لا التي لنفي الجنس
عمل إن اجعل للا في نكره مفردة جاءتك أو مكرره (١)
هذا هو القسم الثالث من الحروف الناسخة للابتداء وهي لا التي لنفي الجنس والمراد بها لا التي قصد بها التنصيص على استغراق النفي للجنس كله.
وإنما قلت التنصيص احترازا عن التي يقع الاسم بعدها مرفوعا نحو لا رجل قائما فإنها ليست نصا في نفي الجنس إذ يحتمل نفي الواحد ونفي لجنس فبتقدير إرادة نفي الجنس لا يجوز لا رجل قائما بل رجلان وبتقدير إرادة نفي الواحد يجوز لا رجل قائما بل رجلان وأما لا هذه فهي لنفي الجنس ليس إلا فلا يجوز لا رجل قائم بل رجلان.
وهي تعمل عمل إن فتنصب المبتدأ اسما لها وترفع الخبر خبرا لها ولا فرق في هذا العمل بين المفردة وهي التي لم تتكرر نحو: لا غلام رجل قائم وبين المكررة نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله. (٢)
_________________
(١) " عمل " مفعول أول مقدم على عامله وهو قوله " اجعل " الآتي، وعمل مضاف و" إن " قصد لفظه: مضاف إليه " اجعل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " للا " جار ومجرور متعلق باجعل، وهو المفعول الثاني لاجعل " في نكره " جار ومجرور متعلق باجعل " مفردة " حال من الضمير المستتر في " جاءتك " الآتي " جاءتك " جاء: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على " لا " والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به لجاء " أو " عاطفة " مكررة " معطوف على مفردة.
(٢) ومع أنها تعمل مفردة ومكررة فعملها بعد استيفاء شروطها وهي مفردة واجب، وعملها مكررة جائز.
[ ٢ / ٥ ]
ولا يكون اسمها وخبرها إلا نكرة (١) فلا تعمل في المعرفة وما ورد من ذلك مؤول بنكرة كقولهم قضية ولا أبا حسن لها فالتقدير ولا مسمى بهذا الاسم لها (٢) ويدل على أنه معامل معاملة النكرة وصفه بالنكرة كقولك لا أبا حسن حلالا لها ولا يفصل بينها وبين اسمها فإن فصل بينهما ألغيت كقوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ .
فانصب بها مضافا أو مضارعه وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه (٣)
_________________
(١) الشروط التي يجب توافرها لاعمال " لا " عمل إن ستة، وهي: أن تكون نافية، وأن يكون المنفي بها الجنس، وأن يكون النفي نصا في ذلك، وألا يدخل عليها جار كما دخل عليها في نحو قولهم: جئت بلا زاد، وقولهم: غضبت من لا شئ، وأن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وألا يفصل بينها وبين اسمها فاصل أي فاصل ولا خبرها، وقد صرح الشارح هنا بشرطين وهما الخامس والسادس، وأشار في صدر كلامه إلى الثلاثة الاولى، وترك واحدا، وهو ألا يدخل عليها جار.
(٢) هكذا أوله الشارح، وليس تأويله بصحيح، لان المسمى بأبي حسن موجود وكثيرون، فالنفي غير صادق. وقد أوله العلماء بتأويلين آخرين، أحدهما أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: ولا مثل أبي حسن لها، ومثل كلمة متوغلة في الابهام لا تتعرف بالاضافة، ونفي المثل كناية عن نفي وجود أبي الحسن نفسه، والثاني: أن يجعل " أبا حسن " عبارة عن اسم جنس وكأنه قد قيل: ولا فيصل لها، وهذا مثل تأويلهم في باب الاستعارة نحو " حاتم " بالمتناهي في الجود، ونحو " مادر " بالمتناهي في البخل، ونحو " يوسف " بالمتناهي في الحسن، وضابطه: أن يؤول الاسم العلم بما اشتهر به من الوصف.
(٣) " فانصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بها " جار ومجرور متعلق بانصب " مضافا " مفعول به لانصب " أو " عاطفة " مضارعه " مضارع بمعنى: مشابه: معطوف على قوله " مضافا " ومضارع مضاف والهاء العائدة إلى قوله " مضافا " مضاف إليه " وبعد " ظرف متعلق بقوله " اذكر " الآتي، وبعد مضاف، =
[ ٢ / ٦ ]
وركب المفرد فاتحا كلا حول ولا قوة والثاني اجعلا (١)
مرفوعا أو منصوبا أو مركبا وإن رفعت أولا لا تنصبا (٢)
_________________
(١) = و" ذا " من " ذاك " اسم إشارة: مضاف إليه، والكاف حرف خطاب " الخبر " مفعول به لاذكر الآتي " اذكر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " رافعة " رافع: حال من الضمير المستتر في " اذكر " ورافع مضاف والهاء مضاف إليه، من إضافة الصفة لمعمولها، وهي لا تفيد تعريفا ولا تخصيصا، ولذلك وقع هذا المضاف حالا.
(٢) " وركب " الواو عاطفة، ركب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المفرد " مفعول به لركب " فاتحا " حال من الضمير المستتر في " ركب " ومتعلقه محذوف، والتقدير: فاتحا له " كلا " الكاف جارة لقول محذوف على ما سبق غيره مرة، ولا: نافية للجنس " حول " اسم لا، مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، والتقدير: لا حول موجود " ولا " الواو عاطفة، ولا: نافية للجنس أيضا " قوة " اسمها، وخبرها محذوف، وهذه الجملة معطوفة بالواو على الجملة السابقة " والثاني " مفعول أول قدم على عامله، وهو قوله اجعلا الآتي " اجعلا " اجعل: فعل أمر، مبني على السكون لا محل له من الاعراب، وحرك بالفتح لاجل مناسبة الالف، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والالف للاطلاق، أو هو فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا لاجل الوقف لامحل له من الاعراب، ونون التوكيد المنقلبة ألفا حرف لا محل له من الاعراب.
(٣) " مرفوعا " مفعول ثان لاجعل في البيت السابق " أو منصوبا " أو: حرف عطف، منصوبا: معطوف على مرفوع " أو مركبا " معطوف على قوله " مرفوعا " السابق " وإن " الواو عاطفة، إن: شرطية " رفعت " رفع: فعل ماض فعل الشرط مبني على الفتح المقدر في محل جزم، وتاء المخاطب فاعل " أولا " مفعول به لرفعت " لا " ناهية " تنصبا ": فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة =
[ ٢ / ٧ ]
لا يخلو اسم لا هذه من ثلاثة أحوال: الحال الأول: أن يكون مضافا نحو لا غلام رجل حاضر الحال الثاني: أن يكون مضارعا للمضاف أي مشابها له والمراد به كل اسم له تعلق بما بعده إما بعمل نحو لا طالعا جبلا ظاهر ولا خيرا من زيد راكب وإما بعطف نحو لا ثلاثة وثلاثين عندنا ويسمى المشبه بالمضاف مطولا وممطولا أي ممدودا وحكم المضاف والمشبه به النصب لفظا كما مثل والحال الثالث: أن يكون مفردا والمراد به هنا ما ليس بمضاف ولا مشبه بالمضاف فيدخل فيه المثنى والمجموع وحكمه البناء على ما كان ينصب به لتركبه مع لا وصيرورته معها كالشيء الواحد فهو معها كخمسة عشر ولكن محله النصب بلا لأنه اسم لها فالمفرد الذي لبس بمثنى ولا مجموع يبنى على الفتح لأن نصبه بالفتحة نحو لا حول ولا قوة إلا بالله والمثنى وجمع المذكر السالم يبنيان على ما كانا ينصبان به وهو الياء نحو لا مسلمين لك ولا مسلمين فمسلمين ومسلمين مبنيان لتركبهما مع لا كما بنى رجل لتركبه معها.
وذهب الكوفيون والزجاج إلى أن رجل في قولك لا رجل معرب وأن فتحته فتحة إعراب لا فتحة بناء وذهب المبرد إلى أن مسلمين ومسلمين معربان. (١)
_________________
(١) = المنقلبة ألفا لاجل الوقف في محل جزم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وحذف منها الفاء ضرورة، وكان حقه أن يقول: وإن رفعت أولا فلا تنصبا.
(٢) ذهب أبو العباس المبرد إلى أن اسم " لا " إذا كان مثنى أو مجموعا جمع مذكر سالما فهو معرب منصوب بالياء، وليس مبنيا كما ذهب إليه جمهور النحاة، واحتج لما ذهب إليه بأن التثنية والجمع من خصائص الاسماء، وقد علمنا أن من شرط بناء الاسم لشبهه =
[ ٢ / ٨ ]
وأما جمع المؤنث السالم فقال قوم مبني على ما كان ينصب به وهو الكسر فتقول لا مسلمات لك بكسر التاء ومنه قوله:
إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه نلذ ولا لذات للشيب
_________________
(١) = بالحرف في وجه من وجوه الشبه التي تقدم بيانها: ألا يعارض هذا الشبه شئ من خصوصيات الاسماء، والجواب على هذه الشبهة من وجهين: أولهما وهو وجه عقلي أن ما كان من خصائص الاسماء إنما يقدح في بناء الاسم ويعارضه إذا طرأ على الاسم بعد كونه مبنيا، فأما إذا كان ما هو من خصائص الاسماء موجودا في الاسم ثم عرض لهذا الاسم ما يقتضي شبهه بالحرف من بعد ذلك فإنه لهذا لا يعارض سبب البناء ولا يمنع منه، ونحن ندعي أن الاسم كان مثنى أو مجموعا، ثم دخلت عليه لا فتركب معها تركب خمسة عشر، فوجد سبب البناء طارئا على ما هو من خصائص الاسم، الثاني - وهو نقض لمذهبه بعدم الاطراد - أن المبرد نفسه قد اتفق مع الجمهور على بناء اسم لا المجموع جمع تكسير، ولم يعبأ معه بما هو من خصائص الاسم وهو الجمع، كما اتفق مع الجمهور على بناء المنادى المثنى أو المجموع جمع المذكر السالم على ما يرفع به، ولم يعبأ بما هو من خصائص الاسماء.
(٢) البيت لسلامة بن جندل السعدي، من قصيدة له مستجادة، وأولها قوله أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب أودى، وذلك شأو غير مطلوب ولى حثيثا، وذاك الشيب يتبعه لو كان يدركه ركض اليعاقيب اللغة: " أودى " ذهب وفنى، وكرر هذه الكلمة تأكيدا لمضمونها، لانه إنما أراد إنشاء التحسر والتحزن على ذهاب شبابه " حميدا " محمودا " التعاجيب " العجب، وهو جمع لا واحد له من لفظه، ويروى في مكانه " الاعاجيب " وهو جمع أعجوبة، وهي الامر الذي يتعجب منه " شأو " هو الشوط " حثيثا " سريعا " اليعاقيب " جمع يعقوب، وهو ذكر الحجل " مجد عواقبه " المراد أن نهايته محمودة " الشيب " بكسر الشين جمع أشيب وهو الذي ابيض شعره، وروى صدر البيت المستشهد به هكذا: أودى الشباب الذي مجد. إلخ =
[ ٢ / ٩ ]
وأجاز بعضهم الفتح نحو لا مسلمات لك. (١)
_________________
(١) = الاعراب: " إن " حرف توكيد ونصب " الشباب " اسم إن " الذي " اسم موصول: نعت للشباب " مجد " يجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو مجد، وعواقبه على هذا نائب فاعل مجد، لانه مصدر بمعنى اسم المفعول كما فسرناه ويجوز أن يكون " مجد " خبرا مقدما، و" عواقبه " مبتدأ مؤخرا، وجاز الاخبار بالمفرد وهو مجد عن الجمع وهو عواقب لان الخبر مصدر، والمصدر يخبر به عن المفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد، لانه لا يثنى ولا يجمع، وعلى كل حال فجملة " مجد عواقبه " سواء أقدرت مبتدأ أم لم تقدر لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " فيه " جار ومجرور متعلق بقوله نلذ الآتي " نلذ " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن " ولا " نافية للجنس " لذات " اسم لا، مبني على الكسرة نيابة عن الفتحة لانه جمع مؤنث سالم في محل نصب " للشيب " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " لا " الشاهد فيه: قوله " ولا لذات للشيب " حيث جاء اسم لا - وهو لذات - جمع مؤنث سالما، ووردت الرواية ببنائه على الكسرة نيابة عن الفتحة، كما كان ينصب بها لو أنه معرب.
(٢) اعلم أن للعلماء في اسم " لا " إذا كان جمع مؤنث سالما أربعة مذاهب: الاول: أن يبنى على الكسرة نيابة عن الفتحة من غير تنوين، وهذا مذهب جمهرة النحاة. الثاني: أن يبنى على الكسرة نيابة عن الفتحة لكن يبقى له تنوينه، وهذا مذهب صححه ابن مالك صاحب الالفية، وجزم به في بعض كتبه، ونقله عن قوم، وحجتهم في عدم حذف التنوين أنه قد تقرر أن تنوين جمع المؤنث السالم هو تنوين المقابلة، وهو لا ينافي البناء، فلا يحذف. الثالث: أنه مبني على الفتح، وهذا مذهب المازني والفارسي، ورجحه ابن هشام في المغنى والمحقق الرضي في شرح الكافية وابن مالك في بعض كتبه. الرابع: أن يجوز فيه البناء على الكسرة نيابة عن الفتحة، والبناء على الفتح. وزعم كل شراح الالفية أن بيت سلامة بن جندل (الشاهد رقم ١٠٩) يروى بالوجهين جميعا، فإذا صح ذلك لم يكن لايجاب أحد الامرين بعينه وجه وجيه، ويؤخذ =
[ ٢ / ١٠ ]
وقول المصنف وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه معناه أنه يذكر الخبر بعد اسم لا مرفوعا والرافع له لا عند المصنف وجماعة وعند سيبويه الرافع له إن كان اسمها مضافا أو مشبها بالمضاف وإن كان الاسم مفردا فاختلف في رافع الخبر فذهب سيبويه إلى أنه ليس مرفوعا بلا وإنما هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ لأن مذهبه أن لا واسمها المفرد في موضع رفع بالابتداء والاسم المرفوع بعدهما خبر عن ذلك المبتدأ ولم تعمل لا عنده في هذه الصورة إلا في الاسم وذهب الأخفش إلى أن الخبر مرفوع بلا فتكون لا عاملة في الجزأين كما علمت فيهما مع المضاف والمشبه به.
وأشار بقوله والثاني اجعلا إلى أنه إذا أتى بعد لا والاسم الواقع بعدها بعاطف ونكرة مفردة وتكررت لا نحو لا حول ولا قوة إلا بالله يجوز فيهما خمسة أوجه وذلك لأن المعطوف عليه إما أن يبنى مع لا على الفتح أو ينصب أو يرفع.
فإن بني معها على الفتح جاز في الثاني ثلاثة أوجه:
الأول: البناء على الفتح لتركبه مع لا الثانية وتكون لا الثانية عاملة عمل إن نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله (١)
_________________
(١) = من كلام ابن الانباري أن بيت سلامة يروى بالفتح دون الكسر، فيكون تأييدا لمذهب المازني ومن معه، ولكنا لا نستطيع أن نرد رواية الكسر بمجرد كون ابن الانباري لم يحفظها.
(٢) وعلى تركيب الثانية مع اسمها كتركيب الاولى مع اسمها قرأ أبو عمرو وابن كثير في قوله سبحانه: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) بفتح بيع وخلة وشفاعة، و" لا " في المواضع الثلاثة نافية للجنس عاملة عمل إن، والاسم المفتوح بعدها اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها - فيما عدا الاول - محذوف لدلالة ما قبله عليه. ومن شواهد ذلك قول الراجز (وقد أنشدناه في شرح الشاهد رقم ٢٧ السابق): نحن بنو خويلد صراحا لا كذب اليوم ولا مزاحا
[ ٢ / ١١ ]
الثاني: النصب عطفا على محل اسم لا وتكون لا الثانية زائدة بين العاطف والمعطوف نحو لا حول ولا قوة إلا بالله ومنه قوله:
١١٠ - لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع
_________________
(١) البيت لانس بن العباس بن مرداس، وقيل: بل هو لابي عامر جد العباس ابن مرداس، ويروى عجز البيت كما رواه الشارح العلامة من كلمة عينية، وبعده: كالثوب إذ أنهج فيه البلى أعيا على ذي الحيلة الصانع وروى أبو علي القالي صدر هذا البيت مع عجز آخر، وهو: اتسع الخرق على الراتق من كلمة قافية، وقبله: لا صلح بيني فاعلموه ولا بينكم، ما حملت عاتقي سيفي، وما كنا بنجد، وما قرقر قمر الواد بالشاهق اللغة: " خلة " بضم الخاء وتشديد اللام هي الصداقة، وقد تطلق الخلة على الصديق نفسه، كما في قول رجل من بني عبد القيس، وهو أحد شعراء الحماسة. ألا أبلغا خلتي راشدا وصنوي قديما إذا ما تصل " الراقع " ومثله " الراتق " الذي يصلح موضع الفساد من الثوب " أنهج " أخذ في البلى " أعيا " صعب، وشق، واشتد " العاتق " موضع الرداء من المنكب " قرقر قمر " قرقر: صوت، وصاح، و" قمر " يجوز أن يكون جمع أقمر، فوزانه وزان أحمر وحمر وأصفر وصفر، ويجوز أن يكون جمع قمري، كروم في جمع رومي " الشاهق " الجبل المرتفع. الاعراب: " لا " نافية للجنس " نسب " اسمها، مبني على الفتح في محل نصب " اليوم " ظرف متعلق بمحذوف خبر لا " ولا " الواو عاطفة، ولا: زائدة لتأكيد النفي " خلة " معطوف على نسب، بالنظر إلى محل اسم " لا " الذي هو النصب " اتسع " فعل ماض " الخرق " فاعل لاتسع " على الراقع " جار ومجرور متعلق بقوله " اتسع ". =
[ ٢ / ١٢ ]
الثالث: الرفع وفيه ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون معطوفا على محل لا واسمها لأنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه وحينئذ تكون لا زائدة الثاني: أن تكون لا الثانية: عملت عمل ليس الثالث: أن يكون مرفوعا بالابتداء وليس للا عمل فيه وذلك نحو لا حول ولا قوة إلا بالله ومنه قوله:
١١١ - هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا
_________________
(١) = الشاهد فيه: قوله " ولا خلة " حيث نصب على تقدير أن تكون " لا " زائدة للتأكيد، ويكون " خلة " معطوفا بالواو على محل اسم " لا " وهو قوله " نسب " عطف مفرد على مفرد، وهذا هو الذي حمله الشارح تبعا لجمهور النحاة عليه. وقال يونس بن حبيب: إن " خلة " مبني على الفتح في محل نصب، ولكنه نونه للضرورة، وبناؤه على الفتح عنده على أن " لا " الثانية عاملة عمل " إن " مثل الاولى، وخبرها محذوف يرشد إليه خبر الاولى، والتقدير " ولا خلة اليوم " والواو قد عطفت جملة " لا " الثانية مع اسمها وخبرها على جملة لا الاولى، وهو كلام لا متمسك له، بل يجب ألا يحمل عليه الكلام، لان الحمل على وجه يستتبع الضرورة لا يجوز متى أمكن الحمل على وجه سائغ لا ضرورة معه. وقال الزمخشري في مفصله: إن " خلة " منصوب بفعل مضمر، وليس معطوفا على لفظ اسم لا، ولا على محله، والتقدير عنده: لانسب اليوم ولا تذكر خلة، وهو تكلف لا مقتضى له، ويلزم عليه عطف الجملة الفعلية على الجملة الاسمية، والافضل في العطف توافق الجملة المعطوفة مع الجملة المعطوف عليها في الفعلية والاسمية ونحوهما.
(٢) اختلف العلماء في نسبة هذا البيت، فقيل: هو لرجل من مذحج، وكذلك نسبوه في كتاب سيبويه، وقال أبو رياش: هو لهمام بن مرة أخي جساس بن مرة قاتل كليب، وقال ابن الاعرابي: هو لرجل من بني عبد مناف، وقال الحاتمي: هو لابن أحمر، وقال الاصفهاني: هو لضمرة بن ضمرة، وقال بعضهم: إنه من الشعر القديم جدا، ولا يعرف له قائل. = (٢٦ - شرح ابن عقيل ١)
[ ٢ / ١٣ ]
أب
_________________
(١) = اللغة: " هذا لعمركم " العمر بفتح فسكون الحياة، وقد فصل بين المبتدأ الذي هو اسم الاشارة وخبره، بجملة القسم وهي قوله " لعمركم " مع خبره المحذوف ويروى " هذا وجدكم " والجد: الحظ والبخت، وهو أيضا أبو الاب " الصغار " بزنة سحاب الذل، والمهانة، والحقارة " بعينه " يزعم بعض العلماء أن الباء زائدة، وكأنه قد قال: هذا الصغار عينه، ولا داعي لذلك. الاعراب: " هذا " اسم اشارة مبتدأ " لعمركم " اللام لام الابتداء، وعمر: مبتدأ، وخبره محذوف وجوبا، والتقدير: لعمركم قسمي، وعمر مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة معترضة بين المبتدأ وخبره لا محل لها من الاعراب " الصغار " خبر المبتدأ الذي هو اسم الاشارة " بعينه " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، وقيل: الباء زائدة، وعليه يكون قوله عين تأكيدا للصغار، وعين مضاف والهاء مضاف إليه " لا " نافية للجنس " أم " اسم لا مبني على الفتح في محل نصب " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا " إن " شرطية " كان " فعل ماض ناقص فعل الشرط، مبني على الفتح في محل جزم " ذاك " ذا: اسم كان، وخبرها محذوف، والتقدير: إن كان ذاك محمودا، أو نحوه " ولا " الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي " أب " بالرفع - معطوف على محل لا واسمها، فإنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، وفيه إعرابان آخران ستعرفهما في بيان الاستشهاد بالبيت. الشاهد فيه: قوله " ولا أب " حيث جاء مرفوعا على واحد من ثلاثة أوجه: إما على أن يكون معطوفا على محل " لا " مع اسمها كما ذكرناه، أو على أن " لا " الثانية عاملة عمل ليس، و" أب " اسمها، وخبرها محذوف، أو على أن تكون " لا " غير عاملة أصلا، بل هي زائدة، ويكون " أب " مبتدأ خبره محذوف، وقد ذكر ذلك الشارح العلامة. ومثله قول جرير بن عطية: بأي بلاء يا نمير بن عامر وأنتم ذنابى، لا يدين ولا صدر؟ وقد ورد على غرار ذلك قول المتنبي: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
[ ٢ / ١٤ ]
وإن نصب المعطوف عليه جاز في المعطوف الأوجه الثلاثة المذكورة أعني البناء والرفع والنصب نحو لا غلام رجل ولا امرأة ولا امرأة ولا امرأة.
وإن رفع المعطوف عليه جاز في الثاني وجهان الأول: البناء على الفتح نحو لا رجل ولا امرأة ولا غلام رجل ولا امرأة ومنه قوله:
١١٢ - فلا لغو ولا تأثيم فيها وما فاهوا به أبدا مقيم
_________________
(١) البيت لامية بن أبي الصلت، ولكن الشارح - كغيره من النحاة - قد لفق صدر بيت من أبيات كلمة أمية على عجز بيت آخر منها، وصواب إنشاد البيتين هكذا: ولا لغو ولا تأثيم فيها ولا حين ولا فيها مليم وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به أبدا مقيم اللغة: " لغو " أي. قول باطل، وما لا يعتد به من الكلام " تأثيم " هو مصدر أثمته - بتشديد الثاء - بمعنى نسبته إلى الاثم بأن قلت له: يا آثم، يريد أن بعضهم لا ينسب بعضا إلى الاثم، لانهم لا يفعلون ما يصحح نسبتهم إليه " حين " هلاك وفناء " مليم " بضم الميم وهو الذي يفعل ما يلام عليه " ساهرة " هي وجه الارض، يريد أن في الجنة لحم حيوان البر. الاعراب: " فلا " نافية ملغاة " لغو " مبتدأ، مرفوع بالضمة الظاهرة " ولا " الواو عاطفة، لا: نافية للجنس تعمل عمل إن " تأثيم " اسم لا مبني على الفتح في محل نصب " فيها " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " لا " وخبر المبتدأ محذوف يدل عليه خبر لا هذا، ويجوز عكس ذلك على ضعف فيه فيكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف خبر المبتدأ، ويكون خبر لا هو المحذوف، وعلى أية حال فإن الواو قد عطفت جملة لا مع اسمها وخبرها على جملة المبتدأ والخبر " وما " اسم موصول مبتدأ " فاهوا " فعل وفاعل، والجملة من فاه وفاعله لا محل لها صلة الموصول " به " جار ومجرور متعلق بفاهوا " أبدا " منصوب على الظرفية ناصبه فاهوا أو مقيم " مقيم " خبر المبتدأ، ويجوز أن تكون لا الاولى نافية عاملة عمل ليس، ولغو: اسمها، وخبرها محذوف يدل عليه خبر لا الثانية العاملة عمل إن أو خبر لا الاولى هو =
[ ٢ / ١٥ ]
والثاني: الرفع نحو لا رجل ولا امرأة ولا غلام رجل ولا امرأة (١) ولا يجوز النصب للثاني لأنه إنما جاز فيما تقدم للعطف على محل اسم لا ولا هنا ليست بناصبة فيسقط النصب ولهذا قال المصنف:
وإن رفعت أولا لا تنصبا.
ومفردا نعتا لمبني يلي فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل (٢)
_________________
(١) = المذكور بعد، وخبر الثانية محذوف يدل عليه خبر الاولى، وتكون الواو قد عطفت جملة لا الثانية العاملة عمل إن على جملة لا الاولى العاملة عمل ليس، ولكن الوجه الثاني من وجهي الخبر ضعيف، لما يلزم عليه من العطف قبل استكمال المعطوف عليه. الشاهد فيه: قوله " فلا لغو ولا تأثيم " حيث ألغى لا الاولى، أو أعملها عمل ليس، فرفع الاسم بعدها، وأعمل " لا " الثانية عمل " إن " على ما بيناه في إعراب البيت. ومثل هذا الشاهد قول عامر بن جوين الطائي، وهو الشاهد رقم ١٤٦ الآتي في باب الفاعل: فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها الرواية فيه برفع " مزنة " بالضمة الظاهرة وبفتح " أرض " والقول فيهما كالقول في " لا لغو ولا تأثيم ".
(٢) من شواهد هذا الوجه قول الله تعالى: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) يرفع الثلاثة في قراءة غير أبي عمرو وابن كثير، وقول عبيد بن حصين الراعي: وما هجرتك حتى قلت معلنة: لا ناقة لي في هذا ولا جمل وقد نسج عليه أبو الطيب المتنبي في قوله: بم التعلل لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن؟ (٢) " ومفردا نعتا " يجوز أن يكون مفردا مفعولا مقدما تنازعه العوامل الثلاثة =
[ ٢ / ١٦ ]
إذا كان اسم لا مبنيا ونعت بمفرد يليه أي لم يفصل بينه وبينه بفاصل جاز في النعت ثلاثة أوجه:
الأول: البناء على الفتح لتركبه مع اسم لا نحو لا رجل ظريف.
الثاني: النصب مراعاة لمحل اسم لا نحو لا رجل ظريفا.
الثالث: الرفع مراعاة لمحل لا واسمها لأنهما في موضع رفع عند سيبويه كما تقدم نحو لا رجل ظريف.
وغير ما يلي وغير المفرد لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد (١)
_________________
(١) = الآتية ويكون نعتا بدلا منه، ويجوز أن يكون مفردا حالا من نعتا، وجاز مجئ الحال من النكرة لتقدمه عليها ولتخصصه بالمتعلق أو بالوصف، ويكون نعتا مفعولا تنازعه العوامل الثلاثة " لمبني " جار ومجرور متعلق بقوله نعتا، أو بمحذوف صفة له " يلي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نعت، والجملة في محل نصب صفة لقوله نعتا " فافتح " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، " أو " عاطفة " انصبن " فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ونون التوكيد حرف لا محل له من الاعراب " أو " حرف عطف " ارفع " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " تعدل " فعل مضارع مجزوم في جواب الامر، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لاجل الروى.
(٢) " وغير " مفعول مقدم على عامله، وهو قوله " لا تبن " الآتي، وغير مضاف و" ما " اسم موصول: مضاف إليه " يلي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لا محل لها صلة ما " وغير " الواو عاطفة، غير: معطوف على غير السابقة، وغير مضاف، و" المفرد " مضاف إليه " لا " =
[ ٢ / ١٧ ]
تقدم في البيت الذي قبل هذا أنه إذا كان النعت مفردا والمنعوت مفردا ووليه النعت جاز في النعت ثلاثة أوجه وذكر في هذا البيت أنه إن لم يل النعت المفرد المنعوت المفرد بل فصل بينهما بفاصل لم يجز بناء النعت فلا تقول لا رجل فيها ظريف ببناء ظريف بل يتعين رفعه نحو لا رجل فيها ظريف أو نصبه نحو لا رجل فيها ظريفا وإنما سقط البناء على الفتح لأنه إنما جاز عند عدم الفصل لتركب النعت مع الاسم ومع الفصل لا يمكن التركيب كما لا يمكن التركيب إذا كان المنعوت غير مفرد نحو لا طالعا جبلا ظريفا ولا فرق في امتناع البناء على الفتح في النعت عند الفصل بين أن يكون المنعوت مفردا كما مثل أو غير مفرد. وأشار بقوله وغير المفرد إلى أنه إن كان النعت غير مفرد كالمضاف والمشبه بالمضاف تعين رفعه أو نصبه فلا يجوز بناؤه على الفتح ولا فرق في ذلك بين أن يكون المنعوت مفردا أو غير مفرد ولا بين أن يفصل بينه وبين النعت أو لا يفصل وذلك نحو لا رجل صاحب بر فيها ولا غلام رجل فيها صاحب بر. وحاصل ما في البيتين أنه إن كان النعت مفردا والمنعوت مفردا ولم يفصل بينهما جاز في النعت ثلاثة أوجه نحو لا رجل ظريف وظريفا وظريف وإن لم يكن كذلك تعين الرفع أو النصب ولا يجوز البناء.
_________________
(١) = ناهية " تبن " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " وانصبه " الواو عاطفة، انصب: فعل أمر مبني على السكون لا محل له من الاعراب، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به لا نصب " أو " عاطفة " الرفع " مفعول به مقدم لا قصد " اقصد " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت.
[ ٢ / ١٨ ]
والعطف إن لم تتكرر لا احكما له بما للنعت ذي الفصل انتمى (١)
تقدم أنه إذا عطف على اسم لا نكرة مفردة وتكررت لا يجوز في المعطوف ثلاثة أوجه الرفع والنصب والبناء على الفتح نحو لا رجل ولا امرأة ولا امرأة ولا امرأة وذكر في هذا البيت أنه إذا لم تتكرر لا يجوز في المعطوف ما جاز في النعت المفصول وقد تقدم في البيت الذي قبله أنه يجوز فيه الرفع والنصب (٢) ولا يجوز فيه البناء على الفتح
_________________
(١) " والعطف " مبتدأ " إن " شرطية " لم " حرف نفي وجزم وقلب " تتكرر " فعل مضارع فعل الشرط " لا " قصد لفظه: فاعل تتكرر " احكما " فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا لاجل الوقف، ونون التوكيد المنقلبة ألفا حرف لا محل له من الاعراب، وفاعل احكم ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وحذفت منه الفاء ضرورة، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ " له، بما " جاران ومجروران يتعلقان باحكم، وما: اسم موصول " للنعت " جار ومجرور متعلق بقوله انتمى الآتي " ذي " نعت للنعت، وذي مضاف، و" الفصل " مضاف إليه " انتمى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ما " الموصولة، والجملة من انتمى وفاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. وحاصل البيت: والعطف إن لم تتكرر لا فاحكم له بالحكم الذي انتمى للنعت صاحب الفصل من منعوته، وذلك الحكم هو امتناع البناء وجواز ما عداه من الرفع والنصب.
(٢) من شواهد هذه المسألة قول رجل من بني مناة بن كنانة يمدح مروان بن الحكم وابنه عبد الملك: فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا فأنت تراه قد عطف " ابنا " على اسم لا الذي هو " أب " وأتى بالمعطوف =
[ ٢ / ١٩ ]
فتقول: لا رجل وامرأة وامرأة ولا يجوز البناء على الفتح وحكى الأخفش لا رجل وامرأة بالبناء على الفتح على تقدير تكرر لا فكأنه قال لا رجل ولا امرأة ثم حذفت لا.
وكذلك إذا كان المعطوف غير مفرد لا يجوز فيه إلا الرفع والنصب سواء تكررت لا نحو لا رجل ولا غلام امرأة أو لم تتكرر نحو لا رجل وغلام امرأة (١) .
هذا كله إذا كان المعطوف نكرة فإن كان معرفة لا يجوز فيه إلا الرفع على كل حال نحو لا رجل ولا زيد فيها أو لا رجل وزيد فيها.
وأعط لا مع همزة استفهام ما تستحق دون الاستفهام (٢)
_________________
(١) = منصوبا، وقد كان يجوز له أن يأتي به مرفوعا بالعطف على محل " لا " مع اسمها، فإن محلهما رفع بالابتداء عند سيبويه، كما تقدم ذكره مرارا.
(٢) ذكر الناظم والشارح حكم العطف على اسم لا، وحكم نعته، ولم يذكر واحد منهما حكم البدل منه. وحاصله أن البدل إما أن يكون نكرة كاسم لا، وإما أن يكون معرفة، فإذا كان البدل نكرة جاز فيه الرفع والنصب، فتقول: لا أحد رجلا وامرأة فيها، وتقول: لا أحد رجل وامرأة فيها، وإن كان البدل معرفة لم يجز فيه إلا الرفع، فتقول: لا أحد زيد وعمرو فيها. وأما التوكيد فلا يأتي منه المعنوي، لان ألفاظه معارف، واسم " لا " نكرة، ولا تؤكد النكرة توكيدا معنويا على ما ستعرف في باب التوكيد إن شاء الله.
(٣) " وأعط " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لا " قصد لفظه: مفعول أول لاعط " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال من " لا " ومع مضاف، و" همزة " مضاف إليه، وهمزة مضاف، و" استفهام " مضاف إليه " ما " =
[ ٢ / ٢٠ ]
إذا دخلت همزة الاستفهام على لا النافية للجنس بقيت على ما كان لها من العمل وسائر الأحكام التي سبق ذكرها فتقول ألا رجل قائم وألا غلام رجل قائم وألا طالعا جبلا ظاهر وحكم المعطوف والصفة بعد دخول همزة الاستفهام كحكمها قبل دخولها.
هكذا أطلق المصنف رحمه الله تعالى هنا وفي كل ذلك تفصيل.
وهو: أنه إذا قصد بالاستفهام التوبيخ أو الاستفهام عن النفي فالحكم كما ذكر من أنه يبقى عملها وجميع ما تقدم ذكره من أحكام العطف والصفة وجواز الإلغاء.
فمثال التوبيخ قولك: ألا رجوع وقد شبت ومنه قوله:
١١٣ - ألا ارعواء لمن ولت شبيبته وآذنت بمشيب بعده هرم
_________________
(١) = اسم موصول: مفعول ثان لاعط " تستحق " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على " لا " ومفعوله ضمير محذوف يعود على " ما " الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " دون " ظرف متعلق بمحذوف حال من " لا " ودون مضاف و" الاستفهام " مضاف إليه. وحاصل البيت: وأعط " لا " النافية حال كونها مصاحبة الهمزة الدالة على الاستفهام نفس الحكم الذي كانت " لا " هذه تستحقه حال كونها غير مصحوبة بأداة الاستفهام.
(٢) هذا البيت لم ينسبه أحد ممن استشهد - به فيما بين أيدينا من المراجع - إلى قائل معين. اللغة: " ارعواء " أي: انتهاء، وانكفاف، وانزجار، وهو مصدر ارعوى يرعوي: أي كف عن الامر وتركه " آذنت " أعلمت " ولت " أدبرت " مشيب " شيخوخة وكبر " هرم " فناء للقوة وذهاب للفتاء ودواعي الصبوة. =
[ ٢ / ٢١ ]
ومثال الاستفهام عن النفي قولك ألا رجل قائم ومنه قوله:
١١٤ - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد؟ إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
_________________
(١) = المعنى: أفما يكف عن المقابح ويدع دواعي النزق والطيش هذا الذي فارقه الشباب وأعلمته الايام أن جسمه قد أخذ في الاعتلال، وسارعت إليه أسباب الفناء والزوال؟ ! الاعراب: " ألا " الهمزة للاستفهام، ولا: نافية للجنس، وقصد بالحرفين جميعا التوبيخ والانكار " ارعواء " اسم لا " لمن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " لا " ومن: اسم موصول " ولت " ولى: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " شبيبته " شبيبة: فاعل ولت، وشبيبة مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة من ولت وفاعله لا محل لها صلة الموصول " وآذنت " الواو عاطفة، آذن: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى شبيبة " بمشيب " جار ومجرور متعلق بآذنت " بعده " بعد: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وبعد مضاف والهاء ضمير المشيب مضاف إليه " هرم " مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل جر صفة لمشيب. الشاهد فيه: قوله " ألا ارعواه " حيث أبقى للا النافية عملها الذي تستحقه مع دخول همزة الاستفهام عليها، لانه قصد بالحرفين جميعا التوبيخ والانكار.
(٢) نسب هذا البيت لمجنون بني عامر قيس بن الملوح، ويروى في صدره اسمها هكذا: ألا اصطبار لليلى أم لها جلد اللغة: " اصطبار " تصبر، وتجلد، وسلوان، واحتمال " لاقاه أمثالي " كناية عن الموت. المعنى: ليت شعري إذا أنا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت أيمتنع الصبر على سلمى أم يبقى لها تجلدها وصبرها؟. الاعراب: " ألا " الهمزة للاستفهام، ولا: نافية للجنس " اصطبار " اسم " لا " مبني على الفتح في محل نصب " لسلمى " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " لا " =
[ ٢ / ٢٢ ]
وإذا قصد بألا التمني فمذهب المازني أنها تبقى على جميع ما كان لها من الأحكام وعليه يتمشى إطلاق المصنف ومذهب سيبويه أنه يبقى لها عملها في الاسم ولا يجوز إلغاؤها ولا الوصف أو العطف بالرفع مراعاة للابتداء.
ومن استعمالها للتمني قولهم ألا ماء ماء باردا وقول الشاعر:
ألا عمر ولى مستطاع رجوعه فيرأب ما أثأت يد الغفلات
_________________
(١) = " أم " عاطفة " لها " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " جلد " مبتدأ مؤخر. والجملة معطوفة على جملة " لا " واسمها وخبرها " إذا " ظرفية " ألاقي " فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة في محل جر بإضافة " إذا " إليها " الذي " اسم موصول: مفعول به لالاقي " لاقاه " لاقى: فعل ماض، والهاء مفعول به للاقى تقدم على فاعله " أمثالي " أمثال: فاعل لاقى، وأمثال مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول لا محل لها صلة الموصول. الشاهد فيه: قوله " ألا اصطبار " حيث عامل " لا " بعدد دخول همزة الاستفهام مثل ما كان يعاملها به قبل دخولها، والمراد من الهمزة هنا الاستفهام، ومن " لا " النفي، فيكون معنى الحرفين معا الاستفهام عن النفي، وبهذا البيت يندفع ما ذهب إليه الشلوبين من أن الاستفهام عن النفي لا يقع، وكون الحرفين (معا)؟ دالين على الاستفهام عن النفي في هذا البيت مما لا يرتاب فيه أحد، لان مراد الشاعر أن يسأل: أينتفي عن محبوبته الصبر إذا مات، فتجزع عليه، أم يكون لها جلد وتصبر؟ ١١٥ - احتج بهذا البيت جماعة من النحاة ولم ينسبه أحد منهم - فيما نعلم - إلى قائل معين. اللغة: " ولى " أدبر، وذهب " فيرأب " (يجبر)؟ ويصلح " أثأت " فتقت، وصدعت =
[ ٢ / ٢٣ ]
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر (١)
_________________
(١) = وشعبت، وأفسدت، تقول: رأب فلان الصدع، ورأب فلان الاناء، إذا أصلح ما فسد منهما، وقال الشاعر: يرأب الصدع والثأي برصين من سجايا آرائه ويغير (يغير - بفتح باء المضارعة - بمعنى يمير: أي يمون الناس) . الاعراب: " ألا " كلمة واحدة للتمني، ويقال: الهمزة للاستفهام، وأريد بها التمني ولا: نافية للجنس، وليس لها خبر لا لفظا ولا تقديرا " عمر " اسمها " ولى " فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عمر، والجملة في محل نصب صفة لعمر " مستطاع " خبر مقدم " رجوعه " رجوع: مبتدأ مؤخر، ورجوع مضاف والضمير العائد إلى العمر مضاف إليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب صفة ثانية لعمر " فيرأب " الفاء للسببية، يرأب: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية في جواب التمني، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عمر " ما " اسم موصول: مفعول به ليرأب " أثأت " أثأى: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " يد " فاعل أثأت، ويد مضاف و" الغفلات " مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها صلة الموصول، والعائد ضمير منصوب محذوف تقديره " أثأته ". الشاهد فيه: قوله " ألا عمر " حيث أريد بالاستفهام مع " لا " مجرد التمني، وهذا كثير في كلام العرب، ومما يدل على كون " ألا " للتمني في هذا البيت نصب المضارع بعد فاء السببية في جوابه.
(٢) " وشاع " فعل ماض " في " حرف جر " ذا " اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بفي، والجار والمجرور متعلق بشاع " الباب " بدل أو عطف بيان من اسم الاشارة " إسقاط " فاعل شاع، وإسقاط مضاف و" الخبر " مضاف إليه " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط " المراد " فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وتقديره: إذا ظهر المراد " مع " ظرف متعلق بقوله " ظهر " الآتي، ومع مضاف وسقوط من " سقوطه " مضاف إليه، وسقوط مضاف والهاء مضاف إليه " ظهر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المراد، والجملة من ظهر لا محل لها من الاعراب مفسرة.
[ ٢ / ٢٤ ]
إذا دل دليل على خبر لا النافية للجنس وجب حذفه عند التميميين والطائيين وكثر حذفه عند الحجازيين ومثاله أن يقال هل من رجل قائم فتقول لا رجل وتحذف الخبر وهو قائم وجوبا عند التميميين والطائيين وجوازا عند الحجازيين ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر غير ظرف ولا جار ومجرور كما مثل أو ظرفا أو جارا ومجرورا نحو أن يقال هل عندك رجل أو هل في الدار رجل فتقول لا رجل.
فإن لم يدل على الخبر دليل لم يجز حذفه عند الجميع نحو قوله ﷺ لا أحد أغير من الله وقول الشاعر:
١١٦ - ولا كريم من الولدان مصبوح
_________________
(١) نسب الزمخشري في المفصل (١ / ٨٩ بتحقيقنا) هذا الشاهد لحاتم الطائي، ونسبه الجرمي - مع صدره - لابي ذؤيب الهذلي، والصواب أنه كما قال - الاعلم لرجل جاهلي من بني النبيت بن قاسط (وصوابه ابن مالك) - وهو حي من اليمن - وكان قد اجتمع هو وحاتم والنابغة الذبياني عند امرأة يقال لها ماوية بنت عفزر يخطبونها، فآثرت حاتما عليهما، وصدر هذا الشاهد: إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها وبعض النحاة - كسيبويه، والاعلم، وتبعهم الاشموني - يجعل صدر هذا الشاهد قوله: ورد جازرهم حرفا مصرمة وهذا من تركيب صدر بيت على عجز بيت آخر، وهاك ثلاثة أبيات منها البيت الشاهد لتعلم صحة الانشاد. هلا سألت النبيتيين ما حسبي عند الشتاء إذا ما هبت الريح ورد جازرهم حرفا مصرمة في الرأس منها وفي الاصلاء تمليح =
[ ٢ / ٢٥ ]
وإلى هذا أشار المصنف بقوله إذا المراد مع سقوطه ظهر واحترز بهذا مما لا يظهر المراد مع سقوطه فإنه لا يجوز حينئذ الحذف كما تقدم.
_________________
(١) = إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها ولا كريم من الولدان مصبوح اللغة: " اللقاح " جمع لقوح، وهي الناقة الحلوب " أصرتها " جمع صرار، وهو خيط يشد به رأس الضرع لئلا يرضعها ولدها، وإنما تلقى الاصرة حين لا يكون در، وذلك في سني القحط " مصبوح " اسم مفعول من صبحته - بتخفيف الباء - إذا سقيته الصبوح، وهو - بفتح الصاد وضم الباء الموحدة - الشرب بالغداة، والغداة: الوقت ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس. الاعراب: " إذا " ظرف للزمان المستقبل تضمن معنى الشرط " اللقاح " اسم لغدا محذوفا يدل عليه المذكور بعده، وخبره محذوف يدل عليه ما بعده أيضا، والتقدير: إذا غدت اللقاح ملقى أصرتها " غدت " غدا: فعل ماض ناقص بمعنى صار، والتاء للتأنيث، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على اللقاح " ملقى " خبر غدا، وهو اسم مفعول " أصرتها " أصرة: نائب فاعل لملقى، وأصرة مضاف والضمير العائد إلى اللقاح مضاف إليه " ولا " نافية للجنس " كريم " اسمها " من الولدان " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لكريم " مصبوح " خبر لا. الشاهد فيه: قوله " ولا كريم من الولدان مصبوح " حيث ذكر خبر لا، وهو قوله " مصبوح " لكونه ليس يعلم إذا حذف، ولو أنه حذفه فقال " ولا كريم من الولدان " لفهم منه أن المراد ولا كريم من الولدان موجود، لان الذي يحذف عند عدم قيام قرينة هو الكون العام، ولا شك أن هذا المعنى غير المقصود له. هذا تخريج البيت على ما يريد الشارح والناظم تبعا لسيبويه شيخ النحاة. وقد أجاز الاعلم الشنتمري وأبو علي الفارسي وجار الله الزمخشري أن يكون الخبر محذوفا، وعليه يكون قوله " مصبوح " نعتا لاسم لا، باعتبار أصله، وهو المعبر عنه بأنه تابع على محل لا واسمها معا، لانهما في التقدير مبتدأ عند سيبويه، كما تقدم بيانه. =
[ ٢ / ٢٦ ]
_________________
(١) قال الاعلم: " ويجوز أن يكون نعتا لاسمها محمولا على الموضع، ويكون الخبر محذوفا لعلم السامع، وتقديره موجود ونحوه " اهـ. وقال الزمخشري: " وقول حاتم ولا كريم إلخ يحتمل أمرين: أحدهما أن يترك فيه طائيته إلى اللغة الحجازية، والثاني ألا يجعل مصبوح خبرا، ولكن صفة محمولة على محل لا مع المنفي " اهـ. ويريد بترك طائيته أنه ذكر خبر لا، لانك قد علمت أن لغة الطائيين حذف خبر لا مطلقا، أعني سواء أكان ظرفا أو جارا ومجرورا أم كان غيرهما، متى فهم ودلت عليه قرينة، أو كان كونا مطلقا، ويكون حاتم قد تكلم في هذا البيت على لغة أهل الحجاز الذين يذكرون خبر لا، عند عدم قيام القرينة على حذفه، أو عند تعلق الغرض بذكره لداعية من الدواعي، لكن الذي يقرره العلماء أن العربي لا يستطيع أن يتكلم بغير لغته التي درب عليها لسانه، فإذا نحن راعينا ذلك وجب أن نصير إلى الوجه الآخر وهو أن نقدر قوله " مصبوح " نعتا لقوله " لا كريم " أي نعتا على محل لا مع اسمها وهو الرفع حتى يكون كلامه جاريا على لغة قومه، فاعرف هذا، والله يرشدك ويبصرك.
[ ٢ / ٢٧ ]
ظن وأخواتها
انصب بفعل القلب جزئي ابتدا أعني رأى خال علمت وجدا (١)
ظن حسبت وزعمت مع عد حجا درى وجعل اللذ كاعتقد (٢)
وهب تعلم والتي كصيرا أيضا بها انصب مبتدا وخبرا (٣)
هذا هو القسم الثالث من الأفعال الناسخة للابتداء وهو ظن وأخواتها.
وتنقسم إلى قسمين أحدهما أفعال القلوب والثاني أفعال التحويل فأما أفعال القلوب فتنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يدل على اليقين وذكر المصنف منها خمسة رأى وعلم ووجد ودرى وتعلم.
والثاني: منهما
_________________
(١) " انصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره "أنت " بفعل " جار ومجرور متعلق بانصب، وفعل مضاف، و" القلب " مضاف إليه " جزءي " مفعول به لانصب، وجزءي مضاف، و" ابتدا " مضاف إليه " أعني " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " رأى " قصد لفظه: مفعول به لاعني " خال، علمت، وجدا " كلهن معطوفات على رأى بعاطف مقدر.
(٢) " ظن، حسبت، وزعمت " كلهن معطوفات على " رأى " المذكور في البيت السابق بعاطف مقدر فيما عدا الاخير " مع " ظرف متعلق بأعني، ومع مضاف، و" عد " قصد لفظه: مضاف إليه " حجا، درى، وجعل " معطوفات على عد بعاطف مقدر فيما عدا الاخير " اللذ " اسم موصول وهو لغة في الذي صفة لجعل " كاعتقد " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول.
(٣) " وهب، تعلم " معطوفان على " عد " بعاطف محذوف من الثاني " والتي " اسم موصول: مبتدأ " كصيرا " جار ومجرور متعلق بفعل محذوف تقع جملته صلة التي " أيضا " مفعول مطلق لفعل محذوف " بها " جار ومجرور متعلق بقوله انصب الآتي " انصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مبتدا " مفعول به لانصب " وخبرا " معطوف على مبتدا، وجملة انصب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ.
[ ٢ / ٢٨ ]
ما يدل على الرجحان وذكر المصنف منها ثمانية خال وظن وحسب وزعم وعد وحجا وجعل وهب.
فمثال رأى قول الشاعر:
١١٧ - رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنودا
فاستعمل رأى فيه لليقين وقد تستعمل رأى بمعنى ظن (١) كقوله تعالى: ﴿إنهم يرونه بعيدا﴾ أي يظنونه.
_________________
(١) البيت لخداش بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة بن بكر ابن هوازن. اللغة: " محاولة " تطلق المحاولة على القوة والقدرة، وتطلق على طلب الشئ بحيلة، والمعنى الثاني من هذين لا يليق بجانب الله تعالى " وأكثرهم جنودا " قد لفق الشارج العلامة - تبعا لكثير من النحاة - هذه اللفظة من روايتين: إحداهما رواها أبو زيد، وهي وأكثرهم عديدا والثانية رواها أبو حاتم، وهي وأكثره جنودا. الاعراب: " رأيت " فعل وفاعل " الله " منصوب على التعظيم، وهو المفعول الاول " أكبر " مفعول ثان لرأى، وأكبر مضاف، و" كل " مضاف إليه، وكل مضاف و" شئ " مضاف إليه " محاولة " تمييز " وأكثرهم " الواو عاطفة، أكثر: معطوف على " أكبر "، وأكثر مضاف والضمير مضاف إليه " جنودا " تمييز أيضا. الشاهد فيه: قوله " رأيت الله أكبر. إلخ " فإن رأى فيه دالة على اليقين، وقد نصبت مفعولين، أحدهما لفظ الجلالة، والثاني قوله " أكبر " على ما بيناه في الاعراب.
(٢) تأتي رأى بمعنى علم، وبمعنى ظن، وقد ذكرهما الشارح هنا، وتأتي كذلك بمعنى حلم، أي رأى في منامه وتسمى الحلمية وسيذكرها الناظم بعد، وهي بهذه المعاني الثلاثة تتعدى لمفعولين، وتأتي بمعنى أبصر نحو " رأيت الكواكب "، وبمعنى اعتقد نحو " رأى أبو حنيفة حل كذا " وتأتي بمعنى أصاب رئته وتقول " رأيت محمدا " = (٣٧ - شح ابن عقيل ١)
[ ٢ / ٢٩ ]
ومثال علم علمت زيدا أخاك وقول الشاعر:
١١٨ - علمتك الباذل المعروف فانبعثت إليك بي واجفات الشوق والأمل
_________________
(١) = تريد ضربته فأصبت رئته، وهي بهذه المعاني الثلاثة تتعدى لمفعول واحد، وقد تتعدى التي بمعنى اعتقد إلى مفعولين، كقول الشاعر: رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه خوارج تراكين قصد المخارج وقد جمع الشاعر في هذا البيت بين تعديتها لواحد وتعديتها لاثنين، فأما تعديتها لواحد ففي قوله " رأى مثل رأيه " وأما تعديتها لاثنين ففي قوله " رأى الناس خوارج " هكذا قيل، ولو قلت إن خوارج حال من الناس لم تكن قد أبعدت.
(٢) هذا البيت من الشواهد التي لم ينسبوها لقائل معين. اللغة: " الباذل " اسم فاعل من البذل، وهو الجود والاعطاء، وفعله من باب نصر " المعروف " اسم جامع لكل ما هو من خيري الدنيا والآخرة، وفي الحديث " صنائع المعروف تقى مصارع السوء "، " فانبعثت " ثارت ومضت ذاهبة في طريقها " واجفات " أراديها دواعي الشوق وأسبابه التي بعثته على الذهاب إليه، وهي جمع واجفة، وهي مؤنث اسم فاعل من الوجيف، وهو ضرب من السير السريع، وتقول: وجف البعير يجف وجفا - بوزان وعد يعد وعدا - ووجيفا، إذا سار، وقد أوجفه صاحبه، وفي الكتاب العزيز (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) . الاعراب: " علمتك " فعل وفاعل ومفعول أول " الباذل " مفعول ثان لعلم " المعروف " يجوز جره بالاضافة، ويجوز نصبه على أنه مفعول به للباذل " فانبعثت " الفاء عاطفة، وانبعث: فعل ماض، والتاء للتأنيث " إليك، بي " كل منهما جار ومجرور متعلق بانبعث " واجفات " فاعل بانبعث، وواجفات مضاف و" الشوق " مضاف إليه " والامل " معطوف على الشوق. الشاهد فيه: قوله " علمتك الباذل. إلخ) فإن علم في هذه العبارة فعل دال على اليقين، وقد نصب به مفعولين: أحدهما الكاف، والثاني قوله الباذل، على ما بيناه في الاعراب. =
[ ٢ / ٣٠ ]
ومثال وجد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾
ومثال درى قوله:
١١٩ - دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط فإن اغتباطا بالوفاء حميد
_________________
(١) = والذي يدل على أن " علم " في هذا البيت بمعنى اليقين أن المقصود مدح المخاطب واستجداؤه، وذلك يستدعي أن يكون مراده إني أيقنت بأنك جواد كريم تعطي من سألك، فلهذا أسرعت إليك مؤملا جدواك. وقد تأتي " علم " بمعنى ظن، ويمثل لها العلماء بقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) . وهي - إذا كانت بمعنى اليقين أو الظن - تتعدى إلى مفعولين. وقد تأتي بمعنى عرف فتتعدى الواحد، وقد تأتي بمعنى صار أعلم أي مشقوق الشفة العليا فلا تتعدى أصلا.
(٢) وهذا الشاهد - أيضا - لم ينسبوه إلى قائل معين. اللغة: " دريت " بالبناء للمجهول - من درى - إذا علم " فاغتبط " أمر من الغبطة، وهي أن تتمنى مثل حال الغير من غير أن تتمنى زوال حاله عنه، وأراد الشاعر بأمره بالاغتباط أحد أمرين، أولهما: الدعاء له بأن يدوم له ما يغبطه الناس من أجله، والثاني: أمره بأن يبقى على اتصافه بالصفات الحميدة التي تجعل الناس يغبطونه. المعنى: إن الناس قد عرفوك الرجل الذي يفي إذا عاهد، فيلزمك أن تغتبط بهذا، وتقربه عينا، ولا لوم عليك في الاغتباط به. الاعراب: " دريت " درى: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، وهو المفعول الاول " الوفي " مفعول ثان " العهد " يجوز جره بالاضافة، ونصبه على التشبيه بالمفعول به، ورفعه على الفاعلية، لان قوله " الوفي " صفة مشبهة، والصفة يجوز في معمولها الاوجه الثلاثة المذكورة " يا عرو " يا: حرف نداء، وعرو: منادى مرخم بحذف التاء، وأصله عروة " فاغتبط " الفاء عاطفة، اغتبط: فعل =
[ ٢ / ٣١ ]
ومثال تعلم وهي التي بمعنى اعلم (١) قوله:
١٢٠ - تعلم شفاء النفس قهر عدوها فبالغ بلطف في التحيل والمكر
_________________
(١) = أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " فإن " الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب " اغتباطا " اسم إن " بالوفاء " جار ومجرور متعلق باغتباط، أو بمحذوف صفة لاغتباط " حميد " خبر " إن " مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد فيه: قوله " دريت الوفي العهد " فإن " درى " فعل دال على اليقين، وقد نصب به مفعولين، أحدهما: التاء التي وقعت نائب فاعل، والثاني هو قوله " الوفي " على ما سبق بيانه. هذا، واعلم أن " درى " يستعمل على طريقين، أحدهما: أن يتعدى لواحد بالباء نحو قولك: دريت بكذا، فإن دخلت عليه همزة تعدى بها لواحد ولثان بالباء كما في قوله تعالى: (ولا أدراكم به) والثاني: أن ينصب مفعولين بنفسه كما في بيت الشاهد، ولكنه قليل.
(٢) احترز بقوله " وهي التي بمعنى اعلم " عن التي في نحو قولك: تعلم النحو، والفرق بينهما من ثلاثة أوجه، أحدها: أن قولك " تعلم النحو " أمر بتحصيل العلم في المستقبل، وذلك بتحصيل أسبابه، وأما قولك " تعلم أنك ناجح " فإنه أمر بتحصيل العلم بما يذكر مع الفعل من المتعلقات في الحال، وثانيهما: أن التي من أخوات ظن تتعدى إلى مفعولين، والاخرى تتعدى إلى مفعول واحد، وثالثها: أن التي من أخوات ظن جامدة غير متصرفة، وتلك متصرفة، تامة التصرف، تقول: تعلم الحساب يتعلمه وتعلمه أنت.
(٣) البيت لزياد بن سيار بن عمرو بن جابر. اللغة: " تعلم " اعلم واستيقن " شفاء النفس " قضاء مأربها " لطف " رفق " التحيل " أخذ الاشياء بالحيلة. المعنى: اعلم أنه إنما يشفى نفوس الرجال أن يستطيعوا قهر أعدائهم والتغلب عليهم، فيلزمك أن تبالغ في الاحتيال لذلك، لكي تبلغ ما تريد. الاعراب: " تعلم " فعل بمعنى اعلم، وهو فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " شفاء " مفعول أول لتعلم، وشفاء مضاف، و" النفس " مضاف إليه " قهر " مفعول ثان لتعلم، وقهر مضاف، وعدو من " عدوها " مضاف إليه، وعدو =
[ ٢ / ٣٢ ]
وهذه مثل الأفعال الدالة على اليقين.
ومثال الدالة على الرجحان قولك خلت زيدا أخاك وقد تستعمل خال (١) لليقين كقوله:
١٢١ - دعاني الغواني عمهن وخلتني لي اسم فلا أدعى به وهو أول
_________________
(١) = مضاف، وها مضاف إليه " فبالغ " الفاء للتفريع، بالغ: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجولا تقديره أنت " بلطف " جار ومجرور متعلق ببالغ " في التحيل " جار ومجرور متعلق بلطف، أو بمحذوف صفة له " والمكر " معطوف على التحيل. الشاهد فيه: قوله " تعلم شفاء النفس قهر عدوها " حيث ورد فيه " تعلم " بمعنى اعلم، ونصب به مفعولين، على ما ذكرناه في الاعراب. ثم اعلم أن هذه الكلمة أكثر ما تتعدى إلى " أن " المؤكدة ومعموليها، كما في قول النابغة الذبياني: تعلم أنه لا طير إلا على متطير، وهو الثبور وقول الحارث بن ظالم المرئ: تعلم - أبيت اللعن! - أني فاتك من اليوم أو من بعده بابن جعفر وكذلك قول الحارث بن عمرو، وينسب لعمرو بن يكرب: تعلم أن خير الناس طرا قتيل بين أحجار الكلاب ويندر أن تنصب مفعولين كل منهما اسم مفرد غير جملة كما في بيت الشاهد.
(٢) هذا البيت للنمر بن تولب العكلي، من قصيدة له مطلعها قوله: تأبد من أطلال جمرة مأسل فقد أقفرت منها سراء فيذبل اللغة: " دعاني الغواني " الغواني: جمع غانية، وهي التي استغنت بجمالها عن الزينة أو هي التي استغنت ببيت أبيها عن الازواج، أو هي اسم فاعل من " غنى بالمكان " أي أقام به، ويروى: " دعاني العذارى " والعذارى: جمع عذراء، وهي الجارية البكر، ويروى: " دعاء العذارى " ودعاء - في هذه الرواية - مصدر دعا مضاف إلى فاعله، وعمهن مفعوله. =
[ ٢ / ٣٣ ]
وظننت زيدا صاحبك وقد تستعمل لليقين كقوله تعالى: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ وحسبت زيدا صاحبك وقد تستعمل لليقين كقوله:
١٢٢ - حسبت التقى والجود خير تجارة رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
_________________
(١) = الاعراب: " دعاني " دعا: فعل ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول أول " الغواني " فاعل دعا " عمهن " عم: مفعول ثان لدعا، وعم مضاف والضمير مضاف إليه " وخلتني " فعل وفاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول أول، وفيه اتحاد الفاعل والمفعول في كونهما ضميرين متصلين لمسمى واحد وهو المتكلم وذلك من خصائص أفعال القلوب " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " اسم " مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثان لخال " فلا " نافية " أدعى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " وهو " الواو واو الحال، وهو: ضمير منفصل مبتدأ " أول " خبر للمبتدأ، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال. الشاهد فيه: قوله " وخلتني لي اسم " فإن " خال " فيه بمعنى فعل اليقين، وليس هو بمعنى فعل الظن، لانه لا يظن أن لنفسه اسما، بل هو على يقين من ذلك، وقد نصب بهذا الفعل مفعولين، أولهما ضمير المتكلم، وهو الياء، وثانيهما جملة " لي اسم " من المبتدأ والخبر، على ما بيناه في الاعراب.
(٢) هذا البيت للبيد بن ربيعة العامري، من قصيدة طويلة عدتها اثنان وتسعون بيتا، وأولها قوله: كبيشة حلت بعد عهدك عاقلا وكانت له خبلا على النأى خابلا تربعت الاشراف ثم تصيفت حساء البطاح وانتجعن المسايلا اللغة: " كبيشة " على زنة التصغير اسم امرأة " عاقلا " بالعين المهملة والقاف: اسم جبل، قال ياقوت: " الذي يقتضيه الاشتقاق أن يكون عاقل اسم جبل، والاشعار التي قيلت فيه بالوادي أشبه، ويجوز أن يكون الوادي منسوبا إلى الجبل، لكونه من =
[ ٢ / ٣٤ ]
ومثال زعم قوله:
١٢٣ - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
_________________
(١) = لحفه " اه " خبلا " الخبل: فساد العقل، ويروى " وكانت له شغلا على النأى شاغلا " وقوله " تربعت الاشراف " معناه: نزلت به في وقت الربيع، والاشراف: اسم موضع، ولم يذكره ياقوت " تصيفت حساء البطاح " نزلت به زمان الصيف، وحساء البطاح: منزل لبني يربوع، وهو بضم باء البطاح كما قال ياقوت، ووهم العيني في ضبطه بكسر الباء لظنه أنه جمع بطحاء " رباحا " بفتح الراء الربح " ثاقلا " ميتا، لان البدن يكون خفيفا ما دامت الروح فيه، فإذا فارقته ثقل. المعنى: لقد أيقنت أن أكثر شئ ربحا إذا اتجر فيه الانسان إنما هو تقوى الله تعالى والجود، وإنه ليعرف الربح إذا مات، حيث يرى جزاء عمله حاضرا عنده. الاعراب: " حسبت " فعل وفاعل " التقى " مفعول أول " والجود " معطوف على التقى " خير " مفعول ثان لحسبت، وخير مضاف، و" تجارة " مضاف إليه " رباحا " تييز " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان " ما " زائدة " المرء " اسم لاصبح محذوفة تفسرها المذكورة بعد، وخبرها محذوف أيضا، والتقدير إذا أصبح المرء ثاقلا، والجملة من أصبح المحذوفة ومعموليها في محل جر بإضافة " إذا " إليها " أصبح " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المرء " ثاقلا " خبر أصبح، وهذه الجملة لا محل لها مفسرة. الشاهد فيه: قوله " حسبت التقى خبر تجارة إلخ " حيث استعمل الشاعر فيه " حسبت " بمعنى علمت، ونصب به مفعولين، أولهما قوله " التقى " وثانيهما قوله " خير تجارة " على ما بيناه في الاعراب.
(٢) هذا البيت لابي ذؤيب الهذلي اللغة: " أجهل " الجهل هو الخفة والسفه " الحلم " التؤدة والرزانة. المعنى: لئن كان يترجح لديك أنى كنت موصوفا بالنزق والطيش أيام كنت أقيم بينكم، فإنه قد تغير عندي كل وصف من هذه الاوصاف، وتبدلت بها رزانة وخلقا كريما. =
[ ٢ / ٣٥ ]
_________________
(١) = الاعراب: " إن " شرطية " تزعميني " فعل مضارع فعل الشرط، مجزوم بحذف النون، وياء المخاطبة فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول أول " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " أجهل " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة من أجهل وفاعله في محل نصب خبر كان، والجملة من " كان " واسمها وخبرها في محل نصب مفعول ثان لتزعم " فيكم " جار ومجرور متعلق بأجهل " فإني " الفاء واقعة في جواب الشرط، إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " شريت " فعل وفاعل، والجملة من شرى وفاعله في محل رفع خبر " إن " والجملة من إن ومعموليها في محل جزم جواب الشرط " الحلم " مفعول به لشريت " بعدك " بعد: ظرف متعلق بشريت، وبعد مضاف والكاف ضمير المخاطبة مضاف إليه " بالجهل " جار ومجرور متعلق بشريت. الشاهد فيه: قوله " تزعميني كنت أجهل " حيث استعمل المضارع من " زعم " بمعنى فعل الرجحان، ونصب به مفعولين، أحدهما ياء المتكلم، والثاني جملة " كان " ومعموليها، على ما ذكرناه في إعراب البيت. واعلم أن الاكثر في " زعم " أن تتعدى إلى معموليها بواسطة " أن " المؤكدة، سواء أكانت مخففة من الثقيلة نحو قوله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا)، وقوله سبحانه: (بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا) أم كانت مشددة كما في قول عبيد الله بن عتبة: فذق هجرها، قد كنت تزعم أنه رشاد، ألا يا ربما كذب الزعم وكما في قول كثير عزة: وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟ وهذا الاستعمال مع كثرته ليس لازما، بل قد تتعدى " زعم " إلى المفعولين بغير توسط " أن " بينهما، فمن ذلك بيت الشاهد الذي نحن بصدده، ومنه قول أبي أمية الحنفي، واسمه أوس: زعمتني شيخا، ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا =
[ ٢ / ٣٦ ]
ومثال عد قوله:
١٢٤ - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ولكنما المولى شريكك في العدم
_________________
(١) = وزعم الازهري أي " زعم " لا تتعدى إلى مفعوليها بغير توسط " أن " وعنده أن ما ورد مما يخالف ذلك ضرورة من ضرورات الشعر لا يقاس عليها، وهو محجوج بما روينا من الشواهد، وبأن القول بالضرورة خلاف الاصل.
(٢) هذا البيت للنعمان بن بشير، الانصاري، الخزرجي. اللغة: " لا تعدد " لا تظن " المولى " يطلق - في الاصل - على عدة معان سبق بيانها (ص ٢١١) والمراد منه هنا الحليف، أو الناصر " العدم " هو هنا بضم العين وسكون الدال الفقر، ويقال: عدم الرجل يعدم - بوزن علم يعلم - وأعدم فهو معدم، إذا افتقر. المعنى: لا تظن أن صديقك هو الذي يشاطرك المودة أيام غناك، فإنما الصديق الحق هو الذي يلوذ بك ويشاركك أيام فقرك وحاجتك. الاعراب: " فلا " ناهية " تعدد " فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المولى " مفعول أول لتعدد " شريكك " شريك: مفعول ثان لتعدد، وشريك مضاف، والكاف مضاف إليه " في الغنى " جار ومجرور متعلق بشريك " ولكنما " الواو عاطفة، لكن: حرف استدراك، وما: كافة " المولى " مبتدأ " شريكك " شريك: خبر المبتدأ، وشريك مضاف والكاف مضاف إليه " في العدم " جار ومجرور متعلق بشريك. الشاهد فيه: قوله " فلا تعدد المولى شريكك " حيث استعمل المضارع من " عد " بمعنى تظن، ونصب به مفعولين، أحدهما قوله " المولى " والثاني قوله " شريك " على ما سبق بيانه في الاعراب. ومثل بيت الشاهد في ذلك قول أبي دواد جارية بن الحجاج: لا أعد الاقتار عدما، ولكن فقد من قد فقدته الاعدام فقوله " أعد " بمعنى أظن، والاقتار: مصدر أقتر الرجل، إذا افتقر، وهو مفعوله الاول، وعدما: مفعول الثاني، ومثله أيضا قول جرير بن عطية: =
[ ٢ / ٣٧ ]
ومثال حجا قوله:
١٢٥ - قد كنت أحجوا أبا عمرو أخا ثقة حتى ألمت بنا يوما ملمات
_________________
(١) = تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى، لولا الكمي المقنعا فتعدون: بمعنى تظنون، وعقر النيب: مفعوله الاول، وأفضل مجدكم: مفعوله الثاني ١٢٥ - هذا البيت نسبه ابن هشام إلى تميم [بن أبي] بن مقبل، ونسبه صاحب المحكم إلى أبي شنبل الاعرابي، ونسبه ثعلب في أماليه إلى أعرابي يقال له القنان، ورواه ياقوت في معجم البلدان (١٦٥٧) أول أربعة أبيات، وبعده قوله: فقلت، والمرء تخطيه عطيته: أدنى عطيته إياي ميئات اللغة: " أحجو " أظن " ألمت " نزلت، والملمات: جمع ملمة وهي النازلة من نوازل الدهر المعنى: لقد كنت أظن أبا عمرو صديقا يركن إليه في النوازل، ولكني قد عرفت مقدار مودته، إذ نزلت بي نازلة فلم يكن منه إلا أن نفر مني وأعرض عني ولم يأخذ بيدي فيها. الاعراب: " قد " حرف تحقيق " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " أحجو " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " أبا " مفعول أول لاحجو، وأبا مضاف و" عمرو " مضاف إليه " أخا " مفعول ثان لاحجو، وجملة أحجو ومعموليه في محل نصب خبر كان " ثقة " يقرأ بالنصب منونا مع تنوين أخ، فهو حينئذ صفة له، ويقرأ بالجر منونا، فأخا - حينئذ - مضاف، و" ثقة " مضاف إليه، وعلى الاول هو معرب بالحركات، وعلى الثاني هو معرب بالحروف لاستيفائه شروط الاعراب بها " حتى " حرف غاية " ألمت " ألم: فعل ماض، والتاء للتأنيث " بنا " جار ومجرور متعلق بألم " يوما " ظرف زمان متعلق بألم " ملمات " فاعل ألم. الشاهد فيه: قوله " أحجو أبا عمرو أخا " حيث استعمل المضارع من " حجا " بمعنى ظن، ونصب به مفعولين، أحدهما " أبا عمرو " والثاني " أخا ثقة ". هذا، واعلم أن العيني صرح بأنه لم ينقل أحد من النحاة أن " حجا يحجر " ينصب مفعولين غير ابن مالك ﵀. =
[ ٢ / ٣٨ ]
ومثال جعل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾
وقيد المصنف جعل بكونها بمعنى اعتقد احترازا من جعل التي بمعنى صير فإنها من أفعال التحويل لا من أفعال القلوب ومثال هب قوله:
١٢٦ - فقلت أجرني أبا مالك وإلا فهبني امرأ هالكا
_________________
(١) = واعلم أيضا أن " حجا " تأتي بمعنى غلب في المحاجاة، وهي: أن تلقى على مخاطبك كلمة يخالف لفظها معناها، وتسمى الكلمة أحجية وأدعية، وتأتي حجا أيضا بمعنى قصد، ومنه قول الاخطل: حجونا بني النعمان إذ عص ملكهم وقبل بني النعمان حاربنا عمرو (عص ملكهم: أي صلب واشتد) وتأتي أيضا بمعنى أقام، ومنه قول عمارة ابن يمن: حيث تحجى مطرق بالفالق وقول العجاج: فهن يعكفن به إذا حجا عكف النبيط يلعبون الفنزجا والتي بمعنى غلب في المحاجاة أو قصد تتعدى إلى مفعول واحد، والتي بمعنى أقام في المكان لا تتعدى بنفسها، وإنما تتعدى بالباء، كما رأيت في الشواهد.
(٢) البيت لابن همام السلولي. اللغة: " أجرني " اتخذني لك جارا تدفع عنه وتحميه، هذا أصله، ثم أريد منه لازم ذلك، وهو الغياث والدفاع والحماية " أبا مالك " يروى في مكانه " أبا خالد " " هبني " أي عدني واحسبني. المعنى: فقلت أغثني يا أبا مالك، فإن لم تفعل فظن أني رجل من الهالكين. الاعراب: " فقلت " فعل وفاعل " أجرني " أجر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء مفعول به لاجر " أبا " منادى =
[ ٢ / ٣٩ ]
ونبه المصنف بقوله أعني رأى على أن أفعال القلوب منها ما ينصب مفعولين وهو رأى وما بعده مما ذكره المصنف في هذا الباب ومنها ما ليس كذلك وهو قسمان لازم نحو جبن زيد ومتعد إلى واحد نحو كرهت زيدا.
هذا ما يتعلق بالقسم الأول من أفعال هذا الباب وهو أفعال القلوب وأما أفعال التحويل وهي المرادة بقوله والتي كصيرا إلى آخره فتتعدى أيضا إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر وعدها بعضهم سبعة صير نحو صيرت الطين خزفا وجعل نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وهب كقولهم وهبني الله
_________________
(١) = بحرف نداء محذوف، وأبا مضاف، و" مالك " مضاف إليه " وإلا " هي إن الشرطية مدغمة في لا النافية، وفعل الشرط محذوف يدل عليه ما قبله من الكلام، وتقديره: وإن لا تفعل، مثلا " فهبني " الفاء واقعة في جواب الشرط، هب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء مفعول أول " امرأ " مفعول ثان لهب " هالكا " نعت لامرئ. الشاهد فيه: قوله " فهبني امرأ " فإن " هب " فيه بمعنى فعل الظن، وقد نصب مفعولين، أحدهما ياء المتكلم، وثانيهما قوله " امرأ " على ما أوضحناه في الاعراب. واعلم أن " هب " بهذا المعنى فعل جامد لا يتصرف، فلا يجئ منه ماض ولا مضارع، بل هو ملازم لصيغة الامر، فإن كان من الهبة وهي التفضل بما ينفع الموهوب له كان متصرفا تام التصرف، قال الله تعالى: (ووهبنا له إسحاق) وقال سبحانه: (يهب لمن يشاء إناثا) وقال: (هب لي حكما) . واعلم أيضا أن الغالب على " هب " أن يتعدى إلى مفعولين صريحين كما في البيت الشاهد، وقد يدخل على " أن " المؤكدة ومعموليها، فزعم ابن سيده والجرمي أنه لحن، وقال الاثبات من العلماء المحققين: ليس لحنا، لانه واقع في فصيح العربية، وقد روى؟ حديث عمر " هب أن أبانا كان حمارا "، وهو مع فصاحته قليل.
[ ٢ / ٤٠ ]
فداك أي صيرني وتخذ كقوله تعالى ﴿لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ واتخذ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وترك كقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ وقول الشاعر:
١٢٧ - وربيته حتى إذا ما تركته أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
_________________
(١) البيت لفرعان بن الاعرف - ويقال: هو فرعان بن الاصبح بن الاعرف أحد بني مرة، ثم أحد بني نزار بن مرة، من كلمة له يقولها في ابنه منازل، وكان له عاقا، والبيت من أبيات رواها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في ديوان الحماسة (انظر شرح التبريزي: ٤ - ١٨ بتحقيقنا) وأول ما رواه صاحب الحماسة منها قوله: جزت رحم بيني وبين منازل جزاء كما يستنزل الدر حالبه لربيته حتى إذ آض شيظما يكاد يساوي غارب الفحل غاربه فلما رآني أبصر الشخص أشخصا قريبا، وذا الشخص البعيد أقاربه تغمط حقي باطلا، ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه اللغة: " واستغنى عن المسح شاربه " كناية عن أنه كبر، واكتفى بنفسه، ولم تعد به حاجة إلى الخدمة. الاعراب: " ربيته " فعل وفاعل ومفعول " حتى " ابتدائية " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " ما " زائدة " تركته " فعل ماض وفاعله ومفعوله الاول، والجملة في محل جر بإضافة " إذا " إليها " أخا " مفعول ثان لترك، وأخا مضاف، و" القوم " مضاف إليه " واستغنى " فعل ماض " عن المسح " جار ومجرور متعلق باستغنى " شاربه " شارب: فاعل استغنى، وشارب مضاف والهاء ضمير الغائب مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " تركته أخا القوم " حيث نصب فيه ب " ترك " مفعولين، لانه في معنى فعل التصيير، أحدهما الهاء التي هي ضمير الغائب، وثانيهما قوله " أخا القوم "، وقد أوضحناهما في الاعراب، هذا، وقد قال الخطيب التبريزي في شرح الحماسة: إن " أخا القوم " حال من الهاء في " تركته " وساغ وقوعه حالا مع كونه معرفة، لانه مضاف إلى المحلى بأل والحال لا يكون إلا نكرة، لانه لا يعني قوما بأعيانهم، ولا =
[ ٢ / ٤١ ]
"ورد" كقوله:
١٢٨ - رمى الحدثان نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سودا
_________________
(١) = يخص قوما دون قوم، وإنما عنى أنه تركه قويا مستغنيا لاحقا بالرجال، اه بإيضاح، وعليه لا استشهاد في البيت، ولكن الذي عليه الجماعة أولى بالنظر والاعتبار.
(٢) البيتان لعبد الله بن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء الاسدي، وهما مطلع كلمة له اختارها أبو تمام في ديوان الحماسة، وقد رواها أبو علي القالي في ذيل أماليه (ص ١٥١) ولكنه نسبها إلى الكميت بن معروف الاسدي، وروى ابن قتيبة في عيون الاخبار (٢ / ٦٧٦) البيتين اللذين استشهد بهما الشارح ونسبهما إلى فضالة ابن شريك، والمعروف المشهور هو ما ذكره أبو تمام (انظر التبريزي ٢ / ٤٩٤) وبعد البيتين قوله: فإنك لو رأيت بكاء هند ورملة إذ تصكان الخدودا سمعت بكاء باكية وباك أبان الدهر واحدها الفقيدا اللغة: " الحدثان " جعله العيني عبارة عن الليل والنهار، وكأنه حسبه مثنى، وإنما الحدثان - بكسر فسكون - نوازل الدهر وحوادثه " سمدن " من باب قعد - أي حزن وأقمن متحيرات، وتوهمه العيني مبنيا للمجهول " فرد وجوههن إلخ " يريد أنه قد صير شعورهن بيضا من شدة الحزن ووجوههن سودا من شدة اللطم، ويشبه هذا ما روى أن العريان بن الهيثم دخل على عبد الملك بن مروان، فسأله عن حاله، فقال: ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض. يريد ابيض شعره وكبرت سنه وذهبت نضارة وجهه ورونق شبابه، فصار أسود كابيا. الاعراب: " رمى " فعل ماض " الحدثان " فاعل رمى " نسوة " مفعول به لرمي، ونسوة مضاف و" آل " مضاف إليه، وآل مضاف، و" حرب " مضاف إليه " بمقدار " جار ومجرور متعلق برمى " سمدن " فعل وفاعل " له " جار ومجرور =
[ ٢ / ٤٢ ]
وخص بالتعليق والإلغاء ما من قبل هب والأمر هب قد ألزما (١)
كذا تعلم ولغير الماض من سواهما اجعل كل ماله زكن (٢)
_________________
(١) = متعلق بسمد " سمودا " مفعول مطلق مؤكد لعامله " فرد " الفاء عاطفة، رد: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الحدثان " شعورهن " شعور: مفعول به أول لرد، وشعور مضاف وضمير النسوة مضاف إليه " السود " صفة لشعور " بيضا " مفعول ثان لرد، ورد وجوههن البيض سودا " مثل الجملة السابقة. الشاهد فيه: قوله " فرد شعورهم إلخ "، وقوله " ورد وجوههن إلخ " حيث استعمل " رد " في معنى التصيير والتحويل، ونصب به في كل واحد من الموضعين مفعولين.
(٢) " وخص " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بالتعليق " جار ومجرور متعلق بخص " والالغاء " معطوف على التعليق " ما " اسم موصول: مفعول به لخص، مبني على السكون في محل نصب، ويجوز أن يكون خص فعلا ماضيا مبنيا للمجهول، وعليه يكون " ما " اسما موصولا مبنيا على السكون في محل رفع نائب فاعل لخص، ولعل هذا أولى، لان الجملة المعطوفة على هذه الجملة خبرية " من قبل " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما، وقبل مضاف و" هب " قصد لفظه: مضاف إليه " والامر " الواو حرف عطف، الامر - بالنصب - مفعول ثان مقدم على عامله. وهو " ألزم " الآتي " هب " قصد لفظه: مبتدأ " قد " حرف تحقيق " ألزما " ألزم: فعل ماض مبني للمجهول. والالف للاطلاق، ونائب الفاعل - وهو مفعوله الاول - ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على هب، والجملة من ألزم ومعمولاته في محل رفع خبر المبتدأ.
(٣) كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " تعلم " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " ولغير " الواو عاطفة، لغير: جار ومجرور متعلق بقوله " اجعل " الآتي، وغير مضاف، و" الماض ": مضاف إليه " من سواهما " الجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لغير، وسوى مضاف، والضمير مضاف إليه " اجعل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " كل " مفعول به لاجعل، وكل مضاف و" ما " اسم موصول مضاف إليه " له " جار ومجرور متعلق بزكن الآتي " زكن " =
[ ٢ / ٤٣ ]
تقدم أن هذه الأفعال قسمان أحدهما أفعال القلوب والثاني أفعال التحويل فأما أفعال القلوب فتنقسم إلى متصرفة وغير متصرفة فالمتصرفة ما عدا هب وتعلم فيستعمل منها الماضي نحو ظننت زيدا قائما وغير الماضي وهو المضارع نحو أظن زيدا قائما والأمر نحو ظن زيدا قائما واسم الفاعل نحو أنا ظان زيدا قائما واسم المفعول نحو زيد مظنون أبوه قائما فأبوه هو المفعول الأول وارتفع لقيامه مقام الفاعل وقائما المفعول الثاني والمصدر نحو عجبت من ظنك زيدا قائما ويثبت لها كلها من العمل وغيره ما ثبت للماضي.
وغير المتصرف اثنان وهما هب وتعلم بمعنى اعلم فلا يستعمل منهما إلا صيغة الأمر كقوله:
تعلم شفاء النفس قهر عدوها فبالغ بلطف في التحيل والمكر (١)
وقوله:
فقلت أجرني أبا مالك وإلا فهبني امرأ هالكا (٢)
واختصت القلبية المتصرفة بالتعليق والإلغاء (٣) فالتعليق هو ترك العمل
_________________
(١) = فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من زكن ونائب نائب فاعله لا محل لها صلة الموصول.
(٢) ارجع إلى شرح هذا البيت في (ص ٤٢٠) وهو الشاهد ١٢؟.
(٣) قد شرحنا هذا الشاهد آنفا، فارجع إليه في (ص ٤٢٧) وهو الشاهد ١٢٦.
(٤) هذه العبارة موهمة " أن التعليق والالغاء لا يجري واحد منهما في غير أفعال القلوب إلا ما استثناه، وليس كذلك، بل يجري التعليق في أنواع من الافعال سنذكرها لك فيما بعد، وعلى هذا يكون معنى كلام الناظم والشارح أن الالغاء والتعليق معا مما =
[ ٢ / ٤٤ ]
لفظا دون معنى لمانع نحو ظننت لزيد قائم فقولك لزيد قائم لم تعمل فيه ظننت لفظا لأجل المانع لها من ذلك وهو اللام ولكنه في موضع نصب بدليل أنك لو عطفت عليه لنصبت نحو ظننت لزيد قائم وعمرا منطلقا فهي عاملة في لزيد قائم في المعنى دون اللفظ (١) .
والإلغاء هو: ترك العمل لفظا ومعنى لا لمانع نحو زيد ظننت قائم فليس لظننت عمل في زيد قائم لا في المعنى ولا في اللفظ.
ويثبت للمضارع وما بعده من التعليق وغيره ما ثبت للماضي نحو: أظن لزيد قائم وزيد أظن قائم وأخواتها.
_________________
(١) = يختص بأفعال القلوب دون جميع ما عداها من الافعال، وهذا لا ينافي أن واحدا منهما بمفرده قد يجري في غير أفعال هذا الباب، وهو التعليق. ثم إن التعليق يجري في أربعة أنواع من الفعل: (الاول) كل فعل شك لا ترجيح فيه لاحد الجانبين على الآخر، نحو: شككت أزيد عندك أم عمرو، ونسيت أإبراهيم مسافر أم خالد، وترددت أكان معي خالد أمس أم لم يكن (والثاني) كل فعل يدل على العلم، نحو: تبينت أصادق أنت أم كاذب، واتضح لي أمجتهد أنت أم مقصر (النوع الثالث) كل فعل يطلب به العلم نحو: فكرت أتقيم أم تسافر، وامتحنت عليا أيصبر أم يجزع، وبلوت إبراهيم أيشكر الصنيعة أم يكفرها، وسألت أتزورنا غدا أم لا، واستفهمت أمقيم أنت أم راحل (الرابع) كل فعل من أفعال الحواس الخمس، نحو: لمست، وأبصرت، واستمعت، وشممت، وذقت.
(٢) مثل ذلك قول كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة: وما كنت أدري قبل عزة ما البكى ولا موجعات القلب حتى نولت فأنت ترى أنه عطف " موجعات القلب " بالواو على جملة " ما البكى " التي علق عنها " أدري " بسبب " ما " الاستفهامية. وقد أتى بالمعطوف منصوبا بالكسرة نيابة عن الفتحة لانه جمع مؤنث سالم.
[ ٢ / ٤٥ ]
وغير المتصرفة لا يكون فيها تعليق ولا إلغاء وكذلك أفعال التحويل نحو صير وأخواتها.
وجوز الإلغاء لا في الابتدا وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا (١)
في موهم إلغاء ما تقدا والتزم التعليق قبل نفي ما (٢)
وإن ولا لام ابتداء أو قسم كذا والاستفهام ذا له انحتم (٣)
_________________
(١) " وجوز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " الالغاء " مفعول به لجوز " لا " حرف عطف " في الابتدا " جار ومجرور معطوف على محذوف، والتقدير: جوز الالغاء في التوسط وفي التأخر لا في الابتداء " وانو " الواو حرف عطف، انو: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ضمير " مفعول به لانو، وضمير مضاف، و" الشأن " مضاف إليه " أو " عاطفة " لام " معطوف على ضمير، ولام مضاف، و" ابتدا " مضاف إليه وقد قصره للضرورة.
(٢) " في موهم " جار ومجرور متعلق بانو في البيت السابق، وفاعل " موهم " ضمير مستتر فيه " إلغاء " مفعول به لموهم، وإلغاء مضاف، وما اسم موصول مضاف إليه " تقدما " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة والجملة من تقدم وفاعله لامحل لها صلة ما الموصولة " والتزم " فعل ماض مبني للمجهول " التعليق " نائب فاعل لالتزم " قبل " ظرف متعلق بالتزم، وقبل مضاف و" نفي " مضاف إليه، ونفي مضاف، و" ما " قصد لفظه مضاف إليه.
(٣) " وإن، ولا " معطوفان على " ما " في البيت السابق " لام " مبتدأ، ولام مضاف و" ابتداء " مضاف إليه " أو " عاطفة " قسم " معطوف على ابتداء " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " والاستفهام " مبتدأ أول " ذا " اسم إشارة: مبتدأ ثان " له " جار ومجرور متعلق بانحتم الآتي " انحتم " فعل ماض، =
[ ٢ / ٤٦ ]
يجوز إلغاء هذه الأفعال المتصرفة إذا وقعت في غير الابتداء كما إذا وقعت وسطا نحو زيد ظننت قائم أو آخرا نحو زيد قائم ظننت (١) وإذا توسطت فقيل الإعمال والإلغاء سيان وقيل الإعمال أحسن من الإلغاء وإن تأخرت فالإلغاء أحسن وإن تقدمت امتنع الإلغاء عند البصريين فلا تقول ظننت زيد قائم بل يجب الإعمال فتقول ظننت زيدا قائما فإن جاء من لسان العرب ما يوهم إلغاءها متقدمة أول على إضمار ضمير الشأن كقوله:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها وما إخال لدينا منك تنويل
_________________
(١) = وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم الاشارة، والجملة من انحتم وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول.
(٢) ظاهر هذه العبارة أن الالغاء جائز في كل حال، ما دام العامل متوسطا أو متأخرا، وليس كذلك، بل للالغاء - مع ذلك - ثلاثة أحوال: حال يجب فيه، وحال يمتنع فيه، وحال يجوز فيه، فأما الحال الذي يجب فيه الالغاء فله موضعان: أحدهما أن يكون العامل مصدرا مؤخرا نحو قولك: عمرو مسافر ظني، فلا يجوز الاعمال ههنا، لان المصدر لا يعمل متأخرا، وثانيهما: أن يتقدم المعمول وتقترن به أداة تستوجب التصدير، نحو قولك: لزيد قائم ظننت، وأما الحال الذي يمتنع فيه الالغاء فله موضع واحد، وهو: أن يكون العامل منفيا، نحو قولك: زيدا قائما لم أظن، فلا يجوز هنا أن تقول: زيد قائم لم أظن، لئلا يتوهم أن صدر الكلام مثبت، ويجوز الالغاء والاعمال فيما عدا ذلك.
(٣) هذا البيت لكعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، من قصيدته التي يمدح بها سيدنا رسول الله ﷺ، والتي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، متيم إثرها، لم يفد مكبول (وما)؟ سعاد غداة البين إذ رحلت إلا أغن غضيض الطرف مكحول =
[ ٢ / ٤٧ ]
فالتقدير: وما إخاله لدينا منك تنويل فالهاء ضمير الشأن وهي المفعول الأول ولدينا منك تنويل جملة في موضع المفعول الثاني وحينئذ فلا إلغاء أو على تقدير لام الابتداء كقوله:
_________________
(١) = اللغة: " بانت " بعدت، وفارقت " متبول " اسم مفعول من تبله الحب: أي أضناه وأسقمه " متيم " اسم مفعول من تيمه الحب بالتضعيف إذا ذلله وقهره وعبده " إثرها " بعدها، وهو ظرف متعلق بمتيم " يفد " أصله من قولهم: فدى فلان الاسير يفديه فداء، إذا دفع لآسريه جزاء إطلاقه " مكبول " اسم مفعول مأخوذ من قولهم: كبل فلان الاسير، إذا وضع فيه الكبل، وهو القيد " تدنو " تقرب " تنويل " عطاء. الاعراب: " أرجو " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " وآمل " مثله " أن " مصدرية " تدنو " فعل مضارع منصوب بأن، وسكنت الواو ضرورة " مودتها " مودة: فاعل تدنو، ومودة مضاف وها: مضاف إليه " وما " نافية " إخال " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " لدينا " لدى: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولدى مضاف ونا مضاف إليه " منك " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه تنويل " تنويل " مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثان لاخال، والمفعول الاول ضمير شأن محذوف. الشاهد فيه: قوله " وما إخال لدينا منك تنويل " فإن ظاهره أنه ألغى " إخال " مع كونها متقدمة، وليس هذا الظاهر مسلما، فإن مفعولها الاول مفرد محذوف هو ضمير الشأن ومفعولها الثاني جملة " لدينا تنويل منك " كما قررناه في إعراب البيت. وهذا أحد توجيهات في البيت، وهو الذي ذكره الشارح، وفيه توجيه ثان، وحاصله أن " ما " موصولة مبتدأ، وقوله " تنويل " خبرها، و" إخال " عاملة في مفعولين أحدهما ضمير غيبة محذوف، وهو العائد على " ما " والثاني هو متعلق قوله " لدينا " والتقدير: والذي إخاله كائنا لدينا منك هو تنويل. وفيه توجيهات أخرى لا تتسع لها هذه العجالة.
[ ٢ / ٤٨ ]
كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب
التقدير: أني وجدت لملاك الشيمة الأدب فهو من باب التعليق وليس من باب الإلغاء في شيء.
_________________
(١) هذا البيت مما اختاره أبو تمام في حماسته، ونسبه إلى بعض الفزاريين ولم يعينه (وانظر شرح التبريزي على الحماسة ٣ / ١٤٧ بتحقيقنا) . اللغة: " كذاك أدبت " الكاف في مثل هذا التعبير اسم بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف، واسم الاشارة يراد به مصدر الفعل المذكور بعده، وتقدير الكلام: تأديبا مثل ذلك التأديب، وذلك التأديب هو الذي ذكره في البيت السابق عليه، وهو قوله: أكنيه حين أناديه لاكرمه ولا ألقبه، والسوأة اللقب " ملاك " بزنة كتاب - قوام الشئ وما يجمعه " الشيمة " الخلق، وجمعها شيم كقيمة وقيم. الاعراب: " كذاك " الكاف اسم بمعنى مثل نعت لمحذوف، واسم الاشارة مضاف إليه، أو الكاف جارة لمحل اسم الاشارة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف يقع نعتا لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا لادبت، والتقدير على كل حال: تأديبا مثل هذا التأديب أدبت " أدبت " أدب: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء ضمير المتكلم نائب فاعل " حتى " ابتدائية " صار " فعل ماض ناقص " من خلقي " الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر صار مقدم، وخلق مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " أني " أن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " وجدت " فعل وفاعل، والجملة من وجد وفاعله في محل رفع خبر أن، وأن ومعمولاها في تأويل مصدر اسم صار " ملاك " مبتدأ، وملاك مضاف و" الشيمة " مضاف إليه " الادب " خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب سدت مسد مفعولي وجد، على تقدير لام ابتداء علقت هذا الفعل عن العمل في لفظ جزأى هذه الجملة، والاصل: وجدت لملاك الشيمة الادب، أو الجملة في محل نصب مفعول ثان لوجد، ومفعوله الاول ضمير شأن محذوف، وأصل الكلام: وجدته (أي الحال والشأن) ملاك الشيمة الادب. =
[ ٢ / ٤٩ ]
وذهب الكوفيون وتبعهم أبو بكر الزبيدي وغيره إلى جواز إلغاء المتقدم فلا يحتاجون إلى تأويل البيتين.
وإنما قال المصنف وجوز الإلغاء لينبه على أن الإلغاء ليس بلازم بل هو جائز فحيث جاز الإلغاء جاز الإعمال كما تقدم وهذا بخلاف التعليق فإنه لازم ولهذا قال والتزم التعليق.
فيجب التعليق إذا وقع بعد الفعل ما النافية نحو ظننت ما زيد قائم أو إن النافية نحو علمت إن زيد قائم ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلاَّ قَلِيلًا﴾ وقال بعضهم ليس هذا من باب التعليق في شيء لأن شرط التعليق أنه إذا حذف المعلق تسلط العامل على ما بعده فينصب مفعولين نحو ظننت ما زيد قائم فلو حذفت ما لقلت ظننت زيدا قائما والآية الكريمة لا يتأتى فيها ذلك لأنك لو حذفت المعلق وهو إن لم يتسلط تظنون على لبثتم إذ لا يقال وتظنون لبثتم هكذا زعم هذا القائل ولعله مخالف لما هو كالمجمع عليه من أنه لا يشترط في التعليق هذا الشرط الذي ذكره وتمثيل النحويين للتعليق بالآية الكريمة وشبهها يشهد لذلك.
_________________
(١) = الشاهد فيه: قوله " وجدت ملاك الشيمة الادب " فإن ظاهره أنه ألغى " وجدت " مع تقدمه، لانه لو أعمله لقال " وجدت ملاك الشيمة الادبا " بنصب " ملاك " و" الادب " على أنهما مفعولان، ولكنه رفعهما، فقال الكوفيون: هو من باب الالغاء والالغاء جائز مع التقدم مثل جوازه مع التوسط والتأخر، وقال البصريون: ليس كذلك، بل هو إما من باب التعليق، ولام الابتداء مقدرة الدخول على " ملاك " وإما من باب الاعمال، والمفعول الاول ضمير شأن محذوف، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب مفعول ثان، على ما بيناه في إعراب البيت، والمنصف الذي يعرف مواطن الحق يدرك ما في هذين التأويلين من التكلف.
[ ٢ / ٥٠ ]
وكذلك يعلق الفعل إذا وقع بعده لا النافية نحو ظننت لا زيد قائم ولا عمرو أو لام الابتداء نحو ظننت لزيد قائم أو لام القسم نحو علمت ليقومن زيد ولم يعدها أحد من النحويين من المعلقات أو الاستفهام ولو صور ثلاث أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام نحو علمت أيهم أبوك الثانية أن يكون مضافا إلى اسم استفهام نحو علمت غلام أيهم أبوك الثالثة أن تدخل عليه أداة الاستفهام نحو علمت أزيد عندك أم عمرو وعلمت هل زيد قائم أم عمرو.
_________________
(١) قد ذهب إلى أن لام القسم معلقة للفعل عن العمل في لفظ الجملة - مع بقاء الفعل على معناه - قوم: منهم الاعلم الشنتمري، وتبعه الناظم، وابنه، وابن هشام الانصاري في أغلب كتبه، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق) وبقول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي لا بعدها خوف علي ولا عدم وبقول لبيد بن ربيعة: ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها وذهب سيبويه - ﵀! - وتبعه المحقق الرضي، وجمهرة النحاة، إلى أن " علم " في هذه الشواهد كلها قد خرجت عن معناها الاصلي، ونزلت منزلة القسم، وما بعدها جملة لا محل لها من الاعراب جواب القسم الذي هو علمت، وحينئذ تخرج عما نحن بصدده، فلا تقتضي معمولا، ولا تتصف بإلغاء ولا تعليق ولا إعمال، قال سيبويه (ج ١ ص ٢٥٦ ٢٥٤) " هذا باب الافعال في القسم. وقال لبيد ولقد علمت لتأتين كأنه قال: والله لتأتين منيتي، كما قال: لقد علمت لعبد الله خير منك " اهـ. وقال المحقق الرضي (ج ٢ ص ٢٦١: " وأما قوله ولقد علمت لتأتين فإنما أجرى لقد علمت معنى التحقيق " اهـ.
[ ٢ / ٥١ ]
لعلم عرفان وظن تهمه تعدية لواحد ملتزمه (١)
إذا كانت علم بمعنى عرف تعدت إلى مفعول واحد كقولك علمت زيدا أي عرفته ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ .
وكذلك إذا كانت ظن بمعنى اتهم تعدت إلى مفعول واحد كقولك ظننت زيدا أي اتهمته ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي بمتهم.
ولرأى الرؤيا انم ما لعلما طالب مفعولين من قبل انتمى (٢)
إذا كانت رأى حلمية (٣) أي للرؤيا في المنام تعدت إلى المفعولين كما تتعدى إليهما علم المذكورة من قبل وإلى هذا أشار بقوله ولرأى
_________________
(١) " لعلم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، وعلم مضاف و" عرفان " مضاف إليه " وظن " معطوف على علم، وظن مضاف و" تهمة " مضاف إليه " تعدية " مبتدأ مؤخر " لواحد " جار ومجرور متعلق بتعدية " ملتزمة " نعت لتعدية.
(٢) " لرأى " جار ومجرور متعلق بانم، ورأى المقصود لفظه مضاف و" الرؤيا " مضاف إليه " انم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ما " اسم موصول: مفعول به لانم " لعلما " جار ومجرور متعلق بانتمى " طالب " حال من علم، وطالب مضاف و" مفعولين " مضاف إليه " من قبل " جار ومجرور متعلق بانتمى " انتمى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من انتمى وفاعله ومتعلقاته لا محل لها صلة الموصول: أي انسب لرأى الرؤيا ما انتسب لعلم حال كونه طالب مفعولين.
(٣) " حلمية " هو بضم الحاء وسكون اللام أو ضمها - نسبة إلى الحلم - بوزان قفل أو عنق - وهو مصدر حلم يحلم، مثل قتل يقتل إذا رأى في منامه شيئا.
[ ٢ / ٥٢ ]
الرؤيا
انم أي انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا ما نسب لعلم المتعدية إلى اثنين فعبر عن الحلمية بما ذكر لأن الرؤيا وإن كانت تقع مصدرا لغير رأى الحلمية فالمشهور كونها مصدرا لها (١) .
ومثال استعمال رأى الحلمية متعدية إلى اثنين قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ فالياء مفعول أول وأعصر خمرا جملة في موضع المفعول الثاني وكذلك قوله:
١٣١ - أبو حنش يؤرقني وطلق وعمار وآونة أثالا
أراهم رفقتي حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا
إذا أنا كالذي يجري لورد إلى آل فلم يدرك بلالا
فالهاء والميم في أراهم المفعول الأول ورفقتي هو المفعول الثاني.
_________________
(١) المشهور عند علماء اللغة أنك تقول: رأيت رؤيا صالحة، إذا كنت تريد أنك أبصرت بعينك في حال يقظتك، وبعض أهل اللغة يوجبون ذلك، ولا يجيزون خلافه، وبعضهم يجيز أن تقول: رأيت رؤيا - بالالف - وأنت تريد معنى أبصرت في حال اليقظة ويستشهدون على صحة ذلك بقول الراعي: فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر قلبا كان جما بلابله ومع أنهم جوزوا ذلك، واستدلوا لصحته، ليس في مكنتهم أن يدعوا كثرته، بل الكثير المشهور المتعارف هو ما ذكرناه أولا، ولهذا كان قول الناظم: " ولرأى الرؤيا " إشارة إلى رأى الحلمية.
(٢) هذه الابيات لعمرو بن أحمر الباهلي، من قصيدة له يندب فيها قومه ويبكيهم، وأولها قوله: أبت عيناك إلا أن تلحا وتحتالا بما بهما احتيالا كأنهما سعينا مستغيث يرجي طالعا بهما ثقالا وهي خرزاهما، فالماء يجري خلالهما، وينسل انسلالا =
[ ٢ / ٥٣ ]
..
_________________
(١) = على حيين في عامين شتى فقد عنى طلابهما وطالا فأية ليلة تأتيك سهوا فتصبح لا ترى فيهم خيالا والبيت الاول من ثلاثة الابيات التي رواها الشارح قد استشهد به سيبويه (ج ١ ص ٢٤٣) في باب الترخيم في غير النداء للضرورة، وستعرف وجه ذلك فيما يلي في الاعراب. اللغة: " تلحا " من قولهم " ألح السحاب " إذا دام مطره، يريد أن تدوما على البكاء " سعينا مستغيث " سعينا: مثنى سعين، وهو تصغير سعن - بوزن قفل - وهي القربة تقطع من نصفها لينبذ فيها، وربما اتخذت دلوا يستقى بها، والمستغيث: طالب الغيث وهو المطر " على حيين " متعلق بقوله تلحا، يقول: امتنعت عيناك عن كل شئ إلا أن يدوم بكاؤهما على حيين " وهي " ضعف أو انشق " أبو حنش، وطلق، وعمار، وأثالا " أعلام رجال " تجافى الليل وانخزل انخزالا " كنايتان عن الظهور، وبيان ما كان مبهما من أمر هؤلاء " آل " هو السراب وما تراه وسط النهار كأنه ماء وليس بماء " بلالا " - بزنة - كتاب - ما تبل به حلقك من الماء وغيره " آونة " جمع أوان، مثل زمان وأزمنة ومكان وأمكنة، والاوان والزمان بمعنى واحد " رفقتي " بضم الراء أو كسرها جمع رفيق " لورد " بكسر الواو وسكون الراء إتيان الماء. الاعراب: " أبو حنش " مبتدأ، وجملة " يؤرقني " في محل رفع خبر المبتدأ " وعمار " وسائر الاعلام معطوفات على " أبو حنش "، وقد رخم " أثال " في غير النداء ضرورة، وأصله أثالة ولم يكتف بترخيمه بحذف آخره، بل جعل إعرابه على الحرف المحذوف، وأبقى الحرف الذي قبله على ما كان عليه، فهو مرفوع بضمة ظاهرة على الحرف المحذوف للترخيم " أراهم " أرى: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والضمير المتصل البارز مفعول أول " رفقتي " رفقة: مفعول ثان لارى، ورفقة مضاف وياء المتكلم مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " أراهم رفقتي " حيث أعمل " أرى " في مفعولين أحدهما الضمير البارز المتصل به، والثاني قوله " رفقتي " ورأى بمعنى حلم: أي رأى في منامه، وقد أجريت مجرى " علم "، وإنما عملت مثل عملها لان بينهما تشابها، لان الرؤيا إدراك بالحس الباطن، فلذا أجريت مجراه.
[ ٢ / ٥٤ ]
ولا تجز هنا بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول (١)
لا يجوز في هذا الباب سقوط المفعولين ولا سقوط أحدهما إلا إذا دل دليل على ذلك.
فمثال حذف المفعولين للدلالة أن يقال هل ظننت زيدا قائما فتقول ظننت التقدير ظننت زيدا قائما فحذفت المفعولين لدلالة ما قبلهما عليهما ومنه قوله:
١٣٢ - بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عارا علي وتحسب
أي وتحسب حبهم عارا علي فحذف المفعولين وهما حبهم وعارا علي لدلالة ما قبلهما عليهما.
_________________
(١) " ولا " ناهية " تجز " فعل مضارع مجزوم بلا، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " هنا " ظرف مكان متعلق بتجز " بلا دليل " الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى غير ظهر إعرابه على ما بعده، بطريق العارية، وهو مجرور محلا بالباء، والجار والمجرور متعلق بتجز، ولا مضاف و" دليل " مضاف إليه " سقوط " مفعول به لتجز، وسقوط مضاف و" مفعولين " مضاف إليه " أو مفعول " معطوف على مفعولين.
(٢) البيت للكميت بن زيد الاسدي، من قصيدة هاشمية يمدح فيها آل الرسول ﷺ، وأولها قوله: طربت، وما شوقا إلى البيض أطرب، ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب؟ ولم يلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب اللغة: " ترى حبهم " رأى ههنا من الرأى بمعنى الاعتقاد، مثل أن تقول: رأى أبو حنيفة حل كذا، ويمكن أن تكون رأى العلمية بشئ من التكلف " عارا " العار: كل خصلة يلحقك بسببها عيب ومذمة، وتقول: عيرته كذا، ولا تقل: عيرته بكذا، فهو يتعدى إلى المفعولين بنفسه وفي لامية السموأل قوله، وفيه دلالة غير قاطعة: =
[ ٢ / ٥٥ ]
ومثال حذف أحدهما للدلالة أن يقال هل ظننت أحدا قائما فتقول ظننت زيدا أي ظننت زيدا قائما فتحذف الثاني للدلالة عليه ومنه قوله:
١٣٢ - ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
أي فلا تظني غيره واقعا فـ"غيره" هو المفعول الأول و"واقعا" هو المفعول الثاني.
_________________
(١) = تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها: إن الكرام قليل ومن نقله اللغة من أجاز أن تقول: عيرته بكذا، ولكنه قليل " وانظر شرح الحماسة ١ - ٢٣٢ بتحقيقنا) " وتحسب " أي تظن، من الحسبان. الاعراب: " بأي " جار ومجرور متعلق بقوله " ترى " الآتي، وأي مضاف و" كتاب " مضاف إليه " أم " عاطفة " بأية " جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور الاول، وأية مضاف، و" سنة " مضاف إليه " ترى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " حبهم " حب: مفعول أول لترى، وحب مضاف وهم: مضاف إليه " عارا " مفعول ثان لترى، سواء أجعلت رأى اعتقادية أم جعلتها علمية، ويجوز على الاول جعله حالا " علي " جار ومجرور متعلق بعار، أو بمحذوف صفة له " وتحسب " الواو عاطفة، تحسب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ومفعولاه محذوفان يدل عليهما الكلام السابق، والتقدير " وتحسب حبهم عارا علي ". الشاهد فيه: قوله " وتحسب " حيث حذف المفعولين لدلالة سابق الكلام عليهما كما أوضحناه في الاعراب، وبينه الشارح.
(٢) هذا البيت لعنترة بن شداد العبسي، من معلقته المشهورة التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردم؟ أم هل عرفت الدار بعد توهم؟ اللغة: " غادر " ترك " متردم " بزنة اسم المفعول وهو في الاصل اسم مكان =
[ ٢ / ٥٦ ]
وهذا الذي ذكره المصنف هو الصحيح من مذاهب النحويين.
فإن لم يدل دليل على الحذف لم يجز لا فيهما ولا في أحدهما فلا تقول ظننت ولا ظننت زيدا ولا ظننت قائما تريد ظننت زيدا قائما.
وكتظن اجعل تقول إن ولي مستفهما به ولم ينفصل (١)
_________________
(١) = من قولك: ردمت الشئ، إذا أصلحته، ويروى " مترنم " بالنون - وهو صوت خفي ترجعه بينك وبين نفسك، يريد هل أبقى الشعراء معنى إلا سبقوك إليه؟ ! وهل يتهيأ لك أو لغيرك أن تجئ بشئ جديد؟ " المحب " اسم مفعول من أحب، وهو القياس، ولكنه قليل في الاستعمال، والاكثر أن يقال في اسم المفعول: محبوب، أو حبيب، مع أنهم هجروا الفعل الثلاثي، وفي اسم الفاعل قالوا: محب، من الفعل المستعمل الذي هو المزيد فيه. المعنى: أنت عندي بمنزلة المحب المكرم، فلا تظني غير ذلك حاصلا. الاعراب: " ولقد " الواو للقسم، واللام للتأكيد، وقد: حرف تحقيق " نزلت " فعل وفاعل " فلا " ناهية " تظني " فعل مضارع مجزوم بحذف النون، وياء المخاطبة فاعل " غيره " غير: مفعول أول لتظني، وغير مضاف وضمير الغائب مضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف " مني " جار ومجرور متعلق بقوله نزلت " بمنزلة " جار ومجرور متعلق أيضا بنزلت، ومنزلة مضاف، و" المحب " مضاف إليه " المكرم " نعت للمحب. الشاهد فيه: قوله " فلا تظني غيره " حيث حذف المفعول الثاني اختصارا، وذلك جائز عند جمهرة النحاة، خلافا لابن ملكون.
(٢) " كتظن " جار ومجرور متعلق باجعل " اجعل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " تقول " قصد لفظه: مفعول به لاجعل " إن " شرطية " ولي " فعل ماض، فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى =
[ ٢ / ٥٧ ]
بغير ظرف أو كظرف أو عمل وإن ببعض ذي فصلت يحتمل (١)
القول شأنه إذا وقعت بعده جملة أن تحكى نحو قال زيد عمرو منطلق وتقول زيد منطلق لكن الجملة بعده في موضع نصب على المفعولية.
ويجوز إجراؤه مجرى الظن فينصب المبتدأ والخبر مفعولين كما تنصبهما ظن.
والمشهور أن للعرب في ذلك مذهبين أحدهما وهو مذهب عامة العرب أنه لا يجرى القول مجرى الظن إلا بشروط ذكرها المصنف أربعة وهي التي ذكرها عامة النحويين.
الأول: أن يكون الفعل مضارعا.
الثاني: أن يكون للمخاطب وإليهما أشار بقوله اجعل تقول فإن تقول مضارع وهو للمخاطب.
الشرط الثالث: أن يكون مسبوقا باستفهام
_________________
(١) = تقول " مستفهما " مفعول به لولي " به " جار ومجرور في موضع نائب فاعل لمستفهم، لانه اسم مفعول " ولم ينفصل " الواو للحال، ولم: حرف نفي وجزم وقلب، ينفصل: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لاجل الروى. وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى تقول، وجملة لم ينفصل وفاعله في محل نصب حال.
(٢) " بغير " جار ومجرور متعلق بينفصل في البيت السابق. وغير مضاف و" ظرف " مضاف إليه " أو " عاطفة " كظرف " الكاف اسم بمعنى مثل معطوف على غير، والكاف مضاف، وظرف: مضاف إليه " أو " عاطفة " عمل " معطوف على غير " وإن " شرطية " ببعض " جار ومجرور متعلق بفصلت الآتي. وبعض مضاف، و" ذي " مضاف إليه " فصلت " فصل: فعل ماض، فعل الشرط، والتاء ضمير المخاطب فاعل " يحتمل " فعل مضارع مبني للمجهول، مجزوم بالسكون، لانه جواب الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفصل المفهوم من قوله فصلت.
[ ٢ / ٥٨ ]
وإليه أشار
بقوله إن ولى مستفهما به.
الشرط الرابع: أن لا يفصل بينهما أي بين الاستفهام والفعل بغير ظرف ولا مجرور ولا معمول الفعل فإن فصل بأحدها لم يضر وهذا هو المراد بقوله ولم ينفصل بغير ظرف إلى آخره.
فمثال ما اجتمعت فيه الشروط قولك أتقول عمرا منطلقا فعمرا مفعول أول ومنطلقا مفعول ثان ومنه قوله:
١٣٤ - متى تقول القلص الرواسما يحملن أم قاسم وقاسما
_________________
(١) ١٣٤ البيت لهدبة بن خشرم العذري، من أرجوزة رواها غير واحد من حملة الشعر، ومنهم التبريزي في شرح الحماسة (٢ / ٤٦) ولكن رواية التبريزي للبيت المستشهد به على غير الوجه الذي يذكره النحاة، وروايته: لقد أراني والغلام الحازما نزجى المطي ضمرا سواهما متى يقود الذبل الرواسما والجلة الناجية العواهما اللغة: " القلص " بزنة كتب وسرر جمع قلوص، وهي الشابة الفتية من الابل، وهي أول ما يركب من إناث الابل خاصة " الرواسم " المسرعات في سيرهن، مأخوذ من الرسيم، وهو ضرب من سير الابل السريع " يحملن " يروى في مكانه " يدنين " ومعناه يقربن " أم قاسم " هي كنية امرأة، وهي أخت زيادة بن زيد العذري. المعنى: متى تظن النوق المسرعات يقربن مني من أحب أن يحملنه إلي؟ الاعراب: " متى " اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، وعامله تقول " تقول " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " القلص " مفعول به أول لتقول " الرواسما " نعت للقلص " يحملن " يحمل: فعل مضارع، ونون الاناث فاعل، والجملة في محل نصب مفعول ثان لتقول " أم " مفعول به ليحملن، وأم مضاف و" قاسم " مضاف إليه " وقاسما " معطوف على أم قاسم. الشاهد فيه: قوله " تقول القلص يحملن " حيث أجرى تقول مجرى تظن، فنصب به مفعولين الاول قوله " القلص " والثاني جملة " يحملن " كما قررناه =
[ ٢ / ٥٩ ]
فلو كان الفعل غير مضارع نحو قال زيد عمرو منطلق لم ينصب القول مفعولين عند هؤلاء وكذا إن كان مضارعا بغير تاء نحو يقول زيد عمرو منطلق أو لم يكن مسبوقا باستفهام نحو أنت تقول عمرو منطلق أو سبق باستفهام ولكن فصل بغير ظرف ولا جار ومجرور ولا معمول له نحو أأنت تقول زيد منطلق فإن فصل بأحدها لم يضر نحو أعندك تقول زيدا منطلقا وأفي الدار تقول زيدا منطلقا وأعمرا تقول منطلقا ومنه قوله:
١٣٥ - أجهالا تقول بني لؤي لعمر أبيك أم متجاهلينا
فبني لؤي مفعول أول وجها لا مفعول ثان.
_________________
(١) = في الاعراب، وذلك لاستيفائه الشروط، ويرويه بعضهم متى تظن..إلخ فلا شاهد فيه، ولكنه دليل على أن " تقول " يجري مجرى تظن، لانه إذا وردت روايتان في بيت واحد، وجاءت كلمة في إحدى الروايتين مكان كلمة في الرواية الاخرى، دل ذلك على أن الكلمتين بمعنى واحد، إذ لو اختلف معناهما لم يسغ لراو ولا لشاعر آخر أن يضع إحداهما مكان الاخرى، لئلا يفسد المعنى الذي قصد إليه قائل البيت، لان شرط الرواية بالمعنى ألا تغير المراد.
(٢) هذا البيت للكميت بن زيد الاسدي. اللغة: " أجهالا " الجهال: جمع جاهل، ويروى في مكانه " أنواما " وهو جمع نائم " بنو لؤي " أراد بهم جمهور قريش وعامتهم، لان أكثرهم ينتهي نسبه إلى لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وهو أبو قريش كلها " متجاهلينا " المتجاهل: الذي يتصنع الجهل ويتكلفه وليس به جهل، والذين رووا في صدر البيت " أنواما " يروون هنا " متناومينا " والمتناوم: الذي يتصنع النوم، والمراد تصنع الغفلة عما يجري حولهم من الاحداث. المعنى: أتظن قريشا جاهلين حين استعملوا في ولاياتهم اليمنيين وآثروهم على المصريين أم تظنهم عالمين بحقيقة الامر مقدرين سوء النتائج غير غافلين عما ينبغي العمل به. ولكنهم يتصنعون الجهل ويتكلفون الغفلة لمأرب لهم في أنفسهم؟. =
[ ٢ / ٦٠ ]
وإذا اجتمعت الشروط المذكورة جاز نصب المبتدأ والخبر مفعولين لتقول نحو أتقول زيدا منطلقا وجاز رفعهما على الحكاية نحو أتقول زيد منطلق.
وأجري القول كظن مطلقا عند سليم نحو قل ذا مشفقا (١)
أشار إلى المذهب الثاني للعرب في القول وهو مذهب سليم فيجرون القول مجرى الظن في نصب المفعولين مطلقا أي سواء كان مضارعا أم غير مضارع وجدت فيه الشروط المذكورة أم لم توجد وذلك
_________________
(١) = الاعراب " أجهالا " الهمزة للاستفهام، جهالا: مفعول ثان مقدم على عامله وعلى المفعول الاول " تقول " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بني " مفعول أول لتقول، وبني مضاف، و" لؤي " مضاف إليه " لعمر " اللام لام الابتداء، عمر، مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا، وعمر مضاف، وأبي من " أبيك " مضاف إليه، وأبي مضاف والكاف ضمير المخاطب مضاف إليه " أم " عاطفة " متجاهلينا " معطوف على قوله " جهالا ". الشاهد فيه: قوله " أجهالا تقول بني لؤي " حيث أعمل " تقول " عمل " تظن " فنصب به مفعولين، أحدهما قوله " جهالا " والثاني قوله " بني لؤي " مع أنه فصل بين أداة الاستفهام - وهي الهمزة والفعل. بفاصل - وهو قوله " جهالا " - وهذا الفصل لا يمنع الاعمال، لان الفاصل معمول للفعل، إذ هو مفعول ثان له.
(٢) " أجرى " فعل ماض مبني للمجهول " القول " نائب فاعل لاجرى " كظن " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من القول " مطلقا " حال ثان من القول " عند " ظرف متعلق بأجرى، وعند مضاف و" سليم " مضاف إليه " نحو " خبر لمبتدأ محذوف " قل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ذا " مفعول أول لقل " مشفقا " مفعول ثان. (٢٩ - شرح ابن عقيل ١)
[ ٢ / ٦١ ]
نحو: قل
ذا مشفقا فذا مفعول أول ومشفقا مفعول ثان ومن ذلك قوله:
١٣٦ - قالت وكنت رجلا فطينا هذا لعمر الله إسرائينا
فهذا مفعول أول لقالت وإسرائينا مفعول ثان.
_________________
(١) البيت لاعرابي صاد ضبا فأتى به أهله، فقالت له امرأته " هذا لعمر الله إسرائيل " أي: هو ما مسخ من بني إسرائيل، ورواه الجواليقي في كتابه " المعرب " هكذا: وقال أهل السوق لما جينا: هذا لعمر الله إسرائينا اللغة: " فطينا " وصف من الفطنة، وتقول: فطن الرجل يفطن - بوزان علم يعلم، فطنة - بكسر فسكون - وفطانة، وفطانية - بفتح الفاء فيهما - وتقول أيضا: فطن يفطن بوزان قعد يقعد، والفطنة: الفهم، والوصف المشهور من هذه المادة فطن - بفتح فكسر - " جينا " أصله جئنا - بالهمزة - فلينه بقلب الهمزة الساكنة حرف مد من جنس حركة ما قبلها " إسرائين " لغة في إسرائيل، كما قالوا: جبرين، وإسماعين. يريدون: جبريل، وإسماعيل. الاعراب: " قالت " قال: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " وكنت " الواو واو الحال، كان: فعل ماض ناقص. والتاء اسمه " رجلا " خبر كان " فطينا " صفة لرجل، والجملة من كان واسمها وخبرها في محل نصب حال " هذا " ها: حرف تنبيه، واسم الاشارة مفعول أول لقالت، بمعنى ظننت " لعمر " اللام لام الابتداء، عمر: مبتدأ، وخبره محذوف وجوبا، والتقدير لعمر الله يميني، وعمر مضاف و" الله " مضاف إليه، وجملة المبتدأ والخبر لا محل لها من الاعراب معترضة بين المفعول الاول والثاني " إسرائينا " مفعول ثان لقالت. الشاهد فيه: قوله " قالت. هذا. إسرائينا " حيث أعمل " قال " عمل " ظن " فنصب به مفعولين، أحدهما: اسم الاشارة - وهو " ذا " من " هذا " =
[ ٢ / ٦٢ ]
_________________
(١) والثاني " إسرائينا " هكذا قالوا. والذي حملهم على هذا أنهم وجدوا " إسرائينا " منصوبا. وأنت لو تأملت بعض التأمل لوجدت أنه يمكن أن يكون " هذا " مبتدأ، " إسرائينا " مضاف إلى محذوف يقع خبرا، وتقدير الكلام " هذا ممسوخ إسرائينا " فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره بالفتحة نيابة عن الكسرة، لانه لا ينصرف للعلمية والعجمة. وحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره جائز، وإن كان قليلا في مثل ذلك، وقد قرئ في قوله تعالى: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) بجر الآخرة على تقدير مضاف محذوف يقع منصوبا مفعولا به ليريد، والاصل: والله يريد ثواب الآخرة. وهكذا خرجه ابن عصفور، وتخريج الجماعة أولى، لان الاصل عدم الحذف، لان حذف المضاف وبقاء المضاف إليه على حاله قليل في هذه الحالة، ونصب المفعولين بالقول مطلقا لغة لبعض العرب كما قرره الناظم والشارح.
[ ٢ / ٦٣ ]
أعلم وأرى
إلى ثلاثة رأى وعلما عدوا إذا صارا أرى وأعلما (١)
أشار بهذا الفصل إلى ما يتعدى من الأفعال إلى ثلاثة مفاعيل فذكر سبعة أفعال منها أعلم وأرى فذكر أن أصلهما علم ورأى وأنهما بالهمزة يتعديان إلى ثلاثة مفاعيل لأنهما قبل دخول الهمزة عليهما كانا يتعديان إلى مفعولين نحو علم زيد عمرا منطلقا ورأى خالد بكرا أخاك فلما دخلت عليهما همزة النقل زادتهما مفعولا ثالثا وهو الذي كان فاعلا قبل دخول الهمزة وذلك نحو أعلمت زيدا عمرا منطلقا وأريت خالدا بكرا أخاك فزيدا وخالدا مفعول أول وهو الذي كان فاعلا حين قلت علم زيد ورأى خالد وهذا هو شأن الهمزة وهو أنها تصير ما كان فاعلا مفعولا فإن كان الفعل قبل دخولها لازما صار بعد دخولها متعديا إلى واحد نحو خرج زيد وأخرجت زيدا وإن كان متعديا إلى واحد صار بعد دخولها متعديا إلى اثنين نحو لبس زيد جبة فتقول ألبست زيدا جبة وسيأتي الكلام عليه وإن كان متعديا إلى اثنين صار متعديا إلى ثلاثة كما تقدم في أعلم وأرى.
_________________
(١) " إلى ثلاثة " جار ومجرور متعلق بعدوا " رأى " مفعول به مقدم لعدوا " وعلما " معطوف على رأى " عدوا " فعل وفاعل " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " صارا " صار: فعل ماض ناقص. وألف الاثنين اسمه " رأى " قصد لفظه: خبر صار " وأعلما " معطوف على أرى، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، وهي فعل الشرط، والجواب محذوف يدل عليه سابق الكلام، والاصل: إذا صارا أرى وأعلما فقد عدوهما إلى ثلاثة مفاعيل.
[ ٢ / ٦٤ ]
وما لمفعولي علمت مطلقا للثان والثالث أيضا حققا (١)
أي يثبت للمفعول الثاني والمفعول الثالث من مفاعيل أعلم وأرى ما ثبت لمفعولي علم ورأى من كونهما مبتدأ وخبرا في الأصل ومن جواز الإلغاء والتعليق بالنسبة إليهما ومن جواز حذفهما أو حذف أحدهما إذا دل على ذلك دليل.
ومثال ذلك أعلمت زيدا عمرا قائما فالثاني والثالث من هذه المفاعيل أصلهما المبتدأ والخبر وهما عمرو قائم ويجوز إلغاء العامل بالنسبة إليهما نحو عمرو أعلمت زيدا قائم ومنه قولهم البركة أعلمنا الله مع الأكابر فنا مفعول أول والبركة مبتدأ ومع الأكابر ظرف في موضع الخبر وهما اللذان كانا مفعولين والأصل أعلمنا الله البركة مع الأكابر ويجوز التعليق عنهما فتقول أعلمت زيدا لعمرو قائم.
ومثال حذفهما للدلالة أن يقال هل أعلمت أحدا عمرا قائما فتقول أعلمت زيدا ومثال حذف أحدهما للدلالة أن تقول في هذه الصورة أعلمت زيدا عمرا أي قائما أو أعلمت زيدا قائما أي عمرا قائما.
وإن تعديا لواحد بلا همز فلاثنين به توصلا (٢)
_________________
(١) " وما " اسم موصول مبتدأ " لمفعولي " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما، ومفعولي مضاف و" علمت " قصد لفظه: مضاف إليه " مطلقا " حال من الضمير المستتر في الصلة " للثان " جار ومجرور متعلق بحقق الآتي " والثالث " معطوف على الثاني " أيضا " مفعول مطلق لفعل محذوف " حققا " حقق: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة الواقعة مبتدأ، والجملة من حقق ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ.
(٢) " وإن " شرطية " تعديا " فعل ماض فعل الشرط، وألف الاثنين فاعل، =
[ ٢ / ٦٥ ]
والثان منهما كثاني اثني كسا فهو به في كل حكم ذو ائتسا (١)
تقدم أن رأى وعلم إذا دخلت عليهما همزة النقل تعديا إلى ثلاثة مفاعيل وأشار في هذين البيتين إلى أنه إنما يثبت لهما هذا الحكم إذا كانا قبل الهمزة يتعديان إلى مفعولين وأما إذا كانا قبل الهمزة يتعديان إلى واحد كما إذا كانت رأى بمعنى أبصر نحو رأى زيد عمرا وعلم بمعنى عرف نحو علم زيد الحق فإنهما يتعديان بعد الهمزة إلى مفعولين نحو أريت زيدا عمرا وأعلمت زيدا الحق والثاني من هذين المفعولين كالمفعول الثاني من مفعولي كسا وأعطى نحو كسوت زيدا جبة
_________________
(١) = " لواحد " جار ومجرور متعلق بقوله تعديا " بلا همز " الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى غير مجرور محلا بالباء، وقد ظهر إعرابه على ما بعده على طريق العارية، والجار والمجرور متعلق بتعديا أيضا، ولا مضاف و" همز " مضاف إليه " فلاثنين " الفاء واقعة في جواب الشرط، لاثنين: جار ومجرور متعلق بقوله توصلا الآتي " به " جار ومجرور متعلق بتوصلا أيضا " توصلا " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والالف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة، ويجوز أن يكون توصلا فعلا ماضيا مبنيا للمعلوم، والالف ضمير الاثنين عائد إلى رأى وعلم وهو فاعل توصل.
(٢) " والثان " مبتدأ " منهما " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه الضمير المستكن في الخبر الآتي " كثاني " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وثاني مضاف و" اثنى " مضاف إليه، واثنى مضاف، و" كسا " قصد لفظه: مضاف إليه " فهو " مبتدأ " به " جار ومجرور متعلق بائتسا الآتي " في كل " جار ومجرور متعلق بائتسا أيضا، وكل مضاف و" حكم " مضاف إليه " ذو " خبر المبتدأ، وذو مضاف، و" ائتسا " مضاف إليه، وأصله ممدود فقصره للضرورة، والائتساء أصله بمعنى الاقتداء، والمراد به هنا أنه مثله في كل حكم.
[ ٢ / ٦٦ ]
وأعطيت زيدا
درهما في كونه لا يصح الإخبار به عن الأول فلا تقول زيد الحق كما لا تقول زيد درهم وفى كونه يجوز حذفه مع الأول وحذف الثاني وإبقاء الأول وحذف الأول وإبقاء الثاني وإن لم يدل على ذلك دليل فمثال حذفهما أعلمت وأعطيت ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ .
ومثال حذف الثاني وإبقاء الأول أعلمت زيدا وأعطيت زيدا ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ومثال حذف الأول وإبقاء الثاني نحو أعلمت الحق وأعطيت درهما ومنه قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وهذا معنى قوله والثاني منهما إلى آخر البيت (١) .
وكأرى السابق نبا أخبرا حدث أنبأ كذاك خبرا (٢)
_________________
(١) عبارة الناظم وهي قوله " فهو به في كل حكم ذو ائتسا " - عامة، ولم يتعرض الشارح - ﵀! - في كلامه إلى نقد هذا العموم كعادته، فهذا العموم يعطى أن رأى البصرية وعلم العرفانية إذا اتصلت بهما همزة النقل فصارا يتعديان إلى مفعولين، فشأن مفعولهما الثاني كشأن المفعول الثاني من مفعولي كسا، ومن شأن المفعول الثاني من مفعولي كسا أنه لا يعلق عنه العامل، ولكن المفعول الثاني من مفعولي رأى البصرية وعلم العرفانية يعلق عنه العامل، ومن التعليق عنه قوله تعالى: (رب أرني كيف تحيي الموتى) فأرني هنا بصرية، لان إبراهيم ﵇ كان يطلب مشاهدة كيفية إحياء الله تعالى الموتى. ومفعولها الاول ياء المتكلم، ومفعولها الثاني جملة (كيف تحيي الموتى) وقد علق العامل عنها باسم الاستفهام، ومن التعليق قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟) .
(٢) " وكأرى " الواو عاطفة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " السابق " نعت لارى " نبأ " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " أخبرا، حدث، أنبأ " =
[ ٢ / ٦٧ ]
تقدم أن المصنف عد الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل سبعة وسبق ذكر أعلم وأرى وذكر في هذا البيت الخمسة الباقية وهي نبأ كقولك نبأت زيدا عمرا قائما ومنه قوله:
١٣٧ - نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إلى غرائب الأشعار
_________________
(١) = معطوفات على نبأ بحرف عطف مقدر " كذاك " الكاف حرف جر، وذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والكاف بعده حرف خطاب، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " خبرا " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر.
(٢) هذا البيت للنابغة الذبياني، من كلمة له يهجو فيها زرعة بن عمرو بن خويلد، وكان قد لقيه في سوق عكاظ، فأشار زرعة على النابغة الذبياني بأن يحمل قومه على معاداة بني أسد وترك محالفتهم، فأبى النابغة ذلك، لما فيه من الغدر، فتركه زرعة ومضى، ثم بلغ النابغة أن زرعة يتوعده، فقال أبياتا يهجوه فيها، وهذا البيت الشاهد أولها. اللغة: " نبئت " أخبرت، والنبأ كالخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر، لان النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن وخطر من الاخبار " والسفاهة كاسمها " السفاهة: الطيش وخفة الاحلام، وأراد أن السفاهة في معناها قبيحة كما أن اسمها قبيح " غرائب الاشعار " الغرائب: جمع غريبة، وأراد بها ما لا يعهد مثله، ويروى مكانه " أوابد الاشعار " والاوابد: جمع آبدة، وأصلها اسم فاعل من " أبدت الوحوش " إذا نفرت ولم تأنس. الاعراب: " نبئت " نبئ: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء التي للمتكلم نائب فاعل، وهو المفعول الاول " زرعة " مفعول ثان " والسفاهة كاسمها " الواو واو الحال، وما بعده جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب حال " يهدي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زرعة، والجملة من يهدي وفاعله في محل نصب مفعول ثالث لنبئ " إلى " جار ومجرور متعلق بيهدي " غرائب " مفعول به ليهدي، وغرائب مضاف و" الاشعار " مضاف إليه. =
[ ٢ / ٦٨ ]
وأخبر كقولك أخبرت زيدا أخاك منطلقا ومنه قوله:
١٣٨ - وما عليك إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يوما أن تعوديني؟!
_________________
(١) = الشاهد فيه: قوله " نبئت زرعة. يهدي " حيث أعمل " نبأ " في مفاعيل ثلاثة، أحدها النائب عن الفاعل وهو التاء، والثاني " زرعة " والثالث جملة يهدي مع فاعله ومفعوله.
(٢) هذا البيت لرجل من بني كلاب، وهو من مختار أبي تمام في ديوان الحماسة، ولكن رواية الحماسة هكذا: وما عليك إذا خبرتني دنفا رهن المنية يوما أن تعودينا أو تجعلي نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقينا وانظر شرح التبريزي على الحماسة ٣ - ٣٥٣ بتحقيقنا. اللغة: " دنفا " بزنة كتف هو الذي لازمه مرض العشق، وهو وصف من الدنف بفتح الدال والنون جميعا وهو المرض الملازم الذي ينهك القوى " وغاب بعلك " بعل المرأة: زوجها، وقد رأيت أن رواية الحماسة في مكان هذه العبارة " رهن المنية " والمنية: الموت، وفلان رهن كذا: أي مقيد به، يريد أنه في حال من المرض الشديد تجعله في سياق الموت، وقوله " أن تعوديني " العيادة: زيارة المريض خاصة، ولا تقال في زيارة غيره. الاعراب: " وما " اسم استفهام مبتدأ " عليك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " أخبرتني " أخبر: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، وهو المفعول الاول، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول ثان لا خبر " دنفا " مفعول ثالث، والجملة من الفعل وفاعله ومفعولاته الثلاث في محل جر بإضافة إذا إليها " وغاب بعلك " الواو واو الحال، وما بعده جملة من فعل وفاعل في محل نصب حال، وهي - عند أبي العباس المبرد - على تقدير " قد " أي: وقد غاب بعلك، ويجوز أن تكون الواو للعطف، والجملة في محل جر بالعطف على جملة " أخبرتني دنفا " المجرورة محلا بإضافة إذا إليها " أن تعوديني " في تأويل =
[ ٢ / ٦٩ ]
وحدث كقولك حدثت زيدا بكرا مقيما ومنه قوله:
١٣٩ - أو منعتم ما تسألون فمن حد ثتموه له علينا الولاء؟
_________________
(١) = مصدر مجرور بفي محذوفة، والتقدير: في عيادتي، وحذف حرف الجر ههنا قياس، والجار والمجرور متعلق بخبر. الشاهد فيه: قوله " أخبرتني دنفا " حيث أعمل " أخبر " في ثلاثة مفاعيل: أحدها نائب الفاعل وهو تاء المخاطبة، والثاني ياء المتكلم، والثالث قوله " دنفا ".
(٢) البيت للحارث بن حلزة اليشكري، من معلقته المشهورة التي مطلعها: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء اللغة: " منعتم ما تسألون " معناه: إن منعتم عنا ما نسألكم أن تعطوه من النصفة والاخاء والمساواة فلاي شئ كان ذلك منكم مع ما تعلمون من عزنا ومنعتنا؟ " فمن حدثتموه له علينا الولاء " يقول: من الذي بلغكم عنه أنه قد صارت له علينا الغلبة في سالف الدهر، وأنتم تمنون أنفسكم بأن تكونوا مثله؟ والاستفهام بمعنى النفي، يريد لم يكن لاحد سلطان في الزمن الغابر علينا، ويروى " له علينا العلاء " بالعين المهملة، من العلو، وهو الرفعة، ويروى " الغلاء " بالغين المعجمة، وهو الارتفاع أيضا. الاعراب: " منعتم " فعل وفاعل " ما " اسم موصول: مفعول به لمنع " تسألون " جملة من فعل ونائب فاعل لا محل لها صلة الموصول " فمن " اسم استفهام مبتدأ " حدثتموه " حدث: فعل ماض مبني للمجهول، وتاء المخاطبين نائب فاعل، وهاء الغائب مفعول ثان، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " له، علينا " يتعلقان بمحذوف خبر مقدم " الولاء " مبتدأ مؤخر، والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثالث لحدث. الشاهد فيه: قوله " حدثتموه. له علينا الولاء " حيث أعمل " حدث " في ثلاثة مفاعيل: أحدها نائب الفاعل، وهو ضمير المخاطبين، والثاني هاء الغائب، والثالث جملة " له علينا الولاء " كما أوضحناه في الاعراب.
[ ٢ / ٧٠ ]
وأنبأ كقولك أنبأت عبد الله زيدا مسافرا ومنه قوله:
١٤٠ - وأنبئت قبسا ولم أبله كما زعموا خير أهل اليمن
وخبر كقولك خبرت زيدا عمرا غائبا ومنه قوله:
١٤١ - وخبرت سوداء الغميم مريضة فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
_________________
(١) هذا البيت للاعشى ميمون بن قيس، من كلمة يمدح بها قيس بن قيس بن معديكرب، وأولها قوله: لعمرك ما طول هذا الزمن على المرء إلا عناء معن اللغة: " معن " هو اسم فاعل من عناه - بتشديد النون - إذا أورثه العناء والمشقة " ولم أبله " تقول: بلوته أبلوه، إذا اختبرته، ويروى في مكانه " ولم آته " ويذكر الرواة أن قيسا حين سمع هذا البيت قال: أو شك؟ ثم أمر بحبسه. الاعراب: " وأنبئت " أنبئ: فعل ماض مبني للمجهول، وتاء المتكلم نائب فاعل وهو المفعول الاول " قيسا " مفعول ثان " ولم أبله " الواو واو الحال، وما بعده جملة من فعل مضارع مجزوم بلم، وفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، ومفعول، في محل نصب حال " كما " الكاف جارة، وما: يحتمل أن تكون موصولة مجرورة المحل بالكاف، وأن تكون مصدرية، وعلى الاول فجملة " زعموا " لا محل لها صلة، وعلى الثاني تكون " ما " وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف أي كزعمهم " خير " مفعول ثالث لانبئت، وخير مضاف و" أهل " مضاف إليه، وأهل مضاف و" اليمن " مضاف إليه مجرور بالكسرة، وسكن لاجل الوقف. الشاهد فيه: قوله " وأنبئت قيسا. خير أهل اليمن " حيث أعمل أنبأ في مفاعيل ثلاثة، الاول تاء المتكلم الواقعة نائب فاعل، والثاني قوله " قيسا "، والثالث قوله " خير أهل اليمن ".
(٢) هذا البيت للعوام بن عقبة بن كعب بن زهير، وكان قد عشق امرأة من بني عبد الله بن غطفان، وكلف بها، وكانت هي تجد به أيضا، فخرج إلى مصر في =
[ ٢ / ٧١ ]
_________________
(١) ميرة، فبلغه أنها مريضة، فترك ميرته، وكر نحوها راجعا، وهو يقول أبياتا أولها بيت الشاهد، وبعده قوله: فيا ليت شعري هل تغير بعدنا ملاحة عيني أم يحيى وجيدها؟ وهل أخلقت أثوابها بعد جدة ألا حبذا أخلاقها وجديدها؟ ولم يبق يا سوداء شئ أحبه وإن بقيت أعلام أرض وبيدها (وانظر شرح التبريزي على الحماسة ٣ / ٣٤٤ بتحقيقنا)، اللغة: " الغميم " بفتح الغين المعجمة وكسر الميم - اسم موضع في بلاد الحجاز، ويقال: هو بضم الغين على زنة التصغير، ويروى " ونبئت سوداء الغميم " ويروى أيضا " ونبئت سوداء القلوب " فيجوز أن اسمها سوداء ثم أضافها إلى القلوب كما فعل ابن الدمينة في قوله: قفي يا أميم القلب نقض لبانة ونشك الهوى، ثم افعلي ما بدا لك ويجوز أن يكون أراد أنها تحل من القلوب محل السويداء، ويجوز أن يكون قد أراد أنها قاسية القلب، ولكنه جمع لانه أراد القلب وما حوله، أو أراد أن لها مع كل محب قلبا، ويروون عجز البيت " فأقبلت من مصر إليها أعودها "، الاعراب: " خبرت " خبر: فعل ماض مبني للمجهول، وتاء المتكلم نائب فاعل وهو المفعول الاول " سوداء " مفعول ثان، وسوداء مضاف و" الغميم " مضاف إليه " مريضة " مفعول ثالث لخبر " فأقبلت " فعل وفاعل " من أهلي " الجار والمجرور متعلق بأقبل، وأهل مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " بمصر " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة أو حال من أهل المضاف لياء المتكلم " أعودها " أعود: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، وهاء: مفعول به، والجملة في محل نصب حال من التاء في " أقبلت ". الشاهد فيه: قوله " وخبرت سوداء الغميم مريضة " حيث أعمل " خبر " في ثلاثة مفاعيل، أحدها تاء المتكلم الواقعة نائب فاعل، والثاني قوله " سوداء الغميم "، والثالث قوله " مريضة " كما اتضح لك في إعراب البيت. هذا، وأنت لو تأملت في جميع هذه الشواهد التي جاء بها الشارح لهذه المسألة =
[ ٢ / ٧٢ ]
وإنما قال المصنف وكأرى السابق لأنه تقدم في هذا الباب أن أرى تارة تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل وتارة تتعدى إلى اثنين وكان قد ذكر أولا أرى المتعدية إلى ثلاثة فنبه على أن هذه الأفعال الخمسة مثل أرى السابقة وهي المتعدية إلى ثلاثة لا مثل أرى المتأخرة وهي المتعدية إلى اثنين.
_________________
(١) = لوجدت الافعال فيها كلها مبنية للمجهول، وقد تعدت إلى مفعولين بعد نائب الفاعل، وبعضها تجد المفعول الثاني والمفعول الثالث فيه مفردين، وبعضها تجد فيه المفعول الثالث جملة كبيت الحارث بن حلزة (رقم ١٣٩) وشأن ما لم يذكره الشارح من الشواهد كشأن ما ذكره منها، حتى قال شيخ الاسلام زكريا الانصاري: " ولم يسمع تعديها إلى ثلاثة صريحة " اهـ.
[ ٢ / ٧٣ ]
الفاعل
الفاعل الذي كمرفوعي "أتى زيد" "منيرا وجهه" "نعم الفتى (١) "
لما فرغ من الكلام على نواسخ الابتداء شرع في ذكر ما يطلبه الفعل التام من المرفوع وهو الفاعل أو نائبه وسيأتي الكلام على نائبه في الباب الذي يلي هذا الباب.
فأما الفاعل فهو: الاسم المسند إليه فعل على طريقة فعل أو شبهه وحكمه الرفع (٢) والمراد بالاسم ما يشمل الصريح نحو قام زيد والمؤول
_________________
(١) " الفاعل " مبتدأ " الذي " اسم موصول: خبر المبتدأ " كمرفوعي " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول " أتى زيد " فعل وفاعل، ومرفوعي مضاف، وجملة الفعل والفاعل بمتعلقاتها في محل جر مضاف إليه " منيرا " حال، وهو اسم فاعل " وجهه " وجه: فاعل بمنير، ووجه مضاف والضمير مضاف إليه " نعم الفتى " فعل وفاعل.
(٢) وقد ينصب الفاعل ويرفع المفعول إذا أمن اللبس، وقد ورد عن العرب قولهم خرق الثوب المسمار، وقولهم: كسر الزجاج الحجر. وقال الاخطل: مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: ألم تسأل الاطلال والمتربعا ببطن حليات دوارس أربعا إلى الشرى من وادي المغمس بدلت معالمه وبلا ونكباء زعزعا وربما نصبوا الفاعل والمفعول جميعا، كما قال الراجز: قد سالم الحيات منه القدما الافعوان والشجاع الشجعما وربما رفعوهما جميعا، كما قال الشاعر: إن من صاد عقعقا لمشوم كيف من صاد عقعقان وبوم =
[ ٢ / ٧٤ ]
به نحو يعجبني أن تقوم أي قيامك.
فخرج ب المسند إليه فعل ما أسند إليه غيره نحو زيد أخوك أو جملة نحو زيد قام أبوه أو زيد قام أو ما هو في قوة الجملة نحو زيد قائم غلامه أو زيد قائم أي هو.
وخرج بقولنا على طريقة فعل ما أسند إليه فعل على طريقة فعل وهو النائب عن الفاعل نحو: ضرب زيد.
_________________
(١) = وسيشير الشارح في مطلع باب المفعول به إلى هذه المسألة. ونتعرض هناك للكلام عليها مرة أخرى، إن شاء الله تعالى. والمبيح لذلك كله اعتمادهم على انفهام المعنى، وهم لا يجعلون ذلك قياسا، ولا يطردونه في كلامهم. وقد يجر لفظ الفاعل بإضافة المصدر، نحو قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس) أو بإضافة اسم المصدر، نحو قوله ﵊: " من قبلة الرجل امرأته الوضوء ". وقد يجر الفاعل بالباء الزائدة. وذلك واجب في أفعل الذي على صورة فعل الامر في باب التعجب، نحو قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر) ونحو قول الشاعر: أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للابواب أن يلجا وهو كثير غالب في فاعل " كفى " نحو قوله تعالى: (كفى بالله شهيدا) ومن القليل في فاعل كفى تجرده من الباء، كما في قول سحيم الرياحي: عميرة ودع إن تجهزت غازيا كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا فقد جاء بفاعل " كفى " وهو قوله " الشيب " غير مجرور بالباء. ويشذ جر الفاعل بالباء فيما عدا أفعل في التعجب وفاعل كفى، وذلك نحو قول الشاعر: ألم ياتيك والانباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد فالباء في " بما " زائدة، وما: موصول اسمي فاعل يأتي، في بعض تخريجات هذا البيت. وقد يجر الفاعل بمن الزائدة إذا كان نكرة بعد نفي أو شبهه، نحو قوله تعالى: (ما جاءنا من بشير) والفاعل حينئذ مرفوع بضمة مقدرة على الراجح، فاحفظ ذلك كله.
[ ٢ / ٧٥ ]
والمراد بشبه الفعل المذكور اسم الفاعل نحو أقائم الزيدان والصفة المشبهة نحو زيد حسن وجهه والمصدر نحو عجبت من ضرب زيد عمرا واسم الفعل نحو هيهات العقيق والظرف والجار والمجرور نحو زيد عندك أبوه أو في الدار غلاماه وأفعل التفضيل نحو مررت بالأفضل أبوه فأبوه مرفوع بالأفضل وإلى ما ذكر أشار المصنف بقوله كمرفوعي أتى إلخ.
والمراد بالمرفوعين ما كان مرفوعا بالفعل أو بما يشبه الفعل كما تقدم ذكره ومثل للمرفوع بالفعل بمثالين أحدهما ما رفع بفعل متصرف نحو أتى زيد والثاني ما رفع بفعل غير متصرف نحو نعم الفتى ومثل للمرفوع بشبه الفعل بقوله منيرا وجهه.
وبعد فعل فاعل فإن ظهر فهو وإلا فضمير استتر
_________________
(١) " وبعد " ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وبعد مضاف، و" فعل " مضاف إليه " فاعل " مبتدأ مؤخر " فإن " شرطية " ظهر " فعل ماض، فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فاعل " فهو " الفاء لربط الجواب بالشرط، هو: مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير " فإن ظهر فهو المطلوب " مثلا، والجملة في محل جزم جواب الشرط " وإلا " الواو عاطفة، وإن: شرطية، ولا: نافية، وفعل الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: وإلا يظهر " فضمير " الفاء لربط الجواب بالشرط، ضمير: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فهو ضمير، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، وجملة " استتر " مع فاعله المستتر فيه في محل رفع صفة لضمير. وهذا البيت يشير إلى حكمين من أحكام الفاعل، أولهما أن الفاعل يجب أن يكون بعد الفعل، فلا يجوز عنده تقديم الفاعل، وهذا هو الذي ذكره الشارح =
[ ٢ / ٧٦ ]
حكم الفاعل التأخر عن رافعه وهو الفعل أو شبهه نحو قام الزيدان وزيد قائم غلاماه وقام زيد ولا يجوز تقديمه على رافعه فلا تقول الزيدان قام ولا زيد غلاماه قائم ولا زيد قام على أن يكون زيد فاعلا مقدما بل على أن يكون مبتدأ والفعل بعده رافع لضمير مستتر والتقدير زيد قام هو وهذا مذهب البصريين وأما الكوفيون فأجازوا التقديم في ذلك كله. (١)
_________________
(١) = بقوله: " حكم الفاعل التأخر عن رافعه - إلخ " وثاني الحكمين أنه لا يجوز حذف الفاعل، بل إما أن يكون ملفوظا به، وإما أن يكون ضميرا مستترا، وهذا هو الذي ذكره الشارح بقوله: " وأشار بقوله فإن ظهر - إلخ، إلى أن الفعل وشبهه لابد له من مرفوع " وليس هذا الحكم مطردا، بل له استثناء سنذكره فيما بعد (اقرأ الهامشة ١ ص ٤٦٦) .
(٢) استدل الكوفيون على جواز تقديم الفاعل على رافعه، بوروده عن العرب في نحو قول الزباء: ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا في رواية من روى " مشيها " مرفوعا، قالوا: ما: اسم استفهام مبتدأ، وللجمال: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، مشى: فاعل تقدم على عامله وهو وئيدا الآتي ومشى مضاف والضمير العائد إلى الجمال مضاف إليه، ووئيدا: حال من الجمال منصوب بالفتحة الظاهرة، وتقدير الكلام: أي شئ ثابت للجمال حال كونها وئيدا مشيها. واستدل البصريون على أنه لا يجوز تقديم الفاعل على فعله بوجهين، أحدهما: أن الفعل وفاعله كجزأين لكلمة واحدة متقدم أحدهما على الآخر وضعا، فكما لا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها لا يجوز تقديم الفاعل على فعله، وثانيهما: أن تقديم الفاعل يوقع في اللبس بينه وبين المبتدأ، وذلك أنك إذا قلت " زيد قام " وكان تقديم الفاعل جائزا لم يدر السامع أأردت الابتداء بزيد والاخبار عنه بجملة قام وفاعله المستتر، أم أردت إسناد قام المذكور إلى زيد على أنه فاعل، وقام حينئذ خال من الضمير؟ ولا = (٣٠ - شرح ابن عقيل ١)
[ ٢ / ٧٧ ]
وتظهر فائدة الخلاف في غير الصورة الأخيرة وهي صورة الإفراد نحو زيد قام فتقول على مذهب الكوفيين الزيدان قام والزيدون قام وعلى مذهب البصريين يجب أن تقول الزيدان قاما والزيدون قاموا فتأتي بألف وواو في الفعل ويكونان هما الفاعلين وهذا معنى قوله وبعد فعل فاعل وأشار بقوله فإن ظهر إلخ إلى أن الفعل وشبهه لا بد له من مرفوع (١) فإن ظهر فلا إضمار نحو قام زيد وإن لم يظهر فهو ضمير نحو زيد قام أي هو.
_________________
(١) = شك أن بين الحالتين فرقا، فإن جملة الفعل وفاعله تدل على حدوث القيام بعد أن لم يكن، وجملة المبتدأ وخبره الفعلي تدل على الثبوت وعلى تأكيد إسناد القيام لزيد، ولا يجوز إغفال هذا الفرق بادعاء أنه مما لا يتعلق به المقصود من إفادة إسناد القيام لزيد على جهة وقوعه منه، وأنه مما يتعلق به غرض أهل البلاغة الذين يبحثون عن معان للتراكيب غير المعاني الاولية التي تدل عليها الالفاظ مع قطع النظر عن التقديم والتأخير ونحوهما. وأجابوا عما استدل به الكوفيون بأن البيت يحتمل غير ما ذكروا من وجوه الاعراب، إذا يجوز أن يكون " مشى " مبتدأ، والضمير مضاف إليه، و" وئيدا " حال من فاعل فعل محذوف، والتقدير: مشيها يظهر وئيدا، وجملة الفعل المحذوف وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، ومتى كان البيت محتملا لم يصلح دليلا.
(٢) بعض الافعال لا يحتاج إلى فاعل، فكان على الشارح أن يستثنيه من هذا العموم، ونحن نذكر لك ثلاثة مواضع من هذه القبيل: (الاول) الفعل المؤكد في نحو قول الشاعر: أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس =
[ ٢ / ٧٨ ]
وجرد الفعل إذا ما أسندا لاثنين أو جمع كفاز الشهدا (١)
وقد يقال سعدا وسعدوا والفعل للظاهر بعد مسند (٢)
مذهب جمهور العرب أنه إذا أسند الفعل إلى ظاهر مثنى أو مجموع وجب تجريده من علامة تدل على التثنية أو الجمع فيكون كحاله إذا أسند إلى مفرد فتقول قام الزيدان وقام الزيدون وقامت الهندات كما تقول قام زيد ولا تقول على مذهب هؤلاء: قاما الزيدان
_________________
(١) (الثاني) " كان " الزائدة في نحو قول الشاعر، وقد أنشدناه مع نظائره في باب كان وأخواتها عند الكلام على مواضع زيادتها. لله در أنو شروان من رجل ما كان أعرفه بالدون والسفل بناء على الراجح عند المحققين من أن كان الزائدة لا فاعل لها. (الثالث) الفعل المكفوف بما، نحو قلما، وطالما، وكثر ما، بناء على ما ذهب إليه سيبويه. ومن العلماء من يزعم أن " ما " في نحو " طالما نهيتك " مصدرية سابكة لما بعدها بمصدر هو فاعل طال، والتقدير: طال نهيي إياك.
(٢) " وجرد " الواو عاطفة، جرد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " الفعل " مفعول به لجرد " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " ما " زائدة " أسندا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، والجملة من أسند ونائب فاعله في محل جر بإضافة " إذا " إليها " لاثنين " جار ومجرور متعلق بأسند " أو جمع " معطوف على اثنين " كفاز الشهدا " الكاف جارة لقول محذوف، وجملة الفعل والفاعل في محل نصب بذلك المجرور المحذوف، وأصل الكلام: وذلك كائن كقولك فاز الشهداء.
(٣) " وقد " حرف تقليل " يقال " فعل مضارع مبني للمجهول " سعدا وسعدوا " قصد لفظهما: نائب عن الفاعل ومعطوف عليه " والفعل " الواو للحال، والفعل: مبتدأ " للظاهر، بعد " متعلقان بمسند الآتي " مسند " خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال.
[ ٢ / ٧٩ ]
ولا قاموا
الزيدون ولا قمن الهندات فتأتي بعلامة في الفعل الرافع للظاهر على أن يكون ما بعد الفعل مرفوعا به وما اتصل بالفعل من الألف والواو والنون حروف تدل على تثنية الفاعل أو جمعه بل على أن يكون الاسم الظاهر مبتدأ مؤخرا والفعل المتقدم وما اتصل به اسما في موضع رفع به والجملة في موضع رفع خبرا عن الاسم المتأخر.
ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون ما اتصل بالفعل مرفوعا به كما تقدم وما بعده بدل مما اتصل بالفعل من الأسماء المضمرة أعني الألف والواو والنون.
ومذهب طائفة من العرب وهم بنو الحارث بن كعب كما نقل الصفار في شرح الكتاب أن الفعل إذا أسند إلى ظاهر مثنى أو مجموع أتى فيه بعلامة تدل على التثنية أو الجمع (١) فتقول قاما الزيدان وقاموا الزيدون وقمن الهندات فتكون الألف والواو والنون حروفا تدل على التثنية والجمع كما كانت التاء في قامت هند حرفا تدل على التأنيث عند جميع العرب (٢) والاسم الذي بعد المذكور مرفوع به كما ارتفعت هند بـ"قامت" ومن ذلك قوله:
_________________
(١) وليس الاتيان بعلامة التثنية إذا كان الفاعل مثنى أو بعلامة الجمع إذا كان الفاعل مجموعا واجبا عند هؤلاء، بل إنهم ربما جاءوا بالعلامة، وربما تركوها.
(٢) الفرق بين علامة التأنيث وعلامة التثنية والجمع من ثلاثة أوجه: الاول: أن إلحاق علامة التثنية والجمع لغة لجماعة من العرب بأعيانهم - يقال: هم طيئ، ويقال: هم أزدشنوءة - وأما إلحاق تاء التأنيث فلغة جميع العرب. الثاني: أن إلحاق علامة التثنية والجمع عند من يلحقها جائز في جميع الاحوال، ولا يكون واجبا أصلا، فأما إلحاق علامة التأنيث فيكون واجبا إذا كان الفاعل =
[ ٢ / ٨٠ ]
١٤٢ - تولى قتال المارقين بنفسه وقد أسلماه مبعد وحميم
_________________
(١) = ضميرا متصلا لمؤنث مطلقا، وإذا كان الفاعل اسما ظاهرا حقيقي التأنيث، على ما سيأتي بيانه وتفصيله في هذا الباب. الثالث: أن احتياج الفعل إلى علامة التأنيث أقوى من احتياجه إلى علامة التثنية والجمع، لان الفاعل قد يكون مؤنثا بدون علامة ويكون الاسم مع هذا مشتركا بين المذكر والمؤنث كزيد وهند، فقد سمى بكل من زيد وهند مذكر وسمى بكل منهما مؤنث، فإذا ذكر الفعل بدون علامة التأنيث لم يعلم أمؤنث فاعله أم مذكر، فأما المثنى والجمع فإنه لا يمكن فيهما احتمال المفرد.
(٢) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، يرثي مصعب بن الزبير بن العوام ﵄، وكان عبيد الله بن قيس هذا من شيعة الزبيريين، وكان مصعب قد خرج على الخلافة الاموية مع أخيه عبد الله بن الزبير، وعبيد الله بن قيس الرقيات هو الذي يقول: كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء؟ تذهل الشيخ عن بنيه، وتبدي عن براها العقيلة العذراء ولما قتل مصعب بن الزبير قال كلمة يرثيه بها، منها بيت الشاهد، وأول رثائها قوله: لقد أورث المصرين حزنا وذلة قتيل بدير الجاثليق مقيم اللغة: " المارقين " الخارجين عن الدين كما يخرج السهم من الرمية " مبعد " أراد به الاجنبي " وحميم " الصديق الذي يهتم لامر صديقه " أسلماه " خذلاه، ولم يعيناه. الاعراب: " تولى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على مصعب " قتال " مفعول به لتولى، وقتال مضاف، و" المارقين " مضاف إليه " بنفسه " جار ومجرور متعلق بتولى، أو الباء زائدة، ونفس: تأكيد للضمير المستتر في تولى، ونفس مضاف وضمير الغائب العائد إلى مصعب مضاف إليه " وقد " الواو للحال، قد: حرف تحقيق " أسلماه " أسلم: فعل ماض، والالف حرف دال على التثنية، والهاء ضمير الغائب العائد إلى مصعب مفعول به لاسلم " مبعد " فاعل أسلم " وحميم " الواو حرف عطف، حميم: معطوف على مبعد. =
[ ٢ / ٨١ ]
وقوله:
١٤٣ - يلومونني في اشتراء النخي ل أهلي؛ فكلهم يعذل
_________________
(١) = الشاهد فيه: قوله " وقد أسلماه مبعد وحميم " حيث وصل بالفعل ألف التثنية مع أن الفاعل اسم ظاهر. وكان القياس على الفصحى أن يقول " وقد أسلمه مبعد وحميم ". وسيأتي لهذا الشاهد نظائر في شرح الشاهدين الآتيين رقم ١٤٣ و١٤٤.
(٢) هذا البيت من الشواهد التي لم يعينوا قائلها، وبعده قوله: وأهل الذي باع يلحونه كما لحي البائع الاول اللغة: " يلومونني " تقول: لام فلان فلانا على كذا يلومه لوما - بوزان قال يقول قولا - ولومة، وملامة، وإذا أردت المبالغة قلت: لومه - بتشديد الواو " يعذل " العذل - بفتح فسكون - هو اللوم، وفعله من باب ضرب " يلحونه " تقول: لحا فلان فلانا يلحوه - مثل دعاه يدعوه - ولحاه يلحاه - مثل نهاه ينهاه - إذا لامه وعذله. الاعراب: " يلومونني " فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو حرف دال على الجماعة، والنون للوقاية، والياء مفعول به ليلوم " في اشتراء " جار ومجرور متعلق بيلوم، واشتراء مضاف، و" النخيل " مضاف إليه " أهلي " أهل: فاعل يلوم، وأهل مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " فكلهم " كل: مبتدأ، وكل مضاف، وهم: مضاف إليه " يعذل " فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كل الواقع مبتدأ، والجملة من يعذل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. الشاهد فيه: قوله " يلومونني. أهلي " حيث وصل واو الجماعة بالفعل، مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعد الفعل، وهذه لغة طيئ، وقيل: لغة أزدشنوءة. وبذكر النحاة مع هذا الشاهد والذي قبله قول الشاعر (وهو أبو فراس الحمداني): نتج الربيع محاسنا ألقحنها غر السحائب ومثله قول " تميم " وهو من شعراء اليتيمة: إلى أن رأيت النجم وهو مغرب وأقبلن رايات الصباح من الشرق فقد وصل كل منهما نون النسوة بالفعل، مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعده، =
[ ٢ / ٨٢ ]
وقوله:
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي فأعرضن عني بالخدود النواضر
_________________
(١) = وهو قوله " غر السحائب " في الاول، و" رايات الصباح " في الثاني، وكذلك قول عمرو بن ملقط: ألفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيه فقد وصل ألف الاثنين بالفعل في قوله " ألفيتا " مع كونه مسندا إلى المثنى الذي هو قوله " عيناك " وكذلك قول عروة بن الورد: وأحقرهم وأهونهم عليه وإن كانا له نسب وخير فقد ألحق ألف الاثنين بالفعل في قوله " كانا " مع كونه مسندا إلى اثنين قد عطف أحدهما على الآخر، وذلك قوله " نسب وخير " ومثله قول الاخر: نسيا حاتم وأوس لدن فاضت عطاياك يا ابن عبد العزيز ومحل الاستشهاد في قوله " نسيا حاتم وأوس " وهذا مع ما أنشدناه من بيت عمرو بن ملقط يدل على أن شأن نائب الفاعل في هذه المسألة كشأن الفاعل، وسيأتي لهذه المسألة شواهد أخرى في شرح الشاهد ١٤٤ الآتي.
(٢) البيت لابي عبد الرحمن محمد بن عبد الله العتبي، من ولد عتبة بن أبي سفيان. اللغة: " الغواني " جمع غانية، وهي هنا التي استغنت بجمالها عن الزينة " لاح " ظهر " النواضر " الجميلة، مأخوذ من النضرة، وهي الحسن والرواء، والنواضر: جمع ناضر. الاعراب: " رأين " رأى: فعل ماض، وهي هنا بصرية، والنون حرف دال على جماعة الاناث " الغواني " فاعل رأى " الشيب " مفعول به لرأى " لاح " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الشيب " بعارضي " الباء حرف جر، وعارض: مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بلاح، وعارض مضاف، =
[ ٢ / ٨٣ ]
فمبعد وحميم مرفوعان بقوله أسلماه والألف في أسلماه حرف يدل على كون الفاعل اثنين وكذلك أهلي مرفوع بقوله يلومونني والواو حرف يدل على الجمع والغواني مرفوع برأين والنون حرف يدل على جمع المؤنث وإلى هذه اللغة أشار المصنف بقوله وقد يقال سعدا وسعدوا إلى آخر البيت.
ومعناه أنه قد يؤتى في الفعل المسند إلى الظاهر بعلامة تدل على التثنية أو الجمع فأشعر قوله وقد يقال بأن ذلك قليل والأمر كذلك.
وإنما قال والفعل للظاهر بعد مسند لينبه على أن مثل هذا التركيب
_________________
(١) = وياء المتكلم مضاف إليه " فأعرضن " فعل وفاعل " عني، بالخدود " جاران ومجروران متعلقان بأعرض " النواضر " صفة للخدود. الشاهد فيه: قوله " رأين الغواني " فإن الشاعر قد وصل الفعل بنون النسوة في قوله " رأين " مع ذكر الفاعل الظاهر بعده، وهو قوله " الغواني " كما أوضحناه في الاعراب، ومثله قول الآخر: فأدركنه خالاته فخذلنه ألا إن عرق السوء لا بد مدرك ومن شواهد المسألة الشاهد رقم ٩٩ الذي سبق في باب إن وأخواتها وقول الشاعر: نصروك قومي، فاعتززت بنصرهم ولو انهم خذلوك كنت ذليلا فقد ألحق علامة جمع الذكور - وهي الواو - بالفعل في قوله " نصروك " مع أن هذا الفعل مسند إلى فاعل ظاهر بعده، وهو قوله " قومي ". وقد ورد في الحديث كثير على هذه اللغة، فمن ذلك ما جاء في حديث وائل بن حجر " ووقعتا ركبتاه قبل أن تقعا كفاه " وقوله " يخرجن العواتق وذوات الخدود " وقوله " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " وسنتكلم على هذا الحديث الاخير بعد هذا كلاما خاصا (انظر الهامشة ١ في ص ٤٧٣)، لان ابن مالك يسمي هذه اللغة " لغة يتعاقبون فيكم الملائكة ".
[ ٢ / ٨٤ ]
إنما
يكون قليلا إذا جعلت الفعل مسندا إلى الظاهر الذي بعده وأما إذا جعلته مسندا إلى المتصل به من الألف والواو والنون وجعلت الظاهر مبتدأ أو بدلا من الضمير فلا يكون ذلك قليلا وهذه اللغة القليلة هي التي يعبر عنها النحويون بلغة أكلوني البراغيث ويعبر عنها المصنف في كتبه بلغة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار (١) فالبراغيث فاعل أكلوني وملائكة فاعل يتعاقبون هكذا زعم المصنف.
ويرفع (٢) الفاعل فعل أضمرا كمثل زيد في جواب من قرا
_________________
(١) قد استشهد ابن مالك على هذه اللغة بهذا الحديث، وذلك على اعتبار أن الواو في " يتعاقبون " علامة جمع الذكور، و" ملائكة " وهو الفاعل مذكور بعد الفعل المتصل بالواو. وقد تكلم على هذا الاستدلال قوم، من المؤلفين، وقالوا: إن هذه الجملة قطعة من حديث مطول، وقد روى هذه القطعة مالك ﵁ في الموطأ، وأصله " إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار " فإذا نظرت إلى الحديث المطول كانت الواو في " يتعاقبون " ليست علامة على جمع الذكور، ولكنها ضمير جماعة الذكور، وهي فاعل، وجملة الفعل وفاعله صفة لملائكة الواقع اسم إن، و" ملائكة " المرفوع بعده ليس فاعلا، ولكنه من جملة مستأنفة القصد منها تفصيل ما أجمل أولا، فهو خبر مبتدأ محذوف، ولورود هذا الكلام على هذا الاستدلال تجد الشارح يقول في آخر تقريره: " هكذا زعم المصنف " يريد أن يبرأ من تبعته، ولقائل أن يقول: إن الاستدلال بالقطعة التي رواها مالك بن أنس في الموطأ، بدون التفات إلى الحديث المطول المروى في رواية أخرى.
(٢) " ويرفع " فعل مضارع " الفاعل " مفعول به ليرفع " فعل " فاعل يرفع " أضمرا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل، والجملة من أضمر ونائب فاعله في محل رفع صفة لفعل " كمثل " الكاف =
[ ٢ / ٨٥ ]
إذا دل دليل على الفعل جاز حذفه وإبقاء فاعله كما إذا قيل لك من قرأ فتقول زيد التقدير قرأ زيد.
وقد يحذف الفعل وجوبا كقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ فأحد فاعل بفعل محذوف وجوبا والتقدير وإن استجارك أحد استجارك وكذلك كل اسم مرفوع وقع بعد إن أو إذا فإنه مرفوع بفعل محذوف وجوبا ومثال ذلك في إذا قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾ فالسماء فاعل بفعل محذوف والتقدير إذا انشقت السماء انشقت وهذا مذهب جمهور النحويين (١) وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب الاشتغال إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) = زائدة، مثل: خبر لمبتدأ محذوف " زيد " فاعل بفعل محذوف، والتقدير: قرأ زيد " في جواب " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من زيد " من " اسم استفهام مبتدأ " قرا " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الاستفهامية الواقعة مبتدأ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
(٢) خلاصة القول في هذه المسألة أن فيها ثلاثة مذاهب: أولها: مذهب جمهور البصريين، وحاصله أن الاسم المرفوع بعد إن وإذا الشرطيتين فاعل بفعل محذوف وجوبا يفسره الفعل المذكور بعده، وهو الذي قرره الشارح. والمذهب الثاني: مذهب جمهور النحاة الكوفيين، وحاصله أن هذا الاسم المرفوع بعد إن وإذا الشرطيتين فاعل بنفس الفعل المذكور بعده، وليس في الكلام محذوف يفسره. المذهب الثالث: مذهب أبي الحسن الاخفش، وحاصله أن الاسم المرفوع بعد إن وإذا الشرطيتين مبتدأ، وأن الفعل المذكور بعده مسند إلى ضمير عائد على ذلك الاسم، والجملة من ذلك الفعل وفاعله المضمر فيه في محل رفع خبر المبتدأ، فلا حذف ولا تقديم ولا تأخير. =
[ ٢ / ٨٦ ]
وتاء تأنيث تلي الماضي إذا كان لأنئي كأبت هند الأذى (١)
_________________
(١) = فأما سبب هذا الاختلاف فيرجع إلى أمرين: الامر الاول: هل يجوز أن تقع الجملة الاسمية بعد أدوات الشرط، فالجمهور من الكوفيين والبصريين على أنه لا يجوز ذلك، ولو وقع في الكلام ما ظاهره ذلك فهو مؤول بتقدير الفعل متصلا بالاداة، غير أن البصريين قالوا: الفعل المقدر اتصاله بالاداة، فعل محذوف يرشد إليه الفعل المذكور، وأما الكوفيون فقالوا: الفعل المقدر اتصاله بالاداة هو نفس الفعل المذكور بعد الاسم. وذهب أبو الحسن الاخفش إلى أنه يجوز في إن وإذا خاصة من دون سائر أدوات الشرط - أن تقع بعدهما الجمل الاسمية، وعلى هذا لسنا في حاجة إلى تقدير محذوف، ولا إلى جعل الكلام على التقديم والتأخير. والامر الثاني: هل يجوز أن يتقدم الفاعل على فعله؟ فذهب الكوفيون إلى جواز ذلك، ولهذا جعلوا الاسم المرفوع بعد الاداتين فاعلا بذلك الفعل المتأخر، وذهب جمهور البصريين إلى أن الفاعل لا يجوز أن يتقدم على رافعه - فعلا كان هذا الرافع أو غير - فعل فلهذا اضطروا إلى تقدير فعل محذوف يفسره الفعل المذكور ليرتفع به ذلك الاسم. وقد نسب جماعة من متأخري المؤلفين - كالعلامة الصبان - مذهب الاخفش إلى الكوفيين. والصواب ما قدمنا ذكره. وبعد، فانظر ما يأتي لنا تحقيقه في شرح الشاهد ١٥٧
(٢) " وتاء " مبتدأ، وتاء مضاف، و" تأنيث " مضاف إليه " تلي " فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى تاء تأنيث، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " الماضي " مفعول به لتلي " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " كان " فعل ماض، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الماضي، وخبره محذوف " لانثى " جار ومجرور متعلق بخبر " كان " المحذوف، أي إذا كان مسندا لانثى " كأبت هند الاذى " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك كاتن كقولك، وما بعد الكاف فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل نصب بذلك المقول المحذوف.
[ ٢ / ٨٧ ]
إذا أسند الفعل الماضي إلى مؤنث لحقته تاء ساكنة تدل على كون الفاعل مؤنثا ولا فرق في ذلك بين الحقيقي والمجازي نحو قامت هند وطلعت الشمس لكن لها حالتان حالة لزوم وحالة جواز وسيأتي الكلام على ذلك.
وإنما تلزم فعل مضمر متصل أو مفهم ذات حر (١)
تلزم تاء التأنيث الساكنة الفعل الماضي في موضعين:
أحدهما: أن يسند الفعل إلى ضمير مؤنث متصل ولا فرق في ذلك بين المؤنث الحقيقي والمجازي فتقول هند قامت والشمس طلعت ولا تقول قام ولا طلع فإن كان الضمير منفصلا لم يؤت بالتاء نحو هند ما قام إلا هي الثاني: أن يكون الفاعل ظاهرا حقيقي التأنيث نحو قامت هند وهو المراد بقوله أو مفهم ذات حر وأصل حر حرح فحذفت لام الكلمة.
وفهم من كلامه أن التاء لا تلزم في غير هذين الموضعين فلا تلزم
في المؤنث
_________________
(١) " وإنما " حرف دال على الحصر " تلزم " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على تاء التأنيث " فعل " مفعول به لتلزم، وفعل مضاف، و" مضمر " مضاف إليه " متصل " نعت لمضمر " أو مفهم " معطوف على مضمر، وفاعل مفهم ضمير مستتر فيه، لانه اسم فاعل " ذات " مفعول به لمفهم، وذات مضاف، و" حر " مضاف إليه.
[ ٢ / ٨٨ ]
المجازي الظاهر فتقول طلع الشمس وطلعت الشمس ولا في الجمع على ما سيأتي تفصيله.
وقد يبيح الفصل ترك التاء في نحو أتى القاضي بنت الواقف (١)
إذا فصل بين الفعل وفاعله المؤنث الحقيقي بغير إلا جاز إثبات التاء وحذفها والأجود الإثبات فتقول أتى القاضي بنت الواقف والأجود أتت وتقول قام اليوم هند والأجود قامت.
والحذف مع فصل بإلا فضلا ك ما زكا إلا فتاة ابن العلا (٢)
وإذا فصل بين الفعل والفاعل المؤنث ب إلا لم يجز إثبات التاء عند الجمهور فتقول ما قام إلا هند وما طلع إلا الشمس ولا يجوز
_________________
(١) " وقد " حرف تقليل " يبيح " فعل مضارع " الفصل " فاعل يبيح " ترك " مفعول به ليبيح، وترك مضاف، و" التاء " مضاف إليه " في نحو " جار ومجرور متعلق بيبيح " أتى " فعل ماض " القاضي " مفعول به مقدم على الفاعل " بنت " فاعل أتى مؤخر عن المفعول، وبنت مضاف، " الواقف " مضاف إليه، وجملة الفعل وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة نحو إليها.
(٢) " والحذف " مبتدأ " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في " فضلا " الآتي، ومع مضاف، و" فصل " مضاف إليه " بإلا " جار ومجرور متعلق بفصل " فضلا " فضل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الحذف، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " كما " الكاف جارة لقول محذوف، وما: نافية " زكا " فعل ماض " إلا " أداة استثناء ملغاة " فتاة " فاعل زكا، وفتاة مضاف و" ابن " مضاف إليه، وابن مضاف، و" العلا " مضاف إليه.
[ ٢ / ٨٩ ]
ما قامت إلا هند ولا ما طلعت إلا الشمس وقد جاء في الشعر كقوله:
١٤٥ - وما بقيت إلا الضلوع الجراشع
_________________
(١) ١٤٥ هذا عجز بيت لذي الرمة - غيلان بن عقبة - وصدره: طوى النحز والاجراز ما في غروضها وهذا البيت من قصيدة له طويلة، أولها قوله: أمنزلتي مي، سلام عليكما! هل الا زمن اللائي مضين رواجع؟ وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الاثافي والديار البلاقع؟ اللغة: " النحز " - بفتح فسكون - الدفع، والنخس، والسوق الشديد " والاجراز " جمع: جرز - بزنة سبب أو عنق - وهي الارض اليابسة لانبات فيها " غروضها " جمع غرض - بفتح أوله - وهو للرحل بمنزلة الحزام للسرج، والبطان للقتب، وأراد هنا ما تحته، وهو بطن الناقة وما حوله، بعلاقة المجاورة " الجراشع " جمع جرشع - بزنة قنفذ - وهو المنتفخ. المعنى: يصف ناقته بالكلال والضمور والهزال مما أصابها من توالي السوق، والسير في الارض الصلبة، حتى دق ما تحت غرضها، ولم يبق إلا ضلوعها المنتفخة، فكأنه يقول: أصاب هذه الناقة الضمور والهزال والطوى بسبب شيئين: أولهما استحثاثي لها على السير بدفعها وتخسها، والثاني أنها تركض في أرض يابسة صلبة ليس بها نبات، وهي مما يشق السير فيه. الاعراب: " طوى " فعل ماض " النحز " فاعل " والاجراز " معطوف على الفاعل " ما " اسم موصول: مبني على السكون في محل نصب مفعول به لطوى " في غروضها " الجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، وغروض مضاف، وها: ضمير عائد إلى الناقة مضاف إليه " فما " نافية " بقيت " بقي: فعل ماض، والتاء للتأنيث " إلا " أداة استثناء ملغاة " الضلوع " فاعل بقيت " الجراشع " صفة للضلوع. الشاهد فيه: قوله " فما بقيت إلا الضلوع " حيث أدخل تاء التأنيث على الفعل، =
[ ٢ / ٩٠ ]
فقول المصنف إن الحذف مفضل على الإثبات يشعر بأن الإثبات أيضا جائز وليس كذلك (١) لأنه إن أراد به أنه مفضل عليه باعتبار أنه ثابت في النثر والنظم وأن الإثبات إنما جاء في الشعر فصحيح وإن أراد أن الحذف أكثر من الإثبات فغير صحيح لأن الإثبات قليل جدا.
والحذف قد يأتي بلا فصل ومع ضمير ذي المجاز في شعر وقع (٢)
_________________
(١) = لان فاعله مؤنث، مع كونه قد فصل بين الفعل والفاعل بإلا، وذلك - عند الجمهور - مما لا يجوز في غير الشعر. ومثل هذا الشاهد قول الراجز: ما برئت من ريبة وذم في حربنا إلا بنات العم
(٢) إن الذي ذكره الشارح تجن على الناظم، وإلزام له بمذهب معين قد لا يكون ذهب إليه في هذا الكتاب، وذلك بأن هذه المسألة خلافية بين علماء النحو، فمنهم من ذهب إلى أن لحاق تاء التأنيث وعدم إلحاقها جائزان إذا فصل بين الفعل وفاعله المؤنث بإلا، ومع جواز الامرين حذف التاء أفضل، وهذا هو الذي يصح أن يحمل عليه كلام الناظم، لانه صريح الدلالة عليه. ومن العلماء من ذهب إلى أن حذف التاء في هذه الحالة أمر واجب لا يجوز العدول عنه إلا في ضرورة الشعر، من أجل أن الفاعل على التحقيق ليس هو الاسم الواقع بعد إلا، ولكنه اسم مذكر محذوف، وهو المستثنى منه، فإذا قلت " لم يزرني إلا هند " فإن أصل الكلام: لم يزرني أحد إلا هند، وأنت لو صرحت بهذا المحذوف على هذا التقدير لم يكن لك إلا حذف التاء، لان الفاعل مذكر، وهذا هو الذي يريد الشارح أن يلزم به الناظم، لانه مذهب الجمهور، وهو إلزام ما لا يلزم، على أن لنا في هذا التعليل وفي ترتيب الحكم عليه كلاما لا تتسع له هذه العجالة.
(٣) " والحذف " مبتدأ، وجملة " قد يأتي " وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " بلا فصل " جار ومجرور متعلق بيأتي " ومع " الواو عاطفة أو للاستئناف، مع ظرف متعلق بوقع الآتي، ومع مضاف، و" ضمير " مضاف إليه، وضمير مضاف و" ذي " بمعنى صاحب: مضاف إليه، وذي مضاف و" المجاز " مضاف إليه " في شعر " جار ومجرور متعلق بوقع الآتي " وقع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود =
[ ٢ / ٩١ ]
وقد تحذف التاء من الفعل المسند إلى مؤنث حقيقي من غير فصل وهو قليل جدا حكى سيبويه قال فلانة وقد تحذف التاء من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث المجازي وهو مخصوص بالشعر كقوله:
١٤٦ - فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها
_________________
(١) = إلى الحذف، وتقدير البيت: وحذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى مؤنث قد يجئ في كلام العرب من غير فصل بين الفعل وفاعله، وقد وقع ذلك الحذف في الشعر مع كون الفاعل ضميرا عائدا إلى مؤنث مجازي التأنيث.
(٢) البيت لعامر بن جوين الطائي، كما نسب في كتاب سيبويه (١ - ٢٤٠) وفي شرح شواهده للاعلم الشنتمري. اللغة: " المزنة " السحابة المثقلة بالماء " الودق " المطر، وفي القرآن الكريم (فترى الودق يخرج من خلاله) " أبقل " أنبت البقل، وهو النبات. الاعراب: " فلا " نافية تعمل عمل ليس " مزنة " اسمها، وجملة " ودقت " وفاعله المستتر العائد إلى مزنة في محل نصب خبر لا " ودقها " ودق: منصوب على المفعولية المطلقة، وودق مضاف وها: مضاف إليه " ولا " الواو عاطفة لجملة على جملة، ولا: نافية للجنس تعمل عمل إن " أرض " اسم لا، وجملة " أبقل " وفاعله المستتر فيه في محل رفع خبرها " إبقالها " إبقال: مفعول مطلق، وإبقال مضاف وضمير الغائبة في محل جر مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " ولا أرض أثقل " حيث حذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث، وهذا الفعل هو " أبقل " وهو مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الارض، وهي مؤنثة مجازية التأنيث، ويروى: ولا أرض أبقلت ابقالها بنقل حركة الهمزة من " إبقالها " إلى التاء في " أبقلت " وحينئذ لا شاهد فيه. ومثل هذا البيت قول الاعشى ميمون بن قيس: فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أودى بها =
[ ٢ / ٩٢ ]
والتاء مع جمع سوى السالم من مذكر كالتاء مع إحدى اللبن (١)
والحذف في "نعم الفتاة" استحسنوا لأن قصد الجنس فيه بين (٢)
_________________
(١) = ومحل الاستشهاد منه قوله " أودى بها " حيث لم يلحق تاء التأنيث بالفعل الذي هو قوله " أودى " مع كونه مسندا إلى ضمير مستتر عائد إلى اسم مؤنث وهو الحوادث الذي هو جمع حادثة، وقد عرفت أن الفعل إذا أسند إلى ضمير راجع إلى مؤنث وجب تأنيثه، سواء أكان مرجعه حقيقي التأنيث، أم كان مرجع الضمير مجازي التأنيث، وترك التاء حينئذ مما لا يجوز ارتكابه إلا في ضرورة الشعر، فلما اضطر الشاعر في بيت الشاهد وفيما أنشدناه من قول الاعشى على الرواية المشهورة حذف علامة التأنيث من الفعل.
(٢) " والتاء " مبتدأ " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال منه، أو من الضمير المستتر في خبره، ومع مضاف، و" جمع " مضاف إليه " سوى " نعت لجمع، وسوى مضاف و" السالم " مضاف إليه " من مذكر " جار ومجرور متعلق بالسالم " كالتاء " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال من التاء المجرور بالكاف، ومع مضاف و" إحدى " مضاف إليه، وإحدى مضاف و" اللبن " مضاف إليه.
(٣) " والحذف " بالنصب: مفعول مقدم لاستحسنوا " في نعم الفتاة " جار ومجرور بقصد اللفظ متعلق بالحذف أو باستحسنوا " استحسنوا " فعل وفاعل " لان " اللام حرف جر، أن: حرف توكيد ونصب " قصد " اسم أن، وقصد مضاف و" الجنس " مضاف إليه " فيه " جار ومجرور متعلق بقوله بين الآتي " بين " خبر " أن " وأن مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بقوله استحسنوا، وتقدير الكلام: استحسنوا الحذف في " نعم الفتاة " لظهور قصد الجنس فيه، ويجوز أن يكون الحذف بالرفع مبتدأ، وجملة " استحسنوا " خبره، والرابط محذوف، والتقدير: الحذف استحسنوه إلخ، وهذا الوجه ضعيف، لاحتياجه إلى التقدير، وسيبويه يأبى مثله.
[ ٢ / ٩٣ ]
إذا أسند الفعل إلى جمع فإما أن يكون جمع سلامة لمذكر أولا فإن كان جمع سلامة لمذكر لم يجز اقتران الفعل بالتاء فتقول قام الزيدون ولا يجوز قامت الزيدون (١) وإن لم يكن جمع سلامة لمذكر بأن كان
_________________
(١) الاشياء التي تدل على معنى الجمع ستة أشياء، الاول: اسم الجمع نحو قوم ورهط ونسوة، والثاني: اسم الجنس الجمعي نحو روم وزنج وكلم، والثالث: جمع التكسير لمذكر نحو رجال وزيود، والرابع: جمع التكسير لمؤنث نحو هنود وضوارب، والخامس: جمع المذكر السالم نحو الزيدين والمؤمنين والبنين، والسادس: جمع المؤنث السالم نحو الهندات والمؤمنات والبنات، وللعلماء في الفعل المسند إلى هذه الاشياء ثلاثة مذاهب: المذهب الاول: مذهب جمهور الكوفيين، وهو أنه يجوز في كل فعل أسند إلى شئ من هذه الاشياء الستة أن يؤتى به مؤنثا وأن يؤتى به مذكرا، والسر في هذا أن كل واحد من الاشياء الستة يجوز أن يؤول بالجمع فيكون مذكر المعنى، فيؤتى بفعله خاليا من علامة التأنيث، وأن يؤول بالجماعة فيكون مؤنث المعنى، فيؤتى بفعله مقترنا بعلامة التأنيث، فنقول على هذا: جاء القوم، وجاءت القوم، وفي الكتاب العزيز (وقال نسوة في المدينة) وتقول: زحف الروم، وزحفت الروم، وفي الكتاب الكريم: (غلبت الروم) وتقول: جاء الرجال، وجاءت الرجال، وتقول: جاء الهنود، وجاءت الهنود، وتقول جاء الزينبات، وجاءت الزينبات، وفي التنزيل: (إذا جاءك المؤمنات) وقال عبدة بن الطييب من قصيدة له: فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والظاعنون إلي، ثم تصدعوا وتقول: جاء الزيدون، وجاءت الزيدون، وفي التنزيل: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) وقال قريط بن أنيف أحد شعراء الحماسة: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا والمذهب الثاني: مذهب أبي علي الفارسي، وخلاصته أنه يجوز الوجهان في جميع هذه الانواع، إلا نوعا واحدا، وهو جمع المذكر السالم، فإنه لا يجوز في الفعل الذي يسند إليه إلا التذكير، وأنت لو تأملت في كلام الناظم لوجدته بحسب ظاهره مطابقا لهذا المذهب، لانه لم يستثن إلا السالم من جمع المذكر. =
[ ٢ / ٩٤ ]
جمع تكسير لمذكر كالرجال أو لمؤنث كالهنود أو جمع سلامة لمؤنث كالهندات جاز إثبات التاء وحذفها فتقول قام الرجال وقامت الرجال وقام الهنود وقامت الهنود وقام الهندات وقامت الهندات فإثبات التاء لتأوله بالجماعة وحذفها لتأوله بالجمع.
وأشار بقوله: كالتاء مع إحدى اللبن إلى أن التاء مع جمع التكسير وجمع السلامة لمؤنث كالتاء مع الظاهر المجازي التأنيث كلبنة فكما تقول كسرت اللبنة وكسر اللبنة تقول قام الرجال وقامت الرجال وكذلك باقي ما تقدم.
وأشار بقوله: والحذف في نعم الفتاة إلى آخر البيت إلى أنه يجوز في نعم وأخواتها إذا كان فاعلها مؤنثا إثبات التاء وحذفها وإن كان مفردا مؤنثا حقيقيا فتقول نعم المرأة هند ونعمت المرأة هند وإنما جاز ذلك لأن فاعلها مقصود به استغراق الجنس فعومل معاملة جمع التكسير في جواز إثبات التاء وحذفها لشبهه به في أن المقصود به متعدد
_________________
(١) = والمذهب الثالث: مذهب جمهور البصريين، وخلاصته أنه يجوز الوجهان في أربعة أنواع، وهي: اسم الجمع، واسم الجنس الجمعي، وجمع التكسير لمذكر، وجمع التكسير لمؤنث، وأما جمع المذكر السالم فلا يجوز في فعله إلا التذكير، وأما جمع المؤنث السالم فلا يجوز في فعله إلا التأنيث، وقد حاول جماعة من الشراح كالاشموني أن يحملوا كلام الناظم عليه، فزعموا أن الكلام على نية حذف الواو والمعطوف بها، وأن أصل الكلام " سوى السالم من جمع مذكر ومن جمع مؤنث " ولكن شارحنا ﵀ لم يتكلف هذا التكلف، لانه رأى أن لظاهر الكلام محملا حسنا، وهو أن يوافق مذهب أبي علي الفارسي، فاحفظ هذا التحقيق واحرص عليه، فإنه نفيس دقيق قلما تعثر عليه مشروحا مستدلا له في يسر وسهولة.
[ ٢ / ٩٥ ]
ومعنى قوله:
استحسنوا أن الحذف في هذا ونحوه حسن ولكن الإثبات أحسن منه.
والأصل في الفاعل أن يتصلا والأصل في المفعول أن ينفصلا (١)
وقد يجاء بخلاف الأصل وقد يجئ المفعول قبل الفعل (٢)
الأصل أن يلي الفاعل الفعل من غير أن يفصل بينه وبين الفعل فاصل لأنه كالجزء منه ولذلك يسكن له آخر الفعل إن كان ضمير متكلم أو مخاطب نحو ضربت وضربت وإنما سكنوه كراهة توالي أربع متحركات وهم إنما يكرهون ذلك في الكلمة الواحدة فدل ذلك على أن الفاعل مع فعله كالكلمة الواحدة.
والأصل في المفعول أن ينفصل من الفعل بأن يتأخر عن الفاعل ويجوز تقديمه على الفاعل إن خلا مما سيذكره فتقول ضرب زيدا عمرو وهذا معنى قوله وقد يجاء بخلاف الأصل.
_________________
(١) " والاصل " مبتدأ " في الفاعل " جار ومجرور متعلق بالاصل " أن " مصدرية " يتصلا " فعل مضارع منصوب بأن، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الفاعل، و" أن " ومنصوبها في تأويل مصدر مرفوع خبر المبتدأ " والاصل في المفعول أن ينفصلا " مثل الشطر السابق تماما، وتقدير الكلام: والاصل في الفاعل اتصاله بالفعل، والاصل في المفعول انفصاله من الفعل بالفاعل.
(٢) " وقد " حرف تقليل " يجاء " فعل مضارع مبني للمجهول " بخلاف " جار ومجرور في موضع نائب فاعل ليجاء، وخلاف مضاف، و" الاصل " مضاف إليه " وقد " حرف تقليل " يجي " فعل مضارع " المفعول " فاعل يجي " قبل " ظرف متعلق بمحذوف حال من المفعول، وقبل مضاف، و" الفعل " مضاف إليه.
[ ٢ / ٩٦ ]
وأشار بقوله وقد يحي المفعول قبل الفعل إلى أن المفعول قد يتقدم على الفعل وتحت هذا قسمان:
أحدهما: ما يجب تقديمه وذلك (١) كما إذا كان المفعول اسم شرط نحو أيا تضرب أضرب أو اسم استفهام نحو أي رجل ضربت أو ضميرا منفصلا لو تأخر لزم اتصاله نحو ﴿إياك نعبد﴾ فلو أخر المفعول لزم الاتصال وكان يقال نعبدك فيجب التقديم بخلاف قولك الدرهم إياه أعطيتك فإنه لا يجب تقديم إياه لأنك لو أخرته لجاز اتصاله وانفصاله على ما تقدم في باب المضمرات فكنت تقول الدرهم أعطيتكه وأعطيتك إياه.
_________________
(١) يجب تقديم المفعول به على الفعل العامل فيه في ثلاثة مواضع، وقد ذكر الشارح موضعين منها من غير ضبط. الموضع الاول: أن يكون المفعول واحدا من الاشياء التي يجب لها التصدر، وذلك بأن يكون اسم شرط أو اسم استفهام، أو يكون المفعول " كم " الخبرية، نحو: كم عبيد ملكت، أو مضافا إلى واحد مما ذكر، نحو غلام من تضرب أضرب، ونحو غلام من ضربت؟ ونحو مال كم رجل غصبت. الموضع الثاني: أن يكون المفعول ضميرا منفصلا في غير باب " سلنيه " و" خلتنيه " اللذين يجوز فيهما الفصل والوصل مع التأخر، نحو قوله تعالى: (إياك نعبد، وإياك نستعين) . الموضع الثالث: أن يكون العامل في المفعول واقعا في جواب " أما " وليس معنا ما يفصل بين " أما " والفعل من معمولاته سوى هذا المفعول، سواء أكانت " أما " مذكورة في الكلام نحو قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر) أم كانت مقدرة نحو قوله سبحانه (وربك فكبر) فإن وجد ما يكون فاصلا بين " أما " والفعل سوى المفعول لم يجب تقديم المفعول على الفعل، نحو قولك: أما اليوم فأد واجبك، والسر في ذلك أن " ما " يجب أن يفصل بينها وبين الفاء بمفرد، فلا يجوز أن تقع الفاء بعدها مباشرة، ولا أن يفصل بينها وبين الفاء بجملة، كما سيأتي بيانه في بابها.
[ ٢ / ٩٧ ]
والثاني: ما يجوز تقديمه وتأخيره نحو ضرب زيد عمرا فتقول عمرا ضرب زيد (١) .
وأخر المفعول إن لبس حذر أو أضمر الفاعل غير منحصر (٢)
_________________
(١) بقيت صورة أخرى، وهي أنه قد يجب تأخير المفعول عن الفعل، وذلك في خمسة مواضع: الاول: أن يكون المفعول مصدرا مؤولا من أن المؤكدة ومعموليها، مخففة كانت " أن " أو مشددة، نحو قولك: عرفت أنك فاضل، ونحو قوله تعالى " علم أن لن تحصوه " إلا أن تتقدم عليه " أما " نحو قولك: أما أنك فاضل فعرفت. الموضع الثاني: أن يكون الفعل العامل فيه فعل تعجب، نحو قولك: ما أحسن زيدا، وما أكرم خالدا. الموضع الثالث: أن يكون الفعل العامل فيه صلة لحرف مصدري ناصب وذلك أن وكي نحو قولك: يعجبني أن تضرب زيدا، ونحو قولك: جئت كي أضرب زيدا فإن كان الحرف المصدري غير ناصب لم يجب تأخير المفعول عن العامل فيه، نحو قولك: وددت لو تضرب زيدا، يجوز أن تقول: وددت لو زيدا تضرب، ونحو قولك يعجبني ما تضرب زيدا، فيجوز أن تقول: يعجبني ما زيدا تضرب. الموضع الرابع: أن يكون الفعل العامل فيه مجزما بجازم ما، وذلك كقولك لم تضرب زيدا، لا يجوز أن تقول: لم زيدا تضرب، فإن قدمت المفعول على الجازم - فقلت زيدا لم تضرب - جاز. الموضع الخامس: أن يكون الفعل العامل منصوبا بلن عند الجمهور أو بإذن عند غير الكسائي، نحو قولك: لن أضرب زيدا، ونحو قولك: إذن أكرم المجتهد، فلا يجوز أن تقول: لن زيدا أضرب: كما لا يجوز عند الجمهور أن تقول: إذن المجتهد أكرم، وأجاز الكسائي أن تقول: إذا المجتهد أكرم.
(٢) " وأخر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المفعول " =
[ ٢ / ٩٨ ]
يجب تقديم الفاعل على المفعول إذا خيف التباس أحدهما بالآخر كما إذا خفي الإعراب فيهما ولم توجد قرينة تبين الفاعل من المفعول وذلك نحو ضرب موسى عيسى فيجب كون موسى فاعلا وعيسى مفعولا.
وهذا مذهب الجمهور وأجاز بعضهم تقديم المفعول في هذا ونحوه قال لأن العرب لها غرض في الالتباس كما لها غرض في التبيين. (٢)
_________________
(١) = مفعول به لاخر " إن " شرطية " لبس " نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده " حذر " فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى لبس، والجملة من حذر المذكور ونائب فاعله لا محل لها تفسيرية " أو " عاطفة " أضمر " فعل ماض مبني للمجهول " الفاعل " نائب فاعل أضمر " غير " حال من قوله الفاعل، وغير مضاف، و" منحصر " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف.
(٢) الذي ذكر ذلك هو ابن الحاج، وقد أخطأ الجادة، فإن العرب لا يمكن أن يكون من أغراضها الالباس، إذ من شأن الالباس أن يفهم السامع غير ما يريد المتكلم ولم توضع اللغة إلا للافهام، وما ذكره ابن الحاج لتدعيم حجته مما جاء عن العرب كله ليس من الالباس في شئ، وإنما هو من باب الاجمال، فلما التبس عليه الفرق بين الالباس والاجمال لم يفرق بين حكمهما، والفرق بينهما أن الاجمال هو احتمال اللفظ لمعنيين أو أكثر من غير أن يسبق أحد المعنيين إلى ذهن السامع، ألا ترى أنك لو سمعت كلمة " عمير " - بزنة التصغير - لاحتمل عندك أن يكون تصغير عمر كما يحتمل أن يكون تصغير عمرو، بدون أن يكون أحدهما أسبق إلى ذهنك من الآخر، فأما الالباس فهو احتمال اللفظ لمعنيين أو أكثر مع تبادر غير المقصود منهما إلى ذهن السامع، وذلك كما في المثال الذي ذكره الشارح، ألا ترى أنك لو قلت " ضرب موسى عيسى " لاحتمل هذا الكلام أن يكون موسى مضروبا ولكنه يسبق إلى ذهنك أنه ضارب، بسبب أن الاصل أن يكون الفاعل واليا لفعله، ولا يمكن أن يكون هذا من مقاصد البلغاء، فافهم ذلك وتدبره.
[ ٢ / ٩٩ ]
فإذا وجدت قرينة تبين الفاعل من المفعول جاز تقديم المفعول وتأخيره فتقول أكل موسى الكمثرى وأكل الكمثرى موسى (١) وهذا معنى قوله وأخر المفعول إن لبس حذر.
ومعنى قوله أو أضمر الفاعل غير منحصر أنه يجب أيضا تقديم الفاعل وتأخير المفعول إذا كان الفاعل ضميرا غير محصور نحو ضربت زيدا فإن كان ضميرا محصورا وجب تأخيره نحو ما ضرب زيدا إلا أنا (٢) .
وما بإلا أو بإنما انحصر أخر وقد يسبق إن قصد ظهر (٣)
_________________
(١) قد تكون القرينة الدالة على الفاعل معنوية، وقد تكون لفظية، فالقرينة المعنوية كما في مثال الشارح، وقولك: أرضعت الصغرى الكبرى، إذ لا يجوز أن يكون الارضاع قد حصل من الصغرى للكبرى، كما لا يجوز أن يكون موسى مأكولا والكمثرى هي الآكل، والقرينة اللفظية ثلاثة أنواع، الاول: أن يكون لاحدهما تابع ظاهر الاعراب كقولك: ضرب موسى الظريف عيسى، فإن " الظريف " تابع لموسى فلو رفع كان موسى مرفوعا، ولو نصب كان موسى منصوبا كذلك، الثاني: أن يتصل بالسابق منهما ضمير يعود على المتأخر نحو قولك: ضرب فتاه موسى، فهنا يتعين أن يكون " فتاه " مفعولا، إذ لو جعلته فاعلا لعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة وهو لا يجوز، بخلاف مالو جعلته مفعولا فإن الضمير حينئذ عائد على متأخر لفظا متقدم رتبة وهو جائز الثالث: أن يكون أحدهما مؤنثا وقد اتصلت بالفعل علامة التأنيث، وذلك كقولك: ضربت موسى سلمى، فإن اقتران التاء بالفعل دال على أن الفاعل مؤنث، فتأخره حينئذ عن المفعول لا يضر.
(٢) ومن ذلك قول عمرو بن معد يكرب وأنشدناه في مباحث الضمير. قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلا أنا (٣) " وما " اسم موصول: مفعول مقدم لاخر " بإلا " جار ومجرور متعلق =
[ ٢ / ١٠٠ ]
يقول إذا انحصر الفاعل أو المفعول ب إلا أو ب إنما وجب تأخيره وقد يتقدم المحصور من الفاعل أو المفعول على غير المحصور إذا ظهر المحصور من غيره وذلك كما إذا كان الحصر ب إلا فأما إذا كان الحصر ب إنما فإنه لا يجوز تقديم المحصور إذ لا يظهر كونه محصورا إلا بتأخيره بخلاف المحصور ب إلا فإنه يعرف بكونه واقعا بعد إلا فلا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر.
فمثال الفاعل المحصور بإنما قولك إنما ضرب عمرا زيد ومثال المفعول المحصور بإنما إنما ضرب زيد عمرا ومثال الفاعل المحصور ب إلا ما ضرب عمرا إلا زيد ومثال المفعول المحصور بإلا ما ضرب زيد إلا عمرا ومثال تقدم الفاعل المحصور ب إلا قولك ما ضرب إلا عمرو زيدا ومنه قوله:
١٤٧ - فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا عشية آناء الديار وشامها
_________________
(١) = بانحصر الآتي " أو " عاطفة " بإنما " جار ومجرور معطوف على " بإلا " " انحصر " فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من الفعل وفاعله لامحل لها صلة ما الموصولة " أخر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " وقد " حرف دال على التقليل " يسبق " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ما " إن " شرطية " قصد " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إن ظهر قصد " ظهر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى قصد، والجملة من ظهر المذكور وفاعله لا محل لها تفسيرية.
(٢) هذا البيت من الشواهد التي لم ينسبها أحد ممن احتج به من أئمة النحو، وهو من شواهد سيبويه (١ - ٢٧٠) وقد عثرت بعد طويل البحث على أنه من قصيدة طويلة لذي الرمة غيلان بن عقبة، وأولها قوله: =
[ ٢ / ١٠١ ]
_________________
(١) = مررنا على دار لمية مرة وجاراتها، قد كاد يعفو مقامها وبعده بيت الشاهد، ثم بعده قوله: وقد زودت مي على النأي قلبه علاقات حاجات طويل سقامها فأصبحت كالهيماء: لا الماء مبرد صداها، ولا يقضي عليها هيامها اللغة: " آناء " من الناس من يرويه بهمزة ممدودة كآبار وآرام، ومنهم من يرويه بهمزة في أوله غير ممدودة وهمزة بعد النون ممدودة بوزن أعمال، وقد جعله العيني جمع نأي - بفتح النون - ومعناه البعد، وعندي أنه جمع نؤي - بزنة قفل أو صرد أو ذئب أو كلب وهو الحفيرة تحفر حول الخباء لتمنع عنه المطر. ويجوز أن تكون الهمزة في أوله ممدودة على أنه قدم الهمزة التي هي العين على النون فاجتمع في الجمع همزتان متجاورتان وثانيتهما ساكنة فقلبها ألفا من جنس حركة الاولى كما فعلوا بآبار وآرام جمع بئر ورئم. كما يجوز أن تكون المدة في الهمزة الثانية على الاصل. وقد جعله الشيخ خالد بكسر الهمزة الاولى على أنه مصدر بزنة الابعاد ومعناه، وهو بعيد فلا تلتفت إليه " وشامها " ضبطه غير واحد بكسر الواو بزنة جبال على أنه جمع وشم، وهو ما تجعله المرأة على ذراعها ونحوه: تغرز ذراعها بالايرة ثم تحشوه بدخان الشحم. وليس ذلك بصواب أصلا. وقد تحرف الكلام عليهم فانطلقوا يخرجونه ويتمحلون له والواو مفتوحة، وهي واو العطف، والشام: جمع شامة، وهي العلامة، وشام: معطوف إما على آناء وإما على عشية على ما سنبينه لك في الاعراب. هذا، ورواية الديوان هكذا: فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا أهلة آناء الديار وشامها المعنى: لا يعلم إلا الله تعالى مقدار ما هيجته فينا من كوامن الشوق هذه العشية التي قضيناها بجوار آثار دار المحبوبة. وعلامات هذه الدار، الاعراب: " فلم " الفاء حرف عطف، لم: حرف نفي وجزم وقلب " يدر " فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الياء " إلا " أداة استثناء ملغاة " الله " فاعل يدري " ما " اسم موصول مفعول به ليدري، وجملة " هيجت " مع فاعله الآتي لا محل لها صلة =
[ ٢ / ١٠٢ ]
ومثال تقديم المفعول المحصور بإلا قولك ما ضرب إلا عمرا زيد ومنه قوله:
١٤٨ - تزودت من ليلى بتكليم ساعة فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها
_________________
(١) = الموصول " لنا " جار ومجرور متعلق بهيجت " عشية " يجوز أن يكون فاعل لهيجت، وعيشة مضاف و" آناء " مضاف إليه، وآناء مضاف، و" الديار " مضاف إليه " وشامها " الواو حرف عطف، وشام: معطوف على عشية إن جعلته فاعل هيجت، وشام مضاف وضمير الغائبة العائد على الديار مضاف إليه، ولا تلتفت لغير هذا من أعاريب، ويجوز نصب عشية على الظرفية، ويكون " آناء " فاعلا لهيجت، ويكون قد حذف تنوين عشية للضرورة أو ألقى حركة الهمزة من آناء على تنوين عشية ثم حذف الهمزة، ويكون " شامها " معطوفا على آناء الديار. الشاهد فيه: قوله " فلم يدر إلا الله ما - إلخ " حيث قدم الفاعل المحصور بإلا، على المفعول، وقد ذهب الكسائي إلى تجويز ذلك استشهادا بمثل هذا البيت، والجمهور على أنه ممنوع، وعندهم أن " ما " اسم موصول مفعول به لفعل محذوف. والتقدير: فلم يدر إلا الله، درى ما هيجت لنا، وسيذكر ذلك الشارح.
(٢) نسب كثير من العلماء هذا البيت لمجنون بني عامر قيس بن الملوح، ولم أعثر عليه في ديوانه، ولعل السر في نسبتهم البيت له ذكر " ليلى " فيه. الاعراب: " تزودت " فعل ماض وفاعل " من ليلى، بتكليم " متعلقان بتزود وتكليم مضاف، و" ساعة " مضاف إليه " فما " نافية " زاد " فعل ماض " إلا " أداة استثناء ملغاة " ضعف " مفعول به لزاد، وضعف مضاف و" ما " اسم موصول مضاف إليه " بي " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول " كلامها " كلام: فاعل زاد، وكلام مضاف، وضمير الغائبة العائد إلى ليلى مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها " حيث قدم المفعول به، وهو قوله " ضعف " على الفاعل، وهو قوله " كلامها " مع كون المفعول منحصرا " بإلا " وهذا جائز عند الكسائي وأكثر البصريين، وبقية البصريين يتأولون ذلك البيت =
[ ٢ / ١٠٣ ]
هذا معنى كلام المصنف.
واعلم أن المحصور ب إنما لا خلاف في أنه يجوز تقديمه وأما المحصور بالإ ففيه ثلاثة مذاهب:
أحدها- وهو مذهب أكثر البصريين والفراء وابن الأنباري: أنه لا يخلو إما أن يكون المحصور بها فاعلا أو مفعولا فإن كان فاعلا امتنع تقديمه فلا يجوز ما ضرب إلا زيد عمرا فأما قوله: فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا (١) فأول على أن ما هيجت مفعول بفعل محذوف والتقدير درى ما هيجت لنا فلم يتقدم الفاعل المحصور على المفعول لأن هذا ليس مفعولا للفعل المذكور وإن كان المحصور مفعولا جاز تقديمه نحو ما ضرب إلا عمرا زيد.
الثاني- وهو مذهب الكسائي أنه يجوز تقديم المحصور ب إلا فاعلا كان أو مفعولا.
الثالث- وهو مذهب بعض البصريين واختاره الجز ولي الشلوبين أنه لا يجوز تقديم المحصور ب إلا فاعلا كان أو مفعولا.
وشاع نحو: خاف ربه عمر وشذ نحو زان نوره الشجر (٢)
_________________
(١) = ونحوه بأن في " زاد " ضميرا مستترا يعود على تكليم ساعة، وهو فاعله، وقوله " كلامها " فاعل بفعل محذوف، والتقدير: زاده كلامها، وهو تأويل مستبعد، ولا مقتضى له.
(٢) قدمنا ذكر الكلام على هذا الشاهد، وهو الشاهد رقم ١٤٧.
(٣) " وشاع " فعل ماض " نحو " فاعل شاع " خاف " فعل ماض " ربه " رب: منصوب على التعظيم، ورب مضاف وضمير الغائب العائد إلى عمر المتأخر لفظا مضاف إليه " عمر " فاعل خاف، والجملة من خاف وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة نحو إليها " وشذ " فعل ماض " نحو " فاعل شذ " زان " فعل ماض " نوره " نور: فاعل زان، ونور مضاف، وضمير الغائب العائد إلى الشجر المتأخر لفظا ورتبة مضاف إليه " الشجر " مفعول به لزان، وجملة زان وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة =
[ ٢ / ١٠٤ ]
أي شاع في لسان العرب تقديم المفعول المشتمل على ضمير يرجع إلى الفاعل المتأخر (١) وذلك نحو خاف ربه عمر ف ربه مفعول وقد اشتمل على ضمير يرجع إلى عمر وهو الفاعل وإنما جاز ذلك وإن كان فيه عود الضمير على متأخر لفظا لأن الفاعل منوي التقديم على المفعول لأن الأصل في الفاعل أن يتصل بالفعل فهو متقدم رتبة وإن تأخر لفظا.
فلو اشتمل المفعول على ضمير يرجع إلى ما اتصل بالفاعل فهل يجوز تقديم المفعول على الفاعل؟ في ذلك خلاف وذلك نحو ضرب غلامها جار هند فمن أجازها وهو الصحيح وجه الجواز بأنه لما عاد الضمير على ما اتصل بما رتبته التقديم كان كعوده على ما رتبته التقديم لأن المتصل بالمتقدم متقدم.
وقوله وشذ إلى آخره أي شذ عود الضمير من الفاعل المتقدم على المفعول المتأخر وذلك نحو زان نوره الشجر فالهاء المتصلة بنور الذي هو الفاعل عائدة على الشجر وهو المفعول وإنما شذ ذلك لأن فيه عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة لأن الشجر مفعول وهو متأخر لفظا والأصل فيه أن ينفصل عن الفعل فهو متأخر رتبة.
وهذه المسألة ممنوعة عند جمهور النحويين وما ورد من ذلك تأولوه وأجازها أبو عبد الله الطوال من الكوفيين وأبو الفتح ابن جنى وتابعهما المصنف (٢) ومما ورد من ذلك قوله:
_________________
(١) = نحو إليها، والمراد بنحو " خاف ربه عمر ": كل كلام اتصل فيه ضمير الفاعل المتأخر بالمفعول المتقدم، والمراد بنحو " زان نوره الشجر ": كل كلام اتصل فيه ضمير المفعول المتأخر بالفاعل المتقدم.
(٢) من ذلك قول الاعشى ميمون: كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل
(٣) ذهب إلى هذا الاخفش أيضا، وابن جنى تابع فيه له. وقد أيدهما في ذلك =
[ ٢ / ١٠٥ ]
١٤٩ - لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا وكاد لو ساعد المقدور ينتصر
_________________
(١) = المحقق الرضي، قال: والاولى تجويز ما ذهبا إليه، ولكن على قلة، وليس للبصرية منعه مع قولهم في باب التنازع بما قالوا، اه، وهو يشير إلى رأى البصريين في التنازع من تجويزهم إعمال العامل الثاني المتأخر في لفظ المعمول، وإعمال المتقدم من العاملين في ضميره، إذ فيه عود الضمير على المتأخر.
(٢) البيت لاحد أصحاب مصعب بن الزبير - ﵄! - يرثيه. اللغة: " طالبوه " الذين قصدوا قتاله " ذعروا " أخذهم الخوف " كاد ينتصر " لان خوفهم منه أعظم وسيلة لانتصاره عليهم، وهو مأخوذ من قوله ﷺ " نصرت بالرعب ". الاعراب: " لما " ظرف بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب بذعر الآتي " رأى " فعل ماض " طالبوه " طالبو: فاعل رأى، وطالبو مضاف والضمير العائد إلى مصعب مضاف إليه، والجملة من رأى وفاعله في محل جر بإضافة لما الظرفية إليها " مصعبا " مفعول به لرأى " ذعروا " فعل ماض مبني للمجهول ونائب فاعل " وكاد " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مصعب " لو " شرطية غير جازمة " ساعد المقدور " فعل وفاعل، وهو شرط لو " ينتصر " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مصعب، والجملة من ينتصر وفاعله في محل نصب خبر " كاد " وجواب لو محذوف يدل عليه خبر كاد، وجملة الشرط والجواب لا محل لها اعتراضية بين كاد واسمها وبين خبرها. الشاهد فيه: قوله " رأى طالبوه مصعبا " حيث أخر المفعول عن الفاعل، مع أن مع الفاعل ضميرا يعود على المفعول، فعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة. ومن شواهد هذه المسألة مما لم يذكره الشارح - قول الشاعر: لما عصى أصحابه مصعبا أدى إليه الكيل صاعا بصاع وقول الآخر: ألا ليت شعري هل يلومن قومه زهيرا على ما جر من كل جانب =
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقوله:
١٥٠ - كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ورفى نداه ذا الندى في ذرى المجد
_________________
(١) = وسننشد في شرح الشاهد رقم ١٥٣ الآتي بعض شواهد لهذه المسألة، ونذكر لك ما نرجحه من أقوال العلماء.
(٢) البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها. اللغة: " كسا " فعل يتعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، تقول: كسوت محمدا جبة، كما تقول: ألبست عليا قميصا " حلمه " الحلم: الاناة والعقل، وهو أيضا تأخير العقوبة وعدم المعاجلة فيها " سؤدد " هو السيادة " ورقى " بتضعيف القاف أصل معناه جعله يرقى: أي يصعد، والمرقاة: السلم الذي به تصعد من أسفل إلى أعلى، والمراد رفعه وأعلى منزلته من بين نظرائه " الندى " المراد به الجود والكرم " ذرى " بضم الذال - جمع ذروة، وهي أعلى الشئ. الاعراب: " كسا " فعل ماض " حلمه " حلم: فاعل كسا، وحلم مضاف والضمير مضاف إليه " ذا الحلم " ذا: مفعول أول لكسا، وذا مضاف والحلم مضاف إليه " أثواب سؤدد " أثواب: مفعول ثان لكسا، وأثواب مضاف وسؤدد مضاف إليه " ورقى " فعل ماض " نداه " فاعل ومضاف إليه " ذا الندى " مفعول به ومضاف إليه " في ذرى " جار ومجرور متعلق برقى. وذرى مضاف، و" المجد " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " كسا حلمه ذا الحلم، ورقى نداه ذا الندى " فإن المفعول فيهما متأخر عن الفاعل مع أن مع الفاعل ضميرا يعود على المفعول، فيكون فيه إعادة الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة جميعا، وذلك لا يجوز عند جمهور البصريين، خلافا لابن جنى - تبعا للاخفش - وللرضي، وابن مالك في بعض كتبه. كذا قالوا، ونحن نرى أنه لا يبعد - في هذا البيت أن يكون الضمير في " حلمه، ونداه " عائدا على ممدوح ذكر في أبيات تقدمت البيت الشاهد، فيكون المعنى أن حلم هذا الممدوح هو الذي أثر فيمن تراهم من أصحاب الحلم، إذ ائتسوا به وجعلوه قدوة لهم، واستمر تأثيره فيهم حتى بلغوا الغاية من هذه الصفة، وأن ندى هذا الممدوح أثر كذلك فيمن تراهم من أصحاب الجود، فافهم وأنصف.
[ ٢ / ١٠٧ ]
وقوله:
١٥١ - ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
وقوله:
١٥٢ - جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
_________________
(١) البيت لشاعر الانصار سيدنا حسان بن ثابت، يرثي مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، أحد أجواد مكة، وأول هذه القصيدة قوله: أعين ألا ابكي سيد الناس، واسفحي بدمع، فإن أنزفته فاسكبي الدما اللغة: " أعين " أراد يا عيني، فحذف ياء المتكلم اكتفاء بالكسرة التي قبلها " اسفحي " أسيلي وصبي " أنزفته " أنفدت دمعك فلم يبق منه شئ " أخلد " كتب له الخلود، ودوام البقاء. المعنى: يريد أنه لا بقاء لاحد في هذه الحياة مهما يكن نافعا لمجموع البشر. الاعراب: " لو " شرطية غير جازمة " أن " حرف توكيد ونصب " مجدا " اسم أن، وجملة " أخلد " مع فاعله المستتر فيه في محل رفع خبر أن، وأن مع دخلت عليه في تأويل مصدر مرفوع على أنه فاعل لفعل محذوف، والتقدير: لو ثبت إخلاد مجد صاحبه، وهذا الفعل هو فعل الشرط " الدهر " منصوب على الظرفية الزمانية، وعامله أخلد " واحدا " مفعول به لاخلد " من الناس " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لواحد " أبقى " فعل ماض " مجده " مجد: فاعل أبقى، ومجد مضاف وضمير الغائب العائد إلى مطعم المتأخر مضاف إليه، والجملة من أبقى وفاعله ومفعوله لا محل لها من الاعراب جواب " لو " " مطعما " مفعول به لابقى. الشاهد فيه: قوله " أبقى مجده مطعما " حيث أخر المفعول وهو قوله مطعما عن الفاعل، وهو قوله " مجده " مع أن الفاعل مضاف إلى ضمير يعود على المفعول، فيقتضى أن يرجع الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة.
(٢) البيت لابي الاسود الدؤلي، يهجو عدي بن حاتم الطائي، وقد نسبه ابن =
[ ٢ / ١٠٨ ]
وقوله:
١٥٣ - جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزي سنمار
_________________
(١) = جنى إلى النابغة الذبياني، وهو انتقال ذهن من أبي الفتح، وسببه أن للنابغة الذبياني قصيدة على هذا الروى. اللغة: " جزاء الكلاب العاويات " هذا مصدر تشبيهي، والمعنى: جزاه الله جزاء مثل جزاء الكلاب العاويات، ويروى " الكلاب العاديات " بالدال بدال الواو وهو جمع عاد، والعادي: اسم فاعل من عدا يعدو، إذا ظلم وتجاوز قدره " وقد فعل " يريد أنه تعالى استجاب فيه دعاءه، وحقق فيه رجاءه. المعنى: يدعو على عدي بن حاتم بأن يجزيه الله جزاء الكلاب، وهو أن يطرده الناس وينبذوه ويقذفوه بالاحجار، ثم يقول: إنه سبحانه قد استجاب دعاءه عليه. الاعراب: " جزى " فعل ماض " ربه " فاعل، ومضاف إليه " عني " جار ومجرور متعلق بجزى " عدي " مفعول به لجزى " ابن " صفة لعدي، وابن مضاف و" حاتم " مضاف إليه " جزاء " مفعول مطلق مبين لنوع عامله وهو جزى، وجزاء مضاف، و" الكلاب " مضاف إليه " العاويات " صفة للكلاب " وقد " الواو للحال، قد: حرف تحقيق " فعل " فعل ماض مبني على الفتح لا محل له، وسكن لاجل الوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ربه، والجملة في محل نصب حال. الشاهد فيه: قوله " جزى ربه. عدي " حيث أخر المفعول، وهو قوله " عدي " وقدم الفاعل، وهو قوله " ربه "، مع اتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول.
(٢) نسبوا هذا البيت لسليط بن سعد، ولم أقف له على سابق أو لاحق. اللغة: " أبا الغيلان " كنية لرجل لم أقف على تعريف له " سنمار " بكسر السين والنون بعدهما ميم مشددة اسم رجل رومي، يقال: إنه الذي بنى الخورنق وهو القصر الذي كان بظاهر الكوفة للنعمان بن امرئ القيس ملك الحيرة، وإنه لما فرغ من بنائه ألقاه النعمان من أعلى القصر، لئلا يعمل مثل لغيره، فخر ميتا، وقد ضربت به العرب المثل في سوء المكافأة، يقولون: " جزاني جزاء سنمار " قال الشاعر (انظر المثل رقم ٨٢٨ في مجمع الامثال ١ / ١٥٩ بتحقيقنا): جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا جزاء سنمار، وما كان ذانب = (٣٢ - شرح ابن عقيل ١)
[ ٢ / ١٠٩ ]
فلو كان الضمير المتصل بالفاعل المتقدم عائدا على ما اتصل بالمفعول المتأخر امتنعت المسألة وذلك نحو ضرب بعلها صاحب هند وقد نقل بعضهم في هذه المسألة أيضا خلافا والحق فيها المنع.
_________________
(١) = الاعراب: " جزى " فعل ماض " بنوه " فاعل، ومضاف إليه " أبا الغيلان " مفعول به ومضاف إليه " عن كبر " جار ومجرور متعلق بجزى " وحسن فعل " الواو عاطفة، وحسن: معطوف على كبر، وحسن مضاف وفعل مضاف إليه " كما " الكاف للتشبيه، وما: مصدرية " يجزى " فعل مضارع مبني للمجهول " سنمار " نائب فاعل يجزى، و" ما " ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا مطلقا مبينا لنوع " جزى "، وتقدير الكلام: جزى بنوه أبا الغيلان جزاء مشابها لجزاء سنمار. الشاهد فيه: قوله " جزى بنوه أبا الغيلان " حيث أخر المفعول، وهو قوله " أبا الغيلان " عن الفاعل، وهو قوله " بنوه "، مع أن الفاعل متصل بضمير عائد على المفعول. هذا، ومن شواهد هذه المسألة مما لم ينشده الشارح - زيادة على ما ذكرناه في شرح الشاهد رقم ١٤٩ - قول الشاعر: وما نفعت أعماله المرء راجيا جزاء عليها من سوى من له الامر حيث قدم الفاعل وهو قوله " أعماله " - على المفعول - وهو قوله " المرء " مع أنه قد اتصل بالفاعل ضمير يعود إلى المفعول، فجملة ما أنشده الشارح وأنشدناه لهذه المسألة ثمانية شواهد. ولكثرة شواهد هذه المسألة نرى أن ما ذهب إليه الاخفش - وتابعه عليه أبو الفتح ابن جنى، والامام عبد القاهر الجرجاني، وأبو عبد الله الطوال، وابن مالك، والمحقق الرضي من جواز تقديم الفاعل المتصل بضمير يعود إلى المفعول، هو القول الخليق بأن تأخذ به وتعتمد عليه، ونرى أن الانصاف واتباع الدليل يوجبان علينا أن نوافق هؤلاء الائمة على ما ذهبوا إليه وإن كان الجمهور على خلافه، لان التمسك بالتعليل مع وجود النص على خلافه مما لا يجوز، وأحكام العربية يقضى فيها على وفق ما ورد عن أهلها.
[ ٢ / ١١٠ ]
النائب عن الفاعل
ينوب مفعول به عن فاعل فيما له كنيل خير نائل (١)
يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه فيعطى ما كان للفاعل من لزوم الرفع ووجوب التأخر عن رافعه وعدم جواز حذفه (٢) وذلك نحو: نيل
خير نائل
_________________
(١) " ينوب " فعل مضارع " مفعول " فاعل ينوب " به " جار ومجرور متعلق بمفعول " عن فاعل " جار ومجرور متعلق بينوب أيضا " فيما " مثله، وما اسم موصول " له " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول " كنيل " الكاف جارة لقول محذوف، نيل: فعل ماض مبني للمجهول " خير نائل " نائب فاعل، ومضاف إليه.
(٢) الاغراض التي تدعو المتكلم إلى حذف الفاعل كثيرة جدا، ولكنها - على كثرتها - لا تخلو من أن سببها إما أن يكون شيئا لفظيا أو معنويا. فأما الاسباب اللفظية فكثيرة: منها القصد إلى الايجاز في العبارة نحو قوله تعالى: (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ومنها المحافظة على السجع في الكلام المنثور نحو قولهم: من طابت سريرته حمدت سيرته، إذ لو قيل " حمد الناس سيرته " لاختلف إعراب الفاصلتين، ومنها المحافظة على الوزن في الكلام المنظوم، كما في قول الاعشى ميمون ابن قيس: علقتها عرضا، وعلقت رجلا غيري، وعلق أخرى غيرها الرجل فأنت ترى الاعشى قد بنى " علق " في هذا البيت ثلاث مرات للمجهول، لانه لو ذكر الفاعل في كل مرة منها أو في بعضها لما استقام له وزن البيت، والتعليق ههنا: المحبة، وعرضا: أي من غير قصد منى، ولكن عرضت لي فهويتها. وأما الاسباب المعنوية فكثيرة: منها كون الفاعل معلوما للمخاطب حتى لا يحتاج إلى ذكره له، وذلك نحو قوله تعالى: (خلق الانسان من عجل) ومنها كونه مجهولا للمتكلم فهو لا يستطيع تعيينه للمخاطب وليس في ذكره بوصف مفهوم من الفعل فائدة وذلك كما تقول: سرق متاعي، لانك لا تعرف ذات السارق، وليس في قولك " سرق اللص متاعي " فائدة زائدة في الافهام على قولك " سرق متاعي " ومنها رغبة المتكلم =
[ ٢ / ١١١ ]
فخير نائل مفعول قائم مقام الفاعل والأصل نال زيد خير نائل فحذف الفاعل وهو زيد وأقيم المفعول به مقامه وهو خير نائل ولا يجوز تقديمه فلا تقول خير نائل نيل على أن يكون مفعولا مقدما بل على أن يكون مبتدأ وخبره الجملة التي بعده وهي نيل والمفعول القائم مقام الفاعل ضمير مستتر والتقدير نيل هو وكذلك لا يجوز حذف خير نائل فتقول نيل.
فأول الفعل اضممن والمتصل بالآخر اكسر في مضي كوصل (١)
_________________
(١) = في الابهام على السامع، كقولك: تصدق بألف دينار، ومنها رغبة المتكلم في إظهار تعظيمه للفاعل: بصون اسمه عن أن يجري على لسانه، أو بصونه عن أن يقترن بالمفعول به في الذكر، كقولك: خلق الخنزير، ومنها رغبة المتكلم في إظهار تحقير الفاعل بصون لسانه عن أن يجري بذكره، ومنها خوف المتكلم من الفاعل فيعرض عن ذكره لئلا يناله منه مكروه، ومنها خوف المتكلم على الفاعل فيعرض عن اسمه لئلا يمسه أحد بمكروه.
(٢) " فأول " مفعول مقدم، والعامل فيه " اضممن " الآتي، وأول مضاف و" الفعل " مضاف إليه " اضممن " اضمم: فعل أمر، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، ونون التوكيد حرف لا محل له من الاعراب، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " والمتصل " الواو حرف عطف، المتصل: مفعول مقدم، والعامل فيه " اكسر " الآتي " بالآخر " جار ومجرور متعلق بالمتصل " اكسر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " في مضي " جار ومجرور يتعلق باكسر أو بمحذوف حال " كوصل " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كقولك إلخ، ووصل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة مقول القول المحذوف.
[ ٢ / ١١٢ ]
واجعله من مضارع منفتحا كينتحى المقول فيه ينتحى (١)
يضم أول الفعل الذي لم يسم فاعله مطلقا أي سواء كان ماضيا أو مضارعا ويكسر ما قبل آخر الماضي ويفتح ما قبل آخر المضارع.
ومثال ذلك في الماضي قولك في وصل وصل وفي المضارع قولك في ينتحي ينتحى.
والثاني التالي تا المطاوعه كالأول اجعله بلا منازعه (٢)
وثالث الذي بهمز الوصل كالأول اجعلنه كاستحلي (٣)
_________________
(١) " واجعله " اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول أول " من مضارع " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الهاء " منفتحا " مفعول ثان لاجعل " كينتحي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف " المقول " نعت لينتحي الذي قصد لفظه " فيه " جار ومجرور متعلق بالمقول " ينتحى " قصد لفظه: محكى بالقول، فهو نائب فاعل للمقول.
(٢) " والثاني " مفعول أول لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: واجعل الثاني " التالي " نعت للثاني " تا " قصر للضرورة مفعول به للتالي، وفاعله ضمير مستتر فيه، وتا مضاف، و" المطاوعة " مضاف إليه " كالاول " جار ومجرور في موضع المفعول الثاني لاجعل الآتي " اجعله " اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول أول " بلا منازعة " الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى غير مجرور محلا بالباء، وقد ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، والجار والمجرور متعلق باجعل، ولا مضاف، ومنازعة: مضاف إليه، مجرور بالكسرة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية، وسكن لاجل الوقف.
(٣) " وثالث " مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، وثالث مضاف و" الذي " مضاف إليه " بهمز " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الذي، وهمز مضاف، =
[ ٢ / ١١٣ ]
إذا كان الفعل المبنى للمفعول مفتتحا بتاء المطاوعة ضم أوله وثانيه وذلك كقولك في تدحرج تدحرج وفي تكسر تكسر وفي تغافل تغوفل.
وإن كان مفتتحا بهمزة وصل ضم أوله وثالثه وذلك كقولك في استحلي استحلي وفي اقتدر اقتدر وفي انطلق انطلق.
واكسر أواشمم فاثلاثي أعل عينا وضم جا كـ "بوع "فاحتمل (١)
إذا كان الفعل المبني للمفعول ثلاثيا معتل العين سمع في فائه ثلاثة أوجه:
(١) إخلاص الكسر، نحو قيل وبيع ومنه قوله:
١٥٤ - حيكت على نيرين إذ تحاك تختبط الشوك ولا تشاك
_________________
(١) = " الوصل " مضاف إليه " كالاول " جار ومجرور في موضع المفعول الثاني لاجعل مقدما عليه " اجعلنه " اجعل: فعل أمر، والنون للتوكيد، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول أول " كاستحلي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف على النحو الذي سبق مرارا.
(٢) " واكسر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أو اشمم " مثله، والجملة معطوفة على الجملة السابقة " فا " مفعول به تنازعه العاملان، وفا مضاف، و" ثلاثي " مضاف إليه " أعل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ثلاثي، والجملة في محل جر نعت لثلاثي " عينا " تمييز " وضم " مبتدأ " جا " أصله جاء، وقصره للضرورة: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ضم، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " كبوع " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال " فاحتمل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ضم ".
(٣) البيت لراجز لم يعينوه. اللغة: " حيكت " نسجت، وتقول: حاك الثوب يحوكه حوكا وحياكة " نيرين " =
[ ٢ / ١١٤ ]
(٢) وإخلاص الضم، نحو قول وبوع ومنه قوله:
١٥٥ - ليت وهل ينفع شيئا ليت؟ ليت شبابا بوع فاشتريت
وهي لغة بني دبير وبني فقعس وهما من فصحاء بني أسد.
_________________
(١) = تثنية نير بكسر النون بعدها ياء مثناة وهو علم الثوب أو لحمته، فإذا نسج الثوب على نيرين فذلك أصفق له وأبقى، وإذا أرادوا أن يصفوا ثوبا بالمتانة والاحكام قالوا: هذا ثوب ذو نيرين، وقد قالوا من ذلك أيضا: هذا رجل ذو نيرين، وهذا رأى ذو نيرين، وهذه حرب ذات نيرين، يريدون أنها شديدة، وقالوا: هذا ثوب منير على زنة معظم إذا كان منسوجا على نيرين، وقد روى في موضع هذه العبارة " حوكت على نولين " ونولين: مثنى نول بفتح النون وسكون الواو وهو اسم للخشبة التي يلف عليها الحاثك الشقة حين يريد نسجها " تختبط الشوك " تضربه بعنف " ولا تشاك " لا يدخل فيها الشوك ولا يضرها. المعنى: وصف ملفحة أو حلة بأنها محكمة النسج، تامة الصفاقة، وأنها إذا اصطدمت بالشواك لم يؤذها ولم يعلق بها. الاعراب: " حيكت " حيك: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " على نيرين " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في حيكت " إذ " ظرف للزمان الماضي مبني على السكون في محل نصب يتعلق بحيك، وجملة " تحاك " ونائب الفاعل المستتر فيه في محل جر بإضافة " إذ " إليها " تختبط " فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " الشوك " مفعول به لتختبط " ولا " نافية " تشاك " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي. الشاهد فيه: قوله " حيكت " حيث إنه فعل ثلاثي معتل العين، فلما بناه للمجهول أخلص كسر فائه، ويروى " حوكت على نيرين " بالواو ساكنة، وعلى هذا يكون شاهدا للوجه الثاني، وهو إخلاص ضم الفاء.
(٢) ينسب هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وقد راجعت ديوان أراجيزه فوجدت في زياداته أبياتا منها هذا البيت، وهي قوله: =
[ ٢ / ١١٥ ]
_________________
(١) = يا قوم قد حوقلت أو دنوت وبعض حيقال الرجال الموت مالي إذا أجذبها صأيت أكبر قد عالني أو بيت ليت، وهل ينفع شيئا ليت؟ ليت شبابا وقد روى أبو علي القالي في أماليه (١ - ٢٠ طبع الدار) البيتين السابقين على بيت الشاهد، ولم ينسبهما، وقال أبو عبيد البكري في التنبيه (٩٧): " هذا راجز يصف جذبه للدلو " اه، ولم يعينه أيضا. اللغة: " حوقلت " ضعفت وأصابني الكبر " دنوت " قربت " حيقال " هو مصدر حوقل " أجذبها " أراد أنزع الدلو من البئر " صأيت " صحت، مأخوذ من قولهم: صأي الفرخ، إذا صاح صياحا ضعيفا، وأراد بذلك أنينه من ثقل الدلو عليه " قد عالني " غلبني وقهرني وأعجزني، وفي رواية أبي علي القالي أكبر غيرني. " أم بيت " يريد أم زوجة، وذلك لان العزب أقوى وأشد " ينفع شيئا ليت " قد قصد لفظ ليت هذه قصيرها اسما وأعربها وجعلها فاعلا، ومثل هذا في " ليت " - قول الشاعر: ليت شعري، وأين مني ليت؟ إن ليتا وإن لوا عناء ومثله قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: ليت شعري، وهل يردن ليت؟ هل لهذا عند الرباب جزاء؟ وقول الآخر: ليت شعري مسافر بن أبي عمرو، وليت يقولها المحزون ونظيره في " لو " إذ قصد لفظها وجعلت اسما قول الآخر: ألام على لو، ولو كنت عالما بأذناب لو لم تفتني أوائله الاعراب: " ليت " حرف تمن ونصب " وهل " حرف استفهام المقصود منه النفي " ينفع " فعل مضارع " شيئا " مفعول به لينفع " ليت " قصد لفظه: فاعل ينفع، والجملة لا محل لها معترضة " ليت " حرف تمن مؤكد للاول " شبابا " اسم ليت الاول " بوع " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره =
[ ٢ / ١١٦ ]
(٣) والإشمام، وهو الإتيان بالفاء بحركة بين الضم والكسر ولا يظهر ذلك إلا في اللفظ ولا يظهر في الخط وقد قريء في السبعة قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ وبالإشمام في قيل وغيض.
وإن بشكل خيف لبس يجتنب وما لباع قد يرى لنحو حب (١)
إذا أسند الفعل الثلاثي المعتل العين بعد بنائه للمفعول إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو غائب فإما أن يكون واويا أو يائيا.
فإن كان واويا نحو سام من السوم وجب عند المصنف كسر الفاء أو الإشمام فتقول سمت ولا يجوز الضم
_________________
(١) = هو يعود على شباب، والجملة في محل رفع خبر ليت الاول " فاشتريت " فعل وفاعل، وجملتهما معطوفة بالفاء على جملة بوع. الشاهد فيه: قوله " بوع " فإنه فعل ثلاثي معتل العين، فلما بناه للمجهول أخلص ضم فائه، وإخلاص ضم الفاء لغة جماعة من العرب منهم من حكى الشارح، ومنهم بعض بني تميم، ومنهم ضبة، وحكيت عن هذيل.
(٢) " وإن " شرطية " بشكل " جار ومجرور متعلق بخيف " خيف " فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط " لبس " نائب فاعل خيف " يجتنب " فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى شكل " وما " اسم موصول: مبتدأ " لباع " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما الموصولة " قد " حرف تقليل " يرى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " لنحو " جار ومجرور متعلق بيرى، ونحو مضاف، و" حب " قصد لفظه: مضاف إليه.
[ ٢ / ١١٧ ]
فلا تقول:
سمت لئلا يلتبس بفعل الفاعل فإنه بالضم ليس إلا نحو سمت العبد.
وإن كان يائيا نحو باع من البيع وجب عند المصنف أيضا ضمه أو الإشمام فتقول بعت يا عبد ولا يجوز الكسر فلا تقول بعت لئلا يلتبس بفعل الفاعل فإنه بالكسر فقط نحو بعت الثوب.
وهذا معنى قوله وإن بشكل خيف لبس يجتنب أي وإن خيف اللبس في شكل من الأشكال السابقة أعني الضم والكسر والإشمام عدل عنه إلى شكل غيره لا لبس معه.
هذا ما ذكره المصنف والذي ذكره غيره أن الكسر في الواوي والضم في اليائي والإشمام هو المختار ولكن لا يجب ذلك بل يجوز الضم في الواوي والكسر في اليائي.
وقوله وما لباع قد يرى لنحو حب معناه أن الذي ثبت لفاء باع من جواز الضم والكسر والإشمام يثبت لفاء المضاعف نحو حب فتقول حب وحب وإن شئت أشممت.
وما لفا باع لما العين تلي في اختار وانقاد وشبه ينجلي (١)
_________________
(١) " وما " اسم موصول مبتدأ " لفا " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما الموصولة، وفا مضاف و" باع " قصد لفظه: مضاف إليه " لما " اللام جارة، وما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " العين " مبتدأ، وجملة " تلي " وفاعله المستتر فيه في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها صلة " ما " المجرورة باللام " في اختار " جار ومجرور متعلق بتلي " وانقاد، وشبه " معطوفان على اختار " ينجلي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى شبه، والجملة في محل جر نعت لشبه.
[ ٢ / ١١٨ ]
أي يثبت عند البناء للمفعول لما تليه العين من كل فعل يكون على وزن افتعل أو انفعل وهو معتل العين ما يثبت لفاء باع من جواز الكسر والضم وذلك نحو اختار وانقاد وشبههما فيجوز في التاء والقاف ثلاثة أوجه: الضم نحو اختور وانقود والكسر نحو اختير وانقيد والإشمام وتحرك الهمزة بمثل حركة التاء والقاف.
وقابل من ظرف أو من مصدر أو حرف جر بنيابة حري (١)
تقدم أن الفعل إذا بني لما لم يسم فاعله أقيم المفعول به مقام الفاعل.
وأشار في هذا البيت إلى أنه إذا لم يوجد المفعول به أقيم الظرف أو المصدر أو الجار والمجرور مقامه وشرط في كل واحد منها أن يكون قابلا للنيابة أي صالحا لها واحترز بذلك مما لا يصلح للنيابة كالظرف الذي لا يتصرف والمراد به ما لزم النصب على الظرفية (٢) نحو سحر إذا أريد
به سحر
_________________
(١) " وقابل " مبتدأ، وخبره قوله " حري " في آخر البيت " من ظرف " جار ومجرور متعلق بقابل " أو من مصدر " معطوف على الجار والمجرور السابق " أو حرف جر " معطوف على مصدر ومضاف إليه " بنيابة " جار ومجرور متعلق بجر " جر " خبر المبتدأ الذي هو قابل في أول البيت كما ذكرنا من قبل.
(٢) الظروف على ثلاثة أنواع: النوع الاول: ما يلزم النصب على الظرفية، ولا يفارقها أصلا، ولا إلى الجر بمن، وذلك مثل قط، وعوض، وإذا، وسحر. والنوع الثاني: ما يلزم أحد أمرين: النصب على الظرفية، والجر بمن، وذلك مثل عند، وثم، بفتح الثاء. =
[ ٢ / ١١٩ ]
يوم بعينه ونحو عندك فلا تقول جلس عندك ولا ركب سحر لئلا تخرجهما عما استقر لهما في لسان العرب من لزوم النصب وكالمصادر التي لا تتصرف نحو معاذ الله فلا يجوز رفع معاذ الله لما تقدم في الظرف وكذلك ما لا فائدة فيه من الظرف والمصدر والجار والمجرور فلا تقول سير وقت ولا ضرب ضرب ولا جلس في دار لأنه لا فائدة في ذلك.
ومثال القابل من كل منها قولك سير يوم الجمعة وضرب ضرب شديد ومر بزيد. (١)
_________________
(١) = وهذان النوعان يقال لكل منهما: " ظرف غير متصرف "، والفرق بينهما ما علمت. والنوع الثالث: ما يخرج عن النصب على الظرفية وعن الجر بمن، إلى التأثر بالعوامل المختلفة: كزمن، ووقت، وساعة، ويوم، ودهر، وحين، وهذا هو الظرف المتصرف.
(٢) حاصل الذي أومأ إليه الشارح في هذه المسألة أنه يشترط في صحة جواز إنابة كل واحد من الظرف والمصدر شرطان، أحدهما: أن يكون كل منهما متصرفا، وثانيهما: أن يكون كل واحد منهما مختصا، فإن فقد أحدهما واحدا من هذين الشرطين لم تصح نيابته. فالمتصرف من الظروف هو: ما يخرج عن النصب على الظرفية والجر بمن إلى التأثر بالعوامل، كما علمت مما أوضحناه لك قريبا. وأما المتصرف من المصادر فهو: ما يخرج عن النصب على المصدرية إلى التأثر بالعوامل المختلفة، وذلك كضرب وقتل، وما لا يخرج من المصدر عن النصب على المصدرية كمعاذ الله فإنه مصدر غير متصرف لا يقع إلا منصوبا على المفعولية المطلقة. وأما المختص من الظروف فهو: ما خص بإضافة، أو وصف، أو نحوهما. =
[ ٢ / ١٢٠ ]
ولا ينوب بعض هذي إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد (١)
مذهب البصريين إلا الأخفش أنه إذا وجد بعد الفعل المبني لما لم يسم فاعله مفعول به ومصدر وظرف وجار ومجرور تعين إقامة المفعول به مقام الفاعل فتقول ضرب زيد ضربا شديدا يوم الجمعة أمام الأمير في داره ولا يجوز إقامة غيره مقامه مع وجوده وما ورد من ذلك شاذ أو مؤول.
ومذهب الكوفيين أنه يجوز إقامة غيره وهو موجود تقدم أو تأخر فتقول ضرب ضرب شديد زيدا وضرب زيدا ضرب شديد وكذلك في الباقي واستدلوا لذلك بقراءة أبي جعفر ليجزى قوما بما كانوا يكسبون وقول الشاعر:
_________________
(١) = وأما المختص من المصادر فهو: ما كان دالا على العدد، أو على النوع، أما نحو " ضرب ضرب " فهو غير مختص، ولا يجوز نيابته عن الفاعل. ويشترط في نيابة الجار والمجرور ثلاثة شروط، أولها: أن يكون مختصا بأن يكون المجرور معرفة أو نحوها وثانيها: ألا يكون حرف الجر ملازما لطريقة واحدة، كمذ ومنذ الملازمين لجر الزمان، وكحروف القسم الملازمة لجر المقسم به، وثالثها: ألا يكون حرف الجر دالا على التعليل كاللام، والباء، ومن، إذا استعملت إحداها في الدلالة على التعليل، ولهذا امتنعت نيابة المفعول لاجله.
(٢) " ولا " نافية " ينوب " فعل مضارع " بعض " فاعل ينوب، وبعض مضاف، واسم الاشارة في " هذي " مضاف إليه " إن " شرطية " وجد " فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط " في اللفظ " جار ومجرور متعلق بوجد " مفعول " نائب فاعل لوجد " به " متعلق بمفعول، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: إن وجد في اللفظ مفعول به فلا ينوب بعض هذه الاشياء " وقد " حرف تقليل " يرد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نيابة بعض هذه الاشياء مناب الفاعل مع وجود المفعول به في اللفظ المستفاد من قوله " ولا ينوب إلخ ".
[ ٢ / ١٢١ ]
لم يعن بالعلياء إلا سيدا ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى
_________________
(١) نسبوا هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وقد راجعت ديوان أراجيزه فوجدت هذا البيت في زيادات الديوان، لا في أصله، وقبله قوله: وقد كفى من بدئه ما قد بدا وإن ثنى في العود كان أحمدا اللغة: " بدئه " مبتدأ أمره وأول شأنه " بدا " ظهر " ثنى " عاد، تقول: ثنى يثني بوزن رمى يرمي وأصل معناه جمع طرفي الحبل فصير ما كان واحدا اثنين " كان أحمدا " مأخوذ من قولهم: عود أحمد، يريدون أنه محمود " يعن " فعل مضارع ماضيه عنى، وهو من الافعال الملازمة للبناء للمفعول، ومعناه على هذا أولع أو اهتم، تقول: عنى فلان بحاجتي وهو معني بها، إذا كان قد أولع بقضائها واهتم لها " العلياء " هي خصال المجد التي تورث صاحبها سموا ورفعة قدر " شفى " أبرأ، وأراد به ههنا هدى، مجازا " الغي " الجري مع هوى النفس والتمادي في الاخذ بما يوبقها ويهلكها " هدى " بضم الهاء وهو الرشاد وإصابة الجادة. المعنى: لم يشتغل بمعالي الامور، ولم يولع بخصال المجد، إلا أصحاب السيادة والطموح، ولم يشف ذوي النفوس المريضة والاهواء المتأصلة من دائهم الذي أصيبت به نفوسهم إلا ذوو الهداية والرشد. الاعراب: " لم " حرف نفي وجزم وقلب " يعن " فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الالف، والفتحة قبلها دليل عليها " بالعلياء " جار ومجرور نائب عن الفاعل " إلا " أداة استثناء ملغاة " سيدا " مفعول به ليعن " ولا " الواو عاطفة، ولا نافية " شفى " فعل ماض " ذا " مفعول لشفى مقدم على الفاعل، وذا مضاف، و" الغي " مضاف إليه " إلا " أداة استثناء ملغاة " ذو " فاعل شفى، وذو مضاف، و" هدى " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " لم يعن بالعلياء إلا سيدا " حيث ناب الجار والمجرور وهو قوله " بالعلياء " عن الفاعل، مع وجود المفعول به في الكلام وهو قوله " سيدا ". والدليل على أن الشاعر أناب الجار والمجرور، ولم ينب المفعول به، أنه جاء بالمفعول به منصوبا، ولو أنه أنابه لرفعه، فكان يقول: لم يعن بالعلياء إلا سيد، =
[ ٢ / ١٢٢ ]
ومذهب الأخفش أنه إذا تقدم غير المفعول به عليه جاز إقامة كل واحد منهما فتقول ضرب في الدار زيد وضرب في الدار زيدا وإن لم يتقدم تعين إقامة المفعول به نحو ضرب زيد في الدار فلا يجوز ضرب زيدا في الدار.
وباتفاق قد ينوب الثان من باب كسا فيما التباسه أمن (١)
_________________
(١) = والداعي لذلك أن القوافي كلها منصوبة، فاضطراره لتوافق القوافي هو الذي دعاه وألجأه إلى ذلك. ومثل هذا البيت قول الراجز: وإنما يرضي المنيب ربه ما دام معنيا بذكر قلبه ومحل الاستشهاد في قوله " معنيا بذكر قلبه " حيث أناب الجار والمجرور - وهو قوله " بذكر " - عن الفاعل، مع وجود المفعول به في الكلام وهو قوله " قلبه " - بدليل أنه أتى بالمفعول به منصوبا بعد ذلك كما هو ظاهر. والبيتان حجة للكوفيين والاخفش جميعا، لان النائب عن الفاعل في البيتين متقدم في كل واحد منهما عن المفعول به، والبصريون يرون ذلك من الضرورة الشعرية.
(٢) " وباتفاق " الواو للاستئناف، باتفاق: جار ومجرور متعلق بينوب الآتي " قد " حرف تقليل " ينوب " فعل مضارع " الثان " فاعل ينوب " من باب " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الثاني، وباب مضاف، و" كسا " قصد لفظه: مضاف إليه " فيما " جار ومجرور متعلق بينوب " التباسه " التباس: مبتدأ، والتباس مضاف والهاء مضاف إليه " أمن " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى التباس، والجملة من أمن ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها من الاعراب صلة " ما " المجرورة محلا بفي.
[ ٢ / ١٢٣ ]
إذا بني الفعل المتعدي إلى مفعولين لما لم يسم فاعله فإما أن يكون من باب أعطى أو من باب ظن (١) .
فإن كان من باب أعطى وهو المراد بهذا البيت فذكر المصنف أنه يجوز إقامة الأول منهما وكذلك الثاني وبالاتفاق فتقول كسي زيد جبة وأعطي عمرو درهما وإن شئت أقمت الثاني فتقول أعطي عمرا درهم وكسي زيدا جبة.
هذا إن لم يحصل لبس بإقامة الثاني فإذا حصل لبس وجب إقامة الأول وذلك نحو أعطيت زيدا عمرا فتتعين إقامة الأول فتقول أعطي زيد عمرا ولا يجوز إقامة الثاني حينئذ لئلا يحصل لبس لأن كل واحد منهما يصلح أن يكون آخذا بخلاف الأول.
ونقل المصنف الاتفاق على أن الثاني من هذا الباب يجوز إقامته عند أمن
_________________
(١) قد ينصب فعل من الافعال مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، نحو ظننت زيدا قائما وعلمت أخاك مسافرا، ولا ينصب المفعولين اللذين أصلهما المبتدأ والخبر إلا ظن وأخواتها، وهذا هو مراد الشارح هنا بقوله " باب ظن "، ومراد الناظم بقوله " في باب ظن وأرى " لان " أرى " تنصب ثلاثة مفاعيل: أصل الثاني والثالث منها مبتدأ وخبر، على ما علمت. وقد ينصب فعل من الافعال مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وهذا النوع على ضربين، لان نصبه لاحد هذين المفعولين إما أن يكون على نزع الخافض، كما في قولك: اخترت الرجال محمدا، وكما في قوله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلا) الاصل اخترت من الرجال محمدا، واختار موسى من قومه سبعين رجلا، وإما أن يكون نصبه للمفعولين لانه من طبيعته متعد إلى اثنين، وذلك نحو قولك: منحت الفقير درهما، وأعطيت إبراهيم دينارا، وكسوت محمدا جبة. وهذا الضرب الاخير هو مراد الناظم والشارح بباب كسا، فهو: كل فعل تعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وكان تعديه إليهما بنفسه، لا بواسطة حذف حرف الجر من أحدهما وإيصال الفعل إلى المجرور.
[ ٢ / ١٢٤ ]
اللبس فإن عنى به أنه اتفاق من جهة النحويين كلهم فليس بجيد لأن مذهب الكوفيين أنه إذا كان الأول معرفة والثاني نكرة تعين إقامة الأول فتقول أعطي زيد درهما ولا يجوز عندهم إقامة الثاني فلا تقول أعطي درهم زيدا.
في باب ظن وأرى المنع اشتهر ولا أرى منعا إذا القصد ظهر (١)
يعني أنه إذا كان الفعل متعديا إلى مفعولين الثاني منهما خبر في الأصل كظن وأخواتها أو كان متعديا إلى ثلاثة مفاعيل كأرى وأخواتها فالأشهر عند النحويين أنه يجب إقامة الأول ويمتنع إقامة الثاني في باب ظن والثاني والثالث في باب أعلم فتقول ظن زيد قائما ولا يجوز ظن زيدا قائم وتقول أعلم زيد فرسك مسرجا ولا يجوز إقامة الثاني فلا تقول: أعلم زيدا فرسك مسرجا ولا إقامة الثالث فتقول: أعلم زيدا
_________________
(١) " في باب " جار ومجرور متعلق باشتهر الآتي، وباب مضاف، و" ظن " قصد لفظه: مضاف إليه " وأرى " معطوف على ظن " المنع " مبتدأ، وجملة " اشتهر " وفاعله المستتر فيه في محل رفع خبر المبتدأ " ولا " نافية " أرى " فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " منعا " مفعول به لارى " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط " القصد " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إذا ظهر القصد، والجملة من الفعل المحذوف وفاعله المذكور في مجل جر بإضافة إذا إليها " ظهر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى القصد، والجملة من ظهر المذكور وفاعله لا محل لها من الاعراب تفسيرية.
[ ٢ / ١٢٥ ]
فرسك مسرج ونقل ابن أبي الربيع الاتفاق على منع إقامة الثالث ونقل الاتفاق أيضا ابن المصنف.
وذهب قوم منهم المصنف إلى أنه لا يتعين إقامة الأول لا في باب ظن ولا باب أعلم لكن يشترط ألا يحصل لبس فتقول ظن زيدا قائم وأعلم زيدا فرسك مسرجا.
وأما إقامة الثالث من باب أعلم فنقل ابن أبي الربيع وابن المصنف الاتفاق على منعه وليس كما زعما فقد نقل غيرهما الخلاف في ذلك (١) فتقول أعلم زيدا فرسك مسرج.
فلو حصل لبس تعين إقامة الأول في باب ظن وأعلم فلا تقول ظن زيدا عمرو على أن عمرو هو المفعول الثاني ولا أعلم زيدا خالد منطلقا.
وما سوى النائب مما علقا بالرافع النصب له محققا
_________________
(١) حاصل الخلاف الذي نقله غيرهما أن بعض النحاة أجازه بشرط ألا يوقع في لبس كما مثل الشارح، وحكاية الخلاف هو ظاهر كلام الناظم في كتابه التسهيل، بل يمكن أن يكون مما يشير إليه كلامه في الالفية لان ثالث مفاعيل أعلم هو ثاني مفعولي علم، وقد ذكر اختلاف النحاة في ثاني مفعولي علم.
(٢) " وما " اسم موصول: مبتدأ أول " سوى النائب، مما " متعلقان بمحذوف صلة " ما " الواقع مبتدأ " علقا " علق: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود لما، والجملة لا محل لها صلة ما المجرورة محلا بمن " بالرافع " متعلق بقوله علق " النصب " مبتدأ ثان " له " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، وهو " ما " في أول البيت " محققا " حال من الضمير المستكن في الخبر.
[ ٢ / ١٢٦ ]
حكم المفعول القائم مقام الفاعل حكم الفاعل فكما أنه لا يرفع الفعل إلا فاعلا واحدا كذلك لا يرفع الفعل إلا مفعولا واحدا (١) فلو كان للفعل معمولان فأكثر أقمت واحدا منها مقام الفاعل ونصبت الباقي فتقول أعطي زيد درهما وأعلم زيد عمرا قائما وضرب زيد ضربا شديدا يوم الجمعة أمام الأمير في داره.
_________________
(١) يريد لا يرفع على أنه نائب فاعل إلا واحد من المفاعيل التي كان الفعل ناصبا لها وهو مبني للمعلوم.
[ ٢ / ١٢٧ ]
اشتغال العامل عن المعمول (١)
_________________
(١) أركان الاشتغال ثلاثة: مشغول عنه، وهو الاسم المتقدم، ومشغول، وهو الفعل المتأخر، ومشغول به، وهو الضمير الذي تعدى إليه الفعل بنفسه أو بالواسطة، ولكل واحد من هذه الاركان الثلاثة شروط لابد من بيانها. فأما شروط المشغول عنه - وهو الاسم المتقدم في الكلام - فخمسة: الاول: ألا يكون متعددا لفظا ومعنى: بأن يكون واحدا، نحو زيدا ضربته، أو متعددا في اللفظ دون المعنى، نحو زيدا وعمرا ضربتهما، لان العطف جعل الاسمين كالاسم الواحد، فإن تعدد في اللفظ والمعنى - نحو زيدا درهما أعطيته - لم يصح. الثاني: أن يكون متقدما، فإن تأخر - نحو ضربته -؟ لم يكن من باب الاشتغال، بل إن نصبت زيدا فهو بدل من الضمير، وإن رفعته فهو مبتدأ خبره الجملة قبله. الثالث: قبوله الاضمار، فلا يصح الاشتغال عن الحال، والتمييز، ولا عن المجرور بحرف يختص بالظاهر كحتى. الرابع: كونه مفتقرا لما بعده، فنحو " جاءك زيد فأكرمه " ليس من باب الاشتغال لكون الاسم مكتفيا بالعامل المتقدم عليه. الخامس: كونه صالحا للابتداء به، بألا يكون نكرة محضة، فنحو قوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها) ليس من باب الاشتغال، بل (رهبانية) معطوف على ما قبله بالواو، وجملة (ابتدعوها) صفة. وأما الشروط التي يجب تحققها في المشغول - وهو الفعل الواقع بعد الاسم - فاثنان: الاول: أن يكون متصلا بالمشغول عنه، فإن انفصل منه بفاصل لا يكون لما بعده عمل فيما قبله - كأدوات الشرط، وأدوات الاستفهام، ونحوهما - لم يكن من باب الاشتغال، وسيأتي توضيح هذا الشرط في الشرح. الثاني: كونه صالحا للعمل فيما قبله: بأن يكون فعلا متصرفا، أو اسم فاعل، أو اسم مفعول، فإن كان حرفا، أو اسم فعل، أو صفة مشبهة، أو فعلا جامدا كفعل التعجب - وكل هذه العوامل لضعفها لا تعمل فيما تقدم عليها - لم يصح. وأما الذي يجب تحققه في المشغول به - وهو الضمير - فشرط واحد، وهو: ألا يكون أجنبيا من المشغول عنه، فيصح أن يكون ضمير المشغول عنه، نحو زيدا ضربته، أو مررت به، =
[ ٢ / ١٢٨ ]
إن مضمر اسم سابق فعلا شغل عنه: بنصب لفظه أو المحل (١)
فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما موافق لما قد أظهرا (٢)
الاشتغال: أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سبيبه وهو المضاف إلى ضمير الاسم السابق فمثال المشتغل بالضمير زيدا ضربته وزيدا مررت به ومثال المشتغل بالسببي زيدا ضربت غلامه وهذا هو المراد بقوله إن مضمر اسم إلى آخره والتقدير إن شغل مضمر اسم سابق فعلا عن ذلك الاسم المضمر لفظا نحو زيدا ضربته أو بنصبه محلا نحو زيدا مررت به فكل واحد من ضربت
ومررت اشتغل بضمير زيد لكن ضربت وصل إلى
_________________
(١) = ويصح أن يكون اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير المشغول عنه، نحو زيدا ضربت أخاه، أو مررت بغلامه.
(٢) " إن " شرطية " مضمر " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إن شغل مضمر، ومضمر مضاف، و" اسم " مضاف إليه " سابق " نعت لاسم " فعلا " مفعول به لشغل مقدم عليه " شغل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضمر " عنه، بنصب " متعلقان بشغل، ونصب مضاف، ولفظ من " لفظه " مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، ولفظ مضاف، والهاء مضاف إليه " أو " حرف عطف " المحل " معطوف على لفظ.
(٣) " فالسابق " مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: فانصب السابق " انصبه " انصب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " بفعل " جار ومجرور متعلق بانصب، وجملة " أضمر " ونائب الفاعل المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل، في محل جر نعت لفعل " حتما " مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: حتم ذلك ذلك حتما " موافق " نعت ثان لفعل " لما " جار ومجرور متعلق بموافق " قد " حرف تحقيق، وجملة " أظهرا " ونائب الفاعل المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، لا محل لها من الاعراب صلة " ما " المجرورة محلا باللام.
[ ٢ / ١٢٩ ]
الضمير بنفسه ومررت وصل إليه بحرف جر فهو مجرور لفظا ومنصوب محلا وكل من ضربت ومررت لو لم يشتغل بالضمير لتسلط على زيد كما تسلط على الضمير فكنت تقول زيدا ضربت فتنصب زيدا ويصل إليه الفعل بنفسه كما وصل إلى ضميره وتقول بزيد مررت فيصل الفعل إلى زيد بالباء كما وصل إلى ضميره ويكون منصوبا محلا كما كان الضمير. وقوله فالسابق انصبه إلى آخره معناه أنه إذا وجد الاسم والفعل على الهيئة المذكورة فيجوز لك نصب الاسم السابق.
واخلتف النحويون في ناصبه:
فذهب الجمهور إلى أن ناصبه فعل مضمر وجوبا لأنه لا يجمع بين المفسر والمفسر ويكون الفعل المضمر موافقا في المعنى لذلك المظهر وهذا يشمل ما وافق لفظا نحو قولك في زيدا ضربته إن التقدير ضربت زيدا ضربته وما وافق معنى دون لفظ كقولك في زيدا مررت به إن التقدير جاوزت زيدا مررت به (١) وهذا هو الذي ذكره المصنف.
_________________
(١) اعلم أن الفعل المشغول قد يكون متعديا ناصبا للمشغول به بلا واسطة، وقد يكون لازما ناصبا للمشغول به معنى وهو مجرور بحرف جر، وعلى كل حال إما أن يكون المشغول به ضمير الاسم المتقدم، وإما أن يكون سببيه، فهذه أربعة أحوال: فيكون تقدير العامل في الاسم المتقدم المشغول عنه من لفظ العامل المشغول ومعناه في صورة واحدة، وهي أن يجتمع في العامل المشغول شيئان هما: كونه متعديا بنفسه، وكونه ناصبا لضمير الاسم المتقدم - نحو قولك: زيدا ضربته. ويكون تقدير العامل في الاسم المتقدم المشغول عنه من معنى العامل المشغول دون لفظه، في ثلاث صور: =
[ ٢ / ١٣٠ ]
والمذهب الثاني: أنه منصوب بالفعل المذكور بعده وهذا مذهب كوفي واختلف هؤلاء فقال قوم إنه عمل في الضمير وفي الاسم معا فإذا قلت زيدا ضربته كان ضربت ناصبا ل زيد وللهاء ورد هذا المذهب بأنه لا يعمل عامل واحد في ضمير اسم ومظهره وقال قوم هو عامل في الظاهر والضمير ملغى ورد بأن الأسماء لا تلغى بعد اتصالها بالعوامل.
والنصب حتم إن تلا السابق ما يختص بالفعل: كإن وحيثما (١)
_________________
(١) = الاولى: أن يكون العامل في المشغول به لازما، والمشغول به ضمير الاسم المتقدم، نحو قولك: أزيدا مررت به، فإن التقدير: أجاوزت زيدا مررت به. الثانية: أن يكون العامل لازما، والمشغول به اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير الاسم السابق، نحو قولك: زيدا مررت بغلامه، فإن التقدير: لابست زيدا مررت بغلامه، ولا تقدره: " جاوزت زيدا مررت بغلامه " كما قدرت في الصورة الاولى، لان المعنى على هذا التقدير هنا غير مستقيم، لانك لم تجاوز زيدا ولم تمرر به، وإنما جاوزت غلامه ومررت به، وجاوز من معنى مر، وليس من لفظه كما هو ظاهر. الثالثة: أن يكون العامل متعديا، ولكنه نصب اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير عائد إلى الاسم السابق، نحو قولك: زيدا ضربت أخاه، فإن التقدير: أهنت زيدا ضربت أخاه. وهكذا تقدر في كل صورة من هذه الصور الثلاث فعلا ينصب بنفسه، ويصح معه المعنى.
(٢) " والنصب " مبتدأ " حتم " خبر المبتدأ " إن " شرطية " تلا " فعل ماض، فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، وتقدير الكلام: إن تلا السابق ما يختص بالفعل فالنصب واجب " السابق " فاعل لتلا " ما " اسم موصول: مفعول به لتلا =
[ ٢ / ١٣١ ]
ذكر النحويون أن مسائل هذا الباب على خمسة أقسام:
أحدها: ما يجب فيه النصب
والثاني: ما يجب فيه الرفع
والثالث: ما يجوز فيه الأمران والنصب أرجح
والرابع: ما يجوز فيه الأمران والرفع أرجح
والخامس: ما يجوز فيه الأمران على السواء.
فأشار المصنف إلى القسم الأول بقوله والنصب حتم إلى آخره ومعناه أنه يجب نصب الاسم السابق إذا وقع بعد أداة لا يليها إلا الفعل كأدوات الشرط (١) نحو إن وحيثما فتقول إن زيدا أكرمته أكرمك وحيثما زيدا تلقه فأكرمه فيجب نصب زيدا في المثالين وفيما أشبههما ولا يجوز
الرفع على أنه مبتدأ إذ لا يقع الاسم بعد هذه
_________________
(١) = " يختص " فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة من يختص وفاعله لا محل لها صلة الموصول " بالفعل " جار ومجرور متعلق بيختص " كإن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك كائن كإن - إلخ، " وحيثما " معطوف على " إن " المجرورة محلا بالكاف.
(٢) الادوات التي تختص بالفعل أربعة أنواع: الاول: أدوات الشرط كإن، وحيثما، نحو ما مثل به الشارح، واعلم أن الاشتغال إنما يقع بعد أدوات الشرط في ضرورة الشعر، فأما في النثر فلا يقع الاشتغال إلا بعد أداتين منهما: الاولى " إن " بشرط أن يكون الفعل المشغول ماضيا، نحو: إن زيدا لقيته فأكرمه، والثانية: " إذا " مطلقا، نحو إذا زيدا لقيته - أو تلقاه - فأكرمه. النوع الثاني: أدوات التحضيض، نحو هلا زيدا أكرمته. النوع الثالث: أدوات العرض، نحو ألا زيدا أكرمته. النوع الرابع: أدوات الاستفهام غير الهمزة، نحو هل زيدا أكرمته، فأما الهمزة فلا تختص بالفعل، بل يجوز أن تدخل على الاسماء كما تدخل على الافعال، وإن كان دخولها على الافعال أكثر.
[ ٢ / ١٣٢ ]
الأدوات وأجاز بعضهم وقوع الاسم بعدها فلا يمتنع عنده الرفع على الابتداء كقول الشاعر:
١٥٧ - لا تجزعي إن منفس أهلكته فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
_________________
(١) هذا البيت ساقط من أكثر النسخ، ولم نشرحه في الطبعة الأولى لهذه العلة، وهو من كلمة للنمر بن تولب يجيب فيها امرأته وقد لامته على التبذير، وكان من حديثه أن قوما نزلوا به في الجاهلية، فنحر لهم أربع قلائص، واشترى لهم زق خمر، فلامته امرأته على ذلك، ففي هذا يقول: قالت لتعذلني من الليل: اسمع، سفه تبيتك الملامة فاهجعي لا تجزعي لغد، وأمر غد له، أتعجلين الشر ما لم تمنعي قامت تبكي أن سبات لفتية زقا وخابية بعود مقطع اللغة: " لا تجزعي " لا تحزني، والجزع هو: ضعف المرء عن تحمل ما ينزل به من بلاء، وهو أيضا أشد الحزن " منفس " هو المال الكثير، وهو الشئ النفيس الذي يضن أهله به " أهلكته " أذهبته وأفنيته " هلكت " مت. الاعراب: " لا " ناهية " تجزعي " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعل " إن " شرطية " منفس " فاعل لفعل محذوف هو فعل الشرط، وقوله " أهلكته " جملة من فعل وفاعل ومفعول لا محل لها تفسيرية " فإذا " الفاء عاطفة، إذا: ظرفية تضمنت معنى الشرط " هلكت " فعل وفاعل، وجملتهما في محل جر بإضافة " إذا " إليها " فبعد " الفاء زائدة، وبعد: ظرف متعلق بقوله " اجزعي " في آخر البيت، وبعد مضاف واسم الاشارة من " ذلك " مضاف إليه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب " فاجزعي " الفاء واقعة في جواب إذا، وما بعدها فعل أمر، وياء المخاطبة فاعل، والجملة جواب إذا لا محل لها من الاعراب. الشاهد فيه: قوله " إن منفس " حيث وقع الاسم المرفوع بعد أداة الشرط التي هي " إن " والاكثر أن يلي هذه الاداة الفعل. =
[ ٢ / ١٣٣ ]
تقديره إن هلك منفس (١) والله أعلم
_________________
(١) = وقبل: أن نقرر لك ما في هذا البيت نخبرك أنه يروى بنصب " منفس " يروى برفعه. فأما رواية النصب فهي التي رواها سيبويه وجمهور البصريين (انظر كتاب سيبويه ١ - ٦٨، ومفصل الزمخشري ١ - ١٤٩ بتحقيقنا) ولا إشكال على هذه الرواية، لان " منفسا " حينئذ منصوب بفعل محذوف مفسر بفعل من لفظ الفعل المذكور بعده، والتقدير: إن أهلكت منفسا أهلكته. والرواية الثانية برفع " منفس " وهي رواية الكوفيين، وأعربوها على أن " منفس " مبتدأ، وجملة " أهلكته " خبره، وهذا هو صريح عبارة الشارح قبل إنشاده البيت، واستدلوا به وبمثله على جواز وقوع الجملة الاسمية بعد " إن " و" إذا " الشرطيتين، وقالوا: إن الاسم المرفوع بعد هاتين الاداتين مبتدأ، والجملة بعده في محل رفع خبر، ومنهم من يجعل هذا الاسم المرفوع فاعلا لنفس الفعل المذكور بعده في نحو " إن زيد يزورك فأكرمه " بناء على مذهبهم من جواز تقديم الفاعل على الفعل الرافع له، فأما البصريون فلا يسلمون أولا رواية الرفع، ثم يقولون: إن صحت هذه الرواية فإنها لا تدل على جواز وقوع الجمل الاسمية بعد أداة الشرط، ولا تدل على جواز تقدم الفاعل على فعله، لان واحدا من هذين الوجهين غير متعين في إعراب الاسم المرفوع بعد أداة الشرط، بل هذا الاسم فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعده، ويقدر المحذوف من لفظ المذكور إن كان الذي بعده قد رفع الضمير على الفاعلية، ومن معنى الفعل المتأخر إن كان قد نصب ضمير الاسم كما في هذا البيت المستشهد به، ومن الاول قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك) وهذا هو الراجح، وهو الذي قدره الشارح بعد إنشاد البيت، ثم ارجع إلى ما ذكرناه في تقدير العامل في المشغول عنه (في ص ٥١٨)، ثم انظر ما ذكرناه في باب الفاعل
(٢) هذا التقدير هو تقدير البصريين، ولا يتفق ذكره هنا بهذا الشكل مع ما ذكره الشارح قبل إنشاد البيت، ولو أنه قال: " وتقديره عند البصريين إن هلك منفس " لاستقام الكلام.
[ ٢ / ١٣٤ ]
وإن تلا السابق ما بالابتدا يختص فالرفع التزمه أبدا (١)
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد ما قبل معمولا لما بعد وجد (٢)
أشار بهذين البيتين إلى القسم الثاني وهو ما يجب فيه الرفع (٣) فيجب
رفع
_________________
(١) " وإن " شرطية " تلا " فعل ماض، فعل الشرط " السابق " فاعل تلا " ما " اسم موصول: مفعول به لتلا " بالابتدا " جار ومجرور متعلق بيختص الآتي " يختص " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لا محل لها صلة " فالرفع " الفاء لربط الجواب بالشرط، الرفع: مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: فالتزم الرفع التزمه، والجملة في محل جزم جواب الشرط " التزمه " التزم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " أبدا " منصوب على الظرفية، والجملة من فعل الامر وفاعله المستتر فيه لا محل لها مفسرة.
(٢) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف يقع نعتا لمصدر محذوف منصوب على المفعولية المطلقة بفعل مدلول عليه بالسابق، والتقدير: والتزم الرفع التزاما مشابها لذلك الالتزام إذا تلا الفعل إلخ " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " الفعل " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إذا تلا الفعل " تلا " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، والجملة لا محل لها من الاعراب تفسيرية " ما " اسم موصول مفعول به لتلا " لم يرد " مضارع مجزوم بلم " ما " اسم موصول فاعل يرد، والجملة لا محل لها صلة ما الواقع مفعولا به لتلا " قبل " ظرف متعلق بمحذوف صلة " ما " الواقع فاعلا " معمولا " حال من فاعل يرد " لما " جار ومجرور متعلق بمعمول " بعد " ظرف متعلق بوجد " وجد " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة المجرورة محلا باللام، والجملة لا محل لها صلة " ما " المجرورة محلا باللام.
(٣) للمؤلفين اختلاف في اعتبار هذا القسم برمته من باب الاشتغال، فابن الحاجب لم يذكره أصلا، وابن هشام ينص على أنه ليس من باب الاشتغال، ولا يصدق ضابطه عليه، وذلك لاننا اشترطنا في ضابط الاشتغال: أن العامل في المشغول به لو تفرغ من الضمير وسلط على الاسم السابق المشغول عنه لعمل فيه (انظر كلام الشارح في ص ٥١٨) =
[ ٢ / ١٣٥ ]
الاسم المشتغل عنه إذا وقع بعد أداة تختص بالابتداء كإذا التي للمفاجأة فتقول خرجت فإذا زيد يضربه عمرو برفع زيد ولا يجوز نصبه لأن إذا هذه لا يقع بعدها الفعل لا ظاهرا ولا مقدرا.
وكذلك يجب رفع الاسم السابق إذا ولى الفعل المشتغل بالضمير أداة لا يعمل ما بعدها فيما قبلها كأدوات الشرط والاستفهام وما النافية نحو زيد إن لقيته فأكرمه وزيد هل تضربه وزيد ما لقيته فيجب رفع زيد في هذه الأمثلة ونحوها (١) ولا يجوز نصبه لأن ما لا يصلح أن يعمل
_________________
(١) = وفي هذا القسم لا يتم ذلك، ألا ترى أن نحو قولك: " خرجت فإذا زيد يضربه عمرو " لو حذفت الضمير لم يعمل " يضرب " في " زيد " المتقدم، لان المتقدم مرفوع، والمتأخر يطلب منصوبا لا مرفوعا، ولان الفعل المتأخر لا يصح أن يقع بعد " إذا ". ومن الناس من عده من باب الاشتغال غير مكترث بهذا الضابط، والحق هو الاول لما ذكرنا.
(٢) الاشياء التي لا يعمل ما بعدها فيما قبلها عشرة أنواع: (الاول) أدوات الشرط جميعها، نحو زيد إن لقيته فأكرمه، وزيد حيثما تلقه فأكرمه. (الثاني) أدوات الاستفهام جميعها، نحو زيد هل أكرمته، وعلى أسلمت عليه. (الثالث) أدوات التحضيض جميعها، نحو زيد هلا أكرمته، وخالد ألا تزوره. (الرابع) أدوات العرض جميعها، نحو زيد ألا تكرمه، وبكر أما تجيبه. (الخامس) لام الابتداء، نحو زيد لانا قد ضربته، وخالد لانا أحبه حبا جما. (السادس) " كم " الخبرية، نحو زيدكم ضربته، وإبراهيم كم نصحت له. (السابع) الحروف الناسخة، نحو زيد إني ضربته، وبكر كأنه السيف مضاء عزيمة. (الثامن) الاسماء الموصولة، نحو زيد الذي تضربه، وهند التي رأيتها. (التاسع) الاسماء الموصوفة بالعامل المشغول، نحو زيد رجل ضربته. (العاشر) بعض حروف النفي، وهي " ما " مطلقا، نحو زيد رجل ما ضربته، و" لا " بشرط أن تقع في جواب قسم، نحو زيد والله لا أضربه، فإن كان حرف =
[ ٢ / ١٣٦ ]
فيما قبله لا يصلح أن يفسر عاملا فيما قبله وإلى هذا أشار بقوله كذا إذا الفعل تلا إلى آخره.
أي كذلك يجب رفع الاسم السابق إذا تلا الفعل شيئا لا يرد ما قبله معمولا لما بعده ومن أجاز عمل ما بعد هذه الأدوات فيما قبلها فقال زيدا ما لقيت أجاز النصب مع الضمير بعامل مقدر فيقول زيدا ما لقيته.
واختير نصب قبل فعل ذي طلب وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب (١)
وبعد عاطف بلا فصل على معمول فعل مستقر أولا (٢)
_________________
(١) = النفي غير " ما " و" لا " نحو زيد لم أضربه أو كان حرف النفي هو " لا " وليس في جواب القسم، نحو زيد لا أضربه فإنه يترجح الرفع ولا يجب، لانها حينئذ لا تفصل ما بعدها عما قبلها.
(٢) " واختير " فعل ماض مبني للمجهول " نصب " نائب فاعل لاختير " قبل " ظرف متعلق باختير، وقبل مضاف و" فعل " مضاف إليه " ذي طلب " نعت لفعل، ومضاف إليه " وبعد " معطوف على قبل، وبعد مضاف و" ما " اسم موصول مضاف إليه " إيلاؤه " إيلاء: مبتدأ، وإيلاء مضاف والهاء مضاف إليه من إضافة المصدر لاحد مفعوليه " الفعل " مفعول ثان للمصدر " غلب " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى إيلاء، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها صلة ما المجرورة محلا بالاضافة.
(٣) " وبعد " معطوف على بعد في البيت السابق، وبعد مضاف و" عاطف " مضاف إليه " بلا فصل " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لعاطف " على معمول " متعلق بعاطف، ومعمول مضاف و" فعل " مضاف إليه " مستقر " نعت لفعل " أولا " ظرف متعلق بمستقر.
[ ٢ / ١٣٧ ]
هذا هو القسم الثالث وهو ما يختار فيه النصب.
وذلك إذا وقع بعد الاسم فعل دال على طلب كالأمر والنهى والدعاء نحو زيدا اضربه وزيدا لا تضربه وزيدا ﵀ فيجوز رفع زيد ونصبه والمختار النصب (١) .
وكذلك يختار النصب إذا وقع الاسم بعد أداة يغلب أن يليها الفعل (٢) كهمزة الاستفهام نحو أزيدا ضربته بالنصب والرفع والمختار النصب.
وكذلك يختار النصب إذا وقع الاسم المشتغل عنه بعد عاطف تقدمته جملة فعلية ولم يفصل بين العاطف والاسم نحو قام زيد وعمرا أكرمته؟ فيجوز رفع عمرو ونصبه والمختار النصب لتعطف جملة فعلية على جملة فعلية.
فلو فصل بين العاطف والاسم كان الاسم كما لو لم يتقدمه شيء نحو قام زيد وأما عمرو فأكرمته فيجوز رفع عمرو ونصبه والمختار الرفع كما سيأتي وتقول قام زيد وأما عمرا فأكرمه فيختار النصب كما تقدم لأنه وقع قبل فعل دال على طلب.
_________________
(١) إنما اختبر نصب الاسم المشغول عنه إذا كان الفعل المشغول طلبيا مع أن الجمهور يجيزون الاخبار عن المبتدأ بالجملة الطلبية لان الاخبار بها خلاف الاصل، لكونها لا تحتمل الصدق والكذب.
(٢) الادوات التي يغلب وقوع الفعل بعدها أربعة (الاولى) همزة الاستفهام (الثانية) " ما " النافية، ففي نحو " ما زيدا لقيته " يترجح النصب (الثالثة) " لا " النافية، ففي نحو " لا زيدا ضربته ولا عمرا " يترجح النصب (الرابعة) " إن " النافية، ففي نحو " إن زيدا ضربته " بمعنى ما زيدا ضربته - يترجح النصب أيضا.
[ ٢ / ١٣٨ ]
وإن تلا المعطوف فعلا مخبرا به عن اسم فاعطفن مخيرا (١)
أشار بقوله فاعطفن مخيرا إلى جواز الأمرين على السواء وهذا هو الذي تقدم أنه القسم الخامس.
وضبط النحويون ذلك بأنه إذا وقع الاسم المشتغل عنه بعد عاطف تقدمته جملة ذات وجهين جاز الرفع والنصب على السواء وفسروا الجملة ذات الوجهين بأنها جملة صدرها اسم وعجزها فعل نحو زيد قام وعمرو أكرمته فيجوز رفع عمرو مراعاة للصدر ونصبه مراعاة للعجز.
والرفع في غير الذي مر رجح فما أبيح افعل ودع ما لم يبح (٢)
_________________
(١) " إن " شرطية " تلا " فعل ماض، فعل الشرط " المعطوف " فاعل لتلا " فعلا " مفعول به لتلا " مخبرا " نعت لفعل " به، عن اسم " متعلقان بمخبر " فاعطفن " الفاء لربط الجواب بالشرط، اعطف: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مخيرا " حال من الضمير المستتر في " اعطفن ".
(٢) " والرفع " مبتدأ " في غير " جار ومجرور متعلق برجح الآتي، وغير مضاف و" الذي " اسم موصول: مضاف إليه " مر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذي، والجملة من مر وفاعله لا محل لها صلة " رجح " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الرفع الواقع مبتدأ، والجملة من رجح وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " فما " الفاء للتفريع، وما: اسم موصول به مقدم لافعل " أبيح " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من أبيح ونائب فاعله لا محل لها صلة " افعل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ودع " مثله " ما " اسم موصول مفعول به لدع " لم يبح " مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لا محل لها صلة الموصول.
[ ٢ / ١٣٩ ]
هذا هو الذي تقدم أنه القسم الرابع وهو ما يجوز فيه الأمران ويختار الرفع وذلك كل اسم لم يوجد معه ما يوجب نصبه ولا ما يوجب رفعه ولا ما يرجح نصبه ولا ما يجوز فيه الأمرين على السواء وذلك نحو زيد ضربته فيجوز رفع زيد ونصبه والمختار رفعه لأن عدم الإضمار أرجح من الإضمار.
وزعم بعضهم أنه لا يجوز النصب لما فيه من كلفة الإضمار وليس بشيء فقد نقله سيبويه وغيره من أئمة العربية وهو كثير وأنشد أبو السعادات ابن الشجري في أماليه على النصب قوله:
١٥٨ - فارسا ما غادروه ملحما غير زميل ولا نكس وكل
ومنه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ بكسر تاء جنات.
_________________
(١) البيت لامرأة من بني الحارث بن كعب، وهو أول ثلاثة أبيات اختارها أبو تمام في ديوان الحماسة (انظر شرح التبريزي ٣ - ١٢١ بتحقيقنا) ونسبها قوم إلى علقمة بن عبدة، وليس ذلك بشئ، وبعد بيت الشاهد قولها: لو يشا طار به ذو ميعة لاحق الآطال نهد ذو خصل غير أن الباس منه شيمة وصروف الدهر تجري بالاجل اللغة: " فارسا " هذه الكلمة تروى بالرفع وبالنصب، وممن رواها بالرفع أبو تمام في ديوان الحماسة، وممن رواها بالنصب أبو السعادات ابن الشجري كما قال الشارح " ما " زائدة " غادروه " تركوه في مكانه، وسمي الغدير غديرا لانه جزء من الماء يتركه السيل، فهو فعيل بمعنى مفعول في الاصل. ثم نقل إلى الاسمية " ملحم " بزنة المفعول: الذي ينشب في الحرب فلا يجد له مخلصا " الزميل " بضم أوله وتشديد ثانيه مفتوحا: الضعيف الجبان " النكس " بكسر أوله وسكون ثانيه: الضعيف الذي يقصر عن النجدة وعن غاية المجد والكرم " الوكل " بزنة كتف - الذي يكل أمره إلى غيره عجزا " لو يشا - إلخ " معناه أنه لو شاء النجاة لانجاه فرس له نشاط وسرعة جرى وحدة، والنهد: الغليظ، والخصل: جمع خصلة، وهي ما يتدلى من أطراف العشر =
[ ٢ / ١٤٠ ]
وفصل مشغول بحرف جر أو بإضافة كوصل يجري (١)
يعني أنه لا فرق في الأحوال الخمسة السابقة بين أن يتصل الضمير بالفعل المشغول به نحو زيد ضربته أو ينفصل منه بحرف جر نحو زيد مررت به أو بإضافة نحو زيد ضربت غلامه أو غلام صاحبه أو مررت بغلامه أو بغلام صاحبه فيجب النصب في نحو إن زيدا مررت به أكرمك كما يجب في إن زيدا لقيته أكرمك وكذلك يجب الرفع في خرجت فإذا زيد مر به عمرو ويختار النصب في أزيدا مررت
_________________
(١) = " غير أن البأس - إلخ " الشيمة: الطبيعة والسجية والخليقة، وصروف الدهر: أحواله وأهواله وأحداثه وغيره ونوازله، واحدها صرف. الاعراب: " فارسا " مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، وتقدير الكلام: غادروا فارسا " ما " حرف زائد لقصد التفخيم، ويجوز أن يكون اسما نكرة بمعنى عظيم، فهو حينئذ نعت لفارس " غادروه " فعل وفاعل ومفعول به " ملحما " حال من الضمير المنصوب في غادروه، ويقال: مفعول ثان، وليس بذاك " غير " حال ثان، وغير مضاف و" زميل " مضاف إليه " ولا نكس " الواو عاطفة، ولا: زائدة لتأكيد النفي، ونكس: معطوف على زميل " وكل " صفة لنكس. الشاهد فيه: قوله " فارسا ما غادروه " حيث نصب الاسم السابق، وهو قوله " فارسا " المشتغل عنه، بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، ولا مرجح للنصب في هذا الموضع ولا موجب له، فلما نصب " فارسا " مع خلو الكلام مما يوجب النصب أو يرجحه دل على أن النصب حينئذ جائز، وليس ممتنعا.
(٢) " فصل " مبتدأ، وفصل مضاف و" مشغول " مضاف إليه " بحرف " جار ومجرور متعلق بفصل، وحرف مضاف و" جر " مضاف إليه " أو " عاطفة " بإضافة " جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور السابق " كوصل " جار ومجرور متعلق بيجري الآتي " يجري " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على فصل الواقع مبتدأ في أول البيت، والجملة من يجري وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (٣٤ - شرح ابن عقيل)
[ ٢ / ١٤١ ]
به؟ ويختار
الرفع في زيد مررت به ويجوز الأمران على السواء في زيد قام وعمرو مررت به وكذلك الحكم في زيد ضربت غلامه أو مررت بغلامه.
وسو في ذا الباب وصفا ذا عمل بالفعل إن لم يك مانع حصل (١)
يعني أن الوصف العامل في هذا الباب يجري مجرى الفعل فيما تقدم والمراد بالوصف العامل اسم الفاعل واسم المفعول.
واحترز بالوصف مما يعمل عمل الفعل وليس بوصف كاسم الفعل نحو زيد دراكه فلا يجوز نصب زيد لأن أسماء الأفعال لا تعمل فيما قبلها فلا تفسر عاملا فيه.
واحترز بقوله ذا عمل من الوصف الذي لا يعمل كاسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي نحو زيد أنا ضاربه أمس فلا يجوز نصب زيد لأن مالا يعمل لا يفسر عاملا.
ومثال الوصف العامل زيد أنا ضاربه الآن أو غدا والدرهم أنت معطاه فيجوز نصب زيد والدرهم ورفعهما كما كان يجوز ذلك مع الفعل.
_________________
(١) " وسو " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " في ذا " جار ومجرور متعلق بسو " الباب " بدل من اسم الاشارة أو عطف بيان عليه أو نعت له " وصفا " مفعول به لسو " ذا " بمعنى صاحب: نعت لوصف، وذا مضاف، و" عمل " مضاف إليه " بالفعل " جار ومجرور متعلق بسو " إن " شرطية " لم " نافية جازمة " يك " فعل مضارع تام مجزوم بلم، فعل الشرط، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف " مانع " فاعل يك " حصل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مانع، والجملة في محل رفع نعت لمانع، وجواب الشرط محذوف، وتقديره: إن لم يكن مانع حاصل وموجود فسو وصفا ذا عمل بالفعل.
[ ٢ / ١٤٢ ]
واحترز بقوله إن لم يك مانع حصل عما إذا دخل على الوصف مانع يمنعه من العمل فيما قبله كما إذا دخلت عليه الألف واللام نحو زيد أنا الضاربه فلا يجوز نصب زيد لأن ما بعد الألف واللام لا يعمل فيما قبلهما فلا يفسر عاملا فيه والله أعلم (١) .
وعلقه حاصلة بتابع كعلقة بنفس الاسم الواقع (٢)
تقدم أنه لا فرق في هذا الباب بين ما اتصل فيه الضمير بالفعل نحو زيدا ضربته وبين ما انفصل بحرف جر نحو زيدا مررت به أو بإضافة نحو: زيدا ضربت غلامه.
_________________
(١) تلخيص ما أشار إليه الناظم والشارح أن العامل المشغول إذا لم يكن فعلا اشترط فيه ثلاثة شروط (الاول) أن يكون وصفا، وذلك يشمل اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة، ويخرج به اسم الفعل والمصدر، فإن واحدا منهما لا يسمى وصفا (الثاني) أن يكون هذا الوصف عاملا النصب على المفعولية باطراد، فإن لم يكن بهذه المنزلة لم يصح، وذلك كاسم الفاعل بمعنى الماضي والصفة المشبهة واسم التفضيل (الثالث) ألا يوجد مانع، فإن وجد ما يمنع من عمل الوصف فيما قبله لم يصح في الاسم السابق نصبه على الاشتغال، ومن الموانع كون الوصف اسم فاعل مقترنا بأل، لان " أل " الداخلة على اسم الفاعل موصولة، وقد عرفت أن الموصولات تقطع ما بعدها عما قبلها، فيكون العامل غير الفعل في هذا الباب منحصرا في ثلاثة أشياء: اسم الفاعل، واسم المفعول، وأمثلة المبالغة، بشرط أن يكون كل واحد منها بمعنى الحال أو الاستقبال، وألا يقترن بأل.
(٢) " وعلقة " مبتدأ " حاصلة " نعت لعلقة " بتابع " جار ومجرور متعلق بحاصلة " كعلقة " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " بنفس " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لعلقة المجرور بالكاف، ونفس مضاف، و" الاسم " مضاف إليه " الواقع " نعت للاسم.
[ ٢ / ١٤٣ ]
وذكر في هذا البيت أن الملابسة بالتابع كالملابسة بالسببي ومعناه أنه إذ عمل الفعل في أجنبي وأتبع بما اشتمل على ضمير الاسم السابق من صفة نحو زيدا ضربت رجلا يحبه أو عطف بيان نحو زيدا ضربت عمرا أباه أو معطوف بالواو خاصة نحو زيدا ضربت عمرا وأخاه حصلت الملابسة بذلك كما تحصل بنفس السببي فينزل زيدا ضربت رجلا يحبه منزلة زيدا ضربت غلامه وكذلك الباقي.
وحاصله أن الأجنبي إذا أتبع بما فيه ضمير الاسم السابق جرى مجرى السببي والله أعلم.
[ ٢ / ١٤٤ ]
تعدي الفعل ولزومه
علامة الفعل المعدى أن تصل ها غير مصدر به نحو عمل (١)
ينقسم الفعل إلى متعد ولازم فالمتعدي: هو الذي يصل إلى مفعوله بغير حرف جر نحو ضربت زيدا. واللازم: ما ليس كذلك وهو ما لا يصل إلى مفعوله إلا بحرف جر (٢) نحو مررت بزيد أو لا مفعول له
_________________
(١) " علامة " مبتدأ، وعلامة مضاف، و" الفعل " مضاف إليه " المعدى " نعت للفعل " أن " مصدرية " تصل " فعل مضارع منصوب بأن، وسكن للوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و" أن " وما دخلت عليه في تأويل مصدر مرفوع خبر المبتدأ، والتقدير: علامة الفعل المعدى وصلك به ها إلخ " ها " مفعول به لتصل، وها مضاف و" غير " مضاف إليه، وغير مضاف، و" مصدر " مضاف إليه " به " جار ومجرور متعلق بتصل " نحو " خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك نحو، ونحو مضاف، و" عمل " قصد لفظه: مضاف إليه.
(٢) أكثر النحاة على أن الفعل من حيث التعدي واللزوم ينقسم إلى قسمين: المتعدي، واللازم، ولا ثالث لهما، وعبارة الناظم والشارح تدل على أنهما يذهبان هذا المذهب، ألا ترى أن الناظم يقول " ولازم غير المعدى " والشارح يقول " واللازم ما ليس كذلك " وذلك يدل على أن كل فعل ليس بمتعد فهو لازم، فيدل على انحصار التقسيم في القسمين. ومن العلماء من ذهب إلى أن الفعل من هذه الجهة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الاول المتعدي، والثاني اللازم، والثالث ما ليس بمتعد ولا لازم، وجعلوا من هذا القسم الثالث الاخير " كان " وأخواتها، لانها لاتنصب المفعول به ولا تتعدى إليه بحرف الجر، كما مثلوا له ببعض الافعال التي وردت تارة متعدية إلى المفعول به بنفسها وتارة أخرى متعدية إليه بحرف الجر، نحو شكرته وشكرت له ونصحته ونصحت له وما أشبههما وقد يقال: إن " كان " ليست خارجة عن القسمين، بل هي متعدية، وحينئذ يكون =
[ ٢ / ١٤٥ ]
نحو قام زيد ويسمى ما يصل إلى مفعوله بنفسه فعلا متعديا وواقعا ومجاوزا وما ليس كذلك يسمى لازما وقاصرا وغير متعد ويسمى متعديا بحرف جر.
وعلامة الفعل المتعدي أن تتصل به هاء تعود على غير المصدر وهي هاء المفعول به نحو الباب أغلقته واحترز بهاء غير المصدر من هاء المصدر فإنها تتصل بالمتعدي واللازم فلا تدل على تعدي الفعل فمثال المتصلة بالمتعدي الضرب ضربته زيدا أي ضربت الضرب زيدا ومثال المتصلة باللازم القيام قمته أي قمت القيام.
فانصب به مفعوله إن لم ينب عن فاعل نحو تدبرت الكتب (١)
_________________
(١) = المراد من المفعول به هو أو ما أشبهه كخبر كان، أو يقال: إن المقسم هو الافعال التامة، فليست " كان " وأخواتها من موضع التقسيم حتى يلزم دخولها في أحد القسمين، كما انه قد يقال: إن نحو شكرته وشكرت له لم تخرج عن القسمين، بل هي إما متعدية، وحرف الجر في شكرت له زائد، أو لازمة، ونصبها للمفعول به في شكرته على نزع الخافض.
(٢) " فانصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " به " جار ومجرور متعلق بانصب " مفعوله " مفعول: مفعول به لانصب، ومفعول مضاف والهاء مضاف إليه " إن " شرطية " لم " نافية جازمة " ينب " فعل مضارع، فعل الشرط، مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مفعوله،؟ الشرط محذوف، والتقدير: إن لم ينب مفعوله عن فاعل فانصبه به " عن فاعل "؟ مجرور متعلق بينب " نحو " خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك نحو " تدبرت "؟ فاعل " الكتب " مفعول به، ونحو مضاف، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله =
[ ٢ / ١٤٦ ]
شأن الفعل المتعدي أن ينصب مفعوله إن لم ينب عن فاعله نحو تدبرت الكتب فإن ناب عنه وجب رفعه كما تقدم نحو تدبرت الكتب.
وقد يرفع المفعول وينصب الفاعل عند أمن اللبس كقولهم خرق الثوب المسمار ولا ينقاس ذلك بل يقتصر فيه على السماع. (١)
_________________
(١) = في محل جر مضاف إليه، والمراد بالمفعول في قوله " فانصب به مفعوله " هو المفعول به، لامرين، أحدهما: أن المفعول عند الاطلاق هو المفعول به، وأما بقية المفاعيل فلابد فيها من التقييد، تقول: المفعول معه، والمفعول لاجله، والمفعول فيه، والمفعول المطلق. وثانيهما: أن الذي يختص به الفعل المتعدي هو المفعول به، فأما غيره من المفاعيل فيشترك في نصبه المتعدي واللازم، تقول: ضربت ضربا، وقمت قياما، وتقول: ذاكرت والمصباح، وسرت والنيل، وتقول: ضربت ابني تأديبا، وقمت إجلالا للامير، وتقول: لعبت الكرة أصيلا، وخرجت من الملعب ليلا.
(٢) قال السيوطي في همع الهوامع (١ / ١٨٦): وسمع رفع المفعول به ونصب الفاعل، حكوا: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر، وقال الشاعر: مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر فإن السوآت هي البالغة، وسمع أيضا رفعهما، قال: [إن من صاد عقعقا لمشوم] كيف من صاد عقعقان وبوم وسمع نصبهما، قال: قد سالم الحيات منه القدما [الافعوان والشجاع الشجعما] والمبيح لذلك كله فهم المعنى وعدم الالباس، ولا يقاس على شئ من ذلك " اه وقال ابن مالك في شرح الكافية: " وقد يحملهم ظهور المعنى على إعراب كل واحد من الفاعل والمفعول به بإعراب الآخر، كقولهم: خرق الثوب المسمار، ومنه قول الاخطل مثل القنافذ. البيت " اهـ. والظاهر من هذه العبارات كلها أن الاسم المنصوب في هذه المثل التي ذكروها هو الفاعل، والاسم المرفوع هو المفعول، وأن التغير لم يحصل إلا في حركات الاعراب، لكن ذهب الجوهري إلى أن المنصوب هو المفعول به، والمرفوع هو الفاعل، والتغيير =
[ ٢ / ١٤٧ ]
والأفعال المتعدية على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يتعدى إلى مفعولين وهي قسمان أحدهما ما أصل المفعولين فيه المبتدأ والخبر كظن وأخواتها والثاني ما ليس أصلهما ذلك كأعطى وكسا.
والقسم الثاني: ما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل كأعلم وأرى.
والقسم الثالث: ما يتعدى إلى مفعول واحد كضرب ونحوه.
ولازم غير المعد ى وحتم لزوم أفعال السجايا كنهم (١)
كذا افعلل والمضاهي اقعنسسا وما اقتضى: نظافة أو دنسا (٢)
أو عرضا أو طاوع المعدى لواحد كمده فامتدا (٣)
_________________
(١) = إنما حصل في المعنى، وهذا رأي لجماعة من النحاة، وقد اختاره الشاطبي، وانظر ما ذكرناه واستشهدنا له في مطلع باب الفاعل.
(٢) " ولازم " خبر مقدم " غير " مبتدأ مؤخر، وغير مضاف و" المعدى " مضاف إليه " وحتم " فعل ماض مبني للمجهول " لزوم " نائب فاعل لحتم، ولزوم مضاف، و" أفعال " مضاف إليه، وأفعال مضاف، و" السجايا " مضاف إليه " كنهم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كنهم.
(٣) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " افعلل " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " والمضاهي " معطوف على قوله " افعلل " السابق، وهو اسم فاعل، وفاعله ضمير مستتر فيه، وقوله " اقعنسسا " مفعوله، وقد قصد لفظه " وما " اسم موصول: معطوف على المضاهي " اقتضى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " نظافة " مفعول به لا قتضى " أو دنسا " معطوف على قوله نظافة.
(٤) " أو عرضا " معطوف على قوله نظافة في البيت السابق " أو طاوع " أو: =
[ ٢ / ١٤٨ ]
اللازم: هو ما ليس بمتعد وهو ما لا يتصل به هاء ضمير غير المصدر ويتحتم اللزوم لكل فعل دال على سجية وهي الطبيعة نحو شرف وكرم وظرف ونهم وكذا كل فعل على وزن افعلل نحو اقشعر واطمأن أو على وزن أفعنلل نحو اقعنسس واحرنجم أو دل على نظافة ك طهر الثوب ونظف أو على دنس ك دنس الثوب ووسخ أو دل على عرض نحو مرض زيد واحمر أو كان مطاوعا لما تعدى إلى مفعول واحد نحو مددت الحديد فامتد ودحرجت زيدا فتدحرج.
واحترز بقوله لواحد مما طاوع المتعدي إلى اثنين فإنه لا يكون لازما بل يكون متعديا إلى مفعول واحد نحو فهمت زيدا المسألة ففهمها وعلمته النحو فتعلمه.
وعد لازما بحرف جر وإن حذف فالنصب للمنجر (١)
_________________
(١) = حرف عطف، وطاوع: فعل ماض معطوف على اقتضى، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة " المعدى " مفعول به لطاوع " لواحد " جار ومجرور متعلق بالمعدى " كمده " متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كمده " فامتدا " الفاء عاطفة، امتد: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جواز تقديره هو.
(٢) " وعد " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لازما " مفعول به لعد " بحرف " جار ومجرور متعلق بعد، وحرف مضاف و" جر " مضاف إليه " وإن " شرطية " حذف " فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حرف جر " فالنصب " الفاء لربط الجواب بالشرط، النصب: مبتدأ " للمنجر " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط.
[ ٢ / ١٤٩ ]
نقلا وفي أن وأن يطرد مع أمن لبس: كعجبت أن يدوا (١)
تقدم أن الفعل المتعدي يصل إلى مفعوله بنفسه وذكر هنا أن الفعل اللازم يصل إلى مفعوله بحرف جر نحو مررت بزيد وقد يحذف حرف الجر فيصل إلى مفعوله بنفسه نحو مررت زيدا قال الشاعر:
١٥٩ - تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم علي إذا حرام
_________________
(١) " نقلا " مفعول مطلق، أو حال صاحبه اسم المفعول المفهوم من قوله " حذف " وتقديره منقولا " وفي أن " جار ومجرور متعلق بيطرد الآتي " وأن " معطوف على أن " يطرد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الحذف المفهوم من حذف " مع " ظرف متعلق بيطرد، ومع مضاف و" أمن " مضاف إليه، وأمن مضاف و" لبس " مضاف إليه " كعجبت " الكاف جارة لقول محذوف، عجبت: فعل وفاعل " أن " مصدرية " يدوا " فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون، وواو الجماعة فاعله، و" أن " ومنصوبها في تأويل مصدر مجرور بمن المحذوفة، والتقدير: عجبت من وديهم أي إعطائهم الدية والجار والمجرور متعلق بعجب.
(٢) البيت لجرير بن عطية بن الخطفي. اللغة: " تعوجوا " يقال: عاج فلان بالمكان يعوج عوجا ومعاجا - كقال يقول قولا ومقالا - إذا أقام به، ويقال: عاج السائر بمكان كذا، إذا عطف عليه، أو وقف به، أو عرج عليه وتحول إليه، ورواية الديوان أتمضون الرسوم ولا نحيا. الاعراب: " تمرون " فعل وفاعل " الديار " منصوب على نزع الخافض، وأصله: تمرون بالديار " ولم تعوجوا " الواو للحال، ولم: نافية جازمة، تعوجوا: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون، وواو الجماعة فاعل، والجملة في محل نصب حال " كلامكم " كلام: مبتدأ، وكلام مضاف وضمير المخاطبين مضاف إليه " على " جار ومجرور متعلق بحرام " حرام " خبر المبتدأ. الشاهد فيه: قوله " تمرون الديار " حيث حذف الجار، وأوصل الفعل اللازم إلى الاسم الذي كان مجرورا، فنصبه، وأصل الكلام " تمرون بالديار " ويسمى ذلك: =
[ ٢ / ١٥٠ ]
أي: تمرون بالديار ومذهب الجمهور أنه لا ينقاس حذف حرف الجر مع غير أن وأن بل يقتصر فيه على السماع وذهب أبو الحسن علي بن سليمان البغدادي وهو الأخفش الصغير إلى أنه يجوز الحذف مع غيرهما قياسا بشرط تعين الحرف ومكان الحذف نحو بريت القلم بالسكين فيجوز عنده حذف الباء فتقول بريت القلم السكين فإن لم يتعين الحرف لم يجز الحذف نحو رغبت في زيد فلا يجوز حذف في لأنه لا يدرى حينئذ هل التقدير رغبت عن زيد أو في زيد وكذلك إن لم يتعين مكان الحذف لم يجز نحو اخترت القوم من بني تميم فلا يجوز الحذف فلا تقول اخترت القوم بني تميم إذ لا يدرى هل الأصل اخترت القوم من بني تميم أو اخترت من القوم بني تميم.
وأما أن وأن فيجوز حذف حرف الجر معهما قياسا مطردا بشرط أمن اللبس كقولك عجبت أن يدوا والأصل عجبت من أن يدوا أي من أن يعطوا الدية ومثال ذلك مع أن بالتشديد عجبت من أنك قائم فيجوز حذف "من" فتقول: عجبت أنك قائم فإن حصل لبس لم يجز
_________________
(١) = " الحذف والايصال " وهذا قاصر على السماع، ولا يجوز ارتكابه في سعة الكلام، إلا إذا كان المجرور مصدرا مؤولا من " أن " المؤكدة مع اسمها وخبرها، أو من " أن " المصدرية مع منصوبها. ومثل هذا الشاهد قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: غضبت أن نظرت نحو نساء ليس يعرفنني مررن الطريقا ومحل الاستشهاد قوله " مررن الطريقا " حيث حذف حرف الجر ثم أوصل الفعل اللازم إلى الاسم الذي كان مجرورا فنصبه، وأصل الكلام: مررن بالطريق، وفيه شاهد آخر للقياسي من هذا الباب، وذلك في قوله " غضبت أن نظرت " وأصله: غضبت من أن نظرت.
[ ٢ / ١٥١ ]
الحذف نحو رغبت في أن تقوم أو رغبت في أنك قائم فلا يجوز حذف في لاحتمال أن يكون المحذوف عن فيحصل اللبس.
واختلف في محل أن وأن عند حذف حرف الجر فذهب الأخفش إلى أنهما في محل جر وذهب الكسائي إلى أنهما في محل نصب (١) وذهب سيبويه إلى تجويز الوجهين.
_________________
(١) أما الذين ذهبوا إلى أن المصدر المنسبك من الحرف المصدري ومعموله في محل نصب بعد حذف حرف الجر الذي كان يقتضى جره فاستدلوا على ذلك بشيئين: أولهما: أن حرف الجر عامل ضعيف، وآية ضعفه أنه مختص بنوع واحد هو الاسم، والعامل الضعيف لا يقوى على العمل إلا إذا كان مذكورا، فمتى حذف من الكلام زال عمله. وثاني الدليلين: أن حرف الجر إذا حذف من الكلام وكان مدخوله غير " أن " و" أن " فنحن متفقون على أن الاسم الذي كان مجرورا به ينصب كما في بيت عمر وبيت جرير السابق (رقم ١٥٩) وكما في قول ساعدة بن جؤية الهذلي: لدن بهز الكف يعسل متنه فيه، كما عسل الطريق الثعلب وكما في قول المتلمس جرير بن عبد المسيح يخاطب عمرو بن هند ملك الحيرة: آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوس أراد الاول: كما عسل في الطريق، وأراد الثاني: آليت على حب العراق، فلما حذفا حرف الجر نصبا الاسم الذي كان مجرورا، فيجب أن يكون هذا هو الحكم مع أن وأن. وأما الذين ذهبوا إلى أن المصدر في محل جر بعد حذف حرف الجر فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالسماع عن العرب. فمن ذلك قول الفرزدق من قصيدة يمدح فيها عبد المطلب بن عبد الله المخزومي: وما زرت ليلى أن تكون حبيبة إلي، ولا دين بها أنا طالبه فقوله " ولا دين " مروى بجر دين المعطوف على المصدر المنسبك من " أن تكون إلخ " =
[ ٢ / ١٥٢ ]
وحاصله: أن الفعل اللازم يصل إلى المفعول بحرف الجر ثم إن كان المجرور غير أن وأن لم يجز حذف حرف الجر إلا سماعا وإن كان أن وأن جاز ذلك قياسا عند أمن اللبس وهذا هو الصحيح.
والأصل سبق فاعل معنى كمن من ألبسن من زاركم نسج اليمن (١)
إذا تعدى الفعل إلى مفعولين الثاني منهما ليس خبرا في الأصل فالأصل تقديم ما هو فاعل في المعنى نحو أعطيت زيدا درهما فالأصل تقديم
زيد
_________________
(١) = وذلك يدل على أن هذا المصدر مجرور، لوجوب تطابق المعطوف والمعطوف عليه في حركات الاعراب. وقد حذف الفرزدق حرف الجر وأبقى الاسم مجرورا على حاله قبل الحذف، وذلك في قوله. إذا قيل: أي الناس شر قبيلة؟ أشارت كليب بالاكف الاصابع أصل الكلام: أشارت إلى كليب، فلما حذف " إلى " أبقى " كليب " على جره. فلما رأى سيبويه - ﵀! - تكافؤ الادلة، وأن السماع ورد بالوجهين، ولا وجه لترجيح أحدهما على الآخر، جوز كل واحد منهما.
(٢) " والاصل " مبتدأ " سبق " خبر المبتدأ، وسبق مضاف، و" فاعل " مضاف إليه " معنى " منصوب على نزع الخافض، أو تمييز " كمن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كمن - إلخ " من " حرف جر، ومجروره قول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال " ألسن " فعل أمر مؤكد بالنون الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " من " اسم موصول: مفعول أول لالبس " زاركم " زار: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، وضمير المخاطبين مفعول به، والجملة لا محل لها صلة " نسج " مفعول ثان لالبس، ونسج مضاف و" اليمن " مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف.
[ ٢ / ١٥٣ ]
على درهم لأنه فاعل في المعنى لأنه الآخذ للدرهم وكذا كسوت زيدا جبة وألبسن من زاركم نسج اليمن ف من مفعول أول ونسج مفعول ثان والأصل تقديم من على نسج اليمن لأنه اللابس ويجوز تقديم ما ليس فاعلا معنى لكنه خلاف الأصل.
ويلزم الأصل لموجب عرى وترك ذاك الأصل حتما قد يرى (١)
أي يلزم الأصل وهو تقديم الفاعل في المعنى إذا طرأ ما يوجب ذلك وهو خوف اللبس نحو أعطيت زيدا عمرا فيجب تقديم الآخذ منهما ولا يجوز تقديم غيره لأجل اللبس إذ يحتمل أن يكون هو الفاعل.
وقد يجب تقديم ما ليس فاعلا في المعنى وتأخير ما هو فاعل في المعنى نحو أعطبت الدرهم صاحبه فلا يجوز تقديم صاحبه وإن كان فاعلا في المعنى فلا تقول أعطيت صاحبه الدرهم لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة وهو ممتنع والله أعلم. (٢)
_________________
(١) " ويلزم الاصل " فعل وفاعل " لموجب " جار ومجرور متعلق بيلزم " عرى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى موجب، والجملة في محل جر نعت لموجب " وترك " مبتدأ، وترك مضاف واسم الاشارة من " ذاك " مضاف إليه، والكاف حرف خطاب " الاصل " بدل أو عطف بيان من اسم الاشارة " حتما " حال من نائب الفاعل المستتر في " يرى " الآتي، وتقديره باسم مفعول: أي محتوما " قد " حرف تقليل " يرى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ترك، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
(٢) تلخيص ما أشار إليه الشارح والناظم في هذه المسألة أن للمفعول الاول مع المفعول الثاني - اللذين ليس أصلهما المبتدأ والخبر - ثلاثة أحوال، الحالة الاولى يجب =
[ ٢ / ١٥٤ ]
وحذف فضلة أجز إن لم يضر كحذف ما سيق جوابا أو حصر (١)
الفضلة: خلاف العمدة والعمدة: ما لا يستغنى عنه كالفاعل والفضلة ما يمكن الاستغناء عنه كالمفعول به فيجوز حذف الفضلة إن لم يضر
كقولك
_________________
(١) = فيها تقديم الفاعل في المعنى، والحالة الثانية يجب فيها تقديم المفعول في المعنى، والحالة الثالثة يجوز فيها تقديم أيهما شئت، وسنبين لك مواضع كل حالة منها تفصيلا. أما الحالة الاولى فلها ثلاثة مواضع، أولها: أن يخاف اللبس، وذلك إذا صلح كل من المفعولين أن يكون فاعلا في المعنى، وذلك نحو " أعطيت زيدا عمرا " وثانيهما: أن يكون المفعول في المعنى محصورا فيه، نحو قولك " ما كسوت زيدا إلا جبة، وما أعطيت خالدا إلا درهما " وثالثها: أن يكون الفاعل في المعنى ضميرا والمفعول في المعنى اسما ظاهرا نحو " أعطيتك درهما ". وأما الحالة الثانية فلها ثلاثة مواضع أيضا، أولها: أن يكون الفاعل في المعنى متصلا بضمير يعود على المفعول في المعنى نحو " أعطيت الدرهم صاحبه "، إذ لو قدم لعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وثانيها: أن يكون الفاعل في المعنى منهما محصورا فيه، نحو قولك " ما أعطيت الدرهم إلا زيدا " وثالثها: أن يكون المفعول في المعنى منهما ضميرا والفاعل في المعنى اسما ظاهرا، نحو قولك " الدرهم أعطيته بكرا " وأما الحالة الثالثة ففيما عداما ذكرناه من مواضع الحالتين، ومنها قولك " أعطيت زيدا ماله " يجوز أن تقول فيه: أعطيت ماله زيدا، فالضمير إن عاد على متأخر لفظا فقد عاد على متقدم رتبة.
(٢) " وحذف " مفعول به مقدم لاجز، وحذف مضاف و" فضلة " مضاف إليه " أجز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إن " شرطية " لم " جازمة نافية " يضر " فعل مضارع مجزوم بلم، وجملته فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حذف، وجواب الشرط محذوف، وتقدير الكلام: إن لم يضر حذف الفضلة فأجزه " كحذف " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك كائن كحذف و" ما " اسم موصول: مضاف إليه " سيق " فعل ماض مبني " للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " جوابا " مفعول ثان لسيق " أو " عاطفة " حصر " فعل ماض مبني للمجهول معطوف على سيق.
[ ٢ / ١٥٥ ]
في ضربت زيدا ضربت بحذف المفعول به وكقولك في أعطيت زيدا درهما أعطيت ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ وأعطيت زيدا ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وأعطيت درهما قيل ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ التقدير والله أعلم حتى يعطوكم الجزية.
فإن ضر حذف الفضلة لم يجز حذفها كما إذا وقع المفعول به في جواب سؤال نحو أن يقال من ضربت؟ فتقول ضربت زيدا أو وقع محصورا نحو ما ضربت إلا زيدا فلا يجوز حذف زيدا في الموضعين إذ لا يحصل في الأول الجواب ويبقى الكلام في الثاني دالا على نفي الضرب مطلقا والمقصود نفيه عن غير زيد فلا يفهم المقصود عنه حذفه.
ويحذف الناصبها إن علما وقد يكون حذفه ملتزما (١)
يجوز حذف ناصب الفضلة إذا دل عليه دليل نحو أن يقال من ضربت؟ فتقول زيدا التقدير ضربت زيدا فحذف ضربت لدلالة ما قبله عليه وهذا الحذف جائز وقد يكون واجبا كما تقدم في باب الاشتغال نحو زيدا ضربته التقدير ضربت زيدا ضربته فحذف ضربت وجوبا كما تقدم والله أعلم.
_________________
(١) " ويحذف " فعل مضارع مبني للمجهول " الناصبها " الناصب: نائب فاعل يحذف، وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل، وفاعله ضمير مستتر فيه، و" ها " ضمير الغائب العائد إلى الفضلة مفعول به " إن " شرطية " علما " فعل ماض مبني للمجهول، فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الناصب " وقد " حرف تقليل " يكون " فعل مضارع ناقص " حذفه " حذف: اسم يكون وحذف مضاف وضمير الغائب العائد إلى الناصب مضاف إليه " ملتزما " خبر يكون
[ ٢ / ١٥٦ ]
التنازع في العمل
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل قبل فللواحد منهما العمل (١)
والثان أولى عند أهل البصره واختار عكسا غيرهم ذا أسره (٢)
التنازع عبارة: عن توجه عاملين إلى معمول واحد (٣) نحو: ضربت
_________________
(١) " إن " شرطية " عاملان " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إن اقتضى عاملان " اقتضيا " فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الاعراب مفسرة " في اسم " جار ومجرور متعلق باقتضى " عمل " مفعول به لاقتضى، وقد وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة " قبل " ظرف متعلق باقتضى، أو بمحذوف يقع حالا من قوله عاملان: أي حال كون هذين العاملين واقعين قبل الاسم، وقبل مبني على الضم في محل نصب " فللواحد " الفاء لربط الجواب بالشرط، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " منهما " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الواحد " العمل " مبتدأ مؤخر (٢) " والثاني " مبتدأ " أولى " خبر المبتدأ " عند " ظرف متعلق بأولى، وعند مضاف، و" أهل " مضاف إليه، وأهل مضاف، و" البصرة " مضاف إليه " واختار " فعل ماض " عكسا " مفعول به لاختار " غيرهم " غير: فاعل اختار، وغير مضاف، وضمير الغائبين مضاف إليه " ذا " حال من غيرهم، وذا مضاف و" أسره " مضاف إليه، وهو بضم الهمزة والمراد به ذا قوة، وأصله - بضم الهمزة - الدرع الحصينة، أو قوم الرجل ورهطه الاقربون، ويجوز فتح الهمزة، والاسرة - بالفتح - الجماعة القوية.
(٢) قد يكون العاملان المتنازعان فعلين، ويشترط فيهما حينئذ: أن يكونا متصرفين نحو قوله تعالى: (آتوني أفرغ عليه قطرا)، وقد يكونان اسمين، ويشترط فيهما حينئذ أن يكونا مشبهين للفعل في العمل، وذلك بأن يكونا اسمي فاعلين، نحو قول الشاعر: عهدت مغيثا مغنيا من أجرته فمن: اسم موصول تنازعه كل من مغيث ومغن، أو بأن يكونا اسمي مفعول كقول كثير: =
[ ٢ / ١٥٧ ]
_________________
(١) = قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها أو بأن يكونا مصدرين كقولك: عجبت من حبك وتقديرك زيدا، أو بأن يكونا اسمي تفضيل كقولك: زيد أضبط الناس وأجمعهم للعلم، أو بأن يكونا صفتين مشبهتين نحو قولك: زيد حذر وكريم أبوه، أو بأن يكونا مختلفين، فمثال الفعل واسم الفعل قوله تعالى (هاؤم اقرءوا كتابيه) ومثال الفعل والمصدر قول الشاعر: لقد علمت أولى المغيرة أنني لقيت فلم أنكل عن الضرب مسمعا فقوله " مسمعا " اسم رجل، وقد تنازعه من حيث العمل كل من " لقيت " و" الضرب ". ومنه تعلم أنه لا تنازع بين حرفين، ولا بين فعلين جامدين، ولا بين اسمين غير عاملين، ولا بين فعل متصرف وآخر جامد، أو فعل متصرف واسم غير عامل. ويشترط في العاملين - سوى ما فصلن - شرط ثان، وهو: أن يكون بينهما ارتباط، فلا يجوز أن تقول " قام قعد أخوك " إذ لا ارتباط بين الفعلين: والارتباط يحصل بواحد من ثلاثة أمور: (الاول) أن يعطف ثانيهما على أولهما بحرف من حروف العطف، كما رأيت (الثاني) أن يكون أولهما عاملا في ثانيهما، نحو قوله تعالى: (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله) العاملان هما ظنوا وظننتم، والمعمول المتنازع فيه هو (أن لن يبعث الله) و" كما ظننتم " معمول لظنوا، لانه صفة لمصدر يقع مفعولا مطلقا ناصبه ظنوا. (الثالث) أن يكون جوابا للاول، نحو قوله تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) ونحو قوله جل شأنه: (آتوني أفرغ عليه قطرا) . ويشترط في العاملين أيضا: أن يكون كل واحد منهما موجها إلى المعمول من غير فساد في اللفظ أو في المعنى، فخرج بذلك نحو قول الشاعر: أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس
[ ٢ / ١٥٨ ]
وأكرمت زيدا فكل واحد من ضربت وأكرمت يطلب زيدا بالمفعولية وهذا معنى قوله إن عاملان إلى آخره.
وقوله: قبل معناه أن العاملين يكونان قبل المعمول كما مثلنا ومقتضاه أنه لو تأخر العاملان لم تكن المسألة من باب التنازع.
وقوله: فللواحد منهما العمل معناه أن أحد العاملين يعمل في ذلك الاسم الظاهر والآخر يهمل عنه ويعمل في ضميره كما سيذكره.
_________________
(١) = فليس كل واحد من " أتاك أتاك " موجها إلى قوله " اللاحقون "، إذ لو توجه كل واحد إليه لقال: أتوك أتاك اللاحقون، أو لقال: أتاك أتوك اللاحقون، بل المتوجه إليه منهما هو الاول، والثاني تأكيد له، وخرج قول امرئ القيس بن حجر الكندي ولو أن ما أسعى لادنى معيشة كفاني، ولم أطلب، قليل من المال وذلك لان كلا من " كفاني " و" لم أطلب " ليس متوجها إلى قوله " من المال " إذ لو كان كل منهما متوجها إليه لصار حاصل المعنى: كفاني قليل من المال ولم أطلب هذا القليل، وكيف يصح ذلك وهو يقول بعد هذا البيت: ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي وإنما قوله " قليل من المال " فاعل كفى، وهو وحده المتوجه إلى العمل فيه، وأما قوله " ولم أطلب " فله معمول محذوف يفهم من مجموع الكلام، والتقدير: كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك. ويشترط في العاملين أيضا: أن يكونا متقدمين على المعمول كالامثلة التي ذكرناها والتي ذكرها الشارح، فإن تقدم المعمول فإما أن يكون مرفوعا وإما أن يكون منصوبا فإن تقدم وكان مرفوعا نحو قولك " زيد قام وقعد " فلا عمل لاحد العاملين فيه، بل كل واحد منهما عامل في ضميره، وإن كان منصوبا نحو قولك " زيدا ضربت وأهنت " فالعامل فيه هو أول العاملين، وللثاني منهما معمول محذوف يدل عليه المذكور، أولا معمول له أصلا، وإن توسط المعمول بين العاملين نحو قولك " ضربت زيدا وأهنت " فهو معمول للسابق عليه منهما، وللمتأخر عنه معمول محذوف بدل عليه المذكور، وقد أشار الشارح إشارة وجيزة إلى هذا الشرط.
[ ٢ / ١٥٩ ]
ولا خلاف بين البصريين والكوفيين أنه يجوز إعمال كل واحد من العاملين في ذلك الاسم الظاهر ولكن اختلفوا في الأولى منهما (١) .
فذهب البصريون إلى أن الثاني أولى به لقربه منه.
وذهب الكوفيون إلى أن الأول أولى به لتقدمه.
وأعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه والتزم ما التزما (٢)
_________________
(١) رأى البصريون أن إعمال ثاني العاملين أولى من إعمال الاول منهما لثلاث حجج: الاولى: أنه أقرب إلى المعمول، وهي العلة التي ذكرها الشارح. الثانية: أنه يلزم على إعمال الاول منهما الفصل بين العامل - وهو المتقدم - ومعموله - وهو الاسم الظاهر - بأجنبي من العامل، وهو ذلك العامل الثاني، ومع أن الفصل بين العامل والمعمول مغتفر في هذا الباب للضرورة التي ألجات إليه، فهو خلاف الاصل على الاقل. الثالثة: أنه يلزم على إعمال العامل الاول في لفظ المعمول أن تعطف على الجملة الاولى - وهي جملة العامل الاول مع معموله - قبل تمامها، والعطف قبل تمام المعطوف عليه خلاف الاصل. ورأى الكوفيون أن إعمال الاول أولى من إعمال الثاني لعلتين: الاولى: أنه أسبق وأقدم ذكرا، وهي التي ذكرها الشارح. والثانية: أنه يترتب على إعمال العامل الثاني في لفظ المعمول المذكور أن تضمر ضميرا في العامل الاول منهما، فيكون في الكلام الاضمار قبل الذكر، وهو غير جائز عندهم، وخلاف الاصل عند البصريين. ولكل فريق من الفريقين مستند من السماع عن العرب. ثم إنه قد يوجد في الكلام ما يوجب إعمال الثاني كما في قولك: ضربت بل أكرمت زيدا، وقد يوجد فيه ما يوجب إعمال الاول كما في قولك: لا أكرمت ولا قدمت زيدا.
(٢) " وأعمل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المهمل " =
[ ٢ / ١٦٠ ]
كيحسنان ويسيء ابناكا وقد بغى واعتديا عبداكا (١)
أي إذا أعملت أحد العاملين في الظاهر وأهملت الآخر عنه فأعمل المهمل في ضمير الظاهر والتزم الإضمار إن كان مطلوب العامل مما يلزم ذكره ولا يجوز حذفه كالفاعل وذلك كقولك يحسن ويسيء ابناك فكل واحد من يحسن ويسيء يطلب ابناك بالفاعلية فإن أعملت الثاني وجب أن تضمر في الأول فاعله فتقول يحسنان ويسيء ابناك وكذلك إن أعملت الأول وجب الإضمار في الثاني فتقول يحسن ويسيئان ابناك ومثله بغى واعتديا عبداك وإن أعملت الثاني في هذا المثال قلت بغيا واعتدى عبداك ولا يجوز ترك الإضمار فلا تقول يحسن ويسيء إبناك ولا بغى واعتدى عبداك لأن تركه (٢) يؤدي إلى حذف الفاعل، والفاعل
_________________
(١) = مفعول به لاعمل " في ضمير " جار ومجرور متعلق بأعمل، وضمير مضاف، و" ما " اسم موصول: مضاف إليه " تنازعاه " فعل ماض وفاعل ومفعول، والجملة لا محل لها صلة الموصول " والتزم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقدير أنت " ما " اسم موصول مفعول به لالتزم " التزما " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لامحل لها صلة.
(٢) " كيحسنان " الكاف جارة لقول محذوف، يحسنان: فعل وفاعل " ويسئ " فعل مضارع " ابناكا " ابنا: فاعل يسئ مرفوع بالالف لانه مثنى، وابنا مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " وقد " حرف تحقيق " بغى " فعل ماض " واعتديا " فعل وفاعل " عبداكا " فاعل بغى، ومضاف إليه.
(٣) يريد أن ترك الاضمار يؤدي إلى حذف الفاعل، وهذا كلام قاصر، ولابد من تقدير ليصح، فإ ترك الاضمار لا يؤدي إلى حذف الفاعل فقط، لجواز أن يظهر مع كل عامل معموله، والكلام التام أن يقال: إن ترك الاضمار يلزم منه أحد أمرين، الاول التكرار إذا أظهرت مع كل عامل معموله، والثاني حذف الفاعل، وكلاهما محظور.
[ ٢ / ١٦١ ]
ملتزم الذكر وأجاز الكسائي ذلك على الحذف بناء على مذهبه في جواز حذف الفاعل وأجازه الفراء على توجه العاملين معا إلى الاسم الظاهر وهذا بناء منهما على منع الإضمار في الأول عند إعمال الثاني فلا تقول يحسنان ويسيء ابناك وهذا الذي ذكرناه عنهما هو المشهور من مذهبهما في هذه المسألة.
ولا تجي مع أول قد أهملا بمضمر لغير رفع أوهلا (١)
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر وأخرنه إن يكن هو الخبر (٢)
_________________
(١) " ولا " ناهية " تجئ " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مع " ظرف متعلق بتجئ، ومع مضاف و" أول " مضاف إليه " قد " حرف تحقيق " أهملا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى أول، والجملة في محل جر صفة لاول " بمضمر " جار ومجرور متعلق بتجئ " لغير " جار ومجرور متعلق بأوهل الآتي، وغير مضاف، و" رفع " مضاف إليه " أو هلا " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضمر، والجملة في محل جر صفة لمضمر.
(٢) " بل " حرف عطف، ومعناه - هنا - الانتقال " حذفه " حذف: مفعول مقدم لالزم، وحذف مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " الزم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إن " شرطية " يكن " فعل مضارع ناقص، فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضمر " غير " خبر يكن. وغير مضاف و" خبر " مضاف إليه " وأخرنه " الواو عاطفة، أخر: فعل أمر مؤكد بالنون الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ونون التوكيد حرف لامحل له من الاعراب، والهاء مفعول به لاخر " إن " شرطية " يكن " فعل =
[ ٢ / ١٦٢ ]
تقدم أنه إذا أعمل أحد العاملين في الظاهر وأهمل الآخر عنه أعمل في ضميره ويلزم الإضمار إن كان مطلوب الفعل مما يلزم ذكره كالفاعل أو نائبه ولا فرق في وجوب الإضمار حينئذ بين أن يكون المهمل الأول أو الثاني فتقول يحسنان ويسيء ابناك ويحسن ويسيئان ابناك.
وذكر هنا أنه إذا كان مطلوب الفعل المهمل غير مرفوع فلا يخلو إما أن يكون عمدة في الأصل وهو مفعول ظن وأخواتها لأنه مبتدأ في الأصل أو خبر وهو المراد بقوله إن يكن هو الخبر أولا فإن لم يكن كذلك فإما أن يكون الطالب له هو الأول أو الثاني فإن كان الأول لم يجز الإضمار فتقول ضربت وضربني زيد ومررت ومر بي زيد ولا تضمر فلا تقول ضربته وضربني زيد ولا مررت به ومر بي زيد وقد جاء في الشعر كقوله:
١٦٠ - إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب جهارا فكن في الغيب أحفظ للعهد
وألغ أحاديث الوشاة فقلما يحاول واش غير هجران ذي ود
_________________
(١) = مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضمر " هو " ضمير فصل لا محل له من الاعراب " الخبر " خبر يكن، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: إن يكن مضمر غير الرفع هو الخبر فأخرنه.
(٢) البيتان من الشواهد التي لم نقف لاحد على نسبتها لقائل معين. اللغة: " جهارا " بزنة كتاب - أي عيانا ومشاهدة، وتقول: رأيته جهرا وجهارا وكلمت فلانا جهرا وجهارا. وجهر فلان بالقول جهرا، كل ذلك في معنى العلن، قال الله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به) وقال الاخفش في قوله تعالى: (حتى نرى الله جهرة) أي عيانا يكشف عنا ما بيننا وبينه " الغيب " أصله ما استتر عنك ولم =
[ ٢ / ١٦٣ ]
_________________
(١) = تره، ويريد به ههنا ما لم يكن الصاحب حاضرا " أحفظ للعهد " يروى في مكانه " أحفظ للود " والود بضم الواو في المشهور، وقد تكسر الواو، أو تفتح - المحبة " ألغ " يريد لا تجعل لكلام الوشاة سبيلا إلى قلبك " الوشاة " جمع واش، وهو الذي ينقل إليك الكلام عن خلانك وأحبائك بقصد إفساد ما بينكم من أواصر المحبة " يحاول " هو مضارع من المحاولة، وأصلها إرادة الشئ بحيلة. المعنى: إذا كانت بينك وبين أحد صداقة، وكان كل واحد منكما يعمل في العلن على إرضاء صاحبه، فتمسك بأواصر هذه المحبة في حال غيبة صديقك عنك، ولا تقبل في شأنه أقوال الوشاة، فإنهم إنما يريدون إفساد هذه الصداقة وتعكير صفوها. الاعراب: " إذا " ظرف زمان تضمن معنى الشرط، مبني على السكون في محل نصب " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء ضمير المخاطب اسمه، وجملة " ترضيه " من الفعل مع فاعله المستتر ومفعوله في محل نصب خبر كان، والجملة من كان ومعموليها في محل جر بإضافة إذا إليها، وهي جملة الشرط " ويرضيك " فعل ومفعول به " صاحب " فاعل يرضيك، وجملة يرضيك وفاعله ومفعوله في محل نصب معطوفة على جملة ترضيه التي قبلها " جهارا " منصوب على الظرفية تنازعه كل من الفعلين السابقين " فكن " الفاء لربط الجواب بالشرط، كن: فعل أمر ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " في الغيب " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال " أحفظ " خبر كن " للعهد " جار ومجرور متعلق بأحفظ. الشاهد فيه: قوله " ترضيه ويرضيك صاحب " فقد تقدم في هذه العبارة عاملان - وهما " ترضي " و" يرضي " - وتأخر عنهما معمول واحد - وهو قوله " صاحب " - وقد تنازع كل من " ترضي " و" يرضي " ذلك الاسم الذي بعدهما وهو " صاحب " والاول يطلبه مفعولا به، والثاني يطلبه فاعلا، وقد أعمل الشاعر فيه الثاني وأعمل الاول في ضميره الذي هو الهاء، والجمهور يرون أنه كان يجب على الشاعر ألا يعمل الاول في الضمير، لان هذا الضمير فضلة يستغنى الكلام عنه، وذكر الضمير مع العامل الاول يترتب عليه الاضمار قبل الذكر، والاضمار قبل الذكر لا يجوز، وقد ارتكبه الشاعر، من غير ضرورة ملجئة إلى ارتكاب هذا المحظور، فإنهم إنما أجازوا في =
[ ٢ / ١٦٤ ]
وإن كان الطالب له هو الثاني وجب الإضمار فتقول ضربني وضربته زيد ومر بي ومررت به زيد ولا يجوز الحذف فلا تقول ضربني وضربت زيد ولا مر بي ومررت زيد وقد جاء في الشعر كقوله:
١٦١ - بعكاظ يعشي الناظر يـ ن إذا هم لمحوا شعاعه
والأصل لمحوه فحذف الضمير ضرورة وهو شاذ كما شذ عمل المهمل الأول في المفعول المضمر الذي ليس بعمدة في الأصل.
_________________
(١) = هذا الباب - الاضمار قبل الذكر، إذا كان الضمير فاعلا، مثلا، لانه لا يستغنى الكلام عنه، ولا يجوز حذفه، والضرورة يجب أن تتقدر بقدرها، ومنهم من منع الاضمار قبل الذكر مطلقا.
(٢) البيت لعاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، من كلمة رواها أبو تمام حبيب بن أوس في ديوان الحماسة (انظر شرح التبريزي: ٢ / ٢٥٦ بتحقيقنا) وقبل هذا البيت قولها: سائل بنا في قومنا وليكف من شر سماعه قيسا، وما جمعوا لنا في مجمع باق شناعه فيه السنور والقنا والكبش ملتمع قناعه اللغة: " عكاظ " بزنة غراب - موضع كانت فيه سوق مشهورة، يجتمع فيها العرب للتجارة، والمفاخرة " يعشي " مضارع من الاعشاء، وأصله العشا، وهو ضعف البصر ليلا " لمحوا " ماض من اللمح، وهو سرعة إبصار الشئ " شعاعه " بضم الشين - ما تراه من الضوء مقبلا عليك كأنه الحبال، والضمير الذي أضيف الشعاع إليه يجوز أن يكون عائدا على عكاظ، لانه موضع الشعاع، ويجوز أن يكون عائدا على القناع الذي ذكرته في البيت السابق على هذا البيت. المعنى: تريد أن أشعة سلاح قومها مما تضعف أبصار الناظر إليها، تكنى بذلك عن كثرة السلاح وقوة بريقه ولمعانه. الاعراب: " بعكاظ " جار ومجرور متعلق بقولها " جمعوا " في البيت السابق =
[ ٢ / ١٦٥ ]
هذا كله إذا كان غير المرفوع ليس بعمدة في الأصل فإن كان عمدة في الأصل فلا يخلو إما أن يكون الطالب له هو الأول أو الثاني فإن كان الطالب له هو الأول وجب إضماره مؤخرا فتقول ظنني وظننت زيدا قائما إياه وإن كان الطالب له هو الثاني أضمرته متصلا كان أو منفصلا فتقول ظننت وظننيه زيدا قائما وظننت وظنني إياه زيدا قائما.
ومعنى البيتين أنك إذا أهملت الأول لم تأت معه بضمير غير مرفوع وهو المنصوب والمجرور فلا تقول ضربته وضربني زيد ولا مررت به ومر بي زيد بل يلزم الحذف فتقول ضربت وضربني زيد ومررت ومر بي زيد إلا إذا كان المفعول خبرا في الأصل فإنه لا يجوز حذفه بل يجب الإتيان به مؤخرا فتقول ظنني وظننت زيدا قائما إياه.
_________________
(١) = " يعشي " فعل مضارع " الناظرين " مفعول به ليعشي " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " هم " تأكيد لضمير متصل بفعل محذوف، والتقدير: إذا لمحواهم " لمحوا " فعل ماض وفاعله، والجملة لا محل لها من الاعراب مفسرة " شعاعه " شعاع: فاعل يعشي مرفوع بالضمة الظاهرة، وشعاع مضاف وضمير الغائب مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " يعشي. لمحوا شعاعه " حيث تنازع كل من الفعلين " شعاعه " فالفعل الاول وهو " يعشي " يطلبه فاعلا له، والفعل الثاني وهو " لمحوا " يطلبه مفعولا، وقد أعمل فيه الاول، بدليل أنه مرفوع، وأعمل الثاني في ضميره، ثم حذف ذلك الضمير ضرورة، وأصل الكلام قبل تقديم العاملين " يعشي الناظرين شعاعه إذا لمحوه " ثم صار بعد تقديمهما " يعشي الناظرين إذا لمحوه شعاعه " ثم حذفت الهاء من " لمحوه " فصار كما ترى في البيت. ومذهب الجمهور أن ذلك الحذف لا يجوز لغير الضرورة وذلك من قبل أن ذكره لا يترتب عليه محظور الاضمار قبل الذكر، وفي حذفه فساد، وهو تهيئة العامل للعمل ثم قطعه عنه من غير علة ولا سبب موجب له. وذهب قوم إلى أن حذف الضمير في مثل هذه الحال جائز في سعة الكلام، وذلك لان هذا الضمير فضلة لا يجب ذكرها.
[ ٢ / ١٦٦ ]
ومفهومه أن الثاني يؤتى معه بالضمير مطلقا مرفوعا كان أو مجرورا أو منصوبا عمدة في الأصل أو غير عمدة.
وأظهر أن يكن ضمير خبرا لغير ما يطابق المفسرا (١)
نحو أظن ويظناني أخا زيدا وعمرا أخوين في الرخا (٢)
أي يجب أن يؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهرا إذا لزم من إضماره عدم مطابقته لما يفسره لكونه خبرا في الأصل عما لا يطابق المفسر كما إذا كان في الأصل خبرا عن مفرد ومفسره مثنى نحو أظن ويظناني زيدا وعمرا أخوين ف زيدا مفعول أول لأظن وعمرا معطوف عليه وأخوين مفعول ثان لأظن والياء مفعول أول ليظنان فيحتاج إلى مفعول ثان فلو أتيت به ضميرا
فقلت أظن ويظناني إياه زيدا أخوين
_________________
(١) " أظهر " فعل أمر مبني على السكون، وكسر للتخلص من التقاء الساكنين وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إن " شرطية " يكن " فعل مضارع ناقص فعل الشرط " ضمير " اسم يكن " خبرا " خبر يكن " لغير " جار ومجرور متعلق بخبر، وغير مضاف و" ما " اسم موصول مضاف إليه " يطابق " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة " المفسرا " مفعول به ليطابق، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: إن يكن ضمير خبرا لغير ما يطابق المفسر فأظهره: أي جئ به اسما ظاهرا.
(٢) " نحو " خبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك نحو " أظن " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " ويظناني " فعل وفاعل ومفعول أول " أخا " مفعول ثان ليظناني " زيدا " مفعول أول لاظن " وعمرا " معطوف عليه " أخوين " مفعول ثان لاظن " في الرخا " تنازع فيه كل من " أظن " و" يظناني ".
[ ٢ / ١٦٧ ]
لكان إياه مطابقا للياء في أنهما مفردان ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو أخوين لأنه مفرد وأخوين مثنى فتفوت مطابقة المفسر للمفسر وذلك لا يجوز وإن قلت أظن ويظناني إياهما زيدا وعمرا أخوين حصلت مطابقة المفسر للمفسر وذلك لكون إياهما مثنى وأخوين كذلك ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني الذي هو خبر في الأصل للمفعول الأول الذي هو مبتدأ في الأصل لكون المفعول الأول مفردا وهو الياء والمفعول الثاني غير مفرد وهو إياهما ولا بد من مطابقة الخبر للمبتدأ فلما تعذرت المطابقة مع الإضمار وجب الإظهار فتقول أظن ويظناني أخا زيدا وعمرا أخوين ف زيدا وعمرا أخوين مفعولا أظن والياء مفعول يظنان الأول وأخا مفعوله الثاني ولا تكون المسألة حينئذ من باب (١) التنازع لأن كلا من العاملين عمل في ظاهر وهذا مذهب البصريين.
وأجاز الكوفيون الإضمار مراعى به جانب المخبر عنه فتقول أظن ويظناني إياه زيدا وعمرا أخوين وأجازوا أيضا الحذف فتقول أظن ويظناني زيدا وعمرا أخوين.
_________________
(١) القول بأن هذه المسألة حينئذ ليست من باب التنازع هو الذي ذكره ابن هشام ووجه ذلك بأن العاملين بالنسبة للمفعول الثاني لم يعمل أحدهما في لفظه والآخر في ضميره بل لم تتوجه مطالبة كل واحد منهما إليه، وهو شرط باب التنازع، وذلك لان " أخوين " معمول لاظن، ولم يتوجه إليه يظناني، لعدم مطابقته لمفعوله الاول، فإنه لا يطلب مفعولا ثانيا إلا بشرط مطابقته لمفعوله الاول. ونازع في هذا قوم من المتأخرين منهم ابن القاسم وقالوا: إن اشتراط صحة توجه كل من العاملين إلى المعمول إنما هو بالنظر إلى المعنى لا بالنظر إلى الافراد والتثنية، ولا بالنظر إلى نوع العمل، أفلا ترى أنك لو قلت " ضربني وضربت زيدا " لم يكن ليصح أن يتوجه الاول إلى " زيدا " المنصوب، ولو قلت " ضربني وضربته زيد " لم يكن يصح توجه الثاني إليه وهو مرفوع؟
[ ٢ / ١٦٨ ]
المفعول المطلق
المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن (١)
الفعل يدل على شيئين الحدث والزمان ف قام يدل على قيام في زمن ماض ويقوم يدل على قيام في الحال أو الاستقبال وقم يدل على قيام في الاستقبال والقيام هو الحدث وهو أحد مدلولي الفعل وهو المصدر وهذا معنى قوله ما سوى الزمان من مدلولي الفعل فكأنه قال المصدر اسم الحدث كأمن فإنه أحد مدلولي أمن.
والمفعول المطلق: هو المصدر المنتصب توكيدا لعامله أو بيانا لنوعه أو عدده نحو ضربت ضربا وسرت سير زيد وضربت ضربتين.
وسمى مفعولا مطلقا لصدق المفعول عليه غير مقيد بحرف جر ونحوه بخلاف غيره من المفعولات فإنه لا يقع عليه اسم المفعول إلا مقيدا كالمفعول به والمفعول فيه والمفعول معه والمفعول له.
بمثله أو فعل أو وصف نصب وكونه أصلا لهذين انتخب (٢)
_________________
(١) " المصدر " مبتدأ " اسم " خبر المبتدأ، واسم مضاف، و" ما " اسم موصول مضاف إليه " سوى " ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، وسوى مضاف، و" الزمان " مضاف إليه " من مدلولي " جار ومجرور متعلق بما تعلق به سوى، ومدلولي مضاف، و" الفعل " مضاف إليه " كأمن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، أي: وذلك كأمن " من أمن " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لامن المصدر.
(٢) " بمثله " الجار والمجرور متعلق بنصب الآتي، ومثل مضاف والضمير مضاف إليه " أو فعل، أو وصف " معطوفان على مثل " نصب " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل =
[ ٢ / ١٦٩ ]
ينتصب المصدر بمثله أي بالمصدر نحو عجبت من ضربك زيدا ضربا شديدا أو بالفعل (١) نحو ضربت زيدا ضربا أو بالوصف (٢) نحو أنا ضارب زيدا ضربا.
_________________
(١) = ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المصدر " وكونه " الواو عاطفة، كون: مبتدأ، وكون مضاف والضمير مضاف إليه من إضافة مصدر الفعل الناقص إلى اسمه " أصلا " خبر الكون من جهة النقصان " لهذين " جار ومجرور متعلق بقوله أصلا أو بمحذوف صفة له " انتخب " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كونه أصلا، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو كونه أصلا، وهذا خبره من جهة الابتداء.
(٢) يشترط في الفعل الذي ينصب المفعول المطلق ثلاثة شروط، الاول: أن يكون متصرفا، والثاني: أن يكون تاما، والثالث: ألا يكون ملغى عن العمل، فإن كان الفعل جامدا كعسى وليس وفعل التعجب ونعم وبئس، أو كان ناقصا ككان وأخواتها أو كان ملغى كظن وأخواتها إن توسطت بين المفعولين أو تأخرت عنهما - فإنه لا ينصب المفعول المطلق.
(٣) يشترط في الوصف الذي ينصب المفعول المطلق شرطان، أحدهما: أن يكون متصرفا وثانيهما أن يكون إما اسم فاعل وإما اسم مفعول وإما صيغة مبالغة، فإن كان اسم تفصيل لم ينصب المفعول المطلق بغير خلاف فيما نعلم، وأما قول الشاعر: أما الملوك فأنت اليوم الامهم لؤما، وأبيضهم سر بال طباخ فإن قوله " لؤما " مفعول مطلق، لكن ناصبه ليس هو قوله " الامهم " الذي هو أفعل تفضيل، ولكن ناصبه محذوف يدل عليه " الامهم " وتقدير الكلام - على هذا -: فأنت اليوم الامهم تلؤم لؤما، واختلفوا في الصفة المشبهة، فحملها قوم على أفعل التفضيل ومنعوا من نصبها المفعول المطلق، وذهب ابن هشام إلى جواز نصبها إياه مستدلا بقول النابغة الذبياني: وأراني طربا في إثرهم طرب الواله أو كالمختبل فإن قوله " طرب الواله " مفعول مطلق، وزعم أن ناصبه قوله " طربا " الذي =
[ ٢ / ١٧٠ ]
ومذهب البصريين أن المصدر أصل والفعل والوصف مشتقان منه وهذا معنى قوله وكونه أصلا لهذين انتخب أي المختار أن المصدر أصل لهذين أي الفعل والوصف.
ومذهب الكوفيين أن الفعل أصل والمصدر مشتق منه.
وذهب قوم إلى أن المصدر أصل والفعل مشتق منه والوصف مشتق من الفعل.
وذهب ابن طلحة إلى أن كلا من المصدر والفعل أصل برأسه وليس أحدهما مشتقا من الآخر.
والصحيح المذهب الأول لأن كل فرع يتضمن الأصل وزيادة والفعل والوصف بالنسبة إلى المصدر كذلك لأن كلا منهما يدل على المصدر وزيادة فالفعل يدل على المصدر والزمان والوصف يدل على المصدر والفاعل.
توكيدا أو نوعا يبين أو عدد كسرت سيرتين سير ذي رشد (١)
_________________
(١) = هو صفة مشبهة، وغيره يجعل هذه الصفة المشبهة دليلا على العامل، وليست هي العامل، والتقدير: أراني طربا في إثرهم أطرب طرب الواله إلخ، على نحو ما قالوه في أفعل التفصيل.
(٢) " توكيدا " مفعول به مقدم ليبين " أو نوعا " معطوف عليه " يبين " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المصدر " أو عدد " معطوف على قوله " نوعا " السابق، ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة " كسرت " الكاف جارة لقول محذوف كما سبق مرارا، سرت: فعل وفاعل " سيرتين " مفعول مطلق يبين العدد " سير " مفعول مطلق يبين النوع، وسير مضاف، و" ذي " بمعنى صاحب مضاف إليه، وذي مضاف، و" رشد " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكنه للوقف.
[ ٢ / ١٧١ ]
المفعول المطلق يقع على ثلاثة أحوال كما تقدم:
أحدها: أن يكون مؤكدا نحو ضربت ضربا.
الثاني: أن يكون مبينا للنوع (١) نحو سرت سير ذي رشد وسرت سيرا حسنا.
الثالث: أن يكون مبينا للعدد نحو ضربت ضربة وضربتين وضربات.
وقد ينوب عنه ما عليه دل كجد كل الجد وافرح الجذل (٢)
_________________
(١) المفعول المطلق الذي يبين نوع عامله هو: ما يكون على واحد من ثلاثة أحوال الاول: أن يكون مضافا، نحو قولك: اعمل عمل الصالحين، وجد جد الحريص على بلوغ الغاية، وهذا النوع من باب النيابة عن مصدر الفعل نفسه، لاستحالة أن يفعل إنسان فعل غيره، وإنما يفعل فعلا (مماثلا)؟ لفعل غيره، فالحقيقة في هذين المثالين أن تقول: اعمل عملا مشابها لعمل الصالحين، وجد جدا مماثلا لجد الحريص. الثاني: أن يكون موصوفا، نحو قولك: اعمل عملا صالحا، وسرت سيرا وئيدا، وليس هذا من باب النيابة قطعا. الثالث: أن يكون مقرونا بأل العهدية، نحو قولك: اجتهدت الاجتهاد، وجددت الجد، وهذا يحتمل الامرين جميعا، فإذا كان المعهود بين المتكلم والمخاطب فعل شخص آخر كان من باب النيابة، وكأن المتكلم يقول: اجتهدت اجتهادا مثل ذلك الاجتهاد الذي تعلم أن فلانا قد اجتهده، وإن كان المعهود بينهما هو اجتهاد المتكلم نفسه، وأنه قصد بدخول أل عليه استحضار صورته لم يكن من باب النيابة، لانه فعله.
(٢) " وقد " هنا حرف تحقيق " ينوب " فعل مضارع " عنه " جار ومجرور متعلق بينوب " ما " اسم موصول: فاعل ينوب " عليه " جار ومجرور متعلق بدل الآتي " دل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، =
[ ٢ / ١٧٢ ]
قد ينوب عن المصدر ما يدل عليه ككل وبعض مضافين إلى المصدر نحو جد كل الجد (١) وكقوله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ وضربته بعض الضرب.
وكالمصدر المرادف لمصدر الفعل المذكور (٢) نحو قعدت جلوسا وافرح الجذل فالجلوس نائب مناب القعود لمرادفته له والجذل نائب مناب الفرح لمرادفته له.
_________________
(١) = والجملة لا محل لها صلة ما " كجد " الكاف جارة لقول محذوف، جد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " كل " مفعول مطلق، نائب عن المصدر، منصوب بالفتحة الظاهرة، وكل مضاف و" الجد " مضاف إليه " وافرح " الواو حرف عطف، افرح: فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " الجذل " مفعول مطلق.
(٢) ومنه قول مجنون بني عامر قيس بن الملوح: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
(٣) اعلم أنه إذا وقع المصدر المنصوب بعد فعل من معناه لا من لفظه فلك في إعرابه ثلاثة أوجه: الاول: أن تجعله مفعولا مطلقا، والنحاة في هذا الوجه من الاعراب على مذهبين فذهب المازني والسيرافي والمبرد إلى أن العامل فيه هو نفس الفعل السابق عليه، واختار ابن مالك هذا القول، وذهب سيبويه والجمهور إلى أن العامل فيه فعل آخر من لفظ المصدر، وهذا الفعل المذكور دليل على المحذوف. الثاني: أن تجعل المصدر مفعولا لاجله إن كان مستكملا لشروط المفعول لاجله، الثالث: أن تجعل المصدر حالا بتأويل المشتق، فإذا قلت " فرحت جذلا " فجذلا: عند المازني ومن معه مفعول مطلق منصوب بفرحت، وعند سيبويه مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف، وتقدير الكلام على هذا: فرحت وجذلت جذلا، وعلى الوجه الثاني هو مفعول لاجله بتقدير فرحت لاجل الجذل، وعلى الوجه الثالث حال بتقدير: فرحت حال كوني جذلان.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وكذلك ينوب مناب المصدر اسم الإشارة نحو ضربته ذلك الضرب وزعم بعضهم أنه إذا ناب اسم الإشارة مناب المصدر فلا بد من وصفه بالمصدر كما مثلنا وفيه نظر فمن أمثلة سيبويه ظننت ذاك أي ظننت ذاك الظن فذاك إشارة إلى الظن ولم يوصف به.
وينوب عن المصدر أيضا نحو ضربته زيدا أي ضربت الضرب ومنه قوله تعالى: ﴿لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي لا أعذب العذاب وعدده نحو ضربته عشرين ضربة ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ .
والآلة نحو ضربته سوطا والأصل ضربته ضرب سوط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والله تعالى أعلم.
وما لتوكيد فوحد أبدا وثن واجمع غيره وأفردا (١)
لا يجوز تثنية المصدر المؤكد لعامله ولا جمعه بل تجب إفراده فتقول ضربت ضربا وذلك لأنه بمثابة تكرر الفعل والفعل لا يثنى ولا يجمع.
_________________
(١) " وما " اسم موصول مفعول مقدم على عامله وهو وحد الآتي " لتوكيد " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما " فوحد " الفاء زائدة، ووحد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أبدا " منصوب على الظرفية " وثن " فعل أمر، وفيه ضمير مستتر وجوبا هو فاعله " واجمع " معطوف على ثن " غيره " تنازعه كل من ثن واجمع " وأفردا " الواو حرف عطف، وأفرد: فعل أمر مؤكد بالنون الخفيفة، وقلبت نون التوكيد ألفا للوقف، وفيه ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت هو فاعله.
[ ٢ / ١٧٤ ]
وأما غير المؤكد وهو المبين للعدد والنوع فذكر المصنف أنه يجوز تثنيته وجمعه.
فأما المبين للعدد فلا خلاف في جواز تثنيته وجمعه نحو ضربت ضربتين وضربات وأما المبين للنوع فالمشهور أنه يجوز تثنيته وجمعه إذا اختلفت أنواعه نحو سرت سيرى زيد الحسن والقبيح.
وظاهر كلام سيبويه أنه لا يجوز تثنيته ولا جمعه قياسا بل يقتصر فيه على السماع وهذا اختيار الشلوبين.
وحذف عامل المؤكد امتنع وفي سواه لدليل متسع (١)
المصدر المؤكد لا يجوز حذف عامله لأنه مسوق لتقرير عامله وتقويته والحذف مناف لذلك وأما غير المؤكد فيحذف عامله للدلالة عليه جوازا ووجوبا.
فالمحذوف جوازا كقولك سير زيد لمن قال أي سير سرت وضربتين لمن قال كم ضربت زيدا؟ والتقدير سرت سير زيد وضربته ضربتين.
وقول ابن المصنف: إن قوله وحذف عامل المؤكد امتنع سهو منه لأن
حذف
_________________
(١) " وحذف " مبتدأ، وحذف مضاف، و" عامل " مضاف إليه، وعامل مضاف، و" المؤكد " مضاف إليه " امتنع " فعل ماض، وفعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حذف، والجملة من امتنع وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " وفي سواه " الواو حرف عطف، وما بعدها جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، وسوى مضاف والضمير مضاف إليه " لدليل " جار ومجرور متعلق بمتسع " متسع " مبتدأ مؤخر.
[ ٢ / ١٧٥ ]
قولك ضربا زيدا مصدر مؤكد وعامله محذوف وجوبا كما سيأتي ليس بصحيح (١) وما استدل به على دعواه من وجوب حذف عامل المؤكد بما سيأتي ليس منه وذلك لأن ضربا زيدا ليس من التأكيد في شيء بل هو أمر خال من التأكيد بمثابة اضرب زيدا لأنه واقع موقعه فكما أن اضرب زيدا لا تأكيد فيه كذلك ضربا زيدا وكذلك جميع الأمثلة التي ذكرها ليست من باب التأكيد في شيء لأن المصدر فيها نائب مناب العامل دال على ما يدل عليه وهو عوض منه ويدل على ذلك عدم جواز الجمع بينهما ولا شيء من المؤكدات يمتنع الجمع بينها وبين المؤكد.
ومما يدل أيضا على أن ضربا زيدا ونحوه ليس من المصدر المؤكد لعامله أن المصدر المؤكد لا خلاف في أنه لا يعملا واختلفوا في المصدر الواقع موقع الفعل هل يعمل أولا؟ والصحيح أنه يعمل ف زيدا في قولك ضربا زيدا منصوب ب ضربا على الأصح وقيل إنه منصوب بالفعل المحذوف وهو اضرب فعلى القول الأول ناب ضربا عن اضرب في الدلالة على معناه وفي العمل وعلى القول الثاني ناب عنه في الدلالة على المعنى دون العمل.
والحذف حتم مع آت بدلا من فعله كندلا اللذ كاندلا (٢)
_________________
(١) جملة " ليس بصحيح " خبر المبتدأ الذي هو قوله " وقول ابن المصنف ".
(٢) " والحذف حتم " مبتدأ وخبر " مع " ظرف منصوب على الطرفية، وهو متعلق بالخبر، ومع مضاف، و" آت " مضاف إليه " بدلا " حال من الضمير المستتر في آت " من فعله " الجار والمجرور متعلق بقوله بدلا، وفعل مضاف والضمير مضاف =
[ ٢ / ١٧٦ ]
يحذف عامل المصدر وجوبا في مواضع:
منها: إذا وقع المصدر بدلا من فعله وهو مقيس في الأمر والنهي نحو قياما لا قعودا أي قم قياما ولا تقعد قعودا والدعاء نحو سقيا لك أي سقاك الله.
وكذلك: يحذف عامل المصدر وجوبا إذا وقع المصدر بعد الاستفهام المقصود به التوبيخ نحو أتوانيا وقد علاك المشيب؟ أي أتتوانى وقد علاك (١) .
ويقل حذف عامل المصدر وإقامة المصدر مقامه في الفعل المقصود به الخبر نحو أفعل وكرامة أي وأكرمك.
فالمصدر في هذه الأمثلة ونحوها منصوب بفعل محذوف وجوبا والمصدر نائب منابه في الدلالة على معناه
_________________
(١) = إليه " كندلا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أو حال من الضمير المستتر في آت " اللذ " اسم موصول صفة لندلا " كاندلا " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في " كندلا " وفي " كاندلا " داخلة على مقصود فلظه، فكل منهما مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية.
(٢) اعلم أن المصدر الآتي بدلا من فعل على ضربين، أحدهما: المراد به طلب، وثانيهما: المراد به خبر، فأما المراد به طلب فأربعة أنواع، الاول: ما كان المراد به الامر كبيت الشاهد الآتي (رقم ١٦٢)، والثاني ما كان المراد به النهي كقولك: قياما لا قعودا، والثالث: ما كان المراد به الدعاء نحو: سقيا لك. والرابع ما كان المراد به التوبيخ كقولهم " أتوانيا وقد جد الجد ". وأما المراد به خبر فعلى ضربين: سماعي، ومقيس، فأما السماعي فنحو قولهم: لا أفعل ولا كرامة، وأما المقيس فهو أنواع كثيرة: منها ما ذكر تفصيلا لعاقبة جملة قبله. ومنها ما كان مكررا. أو محصورا، ومنها ما جاء مؤكدا لنفسه، أو لغيره، وقد تكفل الشارح ببيان ذلك النوع بيانا وافيا.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وأشار بقوله كندلا إلى ما أنشده سيبويه وهو قول الشاعر:
١٦٢ - يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ويرجعن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلا زريق المال ندل الثعالب
_________________
(١) البيتان لاعشى همدان. من كلمة يهجو فيها لصوصا. اللغة: " الدهنا " يقصر ويمد - موضع معروف لبني تميم " عيابهم " العياب: جمع عيبة، وهي وعاء الثياب " دارين " قرية بالبحرين مشهورة بالمسك. وفيه سوق " بجر " بضم فسكون - جمع بجراء، وهي الممتلئة، والحقائب: جمع حقيبة، وهي - هنا - العيبة أيضا " ألهى الناس " شغلهم وأورثهم الغفلة " جل أمورهم " بضم الجيم وتشديد اللام - معظمها وأكثرها " ندلا " خطفا في خفة وسرعة. المعنى: هؤلاء اللصوص يمرون بالدهناء في حين ذهابهم إلى دارين، وقد صفرت عيابهم من المتاع فلا شئ فيها. ولكنهم عندما يعودون من دارين يكونون قد ملاوا هذه العياب حتى انتفخت وعظمت. وذلك ناشئ من أنهم يختلسون غفلة الناس بمهامهم وبمعظم أمورهم فيسطون على ما غفلوا عنه من المتاع وينادي بعضهم بعضا: اخطف خطفا سريعا، وكن خفيف اليد سريع الروغان. الاعراب: " يمرون " فعل وفاعل " بالدهنا " جار ومجرور متعلق بيمر " خفافا " حال من الفاعل " عيابهم " عياب فاعل لخفاف. وعياب مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه " ويرجعن " فعل وفاعل، والتعبير بنون الاناث لتأويلهم بالجماعات. أو لقصد تحقيرهم " من دارين " جار ومجرور متعلق بيرجع " بجر " حال من الفاعل، وبجر مضاف و" الحقائب " مضاف إليه " على " حرف جر " حين " ظرف زمان مبني على الفتح في محل جر، أو مجرور بالكسرة الظاهرة " ألهى " فعل ماض " الناس " مفعول به لالهى تقدم على فاعله " جل " فاعل ألهى، وجل مضاف. وأمور من " أمورهم " مضاف إليه، وأمور مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه " فندلا " مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف " زريق " منادى بحرف نداء محذوف " المال " مفعول به =
[ ٢ / ١٧٨ ]
فـ" ندلا "نائب مناب فعل الأمر وهو اندل والندل خطف الشيء بسرعة وزريق منادى والتقدير ندلا يا زريق المال وزريق اسم رجل وأجاز المصنف أن يكون مرفوعا بندلا وفيه نظر (١) لأنه إن جعل ندلا نائبا مناب فعل الأمر للمخاطب والتقدير أندل لم يصح أن يكون مرفوعا به لأن فعل الأمر إذا كان للمخاطب لا يرفع ظاهرا فكذلك ما ناب منابه وإن جعل نائبا مناب فعل الأمر للغائب والتقدير ليندل صح أن يكون مرفوعا به لكن المنقول أن المصدر لا ينوب مناب فعل الأمر للغائب وإنما ينوب مناب فعل الأمر للمخاطب نحو ضربا زيدا أي اضرب زيدا والله أعلم.
وما لتفصيل كإما منا عامله يحذف حيث عنا (٢)
_________________
(١) = لقوله ندلا السابق " ندل " مفعول مطلق، مبين للنوع، وندل مضاف، و" الثعالب " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " فندلا " حيث ناب مناب فعله، وهو مصدر، وعامله محذوف وجوبا، على ما تبين لك في الاعراب.
(٢) ولو كان " زريق " فاعلا لجاء به منونا، لانه اسم رجل كما علمت، فلما جاء به غير منون علمنا أنه منادى بحرف نداء محذوف، ومن هنا تعلم أنه لا داعي لمناقشة الشارح التي رد بها على المصنف زعمه أن " زريق " فاعل.
(٣) " ما " اسم موصول: مبتدأ أول " لتفصيل " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة " كإما " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لتفصيل " منا " مفعول مطلق حذف عامله وجوبا " عامله " عامل: مبتدأ ثان، وعامل مضاف والضمير مضاف إليه " يحذف " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى =
[ ٢ / ١٧٩ ]
يحذف أيضا عامل المصدر وجوبا إذا وقع تفصيلا لعاقبة ما تقدمه (١) كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ فإما منا بعد وإما فداء فمنا وفداء مصدران منصوبان بفعل محذوف وجوبا والتقدير والله أعلم فإما تمنون منا وإما تفدون فداء وهذا معنى قوله وما لتفصيل إلى آخره أي يحذف عامل المصدر المسوق للتفصيل حيث عن أي عرض.
كذا مكرر وذو حصر ورد نائب فعل لاسم عين استند (٢)
_________________
(١) = عامل، والجملة من يحذف ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول " حيث " ظرف متعلق بيحذف مبني على الضم في محل نصب " عنا " فعل ماض، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عامل، والجملة من عن وفاعله في محل جر بإضافة حيث إليها (١) يشترط لوجوب حذف العامل من هذا النوع ثلاثة شروط، الاول: أن يكون المقصود به تفصيل عاقبة، أي بيان الفائدة المترتبة على ما قبله والحاصلة بعده، والشرط الثاني: أن يكون ما يراد تفصيل عاقبته جملة، سواء أكانت طلبية كالآية الكريمة التي تلاها الشارح، أم كانت الجملة خبرية كقول الشاعر: لاجهدن: فإما رد واقعة تخشى، وإما بلوغ السؤل والامل فإن كان ما يراد بيان الفائدة المترتبة عليه مفردا - نحو أن تقول: لزيد سفر فإما صحة وإما اغتنام - مال لم يجب حذف العامل، بل يجوز حذفه ويجوز ذكره، والشرط الثالث: أن تكون الجملة المراد بيان عاقبتها متقدمة عليه، فإن تأخرت مثل أن تقول: إما إهلاكا وإما تأديبا فاضرب زيدا لم يجب حذف العامل أيضا.
(٢) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " مكرر " مبتدأ مؤخر " وذو " معطوف على " مكرر " وذو مضاف، و" حصر " مضاف إليه، وجملة =
[ ٢ / ١٨٠ ]
أي: كذلك يحذف عامل المصدر وجوبا إذا ناب المصدر عن فعل استند لاسم عين أي أخبر به عنه وكان المصدر مكررا أو محصورا (١) فمثال المكرر زيد سيرا سيرا والتقدير زيد يسير سيرا فحذف يسير وجوبا لقيام التكرير مقامه ومثال المحصور ما زيد إلا سيرا وإنما زيد سيرا والتقدير إلا يسير سيرا فحذف يسير وجوبا لما في الحصر من التأكيد القائم مقام التكرير.
فإن لم يكرر ولم يحصر لم يجب الحذف نحو زيد سيرا التقدير زيد يسير سيرا فإن شئت حذفت يسير وإن شئت صرحت به والله أعلم.
ومنه ما يدعونه مؤكدا لنفسه أو غيره فالمبتدا (٢)
_________________
(١) = " ورد " وفاعله المستتر فيه في محل رفع نعت للمبتدأ وما عطف عليه " نائب " حال من الضمير المستتر في ورد، ونائب مضاف. و" فعل " مضاف إليه " لاسم " جار ومجرور متعلق باستند الآتي، واسم مضاف، و" عين " مضاف إليه " استند " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل، والجملة من استند وفاعله في محل جر نعت لفعل.
(٢) يشترط لوجوب حذف العامل من هذا النوع أربعة شروط، الاول: أن يكون العامل فيه خبرا لمبتدأ أو لما أصله المبتدأ، والثاني: أن يكون المخبر عنه اسم عين، والثالث: أن يكون الفعل متصلا إلى وقت التكلم، لا منقطعا، ولا مستقبلا، والرابع أحد أمرين: أولهما أن يكون المصدر مكررا أو محصورا، كما مثل الشارح، أو معطوفا عليه، نحو: أنت أكلا وشربا، وثانيهما: أن يكون المخبر عنه مقترنا بهمزة الاستفهام نحو: أأنت سيرا؟.
(٣) " ومنه " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " ما " اسم وصول: مبتدأ مؤخر " يدعونه " فعل وفاعل ومفعول أول " مؤكدا " مفعول ثان =
[ ٢ / ١٨١ ]
نحو له علي ألف عرفا والثاني ك ابني أنت حقا صرفا (١)
أي من المصدر المحذوف عامله وجوبا ما يسمى المؤكد لنفسه والمؤكد لغيره.
فالمؤكد لنفسه: الواقع بعد جملة لا تحتمل غيره نحو له علي ألف عرفا أي اعترافا فاعترافا مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبا والتقدير أعترف اعترافا ويسمى مؤكدا لنفسه لأنه مؤكد للجملة قبله وهي نفس المصدر بمعنى أنها لا تحتمل سواه وهذا هو المراد بقوله فالمبتدا أي فالأول من القسمين المذكورين في البيت الأول.
والمؤكد لغيره: هو الواقع بعد جملة تحتمله وتحتمل غيره فتصير بذكره نصا فيه نحو أنت ابني حقا فحقا مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبا والتقدير أحقه حقا وسمي مؤكدا لغيره لأن الجملة قبله تصلح له ولغيره لأن قولك أنت ابني يحتمل أن يكون حقيقة وأن يكون مجازا
_________________
(١) = والجملة من يدعو وفاعله ومفعوليه لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " لنفسه " الجار والمجرور متعلق بيدعو، ونفس مضاف والهاء ضمير الغائب مضاف إليه " أو غيره " أو: حرف عطف، غير: معطوف على نفسه، وغير مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " فالمبتدأ " مبتدأ.
(٢) " نحو " خبر للمبتدأ في آخر البيت السابق " له " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " على " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور السابق " ألف " مبتدأ مؤخر " عرفا " مفعول مطلق، وجملة المبتدأ وخبره في محل جر بإضافة نحو إليها " والثان " مبتدأ " كابني " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف " ابني " ابن خبر مقدم، وابن مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه " أنت " مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب مقول لذلك القول المحذوف " حقا " مفعول مطلق " صرفا " نعت لقوله حقا.
[ ٢ / ١٨٢ ]
على معنى: أنت عندي في الحنو بمنزلة ابني فلما قال حقا صارت الجملة نصا في أن المراد البنوة حقيقة فتأثرت الجملة بالمصدر لأنها صارت به نصا فكان مؤكدا لغيره لوجوب مغايرة المؤثر للمؤثر فيه.
كذاك ذو التشبيه بعد جملة كـ "لي بكا بكاء ذات عضله (١) "
أي كذلك يجب حذف عامل المصدر إذا قصد به التشبيه بعد جملة مشتملة على فاعل المصدر في المعنى (٢) نحو: لزيد صوت صوت حمار
_________________
(١) " كذاك " كذا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف حرف خطاب " ذو " اسم بمعنى صاحب: مبتدأ مؤخر، وذو مضاف و" التشبيه " مضاف إليه " بعد " ظرف متعلق بمحذوف حال، وبعد مضاف، و" جملة " مضاف إليه " كلي " الكاف جارة لقول محذوف. لي: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " بكا " قصر للضرورة مبتدأ مؤخر " بكاء " مفعول مطلق، وبكاء مضاف و" ذات " مضاف إليه، وذات مضاف و" عضلة " مضاف إليه.
(٢) الشروط التي تشترط في هذا الموضوع سبعة شروط ثلاثة منها تشترط في المفعول المطلق نفسه، والاربعة الباقية في الكلام الذي يسبقه: فأما الثلاثة التي يجب أن تتحقق في المفعول المطلق فهي: أن يكون مصدرا، وأن يكون مشعرا بالحدوث، وأن يكون المراد به التشبيه. وأما الاربعة التي يجب أن تتحقق فيما يتقدمه فهي: أن يكون السابق عليه جملة، وأن تكون هذه الجملة مشتملة على فاعل المصدر، وأن تكون أيضا مشتملة على معنى المصدر، وأن يكون في هذه الجملة ما يصلح للعمل في المصدر. فإن لم يكن المصدر مشعرا بالحدوث نحو قولك: لفلان ذكاء ذكاء الحكماء، أو لم تتقدمه جملة، بل تقدمه مفرد، كقولك: صوت فلان صوت حمار، أو تقدمته جملة ولكنها لم تشتمل على فاعل المصدر، كقولك: دخلت الدار فإذا فيها نوح نوح الحمام - ففي كل هذا المثل وما أشبهها لا يكون المصدر مفعولا مطلقا والعامل فيه محذوف وجوبا، بل هو فيما ذكرنا - مما تقدمته جملة - من الامثلة بدل مما قبله.
[ ٢ / ١٨٣ ]
وله بكاء بكاء الثكلى فـ"صوت" حمار مصدر تشبيهي وهو منصوب بفعل محذوف وجوبا والتقدير يصوت صوت حمار وقبله جملة وهي لزيد صوت وهي مشتملة على الفاعل في المعنى وهو زيد وكذلك بكاء الثكلى منصوب بفعل محذوف وجوبا والتقدير يبكي بكاء الثكلى.
فلو لم يكن قبل هذا المصدر جملة وجب الرفع نحو: صوته صوت حمار وبكاؤه بكاء الثكلى وكذا لو كان قبله جملة وليست مشتملة على الفاعل في المعنى نحو هذا بكاء بكاء الثكلى وهذا صوت صوت حمار ولم يتعرض المصنف لهذا الشرط ولكنه مفهوم من تمثيله.
[ ٢ / ١٨٤ ]
المفعول له
ينصب مفعولا له المصدر إن أبان تعليلا ك جد شكرا ودن (١)
وهو بما يعمل فيه متحد وقتا وفاعلا وإن شرط فقد (٢)
فاجرره بالحرف وليس يمتنع مع الشروط: كلزهد ذا قنع (٣)
_________________
(١) " ينصب " فعل مضارع مبني للمجهول " مفعولا " حال من نائب الفاعل " له " جار ومجرور متعلق بقوله مفعولا " المصدر " نائب فاعل لينصب " إن " شرطية " أبان " فعل ماض فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المصدر " تعليلا " مفعول به لابان " كجد " الكاف جارة لقول محذوف، جد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " شكرا " مفعول لاجله " ودن " الواو عاطفة، دن: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ويحتمل أن يكون له مفعول مطلق محذوف لدلالة الاول عليه.
(٢) " وهو " مبتدأ " بما " جار ومجرور متعلق بمتحد الآتي " يعمل " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لامحل لها صلة " فيه " جار ومجرور متعلق بيعمل " متحد " خبر المبتدأ " وقتا " تمييز، أو منصوب بنزع الخافض " وفاعلا " معطوف على قوله وقتا " وإن " شرطية " شرط " نائب فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: وإن فقد شرط، والفعل المحذوف هو فعل الشرط " فقد " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى شرط، والجملة من فقد المذكور وفاعله لا محل لها من الاعراب تفسيرية، وجواب الشرط في البيت التالي.
(٣) " فاجرره " الفاء لربط الجواب بالشرط، اجرر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط في البيت السابق " بالحرف " جار ومجرور متعلق باجرر " وليس " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الجر بالحرف " يمتنع " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الجر بالحرف، والجملة في محل نصب =
[ ٢ / ١٨٥ ]
المفعول له: هو المصدر المفهم علة المشارك لعامله في الوقت والفاعل نحو جد شكرا فشكرا مصدر وهو مفهم للتعليل لأن المعنى جد لأجل الشكر ومشارك لعامله وهو جد فى الوقت لأن زمن الشكر وهو زمن الجود وفي الفاعل لأن فاعل الجود هو المخاطب وهو فاعل الشكر وكذلك ضربت ابني تأديبا فتأديبا مصدر وهو مفهم للتعليل إذ يصح أن يقع في جواب لم فعلت الضرب؟ وهو مشارك لضربت في الوقت والفاعل وحكمه جواز النصب إن وجدت فيه هذه الشروط الثلاثة أعني المصدرية وإبانة التعليل واتحاده مع عامله في الوقت والفاعل.
فإن فقد شرط من هذه الشروط تعين جره بحرف التعليل وهو اللام أو من أو في أو الباء فمثال ما عدمت فيه المصدرية قولك جئتك للسمن.
ومثال ما لم يتحد مع عامله في الوقت جئتك اليوم للإكرام غدا ومثال ما لم يتحد مع عامله في الفاعل جاء زيد لإكرام عمرو له ولا يمتنع الجر بالحرف مع استكمال الشروط نحو هذا قنع لزهد.
وزعم قوم أنه لا يشترط في نصبه إلا كونه مصدرا ولا يشترط اتحاده مع عامله في الوقت ولا في الفاعل فجوزوا نصب إكرام في المثالين السابقين والله أعلم.
_________________
(١) = خبر ليس " مع " ظرف متعلق بيمتنع ومع مضاف، و" الشروط " مضاف إليه " كلزهد " الكاف جارة لقول محذوف. زهد: جار ومجرور متعلق بقنع الآتي " ذا " اسم إشارة مبتدأ " قنع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم الاشارة، والجملة من قنع وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وقل أن يصحبها المجرد والعكس في مصحوب أل وأنشدوا (١)
لا أقعد الجبن عن الهيجاء ولو توالت زمر الأعداء (٢)
المفعول له المستكمل للشروط المتقدمة له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون مجردا عن الألف واللام والإضافة
والثاني: أن يكون محلى بالألف واللام
والثالث: أن يكون مضافا
وكلها يجوز أن تجر بحرف التعليل لكن الأكثر فيما تجرد عن الألف واللام والإضافة النصب نحو ضربت ابني تأديبا ويجوز جره فتقول ضربت ابني لتأديب وزعم الجز ولي أنه لا يجوز جره وهو خلاف ما صرح به النحويون وما صحب الألف واللام بعكس المجرد فالأكثر جره ويجوز النصب ف ضربت ابني للتأديب أكثر من ضربت ابني التأديب ومما جاء فيه منصوبا ما أنشده المصنف:
١٦٣ - لا أقعد الجبن عن الهيجاء
_________________
(١) " وقل " فعل ماض " أن " مصدرية " يصحبها " يصحب: فعل مضارع منصوب بأن، وها: مفعول به ليصحب " المجرد " فاعل يصحب، و" أن " ومدخولها في تأويل مصدر فاعل قل، " والعكس " مبتدأ " في مصحوب " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ومصحوب مضاف و" أل " قصد لفظه: مضاف إليه " وأنشدوا " فعل وفاعل. [(٢)]؟ " لا " نافية " أقعد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، " الجبن " مفعول لاجله " عن الهيجاء " جار ومجرور متعلق بأقعد " ولو " شرطية غير جازمة " توالت " توالى: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " زمر " فاعل توالت، وزمر مضاف و" الاعداء " مضاف إليه.
(٢) لم أقف لهذا الشاهد على نسبة إلى قائل معين، والبيت كما ورد في كلام الناظم، فهذا صدره، وعجزه قوله: =
[ ٢ / ١٨٧ ]
_________________
(١) = ولو توالت زمر الاعداء اللغة: " أقعد " أراد لا أنكل ولا أتوانى عن اقتحام المعارك، وتقول: قعد فلان عن الحرب، إذا تأخر عنها ولم يباشرها " الجبن " بضم فسكون هو الهيبة والفزع وضعف القلب والخوف من العاقبة " الهيجاء " الحرب، وهي تقصر وتمد، فمن قصرها قول لبيد: يا رب هيجا هي خير من دعه ومن مدها قول الآخر: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند " توالت " تتابعت وتكاثرت وأتى بعضها تلو بعض وتبعه " زمر " جمع زمرة، وهي الجماعة " الاعداء " جمع عدو. الاعراب: " لا " نافية " أقعد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " الجبن " مفعول لاجله " عن الهيجاء " جار ومجرور متعلق بقوله أقعد " ولو " الواو عاطفة، والمعطوف عليه محذوف، والتقدير: لو لم تتوال زمر الاعداء، ولو توالت زمر الاعداء، لو: حرف شرط غير جازم " توالت " توالى: فعل ماض، والتاء حرف دال على تأنيث الفاعل " زمر " فاعل توالت، وزمر مضاف، و" الاعداء " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة. الشاهد فيه: قوله " الجبن " حيث وقع مفعولا لاجله، ونصبه مع كونه محلى بأل وقد اختلف النحاة في جواز مجئ المفعول لاجله معرفا، فذهب سيبويه - وتبعه الزمخشري - إلى جواز ذلك، مستدلين على هذا بمجيئه عن العرب في نحو بيت الشاهد الذي نحن بصدد شرحه والبيتين (رقم ١٦٤ و١٦٥) وقول شاعر الحماسة: كريم يغض الطرف فضل حيائه ويدنو وأطراف الرماح دوانى فقوله " فضل حيائه " مفعول لاجله، وهو معرف بالاضافة، إذ هو مضاف إلى مضاف إلى الضمير. وذهب الجرمي إلى أن المفعول لاجله يجب أن يكون نكرة، لانه فيما زعم =
[ ٢ / ١٨٨ ]
البيت فـ"الجبن" مفعول له أي لا أقعد لأجل الجبن ومثله قوله:
١٦٤ - فليت لي بهم قوما إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
_________________
(١) كالحال والتمييز، وكل منهما لا يكون إلا نكرة، فإن جاء المفعول لاجله مقترنا بأل، فأل هذه زائدة لا معرفة، وإن جاء مضافا إلى معرفة فإضافته لفظية لا تفيد تعريفا. والصحيح ما ذهب إليه سيبويه ﵀ في هذه المسألة، لورود الشواهد الكثيرة في النظم والنثر، ومما يدل على صحته وروده في قول الله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) والقول بزيادة الحرف أو بأن الاضافة لفظية خلاف الاصل، فلا يصار إليه.
(٢) البيت من مختار أبي تمام في أوائل ديوان الحماسة، وهو من كلمة لقريط ابن أنيف أحد بني العنبر. اللغة: " شنوا " أراد: فرقوا أنفسهم لاجل الاغارة " الاغارة " الهجوم على العدو والايقاع به " فرسانا " جمع فارس، وهو راكب الفرس " ركبانا " جمع راكب، وهو أعم من الفارس، وقيل: هو خاص براكبي الابل. المعنى: يتمنى بدل قومه قوما آخرين من صفتهم أنهم إذا ركبوا للحرب تفرقوا لاجل الهجوم على الاعداء والايقاع بهم، ما بين فارس وراكب. الاعراب: " فليت " حرف تمن ونصب " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليت مقدم " قوما " اسم ليت مؤخر " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " ركبوا " فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها " شنوا " فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الاعراب جواب إذا، وله مفعول به محذوف، والتقدير: شنوا أنفسهم أي فرقوها لاجل الاغارة " الاغارة " مفعول لاجله " فرسانا " حال من الواو في " شنوا " " وركبانا " معطوف عليه. الشاهد فيه: قوله " الاغارة " حيث وقع مفعولا لاجله منصوبا مع اقترانه بأل، وهو يرد على الجرمي الذي زعم أن المفعول لاجله لا يكون إلا نكرة، وادعاؤه أن أل في " الاغارة " ونحوها زائدة لا معرفة خلاف الاصل فلا يلتفت إليه. وبما قيل: إنه لا شاهد في البيت، لان الاغارة مفعول به: أي فرقوا إغارتهم على عدوهم، وليست مفعولا لاجله. (٣٧ - شرح ابن عقيل ١)
[ ٢ / ١٨٩ ]
وأما المضاف فيجوز فيه الأمران النصب والجر على السواء فتقول ضربت ابني تأديبه ولتأديبه وهذا قد يفهم من كلام المصنف لأنه لما ذكر أنه يقل جر المجرد ونصب المصاحب للألف واللام علم أن المضاف لا يقل فيه واحد منهما بل يكثر فيه الأمران ومما جاء منصوبا قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ومنه قوله:
١٦٥ - وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
_________________
(١) ١٦٥ البيت لحاتم الطائي، الجواد المشهور. اللغة: " العوراء " الكلمة القبيحة " ادخاره " استبقاء لمودته " وأعرض " وأصفح. الاعراب: " وأغفر " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " عوراء " مفعول به لاغفر، وعوراء مضاف و" الكريم " مضاف إليه " ادخاره " ادخار: مفعول لاجله، وادخار مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " وأعرض " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " عن شتم " جار ومجرور متعلق بأعرض، وشتم مضاف و" اللئيم " مضاف إليه " تكرما " مفعول لاجله. الشاهد فيه: قوله " ادخاره " حيث وقع مفعولا لاجله منصوبا مع أنه مضاف للضمير ولو جره باللام فقال " لادخاره " لكان سائغا مقبولا، وهو يرد على الجرمي الذي زعم أن المفعول لاجله لا يكون معرفة لا بإضافة ولا بأل، وما زعمه من أن إضافة المفعول لاجله لفظية لا تفيد التعريف غير صحيح. وفي قوله " تكرما " شاهد آخر لهذا الباب، فإن قوله " تكرما " مفعول لاجله، وهو منكر غير معرف لا بإضافة ولا بأل، وقد جاء به منصوبا لاستيفائه الشروط، ولا يختلف أحد من النحاة في صحة ذلك.
[ ٢ / ١٩٠ ]
المفعول فيه وهو المسمى ظرفا
الظرف: وقت أو مكان ضمنا في باطراد كهنا امكث أزمنا (١)
عرف المصنف الظرف بأنه: زمان أو مكان ضمن معنى في باطراد نحو أمكث هنا أزمنا فهنا ظرف مكان وأزمنا ظرف زمان وكل منهما تضمن معنى في لأن المعنى امكث في هذا الموضع وفي أزمن.
واحترز بقوله ضمن معنى في مما لم يتضمن من أسماء الزمان أو المكان معنى في كما إذا جعل اسم الزمان أو المكان مبتدأ أو خبرا نحو يوم الجمعة يوم مبارك ويوم عرفة يوم مبارك والدار لزيد فإنه لا يسمى ظرفا والحالة هذه وكذلك ما وقع منهما مجرورا نحو سرت في يوم الجمعة وجلست في الدار على أن في هذا ونحوه خلافا في تسميته ظرفا في الاصطلاح وكذلك ما نصب منهما مفعولا به نحو بنيت الدار وشهدت يوم الجمل.
واحترز بقوله باطراد من نحو دخلت البيت وسكنت الدار وذهبت الشأم فإن كل واحد من البيت والدار والشأم متضمن معنى في ولكن تضمنه معنى في ليس مطردا لأن أسماء المكان المختصة لا يجوز حذف في معها فليس البيت والدار والشأم في المثل
_________________
(١) " الظرف " مبتدأ " وقت " خبر المبتدأ " أو مكان " معطوف على وقت " ضمنا " فعل ماض مبني للمجهول، وألف الاثنين نائب فاعل، وهو المفعول الاول " في " قصد لفظه: مفعول ثان لضمن " باطراد " جار ومجرور متعلق بضمن " كهنا " الكاف جارة لقول محذوف، هنا: ظرف مكان متعلق بامكث " امكث " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أزمنا " ظرف زمان متعلق بامكث أيضا.
[ ٢ / ١٩١ ]
منصوبة
على الظرفية وإنما هي منصوبة على التشبيه بالمفعول به لأن الظرف هو ما تضمن معنى في باطراد وهذه متضمنة معنى في لا باطراد.
هذا تقرير كلام المصنف وفيه نظر لأنه إذا جعلت هذه الثلاثة ونحوها منصوبة على التشبيه بالمفعول به لم تكن متضمنة معنى في لأن المفعول به غير متضمن معنى في فكذلك ما شبه به فلا يحتاج إلى قوله باطراد ليخرجها فإنها خرجت بقوله ما ضمن معنى في والله تعالى أعلم.
فانصبه بالواقع فيه: مظهرا كان وإلا فانوه مقدرا (١)
حكم ما تضمن معنى في من أسماء الزمان والمكان النصب والناصب له ما وقع فيه وهو المصدر نحو عجبت من ضربك زيدا يوم الجمعة عند الأمير أو الفعل نحو ضربت زيدا يوم الجمعة أمام الأمير أو الوصف نحو أنا ضارب زيدا اليوم عندك.
وظاهر كلام المصنف أنه لا ينصبه إلا الواقع فيه فقط وهو المصدر وليس كذلك بل ينصبه هو وغيره كالفعل والوصف. (٢)
_________________
(١) " فانصبه " انصب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " بالواقع " جار ومجرور متعلق بانصب " فيه " جار ومجرور متعلق بالواقع " مظهرا " خبر لكان الآتي مقدم عليه " كان " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الواقع " وإلا " إن: شرطية، ولا: نافية، وفعل الشرط محذوف: أي وإلا يظهر " فانوه " الفاء واقعة في جواب الشرط، انو: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط " مقدرا " حال من الهاء في " انوه ".
(٢) اعلم أن الذي يقع في الظرف هو الحدث، فإذا قلت " جلست أمامك " =
[ ٢ / ١٩٢ ]
والناصب له إما مذكور كما مثل أو محذوف جوازا نحو أن يقال متى جئت؟ فتقول يوم الجمعة وكم سرت؟ فتقول فرسخين والتقدير جئت يوم الجمعة وسرت فرسخين.
أو وجوبا كما إذا وقع الظرف صفة نحو مررت برجل عندك أو صلة نحو جاء الذي عندك أو حالا نحو مررت بزيد عندك أو خبرا في الحال أو في الأصل نحو زيد عندك وظننت زيدا عندك.
فالعامل في هذه الظروف محذوف وجوبا في هذه المواضع كلها والتقدير في غير الصلة استقر أو مستقر وفي الصلة استقر لأن الصلة لا تكون إلا جملة والفعل مع فاعله جملة واسم الفاعل مع فاعله ليس بجملة (١) والله أعلم.
_________________
(١) = فالجلوس - وهو الحدث - هو الذي وقع أمامك، وكذلك إذا قلت " أنا جالس أمامك " وكذلك إذا قلت " كان جلوسي أمامك " واعلم أيضا أن المصدر يدل على الحدث بدلالة المطابقة، لان كل معناه هو الحدث، والفعل والصفة يدلان على الحدث بدلالة التضمن، لان الفعل معناه الحدث والزمان، والصفة معناها الذات والحدث القائم بها أو الواقع منها أو عليها أو الثابت لها، والناظم لم يصرح بأنه أراد أن الذي ينصب الظرف هو اللفظ الدال على الحدث بالمطابقة، بل كلامه يصح أن يحمل على ما يدل بالمطابقة أو بالتضمن، فيكون شاملا للمصدر والفعل والوصف، وعلى هذا لا يرد اعتراض الشارح أصلا.
(٢) ذكر الشارح أربعة مواضع يجب فيها حذف العامل في الظرف، وهي: أن يكون صفة، أو صلة، أو خبرا، أو حالا، وبقى عليه موضعان آخران: (الاول) أن يكون الظرف مشغولا عنه، كقولك: يوم الجمعة سافرت فيه. والتقدير: سافرت يوم الجمعة سافرت فيه، ولا يجوز إظهار هذا العامل، لان المتأخر عوض عنه، ولا يجمع بين العوض والمعوض في الكلام (الثاني) أن يكون الكلام قد سمع بحذف العامل، نحو =
[ ٢ / ١٩٣ ]
وكل وقت قابل ذاك وما يقبله المكان إلا مبهما (١)
نحو الجهات والمقادير وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى (٢)
يعني أن اسم الزمان يقبل النصب على الظرفية (٣) مبهما كان نحو:
سرت
_________________
(١) = قولك لمن يذكر أمرا قد قدم عليه العهد: حينئذ الآن، وتقدير الكلام: قد حدث ما تذكر حين إذ كان كذا واسمع الآن، فناصب " حين " عامل، وناصب " الآن " عامل آخر، فهما من جملتين لا من جملة واحدة، والمقصود نهي المخاطب عن الخوض فيما يذكره، وأمره بالاستماع إلى جديد.
(٢) " وكل " مبتدأ، وكل مضاف، و" وقت " مضاف إليه " قابل " خبر المبتدأ، وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل، وفاعله ضمير مستتر فيه " ذاك " ذا: اسم إشارة مفعول به لقابل، والكاف حرف خطاب " وما " نافية " يقبله " يقبل: فعل مضارع، والهاء مفعول به ليقبل " المكان " فاعل يقبل " إلا " حرف استثناء دال على الحصر " مبهما " حال، والتقدير: لا يقبل النصب على الظرفية اسم المكان في حال من الاحوال إلا في حال كونه مبهما.
(٣) " نحو " خبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك نحو، ونحو مضاف، و" الجهات " مضاف إليه " والمقادير " معطوف على الجهات " ما " الواو عاطفة، ما: اسم موصول معطوف على الجهات " صيغ " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة من الفعل ونائب الفاعل لا محل لها صلة " من الفعل " جار ومجرور متعلق بصيغ " كمرمى " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف " من رمى " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من مرمى، وتقدير الكلام: وذلك كائن كمرمى حال كونه مأخوذا من مصدر رمي.
(٤) أنت تعلم أن الفعل يدل بالوضع على شيئين، أحدهما الحدث، وثانيهما الزمن، ويدل على المكان بدلالة الالتزام، لان كل حدث يقع في الخارج لابد أن يكون وقوعه في مكان ما، فلما كانت دلالة الفعل على الزمان لانه أحد جزءي معناه الوضعي قوى على نصب ظرف الزمان بنوعيه المبهم والمختص، ولما كانت دلالته على المكان بالالتزام لا بالوضع لم يقو على نصب جميع الاسماء الدالة على المكان، بل تعدى إلى المبهم منه لكونه دالا عليه في الجملة، وإلى اسم المكان المأخوذ من مادته، لكونه بالنظر إلى المادة قوى الدلالة على هذا النوع.
[ ٢ / ١٩٤ ]
لحظة وساعة أو مختصا إما فإضافة نحو سرت يوم الجمعة أو بوصف نحو سرت يوما طويلا أو بعدد نحو سرت يومين.
وأما اسم المكان فلا يقبل النصب منه إلا نوعان أحدهما المبهم والثاني ما صيغ من المصدر بشرطه الذي سنذكره والمبهم كالجهات الست نحو فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف ونحو هذا كالمقادير نحو غلوة وميل وفرسخ وبريد (١) تقول جلست فوق الدار وسرت غلوة فتنصبهما على الظرفية.
وأما ما صيغ من المصدر نحو مجلس زيد ومقعده فشرط نصبه قياسا أن يكون عامله من لفظه نحو قعدت مقعد زيد وجلست مجلس عمرو فلو كان عامله من غير لفظه تعين جره بفي نحو جلست في مرمى زيد فلا تقول جلست مرمى زيد إلا شذوذا.
ومما ورد من ذلك قولهم هو مني مقعد القابلة ومزجر الكلب ومناط الثريا (٢) أي كائن مقعد القابلة ومزجر الكلب ومناط الثريا والقياس هو مني في مقعد القابلة وفي مزجر الكلب وفي مناط الثريا ولكن نصب شذوذا ولا يقاس عليه خلافا للكسائي وإلى هذا أشار بقوله:
_________________
(١) الغلوة - بفتح الغين المعجمة وسكون اللام - فسرها المتقدمون بالباع مائة باع، والباع: مقدار ما بين أصابع يديك إذا مددتهما محاذيتين لصدرك، ومنهم من قدر الغلوة برمية سهم، ومنهم من قدرها بثلثمائة ذراع، والميل: عشر غلوات، فهو ألف باع، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد: أربعة فراسخ.
(٢) يقول العرب " فلان مني مقعد القابلة " يريدون أنه قريب كقرب مكان قعود القابلة عند ولادة المرأة من المرأة، ويقولون " فلان مني مزجر الكلب " يريدون أنه بعيد كبعد المكان الذي تزجر إليه الكلب، ويراد بهذا الذم، ويقولون " فلان مني مناط الثريا " يريدون أنه في مكان بعيد كبعد الثريا عمن يروم أن يتصل بها، وهذا كناية عن عدم إدراكه في الشرف والرفعة، يعني أنه فريد في شرفه ورفعة قدره.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وشرط كون ذا مقيسا أن يقع ظرفا لما في أصله معه اجتمع (١)
أي وشرط كون نصب ما اشتق من المصدر مقيسا أن يقع ظرفا لما اجتمع معه في أصله أي أن ينتصب بما يجامعه في الاشتقاق من أصل واحد كمجامعة جلست ب مجلس في الاشتقاق من الجلوس فأصلهما واحد وهو الجلوس.
وظاهر كلام المصنف أن المقادير وما صيغ من المصدر مبهمان أما المقادير فمذهب الجمهور أنها من الظروف المبهمة لأنها وإن كانت معلومة المقدار فهي مجهولة الصفة وذهب الأستاذ أبو علي الشلوبين إلى أنها ليست من الظروف المبهمة لأنها معلومة المقدار وأما ما صيغ من المصدر فيكون مبهما نحو جلست مجلسا ومختصا نحو جلست مجلس زيد.
وظاهر كلامه أيضا أن مرمى مشتق من رمى وليس هذا على مذهب البصريين فإن مذهبهم أنه مشتق من المصدر لا من الفعل.
وإذا تقرر أن المكان المختص وهو ما له أقطار تحويه لا ينتصب ظرفا فاعلم أنه سمع نصب كل مكان مختص مع دخل وسكن ونصب
_________________
(١) " وشرط " مبتدأ، وشرط مضاف، و" كون " مضاف إليه، وكون مضاف، و" ذا " مضاف إليه، من إضافة المصدر الناقص إلى اسمه " مقيسا " خبر الكون الناقص " أن " مصدرية " يقع " فعل مضارع منصوب بأن، وسكنه للوقف، وفاعله ضمير مسنتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذا الذي هو إشارة للمأخوذ من مصدر الفعل، و" أن " ومنصوبها في تأويل مصدر خبر المبتدأ " ظرفا " حال من فاعل يقع المستتر فيه " لما " جار ومجرور متعلق بقوله " ظرفا " أو بمحذوف صفة له " في أصله، معه " جار ومجرور وظرف، متعلقان باجتمع الآتي " اجتمع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من إجتمع وفاعله لا محل لها صلة " ما " المجرور محلا باللام.
[ ٢ / ١٩٦ ]
الشأم مع ذهب نحو دخلت البيت وسكنت الدار وذهبت الشأم واختلف الناس في ذلك فقيل هي منصوبة على الظرفية شذوذا وقيل منصوبة على إسقاط حرف الجر والأصل دخلت في الدار فحذف حرف الجر فانتصب الدار نحو مررت زيدا وقيل منصوبة على التشبيه بالمفعول به. (١)
_________________
(١) في هذه المسألة أربعة أقوال للنحاة ذكر الشارح منها ثلاثة: (الاول) أن هذه الظروف المختصة منصوبة على الظرفية كما انتصب الظرف المكاني المبهم عليها، إلا أن ذلك شاذ لا يقاس عليه، وهو مذهب المحققين من النحاة، ونسبه الشلوبين للجمهور، وصححه ابن الحاجب. (الثاني) أن هذه الاسماء منصوبة على إسقاط حرف الجر، يعني على الحذف والايصال، كما انتصب " الطريق " في قول الشاعر (وانظر الشاهد رقم ١٥٩): لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب وهذا مذهب الفارسي، ومن العلماء من ينسبه إلى سيبويه، وقد اختاره ابن مالك. (الثالث) أن هذه الاسماء منصوبة على التشبيه بالمفعول به، وذلك لانهم شبهوا الفعل القاصر بالفعل المتعدي، كما نصبوا الاسم بعد الصفة المشبهة التي لا تؤخذ إلا من مصدر الفعل القاصر، وهذا إنما يتم لو أن الافعال التي تنصب بعدها هذه الاسماء كانت كلها قاصرة. (الرابع) أن هذه الاسماء منصوبة على أنها مفعول به حقيقة، وعللوا هذا القول بأن نحو " دخل " يتعدى بنفسه تارة وبحرف الجر تارة أخرى، وكثرة الامرين فيه تدل على أن كل واحد منهما أصل، وهذا أيضا يتجه لو أن جميع الافعال التي تنصب بعدها هذه الاسماء كانت من هذا النوع، إلا أن يخص هذا القول بنحو " دخل " مما له حالتان تساوتا في كثرة الورود، بخلاف نحو " ذهب ".
[ ٢ / ١٩٧ ]
وما يرى ظرفا وغير ظرف فذاك ذو تصرف في العرف (١)
وغير ذي التصرف: الذي لزم ظرفية أو شبهها من الكلم (٢)
ينقسم اسم الزمان واسم المكان إلى: متصرف وغير متصرف فالمتصرف من ظرف الزمان أو المكان: ما استعمل ظرفا وغير ظرف كـ"يوم" و"مكان"
_________________
(١) " وما " اسم موصول مبتدأ أول " يرى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، وهو المفعول الاول " ظرفا " مفعول ثان ليرى، والجملة لا محل لها صلة الموصول " وغير " معطوف على قوله " ظرفا " " السابق " وغير مضاف، و" ظرف " مضاف إليه " فذاك " الفاء زائدة، واسم الاشارة مبتدأ ثان " ذو " خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، وزيدت الفاء في جملة الخبر لان المبتدأ موصول يشبه الشرط في عمومه، وذو مضاف، و" تصرف " مضاف إليه " في العرف " جار ومجرور متعلق بتصرف.
(٢) " وغير " مبتدأ، وغير مضاف، و" ذي " مضاف إليه، وذي مضاف، و" التصرف " مضاف إليه " الذي " اسم موصول: خبر المبتدأ " لزم " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذي، والجملة من لزم وفاعله لا محل لها صلة الذي " ظرفية " مفعول به للزم " أو شبهها " معطوف على مفعول لفعل محذوف تقديره: أو لزم ظرفية أو شبهها، وليس يجوز أن يكون معطوفا على قوله " ظرفية " المذكور في البيت، إذ يصير حاصل المعنى أن من الظرف ما يلزم الظرفية وحدها، ومنه الذي لزم شبه الظرفية وحدها، والقسم الاول صحيح، والقسم الثاني على هذا الذي يفيده ظاهر البيت غير صحيح، وإنما الصحيح أن الظرف ينقسم إلى قسمين، أحدهما: الذي يلزم الظرفية وحدها ولا يفارقها، وهو نوع من غير المتصرف، وثانيهما: الذي يلزم الامرين الظرفية وشبهها، نعني أنه إذا فارق الظرفية لم يفارق شبهها، وهو النوع الآخر من غير المتصرف " من الكلم " جار ومجرور متعلق بلزم أو بشبه أو بمحذوف حال من " غير ذي التصرف ".
[ ٢ / ١٩٨ ]
فإن كل واحد منهما يستعمل ظرفا نحو سرت يوما وجلست مكانا ويستعمل مبتدأ نحو يوم الجمعة يوم مبارك ومكانك حسن وفاعلا نحو جاء يوم الجمعة وارتفع مكانك.
وغير المتصرف: هو مالا يستعمل إلا ظرفا أو شبهه نحو سحر إذا أردته من يوم بعينه (١) فإن لم ترده من يوم بعينه فهو متصرف كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ نجيناهم بسحر وفوق نحو جلست فوق الدار فكل واحد من سحر وفوق لا يكون إلا ظرفا (١) .
والذي لزم الظرفية أو شبهها عند ولدن والمراد بشبه الظرفية أنه لا يخرج عن الظرفية إلا باستعماله مجرورا ب من نحو خرجت من عند زيد ولا تجر عند إلا ب من فلا يقال خرجت إلى عنده وقول العامة خرجت إلى عنده خطأ. (٢)
_________________
(١) مثل الشارح للظرف الذي لا يفارق النصب على الظرفية بمثالين: أحدهما " سحر " إذا أردت به سحر يوم معين، وهذا صحيح، وثانيهما " فوق " والتمثيل به لهذا النوع من الظرف غير صحيح، بل الصواب أنه من النوع الثاني الذي لزم الظرفية أو شبهها، بدليل مجيئه مجرورا بمن في قوله تعالى: (فخر عليهم السقف من فوقهم) وفي آيات أخر. ومن الظروف التي لا تفارق النصب على الظرفية " قط " و" عوض " ظرفين للزمان أولهما للماضي وثانيهما للمستقبل، وهما خاصان بالوقوع بعد النفي أو شبهه، ومنها أيضا " بدل " إذا استعملته بمعنى مكان، كما تقول: خذ هذا بدل هذا، ومنها أيضا الظروف المركبة كقولك: أنا أزورك صباح مساء، ومنزلتك عندنا بين بين، ومنها أيضا " بينا " و" بينما " ومنها " مذ، ومنذ " إذا رفعت ما بعدهما وجعلتهما خبرين عنه، فهما مبنيان على الضم أو السكون في محل نصب كقط وعوض.
(٢) قد قال العرب الموثوق بعربيتهم: " حتى، ومتى " فأدخلوا حتى على ظرف =
[ ٢ / ١٩٩ ]
وقد ينوب عن مكان مصدر وذاك في ظرف الزمان يكثر (١)
ينوب المصدر عن ظرف المكان قليلا كقولك جلست قرب زيد أي مكان قرب زيد فحذف المضاف وهو مكان وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه وهو النصب على الظرفية ولا ينقاس ذلك فلا تقول آتيك جلوس زيد تريد مكان جلوسه.
ويكثر إقامة المصدر مقام ظرف الزمان نحو آتيك طلوع الشمس وقدوم الحاج وخروج زيد والأصل وقت طلوع الشمس ووقت قدوم الحاج ووقت خروج زيد فحذف المضاف وأعرب المضاف إليه بإعرابه وهو مقيس في كل مصدر. (٢)
_________________
(١) = الزمان وقالوا: " إلى أين " و" إلى متى " فأدخلوا " إلى " الجارة على ظرف الزمان والمكان، وهذا شاذ من جهة القياس، ومعنى هذا أنه يصح لنا إدخال " حتى " الجارة على لفظ " متى " من بين أسماء الزمان، وإدخال " إلى " الجارة على لفظ " متى " ولفظ " أين " من بين جميع الظروف، اتباعا لهم، ولا يجوز القياس على شئ من ذلك.
(٢) " وقد " حرف تقليل " ينوب " فعل مضارع " عن مكان " جار ومجرور متعلق بينوب " مصدر " فاعل ينوب " وذاك " الواو للاستئناف، واسم الاشارة مبتدأ، والكاف حرف خطاب " في ظرف " جار ومجرور متعلق بيكثر الآتي، وظرف مضاف، و" الزمان " مضاف إليه " يكثر " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذاك، والجملة من يكثر وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ.
(٣) ذكر الشارح - تبعا للناظم - واحدا مما ينوب عن الظرف، وهو المصدر، وبين أن نيابة المصدر عن ظرف الزمان مقيسة بحيث يجوز لك أن تنيب ما شئت من المصادر عن ظرف الزمان وأن نيابته عن ظرف المكان سماعية يجب ألا تستعمل منه إلا ما ورد عن العرب، وقد بقى عليه أشياء تنوب عن الظرف زمانيا أو مكانيا: =
[ ٢ / ٢٠٠ ]
_________________
(١) = الاول: لفظ " بعض " ولفظ " كل " مضافين إلى الظرف، نحو " بحثت عنك كل مكان، وسرت كل اليوم " وذلك من جهة أن كلمتي بعض وكل بحسب ما تضافان إليه، وقد مضى في باب المفعول المطلق أنهما ينوبان عن المصدر في المفعولية المطلقة. الثاني: صفة الظرف، نحو " سرت طويلا شرقي القاهرة ". الثالث: اسم العدد المميز بالظرف، نحو " صمت ثلاثة أيام، وسرت ثلاثة عشر فرسخا ". الرابع: ألفاظ معينة تنوب عن اسم الزمان، نحو " أحقا " في قول الشاعر: أحقا عباد الله أن لست صادرا ولا واردا إلا علي رقيب وفي نحو قول الآخر: أحقا أن جيرتنا استقلوا فنيتنا ونيتهم فريق وفي نحو قول الآخر: أحقا بني أبناء سلمى بن جندل تهددكم إياي وسط المجالس وفي نحو قول الآخر: أحقا أن أخطلكم هجاني
[ ٢ / ٢٠١ ]
المفعول معه
ينصب تالي الواو مفعولا معه في نحو سيري والطريق مسرعه (١)
بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب لا بالواو في القول الأحق (٢)
المفعول معه: هو الاسم المنتصب بعد واو بمعنى مع والناصب له ما تقدمه من الفعل أو شبهه.
فمثال الفعل سيري والطريق مسرعة أي سيري مع الطريق فالطريق منصوب بسيري ومثال شبه الفعل زيد سائر والطريق وأعجبني سيرك والطريق فالطريق منصوب بسائر وسيرك.
وزعم قوم أن الناصب للمفعول معه الواو وهو غير صحيح لأن كل
حرف اختص
_________________
(١) " ينصب " فعل مضارع مبني للمجهول " تالي " نائب فاعل ينصب، وتالي مضاف و" الواو " مضاف إليه " مفعولا " حال من نائب الفاعل " معه " مع: ظرف متعلق بقوله " مفعولا " ومع مضاف والضمير مضاف إليه " في نحو " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن في نحو " سيري " فعل أمر، وياء المخاطبة فاعل، والجملة في محل جر بإضافة نحو إليها " والطريق " مفعول معه " مسرعة " حال من ياء المخاطبة في قوله سيري.
(٢) " بما " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " من الفعل " جار ومجرور متعلق بقوله سبق الآتي " وشبهه " الواو عاطفة، وشبه: معطوف على الفعل، وشبه مضاف والضمير مضاف إليه " سبق " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة " ما " المجرورة محلا بالباء " ذا " اسم إشارة مبتدأ مؤخر " النصب " بدل أو عطف بيان أو نعت لاسم الاشارة " لا " حرف عطف " بالواو " جار ومجرور معطوف على بما " في القول " جار ومجرور متعلق بقوله النصب السابق " الاحق " نعت للقول.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
بالاسم ولم يكن كالجزء منه لم يعمل إلا الجر كحروف الجر وإنما قيل ولم يكن كالجزء منه احترازا من الألف واللام فإنها اختصت بالاسم ولم تعمل فيه شيئا لكونها كالجزء منه بدليل تخطي العامل لها نحو مررت بالغلام.
ويستفاد من قول المصنف في نحير سيري والطريق مسرعة أن المفعول معه مقيس فيما كان مثل ذلك وهو كل اسم وقع بعد واو بمعنى مع وتقدمه فعل أو شبهه وهذا هو الصحيح من قول النحويين (١) .
وكذلك يفهم من قوله بما من الفعل وشبهه سبق أن عامله لا بد أن يتقدم عليه فلا تقول والنيل سرت وهذا باتفاق أما تقدمه على مصاحبه نحو سار والنيل زيد ففيه خلاف والصحيح منعه. (٢)
_________________
(١) يريد الشارح بالممائلة في قوله " مقيس فيما كان مثل ذلك إلخ " المشابهة فيما ذكر، وفي كون الاسم الذي بعد الواو مما لا يصح عطفه على ما قبل الواو. وقد اختلف النحاة في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى أن كل اسم وقع بعد واو المعية وسبقته جملة ذات فعل أو شبهه، ولم يصح عطفه على ما قبله، فإنه يكون مفعولا معه، وذهب ابن جنى إلى أنه لا يجوز أن يكون مفعولا معه إلا إذا كان بحيث يصح عطفه على ما قبله من جهة المعنى، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لانه قد ورد عنهم ما لا يحصى من الشواهد نثرا ونظما، وقولهم: سرت والطريق، واستوى الماء والخشبة - بمعنى ارتفع الماء حتى صار الماء مع الخشبة في مستوى واحد - من غير ضرورة ولا ملجئ ما، يقطع بذلك.
(٢) اختلف النحاة في تقديم المفعول معه على مصاحبه: أيجوز أم لا يجوز؟ فذهب ابن جنى إلى أن ذلك جائز، والذي يؤخذ من كلامه في كتابه " الخصائص " وغيره أنه استدل على جوازه بأمرين، أولهما أن المفعول معه يشبه المعطوف بالواو، والمعطوف بالواو يجوز تقديمه على المعطوف عليه، فتقول: جاء وزيد عمرو، كما قال الشاعر: ألا يا نخلة من ذات عرق عليك - ورحمة الله - السلام =
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وبعد ما استفهام أو كيف نصب بفعل كون مضمر بعض العرب (١)
حق المفعول معه أن يسبقه فعل أو شبهه كما تقدم تمثيله وسمع من كلام العرب نصبه بعد ما وكيف الاستفهاميتين من غير أن يلفظ بفعل
_________________
(١) = والشئ إذا أشبه الشئ أخذ حكمه، وثاني الاستدلالين أنه ورد عن العرب المحتج بكلامهم تقديم المفعول معه على مصاحبه كما في قول يزيد بن الحكم الثقفي من قصيدة يعاتب فيها ابن عمه: جمعت وفحشا غيبة ونميمة ثلاث خصال لست عنها بمرعوي فزعم أن الواو في قوله " وفحشا " واو المعية، والاسم بعده منصوب على أنه مفعول معه، ومن ذلك أيضا قول بعض الفزاريين، وهو من شعراء الحماسة: أكنيه حين أناديه لاكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقبا فزعم أن الواو في قوله " والسوءة " واو المعية، والاسم بعدها منصوب على أنه مفعول معه تقدم على مصاحبه وهو قوله " اللقبا " وأصل الكلام عنده: ولا ألقبه اللقبا والسوءة. وليس ما ذهب إليه ابن جنى بسديد، ولا ما استدل به صحيح، أما تشبيه المفعول معه بالمعطوف فلئن سلمنا له شبهه به لم نسلم أن المعطوف يجوز أن يتقدم على المعطوف عليه، بل كونه تابعا ينادى بأن ذلك ممتنع، فأما البيت الذي أنشده شاهدا على تقديم المعطوف فضرورة أو مؤول، وأما البيتان اللذان أنشدهما على جواز تقديم المفعول معه على مصاحبه فبعد تسليم صحة الرواية يجوز أن تكون الواو فيهما للعطف وقدم المعطوف ضرورة.
(٢) " وبعد " ظرف متعلق بقوله " نصب " الآتي، وبعد مضاف، و" ما " قصد لفظه: مضاف إليه، وما مضاف و" استفهام " مضاف إليه من إضافة الدال إلى المدلول " أو " عاطفة " كيف " معطوف على " ما " السابق " نصب " فعل ماض " بفعل " جار ومجرور متعلق بنصب، وفعل مضاف، و" كون " مضاف إليه " مضمر " نعت لفعل " بعض " فاعل نصب، وبعض مضاف، و" العرب " مضاف إليه.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
نحو: ما أنت وزيدا (١) وكيف أنت وقصعة من ثريد فخرجه النحويون على أنه منصوب بفعل مضمر مشتق من الكون والتقدير ما تكون وزيدا وكيف تكون وقصعة من ثريد فزيدا وقصعة منصوبان ب تكون المضمرة.
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق (٢)
_________________
(١) ومن ذلك قول أسامة بن الحارث بن حبيب الهذلي: ما أنت والسير في متلف يبرح بالذكر الضابط الشاهد في قوله " ما أنت والسير " حيث نصب " السير " على أنه مفعول معه من غير أن يتقدمه فعل، ومن ذلك قول الآخر، وهو من شواهد سيبويه: أتوعدني بقومك يابن حجل أشابات يخالون العبادا بما جمعت من حضن وعمرو وما حضن وعمرو والجيادا؟ الشاهد في قوله " وما حضن والجيادا " حيث نصب " الجياد " على أنه مفعول معه من غير أن يتقدم عليه فعل أو شبهه. ومع ورود ذلك في كلام العرب المحتج به فإنه قليل، والكثير في مثل ذلك رفع ما بعد الواو على أنه معطوف على ما قبله، كما قال زياد الاعجم: تكلفني سويق التمر جرم وما جرم وما ذاك السويق؟ وكما قال أوس بن حجر: عددت رجالا من قعين تفجسا فما ابن لبينى والتفجس والفخر؟ وكما قال المخبل يهجو الزبرقان بن بدر: يا زبرقان أخا بني خلف ما أنت - ويب - أبيك والفخر؟
(٢) " والعطف " مبتدأ " إن " شرطية " يمكن " فعل مضارع فعل الشرط، = (٣٨ - شرح اين عقيل ١)
[ ٢ / ٢٠٥ ]
والنصب إن لم يجز العطف يجب أو اعتقد إضمار عامل تصب (١)
الاسم الواقع بعد هذه الواو إما أن يمكن عطفه على ما قبله أولا.
فإن أمكن عطفه فإما أن يكون بضعف أو بلا ضعف.
فإن أمكن عطفه بلا ضعف فهو أحق من النصب نحو كنت أنا وزيد كالأخوين فرفع زيد عطفا على المضمر المتصل أولى من نصبه مفعولا معه لأن العطف ممكن للفصل والتشريك أولى من عدم التشريك ومثله سار زيد وعمرو فرفع عمرو أولى من نصبه.
وإن أمكن العطف بضعف فالنصب على المعية أولى من التشريك، (٢)
_________________
(١) = وجواب الشرط محذوف " بلا ضعف " الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى غير مجرور بالباء، وقد ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، ولا مضاف وضعف: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية، والجار والمجرور متعلق بيمكن " أحق " خبر المبتدأ، وجملة الشرط وجوابه معترضة بين المبتدأ وخبره " والنصب مختار " مبتدأ وخبره " لدى " ظرف متعلق بمختار، ولدى مضاف و" ضعف " مضاف إليه، وضعف مضاف، و" النسق " مضاف إليه.
(٢) " النصب " مبتدأ " إن " شرطية " لم " نافية جازمة " يجز " فعل مضارع فعل الشرط " العطف " فاعل يجز، وجواب الشرط محذوف " يجب " فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النصب، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " أو اعتقد " أو: عاطفة، اعتقد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إضمار " مفعول به لاعتقد، وإضمار مضاف و" عامل " مضاف إليه " تصب " فعل مضارع مجزوم في جواب الامر الذي هو اعتقد، ويجوز أن يكون يجب جواب الشرط، وتكون جملة الشرط وجوابه - على هذا - في محل رفع خبر المبتدأ.
(٣) الضعف الذي لا يتأتى معه العطف إما أن يكون لفظيا: أي عائدا إلى اللفظ بحسب ما تقتضيه صناعة الاعراب، وإما أن يكون معنويا. وقد مثل الشارح للضعف اللفظي، ولم يمثل للضعف المعنوي: أي الذي يرجع إلى ما يريد المتكلم من المعنى، ومن أمثلته قولهم " لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها " وبيانه أنك لو عطفت الفصيل =
[ ٢ / ٢٠٦ ]
لسلامته من الضعف نحو سرت وزيدا فنصب زيد أولى من رفعه لضعف العطف على المضمر المرفوع المتصل بلا فاصل وإن لم يمكن عطفه تعين النصب على المعية أو على إضمار فعل يليق به كقوله:
١٦٦ - علفتها تبنا وماء باردا
_________________
(١) = على الناقة لصار المعنى أن رضاع الفصيل للناقة متسبب عن مجرد تركك إياهما، وليس كذلك، فيلزمك أن تجعل التقدير على العطف: لو تركت الناقة وتركت فصيلها يرضعها تعني يتمكن من رضاعها لرضعها، فأما نصب هذا على أنه مفعول معه فيصير به المعنى: لو تركت الناقة مع فصيلها لرضعها، وهذا صحيح مؤد إلى المقصود، لان المعية يراد بها المعية حسا ومعنى، فالتكلف الذي استوجبه العطف لتصحيح المعنى هو الذي جعله ضعيفا، ومثله قول الشاعر: إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ فدعه وواكل أمره واللياليا إذ لو عطفت " الليالي " على " أمره " لكنت محتاجا إلى تقدير: واكل أمره لليالي وواكل الليالي لامره، فأما جعل الواو بمعنى مع ونصب الاسم على أنه مفعول معه فلا يحوج إلى شئ.
(٢) هذا البيت من الشواهد التي لم يذكر العلماء نسبتها إلى قائل معين، وقد اختلفوا في تتمته، فيذكر بعضهم أن الشاهد صدر بيت، وأن تمامه: حتى شتت همالة عيناها ويرويه العلامة الشيرازي عجز بيت، ويروي له صدرا هكذا: لما حططت الرحل عنها واردا اللغة: " شتت " يروى في مكانه " بدت " وهما بمعنى واحد " همالة " اسم مبالغة من هملت العين، إذا انهمرت بالدموع. الاعراب: " علفتها " فعل وفاعل ومفعول أول " تبنا " مفعول ثان " وماء " ظاهره أنه معطوف على ما قبله، وستعرف ما فيه " باردا " صفة للمعطوف. =
[ ٢ / ٢٠٧ ]
فماء منصوب على المعية أو على إضمار فعل يليق به والتقدير وسقيتها ماء باردا وكقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ فقوله وشركاءكم لا يجوز عطفه على أمركم لأن العطف على نية تكرار العامل إذ لا يصح أن يقال أجمعت شركائي وإنما يقال أجمعت أمري وجمعت شركائي فشركائي منصوب على المعية والتقدير والله أعلم فأجمعوا أمركم مع شركائكم أو منصوب بفعل يليق به والتقدير: فأجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم.
_________________
(١) = الشاهد فيه قوله " وماء " فإنه لا يمكن عطفه على ما قبله، لكون العامل في المعطوف عليه لا يتسلط على المعطوف، إذ لا يقال " علفتها ماء " ومن أجل ذلك كان نصبه على أحد ثلاثة أوجه: إما بالنصب على المعية، وإما على تقدير فعل يعطف على " علفتها " والتقدير: علفتها تبنا وسقيتها ماء، وإما على أن تضمن " علفتها " معنى " أنلتها " أو " قدمت لها " ونحو ذلك ليستقيم الكلام، وقد ذكر الشارح في البيت والآية الكريمة وجهين من هذه الثلاثة. وسيأتي لهذا نظائر نذكرها مع شرح الشاهد (رقم ٢٩٩) في مباحث عطف النسق، إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
الاستثناء
ما استثنت إلا مع تمام ينتصب وبعد نفي أو كنفي انتخب (١)
إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع وعن تميم فيه إبدال وقع (٢)
حكم المستثنى بـ "إلا" النصب إن وقع بعد تمام الكلام الموجب سواء
_________________
(١) " ما " اسم موصول مبتدأ " استثنت " استثنى: فعل ماض، والتاء للتأنيث " إلا " قصد لفظه: فاعل استثنت، والجملة من استثنت وفاعله لا محل لها صلة، والعائد إلى الموصول محذوف، والتقدير: ما استثنته إلا " مع " ظرف متعلق باستثنت، ومع مضاف و" تمام " مضاف إليه " ينتصب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة الواقعة مبتدأ، والجملة من ينتصب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " وبعد " ظرف متعلق بقوله " انتخب " الآتي، وبعد مضاف، و" نفي " مضاف إليه " أو " حرف عطف " كنفي " الكاف اسم بمعنى مثل معطوف على نفي، والكاف مضاف ونفي مضاف إليه " انتخب " فعل ماض مبني للمجهول.
(٢) " إتباع " نائب فاعل لانتخب في آخر البيت السابق، وإتباع مضاف، و" ما " اسم موصول: مضاف إليه، وجملة " اتصل " وفاعله المستتر العائد إلى ما لا محل لها صلة " وانصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ما " اسم موصول: مفعول به لانصب، وجملة " انقطع " وفاعله المستتر فيه العائد إلى ما لا محل لها صلة " وعن تميم " جار ومجرور متعلق بقوله " وقع " الآتي " فيه " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " إبدال " مبتدأ مؤخر، وجملة " وقع " من الفعل الماضي وفاعله المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى إبدال في محل رفع نعت لابدال، والتقدير: إبدال كائن في المنقطع وقع عن تميم، ويجوز أن تجعل جملة " وقع " وفاعله المستتر فيه العائد إلى إبدال خبرا عن المبتدأ، وعلى هذا يكون قوله " عن تميم " وقوله " فيه " جارين ومجرورين يتعلق كل منهما بوقع، والتقدير: وإبدال واقع في المنقطع عن تميم.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
كان متصلا أو منقطعا نحو قام القوم إلا زيدا وضربت القوم إلا زيدا ومررت بالقوم إلا زيدا وقام القوم إلا حمارا وضربت القوم إلا
حمارا،
[ ٢ / ٢١٠ ]
ومررت بالقوم إلا حمارا ف زيدا في هذه المثل منصوب على الاستثناء وكذلك حمارا.
والصحيح من مذاهب النحويين أن الناصب له ما قبله بواسطة إلا واختار المصنف في غير هذا الكتاب أن الناصب له إلا وزعم أنه مذهب سيبويه (١) وهذا معنى قوله ما استثنت إلا مع تمام ينتصب أي أنه ينتصب الذي استثنته إلا مع تمام الكلام إذا كان موجبا.
_________________
(١) للنحاة في ناصب الاسم الواقع بعد " إلا " خلاف طويل، غير أن أشهر مذاهبهم في ذلك تتلخص في أربعة أقوال: الاول: أن الناصب له هو الفعل الواقع في الكلام السابق على " إلا " بواسطتها، فيكون عمل " إلا " هو تعدية ما قبلها إلى ما بعدها، كحرف الجر الذي يعدى الفعل إلى الاسم، غير أن هذه التعدية بالنظر إلى المعنى، وهذا مذهب السيرافي، ونسبه قوم منهم ابن عصفور وغيره إلى سيبويه، وقال الشلوبين: إنه مذهب المحققين. الثاني: أن الناصب له هو نفس " إلا " وهو مذهب ابن مالك الذي صرح به في غير هذا الكتاب، وعبارته في الالفية تشير إليه، أفلا ترى أنه يقول في مطلع الباب " ما استثنت إلا " ثم يقول بعد أبيات " وألغ إلا " وهي عبارة يدل ظاهرها على أن المراد إلغاؤها عن العمل. الثالث: أن الناصب له هو الفعل الواقع قبل " إلا " باستقلاله، لا بواسطتها كالمذهب الاول. الرابع: أن الناصب له فعل محذوف تدل عليه " إلا " والتقدير: أستثنى زيدا مثلا ويرد على المذهبين الاول والثالث أنه قد لا يكون في الكلام المتقدم على " إلا " ما يصلح لعمل النصب من فعل أو نحوه، تقول: إن القوم إخوتك إلا زيدا، فكيف تقول: إن العامل الذي قبل " إلا " هو الناصب لما بعدها؟ سواء أقلنا: إنه ناصبه على الاستقلال أم قلنا: إنه ناصبه بواسطة " إلا ". ويمكن أن يجاب على ذلك بأننا في هذا المثال وما أشبهه نلتزم تأويل ما قبل " إلا " بما يصلح لعمل النصب، وهذا الجواب مع إمكانه ضعيف، للتكلف الذي يلزمه.
[ ٢ / ٢١١ ]
فإن وقع بعد تمام الكلام الذي ليس بموجب وهو المشتمل على النفي أو شبهه والمراد بشبه النفي النهي والاستفهام فإما أن يكون الاستثناء متصلا أو منقطعا والمراد بالمتصل أن يكون المستثنى بعضا مما قبله وبالمنقطع ألا يكون بعضا مما قبله.
فإن كان متصلا جاز نصبه على الاستثناء وجاز إتباعه لما قبله في الإعراب وهو المختار (١) والمشهور أنه بدل من متبوعه وذلك نحو: ما
قام أحد إلا زيد
_________________
(١) أطلق الشارح - ﵀! - اختيار إتباع المستثنى منه إذا كان الكلام تاما منفيا، وليس هذا الاطلاق بسديد، بل قد يختار النصب على الاستثناء، ولذلك ثلاثة مواضع: الاول، وسيأتي في كلامه: أن يتقدم المستثنى على المستثنى منه، نحو قولك: ما زارني إلا زيدا أحد، فالنصب على الاستثناء هنا أرجح من الرفع على البدلية، لئلا يلزم تقدم التابع على المتبوع، أو تغير الحال، فيصير التابع متبوعا، والمتبوع تابعا. الثاني: أن يفصل بين المستثنى والمستثنى منه بفاصل طويل، نحو أن تقول: لم يزرني أحد أثناء مرضي مع انقضاء زمن طويل إلا زيدا، واختيار النصب على الاستثناء في هذا الموضع لان الاتباع إنما يختار للتشاكل بين التابع والمتبوع، وهذا التشاكل لا يظهر مع طول الفصل بينهما، ونازع في هذا أبو حيان. الثالث: أن يكون الكلام جوابا لمن أتى بكلام آخر يجب فيه نصب المستثنى، وذلك كأن يقول لك قائل: نجح التلاميذ إلا عليا، فتقول له " ما نجحوا إلا عليا " وإنما اختير النصب على الاستثناء ههنا ليتم به التشاكل بين الكلام الاول وما يراد الجواب به عنه.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وإلا زيدا ولا يقم أحد إلا زيد وإلا زيدا وهل قام أحد إلا زيد؟ وإلا زيدا وما ضربت أحدا إلا زيدا ولا تضرب أحدا إلا زيدا وهل ضربت أحدا إلا زيدا؟ فيجوز في زيدا أن يكون منصوبا على الاستثناء وأن يكون منصوبا على البدلية من أحد وهذا هو المختار. وتقول ما مررت بأحد
[ ٢ / ٢١٣ ]
إلا زيد وإلا زيدا ولا تمرر بأحد إلا زيد وإلا زيدا وهل مررت بأحد إلا زيد؟ وإلا زيدا.
وهذا معنى قوله" وبعد نفي أو كنفي انتخب إتباع ما اتصل أي اختير إتباع الاستثناء المتصل إن وقع بعد نفي أو شبه نفي.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وإن كان الاستثناء منقطعا تعين النصب عند جمهور العرب فتقول ما قام القوم إلا حمارا ولا يجوز الإتباع وأجازه بنو تميم فتقول ما قام القوم إلا حمار وما ضربت القوم إلا حمارا وما مررت بالقوم إلا حمار.
وهذا هو المراد بقوله وانصب ما انقطع أي انصب الاستثناء المنقطع إذا وقع بعد نفي أو شبهه عند غير بني تميم وأما بنو تميم فيجيزون إتباعه.
فمعنى البيتين أن الذي استثني ب إلا ينتصب إن كان الكلام موجبا ووقع بعد تمامه وقد نبه على هذا التقييد بذكره حكم النفي بعد ذلك وإطلاق كلامه يدل على أنه ينتصب سواء كان متصلا أو منقطعا.
وإن كان غير موجب وهو الذي فيه نفي أو شبه نفي انتخب أي اختير إتباع ما اتصل ووجب نصب ما انقطع عند غير بني تميم وأما بنو تميم فيجيزون إتباع المنقطع.
وغير نصب سابق في النفي قد يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد (١)
_________________
(١) " وغير " مبتدأ، وغير مضاف و" نصب " مضاف إليه، ونصب مضاف و" سابق " مضاف إليه " في النفي " جار ومجرور متعلق بقوله " يأتي " الآتي " قد " حرف دال على التقليل، وجملة " يأتي " وفاعله المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى " غير نصب " في محل رفع خبر المبتدأ " ولكن " حرف استدراك " نصبه " نصب: مفعول مقدم لاختر، ونصب مضاف والهاء مضاف إليه " اختر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إن " شرطية " ورد " فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، وتقديره: إن ورد فاختر نصبه.
[ ٢ / ٢١٥ ]
إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه فإما أن يكون الكلام موجبا أو غير موجب.
فإن كان موجبا وجب نصب المستثنى نحو قام إلا زيدا القوم وإن كان غير موجب فالمختار نصبه فتقول ما قام إلا زيدا القوم ومنه قوله:
١٦٧ - فمالي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مذهب الحق مذهب
وقد روي رفعه فتقول ما قام إلا زيد القوم قال سيبويه: حدثني
_________________
(١) البيت للكميت بن زيد الاسدي، من قصيدة هاشمية، يمدح فيها آل النبي ﷺ، وأولها قوله: طربت، وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب؟ اللغة: " طربت " الطرب: استخفاف القلب من حزن أو فرح أو لهو " البيض " جمع بيضاء، وهي المرأة النقية " وذو الشيب يلعب " جعله بعض النحاة ومنهم ابن هشام في المغنى على تقدير همزة الاستفهام، وكأنه قد قال: أو ذو الشيب يلعب؟ ودليل صحته أنه يروى في مكانه " أذو الشيب يلعب " " شيعة " أشياع وأنصار " مذهب الحق " يروى في مكانه " مشعب الحق " والمراد: أنه لا قصد له إلا طريق الحق. الاعراب: " وما " نافية " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " إلا " أداة استثناء " آل " مستثنى، وآل مضاف، و" أحمد " مضاف إليه " شيعة " مبتدأ مؤخر، وهو المستثنى منه، " وما لي إلا مذهب الحق مذهب " مثل الشطر الاول في الاعراب تماما. الشاهد فيه: قوله " إلا آل أحمد " وقوله " إلا مذهب الحق " حيث نصب المستثنى بإلا في الموضعين، لانه متقدم على المستثنى منه، والكلام منفي، وهذا هو المختار.
[ ٢ / ٢١٦ ]
يونس أن قوما يوثق بعربيتهم يقولون مالي إلا أخوك ناصر وأعربوا الثاني بدلا من الأول على القلب لهذا السبب ومنه قوله:
١٦٨ - فإنهم يرجون منه شفاعة إذا لم يكن إلا النبيون شافع
فمعنى البيت إنه قد ورد في المستثنى السابق غير النصب وهو الرفع.
_________________
(١) البيت لحسان بن ثابت شاعر النبي ﷺ، من قصيدة يقولها في يوم بدر، وأولها قوله: ألا يا لقومي هل لما حم دافع؟ وهل ما مضى من صالح العيش راجع؟ اللغة: " حم " تقول: حم الامر - بالبناء للمجهول - ومعناه قدر، وتقول: قد حمه الله، وأحمه، تريد قدره وهيأ أسبابه " يرجون " يترقبون ويأملون، والمراد بالشفاعة شفاعته ﷺ، وهي المقام المحمود الذي ذكره الله تعالى في قوله: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) . الاعراب: " فإنهم " إن: حرف توكيد ونصب، هم: اسمه " يرجون " فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر إن " منك " جار ومجرور متعلق بيرجون " شفاعة " مفعول به ليرجون " إذا " ظرفية " لم " نافية جازمة " يكن " فعل مضارع تام مجزوم بلم " إلا " أداة استثناء " النبيون " مستثنى، وستعرف ما فيه " شافع " فاعل يكن، وهو المستثنى منه. الشاهد فيه: قوله " إلا النبيون " حيث رفع المستثنى مع تقدمه على المستثنى منه، والكلام منفي، والرفع في مثل ذلك غير المختار، وإنما المختار نصبه، هذا هو الظاهر. وقد خرجه بعض النحاة على غير ظاهره، ليطابق المختار عندهم، فذهبوا إلى أن قوله " النبيون " معمول لما قبل إلا، أي أنه فاعل يكن، فيكون الكلام استثناء مفرغا: أي لم يذكر فيه المستثنى منه، وقوله " شافع " بدل كل مما قبله، ويكون الامر على عكس الاصل، فالذي كان بدلا صار مبدلا منه، والذي كان مبدلا منه قد صار بدلا، وتغير نوع البدل فصار بدل كل بعد أن كان بدل بعض.
[ ٢ / ٢١٧ ]
وذلك إذا كان الكلام غير موجب نحو ما قام إلا زيد القوم ولكن المختار نصبه.
وعلم من تخصيصه ورود غير النصب بالنفي أن الموجب يتعين فيه النصب نحو قام إلا زيدا القوم.
وإن يفرغ سابق إلا لما بعد يكن كما لو إلا عدما (١)
إذا تفرغ سابق إلا لما بعدها أي لم يشتغل بما يطلبه كان الاسم الواقع بعد إلا معربا بإعراب ما يقتضيه ما قبل إلا قبل دخولها وذلك نحو ما قام إلا زيد وما ضربت إلا زيدا وما مررت إلا بزيد ف زيد فاعل مرفوع بقام وزيدا منصوب بضربت وبزيد متعلق بمررت كما لو لم تذكر "إلا".
_________________
(١) " وإن " شرطية " يفرغ " فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط " سابق " نائب فاعل ليفرغ، وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل، وفاعله ضمير مستتر فيه " إلا " قصد لفظه: جعله الشيخ خالد مضافا إليه، وليس هذا الاعراب بشئ، بل هو مفعول به لسابق، لانه اسم فاعل منون وترك تنوينه يخل بوزن البيت " لما " جار ومجرور متعلق بيفرغ " بعد " ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا في محل نصب، وهو متعلق بمحذوف صلة " ما " المجرورة محلا باللام " يكن " فعل مضارع ناقص مجزوم لانه جواب الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا " كما " الكاف جارة، ما زائدة " لو " مصدرية " الا " قصد لفظه: نائب فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده " عدما " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على إلا، و" لو " ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر " يكن "، وتقدير الكلام: يكن هو كائنا كعدم إلا في الكلام.
[ ٢ / ٢١٨ ]
وهذا هو الاستثناء المفرغ (١) ولا يقع في كلام موجب (٢) فلا: تقول ضربت إلا زيدا.
وألغ إلا ذات توكيد كلا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا (٣)
إذا كررت إلا لقصد التوكيد لم تؤثر فيما دخلت عليه شيئا ولم تفد
_________________
(١) يجوز تفريغ العامل المتقدم على إلا بالنظر إلى جميع المعمولات كالفاعل ونائبه والمفعول به، ويستثنى من ذلك: المفعول معه، والمصدر المؤكد لعامله، والحال المؤكدة، فلا يجوز أن تقول: ما سرت إلا والنيل، ولا أن تقول: ما ضربت إلا ضربا، ولا أن تقول: لا تعث إلا مفسدا، وذلك لان الكلام مع هذه المثل ونحوها يتناقض صدره مع عجزه.
(٢) أطلق الشارح القول بعدم وقوع الاستثناء المفرغ في الكلام الموجب، ولم يفرق بين أن يكون ما بعد إلا فضلة وأن يكون عمدة، وللنحاة في هذا الموضوع مذهبان: أحدهما: أنه لا يقع بعد الايجاب مطلقا كما يقتضيه إطلاق الشارح، وهو مذهب الجمهور، واختاره الناظم، والسر في ذلك أنك لو كنت تقول " ضربت إلا زيدا " لكان المعنى أنك ضربت جميع الناس إلا زيدا، وهذا مستحيل، وقيام قرينة تدل على أنك تريد بالناس جماعة مخصوصة، أو أنك قصدت إلى المبالغة - بجعل الفعل الواقع على بعض الناس واقعا على كلهم، تنزيلا لهذا البعض منزلة الكل، لعدم الاعتداد بما عدا هذا البعض - أمر نادر، فلا يجعل له حكم. والمذهب الثاني لابن الحاجب، وخلاصته أنه يجوز وقوع الاستثناء بعد الايجاب بشرطين، الاول: أن يكون ما بعد إلا فضلة، والثاني: أن تحصل فائدة، وذلك كقولك: قرأت إلا يوم الجمعة، فإن كان عمدة أو لم تحصل فائدة لم يجز.
(٣) " وألغ " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إلا " قصد لفظه: مفعول به لالغ " ذات " حال من " إلا "، وذات مضاف، و" توكيد " مضاف إليه " كلا " الكاف جارة لقول محذوف، لا: ناهية " تمرر " فعل مضارع مجزوم بلا، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بهم " جار ومجرور متعلق بتمرر " إلا " حرف استثناء " الفتى " مستثنى، والمستثنى منه الضمير المجرور محلا بالباء " إلا " توكيد لالا السابقة " العلا " بدل من " الفتى "، بدل كل من كل.
[ ٢ / ٢١٩ ]
غير توكيد الأولى وهذا معنى إلغائها وذلك في البدل والعطف نحو ما مررت بأحد إلا زيد إلا أخيك ف أخيك بدل من زيد ولم تؤثر فيه إلا شيئا أي لم تفد فيه استثناء مستقلا وكأنك قلت ما مررت بأحد إلا زيد أخيك ومثله لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا والأصل لا تمرر بهم إلا الفتى العلا فالعلا بدل من الفتى وكررت إلا توكيدا ومثال العطف قام القوم إلا زيدا وإلا عمرا والأصل إلا زيدا وعمرا ثم كررت إلا توكيدا ومنه قوله:
١٦٩ - هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
والأصل وطلوع الشمس وكررت "إلا" توكيدا.
_________________
(١) البيت لابي ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خالد، والبيت مطلع قصيدة له، وبعده قوله: أبي القلب إلا أم عمرو، وأصبحت تحرق ناري بالشكاة ونارها وعيرها الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها اللغة: " غيارها " بزنة قيام - هو مصدر بمعنى الغياب " تحرق " بالبناء للمجهول - توقد، وتذكى، وتشعل " بالشكاة " بفتح الشين أراد ما يكون من كلام الواشين من النمائم " عيرها الواشون " نسبوها إلى العار، وهو كل ما يوجب الذم. الاعراب: " هل " حرف استفهام بمعنى النفي " الدهر " مبتدأ " إلا " أداة استثناء ملغاة " ليلة " خبر المبتدأ " ونهار ها " الواو عاطفة، نهار: معطوف على ليلة، ونهار مضاف والضمير مضاف إليه " وإلا " الواو عاطفة، وإلا زائدة للتوكيد " طلوع " معطوف على ما قبله، وطلوع مضاف و" الشمس " مضاف إليه " ثم " عاطفة " غيارها " غيار: معطوف على طلوع، وغيار مضاف وها مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " وإلا طلوع الشمس " حيث تكررت " إلا " ولم تفد غير مجرد التوكيد، فألغيت، وعطف ما بعدها على ما قبلها، ونظير زيادة " إلا " في هذا =
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وقد اجتمع تكرارها في البدل والعطف في قوله:
١٧٠ - مالك من شيخك إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله
_________________
(١) = الموضع زيادة " لا " في نحو قولك: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، فالواو عاطفة لما بعد " لا " الثانية على ما بعد " لا " الاولى، وليست " لا " الثانية إلا زائدة لمجرد تأكيد أن ما بعدها معطوف على مدخول الاولى.
(٢) البيت لراجز لم يسمه أحد ممن اطلعنا على أقوالهم، وهو من شواهد سيبويه (١ / ٣٧٤) . اللغة: " شيخك " هكذا يقرأه الناس قديما وحديثا بالياء المثناة بعدها خاء معجمة، ويشتهر على ألسنة الجميع أنه الجمل، ولكنا لم نقف على هذا المعنى لهذا اللفظ في كتب اللغة الموثوق بها، والمنصوص عليه أن الشيخ هو الرجل المسن، وعلى هذا يفسر الرسيم كما قال الاعلم بالسعي بين الصفا والمروة، ويفسر الرمل بالسعي في الطواف، وكأنه قال: لا منفعة في ولا عمل عندي أفوق فيه غيري إلا هذان، وزعم بعض الناس أن الصواب في رواية هذه الكلمة " شنجك " بالنون والجيم الموحدتين، وهو الجمل، وأصل نونه متحركة فسكنها لاقامة الوزن، وكأن الذي دعاه إلى ادعاء التصحيف ثم إلى هذا التفسير ذكر الرسيم والرمل، ولكن الذي عليه الرواة الاثبات من المتقدمين أولى بالاتباع، إذ كانت اللغة لا تثبت إلا بالنقل، و" رسيمه ورمله " على هذه الرواية الاخيرة ضربان من السير. المعنى: المراد على الوجه الاخير: لا منفعة لك من جملك إلا في نوعين من سيره، وهما الرسيم والرمل وقد بينا لك المعنى على الرواية الاصيلة التي اخترناها وصوبناها. الاعراب: " ما " نافية " لك " جار ومجرور، ومثله " من شيخك " ويتعلقان بمحذوف خبر مقدم، وشيخ مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " إلا " أداة استثناء " عمله " عمل: مبتدأ مؤخر، وعمل مضاف والضمير مضاف إليه " إلا " زائدة للتوكيد " رسيمه " رسيم: بدل من عمل، بدل بعض من كل، ورسيم مضاف والضمير مضاف إليه " وإلا " الواو عاطفة، إلا: زائدة للتوكيد " رمله " رمل: معطوف على رسيمه، ورمل مضاف وضمير الغائب العائد إلى شيخك مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " إلا رسيمه وإلا رمله " حيث تكررت " إلا " في البدل والعطف، ولم تفد غير مجرد التوكيد، وقد ألغيت.
[ ٢ / ٢٢١ ]
والأصل: إلا عمله رسيمه ورمله ف رسيمة بدل من عمله ورمله معطوف على رسيمه وكررت إلا فيهما توكيدا.
وإن تكرر لا لتوكيد فمع تفريغ التأثير بالعامل دع (١)
في واحد مما بإلا استثني وليس عن نصب سواه مغنى (٢)
إذا كررت إلا لغير التوكيد وهي التي يقصد بها ما يقصد بما قبلها من الاستثناء ولو أسقطت لما فهم ذلك فلا يخلو إما أن يكون الاستثناء مفرغا أو غير مفرغ.
_________________
(١) " وإن " شرطية " تكرر " فعل مضارع مبني للمجهول، فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على إلا " لا " عاطفة " لتوكيد " معطوف على جار ومجرور محذوف، والتقدير: وإن تكرر إلا لتأسيس لا لتوكيد " فمع " الفاء لربط الجواب بالشرط، مع: ظرف متعلق بدع الآتي، ومع مضاف، و" تفريغ " مضاف إليه " التأثير " مفعول به لدع مقدم عليه " بالعامل " جار ومجرور متعلق بالتأثير " دع " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت.
(٢) " في واحد " جار ومجرور متعلق بدع في البيت السابق " مما " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لواحد " بإلا " جار ومجرور متعلق باستثني الآتي " استثني " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ما الموصولة المجرورة محلا بمن، والجملة من استثني ونائب فاعله لا محل لها صلة الموصول " وليس " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى واحد " عن نصب " جار ومجرور متعلق بمغني الآتي، ونصب مضاف وسوى من " سواه " مضاف إليه، وسوى مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " مغني " خبر ليس، ووقف عليه كلغة ربيعة، ويجوز أن يكون مغني اسم ليس، وخبرها محذوف، أي وليس مغن عن نصب سواه موجودا.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
فإن كان مفرغا شغلت العامل بواحد ونصبت الباقي فتقول ما قام إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا ولا يتعين واحد منها لشغل العامل بل أيها شئت شغلت العامل به ونصبت الباقي وهذا معنى قوله فمع تفريغ إلى آخره أي مع الاستثناء المفرغ اجعل تأثير العامل في واحد مما استثنيته بإلا وانصب الباقي.
وإن كان الاستثناء غير مفرغ وهذا هو المراد بقوله:
ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم (١)
وانصب لتأخير وجيء بواحد منها كما لو كان دون زائد (٢)
كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي وحكمها في القصد حكم الأول (٣)
_________________
(١) " ودون " ظرف متعلق باحكم، ودون مضاف و" تفريغ " مضاف إليه " مع التقدم " مثله " نصب " مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، ونصب مضاف و" الجميع " مضاف إليه " احكم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " به " جار ومجرور متعلق باحكم " والتزم " الواو عاطفة، التزم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ومفعوله محذوف: أي التزم ذلك الحكم.
(٢) " وانصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لتأخير " جار ومجرور متعلق بانصب " وجئ " الواو عاطفة، جئ: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بواحد " جار ومجرور متعلق بجئ " منها " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لواحد " كما " الكاف جارة، وما: زائدة " لو " مصدرية " كان " فعل ماض تام، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى واحد " دون " ظرف متعلق بمحذوف حال من فاعل " كان " و" لو " ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جر صفة ثانية لواحد، أو في محل نصب حال منه، لانه تخصص بالوصف.
(٣) " كلم " الكاف جارة لقول محذوف، لم: نافية جازمة " يفوا " فعل مضارع مجزوم بلم، وواو الجماعة فاعله " إلا " أداة استثناء " امرؤ " بدل من واو الجماعة =
[ ٢ / ٢٢٣ ]
فلا يخلو إما أن تتقدم المستثنيات على المستثنى منه أو تتأخر.
فإن تقدمت المستثنيات وجب نصب الجميع سواء كان الكلام موجبا أو غير موجب نحو قام إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا القوم وما قام إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا القوم وهذا معنى قوله ودون تفريغ البيت.
وإن تأخرت فلا يخلو إما أن يكون الكلام موجبا أو غير موجب فإن كان موجبا وجب نصب الجميع فتقول قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا وإن كان غير موجب عومل واحد منها بما كان يعامل به لو لم يتكرر الاستثناء فيبدل مما قبله وهو المختار أو ينصب وهو قليل كما تقدم وأما با قيها فيجب نصبه وذلك نحو ما قام أحد إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا ف زيد بدل من أحد وإن شئت أبدلت غيره من الباقين ومثله قول المصنف لم يفوا إلا امرؤ إلا علي فامرؤ بدل من الواو في يفوا وهذا معنى قوله وانصب لتأخير إلى آخره أي وانصب المستثنيات كلها إذا تأخرت عن المستثنى منه إن كان الكلام موجبا وإن كان غير موجب فجيء بواحد منها معربا بما كان يعرب به لو لم يتكرر المستثنى وانصب الباقي.
ومعنى قوله: وحكمها في القصد حكم الأول أن ما يتكرر من المستثنيات حكمه في المعنى حكم المستثنى الأول فيثبت له ما يثبت للأول من الدخول والخروج ففي قولك قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا الجميع
_________________
(١) = بدل بعض من كل " إلا " حرف دال على الاستثناء " علي " مستثنى منصوب، ووقف عليه بالسكون كلغة ربيعة " وحكمها " الواو عاطفة أو للاستئناف، حكم: مبتدأ، وحكم مضاف والضمير مضاف إليه " في القصد " جار ومجرور متعلق بحكم " حكم " خبر المبتدأ، وحكم مضاف، و" الاول " مضاف إليه. (٣٩ - شرح ابن عقيل ١)
[ ٢ / ٢٢٤ ]
مخرجون وفي قولك ما قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا الجميع داخلون وكذا في قولك ما قام أحد إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا الجميع داخلون.
واستثن مجرورا بغير معربا بما لمستثنى بإلا نسبا (١)
استعمل بمعنى إلا في الدلالة على الاستثناء ألفاظ منها ما هو اسم وهو غير وسوى وسوى وسواء ومنها ما هو فعل وهو ليس ولا يكون ومنها ما يكون فعلا وحرفا وهو عدا وخلا وحاشا وقد ذكرها المصنف كلها. فأما غير وسوى وسوى وسواء فحكم المستثنى بها الجر لإضافتها إليه وتعرب غير بما كان يعرب به المستثنى مع إلا فتقول قام القوم غير زيد بنصب غير كما تقول قام القوم إلا زيدا بنصب زيد وتقول ما قام أحد غير زيد وغير زيد بالإتباع والنصب والمختار الإتباع كما تقول ما قام أحد إلا زيد ولا زيدا وتقول ما قام غير زيد فترفع غير وجوبا كما تقول ما قام إلا زيد برفعه
_________________
(١) " استثن " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مجرورا " مفعول به لاستثن " بغير " جار ومجرور متعلق باستثن " معربا " حال من غير " بما " جار ومجرور متعلق بمعرب " لمستثنى " جار ومجرور متعلق بنسب الآتي " بإلا " جار ومجرور متعلق بمستثنى " نسبا " نسب: فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة " ما " المجرورة محلا بالباء، وتقدير البيت: استثن بلفظ غير اسما مجرورا بإضافة غير إليه حال كون لفظ غير معربا بالاعراب الذي نسب للمستثنى بإلا.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وجوبا وتقول:
ما قام أحد غير حمار بنصب غير عند غير بني تميم والإتباع عند بني تميم كما تفعل في قولك ما قام أحد إلا حمار وإلا حمارا.
وأما سوى فالمشهور فيها كسر السين والقصر ومن العرب من يفتح سينها ويمد ومنهم من يضم سينها ويقصر ومنهم من يكسر سينها ويمد وهذه اللغة لم يذكرها المصنف وقل من ذكرها وممن ذكرها الفارسي في شرحه للشاطبية.
ومذهب سيبويه والفراء وغيرهما أنها لا تكون إلا ظرفا فإذا قلت قام القوم سوى زيد فسوى عندهم منصوبة على الظرفية وهي مشعرة بالاستثناء ولا تخرج عندهم عن الظرفية إلا في ضرورة الشعر.
واختار المصنف أنها كغير فتعامل بما تعامل به غير: من الرفع والنصب والجر وإلى هذا أشار بقوله:
ولسوى سوى سواء اجعلا على الأصح ما لغير جعلا (١)
فمن استعمالها مجرورة قوله ﷺ: "دعوت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسها" وقوله ﷺ: "ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض" وقول الشاعر:
_________________
(١) " لسوى " جار ومجرور متعلق باجعل على أنه مفعول ثان له " سوى، سواء " معطوفان على سوى بعاطف مقدر في كل منهما " اجعلا " اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والالف منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة " على الاصح " جار ومجرور متعلق بجعل " ما " اسم موصول: مفعول أول لاجعل " لغير " جار ومجرور متعلق بجعل الآتي على أنه المفعول الثاني " جعلا " جعل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، وهو المفعول الاول، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة، والالف للاطلاق.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
١٧١ - ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا جلسوا منا ولا من سوائنا
_________________
(١) البيت للمرار بن سلامة العقيلي، وهو من شواهد سيبويه، وقد أنشده في كتابه مرتين: إحداهما في (١ / ٣) ونسبه للمرار بن سلامة، والثانية في (١ / ٣٠٢) ونسبه لرجل من الانصار، ولم يعينه. اللغة: " الفحشاء " الشئ القبيح، وتقول: أفحش الرجل في كلامه، وفحش تفحيشا، وتفحش، إذا أردت أنه يتكلم بقبيح الكلام. الاعراب: " لا " نافية " ينطق " فعل مضارع " الفحشاء " منصوب على نزع الخافض " من " اسم موصول فاعل ينطق " كان " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الموصولة " منهم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كان، والجملة من كان ومعموليها لا محل لها من الاعراب صلة " إذا " ظرفية " جلسوا " فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها " منا " جار ومجرور متعلق بجلسوا، ومن الجارة هنا بمعنى مع " ولا " الواو عاطفة، لا: نافية " من سوائنا " الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور السابق، وسواء مضاف والضمير مضاف إليه، وقيل: منا ومن سوائنا يتعلقان بقوله ينطق، وجواب إذا محذوف يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: إذا جلسوا فلا ينطق الفحشاء إلخ. الشاهد فيه: قوله " من سوائنا " حيث خرجت فيه سواء عن الظرفية، واستعملت مجرورة بمن، متأثرة به، وهو عند سيبويه وأتباعه من ضرورات الشعر. قال الاعلم في شرح شواهد سيبويه عند الكلام على هذا البيت: " أراد غيرنا، فوضع سواء موضع غير ضرورة، وكان ينبغي ألا يدخل من عليها، لانها لا تستعمل في الكلام إلا ظرفا، ولكنه جعلها بمنزلة غير في دخول من عليها، لان معناها كمعناها " اهـ. ومثل هذا البيت في استعمال سوى مجرورة للضرورة قول الاعشى ميمون ابن قيس: تجانف عن جو اليمامة ناقتي وما عدلت عن أهلها لسوائكا وقول عثمان بن صمصامة الجعدي: على نعمنا، لانعم قوم سوائنا، هي الهم والاحلام لو يقع الحلم
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ومن استعمالها مرفوعة قوله:
١٧٢ - وإذ تباع كريمة أو تشترى فسواك بائعها وأنت المشتري
وقوله:
١٧٣ - ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا
_________________
(١) البيت لمحمد بن عبد الله المدني، يخاطب يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، وقد روى أبو تمام في الحماسة عدة أبيات من هذه الكلمة، أولها بيت الشاهد (انظر شرح التبريزي ٤ / ٢٧٤ بتحقيقنا) وبعده قوله: وإذا توعرت المسالك لم يكن منها السبيل إلى نداك بأوعر اللغة: " تباع " أراد بالبيع ههنا الزهد في الشئ، والانصراف عنه، وذهاب الرغبة في تحصيله، كما أراد بالشراء الحرص على الشئ، والكلف به، وشدة الرغبة في الحصول عليه، و" أو " ههنا بمعنى الواو " كريمة " أي خصلة كريمة، أي نفيسة حسنة يتسابق الكرام إليها. المعنى: إذا رغب قوم في تحصيل المكارم وتأثيل المجد وانصرف آخرون عن ذلك، فأنت الراغب في المجد المحصل للمكارم، وغيرك المنصرف عنه الزاهد فيه. الاعراب: " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " تباع " فعل مضارع مبني للمجهول " كريمة " نائب فاعل تباع، والجملة من تباع ونائب فاعله في محل جر بإضافة إذا إليها " أو " عاطفة " تشترى " فعل مضارع مبني للمجهول معطوف على تباع، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى كريمة " فسواك " الفاء لربط الجواب بالشرط، سوى: مبتدأ، وسوى مضاف والكاف مضاف إليه " بائعها " بائع: خبر المبتدأ، وبائع مضاف، وها: مضاف إليه، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها من الاعراب جواب إذا " وأنت " مبتدأ " المشتري " خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على الجملة السابقة. الشاهد فيه: قوله " فسواك " فإن " سوى " قد خرجت عن الظرفية، ووقعت مبتدأ متأثرا بالعامل، وهذا العامل معنوي، وهو الابتداء، وهو يرد على ما ذهب إليه سيبويه والجمهور من أن " سوى " لا تخرج عن النصب على الظرفية.
(٢) البيت للفند الزماني من كلمة يقولها في حرب البسوس، واسم الفند شهل ابن شيبان بن ربيعة، وقد روى أبو تمام في مطلع ديوان الحماسة أبياتا من هذه الكلمة =
[ ٢ / ٢٢٨ ]
فسواك مرفوع بالابتداء وسوى العدوان مرفوع بالفاعلية ومن استعمالها منصوبة على غير الظرفيه قوله:
١٧٤ - لديك كفيل بالمنى لمؤمل وإن سواك من يؤمله يشقى
_________________
(١) = يقع بيت الشاهد رابعها، وقبله وقوله: صفحنا عن بني ذهل وقلنا: القوم إخوان عسى الايام أن يرجعن قوما كالذي كانوا فلما صرح الشر وأمسى وهو عريان اللغة: " صفحنا " عفونا، والصفح: العفو، وأصله من قولهم: أعرضت صفحا عن هذا الامر، إذا تركته ووليته جانبك " بني ذهل " يروى في مكانه " بني هند " وهي هند بنت مر ابن أخت تميم، وهي أم بكر وتغلب ابني وائل " العدوان " الظلم الصريح " دناهم " جازيناهم وفعلنا بهم مثل الذي فعلوا بنا من الاساءة، وجملة " دناهم " هذه جواب " لما " في قوله " فلما صرح الشر ". الاعراب: " ولم " نافية جازمة " يبق " فعل مضارع مجزوم بحذف الالف " سوى " فاعل يبق، وسوى مضاف، و" العدوان " مضاف إليه " دناهم " فعل ومفعول به " كما " الكاف جارة، وما: يجوز أن تكون موصولا اسميا، وأن تكون حرفا مصدريا " دانوا " فعل وفاعل، فإذا كانت " ما " موصولا اسميا فالجملة لا محل لها من الاعراب صلة، والعائد محذوف، والتقدير: دناهم كالدين الذي دانوه، وإذا كانت ما مصدرية فهي ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، وعلى كل حال فإن الكاف ومجرورها متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يدل عليه قوله دناهم، والتقدير: دناهم دينا كائنا كالدين الذي دانوه، أو دناهم دينا مثل دينهم إيانا. الشاهد فيه: قوله " سوى العدوان " حيث وقعت " سوى " فاعلا، وخرجت عن الظرفية.
(٢) البيت من الشواهد التي لم ينسبوها لقائل معين، ولم أقف له على سابق أو لاحق. =
[ ٢ / ٢٢٩ ]
فـ"سواك" اسم إن هذا تقرير كلام المصنف.
ومذهب سيبويه والجمهور أنها لا تخرج عن الظرفية إلا في ضرورة الشعر وما استشهد به على خلاف ذلك يحتمل التأويل.
_________________
(١) = اللغة: [" كفيل "]؟ ضامن " المنى " الرغبات والآمال، واحدها منية بوزان مدية وغرفة " لمؤمل " اسم فاعل من أمل فلان فلانا تأميلا، إذا رجاه " يشقى " مضارع من الشقاء وهو العناء والشدة. المعنى: إن عندك من مكارم الاخلاق وشريف السجايا ما يضمن لمن يرجو نداك أن يبلغ قصده وينال عندك ما يؤمل، فأما غيرك ممن يظن بهم الناس الخير فإن آمال الراجين فيهم تنقلب خيبة وشقاء. الاعراب: " لديك " لدى: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولدى مضاف والكاف مضاف إليه " كفيل " مبتدأ مؤخر " بالمنى، لمؤمل " جاران ومجروران يتعلقان بكفيل " إن " حرف توكيد ونصب " سواك " سوى: اسم إن، وسوى مضاف والكاف مضاف إليه " من " اسم موصول مبتدأ " يؤمله " يؤمل: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الموصولة، والهاء مفعول به، والجملة لا محل لها صلة الموصول " يشقى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الموصولة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو من الموصولة، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن. الشاهد فيه: قوله " وإن سواك " حيث فارقت " سوى " الظرفية ووقعت اسما لان فتأثرت بالعامل الذي هو إن المؤكدة. ومثل هذا البيت - في وقوع سوى منصوبة بالعامل - الشاهد رقم ١٧٥ الآتي (ص ٦١٨) وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (البيت ١٧ من الكلمة ١١٤): وصرمت حبلك إذ صرمت لانني أخبرت أنك قد هويت سوانا وكل هذه الشواهد دالة على أن هذه الكلمة ليست ملازمة للنصب على الظرفية كما ذهب إليه سيبويه، والخليل، وجمهور البصريين، وادعاؤهم أن ذلك خاص بضرورة الشعر مع =
[ ٢ / ٢٣٠ ]
واستثن ناصبا بليس وخلا وبعدا وبيكون بعد لا (١)
أي: استثن بليس وما بعدها ناصبا المستثنى فتقول قام القوم ليس زيدا وخلا زيدا وعدا زيدا ولا يكون زيدا ف زيدا في قولك ليس زيدا ولا يكون زيدا منصوب على أنه خبر ليس ولا يكون واسمهما ضمير مستتر والمشهور أنه عائد على البعض المفهوم من القوم (٢)
_________________
(١) = كثرة ما ورد منه - مما لا يجوز أن يلتفت إليه أو يؤخذ به، وتأويل هذه الشواهد الكثيرة مما لا تدعو إليه ضرورة، ولا يمكن ارتكابه إلا مع التمحل والتكلف، ولئن ذهبنا إلى ارتكابه لم يبق تأصيل قواعد النحو ممكنا.
(٢) " واستئن " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ناصبا " حال من الفاعل المستتر في استثن " بليس " جار ومجرور متعلق باستثن " وخلا " معطوف على ليس " وبعدا، وبيكون " جاران ومجروران معطوفان على بليس " بعد " ظرف متعلق بمحذوف حال من يكون، وبعد مضاف، و" لا " قصد لفظه: مضاف إليه.
(٣) للنحاة في مرجع الضمير المستكن في يكون من قولك " قام القوم لا يكون زيدا " والمستكن في ليس من قولك " قام القوم ليس زيدا " ثلاثة أقوال معروفة: (الاول) أن مرجعه هو البعض المفهوم من الكل السابق الذي هو المستثنى منه، فتقدير الكلام: قام القوم لا يكون هو (أي بعض القوم) زيدا، فهو مثل قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نساء) وهذا أشهر المذاهب في هذه المسألة. (الثاني) أن مرجعه اسم فاعل مأخوذ من الفعل العامل في المستثنى منه، فتقدير الكلام: قام القوم لا يكون هو (أي القائم) زيدا. (الثالث) أن مرجعه هو مصدر الفعل السابق العامل في المستثنى منه، والمستثنى نفسه على تقدير مضاف، وتقدير الكلام على هذا: قام القوم لا يكون هو (أي القيام) قيام زيد. =
[ ٢ / ٢٣٢ ]
والتقدير:
ليس بعضهم زيدا ولا يكون بعضهم زيدا وهو مستتر وجوبا وفي قولك خلا زيدا وعدا زيدا منصوب على المفعولية وخلا وعدا فعلان فاعلهما في المشهور ضمير عائد على البعض المفهوم من القوم كما تقدم وهو مستتر وجوبا والتقدير خلا بعضهم زيدا وعدا بعضهم زيدا.
ونبه بقوله وبيكون بعد لا وهو قيد في يكون فقط على أنه لا يستعمل في الاستثناء من لفظ الكون غير يكون وأنها لا تستعمل فيه إلا بعد لا فلا تستعمل فيه بعد غيرها من أدوات النفي نحو لم وإن ولن ولما وما.
واجرر بسابقي يكون إن ترد وبعد ما انصب وانجرار قد يرد (١)
_________________
(١) = ويضعف الوجهين - الثاني والثالث - أن الكلام قد لا يكون مشتملا على فعل، نحو قولك: القوم إخوتك لا يكون زيدا.
(٢) " واجرر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بسابقي " جار ومجرور متعلق باجرر، وسابقي مضاف، و" يكون " قصد لفظه: مضاف إليه " إن " شرطية " ترد " فعل مضارع فعل الشرط، مجزوم بإن، وعلامة جزمه السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: إن ترد فاجرر إلخ " وبعد " الواو عاطفة، بعد: ظرف متعلق بانصب الآتي، وبعد مضاف، و" ما " قصد لفظه: مضاف إليه " انصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " وانجرار " مبتدأ " قد " حرف تقليل " يرد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى انجرار، والجملة من يرد وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
أي: إذا لم تتقدم ما على خلا وعدا فاجرر بهما إن شئت فتقول قام القوم خلا زيد وعدا زيد فخلا وعدا حرفا جر ولم يحفظ سيبويه الجر بهما وإنما حكاه الأخفش فمن الجر بخلا قوله:
١٧٥ - خلا الله لا أرجو سواك وإنما أعد عيالي شعبة من عيالكا
_________________
(١) البيت من الشواهد التي لم يعينوا قائلها، ولم أقف له على سابق أو لاحق. اللغة: " أرجو " مضارع من الرجاء، وهو ضد اليأس من الشئ الذي هو قطع الطماعية في الوصول إليه، وتقول: رجا الانسان الشئ يرجوه رجاء، إذا أمله وتوقع حصوله " سواك " غيرك، وهو دليل على أن هذه الكلمة تستعمل غير ظرف، لوقوعها مفعولا به، وتقدمت هذه المسألة مشروحة مستدلا لها (ص ٦١١ وما بعدها) " أعد " أي أحسب " عيالي " العيال: هم أهل بيت الانسان ومن يمونهم " شعبة " طائفة. المعنى: إنني لا أؤمل أن يصلني الخير من أحد إلا منك، وأنا واثق كل الثقة من أنك لا تدخر وسعا في التفضل علي والاحسان إلي، لان أهلي ومن تلزمني مؤنهم في اعتباري فريق من أهلك ومن تلزمك مؤنهم. - في اعتباري - فريق من وأهلك ومن تلزمك مؤنهم الاعراب: " خلا " حرف جر " الله " مجرور بخلا، والجار والمجرور متعلق بأرجو الآتي " لا " نافية " أرجو " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " سواك " سوى: مفعول به لارجو، وسوى مضاف والكاف ضمير المخاطب مضاف إليه " إنما " أداة حصر " أعد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " عيالي " عيال: مفعول أو لاعد، وعيال مضاف وياء المتكلم مضاف إليه مبني على السكون في محل جر " شعبة " مفعول ثان لاعد " من عيالكا " من عيال: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لشعبة، وعيال مضاف والكاف مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " خلا الله " وفي هذه الكلمة وحدها شاهدان للنحاة: أما الاول فحيث استعمل الشاعر " خلا " حرف جر، فجر به لفظ الجلالة، وذكر الشارح =
[ ٢ / ٢٣٤ ]
ومن الجر بعدا قوله:
١٧٦ - تركنا في الحضيض بنات عوج عواكف قد خضعن إلى النسور
أبحنا حيهم قتلا وأسرا عدا الشمطاء والطفل الصغير
_________________
(١) = أن هذا مما نقله الاخفش، وأن سيبويه لم يحفظ من العرب الجر بخلا، وهذا نقل غير صحيح، بل نقله سيبويه في كتابه صريحا (١ / ٣٧٧) حيث يقول " أما حاش فليس باسم، ولكنه حرف يجر ما بعده كما تجر حتى ما بعدها، وفيه معنى الاستثناء، وبعض العرب يقول: ما أنا من القوم خلا عبد الله (بالجر) فجعلوا خلا بمنزلة حاشا، فإذا قلت: ما خلا فليس فيه إلا النصب، لان ما اسم، ولا تكون صلتها إلا للفعل هنا " اه، وأما الشاهد الثاني فحيث قدم الاستثناء فجعله أول الكلام قبل المستثنى منه وقبل العامل فيه، وذلك جائز عند الكوفيين، نص عليه الكسائي، وإليه ذهب أبو إسحاق الزجاج، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز، وأجاز الفريقان جميعا تقديم المستثنى على المستثنى منه، بشرط أن يتقدم العامل في المستثنى منه أو بعض جملة المستثنى منه. وفي قوله " لا أرجو سواك " شاهد ثالث، وحاصله أن " سوى " قد تفارق النصب على الظرفية فتتأثر بالعوامل، وقد وقعت هنا مفعولا به، وهذا هو الذي نبهناك إليه في ص ٦١١.
(٢) وهذان البيتان من الابيات التي لم نقف على نسبتها إلى قائل معين. اللغة: " الحضيض " قرار الارض عند منقطع الجبل " بنات عوج " أراد بها الخيل التي ينسبونها إلى فرس مشهور يسمونه " أعوج " ويقال: خيل أعوجيات " عواكف " جمع عاكفة، والعكوف: ملازمة الشئ والمواظبة عليه " خضعن " ذللن وخشعن " أبحنا حيهم " أراد أهلكنا واستأصلنا، والحي: القبيلة " أسرا " الاسر: أن يأخذ الرجل الرجل في الحرب ملقيا بيديه معترفا بالعجز عن الدفاع عن نفسه " الشمطاء " هي العجوز التي يخالط سواد شعرها بياض. الاعراب: " تركنا " فعل وفاعل " في الحضيض " جار ومجرور متعلق بتركنا " بنات " مفعول به لتركنا، وبنات مضاف، و" عوج " مضاف إليه " عواكف " حال من بنات عوج " قد " حرف تحقيق " خضعن " فعل وفاعل، والجملة في محل =
[ ٢ / ٢٣٦ ]
فإن تقدمت عليهما ما وجب النصب بهما فتقول قام القوم ماخلا زيدا وما عدا زيدا ف ما مصدرية وخلا وعدا صلتها وفاعلهما ضمير مستتر يعود على البعض كما تقدم تقريره وزيدا مفعول وهذا معنى قوله وبعد ما انصب هذا هو المشهور.
وأجاز الكسائي الجر بهما بعد ما على جعل ما زائدة وجعل خلا وعدا حرفي جر فتقول قام القوم ما خلا زيد وما عدا زيد وهذا معنى قوله وانجرار قد يرد وقد حكى الجرمي في الشرح الجر بعد ما عن بعض العرب.
وحيث جرا فهما حرفان كما هما إن نصبا فعلان (١)
_________________
(١) = نصب صفة لعواكف " إلى النسور " جار ومجرور متعلق بخضعن " أبحنا " فعل وفاعل " حيهم " حي: مفعول به لاباح، وحي مضاف والضمير مضاف إليه " قتلا " تمييز " وأسرا " معطوف على قوله قتلا " عدا " حرف جر " الشمطاء " مجرور بعدا " والطفل " معطوف على الشمطاء " الصغير " صفة للطفل. الشاهد فيه: قوله " عدا الشمطاء " حيث استعمل " عدا " حرف جر، فجر الشمطاء به، ولم يحفظ سيبويه الجر بعدا، ولا ذكره أبو العباس المبرد، أما الجر بخلا فقد عرفت أن الصحيح في النقل عن سيبويه أنه قد رواه عن بعض العرب (انظر شرح الشاهد رقم ١٧٥ السابق) فقد نقلنا لك فيه نص عبارة سيبويه، ودللناك على موضعه من كتابه.
(٢) " وحيث " اسم شرط عند الفراء الذي لا يشترط في المجازاة به اقترانه بما، وعند غيره هو ظرف يتعلق بقوله " حرفان " الآتي، لانه في قوة المشتق " جرا " فعل ماض، وهو فعل الشرط على القول الاول، وألف الاثنين فاعل " فهما حرفان " =
[ ٢ / ٢٣٧ ]
أي: إن جررت ب خلا وعدا فهما حرفا جر وإن نصبت بهما فهما فعلان وهذا مما لا خلاف فيه.
وكخلا حاشا ولا تصحب ما وقيل حاش وحشا فاحفظهما (١)
المشهور أن حاشا لا تكون إلا حرف جر فتقول قام القوم حاشا زيد بجر زيد وذهب الأخفش والجرمي والمازني والمبرد وجماعة منهم المصنف إلى أنها مثل خلا تستعمل فعلا فتنصب ما بعدها وحرفا فتجر
ما بعدها فتقول قام القوم حاشا زيدا وحاشا زيد وحكى جماعة منهم الفراء وأبو زيد الأنصاري الشيباني النصب بها ومنه اللهم اغفر لي ولمن يسمع حاشا الشيطان وأبا الإصبع وقوله:
١٧٧ -
_________________
(١) = الفاء لربط الجواب بالشرط، وهي زائدة على القول الثاني، وما بعدها جملة من مبتدأ وخبر في محل جزم جواب الشرط " كما " جار ومجرور متعلق بقوله " فعلان " الآتي، لانه في قوة المشتق " هما " ضمير منفصل مبتدأ " إن " شرطية " نصبا " فعل ماض، فعل الشرط، وألف الاثنين فاعل، وجواب الشرط محذوف، وجملة الشرط وجوابه لا محل لها معترضة بين المبتدأ وخبره " فعلان " خبر المبتدأ.
(٢) " كخلا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " حاشا " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " ولا " نافية " تصحب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى حاشا " ما " قصد لفظه: مفعول به لتصحب " وقيل " فعل ماض مبني للمجهول " حاش " قصد لفظه: نائب فاعل قيل " وحشا " معطوف عليه " فاحفظهما " احفظ: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وهما: مفعول به لاحفظ.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
حاشا قريشا فإن الله فضلهم على البرية بالإسلام والدين
وقول المصنف: ولا تصحب ما معناه أن حاشا مثل خلا في أنها تنصب ما بعدها أو تجره ولكن لا تتقدم عليها ما كما تتقدم على خلا فلا تقول قام القوم ما حاشا زيدا وهذا الذي ذكره هو الكثير وقد صحبتها ما قليلا ففي مسند أبي أمية الطر سوسي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أسامه أحب الناس إلي ما حاشا فاطمة". (١)
_________________
(١) هذا البيت من كلام الفرزدق همام بن غالب. الاعراب: " حاشا " فعل ماض دال على الاستثناء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على البعض المفهوم من الكل السابق " قريشا " مفعول به لحاشا " فإن " الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب " الله " اسم إن " فضلهم " فضل: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الله، هم: مفعول به لفضل، والجملة من فضل وفاعله ومفعوله في محل رفع خبر " إن " " على البرية، بالاسلام " جاران ومجروران متعلقان بفضل " والدين " عطف على الاسلام. الشاهد فيه: قوله " حاشا قريشا " فإنه استعمل " حاشا " فعلا، ونصب به ما بعده.
(٢) توهم النحاة أن قوله " ما حاشا فاطمة " من كلام النبي ﷺ، فجعلوا " حاشا " استثنائية، واستدلوا به على أن حاشا الاستثنائية يجوز أن تدخل عليها ما، وذلك غير متعين، بل يجوز أن يكون هذا الكلام من كلام الراوي يعقب به على قول الرسول ﷺ " أسامة أحب الناس إلي " يريد الراوي بذلك أن يبين أنه ﵊ لم يستثن أحدا من أهل بيته لا فاطمة ولا غيرها، فما: نافية، وحاشى: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النبي، وفاطمة: مفعول به، وليست حاشا هذه هي الاستثنائية، بل هي فعل متصرف تام تكتب ألفه ياء لكونها رابعة، ومضارعه هو الذي ورد في قول النابغة الذبياني: =
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وقوله:
١٧٨ - رأيت الناس ما حاشا قريشا فإنا نحن أفضلهم فعالا
ويقال في حاشا حاش وحشا.
_________________
(١) = ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه وما أحاشي من الاقوام من أحد والفرق بين حاشا الاستثنائية وهذا الفعل من ستة أوجه، الاول: أن الاستثنائية تكون حرفا وتكون فعلا، وهذه لا تكون إلا فعلا، والثاني أن الاستثنائية إن كانت فعلا غير متصرفة، وهذه متصرفة، الثالث أن فاعل الاستثنائية مستتر وجوبا، وهذه كغيرها من الافعال ماضيها فاعله مستتر جوازا، والرابع أن ألف الاستثنائية تكتب ألفا، وهذه تكتب ألفها ياء، والخامس: أن الاستثنائية يتعين فيها أن تكون من كلام صاحب الكلام الاول السابق عليها، وهذه ليست كذلك، بل لو تكلم بها صاحب الكلام الاول لقال: ما أحاشي، أو قال: ما حاشيت، كما قال النابغة الذبياني " وما أحاشي " السادس: أن " ما " التي تسبق الاستثنائية مصدرية أو زائدة، وأما التي تسبق هذه فهي نافية، فاعرف ذلك وكن حريصا عليه، والله ينفعك به.
(٢) نسب العيني هذا البيت للاخطل غوث بن غياث، وقد راجعت ديوان شعره فوجدت له قطعة على هذا الوزن والروى يهجو فيها جرير بن عطية، وليس فيها بيت الشاهد. اللغة: " رأيت " زعم العيني أن " رأى " ههنا من الرأى، مثل التي في قولهم: رأى أبو حنيفة حرمة كذا، وعلى هذا تكون متعدية إلى مفعول واحد، وليس الذي زعمه بسديد، بل هي بمعنى العلم، وتتعدى إلى مفعولين، وقد ذكر الشاعر مفعولها الاول وحذف الثاني، وتقديره: رأيت الناس دوننا أو أقل منا في المنزلة، ونحو ذلك ويجوز أن تكون جملة " فإنا نحن أكثرهم فعالا " في محل نصب مفعولا ثانيا لرأى، وزيدت الفاء فيها كما زيدت في خبر المبتدأ في نحو قولهم: الذي يزورني فله جائزة =
[ ٢ / ٢٤٠ ]
_________________
(١) = سنية " فعالا " هو بفتح الفاء - الكرم، ويجوز أن تكون الفاء مكسورة على أنه جمع فعل. الاعراب: " رأيت " فعل وفاعل " الناس " مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف لدلالة الكلام عليه، وتقدير الكلام: رأيت الناس أقل منا، أو دوننا، مثلا " ما حاشا " ما: مصدرية، حاشا: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على البعض المفهوم من الكل السابق " قريشا " مفعول به لحاشا " فإنا " الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب، نا: اسمه " نحن " توكيد للضمير المتصل الواقع اسما لان " أفضلهم " أفضل: خبر إن، وأفضل مضاف وهم مضاف إليه " فعالا " تمييز، ويجوز أن تكون الفاء زائدة، وتكون جملة " إن " واسمها وخبرها في محل نصب مفعولا ثانيا لرأى، ولا عجب أن تزاد الفاء في المفعول الثاني، فإن أصله خبر، والفاء تزاد في خبر المبتدأ كثيرا. الشاهد فيه: قوله " ما حاشا قريشا " حيث دخلت " ما " المصدرية على " حاشا " وذلك قليل، والاكثر أن تتجرد منها.
[ ٢ / ٢٤١ ]
الحال
الحال وصف فضلة منتصب مفهم في حال كفردا أذهب (١)
عرف الحال (٢) بأنه: الوصف الفضلة المنتصب للدلالة على هيئة نحو: فردا أذهب ف فردا حال لوجود القيود المذكورة فيه.
_________________
(١) " الحال " مبتدأ " وصف " خبره " فضلة، منتصب، مفهم " نعوت لوصف " في حال " جار ومجرور متعلق بمفهم " كفردا " الكاف جارة لقول محذوف كما سبق غير مرة، فردا: حال من فاعل أذهب الآتي " أذهب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا.
(٢) الحال في اللغة: ما عليه الانسان من خير أو شر، وهو في اصطلاح علماء العربية ما ذكره الشارح العلامة، ويقال: حال، وحالة، فيذكر لفظه ويؤنث، ومن شواهد تأنيث لفظه قول الشاعر: على حالة لو أن في القوم حاتما على جوده ضنت به نفس حاتم ومن شواهد تذكير لفظه قول الشاعر: إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ فدعه، وواكل أمره واللياليا
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وخرج بقوله فضلة الوصف الواقع عمدة نحو زيد قائم وبقوله للدلالة على الهيئة التمييز المشتق نحو لله دره فارسا فإنه تمييز لا حال على الصحيح إذ لم يقصد به الدلالة على الهيئة بل التعجب من فروسيته فهو لبيان المتعجب منه لا لبيان هيئته.
وكذلك رأيت رجلا راكبا فإن راكبا لم يسق للدلالة على الهيئة بل لتخصيص الرجل.
وقول المصنف مفهم في حال هو معنى قولنا: للدلالة على الهيئة.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وكونه منتقلا مشتقا يغلب لكن ليس مستحقا (١)
ألأكثر في الحال أن تكون منتقلة مشتقة.
ومعنى الانتقال: ألا تكون ملازمة للمتصف بها نحو جاء زيد راكبا فراكبا وصف منتقل لجواز انفكاكه عن زيد بأن يجيء ماشيا.
وقد تجيء الحال غير منتقلة (٢) أي وصفا لازما نحو دعوت الله سميعا وخلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها وقوله:
١٧٩ - فجاءت به سبط العظام كأنما عمامته بين الرجال لواء
فـ"سميعا" وأطول وسبط أحوال وهي أوصاف لازمة.
_________________
(١) " وكونه " الواو للاستئناف، وكون: مبتدأ، وكون مضاف والهاء مضاف إليه، من إضافة المصدر الناقص إلى اسمه " منتقلا " خبر المصدر الناقص " مشتقا " خبر ثان " يغلب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كونه منتقلا، والجملة من يغلب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " لكن " حرف استدراك " ليس " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كونه منتقلا إلخ " مستحقا " خبر ليس.
(٢) تجئ الحال غير منتقلة في ثلاث مسائل: الاولى: أن يكون العامل فيها مشعرا بتجدد صاحبها، نحو قوله تعالى: (وخلق الانسان ضعيفا) ونحو قولهم: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، ونحو قول الشاعر فجاءت به سبط العظام البيت الذي أنشده الشارح ﵀ (رقم ١٧٩) . الثانية: أن تكون الحال مؤكدة: إما لعاملها نحو قوله تعالى: (فتبسم ضاحكا) وقوله سبحانه: (ويوم أبعث حيا) وإما مؤكدة لصاحبها، نحو قوله سبحانه: (لآمن من في الارض كلهم جميعا) وإما مؤكدة لمضمون جملة قبلها، نحو قولهم: زيد أبوك عطوفا. الثالثة: في أمثلة مسموعة لا ضابط لها، كقولهم: دعوت الله سميعا، وقوله تعالى: (أنزل إليكم الكتاب مفصلا) وكقوله جل ذكره: (قائما بالقسط) .
(٣) البيت لرجل من بني جناب لم أقف على اسمه. =
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وقد تأتي الحال جامدة ويكثر ذلك في مواضع ذكر المصنف بعضها بقوله:
ويكثر الجمود في سعر وفي مبدي تأول بلا تكلف (١)
كبعه مدا بكذا يدا بيد وكر زيد أسدا أي كأسد (٢)
_________________
(١) = اللغة: " سبط العظام " أراد أنه سوى الخلق حسن القامة " لواء " هو ما دون العلم، وأراد أنه تام الخلق طويل، فكنى بهذه العبارة عن هذا المعنى. الاعراب: " فجاءت " جاء: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " به " جار ومجرور متعلق بجاءت " سبط " حال من الضمير المجرور محلا بالباء، وسبط مضاف و" العظام " مضاف إليه " كأنما " كأن: حرف تشبيه ونصب، وما: كافة " عمامته " عمامة: مبتدأ، وعمامة مضاف والضمير مضاف إليه " بين " منصوب على الظرفية، وبين مضاف، و" الرجال " مضاف إليه " لواء " خبر المبتدأ. الشاهد فيه: قوله " سبط العظام " حيث ورد الحال وصفا ملازما، على خلاف الغالب فيه من كونه وصفا منتقلا، وإضافة سبط لا تفيده تعريفا ولا تخصيصا، لانه صفة مشبهة، وإضافة الصفة المشبهة إلى معمولها لا تفيد التعريف ولا التخصيص، وإنما تفيد رفع القبح على ما سيأتي بيانه في باب الاضافة إن شاء الله تعالى.
(٢) " يكثر " فعل مضارع " الجمود " فاعل يكثر " في سعر " جار ومجرور متعلق بيكثر " وفي مبدي " جار ومجرور معطوف بالواو على الجار والمجرور الاول، ومبدي مضاف و" تأول " مضاف إليه " بلا تكلف " جار ومجرور متعلق بتأول، ولا اسم بمعنى غير مضاف وتكلف: مضاف إليه.
(٣) " كبعه " الكاف جارة لقول محذوف، بع: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " مدا " حال من المفعول " بكذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمد، وقال سيبويه: هو بيان لمد " وكر زيد " فعل وفاعل " أسدا " حال من الفاعل " أي " حرف تفسير " كأسد " الكاف اسم بمعنى مثل عطف بيان على قوله " أسدا " الواقع حالا، والكاف الاسمية مضاف وأسد مضاف إليه.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
يكثر مجيء الحال جامدة إن دلت على سعر نحو بعد مدا بدرهم (١) فمدا حال جامدة وهي في معنى المشتق إذ المعنى بعه مسعرا كل مد بدرهم ويكثر جمودها أيضا فيما دل على تفاعل نحو بعته يدا بيد (٢) أي مناجزة أو على تشبيه نحو كر زيد أسدا أي مشبها الأسد فيد وأسد جامدان وصح وقوعهما حالا لظهور تأولهما بمشتق كما تقدم وإلى هذا أشار بقوله وفي مبدي تأول أي يكثر مجيء الحال جامدة حيث ظهر تأولها بمشتق.
وعلم بهذا وما قبله أن قول النحويين إن الحال يجب أن تكون منتقلة مشتقة معناه أن ذلك هو الغالب لا أنه لازم وهذا معنى قوله فيما تقدم: لكن ليس مستحقا. (٣)
_________________
(١) يجوز في هذا المثال وجهان: أحدهما رفع مد، وثانيهما نصبه، فأما رفع مد فعلى أن يكون مبتدأ، والجار والمجرور بعده متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة لان لها وصفا محذوفا، وتقدير الكلام: بع البر (مثلا) مد منه بدرهم، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب حال، والرابط هو الضمير المجرور محلا بمن، ولا يكون المثال - على هذا الوجه - مما نحن بصدده، لان الحال جملة لا مفرد جامد، أما نصب مد فعلى أن يكون حالا، والجار والمجرور بعده متعلق بمحذوف صفة له، ويكون المثال حينئذ مما نحن بصدده، والمشتق المؤول به ذلك الحال يكون مأخوذا من الحال وصفته جميعا، وتقديره: مسعرا. ويجوز أن يكون هذا الحال حالا من فاعل بعه، فيكون لفظ " مسعرا " الذي تؤوله به بكسر العين مشددة اسم فاعل، ويجوز أن يكون حالا من المفعول، فيكون قولك " مسعرا " بفتح العين مشددة اسم مفعول.
(٢) هذا المثال كالذي قبله، يجوز فيه رفع " يد " ونصبه، وإعراب الوجهين هنا كإعرابهما في المثال السابق، والتقدير على الرفع: يد منه على يد مني، والتقدير على النصب: يدا كائنة مع يد.
(٣) ذكر الشارح ثلاثة مواضع تجئ فيها الحال جامدة وهي في تأويل المشتق، =
[ ٢ / ٢٤٦ ]
_________________
(١) = وهي: أن تدل الحال على سعر، أو على تفاعل ومنه دلالتها على مناجزة أو على تشبيه، وقد بقيت خمسة مواضع أخرى: الاول: أن تدل الحال على ترتيب، كقولك: ادخلوا الدار رجلا رجلا، وقولك: سار الجند رجلين رجلين، تريد مرتبين، وضابط هذا النوع: أن يذكر المجموع أولا ثم يفصل هذا المجموع بذكر بعضه مكررا، فالمجموع في المثال الاول هو الذي تدل الواو عليه، وفي المثال الثاني هو الجند، والحال عند التحقيق هو مجموع اللفظين، ولكنه لما تعذر أن يكون المجموع حالا جعل كل واحد منهما حالا، كما في الخبر المتعدد بغير عاطف في نحو قولك: الرمان حلو حامض، وذهب ابن جنى إلى أن الحال هو الاول، والثاني معطوف عليه بعاطف مقدر. الموضع الثاني: أن تكون الحال موصوفة، نحو قوله تعالى: (قرآنا عربيا) وقوله: (فتمثل لها بشرا سويا) وتسمى هذه الحال: " الحال الموطئة ". الموضع الثالث: أن تكون الحال دالة على عدد، نحو قوله تعالى (فتم ميقات ربه أربعين ليلة) . الموضع الرابع: أن تدل الحال على طور فيه تفصيل، نحو قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا. الموضع الخامس: أن تكون الحال نوعا من صاحبها، كقولك: هذا مالك ذهبا، أو تكون الحال فرعا لصاحبها، كقولك: هذا حديدك خاتما، وكقوله تعالى: (وتنحتون الجبال بيوتا) أو تكون الحال أصلا لصاحبها، كقولك: هذا خاتمك حديدا، وكقوله تعالى: (أأسجد لمن خلقت طينا) . وقد أجمع النحاة على أن المواضع الاربعة الاولى - وهي الثلاثة التي ذكرها الشارح والموضع الاول مما ذكرناه يجب تأويلها بمشتق، ليسر ذلك، وعدم التكلف فيه، ثم اختلفوا في المواضع الاربعة الباقية، فذهب قوم منهم ابن الناظم إلى وجوب تأويلها أيضا، ليكون الحال على ما هو الاصل فيها، وذهب قوم إلى أنه لا يجب تأويلها بمشتق لان في تأويلها بالمشتق تكلفا، وفي ذلك من التحكم ما ليس يخفى.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
والحال إن عرف لفظا فاعتقد تنكيره معنى كوحدك اجتهد (١)
مذهب جمهور النحويين أن الحال لا تكون إلا نكرة وأن ما ورد منها معرفا لفظا فهو منكر معنى كقولهم جاءوا الجماء الغفير.
١٨٠ - وأرسلها العراك
_________________
(١) " الحال " مبتدأ " إن " شرطية " عرف " فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط " لفظا " تمييز محول عن نائب الفاعل " فاعتقد " الفاء لربط الجواب بالشرط، اعتقد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " تنكيره " تنكير: مفعول به لاعتقد، وتنكير مضاف والهاء مضاف إليه " معنى " تمييز " كوحدك " الكاف جارة لقول محذوف، وحد: حال من الضمير المستتر في " اجتهد " الآتي، ووحد مضاف والكاف مضاف إليه " اجتهد " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل نصب مقول لقول محذوف، والتقدير: وذلك كائن كقولك اجتهد وحدك، والحال في تأويل " منفردا ".
(٢) هذه قطعة من بيت للبيد بن ربيعة العامري يصف حمارا وحشيا أورد أتنه الماء لتشرب، وهو بنمامه: فأرسلها العراك، ولم يذدها، ولم يشفق على نغص الدخال اللغة: " العراك " ازدحام الابل أو غيرها حين ورود الماء " يذدها " يطردها " يشفق " يرحم " نغص " مصدر نغص الرجل - بكسر الغين - إذا لم يتم مراده، ونغص البعير إذا لم يتم شربه " الدخال " أن يداخل بعيره الذي شرب مرة مع الابل التي لم تشرب حتى يشرب معها ثانية، وذلك إذا كان البعير كريما، أو شديد العطش، أو ضعيفا. الاعراب: " فأرسلها " أرسل: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الحمار الوحشي المذكور في أبيات سابقة، والضمير البارز المتصل الذي يرجع إلى الابن مفعول به لارسل " العراك " حال " ولم يذدها " الواو عاطفة، لم: نافية جازمة، يذد: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فاعل أرسل، وها: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة فأرسلها، =
[ ٢ / ٢٤٨ ]
واجتهد وحدك وكلمته فاه إلى في فالجماء والعراك ووحدك وفاه أحوال وهي معرفة لكنها مؤولة بنكرة والتقدير جاءوا جميعا وأرسلها معتركة واجتهد منفردا وكلمته مشافهة.
_________________
(١) = ومثلها جملة " ولم يشفق " وقوله " على نغص " جار ومجرور متعلق بيشفق، ونغص مضاف، و" الدخال " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " العراك " حيث وقع حالا مع كونه معرفة والحال لا يكون إلا نكرة وإنما ساغ ذلك لانه مؤول بالنكرة، أي: أرسلها معتركة، يعني مزدحمة.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وزعم البغداديون ويونس أنه يجوز تعريف الحال مطلقا بلا تأويل فأجازوا جاء زيد الراكب.
وفصل الكوفيون فقالوا إن تضمنت الحال معنى الشرط صح تعريفها وإلا فلا فمثال ما تضمن معنى الشرط زيد الراكب أحسن منه الماشي،
[ ٢ / ٢٥٠ ]
فـ"الراكب والماشي" حالان وصح تعريفهما لتأولهما بالشرط إذ التقدير زيد إذا ركب أحسن منه إذا مشى فإن لم تتقدر بالشرط لم يصح تعريفها فلا تقول: جاء زيد الراكب إذ لا يصح جاء زيد إن ركب:
[ ٢ / ٢٥١ ]
ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع (١)
حق الحال أن يكون وصفا وهو ما دل على معنى وصاحبه كقائم وحسن ومضروب فوقوعها مصدرا على خلاف الأصل إذ لا دلالة فيه على صاحب المعنى.
_________________
(١) " مصدر " مبتدأ " منكر " نعت " حالا " منصوب على الحال، وصاحبه الضمير المستتر في " يقع " الآتي " يقع " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مصدر منكر، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " بكثرة " جار ومجرور متعلق بيقع " كبغتة " الكاف جارة لقول محذوف، بغتة: حال من الضمير المستتر في " طلع " الآتي " زيد " مبتدأ " طلع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زيد، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وقد كثر مجيء الحال مصدرا نكرة ولكنه ليس بمقيس لمجيئه على خلاف الأصل ومنه زيد طلع بغتة فبغتة مصدر نكرة وهو منصوب على الحال والتقدير زيد طلع باغتا هذا مذهب سيبويه والجمهور.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وذهب الأخفش والمبرد إلى أنه منصوب على المصدرية والعامل فيه محذوف والتقدير
طلع زيد يبغت بغتة فيبغت عندهما هو الحال لا بغتة.
وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على المصدرية كما ذهبا إليه ولكن الناصب له عندهم الفعل المذكور وهو طلع لتأويله بفعل من لفظ المصدر
والتقدير
[ ٢ / ٢٥٤ ]
في قولك زيد طلع بغتة زيد بغت بغتة فيؤولون طلع ببغت وينصبون به بغتة.
ولم ينكر غالبا ذو الحال إن لم يتأخر أو يخصص أو يبن (١)
_________________
(١) " ولم " نافية جازمة " ينكر " فعل مضارع مبني للمجهول، مجزوم بلم " غالبا " حال من نائب الفاعل " ذو " نائب فاعل ينكر، وذو مضاف، و" الحال " مضاف إليه " إن " شرطية " لم " نافية جازمة " يتأخر " فعل مضارع مجزوم بلم فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذو الحال، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن لم يتأخر ذو الحال إلخ فلا ينكر " أو يخصص، أو يبن " معطوفان على يتأخر.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
من بعد نفي أو مضاهيه كلا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا (١)
حتى صاحب الحال أن يكون معرفة ولا ينكر في الغالب إلا عند وجود مسوغ وهو أحد أمور: (٢)
_________________
(١) " من بعد " جار ومجرور متعلق بيبن في البيت السابق، وبعد مضاف، و" نفي " مضاف إليه " أو " عاطفة " مضاهيه " مضاهي: معطوف على نفي، ومضاهي مضاف وضمير الغائب العائد إلى نفي مضاف إليه " كلا " الكاف جارة لقول محذوف، لا: ناهية " يبغ " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية " امرؤ " فاعل يبغ " على امرئ " جار ومجرور متعلق بيبغ " مستسهلا " حال من قوله " امرؤ " الفاعل.
(٢) ذكر الشارح - تبعا للناظم - من مسوغات مجئ الحال من النكرة ثلاثة مسوغات: أولها تقدم الحال، وثانيها تخصص صاحبها بوصف أو بإضافة، وثالثها وقوع النكرة بعد النفي أو شبهه، وبقي من المسوغات ثلاثة أخرى لم يصرح بها. الاول: أن تكون الحال جملة مقترنة بالواو، كما في قولك: زارنا رجل والشمس طالعة، والسر في ذلك أن وجود الواو في صدر الجملة يرفع توهم أن هذه الجملة نعت للنكرة، إذ النعت لا يفصل بينه وبين المنعوت بالواو، ففي قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) مسوغان، بل ثلاثة، وهي تقدم النفي، ووقوع الواو في صدر جملة الحال، والثالث اقتران الجملة بإلا، لان الاستثناء المفرغ لا يقع في النعوت (انظر ص ٦٠٤ السابقة و٦٣٨ الآتية) وأما قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها) فالمسوغ وقوع الواو في صدر جملة الحال. الثاني: أن تكون الحال جامدة، نحو قولك: هذا خاتم حديدا، والسر في ذلك أن الوصف بالجامد على خلاف الاصل، فلا يذهب إليه ذاهب، وقد ساغ في مثل هذا أن تكون الحال جامدة كما علمت (انظر ص ٦٢٨ وما بعدها) . الثالث: أن تكون النكرة مشتركة مع معرفة أو مع نكرة يصح أن تجئ الحال منها، كقولك: زارني خالد ورجل راكبين، أو قولك: زارني رجل صالح وامرأة مبكرين.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
منها: أن يتقدم الحال على النكرة نحو فيها قائما رجل وكقول الشاعر وأنشده سيبويه:
١٨١ - وبالجسم مني بينا لو علمته شحوب وإن تستشهدي العين تشهد
وكقوله:
١٨٢ - وما لام نفسي مثلها لي لائم ولا سد فقري مثل ما ملكت يدي
_________________
(١) البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها. اللغة: " شحوب " هو مصدر شحب جسمه يشحب شحوبا - بوزن قعد يقعد قعودا - وقد جاء على لغة أخرى، شحب يشحب شحوبة - مثل سهل الامر يسهل سهولة - إذا تغير لونه " بينا " ظاهرا، وهو فيعل من بان يبين، إذ ظهر ووضح. المعنى: إن بجسمي من آثار حبك لشحوبا ظاهرا، لو أنك علمته لاخذتك الشفقة علي، وإذا أحببت أن ترى الشاهد فانظري إلى عيني فإنهما تحدثانك حديثه. الاعراب: " وبالجسم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " مني " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الجسم " بينا " حال من شحوب الآتي على رأي سيبويه الذي يجيز مجئ الحال من المبتدأ، وهو عند الجمهور حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرا " لو " شرطية غير جازمة " علمته " فعل وفاعل ومفعول به، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله شرط لو، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: لو علمته لاشفقت علي، والجملة من الشرط وجوابه لامحل لها معترضة بين الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر " شحوب " مبتدأ مؤخر " وإن " شرطية " تستشهدي " فعل مضارع فعل الشرط، وياء المخاطبة فاعل " العين " مفعول به " تشهد " جواب الشرط. الشاهد فيه: قوله " بينا " حيث وقعت الحال من النكرة، التي هي قوله " شحوب " على ما هو مذهب سيبويه، كما قررناه في الاعراب، والمسوغ لذلك تقدم الحال على صاحبها، فإذا جريت على ما ذهب الجمهور إليه خلا البيت من الشاهد.
(٢) وهذا البيت - أيضا من الشواهد التي لا يعلم قائلها، =
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فـ"قائما": حال من رجل وبينا حال من شحوب ومثلها حال من لائم.
ومنها: أن تخصص النكرة بوصف أو بإضافة فمثال ما تخصص بوصف قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ . (١)
_________________
(١) = اللغة: " لام " عذل، وتقول: لام فلان فلانا لوما وملاما وملامة، إذا عاتبه ووبخه " سد فقري " أراد أغناني عن الحاجة إلى الناس وسؤالهم، شبه الفقر بباب مفتوح يأتيه من ناحيته مالا يجب، فهو في حاجة لايصاده. المعنى: إن اللوم الذي يكون له الاثر الناجع في رجوع الانسان عما استوجب اللوم عليه هو لوم الانسان نفسه، لان ذلك يدل على شعوره بالخطأ، وإن ما في يد الانسان من المال لاقرب منالا له مما في أيدي الناس. الاعراب: " وما " نافية " لام " فعل ماض " نفسي " نفس: مفعول به تقدم على الفاعل، ونفس مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " مثلها " مثل: حال من " لائم " الآتي، ومثل مضاف وها مضاف إليه، و" مثل " من الالفاظ التي لا تستفيد بالاضافة تعريفا " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من لائم الآتي " لائم " فاعل لام " ولا " الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي " سد " فعل ماض، " فقري " فقر: مفعول به لسد تقدم على الفاعل، وفقر مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " مثل " فاعل لسد، ومثل مضاف، و" ما " اسم موصول مضاف إليه " ملكت " ملك: فعل ماض، والتاء للتأنيث " يدي " يد: فاعل ملكت، ويد مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، والجملة من ملك وفاعله لا محل لها صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مثل الذي ملكته يدي. الشاهد فيه: قوله " مثلها لي لائم " حيث جاءت الحال - وهي قوله " مثلها "، و" لي " - من النكرة - وهي قوله " لائم " - والذي سوغ ذلك تأخر النكرة عن الحال.
(٢) الامر الاول الوارد في هذه الآية واحد الامور، والامر الثاني واحد الاوامر وقد أعرب الناظم وابنه " أمرا " على أنه حال من أمر الاول، وسوغ مجئ الحال منه تخصيصه بحكيم بمعنى محكم، أي حال كونه مأمورا به من عندنا. واعترض قوم على هذا الاعراب بأن الحال لا يجئ من المضاف إليه إلا إذا وجد =
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وكقول الشاعر:
١٨٣ - نجيت يا رب نوحا واستجبت له في فلك ماخر في اليم مشحونا
وعاش يدعو بآيات مبينة في قومه ألف عام غير خمسينا
_________________
(١) = واحد من الامور الثلاثة التي يأتي بيانها في هذا الباب، وليس واحد منها بموجود هنا. وأجيب بأنا لا نسلم أن الامور الثلاثة غير موجودة في هذا المثال، بل المضاف الذي هو لفظ " كل " كالجزء من المضاف إليه الذي هو لفظ " أمر " في صحة الاستغناء به عنه، وذلك لان لفظ كل بمعنى الامر، إذ المعلوم أن لفظ كل بحسب ما يضاف إليه. ومن العلماء من جعل أمرا الثاني حالا من كل، وتصلح الآية للاستدلال بها لما نحن بصدده، لان " كل أمر " نكرة، إذ المضاف إليه نكرة، ومنهم من جعل أمرا حالا من الضمير المستتر في حكيم، ومنهم من جعله حالا من الضمير الواقع مفعولا، أي مأمورا به.
(٢) البيتان من الشواهد التي لم يذكروها منسوبة إلى قائل معين. اللغة: " الفلك " أصله بضم فسكون - السفينة، ولفظه للواحد والجمع سواء، وقد تتبع حركة عينه التي هي اللام حركة الفاء كما في بيت الشاهد " ماخر " اسم فاعل من مخرت السفينة - من بابي قطع ودخل - إذا جرت تشق الماء مع صوت " اليم " البحر، أو الماء " مشحونا " اسم مفعول من شحن السفينة: أي ملاها " آيات مبية " ظاهرة واضحة، أو أنها تبين حاله وتدل على صدق دعواه. الاعراب: " نجيت " فعل وفاعل " يا رب " يا: حرف نداء، رب: منادى، وجملة النداء لا محل لها معترضة بين الفعل مع فاعله ومفعوله " نوحا " مفعول به لنجيت " واستجبت " الواو عاطفة، وما بعدها فعل وفاعل " له " جار ومجرور متعلق باستجبت " في فلك " جار ومجرور متعلق بنجيت " ما خر " صفة لفلك " في اليم " جار ومجرور متعلق بما خر " مشحونا " حال من فلك " وعاش " الواو =
[ ٢ / ٢٥٩ ]
ومثال ما تخصص بالإضافة قوله تعالى في أربعة أيام سواء للسائلين.
ومنها: أن تقع النكرة بعد نفي أو شبهه وشبه النفي هو الاستفهام والنهي وهو المراد بقوله أو يبن من بعد نفي أو مضاهيه فمثال ما وقع بعد النفي قوله:
١٨٤-ما حم من موت حمى واقيا ولا ترى من أحد باقيا
_________________
(١) = عاطفة، عاش: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نوح " يدعو " فعل مضارع، وفيه ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود إلى نوح فاعل، والجملة في محل نصب حال " بآيات " جار ومجرور متعلق بيدعو " مبينة " صفة لآيات " في قومه " الجار والمجرور متعلق بعاش، وقوم مضاف والضمير العائد إلى نوح مضاف إليه " ألف " مفعول فيه ناصبه عاش، وألف مضاف و" عام " مضاف إليه " غير " منصوب على الاستثناء أو على الحال، وغير مضاف و" خمسينا مضاف إليه، مجرور بالياء لانه ملحق بجمع المذكر السالم، والالف في آخره للاطلاق. الشاهد فيه: قوله " مشحونا " حيث وقع حالا من النكرة، وهي قوله " فلك " والذي سوغ مجئ الحال من النكرة أنها وصفت بقوله " ماخر " فقربت من المعرفة.
(٢) البيت لراجز لم يعينه أحد ممن استشهد به. اللغة: " حم " بالبناء للمجهول أي قدر، وهيئ، وتقول: أحم الله تعالى هذا الامر وحمه، إذا قدر وقوعه، وهيأ له أسبابه (انظر ص ٦٠٢ و٦٣٨) " واقيا " اسم فاعل من " وقى يقي " بمعنى حفظ يحفظ. المعنى: إن الله تعالى لم يقدر شيئا يحمي من الموت، كما أنه سبحانه لم يجعل لاحد من خلقه الخلود، فاستعد للموت دائما. الاعراب: " ما " نافية " حم " فعل ماض مبني للمجهول " من موت " جار ومجرور متعلق بقوله " واقيا " الآتي " حمى " نائب فاعل لحم " واقيا " حل من حمى " ولا " الواو عاطفة، ولا: زائدة لتأكيد النفي " ترى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " من " زائدة " أحد " مفعول به لترى " باقيا " حال من أحد، وهذا مبني على أن " ترى " بصرية، فإذا جريت على أن ترى علمية كان قوله " باقيا " مفعولا ثانيا لترى. =
[ ٢ / ٢٦٠ ]
ومنه: قوله تعالى (١): ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ فـ "لها كتاب" جملة في موضع الحال من قرية وصح مجيء الحال من النكرة لتقدم النفي عليها ولا يصح كون الجملة صفة لقرية خلافا للزمخشري لأن الواو لا تفصل بين الصفة والموصوف وأيضا وجود إلا مانع من ذلك إذ لا يعترض بإلا بين الصفة والموصوف وممن صرح بمنع ذلك: أبو الحسن الأخفش في المسائل وأبو علي الفارسي في التذكرة.
ومثال ما وقع بعد الاستفهام قوله:
١٨٥- يا صاح هل حم عيش باقيا فترى لنفسك العذر في إبعادها الأملا
_________________
(١) = الشاهد فيه: قوله " واقيا " و" باقيا " حيث وقع كل منهما حالا من النكرة، وهي " حمى " بالنسبة ل " واقيا " و" أحد " بالنسبة ل " باقيا " والذي سوغ ذلك أن النكرة مسبوقة بالنفي في الموضعين. وإنما يكون الاستشهاد بقوله باقيا إذا جعلنا " ترى " بصرية، لانها تحتاج حينئذ إلى مفعول واحد، وقد استوفته، فالمنصوب الآخر يكون حالا، أما إذا جعلت " ترى " علمية فإن قوله " باقيا " يكون مفعولا ثانيا، كما بيناه في الاعراب.
(٢) انظر ما كتبناه عن هذه الآية في ص ٦٣٣.
(٣) أكثر ما قيل في نسبة هذا البيت إنه لرجل من طيئ، ولم يعينه أحد ممن استشهد بالبيت أو تكلم عليه. اللغة: " صاح " أصله صاحبي، فرخم بحذف آخره ترخيما غير قياسي، إذ هو في غير علم، وقياس الترخيم أن يكون في الاعلام، وهو أيضا مركب إضافي " هل حم عيش " (انظر ص ٦٠٢ و٦٣٧) والاستفهام ههنا إنكاري بمعنى النفي، فكأنه قال: ما قدر الله عيشا باقيا " العذر " هو كل ما تذكره لتقطع عنك ألسنة العتاب واللوم. الاعراب: " يا " حرف نداء " صاح " منادى مرخم " هل " حرف استفهام =
[ ٢ / ٢٦١ ]
ومثال ما وقع بعد النهي قول المصنف لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا وقول قطري بن الفجاءة:
١٨٦- لا يركنن أحد إلى الإحجام يوم الوغى متخوفا لحمام
_________________
(١) = " حم " فعل ماض مبني للمجهول " عيش " نائب فاعل حم " باقيا " حال من عيش " فترى " الفاء فاء السببية، ترى: فعل مضارع منصوب تقديرا بأن مضمرة بعد الفاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لنفسك " الجار والمجرور متعلق بترى وهو المفعول الثاني قدم على المفعول الاول، ونفس مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " العذر " مفعول أول لترى " في إبعادها " الجار والمجرور متعلق بالعذر، وإبعاد مضاف، وها: مضاف إليه، وهي من إضافة المصدر إلى فاعله " الاملا " مفعول به للمصدر. الشاهد فيه: قوله " باقيا " حيث وقع حالا من النكرة وهي قوله " عيش " والذي سوغ مجئ الحال منها وقوعها بعد الاستفهام الانكاري الذي يؤدي معنى النفي.
(٢) البيت كما قال الشارح العلامة لابي نعامة قطرى بن الفجاءة، التميمي، الخارجي، وقد نسبه ابن الناظم إلى الطرماح بن حكيم، ولهذا صرح الشارح بنسبته إلى قطرى، قصدا إلى الرد عليه، وقطري: بفتح القاف والطاء جميعا، والفجاءة: بضم الفاء. اللغة: " الاحجام " التأخر والنكول عن لقاء العدو، والركون إليه: الميل إليه، والاعتماد عليه " الوغى " الحرب " الحمام " بكسر الحاء الموت. المعنى: لا ينبغي لاحد أن يميل إلى الاعراض عن اقتحام الحرب، ويركن إلى التواني خوفا من الموت. الاعراب: " لا " ناهية " يركنن " يركن: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة في محل جزم بلا الناهية " أحد " فاعل يركن " إلى الاحجام " جار ومجرور متعلق بيركن " يوم " ظرف زمان متعلق بيركن أيضا، ويوم مضاف، و" الوغى " مضاف إليه " متخوفا " حال من أحد " لحمام " جار ومجرور متعلق بمتخوف. الشاهد فيه: قوله " متخوفا " حيث وقع حالا من النكرة التي هي قوله " أحد "، والذي سوغ مجئ الحال من النكرة هنا هو وقوعها في حيز النهي بلا، ألا ترى أن قوله " أحد " فاعل يركن المجزوم بلا الناهية؟
[ ٢ / ٢٦٢ ]
واحترز بقوله غالبا مما قل مجيء الحال فيه من النكرة بلا مسوغ من المسوغات المذكورة ومنه قولهم مررت بماء قعدة رجل (١) وقولهم عليه مائة بيضا (٢) وأجاز سيبويه فيها رجل قائما وفي الحديث صلى رسول الله ﷺ قاعدا وصلى وراءه رجال قياما (٣) .
وسبق حال ما بحرف جر قد أبوا ولا أمنعه فقد ورد (٤)
_________________
(١) قعدة رجل - بكسر القاف وسكون العين المهملة - أي مقدار قعدته.
(٢) بيضا - بكسر الباء الموحدة - جمع بيضاء، وهو حال من مائة، ولا يجوز أن يكون تمييزا، إذ لو كان تمييزا لوجب أن يكون مفردا لا جمعا، وأن يكون مجرورا لا منصوبا، لان تمييز المائة يكون كذلك.
(٣) اختلف النحاة في مجئ الحال من النكرة إذا لم يكن للنكرة مسوغ من المسوغات التي سبق بيانها في كلام الشارح وفي زياداتنا عليه، فذهب سيبويه - ﵀ إلى أن ذلك مقيس لا يوقف فيه على ما ورد به السماع، وذهب الخليل بن أحمد ويونس ابن حبيب - وهما شيخا سيبويه - إلى أن ذلك مما لا يجوز أن يقاس عليه، وإنما يحفظ ما ورد منه. ووجه ما ذهب إليه سيبويه أن الحال إنما يؤتى بها لتقييد العامل، فلا معنى لاشتراط المسوغ في صاحبها.
(٤) " وسبق " مفعول به مقدم على عامله، وهو أبوا الآتي، وسبق مضاف، و" حال " مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله " ما " اسم موصول: مفعول به للمصدر " بحرف " جار ومجرور متعلق بقوله جر الآتي " جر " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من جر ونائب فاعله لا محل لها صلة الموصول " قد " حرف تحقيق " أبوا " فعل وفاعل " ولا " الواو عاطفة، لا: نافية " أمنعه " أمنع: فعل مضارع، وفاعله =
[ ٢ / ٢٦٣ ]
مذهب جمهور النحويين أنه لا يجوز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف (١) فلا تقول في مررت بهند جالسة مررت جالسة بهند.
وذهب الفارسي وابن كيسان وابن برهان إلى جواز ذلك وتابعهم المصنف لورود السماع بذلك ومنه قوله:
١٨٧ - لئن كان برد الماء هيمان صاديا إلي حبيبا إنها لحبيب
_________________
(١) = ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والهاء مفعول به " فقد " الفاء للتعليل، وقد: حرف تحقيق " ورد " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى سبق حال، وتقدير البيت: وقد أبى النحاة أن يسبق الحال صاحبه الذي جر بالحرف، ولا أمنع ذلك، لانه وارد في كلام العرب.
(٢) اعلم أن صاحب الحال قد يكون مجرورا بحرف جر غير زائد، كقولك: مررت بهند جالسة، وقد يكون مجرورا بحرف جر زائد، كقولك: ما جاء من أحد راكبا، فراكبا: حال من أحد المجرور لفظا بمن الزائدة. ولا خلاف بين أحد من النحاة في أن صاحب الحال إذا كان مجرورا بحرف جر زائد جاز تقديم الحال عليه وتأخيره عنه، فيصح أن تقول: ما جاء من أحد راكبا، وأن تقول: ما جاء راكبا من أحد. والخلاف بينهم منحصر في تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي.
(٣) البيت لعروة بن حزام العذري، وقبله: حلفت برب الراكعين لربهم خشوعا، وفوق الراكعين رقيب وبعده بيت الشاهد، وبعده قوله: وقلت لعراف اليمامة: داوني فإنك - إن أبرأتني - لطبيب اللغة: " هيمان " مأخوذ من الهيام بضم الهاء وهو في الاصل: أشد العطش " صاديا " اسم فاعل فعله " صدى " من باب تعب إذا عطش. الاعراب: " لئن " اللام موطئة للقسم، إن: شرطية " كان " فعل ماض ناقص، فعل الشرط " برد " اسم كان، وبرد مضاف، و" الماء " مضاف إليه " هيمان، صاديا " = (٤١ - شرح ابن عقيل ١)
[ ٢ / ٢٦٤ ]
فـ"هيمان وصاديا": حالان من الضمير المجرور بإلى وهو الياء وقوله:
١٨٨ - فإن تك أذواد أصبن ونسوة فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال
فـ"فرغا" حال من قتل.
_________________
(١) = حالان من ياء التكلم المجرورة محلا بإلى " إلى " جار ومجرور متعلق بقوله حبيبا الآتي " حبيبا " خبر كان " إنها " إن: حرف توكيد ونصب، وها: اسمه " لحبيب " اللام لام الابتداء، حبيب: خبر إن، والجملة من إن واسمها وخبرها جواب القسم، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم. الشاهد فيه: قوله " هيمان صاديا " حيث وقعا حالين من الياء المجرورة محلا بإلى، وتقدما عليها كما أوضحناه في الاعراب.
(٢) البيت لطليحة بن خويلد الاسدي المتنبي، وبعد البيت المستشهد به قوله: وما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم أليسوا وإن لم يسلموا برجال؟ عشية غادرت ابن أرقم ثاويا وعكاشة الغنمي عنه بحال اللغة: " أذواد " جمع ذود، وهو من الابل ما بين الثلاث إلى العشر " فرغا " أي هدرا لم يطلب به " حبال " بزنة كتاب وهو ابن الشاعر، وقيل: ابن أخيه، وكان المسلمون قد قتلوه في حرب الردة، فقتل به منهم عكاشة بن محصن وثابت بن أرقم، كما ذكر هو في البيت الثاني من البيتين اللذين أنشدناهما. المعنى: يقول: لئن كنتم قد ذهبتم ببعض إبل أصبتموها وبجماعة من النساء سبيتموهن فلم أقابل صنيعكم هذا بمثله في ذلك، فالامر فيه هين والخطب يسير، والذي يعنيني أنكم لم تذهبوا بقتل حبال كما ذهبتم بالابل والنساء، ولكني شفيت نفسي ونلت ثأري منكم، فلم يضع دمه هدرا. الاعراب: " فإن " شرطية " تك " فعل مضارع ناقص فعل الشرط، مجزوم بسكون النون المحذوفة للتخفيف " أذواد " اسم تك " أصبن " فعل ماض مبني للمجهول، ونون النسوة نائب فاعل، والجملة من أصيب ونائب فاعله في محل نصب خبر تك " ونسوة " معطوف على أذواد " فلن " الفاء واقعة في جواب الشرط، لن: نافية =
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وأما تقديم الحال على صاحبها المرفوع والمنصوب فجائز نحو جاء ضاحكا زيد وضربت مجردة هندا.
ولا تجز حالا من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله (١)
أو كان جزء ما له أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا (٢)
_________________
(١) ناصبة " يذهبوا " فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون، وواو الجماعة فاعل " فرغا " حال من " قتل " الآتي " بقتل " جار ومجرور متعلق بيذهب، وقتل مضاف، و" حبال " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " فرغا " حيث وقع حالا من " قتل " المجرور بالباء وتقدم عليه.
(٢) " ولا " ناهية " تجز " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " حالا " مفعول به لتجز " من المضاف " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقوله " حالا " وقوله " له " جار ومجرور متعلق بالمضاف " إلا " أداة استثناء " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط " اقتضى " فعل ماض " المضاف " فاعل اقتضى " عمله " عمل: مفعول به لاقتضى، وعمل مضاف، والهاء مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل جر بإضافة " إذا " إليها، والجواب محذوف يدل عليه سابق الكلام.
(٣) " أو " عاطفة " كان " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المضاف له " جزء " خبر كان، وجزء مضاف و" ما " اسم موصول مضاف إليه " له " جار ومجرور متعلق بأضيف الآتي " أضيف " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من أضيف ونائب فاعله لا محل لها صلة الموصول " أو " عاطفة " مثل " معطوف على جزء السابق، ومثل مضاف، وجزء من " جزئه " مضاف إليه، وجزء مضاف والهاء مضاف إليه " فلا " ناهية " تحيفا " فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا لاجل الوقف في محل جزم، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه (١) إلا إذا كان المضاف مما يصح عمله في الحال كاسم الفاعل والمصدر ونحوهما مما تضمن معنى الفعل فتقول هذا ضارب هند مجردة وأعجبني قيام زيد مسرعا ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ ومنه قول الشاعر:
تقول ابنتى: إن انطلاقك واحدا إلى الروع يوما تاركي لا أباليا
_________________
(١) اختلف النحاة في مجئ الحال من المضاف إليه، فذهب سيبويه - ﵀! - إلى أنه يجوز أن يجئ الحال من المضاف إليه مطلقا: أي سواء أتوفر له واحد من الامور الثلاثة المذكورة أم لم يتوفر، وذهب غيره من النحاة إلى أنه إذا توفر له واحد من الامور الثلاثة جاز، وإلا لم يجز، والسر في هذا الخلاف أنهم اختلفوا في: هل يجب أن يكون العامل في الحال هو نفس العامل في صاحب الحال، أم لا يجب ذلك؟ فذهب سيبويه إلى أنه لا يجب أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها، بل يجوز أن يكون العامل فيهما واحدا وأن يكون مختلفا، وعلى ذلك أجاز أن يجئ الحال من المضاف إليه مطلقا، وذهب غيره إلى أنه لا بد من أن يكون العامل في الحال هو نفس العامل في صاحبها، وترتب على ذلك ألا يجوزوا مجئ الحال من المضاف إليه إلا إذا توفر له واحد من الامور الثلاثة التي ذكرها الناظم والشارح، وذلك لان المضاف إن كان عاملا في المضاف إليه بسبب شبهه للفعل لكونه مصدرا أو اسم فاعل كان كذلك عاملا في الحال فيتحد العامل في الحال والعامل في صاحبه الذي هو المضاف إليه، وإن كان المضاف جزء المضاف إليه أو مثل جزئه كان المضاف والمضاف إليه جميعا كالشئ الواحد، فيصير في هاتين الحالتين كأن صاحب الحال هو نفس المضاف، فالعامل فيه هو العامل في الحال، فاحفظ هذا التحقيق النفيس، واحرص عليه.
(٢) البيت لمالك بن الريب، أحد بني مازن بن مالك، من قصيدة له، وأولها قوله: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه وليت الغضى ماشى الركاب لياليا =
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وكذلك يجوز مجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءا من المضاف إليه أو مثل جزئه في صحة الاستغناء بالمضاف إليه عنه فمثال ما هو جزء من المضاف إليه قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ ف إخوانا حال من الضمير المضاف إليه صدور والصدور جزء من المضاف إليه ومثال ما هو مثل جزء المضاف إليه في صحة الاستغناء بالمضاف إليه عنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيم َحَنِيفًا﴾
فـ"حنيفا" حال من
_________________
(١) = اللغة: " الروع " الفزع، والمخافة، وأراد به ههنا الحرب، لان الخوف يتسبب عنها، فهو من باب إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب " تاركي " اسم فاعل من ترك بمعنى صير. المعنى: إن ابنتي تقول لي: إن ذهابك إلى القتال منفردا يصيرني لا محالة بلا أب، لانك تقتحم لظاها فتموت. الاعراب: " تقول " فعل مضارع " ابنتي " ابنة: فاعل تقول، وابنة مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " إن " حرف توكيد ونصب " انطلاقك " انطلاق: اسم إن، وانطلاق مضاف والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله " واحدا " حال من الكاف التي هي ضمير المخاطب " إلى الحرب " جار ومجرور متعلق بانطلاق " تاركي " تارك: خبر إن، وتارك مضاف وياء المتكلم مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى أحد مفعوليه، وفيه ضمير مستتر فاعل " لا " نافية للجنس " أبا " اسمها " ليا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، والجملة من لا ومعموليها في محل نصب مفعول ثان لتارك، ويجوز أن يكون " أبا " اسم لا منصوبا بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، واللام في " ليا " زائدة، وياء المتكلم مضاف إليه، وخبر لا محذوف، وكأنه قال: لا أبي موجود. الشاهد فيه: قوله " واحدا " حيث وقع حالا من المضاف إليه - وهو الكاف في قوله " انطلاقك " - والذي سوغ هذا أن المضاف إلى الكاف مصدر يعمل عمل الفعل، فهو يتطلب فاعلا كما يتطلبه فعله الذي هو انطلق، وهذه الكاف هي الفاعل، فكان المضاف عاملا في المضاف إليه، ويصح أن يعمل في الحال لانه مصدر على ما علمت.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
إبراهيم والملة كالجزء من المضاف إليه إذ يصح الاستغناء بالمضاف إليه عنها فلو قيل في غير القرآن أن اتبع إبراهيم حنيفا لصح.
فإن لم يكن المضاف مما يصح أن يعمل في الحال ولا هو جزء من المضاف إليه ولا مثل جزئه لم يجز أن يجيء الحال منه فلا تقول جاء غلام هند ضاحكة خلافا للفارسي وقول ابن المصنف رحمه الله تعالى إن هذه الصورة ممنوعة بلا خلاف ليس بجيد فإن مذهب الفارسي جوازها كما تقدم وممن نقله عنه الشريف أبو السعادات ابن الشجري في أماليه.
والحال إن ينصب بفعل صرفا أو صفة أشبهت المصرفا (١)
فجائز تقديمه ك مسرعا ذا راحل ومخلصا زيد دعا (٢)
_________________
(١) " الحال " مبتدأ " إن " شرطية " ينصب " فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الحال " بفعل " جار ومجرور متعلق بينصب " صرفا " صرف: فعل ماض مبني للمجهول، وفيه ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود إلى فعل نائب فاعل، والجملة من صرف ونائب فاعله في محل جر نعت لفعل " أو " عاطفة " صفة " معطوف على فعل " أشبهت " أشبه: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى صفة " المصرفا " مفعول به لاشبه، والجملة من أشبهت وفاعله ومفعوله في محل جر صفة لقوله " صفة ".
(٢) " فجائز " الفاء لربط الجواب بالشرط، جائز: خبر مقدم " تقديمه " تقديم: مبتدأ مؤخر، وتقديم مضاف والهاء مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله، والجملة =
[ ٢ / ٢٦٩ ]
يجوز تقديم الحال على ناصبها إن كان فعلا متصرفا أو صفة تشبه الفعل المتصرف والمراد بها ما تضمن معنى الفعل وحروفه وقبل التأنيث والتثنية والجمع كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة (١) فمثال تقديمها على الفعل المتصرف مخلصا زيد دعا فدعا فعل متصرف وتقدمت عليه الحال ومثال تقديمها على الصفة المشبهة له مسرعا ذا راحل.
فإن كان الناصب لها فعلا غير متصرف لم يجز تقديمها عليه فتقول ما أحسن زيدا ضاحكا ولا تقول ضاحكا ما أحسن زيدا لأن فعل التعجب غير متصرف في نفسه فلا يتصرف في معموله وكذلك إن كان
_________________
(١) = في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو " الحال " في أول البيت السابق " كمسرعا " الكاف جارة لقول محذوف، مسرعا: حال مقدم على عامله وهو " راحل " الآتي " ذا " مبتدأ " راحل " خبر المبتدأ، وفيه ضمير مستتر جوازا تقديره هو فاعل، وهو صاحب الحال " ومخلصا " حال مقدم على عامله، وهو " دعا " الآتي " زيد " مبتدأ، وجملة " دعا " وفاعله المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زيد في محل رفع خبر.
(٢) أطلق الشارح كالناظم القول إطلاقا في أنه يجوز تقديم الحال على عاملها إذا كان هذا العامل فعلا متصرفا أو صفة تشبه الفعل المتصرف، وليس هذا الاطلاق بسديد بل قد يعرض أمر يوجب تأخير الحال على عاملها ولو كان فعلا متصرفا أو صفة تشبه الفعل المتصرف، وذلك في أربعة مواضع: الاول: أن يكون العامل مقترنا بلام الابتداء، كقولك: إني لازورك مبتهجا. الثاني: أن يقترن العامل بلام القسم، كقولك: لاصومن معتكفا، وقولهم: لاصبرن محتسبا. الثالث: أن يكون العامل صلة لحرف مصدري، كقولك: إن لك أن تسافر راجلا، وإن عليك أن تنصح مخلصا. الرابع: أن يكون العامل صلة لال الموصولة، كقولك: أنت المصلى فذا، وعلى المذاكر متفهما.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
الناصب لها
صفة لا تشبه الفعل المتصرف كأفعل التفضيل لم يجز تقديمها عليه وذلك لأنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث فلم يتصرف في نفسه فلا يتصرف في معموله فلا تقول زيد ضاحكا أحسن من عمرو بل يجب تأخير الحال فتقول زيد أحسن من عمرو ضاحكا (١) .
وعامل ضمن معنى الفعل لا حروفه مؤخرا لن يعملا (٢)
كـ "تلك ليت وكأن" وندر نحو سعيد مستقرا في هجر (٣)
لا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي وهو ما تضمن معنى الفعل دون حروفه كأسماء الإشارة وحروف التمني والتشبيه والظرف والجار
_________________
(١) سيأتي للمصنف في هذا الباب والشارح الاستثناء من عدم عمل أفعل التفضيل في حال متقدمة، وذلك المستثنى نحو قوله " زيد مفردا أنفع من عمرو معانا " وسيذكر هناك (ص ٦٥٠) ضابط هذا المثال.
(٢) " وعامل " مبتدأ " ضمن " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة من ضمن ونائب فاعله في محل رفع صفة لعامل " معنى " مفعول ثان لضمن، ومعنى مضاف، و" الفعل " مضاف إليه " لا " عاطفة " حروفه " حروف: معطوف على " معنى الفعل " وحروف مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " مؤخرا " حال من الضمير المستتر في " يعمل " الآتي " لن " نافية ناصبة " يعملا " يعمل: فعل مضارع منصوب بلن، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عامل الواقع مبتدأ، والالف للاطلاق، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
(٣) " كتلك " الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كتلك " ليت، وكأن " معطوفان على تلك " وندر " فعل ماض " نحو " فاعل ندر " سعيد " مبتدأ " مستقرا " حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الآتي " في هجر " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
[ ٢ / ٢٧١ ]
والمجرور (١) نحو تلك هند مجردة وليت زيدا أميرا أخوك وكأن زيدا راكبا أسد وزيد في الدار أو عندك قائما فلا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي في هذه المثل ونحوها فلا تقول مجردة تلك هند ولا أميرا ليت زيدا أخوك ولا راكبا كأن زيدا أسد.
وقد ندر تقديمها على عاملها الظرف نحو: زيد قائما عندك والجار
والمجرور
_________________
(١) اعلم أن ههنا أمرين لا بد من بيانهما حتى تكون على ثبت من الامر: الاول: أن العامل المعنوي قد يطلق ويراد به ما يقابل اللفظي، وهو شيئان: الابتداء العامل في المبتدأ، والتجرد من الناصب والجازم العامل في الفعل المضارع، وليس هذا المعنى مرادا في هذا الموضع، لان العامل المعنوي بهذا المعنى لا يعمل غير الرفع، فالابتداء يعمل في المبتدأ الرفع، والتجرد يعمل في الفعل المضارع الرفع أيضا، وحينئذ فالمراد بالعامل المعنوي ههنا: اللفظ الذي يعمل بسبب ما يتضمنه من معنى الفعل أفلا ترى أن " تلك " وغيرها من ألفاظ الاشارة إنما عملت في الحال لانها متضمنة معنى أشير؟ وهكذا. الثاني: العوامل المعنوية بالمعنى المراد هنا كثيرة، وقد ذكر الشارح منها خمسة، وهي: أسماء الاشارة، وحروف التمني، وأدوات التشبيه، والظروف، والجار والمجرور، وقد بقي خمسة أخرى، أولها: حرف الترجي كلعل، نحو قولك: لعل زيدا أميرا قادم، وثانيها: حروف التنبيه مثل " ها " في قولك: ها أنت زيد راكبا، فراكبا: حال من زيد، والعامل في الحال هو " ها "، وثالثها: أدوات الاستفهام الذي يقصد به التعجب كقول الاعشى: يا جارتا ما أنت جاره، عند من جعل " جاره " الاخرى حالا لا تمييزا، رابعها: أدوات النداء نحو " يا " في قولك: يأيها الرجل قائما، وخامسها: " أما " نحو قولهم: أما علما فعالم، عند من جعل تقدير الكلام: مهما يذكر أحد في حال علم فالمذكور عالم، فعلما على هذا التقدير حال من المرفوع بفعل الشرط الذي نابت عنه أما.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
نحو: سعيد مستقرا في هجر ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (١)﴾ في قراءة من كسر التاء وأجازه الأخفش قياسا.
ونحو: زيد مفردا أنفع من عمرو معانا مستجاز لن يهن (٢)
تقدم أن أفعل التفضيل لا يعمل في الحال متقدمة واستثنى من ذلك هذه المسألة وهي: ما إذا فضل شيء في حال على نفسه أو غيره في حال أخرى فإنه يعمل في حالين إحداهما متقدمة عليه والأخرى متأخرة عنه وذلك نحو زيد قائما أحسن منه قاعدا وزيد مفردا أنفع من عمرو معانا ف قائما ومفردا منصوبان بأحسن وأنفع وهما حالان وكذا قاعدا ومعانا وهذا مذهب الجمهور.
_________________
(١) القراءة المشهورة برفع السموات على الابتداء ورفع " مطويات " على أنه خبر المبتدأ، والجار والمجرور - وهو " بيمينه " - متعلق بمطويات، والقراءة التي يستدل بها الشارح برفع السموات على أنه مبتدأ، ونصب مطويات بالكسرة نيابة عن الفتحة على أنه حال صاحبه الضمير المستكن في الجار والمجرور، والجار والمجرور - وهو قوله (بيمينه) متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
(٢) " ونحو " مبتدأ " زيد " مبتدأ " مفردا " حال من الضمير المستتر في " أنفع " الآتي " أنفع " خبر المبتدأ الذي هو زيد " من عمرو " جار ومجرور متعلق بأنفع " معانا " حال من عمرو، وجملة المبتدأ والخبر في محل جر بإضافة نحو إليها " مستجاز " خبر المبتدأ الذي هو " نحو " في أول البيت " لن " نافية ناصبة " يهن " بمعنى يضعف: فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى " نحو " وجملة يهن وفاعله في محل رفع خبر ثان، أو صفحة للخبر السابق.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وزعم السيرافي أنهما خبران منصوبان بكان المحذوفة والتقدير زيد إذا كان قائما أحسن منه إذا كان قاعدا وزيد إذا كان مفردا أنفع من عمرو إذا كان معانا.
ولا يجوز تقديم هذين الحالين على أفعل التفضيل ولا تأخيرهما عنه فلا تقول زيد قائما قاعدا أحسن منه ولا تقول زيد أحسن منه قائما قاعدا.
والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد (١)
يجوز تعدد الحال وصاحبها مفرد (٢) أو متعدد.
فمثال الأول: جاء زيد راكبا ضاحكا ف راكبا وضاحكا حالان من زيد والعامل فيهما جاء.
ومثال الثاني: لقيت هندا مصعدا منحدرة ف مصعدا حال من التاء ومنحدرة حال من هند والعامل فيهما لقيت ومنه قوله:
١٩٠ - لقي ابني أخويه خائفا منجديه فأصابوا مغنما
_________________
(١) " الحال " مبتدأ، وجملة " يجئ " وفاعله المستتر فيه في محل رفع خبر " ذا " حال من الضمير المستتر في يجئ، وذا مضاف و" تعدد " مضاف إليه " لمفرد " جار ومجرور متعلق يتعدد أو بمحذوف نعت لتعدد " فاعلم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة لا محل لها اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه، " وغير " الواو عاطفة، غير: معطوف على مفرد، وغير مضاف، و" مفرد " مضاف إليه.
(٢) ترك الشارح بيان المواضع التي يجب فيها تعدد الحال، ولوجوب ذلك موضعان، أولهما أن يقع بعد " إما " نحو قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) وثانيهما: أن يقع بعد " لا " النافية كقولك: رأيت بكرا لا مستبشرا ولا جذلان.
(٣) البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها =
[ ٢ / ٢٧٤ ]
فـ"خائفا" حال من "ابني" و"منجديه" حال من أخويه والعامل فيهما لقي.
فعند ظهور المعنى ترد كل حال إلى ما تليق به وعند عدم ظهوره يجعل أول الحالين لثاني الاسمين وثانيهما لأول الاسمين ففي قولك لقيت زيدا مصعدا منحدرا يكون مصعدا حالا من زيد ومنحدرا حالا من التاء.
وعامل الحال بها قد أكدا في نحو: لا تعث في الأرض مفسدا (١)
_________________
(١) = اللغة: " منجديه " مغيثيه، وهو مثنى منجد، ومنجد: اسم فاعل ماضيه أنجد، وتقول: أنجد فلان فلانا، إذا أغاثه وعاونه ودفع عنه المكروه " أصابوا " نالوا وأدركوا " مغنما " غنيمة. الاعراب: " لقي " فعل ماض " ابني " ابن: فاعل لقي، وابن مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " أخويه " مفعول به للقي، والهاء مضاف إليه " خائفا " حال من ابني " منجديه " حال من أخويه " فأصابوا " الفاء عاطفة، أصابوا: فعل وفاعل " مغنما " مفعول به لاصابوا، والجملة من أصاب وفاعله ومفعوله معطوفة بالفاء على جملة لقي ومعمولاته. الشاهد فيه: قوله " خائفا منجديه " فإن الحال متعددة لمتعدد، والنظرة الاولى تدل على صاحب كل حال فترده إليه، فإن واحدا من الحالين مفرد والآخر مثنى، وكذلك صاحباهما، فلا لبس عليك في أن تجعل المفرد للمفرد والمثنى للمثنى.
(٢) " وعامل " مبتدأ، وعامل مضاف، و" الحال " مضاف إليه " بها " جار ومجرور متعلق بأكد الآتي " قد " حرف تحقيق " أكدا " أكد: فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عامل الحال، والالف للاطلاق، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " في نحو " جار ومجرور متعلق بأكد " لا " ناهية " تعث " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه =
[ ٢ / ٢٧٥ ]
تنقسم الحال إلى مؤكده وغير مؤكدة فالمؤكدة على قسمين وغير المؤكدة ما سوى القسمين.
فالقسم الأول: من المؤكدة ما أكدت عاملها وهي المراد بهذا البيت وهي كل وصف دل على معنى عامله وخالفه لفظا وهو الأكثر أو وافقه لفظا وهو دون الأول في الكثرة فمثال الأول لا تعث في الأرض مفسدا ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ .
وإن تؤكد جملة فمضمر عاملها ولفظها يؤخر (١)
هذا هو القسم الثاني: من الحال المؤكدة وهي ما أكدت مضمون الجملة
_________________
(١) = وجوبا تقديره أنت " في الارض " جار ومجرور متعلق بتعث " مفسدا " حال من الضمير المستتر في " تعث " وهو حال مؤكدة للعامل وهو " تعث " وجملة " تعث في الارض مفسدا " في محل جر بإضافة نحو إليها.
(٢) " وإن " شرطية " تؤكد " فعل مضارع، فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى الحال " جملة " مفعول به لتؤكد " فمضمر " الفاء لربط الجواب بالشرط، مضمر: خبر مقدم " عاملها " عامل: مبتدأ مؤخر، وعامل مضاف وها: مضاف إليه، والجملة في محل جزم جواب الشرط " ولفظها " الواو عاطفة، لفظ: مبتدأ، ولفظ مضاف وها: مضاف إليه، وجملة " يؤخر " من الفعل المضارع المبني للمجهول ونائب الفاعل المستتر فيه في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جزم معطوفة بالواو على جملة جواب الشرط.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وشرط الجملة: أن تكون اسمية وجزآها معرفتان جامدان نحو زيد أخوك عطوفا وأنا زيد معروفا ومنه قوله:
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي وهل بدارة با للناس من عار؟
فـ "عطوفا ومعروفا" حالان وهما منصوبان بفعل محذوف وجوبا والتقدير في الأول أحقه عطوفا وفي الثاني أحق معروفا.
ولا يجوز تقديم هذه الحال على هذه الجملة فلا تقول عطوفا زيد أخوك ولا معروفا أنا زيد ولا توسطها بين المبتدأ والخبر فلا تقول زيد عطوفا أخوك.
_________________
(١) البيت لسالم بن دارة، من قصيدة طويلة يهجو فيها فزارة، وقد أوردها التبريزي في شرحه على الحماسة، وذكر لهذه القصيدة قصة، فارجع إليها هناك. اللغة: " دارة " الاكثرون على أنه اسم أمه، وقال أبو رياش: هو لقب جده، واسمه يربوع، ويجاب - هلى هذا القول - عن تأنيث الضمير الراجع إلى دارة في قوله " معروفا بها نسبي " بأنه عنى به القبيلة. المعنى: أنا ابن هذه المرأة، ونسبي معروف بها، وليس فيها من المعرة ما يوجب القدح في النسب، أو الطعن في الشرف. الاعراب: " أنا " ضمير منفصل مبتدأ " ابن " خبر المبتدأ، وابن مضاف، " ودارة " مضاف إليه " معروفا " حال " بها " جار ومجرور متعلق بمعروف " نسبي " نائب فاعل لمعروف لانه اسم مفعول " وهل " حرف دال على الاستفهام الانكاري " بدارة " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " من " زائدة " عار " مبتدأ مؤخر، مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقوله " يا للناس " اعتراض بين المبتدأ والخبر، وياء: للنداء، واللام للاستغاثة. الشاهد فيه: قوله " معروفا " فإنه حال أكدت مضمون الجملة التي قبلها.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وموضع الحال تجيء جمله كـ "جاء زيد وهو ناو رحله (١) "
الأصل في الحال والخبر والصفة الإفراد وتقع الجملة موقع الحال كما تقع موقع الخبر والصفة ولا بد فيها من رابط وهو في الحالية إما ضمير نحو جاء زيد يده على رأسه أو واو وتسمى واو الحال وواو الابتداء وعلامتها صحة وقوع (٢) إذ موقعها نحو جاء زيد وعمرو قائم التقدير إذ عمرو قائم أو الضمير والواو معا نحو جاء زيد وهو ناو رحلة.
_________________
(١) " موضع " ظرف مكان متعلق بتجئ، وموضع مضاف و" الحال " مضاف إليه " تجئ " فعل مضارع " جملة " فاعل تجئ " كجاء زيد " الكاف جارة لقول محذوف، كما سبق مرارا، وما بعدها فعل وفاعل " وهو " الواو واو الحال، وهو: ضمير منفصل مبتدأ " ناو " خبر المبتدأ، وفيه ضمير مستتر فاعل " رحله " مفعول به لناو، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال.
(٢) يشترط في الجملة التي تقع حالا أربعة شروط، وقد ذكر الشارح تبعا للناظم من هذه الشروط واحدا، وهو: أن تكون الجملة مشتملة على رابط يربطها بالحال إما الواو، وإما الضمير، وإما هما معا والشرط الثاني: أن تكون الجملة خبرية، فلا يجوز أن تكون الحال جملة إنشائية، والشرط الثالث: ألا تكون جملة الحال تعجبية، والشرط الرابع: ألا تكون مصدرة بعلم استقبال، وذلك نحو " سوف " و" لن " وأدوات الشرط، فلا يصح أن تقول: جاء محمد إن يسأل يعط، فإن أردت تصحيح ذلك فقل: جاء زيد وهو إن يسأل يعط، فتكون الحال جملة اسمية خبرية. ومن هذا الكلام - مع ما سبق في مبحث مجئ خبر المبتدأ جملة - تعرف أن الخبر والحال جميعا اشتركا في ضرورة وجود رابط يربط كلا منهما بصاحبه واختلفا في الشروط الثلاثة الباقية، فجملة الخبر تقع إنشائية وتعجبية على الاصح عند النحاة، وتصدر بعلم الاستقبال، وقد رأيت أن تصحيح المثال يكون بجعل جملة الشرط وجوابه خبرا، فتنبه لذلك كله، والله يوفقك ويرشدك.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضميرا ومن الواو خلت (١)
وذات واو بعدها انو مبتدا له المضارع اجعلن مسندا (٢)
الجملة الواقعة حالا: إن صدرت بمضارع مثبت لم يجز أن تقترن بالواو بل لا تربط إلا بالضمير نحو جاء زيد يضحك وجاء عمرو تقاد الجنائب بين يديه ولا يجوز دخول الواو فلا تقول جاء زيد ويضحك.
فإن جاء من لسان العرب ما ظاهره ذلك أول على إضمار مبتدأ بعد الواو ويكون المضارع خبرا عن ذلك المبتدأ وذلك نحو قولهم قمت وأصك عينه وقوله:
١٩٢ - فلما خشيت أظافيرهم نجوت وأرهنهم مالكا
_________________
(١) " وذات " مبتدأ، وذات مضاف، و" بدء " مضاف إليه " بمضارع " جار ومجرور متعلق ببدء " ثبت " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضارع، والجملة في محل جر صفة لمضارع " حوت " حوى: فعل ماض، والتاء للتأنيث وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ذات بدء، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " ضميرا " مفعول به لحوت " ومن الواو " الواو عاطفة، وما بعدها جار ومجرور متعلق بخلت " خلت " خلا: فعل ماض، والتاء لتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ذات بدء بمضارع، والجملة معطوفة على جملة الخبر.
(٢) " وذات " مبتدأ، وذات مضاف و" واو " مضاف إليه " بعدها " بعد: ظرف متعلق بانو الآتي، وبعد مضاف، وها: مضاف إليه " انو " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مبتدا " مفعول به لانو " له " جار ومجرور متعلق باجعل الآتي " المضارع " مفعول أول لاجعل تقدم عليه، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة " اجعلن " اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والنون نون التوكيد الثقيلة " مسندا " مفعول ثان لاجعل.
(٣) البيت لعبد الله بن همام السلولي. =
[ ٢ / ٢٧٩ ]
فـ"أصك، وأرهنهم" خبران لمبتدأ محذوف والتقدير وأنا أصك وأنا أرهنهم.
وجملة الحال سوى ما قدما بواو أو بمضمر أو بهما (١)
_________________
(١) = اللغة: " أظافيرهم " جمع أظفور بزنة عصفور والمراد هنا منه الاسلحة " نجوت " أراد تخلصت منهم. الاعراب: " فلما " الفاء للعطف على ما قبله، لما: ظرف بمعنى حين متعلق بنجوت الآتي، وهو متضمن معنى الشرط " خشيت " فعل وفاعل " أظافيرهم " أظافير: مفعول به لخشيت، وأظافير مضاف وهم: مضاف إليه، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة " لما " الظرفية إليها " نجوت " فعل وفاعل، والجملة جواب " لما " الظرفية بما تضمنته من معنى الشرط " وأرهنهم " الواو واو الحال، أرهن: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، هم: مفعول أول لارهن، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وأنا أرهنهم، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال " مالكا " مفعول ثان لارهن. الشاهد فيه: قوله " وأرهنهم " حيث إن ظاهره ينبئ عن أن المضارع المثبت تقع جملته حالا، وتسبق بالواو، وذلك الظاهر غير صحيح، ولهذا قدرت جملة المضارع خبرا لمبتدأ محذوف كما فصلناه في الاعراب.
(٢) " وجملة " مبتدأ، وجملة مضاف، و" الحال " مضاف إليه " سوى " منصوب على الاستثناء أو على الظرفية، وسوى مضاف و" ما " اسم موصول مضاف إليه " قدما " قدم: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والالف للاطلاق، والجملة من قدم ونائب فاعله لامحل لها صلة الموصول " بواو " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وهو قوله " جملة الحال " في أول البيت، وقوله " أو بمضمر، أو بهما " معطوفان على قوله بواو.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
الجملة الحالية: إما أن تكون اسمية أو فعلية والفعل إما مضارع أو ماض وكل واحدة من الاسمية والفعلية إما مثبتة أو منفية وقد تقدم أنه إذا صدرت الجملة بمضارع مثبت لا تصحبها الواو بل لا تربط إلا بالضمير فقط (١) وذكر في هذا البيت أن ما عدا ذلك يجوز فيه أن يربط بالواو
_________________
(١) قد ذكر الشارح أن الجملة الحالية إذا كانت فعلية فعلها مضارع مثبت وجب أن تخلو هذه الجملة من الواو، وأن يكون رابطها الضمير، وقد بقي عليه بعض شروط يجب تحققها في هذه الجملة: منها ألا يتقدم بعض معمولات المضارع عليه، فلو تقدم معموله عليه اقترنت الجملة بالواو، ولهذا جوز القاضي البيضاوي في قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) أن تكون جملة (وإياك نستعين) حالا من الضمير المستتر وجوبا في (نعبد) ومن الشروط أيضا: ألا تكون جملة المضارع المذكور مقترنة بقد، فإن اقترنت بها وجب أن تقترن بالواو، نحو قوله تعالى (لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم)، فجملة ما يشترط لخلو هذه الجملة من الواو أربعة شروط: أن تكون مضارعية، وأن تكون مثبتة، وأن يتقدم المضارع على كل ما يذكر معه من معمولاته، وألا يقترن بقد. وقد ذكر الشارح بعد قليل أن الجملة المضارعية المنفية بلا تمتنع معها الواو، كما في قوله تعالى: (مالي لا أرى الهدهد) وبقي بعد ذلك خمس جمل يجب ألا تقترن بالواو، فيصير مجموع ما لا يجوز اقترانه بالواو من الحال الواقعة جملة سبعا ذكرنا لك اثنتين منها. (والثالثة) أن تكون مضارعية منفية بما، كقول الشاعر: عهدتك ما تصبو، وفيك شبيبة فمالك بعد الشيب صبا متيما؟ (الرابعة) الجملة المعطوفة على حال قبلها، نحو قوله تعالى: (فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون) فجملة " هم قائلون " معطوفة على " بياتا ". (الخامسة) الجملة المؤكدة لمضمون جملة قبلها، نحو قولك: هو الحق لا شك فيه، وقوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) فجملة " لا ريب فيه " حال مؤكدة لمضمون جملة " ذلك الكتاب " في بعض أعاريب يحتملها هذا الكلام. =
[ ٢ / ٢٨١ ]
وحدها أو بالضمير وحده أو بهما فيدخل في ذلك الجملة الاسمية مثبتة أو منفية والمضارع المنفي والماضي المثبت والمنفي.
فتقول جاء زيد وعمرو قائم وجاء زيد يده على رأسه وجاء زيد ويده على رأسه وكذلك المنفي وتقول جاء زيد لم يضحك أو ولم يضحك أو ولم يقم عمرو وجاء زيد وقد قام عمرو وجاء زيد قد قام أبوه وجاء زيد وقد قام أبوه وكذلك المنفي ونحو جاء زيد وما قام عمرو وجاء زيد ما قام أبوه أو وما قام أبوه.
ويدخل تحت هذا أيضا المضارع المنفي بلا فعلى هذا تقول جاء زيد ولا يضرب عمرا بالواو.
وقد ذكر المصنف في غير هذا الكتاب أنه لا يجوز اقترانه بالواو كالمضارع المثبت وأن ما ورد مما ظاهره ذلك يؤول على إضمار مبتدأ كقراءة
_________________
(١) = (السادسة) الجملة التي تقع بعد " إلا " سواء أكانت الجملة اسمية نحو قولك: ما صاحبت أحدا إلا زيد خير منه، أم كانت فعلية فعلها ماض نحو قولك: ما أرى رأيا إلا رأيت صوابا، ونحو قوله تعالى: (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) وقد ورد في الشعر اقتران الفعلية التي فعلها ماض والواقعة بعد " إلا " بالواو كما في قوله. نعم امرأ هرم لم تعر نائبة إلا وكان لمرتاع لها وزرا فقيل: هو شاذ والقياس أن تخلو من الواو، وقيل: هو قليل لا شاذ. (السابعة) الجملة الفعلية التي فعلها ماض مسبوق بأو العاطفة، نحو قولك: لاضربنه حضر أو غاب، وقول الشاعر: كن للخليل نصيرا جار أو عدلا ولا تشح عليه جاد أو بخلا
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ابن ذكوان:
فاستقيما ولا تتبعان بتخفيف النون والتقدير وأنتما لا تتبعان ف لا تتبعان خبر لمبتدأ محذوف.
والحال قد يحذف ما فيها عمل وبعض ما يحذف ذكره حظل (١)
يحذف عامل الحال جوازا أو وجوبا.
فمثال ما حذف جوازا أن يقال كيف جئت فتقول راكبا تقديره جئت راكبا وكقولك بلى مسرعا لمن قال لك لم تسر والتقدير بلى سرت مسرعا ومنه قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ التقدير والله أعلم بلى نجمعها قادرين.
ومثال ما حذف وجوبا قولك زيد أخوك عطوفا ونحوه من الحال المؤكدة لمضمون الجملة وقد تقدم ذلك وكالحال النائبة مناب الخبر
_________________
(١) " والحال " مبتدأ " قد " حرف تحقيق " يحذف " فعل مضارع مبني للمجهول " ما " اسم موصول نائب فاعل ليحذف، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ " فيها " جار ومجرور متعلق بعمل الآتي " عمل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " وبعض " مبتدأ أول، وبعض مضاف و" ما " اسم موصول مضاف إليه " يحذف " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا، والجملة لامحل لها صلة الموصول " ذكره " ذكر: مبتدأ ثان، وذكر مضاف والهاء مضاف إليه " حظل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا، والجملة من حظل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
نحو:
ضربي زيدا قائما التقدير إذا كان قائما وقد سبق تقرير ذلك في باب المبتدأ والخبر.
(١) ومما حذف فيه عامل الحال وجوبا قولهم اشتريته بدرهم فصاعدا وتصدقت بدينار ف سافلا ف صاعدا وسافلا حالان عاملهما محذوف
_________________
(١) هنا أمران نحب أن ننبهك إليهما: الاول: أن عامل الحال على ثلاثة أنواع: نوع يجب ذكره ولا يجوز حذفه، ونوع يجب حذفه ولا يجوز ذكره، ونوع يجوز لك ذكره ويجوز لك حذفه. فأما النوع الذي يجب ذكره ولا يجوز حذفه فهو العامل المعنوي كالظرف واسم الاشارة، فلا يحذف شئ من هذه العوامل، سواء أعلمت أم لم تعلم، لان العامل المعنوي ضعيف، فلا يقوى على أن يعمل وهو محذوف. وأما النوع الذي يجب حذفه فقد بين الشارح ثلاثة مواضع من مواضعه وهي الحال المؤكدة لمضمون جملة، والحال النائبة مناب الخبر، والحال الدالة على زيادة أو نقص بتدريج وبقي موضعان آخران، أولهما: أن ينوب عنه الحال كقولك لمن شرب: هنيئا، ومن ذلك قول كثير: هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت وثانيهما: أن تدل الحال على توبيخ، كقولك: أقاعدا وقد جد الناس؟. وأما النوع الذي يجوز ذكره وحذفه فهو ما عدا هذين النوعين. الامر الثاني: أن الاصل في الحال نفسه - بسبب كونه فضلة - أنه يجوز حذفه، وقد يجب ذكره، وذلك في خمسة مواضع، أولها: أن يكون الحال مقصورا عليه، نحو قولك: ما سافرت إلا راكبا، وما ضربت عليا إلا مذنبا، وثانيها: أن يكون الحال نائبا عن عامله كقولك: هنيئا مريئا، تريد كل ذلك هنيئا مريئا، وثالثها: أن تتوقف عليه صحة الكلام كقوله ﷾: (وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين) أو يتوقف عليه مراد المتكلم، نحو قوله تعالى: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) ورابعها: أن يكون الحال جوابا، كقولك: بلى مسرعا، جوابا لمن قال لك: لم تسر، وخامسها: أن يكون الحال نائبا عن الخبر، نحو قولك: ضربي زيدا مسيئا.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وجوبا والتقدير فذهب الثمن صاعدا وذهب المتصدق به سافلا هذا معنى قوله وبعض ما يحذف ذكره حظل أي بعض ما يحذف من عامل الحال منع ذكره. (١)
_________________
(١) قد بقي الكلام على صاحب الحال من ناحية الذكر والحذف - بعد أن أتينا على ما يتعلق بالحال، وبالعامل فيها من هذه الناحية - فنقول: الاصل في صاحب الحال أن يكون مذكورا، وقد يحذف جوازا، وقد يحذف وجوبا بحيث لا يجوز ذكره. فيحذف جوازا إذا حذف عامله، نحو قولك: راشدا، أي تسافر راشدا، ويجوز أن تقول تسافر راشدا. ويحذف وجوبا مع الحال التي تفهم ازديادا أو نقصا بتدريج، نحو قولهم: اشتريت بدينار فصاعدا، أي: فذهب الثمن صاعدا، ففي هذا حذف صاحب الحال وعامله.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
التمييز
اسم بمعنى من مبين نكره ينصب تمييزا بما قد فسره (١)
كشبر أرضا وقفيز برا ومنوين عسلا وتمرا (٢)
تقدم من الفضلات المفعول به والمفعول المطلق والمفعول له والمفعول فيه والمفعول معه والمستثنى والحال وبقي التمييز وهو المذكور في هذا الباب ويسمى مفسرا وتفسيرا ومبينا وتبيينا ومميزا وتمييزا.
وهو: كل اسم نكرة متضمن معنى من لبيان ما قبله من إجمال نحو طاب زيد نفسا وعندي شبر أرضا. واحترز بقوله متضمن معنى من الحال فإنها متضمنة معنى في وقوله لبيان ما قبله احتراز مما تضمن معنى من وليس فيه بيان لما قبله كاسم لا التي لنفي الجنس نحو لا رجل قائم فإن التقدير لا من رجل قائم.
_________________
(١) " اسم " خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو اسم " بمعنى " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لاسم، ومعنى مضاف و" من " قصد لفظه: مضاف إليه " مبين " نعت آخر لاسم " نكرة " نعت ثالث لاسم " ينصب " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة مستأنفة لا محل لها من الاعراب " تمييزا " حال من نائب الفاعل المستتر في قوله ينصب " بما " جار ومجرور متعلق بينصب، و" قد فسره " فسر: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، وضمير الغائب مفعوله، والجملة لا محل لها صلة ما المجرورة محلا بالباء.
(٢) " كشبر " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ما الموصولة " أرضا " تمييز لشبر " وقفيز " معطوف على شبر " برا " تمييز لقفيز " ومنوين عسلا " مثله " وبرا " معطوف على قوله عسلا.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وقوله لبيان ما قبله من إجمال يشمل نوعي التمييز وهما المبين إجمال ذات والمبين إجمال نسبة.
فالمبين إجمال الذات: هو الواقع بعد المقادير وهي الممسوحات نحو له شبر أرضا والمكيلات نحو له قفيز برا والموزونات نحو له منوان عسلا وتمرا والأعداد (١) نحو عندي عشرون درهما وهو منصوب بما فسره وهو شبر وقفيز ومنوان وعشرون.
والمبين إجمال النسبة: هو المسوق لبيان ما تعلق به العامل من فاعل أو مفعول نحو طاب زيد نفسا ومثله ﴿اشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيْبَا﴾ وغرست الأرض شجرا ومثله ﴿وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا﴾ .
فـ"نفسا" تمييز منقول من الفاعل والأصل طابت نفس زيد وشجرا منقول من المفعول والأصل غرست شجر الأرض فبين
_________________
(١) قول الشارح " والاعداد " عطف على قوله " المقادير " فأما ما بينهما فهو بيان لانواع المقادير، وعلى هذا يكون الشارح قد ذكر شيئين يكون تمييز إجمال الذات بعدهما - وهما المقادير، والاعداد - وبقي عليه شيئان آخران. أولها: ما يشبه المقادير، مما أجرته العرب مجراها لشبهه بها في مطلق المقدار، وإن لم يكن منها، كقولك: قد صببت عليه ذنوبا ماء، واشتريت نحيا سمنا، وقولهم: على التمرة مثلها زبدا. وثانيهما: ما كان فرعا للتمييز، نحو قولك: أهديته خاتما فضة، على ما هو مذهب الناظم تبعا للمبرد في هذا المثال من أن فضة ليس حالا، لكونه جامدا، وكون صاحبه نكرة، وكونه لازما، مع أن الغالب في الحال أن تكون منتقلة. وذهب سيبويه إلى أن فضة في المثال المذكور حال، وليس تمييزا، لانه خص التمييز بما يقع بعد المقادير وما يشبهها.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
نفسا الفاعل الذي تعلق به الفعل وبين شجرا المفعول الذي تعلق به الفعل والناصب له في هذا النوع هو العامل الذي قبله.
وبعد ذي وشبهها اجرره إذا أضفتها كـ "مد حنطة غذا (١) "
والنصب بعد ما أضيف وجبا إن كان مثل "ملء الأرض ذهبا (٢) "
أشار ب ذي إلى ما تقدم ذكره في البيت من المقدرات - وهو ما دل على
مساحة أو كيل أو وزن - فيجوز جر التمييز بعد هذه
_________________
(١) " بعد " ظرف متعلق باجرر، وبعد مضاف و" ذي " اسم إشارة مضاف إليه " وشبهها " الواو عاطفة، شبه: معطوف على ذي، وشبه مضاف، وها: مضاف إليه " اجرره " اجرر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " إذا " ظرف أشرب معنى الشرط " أضفتها " فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل جر بإضافة إذا الظرفية إليها " كمد " الكاف جارة لقول محذوف، مد: مبتدأ، ومد مضاف و" حنطة " مضاف إليه " غذا " خبر المبتدأ.
(٢) " والنصب " مبتدأ " بعد " ظرف متعلق به، وبعد مضاف و" ما " اسم موصول مضاف إليه " أضيف " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من أضيف ونائب فاعله لا محل لها صلة " وجبا " فعل ماض، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النصب، والجملة من وجب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " إن " شرطية " كان " فعل ماض ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما أضيف " مثل " خبر كان " ملء " مبتدأ، وملء مضاف و" الارض " مضاف إليه، والخبر محذوف تقديره: لي، مثلا، وجملة المبتدأ والخبر في محل جر بإضافة مثل إليها " ذهبا " تمييز.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
بالإضافة إن لم يضف إلى غيره نحو عندي شبر أرض وقفيز بر ومنوا عسل وتمر.
فإن أضيف الدال على مقدار إلى غير التمييز وجب نصب التمييز نحو ما في السماء قدر راحة سحابا ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَبًا﴾ وأما تمييز العدد فسيأتي حكمه في باب العدد.
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلا كـ "أنت أعلى منزلا (١) "
التمييز الواقع بعد أفعل التفضيل إن كان فاعلا في المعنى وجب نصبه وإن لم يكن كذلك وجب جره بالإضافة.
وعلامة ما هو فاعل في المعنى أن يصلح جعله فاعلا بعد جعل أفعل التفضيل فعلا نحو أنت أعلى منزلا وأكثر مالا ف منزلا ومالا يجب نصبهما إذ يصح جعلهما فاعلين بعد جعل أفعل التفضيل فعلا فتقول أنت علا منزلك وكثر مالك.
ومثال ما ليس بفاعل في المعنى (٢) زيد أفضل رجل وهند أفضل امرأة
_________________
(١) " والفاعل " مفعول مقدم على عامله - وهو قوله انصبن الآتي - " المعنى " منصوب على نزع الخافض، أو مفعول به للفاعل، أو مجرور تقديرا بإضافة الفاعل إليه " انصبن " انصب: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ونون التوكيد حرف لا محل له من الاعراب " بأفعلا " جار ومجرور متعلق بانصبن " مفضلا " حال من الفاعل المستتر وجوبا في انصبن " كأنت " الكاف جارة لقول محذوف، أنت: مبتدأ " أعلى " خبر المبتدأ " منزلا " تمييز.
(٢) ضابط ما ليس بفاعل في المعنى: أن يكون أفعل التفضيل بعضا من جنس التمييز، =
[ ٢ / ٢٨٩ ]
فيجب جره بالإضافة إلا إذا أضيف أفعل إلى غيره فإنه ينصب حينئذ نحو أنت أفضل الناس رجلا (١) .
وبعد كل ما اقتضى تعجبا ميز كـ "أكرم بأبي بكر أبا (٢) "
يقع التمييز بعد كل ما دل على تعجب نحو: ما أحسن زيدا رجلا
_________________
(١) = ويعرف ذلك بصحة حذف أفعل التفضيل، ووضع لفظ بعض موضعه، فنحو " زيد أفضل رجل " تجد أفعل التفضيل - وهو أفضل - باعتبار الفرد الذي يتحقق فيه واحدا من جنس الرجل، وكذلك نحو " هند أفضل امرأة " تجد أفعل التفضيل بعض الجنس، ويمكن أن تحذف أفعل التفضيل في المثالين وتضع مكانه لفظ " بعض " فتقول: زيد بعض جنس الرجل، أي بعض الرجال، وهند بعض جنس المرأة، أي بعض النساء.
(٢) من تقرير هذه المسألة تعلم أن تمييز أفعل التفضيل يجب جره في صورة واحدة، وهي: أن يكون التمييز غير فاعل في المعنى، وأفعل التفضيل ليس مضافا لغير تمييزه، ويجب نصبه في صورتين اثنتين، أولاهما: أن يكون التمييز فاعلا في المعنى - سواء أضيف أفعل التفضيل إلى غير التمييز، نحو أنت أعلى الناس منزلا، أم لم يضف إلى غير التمييز، نحو أنت أعلى منزلا - وثانيتهما: أن يكون التمييز غير فاعل في المعنى، بشرط أن يكون أفعل مضافا إلى غير التمييز، نحو أنت أفضل الناس بيتا، لانه يتعذر حينئذ إضافة أفعل التفضيل مرة أخرى.
(٣) " وبعد " ظرف متعلق بقوله " ميز " الآتي، وبعد مضاف، و" كل " مضاف إليه، وكل مضاف، و" ما " اسم موصول: مضاف إليه " اقتضى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة " تعجبا " مفعول به لاقتضى، والجملة من اقتضى وفاعله ومفعوله لا محل لها صلة الموصول " ميز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " كأكرم " الكاف جارة لقول محذوف، أكرم: فعل ماض جاء على صورة الامر " بأبي " الباء زائدة، أبي: فاعل أكرم، وأبي مضاف، و" بكر " مضاف إليه " أبا " تمييز.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وأكرم بأبي بكر أبا ولله درك عالما وحسبك بزيد رجلا وكفى به عالما. (١)
١٩٣ - ويا جارتا ما أنت جار
_________________
(١) ذهب ابن هشام إلى أن التمييز في كل هذه الامثلة من تمييز النسبة، وليس بسديد، بل في الكلام تفصيل، وتلخيصه أنه إن كان في الكلام ضمير غائب، ولم يبين مرجعه، كما في قولهم " لله دره فارسا " كان من تمييز المفرد، لان افتقاره إلى بيان عينه في هذه الحال أشد من افتقاره لبيان نسبة التعجب إليه، فإن لم يكن ضمير أصلا، نحو لله در زيد فارسا، أو كان ضمير خطاب، نحو لله درك فارسا، أو كان ضمير غائب علم مرجعه نحو زيد لله دره فارسا فهو من تمييز النسبة، وتلخيص هذا أنه يكون تمييز مفرد في صورة واحدة، ويكون تمييز نسبة في ثلاث صور.
(٢) هذا عجز بيت للاعشى ميمون بن قيس، وصدره قوله: بانت لتحزننا عفاره اللغة: " بانت " بعدت، وفارقت " لتحزننا " لتدخل الحزن إلى قلوبنا، وتقول: حزنني هذا الامر يحزنني، من باب نصر، وأحزنني أيضا، وفي التنزيل العزيز: (إني ليحزنني أن تذهبوا به) " عفارة " اسم امرأة. الاعراب: " يا " حرف نداء مبني على السكون لا محل له من الاعراب " جارتا " منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا، وجارة مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفا مضاف إليه " ما " اسم استفهام مقصود به التعظيم مبتدأ، مبني على السكون في محل رفع " أنت " خبر المبتدأ " جاره " تمييز يقصد به بيان جنس ما وقع عليه التعجب وهو الجوار. الشاهد فيه: قوله " جاره " حيث وقع تمييزا بعد ما اقتضى التعجب، وهو قوله: " ما أنت ". فإن قلت: أهو تمييز نسبة أم تمييز ذات؟ =
[ ٢ / ٢٩١ ]
واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى كطب نفسا تفد (١)
يجوز جر التمييز بمن إن لم يكن فاعلا في المعنى ولا مميزا لعدد فتقول عندي شبر من أرض وقفيز من بر ومنوان من عسل وتمر وغرست الأرض من شجر ولا تقول طاب زيد من نفس ولا عندي عشرون من درهم.
وعامل التمييز قدم مطلقا والفعل ذو التصريف نزرا سبقا (٢)
_________________
(١) = قلت: لا خلاف بين أحد من العلماء الذين جعلوا " جاره " تمييزا في أنه من قبيل تمييز النسبة، أما ابن هشام فالامر عنده ظاهر، لانه جعل هذا النوع كله من تمييز النسبة، وأما على ما ذكرناه قريبا من الفرق بين بعض المثل وبعضها الآخر فهو أيضا من تمييز النسبة، لان الضمير المذكور في الكلام ضمير مخاطب، فهو معلوم ما يراد به. فإن قلت: فهل يجوز أن أجعل " جارة " شيئا غير التمييز؟ قلت: قد ذهب جمهرة عظيمة من العلماء إلى أنه حال، وأرى لك أن تأخذ به.
(٢) " واجرر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بمن " جار ومجرور متعلق باجرر " إن " شرطية " شئت " فعل ماض فعل الشرط، وضمير المخاطب فاعله " غير " مفعول به لا جرر، وغير مضاف و" ذي " مضاف إليه، وذي مضاف، " العدد " مضاف إليه " والفاعل " معطوف على ذي " المعنى " منصوب بنزع الخافض أو مضاف إليه، أو مفعول به للفاعل، وهو مجرور تقديرا بالاضافة أو منصوب تقديرا على المفعولية أو على نزع الخافض " كطب " الكاف جارة لقول محذوف، طب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " نفسا " تمييز " تفد " فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم في جواب الامر، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت.
(٣) " وعامل " مفعول به مقدم لقوله " قدم " الآتي، وعامل مضاف، و" التمييز " =
[ ٢ / ٢٩٢ ]
مذهب سيبويه ﵀ أنه لا يجوز تقديم التمييز على عامله سواء كان متصرفا أو غير متصرف فلا تقول نفسا طاب زيد ولا عندي درهما عشرون.
وأجاز الكسائي والمازني والمبرد تقديمه على عامله المتصرف فتقول نفسا طاب زيد وشيبا اشتعل رأسي ومنه قوله:
١٩٣
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها؟ وما كان نفسا بالفراق تطيب
_________________
(١) = مضاف إليه " قدم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مطلقا " منصوب على الحال من " عامل التمييز " " والفعل " مبتدأ " ذو " نعت للفعل، وذو مضاف، و" التصريف " مضاف إليه " نزرا " حال من الضمير المستتر في قوله سبق الآتي " سبقا " سبق: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، والالف للاطلاق، والجملة من سبق ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ.
(٢) ينسب هذا البيت للمخبل السعدي، وقيل: هو لاعشى همدان، وقيل: هو لقيس بن الملوح العامري. المعنى: ما ينبغي لليلى أن تهجر محبها وتتباعد عنه، وعهدي بها والشأن أن نفسها لا تطيب بالفراق ولا ترضى عنه. الاعراب: " أتهجر " الهمزة للاستفهام الانكاري، تهجر: فعل مضارع " ليلى " فاعل " بالفراق " جار ومجرور متعلق بتهجر " حبيبها " حبيب: مفعول به لتهجر، وحبيب مضاف وها: مضاف إليه " وما " الواو واو الحال، ما: نافية " كان " فعل ماض ناقص، واسمها ضمير الشأن " نفسا " تمييز متقدم على العامل فيه، وهو قوله " تطيب " الآتي " بالفراق " جار ومجرور متعلق بتطيب " تطيب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ليلى، والجملة من تطيب وفاعله في محل نصب خبر " كان ". =
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وقوله:
١٩٥ - ضيعت حزمي في إبعادي الأملا وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا
ووافقهم المصنف في غير هذا الكتاب على ذلك وجعله في هذا الكتاب قليلا.
_________________
(١) = الشاهد فيه: قوله " نفسا " فإنه تمييز، وعامله قوله " تطيب ". وقد تقدم عليه والاصل " تطيب نفسا " وقد جوز ذلك التقدم الكوفيون والمازني والمبرد، وتبعهم ابن مالك في بعض كتبه، وهو في هذا البيت ونحوه عند الجمهور ضرورة، فلا يقاس عليه. وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن الرواية في بيت الشاهد: وما كان نفسي بالفراق تطيب ونقل أبو الحسن أن الرواية في ديوان الاعشى هكذا: أتؤذن سلمى بالفراق حبيبها ولم تك نفسي بالفراق تطيب وعلى هاتين الروايتين لا شاهد في البيت. وقال أبو رجاء عفا الله تعالى عنه: والذي وجدته في ديوان أعشى همدان رواية البيت كما رواه الشارح وأكثر النحاة، ففيه الشاهد الذي يساق من أجله.
(٢) البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها. اللغة: " الحزم " ضبط الرجل أمره، وأخذه بالثقة " ارعويت " رجعت إلى ما ينبغي لي، والارعواء: الرجوع الحسن. الاعراب: " ضيعت " فعل وفاعل " حزمي " حزم: مفعول به لضيع، وحزم مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " في إبعادي " الجار والمجرور متعلق بضيع، وإبعاد مضاف وياء المتكلم مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله " الاملا " مفعول به للمصدر " وما " الواو عاطفة، ما: نافية " ارعويت " فعل وفاعل " وشيبا " تمييز متقدم على عامله وهو قوله " اشتملا " الآتي " رأسي " رأس: مبتدأ، وياء المتكلم مضاف إليه " اشتملا " فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الرأس، والالف للاطلاق، والجملة من اشتعل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. =
[ ٢ / ٢٩٤ ]
فإن كان العامل غير متصرف فقد منعوا التقديم (١) سواء كان فعلا نحو ما أحسن زيدا رجلا أو غيره نحو عندي عشرون درهما.
وقد يكون العامل متصرفا ويمتنع تقديم التمييز عليه عند الجميع وذلك نحو كفى بزيد رجلا فلا يجوز تقديم "رجلا" على "كفى" وإن كان
_________________
(١) = الشاهد فيه: قوله " شيبا " حيث تقدم - وهو تمييز - على عامله المتصرف، وهو قوله اشتعل، وقد احتج به من أجاز ذلك كالمبرد، والكسائي، والمازني، وابن مالك في غير الالفية، ولكنه في الالفية قد نص على ندرة هذا، ومثله قول الشاعر: أنفسا تطيب بنيل المنى وداعي المنون ينادي جهارا؟ وقول الآخر: ولست، إذا ذرعا أضيق، بضارع ولا يائس - عند التعسر - من يسر وقول ربيعة بن مقروم الضبي: رددت بمثل السيد نهد مقلص كميش إذا عطفاه ماء تحلبا وجعل بعض النحاة من شواهد هذه المسألة قول الشاعر: إذا المرء عينا قر بالعيش مثريا ولم يعن بالاحسان كان مذمما والاستشهاد بهذا البيت الاخير إنما يتم على مذهب بعض الكوفيين الذين يجعلون " المرء " مبتدأ وجملة " قر عينا " في محل رفع خبره، فأما على مذهب جمهور البصريين الذين يجعلون " المرء " فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده فلا شاهد فيه، لان التقدير على هذا المذهب: إذا قر المرء عينا بالعيش، فالعامل في التمييز متقدم عليه وهو الفعل المقدر، إلا أن يدعى هؤلاء أن تأخير مفسر العامل بمنزلة تأخير العامل نفسه.
(٢) وربما تقدم على عامله وهو اسم جامد، وذلك ضرورة من ضرورات الشعر اتفاقا، كقول الراجز: ونارنا لم ير نارا مثلها قد علمت ذاك معد كلها
[ ٢ / ٢٩٥ ]
فعلا
متصرفا لأنه بمعنى فعل غير متصرف وهو فعل التعجب فمعنى قولك كفى بزيد رجلا ما أكفاه رجلا. (١)
_________________
(١) من القواعد المقررة أن الشئ إذا أشبه الشئ أخذ حكمه، ويجري ذلك في كثير من الابواب، ونحن نذكر لك ههنا بعض هذه المتشابهات لتعرف كيف كان العرب يجرون في كلامهم، ثم لتعرف كيف ضبط أئمة هذه الصناعة قواعدها، ثم لتعود بذاكرتك إلى ما سبق لك أن قرأته في هذا الكتاب وغيره من كتب الفن لجمع أشباه ما نذكره لك. أ - المشتقات - كلها من اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة أشبهت الفعل في مادته ومعناه، فأخذت حكمه فرفعت الفاعل، ونصب المتعدي منها المفعول. ب - ما، ولا، وإن، ولات، هذه الحروف أشبهت ليس في المعنى، فأخذت حكمها، فرفعت الاسم ونصبت الخبر. ج - إن وأخواتها، أشبهت الفعل في معناه، فرفعت ونصبت، وقدم منصوبها وجوبا على مرفوعها، بعكس الفعل، ليظهر من أول وهلة أنها عملت هذا العمل لكونها فرعا، وجاز أن تنصب الحال لهذه المشابهة.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
قد تم بعون الله تعالى، وحسن تأييده الجزء الأول من شرح العلامة " ابن عقيل " على ألفية ابن مالك، وحواشينا عليه التي سميناها " منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل " ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني، مفتتحا بحروف الجر.
هذا، وقد عنينا بتحقيق مباحث الكتاب في هذه الطبعة، فجاء بحمد الله جلت قدرته! على خير ما يرجى من الإتقان، وتلاقت فيه جميع شروح الكتاب وحواشيه على كثرتها، فصار بحيث يغنى عن جميعها، ولا يغنى عنه شئ منها.
كتبه المفتقر إلى عفو الله تعالى محمد محيي الدين عبد الحميد
[ ٢ / ٢٩٧ ]