قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (باب المصدر: المصدر هو الاسم الخ)
يتعلق به شيئان:
أولهما: تعريفه:
[ ٩١ ]
إذ المصدر في اللُّغَة: اسم مفعول من (صَدَرَ)، ومصدر: الشيء منبعه.
وأما في الاصطلاح فعَرَّفه الْمُصَنِّف بقوله: (هو الاسم المنصوب الذي يجيء ثالثًا في تصريف الفعل) .
فقَيْد (الاسم) يخرج: الفعل والحرف.
وقَيْد (المنصوب) يخرج: المرفوع والمخفوض.
وقَيْد (الذي يجيء ثالثًا) يخرج: ما جاء أولًا وثانيًا.
وقَيْد (في تصريف الفعل) يخرج: تصاريف الأسماء.
والثاني:
هو أن هذا الباب يُسَمَّى بالمصدر، لأنه ثالث تصاريف الفعل، ويُسَمَّى بالمفعول المطلق؛ لأنه انتصب في باب المفعولية بلا قَيْد، كقَيْد: تقدير حرف جر أو نحو ذلك. ويُسَمِّيه بعضهم بالمفعول الحقيقي.
فائدة:
جعل الْمُصَنِّف - يرحمه الله - الفعل أصلًا للكلمات، والمصدر فرعًا لها، وذلك بقوله: (يجيء ثالثًا في تصريف الفعل) وهذا هو مذهب الكوفيين.
وذهب البصريون وأهل التحقيق إلى أن المصدر هو الأصل لعلل منها: أن القاعدة النظرية تقول: إن الفرع يشترك مع الأصل ويزيد عليه.
ولا تصح القاعدة هنا إلا بكون المصدر أصلًا للفعل؛ لأن الفعل يشمل شيئين:
الأول: الحدث، ويعَبَّر عنه بالمصدر.
والثاني: وقت وقوع الحدث والمعَبَّر عنه بالماضي والأمر والمضارع.
فشارك الفعل: المصدر في الشيء الأول، وزاد على المصدر في الشيء الثاني.
قوله (نحو ضَرَبَ يضرب ضَرْبًا)
فيه تمثيلٌ على التعريف السابق إذ المصدر فيها هو كلمة (ضربًا) وهو التصريف الثالث للفعل.
إذ التصريف الأول: ضَرَبَ، وهو الفعل الماضي.
والثاني: يضرب، وهو الفعل المضارع.
والثالث: ضَرْبًا، وهو المصدر، أو المفعول المطلق.
وتعريف المصدر بما سبق هو من باب التقريب المناسب للمبتدئ.
قوله: (وهو قسمان: لفظي ومعنوي الخ)
يتعلق به شيئان:
أولهما:
تقسيم المصدر إلى: لفظي ومعنوي، وهذا الذي عليه جمهور النحاة.
والثاني: في ضبط القسمين:
أما الأول: فهو المصدر اللفظي:
[ ٩٢ ]
ويُضْبَط بأنه ما اتفق مع فعله في شيئين:
الأول: حروف اللفظ.
والثاني: المعنى.
ومَثَّلَ لَهُ الْمُصَنِّف بقوله: (قتلته قتلًا) حَيْثُ إِنَّ المصدر هو: كلمة (قَتْلًا) وقد شارك فعل (قتل) في حروفه - وهي (القاف والتاء واللام) - ومعناه، وهو: إزهاق نفس.
وإعرابه:
قتل: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير الرفع. و(التاء) ضميرٌ متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل، و(الهاء) ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ نَصْب مفعول به.
قتلًا: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره، أو يُقَال: قتلًا: مصدر منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره، أو يُقَال: قتلًا: اسم منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره للمصدرية.
وأما الثاني: فالمصدر المعنوي:
ويُضْبَط بأنه: ما اتفق مع فعله في المعنى فقط.
ومَثَّلَ لَهُ الْمُصَنِّف بقوله (جلستُ قعودًا وقمتُ وقوفًا) إذ المصدر كلمة (قعودًا) و(وقوفًا) في المثالين.
وكلمة (قعودًا) في المثال الأول لا توافق حروف الفعل (جلس) لكن توافق معناه إذ كلمة (قعد) بمعنى كلمة (جلس)، وكلمة (وقوفًا) لا توافق فعل (قام) في حروفه، ولكن توافقه في معناه إِذْ إِنَّ كلمة (قام) بمعنى كلمة (وقف)، ومِنْ ثَمَّ يبين وجه التسمية للقسم الأول بأنه لفظي، لأنه يوافق فعله في الحروف واللفظ، خلافًا للثاني فإنه يوافق فعله في المعنى.
فائدة:
لمجيء المصدر فوائد:
أولها: تأكيد الفعل:
مثاله: قَتَلَه قتلًا، حَيْثُ أكدت فعل القتل بالمصدر (قتلًا) .
وثانيها: بيان نوعية الفعل:
مثاله: ضربْتُه ضرب الأمير. حَيْثُ بينت نوعية الفعل وهو (الضرب) بأنه كضرب الأمير.
وثالثها: بيان عدد الفعل.
ومثاله: ضربته ضربتين. حَيْثُ بينت عدد وقوع الفعل.
فائدة:
المصدر المعنوي ما الذي نَصَبَهُ؟ هل هو الفعل الذي يشترك معه في المعنى دون اللفظ، أم يُقَدَّر له من لفظه فعل؟
قولان: بالثاني قال الجمهور.
[ ٩٣ ]
بيانه:
جملة (جلستُ قعودًا) المصدر فيها: كلمة (قعودًا) . أحدث فيها النصْب فعل (جلس) على قول.
وذهب الجمهور إلى أن الذي أحدث النصْب فيها هو فعل (قعد) الْمُقَدَّر إذ التقدير: (جلستُ وقعدتُ قعودًا) .