قال الْمُصَنِّف - ﵀ -: (المعربات قسمان وقسمٌ يعرب بالحروف)
هذا الفصل لخص فيه الْمُصَنِّف - ﵀ - ما تقدمه من أبواب ومسائل تتعلق بالمعربات، وقدم الحركات على الحروف؛ لأنها الأصل والحروف تنوب عنها.
قال: (فالذي يعربُ بالحركات والفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء) .
وحاصله: أن الإعراب بالحركات يدخل على ثلاثة أمور:
الأول : المفرد من الأسماء.
الثاني : الجمع من الأسماء.
الثالث : الفعل المضارع.
فأما الاسم المفرد فله ثلاث صور:
الأولى:
هو أن يُشبه الحرف فيكون مبنيًا لا معربًا وقد سبقت الإشارة إليه.
الثانية:
أن يُشبه الفعل فيكون ممنوعًا من الصرف، والممنوع من الصرف له حكمان:
الأول : أن يمنع من التنوين.
الثاني : ألا يخفض بالكسرة.
الثالثة:
ألا يشبه الحرف ولا الفعل فيكون متمكنًا في باب الاسمية حَيْثُ يُعرب في حالة الرفع بالضمة وفي حالة النصْب بالفتحة وفي حالة الخفض بالكسرة.
وأما الجمع من الأسماء فضربان:
الأول: ما يُسَمَّى بجمع التكسير
[ ٣٦ ]
وهو ما تكسر فيه بناء مفرده عند الجمع. مثاله: رجال، كتب. إذ مفرد الأول: رجل، ومفرد الثاني: كتاب. فتغيرا عند الجمع بزيادة في الثاني ونقص في الثاني. والتكسر في بناء المفرد عند جمعه إمَّا أن يكون بزيادة، وإمَّا أن يكون بنُقْصان، وإمَّا أن يكون بتغير الحركة كـ أَسَد (أُسد. وهذا النوع من الجمع يكون مرفوعًا بالضمة ومنصوبًا بالفتحة ومخفوضًا بالكسرة.
الثاني: جمع المؤنث السالم:
وهو ما سلم فيه بناء مفرده عند الجمع كـ (زينبات، حبليات) إذ الأول جمع: زينب، والثاني جمع: حبلى. غير أن بعض اللُّغَويين ذهبوا إلى تسمية هذا النوع من الجمع بالجمع المزيد بألف وتاء لوجود التكسر في بعض مفرداته عند الجمع كما في المثال السابق ‘‘الثاني’’ وهو (حبليات) حَيْثُ قلبت الألف المقصورة ياء عند الجمع.
وهذا الجمع يُعرب بالضمة عند الرفع، وبالكسرة عند النصْب والخفض. مثال النصْب: قولك (قرأت آياتٍ من كتاب الله)؛ إذ كلمة آيات جمع مزيد بالألف والتاء منصوبة بالكسرة الظاهرة على آخرها لأنها جمع مزيد بالألف والتاء. ومثال الخفض: قولك: (سمعتُ خمس آياتٍ من القرآن) فكلمة آيات مخفوضة بالكسرة الظاهرة على آخرها؛ لأنها مضاف إليه.
وأما الأفعال:
فلَيْسَتْ معربة إلا الفعل المضارع إذا لم يلحق آخره شيءٌ، وذلك إذا خلا من نون النسوة أو نون التوكيد أو أن يكون من الأمثلة السِّتة. وهو مقصود الْمُصَنِّف في قوله: (والفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء) ومثاله (يضربُ): حَيْثُ إِنها لخالية من نون التوكيد، ومن نون الإناث ولَيْسَتْ على نسق الأمثلة السِّتة فتُعرب في حالة الرفع بالضمة وفي حالة النصْب بالفتحة وفي حالة الجزم بالسكون.
قال الْمُصَنِّف - ﵀ - (وكلها تُرفع بالضمة وتجزم بالسكون)
[ ٣٧ ]
قوله (وكلها): يعني مجموعها لا جميعها؛ إِذْ إِنَّ الأفعال لا تُخفض والأسماء لا تُجزم. ولها استثناءات على ما ذكره الْمُصَنِّف بعد قوله (وخرج عن ذلك ثلاثة أشياء الخ.
قال الْمُصَنِّف - ﵀ - (ويستثنى من ذلك الاسم الذي لا ينصرف)
وذلك أن الاسم غير المنصرف هو الاسم الذي لا يُنَوَّن وسُمِّيَ بالاسم المتمكن غير الأمكن؛ إذا الاسم المعرب نوعان:
الأول:
متمكن أمكن وهو المنصرف.
الثاني:
متمكن غير أمكن وهو غير المنصرف.
وإنما يمنع الاسم غير المنصرف من الصرف لأحد أمرين:
الأول:
عِلَّة تقوم مقام علتين وهي نوعان:
الأول: ما كان آخره ألف مقصورة أو ألف ممدودة. ومثال المقصورة: حبلى، ومثال الممدودة: صحراء.
الثاني: أن يكون على وزن مفاعل ومفاعيل كـ (مساجد، ومفاتيح) .
الثاني:
هو ما اجتمعت فيه علتان: عِلَّة تتعلق باللفظ وأخرى تتعلق بالمعنى، فالمتعلقة بالمعنى شيئان:
الأول: العَلَمية.
الثاني: الوصفية. وينضم إليها عللٌ لفظية.
فأما الوصفية فيقترن بها ثلاث عللٌ لفظية:
الأولى:
وزن الفعل، والمعنى أن يأتي الوصف على وزن الفعل أمر أو مضارع أو ماضي، كـ أحمر، أفضل ونحوهما.
الثانية:
زيادة الألف والنون في نحو: شبعان، غضبان ونحوهما.
الثالثة:
العدل ومعناه: أن يكون الوصف قد عُدِل به عن لفظ الأصل وهو نوعان:
الأول: ما كان على وزن مفعل وفعال وهي العشر الأول من الأعداد كـ موحد، مثنى، ثلاث، رباع. فهذه كلها معدول بها عن تكرار نفس العدد.
الثاني: أُخَر، فإنها معدول بها من آخِر على قول.
وأما العَلَمية فتأتي معها عللٌ لفظية:
الأولى:
العدل وسبق معناه.
مثاله:
عُمر فهو عدل به عن عامر.
الثانية:
زيادة الألف والنون كـ عفان، عثمان، ونحوهما.
الثالثة:
أن يكون على وزن الفعل الماضي أو المضارع أو الأمر كـ أحمد وغيره.
الرابعة:
أن يكون أعجميًا وله شرطان:
[ ٣٨ ]
الأول: أن يُسَمَّى به في لغة العجم.
الثاني: أن يكون أربعة حروف فما فوق.
الخامسة:
أن يكون مركبًا تركيبًا مزجيًا كـ (بعلبك)، إذ بعل: كلمة، وبكًّا: أخرى، فمُزِج بينهما فأصبحا كلمة واحدة.
وليُعْلم أن الممنوع من الصرف له حكمان:
الأول: ألا ينون.
الثاني: أن يكون خفضه بالفتحة نيابة عن الكسرة - وقد سبق ذلك - فإذا دخلت عليه (ال) أو (الإضافة) فإنه يُخفض بالكسرة لا بالفتحة مثاله (دخلت على أفضل الناس خلقًا) .
قال الْمُصَنِّف - ﵀ - (والفعل المضارع المعتل الآخر يُجزم )
حروف العِلَّة ثلاثة: الواو، الياء، الألف. فإذا لحقت الفعل المضارع كان جزمه بحذف حرف العِلَّة.
مثاله:
لم يخشَ، لم يقضِ، لم يدعُ.
قال الْمُصَنِّف - ﵀ - (والذي يعرب بالحروف )
إنما أخر الْمُصَنِّف - ﵀ - ذكر المعربات بالحروف لأنها بدلٌ عن المعربات بالحركات والبدل يأتي بعد الْمُبْدَل.
وأول ذلك: الأسماء الخمسة:
وهي (أبوك، أخوك، حموك، ذو مال، فوك) وهي تُعرب بالواو رَفْعًا وبالألف نصْبًا وبالياء جرًا. إذا توفرت فيها الشروط التالية.
الأول: أن تكون مُكَبَّرة فإذا صُغِّرت أُعرِبت بالحركات مثل (جاء أبيُّك) .
الثاني: أن تكون مضافة إلى غير ياء الْمُتَكَلِّم.
الثالث: ألا يكون جمعًا ولا مثنى (يكون مفردًا) .
الرابع: أن يكون (فوك) غير ملحق به الميم.
الخامس: أن تكون ذو بمعنى صاحب.
ويُزاد على الأسماء الخمسة السابقة (هنوك) وهو اسم للفرج أو كناية عنه أو لما يُستقبح - قاله ابن هشام ﵀ - غير أن الأصح فيه أن يُعرب بالحركات ويسوغ إعرابه إعراب الأسماء الخمسة.
ثانيها: الأفعال الخمسة:
[ ٣٩ ]
وهي: (يفعلان، تفعلان، يفعلون، تفعلون، تفعلين) . حَيْثُ تُعرب بثبوت النون رَفْعًا، وبحذفها نصْبًا وجزمًا. وذهب بعضٌ إلى أن الأحسن أن يُقَال عنها: الأمثلة، لا الأفعال؛ لأن: يفعلان، تفعلان، يفعلون، تفعلون، تفعلين لَيْسَتْ مقصودةً في ذاته كالأسماء الخمسة فكانت أمثلة. وذهب ابن هشام - ﵀ - إلى أن يُقَال: الأمثلة السِّتة؛ لأن تفعلان تأتي مع المذكر ومع المؤنث، وارتضاه الأزهري في (التصريح) .
ثالثها: جمع المذكر السالم.
وهو كل اسم سلم بناء مفرده من التكسر عند الجمع بإضافة (ياء ونون) أو (واو ونون) إليه. مثاله: مسلم (مسلمون. زَيْدٌ (زيدون. ونحوهما. فهي تعرب بالواو رَفْعًا وبالياء نصْبًا وجرًا. مثل: جاء المسلمون. المسلمون: فاعل مرفوع وعلامة رَفْعه الواو نيابةً عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم. والنون عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد.
يقول الْمُصَنِّف - ﵀ - (فأما التثنية فترفع )
قوله (التثنية) فيه مباحث على ما يلي:
الأول: قوله التثنية: ويتعلق به شيئان:
أولهما:
تعريفه من حَيْثُ اللُّغَة إذ المثنى لغة: العطف، تقول ثنيت العود إذا عطفته. وقوله (التثنية) هو صفة مصدرية قصد بها: الاسم المفعول وهو المثنى.
ثانيهما:
تعريفه من حَيْثُ الاصطلاح: إذ هو كل اسم دلَّ على اثنين وأغنى عن متعاطفين بزيادة على مفرده.
فهذه قيودٌ ثلاثة:
الأول: ‘‘ كل اسم دَلَّ على اثنين ’’ ليخرج ما دَلَّ على مفرد أو جمع. ويدخل في ذلك كلمة (شفع، زوج) ونحوهما.
والثاني: ‘‘ وأغنى عن متعاطفين ’’ إذ كلمة كتابان أغنى عن اسمين متعاطفين هما كتاب وكتاب.
والثالث: ‘‘ وبزيادة على مفرده ’’ ليخرج ما دَلَّ على اثنين لا بزيادة على مفرده كـ (شفع، زوج) ونحوهما.
مثال ما ينطبق عليه التعريف:
[ ٤٠ ]
جاء المدرسان، حَيْثُ إِن كلمة المدرسان مثنى فاعل مرفوع بالألف نيابة عن الضمة، والنون فيه عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد، فهي دَلَّتْ عَلَى اثنين وأغنت عن مدرس ومدرس، وجاءت فيها زيادة على مفردها وهي زيادة الألف والنون. وكلمة (المدرسان، المدرس) اسم لَيْسَتْ بفعل ولا حرف إذ المثنى لا يكون إلا اسمًا.
الثاني: قوله: (فترفع بالألف بالياء)
ويتعلق به أشياء:
الأول:
أن المثنى يُعرب بالحروف لا بالحركات، ففي حالة الرفع يكون إعرابه بالألف، وفي حالة النصْب والخفض يكون إعرابه بالياء. فالألف نيابة عن الضمة، والياء نيابة عن الفتحة والكسرة.
مثال حالة الرفع: (حضر الطالبان إلى المدرسة) . فكلمة (الطالبان) فاعل مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنها مثنى.
ومثال النصْب: (أعطيت المجتهدَيْنِ هديةً قيمةً) . فكلمة (المجتهدَيْنِ) مفعول به منصوب بالياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى.
ومثال الخفض: (أتيت بكتابَيْنِ نافعين) فكلمة (كتابَيْنِ) مثنى مخفوض بالياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى وهو هنا اسم مجرور بالياء.
الثاني:
أن (النون) في المثنى يؤتي بها زيادة على المفرد، وفي حالة الإعراب يُقَال أنها عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد. مثال ذلك (جاء الزيدان) . فكلمة الزيدان: فاعل مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى والنون فيه عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد.
الثالث:
أن الإعراب السابق للمثنى له شروط:
أولها: أن يكون الاسم مفردًا ليُثنى، فلا يُثنى المثنى ولا الجمع.
ثانيها: أن يكون الاسم نكرة لا معرفة عند تثنيته.
ثالثها: أن يكون مُعربًا فلا يكون مبنيًا.
واستثنى من ذلك (هذان، هاتان، اللذان، اللتان) . فالأول: اسم إشارة، والثاني: من الأسماء الموصولة فهي ملحقة بالمثنى وإن كانت مبنية فتأخذ حكمه.
[ ٤١ ]
رابعها: أن يكون للاسم ثانٍ في الوجود، وشذَّ عن ذلك الشمسان والقمران فقد ثنيا من باب التغليب أو السماع.
خامسها: أن يتفقا لفظًا كـ (زَيْدٌ وزَيْدٌ) يُقَال (الزيدان) .
سادسها: أن يتفقا معنى وخرجا عن ذلك (القلم أحد اللسانين)
سابعها: ألا يستغنيا بتثنية غيره عن تثنيته كـ (بعض) فإنه لا يثنى لأنه اكتفي بجزء عنه فيُقَال: جزءان ولا يُقَال (بعضان) .
ثامنها: أن يكون الاسم غير مركب وليستثنى من المركبات المركب الإضافي فإن صدره يثنى. مثال ذلك: غلاما زَيْدٍ في قولك (جاء غلاما زَيْدٍ) إذ كلمة (غلاما زَيْدٍ) تُسَمَّى بتركيب إضافي حَيْثُ أضيف الغلامان إلى زَيْدٍ، فيتأثر الجزء الأول من هذا التركيب وهو كلمة (غلاما) فيثنى وإنما لم تثبت نون الغلامين للإضافة.
الرابع:
أن هناك كلمات ملحقة بالمثنى منها: (كلا، كلتا) بشرط إضافة الضمير إليهما كـ (كلاهما، كلتاهما) . مثال ذلك: (جاءت الطالبتان كلتاهما) . فكلمة (كلتاهما) مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى.
قال الْمُصَنِّف - ﵀ -: (وأما جمع المذكر السالم بالياء)
فيه مباحث على ما يلي:
الأول: في قوله (جمع المذكر السالم)
وهو اصطلاحًا: كل اسم دَلَّ على أكثر من اثنين وأغنى عن متعاطفات بزيادة على مفرده. إِذْ إِنَّه يُخالف جمع التكسير حَيْثُ إِنه ما سلم بناء مفرده عند جمعه.
ومثاله: كلمة (المؤمن) عندما يُجمع فيُقَال (المؤمنون) .
الثاني: قوله (يرفع بالواو بالياء)
فمثال الرفع: قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ فكلمة ﴿المؤمنون﴾ فاعل مرفوع بالواو نيابة عن الضمة. ومثال النصْب قوله - ﷾ - ﴿إن المؤمنين والمؤمنات﴾ فكلمة ﴿المؤمنين﴾ منصوب بالياء نيابة عن الفتحة اسم إن. ومثال الخفض (التقيت بالمؤمنين حقًا) . فكلمة (المؤمنين) مخفوضة بالياء نيابة عن الكسرة ‘‘اسم مجرور’’.
الثالث:
[ ٤٢ ]
أن النون في جمع المذكر السالم أُتي بها عوضًا عن التنوين في الاسم المفرد ولذلك يُقَال في إعراب (جاء الصالحون) يُقَال في كلمة (الصالحون) جمع مذكر سالم مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لأنها فاعل والنون عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد.
الرابع:
أن ذلك الإعراب للجمع المذكر السالم له شروط هي شروط المثنى الثمانية وينضاف إلى ذلك ما يلي:
أولها:
أن يكون الاسم دالًا على عاقل، فكلمة (واشق) اسم لكلب و(واسق) اسم لفرس لا يصح جمعها؛ لأنها تدل على غير عاقل.
ثانيها:
أن يكون الاسم دالًا على مذكر ليخرج المؤنث.
ثالثها:
أن يكون الاسم خاليًا من تاء التأنيث كـ (طلحة) و(علاَّمة) فإنهما لا يُجمعان.
رابعها:
مما يُلحق بجمع المذكر السالم أمثلة ذكرها النحاة ومنها: أسماء العقود كـ (عشرين) فما فوق إلى (تسعين) فإنها ملحقة بجمع المذكر السالم، ويُذكر ذلك في إعرابها.
مثال ذلك: (دخل المسجد عشرون مصليًا) . فكلمة عشرون مرفوعة بالواو نيابة عن الضمة لأنها ملحقة بجمع المذكر السالم (فاعل) .
باب الأفعال
قوله: (باب الأفعال)
سبق تعريف الفعل لغة واصطلاحًا، وأن أنواع الكلمة أضربٌ ثلاثة.
وذكر الْمُصَنِّف يرحمه الله - ما يتعلق بإعراب الأفعال، وإعراب الأسماء، وقدَّم الأفعال على الأسماء هنا لعلتين:
الأولى: هو أنَّ الكلام على الأفعال أقل من الكلام على الأسماء فابتدأ به ليخلص من القليل إلى الكثير، ومن الباب إلى الأبواب، وهو مسلكٌ متبع عند الْمُصَنِّفين، قاله الأزهري في [التصريح] .
الثانية: أن أصل الأسماء هو الأفعال عند الكوفيين، والْمُصَنِّف - يرحمه الله - معدودٌ منهم، ومِنْ ثَمَّ استحقت الأفعال التقديم.
وينضاف إلى تينك العلتين ما يذكره بعض الشُّراح من تعلق كثير من أبواب الأسماء الآتية بباب الأفعال الذي نحن بصدده فتعيَّن تقديمه.
قال الْمُصَنِّف -يرحمه الله -: (الأفعال ثلاثة يضرب وضرب واضرب)
[ ٤٣ ]
وفيه مقاصد:
أولها: قوله (الأفعال ثلاثة)
ويتعلق به شيئان:
أولهما:
طريقة الْمُصَنِّف في حَصْر جنس الْمُتَكَلِّم فيه وهي الأفعال ثُمَّ اتباع ذلك بمعرباته وعلاماته وما إلى ذلك وهي طريقة مستحسنة في التعليم، قاله ابن هشام في [المغني] .
ثانيهما:
هو دليل ذلك الحَصْر إذ دَلَّ عليه دليلان:
أولًا:
دليل الاستقراء التام حَيْثُ استقرأ أئمة اللُّغَة أنواع الأفعال فوجدوها لا تخرج عن ثلاثة: ماض ومضارع وأمر. وهذا أمرٌ مجمع عليه. قاله السيوطي في (الأشباه والنظائر في النحو) .
ثانيًا:
دليل النظر حَيْثُ سبق أن الفعل حدثٌ يتعلق بزمن، والأزمان ثلاثة حقيقة واستقراء بإجماع العقلاء.
فأولها: زمن الماضي، حَيْثُ إِن الفعل يتعلق به كـ (ضرب) .
والثاني: زمن الحال، حَيْثُ إِن الفعل يتعلق به كـ (يضرب) .
والثالث: زمن الاستقبال، حَيْثُ إِن الفعل يُطلب إيقاعه فيه كـ (اضرب) .
ثانيها: قوله (ومضارع)
حَيْثُ يتعلق به شيئان:
أولهما:
معناه في اللُّغَة؛ إِذْ إِنَّه بمعنى المتشابه. قاله في [اللسان] ومِنْ ثَمَّ قيل للفعل المضارع أنه مضارع لشبهه بالاسم من حَيْثُ كونه معربًا في أكثر أحواله وما إلى ذلك.
والثاني:
في زمنه؛ حَيْثُ ذهب جمهور النحاة، وبه جزم سيبويه: أن زمن المضارع يشمل زمن الحال وزمن الاستقبال فكلمة (يأكل) من جملة (يأكل مُحَمَّدٌ التفاحة) تتعلق بالزمن الحاضر، وهو عند إيقاع تلك الجملة وبعدها وهو زمن الاستقبال.
وثالثها: قوله: (وأمرٌ)
إذ فيه دلالة على أنَّ فعل الأمر مستقل عن المضارع، وعليه أكثر نسخ المتن، قاله جمعٌ من الشُّراح كالرملي وغيره.
ورابعها: قوله (نحو ضرب ويضرب واضرب)
إذ هي أمثلة، فالأول للفعل الماضي لتعلق الحدث بزمنه، والثاني للفعل المضارع لتعلق الحدث بزمنه، والثالث فعل الأمر لتعلقه بزمن الأمر.
[ ٤٤ ]
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (فالماضي مفتوح والأمر مجزوم أبدًا)
وفيه مقصدان:
أولهما: في قوله: (فالماضي مفتوح الآخر أبدًا)
ويتعلق به شيئان:
أولها:
اختلاف عبارة الْمُصَنِّف في بعض النسخ حَيْثُ جاء فيها (فالماضي يُبنى على فتح الآخر) وهي بنحو الأولى إلا أن فيها تصريحًا بالبناء. قاله الرملي في [شرحه] .
ثانيها:
في معنى الجملة السابقة إذ يُقْصَدُ بها: أنَّ الفعل الماضي يبنى على فتح آخره. فكلمة (ضرب) هي فعل ماض مبنى على الفتح. وعبارة الْمُصَنِّف تقتضي تقدير الفتح عند وجود العارض؛ إِذْ إِنَّ الماضي يعرض له شيئان يغيِّران حركته السابقة في الظاهر:
أما الأول:
فهو ضمير الرفع المتحرك. ومثاله: تاء الفاعل من قولك (ضربْتُ)، فاتصالها بالفعل الماضي يوجب تسكين آخره في الظاهر فعلى ظاهر عبارة الْمُصَنِّف تُعرب جملة (ضربتُ) كالتالي: ضرب: فعلٌ ماضي مبني على الفتح الْمُقَدَّر وسُكِّن لاتصاله بضمير الرفع المتحرك. وتاء الفاعلية: ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل.
وأمَّا الثاني:
فهو الواو في نحو قولك (ضربوا) إِذْ إِنَّها توجب ضم آخر الفعل الماضي عند اتصالها به، ويكون الكلام عنها وفق ظاهر عبارة الْمُصَنِّف كالتالي: ضرب: فعل ماضي مبني على الفتح الْمُقَدَّر وضُمَّ آخره لاتصاله بالواو فكانت حركةً مناسبةً له (للواو) . والواو: ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل. فحينئذ تكون حركة الفعل الماضي ظاهرة ومقَدَّرة.
فأما التقدير فيكون لعلتين:
الأولى:
الثقل؛ وذلك إذا اتصل بالفعل الماضي ضمير الرفع المتحرك. ووجه هذه العِلَّة: هو استثقال العرب الجمع بين أربع حركات فأكثر فيما هو في الكلمة الواحدة. فكلمة (ضربْتُ) أصلها عندهم (ضَرَبَتُ) بفتحات آخرها ضَمٌ، فهذه أربع حركات.
الأولى: فتحة على الضاد.
والثانية: فتحة على الراء.
والثالثة: فتحة على الباء.
[ ٤٥ ]
والرابعة ضم التاء.
وكذلك يُقَال في الرباعي كـ (أخرجتُ)، وإنما وقع التسكين على آخر الفعل المتصل به ضمير الرفع المتحرك لأنه الأنسب، فلو وضع التسكين على أول الفعل لما استُطيعَ النطق به، ولو وضع على وسطه لاختلف الوزن الصرفي، ولما عُرف وزن الفعل فناسب وضع التسكين على آخره.
وأمَّا العِلَّة الثانية:
فهو انشغال المحل بالحركة المناسبة. فكلمة (ضربوا) الأصل في البناء بناؤها على الفتح الظاهر فلما لحقتها الواو ناسب أن تُضَمَّ، لأن الواو لا يناسبه الفتح.
غير أنَّ سيبويه وجمهور البصريين على أن الفعل الماضي له ثلاث حالات في البناء:
الأولى: بناؤه على الفتح نحو (ضربَ) وهو الأكثر والأشهر.
الثانية بناؤه على السكون كـ (ضربْتُ) وذلك عند اتصال ضمير الرفع المتحرك بالفعل الماضي.
الثالثة بناؤه على الضم كـ (ضربُوا) وذلك عند اتصاله بالواو.
مسألة:
الفعل الماضي المقصور نحو (هدى، حمى) هل حركة البناء فيه مُقَدَّرة - وهي الفتح - أن أنه مبني على السكون؟
قولان:
بالأول: قال جمهور أهل الكوفة والأخفش.
وبالثاني: قال جمهور أهل البصرة وسيبويه.
ثانيها: في قوله (والأمر مجزومٌ أبدًا):
حَيْثُ يتعلق به شيئان:
أولهما:
اختلاف نسخ المتن في ذلك، فجاء في بعضها: (والأمر ساكن أبدًا)، وهو أصرح في البناء خلافًا لقوله (مجزومٌ أبدًا) فإنه قد يفهم منه أن الأمر معرب ولَيْسَ مبنيًا، لأن كلمة الجزم تستعمل مع المعربات خلافًا للمبنيات فلا تستعمل معها. قاله الأزهري في [التصريح] .
ثانيهما:
في حكم فعل الأمر، حَيْثُ إِن ظاهر عبارة الْمُصَنِّف تفيد أنه على حالة واحدة وهي السكون كما في بعض النسخ.
غير أن الاستعمال العربي جاء على خلاف ذلك فمرة يكون الأمر مبنيًا على حذف حرف العِلَّة أو النون كما في الأمثلة السِّتة إلى غير ذلك؛ ولذا فأحسن مذاهب أهل في ذلك أن يُقَال: الأمر يبنى على ما يجزم عليه مضارعه.
[ ٤٦ ]
مثال ذلك: اضرب المجرم.
فكلمة (اضرب) فعل أمر مبني على السكون، لأن المضارع منه (يضرب) إذا جُزم سُكِّن فيُقَال (لم يضربْ) فكذلك يكون الأمر في حركة البناء.
مثال آخر: (ارم السلاح) .
فكلمة (ارم) فعل أمر مبني على حذف حرف العِلَّة؛ لأن مضارعه (يرمي) إذا جُزِم جُزِم على حذف حرف العِلَّة كما في قولك (لم يرم السلاح) .
فائدة:
ذكر جماعة من النحاة قَيْدين في حكم فعل الأمر المختار:
أما الأول:
فهو أن يكون المضارع غير مبني، أي يكون قابلًا للجزم، ويخرج عن ذلك شيئان:
الأول: إذا كان المضارع متصلًا به نون التوكيد المباشرة.
الثاني: فهو قولهم: يُبنى على ما يجزم عليه مضارعه، ويكون مبدوءًا بالتاء يعنون المضارع عند جزمه؛ لأن الغالب أن التاء أنسب من الياء في كونها صالحة لجميع الكلمات.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله -: (المضارع ما كان جازم)
فيه مقاصد:
أولها: قوله (ما كان في أوله إحدى الزوائد الأربع)
حَيْثُ يتعلق به شيئان:
أحدها:
سبب التسمية، حَيْثُ سُمِّيَت بالزوائد؛ لأنها زائدة على الفعل الماضي. فكلمة (أضرب المجرم) الهمزة في (أضرب) زائدة على الماضي منه؛ إِذْ إِنَّ ماضي (أضرب): ضرب.
والثاني:
هو أنها أربعة أحرف: الهمزة، والنون، والياء، والتاء. ودلَّ على ذلك الاستقراء التام، قاله السيوطي في [الأشباه] .
ثانيها:قوله (يجمعها قولك: أنيت)
حَيْثُ يتعلق به أشياء ثلاثة:
الأول:
أنه من عادة الْمُصَنِّفين تسهيلًا أن يجمعوا المتناثر في كلمة أو جملة، لأنه أدعى لحفظه، وعدم تفلته، ومِنْ ثَمَّ جمع الْمُصَنِّف الأحرف الأربعة الزائدة في المضارع في كلمة (أنيت) .
الثاني:
في معنى كلمة (أنيت) حَيْثُ يُقْصَدُ بها: أدركت. قاله صاحب [القاموس] وغيره.
الثالث:
[ ٤٧ ]
في أن النحويين جمعوا الأحرف الأربعة الزائدة في المضارع في أكثر من كلمة (أنيت، نأتي، يأتن، نأيت: أي ابتعدت) . غير أن الْمُصَنِّف - يرحمه الله - اقتصر على (أنيت) تفاؤلًا بإدراك الطالب بغيته من هذا المتن المبارك. قاله بعض الشراح.
ثالثها: في قوله (وهو مرفوع أبدًا)
حَيْثُ يتعلق به أشياء:
الأول:
أن الأصل في المضارع أنه مرفوعٌ أبدًا سواءٌ أكان رَفْعه بالضمة الظاهرة أو الْمُقَدَّرَة أو بثبوت النون كما في الأمثلة السِّتة وغير ذلك.
الثاني:
أن عِلَّة رَفْع المضارع هو تجرده عن الناصب والجازم.
وبيانه: أن علل الإعراب نوعان:
الأول:
عللٌ لفظية كحرف الجر مع الاسم المجرور وهي الأكثر.
والثاني:
عللٌ معنوية وهي شيئان:
الأولى: الابتداء حَيْثُ إِن الاسم المبدوء به يُسَمَّى مبتدأً، وعِلَّة رَفْعه معنوية تُسَمَّى الابتداء.
الثانية: فهي التجرد عن الناصب والجازم في الفعل المضارع.
قوله: (فالنواصب عشرة)
النواصب واحدها ناصب، وسبق الكلام عنه.
قوله: (عشرة)
لها توجيهان:
التوجيه الأول: أنها عشرة عند الكوفيين.
التوجيه الثاني: أنها عشرة، فمنها ما ينصب بنفسه، ومنها ما ينصب بإضمار (إن) قبله.
والنواصب التي ذكرها الْمُصَنِّف نوعان:
أما النوع الأول: فما ينصب بنفسه.
وأما النوع الثاني: فما ينصب بإضمار (إن) قبله.
أما ما ينصب بنفسه فأربعة أشياء:
الأول: (أن)، ولها شرطان:
أما الشرط الأول:
فهو أن تكون مصدرية لا موصولية ونحو ذلك. ومعنى كونها مصدرية أي أنها مع الفعل التي تدخل عليه بمصدر. كقولك: (أن تقول) أي: (قولك) لأنَّ (تقول): فعل مضارع من: قال يقول قولًا - التصريف الثالث للفعل الذي يُسَمَّى مصدرًا -؛ ولذلك قيل (قولك) .
وأما الشرط الثاني:
ألا تكون مسبوقة بعلم يقيني بل يكون ما قبلها أحد شيئين:
[ ٤٨ ]
الأول: الظن والرجحان كما في قوله - ﷾ - ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾ .
أحسب: أي أظن أن يقولوا: أصلها: يقولون، فهو فعل مضارع منصوب بحذف النون لأنه من الأمثلة الستة.
والثاني: أن يكون خاليًا من الظن واليقين كقوله - ﷾ -: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ .
فالطمع لا علاقة له باليقين ولا بالرجحان؛ ولذلك عملت (أن) في الفعل الداخلة عليه نصْبًا.
والثاني: (لن)
وهي حرف نَصْب ونفي واستقبال، أما كونها حرف نَصْب فظاهر، وأما كونها حرف نفي؛ فلأنها تنفي ما دخلت عليه، وأما كونها حرف استقبال؛ فلأنها تجرد ما بعدها للمستقبل كقولك: (لن أدخل البيت) أي في المستقبل. وهي إذا دخلت على الفعل المضارع نصبته.
والثالث: (إذن) .
وهو حرف نَصْب وجواب وجزاء، أما كونه حرف نَصْب فظاهر، وأما كونه حرف جواب؛ فلأنه يأتي في صدر الجواب، وأما كونه حرف جزاء؛ فلأنه يؤتى به جزاء الشيء.
مثال كونه كذلك:
(إذن أُكْرِمَك يا مُحَمَّدُ) جوابًا وجزاءً لقوله: (سآتيك يا زَيْدُ في بيتك) .
وحتى تكون (إذن) ناصبة فلابد من شروط:
أولها: أن تكون في أول الجواب.
ثانيها: أن تكون للاستقبال كما في المثال السابق، فلو أن شخصًا تلا عليك حديثًا وعرفت صدقه فقلت إقرارًا: (إذن تصدق)، فلا تنصب الفعل المضارع بعدها؛ لأنه يتعلق بالحال.
ثالثها: ألا يفصل بين (إذن) والفعل بفاصل سوى القسم، واخْتُلِفَ في النداء، والجار والمجرور على قولين:
فإذا قلت في المثال السابق: (إذن يا مُحَمَّدُ أُكرمك) فعلى قولٍ ترفع الفعل، لأنه فُصِلَ بين (إذن) والفعل (أكرمك) بالنداء، خلافًا ما إذا قلت: (إذن والله أكرمك) فتنصب (أُكرمك)، لأنه فصل بين (إذن) والفعل بقسم.
والرابع: (كي) .
[ ٤٩ ]
وهي تعمل النصْب إذا كانت بمنْزلة (أن) المصدرية، لكن لابد من وجود (لام كي) معها إما ظاهرًا أو تقديرًا كما في قوله تعالى ﴿لكيلا تأسَوا﴾، فـ (تأسَوا): منصوبة. وكذلك: ﴿كي لا يكونَ دُولَةً﴾، (لا يكون): منصوبة، وتقديرها كما في قولك (كي آخذ الكتاب) أي لكي.
ولكي تنصب (كي) الفعل دون وجود لام كي ظاهرة فلابد من شرطين:
الشرط الأول: أن تكون لام (كي) مَنْوِيَّة.
الشرط الثاني: أن تكون بمنزلة أن المصدرية.
وأما غير هذه النواصب الأربعة فلا تنصب بنفسها وإنما بـ (أن) مضمرة قبلها وهي على نوعين:
النوع الأول:
ما أُضمرت (أن) قبله جوازًا، وهو حرف واحد عَبَّرَ عنه الْمُصَنِّف بقوله: (ولام كي) يعني (لام التعليل) . كقولك: (أتيت المكتبة لآخذ الكتاب) . فآخذ: منصوب. أو (لأكتب كذا وكذا) فهو أَيْضًا لدخول لام كي عليه. والأصل أن يُقَال: منصوب بـ (أن) مضمرة أو مُقَدَّرة جوازًا.
والنوع الثاني:
ما أضمرت (أن) قبله وجوبًا، وهي بقية الأحرف التي ذكرها الْمُصَنِّف. ولها شروط وقيود تأتي في المطولات - إن شاء الله تعالى -.
قوله: (والجوازم ثمانية عشر)
والجوازم واحدها جازم - وسبق تعريفه - وهو يعني هنا جوازم الفعل المضارع.
قوله: (ثمانية عشر)
هذا عددها على سبيل التفصيل، على ما عَدّها الْمُصَنِّف بعدُ.
وجوازم المضارع قسمان:
أما القسم الأول:
فجوازم تجزم فعلًا واحدًا وهي ستة جوازم:
أولاها: لم.
ثانيها: لَمَّا.
ثالثها: ألم.
رابعها: ألَمَّا.
خامسها: (لام) الطلب.
سادسها: (لا) الطلب.
فأما (ألم، ألَمَّا) فهما (لم، لَمَّا) لكن بإضافة همزة التقرير.
و(لم ولّمَّا) يشتركان في أمور:
أولها: خصوصيتهما بالمضارع، فلا يدخلان على غير الفعل المضارع.
ثانيها: كونها للنفي فهي تنفي ما دخلت عليه.
مثال ذلك: (لم يدخل زَيْدٌ المسجد) . حَيْثُ نفي الدخول إلى المسجد من قبل زَيْدٍ.
[ ٥٠ ]
ثالثها: القلب حَيْثُ يقلب المضارع إلى الماضي معنى وزمنًا. ففي مثال: (لم يدخل زَيْدٌ المسجد) تعلق نفي الدخول بزمن ماض مع أن كلمة (يدخل) فعل مضارع فانقلب الزمن إلى ماضٍ بدخول (لم) عليها، وكذلك قل في (لَمَّا) وما إليها.
رابعها: الحرفية، حَيْثُ إِنَّ (لم ولَمَّا وألم وألَمَّا) حروف باتفاق النحاة.
وآخرها: كونها جازمة، أي تجزم الفعل المضارع إذا دخلت عليه.
وأما لام الطلب فنوعان:
الأول: لام الأمر.
ومثالها: (لتأخذْ دين الله بقوة يا زَيْدُ) . فـ (تأخذ): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، حَيْثُ أمرت زيدًا بذلك.
والثاني: لام الدعاء.
كقوله تعالى حكايةً ﴿ليقضِ علينا ربك﴾ . فـ (يقضِ) فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العِلَّة.
وأما (لا) الطلب فنوعان:
الأول: (لا) النهي.
كقوله: ﴿لا تدعُ مع أحدًا﴾ . فـ (تدعُ) فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العِلَّة.
والثاني: (لا) الدعاء.
كقوله حكاية: ﴿لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ . فـ (تؤاخذنا) فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الدعاء.
فائدة:
لام الدعاء، ولا الدعاء هي: (لام) أمر، و(لا) أمر، ولكن فُرِّق بينهما فقيل (لام) أمر، و(لام) دعاء، وقيل (لا) نهي، و(لا) دعاء؛ تأدبًا مع المدعو وهو الله - ﷿ -.
وأما القسم الثاني:
فما يجزم فعلين، الأول: يُسَمَّى بـ (فعل الشرط)، والثاني: يُسَمَّى بـ (جواب وجزاء الشرط)، وتُسَمَّى أدواته بـ (أدوات الشرط)، وهي بقية الأدوات التي ذكرها الْمُصَنِّف بقوله: (وإن الخ) .
وهي على أربعة أنواع:
الأول: ما هو حرف باتفاق وهو (إن) .
مثاله: (إن تقُمْ يا زَيْدُ أقُمْ) فـ (تقم) فعل مضارع مجزوم بـ (إن)؛ لأنه فعل الشرط، جزاؤه وجوابه (أقم)، فكلمة (أقم) فعل مجزوم؛ لأنه جواب وجزاء فعل الشرط في (إن تقم) .
والثاني: ما هو حرفٌ على الراجح وهو (إذما) .
[ ٥١ ]
كقول بعضهم في جملة: (إذما تدخل إلى المسجد أدخل) . فـ (إذما) حرف لا مَحَلّ له من الإعراب. (تدخلْ) فعل الشرط مجزوم. (أدخل) جواب وجزاء فعل الشرط في (إذما تدخل) وهو مجزوم كذلك.
والثالث: ما هو اسم على الصحيح وهو (مهما) .
كما قال امرؤ القيس في معلقته الشهيرة:
أغرَّكِ مني أنَّ حبكِ قاتلي وأنكِ مهما تأمري القلب يفعلِ
(مهما):اسم تعمل الجزم فيما دخلت عليه.
(تأمري): فعل مجزوم بـ (مهما) .
(يفعل): جوابه وجزاؤه مجزوم.
والرابع: ما هو اسم باتفاق، وهو بقية الأدوات. كـ (أيان، ومتى الخ) .