ننتقل إلى حديث المصنف عن المفعول به وهو الباب الأول من الأبواب المنصوبة أو من أبواب المنصوبات.قال المصنف (بَابُ اَلْمَفْعُولِ بِهِ وَهُوَ اَلِاسْمُ اَلْمَنْصُوبُ، اَلَّذِي يَقَعُ بِهِ اَلْفِعْلُ، نَحْوَ ضَرَبْتُ زَيْدًا، وَرَكِبْتُ اَلْفَرَسَ) الاسم يخرج الفعل ويخرج الحرف فلا يقع واحدًا منهما مفعولًا به، ولا تقول للفعل إنه مفعول به لا فعل ماضي ولا فعل مضارع ولا فعل أمر، ويخرج الحرف أيضًا فلا يقال عن الحرف إنه مفعول به، كنا قد شرعنا في الحديث في باب المفعول به، وقلنا إن قول المصنف الاسم يخرج الفعل ويخرج الحرف فلا يوصف واحدًا منهما بأنه مفعول به لكن الاسم هذا أحيانًا يكون اسمًا صريحًا كقولك أكرمت محمدا، ً وأحيانا يكون اسمًا مؤولا، من المؤول نحو قول الله ﷿؟ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا
تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا؟ [الأنعام:٨١] فأنى وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به لقوله تخافون فلا يضير أن يكون الاسم صريحًا أو أن يكون مؤولًا.
قال المصنف (وهو) يعني المفعول به (قسمان ظاهر ومضمر فالظاهر ما تقدم ذكره) يعني في قوله ضربت زيدًا وركبت الفرس زيدًا مفعولًاَ به والفرس مفعول به، (والمضمر قسمان، متصل ومنفصل) يعني أن الضمائر التي تقع مفعولًا به أو تعرب مفعولًا به نوعان، نوع منها ضمائر متصلة، ونوع منها ضمائر منفصلة، ثم بدأ في ذكر المتصل، فقال (فَالْمُتَّصِلُ اِثْنَا عَشَرَ، وَهِيَ ضَرَبَنِي) يعني ياء المتكلم (وَضَرَبَنَ) يعني نا الدالة على المتكلمين يعني على ما عدا الواحد من المتكلمين (وَضَرَبَكَ) وهذه الكاف للمخاطب الواحد (وَضَرَبَكِ) وهذه للمخاطبة (وَضَرَبَكُمَا) هذه للمثنى بنوعيه (وَضَرَبَكُمْ) وهذه لجماعة الذكور (وَضَرَبَكُنَّ) وهذه لجماعة الإناث المخاطب طبعًا في الضمائر الخمسة هذه وَضَرَبَكَ، وَضَرَبَكِ، وَضَرَبَكُمَا، وَضَرَبَكُمْ، وَضَرَبَكُنَّ كلها للمخاطب.
[ ٢٣٢ ]
ثم ينتقل إلى الغائب فيقول (وَضَرَبَهُ) وهذا للمفرد الغائب (وَضَرَبَهَا) وهذه للغائبة (وَضَرَبَهُمَ) وهذا للغائبين والغائبتين (وَضَرَبَهُمْ) وهذه للغائبين (وَضَرَبَهُنَّ) وهذه للغائبات.
قال الله ﷿؟ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ؟ [إبراهيم:٤٠] فالياء في اجعلني مفعول به وهي للمتكلم وقال الله ﷿؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟ [البقرة:٢٠١] آتنا "نا" مفعول به لأتِ.
وقال الله ﷿؟ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ؟ [طه:٧٢] الكاف مفعول به ضمير متصل وقال ﷾؟ قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا؟ [يوسف:٣٧] في المواضع الثلاثة كما مفعول به وهل هي كلها أو الكاف الصحيح أن الكاف هي المفعول به وأما ما فهي دلالة على أن المقصود المثنى، قال رسول الله ﷺ (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) ينهاكم، الكاف هذه دلالة على جماعة المخاطبين، وهي مفعول به الكاف مع الميم طبعًا، وقال ﷾؟ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيل؟ [الأحزاب:٢٨] كن، وكن في هذين الموضوعين مفعول به للفعل أمتع
وأسرح.
[ ٢٣٣ ]
وقال الله ﷾؟ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ؟ [الكهف:٣٧] الهاء مفعول به وقال ﷺ لجابر بن عبد الله ﵁ حين أخبر النبي ﷺ أنه تزوج ثيبًا فقال له (فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك) تلاعبها هاء مفعول به لتلاعب وتضاحكها هاء مفعول به له أيضًا قال الله ﷿؟ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ؟ [فصلت:٢٩] نجعلهما هما هذه مفعول به لنجعل، وقال الله ﷾؟ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا؟ [مريم:٩٤] هم في الموضعين مفعول به، هذه الضمائر المتصلة كما ذكرها المصنف وقد استشهدنا لها جميعها.
ننتقل الآن إلى الضمائر المنفصلة التي ذكرها المصنف وقال: (إنها تقع في محل نصب مفعول به) وعلى كل حال أنبه إلى أن الضمائر كلها مبنية وإنما هي في محل نصب، كل الضمائر كما أخبرتكم أكثر من مرة هذه صحيح أنها تكون مفعولًا أو تكون مجرورة أو تكون مرفوعة يعني في محل رفع، لكنها كلها مبنية وإنما يقال إنها في محل كذا محل رفع محل نصب إلى آخره.
قال المصنف (وَالْمُنْفَصِلُ اِثْنَا عَشَرَ) يعني الضمير المنفصل الذي يقع في محل نصب على أنه مفعول به اثنا عشر لفظا وهو الكلام الذي سبق أن ذكرناه في باب الضمير في كلمة إيا، هل هي إياك مثلا كلها الضمير أو الأول عماد والثاني هو الضمير أو بالعكس الأول هو الضمير والثاني حرف يدل أو واحد منهما مضاف إلى الآخر كلام طويل لا نعيده.
[ ٢٣٤ ]
لكن أذكر ما قال المصنف يقول (وَالْمُنْفَصِلُ اِثْنَا عَشَرَ وَهِيَ إِيَّايَ) هذه للمتكلم الواحد (وَإِيَّانَا) لما عداه من المتكلمِين أو المتكلمَين (وَإِيَّاكَ) للمخاطب الواحد (وَإِيَّاكِ) للمخاطبة (وَإِيَّاكُمَ) للمخاطَبين والمخاطبتين (وَإِيَّاكُمْ) للمخاطبين (وَإِيَّاكُنَّ) للمخاطبات (وَإِيَّاهُ) للغائب الواحد (وَإِيَّاهَا) للغائبة (وَإِيَّاهُمَا) للغائبين والغائبتين (وَإِيَّاهُمْ) للغائبين (وَإِيَّاهُنَّ) للغائبات.
من الشواهد قال الله ﷿؟ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ؟ [البقرة:٤٠] إياي مفعول به مقدم لقوله ارهبون، وقال ﷾؟
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا
كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ؟ [يونس:٢٨] إيانا تعبدون أصله تعبدوننا لكن لما تقدم الضمير فصله والمقصود به هنا أنه صار مفعولًا به وهو من الضمائر المنفصلة.
وقال ﷾؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؟ [الفاتحة:٥] فوقع الضمير للمفرد المخاطب مفعولًا به وقال ﷾؟ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ؟ [سبأ:٤٠] .ولم أجد في القرآن الكريم إياكما للمخاطبَين ولا للمخاطبتين على أنها مفعول به، لم أجدها في القرآن الكريم، الشاهد في قول الله ﷿؟ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ؟ فإياكم هنا مفعول به وهي لجماعة المخاطَبين.
[ ٢٣٥ ]
أما قوله ﷾؟وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ؟ [البقرة: ١٧٢] فهذا الضمير فيه ضمير منفصل للغائب الواحد أما قوله ﷾؟ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ؟ [الأنعام: ١٥١] فهو لجماعة الغائبين، وإياهم نحن نرزقكم وإياهم.
ويمكن أن يمثل لضمير المخاطبة بقولك يا هند إياك أكرمت ويمثل للمخاطبين بقولك أيها الرجلان إياكما أجبت وللمخاطبتين بقولك أيتها الطالبتان إياكما كرمت وأما ضمير المخاطبات فيمكن أن يمثل له بقولك أيتها المعلمات إياكن كرمت، هذه أمثلة ضمائر النصب المنفصلة إذا وقعت مفعولًا به وقد انتهينا من الحديث في باب المفعول به.
[ ٢٣٦ ]