قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله -: (باب الاستثناء)
يتعلق به شيئان:
أحدهما:
[ ١٠٠ ]
تعريفه لغة، إذ هو بمعنى الإخراج، تقول: استثنيت كذا مما معي إذا أخرجته.
والثاني:
تعريفه اصطلاحًا: وللنحاة فيه عبارات منها: كل اسم جاء بعد إلا وأخواتها.
مثاله:
قام القوم إلا زيدًا.
فالمستثنى هو كلمة (زيدًا) والمستثنى منه هو كلمة (القوم) وأداة الاستثناء (إلا) .
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (وحروف الاستثناء ثمانية)
يتعلق به شيئان:
أولهما:
فَيهِ حَصْرٌ لأدوات الاستثناء بثمانية والجمهور على خلافه، إذ يزيدون على ذلك بـ (لَيْسَ) و(لا يكون) .
وفي كلمة (حاشا) ثلاث لغات:
الأولى: بإثبات الألفين بعد الحاء المهملة وبعد الشين المعجمة (حاشا) .
والثانية: بإثبات الألف الثانية، مع حذف الأولى التي بعد الحاء المهملة (حشا) .
والثالثة: عكسها، وهي بإثبات الألف بعد الحاء المهملة مع حذف التي بعد الشين المعجمة (حاش) .
والثاني:
جعله أدوات الاستثناء حروفًا بقوله: (حروف الاستثناء) ولَيْسَ الأمر كذلك بل هي أقسام:
أولها:
ما هو حرف باتفاق، وهو (إلاَّ) ويكون مبنيًا على الفتح لا غير.
وثانيها:
ما هو فعل باتفاق، وهو (لَيْسَ) .
وثالثها:
ما هو اسم باتفاق، وهو (غير) و(سوى بلغاتها) .
وقد ذكر الْمُصَنِّف ثلاث لغات فيها:
الأولى: سِوَى - بكسر السين المهملة بعدها واو ثُمَّ ألف مقصورة.
والثانية: سُوى كالأولى ولكن بضم السين المهملة.
والثالثة: سَوَاء كسماء.
وينضاف إليها لغة رابعة: وهي سِواء على وزن بِناء.
ورابعها: ما تردد بين الحرفية والفعلية وهي: خلا وعدا وحاشا.
قوله: (فالمستثنى بإلا ينصب إذا كان الكلام تامًا موجبًا الخ)
فيه ذكر لأحكام المستثنى بعد (إلا) وأخواتها وحاصله يرجع إلى أحكام:
أولها:
أن يكون المستثنى مجرورًا مطلقًا ويكون إعرابه حينئذ مضافًا إليه، وذلك في حالتين:
الأولى:
إذا جاء بعد كلمة (غير) .
مثاله: جاء القوم غير زَيْدٍ. فكلمة (زَيْدٍ) مستثنى.
إعرابه:
[ ١٠١ ]
جاء القوم: فعل وفاعل.
غير: اسم منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره للاستثناء وهو مضاف، وكلمة (زَيْدٍ) مضاف إليه مخفوض بالكسرة الظاهرة على آخره.
والثانية:
إذا جاء بعد كلمة سوى ولغاتها.
ومثاله: جاء القوم سوى زيد، إذ المستثنى كلمة زيد.
إعرابه:
جاء القوم: فعل وفاعل.
سِوى: اسم منصوب بالفتحة الْمُقَدَّرَة للتعذر، وذلك للاستثناء، وهو مضاف، وكلمة (زَيْدٍ) مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة على آخره.
تنبيه:
كلمة (غير وسوى ولغاتها) آخر حرف فيها يعرب إعراب المستثنى بعد (إلا) ويأتي.
وثانيها:
ما يعرب تارة اسمًا مجرورًا وتارة مفعولًا منصوبًا وذلك في حالتين:
الأولى:
إذا دخل على المستثنى فعل خلا أو عدا أو حاشا ولغاتها. لكن مع اقتران (ما) المصدرية بتلك الأفعال أي (ما خلا ما عدا ما حاشا) والمستثنى بعدها لا يكون إلا منصوبًا على المفعولية لأنها أفعال ماضية فاعلها ضمير مستتر مُقَدَّر، ومفعولها هو المستثنى.
مثال ذلك: جاء القوم ما حاشا زيدًا ما خلا زيدًا ما عدا زيدًا.
إعرابه:
جاء القوم: فعل وفاعل.
ما المصدرية: مبنية على السكون أو الفتح على قول في مَحَلّ رَفْع مبتدأ.
خلا وحاشا وعدا: أفعال ماضية مبنية على السكون. وقيل على الفتح. والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو) .
زيدًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره، والجملة الفعلية (خلا زيدًا حاشا زيدًا عدا زيدًا) في مَحَلّ رَفْع خبر المبتدأ.
والثانية:
ما جاز فيه النصْب والجر. وذلك إذا لم يأتِ مع خلا وعدا وحاشا ما المصدرية، فيجوز وجهان:
أولهما:
الجر للمستثنى، إذ تكون تلك الأفعال حروف جر كـ (إلى ومن) ونحوهما.
مثاله:
جاء القوم عدا زيدٍ خلا زَيْدٍ حاشا زَيْدٍ.
إعرابه:
جاء القوم: فعل وفاعل.
حاشا، عدا، خلا: حرف جر مبني على السكون أو الفتح على قول.
زَيْدٍ: اسم مجرور بالكسرة الظاهرة على آخره.
والثاني:
[ ١٠٢ ]
النصْب على المفعوليّة، فتكون الأفعال وهي خلا وعدا وحاشا فعلًا ماضيًا لها فاعل مُقَدَّر مستتر، والمستثنى مفعولٌ لها.
مثاله:
جاء القوم عدا زيدًا خلا زيدًا حاشا زيدًا.
إعرابه:
جاء القوم: فعل وفاعل.
عدا، خلا، حاشا: فعل ماضٍ مبني على الفتح أو السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
زيدًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
وثالثها:
حكم المستثنى بعد إلا وهو على أحوال:
الحالة الأولى:
إذا كان الكلام تامًا موجبًا. معنى قول النحاة (تامًا) أي ذكر فيه المستثنى منه وهو كلمة القوم في قولك: جاء القوم إلا مُحَمَّدًا.
ومعنى قولهم (موجَبًا) - بفتح الجيم - أي مثبتًا، وضد المثبت ثلاثة أشياء: النهي والنفي والاستفهام، ويدخل في النهي الدعاء.
ومثال المثبت:
(جاء القوم إلا زيدًا) . حَيْثُ لم يدخل على الجملة قبل (إلاَّ) لا نهي ولا نفي ولا دعاء ولا استفهام فكان مثبتًا. وحكم المستثنى بعد (إلا) في هذه الحالة: أن يكون منصوبًا.
مثاله:
جاء القوم إلا زيدًا.
إعرابه:
جاء القوم: فعل وفاعل.
إلا: حرف استثناء مبني على الفتح.
زيدًا: مستثنى منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
الحالة الثانية:
أن يكون الكلام تامًا لكنه غير مثبت كالمنفي فيجوز فيه حكمان:
الأول: النصْب على الاستثناء كالحالة السابقة.
مثاله:
ما جاء القوم إلا زيدًا. وكذلك: لم يأتِ القوم إلا زيدًا.
فإعراب الثانية:
لم: لم حرف جزم مبني على السكون.
يأت: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العِلَّة.
القوم: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
إلا: حرف استثناء مبني على الفتح.
زيدًا: مستثنى منصوب وعلامة نصْبه الفتحة الظاهرة على آخره.
والثاني: البدل:
وذلك بأن يكون بدلًا من المستثنى منه فيأخذ حكمه رَفْعًا أو نصْبًا أو خفضًا.
مثاله:
لم يأتِ القوم إلا زيدٌ.
إعرابه:
[ ١٠٣ ]
كسابقه إلا أن كلمة (زَيْدٌ): مرفوعة لأنه بدل من كلمة (القوم) .
الحالة الثالثة:
أن يكون الكلام ناقصًا سواء أكان منفيًا أو مثبتًا، ومعنى قول النحاة (ناقصًا) أي أن المستثنى منه محذوف وهو كلمة (القوم) في قولك: (ما جاء القوم إلا زيدًا) حَيْثُ تحذف فتقول: (ما جاء إلا زَيْدٌ)، وحكمها هو بحسب موقعها من الإعراب كأن (إلاَّ) غير موجودة.
مثاله:
ما قام إلا زَيْدٌ.
زَيْدٌ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره لأنه هو الذي قام.
وكقولك: ما مررت إلا بزَيْدٍ.
بزَيْدٍ: جار ومجرور.
وكقولك: ما رأيت إلا زيدًا.
زيدًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
فائدة:
هذه الحالة الثالثة يُسَمِّيها النحاة بالاستثناء المفرَّغ، وسبب التسمية أن المستثنى فرِّغ من عامل الاستثناء، ولذا أُعرب بحسب موقعه من الإعراب. وقيل: بل فرغ ما قبل (إلا) للعمل فيما بعد (إلا) .
وينضاف إلى الحالة الثالثة حالة لم يذكرها الْمُصَنِّف - يرحمه الله - وهي ما يُسَمِّيه النحاة بالاستثناء المنقطع، ومعنى قولهم (الاستثناء المنقطع) أن يكون المستثنى لَيْسَ من المستثنى منه بل هو منقطع عنه منفصل عنه.
مثاله:
جاء القوم إلا حمارًا. إذ كلمة (حمارًا) لَيْسَتْ من المستثنى منه لأن المستثنى منه من بني آدم، والمستثنى من البهائم، وحكم هذه الحالة هو نَصْب المستثنى دومًا.
مثاله:
جاء القوم إلا حمارًا.
أو: ما جاء القوم إلا حمارًا.
إعرابه:
كما سبق، وكلمة (حمارًا) مستثنى منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.