المصنف انتهى من النصب الآن، من علامات النصب الأصلية والفرعية، وانتقل إلى علامات الخفض أو الجر - كما يسميه البصريون - قال المصنف (وللخفض ثلاث علامات: الكسرة وهي الأصل، والياء والفتحة)، ثم تحدث عن الكسرة فقال (فأما الكسرة فتكون علامةً للخفض في ثلاثة مواضع: في الاسم المفرد المُنصَرِف) "مررتُ برجلٍ" أو "بامرأةٍ" أو "بالرجل" أو "بالمرأة"، لكنلابد أن يكون هذا الاسم منصرفًا، لأنه إذا كان غير منصرف فإنه يُجر بالفتحة نيابة عن الكسرة كما سيأتي بيانه إن شاء الله، (وفي جمع التكسير المُنصَرِف) أيضًا المنصرف، مثل كلمة "رجال"، "مررتُ برجالٍ"، (وفي جمع المؤنث السالم)، جمع المؤنث السالم يعرب بعلامة فرعية في النصب، ولكن علامته الأصلية في الجر هي الكسرة، فهذا واضحٌ والحمد لله رب العالمين،؟ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ؟ لفظ الجلالة مجرور وعلامة جره الكسرة لأنه مضاف إليه، "اسم" مجرور بالباء، "الرحمن" مجرور بالتبعية.
قال الله ﷿؟ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ [آل عمران: ١٥٤]، "صدور" و"قلوب" جمع تكسير، وقد جاء مجرورًا بالكسرة.
الموضع الثالث الذي يُجر بالكسرة هو جمع المؤنث السالم، ومنه قول الله ﷿؟ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ [فاطر: ٣٨]،؟ السَّمَاوَاتِ؟ هنا جمع مؤنث سالم، وقد جاء مجرورًا وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
[ ٨٥ ]
قال المصنف (وأما الياء فتكون علامةً للخفض في ثلاثة مواضع: في الأسماء الخمسة، وفي التثنية والجمع)، وهو يقصد جمع المذكر السالم، لأن جمع التكسير يجر بالكسرة، قال الله ﷿؟ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ؟ [يوسف: ٨١]،؟ أَبِيكُمْ؟ اسم من الأسماء الخمسة، وقد جاء مجرورًا بالياء لأنه تقدمت عليه "إلى"، وقد قال الله ﷿؟ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ؟ [التحريم: ١٠]، فـ؟ عَبْدَيْنِ؟ مثنى مجرور وعلامة جره الياء، وكذلك الملحق به نحو قول الله ﷿؟ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ؟ [التوبة: ٤٠]،؟ اثْنَيْنِ؟ ملحق بالمثنى، وقد جاء مجرورًا بالياء، وأما جمع المذكر السالم فكقولك مثلا "مررتُ بالمسلمين" أو "بالصالحين" أو "بالمهتدين" أو نحو ذلك.
قال المصنف (وأما الفتحة فتكون علامة للخفض في الاسم الذي لا ينصَرِف)، هذه علامة فرعية، الأصل في الجر أو الخفض أن يكون بالكسرة، أما الاسم الممنوع من الصرف فإنه يُجر بالفتحة نيابةً عن الكسرة، واعلموا بارك الله فيكم أن الحديث في باب الممنوع من الصرف حديث طويل، لأنه ليس كل كلمة تُمنع من الصرف، أولا الممنوع من الصرف خاص بالأسماء، لا يجوز أن يأتي في الأفعال، لا يُقال الفعل هذا ممنوع من الصرف، بل هو خاصٌّ بالأسماء، ثانيًا ليست كل كلمة تُمنع من الصرف، لأن الأصل في الأسماء أنها مصروفة، ولكن يمتنع من الصرف ما اجتمعت فيه علتان من علل تسع، أو علة واحدة تقوم مقام علتين، وقد جمعوا العلل في بيتين من الشعر فقالوا:
عدل، ووصف، وتأنيث، ومعرفة وعجمة، ثم جمع، ثم تركيب
[ ٨٦ ]
والنون زائدة من قبلها ألف ووزن فعل وهذا القول تقريب
يعني ليس كل في الباب ممنوعٌ من الصرف، وإنما هو تقريبٌ للأذهان حتى نُبين ما اجتمع فيه علتان أو ما انفرد بعلةٍ واحدة.
نبدأ بما يكفي فيه علةٌ واحدة ليكون ممنوعًا من الصرف، وهو نوعان:
النوع الأول: صيغة منتهى الجموع، مثل "مساجد" و"مصابيح"، فإن هذه لا تنتظر فيها علةً أخرى، بمجرد ما تأتي هذه الصيغة فامنعها من الصرف، ما معنى تمنعها من الصرف؟ يعني لا تنونها، ويعني أيضًا أن تجرها بالفتحة نيابةً عن الكسرة، وهذا تُسمّى صيغة منتهى الجموع، مثالها "مساجد" و"مصابيح"، وفيها كلامٌ طويلٌ، ولن نتعرض له.
النوع الثاني: الذي يُكتفى فيه بعلة واحدة هو ما خُتم بألف التأنيث الممدودة أو المقصورة، هذه سواءٌ أكانت معرفةً أم نكرةً، مفردةً أم مجموعةً، صفةً أو اسمًا أو أي شيءٍ من الأشياء، بمجرد ما تجد ألف التأنيث المكسورة أو الممدودة في آخر الكلمة فامنعها من الصرف، "وليلى" هذه علم، "جرحى" هذه جماعة، "زكريا" هذا مذكر لكنه مختوم بألف التأنيث، "صحراء" هذه مؤنثة مختومة بألف التأنيث الممدودة، وهكذا، مباشرة امنعها من الصرف يعني لا تنونها، وجرها بالفتحة نيابةً عن الكسرة. انتهينا مما يُكتفى فيه بعلة واحدة.
[ ٨٧ ]
ويوجد أيضًا أشياء لابد أن يجتمع فيها علتان ولا تكفي علة واحدة، فيه شيء منها مع الوصفية وفيه شيء منها مع العلمية، فنقول يجتمع الوصف مع الألف والنون الزائدتين مثل "غضبان" و"سكران"، ويجتمع الوصف مع العدل مثل كلمة "أُخر" ومثل "مثنى" و"ثُلاث" و"رُباع"، لأن هذه ممنوعة من الصرف للوصفية والعدل، كلمة "مثنى" معدولة عن "اثنين اثنين"، و"ثلاث" عن "ثلاثة ثلاثة"، و"أُخر" معدولة عن "آخر"، بقي واحد من الوصف وهو أن يكون وصفًا على وزن أفعل نحو قولك "أكبر" و"أفضل" و"أطول" و"أقصر" و"أحسن" و"أبهى" و"أجمل"، وما شاكل ذلك، هذه كلها ممنوعة من الصرف لعلتين، العلة الأولى الوصفية والعلة الثانية وزن "أفعل"، وهذه فيها كلامٌ طويلٌ لكننا سنتركه.
ننتقل إلى النوع الثاني وهو ما اجتمع مع العلمية علةٌ أخرى، لكن إن شاء الله تعالى يكون في بداية الحلقة القادمة.
نستمع الآن إلى الأسئلة منكم إن وُجد، وإلا أسألكم أنا.
سأل أحد الطلبة:
بالنسبة للاسم "أبو" إذا جاء في اسم أو كنية مثل "أبو بكر" أو "أبو هريرة" فهل يُعرب أم ماذا؟
أجاب الشيخ:
الذي يُستعمل في كلام العرب هو أنه يُرفع بالواو ويُنصب بالألف ويُجر بالياء، هذا المستعمل في كلام العرب، وإن كانوا الآن يُلزمونه ما سُمِّي به، مثل أبو ظبي يقولون "جئتُ من أبو ظبي"، يُقال هذا وهو علم، لكن الصواب والله أعلم أن يُعامل معاملة الأسماء الخمسة، وهذا أخالف فيه قاعدتي التي ذكرتها لكم في باب ما سُمّي به من جمع المؤنث السالم، لأن هذا هو المسموع من كلام العرب، فنقف على المسموع من كلام العرب.
سأل أحد الطلبة:
جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ، في ما يُغني عن المتعاطفين في قولي مثلا "جاء العمران"، هل إذا قلنا "جاء العمران" نقصد أبا بكر وعمر تدخل في هذا؟
أجاب الشيخ:
[ ٨٨ ]
بارك الله فيك، سؤالٌ جيد، هي تدخل في هذا، أحيانًا يغلبون، وهو ما يُسمى بالتغليب، يقولون الأبوان للأب والأم، ويقولون العمران لأبي وعمر ﵄، وما شاكل ذلك، فهل تُعرب إعراب المثنى، أنا أرى أنها تُعرب إعراب المثنى وأنها مثله تمامًا لأنه تدل على اثنين وتُغني عن المتعاطفين، وفيها زيادة ألف ونون في آخرها، فهي مُستوفية للشروط فتُعرب إعرابه بإذن الله تعالى.
سأل الشيخ:
كيف تُعربون الممنوع من الصرف؟ كيف ترفعونه؟ كيف تنصبونه؟ كيف تجرونه؟ وما المقصود بكلمة ممنوع من الصرف؟
أجاب أحد الطلبة:
الممنوع من الصرف أي ممنوع من التنوين.
علق الشيخ:
هذا هو الغالب أن معنى كلمة ممنوع من الصرف يعني ممنوع من التنوين، أحسنت بارك الله فيك.
وما حكمه؟ نمنعه من التنوين هذا صحيح، فيه شيء آخر نعامل الممنوع من الصرف به.
أجاب أحد الطلبة:
إذا دخل عليه حرف الجر يُجر بالفتحة.
أكمل الشيخ:
يُجر بالفتحة نيابةً عن الكسرة، هذا كلامٌ حقٌ وبارك الله فيك.
أكل كلمة يمكن أن نمنعها من الصرف أم لابد أن هناك بعض الأشياء؟
أجاب أحد الطلبة:
هناك بعض الأشياء.
سأل الشيخ:
هل تذكر لنا شيئًا من العلل التي تُمنع الكلمة بسببها من الصرف؟ أي علة سواءٌ مما يُكتفي فيه بعلة واحدة أو بأكثر من علة؟
أجاب أحد الطلبة:
صيغة منتهى الجموع.
سأل الشيخ:
تعرف لنا صيغة منتهى الجموع هذه؟
أجاب الطالب:
مثل "مساجد".
علق الشيخ:
[ ٨٩ ]
هذا مثالها، لكنهم يعرفونها يا أيها الأحباب بقولهم: صيغة منتهى الجموع هي كل جمعٍ ثالثه ألفٌ زائدة بعدها حرفان نحو "مساجد" أو ثلاثة أحرف وسطها ساكن نحو "مصابيح"، وقس على هذا. لماذا اشترطنا كلمة وسطها ساكن، قال ليخرج نحو "ملائكة"، لأن ملائكة مستوفية للشروط هذه، لكن بعد الألف ثلاثة حروف الحرف الأوسط غير ساكن وإنما هو متحرك، فهذه نصرفها ولا نمنعها من الصرف.
سأل الشيخ:
كيف تنصبون المثنى؟ ما علامة نصب المثنى؟
أجاب أحد الطلبة:
الياء.
سأل الشيخ:
وعلامة جر المثنى؟
أجاب الطالب:
الياء.
سأل الشيخ:
وعلامة الرفع في جمع المذكر السالم؟
أجاب أحد الطلبة:
الواو.
سأل الشيخ:
أيضًا يُشارك جمع المذكر السالم في الرفع بالواو شيءٌ فما هو؟
أجاب أحد الطلبة:
الأسماء الخمسة.
علق الشيخ:
نعم، يشترك هذان الاثنان في الرفع بالواو، وهما الأسماء الخمسة وجمع المذكر السالم.
سأل الشيخ:
الياء علامة للنصب في أي شيء؟
أجاب أحد الطلبة:
في جمع المذكر السالم، في المثنى.
سأل الشيخ:
مثل لنا.
أجاب الطالب:
مثل "حسنين".
علق الشيخ:
اترك هذه، هذه ملحقة، أعطنا ما هو متفق عليه.
أجاب الطالب:
مثال "أخوين".
علق الشيخ:
"إن الأخوين مجتهدان".
وبارك الله فيكم، نكتفي بهذا القدر، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد.
[ ٩٠ ]