٣٦٤ - هاك حروف الجر وهي من إلى حتى خلا حاشا عدا في عن على
٣٦٥ - مذ منذ رب اللام كي واو وتا والكاف والبا ولعل ومتى
هذه الحروف كلها مستوية في الاختصاص بالأسماء، والدخول عليها لمعان في غيرها، فاستحقت أن تعمل، لأن كل ما لازم شيئًا، وهو خارج عن حقيقته أثر فيه غالبًا.
ولم تعمل الرفع لاستئثار العمدة به، ولا النصب لإبهام إهمال الحرف، فتعين الجر.
ولكل من هذه الحروف سوى ما ذكر في الاستثناء تفصيل يأتي ذكره، إلا (كي، ولعل، ومتى). وقل من يذكرهن مع حروف الجر، لغرابة الجر بهن.
فأما (كي) فتكون حرف جر في موضعين:
أحدهما: قولهم في الاستفهام عن علة الشيء: (كيمه) بمعنى: لمه؟ فـ (كي) هنا حرف جر، دخل على (ما) فحذفت ألفها، وزيدت هاء السكت وقفًا، كما يفعل مع سائر حروف الجر، الداخلة على (ما) الاستفهامية.
والثاني: قولهم (جئت كي تفعل) بمعنى: لأن تفعل، فـ (أن) المضمرة والفعل بعدها في موضع جر بـ (كي) كما يكون ذلك إذا قلت: لتفعل.
[ ٢٥٥ ]
[١٤٠] ويدلك على إضمار (أن) بعد // (كي) ظهورها في الضرورة، كقوله: [من الطويل]
٣٠٨ - فقالت أكل الناس أصبحت مانحًا لسانك كيما أن تغر وتخدعا
وندر دخول (كي) على (ما) المصدرية في قول الآخر: [من الطويل]
٣٠٩ - إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يراد الفتى كيما يضر وينفع
أي: ليضر من يستحق الضر، وينفع من يستحق النفع.
وأما (لعل) فتكون حرف جر في لغة بني عقيل، روى ذلك عنهم أبو زيد. وحكي الجر بها أيضًا الفراء وغيره.
وروي في لامها الأخيرة الفتح والكسر. وأنشد باللغتين قول الشاعر: [من الوافر]
٣١٠ - لعل الله فضلكم علينا بشيءٍ أن أمكم شريم
[ ٢٥٦ ]
وأما (متى) فتكون حرف جر بمعنى (من) في لغة هذيل، ومنه قول الشاعر: [من الطويل]
٣١١ - شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضرٍ لهن نئيج
ومن كلامهم: (أخرجها متى كمه) أي: من كمه.
٣٦٦ - بالظاهر اخصص منذ مذ وحتى والكاف والواو ورب والتا
من حروف الجر: ما يجر الأسماء الظاهرة والمضمرة كـ (من، وإلى، وعن، وعلى، وفي، والباء).
ومنها: ما يجر الأسماء الظاهرة فقط، وهي المذكورة في هذا البيت، فأما نحو: [من الرجز]
٣١٢ - وأم أوعالٍ كها أو أقربا
وقولهم: (ربه رجلا مررت به) فقليل، لا عبرة فيه، وسننبه عليه إن شاء الله تعالى.
[ ٢٥٧ ]
٣٦٧ - وأخصص بمذ ومنذ وقتًا وبرب منكرًا والتاء لله ورب
٣٦٨ - وما رووا من نحو ربه فتى نزر كذا كها ونحوه أتى
مذ، ومنذ، مختصان بأسماء الزمان.
فإن كان ماضيًا فهما لابتداء الغاية، نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة، وإن كان حاضرًا فهما للظرفية، نحو: ما رأيته مذ يومنا.
وأما (رب) فحرف تقليل، ويستعمل في التكثير تهكمًا، قال الشاعر: [من الخفيف]
٣١٣ - رب رفدٍ هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشرٍ أقيال
وتختص بالنكرات، نحو: (رب رجل لقيته).
وقد تدخل في السعة على مضمر، كما تدخل الكاف في الضرورة عليه، كقول العجاج: [من الرجز]
٣١٤ - خلى الذنابات شمالا كثبا وأم أوعالٍ كها أو أقربا
[١٤١] وقول الآخر يصف حمار وحش، وأتنًا: // [من الرجز]
٣١٥ - فلا ترى بعلا ولا حائلا كه ولا كهن إلا حاظلا
إلا أن الضمير بعد (رب) يلزم الإفراد، والتذكير، والتفسير بتمييز بعده، نحو: ربه رجلا عرفته، وربه امرأة لقيتها، وربه رجلين رأيتهما، وأنشد أحمد بن يحيي:
[ ٢٥٨ ]
[من البسيط]
٣١٦ - واهٍ رأبت وشيكًا صدع أعظمه وربه عطبًا أنقذت من عطبه
وتجري (رب) مع إفادتها التقليل مجرى اللام المقوية للتعدية في دخولها على المفعول به، وتختص بوجوب تصديرها، ونعت مجرورها، ومعنى معداها، وهو ما بعد النعت من فعل مفرغ ظاهر، أو مقدر.
مثل الظاهر: رب رجلٍ كريمٍ عرفت، ومثال المقدر: رب رجلٍ لقيته، أي: عرفت، وكذا قولك: رب رجلٍ رأيت، ورب رجلٍ كريمٍ رأيته.
وأما (التاء) فللقسم في مقام التعجب، ولا يظهر معداها، ولا يجر بها إلا اسم الله، إلا ما حكاه الأخفش من قول بعضهم: (ترب الكعبة).
(والواو) كـ (التاء) في لزوم إضمار معداها.
٣٦٩ - بعض وبين وابتدئ في الأمكنه بمن وقد تأتي لبدء الأزمنه
٣٧٠ - وزيد في نفيٍ وشبهه فجر نكرةً كما لباغٍ من مفر
تجيء (من) للتبعيض، نحو قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله) [البقرة /٨]. ولبيان الجنس، نحو قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) [الحج /٣٠] ولابتداء الغاية في المكان، نحو قوله تعالى: (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) [الإسراء /١]، وقد تجيء لابتداء الغاية في الزمان، نحو قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يومٍ) [التوبة /١٠٨]، وقول الشاعر يصف سيوفًا: [من الطويل]
٣١٧ - تخيرن من أزمان يوم حليمةٍ إلى اليوم قد جربن كل التجارب
[ ٢٥٩ ]
ومذهب البصريين: أن (من) حقيقة في ابتداء الغاية في المكان، وإن استعملت في ابتداء الغاية في الزمان فمجاز.
ولذلك تسمعهم يقولون في مثل قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى ن أول يومٍ) [التوبة /١٠٨] تقديره: من تأسيس أول يوم.
وتجيء (من) للتعليل، نحو قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) [المائدة /٣٢]، وقول الشاعر: [من البسيط]
٣١٨ - يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
وتجيء زائدة جارة لنكرة، بعد نفي نحو: (ما لباغٍ من مفر) وقوله تعالى: (وما من إله إلا الله) [آل عمران /٦٢]. أو نهي، أو استفهام نحو قوله تعالى: (هل من خالقٍ غير الله) [فاطر /٣].
ويروى عن الأخفش جواز زيادتها في الإيجاب، وأنشد الشيخ مستشهدًا له قول الشاعر: [من الطويل]
٣١٩ - وكنت أرى كالموت من بين ساعةٍ فكيف ببينٍ كان موعده الحشر
[١٤٢] // وقول الآخر: [من الطويل]
٣٢٠ - يظل به الحرباء يمثل قائمًا ويكثر فيه من حنين الأباعر
ولا حجة فيهما، لإمكان كون (من) في البيت الأول لابتداء الغاية، والكاف قبلها اسم.
والمعنى: وكنت أرى من بين ساعةٍ حالا مثل الموت، على حد قولهم: رأيت منك أسدًا.
[ ٢٦٠ ]
وفي البيت الثاني لبيان الجنس، وهي متعلقة بالاستقرار في موضع نصب على الحال من فاعل (يكثر) وهو ضمير ما دل عليه العطف على: (يظل به الحرباء يمثل قائمًا) كأنه قيل: ويكفيه شيء آخر من حنين الأباعر.
٣٧١ - للانتها حتى ولام وإلى ومن وباء يفهمان بدلا
٣٧٢ - واللام للملك وشبهه وفي تعديةٍ أيضًا وتعليل قفي
٣٧٣ - وزيد والظرفية استبن ببا وفي وقد يبينان السببا
٣٧٤ - بالبا استعن وعد عوض ألصق ومثل مع ومن وعن بها انطق
دلالة (حتى، وإلى) على انتهاء الغاية كثيرة، بخلاف اللام، إلا أن (إلى) أمكن في ذلك من (حتى). تقول: سرت إلى نصف الليل، وسار زيد إلى الصباح.
ولا يجر بـ (حتى)، إلا آخر، أو متصل بآخر، كقوله تعالى: (سلام هي حتى مطلع الفجر) [القدر /٥].
وأما (اللام) فمثال مجيئها للانتهاء قوله تعالى: (سقناه لبلدٍ ميت) [الأعراف /٥٧]، وقوله تعالى: (يجري لأجلٍ مسمى) [فاطر /١٣]. وقوله:
ومن وباء يفهمان بدلا
مثال دلالة (من) على البدل قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكةً) [الزخرف /٦٠]. وقول الراجز: [من الرجز]
٣٢١ - جارية لم تأكل المرققا ولم تذق من البقول الفستقا
أي: بدل البقول. ومثال دلالة الباء على البدل قوله - ﷺ -: (لا يسرني بها حمر النعم). وقول الشاعر: [من البسيط]
٣٢٢ - فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانًا وركبانا
[ ٢٦١ ]
قوله:
واللام للملك
إلى:
وزيد
بيان لما عدا الانتهاء من معاني اللام.
فتكون للملك، نحو: المال لزيدٍ، ولشبه الملك نحو: الباب للدار، والسرج للفرس، وللتعدية، نحو قوله تعالى: (فهب لي من لدنك وليا) [مريم /٥] وقلت له: افعل، وللتعليل، نحو: جئت لإكرامك.
[١٤٣] ومنه قول الشاعر //: [من الطويل]
٣٢٣ - وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر
وتزاد مقوية لعامل ضعيف: بالتأخير، أو بكونه فرعًا على غيره.
فالأول: نحو قوله تعالى: (إن كنتم للرؤيا تعبرون) [يوسف /٤٣]، وقوله تعالى: (هدى ورحمةً للذين هم لربهم يرهبون) [الأعراف /١٥٤].
والثاني: نحو قوله تعالى: (مصدقًا لما معهم) [البقرة /٩١] وقوله تعالى: (فعال لما يريد) [البروج /١٦].
وقوله:
والظرفية استن ببا
إلى آخره: بيان لمعاني (الباء) و(في).
أما (الباء) فتكون للظرفية، نحو قوله تعالى: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل) [الصافات /١٣٧ - ١٣٨].
وللسببية، نحو قوله تعالى: (فبظلمٍ من الذين هادوا حرمنا عليهم طيباتٍ أحلت لهم) [النساء /١٦٠].
[ ٢٦٢ ]
وللاستعانة نحو: كتبت بالقلم وذبحت بالسكين، وللتعدية، نحو قوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) [البقرة /٢٠]، وللإلصاق، نحو: مررت بزيد، وللمصاحبة، نحو: بعتك الدار بأثاثها، ومنه قول تعالى: (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) [البقرة /٣٠].
وبمعنى (من) التي للتبعيض، كقول الشاعر: [من الكامل]
٣٢٤ - فلثمت فاها آخذًا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
ذكر ذلك أبو علي الفارسي في التذكرة.
وحكي مثل ذلك عن الأصمعي في قول الشاعر: [من الطويل]
٣٢٥ - شربن بماء البحر ثم ترفعت
وبمعنى (عن) نحو قوله تعالى: (ويوم تشقق السماء بالغمام) [الفرقان /٢٥] وقوله تعالى: (سأل سائل بعذابٍ واقع) [المعارج /١].
وأما (في) فتكون للظرفية الحقيقية، نحو: المال في الكيس، والمجازية، نحو: نظرت في العلم، وللسببية كقوله - ﷺ -: (إن امرأة دخلت النار في هرةٍ).
٣٧٥ - على للاستعلا ومعنى في وعن بعن تجاوزًا عني من قد فطن
٣٧٦ - وقد تجي موضع بعدٍ وعلى كما على موضع عن قد جعلا
(على) للاستعلاء حسا، نحو: ركبت على الفرس، أو معنى نحو: تكبر عليه.
[ ٢٦٣ ]
وقد تكون بمعنى (في) الظرفية، نحو قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) [البقرة /١٠٢] وقوله تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها) [القصص /١٥]. وبمعنى (عن) كقول الشاعر: [من الوافر]
٣٢٦ - إذا رضيت علي بنو قشيرٍ لعمر الله أعجبني رضاها
وأما (عن) فللتجاوز، نحو: أعرض عنه، وأخذ عنه، وقد تكون بمعنى (بعد) نحو قوله تعالى: (لتركبن طبقًا عن طبقٍ) [الانشقاق /١٩].
وقولي الأعشى: [من البسيط]
٣٢٧ - لئن منيت بنا عن غبً معركةٍ لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل
[١٤٤] وبمعنى (على) كقول الشاعر: // [من البسيط]
٣٢٨ - لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني
[ ٢٦٤ ]
٣٧٧ - شبه بكافٍ وبها التعليل قد يعني وزائدًا لتوكيد ورد
٣٧٨ - واستعمل اسمًا وكذا عن وعلى من أجل ذا عليهما من دخلا
كون (الكاف) الجارة حرف تشبيه هو المشهور، وكونها للتعليل كثير، ومنه قوله تعالى: (واذكروه كما هداكم) [البقرة /١٨٩].
وحكي سيبويه: (كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه) والتقدير: لأنه لا يعلم فتجاوز الله عنه.
وتزاد الكاف، كقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) [الشورة /١١].
وقول رؤبة: [من الرجز]
٣٢٩ - لواحق الأقراب فيها كالمقق
أي: فيها مقق، وهو الطول.
وتخرج عن الحرفية إلى الاسمية، فتكون فاعلة، كقوله: [من البسيط]
٣٣٠ - أتنتهون ولن ينهي ذوي شططٍ كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
ومبتدأ، كقول الشاعر: [من الخفيف]
٣٣١ - أبدًا كالفراء فوق ذارها حين يطوي المسامع الصرار
[ ٢٦٥ ]
ومجرورة بحرف، كقول الآخر: [من الرجز]
٣٣٢ - بيض ثلاث كنعاجٍ جم يضحكن عن كالبرد المنهم
وقول الآخر: [من الطويل]
٣٣٣ - بكا للقوة الشغواء جلت فلم أكن لأولع إلا بالكمي المقنع
وكذلك (عن، وعلى) يخرجان عن الحرفية إلى الاسمية، فيجران بـ (من) لا غير، قال الشاعر: [من البسيط]
٣٣٤ - فقلت للركب لما أن علا بهم من عن يمين الحبيا نظرة قبل
ألمحة من سنا برقٍ رأى بصري أم وجه عالية اختالت بها الكلل
وقول الآخر: [من الطويل]
٣٣٥ - غدت من عليه بعدما تم ظمؤها تصل وعن قيض ببيداء مجهل
[ ٢٦٦ ]
٣٧٩ - ومذ ومنذ اسمان حيث رفعا أو أوليا الفعل كجئت مذ دعا
٣٨٠ - وإن يجرا في مضي فكمن هما وفي الحضور معنى في استبن
(مذ ومنذ) يرفع اسم الزمان بعدهما ويجر.
فإذا رفع فهما اسمان مبتدآن، بمعنى أول المدة إن كان الزمان ماضيًا، نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة، وبمعنى جميع المدة إن كان الزمان حاضرًا، نحو: ما رأيته مذ شهرنا.
[١٤٥] وإذا جر الزمان بعدهما فهما حرفا جر، بمعنى (من) من الماضي، // وبمعنى (في) مع الحاضر كما تقدم. وتليهما الأفعال، فيحكم بظرفيتهما، وإضافتهما إلى الجمل.
قال سيبويه في باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء: (ومما يضاف إلى الفعل قولك: ما رأيته مذ كان عندي: ومنذ جاءني) فصرح بإضافة (مذ) إلى (كان) و(منذ) إلى (جاء) ومثله قول الفرزدق: [من الكامل]
٣٣٦ - ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما فأدرك خمسة الأشبار
يدني كتائب من كتائب تلتقي في ظل مترك العجاج مثار
وقد يضافان إلى جملة اسمية كقول الآخر: [من الطويل]
٣٣٧ - وما زلت محمولا علي ضغنية ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع
[ ٢٦٧ ]
والحاصل: أن (مذ، ومنذ) لا يخرجان عن أن يكونا حرفي جر بمعنى: (من أو في) أو اسمين بمعنى أول المدة، أو جميعها، مرفوعين بالابتداء، أو منصوبين على الظرفية.
٣٨١ - وبعد من وعن وباءٍ زيد ما فلم يعق عن عملٍ قد علما
٣٨٢ - وزيد بعد رب والكاف فكف وقد تليهما وجر لم يكف
تدخل (ما) الزائدة على (من، وعن، والباء) فلا تكفهن عن العمل.
مثال ذلك قوله تعالى: (مما خطيئاتهم أغرقوا) [نوح /٢٢] وقوله تعالى: (عما قليل ليصبحن نادمين) [المؤمنون /٤٠] وقوله تعالى: (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم) [آل عمران /١٥٩].
وتدخل أيضًا على (رب، والكاف) فتكفهما عن العمل غالبًا، فيدخلان حينئذ على الجمل، قال الله تعالى: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) [الحجر /٢].
وقال الشاعر: [من الخفيف]
٣٣٨ - ربما الجامل المؤبل فيهم وعناجيج بينهن المهار
ونحوه في الكاف قول الآخر: [من الطويل]
٣٣٩ - أخ ماجد لم يخزني يوم مشهدٍ كما سيف عمروٍ لم تخنه مضاربه
وقد تدخل (ما) على (رب والكاف) فلا تكفهما، قال الشاعر: [من السريع]
[ ٢٦٨ ]
٣٤٠ - ماوي يا ربتما غارةٍ شعواء كاللذعة بالميسم
وقال الآخر: [من الطويل]
٣٤١ - وننصر مولانا ونعلم أنه كما الناس مجروم عليه وجارم
٣٨٣ - وحذفت رب فجرت بعد بل والفا وبعد الواو شاع ذا العمل [١٤٦] //
٣٨٤ - وقد يجر بسوى رب لدى حذفٍ وبعضه يرى مطردا
يجوز حذف (رب) وإبقاء عملها، وذلك بعد (بل، والفاء) قليل، وبعد (الواو) كثير، ودونهن نادر. فمن حذفها بعد (بل) قول رؤبة: [من الرجز]
٣٤٢ - بل بلدٍ ملء الفجاج قتمه لا يشتري كتانه وجهرمه
ومن حذفها بعد الفاء قول الآخر: [من الطويل]
٣٤٣ - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ فألهيتها عن ذي تمائم مغيل
[ ٢٦٩ ]
ومن حذفها بعد (الواو) قوله: [من الطويل]
٣٤٤ - وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي
وأما حذفها دون (بل، والفاء، والواو) فكما ندر من قول الآخر: [من الخفيف]
٣٤٥ - رسم دارٍ وقفت في طلله كدت أقضي الحياة من جلله
وقد يعامل غير (رب) معاملتها فيحذف، ويبقي جره، وذلك على ضربين: مقصور على السماع، ومطرد في القياس.
فمن الأول: حذف (على) في قول رؤبة، وقد قيل له: (كيف أصجت)؟ (خيرٍ، والحمد لله).
وحذف (إلى) فيما أنشده الجوهري: [من الكامل]
٣٤٦ - وكريمةٍ من آل قيس ألفته حتى تبذخ فارتقى الأعلام
[ ٢٧٠ ]
ومن الثاني: حذف (من) بعد (كم) الاستفهامية، مجرورة بحرف، نحو: بكم درهمٍ اشتريت ثوبك؟ بجر (درهم) بـ (من) مضمرة.
هذا مذهب سيبويه والخليل.
وذهب الزجاج إلى أن الجر بالإضافة، وهو ضعيف، لأن (كم) الاستفهامية بمنزلة عدد، ينصب مميزه، وذلك لا يجر مميزه بالإضافة، فكذا ما هو بمنزلته.
ومنه أيضًا حذف حرف الجر لتقدم ذكره في نحو قولهم: (في الدار زيد، والحجرة عمرو) تقديره: في الدار زيد، وفي الحجرة عمرو؛ لئلا يلزم العطف على عاملين.
وحكي سيبويه: (مررت برجل صالحٍ إلا صالحًا، فطالح، وإلا صالحًا، فطالحًا).
وقدره: إن لا يكن صالحًا فهو طالحً، وإن لا يكن صالحًا يكن طالحًا.
وحكي يونس: (إلا صالح فطالح) على تقدير: إن لا أمر بصالح فقد مررت بطالحٍ.
وأجاز: أمرر بأيهم هو أفضل: إن زيدٍ، وإن عمروٍ.
وجعل سيبويه إضمار هذه الباء بعد (إن) أسهل من إضمار (رب) بعد الواو. فعلم من ذلك أن إضماره غير قبيح.
[ ٢٧١ ]