فتقول مثلًا: قمت مسرعًا وزيد، ففصلنا بفاصل أجنبي وهو الحال.
وقولنا: جلست في المسجد وعمرو، مثلها؛ لأننا فصلنا بالجار والمجرور، وابن مالك يقول: فافصل بالضمير أو بأي فاصل.
قوله: (وبلا فصل يرد في النظم): يعني: وقد يرد العطف على ضمير الرفع المتصل بدون فصل لا بضمير ولا بغير ضمير، لكن ذلك في النظم فاش، أي: كثير.
لكن (وضعفه اعتقد) يعني: وإن كان واردًا فاعتقد أنه ضعيف العطف، والأقوى والراجح النصب على المعية، قال الشاعر: قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الفلا تعسفن رملا والشاهد في قوله: (إذ أقبلت وزهرٌ) فزهر معطوفة على الضمير المستتر في أقبلت وبدون فاصل، وكان الأولى للناظم أن يقول: إذ أقبلت هي.
وقول الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، من هذا الباب، فإعراب (اسكن) فعل أمر وفاعله مستتر وجوبًا تقديره أنت، و(أنت) توكيد للضمير المستتر، و(الواو): حرف عطف و(زوج) معطوفة على الضمير المستتر في (اسكن).
وقوله: (وضعفه اعتقد): ضعف: مفعول به مقدم، والضمير مضاف إليه، و(اعتقد) فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت.
[ ٥٢ / ١٣ ]
العطف على الضمير المخفوض
قال المؤلف ﵀: [وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازمًا قد جعلا وليس عندي لازمًا إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا] (عودُ): مبتدأ خبره جملة: (قد جُعل).
(ولازمًا) المفعول الثاني لجُعل مقدم، ونائب الفاعل في جُعل مستتر هو المفعول الأول.
والخافض يشمل ما إذا كان الخافض حرفًا وما إذا كان الخافض اسمًا، فإنه يجب إعادته إذا عطف على الضمير المتصل المجرور، وفي البيتين الأولين يتكلم على العطف على ضمير رفع، فأفادنا أنه إن كان متصلًا وجب الفصل بين حرف العطف والضمير، وإن كان منفصلًا لم يجب الفصل.
ثم انتقل إلى ضمير الجر ولا يكون ضمير الجر إلا متصلًا.
فيقول: إذا عطفت على ضمير مجرور؛ فإنه يجب عليك أن تعيد الجار سواء كان اسمًا أو كان حرفًا.
ومثال ذلك أن تقول: مررت بك وبزيد، ولا يجوز أن تقول: مررتُ بك وزيدٍ.
وتقول: زرت المسجد فجلست فيه وفي البيت، ولا تقول: جلست فيه والبيت.
ومثال الجر بالاسم قولنا: هذا غلامك وغلام زيد، ولا نقول: هذا غُلامك وزيدٍ.
يقول: (وليس عندي لازمًا) هذا اختيار لـ ابن مالك، والتعليل: (إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا)، وما دام قد جاء في النظم والنثر الصحيح البليغ فكيف يجب؟! وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فقال: «وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» ولم يقل: وبالمسجد الحرام.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، على قراءة الجر (والأرحامِ) والتقدير: وبالأرحام.
لكن المقدر ليس كالموجود، وكل عطف فهو على تقدير إعادة العامل، فإذا قلت: قام زيد وعمرو، فالتقدير: وقام عمرو.
إنما الكلام على أن ابن مالك ﵀ يقول: أنا لا أرى أنه يجب إعادة الخافض الجار؛ لأنه ورد في القرآن الكريم، وهو أصح الكلام.
ولكن المشكل أن المتعصب لمذهب يحاول أن يحرف فيقول: الواو في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ [النساء:١].
حرف قسم، فالله يقسم بالأرحام.
وهذا بعيد، بل هو يخبر ويقول: اتقوا الله الذي تساءلون به وتساءلون بالأرحام.
ومن أمثلة ذلك قول الشاعر: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيامِ من عجب يعني: فما بك وبالأيام من عجب.
وهذا البيت يمكن أن يؤول فيقال: الواو حرف قسم، يعني: أنه أقسم بالأيام، ولكن الأصل خلاف ذلك.
وخلاصة الدرس: إذا عطفنا على ضمير رفع متصل وجب الفصل إما بضمير منفصل أو غيره؛ لقول ابن مالك: (أو فاصل ما).
وإذا عطفنا على ضمير مجرور وجب إعادة الجار على المشهور من كلام النحويين ولا يجب عند ابن مالك وهو الصحيح.
وإذا عطفنا على ضمير منصوب -وهذا لم يذكره المؤلف- فنقول: المسكوت عنه معفو عنه، فإذا عطفت عليه فلا تعد الناصب، ولا يجب عليك الفصل، فتقول: أكرمتك وزيدًا، أو أكرمتني وصديقي، فهذا يصح، وليس لازمًا أن نقول: أكرمتني وأكرمتَ صديقي، ولا: أكرمتك وأكرمت زيدًا.
[ ٥٢ / ١٤ ]
حذف الفاء والواو مع معطوفه إذا دل عليه دليل
قال ابن مالك: [والفاء قد تحذف مع ما عطفت والواو إذ لا لبس وهي انفردت].
يعني: تحذف الفاء مع معطوفها، ولكن بشرط أن يؤمن اللبس، فإن لم يؤمن اللبس لم يجز الحذف، وقد ذكر ابن مالك قاعدة في هذا مفيدة وهو قوله: (وحذف ما يعلم جائز) وهي قاعدة من أصول النحو.
فإذا علم المعطوف فإن الفاء قد تحذف مع معطوفها، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، قالوا إن التقدير: فأفطر، فحذفت الفاء ومعطوفها، وهذا لا لبس فيه؛ لأنه من المعلوم أنه لا تجب العدة إلا أذا أفطر، أما إذا صام فلا عدة.
كذلك أيضًا الواو قد تحذف مع معطوفها؛ لكن بشرط ألا يوجد لبسٌ، ومثاله: راكب الناقةِ طَلِيحان، والتقدير: راكب الناقة والناقة طليحان، يعني: ضعيفان.
قالوا: والدليل على أنه محذوف أن (طليحان) مثنى وراكب الناقةِ مفرد، ولا يخبر بالمثنى عن المفرد، أي: فهناك شيء محذوف.
وقوله: (والواو إذ لا لبس وهي انفردت) يعني: أن الواو انفردت عن بقية حروف العطف بعطف عامل مزال قد بقى معموله، فيكون العامل محذوفًا والمعمول باقيًا، ومثلوا لذلك بقول الشاعر: إذا ما الغانيات برزت يومًا وزججن الحواجب والعيونا والتزجيج معناه: أنها تقص منها حتى تكون كالزج وهو طرف الرمح، ولكن العيون لا تزجج، فيكون التقدير: زججن الحواجبَ وكحلنا العيون.
ومنه قول الشاعر: علفتها تبنًا وماء باردًا حتى غدت همالة عيناها والتقدير: وسقيتها ماء باردًا، فحذف العامل وبقي المعمول.
قالوا: ومنه قوله تعالى: «اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ» [البقرة:٣٥].
فقالوا: لأن زوج لا تصلح أن تعطف على الضمير في اسكن؛ لأن (اسكن) فعل أمر ولا يمكن أن يكون فاعله ظاهرًا، فإذا لم يمكن أن يكون فاعله ظاهرًا فإنه يعطف عليه ظاهر، والتقدير: اسكن أنت وليسكن زوجك الجنة.
وهذا لا شك أنه تكلف.
وقال بعضهم: إنه لا شاهد في قوله: (زججن الحواجب والعيون) لأن التزجيج مضمن معنى التحسين، وحينئذ لا حاجة إلى أن نقدر فعلًا.
وكذلك أيضًا قال: (علفتها تبنًا وماء باردًا)، يضمن معنى: أطعمتها، والماء مطعوم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩].
وقوله: (دفعًا لوهم اتقي (تعليل لتقدير المحذوف، يعني: إنما قدرنا المحذوف لدفع الوهم المستفاد من جعله معطوفًا على الموجود، فقوله: (زججن الحواجب والعيونا) إذا لم نقدر (وكحلنا العيون) توهم الواهم أن العيون تزجج وليس كذلك.
وقوله: (وعلفتها تبنًا وماء باردًا) إذا لم نقل: (وسقيتها)، توهم السامع أن الماء يعلف، وليس كذلك.
فقول المؤلف: (دفعًا لوهم اتقي) ليس تعليلًا للحذف، وإنما هو تعليل لتقدير المحذوف.
[ ٥٢ / ١٥ ]
قد يحذف المعطوف عليه إذا دل عليه دليل
قال ابن مالك: [وحذف متبوع بدا هنا استبح وعطفك الفعل على الفعل يصح].
في باب العطف عندنا تابع ومتبوع، فالمتبوع هو المعطوف عليه، والتابع المعطوف وابن مالك يقول: المتبوع إذا كان ظاهرًا فاستبح حذف المتبوع إذا كان ظاهرًا بينًا.
ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا﴾ [غافر:٢١]، وقالوا: إن التقدير (فغفلوا ولم يسيروا في الأرض) فهنا حذف المتبوع وأبقى التابع.
وقد سبق لنا أن لعلماء النحو في مثل هذا التركيب وجهين: أحدهما: ما ذكر أن الهمزة داخلة على محذوف مقدر بحسب السياق.
الثاني: أن الهمزة مقدمة وأن محلها بعد العاطف، لكن قدمت لأن لها الصدارة، وأن هذه الجملة استفهامية معطوفة على ما سبق وأن أصل (أولم يسيروا): (وألم يسيروا) فلا يكون هناك شيء محذوف.
وقلنا فيما سبق: إن هذا الرأي أرجح؛ لأننا نسلم به من التقدير؛ ولأنه في بعض الآيات لا تستطيع أن تقدر شيئًا، وهذا الشيء المقدر إنما يقدر مما يفهم من السياق، وإذا كان السياق سيفهمنا إياه فلا حاجه إلى تقديره.
فقوله تعالى: «أَوَ لَمْ يَسِيرُوا» الاستفهام للتوبيخ ولا توبيخ إلا على غفلة، فتكون الغفلة مستفادة من مجرد الاستفهام وحينئذ لا نحتاج إلى تقدير، وأهم شيء عندي في هذا الموضوع هو أنه أحيانًا يعييك التقدير فلا تستطيع أن تقدر الكلام، وحينئذ فنقول: الأرجح أن تكون الهمزة من بعد الواو، لكنها قدمت عليها؛ لأن همزة الاستفهام لها الصدارة.
لكن المؤلف ﵀ يرى أنها من هذا النوع، وهم مثلوا بهذه الآية.
قوله: (وعطفك الفعل على الفعل يصح).
(عطف) مبتدأ، و(الفعل) مفعول للمصدر، والمعنى: وإن تعطف الفعل على الفعل فهو صحيح.
لكن هل العطف على الجملة، أم العطف على الفعل؟ يقال: العطف على الفعل، والدليل على ذلك أنك إذا عطفت فعلًا على فعل مجزوم جزمت، وهذا دليل على أن الفعل هو الذي يعطف، فتقول مثلًا: (إن تجتهد وتعرف الإعراب تنجح في النحو)، فقوله: (وتعرف) معطوف على (تجتهد)، والدليل على ذلك أنه مجزوم.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩]، فعطف (يخلد على (يضاعف).
[ ٥٢ / ١٦ ]
جواز عطف الفعل على الاسم المشبه للفعل والعكس
قال المؤلف ﵀: [واعطف على اسم شبه فعل فعلا وعكسًا استعمل تجده سهلا] الاسم الذي يشبه الفعل هو اسم الفاعل، واسم المفعول وما أشبهه، يقول ابن مالك: يجوز أن تعطف على اسم يشبه الفعل فعلًا، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا﴾ [الحديد:١٨].
وكذلك قولهم: إن الراكب واستوى على بعيره زيد، يعني: إن الذي ركب واستوى على بعيره زيد.
وكذلك: إن المركوب ويؤكل البعير، والتقدير: إن الذي يركب ويؤكل البعير.
وقوله: (وعكسًا استعمل تجده سهلًا) فالعكس ما يشبه الفعل على الفعل ومثاله: إن الذي ركب والمستوي على بعيره زيد.
ومنه قول الشاعر: فألفيته يومًا يبير عدوه ومجر عطاء يستحق المعابرا (يبير) يعني: يهلك عدوه، و(مجرٍ): وأصله ومجريًا عطاءً، لكن حذفت الياء لضرورة الشعر، وإلا فيجب أن ينصب بالفتحة.
فقوله: (ومجر) معطوفة على (يبير)، التي محلها النصب مفعولًا ثانيًا لألفيته؛ لأن (ألفيت) بمعنى: وجدت، وعلى هذا فيكون مجر معطوفة على الفعل.
الحاصل أن ابن مالك ﵀ يقول: إن الأفعال يعطف بعضها على بعض، وإن الفعل يعطف على اسم مشبه للفعل، وإن الاسم المشبه للفعل يعطف على الفعل، والأسماء يعطف بعضها على بعض وهو الأصل.
[ ٥٢ / ١٧ ]