قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (باب البدل):
يتعلق به شيئان:
أولهما:
تعريفه من حَيْثُ اللُّغَة: إذ هو بمعنى العِوَض، تقول: استبدلتُ السلعة الفلانية بغيرها إذا أخذتَ غيرَها عوضًا عنها.
والثاني:
تعريفة في الاصطلاح: وهو التابع المقصود بلا واسطة.
بيانه:
كلمة (تابع): أي أنه من التوابع، وسبق معناها.
وكلمة (المقصود): أي أن المعنى الذي دخل على الْمُبْدَل يدخل على البدل، فهو مقصود بذلك المعنى كقصد الأصل.
وكلمة (بلا واسطة): قيد يخرج: عطف النسَق لأنه بواسطة حرف كان مقصودًا.
مثال ذلك: (قام زَيْدٌ أخوك) .
فكلمة (أخو): بدل من (زيد) لأنه يصح أن تُلغَى (زيد) وتقوم مقامه، فتقول: (قام أخوك) . وكلمة (أخو) مقصودة بما قُصِدَ به (زَيْدٌ) وهو معني القيام، وكان ذلك بلا واسطة حرف كـ (الواو) أو (فاء) أو غيرها.
قوله (إذا أبدل اسم من اسم الخ)
يتعلق به شيئان:
أولهما: أن البدل نوعان:
الأول:
[ ٨٥ ]
بدل فعل من فعل كقولك غالِطًا (قام جلس مُحَمَّدٌ) أردت أن تخبر بجلوسه، فغَلِط لسانك فنطق القيام.
الثاني:
بدل اسمٍ من اسمٍ كقولك: (جاء زَيْدٌ عَمْرٌو) تريد أن تخبر بمجيء عَمْرو، فغَلِط لسانك فقال: زَيْدٌ.
وأما الثاني:
فذِكْر حكم البدَل وهو أنه يتبع الْمُبْدَلَ في الإعراب فقط لا في المعنى وغيره، لأنك قد تغلط فتقول لفظًا له معنى مغاير لما تريده كما سيأتي.
قوله: (وهو أربعة أقسام: بدل الشيء من الشيء الخ)
يتعلق به شيئان:
أولهما:
حصْر البدل في أقسامٍ أربعة. ودليله الاستقراء التام كما ذكره ابن مالك في [شرحه على الكافية] .
إلا أن بعض النحاة زاد أقسامًا. والتحقيق أنها ترجع للأربعة خصوصًا بدل الغَلَط.
والثاني:
فيه ذِكْرٌ للأقسام:
أولها:
بدل الشيء من الشيء. ويُقَال: بدل كلٍ من كُل. وهي أولى من عبارة بدل الكل من الكل، لاختلاف اللُّغَويين هل تدخل (ال) على (كل) أم لا.
قرر ابن هشام في مواضع من كتبه كما في [شرح القَطْري] و[المغني] وغيرهما أن (ال) لا تدخل على (كل) ولا (بعض) وعليه عامة اللُّغَويين. لكن تسامح بعضهم في الاستعمال مجاراة للعامة كالسيرافي وغيره.
وهذا القسم معناه: صحة أن يقوم البدل مقام الْمُبْدَلِ، لأنه كذاته.
ومثاله:
قولك (جاء مُحَمَّدٌ أبو عبد الله) .
فكلمة (أبو): بدل من (مُحَمَّدٍ) فيصح أن يُقَال (جاء أبو عبد الله) لأنها بدل كل من كل، فكلاهما يدل على تمام الشيء وكله وحقيقته؛ إذ كلمة (محمد) في المثال السابق تدل على مُسَمّىً مُعَيَّنٍ وكذلك كلمة (أبو عبد الله) . لذا سُمِّيَ هذا القسم ببدل كلٍ من كلٍ أو الشيءِ من الشيءِ.
وثانيها:
بدل البعض من الكل، وضابطه هو: أن يكون البَدَلُ جزءًا من الْمُبْدَلِ وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: مثاله: (حفظت القرآن ثلُثَه) إذ الْمُبْدَل هنا أكثر من البدل كميّة.
[ ٨٦ ]
والنوع الثاني: مثاله: (حفظت القرآن نصفه) إذ الْمُبْدَل هنا مثل البدل كمية.
والنوع الثالث: مثاله: (حفظت القرآن ثلثيه) إذ الْمُبْدَل هنا أقل من البدل.
ثالثها:
بدل الاشتمال، وضابطه أن يكون بين البدل والْمُبْدَل علاقة بغير الجزئية.
مثاله:
(نفعني زَيْدٌ علمه) كلمة (علمه) بدل من زيد وهي بدل اشتمال.
ورابعها:
بدل الغلَط، وضابطه أن يكون الْمُبْدَل قد غُلِط فيه، فَأُتِيَ بالبدل تصحيحًا.
وسبب الغلط إما النسيان كقولك ناسيًا: (أكلتُ بالأمس رغيفًا لحمًا) - والنسيان يتعلق بالقلب - فتذكرتَ أن المأكول هو اللحم لا الرغيف.
وقد يكون السبب سَبْق لسان ويُسَمِّيه اللُّغَويين بالغلط - يعني غلط اللسان - كقولك: (أكلتُ بالأمس رغيفًا لحمًا) تريد أن تقول لحمًا فَسَبَقَكَ لسانك إلى الرغيف.
والفرق بين غلط اللسان وغلط النسيان أن غلط اللسان يتعلق باللسان، وغلط النسيان يتعلق بالقلب.
قوله: (نحو قوله: قام زَيْدٌ الخ)
فيه ذكر أمثلة:
أولها:
(قام زَيْدٌ أخوك) إذ البدل كلمة (أخو) في (أخوك) .
إعرابها:
قام زَيْدٌ: فعل وفاعل.
أخوك: (أخو) بدل كل من كل تابع لِزَيْدٍ في حكمه ولذا كان مرفوعًا بالواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة و(أخو) مضاف، و(الكاف) مضاف إليه.
ثانيها:
(أكلت الرغيف ثلثه) إذ كلمة (ثلثه): (ثلث) بدل بعض من كل تابعة لكلمة (الرغيف) في إعرابها.
إعرابها:
أكلت: فعل وفاعل.
الرغيف: مفعول به.
ثلثه: (ثلث) بدل بعض من كل يتبع كلمة (الرغيف) ولذا فهو منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره وهو مضاف والضمير مضاف إليه.
ثالثها:
(نفعني زَيْدٌ علمه) إذ كلمة (علمه) بدل اشتمال من كلمة (زَيْدٌ) ولذا أخذت حكمه وهو الرفع.
إعرابها:
نفعني: (نفع) فعل ماض مبني على الفتح، و(النون): نون الوقاية. و(الياء) ضمير التكَلُّم مبني على السكون في مَحَلّ نَصْب مفعول به مُقدَّم.
[ ٨٧ ]
زَيْدٌ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
علمه: (علم) بدل اشتمال من (زيد) آخذٌ حكمه، وهو الرفع بالضمة الظاهرة على آخره. و(عِلْم) مضاف و(الهاء) مضاف إليه.
رابعها:
(رأيت زيدًا الفرس) إذ كلمة (الفرس) بدل غلط من كلمة (زيدًا) ولذا تأخذ حكمها.
إعرابها:
رأيت: فعل وفاعل.
زيدًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
الفرس: بدل غلط من (زيدًا) آخذٌ حكمه، وهو النصْب بالفتحة الظاهرة على آخره.
وإنما يُعلَم بدل الغلط بالقرائن كشخصٍ يُخْبِر أنه غَلِطَ فقال ذلك، أو عُرِفَ من هيئته وحاله أنه غَلِطَ، ولذلك قال الْمُصَنِّفُ - يرحمه الله - (أردتَ أن تقول الفرس) أي مَحَلّ كلمة زيد (فغلطتَ) أي في ذلك (فأبدلتَ زيدًا منه) أي من الفرس فكانت الجملة: رأيت زيدًا الفرس.