الاختصاص يشبه النداء لكن يمتنع أن يجيء فيه حرف النداء، ويكون المخصوص منصوبًا بفعل محذوف.
والإغراء والتحذير من الأساليب البليغة في اللغة العربية، والمحذر منه أو المغرى به يكون منصوبًا بفعل محذوف وجوبًا، وقد يكون الحذف جائزًا.
[ ٥٩ / ١ ]
الاختصاص
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاختصاص الاختصاص كنداء دون يا كأيها الفتى بإثر ارجونيا].
الاختصاص بالشيء معناه: الانفراد به وقصر الحكم عليه، تقول: اختصصت بكذا بمعنى: انفردت به، ولهذا يقال: هذا مالك الخاص، وهذا بيتك الخاص، وهذا الكتاب خاص بفلان، أي: أنه منفرد به عن غيره ومقصور عليه.
ومعنى الاختصاص في الاصطلاح قريب من المعنى اللغوي؛ لأن المتكلم يقصر الحكم على نفسه، وله شروط أفادها المؤلف بقوله: الاختصاص كنداء دون يا كأيها الفتى بإثر ارجونيا (ارجونيا) أصله ارجوني، فالألف هنا للإطلاق، تقول: ارجوني أيها الفتى، و(أيها الفتى) للمتكلم، والاختصاص لا بد أن يكون مسبوقًا بشيء سواء بجملة أو بغير جملة، وأما النداء فلا يشترط، تقول: يا محمد، يا بكرُ، يا خالدُ، يا عمرو، وما أشبه ذلك.
وأما الاختصاص فلابد أن يسبقه شيء، كأن تسأل الله ﷿ أن يرحمك فتقول: يا رب اغفر لي عبدَك الضعيف، وما أشبه ذلك، فأنت تتذلل له.
الإعراب: ارجوني: ارجوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والواو فاعل للجماعة، مثل قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وارجوني على وزن ادعوني.
أيها: أي: مفعول لفعل محذوف تقديره: أخص أيها الفتى، ولا تقل: يا أيها الفتى؛ لأنها ليست منادى، وهذا من الغريب؛ لأنك لو قلت إنها منادى فإنه ليس من العادة أن الإنسان ينادي نفسه، لكن لو قلت: أخص أيها الفتى، صح، ولهذا يقولون: (أي) مفعول به مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه.
الفتى: صفة لأي تابع للفظه، وإنما قلنا: تابع للفظه؛ لأننا لو أبدلنا الفتى الذي هو مقصور باسم صحيح الآخر وقلنا: ارجوني أيها الرجلُ، اتباعًا للفظ، فيكون الرجل صفة لأي تابعًا للفظه، فهو مبني على الضم في محل نصب.
إذًا: فهمنا أن الاختصاص مثل النداء لكنه يختلف عنه بأمور: أولًا: أنه لا بد أن يكون مسبوقًا بشيء؛ لقول المؤلف: (بإثر).
ثانيًا: أنه لا يقترن بياء النداء؛ لقوله: (دون يا).
ثالثًا: أنه يكون للمتكلم ومعه غيره.
وقوله: (ارجوني أيها الفتى) للمتكلم.
قوله: (وقد يرى) فيها نائب فاعل يعود على الاختصاص، أي: قد يرى الاختصاص دون أي تلو أل؛ لأن المثال الذي ذكره المؤلف فيه (أي) (أيها الفتى) لكن قد يرى دون أي تلو أل، أي مقرونًا بأل، مع أنه لو كان نداء لما اقترن بأل؛ لأن المنادى لا يقرن بأل وإلا جيء بأي قبله كما سبق.
مثاله: (نحن العرب أسخى من بذل).
نحن: مبتدأ، وخبرها: أسخى.
العرب: منصوبة على الاختصاص، والمعنى: نحن أخص العرب أسخى من بذل.
إذًا: عندنا الآن ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يكون الاختصاص مقرونًا بأي.
الصورة الثانية: أن يكون معرفًا بأل دون أي.
الصورة الثالثة: أن يكون مضافًا، مثل قول الرسول ﵊: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث).
نحن: مبتدأ، وجملة (لا نورث) خبره.
معاشر الأنبياء: منصوب على الاختصاص، أي: نحن أخص معاشر الأنبياء لا نورث.
فصار الآن كأن الاختصاص يفسر الضمير السابق وهو (نحن) من (نحن العرب) فالعرب فسرت الضمير (نحن)، والياء من (ارجوني أيها الفتى)، ونحن من (نحن معاشر الأنبياء)، ولهذا قلنا: لابد أن يسبقه ضمير إما للمتكلم أو للمتكلم معه غيره، حتى يكون كالتفسير له.
إذًا صور الاختصاص ثلاث: أن يقرن بأي، وأن يقرن بأل، وأن يضاف، وكله يكون منصوبًا بفعل محذوف تقديره: أخص.
قوله: (نحن العرب أسخى من بذل)، هذا صحيح، فإنه لا يوجد في الأمم أكرم من العرب أبدًا، ولا أزكى نسبًا ولا أطيب محتدًا من العرب، ولهذا كان الرسول ﵊ الذي هو أفضل الرسل من العرب، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فلولا أن هذه الأمة -أمة العرب- خير الأمم ما جعله الله منها، ولكن بعد الإسلام صار خير الناس المسلمين، سواء من العرب أو من غير العرب، ولكن يزداد المسلم العربي طيبًا إلى طيبه.
[ ٥٩ / ٢ ]
التحذير والإغراء
[ ٥٩ / ٣ ]
أنواع التحذير وأحكامه
قوله: (إياك والشر ونحوه نصب) إياك والشر: مفعول مقدم لنصب على أنه مراد به لفظه.
ونحوه: الواو حرف عطف، نحو: معطوف على (إياك والشر) على أنه يريد به اللفظ؛ لأن (إياك والشر) بمعنى: هذا اللفظ، أو هذا التركيب ونحوه.
(نصب محذرًا) أي: أن المحذر نصب (إياك والشر) وما أشبهه، مثل: إياك والأسدَ، إياك والرياء، إياك والخنا، إياك والغيبة، وما أشبه ذلك.
وقوله: (بما) أي: نصبه بعامل، فـ (ما) هنا نكرة موصوفة، (استتاره وجب) عبر هنا بالاستتار على سبيل التسامح؛ لأن المراد بالاستتار هنا الحذف، والاستتار -كما هو معلوم- إنما يكون في الضمائر، وهذا الذي معنا من باب الحذف وليس من باب الاستتار، فهو من باب التسامح، أو من باب استعمال الاستتار في غير معناه الاصطلاحي، بل في معناه اللغوي، فمراده بما استتاره وجب أي: بما وجب حذفه.
ولذلك فإعراب (إياك والشر) يقولون: إياك: مفعول لفعل محذوف وجوبًا تقديره: أحذر، وأصل التركيب (أحذرك)، فالضمير في (أحذرك) ضمير متصل، ولما حذفنا الفعل لم نجد شيئًا يتصل به الضمير، فاضطررنا إلى فصل الضمير وقلنا: إياك، فعلى هذا يكون (إياك) ضميرًا منفصلًا مبنيًا على السكون في محل نصب بعامل محذوف والتقدير: أحذر، وإن كان الظاهر في كلام الشارح (احذر) لكن الصواب: أُحذر.
والأسد: الواو: حرف عطف، الأسد: مفعول لفعل محذوف أيضًا، وليس معطوفًا على (إياك)؛ لأنه لو قلنا إنه معطوف على (إياك) لفسد المعنى، وصار المعنى: أحذرك وأحذر الأسد، وهذا لا يستقيم، إذًا يكون مفعولًا لفعل محذوف تقديره: إياك أحذر وجانب الأسد أو واجتنب الأسد، فيكون من باب عطف جملة على جملة.
وقوله: (بما استتاره وجب) يدل على أنه لا يجوز أن تبرز الفعل هنا، فلو قلت: إياك أحذر، لما كان من باب التحذير، وإنما يكون جملة مستقلة ولا تسمى تحذيرًا، وإنما سمي (إياك والشر) تحذيرًا مع حذف العامل لأن هذا أبلغ في تنبيه المخاطب، فلو قال: أحذرك لما صار له أثر في نفس المخاطب كما يقول: إياك، ولاسيما في الصيغة الثانية التي تكرر فيها (إياك).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ودون عطف ذا لإيا انسب وما سواه ستر فعله لن يلزما إلا مع العطف أو التكرار كالضيغم الضيغم يا ذا الساري].
قوله: (ودون عطف) أي: إنك إذا أتيت بالتحذير بدون عطف فقلت: إياك الشر، فيقول: (لإيا انسب) أي: انسب التحذير لإيا.
قوله: (وما سواه ستر فعله لن يلزما) بل يجوز ذكر فعله، مثلما لو قلت أحذر زيدًا الأسد، فهنا لا يلزم أن نحذف الفعل، بل يجوز ذكره ويجوز حذفه إذا دلت عليه القرينة.
(إلا مع العطف أو التكرار كالضيغم الضيغم يا ذا الساري) أي: فيجب ستر الفعل مثل: الضيغم الضيغم، والضيغم اسم للأسد، فالضيغم الضيغم هذا محذَّر مفعول لفعل محذوف ويحذف من أجل التكرار.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [التحذير: تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، فإن كان بإياك وأخواته وهو: إياكِ وإياكما وإياكم وإياكن وجب إضمار الناصب، سواء وجد عطف أم لا، فمثاله مع العطف: إياك والشر، فإياك: منصوب بفعل مضمر وجوبًا والتقدير: إياك أحذر، ومثاله بدون العطف: إياك أن تفعل كذا، أي: إياك من أن تفعل كذا].
والتقدير كما سبق: أحذرك من فعل كذا، لكنه انفصل الضمير من أجل حذف العامل لأننا لم نجد عاملًا يتصل به.
وإنما قلنا: إن (إياك أن تفعل كذا) بمعنى: إياك من أن تفعل كذا؛ لأن (أن) هنا على تقدير (من)؛ لأنه لو قال: أحذرك فعل كذا، لما صار هناك محذرًا منه، وهو لن يكون محذرًا منه إلا على تقدير (من).
قال الشارح: [وإن كان بغير إياك وأخواته، وهو المراد بقوله: (وما سواه) - فلا يجب إضمار الناصب إلا مع العطف، كقولك: مازِ رأسك والسيف، أي: يا مازنُ قِ رأسك واحذر السيف أو التكرار نحو: الضيغم الضيغم].
قوله: ماز رأسك والسيف، أصله: مازنُ، لكنه منادى مرخم بحذف آخره وهو النون، لقول المصنف فيما سبق: (كيا سعا فيمن دعا سعادا).
ورأسك: مفعول لفعل محذوف تقديره: قِ.
والسيف: الواو: حرف عطف، السيف: مفعول لفعل محذوف تقديره: واحذر، أو جانب السيف، وما أشبه ذلك.
قال الشارح: [أو التكرار نحو: الضيغم الضيغم، أي: احذر الضيغم، فإن لم يكن عطف ولا تكرار جاز إضمار الناصب وإظهاره نحو: الأسدَ، أي: احذر الأسدَ، فإن شئت أظهرت وإن شئت أضمرت].
فصار الآن إذا جاءت (إيا) فلا بد من الإضمار، وما سوى (إيا) فإن تكرر وجب الإضمار، وإن لم يتكرر جاز الإضمار والإظهار، كما لو قلت: الأسدَ، فإنه يجوز أن أقول: احذر الأسدَ، أما لو قلت: الأسد الأسد، فإنه لا يجوز أن تأتي بالفعل.
[ ٥٩ / ٤ ]
شذوذ التحذير بإياي وإياه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وشذ إياي وإياه أشذ وعن سبيل القصد من قاس انتبذ] قوله: (وشذ إياي)؛ لأن التحذير يكون للمخاطب (إياك)، ولا يكون للمتكلم، فلا تقل: إياي والشر، فإنه شذوذ، والشاذ معناه: أنه مخالف للقياس.
قوله: (وإياهُ أشذ) أي: أكثر شذوذًا، وذكر له مثالًا في الشرح قال فيه: إذا بلغ الرجلُ الستين فإياهُ وإيا الشواب، أي: النساء الشابات، أي: لا يتزوج بهن، يقول: إذا بلغ هذا السن فليحذر الشواب.
والشاهد قوله: (فإياهُ) حيث حذر بضمير الغيبة، وهذا شاذ.
إذًا: فالتحذير بـ (إيا) يكون للمخاطب والمتكلم والغائب، والمخاطب هو الكثير الوارد، والمتكلم شاذ، والغائب أشذ.
قوله: (وعن سبيل القصد من قاس انتبذ).
عن سبيل: جار ومجرور متعلق بانتبذ، أي: من قاس هذه الضمائر على المخاطب فقد خرج وبعد عن سبيل القصد وهو منهج الحق، كأن المؤلف ﵀ يرد قول من يقول: إنه مقيس، ويرى أنه مقتصر فيها على السماع.
[ ٥٩ / ٥ ]
الإغراء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكمحذر بلا إيا اجعلا مغرى به في كل ما قد فصلا] الإغراء ضد التحذير، فهو إذًا: تنبيه المخاطب على أمر يرغب أن يحصل عليه، فأغريته أي: نبهته على أمر ينبغي أن يأخذ به، فلا تستعمل فيه (إيا)، بل يأتي بدون (إيا)، مثل قوله ﷺ (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، فقوله: (الصلاةَ الصلاةَ) نقول فيها: منصوبة على الإغراء والتقدير: الزموا الصلاة، فهي إذًا مفعول لفعل محذوف على الإغراء، والصلاة الثانية توكيد.
ومثله في كلام المؤلف: (الضيغم الضيغم يا ذا الساري)، لكن هذا تحذير، والصلاة الصلاة إغراء، ومثله أيضًا أن تقول: العلم العلم، أي: الزم العلم العلم.
[ ٥٩ / ٦ ]