الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا.
أيها الإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قبل أن نواصل الحديث أريد الرجوع قليلا إلى الملحق بجمع المذكر السالم مما سُمِّي به من هذا الجمع، لأننا كنا بدأنا في سؤالٍ ولم ننهي الكلام فيه، أو لعلنا أجبنا بعض الإجابات المغلوطة أو الخطأ. أقول ما سُمي به من هذا الجمع لا يخلو من أن يكون بالواو والنون أو بالياء والنون، فبعض النحويين يرى أنه مطلقًا يعامل معاملة جمع المذكر السالم سواءٌ أكان مسمًّ بالياء والنون، أي سمّيت شخصًا "زيدين" مثلا، أو كان بالواو والنون كقولك "زيدون"، فإنه يُعامل معاملة جمع المذكر السالم، يعني يُرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، بعضهم يرى خلاف هذا، ولعل الصواب في الثاني، وهو أنه إذا كان مُسمى بالواو والنون، أن تبقي الواو والنون، تقول "جاء زيدونٌ" و"رأيتُ زيدونًا" و"مررتُ بزيدونٍ"، وإن كان
بالياء والنون فتُبقي الياء والنون في كل الحالات وتعربه بحركاتٍ ظاهرة، لكن هذا ليس هو الرأي الغالب عند النحويين، لكني أنا الذي أرى أنه الأيسر والذي يدل على المقصود، بوصف العلم مُسمًّى بالواو والنون، فلو قلت "رأيتُ زيدين" فيُحتمل ألا يتنبه المخاطب إلى أنك تقصد الشخص المعين الذي اسمه زيدون فيتوقع شيئًا آخر، أقول لعل هذا هو الأصوب، والله أعلم بالصواب.
ثم ننتقل بعد هذا إلى حديث المصنف عن علامة الرفع وهي الألف، قال المصنف:
[ ٧٤ ]
(وأما الألف فتكون علامةً للرفع في تثنية الأسماء خاصةً)، فقط الألف تكون علامةً للرفع في المثنى ولا تكون في غيره، قال الله ﷿؟ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ؟ [المائدة: ٢٣]، الشاهد عندنا في قوله؟ قَالَ رَجُلَانِ؟ فإنه مرفوعٌ بالألف، فما المثنى؟ المثنى هو ما دل على اثنين وأغنى عن المتعاطفين بزيادة ألفٍ ونون أو ياء ونون في آخره، هذا هو تعريف المثنى، "ما دل على اثنين" يخرج ما دل على واحد وما دل على أكثر من اثنين، "وأغنى عن المتعاطفين" يُغني عن قولك "جاء مسلمٌ ومسلمٌ" فتقول "جاء مسلمان"، هذا أغنى عن المتعاطفين، "بزيادة ألفٍ ونون أو ياءٍ ونون في آخره"، الدلالة جاءت من هذه الزيادة، فلو كانت الدلالة على التثنية جاءت من غيرها فإنه لا يدخل في بابنا، مثلا يقولون "شفع" يدل على اثنين، "زوج" يدل على اثنين، هذا لا يُعامل معاملة المثنى لأن الدلالة على الاثنين لم تأت من الألف والنون ولا من الياء والنون، وإنما جاءت من الصيغة نفسها أو من الكلمة نفسها، وهي ألفاظ قليلة، فلابد أن يكون دالا على اثنين ومغنيًا عن المتعاطفين وتكون هذه الدلالة بزيادة ألفٍ ونون أو ياء ونون في آخره.
المثنى يُرفع بالألف وينصب ويجر بالياء، وسيأتينا بيان هذا، ونسينا أن نقول لكم أن الأسماء الستة تُرفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، ونسينا أيضًا أن نقول في جمع المذكر السالم أنه يُرفع بالواو ويُنصب ويجر بالياء، فأرجو ألا تنسوا هذا لأن هذه قواعد رئيسة، يعني الإعراب بالعلامات الفرعية وبالعلامات الأصلية كثيرًا من يُخطئ فيها بعض الناس، فإذا أتقناها بالأمثلة والأدلة بإذن الله تعالى لا ننساها ولا نُخطئ فيها.
[ ٧٥ ]
لازلنا في المثنى، المثنى أُلحق به أربعة ألفاظ، وأُلحق به أيضًا ما سُمِّيَ به من المثنى نحو "زيدان" و"حسنين" وما شاكلها، فأما الأربعة الألفاظ فهي "اثنان" و"اثنتان"، لماذا لا نقول إنهما مثنيان؟ السبب أن مفردهما ليس من لفظهما، مفردهما "واحد"، معناه أنه ليست تثنية "واحد" وإلا لقلنا "واحدان" مثلا، "اثنان" و"اثنتان" بدون شرط، يعني سواءٌ أكانا مفردين يعني بدون إضافة، أم كانا مُضافين أو غير ذلك،
تقول "جاء رجلان اثنان"، و"رأيتُ رجلين اثنين"، و"مررتُ برجلين اثنين"، و"اثنتان كذلك".
أُلحق به أيضًا لفظان آخران بشرط، وهما "كلا" و"كلتا"، لكن هنا يُشترط أن يكونا مضافين إلى الضمير، فإن كانا مضافين إلى اسمٍ ظاهرٍ أُعربا إعراب المقصور، قال الله ﷿؟ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا؟ [الكهف: ٣٣]،؟ كِلْتَا؟ هنا ليس مرفوعًا بالألف، وإنما مرفوعٌ بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر لأنه مضاف إلى؟ الْجَنَّتَيْنِ؟، قال الله ﷾؟ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا؟ [الإسراء: ٢٣]، هنا أُضيفت إلى الضمير فتُعرب بالألف رفعًا، "رأيتُ الرجلين كليهما"، "مررت بالرجلين كليهما"، يُرفع بالألف وينصب ويُجر بالياء لأنه مضافٌ إلى الضمير، لكنك تقول "رأيتُ كلا
الرجلين"، و"جاء كلا الرجلين"، و"مررتُ بكلا الرجلين"، فتُلزمها الألف لأنك تعربها إعراب القصور وتحركها بحركاتٍ مقدرةٍ على الألف منع من ظهورها التعذر، وهذه كما قلنا لابد فيها من الإضافة إلى الضمير حتى تُعرب إعراب المثنى.
[ ٧٦ ]
بقي اللفظ الأخير وهو ما سُمي به من المثنى، نحو "زيدان" و"حسنين"، أغلب النحويين كما قلنا في جمع المذكر السالم أنهم يلحقونه بالمثنى فيعربونه بالألف رفعًا وبالياء نصبًا وجرًا، وأرى شيئًا آخر، أرى أنه إن كان بالألف مثل زيدان أن تعربه إعراب الممنوع من الصرف، يعني ترفعه بالضمة وتنصبه وتجره بالفتحة، لماذا؟ لأنه علمٌ في آخره ألفٌ ونونٌ زائدتان، اجتمعت فيه علتان، وإن كان بالياء أن تعربه بالحركات الظاهرة منونة، فتقول "جاء حسنينٌ" و"رأيتُ حسنينًا" و"مررتُ بحسنينٍ"، هذا حقه فيما أرى، وإن كان معظم النحويين لا يرون ذلك، معظمهم يرون أنه يُعرب إعراب المثنى لأنه ملحقٌ به، مثل ما أُلحق نحو "عليين" في باب جمع المذكر السالم. هذا آخر ما يُقال في المثنى، وما فيه إشكالات كثيرة، والحمد لله.
بعضهم يلزمه الألف مطلقًا، ولكن هذه لغةٌ ضعيفةٌ مهجورة، بعضهم يلزمه الألف مطلقًا لأن يرفع وينصب ويجر بحركاتٍ مقدرة على الألف، ومنه قول الشاعر:
إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاه
ولم يقل "غايتيها".
ننتقل بعد هذا إلى العلامة الثالثة وهي النون، قال المصنف ﵀ (وأما النون فتكون علامةً للرفع في الفعل المضارع إذا اتصل به ضمير تثنيةٍ أو ضمير جمع أو ضمير المؤثنة المخاطب)، عندنا ثلاثة ضمائر، لماذا كانت أفعالا خمسة أو كما يقولون الأفعال الخمسة والأمثلة الخمسة؟ قال لأن مع الألف له صورتان، ومع الواو له صورتان، ومع الياء له صورة واحدة، صارت عندنا خمس صور، نمثل بمثالٍ واحدٍ، "أنتما تكتبان"
و"هما يكتبان"، هذه بالتاء أو بالياء، "أنتم تكتبون" و"هم يكتبون" و"أنت تكتبين"، صارت خمس صور.
[ ٧٧ ]
نعرف الأفعال الخمسة أو الأمثلة الخمسة، الأفعال الخمسة أو الأمثلة الخمسة: هي كل فعلٍ مضارعٍ اتصلت به ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة، حق هذا النوع أن يُرفع بثبوت النون، وأن يُنصب وأن يُجزم بحذف النون، وهذه ما فيها مشكلةٌ، والحمد لله رب العالمين، قال الله ﷿؟ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ؟ [الأعراف: ٢٢، طه: ١٢١]، هذا اتصلت به ألف الاثنين ورفع بثبوت النون، وقال الله ﷿؟ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا؟ [الأعراف: ١٦٩]،؟ يَأْخُذُونَ؟ و؟ يَقُولُونَ؟، وقال الله ﷿؟ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ؟ [النمل: ٣٣]،؟ تَأْمُرِينَ؟ هنا اتصلت به ياء المخاطبة ورُفع بثبوت النون، وقال الله ﷿؟ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ؟ [هود: ٧٣]،؟ أَتَعْجَبِينَ؟ هنا فعل مضارع مرفوعٌ وعلامة رفعه ثبوت النون، ما فيه إشكالات والحمد لله، باب الأفعال الخمسة انتهى.
[ ٧٨ ]