فيه مباحث على ما يلي:
الأول:
[ ١٧ ]
بدأ الْمُصَنِّف - يرحمه الله -بتعريف الكلام؛ لأنه موضوع النحو ومادته والتي يعمل فيها، وبه يقع التفاهم والتخاطب.
ومِنْ ثَمَّ يَبِينْ عناية الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بتقديم ما حقه التقديم على غيره، وهذا هو حقيقة التدرّج المحمود في التعليم.
الثاني:
قوله: (الكلام) أَيْ في اصطلاح النحويين؛ لأن (ال) في (الكلام) إما أن تكون عوضًا عن مضاف إِلَيْهِ، أَوْ للعهد الذهني.
فعلى الأول إما أن يكون المضاف إِلَيْهِ المحذوف ضميرًا أَوْ لا، فإن كان ضميرًا يكون التقدير: كلامنا؛ أَيْ معشر النحاة. وإن كان اسمًا مظهرًا فيكون التقدير: كلام النحويين، والْمُصَنِّف - يرحمه الله - منهم.
وعلى الثاني يكون المقصود: الكلام المعهود في الأذهان، وهو كلام النحويين؛ لأن المتن المبدوء به ذلك في النحو، ومصنفه من النحويين، بل من أئمتهم المشهورين.
الثالث:
قوله (اللفظ) يتعلق به أشياء ثلاثة:
الأول: معناه في اللُّغَة
حَيْثُ إِنه: يدل على طرح الشيء، تقول: لفظتُ الشيء من فمي، إِذا طرحتَه.
الثاني: معناه في الاصطلاح
حَيْثُ إِنه: الصوت المنقطع من الفم، المشتمل على بعض الحروف الهجائية تحقيقًا كـ (زيد) أَوْ تقديرًا كالضمير المستتر.
الثالث: الاحتراز به
حَيْثُ احترز بقَيْد (اللفظ) - في تعريف الكلام اصطلاحًا -: عن كل ما حصل به التفاهم وليس بلفظ، كالكتابة والإشارة ونحوهما. وهي تُسَمَّى عند اللُّغَويين بـ (الدَّوالّ) لأنها تدل على معنى يَفْهَمه المخاطَب بها.
الرابع:
قوله (المركّب) يتعلق به أشياء ثلاثة:
الأول: معناه في اللُّغَة
حَيْثُ إِنه: علوُّ شيءٍ شيئًا، تقول: ركبتُ الدَّابة إِذَا عَلَوْتها. وكلمة (المركب) اسم مفعول من: ركب.
الثاني: معناه في الاصطلاح
[ ١٨ ]
حَيْثُ إِنه: ضمُّ كلمةٍ إِلى أخرى فأكثر. سواء أكان الضم ظاهرًا كـ (قام زيد)، أم كان مُقَدَّرًا كـ (قم)، إِذْ التقدير: قُمْ أنت.
وليُعْلم أن التركيب يأتي على أنواع:
ومنه: المركب الإسنادي؛ وهو المكوّن من مسنَدٍ ومسند إِلَيْهِ، كـ (زَيْدٌ قَائِمٌ، وقام زَيْدٌ) حَيْثُ إِن زيدًا مسند إِلَيْهِ، والقيام مسند.
ومنه: التركيب المزجي كـ (بَعْلَبَك) .
والتركيب الإضافي، كـ (غلام زيد) .
والتركيب العددي، كـ (أربعة عشر) .
الثالث: الاحتراز به
قَيْد (التركيب) احترز به: عن المفرد، كـ (زيد) فقط، أَوْ (عمرو) فقط - أعني: لم يُضَمّ إليها شيء آخر -.
الخامس:
قوله (المفيد) يتعلق به أشياء ثلاثة:
الأول: معناه في اللُّغَة
حَيْثُ إِنه: ما ترتب عليه فائدة، ولها معانٍ منها: ما استفيد من علم أَوْ مال. وكلمة (المفيد) اسم فاعل من: فَيَدَ.
الثاني:
معناه في الاصطلاح؛ حَيْثُ إِنه: كل ما أفهم معنى يَحْسُنُ السكوت عليه كـ (قام زَيْدٌ) خلافًا لـ (إن قام زَيْدٌ) فلا يًحْسُنُ السكوت عليها.
ثم هل المراد سكوت الْمُتَكَلِّم عن التكَلُّم، أَوْ السامع عن طلب الازدياد، أَوْ هما؟ أقوال؛ أرجحها: الأول؛ لأن السكوت خلاف التكَلُّم، والثاني صفة الْمُتَكَلِّم اتفاقًا، فكذلك السكوت.
صفته:
وهل يشترط إفادة المخاطب شيئًا يجهله؟ قولان:
أحدهما: اشتراط ذلك، وبه جزم ابن مالك وآخرون.
والثاني: عدم اشتراطه، وصححه أبو حيان والصبان وآخرون.
وليُعْلم أن محل الخلاف السابق: إِذَا ابتدئ به؛ لا إِذَا كان في درج الكلام وثناياه.
ومثال البدء:
قولك لعاقل: النار حارة تحرق. خلافًا ما إِذَا كانت الجملة نفسها في درج حديث مفيد أوله.
الثالث: الاحتراز به
قَيْد (المفيد) احترز به: عن كل لفظ مركب لا يفيد الفائدة الموصوفة آنفًا.
السادس:
قوله: (بالوضع) يتعلق به أشياء ثلاثة:
[ ١٩ ]
الأول: معناه في اللُّغَة
حَيْثُ إِنه: يدل على خفض الشيء وحطه، تقول: وضعت الكتاب على الأرض؛ إِذَا حططته. وكلمة: (بالوضع) جار ومجرور متعلق بـ (المفيد)، والباء في كلمة: (بالوضع) تحتمل معان، ومنها: المصاحبة، أي: الكلام هو اللفظ المركب المفيد إفادة مصحوبة بالوضع.
الثاني: معناه في الاصطلاح
هو: جعل اللفظ دليلًا على معنى، وفق الاستعمال العربي. وهذا الوضع العربي يشمل اللفظ على جهة الانفراد والنظم. فأما الانفراد فتكون الكلمة المراد بها معنى ما قد استعملها العرب للمعنى نفسه. كـ (زيد)؛ فإنه لفظ عربي جعلته العرب دالًا على معنى، وهو ذات وضع عليها لفظ: (زيد) .
وكذلك يُقَال في نظم الكلام وضم بعضه إِلى بعض؛ إِذْ لابد من صحة تركيبه وعَوْد ضمائره وما إِلى ذلك.
ثم هل الوضع يُرَاد به - أَيْضًا - القصد؛ أَيْ: أن يكون الكلام مقصودًا؟ قولان.
أحدهما: إثبات ذلك، وبه قطع ابن مالك وخلائق، وعليه جمهور شرَّاح المتن.
الثاني: نَفْيُ ذلك، ورجَّحه أبو حَيَّان.
ومِنْ ثَمَّ يكون لكلمة: (بالوضع) معنى يتضمّن شيئين:
الأول: الوضع العربي.
والثاني: القصد، على الصحيح.
الثالث: الاحتراز به
قَيْد (الوضع) - بمعنييه السابقين - احترز بالأول منهما: عن الكلام الموضوع وضعًا غير عربي، كالكلام الأعجمي. واحترز بالثاني: عن كلام غير القاصد - ولو كان موضوعًا وضعًا عربيًا -، كالمجنون.
السابع:
في كون حَدّ الكلام اصطلاحًا يشتمل على قيود أربعة وهي: اللفظ، والتركيب، والإفادة، والوضع.
وهذا الْحَدّ بقيوده الأربعة ذكره جماعة قَبْل ابن آجروم - يرحمه الله -، ومنهم: الإمام الْجُزُولي - نسبة إِلى جُزُولة، بطن من بطون البربر بالمغرب -، قاله الأزهري.
الثامن:
اعترض على حدّ الْمُصَنِّف للكلام باعتراضين:
أحدهما:
[ ٢٠ ]
أن قَيْد: (التركيب) و(الوضع): يغني عنهما قَيْد: الإفادة؛ لأن المفيد الفائدة التي يحسن السكوت عليها؛ يستلزم أن يكون مركبًا وموضوعًا.
ولكن أجيب عن ذلك بجوابين:
الأول: أن دلالة اللزوم مهجورة في التعاريف عند أولى النظر؛ ولذا أَثْبت الْمُصَنِّف - يرحمه الله - قَيْد: التركيب والإفادة. ثم إن المقصود من التعريف شرح الْمُعَرَّفِ بيان أجزائه وقيوده، فلا يكفي دلالة اللزوم.
الثاني: أن تعريف الشيء بذكر قيوده وأجزائه بعيدًا عن دلالة اللزوم؛ هو المناسب للمبتدئين؛ إِذْ إِنَّهم غالبًا لا يَعْقلون دلائل اللزوم، والمقدمة الآجرومية إنما كان للمبتدئين؛ فحصل التناسب.
الثاني:
أن هناك قَيْدًا لابد منه في التعريف، وهو: اتحاد الناطق، فلو اصطلح رجلان على أن يَذْكر أحدهما فعلًا، والآخر فاعلًا؛ لم يُسَمَّ ذلك كلامًا. ومِنْ ثَمَّ تعيَّن إضافة قَيْد: (اتحاد الناطق) في التعريف.
ورُدَّ هذا الاعتراض بأن قَيْد: اتحاد الناطق مُخْتلَف فيه، بل صحَّحَ الأئمة كابن مالك وأبي حيان عدم كونه قَيْدًا، إلحاقًا بحقيقة: (الْخَطّ)؛ إِذْ يُسَمَّى الخط خطًا ولو اختلف الكاتب، فكذلك الكلام.
تمرين على ما شرح
أ) لو تمثَّل عاقل فقال:
يَكُنْ عنِ الزَّيفِ والتصْحِيفِ في حَرَمِ
فَعِلْمُهُ عنْدَ أهْلَ العِلْمِ كالعَدَمِ.
مَنْ يأخُذِ العلْمَ عن شيخٍ مُشافهةً
ومَنْ يكُنْ آخذًا لِلْعِلْمِ مِنْ صُحُفٍ.
لَعُدَّ كلامه عند النحاة كلامًا؛ لانطباق تعريف الكلام عندهم عليه، فقوله: (من يأخذ ) لفظ. لأنه صوت مشتمل على حروف هجائية، أولها: الميم ثم النون وهلم جرًا. وهو كلام مُركَّب من كلمات بل من جمل. وهو كذلك مفيد؛ حَيْثُ حسن سكوت الْمُتَكَلِّم عليه؛ ولم يكن السامع يدري من مبانيه ومعانيه - أعني: الأبيات المتمثل بها -. وهو موضوع وضعًا عربيًا ومقصود، لكونه من عاقل.
[ ٢١ ]
ب) لو قال قائل من العقلاء:
(قرأت كتاب: [الكتاب] لأبي بشر؛ فوجدته موسوعة عربية كبرى) . لما عَدَّه النحاة كلامًا؛ لأن كلمة: (موسوعة) غير عربية، فتأخر في هذا المثال قَيْد: الوضع.
لطيفة:
لفظ (موسوعة) اصطلاح قريب العهد في أول القرن الثالث عشر. وهو تصحيف. قصته: أن إحدى مكتبات القسطنطينية كانت تدون فهرسًا لمحتوياتها، فأملى أحد موظفيها اسم كتاب ‘‘لطاش كبرى زاده’’، عنوانه: موضوعات العلوم، أملاه بلسان الأعاجم، فسمعه الكاتب: موسوعات العلوم.
فوقف الأستاذ إبراهيم اليازجي على: موسوعات العلوم، فظَنَّ أن كلمة (موسوعات) تؤدي معنى (دائرة معارف) فأعلن ذلك في مجلته الْمُسَمَّاة بـ (الضياء) فسار به القراء.
ويستعاض عن كلمة (موسوعة) بالجمهرة أَوْ الْمَعْلَمَة، والأول عليه كثير من أئمة اللُّغَة.
قال الْمُصَنِّف - ﵀ - (وأقسامه ثلاثة: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى)
فيه مباحث على ما يلي:
الأول:
قوله (وأقسامه) يتعلق بها أشياء:
الأول:
في كون (الواو) في (وأقسامه) استئنافية، وقولنا: (استئنافية) مأخوذ من: الاستئناف وهو: الابتداء، تقول: استأنفت الأمر؛ إِذَا ابتدأته.
الثاني:
في كون ضمير (الهاء) المتصل؛ عائدًا على الكلام. وهو في مَحَلّ خَفْضٍ على الإضافة.
الثالث:
في معنى (الأقسام) لغة؛ حَيْثُ إِنها جَمْع قسْم، والقَسْم - بفتح القاف - مصدر قَسَمْت الشيء قَسْمًا؛ إِذَا جزَّأته. والقِسْم - بكسر القاف - النصيب.
الرابع:
في معنى (الأقسام) في عبارة الْمُصَنِّف - يرحمه الله -، حَيْثُ عَنى أجزاء الكلام من جهة تركيبه لا حقيقته؛ لأنه سبق أن الكلام عند النحاة حقيقته مُركَّبةٌ من اللفظ المركب، والمفيد بالوضع. فهذه القيود الأربعة هي أجزاء الكلام من جهة حقيقته. وأما من جهة التركيب فثلاثة: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى.
الثاني:
قوله: (ثلاثة) يتعلق به شيئان:
[ ٢٢ ]
أحدهما:
أن تقسيم الكلام من جهة تركيبه إِلى أقسام ثلاثة، أمر مُجْمع عليه عن اللُّغَويين والنحاة؛ قاله الأزهري.
والثاني:
في دليل القِسْمة. حَيْثُ إِن دليل ذلك أمران:
أحدهما: الاستقراء التام؛ حَيْثُ استقرأ أئمة اللُّغَة كأبي عمرو المازني والخليل وسيبويه - الكلام، فوجدوه لا يخرج عن كونه: اسمًا، وفعلًا، وحرفًا جاء لمعنى. والاستقراء التام حجَّة باتفاق.
والثاني: الدليل العقلي؛ إِذْ العقل لا يقبل غير تلك القِسْمة.
وبيانه:
أن الكلمة لا تخلو: إما أن تدل على معنى في نفسها أَوْ لا، فالثاني: الحرف. والأول: إما أن يقترن بأحد الأزمنة الثلاثة أَوْ لا، فالثاني: الاسم. والأول: الفعل.
الثالث:
قوله: (اسم)، يتعلَّق به أشياء أربعة:
الأول:
في تقديم الْمُصَنِّف - يرحمه الله - الاسمَ على الفعل والحرف؛ إِذْ هناك ما يُوجِب تقديمه، ومن ذلك: كون الاسم يأتي مسندًا ومسندًا إِلَيْهِ، خلافًا للفعل فلا يكون إلا مسندًا، وأما الحرف فلا يكون مسندًا ولا مسندًا إِلَيْهِ.
ومثال ذلك:
(زَيْدٌ قَائِمٌ)؛ وفيه أُسْنِدَ القيام لزيد، فكان (زيد) مسندًا إِلَيْهِ القيام، وكانت كلمة: (قائم) مسندًا؛ حَيْثُ أُسْنِدت لـ (زيد)، وكلمة: (قائمٌ) اسم، بدلالة التنوين فيها، والتنوين - كما سيأتي إن شاء الله - من خواص الاسم وعلاماته.
فبان بالمثال السابق أن الاسم يأتي مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إِلَيْهِ.
الثاني: في معناه لغة
إِذْ هو: ما دَلَّ على مُسَمّى، واخْتُلِفَ في اشتقاقه هو مِن (السُّمُوّ) وهو: العلو، أم من (الوَسْم) وهو: العلامة؟؟ قولان: والصحيح: الأول، وعليه الأكثر. ولا شك أن الاسم يعلو الْمُسَمَّى، ويعلو الفعل والحرف على ما سبق (أَيْ: من كونه مسندًا ومسندًا إِلَيْهِ) .
الثالث: في معناه اصطلاحًا
حَيْثُ يُعَرَّف بأنه: ما دَلَّ على معنى في نفسه ولم يقترن بزمان.
[ ٢٣ ]
و(في) في التعريف للسَّبَبِيَّة، أَيْ: دَلَّتْ عَلَى معنى بسبب نفسه لا بغيره.
والمراد بالزمان في: (ولم يقترن بزمان) المعَبَّر عنه بـ (الماضي، والحال، والاستقبال) .
الرابع: في أقسام الاسم
حَيْثُ يقسم إِلى أقسام ثلاثة:
الأول: الاسم المظهر، كـ (زيد)، و(عمرو) ونحوهما. ويضبط بأنه ما دَلَّ على مُسَمَّاهُ بلا قَيْد (أَيْ: من القيود الآتي ذكرها) .
الثاني: الاسم المضمر، كـ (أنا، وأنت، وهو) ويضبط بأنه: ما دَلَّ على مُسَمَّاهُ بقَيْد (التكَلُّم، أَوْ الخطاب، أَوْ الغيبة) .
وقَيْد التكَلُّم مثاله: أنا، فهو يدل على الْمُتَكَلِّم.
وقَيْد الخطاب مثاله: أنت، فهو يدل على مُخاطَب.
وقَيْد الغَيْبة مثاله: هو، فهو يدل على غائب.
وجميع هذه الأسماء بقيودها ضمائر؛ ولذا سُمِّيَت بـ (الأسماء الْمُضْمَرة) .
الثالث: الاسم الْمُبْهَم؛ كـ (هذا والذي)، ويُضبط بأنه ما دَلَّ على مُسَمَّاهُ بقَيْد: (الإشارة أَوْ الصِّلة) .
وقَيْد الإشارة مثاله: هذا، فهو اسم إشارة.
وقَيْد الصلة مثاله: الذي، فهو اسم موصول.
واسم الإشارة والصِّلة كلاهما يدل علي مُبْهَم. ولذا سُمِّيَا بـ (الأسماء الْمُبْهَمة) .
وذهب جماعة من النحاة إِلى أن الاسم الْمُبْهَم من المضمر، ومِنْ ثَمَّ جعلوا الاسم قسمين: مُظْهر، ومُضْمر.
الرابع:
قوله: (وفعل) يتعلق به أشياء أربعة:
الأول:
ثنى الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بالفعل، لكونه يتوسط الاسم والحرف مرتبة، وسبق تقرير ذلك. و(الواو) في: (والفعل) عاطفة.
الثاني: في معناه لغة
حَيْثُ إِنه يدل على إحداث شيء من عملٍ وغيره، تقول: فعلتُ كذا؛ إِذَا أحدثتَهُ.
الثالث: في معناه اصطلاحًا
حَيْثُ إِنه: ما دَلَّ على معنى في نفسه واقترن بزمان. و(في) في قولنا (معنى في نفسه)؛ للسَّبَبِيَّة، أَيْ دَلَّتْ عَلَى معنى بسبب نفسه، لا بانضمام غيره إِلَيْهِ.
[ ٢٤ ]
الرابع: في أقسامه
حَيْثُ يقسَّم إِلى: فعل ماض، وفعل مضارع، وفعل أمر. وسيأتي الكلام عنها - إن شاء الله -؛ حَيْثُ عقد الْمُصَنِّف - يرحمه الله -لها فصلًا.
الخامس:
قوله: (وحرف جاء لمعنى) يتعلق به أشياء:
الأول:
أَخَّرَ الْمُصَنِّف - يرحمه الله -ذِكْر الحرف، لكون مرتبته متأخرة عن الاسم والفعل، وسبق تقرير ذلك. و(الواو) في (وحرف) عاطفة.
الثاني:في معناه لغة
حَيْثُ يدل على طرف الشيء وجانبه، تقول: سرت على حرف الوادي، أَيْ: على طرف الوادي وجانبه. وللحرف معانٍ أُخَر.
الثالث: في معناه اصطلاحًا
حَيْثُ إِنه: ما دَلَّ على معنى مع غيره ولم يقترن بزمان. وقولنا: (مع غيره) يدل على أن الحرف لا يدل على معنى في نفسه كالاسم والفعل، بل يأخذ معنى عند انضمامه إِلى اسم أَوْ فعل.
الرابع:
في معنى قوله: (جاء لمعنى)؛ حَيْثُ إِنه قَيْد للحرف الذي هو ثالث أقسام الكلام من جهة التركيب، إِذْ إِنَّ الحروف نوعان.
أحدهما: حروف مباني؛ وهي التي تَنْبَنِي منها الكلمة كحرف: الزاي والياء والدال، التي تَنْبَنِي منها كلمة: زيد، ويُسَمِّيها بعضهم بحروف التَّهَجِّي.
الثاني: حروف معاني؛ وهي التي لها معنى مع غيرها كـ (حروف الجر، والجزم، وهل، وبل) وهي التي عناها الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بقوله: (وحرف جاء لمعنى)، و(جاء) فعل ماض، و(لمعنى) اللام حرف جر، و(معنى) اسم مجرور.
الخامس: في أقسامه مع الاسم والفعل
حَيْثُ يُقَسَّم إِلى أقسام ثلاثة:
الأول: ما يَدْخل على الأسماء والأفعال، كـ (هل) .
الثاني: ما لا يَدْخل إلا على الأسماء، كـ (حروف الجر) .
الثالث: ما لا يَدْخل إلا على الأفعال، كـ (حروف الجزم) .
تمرين على ما شرح
قال الإمام ابن قتيبة - ﵀ - في مُقدِّمة [أدب الكاتب]:
[ ٢٥ ]
‘‘ ونحنُ نستحِبُّ لمن قَبِلَ عنا، وائْتَمَّ بِكُتُبِنا: أنْ يُؤَدِّبَ نفْسَهُ قَبْلَ أنْ يؤَدِّبَ لسَانَه، ويُهذِّبَ أخْلاقَهُ قبْلَ أنْ يُهَذِّبَ ألْفاظَهُ، ويَصُون مروءته عن دَنَاءة الغيبة، وصناعته عن شَيْن الكذب، ويُجَانب - قبل مجانبته اللَّحْن، وخَطَل القول - شنيع الكلام، ورَفَثَ المزح ’’.
ففي هذه الْجُمَل أسماء وأفعال وحروف.
فمن الأسماء (نحن، كتب، نفس، لسان) .
يقول الْمُصَنِّف - ﵀ -: (والاسم يُعرف الخ)
هذا شروع من الْمُصَنِّف - ﵀ - في بيان علامات أقسام الكلام؛ للتمييز بين كل قسم وأخيه.
وقد ذهب بعض الشراح إلى أن الأَوْلى للمصنف - ﵀ - أن يذكر حقيقة كل قسم وتعريفه قبل أن يذكر علاماته.
وأجيب: بأن ذكر العلامات أسهل على المبتدئ في التمييز بين أنواع الكلام وأقسامه، خلافًا لتعريف كل قسم وذكر حقيقته فقد ينبهم على المبتدئ.
وقد ابتدأ الْمُصَنِّف - ﵀ - بذكر علامات الاسم لمعنى سبق - وهو تقدم الاسم على الفعل والحرف لكونه مسندًا ومسندًا إليه -.
قوله: (فالاسم)
يعني الذي هو أحد أقسام الكلام؛ إِذْ إِنَّ القاعدة اللُّغَوية البلاغية تقول: إن الكلمة إذا كانت معرفة أو نكرةً ثُمَّ أُعيدت معرفة فهي ذات الأولى.
يقول السيوطي في [عقود الْجُمَان]:
إِذَا أتَتْ نكرةٌ مُكرَّرةْ
توافَقا كذا الْمُعَرَّفانِ.
ثُمَّ مِنَ القواعد المشْتهرةْ
تَغايَرتْ وإنْ يُعَرَّف ثانِ.
وقد ذكر الْمُصَنِّف - ﵀ - بعضًا من علامات الاسم.
أولها: (قوله بالخفض)
هو لغة:
السُّفْل، تقول: (نزلت في مكان منخفض) أي في سُفْل ونزول.
أما في الاصطلاح:
فهو تأثر الاسم بكونه مجرورًا إما بحرف جر أو بالإضافة أو التبعية.
[ ٢٦ ]
كل ذلك مجتمع في البسملة (ببسم) حَيْثُ إِن (بسم الله) كلمة (اسم): مخفوضة بدخول حرف الجر عليها وهو الباء، وكلمة لفظ الجلالة (الله): مخفوضة على الإضافة؛ إِذْ إِنَّ (اسم) مضاف ولفظ الجلالة (الله) مضاف إليه. وكلمتي (الرحمن الرحيم): مخفوضتان على التبعية، لأنهما يتبعان حكم ما قبلهما على خلاف بين اللُّغَويين.
فمنهم من يقول هما يدلان على لفظ الجلالة (الله) وهو الأصح، وهو اختيار السُّهيلي - ﵀ -.
ومنهم من يقول: هما وصفان للفظ الجلالة (الله)، وذهب إليه الأكثر، وهو اختيار الزمخشري.
وليُعْلم أن المراد من هذه العلامة - وهي الخفض - لَيْسَ مجرد تقدُّم حرف الجر على الكلمة؛ إِذْ إِنَّ حرف الجر قد يدخل على بعض الكلمات غير الاسمية. كقولك ‘‘ مِن أن ’’ في جملة ‘‘ مِن أن أعرف صاحبًا وفيًا ’’؛ إِذْ إِنَّ ‘‘ مِن ’’ هنا دخلت على غير اسم، وإنما المقصود هو تأثر الكلمة بالخفض والجر.
فائدة
وليُعْلم أن لغة أهل الكوفة أنهم يعبِّرون عن ذلك بالخفض، خلافًا لأهل البصرة فهم يعبِّرون عن ذلك بالجر.
وقد ذكر الْمُصَنِّف - ﵀ - أحرف الخفض والجر، وذكر منها حروف القَسَم أَيْضًا، وهي داخلة في هذه العلامة التي هي الخفض؛ لأن حروف الجر أحد العوامل الثلاثة التي يتم بها الخفض على ما سبق.
وثانيها: هو ما عَبَّرَ عنه الْمُصَنِّف - ﵀ - بـ (التنوين)
وهو لغة: التصويت، تقول: نَوَّنَ الطائر. إذا أحدث صوتًا.
وأما في الاصطلاح:
نون ساكنة زائدة تلحق آخر الأسماء لفظًا لا خطًا، يُستعاض عنها في الكتابة بضمتين أو فتحتين أو كسرتين. ككلمة (مُحَمَّد) في جملة: (جاء مُحَمَّدٌ، رأيت مُحَمَّدًا، مررت بمُحَمَّدٍ) فقد لحقها التنوين في محالها الثلاث.
وليُعْلم أن التنوين أنواع:
الأول: هو ما يُسَمَّى بتنوين التنكير:
[ ٢٧ ]
وهو الذي يلحق آخر بعض الأسماء المبنية كـ (سيبويه)، فإنه إذا لحقها وجب تنكيرها وعدم خصوصيتها لشخص مُعَيَّنٍ.
فكلمة (سيبويه) تطلق على رجل نحوي معروف عند اللُّغَويين وغيرهم، أما إذا قلت (سيبويهٍ) بالتنوين في آخره، فإنه لا يُقْصَدُ به ذاك الرجل بل كل من كان عارفًا بالنحو، ولذا سُمِّيَ بـ (تنوين التنكير) .
والثاني: تنوين العوض:
وهو إما أن يكون عوضًا عن جملةٍ، أو كلمةٍ، أو حرفٍ.
كـ (قاضٍ) هو عوض عن حرف الياء، إذ أصلها (قاضي) فحذفت الياء، واستُعِيض عنها بالتنوين لذا سُمِّيَت بـ (تنوين عوض) .
والثالث: تنوين المقابلة:
وهو الذي يلحق آخر الجمع المزيد بألف وتاء، الْمُسَمَّى عند بعض النحويين بـ (جمع المؤنث السالم)، إِذْ إِنَّه في مقابل النون المثبتة في جمع المذكر السالم.
ومثاله:
(مؤمناتٍ) فالتنوين الذي لحقها في مقابلة النون المثبتة في كلمة (مؤمنين) .
وثالثها: هو ما عَبَّرَ عنه الْمُصَنِّف - ﵀ - بقوله: (ودخول الألف واللام)
وهو يعني (ال) المعرِّفة، كقولك (الكتاب) فكلمة (كتاب) اسم لدخول (ال) عليها.
وليُعْلم أن قول الْمُصَنِّف (دخول الألف واللام) منتقدة؛ لأن القاعدة في ذلك: هي أن الكلمة إذا كانت مُكَوَّنَة من حرف واحد نُطق باسمها لا مُسَمَّاها، كحرف العين والصاد وغيرهما؛ فأصله حرف واحد، ولكن نُطق باسمه فقيل (عين وصاد)، خلافًا للكلمة المُكَوَّنَة من أكثر من حرف، فإنه يُنطق بمُسَمَّاها لا باسمها، كنحو: (ال) فهي مُكَوَّنَة من حرفين، فلا يُقَال (الألف واللام) .
وقد أثبت هذه القاعدة غير واحد من أئمة اللُّغَة، ومنهم ابن هشام - ﵀ - في كتابه [مغني اللبيب]، ولكن قد يُعتذر للمصنف - ﵀ - بأن الْمُعرِّف لكلمة (ال) مختلف فيه.
فجمهور اللُّغَويين على أن الْمُعرِّف هي اللام، والهمزة زائدة.
وذهب المبرِّد إلى أن الهمزة هي الْمُعَرِّف فحسب.
[ ٢٨ ]
وذهب الخليل وسيبويه إلى أن الْمُعَرِّف الهمزة واللام، غير أن الأول جعل الهمزة همزة قطع خُفِّفَتْ. والثاني جعلها همزة وصل؛ ومِنْ ثَمَّ تحاشى الْمُصَنِّف - ﵀ - أن يقول (ال) للخلاف المذكور.
واستحسن بعض اللُّغَويين أن يُعبِّر عن ذلك بـ (أداة التعريف) ليشمل الخلاف، وبعض اللهجات العربية كلهجة حمير؛ إِذْ إِنَّ أداة التعريف عندهم (أم) حَيْثُ يجعلون الميم عندهم مَحَلّ اللام.
تنبيه
ما كل (ال) مُعَرِّفة؛ إِذْ إِنَّ (ال) الموصولية التي بمعنى (الذي) لَيْسَتْ علامة على الاسم، كنحو قول الفرزدق: (ما أنتَ بالْحَكَمِ التُرضَى حُكُومَتُهُ)
أي: التي ترضى، وتُرضى فعل.
ومن العلامات التي أغفلها الْمُصَنِّف وهي أهمها (الإسناد إليه)
أي تُسند للاسم فعلًا أو اسمًا، كقولك: (جاء مُحَمَّدٌ، مُحَمَّدٌ قائمٌ) . ففي المثال الأول: أسند المجيء إلى مُحَمَّدٍ، وفي المثال الثاني: أسند القيام إلى مُحَمَّدٍ. فدل على اسميته (محمد)؛ ولذلك قطع اللُّغَويون باسمية تاء الفاعل، في نحو قولك (قلت) لأنه أُسند إليها معنى وهو القول هنا.
قال الْمُصَنِّف - ﵀ -: (والفعل يُعرف الخ)
ذكر - ﵀ - علاماتٍ للفعل يعرف بها:
أولها: قوله: (قد)
وهو يعني الحرفية، وهي تدخل على الفعل الماضي، وعلى الفعل المضارع.
فمع الماضي تفيد أحد معنيين:
الأول: التحقيق، كقوله تعالى ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ أي تحقق فلاحهم.
والثاني: التقريب، كقول المؤذن: (قد قامت الصلاة) أي اقترب قيامها.
وإذا دخلت على المضارع تفيد أحد المعنيين:
الأول: التكثير، نحو قولك (قد ينجح المجتهد) أي يكثر نجاحه.
والثاني: التقليل: نحو قولك (قد ينجح الكسول) أي يقل نجاحه.
وقد انتُقد على الْمُصَنِّف - ﵀ - جعله (قد) من علامات الفعل؛ لأن (قد) عند اللُّغَويين نوعان:
الأول: (قد) الحرفية وسبقت.
[ ٢٩ ]
الثاني: (قد) الاسمية وهي بمعنى (حَسْب) ويمثل لها بـ (قد زيد درهم) أي: حسب زيد درهم. فهي تدخل على الأسماء ولَيْسَتْ علامة على الأفعال.
وثانيها: قوله (السين وسوف)
وهي تدخل على الفعل المضارع فحسب، ويسميان بـ (حرفي تنفيس) أي توسيع، ولذلك أنهما إذا دخلا على المضارع وسعا نفسه من الحاضر إلى المستقبل.
فقولك (يأكل الغلام رغيفًا) أي في الوقت الحاضر الذي هو زمن التكَلُّم، فإذا أُدخِل على هذه الجملة (السين أو سوف) مَحَّضا زمن المضارع للاستقبال. فقولك (سوف يأكل الغلام رغيفًا)، أو (سيأكل الغلام رغيفًا) أي: في المستقبل.
فائدة:
ذهب جمهور اللُّغَويين من أهل البصرة وغيرهم إلى أن (سوف) أوسع تنفيسًا من السين، وحجتهم في ذلك أن زيادة المبنى تورث زيادة المعنى، فمبنى كلمة (سوف) أكثر حروفًا من مبنى كلمة (حرف السين) - يعني حرف (س) -.
وخُولِفُوا في ذلك إِذْ إِنَّ هذه القاعدة غير مطَّردة؛ قاله ابن هشام - ﵀ - في [المغني] .
وثالثها: قوله: (تاء التأنيث الساكنة)
وهي التي تأتي في نحو قوله تعالى: ﴿قالتِ اخرج عليهن﴾، وهي قد تتحرك لالتقاء الساكنين: إما إلى الكسر، كالآية السابقة ﴿قالتِ اخرج عليهن﴾ أو إلى فتح، كقوله - ﷿ - ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ . أو إلى ضم، كقراءة ﴿قالتُ اخرج عليهن﴾ .
[ ٣٠ ]
وهذه العلامة خاصة بالفعل الماضي، ومِنْ ثَمَّ يتبين أن الْمُصَنِّف - ﵀ - ذكر علامة تختص بالفعل المضارع وهي - (السين وسوف) - وأخرى تختص بالفعل الماضي - وهي (تاء التأنيث الساكنة) -، وثالثة تدخل على النوعين المضارع والماضي - وهي (قد الحرفية) - وأهمل - ﵀ - الفعل الأمر فلم يذكر له علامة، لأنه ذو مذهب كوفي، والأفعال عندهم مضارع وماضي فحسب، ويجعلون الأمر فرعًا من المضارع، ولذلك يُبنى على ما يُجزم به مضارعه. ويأتي طرفٌ للكلام عن هذه المسألة - إن شاء الله -.
ومن علامات فعل الأمر قبوله (ياء المخاطبة) نحو قولك: (قومي) .
قال الْمُصَنِّف - ﵀ -: (والحرف الخ) .
أي: أن علامة الحرف علامة عدمية، فإذا انعدمت علامات الاسم وعلامات الفعل فهو حرف، وقد درج اللُّغَويون على ذلك - أي وضع علامة عدمية للحرف -.
قوله: (لا دليل الاسم ولا دليل الفعل)
الدليل: هو العلامة. أي لا علامة الاسم ولا علامة الفعل.
باب الإعراب
يقول الْمُصَنِّف - ﵀ -: (باب الإعراب)
الإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظًا أو تقديرًا. قوله (باب الإعراب) أي هذا باب الإعراب، وإنما قدرت كلمة (هذا) في صدر الجملة لمعنيين ذكرهما غير واحد من أئمة اللُّغَة:
الأول:
أن الأئمة في اللُّغَة وغيرها كانوا إذا صرحوا بالْمُقَدَّر في نحو هذه الجملة ذكروا كلمة (هذا) .
الثاني:
أن تقدير كلمة (هذا) أصلح من غيرها ففيها معنى الْمُشار والْمُشار إليه.
واعتُرض بأنه يجب ألا يُشار إلا بِمُشارٍ موجود عند الإشارة.
وأُجيب بأجوبة منها:
الأول:
أن الْمُشار إليه موجود في الذهن عند الإشارة.
الثاني:
[ ٣١ ]
أنه يسوغ الإشارة إلى غير الْمُشار إذا كان قريب الوقوع كنحو قوله تعالى ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ وهو لم يأت حقيقة وإنما قرب مجيئه بدلالة قوله ﴿فلا تستعجلوه﴾ قاله غير واحد من أهل التفسير والتأويل.
قوله: (باب)
هو في اللُّغَة:
المدخل إلى الشيء. وأصل استعماله في الحسيات كباب الدار ونحوها إلا أنه هنا مقيس على المحسوس؛ بجامع كونه مدخلًا إلى شيء.
وفي الاصطلاح:
هو اسم لجملة من العلوم فيُقَال (باب الإعراب، وباب المبتدأ والخبر، وباب المفعول به) وهلمَّ جرًا من العلوم المذكورة لقبها.
قوله: (الإعراب): فيه مقاصد:
أولها: أنه في اللُّغَة:
له معان عدة أوصلها السيوطي - ﵀ - في (همع الهوامع) إلى عشرة معان غير أن المناسب منها هنا: التغيير. كنحو قولك (أعرب الله معدة البعير) إذا غيَّرها قاله سيبويه وغيره.
ثانيها: أنه في الاصطلاح هو:
تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظًا أو تقديرًا كما قاله الْمُصَنِّف - ﵀ -.
وهذا هو الذي عليه جماعات من اللُّغَويين وهو ما يُسَمَّى الإعراب المعنوي وهو يتعلق بأواخر الكلم لا بأوائلها ولا أواسطها؛ لأن من أقسام الإعراب: الجزم وحقيقته السكون، والعرب لا تبدأ بساكن البتة، وكذلك لو قيل بان محله الوسط - أي وسط الكلمة - لكان السكون مضاعفًا وكذلك الحركة؛ لأن الوسط لا يخلو منهما فيكون الوسط حينئذ مشتغل بسكون وسكون أو بحركة وحركة وهذا منتفي عند أرباب اللُّغَة وأئمتها.
ثالثها: قوله (لاختلاف العوامل الداخلة عليه)
اللام في قوله (لاختلاف) تعليلية وقيل سببية أي أن سبب وعِلَّة تغيير أواخر الكلم هو اختلاف العوامل الداخلة عليها.
[ ٣٢ ]
والعوامل جمع عامل، وهو فاعل الحركة ومسببها أي فاعل التسكين ومسببه كـ (إن مُحَمَّدًا مجتهدٌ)، فإن المبتدأ وهو مُحَمَّدٌ قد نُصِب هنا بحرف (إن الناصبة) . وكقولك: (ضرب زَيْدٌ عَمْرًا) فإن الفاعل عمل في المفعول به النصْب وهكذا في أواخر الكلم تختلف باختلاف العوامل الداخلة عليها. فكلمة (محمد) قد تكون مرفوعة أو منصوبة أو مخفوضة لاختلاف العوامل في نحو قولك: (جاء محمدٌ، رأيت مُحَمَّدًا، مررت بمُحَمَّدٍ) .
رابعها: قوله: (لفظًا أو تقديرًا)
لفظًا:
أي أنه ملفوظ باللسان أي تلك الحركة بحيث تُسمع نحو قولك (جاء مُحَمَّدٌ) ونحوه فإن إعرابه ملفوظ غير مُقَدَّر.
وأما الْمُقَدَّر:
وأما الْمُقَدَّر فهو عدم ظهور الحركة في اللسان بحيث تكون مسموعة، كنحو قولك: (جاء موسى) فكلمة (موسى) مرفوعة بالضمة الْمُقَدَّرَة على آخره.
وليُعْلم أن جميع المعربات ظاهرة الحركة سوى ما يلي:
أولها:
ما لحقته الألف المقصورة من الأسماء أو الأفعال فإن الحركة لا تظهر لمانع التعذر أي يتعذر النطق بالحركة.
فمثال الأسماء: موسى، عيسى، وغيرهما.
ومثال الأفعال: يخشى، يلقى، وغيرهما.
وهذا النوع تُقَدَّر معه جميع الحركات وهي: ﴿الضمة، الكسرة، الفتحة مع الاسم﴾، ﴿والضمة والفتحة مع الفعل﴾ .
ثانيها:
الاسم المنقوص مثل: القاضي، الداعي وغيرهما من الأسماء، أو ما كان آخره ياءً أو واوًا من الأفعال مثل: يدعو، يقضي وغيرهما من الأفعال. فتُقَدَّر عليها جميع الحركات سوى الفتحة في حالة النصْب فإنها تظهر. ومانع ظهور الضمة والكسرة هو الثقل أي تقيل على اللسان النطق بها.
ثالثها:
[ ٣٣ ]
ما لحقته ياء الْمُتَكَلِّم. كقولك: (جاء غلامي) . فكلمة (غلامي) مُكَوَّنَة من شيئين: الأول: اسم (غلام) . والثاني (حرف الياء) وهذه الياء تُسَمَّى بياء الْمُتَكَلِّم، لأنها ترجع على الْمُتَكَلِّم فهذه تُقَدَّر معها جميع الحركات لمانع اشتغال المحل بالحركة المناسبة.
فقولك: (جاء غلامي، رأيت غلامي، مررت بغلامي) .
الأولي: مرفوعة بالضمة الْمُقَدَّرَة على آخرها منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة وهو مضاف والياء مضاف إليه.
والثانية: منصوبة بالفتحة الْمُقَدَّرَة على آخرها منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة وهو مضاف والياء مضاف إليه.
والثالثة: مخفوضة بالكسرة الْمُقَدَّرَة على آخرها منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة وهو مضاف والياء مضاف إليه.
خامسها: - أعني من المقاصد - الإعراب لا يدخل صنفين من الكلام:
الأول:
جميع الأفعال سوى الفعل المضارع الذي لم تلحقه نون التوكيد - يُبنى على الفتح - أو نون النسوة (نون الإناث) - يُبنى على السكون.
الثاني:
الحروف فكلها مبنية.
قال الْمُصَنِّف - ﵀ -: (وأقسامه أربعة وجزم)
فيه مقاصد
أولها: قوله: (وأقسامه)
يعني الإعراب وإنما قيل أربعة نتيجة الحَصْر الاستقرائي التام فهي لا تخرج عنها البتة.
ثانيها:: قوله: (رَفْع)
هو ضد الخفض لغةً أو هو العلو.
ثالثها: قوله: (نَصْب)
النصْب في اللُّغَة له معان منها: شخوص الشيء ووضوحه. تقول هذا منصوب أي شاخص.
رابعها: قوله: (وخفض)
والخفض هو ضد العلو والارتفاع أو هو السُّفْل.
خامسها: قوله: (وجزم)
الجزم هو القطع، تقول جزمت الشجرة إذا قطعتها.
قوله: (فللأسماء ولا خفض فيها)
حاصله أن الاسم لا يُجرم لأن الجزم ثقيل والاسم خفيف فناسب كون الاسم غير مجزوم.
[ ٣٤ ]
وكذلك الفعل لا خفض فيه لأن الفعل ثقيل حَيْثُ إِنه يدل على الحدث والزمن خلافًا للاسم فيه خفة للألسنة على معنى متجردًا عن الزمن فلم يناسب كون الفعل مخفوضًا.
قاعدة:
إذا لحق الضمير الاسم فيكون مضافًا إليه، وإذا لحق الفعل فيكون فاعلًا أو مفعولًا به.
فليُعلم أن ضد الإعراب البناء ومعناه: هو لزوم آخر الكلمة حركة لا تتغير باختلاف العوامل الداخلة عليها وهو يكون في الأسماء والأفعال والحروف.
فالأصل في الأفعال: البناء، والأصل في الأسماء: الإعراب، وأمَّا الحروف فمبنيةٌ كلها. فلا يُعرب من الأفعال سوى المضارع إذا لم تلحق آخره نون التوكيد أو نون النسوة ومثاله: يأكلُ، ويخرجُ ونحوهما. فإنها تُرفع بالضمة وتُنصب بالفتحة وتُجزم بالسكون.
ولا يُبنى من الأسماء سوى ما أشبه الحرف وفي شبهه من الحرف أوجه تأتي إن شاء الله في المطولات. ومنها: الشبه اللفظي أو الوضعي وهو أن يشبه الاسم الحرف في لفظه أو وضعه كأن يكون مكونًا من حرف أو حرفين؛ إذ هذا هو أصل تكوين الحروف. ومثاله: (كم) الاستفهامية. فهي من أسماء الاستفهام وهي مبنيةٌ اتفاقًا وسبب بنائها: هو الشبه الوضعي بحرف لم، وهل ونحوهما؛ إذ الجميع مكونٌ من حرفين.
وأما الحروف فجميعها مبنية اتفاقًا كحروف الجر والجزم وغيرهما.
وأما علامات البناء فقد تكون الفتح أو الكسر أو الضم أو السكون. فمثال الفتح: الكاف في قولك (أولئكَ) . ومثال الكسر: الهمزة الأخيرة في قولك (أولاءِ) . ومثال الضم: حيثُ. ومثال السكون - التسكين ـ: لم وكم وغيرهما. غير أن الصحيح من أقوال أهل اللُّغَة أن الأصل في البناء: التسكين.
فائدة:
لم يذكر الْمُصَنِّف - ﵀ - البناء في مقدمته هذه لأنه قصد ذكر الإعراب وأبوابه ومسائله والبناء ضده.
باب معرفة علامات الإعراب
هاهنا أمران:
أولهما:
[ ٣٥ ]
حاصل ما ذكره المصنف - يرحمه الله - في هذا الفصل المتعلِّق بعلامات الإعراب؛ لخصه في الفصل الذي يليه، وذكر تقسيمًا نافعًا للمبتدئ؛ لذا سنكتفي بشرح الفصل التالي لهذا الفصل عن هذا الفصل؛ لأن المحتوى واحد.
والثاني:
في ذِكْرِ المصنف لعلامات الإعراب، ثم تلخيصها في فصلٍ ثانٍ لها دلالةٌ على تنويع طرائق التعليم لإيصال المراد، وذلك لأهمية علامات الإعراب خصوصًا وأن المصنف - يرحمه الله - لم يذكر البناء.