المقدمات
مقدمة المحقق
المقدمات:
مقدمة المحقق:
الحمد لله وحده لا شريك له، أستعينه وأستغفره وأتوب إليه، والصلاة والسلام على سيد المرسلين المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
وبعد:
فإن الألفية "الخلاصة" لابن مالك "هي منظومة تعليمية للنحو في حوالي ألف بيت، قلد فيها ألفية ابن معط، وألفها لابنه محمد الأسد"١.
وقد حظيت الألفية باهتمام العلماء وعنايتهم ما لم يحظ به كتاب آخر، فقد أحصى بروكلمان في تاريخ الأدب العربي٢ تسعا وأربعين كتابا شرحت فيه الألفية.
ولعل أقدم هذه الشروح هو شرح ابن الناظم الذي قال فيه الصفدي: "وهو شرح فاضل منقى منقح. وخطأ والده في بعض المواضع، ولم تشرح الخلاصة بأحسن ولا أسد ولا أجزل على كثرة شروحها، وأراها في الشروح كالشرح الذي لابن يونس للتنبيه"٣.
ولقي هذا الشرح الجليل اهتمام العلماء أيضا، فوضعوا له تعليقات وشروحات٤.
وجاء ابن هشام بعد ابن الناظم، وشرح الألفية في كتابه التوضيح "أوضح المسالك".
_________________
(١) ١ تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٥/ ٢٧٧، والوافي بالوفيات ١/ ٢٠٦ سطر ١١. ٢ تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٥/ ٢٧٨-٢٩١. ٣ الوافي بالوفيات ١/ ٢٠٥. ٤ ذكر بروكلمان في تاريخه ٥/ ٢٧٨-٢٧٩ أسماء خمسة كتب قامت على شرح ابن الناظم.
[ ١ / ٣ ]
ولقي هذا الكتاب من علماء العربية فتصدوا لشرحه والتعليق عليه، ولعل من أهم هذه الشروح الكتاب الذي بين يدينا، أي: "شرح التصريح بمضمون التوضيح" للشيخ خالد الأزهري. وقد عرف لهذا الكتاب طبعتان خلتا من الضبط.
وكنت أرغب أن يوفقني الله تعالى إلى تحقيق هذا السفر العظيم من التراث، فأخذت على عاتقي خدمة الكتاب بما يليق به من تحقيق وضبط وشرح وفهرسة.
وقد بدأت الكتاب بمقدمة تضمنت ترجمة للمؤلف ذكرت فيها اسمه ونسبه وحياته العلمية والثقافية، ثم تحدثت عن منهجه في هذا الشرح وعن أهمية هذا الشرح.
ثم ذكرت منهج التحقيق الذي اتبعته، وهو منهج اتبعته في الكتب التي قمت بتحقيقها مثل "الاقتضاب، والدرر اللوامع، وأساس البلاغة، وشرح ابن الناظم ".
ولا أدعي الكمال في عملي هذا، وحسبي أني أخلصت في العمل، وبذلت جهدا تشي به صفحات هذا الشرح، وينم عنه ما أودعته في الحواشي.
وأرجو من الله أن يكون التوفيق حالفني في إخراج هذا الكتاب على نحو يرضى به العلماء.
والله أسأل أن يهدينا إلى الحق وإلى ما فيه مرضاته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
محمد باسل عيون السود
دمشق ١١/ ٢/ ٢٠٠٠
[ ١ / ٤ ]
المبحث الأول: حياته
أ- اسمه ونسبه وكنيته١:
هو زين الذين خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد الجرجاوي الأزهري الشافعي، النحوي، المصري، المعروف بالوقاد، وبصاحب كتاب التراكيب.
ب- مولده ونشأته:
ولد الأزهري في جرجة بصعيد مصر ٨٣٨هـ. وكان طفلا حين رحل مع أبويه إلى القاهرة التي قرأ فيها القرآن، ومختصر أبي شجاع، ثم تحول إلى جامع الأزهر ليعمل وقادا، فعرف بذلك، وأثناء قيامه بهذه المهنة سقطت منه فتيلة على كراس أحد الطلبة، فشتمه وعيره بالجهل، فترك الوقادة، وأكب على طلب العلم، فبرع وأشغل الناس، وكان عمره حينذاك ستا وثلاثين سنة.
جـ- وفاته:
توفي الأزهري في اليوم الرابع عشر من شهر محرم سنة ٩٠٥هـ، بعد أن حج، ووصل إلى بركة الحاج خارج القاهرة، وله من العمر سبعة وستون عاما.
المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه
أ- شيوخه٢:
١- إبراهيم العجلوني.
٢- الزين الأبناسي٣.
٣- أحمد بن محمد الشمني٤: من علماء التفسير والحديث والنحو، توفي سنة ٨٧٢هـ.
٤- التقي الحصيني٥: تلقى منه علوم البيان والمعاني.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في: الأعلام ٢/ ٢٩٧. بدائع الزهور ٣/ ٤٢٥. الخطط الجديدة لعلي مبارك ١٠/ ٥٣. دائرة المعارف الإسلامية ٢/ ٧٥. روضات الجنات ٣/ ٢٦٦-٢٦٧. شذرات الذهب ٨/ ٢٦. الكواكب السائرة ١/ ١٨٨. المدارس النحوية لشوقي ضيف ص٣٥٩. معجم المؤلفين ٤/ ٩٦. هدية العارفين ١/ ٣٤٣. ٢ الضوء اللامع ٣/ ١٧١-١٧٢. ٣ ترجمته في الأعلام ١/ ٧٥. ٤ الضوء اللامع ٢/ ١٧٤. ٥ ترجمته في الأعلام ٢/ ٩٦.
[ ١ / ٥ ]
٥- تغري بردي القادري: لازمه الأزهري، فقرره تغري بردي في الجامع الذي بناه الدوادار بخان الخليلي.
٦- داود المالكي.
٧- الشهاب السجيني.
٨- السيد علي تلميذ ابن المجدي: تلقى منه علم الفرائض والحساب.
٩- عبد الدائم الأزهري: تلقى منه المقدمة الجزرية.
١٠- عثمان بن عبد الله بن عثمان بن عفان، فخر الدين المقسي١ توفي سنة ٨٧٧هـ.
١١- علي بن عبد الله السنهوري: عالم اللغة والقراءات والأصول٢، توفي سنة ٨٨٩هـ.
١٢- الزين المارداني.
١٣- محمد بن أحمد العبادي٣.
١٤- محمد بن عبد الرحمن السخاوي٤: من علماء التاريخ والحديث، توفي سنة ٩٠٢هـ.
١٥- محمد بن عبد المنعم الجوجري٥: من فقهاء مصر.
١٦- يحيى بن محمد بن إبراهيم الأمين الأقصرائي٦: شيخ الحنفية في زمانه، توفي سنة ٨٨٠هـ.
١٧- يعيش المغربي.
ب- تلاميذه٧:
١- أحمد بن يونس بن محمد بن الشلبي٨.
_________________
(١) ١ الضوء اللامع ٥/ ٢٤٩. ٢ الضوء اللامع ٥/ ٢٤٩. ٣ بغية الوعاة ٢/ ٧٥-٧٦. ٤ الضوء اللامع ٨/ ٢. ٥ الضوء اللامع ٨/ ١٢٣. ٦ الضوء اللامع ١٠/ ٢٤٠. ٧ الضوء اللامع ٣/ ١٧١، والكواكب السائرة ١/ ٦٨. ٨ الأعلام ١/ ٢٧٦، والكواكب السائرة ١/ ٦٨.
[ ١ / ٦ ]
٢- خضر المالكي١.
٣- عطية الضرير.
٤- نور الدين اللقاني.
٥- ابن هلال النحوي٢.
المبحث الثالث: مؤلفاته
أ- مؤلفاته المطبوعة:
- إعراب ألفية ابن مالك = تمرين الطلاب في صناعة الإعراب.
١- الألغاز النحوية: ذكر الزركلي في الأعلام ٢/ ٢٩٧ أنه مطبوع، وورد اسمه في إيضاح المكنون ١/ ١١٨، وهدية العارفين ١/ ٣٤٤.
٢- التصريح بمضمون التوضيح: وهو موضوع التحقيق والدراسة وسأفرد له فصلا خاصا.
٣- تمرين الطلاب في صناعة الإعراب: اشتهر هذا الكتاب باسم "التركيب"، وهو إعراب لألفية ابن مالك في النحو، طبع في القاهرة سنة ١٢٨٩هـ، كما طبعه الهوريني سنة ١٢٩٤هـ في أربع مجلدات، وطبع أيضا في مصر سنة ١٣٧٠هـ.
٤- الزبدة في شرح البردة: طبع ببغداد، وهو شرح لبردة البوصيري. وورد اسمه في إيضاح المكنون ٢/ ٢٩٩، وهدية العارفين ١/ ٣٤٤.
٥- شرح الآجرومية: وهو شرح لمقدمة ابن آجروم، ذكر الزركلي في الأعلام ٢/ ٢٩٧ أنه مطبوع، وله عدة طبعات، منها طبعة امستردام سنة ١٧٥٦م، وطبعة بولاق سنة ١٢٥٩هـ، وطبعة تونس سنة ١٢٩٠هـ.
٦- شرح المقدمة الأزهرية في علم العربية: طبع ببولاق سنة ١٢٥٢هـ.
٧- المقدمة الأزهرية في علم العربية: طبع ببولاق سنة ١٢٥٢هـ.
٨- موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب: وهو شرح لكتاب الإعراب عن قواعد الإعراب لابن هشام، طبع بمصر سنة ١٣٧٠هـ على هامش كتابه "تمرين الطلاب"، كما حققه عبد الكريم مجاهد وسعيد عبد الهادي، وطبع بمؤسسة الشرق للنشر والترجمة سنة ١٩٨٥م.
_________________
(١) ١ الكواكب السائرة ١/ ٦٨. ٢ الضوء اللامع ٣/ ١٧١، والكواكب السائرة ٣/ ١٩٤.
[ ١ / ٧ ]
ب- مؤلفاته المخطوطة:
١- إعراب الآجرومية: ورد اسمه في كشف الظنون ١٧٩٧، وفهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية ص١٨.
٢- إعراب الكفاية: وهو إعراب لكافية ابن الحاجب: ورد اسمه في فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية ص٤٤.
٣- تفسير آية: ﴿لا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: ورد اسمه في هدية العارفين ١/ ٣٤٤.
٤- الحواشي الأزهرية في حل ألفاظ المقدمة الجزرية: وهو في علم التجويد. ورد اسمه في إيضاح المكنون ٢/ ٥٤٢، وهدية العارفين ٢/ ٢٩٧.
٥- القول السامي على كلام منلا عبد الرحمن الجامي: وهو رسالة نحوية ألفها على الفوائد الضيائية لعبد الرحمن الجامي، وورد اسمه في كشف الظنون ٢/ ١٣٧٢، وهدية العارفين ١/ ٣٤٤.
٦- مختصر الزبدة في شرح البردة: ورد اسمه في كشف الظنون ٢/ ١٣٣٣.
سبب تأليف شرح التصريح:
ذكر الأزهري سبب تأليفه للتصريح فقال في مقدمته١: إن الشرح المشهور بـ"التوضيح على ألفية ابن مالك في علم النحو" للشيخ الإمام العلامة الرباني جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري؛ تغمده الله بالرحمة والرضوان؛ في غاية حسن الموقع عند جميع الإخوان؛ لم يأت أحد بمثاله؛ ولم ينسج ناسج على منواله، ولم يوضع في ترتيب الأقسام مثله، ولم يبرز للوجود في هذا النحو شكله. غير أنه يحتاج إلى شرح يسفر عن وجوه مخدراته النقاب، ويبرز من خفي مكنوناته ما وراء الحجاب، وقد ذكرت ذلك لمصنفه في المنام، فاعترف بهذا الكلام، ووعد بأنه سيكتب عليه ما يبين مراده، ويظهر مفاده، فقصصت هذه الرؤيا على بعض الإخوان، فقال: هذا إذن لك يا فلان، فإن إسناد الشيخ الكتابة إلى نفسه مجاز، كقولهم: بنى الأمير المجاز؛ وليس هو الباني بنفسه، وإنما يأمر العملة من أبناء جنسه، وكنت أنت المشار إليه لما تمثلت بين يديه، وخاطبك بهذا الخطاب، فانهض وبادر للأجر والثواب. فاستخرت رب العباد، وشمرت ساعد الاجتهاد، وشرحته شرحا كشف خفاياه، وأبرز أسراره وخباياه، وباح بسره المكتوم، وجمع شمله بأصله المنظوم، وسميته "التصريح بمضمون التوضيح".
_________________
(١) ١ شرح التصريح ١/ ٣.
[ ١ / ٨ ]
شرح الأزهري مواد كتابه مستشهدا بآراء النحويين واللغويين مما تضمنته مصنفاتهم، وكان كثيرا يذكر اسم الكتاب الذي نقل منه، ونادرا ما كان يغفل المصدر الذي نقل منه بعض المسائل. وفيما يأتي أسماء المصادر التي صرح بها:
أدب الكاتب: ابن قتيبة.
أحكام لو وحتى: ابن هشام.
الأذكار: النووي.
الارتشاف.
أسرار البلاغة: الجرجاني.
اشتقاق البلدان: أبو الفتح الهمداني.
الأصول: ابن السراج.
أغلاط الزمخشري: ابن معزوز.
الإفصاح: ابن هشام الخضراوي.
الأفعال: ابن طريف.
الأفعال: ابن القطاع.
إقامة الدليل: ابن هشام.
الإقناع: السيرافي.
الألفية: ابن معط.
أمالي ابن الحاجب.
أمالي السهيلي.
أمالي ابن الشجري.
الأمثال السائرة.
انتصاب لغة: ابن هشام.
الإنصاف: ابن الأنباري.
الأنموذج في النحو: الزمخشري.
الأوسط: الأخفش.
الإيضاح: ابن الحاجب.
الإيضاح: الخصاف.
الإيضاح: أبو علي الفارسي.
البحر المحيط: أبو حيان.
البديع في النحو: ابن الزكي.
البسيط: ابن العلج.
البسيط: الواحدي.
البغداديات: الفارسي.
تاج اللغة: الجوهري.
تحشية التسهيل: ابن مالك.
تحفة العروس: التجاني.
التحفة: ابن مالك.
التذكرة: أبو حيان.
التذكرة: أبو علي الفارسي.
التذكرة: ابن هشام.
الترشيح: خطاب الماردي.
الترقيص: محمد بن المعلى الأزدي.
التسهيل: ابن مالك.
تصريف العزي.
تفسير البيضاوي.
التقريب "؟ ".
التكملة: الفارسي.
التلخيص البياني: الجرجاني.
تلخيص شرح أبي حيان: المرادي.
التلخيص: القزويني.
تهذيب الأسماء: النووي.
التوضيح على ألفية ابن مالك: ابن هشام.
[ ١ / ٩ ]
التوضيح على الجامع الصحيح: ابن مالك.
التوطئة: الشلوبين.
الجامع: الخطيب البغدادي.
الجامع الصغير: ابن هشام.
الجمل: الزجاجي.
حاشية على التوضيح: عبد القادر المكي.
حاشية على توضيح الألفية: أحمد بن عبد الرحمن.
الحجة: أبو علي الفارسي.
الحلبيات: أبو علي الفارسي.
حلية الأولياء: أبو نعيم.
حماسة أبي تمام.
حواشي التسهيل: ابن هشام.
حواشي سنن أبي داود: المنذري.
حواشي الصحاح: ابن بري.
حواشي على الألفية: ابن هشام.
حواشي على كتاب سيبويه: الأخفش.
حواشي على كتاب سيبويه: مبرمان.
حواشي ابن مبرمان.
حواشي العضد: الأبهري.
حواشي الزجاج على ديوان الأدب: الزجاج.
حواشي ابن هشام.
الخاطريات: ابن جني.
الخصائص: ابن جني.
الخلاصة: ابن مالك.
الخلاصة: ابن هشام.
درة الغواص: الحريري.
ديوان الأدب.
رسالة الغفران: المعري.
رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة: ابن هشام.
الروض الأنف: السهيلي.
سبك المنظوم.
سفر السعادة: السخاوي.
سنن النسائي الكبرى.
شذور الذهب.
شراح الشافية.
شرح أبيات الجمل: البطليوسي.
شرح أبيات كتاب سيبويه: الأعلم الشنتمري
شرح الآجرومية: الشهاب البجائي.
شرح إصلاح المنطق: ابن سيده.
شرح إيساغوجي في المنطق: الكاتي.
شرح الإيضاح: ابن عصفور.
شرح بانت سعاد: ابن هشام.
شرح البحرين.
شرح البردة: ابن هشام.
شرح التسهيل.: أبو حيان.
شرح التسهيل: خالد الأزهري.
شرح التسهيل: ابن عقيل.
شرح التسهيل: ابن مالك.
شرح التسهيل: المرادي.
شرح التسهيل: ابن هشام.
شرح التلخيص: التفتازاني.
شرح الجزولية: الأبدي.
شرح الجزولية: ابن الخباز.
شرح الجزولية: أبو عبد الله محمد النفزي.
شرح الجمل: ابن عصفور.
شرح الجمل: ابن الفخار.
[ ١ / ١٠ ]
شرح الجمل الصغير: ابن عصفور.
شرح الحماسة: ابن جني.
شرح الحماسة: ابن ملكون.
شرح الخضراوي.
شرح الدماميني.
شرح ديوان كثير: ابن السكيت.
شرح السراجية "؟ ".
شرح الشافية: الجاربردي.
شرح الشافية: السيد.
شرح شافية ابن الحاجب: ابن الناظم.
شرح الشذور.
شرح شذور الذهب: ابن هشام.
شرح شواهد ابن الناظم: ابن هشام.
شرح الشواهد: ابن هشام.
شرح الشواهد الصغرى: ابن هشام.
شرح الشواهد الكبرى: ابن هشام.
شرح العمدة: ابن مالك.
شرح غريب تصريف المازني: ابن جني.
شرح الفصول: ابن إياز.
شرح الفصيح: البطليوسي.
شرح القصارى: حسن شاه البقالي.
شرح القطر: ابن هشام.
شرح قطر الندى.
شرح الكافية: ابن مالك.
شرح كتاب سيبويه: ابن خروف.
شرح كتاب سيبويه: السيرافي.
شرح كتاب سيبويه: الصفار.
شرح الكتاب: السيرافي.
شرح الكتاب: النحاس.
شرح الكشاف: اليمني.
شرح اللب: جمال الدين النقركارا.
شرح اللباب.
شرح اللمحة: ابن هشام.
شرح لمع ابن جني: أبو البقاء العكبري.
شرح المختصر: الجرجاني.
شرح المعلقات: أبو جعفر النحاس.
شرح المفتاح: السيد الجرجاني.
شرح المفصل: ابن يعيش.
شرح المفصل: ابن الحاجب.
شرح المفصل: الفخر الرازي.
شرح المفصل: الكمال الأنصاري.
شرح المقامات: ابن ظفر.
شرح المنظومة: ابن الحاجب.
شرح موجز ابن السراج: أبو الحسن بن الأهوازي.
شرح المواقف.
شرح النظم: المرادي.
شرح النظم "شرح الخلاصة": ابن الناظم.
شرح الهادي: ابن بابشاذ.
شروح المفصل.
الشيرازيات: الفارسي.
الصحاح.
الصحاح: الجوهري.
صحيح البخاري.
الضياء.
الطارقية: ابن خالويه.
طبقات الشعراء: ابن قتيبة.
عمدة الطالب: ابن هشام.
[ ١ / ١١ ]
العين: الخليل.
الغرة: ابن الدهان.
الفردوس: "؟ ".
الفصيح: ثعلب.
القاموس المحيط: الفيروزآبادي.
القد: ابن جني.
قطر الندى.
القواعد الصغرى: ابن هشام.
الكافي في النحو: أبو جعفر النحاس.
الكافية: ابن مالك.
الكتاب: سيبويه.
كتاب أبي الحسن الهيثم.
الكشاف: الزمخشري.
الكفاية: ابن الخباز.
الكفاية: المبرد.
اللباب: الإسفرائيني.
اللمحة: أبو حيان الأندلسي.
لغات القرآن: الفراء.
اللمع الكاملية: عبد اللطيف.
المبهج: ابن جني.
المتوسط: الأستراباذي.
المحتسب: ابن جني.
المحكم: ابن سيده.
المدخل: المبرد.
مختصر الأنساب: ابن السيد.
مسائل الزجاجي.
مسند الشافعي.
المستوفي: أبو سعيد علي بن مسعود.
المصباح في النحو: المطرزي.
المطول: التفتازاني.
معاني الحروف: الزجاجي.
معاني القرآن: الأخفش.
معجم الطبراني.
المغني: ابن هشام.
المفتاح: الأمين المحلي.
المفصل: الزمخشري.
مقامات الحريري.
المقتضب: المبرد.
المقرب: ابن عصفور.
المكمل في عبارة المفصل: مظهر الدين
الشريف الرضي محمد.
المنصف: ابن جني.
المنقد.
منية الألباب: ابن أفلج.
الموطأ: ابن مالك.
نتائج الفكر: السهيلي.
نتيجة القواعد: ابن أباز.
نتيجة المطارحة: ابن أياز.
نقد المقرب: أبو إسحاق الجزري.
نقد المقرب: ابن الحاج.
نكت الحاجبية: ابن الناظم.
النكت الحسان: أبو حيان الأندلسي.
النهاية: ابن الخباز.
النوادر: أبو علي القالي.
الهمزتين: أبو زيد الأنصاري.
الوقف والابتداء: ابن الأنباري.
اليواقيت: أبو عمر الزاهد.
[ ١ / ١٢ ]
أهمية كتاب التصريح:
يعد كتاب التصريح ذو أهمية كبيرة، ويتضح ذلك من خلال ما يلي:
١- أنه يضم ألفية ابن مالك إلى جانب كتاب أوضح المسالك "التوضيح" لابن هشام.
٢- أنه نقل بعض آراء النحويين واللغويين عن كتب مفقودة لم تصل إلينا، مثل: أغلاط الزمخشري لابن معزوز، والبسيط لابن العلج، والترقيص للأزدي، وشرح المفصل للكمال الأنصاري، وشرح لمع ابن جني للعكبري، ومختصر الأنساب لابن السيد البطليوسي، ونقد ابن الحاج على مقرب ابن عصفور، وغير ذلك من الكتب التي عفت عليها يد الزمان.
٣- أنه يعد متمما لكتاب أوضح المسالك "التوضيح" فقد ذكر فيه ما أهمله ابن هشام من شرح بعض القضايا النحوية.
٤- استطراده الواسع في شرح القضايا النحوية.
٥- استطراده في شرح قصة مَثَل، ومن ذلك تعليقه على المثل: "الصيف ضيعت اللبن"١، والمثل: "أشغل من ذات النحيين"٢، والمثل: "أصبح ليل"٣، وغيرها من الأمثال التي ساقها في متن كتابه.
٦- أنه كان يشرح كلام الموضح ابن هشام بما جاء في كتبه الأخرى، فحفل الكتاب بالوقوف على كتب ابن هشام شرحا وإيضاحا، مثل: حواشي ابن هشام، وشرح شذور الذهب، وشرح قطر الندى، ومغني اللبيب.
٧- وقوفه عند آراء الكثير من النحاة، مثل: الأخفش والزمخشري وسيبويه وابن مالك وابن الناظم.
٨- انتصاره لابن مالك على ابنه بدر الدين الذي خالف أباه في بعض المسائل النحوية.
تلك الأمور وغيرها جعلت شرح التصريح من الكتب الأكثر تداولا بين النحاة الذين أخذوا عنه، ووضعوا له شروحا وحواشي.
فممن أخذ عنه: الصبان والخضري، وممن وضع حاشية على الكتاب الشيخ ياسين، وقد طبع الكتاب بهامش شرح التصريح.
_________________
(١) ١ انظر شرح التصريح ٢/ ٩٠. ٢ انظر شرح التصريح ٢/ ٩٤. ٣ انظر شرح التصريح ٢/ ٢٠٩.
[ ١ / ١٣ ]
لقد ترك شرح التصريح أثرا واضحا في النحو العربي، امتد منذ تأليفه وحتى عصرنا الحاضر، ولا يكاد باحث في النحو يغرب عنه هذا الكتاب، ولا يمكنه تجاهله إذا كان يبحث في علم النحو العربي.
منهج الأزهري:
تعددت أساليب شراح التوضيح "أوضح المسالك" في تناول مادته١، كما اختلفت مناهجهم. ويتلخص منهج الأزهري في النقاط العشر الآتية التي حددها هو نفسه في مقدمة كتابه حيث قال: وشحته بعشرة أمور مهمة، مشتملة على فوائد جمة:
أحدها: أني مزجت شرحي بشرحه، حتى صارا كالشيء الواحد، لا يميز بينهما إلا صاحب بصر أو بصيرة. ومن فوائد ذلك حل تراكيبه العسيرة.
ثانيها: أنني تتبعت أصوله التي أخذ منها، وربما شرحت كلامه بكلامه. ومن فوائد ذلك بيان قصده ومرامه.
ثالثها: أنني ذكرت ما أهمله من الشروط في بعض المسائل المطلقة، ومن فوائد ذلك تقييد ما أطلقه.
رابعها: أنني كملت بيت كل شاهد مما اقتصر على شطره؛ وعزوته إلى قائله، إلى قليلا لم أظفر بذكره، وشرحت منه الغريب. ومن فوائد ذلك معرفة كونه غريبا، حتى يتم به التقريب. وهو سوق الدليل على طبق المدعي.
خامسها: أنني ضبطت الألفاظ الغريبة بالحرف، وبينت جميع معانيها. ومن فوائد ذلك الأمن من التحريف، وحفظ مبانيها.
سادسها: أنني طبقت الشرح على النظم، وقد كان أغفله. ومن فوائد ذلك معرفة شرح كل مسألة.
سابعها: أنني ذكرت حجج جميع المخالفين وقوة الترجيح. ومن فوائد ذلك العلم بما يفتي به على الصحيح.
ثامنها: أنني ذكرت غالبا علل الأحكام وأدلتها. ومن فوائد ذلك تمكينها في الأذهان، والجزم بمعرفتها.
تاسعها: أنني بينت المعتمد من المواضع التي تَناقَض كلامُه فيها وما خالف فيه التسهيل. ومن فوائد ذلك معرفة ما عليه التعويل.
عاشرها: أنني بينت المواضع التي اعتمدها مع أنها من أبحاثه. ومن فوائد ذلك معرفة كونها من عندياته.
_________________
(١) ١ ذكر بروكلمان في تاريخ الأدب العربي ٥/ ٢٧٩-٢٨١ أحد عشر كتابا في شرح أوضح المسالك.
[ ١ / ١٤ ]
النسخ المعتمدة في تحقيق شرح التصريح:
تعددت النسخ الخطية لشرح التصريح وتوزعت في كثير من مكتبات العالم، وقد وجدت في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق عشر نسخ خطية لهذا الكتاب، فاخترت منها نسختين هما:
١- النسخة "أ": تقع في مجلدين، يضم الأول ٣٦٥ ورقة، والثاني ٣٥٠ ورقة ورقمها ٦٩٣١، كتبت هذه النسخة بخط معجم مع بعض الشكل، وكتب المتن والفواصل باللون الأحمر، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة حوالي عشرين سطرا، في كل سطر حوالي عشر كلمات، ولهذه النسخة هامش بعرض ٤سم، والنسخة مصححة من قبل محمد أمين عابدين سنة ١٢١٨هـ، واسم ناسخها محمد بن خضير بن خضر الوليلي الذي انتهى من نسخها سنة ١٠٤٨هـ، وعلى خلاف النسخة قيود تملك باسم إسماعيل بن مصطفى الميداني ومحمد أمين عابدين وعبد الرزاق الحموي ومحمد العمري ومحمد راغب القتابي.
واتخذت هذه النسخة أصلا أقمت عليه النص المحقق، ورمزت لها بالحرف "أ".
٢- النسخة "ب": تضم ٣٥١ ورقة، ورقمها ٩٨٧٢، كتبت بخط نسخي متفاوت خالية من الضبط، وكتب اللون والفواصل باللون الأحمر، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة حوالي خمس وعشرون سطرا، في كل سطر حوالي تسع عشرة كلمة، ولهذه النسخة هامش بعرض ٣سم، واسم ناسخها أحمد بن يحيى بن محمد الأكرم الحنفي الذي انتهى من نسخها سنة ١٠٤٦هـ.
٣- النسخة "ط": والمقصود بها النسخة المطبوعة، وتقع في جزأين، وهي طبعة مصورة في دار الفكر ببيروت عن طبعة مصرية قديمة، وبهامشها حاشية للشيخ ياسين على شرح التصريح، وهي نسخة لم تسلم من التصحيف والتحريف والسقط، وخالية من الضبط والشكل.
وقد عارضت النسخة الأصل "أ" مع النسختين "ب"، "ط"؛ وذكرت فروقات النسخ في الحواشي. وقد استفدت منهما أو من إحداهما في تقويم نص النسخة
"أ"، وحصرت ما أضفته منهما بين قوسين معكوفتين [] .
[ ١ / ١٥ ]
منهج التحقيق:
حاولت جاهدا أن أخرج هذا الكتاب إخراجا علميا، متحريا الدقة فيما أكتبه أو أعرض له من تخريج، وأوجز هذا المنهج في النقاط التالية:
١- أثبت فروق النسخ، وإن كان بعضها ضئيلا، لاختلاف روايات الكتاب، ولما في ذلك من فائدة يعرفها أهل العلم.
٢- أثبت أرقام مطبوعة بيروت بين معكوفتين تسهيلا للباحث والمراجع.
٣- خرجت الآيات القرآنية والقراءات التي وردت في بعض الآي، والأحاديث النبوية الشريفة، والأشعار، والأمثال، والأخبار، ومقالات العلماء من كتبهم أو من مظانها. وفي تخريج الشعر أحلت على الديوان إن كان للشاعر ديوان مطبوع، ثم أحلت على كتب العربية إن كان من شواهدها، ثم أحلت على أمهات المصادر، واستقصيت التخريج.
٤- رقمت الشواهد الشعرية المشروحة والتي استشهد بها الأزهري، واستثنيت من الترقيم أبيات الشعر التي كان يسوقها الأزهري تتمة لشاهد استشهد به.
٥- رقمت أبيات الألفية، مثلما فعلت في تحقيقي لشرح ابن الناظم. ولم أتمم أبيات الألفية في الحواشي؛ لأني ذكرت الألفية كاملة في الفهارس؛ وإن كان الأزهري أسقط بعض أبياتها؛ ليستفيد منها الباحثون.
٦- ميزت قول ابن هشام الذي شرحه الأزهري بتحبيره وجعله بحرف مختلف أسود غامق، وبين قوسين "".
٧- ضبط الكلمات التي تحتاج إلى ضبط، وعنيت بشكل خاص بضبط الآيات القرآنية، وكلمات شواهد الشعر.
٨- زدت في مواضع قليلة ما رأيت أن النص لا يقوم إلا به، وجعلته بين معكوفتين [] .
والله الموفق
[ ١ / ١٦ ]
"والمراد بالمفيد" هنا "ما" أي: لفف "دل على معنى يحسن السكوت" من المتكلم "عليه" أي: على ذلك اللفظ، بحيث لا يصير السامع منتظرًا لشيء آخر، وعلم من تفسير المفيد بما ذكر لا يحتاج إلى قولهم المركب؛ لأن المفيد الفائدة المذكورة يستلزم التركيب، ولا إلى قولهم المقصود؛ لأن حسن سكوت المتكلم يستدعي أن يكون قاصدًا لما تكلم به، وبين اللفظ والإفادة عموم وخصوص من وجه فيجتمعان في مثل: زيد قائم. ويوجه اللفظ بدون الإفادة، كما في المفرد. وتوجد الإفادة بدون اللفظ، كما في الإشارة، وكل شيئين كان كل واحد منهما أعم من الآخر. من وجه يجعل أحدهما جنسًا والآخر فصلًا، فيحترز بكل عما يشارك الآخر من غيره، فيحترز باللفظ عن الدوال الأربع؛ وهي الإشارة والكتابة والعقد والنصب، إذ كل منها مفيد وليس بلفظ، ويحترز بالمفيد عن المفرد والمركب غير المفيد كالإضافي نحو: غلام، والمزجي كبعلبك، والإسنادي المسمى به كبرق نحره، والمعلوم للمخاطب كالسماء فوقنا والأرض تحتنا، إذ كل منهما لفظ وليس بمفيد، ولعل هذا هو الحاصل له على التعبير بالاجتماع، ولا يحتاج إلى ذكر الوضع؛ لأن الأصح أن دلالة الكلام عقلية لا وضعية، فإن من عرف مسمى زيد، وعرف مسمى قائم، وسمع زيد قائم بإعرابه المخصوص فهم بالضرورة معنى هذا الكلام، وهو نسبة القيام إلى زيد.
وصور تأليف الكلام ستة: اسمان فعل واسم، فعل واسمان، فعل وثلاثة أسماء، فعل وأربعة أسماء، جملة القسم وجوابه؛ أو الشرط وجوابه.
"وأقل ما يتألف الكلام" خبرًا كان أو إنشاء "من اسمين"، حقيقة كهيهات العقيق، أو حكمًا "كزيد قائم". فإن الوصف مع مرفوعه المستتر في حكم الاسم المفرد، بدليل أن الضمير المستتر فيه لا يبرز مع التثنية، والجمع بخلاف الفعل مع مرفوعه المستتر
فيه، فسقط ما قيل إن زيدًا قائم ثلاثة أسماء لا اسمان فقط، "ومن فعل واسم كقام زيد"، ونعم العبد. "ومنه" أي: من التأليف من فعل واسم "استقم، فإنه" أي: فإن
استقم مع مرفوعه المستتر فيه كلام مؤلف "من فعل الأمر المنطوق به"، وهو استقم
"ومن ضمير" المفرد "المخاطب" المستتر فيه "المقدر بأنت"، ولا يجوز التلفظ به وإنما
فصله بقوله: "ومنه" لأمور:
أحدها: التنبيه على أنه مثال لا من تتميم الحد خلافًا للشارح والمكودي.
ثانيها: أنه لا فرق في التأليف بين أن يكون الجزآن مذكورين أو أحدهما.
[ ١ / ١٦ ]
ثالثها: أنه لا فرق في الكلام بين الإخبار والإنشاء.
رابعها: أن شرط حصول الفائدة مع الفعل والضمير المنوي أن يكون الضمير واجب الاستتار، فقام على تقدير أن يكون فيه ضمير لا يسمى كلاما على الأصح.
خامسها: الرد على أبي حيان حيث قال: إن مقتضى تمثيله؛ يعني الناظم؛ باستقم أنه بسيط؛ لأن التركيب من عوارض الألفاظ ويستدعي تقدير وجود ولا وجود، ورد بأن المراد بالألفاظ ما يكون بالقوة أو بالفعل، والضمائر المستترة ألفاظ بالقوة، ألا ترى أنها مستحضرة عند النطق بما يلابسها من الأفعال استحضارا لا خفاء معه ولا لبس، قاله الموضح في شرح اللمحة.
"والكلم" الذي يتألف الكلام منه "اسم جنس"؛ لأنه يدل على الماهية من حيث هي هي، وليس بجمع، خلافا لما وقع في شرح الشذور؛ لأنه يجوز تذكير ضميره، والجمع يغلب عليه التأنيث، ولا اسم جمع خلافا لبعضهم؛ لأن له واحدا من لفظه، والغالب على اسم الجمع خلاف ذلك "جمعي"، لدلالته على أكثر من اثنين، وليس بإفرادي لعدم صدقه على القليل والكثير، واستفيد كونه اسم جنس للأنواع الثلاثة من قول الناظم:
٨-
واسم وفعل ثم حرف الكلم
وكونه جميعا من قوله:
٩-
واحده كلمة
وظاهر النظم أن الكلم مبتدأ، وما قبله خبر عنه، فتتوقف ماهية الكلم على الأنواع الثلاثة. ونحن نجد الكلم قد يوجد من نوعين منها؛ بل من نوع واحد فقط، فلا جرم عدل الموضح عن ذلك، وجعل الأقسام الثلاثة خبرا لمبتدأ محذوف، وجعل جملة قوله:
٩-
"واحده كلمة"
خبرا ثانيا عن الكلم. وقال: "واحده" بتذكير الضمير تبعا للناظم، ولو قال "واحدها" تبعا لابن معط لجاز، فإن اسم الجنس الجمعي يجوز في الوجهان. وقد ورد القرآن بهما قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، و﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] "وهي" أي: الكلمة جنس تحته ثلاثة أنواع؛ "الاسم والفعل والحرف". ونقل عن الفراء أن "كلا" ليست واحدا من هذه الثلاثة، بل هي بين الأسماء والأفعال١.
_________________
(١) ١ من تأمل كلام الفراء ظهر له أنه لم يحكم عليها بأنها غير الثلاثة، وإنما توقف فيها؛ هل هي اسم أو فعل؟ لتعارض الأدلة. والقول بأنها أحدهما ليس حكما بأنها غيرهما. "حاشية يس ١/ ٢٥".
[ ١ / ١٧ ]
وقال الفخر الرازي: "لا يصح أن تكون الكلمة جنسا لهذه الأنواع الثلاثة؛ لأنها لو كانت جنسا لها لكان امتياز كل واحد من هذه الثلاثة بفصل وجودي، مع أن الحرف يمتاز عن الاسم والفعل بقيد عدمي، وهو كون مفهومه غير مستقل بالمفهومية، والاسم أيضا يمتاز عن الفعل بقيد عدمي، وهو كونه غير دال على زمانه المعين". ا. هـ.
وحاصل كلامه أن الماهيات لا تتقوم بالعدم، لكنه قال قبل هذا الكلام: "اللهم إلا إذا عنى بالجنس مجرد القدر المشترك بين هذه الثلاثة، فحينئذ يستقيم". ا. هـ.
وينقسم اسم الجنس الجمعي إلى ثلاثة أقسام: ما يفرق بينه وبين مفرده بالتاء، والتاء في مفرده كرُطَب ورَطْبة، وما يفرق بينه وبين مفرده بالتاء، والتاء في الجمع ككمأة وكمء. وما يفرق بينه وبين مفرده بياء النسب، وهي في المفرد نحو: روم ورومي وزنج وزنجي.
فأطلق الموضح اسم الجنس؛ وأراد الأول لغلبته، ويدل على ذلك قوله: "ومعنى كونه اسم جنس جمعي أنه يدل على جماعة" من الكلمات أقلها ثلاثة ولم يغلب عليه التأنيث، "و" أنه "إذا زيد على لفظ تاء التأنيث فقيل" فيه "كلمة نقص معناه" عن الجمع، "وصار" مع زيادة التاء "دالا على الواحد" فقط، "ونظيره" من أسماء الأجناس الجمعية من المصنوعات وهي غير مطردة، نحو "لَبِن ولَبِنة"، وهي الطوبة النيئة، "و" من المخلوقات وهي مطردة، نحو: "نَبْق ونبْقة"، وليس نظيره نحو كمء وكمأة، مما يدل على الجمع بالتاء، وعلى الواحد بتركها، ولا نحو: زنج وزنجي، مما يدل على الواحد بياء النسب، وعلى الجمع بتركها، فتبين أن الضابط المذكور للقسم الأول فقط، فسقط ما قيل إن هذا الضابط غير جامع لخروج نحو كمء وكمأة، وغير مانع لدخول نحو تخم وتخمة، من الجموع الغالب عليها التأنيث.
"وقد تبين بما ذكرناه" من قبل "في تفسير" ماهية "الكلام من أن شرطه" أن يجتمع فيه اللفظ و"الإفادة"، وبهذا التقدير سقط ما قيل إنه جعل الإفادة أولا شطرا وهنا شرطا، "و" من "أنه" قد يتألف "من كلمتين، و" تبين "بما هو" قول "مشهور" عندهم "من أن أقل الجمع ثلاثة" من الآحاد، أي: من مجموع هذين الأمرين تبين "أن بين الكلام والكلم" من النسب الأربع "عموما" من وجه، "وخصوصا من وجه".
"فالكلم أعم من جهة المعنى لانطلاقه على المفيد"، كضربت زيدا "و" على "غيره" أي: غير المفيد، كان قام زيد "وأخص من جهة اللفظ لكونه لا ينطلق على المركب من كلمتين"، كقام زيد.
[ ١ / ١٨ ]
والكلام أعم من جهة اللفظ، لانطلاقه على المركب من كلمتين فأكثر، وأخص من جهة المعنى لكونه لا ينطلق على غير المفيد، "فنحو: "زيد قام أبوه" كلام لوجود الفائدة، وكلم لوجود" الأفراد "الثلاثة"؛ التي هي زيد وقام وأب بدون الهاء، "بل الأربعة" بالهاء من أبوه، و"بل" هنا انتقالية لا إبطالية، ولم يقل ابتداء، لوجود الأربعة لقوله أولا: أقل الجمع ثلاثة، "و: قام زيد: كلام" لوجود الفائدة، "لا كلم" لعدم التركيب من الثلاثة، "وإن قام زيد بالعكس" أي: كلهم لوجود الثلاثة، لا كلام لعدم الفائدة. وفي كلامه ثلاث مناقشات:
إحداها: أن ذكر هذه النسبة ههنا: قال الحلواني؛ يعد من فضول الكلام. قال تلميذه الشيخ عز الدين ابن جماعة: لا بد في اللذين بينهما في عموم وخصوص من وجه من معرفة أمور معروضين وعارضين١، وثلاث ما صدقات٢، ومادة٣، ومتعلق٤، وهذا البحث بمعزل عن موضوع الفن. ا. هـ.
الثانية: أنه جعل جهة العموم في الكلم راجعة إلى المعنى، وجهة الخصوص فيه راجعة إلى اللفظ، وهذا مما لا يليق؛ لأن النسبة بين اللفظين إنما هي بحسب المعنى لا بحسب اللفظ، فكان ينبغي أن يقول: الكلم أعم اعتبار انطلاقه على اللفظ المفيد وغيره، وأخص باعتبار عدم انطلاقه على اللفظ المركب من كلمتين، قاله بعض المتأخرين.
الثالثة: أن ما صدق الاجتماع يفسد حد كل منهما، لدخول كل منهما في حد الآخر، والمتغايران في المفهوم ينبغي أن يتغايرا في الما صدق، ويمكن أن يدفع بأن الحيثية في التعريفات مرعية.
"والقول" على الأصح "عبارة٥ عن اللفظ" المفرد والمركب "الدال على معنى" يصح السكوت عليه أو لا، ولهذا قال في النظم:
٩-
والقول عم
_________________
(١) ١ المعروضان هما: ماهية الكلام والكلم، والعارضان: الإفادة وجمع الكلمات الثلاثة فأكثر، فالإفادة عارض الكلام، والجمع المذكور؛ عارض الكلم. "حاشية يس ١/ ٢٧". ٢ الما صدقات ثلاث صور: قد أفلح المؤمنون، قام زيدان، قام زيد. "حاشية يس ١/ ٢٧". ٣ المادة: الكلمات الثلاث: الاسم والفعل والحرف، أو الأسماء والأفعال والحروف. "حاشية يس ١/ ٢٧". ٤ الصورة هي المتعلق، والمراد بها الصورة الحاصلة من اجتماع كلمتين، أو كلمات، والنسبة الحكمية حالة في هذه الصور. "حاشية يس ١/ ٢٧". ٥ كذا في "ط"، وفي الأصل: "والقول عبارة على الأصح".
[ ١ / ١٩ ]
"فهو أعم من الكلام"؛ لانطلاقه على المفيد وغيره، "و" أعم "من الكلم"؛ لانطلاقه على المركب من كلمتين فأكثر، "و" من "الكلمة"؛ لانطلاقه على المفرد المركب "عموما مطلقا"؛ لصدقه على الكلام والكلم والكلمة، وانفراده في مثل: "غلام زيد"، فإنه ليس كلاما لعدم الفائدة، ولا كلما لعدم الثلاثة، ولا كلمة؛ لأنه ثنتان، "لا عموما من وجه" دون وجه، إذ لا يوجد شيء من الكلام والكلم والكلمة بدون القول، فكلما وجد واحد منهما وجد القول، ولا عكس، وفيه إيماء إلى أن "عم" في قول الناظم: "والقول عم" أفعل تفضيل، أصله "أعم" حذفت الهمزة ضرورة كما حذفت تخفيفا من خير وشر.
ولي هنا تشكيك، وهو أن يقال: دلالة اللفظ على المعنى تنقسم إلى وضعية، كما في المفردات الحقيقية، وإلى عقلية في المركبات والمفردات المجازية، وإلى طبيعية كأخ،
فإنه يدل على ألم الصدر دلالة طبيعية، فإن أراد الأول، كما هو ظاهر قوله في
شرح القطر١، والقول خاص بالموضوع، خرج عنه المركبات والمفردات المجازية. وإن أراد الثاني خرج عنه المفردات الحقيقية.
وقد يقال: إن القول أعم من الكلام والكلم والكلمة، وإن أراد مطلق الدلالة دخل نحو: أخ، واللفظ المصحف إذا فهم معناه، والمهمل كزيد، فإنه يدل على حياة الناطق به، وجميع ذلك لا يسمى كلمة، كما قاله المرادي في شرح التسهيل، فضلا عن أن يسمى قولا.
ويطلق القول لغة ويراد به الرأي والاعتقاد نحو: قال الشافعي يحل كذا، أي: رأى ذلك واعتقده.
ويطلق الكلام لغة ويراد به المفرد نحو: زيد في نحو قولهم: من أنت؟ زيد عند سيبويه، قاله ابن الناظم في نكت الحاجبية، ونقله أيضا عن أبي الحسين البصري الأصوليون.
ويطلق الكلم لغة ويراد به الكلام، نحو: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] "وتطلق الكلمة لغة ويراد بها الكلام"، مجازا من تسمية الشيء باسم جزئه، "نحو" قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ" هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أي: إن مقالة من قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] كلمة، ونحو قوله
_________________
(١) ١ شرح قطر الندى ص١٣.
[ ١ / ٢٠ ]
ﷺ: "أصدق كلمة" قالها شاعر كلمة لبيد: [من الطويل]
٤-
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وقولهم: "كلمة الشهادة" يريدون: لا إله إلا الله محمد رسول الله١، "وذلك كثير" في الورود "لا قليل"، كما يفهم من قول الناظم:
٩-
وكلمة بها كلام قد يؤم
لأن "قد" تشعر بالتقليل في عرف المصنفين، كما ذكره الموضح في باب الإمالة. ولك أن تقول: إطلاق الكلمة على الكلام وإن كان كثيرا في نفسه، لكنه قليل بالنسبة إلى إطلاقها على المفردات.
_________________
(١) عجز البيت: "وكل نعيم لا محالة زائل"، والبيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ٢٥٦، وجواهر الأدب ص٣٨٢، وخزانة الأدب ٢/ ٢٥٥-٢٥٧، والدرر ١/ ٥، وديوان المعاني ١/ ١١٨، وسمط اللآلي ص٢٥٣، وشرح ابن الناظم ص٧، وشرح الأشموني ١/ ١١، وشرح شذور الذهب ص٢٦١، وشرح شواهد المغني ١/ ١٥٠، ١٥٣، ١٥٤، ٣٩٢، وشرح المفصل ٢/ ٧٨، والعقد الفريد ٥/ ٢٧٣، ولسان العرب ٥/ ٣٥١ "رجز"، والمقاصد النحوية ١/ ٥، ٧، ٢٩١، ومغني اللبيب ١/ ١٣٣، وهمع الهوامع ١/ ٣، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٢١، وأوضح المسالك ٢/ ٢٨٩، والدرر ١/ ٤٩١، ٥٠١، ورصف المباني ٢٦٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٣١، وشرح عمدة الحافظ ص٢٦٣، وشرح قطر الندى ص٢٤٨، واللمع ص١٥٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٦. ١ شرح ابن الناظم ص٧.
[ ١ / ٢١ ]
[خطبة المؤلف]:
بسم الله الرحمن الرحيم
[٢] الحمد لله الملهم لتحميده حمدا موافيا لنعمه ومكافئا لمزيده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. [٣] شهادة مخلص في توحيده. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أشرف خلقه وأعظم عبيده، ﷺ وعلى آله وصحبه وجنوده.
وبعد؛ فيقول العبد الفقير إلى مولاه الغني؛ خالد بن عبد الله الأزهري؛ عامله الله بلطفه الخفي وأجراه على عوائد بره الحفي: إن الشرح المشهور بـ"التوضيح على ألفية ابن مالك في علم النحو" للشيخ الإمام العلامة الرباني جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري؛ تغمده الله بالرحمة والرضوان؛ في غاية حسن الموقع عند جميع الإخوان، لم يأت أحد بمثاله؛ ولم ينسج ناسج على منواله، ولم يوضع في ترتيب الأقسام مثله، ولم يبرز للوجود في هذا النحو شكله. غير أنه يحتاج إلى شرح يسفر عن وجوه مخدراته النقاب، ويبرز من خفي مكنوناته ما وراء الحجاب، وقد ذكرت ذلك لمصنفه في المنام، فاعترف بهذا الكلام، ووعد بأنه سيكتب عليه ما يبين مراده، ويظهر مفاده، فقصصت هذه الرؤيا على بعض الإخوان، فقال: هذا إذن لك يا فلان، فإن إسناد الشيخ الكتابة إلى نفسه مجاز، كقولهم: بني الأمير المجاز؛ وليس هو الباني بنفسه، وإنما يأمر العَمَلَة من أبناء جنسه، وكنت أنت المشار إليه لما تمثلت بين يديه، وخاطبك بهذا الخطاب، فانهض وبادر للأجر والثواب. فاستخرت رب العباد، وشمرت ساعد الاجتهاد، وشرحته شرحا كشف خفاياه، وأبرز أسراره وخباياه، وباح بسره المكتوم، وجمع شمله بأصله المنظوم، وسميته "التصريح بمضمون التوضيح"، ووشحته بعشرة أمور مهمة، مشتملة على فوائد جمة:
أحدها: أني مزجت شرحي بشرحه، حتى صارا كالشيء الواحد، لا يميز بينهما إلا صاحب بصر أو بصيرة. ومن فوائد ذلك حَلُّ تراكيبه العسيرة.
[ ١ / ٣ ]
ثانيها: أنني تتبعت أصوله التي أخذ منها، وربما شرحت [٤] كلامه بكلامه. ومن فوائد ذلك بيان قصده ومرامه.
ثالثها: أنني ذكرت ما أهمله من الشروط في بعض المسائل المطلقة، ومن فوائد ذلك تقييد ما أطلقه.
رابعها: أنني كمّلت بيت كل شاهد مما اقتصر على شطره؛ وعزوته إلى قائله، إلا قليلا لم أظفر بذكره، وشرحت منه الغريب. ومن فوائد ذلك معرفة كونه غريبا، حتى يتم به التقريب، وهو سوق الدليل على طبق المدعي.
خامسها: أنني ضبطت الألفاظ الغريبة بالحرف، وبينت جميع معانيها، ومن فوائد ذلك الأمن من التحريف، وحفظ مبانيها.
سادسها: أنني طبقت الشرح على النظم، وقد كان أغفله، ومن فوائد ذلك معرفة شرح كل مسألة.
سابعها: أنني ذكرت حجج جميع المخالفين وقوة الترجيح. ومن فوائد ذلك العلم بما يفتى به على الصحيح.
ثامنها: أنني ذكرت غالبا علل الأحكام وأدلتها. ومن فوائد ذلك تمكينها في الأذهان، والجزم بمعرفتها.
تاسعها: أنني بينت المعتمد من المواضع التي تناقض كلامه فيها وما خالف فيه التسهيل. ومن فوائد ذلك معرفة ما عليه التعويل.
عاشرها: أنني بينت المواضع التي اعتمدها مع أنها من أبحاثه. ومن فوائد ذلك معرفة كونها من عندياته.
أقول قولي هذا وأستغر الله مما يقع لي من الخلل في بعض المسائل المسطورة، وأعوذ بالله من شر الحاسدين، الذين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، وأسأل فضل من حسن خِيْمُه١؛ وسلم من داء الحسد أديمه، إذا عثر على شيء مما طغى به القلم؛ أو زلت به القدم، أن يدرأ بالحسنة السيئة، ويحضر قلبه؛ إن الإنسان محل النسيان، وإن الصفح عن عثرات الضعاف من شيم الأشراف، وإن الحسنات يذهبن السيئات. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
_________________
(١) ١ الخيم: السجية والخلق والأصل.
[ ١ / ٤ ]
وينحصر في علمي النحو والتصريف، وقد تضافرت الروايات على أن أول من وضع النحو أبو الأسود، وأنه أخذه أولا عن علي بن أبي طالب ﵁، وكان أبو الأسود كوفي الدار، بصري المنشأ، ومات وقد أسن، واتفقوا على أن أول من وضع التصريف معاذ بن مسلم الهراء؛ بفتح الهاء وتشديد الراء، نسبة إلى بيع الثياب الهروية؛ وكان تخرج بأبي الأسود؛ وأدب عبد الملك بن مروان، ثم خلف أبا الأسود خمسة نفر؛ أولهم عنبسة الفيل، كان اسم أبيه معدان، قتل فيلا لعبد الله بن عامر بن كريز فسمي معدان الفيل؛ وسمي ابنه عنبسة الفيل. وثانيهم ميمون الأقرن، وثالثهم يحيى بن يعمر العدواني، والرابع والخامس ولدا أبي الأسود عطاء وأبو الحارث، ثم خلف هؤلاء عبد الله بن إسحاق الحضرمي؛ وعيسى بن عمر الثقفي؛ وأبو عمرو بن العلاء؛ ثم الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ ثم سيبويه؛ والكسائي، ثم صار الناس بعد ذلك فريقين، كوفيا وبصريا، ثم خلف سيبويه أبو الحسن الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة، وخلف الكسائي الفراء. ثم جاء بعد ذلك صالح بن إسحاق الجرمي، وبكر بن عثمان المازني، ثم جاء بعدهما محمد بن يزيد المبرد، وجاء بعد إسحاق الزجاج؛ وأبو بكر بن السراج؛ وابن درستويه؛ وأبو بكر محمد بن مبرمان، ثم جاء بعد هؤلاء أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي؛ وأبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي؛ وعلي بن عيسى الرماني؛ ثم أبو الفتح بن جني؛ ثم الشيخ عبد القاهر الجرجاني؛ ثم الزمخشري؛ ثم ابن الحاجب؛ ثم ابن مالك؛ ثم ابن هشام مصنف هذا الكتاب.
ولد ﵀ بالقاهرة المحروسة يوم السبت خامس ذي القعدة الحرام سنة ثمان وسبعمائة، ووافق بوفاته خامس ذي القعدة أيضا سنة إحدى وستين وسبعمائة. وله من المصنفات المغني؛ والتوضيح؛ وعمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب في مجلدين؛ ورفع الخصاصة عن قراء الخلاصة في أربعة مجلدات؛ وشرح التسهيل في عدة مجلدات؛ قيل: ولم يكمل، وشرح الشواهد الكبرى؛ والصغرى؛ والشذور؛ والقطر وشرحاهما؛ وشرح لمحة أبي حيان؛ وأحكام لو وحتى؛ وانتصاب لغة؛ وفضلا وجرا في قولهم: الدليل لغة؛ وفضلا عن أن يكون كذا، وهلم جرا؛ كل منها في جزء لطيف، وشرح بانت سعاد، وشرح البردة، وإقامة الدليل على صحة التحليل، والتذكرة في خمسة عشر جزءا؛ والجامع الصغير؛ وحواشي التسهيل في مجلدين، وغير ذلك. وكان شافعي المذهب ثم تقلد للإمام أحمد بن حنبل قبل وفاته بخمس سنين.
[ ١ / ٥ ]
[شرح خطبة الكتاب]:
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "بسم الله الرحمن الرحيم" اقتداء بالقرآن العظيم، وعملًا بقول النبي الكريم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر؛ وذاهب البركة". رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتابه الجامع والحافظ عبد القادر الرهاوي، والتوفيق بينه وبين حديث: "لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" أي: مقطوع البركة، ممكن بأن يراد بكل منهما الذكر؛ لأن كلا منهما ذكر.
وقد جاء في بعض الروايات: "لا يبدأ فيه بذكر الله" وهو حديث حسن، أو يحمل حديث البسملة على الابتداء الحقيقي؛ بحيث لا يسبقه شيء. وحديث الحمدلة على الابتداء الإضافي، وهو ما بعد البسملة ولم يعكس؛ لأن حديث البسملة أقوى بكتاب الله الوارد على هذا المنوال، وإضافة اسم إلى الله قيل من إضافة العام إلى الخاص، كخاتم حديد١.
وقيل: المضاف هنا مقحم؛ جيء به لإرشاد حسن الأداء، وقيل: الاسم هنا بمعنى التسمية، وقيل: في الكلام حذف مضاف؛ تقديره باسم مسمى الله. ومنشأ ذلك أنهم اختلفوا في الاسم والمسمى؛ هل هما متغايران أم لا؟ والأول رأي المعتزلة، والثاني قول الأشعري. وقيل لا ولا٢، وهو مذهب أهل النقل، ويعزى لمالك رضي الله تعالى عنه. والتحقيق أن الخلاف لفظي، وذلك أن الاسم إذا أريد به اللفظ فغير المسمى، وإن أريد به
_________________
(١) ١ قوله: "كخاتم حديد" أي: بناء على أنها إضافة بيانية، أي: خاتم هو حديد، فالمراد بـ"الله" لفظه لا ذاته العلمية. "حاشية يس ١/ ٥". ٢ أي: لا متغايران، ولا غير متغايرين. "حاشية يس ١/ ٧".
[ ١ / ٦ ]
ذات الشيء فهو عينه، لكنه لم يشتهر بهذا المعنى، قال الإمام الرازي: إنا لم نجد شيئا معتدا به في النزاع أن الاسم هل هو عين المسمى أو غيره هو. والله: علم على الذات المعبود بالحق. وقيل: وهو وصف مشتق من الإله١. وقيل: أصله لاها بالسريانية، فعرب بحذف الألف الأخيرة؛ وإدخال الألف واللام عليه، وتفخيم لامه إذا انفتح ما قبله وانضم. و"الرحمن": فعلان من رحم؛ بالكسر؛ كغضبان من غضب؛ صفة مشبهة؛ لكن بعد النقل إلى فعل بضم العين؛ أو بعد تنزيل الفعل المتعدي منزلة الفعل اللازم، كما في قولك: فلان يعطي؛ لأن الصفة المشبهة لا تصاغ من متعد، وقيل علم، و"الرحيم": فعيل من رحم أيضا، كمريض من مرض، لكن في الرحمن من المبالغة ما ليست في الرحيم، واشتقاقهما من الرحمة، وهي هنا مجاز عن الإنعام. قال الإمام الرازي: إذا وصف الله تعالى بأمر ولم يصح وصفه به يحمل على غاية ذلك وملاءمته، وهذه قاعدة في كل مقام.
"الحمد لله": الحمد لغة: الوصف بالجميل الاختياري على قصد التعظيم، والوصف لا يكون إلا باللسان، فيكون مورده خاصا، وهذا الوصف يجوز أن يكون بإزاء نعمة وغيرها، فيكون متلقه عاما. والشكر على العكس؛ لكونه لغة فعلا ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الشاكر، فيكون مورده اللسان والجنان، ومتعلقه النعمة الواصلة إلى الشاكر، فكل منهما أعم وأخص من الآخر بوجه، ففي الفضائل حمد فقط، وفي أفعال القلب والجوارح شكر فقط، وفي فعل اللسان بإزاء الإنعام حمد وشكر، والحمد؛ عرفا؛ فعل يشعر بتعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الحامد أو غيره، والشكر؛ عرفا؛ صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله له. فالشكر أخص مطلقا لاختصاص تعلقه بالباري تعالى ولتقييده بكون المنعم منعما على الشاكر فقط، ولوجوب شمول الآلات فيه بخلاف الحمد.
واعلم أن صرف العبد الجميع واحد اعتبارا كالشكر؛ وإن كان أفعالا حقيقة فيصدق عليه الحمد العرفي، فحصل من ذلك ستة أقسام، حمدان لغوي وعرفي، وشكران كذلك، وحمد وشكر لغويان، وحمد وشكر عرفيان، وحمد لغوي وشكر عرفي، وحمد عرفي وشكر لغوي، ويتبين لك بأدنى توجه أن النسبة بين الحمدين وبين الحمد اللغوي والشكر اللغوي عموم وخصوص من وجه، وبين الشكرين وبين الحمد والشكر العرفيين، وبين الحمد اللغوي والشكر العرفي عموم مطلق، وبين الحمد العرفي والشكر اللغوي تساو.
_________________
(١) ١ أي: من التحير، مصدر ألِهَ.
[ ١ / ٧ ]
واختار لفظ الحمد لله بالجملة الاسمية موافقة لكتاب الله؛ ودلالة على الدوام والثبات، وتقديم الحمد باعتبار أنه أهم نظرا إلى كون المقام مقام الحمد، كما ذهب إليه صاحب الكشاف في تقديم الفعل في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ١ [العلق: ١]، وإن كان ذكر الله أهم نظرا إلى ذاته و"أل" في الحمد: للاستغراق، وقيل للجنس، وقيل للعهد، واللام في "الله" للملك أو للاستحقاق، وقيل للتعليل، والمعنى على الأول: جميع المحامد مملوكة لله أو مستحقة له، وعلى الثاني: جميع المحامد ثابتة لأجل الله.
فإن قيل: ما معنى كون حمد العباد لله تعالى، مع أن حمدهم حادث والله تعالى قديم، ولا يجوز قيام الحادث بالقديم؟ فالجواب: أن المراد منه تعلق الحمد لله، ولا يلزم من التعلق القيام كتعلق العلم بالمعلومات. "رب": معناه مالك، صفة من رَبَّه يَرُبُّه فهو رَبّ. وقيل هو في الأصل مصدر بمعنى التربية؛ وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا، ثم وصف به للمبالغة كما وصف بالعدل، وهو من أسماء الله تعالى، ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا، كرب الدار، ومنه ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] وقد استعمل في المالك؛ لأنه يحفظ ما يملكه. "العالمين": جمع عالم بفتح اللام، وهو اسم عام لجميع المخلوقات. سمي عالما لكونه علما على حدوثه، وافتقاره إلى موجد قديم. وإنما جمع باعتبار أنواع كل جنس مما سمي به، أو لأنه يتوجه إلى عالم كل زمان، وجمع بالواو أو الياء والنون؛ لأن الأصل فيه العقلاء، وغيرهم تطفل عليهم، قاله شارح السراجية. وقال ابن مالك: "التحقيق أنه اسم جمع محمول على الجمع؛ لأنه لو كان جمعا لعالم لزم أن يكون المفرد أوسع دلالة من الجمع؛ لأن العالم اسم لما سوى الله تعالى، والعالمين خاص بالعقلاء". ا. هـ.
"والصلاة": فَعْلَة من صلى إذا دعا بخير، والمراد بها هنا الاعتناء بشأن المصلَّى عليه وإرادة الخير له. "والسلام": التحية، وجمع بينهما امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، حذرا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر؛ ولو خطأ. "الأتمّان الأكملان": نعتان للصلاة والسلام. "على سيدنا": من ساد قومه يسودهم سيادة فهو سيد، ووزنه فَيْعِل؛ وأصله سَيْوِد، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، ويطلق على الذي يفوق قومه، ويرتفع قدره عليهم، وعلى الحليم الذي لا يستفزه غضبه، وعلى الكريم، وعلى المالك، قاله النووي في أذكاره. "محمد": علم منقول من اسم مفعول حمد بالتشديد سمي ﷺ بذلك لكثرة خصاله
_________________
(١) ١ الكشاف ٤/ ٢٧١، تفسير سورة العلق.
[ ١ / ٨ ]
المحمودة، قال حسان ﵁: [من الطويل]
١-
وشق له من اسمه ليحله فذو العرش محمود وهذا محمد
"خاتم": أي: آخر النبيين، جمع نبي بغير همز، مأخوذة من النبوة، بفتح النون وسكون الباء الموحدة وتخفيف الواو المفتوحة؛ بمعنى الارتفاع، وبالهمز من النبأ وهو الخبر. "وإمام المتقين": جمع متق؛ وهو الخائف من الله تعالى؛ والإمام المقتدى به والمتبع. "وقائد": أي: دليل. "الغر": جمع أغر من الغُرّة، وهي في الأصل بياض في وجه الفرس فوق الدرهم. "المحجَّلِين": جمع مُحَجّل من الحجيل، وهو بياض في قوائم الفرس. والمراد: الموصوفون ببياض مواضع الوضوء؛ من الوجوه والأيدي والأقدام على طريق الاستعارة. "وعلى آله": هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، واختلف في ألفه، أمنقلبة عن هاء أو عن واو؟ قال بالأول سيبويه، وأصله عنده: أهل. وقال بالثاني الكسائي، وأصله عنده أول؛ من آل إليه في الدين يئول. ويظهر أثر القولين في التصغير، فمن قال أصله "أهل" قال في تصغيره: "أهيل". ومن قال أصله "أَوَل" قال في تصغيره: "أُوَيْل"، وكلاهما مسموع، ولكن الأول أشهر وأكثر، ثم اختلف في معناه، فقال الإمام الشافعي: أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف؛ لأنهم أهلوه أو آل أمر دينهم إليه، وقيل غير ذلك. "وصَحْبِه": اسم جمع صاحب كَرَكْب وراكِب. وعطف الصَّحْب على الآل الشامل لبعضهم لتشمل الصلاة باقيهم. "أجمعين": توكيد معنوي مفيد للإحاطة والشمول. "صلاة وسلاما": اسما مصدرين منصوبان على المفعولية المطلقة، مفيدان لتقوية عاملهما وتقرير معناه. "دائمين": نعت "صلاة وسلاما". "بدوام": أي: ببقاء. "السماوات": جمع سماء على غير قياس. "والأرضين": بفتح الراء ولا يجوز إسكانها إلا في الشعر، كقوله: [من الطويل]
٢-
لقد ضجت الأرضون إذ قام من بني هذاذ خطيب فوق أعواد منبر
وجمعت أرض جمع المذكر السالم شذوذا.
"أما": بفتح الهمزة وتشديد الميم قال الدماميني: "حرف فيه معنى الشرط، صرح به جماعة من النحويين، لا حرف شرط". ا. هـ. وهي هنا مجردة عن التفصيل،
_________________
(١) ١ البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص٣٣٨، وخزانة الأدب ١/ ٢٢٣. ٢ البيت لكعب بن معدان في المحتسب ١/ ٢١٨، وبلا نسبة في الدرر ١/ ٥٠، وشرح شذور الذهب ص٥٧، وهمع الهوامع ١/ ٤٦.
[ ١ / ٩ ]
كما نص عليه في المغني في: "أما زيد فمنطلق"، وقول العلامة عبد القادر المكي في حاشيته على هذا الكتاب: "أما؛ هذه؛ حرف شرط وتفصيل" مخالف لما ذكرنا من النقلين معا. "بعد": ظرف زمان كثيرا، ومكان قليلا، تقول في الزمان: "جاء زيد بعد عمرو"، وفي المكان: "دار زيد بعد دار عمرو". وهي هنا صالحة للزمان باعتبار اللفظ، وللمكان باعتبار الرقم. واختلف في ناصبها إذا وقعت بعد "أما"، فقيل: فعل الشرط المقدر، وقيل: إما لنيابتها عن الفعل المقدر؛ وهو مذهب سيبويه، فعلى الأول "أما" نائبة عن الفعل معنى لا عملا، وعلى الثاني نائبة معنى وعملا. والأصل: مهما يكن من شيء بعد "حمد الله"، فـ"مهما" هنا مبتدأ والاسمية لازمة للمبتدأ، و"يكن": شرط، و"الفاء": لازمة له غالبا. فحين تضمنت "أما" معنى الابتداء أو الشرط لزمتها "الفاء" ولصوق الاسم إقامة للازم وهو الفاء، ولصوق الاسم مقام الملزوم وهو الابتداء والشرط وإبقاء لأثره في الجملة. "مستحق الحمد وملهمه": نعتان لله لمجرد المدح، وصح نعت المعرفة بهما؛ لأنهما للدوام والاستمرار، فإضافتهما محضة أو بدلان، ويمتنع جعلهما عطفي بيان على الله؛ لأن عطف البيان للتوضيح المستدعي إيهاما، أو للتخصيص المستدعي عموما، وكلاهما منتف هنا. والاستحقاق: الاختصاص، والإلهام: ما يلقى في الروع؛ بضم الراء؛ وهو القلب. "ومنشيء الخلق ومعدمه" فيهما الإعراب المتقدم. والإنشاء هنا الإيجاد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] أي: أوجدناهن إيجادا. الخلق بمعنى المخلوق، والإعدام: الإفناء والإنفاد، ولا يخفى ما في مقابلة الإنشاء بالإعدام من الطباق. "والصلاة والسلام": مجروران بالعطف على حمد الله، وتقدم تفسيرهما. "على أشرف الخلق": متعلق بالسلام لقربه، وهو مطلوب أيضا للصلاة من جهة المعنى على سبيل التنازع. "وأكرمه" معطوف على أشرف. "المنعوت": بالنون من النعت، بمعنى الصفة، "بأحسن": متعلق بالمنعوت، "الخلق": بضم الخاء مع ضم اللام وسكونها والضم أشهر. والخَلْق والخُلُق؛ بفتح الخاء في الأول وضمها في الثاني؛ في الأصل واحد، كالشَّرب والشُّرب، لكن خص المفتوح بالهيئات والأشكال والصورة المدركة بالبصر، وخص المضموم بالقوى والسجايا المدركة البصيرة. والمراد هنا السجية والطبيعة، وبينهما من البديع الجناس المحرف١، "وأعظمه": معطوف على "أحسن"، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . "محمد": بدل من "أشرف"، ويجوز
_________________
(١) ١ الجناس المحرف: هو اختلاف اللفظين في الهيئة، نحو: جبة البرد جنة البرد. "حاشية يس ١/ ١٣".
[ ١ / ١٠ ]
كونه عطف بيان عليه، فإن إضافة اسم التفضيل إلى المعرفة معنوية، خلافا لأبي البقاء العكبري حيث ذهب إلى أنها لفظية، "نبيه وخليله وصفيه": نعوت لمحمد. والخليل: الذي خلصت محبته، والصفي: المختار. "وعلى آله وأصحابه وأحزابه وأحبابه": معطوف على "أشرف"، وأعاد الجار مع آله لطول الفصل. والأصحاب: جمع صاحب، خلاف للجوهري. ونظيره: شاهد وأشهاد. وفي التنزيل: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، قال بعض أهل التفسير: جمع شاهد. والأحزاب: جمع حزب، وحزب الرجل: جنده وأصحابه. وقال الراغب١: "الحزب جماعة فيها غلظة"، ويطلق على الأنصار. وكلا المعنيين جائز هنا. أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] . والأحباب: جمع حبيب. وبين الأحزاب والأحباب نوع من الجناس اللاحق٢.
"فإن كتاب الخلاصة": جواب "أما" ولذلك قرن بالفاء، وصح ذلك على ضرب من المجاز٣. وذلك لأن جواب الشرط مستقبل، وكون الخلاصة بالصفات المذكورة ليس مستقبلا فيدعي أن الجواب محذوف، والمذكور معموله أقيم مقامه عند حذفه، والتقدير: فإني قائل لك إن كتاب الخلاصة كذا وكذا إلخ. وإضافة كتاب إلى الخلاصة من قبيل إضافة الأعم إلى الأخص، كشجر أراك، أو من قبيل إضافة المسمى إلى اسمه، أي: الكتاب المخصوص بهذا الاسم، كما في قوله: سرنا ذات مرة، أي: مرة مختصة بهذا الاسم "الألفية": بالنصب بدل من كتاب، وبالجر بدل من خلاصة، منسوبة إلى ألف، بناء على أشهر القولين أن البيت اسم للصدر والعجز عند العروضيين. وقيل: كل منهما بيت على حدة "في علم العربية" حال من "كتاب"، والمراد بعلم العربية هنا علم النحو المشتمل على علم التصريف، وله حد وموضوع وغاية وفائدة. فحده علم بأصول يعرف
_________________
(١) ١ في كتابه مفردات ألفاظ القرآن ص٢٣١ "حزب"، وفيه "غلظ" مكان "غلظة". ٢ الجناس اللاحق: هو المختلف من أنواع الحروف، ويشترط فيه أن لا يقع الاختلاف في أكثر من حرف ثم إن كان الحرفان المختلفان متقاربين في المخرج كان الجناس مضارعا كـ"ينهون" و"ينأون"، وإن لم يكونا متقاربين فيه كان لاحقا، ومن المضارع: الخيل معقود بنواصيها الخير. "حاشية يس ١/ ١٥". ٣ أي: مجاز الحذف، وبهذا المجاز يتوصل إلى دفع إشكال آخر؛ وهو أن مضمون الجزاء هنا وهو كون كتاب الخلاصة بالأوصاف الآتية ثابت؛ حمد أو لم يحمد، فما المراد بكونه بعد الحمد؟ الجواب: أن الذي جعل بعد الحمد القول والأخبار والأعلام والقيود قد تتعلق بذلك، كما نص ابن الحاجب. "حاشية يس ١/ ١٥".
[ ١ / ١١ ]
بها أحوال أبنية الكلم إعرابا وبناء، وموضوعه الكلمات العربية؛ لأنه يبحث فيه عن عوارضها الذاتية من حيث الإعراب والبناء، وغايته الاستعانة على فهم كلام الله تعالى ورسوله، وفائدته معرفة صواب الكلام من خطئه "نَظْم": بمعنى منظوم، نعت لكتاب إن نصب؛ وللخلاصة إن خفض، "الإمام": مجرور بإضافة نظم إليه. "العلامة": صيغة مبالغة في عالم؛ والتاء فيه لتأكيد المبالغة؛ "جمال الدين" لقب "أبي عبد الله" كنية "محمد" اسم "ابن مالك" نعت أول "الطائي" نعت ثان "﵀" جملة دعائية لا محل لها من الإعراب. وفي كلامه مخالفة لأصلين: أحدهما: أن "الإمام العلامة" نعتان لجمال الدين وما ذكره بعده، فقدمهما؛ والنعت لا يتقدم على المنعوت.
والثاني: أنه متى اجتمع الاسم واللقب وجب على الأفصح تأخير اللقب عن الاسم، كما سيصرح به، وهنا قدم اللقب على الاسم.
والجواب على الأول: أن النعت إذا قدم وكان صالحا لمباشرة العامل فإنه يعرب بحسب ما يقتضيه العامل، ويجعل المنعوت بدلا، ويصير المتبوع تابعا، واضمحلت النعتية، كقوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢] في قراءة الخفض١.
والجواب عن الثاني: أن هنا اللقب مسوق للمدح، فإذا جرى لفظ المدح أولا تشوقت النفس إلى الممدوح، فإذا ذكر الممدوح بعد ذلك كان أوقع في النفس، على أن ذلك لغة كما سيأتي.
"كتاب": خبر "إن"، وصح الإخبار بكتاب عن كتاب وإن تساويا لفظا لتخالفهما إضافة ونعتا، "صغر حجما وغزر علما": بضم عين الفعلين، وفاعلهما ضمير مستتر فيهما يرجع إلى كتاب، والجملتان نعت لكتاب، والمنصوب بعدهما تمييز محول عن الفاعل، والأصل: كتاب صغير حجمه وغزر علمه، هذا إن كانا باقيين على أصلهما من إفادة الإخبار، وإن كانا حولا إلى معنى المدح على حد قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]، فهما خبر ثان لا نعت لكتاب؛ لأن الجمل الإنشائية يخبر بها ولا ينعت، والصغر: القلة، والحجم: النتوء. يقال: ليس لمرفقه حجم؛ أي: نتوء. والغزارة: الكثرة، وبين الصغر والغزارة نوع من الطباق. "غير": بالنصب على الاستثناء المنقطع المخرج
_________________
(١) ١ كذا في الرسم المصحفي، وقرأ "الله" بالرفع: نافع وابن عامر وأبو جعفر والحسن. الإتحاف ص٢٧١، والنشر ٢/ ٢٩٨.
[ ١ / ١٢ ]
عما دخل في حكم دلالة المفهوم. واختلف في نصبها في الاستثناء، فقال ابن عصفور: "عن تمام الكلام"، وقال الفارسي: "على الحالية"، وقال ابن الباذش: "على التشبيه بظرف المكان". ويجوز أن تكون فتحة "غير" هنا بنائية؛ لأن "غير" إذا أضيفت لمبنى جاز بناؤها على الفتح، كقوله: [من البسيط]
٣-
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أَوْقَال
قاله في المغني١.
"أنه" بفتح الهمزة، والضمير لكتاب "لإفراط": أي: مجاوزة الحد "الإيجاز": الاختصار "قد كاد يعد" أي: قارب أن يعد "من جملة الألغاز" جمع لُغَز؛ بضم اللام وفتح الغين المعجمة؛ مثل رطب وأرطاب، يقال: ألغز في كلامه إذا عَمّى مراده، والاسم: اللُّغَز؛ كالرطب؛ واللُّغُز؛ كالعُنُق؛ واللُّغْز؛ كالقفْل؛ حكاها الدماميني فقال: "وعينه" تفتح
وتضم وتسكن". "وقد أسعفت طالبيه" أي: ساعدتهم، يقال: أسعفت الرجل بحاجته إذا قضيتها له، والمساعفة: الموافاة والمساعدة "بمختصر" صفة لمحذوف، أي: بشرح مختصر "يدانيه" أي: يقاربه في مسائله التي هي فيه، وليس المراد يقاربه في حجمه؛ لأن الحس يخالفه، "وتوضيح" أي: مبين وكاشف، وبه اشتهر، "يسايره" أي: يحاذيه، وقيل: يمشي مشيه "ويباريه" أي: يعارضه ويفعل مثل فعله "أحل به ألفاظه" أي: أبين به مفردات ألفاظه "وأوضح معانية" بفتح الياء أي: أكشفها وأبينها "وأحلل" أي: أفكك "به تراكيبه" أي: مركباته "وأنقح" أي: أهذب "
مبانيه" بفتح الياء المثناة تحت، جمع مبنى، ومباني الكتاب ما تنبني عليه مسائله "وأعذب" بالذال المعجمة أي: أحلى، ومنه الماء العذب، "به موارده" جمع موردة
بالهاء؛ وهي في الأصل طرق الماء؛ بالطاء المهملة؛ "وأعقل" أي: أمنع؛ من العقل وهو المنع، "به شوارده" جمع شاردة، أي: نافرة. وفيه استعارة حيث شبه ما تضمنته الألفية بالإبل الشاردة، ورشحها بذكر صفة ملائمة للمستعار
_________________
(١) البيت لأبي قيس بن الأسلت في ديوانه ص٨٥، وجمهرة اللغة ص١٣١٦، وخزانة الأدب ٣/ ٤٠٦، ٤٠٧، والدرر ١/ ٤٧٧، ولأبي قيس بن رفاعة في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٨٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٥٨، وشرح المفصل ٣/ ٨٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٦٥، ٢١٤، ٥/ ٢٩٦، والإنصاف ١/ ٢٨٧، وخزانة الأدب ٦/ ٥٣٢، ٥٥٢، ٥٥٣، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٠٧، وشرح المفصل ٣/ ٨١، ٨/ ١٣٥، والكتاب ٢/ ٣٢٩، ولسان العرب ١٠/ ٣٥٤ "نطق"، ١١/ ٧٣٤ "وقل"، ومغني اللبيب ١/ ١٥٩، وهمع الهوامع ١/ ٢١٩. ١ مغني اللبيب ١/ ١٥٩.
[ ١ / ١٣ ]
منه وهو العقل، "ولا أخلي" أي: أترك "منه مسألة" مفعلة من السؤال، وهي ما يبرهن عليه في العلم "من شاهد" أي: دليل، وهو ما يذكر لإثبات قاعدة كلية من كتاب أو سنة، أو من كلام عربي فصيح "أو تمثيل" أي: مثال، وهو جزئي من جزئيات قاعدة يذكر إيضاحا لتلك القاعدة، فكل شاهد مثال ولا عكس. "وربما أشير" أنا "فيه إلى خلاف" في بعض المسائل، أي: مخالفا للناظم وغيره، كقوله في باب الجوازم خلافا لابن مالك "أو نقد" بالدال، أي: انتقاد على للناظم وغيره، كقوله في باب الوقف في مسألة تأتي. وهذا مردود بإجماع المسلمين على الوقف على كذا، "أو تعليل" لحكم "ولم آل"؛ بمد الهمزة؛ من الألو، يحتمل أن يكون بمعنى أمنع، فيتعدى إلى اثنين، حذف أحدهما لعدم تعلق الغرض بذكره، والتقدير: ولم أمنع أحدا "جهدا" ويحتمل أن يكون بمعنى أقصر، فيكون قاصرا. وإنما يتعدى بإسقاط الجار، والتقدير: ولم أقصر في جهد، ثم حذف الجار فانتصب. وهو بفتح الجيم وضمها، وفصل القراءة فقال: الجهد؛ بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة، "في توضيحه"؛ أي: تبيينه؛ "وتهذيبه" بالذال المعجمة: أي: تنقيته وتصفيته. "وربما خالفته في تفصيله"، كما فعل في الاسم والفعل والحرف؛ حيث جعلها أقساما للكلمة لا للتكلم، "وترتيبه" وهو كثير، ومنه ما فعل في باب نائب الفاعل، حيث أخر الكلام على الفعل وقدم الكلام على النائب، "وسميته أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" ليطابق اسمه معناه. والمسالك: جمع مسلك، وهو طريق السلوك، "وبالله أعتصم" أي: أمتنع، "وأسأله العصمة" أي: المنع، "مما يَصِم"، بفتح الياء وكسر الصاد المهملة، من الوَصْم، بسكون الصاد، وهو العيب والعار، "لا رب غيره، ولا مأمول إلا خيره، عليه توكلت وإليه أنيب" أي: أرجع.
[ ١ / ١٤ ]
الكلام وما يتألف منه
مدخل
الكلام وما يتألف منه:
قال الناظم: الكلام وما يتألف منه. هذه الترجمة فيها حذف، وأصلها: "هذا باب شرح" ماهية "الكلام، وشرح" ماهية "ما يتألف الكلام منه"، وهو الكلم الثلاث. والتألُّف والتأليف: وقوع الألفة والتناسب بين الجزأين. وهو أخص من التركيب، إذ التركيب ضم كلمة إلى أخرى فأكثر، فكل مؤلف مركب من غير عكس.
"والكلام في" اصطلاح اللغويين: عبارة عن القول، وما كان مكتفيا بنفسه، كما ذكره في القاموس. وفي اصطلاح المتكلمين: عبارة عن المعنى القائم بالنفس. و"اصطلاح النحويين عبارة عما" أي: مؤلف "اجتمع في أمران: اللفظ والإفادة" والظرفية هنا مجازية كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ﴿الأحزاب: ٢١] أي: إنه ﷺ في نفسه أسوة حسنة، كما قاله في الكشاف١. والمعنى: الكلام في نفسه اللفظ والإفادة، لا أن هناك ظرفا ومظروفا حقيقة، ولو قال: عبارة عن اللفظ والإفادة، كما قال الناظم:
٨-
لفظ مفيد
كان أجود، واللفظ في الأصل: مصدر لَفَظت الرَّحَى الدقيق، إذا رمته إلى خارج.
"والمراد باللفظ" هنا الملفوظ به، وهو "الصوت" من الفم "المشتمل على بعض الحروف" الهجائية، "تحقيقا" كزيد، "أو تقديرا" كألفاظ الضمائر المستترة. وسمي الصوت لفظا لكونه يحدث سبب رمي الهواء من داخل الرئة إلى خارجها، إطلاقا لاسم السبب على المسبب، قاله الفخر الرازي. والإفادة: مصدر أفاد بمعنى دل دلالة مطلقة. والمفيد الدال على معنى مطلقا.
_________________
(١) ١ الكشاف ٢/ ١٩٦.
[ ١ / ١٥ ]
"فصل":
"يتميز الاسم عن" قسيميه "الفعل والحرف بخمس علامات"، وهي المشار إليها في النظم بقوله:
١٠-
بالجر والتنوين والندا وأل ومسند للاسم
"إحداها الجر": وهو في الأصل مصدر جر "وليس المراد به" في النظم "حرف الجر"، أي: دخول حرف الجر كما قدره صاحب المكمل١ في عبارة المفصل حيث قال: وأراد بالجر دخول حرف الجر. ا. هـ. وكما قال الموضح في النداء، وليس المراد به دخول حرف النداء، كما سيأتي فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، بدليل قوله "لأنه"، أي: حرف جر، "قد يدخل في اللفظ على ما ليس باسم" على التقديم والتأخير، والأصل قد يدخل على ما ليس باسم في اللفظ؛ لأن الغرض نفي الاسمية في اللفظ؛ وإن كانت ثابتة في التقدير، لا الدخول في اللفظ فليتأمل "نحو: عجبت من أن قمت" فدخل حرف الجر وهو "من" على "أن قمت" وهو ليس باسم في اللفظ، وإن كان اسما بالتأويل، أي: من قيامك، "بل المراد به" أي: بالجر "الكسرة التي يحدثها عامل الجر"، أو نائبها. ونسبة الأحداث إلى العامل استعارة؛ لأنه مجاز مبني على التشبيه، كنسبة الإرادة إلى الجدار في قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] "سواء كان" ذلك "العامل" للجر "حرفا"، نحو: مررت بزيد، "أم إضافة" نحو: غلام زيد، "أم تبعية" نحو: مررت بزيد الفاضل، "و" هذه العوامل الثلاثة "قد اجتمعت في البسملة"، فـ"اسم": مجرور بالحرف، و"الله": مجرور بالإضافة، و"الرحمن الرحيم": مجروران بالتبعية للموصوف. هذا هو الجاري على الألسنة، والتحقيق خلافه. قال الموضح في باب الإضافة من هذا الكتاب٢: "ويجر المضاف إليه بالمضاف وفاقا لسيبويه". وقال في شرح الشذور٣: "وإنما لم أذكر الجر بالتبعية كما فعل جماعة؛ لأن التبعية ليست عندنا العامل٤
_________________
(١) ١ كتاب المكمل هو لمظهر الدين الشريف الرضي محمد، أكمله سنة ٦٥٩هـ/ ١٢٦١م. انظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٥/ ٢٢٦. ٢ أوضح المسالك ٣/ ٨٤، وسيشرح الأزهري هذا القول فيما سيأتي ٢/ ٢٤ من المطبوع. ٣ شرح شذور الذهب ص٣١٧. ٤ في شرح شذور الذهب ص٣١٧: "ليست عندنا هي العاملة".
[ ١ / ٢٢ ]
وإنما العامل عامل المبتوع، وذلك في غير البدل". وقال في شرح اللمحة في باب المجرورات: "كان ينبغي للمؤلف؛ يعني أبا حيان؛ أن لا يذكر الجر بالتبعية، كما لم يذكر في باب المرفوعات والمنصوبات الرفع والنصب بها، يعني بالتبعية كـ"جاء زيد الفاضل" و"رأيت زيدا الفاضل". ا. هـ. ولم يذكر الجر بالمجاورة وبالتوهم؛ لأنهما يرجعان عند التحقيق إلى الجر بالمضاف؛ والجر بالحرف، كما قاله في شرح اللمحة. لكن قال في شرح الشذور١: "وقسمتها؛ يعني المجرورات؛ إلى ثلاثة أقسام: مجرور بالحرف؛ ومجرور بالإضافة؛ ومجرور بالمجاورة٢"، فجعله قسما برأسه [حينئذ] ٣ مجازا.
العلامة "الثانية: التنوين، وهو" في الأصل مصدر نونت الكلمة، أي: أدخلت نونا، وفي الاصطلاح "نون ساكنة" أصالة "تلحق الآخر"، أي: تتبعه "لفظا لا خطا لغير توكيد، فخرج بقيد السكون" وبقيد عدم الخط أيضا "النون" الأولى "في ضيفن للطفيلي" وهو الذي يجيء مع الضيف متطفلا. قاله في القاموس٤. "و" النون الأولى في "رعشن للمرتعش"، لتحركهما وصلا وثبوتهما خطا وهاتان النونان المتحركتان زائدتان فيهما للإلحاق بجعفر، وما بعدهما تنوين، وقيدت السكون بالأصالة لئلا يخرج بعض أفراد التنوين إذا حرك لالتقاء الساكنين، نحو: محظورا انظر. "و" خرج "بقيد" لحوق "الآخر"، وبقيد عدم الخط أيضا "النون في: انكسر ومنكسر"؛ لأنها لا تلحق الآخر، وتثبت في الخط، لا يقال: يخرج بقيد الآخر قول بعضهم: "شربت ما" بالقصر والتنوين، فإن الميم أول الاسم لا آخره، وقد لحقها التنوين؛ لأنا نقول: إن التنوين لحق الألف وهي آخر، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، قاله الموضح في الحواشي. والمراد بالآخر ما كان آخرا في اللفظ، حقيقة كزيد أو حكما كيد، "و" خرج "بقولي لفظا لا خطا النون اللاحقة لآخر القوافي، وستأتي" قريبا، والنون الخفيفة اللاحقة لآخر الأفعال توكيدا لها المصورة نونا، والنون اللاحقة لآخر الكلمة من كلمة أخرى، نحو "أحمد انطلق" لثبوتها في الخط، فلا حاجة إلى زيادة الحديثي في حد التنوين، ولا يكون جزء غيرها، ولا إلى اعتذار الدماميني عنه بأن المراد باللحوق التبعية.
_________________
(١) ١ شرح شذور الذهب ص٣١٧. ٢ في المصدر السابق: "ومجرور بمجاورة مجرور". ٣ "حينئذ"؛ سقطت من الأصل، وأثبتها من "ط". ٤ القاموس المحيط "ضيف".
[ ١ / ٢٣ ]
"و" خرج "بقولي لغير توكيد نون نحو: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ [العلق: ١٥] خاصة على تقدير رسمها في الخط ألفا، لوقوعها بعد الفتحة، بخلاف الواقعة بعد الضمة والكسرة، فإنها تصور نونا، فتثبت في الخط. فتخرج بقوله: "لا خطا". ومن ثم قيل إن الموضح ضرب بالقلم على قوله "لتضربن يا قوم ولتضربن يا هند" بضم الباء الأول وكسرها في الثاني من نسخة تلميذه الزيلعي عند القراءة عليه. ولهذا لم يجد في بعض النسخ المعتمدة ولا عرج عليهما في المغني وغيره.
"وأنواع التنوين" الخاصة بالاسم "أربعة:
أحدها: تنوين التمكين" والأَوْلى التمكن مصدر تمكن لقوله بعد لتمكنه والوصف متمكن لا ممكن، ويسمى تنوين الأمكنية وتنوين الصرف، وهو اللاحق لفظا لغالب الأسماء المعربة المنصرفة معرفة "كزيد، و" نكرة؛ نحو: "رجل" ورجال، والذي يدل على أن تنوين نحو: "رَجُل" للتمكين لا للتنكير بقاء مع العلمية بعد النقل، قاله ابن الحاجب وغيره، ورُدّ١. "وفائدته الدلالة" بتثليث الدال "على خفة الاسم" بكونه معربا منصرفا، "و" على "تمكنه في باب الاسمية؛ لكونه لم يشبه الحرف" شبها قويا "، فيبنى، ولا" يشبه "الفعل" في فرعيتين؛ "فيمنع من الصرف"، وهو التنوين.
النوع "الثاني: تنوين التنكير، وهو اللاحق لبعض" الأسماء "المبنيات للدلالة على التنكير"، قياسا في باب العلم المختوم بـ"وَيْه" وسماعا في باب اسم الفعل المختوم بالهاء أو غيرها، وفي اسم الصوت، "تقول: سيبويه"، بلا تنوين، "إذا أردت شخصا
معينا اسمه ذلك" أي: اسمه سيبويه. "و" تقول "إيه"، بكسر الهمزة وسكون الياء
المثناة تحت وكسر الهاء، بلا تنوين، "إذا استزدت مخاطبك"، أي: طلبت منه زيادة
"من حديث معين، فإذا أردت شخصا ما" أي: شخص كان "اسمه سيبويه، أو"
أردت "استزادة من حديث ما" أي: حديث كان، "نونتهما" فقلت: "سيبويه" و"إيه" بالتنوين فيهما، فـ"سيبويه" بلا تنوين معرفة بالعلمية، و"إيه" بلا تنوين معرفة من قبيل المعرف بـ"أل" العهدية، أي: الحديث المعهود، كذا قالوا، وهو مبني على أن مدلول اسم الفعل المصدر، وأما على القول بأن مدلوله الفعل، فلا؛ لأن جميع الأفعال نكرات، وتقول: "صاح الغراب غاق غاق"، فإذا لم تنونها كانت معرفة؛ ودلت على معنى مخصوص، وإذا نونتها كانت نكرة مبهمة، ودلت على معنى مبهم قاله الثمانيني.
_________________
(١) ١ وجه الرد أن التنوين مع العلمية هو ما كان قبلها. "حاشية يس ١/ ٣٢".
[ ١ / ٢٤ ]
النوع "الثالث: تنوين المقابلة، وهو اللاحق لنحو: مسلمات" مما جمع بألف وتاء مزيدتين، سمي بذلك؛ لأن العرب جعلوه في مقابلة النون، "في نحو: مسلمين"، مما جمع بالواو والنون أو الياء والنون. قال الرضي١: "معناه أنه قائم مقام التنوين الذي في الواحد، في المعنى الجامع لأقسام التنوين فقط، وهو كونه علامة لتمام الاسم، [كما أن النون قائمة مقام التنوين الذي في الواحد في ذلك] ٢". ا. هـ. والذي يدل على أنه لتمام الاسم ليس غير أنه ليس بتمكين خلافا للربعي٣، لثبوته فيما فيه فرعيتان كـ"عرفات"، ولا تنكير لثبوته مع المعربات، ولا عوض عن شيء، والقول بأنه عوض عن الفتحة نصبا مردود بأن الكسرة عوضت منها. وقال الشارح اللباب في توجيه المقابلة: أن جمع المذكر السالم زيد فيه حرفان، وفي المؤنث لم يزد فيه إلا حرف واحد؛ لأن التاء موجودة في مفرده، فزيد التنوين فيه ليوازي النون في جمع المذكر، كما أن الحركة في "مسلمات" موازية لحرف العلة في "مسلمين". ا. هـ. وفيه نظر؛ لأن التاء التي في المفرد ليست هي التاء التي في الجمع، بل غيرها، ولو سلم؛ فهذا الجمع لا يختص بما في مفرده التاء لفظا، بل يكون فيه وفيما فيه التاء تقديرا كـ"هندات"، بل قد يكون لمذكر كـ"اصطبلات"، والحكم واحد في الجميع. وقال آخر: إن الألف والتاء في مقابلة الواو لدلالتهما على الجمع، وإن التنوين في مقابلة النون. ولا يخفى ضعفه.
النوع "الرابع: تنوين التعويض": وهو تفعيل من العوض، والتعويض فعل الفاعل، وليس هو عوضا عن شيء، فأولى التعبير بالعوض كما عبر به في المغني٤، ولكنه قصد هنا المناسبة لقوله: "التمكين والتنكير مع المقصود حاصل والخطب سهل". "وهو اللاحق لنحو: غواش وجوار"، من الجموع المعتلة الآتية على وزن فواعل، حال كونه "عوضا"، أو لأجل العوض "عن الياء" المحذوفة اعتباطا رفعا وجرا؛ وفاقا لسيبويه والجمهور٤، لا عن ضمة الياء وفتحها النائبة عن الكسرة. خلافا للمبرد، ولا هو تنوين صرف لصيرورته بعد الحذف، وكلام عند قطع النظر عن المحذوف خلافا للأخفش. وينتظم في سلك تنوين العوض عن الياء التنوين اللاحق لمثل: أُعَيْم ويُعَيْل، مصغَّرَيْ:
_________________
(١) ١ شرح الرضي ١/ ٤٦. ٢ ما بين المعقوفتين لم يرد في شرح الرضي، وورد مكانه: "وليس في النون شيء من معاني الأقسام الخمسة المذكورة". ٣ قال الربعي: إن التنوين في نحو "مسلمات" للصرف. "شرح الرضي ١/ ٤٦". ٤ الكتاب ٣/ ٣١٠.
[ ١ / ٢٥ ]
أعمى ويَعْلى، فإنهما ممنوعان من الصرف للوصف، ولكونهما يشبهان الفعل في زينة، نحو: أَبْيَطِرّ ويَبْيَطِرّ وتنوينهما عوض عن الياء المحذوفة، وسيأتي بيانهما في باب ما لا ينصرف "و" اللاحق "لـ: إذ، في نحو: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] عوضًا عن الجملة التي تضاف "إذ" إليها"، والأصل والله أعلم: ويوم إذ غلبت الروم يفرح المؤمنون. فحذفت جملة: "غلبت الروم"، وجيء بالتنوين عوضًا عن الجملة المحذوفة إيجازًا وتحسينًا، فالتقى ساكنان؛ ذال "إذ" والتنوين، فكسرت الذال على أصل التقاء الساكنين، وليست هذه الكسرة كسرة إعراب بإضافة "يوم" إليها خلافًا للأخفش؛ لأن "إذ" ملازمة للبناء لشبهها بالحرف في الافتقار إلى جملة؛ وفي الموضع على حرفين، وليست الإضافة في "يومئذ" ونحوها من إضافة أحد المترادفين للآخر، خلافًا لابن مالك، بل من إضافة الأعم إلى الأخص، كـ"شجر أراك" وفاقًا للدماميني، ولم يذكر العوض عن مفرد؛ وهو اللاحق لـ"كل وبعض" إذا قطعا عن الإضافة مع أنه ذكره في المغني؛ لأن التحقيق أن تنوينهما تنوين تمكين يذهب مع الإضافة، ويثبت مع عدمها، ولا العوض عن ألف، كـ"جندل" أصله: جنادل، بغير تنوين، حذفت منه الألف، وعُوّض عنه التنوين. كذا قال ابن مالك واختار في المغني أنه للصرف.
"وهذه الأنواع الأربعة" فقط "مختصة بالاسم"، فلا تدخل على غيره لدلالتها على معانٍ لا توجد في غيره. ولو قال: يختص الاسم بهذه الأربعة لنا في ذلك كون الاسم يلحقه تنوين الحكاية، وتنوين الضرورة، وتنوين الشذوذ.
"وزاد جماعة" من النحويين منهم الموضح في المغني على هذه الأربعة "تنوين الترنم"١، أي: المحصل للترنم، كما صرح به ابن يعيش٢ مدعيًا أن الترنم يحصل بالنون نفسها؛ لأنها حرف أَغَنّ. وكذا قال شارح اللباب، إنما جيء به لوجود الترنم، وذلك لأن حرف العلة مدة في الحلق، فإذا أبدل منها التنوين حصل الترنم؛ لأن التنوين غُنّة في الخيشوم. ا. هـ. وقال جماعة: هو بدل من الترنم. ثم اختلفوا في التعبير عنه، فقيل: الصواب أن يقال تنوين ترك الترنم، واختاره عبد اللطيف من شيوخ الموضح في اللمع الكاملية. وقيل: يجوز أن يقال: "تنوين الترنم" على حذف مضاف. وهو اختيار ابن مالك
_________________
(١) ١ منهم ابن الناظم الذي قال في شرح الألفية ص٨: "تنوين الترنم: وهو المبدل من حرف الإطلاق". وانظر الكتاب ٤/ ٢٠٧. ٢ شرح المفصل ١/ ٦٤، ٩/ ٣٣.
[ ١ / ٢٦ ]
في شرح الكافية، "وهو اللاحق للقوافي". جمع قافية، وهي من آخر متحرك في اليبت إلى أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل الساكن، هذا مذهب الخليل١؛ وعند غيره٢: آخر كلمة في البيت "المطلقة، أي: التي آخرها حرف مد"، وهو الألف والواو والياء المولدات من إشباع الحركة. وتسمى أحرف الإطلاق، وقد تلحق الأعاريض المصرعة، وهي التي غيرت لتوازي ضروبها عند حذف حرف الإطلاق، "كقوله"؛ وهو جرير: [من الوافر]
٥-
"أقلي اللوم عاذل والعتابن وقولي إن أصبت لقد أصابن"
فلحق العروض والقافية وهما "العتابن وأصابن" "الأصل: "العتابا وأصابا"، فجيء بالتنوين بدلا من الألف"، والأول اسم، والثاني فعل، و"أقلي": أمر من الإقلال، و"اللوم" بفتح اللام، العذل، و"عاذل": بفتح اللام، ترخيم عاذلة، و"لقد أصابن": مقول: "قولي"، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن أصبت أنا أو إن كنت نطقت بالصواب فلا تعذلي، وقولي لقد أصاب.
وقد يدخل الحرف كقوله النابغة: [من الكامل]
٦-
أفد الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد
_________________
(١) ١ الكافي في العروض والقوافي ص١٤٩. ٢ هو الأخفش، كما في المصدر السابق ص١٤٩.
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص٨١٣، وخزانة الأدب ١/ ٦٩، ٣٣٨، ٣/ ١٥١، والخصائص ٢/ ٩٦، والدرر ٢/ ٢٥٣، ٢/ ٥١٥، ٢/ ٥٦٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٤٩، وسر صناعة الإعراب ص٤٧١، ٤٧٩، ٧٨٠، ٤٨١، ٤٩٣، ٥٠١، ٥٠٣، ٥١٣، ٦٧٧، ٧٢٦، وشرح الأشموني ١/ ١٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٢، وشرح المفصل ٩/ ٢٩، والكتاب ٤/ ٢٠٥، ٢٠٨، والمقاصد النحوية ١/ ٩١، وهمع الهوامع ٢/ ٨٠، ٢١٢، وبلا نسبة في الإنصاف ص٦٥٥، وجواهر الأدب ص١٣٩، ١٤١ وأوضح المسالك ١/ ١٦، وخزانة الأدب ٧/ ٤٣٢، ١١/ ٣٧٤، ورصف المباني ص٢٩، ٣٥٣، وشرح ابن عقيل ١/ ١٨، وشرح عمدة الحافظ ص٩٨، وشرح المفصل ٤/ ١٥، ١٤٥، ٧/ ٩، ٩/ ٣٣، ولسان العرب ١٤/ ٢٤٤ "خنا"، والمنصف ١/ ٢٢٤، ٢/ ٧٠، ونوادر أبي زيد ص١٢٧.
(٣) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٨٩، والأزهية ص٢١١، الأغاني ١١/ ٨، والجنى الداني ص١٤٦، ٢٦٠، وخزانة الأدب ٧/ ١٩٧، ١٩٨، ١٠/ ٤٠٧، والدرر اللوامع ١/ ٣٠٥، ٢/ ١٧٩، ٢٥٤، وشرح شواهد المغني ص٤٩٠، ٧٦٤، وشرح المفصل ٨/ ١٤٨، ٩/ ١٨، ٥٢، ولسان العرب ٣/ ٣٤٦ "قدد"، ومغني اللبيب ص١٧١، والمقاصد النحوية ١/ ٨٠، ٢/ ٣١٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٥٦، ٣٥٦، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٥٥، وخزانة الأدب ٩/ ٨، ١١/ ٢٦٠، ورصف المباني ص٧٢، ١٢٥، ٤٤٨، وسر صناعة الإعراب ص٣٣٤، ٤٩٠، ٧٧٧، وشرح ابن عقيل ١/ ١٩، وشرح قطر الندى ص١٦٠، وشرح المفصل ١٠/ ١١٠، ومغني اللبيب ١/ ٣٤٢، والمقتضب ١/ ٤٢، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣، ٢/ ٨٠.
[ ١ / ٢٧ ]
الأصل "قَدِي" فجيء بالتنوين بدلا من الياء "لترك الترنم"، على ما صرح به سيبويه١ وغيره من المحققين من أن الترنم؛ وهو التغني؛ إنما يحصل بأحرف الإطلاق لقبولها لمد الصوت بها، فإذا أنشدوا ولم يترنموا جاءوا بالنون في مكانها، في لغة تميم، أكثرهم أو جميعهم، وكثير من قيس، وأما الحجازيون فلا؛ لأنهم يَدَعون القوافي على حالها في الترنم، فعبر أولا بتنوين الترنم موافقة لابن مالك في شرح العمدة؛ نظرا إلى توجيه ابن يعيش٢ ومن وافقه، وثانيا بترك الترنم موافقة للتسهيل؛ نظرا إلى ما صرح به سيبويه٣ وأصحابه. وقد يبدل التنوين من حرف الإطلاق في غير القوافي، كقراءة بعضهم: "وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرٍ" [الفجر: ٤] بالتنوين٤ كما ذكره في المغني٥ في حرف الكاف.
"وزاد بعضهم" وهو الأخفش والعروضيون، كما قاله في المغني، "التنوين الغالي، وهو اللاحق للقوافي المقيدة٦"، أي: التي يكون حرف رويها ساكنا ليس حرف مد، والأعاريض المصرعة "زيادة على الوزن"، فهو في آخر البيت كالخزم٧؛ بمعجمتين، في أوله، "ومن ثم سمي غاليا"، وسمى الأخفش الحركة التي قبل لحاقه غلوا٨، وزعم ابن الحاجب أنه إنما سمي غاليا لقلته، ونفاه السيرافي والزجاج وزعما أن الشاعر زاد "أن" في آخر البيت إيذانا بتمامه، فضعف صوته بالهمزة. واختاره ابن مالك. قال الموضح: وفي هذا توهيم الأخفش والعروضيين وغيرهم بمجرد الظن، والمشهور تحريك ما قبله بالكسرة كما في "صه ويومئذ". واختار ابن الحاجب الفتح حملا على حركة ما قبل نون التوكيد، كـ"اضْرِبا"، وقال هو أشبه قياسا على ما له أصل في المعنى، ثم قال الموضح: وسمعت بعض العصريين يسكن ما قبله، ويقول: الساكنان يجتمعان في الوقف، وهذا خلاف ما أجمعوا عليه. وقد مضى أن الحركة قبله تسمى غلوا، واختلف مثبتوه تنوينا في فائدته، فقال
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٢٠٦، ٢٠٧. ٢ شرح المفصل ٩/ ٣٣. ٣ الكتاب ٤/ ٢٠٦. ٤ هي قراءة أبي الدينار الأعرابي، انظر البحر المحيط ٨/ ٤٦٧، والكشاف ٤/ ٢٤٩. ٥ مغني اللبيب ١/ ١٦٢. ٦ نسب التنوين الغالي إلى الأخفش في شرح ابن الناظم ص١١، والكافي في العروض ص١٥٩، وشرح المفصل ٩/ ٣٤. ٧ الخزم: زيادة في أول البيت لا يعتد بها في التقطيع. انظر الكافي في العروض ص١٤٣. ٨ في الكافي ص١٦٠: "الغلو: حركة ما قبل الغالي، كحركة القاف في: المخترقن"، أي: في قول رؤبة: "وقاتم الأعماق خاوي المخترقن"
[ ١ / ٢٨ ]
ابن يعيش١: فائدته الترنم أيضا. ورد على من جعله قسيم تنوين الترنم.
وقال الجرجاني: لحق أمارة على الوقف، إذ لا يعلم في الشعر المسكن الآخر: أواصل أنت أم واقف؟ قال: وهو نظير فصلهم بينهما بالحذف في نحو: قام زيد.
ووقع في شرح اللب٢ أن هذا التنوين إنما يلحق الكَلِم إذا أريد به ترك الوقف، ووصل آخر البيت الأول بأول البيت الثاني. ا. هـ. والتحرير هو الأول.
٧- وهذا التنوين يدخل الاسم كقول رؤبة: [من الرجز]
وقاتم الأعماق خاوي المخترقن
٨- والفعل كقول العجاج: [من الرجز]
من طلل كالأتحمي أنهجن
_________________
(١) ١ شرح المفصل ٩/ ٣٣. ٢ يقصد أنه رد قول الزمخشري في المفصل ص٣٢٨، ٣٢٩، وانظر شرح ابن يعيش ٩/ ٣٤.
(٢) الرجز لرؤبة في ديوانه ص١٠٤، والأشباه والنظائر ٢/ ٣٥، والأغاني ١٠/ ١٥٨، وجمهرة اللغة ص٤٠٨، ٦١٤، ٩٤١، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٥، والخصائص ٢/ ٢٢٨، وشرح ابن الناظم ص٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٥٣، وشرح شواهد الإيضاح ص٢٢٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٤، ٧٨٢، ولسان العرب ١٠/ ٨٠ "خفق"، ١٠/ ٢٧١ "عمق"، ١٥/ ١٣٣ "غلا"، ومغني اللبيب ١/ ٣٤٢، والمقاصد النحوية ١/ ٣٨، والمنصف ص٣١٢، ٣٠٨، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٢٦٠، ٣٢٠، ورصف المباني ص٣٥٥، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٩٣، ٥٠٢، ٦٣٩، وشرح الأشموني ١/ ١٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٠، وشرح المفصل ٢/ ١١٨، والعقد الفريد ٥/ ٥٠٦، والكتاب ٤/ ٢١٠، ولسان العرب ١/ ٤٨٧ "هرجس"، ٣/ ٣٧٣ "قيد"، ١٢/ ٤٦١ "قتم"، ١٣/ ٥٥٩ "وجه"، والتاج "غلا". القاتم: الذي تعلوه القتمة؛ وهي لون فيه غبرة وحمرة. أعماق: جمع عمق، وهو ما بعد من أطراف الصحراء. الخاوي: الخالي. المخترق: مهب الرياح.
(٣) الرجز للعجاج في ديوانه ٢/ ١٣، وتخليص الشواهد ص٤٧، والخصائص ١/ ١٧١، وسر صناعة الإعراب ٢/ ١٥٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٥١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٣، وشرح المفصل ١/ ٦٤، والكتاب ٤/ ٢٠٧، والمقاصد النحوية ١/ ٢٦، وتاج العروس "بلل"، ولرؤبة في معاهد التنصيص ١/ ١٤، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في رصف المباني ص٣٥٤، ولسان العرب ٨/ ٢٧ "بيع"، وكتاب العين ٣/ ٣٩٣. الأتحمي: موضع باليمن تعمل فيه البرود، والأتحمي ينسب إليه، وهي برود من اليمن عصب غير وشي. أنهج: أخلق وبلى.
[ ١ / ٢٩ ]
والحرف "كقوله" وهو رؤبة على ما قيل: [من الرجز]
٩-
"قالت بنات العم يا سلمى وانن كان فقيرا معدما قالت وانن"
فلحق العروض والقافية زيادة على حد الوزن، والمعنى: قالت بنات العم: يا سلمى؛ أترضين به وإن كان هذا البعل فقيرا معدما؟ قالت: رضيت به وإن كان فقيرا معدما.
واختلف في هذين التنوينين المسميين بالترنم والغالي على أقوال:
أحدها: أنهما تنوينان لهما خصوصيات، منها مجامعة "أل" والاتصال بغير الاسم.
والثاني: أن الترنم نون مبدلة من حرف العلة، كما يبدل منه في نحو: رأيت زيدا. قاله ابن معزوز، وزعم أنه ظاهر قول سيبويه. وأن الغالي نون "إن" حذفت منه الهمزة.
والثالث: "و" هو "الحق" كما قاله ابن مالك في التحفة، وتبعه ابنه في نكت الحاجبية: "أنهما" ليسا بتنوين، بل هما "نونان زيدتا في الوقف". وتقدم حكاية ما في شرح اللب "كما زيدت نون ضيفن"، للطفيلي، "في الوصل والوقف"، وجه التشبيه الزيادة في الوقف خاصة، "وليسا من أنواع التنوين" حقيقة "في شيء، لثبوتهما مع: أل"، كـ"العتابن والمخترقن"، "وفي الفعل"، كـ"أصابن وأنهجن" "وفي الحرف" كـ"قدن وإنن"، أول الأمثلة للترنم، وثانيهما للغالي، "وفي الخط والوقف، ولحذفهما في الوصل"، وليس شيء من أقسام التنوين كذلك، "وعلى هذا" التقرير "فلا يردان على من أطلق" من النحويين كالناظم "أن الاسم يعرف بالتنوين إلا من جهة أنه يسميهما تنوينين، أما باعتبار ما في نفس الأمر فلا" يردان عليه. وزاد بعضهم سابعا وثامنا، وهما تنوين الضرورة فيما لا ينصرف، كقوله: [من الطويل]
١٠-
ويود دخلت الخدر خدر عنيزة
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٦، وخزانة الأدب ٩/ ١٤، ١٦، ١١/ ٢١٦، والدرر ٢/ ١٩٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٣٦، والمقاصد النحوية ١/ ١٠٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٨، والدرر ٢/ ٢٥٦، ورصف المباني ص١٠٦، وشرح ابن الناظم ص٥٠٢، وشرح الأشموني ٣/ ٥٩٢، وشرح عمدة الحافظ ص٣٧٠، ومغنى اللبيب ٢/ ٦٤٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٦، وهمع الهوامع ٢/ ٦٢، ٨٠.
(٢) عجز البيت: "فقالت لك الويلات إنك مرجلي"، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص١١، وخزانة الأدب ٩/ ٣٤٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٦، ولسان العرب ٥/ ٣٨٤ "عنز"، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣٦، وشرح الأشموني ٢/ ٥٤١، ومغني اللبيب ٢/ ٣٤٣، وكتاب العين ٦/ ١٠٤.
[ ١ / ٣٠ ]
وفي المنادى المضموم كقوله: [من الوافر]
١١-
سلام الله يا مطر عليها
وتاسعا: وهو التنوين الشاذ، كقول بعضهم: "هؤلاء قومك"، حكاه أبو زيد.
وعاشرا: وهو تنوين الحكاية، مثل أن تسمي رجلا بعاقلة لبيبة، فإنك تحكي اللفظ المسمى به، قاله ابن الخباز، وقد جمعها بعضهم في قوله: [من البسيط]
مكن وقابل وعوض والمنكر زد ورنم اضطر غال واحك ما همزا
العلامة "الثالثة" من علامات الاسم "النداء"، بالمد مع كسر النون وضمها، "وليس المراد به"، أي: بالنداء، "دخول حرف النداء"، كما يوهمه قول ابن مالك في شرح العمدة؛ لأن النداء قد يباشر الفعل والحرف حين يحذف المنادى. ا. هـ.
"لأن يا"، خاصة، "قد تدخل في اللفظ على ما ليس باسم"، حرفا كان أو فعلا، فالأول "نحو: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي﴾ [يس: ٢٦]، والثاني نحو: ""أَلَّا يَا اسْجُدُوا"١ لِلَّهِ" [النمل: ٢٥] "في قراءة الكسائي" ﵀، فإنه يقف على "يا" ويبتدئ "اسجدوا"، واختلف في توجيه ذلك فقيل: "يا" فيهما حرف تنبيه لا للنداء، وقيل: للنداء والمنادى محذوف تقديره: يا قوم ليت قومي، ويا هؤلاء اسجدوا، وهو مقيس في الأمر كالآية.
والدعاء كقوله: [من الطويل]
١٢-
ألا يا اسلمي
_________________
(١) عجز البيت: "وليس عليك يا مطر السلام" ، وهو للأحوص في ديوانه ١٨٩، والكتاب ٢/ ٢٠٢، والأغاني ١٥/ ٢٣٤، وخزانة الأدب ٢/ ١٥٠، ١٥٢، ٦/ ٥٠٧، والدرر ١/ ٣٧٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٥، ٦٠٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٦، وبلا نسبة في الأزهية ١٦٤، والأشباه والنظائر ٣/ ٢١٣، والإنصاف ١/ ٣١١، وأوضح المسالك ٤/ ٢٨، والجنى الداني ص١٤٩، والدرر ٢/ ٢٥٧، ورصف المباني ص١٧٧، ٣٥٥، وشرح ابن الناظم ص٤٠٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٨، وشرح شذور الذهب ص١١٣، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٦٢، ومجالس ثعلب ص٩٢، ٥٤٢، والمحتسب ٢/ ٩٣. ١ والرسم المصحفي: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾، والقراءة المستشهد بها قرأها: الكسائي ورويس وأبو جعفر والحسن والمطوعي وابن عباس. انظر الإتحاف ص٣٣٦، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٢٩٠، والنشر ٢/ ٣٣٧، وشرح شذور الذهب ص١٨.
(٢) تمام البيت: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطر وهو لذي الرمة في ديوانه ص٥٥٩، والإنصاف ١/ ١٠٠، وتخليص الشواهد ٢٣١، ٢٣٢، والخصائص ٢/ ٢٧٨، والدرر ١/ ٢٠٦، ٢/ ٦، ٢١٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦١٧، والصاحبي في فقه اللغة ص٢٣٢، واللامات ص٣٧، ولسان العرب ١٥/ ٤٩٤ "يا"، ومجالس ثعلب ١/ ٤٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٦، ٤/ ٢٨٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٣٥، وجواهر الأدب ص٢٩٠، وشرح ابن الناظم ص٩٣، وشرح الأشموني ١/ ١٧٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٦٦ وشرح عمدة الحافظ ص١٩٩، وشرح قطر الندى ص١٢٨، ولسان العرب ١٥/ ٤٣٤ "ألد"، ومغني اللبيب ١/ ٢٤٣، ١١١، ٢/ ٤، ٧٠.
[ ١ / ٣١ ]
"بل المراد" بالنداء "كون الكلمة مناداة"، أي: مطلوبا إقبالها بحرف مخصوص، "نحو: يا أيها الرجل"، ويا أيتها المرأة، "ويا فُلُ" بضم الفاء واللام، ويا فُلَة، بمعنى يا رجل، ويا امرأة. وقول ابن مالك: "بمعنى يا زيد ويا هند"، قال الموضح وهم، "ويا مكرمان"، بفتح الراء، الكريم الواسع الخلق، حكاه سيبويه والأخفش وصاحبا الصحاص والقاموس، ويا ملأمان، للئيم الدنيء الأصل، الشحيح النفس، وإنما خص هذه الأسماء بالذكر لملازمتها للنداء، فلم تقبل من علامات الاسم المذكورة إلا كونها مناداة.
العلامة "الرابعة: أل"، بجميع أقسامها "غير الموصولة" والاستفهامية، "كالفرس" من غير العقلاء، "والغلام" من العقلاء.
"فأما" "أل" "الموصولة فقد تدخل على" الفعل "المضارع" اختيارا عند الناظم وبعض الكوفيين، واضطرارا عند الجمهور، حتى قال الشيخ عبد القاهر: إنه من أقبح الضرورات كما نقله الموضح عنه في شرح الشذور١، "كقوله" وهو الفرزدق يخاطب رجلا من بني عذرة هجاه بحضرة عبد الملك بن مروان: [من البسيط]
١٣-
"ما أنت بالحكم الترضي حكومته" ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
فأدخل "أل" على "ترضى" وهو فعل مضارع. و"الحكم" بفتحتين: المحكم يحكمه الخصمان في الأمر. و"الترضى" بإدغام اللام في التاء والبناء للمفعول؛
_________________
(١) ١ في شرح شذور الذهب ص١٧: "قال الجرجاني ما معناه: إن استعمال مثل ذلك في النثر خطأ بإجماع، أي: إنه لا يقاس عليه".
(٢) البيت للفرزدق في الإنصاف ٢/ ٥٢١، وجواهر الأدب ص٣١٩، وخزانة الأدب ١/ ٣٢ والدرر ١/ ١٥٧، وشرح شذور الذهب ص١٧، ولسان العرب ٦/ ٩ "أمس"، ١٢/ ٥٦٥ "لوم"، والمقاصد النحوية ١/ ١١١، وتاج العروس "لوم"، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٠، وتخليص الشواهد ص١٥٤، والجنى الداني ص٢٠٢ ورصف المباني ص٧٥، ١٤٨، وشرح ابن الناظم ص٦٣، وشرح الأشموني ١/ ٧١، وشرح ابن عقيل ١/ ١٥٧، وشرح عمدة الحافظ ص٩٩، والمقرب ١/ ٦٠، وهمع الهوامع ١/ ٨٥، وتهذيب اللغة ٣/ ١١٩، ١٥/ ٤٦٢.
[ ١ / ٣٢ ]
و"حكومته": مرفوع به على النيابة عن الفاعل. والذي سوغ دخول "أل" على "ترضى"؛ وهو فعل مضارع؛ كونه يشبه الوصف، نحو: مرضي.
حجة الناظم ومن وافقه أن الشاعر متمكن من أن يقول المرضي١. قيل: وقد سبقه إلى هذا التوجيه سيبويه، ثم ابن السراج.
وأما "أل" الاستفهامية فقد تدخل على الفعل الماضي نحو: "أل فعلت" بمعنى: هل فعلت، حكاه قطرب.
العلامة "الخامسة: الإسناد إليه"، أي: إلى الاسم من قوله: "يتميز الاسم"، "و" معنى الإسناد إلى الاسم "هو أن تنسب إليه ما"، أي: حكما "يحصل به الفائدة" التامة، "وذلك" الإسناد "كما في" نسبة القيام إلى تاء "قمت، و" كما في نسبة الإيمان إلى ""أنا" في قولك: أنا مؤمن"، واستفيد من هذين المثلين أنه لا فرق بين تأخر المسند إليه وتقدمه، ولا بين أن يكون المسند إليه فاعلا أو مبتدأ، ولا بين أن يكون المسند فعلا أو وصفا، ثم لا فرق بين الإسناد المعنوي، كما مر؛ واللفظي، في نحو: زيد: ثلاثي، وضرب: فعل ماض، ومن: حرف جر، إذ لا يسند إلا الفعل والحرف إلا محكوما باسميتهما قال في الكافية: [من الرجز]
وإن نسبت لأداة حكما فاحك أو اعرب واجعلنها اسما
فعلى الحكاية تبقيها على ما كانت عليه من حركة أو سكون، وعلى الإعراب ترفعها على الابتداء.
_________________
(١) ١ انظر هذا الرأي في الدرر اللوامع ١/ ١٥٧.
[ ١ / ٣٣ ]
"فصل":
"ينجلي الفعل" ويتضح عن قسيميه الاسم والحرف "بأربع علامات"، ذكرها في النظم بقوله:
١١-
بتا فعلت وأتت ويا افعلي ونون أقبلن
"إحداها تاء" ضمير "الفاعل" في المعنى، فالدور مدفوع والإيراد ممنوع. أما الدور؛ فلأنه أخذ الفاعل في علامات الفعل، وأخذ الفعل في تعريف الفاعل. وأما الإيراد فلأنه يصدق على أن من قولك: "ما قام إلا أنت" أنها فعل؛ لأنها منسوبة إلى الفاعل، مع أن "أن" هي الفاعل، وهي اسم على الأصح، اتصل بها تاء العلامة، "متكلما كان" الفاعل، "كقمت" بضم التاء "أو مخاطبا نحو: تباركت" بفتح التاء؛ وأحسنت، بكسر التاء.
العلامة "الثانية تاء التأنيث الساكنة" في الأصل. "كقامت وقعدت"، ولا الالتفات إلى عروض الحركة، نحو: ﴿قَالَتْ أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٦٤]، بنقل حركة الهمزة إلى التاء، و: ﴿قَالَتِ امْرَأَة الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١] و﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] بكسر التاء في الأولى وفتحها في الثانية لالتقاء الساكنين فيهما. "فأما المتحركة" بحركة الإعراب "فتخفض بالاسم كقائمة" وقاعدة، والمتحركة بحركة البناء فقد تتصل بالحرف نحو: لات وثمت وربت، وبالاسم نحو: لا قوة، "وبهاتين العلامتين"، وهما تاء الفاعل وتاء التأنيث الساكنة. "رد على من زعم" من البصريين "حرفية ليس"، كالفارسي ومن تابعه كأبي بكر بن شقير، قياسا على "ما" النافية بجامع النفي. "و" رد على من زعم حرفية "عسى" من الكوفيين قياسا على لعل بجامع الترجي، والصحيح أن "ليس وعسى" فعلان لقبولهما التاءين المذكورتين، تقول: لست وليست، وعسيت وعست، "وبالعلامة الثانية" فقط وهي تاء التأنيث الساكنة "رد على من زعم" من الكوفيين كالفراء "اسمية نعم وبئس"، لدخول حرف الجر عليهما في بعض المواضع، كقول
[ ١ / ٣٤ ]
بعضهم وقد بشر ببنت: والله ما هي بنعم الولد، وقول آخر وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء السير: نعم السير على بئس العَيْر، وتأولهما المانعون على حذف الموصوف وصفته، ودخول حرف الجر على معمول الصفة. والأصل: ما هي بولد مقول فيه نعم الولد، ونعم السير على غير مقول فيه بئس، فحرف الجر في الحقيقة إنما دخل على الاسم، وإنما لم يقل: وبالعلامتين كالتي قبلها؛ لأن تاء الفاعل لا تدخل على "نعم وبئس" بخلاف "ليس، وعسى" فإنهما يقبلان العلامتين كما مر.
العلامة "الثالثة: ياء" ضمير المؤنثة "المخاطبة، كقومي" يا هند، "وبهذه" العلامة "رد على من قال" كالزمخشري "أن هات" بكسر التاء "وتعال" بفتح اللام "اسما فعلين" للأمر، فهات بمعنى ناوِل١. وتعال بمعنى أقبل، والصحيح أنهما فعلا أمر للمذكر، لدلالتهما على الطلب؛ وقبولهما ياء المخاطبة، تقول هاتي بكسر التاء، وتعالي بفتح اللام، وهما مبنيان على حذف حرف العلة من آخرهما، فالمحذوف من "هات" الياء كما في "ارم" والمحذوف من "تعال" الألف كما في "اخش".
العلامة "الرابعة: نون التوكيد شديدة" كانت نحو: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة: ٤]، "أو خفيفة" نحو: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ [العلق: ١٥]، ويجمعهما " ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ " [يوسف: ٣٢] بالتشديد، " ﴿وَلِيَكُونًا﴾ " [يوسف: ٣٢] بالتخفيف. "وأما قوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
١٤-
أريت إن جاءت به أملودا مرجلا ويلبس البرودا
"أقائلن أحضروا الشهودا"
فضرورة نادرة، أي: دخول نون التوكيد على "قائلن" مع أنه اسم. والذي سوغ ذلك شبه الوصف الواقع بعد الاستفهام بالفعل المضارع، نحو: أتقولن، وأريت: أصله: أرأيت، حذفت منه الهمزة الثانية تخفيفا. والأملود؛ بضم الهمزة؛ الغصن الناعم. والمرجل؛ بالجيم؛
_________________
(١) ١ المفصل ص١٥١، وفي شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٣٠: "هات: اسم لـ"أعطني وناولني". وقال بعضهم: هو من آتى يؤاتي، والهاء فيه بدل من الهمزة، ويعزى هذا القول إلى الخليل".
(٢) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ١٧٣، والمقاصد النحوية ١/ ١١٨ ٣/ ٦٤٨، ٤/ ٣٣٤، ولرجل من هذيل في حاشية يس ١/ ٤٢، وخزانة الأدب ٦/ ٥، والدرر ٢/ ٢٤٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٥٨، ولرؤبة أو لرجل من هذيل في خزانة الأدب ١١/ ٤٢٠، ٤٢٢، وبلا نسبة في اللسان ١٤/ ٢٩٣ "رأي"، والأشباه والنظائر ٣/ ٢٤٢، وأوضح المسالك ١/ ٢٤، والجنى الداني ص١٤١، والخصائص ١/ ١٣٦، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٤٧، وشرح ابن الناظم ص٣٢٧، ٤٤٤ وشرح الأشموني ١/ ١٦، والمحتسب ١/ ١٩٣، ومغني اللبيب ١/ ٣٣٦، وهمع الهوامع ٢/ ٧٩.
[ ١ / ٣٥ ]
الذي شعره بين الجعودة والسبوطة. يقول: أخبرني إن جاءت هذه بشاب يتزوجها مرجل الشعر حسن الملبس كالغصن الناعم؛ أآمر أنت بإحضار الشهود لعقد نكاحها عليه، ينكر وقوع ذلك منه.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن في قوله: "أقائلن" توكيدًا بالنون، لاحتمال أن يكون أصله: أقائل أنا، فحذفت الهمزة اعتباطًا، ثم أدغم التنوين في نون "أنا" على حد قوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]، قاله الدماميني. وقال غيره: نقلت حركة الهمزة إلى التنوين قبلها، ثم حذفت الهمزة، ثم أدغم التنوين في نون "أنا". والأول قصر المسافة، وعليهما اعتراض من وجهين:
أحدهما: أنه يعتبر في المقيس أن يكون على وِزانِ المقيس عليه. وهنا ليس كذلك؛ لأن الألف الثانية في المقيس عليه مذكورة، وفي المقيس محذوفة.
والثاني: أن هذا الاحتمال إنما يتمشى حيث كان المعنى: أقائل أنا، على التكلم. أما إذا كان المعنى على الخطاب، كما تعطيه السوابق واللواحق فلا. على أن العيني قال: "والمعنى هل أنتم قائلون، فأجراه مجرى: أتقولون١". ا. هـ. ويؤخذ منه أن الوصف هنا مسند إلى ضمير جماعة الذكور، بناء على أنه يسلك بالوصف مع نون التوكيد مسلك الفعل من البناء على الفتح مع المفرد، وعلى الضم مع جماعة الذكور، ولم أقف على نص في ذلك.
_________________
(١) ١ شرح الشواهد للعيني ١/ ٤٢، وانظر الدرر اللوامع ٢/ ٢٤٧-٢٤٩.
[ ١ / ٣٦ ]
"فصل":
"ويعرف الحرف بأنه لا يحسن فيه شيء من العلامات التسع" المذكورة للاسم والفعل، ولا غيرها، وإليه أشار الناظم بقوله:
١٢-
سواهما الحرف "كَهَلْ"
من حروف الاستفهام، "وفي" من حروف الجر، "ولم" من حروف الجزم، "وقد أشير" في النظم "بهذه المثل" الثلاثة. وتعبيره بالمثل مجاز عن استعمال بناء الكثرة للقلة، ولو عبر بالأمثلة كان حقيقة "إلى" بيان "أنواع الحروف" بالنسبة إلى الاختصاص وعدمه، "فإن منها ما لا يختص بالأسماء ولا بالأفعال، فلا يعمل شيئا كـ: هل"، حيث لم يكن في حيزها فعل، فإنها تدخل على الاسم، "تقول: هل زيد أخوك"، بخلاف ما إذا كان في حيزها فعل فتختص به إما صريحا، نحو: هل قام زيد، "وهو يقوم"، وإما تقديرا نحو: هل زيد قام؟ فزيد فاعل بفعل محذوف يفسره المذكور على حد: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨] عند جمهور البصريين، وبالفعل المذكور عند الأخفش والكوفيين، ولاختصاص "هل" بالفعل إذا كان في حيزها وجب نصب الاسم بعدها في باب الاشتغال، نحو: هل زيدا ضربته؟
ومنها ما لا يختص بالأسماء ولا بالأفعال، ويعمل كـ"ما ولا ولات وإن" المشبهات بـ"ليس".
"ومنها ما يختص بالأسماء، فيعمل فيها" الجر "كـ "في" نحو: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ" لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠]، " ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢]، أو يعمل النصب والرفع كـ"إن" وأخواتها. ومنها ما يختص بالأسماء ولا يعمل فيها، كـ"لام التعريف".
"ومنها ما يختص بالأفعال فيعمل فيها" الجزم، "كـ"لم" نحو: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ " [الإخلاص: ٣]، أو يعمل فيها النصب كـ "لن" نحو: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا﴾ [الحج: ٣٧]، ومنها ما يختص بالأفعال ولا يعمل فيها، كـ"قد والسين وسوف".
[ ١ / ٣٧ ]
"فصل":
"والفعل" بكسر الفاء من حيث هو فعل "جنس تحته ثلاثة أنواع" عند جمهور البصريين، ونوعان عند الكوفيين، والأخفش بإسقاط الأمر، بناء على أن أصله مضارع، وانتصر لهم الموضح في المغني، وقواه، وسيأتي تقريره.
"أحدها" الفعل "المضارع"، أي: المشابه، وسيأتي وجه الشبه، "وعلامته أن يصلح لأن يلي: لم"، بأن يقع بعدها من غير فصل، "نحو: لم يَقُم، ولم يَشَم"، وهذه العلامة أنفع علامات المضارع، فلذلك اقتصر عليها في النظم بقوله:
١٢-
فعل مضارع يلي لم كيشم
"والأفصح فيه" أي: في "يشم" "فتح الشين" مضارع شَمِم، بكسر الميم "لا ضمها" مضارع شمم، بفتح الميم، "والأفصح في الماضي" منه: "شممت، بكسر الميم لا فتحها"، والحاصل أنه جاء من بابي فرح يفرح ونصر ينصر، والأول أفصح من الثاني، وفيه رد على ابن درستويه حيث أنكر مجيئه من باب نَصَرَ يَنْصر، وقال إنه خطأ. ا. هـ. والصواب وروده. وممن حكاه الفراء وابن الأعرابي وغيرهما كما قال المرادي، "وإنما سُمّي" هذا الفعل "مضارعا لمشابهته للاسم" المصوغ للفاعل من جهتي اللفظ والمعنى، أما من جهة اللفظ فلجريانه عليه في الحركات والسكنات وعدد الحروف مطلقا، وفي تعيين الحروف الأصول والزوائد، وتعيين محالها، ما عدا الزيادة الأولى، وأما من جهة المعنى فلأن كل واحد منهما يأتي بمعنى الحال والاستقبال. قال الشاطبي: "وهذا التوجيه أحسن ما سمعت". ا. هـ.
فلهذا اقتصرت عليه دون غيره من التوجيهات لعدم سلامتها من الطعن فيها، و"لهذا" الشبه "أعرب" المضارع "واستحق التقديم في الذكر على أخويه" الماضي والأمر، فينبغي للشخص أن يتحلى بالأوصاف الجميلة، ليحصل له التقديم على أقرانه، "ومتى دلت كلمة" من الكلمات "على معنى" الفعل "المضارع"، وهو الحدث المقترن بأحد الزمانين الحال والاستقبال، "ولم تقبل" تلك الكلمة ""لم" فهي اسم"، إما لوصف، كـ"ضارب الآن أو غدا"، وإما لفعل "كـ"أَوْهٍ وأُفّ"، بمعنى أتوجع وأتضجر"، فـ"أواه" اسم لأتوجع، و"أف" اسم لأتضجر، وفي أف أربعون لغة ذكرها في الارتشاف. وحاصلها أن الهمزة إما أن تكون مشمومة أو مكسورة أو مفتوحة، فإن كانت مضمومة فاثنتان وعشرون لغة، وحاصل ضبطها أنها إما مجردة عن اللواحق، أو ملحقة بزائد، والمجردة إما أن يكون آخرها ساكنا أو
[ ١ / ٣٨ ]
متحركا، والمتحركة الآخر إما مشددة أو مخففة، وكل منهما مثلث الآخر مع التنوين وعدمه، فهذه اثنتا عشرة في المتحركة. والساكنة إما مشددة أو مخففة، فهذه أربع عشرة، واللواحق لها من الزوائد إما هاء السكت أو حرف المد، فإن كان هاء السكت فالفاء مثلثة مشددة، فهذه سبع عشرة. وإن كان حرف مد فهو إما واو أو ياء أو ألف، والفاء فيهن مشددة، والألف إما مفخمة أو بالإمالة المحضة أو بين بين، فهذه خمس أخرى مع السبع عشرة، وإن كانت مكسورة فإحدى عشرة مثلثة الفاء مخففة مع التنوين وعدمه، فهذه ست، وفتح الفاء وكسرها بالتشديد فيها مع التنوين وعدمه، فهذه أربع لغات، والحادية عشرة "أفي" بالإمالة، وإن كانت مفتوحة فالفاء مشددة مع الفتح والكسر؛ والتنوين وعدمه، والخامسة "أف" بالسكون، والسادسة "أفي" بالإمالة، والسابعة "إفاه" بهاء السكت، فهذه السبع مكملة للأربعين.
النوع "الثاني": الفعل "الماضي؛ ويتميز" عن أخويه المضارع والأمر "بقبول تاء الفاعل، كتبارك وعسى وليس"، تقول: تباركت يا الله، وعسيت أنا ولست، "أو تاء التأنيث الساكنة كنعم وبئس وعسى وليس"، تقول: نعمت وبئست وعسيت وليست، فنبه بتكرير عسى وليس على اشتراك التاءين فيهما كما أومأ إليه سابقا بقوله: وبهاتين العلامتين؛ وبعدم تكرير تبارك ونعم وبئس، على انفراد تبارك بتاء الفاعل؛ وانفراد نعم وبئس بتاء التأنيث؛ كما أومأ إليه أيضا بقوله: وبالعلامة الثانية. وهو في ذلك تابع لابن مالك في شرح الكافية حيث قال: "وقد انفردت؛ يعني تاء التأنيث؛ بلحاقها نعم وبئس، كما انفردت تاء الفاعل بلحاقها تبارك". وفي شرح الآجرومية للشهاب البجائي: أن "تبارك" يقبل التاءين تقول تباركت يا ألله وتبارت أسماء الله. ا. هـ.
وهذا إن كان مسموعا فذاك، وإلا فاللغة لا تثبت بالقياس.
واستفدنا من تعبير الموضح بالتاءين أن "أل" في التاء في قول الناظم:
١٣-
وماضي الأفعال بالتا مز
للعهد المتقدم في قوله:
١١-
بتا فعلت وأتت
"ومتى دلت كلمة على معنى" الفعل "الماضي"، وهو الحدث المقترن بالزمن الماضي، "ولم تقبل" تلك الكلمة "إحدى التاءين" المتقدمين، وهما تاء الفاعل وتاء التأنيث الساكنة "فهي اسم". أما الوصف كضارب أمس، أو لفعل "كهيهات وشتان،
[ ١ / ٣٩ ]
بمعنى بعد وافترق"، فهيهات بمعنى بعد، وشتان بمعنى افترق، وفي هيهات أربعون لغة ذكرتها في باب اسم الفعل من هذا الكتاب. لا يقال يشكل عليه "أفعل" في التعجب، و"ما عدا وما خلا وحاشا" في الاستثناء، و"حبذا" في المدح، فإنها أفعال ماضية ولا تقبل إحدى التاءين، فليزم أن تكون أسماء؛ لأنا نقول: عدم قبولها لإحدى التاءين عارض، نشأ من استعمالها في التعجب والاستثناء والمدح والعبرة بالأصل.
النوع "الثالث": الفعل "الأمر، وعلامته أن يقبل نون التوكيد؛ مع دلالته على الأمر"، أي: الطلب بصيغته. فالدور مدفوع، وإيراد الأمر باللام ممنوع، فإن دلالته على الطلب نشأت من اللام لا من الصيغة، بخلاف "نحو: قومن"، فإنه دل على الطلب، وقبل نون التوكيد. وهذا معنى قول الناظم:
١٣-
وسم بالنون فعل الأمر إن أمر فهم
"فإن قبلت كلمة النون" المذكورة، "ولم تدل" تلك الكلمة "على الأمر" الذي هو الطلب، "فهي فعل مضارع نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا﴾ [يوسف: ٣٢]، أو فعل تعجب نحو: أحسنن بزيد، فإنه ليس أمرا على الأصح، بل على صورته، "وإن دلت" كلمة "على الأمر" الذي هو الطلب، "ولم تقبل النون" المذكورة "فهي اسم" إما لمصدر نحو: [من الرجز]
١٥-
صبرا بني عبد الدار
بمعنى اصبروا. أو اسم لفعل "كنزال ودراك، بمعنى انزل وأدرك"، أو هي حرف نحو: "كلا" بمعنى انته، "وهذا" التمثيل بنزال ودراك، "أولى من التمثيل بـ: صه، و: حيهل" في قول الناظم:
١٤-
والأمر إن لم يك للنون محل فيه هو اسم نحو صه وحيهل
قال "اسميتهما"، أي: اسمية صه وحيهل "معلومة مما تقدم" في علامات الاسم، "لأنهما يقبلان التنوين" تقول: صه وحيهلا، بالتنوين، وعلى هذا كان ينبغي للموضح أن لا يمثل فيما تقدم بأف؛ لأنها تقبل التنوين، فاسميتها معلومة مما تقدم أيضا، ثم النظر في "هات وتعال" هل يقبلان نون التوكيد؛ فيدخلان في علامة الأمر؛ أو لا، فيخالف ما اختاره أولا فيهما. ولله دره حيث تمم أقسام اسم الفاعل من الماضي والمضارع ومفهومي علامة الأمر التي أغفلها الناظم.
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ٥/ ٣٥٢ "رجز"، ١٤/ ٨٣ "بكا"، وتهذيب اللغة ١٠/ ٦١٠.
[ ١ / ٤٠ ]
باب شرح المعرب والمبني
مدخل
باب شرح المعرب والمبني:
"هذا باب شرح المعرب و" شرح "المبني" المشتقين من الإعراب والبناء.
وإنما قدم على أصله، وإن كان معرفة المشتق متوقفة على معرفة المشتق منه، لطول الكلام على الإعراب والنباء، تأصيلا وتفريعا.
"الاسم" بعد التركيب "ضربان"، أشار به إلى أن في كلام الناظم حذفا، والتقدير: والاسم منه معرب ومنه مبني على حد: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، فاندفع الاعتراض بأن عبارة النظم تقتضي بظاهرها أن من الاسم هذين الشيئين، ومن شيء آخر وهو لم يذكره، ضرب "معرب، وهو الأصل" في الأسماء، وهو ما تغير آخره بسبب العوامل الداخلة عليه، "ويسمى" الاسم المعرب "متمكنا"، لتمكنه في باب الاسمية. ثم إن كان منصرفا فسمي أمكن، وإلا سمي غير أمكن. وإنما يعرب الاسم إذا لم يشبه الحرف، وإنما كان في الأصل فيه الإعراب، لاختصاصه بتعاقب معان عليه، كالفاعلية والمفعولية، والإضافة تفتقر في التمييز بينها إلى الإعراب. "و" ضرب "مبني".
وذهب قوم إلى أن الإضافة لياء المتكلم لا معرب ولا مبني، وسموه خصيا، وليس بشيء، "و" المبني: "هو الفرع، ويسمى" لعدم إعرابه "غير متمكن" في الاسمية. "وإنما يبنى الاسم إذا أشبه الحرف" لا الفعل عند الناظم، شبها قويا يدنيه منه، أي: يقرب الشبه المذكور الاسم من الحرف، وهذا معنى قول الناظم:
١٥-
لشبه من الحروف مدني
[ ١ / ٤١ ]
"وأنواع" هذا "الشبه ثلاثة" هنا، "أحدها الشبه الوضعي"، أي: المنسوب إلى الوضع الأصلي، وهو المشار إليه بقوله في النظم:
١٦-
كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا
"وضابطه" المنطبق على جزئياته؛ "أن يكون الاسم" موضوعا "على حرف" واحد؛ "أو" على "حرفين" فقط، سواء كان ثانيهما حرف لين أم لا.
"فالأول" وهو الموضوع على حرف واحد "كتاء: قمت" أي: كالتاء من "قمت"، "فإنها" حال الكسر "شبيهة بنحو باء الجر" مطلقا، "ولامه" مع الظاهر غير المستغاث، "و" في حال الفتح شبيهة بنحو "واو العطف وفائه"، وفي حال الضم شبيهة بنحو: "الله" في القسم، في لغة من ضم الميم، إذا لم تسكن محذوفة من ايمن. ذكرها في شرح الشذور في الحروف المبنية على الضم.
"والثاني" وهو الموضوع على حرفين، "كـ"نا" من "قمنا" فإنها"، أي: فإن "نا" "شبيهة بنحو: قد وبل" وما ولا، وقال الشاطبي: "نا" في قوله "جئتنا" على هذا الوضع غير موجود. نص عليه سيبويه والنحويون، بخلاف ما هو على حرفين، وليس ثانيهما حرف لين، فليس ذلك من وضع الحرف المختص به. ثم قال: وبهذا بعينه اعترض ابن جني على من اعتل لبناء "كم ومن" بأنهما موضوعان على حرفين، فأشبها "هل وبل". ثم قال: فعلى الجملة وضع الحرف المختص به، إنما هو إذا كان ثاني الحرفين حرف لين على حد ما مثل به الناظم، فما أشار إليه الناظم هو التحقيق، ومن أطلق القول في الوضع على حرفين، وأثبت به شبه الحرف، فليس إطلاقه بسديد. ا. هـ. ثم استشعر اعتراضا بأن نحو: "أب وأخ" على حرفين، مع أنهما معربان، فأجاب بقوله: "وإنما أعرب نحو أب وأخ لضعف الشبه بكونه عارضا"، بعد حذف لامهما، "فإن أصلهما" قبل الحذف "أبو وأخو، بدليل" قولهم في التثنية: "أبوان وأخوان"، برد المحذوف، والتثنية ترد الأشياء إلى أصولها، فثبت أنهما موضوعان على ثلاثة أحرف، وأما "أبان وأخان" من غير رد فتثنية "أبا وأخا" بالقسر، كما سيأتي.
فإن قيل لم لم يبنيا لشبههما بالحروف الموضوعة على ثلاثة أحرف، كـ"نعم وبلى"؟ فالجواب: أن هذا الشبه مهجور؛ لأن أكثر الأسماء موضوع على ثلاثة أحرف، فيلزم أن يكون غالب الأسماء مبنيا.
[ ١ / ٤٢ ]
فإن قيل: نحن نجد بعض الأسماء الثلاثية مبنيا كـ"نحن"، فالجواب: أن بناء نحو "نحن" ليس لهذا الشبه، بل لشبه آخر يأتي في بناء المضمرات.
النوع "الثاني: الشبه المعنوي"، وهو المشار إليه بقول الناظم:
١٦-
والمعنوي في متى وفي هنا
"وضابطه" المنطبق على جزئياته "أن يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف" أي: من المعاني التي تؤدى بالحروف، "سواء أوضع لذلك المعنى" الذي تضمنه ذلك الاسم "حرف، أم لا" يوضع له حرف أصلا.
"فالأول" وهو الذي تضمن معنى وضع له حرف "كـ"متى" فإنها تستعمل شرطا"، فتجرم فعلين، "نحو: متى تقم أقم، وهي حينئذ"، أي: حين إذا استعملت شرطا "شبيهة في" تأدية "المعنى"، وهو تعليق الجواب على الشرط "بـ "أن" الشرطية"، نحو: إنن تقم أقم. "وتستعمل أيضا استفهاما"؛ فلا تعمل شيئا "نحو: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، هي حنيئذ"، أي: حين، إذا استعملت استفهاما، "شبيهة في" تأدية "المعنى"، وهو طلب الفهم "بهمزة الاستفهام" في طلب التصور، ولما كان هنا مظنة سؤال، وهو أن يقال: أي الشرطية وأي الاستفهامية أشبها الحرف، ومع ذلك فهما معربان، فأشار إلى جوابه بقوله: "وإنما أعربت أي الشرطية في نحو: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ" فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] فـ"أي" اسم شرط جازم منصوب على المفعولية بـ"قضيت" وقدمت لأن لها الصدر، و"ما" صلة، و"الأجلين" مضاف إليهما، وجملة "فلا عدوان علي" جوابها. "و" أي "الاستفهامية نحو: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ" بِالْأَمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١] فـ"أي" اسم استفهام مبتدأ، و"الفريقين" مضاف إليهما و"أحق" خبر المبتدأ، "لضعف الشبه" فيهما؛ "بما عارضه من ملازمتهما للإضافة" إلى المفرد. وفي بعض النسخ: لملازمتها بالإفراد، والمراد الملازمة، أي: في الشرط والاستفهام للإضافة "التي هي من خصائص الأسماء".
"والثاني" وهو الاسم الذي تضمن معنى ولم يوضع له حرف، "نحو: هنا" من أسماء الإشارة للمكان، "فإنها متضمنة لمعنى الإشارة"، أي: لمعنى هو الإشارة، فالإضافة بيانية، كشجر أراك، "وهذا المعنى" الذي هو الإشارة؛ "لم تضع العرب له حرفا" يدل عليه، "ولكنه من المعاني التي من حقها أن تؤدّى بالحروف؛ لأنه"، أي: معنى الإشارة، "كالخطاب" الموضوع له الكاف المسماة بكاف الخطاب؛ "و" مثل "التنبيه"
[ ١ / ٤٣ ]
الموضوع له "ها" المسماة بها التنبيه بالقصر، "فهنا" لتضمنها معنى الإشارة "مستحقة للبناء، لتضمنه"، أي لفظ هنا "لمعنى الحرف الذي كان يستحق الوضع"، لتؤدى به الإشارة. وعدل عن قول أكثرهم؛ لأنه كالتمني والترجي، إلى الخطاب والتنبيه، لكونهما يكتنفان الإشارة في بعض المواضع، نحو: "هذاك"، فوضعوا للتنبيه "ها"، وللخطاب "الكاف"، وتركوا الإشارة بلا حرف، فكانت تستحق أن يوضع لها حرف، كما وضع لما قبلها ولما بعدها.
"وإنما أعرب: هذان وهاتان"؛ من أسماء الإشارة "مع تضمنها لمعنى الإشارة لضعف الشبه بما عارضه من مجيئهما على صورة المثنى، والتثنية من خصائص الأسماء" وهذا القول ملفق من قولين، فإن من قال بأنهما معربان قال بتثنيتهما حقيقة، ومن قال بأنهما مبنيان، قال: جيء بهما على صورة المثنى، وليسا مثنيين حقيقة، وهو الأصح؛ لأن من شرط التثنية قبول التنكير، وأسماء الإشارة ملازمة للتعريف، كما ذكره في شرح الشذور١ ففي حالة الرفع وضعا على صيغة المثنى المرفوع، وفي حالتي الجر والنصب وضعا على صيغة المثنى المجرور والمنصوب، فقوله: أولا، وإنما أعرب هذان وهاتان، يقتضي أنهما مثنيان حقيقة كالقول الأول، وقوله: ثانيا، لمجيئهما على صورة المثنى، يقتضي أنهما ليسا بمثنيين حقيقة كالقول الثاني، وإذا جمع بين طرفي كلامه أنتج كونهما معربين مع عدم تثنيتهما، وهذا قول ثالث لم أقف عليه.
النوع "الثالث: الشبه الاستعمالي"، وهو أن يستعمل الاسم استعمال الحروف، وهو المراد بقول الناظم:
١٧-
وكنيابة عن الفعل بلا تأثر وكافتقار أصلا
"وضابطه" المنطبق على جزئياته "أن يلزم الاسم طريقة من طرائق الحروف" الدالة على المعاني، "كأن ينوب" الاسم "عن الفعل" في معناه وعمله، "ولا يدخل عليه عامل" من العوامل، "فيؤثر فيه" لفظا أو محلا، فأما قول زهير: [من الكامل]
١٦-
ولنعم حشو الدرع أنت إذا دعيت نزال ولج في الذعر
_________________
(١) ١ شرح شذور الذهب ص١٤٠.
(٢) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٨٩، وإصلاح المنطق ص٣٣٦، والإنصاف ٢/ ٥٣٥، وخزانة الأدب ٦/ ٣١٧، ٣١٨، ٣١٩، والدرر ٢/ ٣٣٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٣١، وشرح شواهد الشافية ص٢٣٠، وشرح المفصل ٤/ ٢٦، والكتاب ٣/ ٢٧١، ولسان العرب ١١/ ٦٥٧، ٦٥٨ "نزل"، ١٢/ ١٨ "اسم"، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٧٥، والمقتضب ٣/ ٣٧٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٥، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٤/ ٢٤٧، ورصف المباني ص٢٣٢، وشرح المفصل ٤/ ٥٠، ٥٣.
[ ١ / ٤٤ ]
فمن الإسناد إلى اللفظ، أي: إذا دعيت هذه الكلمة، وقوله: "فيؤثر بالنصب جواب النفي المنصب على الدخول الناشئ عنه التأثير" يفهم منه أن العامل قد يدخل ولا يؤثر، مع أن العوامل اللفظية لا تدخل على أسماء الأفعال باتفاق، كما صرح الموضح به في باب الإضافة. فلو اقتصر على نفي الدخول؛ كما فعل في المشبه به الآتي؛ لكفاه، ولكنه حاول شرح قول الناظم:
١٧-
بلا تأثر
الذي لو حذف، وجعل الألف في قوله:
١٧-
أصلا
ضمير تثنية عائدا على النيابة والافتقار، أو للإطلاق والحذف من الأول، لدلالة الثاني عليه، والأصل: كنيابة أصلت وافتقار أصل، لسلم مما نقله الشاطبي عن بعض الشيوخ حيث قال: "وهذا يعني بلا تأثر لا محصول له، فإن تقديره من شرط بناء اسم الفعل أن لا يكون العامل مؤثرا في لفظه، وهذا هو نتيجة وجوب البناء لا شرطه ولا سببه، فحاصل المعنى على هذا، من شرط بناء اسم الفعل، أن لا يكون معربا وهذا محال". ا. هـ.
ولما ورد المصدر النائب عن فعله؛ لأن نيابته عن الفعل عارضة في بعض التراكيب كما صرحوا به بخلاف اسم الفعل، فإن نيابته عن الفعل متأصلة في المرتجلات، ومنزلة منزلة المتأصلة في المنقولات، وهذا هو السر في بناء اسم الفعل وإعراب المصدر النائب عن فعله، مع أن كلا منهما نائب عن الفعل، وإلا فما الفرق؟ فليتأمل! "وكان يفتقر" الاسم "افتقار متأصلا إلى جملة" اسمية أو فعلية.
"فالأول" وهو الذي ينوب عن الفعل ولا يدخل عليه عامل، "كـ: هيهات، وصه، وأوه" من أسماء الأفعال، "فإنها"، أي: فإن هيهات وصه وأوه "نائبة عن بعد"، بضم العين "واسكت وأتوجع" على طريق اللف والنشر على الترتيب، فـ"هيهات" نائبة عن فعل ماض، وهو بعد، و"صه": نائبة عن فعل أمر وهو اسكت، و"أوه": نائبة عن فعل مضارع وهو أتوجع، "ولا يصح أن يدخل عليها شيء من العوامل" اللفظية والمعنوية، "فتتأثر به"، على القول الصحيح من أنها لا محل لها من الإعراب، وقد بسطت الخلاف في ذلك في باب اسم الفعل، "فأشبهت" من الحرف "ليت ولعل مثلا، ألا ترى أنهما نائبتان" عن الفعل، فـ"ليت" نائبة "عن أتمنى، و" "لعل":
[ ١ / ٤٥ ]
نائبة عن "أترجى، ولا يدخل عليهما عامل" أصلًا، فضلًا عن أن يتأثرًا به "واحترز" الناظم "بانتفاء التأثر من المصدر النائب عن فعله نحو ضربًا، وفي قولك: ضربًا زيد، فإنه"، أي: ضربًا، "نائب عن اضرب، وهو مع هذا" أي: مع كونه نائبًا عن الفعل "معرب، وذلك لأنه" منصوب بالفعل المحذوف وجوبًا، والتقدير: اضرب ضربًا، كما أنه إذا ناب عن "أن" والفعل "تدخل عليه العوامل" اللفظية، "فتؤثر فيه، تقول" في الرفع: "أعجبني ضرب زيد، و" في النصب: "كرهت ضرب عمرو، و" في الخفض: "عجبت من ضربه"، وبهذا التقدير يندفع ما قيل إن التمثيل غير مطابق للحكم.
"والثاني" وهو الذي يفتقر افتقارًا متأصلًا إلى جملة "كإذ وإذا" من ظروف الزمان، "وحيث" خاصة من ظروف المكان و: [من الطويل]
١٧-
حيث لي العمائم
نادرًا. "و" كالذي والتي من "الموصلات"، ألا ترى أنك تقول: جئتك إذ، فلا يتم معنى "إذ" حتى تقول: جاء زيد، ونحوه" من الجمل "وكذلك الباقي" من الظروف والموصلات، فإنها أشبهت الحروف بأسرها، في افتقارها في إفادة معناها إلى ذكر متعلقها افتقارًا متأصلًا إلى جملة؛ لأنها إنما وضعت لنسبة معاني الأفعال إلى الأسماء. "واحترز بذكر الأصالة" المستفادة من قول الناظم:
١٧-
أصلًا
"من نحو" يوم في: " ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ " [المائدة: ١١٩] "فـ: يوم" في قراءة الرفع خبر هذا، وهو "مضاف" بدليل حذف تنوينه "إلى الجملة" بعده، وهي الفعل ومفعوله وفاعله، "والمضاف" أبدا "مفتقر إلى" ذكر "المضاف إليه" في إفادة معناه، " ولكن هذا الافتقار عارض في بعض التراكيب"، ويزول في بعضها. "ألا ترى أنك تقول: صمت يوما" إذا أخبرت عن الترك، "وسرت يوما" إذا أخبرت
_________________
(١) تمام البيت: ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم ببيض المواضي حيث لي العمائم وهو للفرزدق في شرح شواهد المغني ١/ ٣٨٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٨٧، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٢٥، وخزانة الأدب ٦/ ٥٥٣، ٥٥٧، ٥٥٨، ٧/ ٤، والدرر ١/ ٤٥٥، وشرح ابن الناظم ص٢٧٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٤، وشرح المفصل ٤/ ٩٢، ومغني اللبيب ١/ ١٣٢، وهمع الهوامع ١/ ٢١٢.
[ ١ / ٤٦ ]
عن الإيجاد، "فلا يحتاج" في تمام معنى يوم "إلى شيء" آخر. "واحترز بذكر الجملة من نحو: سبحان" من أسماء المصادر " وعند" من الظروف، "فإنهما مفتقران بالأصالة، لكن" افتقارهما "إلى مفرد" لا إلى جملة، "تقول: سبحان الله، وجلست عند زيد"، فلذلك أعربا نصبا على المصدرية، والناصب لـ"سبحان" فعل محذوف تقديره: "أُسبِّح"، والناصب لـ"عند" جلست، وما ذكره من أن "سبحان" ملازم للإضافة هو المشهور. وقال الفخر الرازي: "سبحان" مصدر لا فعل له، فيستعمل مضافا وغير مضاف، وإذا لم يضف ترك تنوينه، فقيل: سبحان من زيد، أي: براءة منه، كقوله: [من السريع]
١٨-
سبحان من علقمة الفاخر
وإنما منع صرفه؛ لأنه معرفة، وفي آخره ألف ونون. انتهى بحروفه. وأما استعمال "عند" غير مضافة كقوله: [من م. الرمل]
١٩-
كل عند لك عندي لا يساوي نصف عندي
فمن كلام المولدين؛ وليس بلحن، خلافا للحريري. بل كل كلمة ذكرت مرادا بها لفظها فسائغ أن تتصرف تصرف الأسماء، وأن تعرب ويحكى أصلها. قاله في المغني١.
ثم استشعر اعتراضا بأن: "اللذين واللتين وأيا" من الموصولات معربة، مع أنها مفتقرة بالأصالة إلى جملة، فأجاب بقوله: "وإنما أعرب "اللذان واللتان وأي الموصولة" في نحو: اضرب أيهم أساء"، بنصب "أي"، لأن جملة "أساء" صلة تامة، فسقط القول بأن "أيا" هنا مبنية على الضم، لإضافتها وحذف صدر صلتها، وهذا سهو عن شرط المسألة؛ لأن حذف صدر الصلة مشروط فيه أن يكون خبرة مفردا، ومتى كان خبره جملة امتنع حذفه كما سيأتي، "لضعف الشبه" متعلق بقوله: "أعرب"، "بما
_________________
(١) صدر البيت: "أقول لما جاءني فخره" وهو للأعشى في ديوانه ١٩٣، وأساس البلاغة "سبح"، والأشباه والنظائر ٢/ ١٠٩، وجمهرة اللغة ص٢٧٨، وخزانة الأدب ١/ ١٨٥، ٢/ ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٨، والخصائص ٢/ ٤٣٥، والدرر ١/ ٤١٥، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٥٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٠٥، وشرح المفصل ١/ ٣٧، ١٢٠، والكتاب ١/ ٢٣٤، ولسان العرب ٢/ ٤٧١ "سبح"، وتاج العروس ٤/ ٥٧٨ "شتت"، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٣/ ٣٨٨، ٦/ ٢٨٦، والخصائص ٢/ ١٩٧، ٣/ ٢٣، والدرر ٢/ ١٥٩، ومجالس ثعلب ١/ ٢٦١، والمقتضب٣/ ٢١٨، والمقرب ١/ ١٤٩، وهمع الهوامع ١/ ١٩٠، ٢/ ٥٢، سبحان من علقمة الفاخر : براءة من فخره وتكبره.
(٢) البيت لبعض المولدين في مغني اللبيب ١/ ١٥٦. ١ مغني اللبيب ١/ ١٥٦.
[ ١ / ٤٧ ]
عارضه" متعلق بضفع، "من المجيء" بيان لما متعلق بعارضه، "على صورة التثنية" متعلق بالمجيء، وهو راجع إلى "اللذين واللتين"، وفي البحث السابق في "هذين وهاتين"، "و" بما عارضه "من لزوم الإضافة" إلى مفرد راجع إلى "أي".
وأهمل الشبه الإهمالي، وضابطه أن يشبه الاسم الحرف المهمل، في كونه غير عامل ولا معمول، كأسماء الأصوات، والأعداد المسرودة قبل التركيب، وفواتح السور. وأدخله ابن مالك في بعض كتبه في الشبه المعنوي، وأدخله غيره في الاستعمالي، وأدخل الشاطبي أسماء الأصوات في قول الناظم:
١٧-
وكنيابة عن الفعل بلا تأثر
فقال: "لأنها تعطي من المقصود في الزجر والاستدعاء، ما يعطيه الفعل لو كان للزجر أو الاستدعاء لمن يخاطب، وحمل حكاية الأصوات كـ"غاق" و"قب" على أسماء الأصوات". ذكره في باب اسم الفعل، هذا حكم ما أشبه الحرف من الاسم.
"و" أما "ما سلم" منه "من مشابهة الحرف فمعرب، وهو"؛ أي: المعرب؛ "نوعان: ما يظهر إعرابه، كـ: أرض، تقول: هذه أرض" بالرفع؛ "ورأيت أرضا" بالنصب، "ومررت بأرض" بالخفض. "وما لا يظهر إعرابه، كـ: الفتى" من المقصور، "تقول: جاء الفتى" بضمة مقدرة على الألف، "ورأيت الفتى" بفتحة مقدرة عليها، "ومررت بالفتى" بكسرة مقدرة عليها. "ونظير الفتى" في تقدير الحركات في آخره "سما" بضم أوله وفتح ثانيه والقصر، "كـ: هدى، وهي" أي: سما "لغة في الاسم" من ست١، ثانيها: سما؛ بكسر السين والقصر، كـ: "رضى"، وثالثها ورابعها: سم بضم السين وكسرها من غير قصر، وخامسها وسادسها: اسم، بضم الهمزة وكسرها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٨-
ومعرب الأسماء ما قد سلما من شبه الحرف كأرض وسما
بضم السين والقصر لغة في الاسم، "بدليل قول بعضهم" وقد سئل عن اسم شخص: "ما سماك؟ " أي: ما اسمك؟ "حكاه صاحب الإفصاح" فيه وجه الدلالة منه أنه أثبت الألف مع الإضافة، وذلك يفيد كونه مقصورا. وأما أنه يفيد ضم السين فلا، إذ يحتمل كسرها، وبعضهم استدل على ثبوت هذه اللغة بقول ابن خالد القناني، نسبة إلى
_________________
(١) ١ ذكر غير في حاشية يس ١/ ٥٤، في الاسم ثمان عشرة لغة جمعها الدنوشري بقوله: سما سم واسم سماة كذا سما وزد سمة واثلث أوائل كلها
[ ١ / ٤٨ ]
القنان١، بفتح القاف، جبل لبني أسد: [من الرجز]
والله أسماك سما مباركا
وهو ليس بنص في المقصود، فلأجل ذلك قال: "وأما قوله":
٢٠-
"والله أسماك سما مباركا" آثرك الله به إيثاركا
"فلا دليل فيه؛ لأنه" أي: "سما" "منصوب منون، فيحتمل أن الأصل: سم" من غير قصر، "ثم دخل عليه الناصب" وهو: "أسماك" "ففتح"، أي: نصب على أنه مفعول ثان لـ"أسماك"، لأنه بمعنى "سماك"، وقد روي به أيضا، "كما تقول في: يد" إذا دخل عليها ناصب: "رأيت يدا". ومعنى: "آثرك الله به إيثاركا" اختصك بهذا الاسم المبارك، كإيثاره إياك بالفضل، فأضاف المصدر إلى مفعوله، وطوى ذكر الفاعل.
_________________
(١) ١ القنان: جبل بأعلى نجد فيه ماء يدعى العسيلة. "معجم البلدان ٤/ ٤٠١".
(٢) الرجز لابن خالد القناني في إصلاح المنطق ص١٣٤، والمقاصد النحوية ١/ ١٥٤، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٩، والإنصاف ١/ ١٥، وأوضح المسالك ١/ ٣٤، وشرح المفصل ١/ ٢٤، ولسان العرب ١٤/ ٤٠١، ٤٠٢ "سما"، وتاج العروس "سمو".
[ ١ / ٤٩ ]
"فصل":
"والفعل" أيضا "ضربان": ضرب "مبني، وهو الأصل" في الأفعال، إذا لم تعتورها معان تفتقر في تمييزها إلى إعراب، "و" ضرب "معرب، وهو بخلافه"، أي: بخلاف المبني، وهو الفرع. "فالمبني" من الأفعال "نوعان:
أحدهما: الفعل "الماضي"، مبني باتفاق "وبناؤه على الفتح". للخفة، ثلاثيا كان "كـ: ضرب"، أو رباعيا كـ: دحرج، أو خماسيا كـ: انطلق، أو سداسيا كـ: استخرج. ولا يزيد على ذلك وإنما بني على حركة لمشابهته المضارع في الجملة، لوقوعه صفة وصلة وخبرا وحالا وشرطا، ولثقل الضم والكسر وثقل الفعل عدلوا إلى الفتح لخفته، "وأما ضربت ونحوه" مما اتصل ضمير رفع متحرك بارز، "فالسكون" فيه "عارض أوجبه كراهتهم" أي: العرب "توالي أربع متحركات"، وهي أحرف الفعل الثلاثة وتاء الفاعل، "فيما هو كالكلمة" الواحدة؛ لأن تاء الفاعل لشدة اتصالها بالفعل نزلت منه منزلة الجزء، "وكذلك ضمة" الباء من "ضربوا عارضة لمناسبة الواو" بإضافة المصدر إلى مفعوله، وحذف فاعله، والأصل لمناسبتها الواو.
"و" النوع "الثاني: الأمر"، مبني على الأصح عند جمهور البصريين، وإلى هذين الإشارة بقوله:
١٩-
وفعل أمر ومضى بنيا
وبناؤهما مختلف، فالماضي بناؤه على الفتح كما تقدم، "و" الأمر "بناؤه على ما يجزم به مضارعه" المبدوء بتاء الخطاب، "فنحو "اضرب": مبني على السكون"، فإن مضارعه يجزم بالسكون، نحو: لم تضرب، "ونحو: اضربا"، واضربوا، واضربي: "مبني على حذف النون" لأن مضارعها يجزم بحذف النون، نحو: لم تضربا ولم تضربوا ولم تضربي، "ونحو: اغز"، اخش، وارم "مبني على حذف آخر الفعل"، لأن مضارعها يجزم بحذف آخره، نحو: لم تغز، ولم تخش، ولم ترم. فـ"اغز" مبني على
[ ١ / ٥٠ ]
حذف الواو، و"اخش": مبني على حذف الألف، و"ارم" مبني على حذف الياء، وذهب الأخفش والكوفيون إلى أن الأمر معرب مجزوم بلام الأمر، وإنها حذفت حذفا مستمرا في نحو: قم واقعد، والأصل: لِتَقُم ولِتَقْعد، فحذفت اللام للتخفيف؛ وتبعها حرف المضارعة. قال الموضح في المغني١: "وبقولهم أقول؛ لأن الأمر معني، فحقه أن يؤدى بالحرف؛ ولأنه أخو النهي". ا. هـ. وقد دل عليه بالحرف؛ ولأن الفعل إنما وضع لتقييد الحدث بالزمان المحصل، وكونه أمرا أو خبرا خارج عن مقصوده؛ ولأنهم قد نطقوا بذلك الأصل كقوله: [من الخفيف]
٢١-
لتقم أنت يابن خير قريش كي لتقضي حوائج المسلمينا
وكقراءة بعضهم: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا" [يونس: ٥٨] بالتاء الفوقية٢، وفي الحديث: "لتأخذوا مصافكم"؛ ولأنك تقول: اغز، واخش، وارم، واضربا، واضربوا، كما تقول في الجزم؛ ولأن البناء لم يعهد كونه بالحذف؛ ولأن المحققين على أن أفعال الإنشاء مجردة عن الزمان؛ كـ"بعت"، و"أقسمت"، و"قبلت"، وأجابوا عن كونها مع ذلك أفعالا بأن تجردها عارض لها عند نقلها عن الخبر، ولا يمكنهم ادعاء ذلك في: "قم"؛ لأنه ليس له حالة غير هذه، وحينئذ فتشكل فعليته. وإذا ادعى أن أصله: "لتقم"، كان الدال على الإنشاء اللام لا الفعل٣. انتهى كلامه في المغني٤. وهذا ما وعدناه به عند تقسيم الأفعال.
"والمعرب" من الأفعال "المضارع، نحو: يقوم" زيد، "لكن" لا مطلقا على الأصح، بل "بشرط سلامته من نون الإناث٥، و" من "نون التوكيد المباشرة".
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ٢٢١.
(٢) البيت بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٢٥، وتذكرة النحاة ص٦٦٦، وخزانة الأدب ٩/ ١٤، ١٠٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٢، ومغني اللبيب ١/ ٢٢١، ٢/ ٥٥٢. ٢ الرسم المصحفي: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ بالياء، وقرأها "فلتفرحوا" ابن عامر وأبي وأنس وابن سيرين وقتادة وابن عباس وغيرهم. انظر الإتحاف ٢٥٢، والمحتسب ١/ ٣١٣، والنشر ٢/ ٢٨٥. والقراءة من شواهد مغني اللبيب ١/ ١٨٦، وشرح التصريح ١/ ٥٥، ٢/ ٢٤٦، وأوضح المسالك ٤/ ٢٠١. ٣ أي: وإذا لم يثبت له دلالة على الطلب كان مضارعا، وإذا ثبت كونه كونه مضارعا ثبت أيضا أن الفعل ينقسم عند الكوفيين ومن وافقهم إلى قسمين فقط، كما صرح بذلك الشارح سابقا. ٤ مغني اللبيب ١/ ٢٢١. ٥ أي: نون الإناث الموضوعة أصالة للإناث وإن استعملت للذكور مجازا. "حاشية يس ١/ ٥٦".
[ ١ / ٥١ ]
وإلى ذلك الإشارة بقوله:
١٩-
وأعربوا مضارعا إن عريا
٢٠-
من نون توكيد مباشر ومن نون إناث
"فإنه من نون الإناث مبني على" الأصح "على السكون" كالماضي "نحو: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وذهب السهيلي إلى أنه مع نون الإناث معرب تقديرا، "ومع نون التوكيد المباشر مبني" على الأصح. وقيل: لا تشترط المباشرة، فنحو: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦] مبني أيضا. وقيل: الجمع معرب تقديرا، والمختار أنه مع المباشرة مبني "على الفتح، نحو: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة: ٤] لتركيبه مع النون تركيب "خَمْسَة عَشَر"، ولهذا لو فصل بين الفعل والنون ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة، لم يحكم على الأصح ببنائه؛ لأنهم لا يركبون ثلاثة أشياء. "وأما" نون التوكيد "غير المباشرة" لفظا وتقديرا، "فإنه": أي: المضارع "معرب معها تقديرا نحو: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦] مضارع بلا يبلو مبني للمجهول؛ مسند لجماعة الذكور؛ من البلاء وهو التجربة، أصله قبل التوكيد: "لتبلوون" كـ"تنصرون"؛ بواوين؛ الأول لام الفعل، والثانية واو الجماعة، فإما أن تقول: استثقلت الضمة على لام الفعل؛ فحذفت لاستثقالها، أو تقول: تحركت وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفا. وعلى التقديرين التقى ساكنان؛ الواوان على التقدير الأول، والألف والواو على التقدير الثاني، فحذف أول الساكنين، فصار: "لتبلون" بوزن تفعون، ثم أكد بالثقيلة فصار: "لتبلونن" بثلاث نونات، فحذفت نون الرفع لفظا لتوالي النونات، فالتقى ساكنان واو الجمع ونون التوكيد المدغمة، وتعذر حذف إحداهما؛ فحركت الواو بحركة تجانسها، وهي الضمة؛ ولم تحرك النون محافظة على الأصل، ولعروض الضمة لم تنقلب الواو ألفا لتحركها؛ وانفتاح ما قبلها، وحيث حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال فهي مقدرة الثبوت؛ لأنها علامة الرفع، بخلاف ما إذا حذفت للجازم؛ فإن المضارع معرب مع نون توكيد لفظا نحو: " ﴿فَإِمَّا تَرَيِنّ﴾ " [مريم: ٢٦] أصله قبل التوكيد: "ترأيين" كـ"تمنعين"، نقلت حركة الهمزة إلى الراء قبلها، ثم حذفت الهمزة؛ فصار: "تريين" بفتح الراء وكسر الياء الأولى وسكون الثانية، وإما أن تقول: حذفت الكسرة لاستثقالها أو تحركت الياء وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفا، وعلى التقديرين التقى ساكنان؛ حذف أولهما كما مر، فصار: "ترين" بفتح الراء
[ ١ / ٥٢ ]
وسكون الياء، ثم دخل الجازم وهو إن الشرطية المتصلة بما الزائدة، فحذفت نون الرفع فصار: "فإما تري" بسكون الياء المفتوح ما قبلها، ثم أكد بالنون، فالتقى ساكنان؛ ياء المخاطبة ونون التوكيد، وتعذر حذف أحدهما، فحركت الياء بحركة تجانسها؛ وهي الكسرة؛ إلى آخر ما مر في "لتبلون". "و" نحو: " ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ﴾ " [يونس: ٨٩] أصله قبل التوكيد والنهي: "تتبعان" بتخفيف النون لرفع، فدخل عليه "لا" الناهية، فحذفت نون الرفع، فصار: "لا تتبعا" ثم أكد بالثقيلة، فالتقى ساكنان؛ الألف ونون التوكيد المدغمة، ولم يجز حذف الألف لئلا يلتبس بالواحد، ولا تحريكها لأنها لا تقبل الحركة، ولم يجز حذف النون لفوات المقصود منها، فحركت النون بالكسر تشبيها بنون التثنية الواقعة بعد الألف.
هذه أمثلة غير المباشرة لفظا، وأما غير المباشرة تقديرا فنحو: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ﴾ [القصص: ٨٧] بضم الدال، أصله قبل التوكيد والنهي: "يصدونك"، حذفت النون للجازم وهو "لا" الناهية، فصار: "يصدوك"، ثم أكد بالثقيلة؛ فالتقى ساكنان؛ حذفت الواو لدلالة الضمة عليها، فصار: "لا يصدنك". فنون التوكيد وإن باشرت الفعل لفظا، إلا أنها لم تباشره في الأصل؛ لأن الواو المحذوفة فاصلة بينهما تقديرا، والضابط أن الفعل المضارع إن كان يرفع بالضمة، فإنه إذا أكد بالنون يبنى، وإن كان يرفع بثبات النون، فإنه إذا أكد بالنون يبقى على إعرابه لفظا أو تقديرا، لوجود الفاصل لفظا أو تقديرا. وقد تبين بما قررنا أن الإعراب التقديري في: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦] خاصة بخلاف: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦] ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩] فإنه فيهما لفظي وذلك خلاف سياق كلامه.
"والحروف كلها مبنية" لأنها لا تتصرف ولا يعتقب عليها من المعاني ما تحتاج معه إلى إعراب، وهذه العبارة أحسن من قول الناظم:
٢١-
وكل حرف مستحق للبنا
إذ لا يلزم من استحقاق البناء الاتصاف به، والبناء لغة: وضع شيء على شيء على صفة يراد بها الثبوت. وفي الاصطلاح: لزوم آخر الكلمة حالة واحدة على القول بأنه معنوي، وعلى القول بأنه لفظي، فقال ابن مالك: ما جيء به لا لبيان مقتضى العامل من شبه الإعراب، وليس حكاية أو اتباعا أو نقلا أو تخلصا من سكونين.
[ ١ / ٥٣ ]
"فصل":
وأنواع "البناء أربعة" لا زائد عليها:
"أحدها: السكون، وهو الأصل"؛ وإليه أشار بقوله:
٢١-
والأصل في المبني أن يسكنا
وإنما كان الأصل في البناء السكون لخفته واستصحابا للأصل، وهو عدم الحركة، فلا ينبني عليها إلا لسبب، كالتقاء الساكنين في نحو: "أمس"، وكون الكلمة على حرف واحد كتاء "قمت" وكونها عرضة للابتداء بها كـ"لام الابتداء"، وكونها لها أصل في التمكن كـ"أول"، وكشبهها بالمعرب كـ"ضرب". "ويسمى" عدم الحركة "أيضا وقفا"، كما يسمى سكونا، والسكون خفيف، "ولخفته دخل في الكلم الثلاث" الحرف والفعل والاسم. ففي الحرف "نحو: "هل"، و" في الفعل نحو: "قم، و" في الاسم نحو: "كم"، بدأ بالحرف لتوغله، وثنى بالفعل لأنه الأغلب فيه.
"و" النوع "الثاني: الفتح، وهو أقرب الحركات إلى السكون"، لحصوله بأدنى فتح الفم، بخلاف الضم والكسر، فإن الأول إنما يحصل بإعمال العضلتين معا الواصلتين إلى طرفي الشفة، والثاني إنما يحصل بالعضلة الواحدة الجاذبة إلى أسفل "فلهذا" القرب "دخل" الفتح "أيضا في الكلم الثلاث": في الحرف "نحو: سوف، و" في الفعل نحو: "قام، و" في الاسم نحو: "أين. والنوعان الآخران وهما الكسر والضم" ثقيلان، "ولثقلهما" لكونهما يحتاجان إلى إعمال إحدى العضلتين أو كلتيهما، "وثقل الفعل" لدلالته على الحدث والزمان مطابقة، والفاعل التزاما "لم يدخلا فيه"، لئلا يجمع بين ثقيلين، "ودخلا في الحرف والاسم" لخفتهما، بدلالتهما على شيء واحد،
[ ١ / ٥٤ ]
فالكسر في الحرف "نحو: لام الجر" الداخلة على ظاهر غير مستغاث، "و" الكسر في الاسم نحو: "أمس" عند الحجازيين بشرطه الآتي، "و" الضم في الحرف والاسم "نحو: "منذ" في لغة من جر بها أو رفع، فإن الجارة" للاسم "حرف، والرافعة" له "اسم"، وسيأتي إيضاح ذلك في باب حروف الجر.
وإلى أنواع البناء الأربعة الإشارة بقوله في النظم:
٢٢-
ومنه ذو فتح وذو كسر وضم كأين أمس حيث والساكن كم
وأقوى الحركات الضم، ويليه الكسر، ثم الفتح. وسمي الأول ضما؛ لأنه ينشأ من ضم الشفتين أولا ثم رفعهما ثانيا، وسمي الثاني كسرا؛ لأنه ينشأ من انجرار اللحى الأسفل إلى أسفل انجرارا قويا، وسمي الثالث فتحا؛ لأنه يتولد من مجرد فتح الفم. وهذه الحركات تكون ظاهرة كما مر، ومقدرة كتقدير الضم في: "يا سيبويه"، والفتح في نحو: "لا فتى إلا علي"، والكسر في نحو: "هؤلاء" حال الوقف.
[ ١ / ٥٥ ]
"فصل":
"الإعراب" لغة: البيان، واصطلاحًا: تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظًا، أو تقديرًا، على القول بأنه معنوي، وعلى القول بأنه لفظي، "أثر ظاهر" في اللفظ، "أو مقدر" فيه "يجلبه العامل" المقتضي له "في آخر الكلمة" التي هي اسم لم يشبه الحرف، أو فعل مضارع لم تتصل به نون الإناث، ولم تباشره نون التوكيد، والمراد بالأثر الظاهر أو المقدر: نفس الحركات الثلاث والسكون وما ناب عنها، والمراد بالظاهر: ما تلفظ به من حركة أو حرف أو سكون أو حذف. والمراد بالمقدر: ما ينوى من ذلك، كما تنوى الضمة والفتحة والكسرة في نحو: "الفتى"، وكما تنوى الواو في نحو: "مسلمي" رفعًا، وكما تنوى النون في نحو: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وكما ينوى حذف الحركة في نحو: "لم يقرأ"، إذا كان الإبدال قبل دخول الجازم ولم يعتد به، والمراد بالعامل: ما به يحدث المعنى المحوج للإعراب، والمراد بآخر الكلمة: ما كان آخرًا حقيقة كـ"دل: زيد"، أو مجازًا كـ"دال: يد"، والمراد بالكلمة هنا: الاسم والفعل المعربان.
والإعراب جنس، "وأنواعه" الداخلة تحته "أربعة:
رفع ونصب" يشتركان "في اسم وفعل"، فالرفع "نحو: زيد يقوم"، فـ"زيد": مرفوع بالابتداء، و"يقوم": مرفوع بالتجرد، "و" النصب نحو: "إن زيدًا لن يقوم"، فـ"زيدًا": منصوب بـ"إن"، و"يقوم" منصوب بـ"لن".
"وجر" مختص بمعنى "في اسم، نحو": مررت "بزيد"، فـ"زيد": اسم مجرور بالياء.
"وجزم" مختص بمعنى "في فعل نحو: لم يقم"، فـ"يقم": فعل مجزوم بـ"لم"، وإلى هذه العلامات الأربع أشار بقوله:
[ ١ / ٥٦ ]
٢٣-
والرفع والنصب اجعلن إعرابا لاسم وفعل نحو لن أهابا
٢٤-
والاسم قد خصص بالجر كما قد خصص الفعل بأن ينجزما
"ولهذه الأنواع الأربعة" التي هي الرفع والنصب والجر والجزم "علامات"، جمع علامة، بمعنى علم، أو جمع علم، كاصطبلات جمع اصطبل، فالضمة علم ومسماه الرفع، وكذا الباقي، وبهذا يندفع ما يقال: إن في كلامه تناقضًا، وذلك أنه جعل الإعراب أولًا نفس الحركات، وما ناب عنها بقوله: "أثر" إلخ. وجعلها ثانيًا علامات للإعراب بقوله: "و" لهذه الأنواع الأربعة علامات "أصول، وهي الضمة للرفع" نحو: جاء زيد، "والفتحة للنصب" نحو: رأيت زيدًا، "والكسرة للخفض" نحو: مررت بزيد "وحذف الحركة للجزم" نحو: لم يقم، وذلك مستفاد من قوله في النظم:
٢٥-
فارفع بضم وانصبن فتحًا وجر كسر كذكر الله عبده يسر
٢٦-
واجزم بتسكين
"وعلامات فروع" نائبة "عن هذه العلامات" أصول وهي عشرة: ثلاثة تنوب عن الضمة، وهي: الواو والألف والنون، وأربعة تنوب عن الفتحة، وهي: الكسرة والألف والياء وحذف النون، واثنان ينوبان عن الكسرة، وهما الفتحة والياء، وواحدة تنوب عن حذف الحركة، وهي حذف حرف العلة، أو حذف النون، وإليها أشار بقوله:
٢٦-
وغير ما ذكر ينوب
"وهي"، أي: هذه العشرة، "واقعة في سبعة أبواب متفرقة"
"الباب الأول":
المشار إليه بقول الناظم:
٢٧-
وارفع بواو وانصبن بالألف واجر بياء ما من الأسما أصف
٢٨-
من ذاك ذو إن صحبة أبانا والفم حيث الميم منه بانا
٢٩-
أب أخ حم كذاك وهن
وهو "باب الأسماء الستة" المعتلة المضافة، "فإنها ترفع الواو" نيابة عن الضمة، "وتنصب بالألف" نيابة عن الفتحة، "وتخفض بالياء" نيابة عن الكسرة، "وهي: ذو، بمعنى صاحب" لا بمعنى الذي، "والفم إذا فارقته الميم" لا المتصل بها، "والأب، والأخ" بالتخفيف، "والحم" بغير همز، "والهن". قال ابن مالك في شرح
[ ١ / ٥٧ ]
العمدة: "جعل أولها "ذو" لأنه مختص بملازمة الإعراب بالحروف، وجعل "فو" قرين "ذو" في الذكر، لتساويهما في لزوم الإضافة والإعراب بالحروف. إلا أن "ذو" لا تضاف لياء المتكلم، و"فو" تضاف إليها، فلهذا انحط عن درجة "ذو"، وأخر عنه، و"الأب والأخ والحم" مستوية في الإعراب بالحروف؛ إذا أضيفت لغير ياء المتكلم، فقرن بينها في الذكر قبل "الهن"، وأخر "الهن" لأن إعرابه بالحروف قليل". ا. هـ. ملخصا.
"ويشترط" لإعراب هذه الأسماء بالحروف "في غير "ذو"، أن تكون مضافة لا مفردة" عن الإضافة، "فإن أفردت" عنها، "أعربت بالحركات" الثلاث ظاهرة، فالرفع "نحو: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ [النساء: ١٢]، فـ"أخ": مرفوع على الابتداء وخبره في الجار والمجرو قبله، "و" النصب نحو: " ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا﴾ [يوسف: ٧٨]، فـ"أبا": اسم إن وخبرها الجار والمجرور المقدم على اسمها، والجر نحو: " ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ [النساء: ٢٣] قد "الأخ": مجرور بإضافة بنات إليه. ثم استشعر اعتراضا بأن: "فا" جاء معربا بالحروف مع أنه مفرد، فأجاب بقوله: "فأما قوله؛ يعني العجاج: [من الرجز]
٢٢-
"خالط من سلمى خياشيم وفا"
"فشاذ"؛ لأنه منصوب بالألف بالعطف على "خياشيم" المنصوب بـ"خالط" على المفعولية، مع أنه غير مضاف. وخرجه أبو الحسن وتابعه ابن مالك على أنه حذف المضاف إليه ونوى ثبوت لفظه "لإضافة منوية" في المعطوف والمعطوف عليه، "أي: خياشيمها وفاها"، فأبقاه على حاله غير مضاف إضافة صريحة. وقال ابن كيسان: إنما جاز ذلك؛ لأنه موضع لا يلحقه التنوين، فحذف؛ يعني التنوين؛ وبقي مفردا على حرفين، إذ الألف هي المنقلبة عن عين الكلمة، فلم يلزم من ذلك أن يبقى على حرف واحد. فعلى قول ابن مالك، لا يشترط في الإضافة أن تكون ملفوظة بل الملفوظة والمنوية في ذلك سواء، "ويشترط في الإضافة أن تكون لغير الياء" الدالة على التكلم، سواء في ذلك الظاهر، وضمير المتكلم مع غيره، وضمير المخاطب، وضمير الغائب وفروعها. "فإن كانت" الإضافة "للياء" المذكورة، "أعربت" هذه الأسماء "بالحركات المقدرة" في الأحوال الثلاث على الأصح، فالرفع "نحو: ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ [القصص: ٣٤] فـ"أخي":
_________________
(١) الرجز للعجاج في ديوانه ٢/ ٢٢٥، ولسان العرب ١٢/ ٤٥٩ "فمم"، ١٥/ ٣٤٥ "نهى"، ٤٥٦ "ذو"، وإصلاح المنطق ص٨٤، وخزانة الأدب ٣/ ٤٤٢، ٤٤٤، والدرر ١/ ٣٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٠٤، والمقاصد النحوية ١/ ١٥٢، والمقتضب ١/ ٢٤٠، والممتع في التصريف ص٤٠٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٥٠، والمسائل العضديات ص٢٢٨-٢٢٩.
[ ١ / ٥٨ ]
مرفوع على الابتداء وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الخاء منع ظهورها اشتغال المحل بحركته المناسبة، و"هارون": بدل منه أو عطف بيان عليه، وجملة "هو أفصح مني لسانا": خبره.
ومما يحتمل الرفع والنصب: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] فـ"أخي": يحتمل أن يكون منصوبا على البدلية من هذا، ويحتمل أن يكون مرفوعا على أنه خبر أول لـ"إن"، وجملة: "له تسع وتسعون": خبر ثان.
ومما يحتمل الأوجه الثلاثة " ﴿إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥] فـ"أخي": يحتمل أن يكون مرفوعا، وأن يكون منصوبا، وأن يكون مجرورا، فرفعه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عطفا على الضمير المستتر في "أملك"، ذكره الزمخشري، واعترضه الموضح بأن "أملك" لا يرفع الظاهر، فلا يعطف على مرفوعه ظاهر، وجوابه أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، والذي حسن العطف على الضمير المرفوع المتصل؛ الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمستثنى.
الوجه الثاني: أن يكون معطوفا على "إن" واسمها:
الوجه الثالث: أن يكون مبتدأ حذف خبره، والتقدير: وأخي لا يملك إلا نفسه، فهو على هذا من عطف الجمل، وعلى الأولين من عطف المفردات.
ونصبه من وجهين أحدهما: أن يكون معطوفا على اسم "إن"، الثاني: أن يكون معطوفا على "نفس".
وجزء من وجه واحد؛ وهو أن يكون معطوفا على الياء المجرورة بإضافة "نفس" إليها.
وهذا الوجه لا يجيزه جمهور البصريين لعدم إعادة الجار، واستغنى عن اشتراط التكبير والإفراد المقابل للتثنية والجمع تبعا لأصله حيث اقتصر على قوله:
٣١-
وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا لليا
لكونه ذكرها كذلك، "وذو"؛ حالة إفرادها؛ "ملازمة للإضافة لغير الياء" من أسماء الأجناس الظاهرة غير الصفات، "فلا حاجة إلى اشتراط الإضافة فيها"؛ لأنها حاصلة، والاشتراط تحصيل ما ليس بحاصل. "وإذا كانت "ذو" موصولة" بمعنى الذي وأخواته، "لزمتها الواو" في الأحوال الثلاثة غالبا، والبناء على السكون. "وقد تعرب بالحروف"
[ ١ / ٥٩ ]
الثلاثة رفعا ونصبا وجرا "كقوله"، وهو منظور بن سحيم الفقعسي: [من الطويل]
٢٣-
فإما كرام موسرون رأيتهم "فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا"
هكذا رواه أبو الفتح ابن جني بالياء معربا١، ورواه غيره بالواو على البناء، وإذا ثبت إعرابها في الجر قلنا به في الرفع والنصب. وقيد ابن الضائع ذلك بحالة الجر؛ لأنه محل السماع، "وإذا لم تفارق الميم "القم" أعرب بالحركات الثلاث"، سواء أفرد أو أضيف، ولا يختص بثبوت الميم في "الفم" حالة الإضافة للضرورة نحو: [من الرجز]
٢٤-
يصبح ظمآن وفي البحر فمه
خلافا للفارسي٢، ويرده قوله ﷺ: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" ٣.
_________________
(١) البيت لمنظور بن سحيم الفقعسي في الدرر ١/ ١٥٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١١٥٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٠، وشرح المفصل ٣/ ١٤٨، والمقرب ١/ ٥٩، والمقاصد النحوية ١/ ١٢٧، وللطائي "؟ " في مغني اللبيب ٢/ ٤١٠، وشرح الأشموني ١/ ٧٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٥، وشرح عمدة الحافظ ص١٢٢، وهمع الهوامع ١/ ٨٤، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٢٠، ٦٠. ١ نص على ذلك ابن الناظم في شرحه ص٦٠، وانظر الدرر اللوامع ١/ ١٥٢.
(٢) الرجز لرؤبة في ديوانه ١٥٩، والحيوان ٣/ ٢٦٥، وخزانة الأدب ٤/ ٤٥١، ٤٥٤، ٤٦٠، والدرر ١/ ٣٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٦٧، والمقاصد النحوية ١/ ١٣٩، ومحاضرات الأدباء ٢/ ٣٦٥، وبلا نسبة في جمهرة الأمثال ٢/ ٥٣١، والدرة الفاخرة ١/ ٢٩٦، وشرح الأشموني ١/ ٣١، ومجمع الأمثال ١/ ٤٤٧ والمخصص ١/ ١٣٦، والمسائل العضديات ص٢٢٨، وهمع الهوامع ١/ ٤٠. ٢ في المسائل العضديات ص٢٢٨، وهي المسألة رقم ٩١ بعنوان: حروف فم واللغات فيها. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب فضل الصوم، برقم ١٧٩٥، وأخرجه مسلم في الصيام، باب حفظ اللسان للصائم، برقم ١١٥١.
[ ١ / ٦٠ ]
"فصل":
"والأفصح في: الْهَنِ" إذا استعمل مضافا "النقص، أي: حذف اللام" منه، وهي الواو، وإلى ذلك الإشارة بقوله:
٢٩-
والنقص في هذا الأخير أحسن
"فيعرب بالحركات" الثلاث على العين وهي النون، فتقول: هذا هَنُك، ورأيت هَنَك، ونظرت إلى هَنِك، "ومنه"؛ أي: من النقص في الهن؛ "الحديث"، وهو قوله ﷺ: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا" ١ قال الموضح في شرح شواهد ابن الناظم: "تعزى"، بمثناة مفتوحة؛ فعين مهملة مفتوحة؛ فزاي مشددة، أي: من انتسب وانتمى، وهو الذي يقول: "يا لفلان"، لتخرج الناس معه إلى القتال في الباطل، "فأعضوه": بهمزة مفتوحة؛ وعين مهملة مكسورة؛ وضاد مشددة معجمة، أي: قولا له: اعضض على هَنِ أبيك، أي: على ذكر أبيك، أي: قولوا له ذلك استهزاء به ولا تجيبوه إلى القتال الذي أراده. أي: تمسك بذكر أبيك الذي انتسبت إليه؛ عساه أن ينفعك، فأما نحن فلا نجيبك. و"لا تكنوا": أي: لا تذكروا كناية الذكر، وهو الهَنُ، بل اذكروا له صريح اسم الذكر، وهو الأير، و"تكنوا": بفتح التاء؛ وسكون الكاف بعدها نون، والشاهد في قوله: "بهن أبيه" إذا استعمله منقوصا. ا. هـ.
وإذا استعمل "الهن" غير مضاف كان بالإجماع منقوصا، تقول: هذا هن، ورأيت هنا، ومررت بهن، وهو "اسم يكنى به عن أسماء الأجناس، كرجل وفرس وغيرهما، وقيل: عما يستقبح التصريح بذكره، وقيل: عن الفرج خاصة". قاله الموضح في شرح القطر.
_________________
(١) ١ الحديث في مسند أحمد ٥/ ١٥٦، والنهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٣٣ "عزا"، ٢٥٢ "عضض"، وهو من شواهد شرح ابن الناظم ص١٩.
[ ١ / ٦١ ]
"ويجوز النقص" بضعف، وهو حذف اللام والإعراب بالحركات "في الأب والأخ والحم" وهو المراد بقول الناظم:
٣٠-
وفي أب وتالييه يندر
فتقول: هذا أبك وأخك وحمك، ورأيت أبك وأخك وحمك، ومررت بأبك وأخك وحمك، "ومنه"، أي: من النقص، "قوله"، وهو رؤبة، يمدح عدي بن حاتم الطائي: [من الرجز]
٢٥-
بأبه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم
فـ"أبه" الأول: مجرور بالكسرة، و"أبه": الثاني منصوب بالفتحة. وهذا البيت مقتبس من المثل السائر: "من أشبه أباه فما ظلم"١، واختلف في معنى نفي الظلم في المثل، فقيل: "فما ظلم" في وضع الشبه في موضعه، وقيل فما ظلم أبوه حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، وقيل: الصواب فما ظلمت، أي: أمه، حيث لم تزن، بدليل مجيء الولد على مشابهة أبيه. قاله اللحياني.
"و" من مطلق النقص من غير نظر إلى الإعراب بالحركات، "قول بعضهم" أي: العرب؛ "في التثنية" أي: تثنية الأب والأخ المنقوصين: "أبان وأخان"، وقال الفراء: "أبان": جاء على لغة من قال: هذا أبك. قال الموضح في الحواشي: وكذا قياس "أخان". ا. هـ. فظهر أن المسموع "أبان" فقط، و"أخان" مقيس عليه. وإذا جاز "أخان" قياسا؛ فينبغي أن يكون "حمان" كذلك، ولم أقف عليه. ونقل عن ثعلب أحمد بن يحيى أنه قال٢: "يقال: هذا أبوك وأباك وأبك". فمن قال: "هذا أبوك وأباك". قال في التثنية: "أبوان"، ومن قال: "هذا أبك"، قال في التثنية: "أبان"، "و" الأب والأخ والحم "قصرهن أولى من نقصهن" وهو المراد بقول الناظم:
٣٠-
وقصرها من نقصهن أشهر
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ديوانه ١٨٢، والدرر ١/ ٣١، وشرح ابن الناظم ص٢٠، والمقاصد النحوية ١/ ١٢٩، وكتاب الأمثال لابن سلام ١٤٥، ٢٦٠، وجمهرة الأمثال ٢/ ٢٥٥، وفصل المقال ١٨٥، والفاخر ١٠٣، ٢٢٧، والمستقصى ٢/ ٣٥٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٤٤، وتخليص الشواهد ٥٧، وشرح الأشموني ١/ ٢٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٠، وهمع الهوامع ١/ ٣٩. ١ كتاب الأمثال لابن سلام ١٤٥، ٢٦٠، وجمهرة الأمثال ٢/ ٢٥٥، وفصل المقال ١٨٥، والفاخر ١٠٣، ٢٢٧، والمستقصى ٢/ ٣٥٣. ٢ مجالس ثعلب ص٤٠٠.
[ ١ / ٦٢ ]
وعدل الموضح عن "ها" إلى "هن"؛ لأن الأكثر في "هن" أن يعود إلى جمع القلة، و"ها" بعكس ذلك، والمراد بـ"قصرهن" أن يلزم آخرهن الألف المنقلبة عن لامهن في الأحوال الثلاثة، فيعربن بحركات مقدرة عليها، "كقوله"؛ وهو أبو النجم فيما قال الجوهري، وقيل رؤبة: [من الرجز]
٢٦-
"إن أباها وأبا أباها" قد بلغا في المجد غايتاها
أنشده ابن جني وغيره. و"أبا" الأول وما عطف عليه لا شاهد فيه؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون منصوبا بالألف نيابة عن الفتحة، ويحتمل أن يكون مقصورا منصوبا بفتحة مقدرة على الألف، والشاهد في "أباها" الثالث، إذ هو نص في القصر؛ لأنه مضاف إليه، فهو مجرور بكسرة مقدرة على الألف، وإلا لجر بالياء، "وقول بعضهم" وهو أبو حنش حين قال له خاله، وقد بلغه أن ناسا من أشجع في غار يشربون، وهم قاتلون إخوته: هل لك في غار فيه ظباء لعلنا نصيب منها؟ وانطلق به حتى أقامه على فم الغار، ثم دفعه في الغار فقال: ضر يا أبا حنش. فقال بعضهم: إن أبا حنش لبطل، فقال أبو حنش: "مكره أخاك لا بطل"١. فصار هذا مثلا يضرب لمن يحمل على ما ليس من شأنه. وقيل: إن أول من قاله عمرو بن العاص، لما عزم عليه معاوية ليخرجن إلى مبارزة على ﵃، فلما التقيا قال عمرو: مكره أخاك لا بطل، فأعرض عنه. وذكر "الأخ" للاستعطاف، فـ"أخاك": مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على الألف، و"بطل": معطوف بـ"لا" على مكره، و"مكره": اسم مفعول خبر مقدم، ولا يجوز أن يكون "مكره" مبتدأ، أو "أخاك" نائب عن الفاعل سد مسد الخبر؛ لعدم اعتماده على النفي أو الاستفهام عند جمهور البصريين، وأجازه الأخفش والكوفيون كما سيأتي٢.
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ١٦٨، ولأبي النجم العجلي في ديوانه ٢٢٧، ولهما معا في شرح ابن الناظم ص٢٠، وشرح شواهد المغني ١/ ١٢٧، والمقاصد النحوية ١/ ١٣٣، ٣/ ٦٣٦، والدرر ١/ ٣٢، ولرؤبة أو لرجل من بني الحارث في الخزانة ٧/ ٤٥٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٤٦، وأسرار العربية ٤٦، والإنصاف ١٨، وتخليص الشواهد ص٥٨، والخزانة ٤/ ١٠٥، ٧/ ٤٥٣، ورصف المباني ٢٤، ٢٣٦، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٧٠٥ وشرح الأشموني ١/ ٢٩، وشرح شذور الذهب ٦٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٨٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٥١، وشرح المفصل ١/ ٥٣، ومغني اللبيب ١/ ٣٨. ١ الشاهد من الأمثال؛ وهو في الدرر ١/ ٣٢، وهمع الهوامع ١/ ٣٩، ومجمع الأمثال ٢/ ٣١٨، ١/ ١٥٣، والفاخر ٦٢، وجمهرة الأمثال ٢/ ٢٤٢، والمستقصى ٢/ ٣٤٧، وكتاب الأمثال لابن سلام ٢٧١، والبيان والتبيين ١/ ١٦٢، ٤/ ١٧. يضرب المثل لمن يحمل على من ليس من شأنه. ٢ لأنهم لا يشترطون في الوصف اعتماده على نفي أو شبهه. انظر الدرر ١/ ٣٢.
[ ١ / ٦٣ ]
"قولهم" بالجر، وهم العرب " للمرأة حماة" فإنه يستدعي أن يقولوا للرجل حما؛ لأن صيغة المؤنث هي صيغة المذكر بزيادة تاء التأنيث، فلما اتصلت التاء نقل الإعراب من الألف إليها، وظهر؛ لأنها حرف صحيح، والمذكر على أصله، فيقدر الإعراب فيه، ونظير ذلك: فتى وفتاة. وحاصل ما ذكره تبعا لأصله: أن الأسماء على ثلاثة أقسام:
ما فيه لغة واحدة، وهو "ذو" بمعنى صاحب، و"الفم" بغير الميم.
وما فيه لغتان، وهو "الهن"، فإنه فيه النقص والإتمام.
وما فيه ثلاث لغات، وهو "الأب والأخ والحم"، فإنه فيهن الإتمام والنقص والقصر.
"الباب الثاني" من أبواب النيابة "المثنى":
وهو في الأصل المعطوف، من ثنيت العود: إذا عطفته، وفي الاصطلاح: "ما وضع لاثنين وأغنى عن المتعاطفين" فـ"ما وضع": جنس، و"لاثنين": فصل أول مخرج لما وضع لأقل، كرجلان للماشي، أو أكثر كصنوان، و"أغنى عن المتعاطفين": فصل ثان مخرج لنحو: كلا وكلتا، واثنان واثنتان، وشفع وزوج، وزكًا بالتنوين: اسم للشيئين، ودخل فيه نحو: القمران للشمس والقمر. قال الموضح في شرح اللمحة: "والذي أراه أن النحويين يسمون هذا النوع مثنى لعدم ذكرهم له فيما حمل على المثنى، وغايته أن هذا مثنى في أصله تجوز". ا. هـ. وصرح المرادي بأنه ملحق بالمثنى، ودخل فيه أيضا تثنية المفرد المذكر اسما كان أو صفة "كالزيدان" المسلمان، "و" المؤنث كذلك نحو: "الهندان" المسلمتان، وتثنية الجمع المكسر كالجمالان، وتثنية اسم الجمع كالركبان، وتسمية اسم الجنس كالغنمان، وثبوت الألف مع الجار في هذه الأمثلة من استعمال الشيء في أول أحواله؛ وهو الرفع، واقترانها بـ"أل" المعرفة عوض عن تعريف العلمية الذاهب عند إرادة التثنية فيما أصله العلمية، وجميع ذلك معرب على الأصح، "فإنه يرفع بالألف، ويجر وينصب بالياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها"، وإلى ذلك الإشارة بقوله:
٣٢-
بالألف ارفع المثنى
[ ١ / ٦٤ ]
مع قوله:
٣٤-
وتخلف اليا في جميعها الألف جرا ونصبا بعد فتح قد ألف
وقدم الجر على النصب؛ لأن الجر أصله؛ والنصب هنا محمول عليه، وذهب الزجاج إلى أن المثنى مبني.
ويشترط في كل ما يثنى عند الأكثرين ثمانية شروط:
أحدها: الإفراد، فلا يثنى المثنى، ولا المجموع على حده، ولا الجمع الذي لا نظير له في الآحاد.
الثاني: الإعراب، فلا يثنى المبني، وأما نحو: ذان وتان واللذان واللتان، فصيغ موضوعة للمثنى، وليست مثناة حقيقة على الأصح، عند جمهور البصريين.
الثالث: عدم التركيب، فلا يثنى المركب تركيب إسناد اتفاقا، ولا مزج على الأصح، وأما المركب تركيب إضافة مع الإعلام فيستغنى بتثنية المضاف عن تثنية المضاف إليه.
الرابع: التنكير، فلا يثنى العلم باقيا على علميته، بل ينكر ثم يثنى.
الخامس: اتفاق اللفظ، وأما نحو: الأبوان للأب والأم؛ فمن باب التغليب.
السادس: اتفاق المعنى، فلا يثنى المشترك، ولا حقيقة والمجاز، وأما قولهم: "القلم أحد اللسانين" فشاذ.
السابع: أن لا يستغنى بتثنية غيره عن تثنيته، فلا يثنى "سواء" لأنهم استغنوا بتثنية "سي" عن تثنيته، فقالوا: "سيان"، ولم يقولوا: "سواءان". وأن لا يستغنى بملحق بالمثنى عن تثنيته، فلا يثنى "أجمع وجمعاء"، استغناء بـ"كلا وكلتا".
الثامن: أن يكون له ثان في الوجود. فلا يثنى الشمس ولا القمر، وأما قولهم: "القمران" للشمس والقمر فمن باب المجاز.
فما استوفى هذه الشروط فهو مثنى حقيقة؛ يعرب بالألف رفعا، وبالياء جرا ونصبا على اللغة المشهورة. ومن العرب من يلزم الألف في الأحوال الثلاثة؛ ويعربه بحركات مقدرة على الألف، ومنهم من يلزمه الألف دائما، ويعربه بحركات ظاهرة على النون؛ إجراء للمثنى مجرى المفرد، قاله المرادي في شرح التسهيل.
[ ١ / ٦٥ ]
"و" المثنى الحقيقي "حملوا عليه" في الإعراب بالحروف "أربعة ألفاظ" اقتصر عليها في النظم "اثنين واثنتين" في لغة الحجازيين، و"ثنتين" في لغة التميميين "مطلقا"، سواء أفردا أو ركبا مع العشرة، أو أضيفا إلى ظاهر أو مضمر. ويمتنع إضافتهما إلى ضمير تثنية، فلا يقال: جاء الرجلان اثناهما والمرأتان اثنتاهما؛ لأن ضمير التثنية نص في "الاثنين" فإضافة الاثنين إليه من إضافة الشيء إلى نفسه قاله الموضح في شرح اللمحة. "وكلا وكلتا" بشرط أن يكونا "مضافين لمضمر"، تقول: جاءني الرجلان كلاهما والمرأتان كلتاهما، ورأيت الرجلين كليهما والمرأتين كلتيهما، ومررت بالرجلين كليهما والمرأتين كلتيهما، "فإن أضيفا إلى ظاهر لزمتهما الألف" في الأحوال الثلاثة، وكانا معربين بحركات مقدرة على الألف إعراب المقصور، تقول: جاءني كلا الرجلين وكلتا المرأتين، ورأيت كلا الرجلين وكلتا المرأتين، ومررت بكلا الرجلين وكلتا المرأتين، فعلى هذا ألف "كلا" كألف "عصا"، وألف "كلتا" كألف "حبلى" ووزن "كلا" فعل كـ"مِعًى"، وألفها قيل: عن واو، لقلبها تاء في "كلتا"، وقيل: عن ياء لقلبها ياء في التثنية عند سيبويه١؛ إذا سمي بها. ووزن "كلتا" فِعْلَى كـ"ذكرى" وألفها للتأنيث، والتاء بدل عن لام الكلمة، وهي إما واو وهو اختيار ابن جني، أو ياء وهو اختيار أبي علي، والتفرقة بين الإضافة إلى ظاهر والإضافة إلى مضمر هي اللغة المشهورة، وهي من إعطاء الأصل للأصل والفرع للفرع٢. ووراء هذه التفرقة إطلاقان: أحدهما الإعراب بالحروف مطلقا، وهي لغة كنانة، والثاني: الإعراب بالحركات مطلقا، وهي لغة بلحارث، حكاها الفراء.
ويلتحق أيضا بالمثنى ما سمى به منه، كـ"زيدان" علما، فيرفع بالألف، ويجر وينصب بالياء، ويجوز في هذا النوع أن يُجرى مجرى سلمان، فيعرب إعراب ما لا ينصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، وإذا دخل عليه "أل" جر بالكسرة كقوله: [من الطويل]
٢٧-
ألا يا ديار الحي بالسبعان
وهو اسم موضع نقل من تثنية سبع.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٣٦٤. ٢ انظر الإنصاف ٢/ ٤٥٠، المسألة رقم ٦٢، والدرر ١/ ٤٢-٤٤.
(٢) عجز البيت: "أمل عليها بالبلى الملوان" ، وهو لابن مقبل في الاقتضاب ص٧٨٧.
[ ١ / ٦٦ ]
"الباب الثالث": من أبواب النيابة "باب جمع المذكر السالم":
وهو الجمع الذي على هجاءين١، "كالزيدون" من الأسماء، "والمسلمون" من الصفات. وأتى بالمثال مع الجار مرفوعًا؛ لأنه أول أحواله، وهو معرب خلافًا للزجاج٢، "فإنه يرفع بالواو المضموم ما قبلها" لفظًا، نحو: جاء الزيدون، أو تقديرًا نحو: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] "ويجر وينصب بالياء المكسور ما قبلها" لفظًا، نحو: رأيت الزيدين، ومررت بالزيدين، أو تقديرًا، نحو: رأيت المصطفين، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَار﴾ [ص: ٤٧]، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٣٥-
وارفع بواو وبيا اجرر وانصب سالم جمع عامر ومذنب
وإنما فتح ما قبل ياء المثنى وكسر ما قبل ياء الجمع لوجهين:
أحدهما: أن المثنى أكثر من الجمع، فخص بالفتحة؛ لأنها أخف من الكسرة؛ بخلاف الجمع.
والثاني: أن نون المثنى كسرت على أصل التقاء الساكنين، فلم يجمع بين كسرتها وكسر ما قبل الياء؛ فرارًا من ثقل الكسرتين؛ وبينهما ياء، ثم عكسوا ذلك في الجمع ليحصل الفرق بين المثنى والجمع، ليعتدل اللفظ، فيصير في كل واحد منهما ياء بين فتحة وكسرة. قاله أبو البقاء في شرح لمع ابن جني.
"ويشترط في كل ما يجمع هذا الجمع" من اسم أو صفة "ثلاثة شروط:
أحدها: الخلو من تاء التأنيث، فلا يجمع" هذا الجمع من الأسماء، "نحو: طلحة، و" لا من الصفات، نحو: "علامة" بتشديد اللام لئلا يجتمع فيهما علامتا التأنيث والتذكير، ولو حذفت التاء التبس بالمجرد منها: وقيد التأنيث بالتاء احترازًا من التأنيث بالألف، كحبلى وحمراء علمين لرجلين، فإنهما يجمعان هذا الجمع بحذف المقصورة وقلب الممدودة واوًا، فيقال الحبلون والحمراوون.
الشرط "الثاني: أن يكون لمذكر" مناسبة بينهما، "فلا يجمع" هذا الجمع علم المؤنث، "نحو: زينب، و" لا صفة المؤنث، نحو: "حائض"، لئلا يلتبس جمع
_________________
(١) ١ أي: على حرفين؛ وهما: الواو رفعًا، والياء في غيره، وقد يقال: الهجاءان الواو والنون رفعًا؛ والياء والنون نصبًا وجرًّا. "حاشية يس ١/ ٦٩". ٢ في حاشية يس ١/ ٦٩: "قال الزرقاني: أي: فإنه عنده مبني، وبناؤه على الواو في: جاء الزيدون، وعلى الياء في: رأيت الزيدين ومررت بالزيدين".
[ ١ / ٦٧ ]
المذكر يجمع المؤنث، فلو كان نحو زينب علما لمذكر جاز أن يجمع هذا الجمع لعدم اللبس، فلو كان نحو زيد علما لامرأة امتنع أن يجمع هذا الجمع لما تقدم.
الشرط "الثالث: أن يكون لعاقل" مناسبة بينهما؛ لأن هذا الجمع مخصوص بالعقلاء، "فلا يجمع" هذا الجمع، "نحو: "واشق"، علما لكلب، و"سابق": صفة الفرس"، لعدم العقل فلو كان "واشق": علما لرجل، و"سابق": صفة له جمع هذا الجمع، وجميع هذه الشروط جارية في الاسم والصفة. "ثم يشترط" لانفراد كل منهما عن الآخر "أن يكون إما علما"؛ لأن هذا الجمع يجبر العلمية الزائلة لأجلة، وأن يكون العلم "غير مركب تركيبا إسناديا ولا مزجيا، فلا يجمع" المركب الإسنادي، "نحو: بَرَقَ نَحْرُهُ" علما اتفاقا؛ لأن المحكي لا يغير، "و" لا المزجي نحو: "معديكرب" ونحو: سيبويه على الأصح فيهما، تشبيها بالمحكي في التركيب. وقيل: يجوز مطلقا، وقيل: إن خُتِم بـ"ويه" جاز، وإلا فلا. وعلى الجواز في المختوم بـ"ويه"، فمنهم من يلحق العلامة بآخره فيقول: سيبويهون، ومنهم من يحذف "ويه" ويقول: سيبون، وسكت عن المركب الإضافي فإنه يجمع أول المتضايفين ويضاف للثاني، فيقول في غلام زيد علما: غلامو زيد؛ وغلامي زيد، وعن الكوفيين إجازة جمعها معا، فيقال: غلامو الزيدين، وغلامي الزيدين؛ بكسر الدال فيهما، ودخل في قوله: "علما" ما كان علما على التوكيد نحو: "أجمع" فإنه يقال في جمعه: أجمعون.
"وإما صفة" يصح جمعها بالألف والتاء، وهي التي "تقبل التاء" المقصود بها معنى التأنيث، فلا يجمع هذا الجمع، نحو: علامة ونسابة؛ لأن التاء فيهما لتأكيد المبالغة لا لقصد معنى التأنيث، "أو" صفة لا تقبل التاء ولكنها "تدل على التفضيل"، فالصفة التي تقبل التاء المذكورة، "نحو: قائم"؛ من المجرد، "ومذنب"؛ من المزيد، تقول: قائمة ومذنبة، "و" الصفة التي تدل على التفضيل، نحو: "أفضل"، فهذه الصفات الثلاث تجمع هذا الجمع، كما تجمع بالألف والتاء فيقال: قائمون ومذنبون وأفضلون، كما يقال: قائمات ومذنبات وفضليات، "فلا يجمع" هذا الجمع، "نحو: جريح" بمعنى مجروح، "وصبور" بمعنى صابر، "وسكران وأحمر"؛ لأنها لا تقبل التاء، ولا تدل على تفضيل؛ لأن جريحا وصبورا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، وسكران مؤنثه سكرى، وأحمر مؤنثه حمراء، فلا يقال: جريحون وصبورون وسكرانون وأحمرون، كما لا يقال: جريحات وصبورات وسكرانات وحمراوات، فلو جعلت أعلاما جاز الجمعان.
[ ١ / ٦٨ ]
"فصل":
"وحملوا على هذا الجمع" السالم للمذكر "أربعة أنواع" أعربت بالحروف، وليست جمع تصحيح نبه عليها في النظم بقوله:
٣٦-
وبه عشرونا وبابه ألحق والأهلونا
٣٧-
أولو وعالمون عليونا وأرضون شذ والسنونا
٣٨-
وبابه
فهذه كلها ترجع إلى أربعة أنواع:
"أحدها: أسماء جموع وهي: أولو" بمعنى أصحاب، اسم جمع "ذو" بمعنى صاحب، وقيل: جمع "ذو" على غير لفظه، "وعالمون": اسم جمع "عالم" بفتح اللام، وليس جمعا له لأن العالم عام في العقلاء وغيرهم، والعالمون مختص بالعقلاء، والخاص لا يكون جمعا لما هو أعم منه. قاله ابن مالك، وتبعه الموضح هنا. وذهب كثير إلى أنه جمع عالم على حقيقة الجمع، ثم اختلفوا في تفسير العالم الذي جمع هذا الجمع، فذهب أبو الحسن إلى أنه أصناف الخلق العقلاء وغيرهم، وهو ظاهر كلام الجوهري، وذهب أبو عبيدة إلى أنه أصناف العقلاء فقط، وهم الإنس والجن والملائكة. "وعشرون، وبابه" وهو سائر العقود "إلى التسعين" وكلها في التنزيل؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] .
"و" النوع "الثاني جموع التكسير" تغير فيها بناء الواحد، وأعربت بالحروف "وهي بنون" جمع ابن، وقياس جمعه جمع السلامة ابنون، كما يقال في تثنيته ابنان، ولكن
[ ١ / ٦٩ ]
خالف تصحيحه تثنيته لعلة تصريفية أدت إلى حذف الهمزة. "وإحرون" بكسر الهمزة، وحكى يونس فتحها١، وبفتح الهاء المهملة وتشديد الراء جمع حَرَّة، بفتح الحاء: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار، وأصلها أحرة كما يفهم من قول الجوهري، كأنه جمع أحرة، وعلى هذا يشكل المثالان؛ لأن "بنون" جمع باعتبار أصله وهو: "بنو"، و"أحرون" جمع باعتبار أصله وهو "أحرة"، فصار من جمع السلامة بلا تكسير، ويجاب بأن ذلك الأصل قد ترك وصار نسيا منسيا. "وأرضون" بفتح الراء: جمع أرض؛ بسكونها؛ وجمع هذا الجمع لأنه ربما يورد في مقام الاستعظام، كقوله: [من الطويل]
٢٨-
لقد ضجت الأرضون إذ قام من بني سدوس خطيب فوق أعواد منبر
إلا أنه سكن الراء للضرورة، "وسنون" بكسر السين جمع سنة بفتحها، اسم للعام، ولامها واو أو هاء، لقولهم: سنوات وسنهات، "وبابه" الجاري على سننه، وضابطه مستفاد من قوله: "فإن هذا الجمع مطرد في كل" اسم "ثلاثي حذفت لامه، وعوض عنها التأنيث، ولم يكسر" تكسيرا يعرب بالحركات، "نحو: عضة وعضين" وأصل عضة: عضة؛ بالهاء، من العَضْه، وهو الكذب والبهتان، وفي الحديث: "لا يعضه بعضكم بعضا" ٢، وقيل أصله: عضو، من قولهم: عضيته تعضية؛ إذا فرقته، ومنه قول رؤبة: [من الرجز]
٢٩-
وليس دين الله بالمعضي
أي: المفرق. فعلى الأول لامها هاء. ويدل له تصغيرها على عضيهة، وعلى الثاني واو ويدل له جمعها على عضوات، فكل من التصغير والجمع يردان الشيء إلى أصله، "وعزة وعزين"، فالعزة، بكسر العين المهملة وفتح الزاي، أصلها: "عزي"، فلامها ياء، وهو الفرقة من الناس، و"العزين": الفرق المختلفة؛ لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى، "وثبة وثبين"، والثبة، بضم الثاء المثلثة وفتح الموحدة:
_________________
(١) ١ في الكتاب ٣/ ٦٠٠ "وزعم يونس أنهم يقولون أيضا: حرة وإحرون" بكسر الهمزة؛ وليس بفتحها.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم "٢". ٢ النهاية ٣/ ٢٥٤، وهو من حديث البيعة، واستشهد به ابن هشام في شرح شذور الذهب ص٦١.
(٣) الرجز لرؤبة في ديوانه ص٨١، وشرح شذور الذهب ص٦٠، ومقاييس اللغة ٤/ ٣٤٧، ولذي الرمة في شرح الأشموني ١/ ٣٦، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في لسان العرب ١٥/ ٦٨ "عضا"، وكتاب العين ٢/ ١٩٣.
[ ١ / ٧٠ ]
الجماعة، وأصلها: ثَبْو، وقيل: ثَبْي، من ثبيت أي: جمعت، فلامها على الأول واو، وعلى الثاني ياء، وأما الثبة التي هي وسط الحوض، فليست مما نحن فيه على الصحيح؛ لأنها محذوفة العين لا اللام، من ثاب يثوب إذا رجع، وقيل: بل هي محذوفة اللام أيضا، من ثبيت، فعلى الأول لا تجمع بالواو والنون؛ وتجمع على الثاني بهما.
وحاصل ما ذكره من محذوف اللام، ثلاثة أنواع: مفتوح الفاء، نحو: سنة، ومكسورها، نحو: عِضة وعِزة، ومضمومها، نحو: ثبة، فما كان مفتوح الفاء كسرت فاؤه في الجمع، نحو: سنين، وما كان مكسور الفاء لم يغير في الجمع، نحو: عِضين وعِزين، وما كان مضموم الفاء ففيه في الجمع وجهان: الضم والكسر، نحو: ثبين بضم الثاء وكسرها. وهو الأكثر، ووقع جمع سنة وعضة وعزة في التنزيل "قال الله تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢]، فـ"سنين": مجرور بإضافة عدد إليه وعلامة جره الياء، " ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] فـ"عضين": مفعول ثان لـ"جعلوا" وعلامة نصبه الياء، ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٦، ٣٧] فـ"عزين": صفة لـ"مهطعين"، و"مهطعين": حال من "الذين كفروا"، وهو منصوب وعلامة نصبه الياء، ولم يقع جمع ثبة في التنزيل إلا بالألف والتاء نحو: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: ٧١]، "ولا يجوز ذلك" الجمع المعرب بالحروف "في نحو: "تمرة" لعدم الحذف، ولا في نحو: عِدَة١ وزنة" غير علمين، "لأن المحذوف" منهما "الفاء" لا اللام، وأصلهما: وعد ووزن؛ بكسر أولهما وسكون ثانيهما، فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى ما بعدها، ثم حذفت الواو وعوض منها الهاء.
وشذ "لِدُون" جمع "لِدَة"، وأصلها ولد، وهي المساوي في السن، فإن كان علمين لمذكر جمعا هذا الجمع، فيقال: عِدون وزِنون، "ولا" يجوز ذلك "في نحو: يد ودم" لعد التعويض من لامهما المحذوفة، وأصلهما: يَدْي ودَمْي؛ بسكون الدال والميم. وذهب الكوفيون إلى فتح الدال، واختاره ابن طاهر. وذهب المبرد إلى فتح الميم٢، وضعفه الجاربردي. وحذفت لامهما على غير قياس، وجعل الإعراب على عينهما، "وشذ أبون وأخون" وهنون، فإنها جمعت هذا الجمع مع عدم التعويض، وأصلها: أبو وأخو وهنو،
_________________
(١) ١ في ط: "نحو قاعدة" تصحيف واضح. ٢ المقتضب ١/ ٢٣١، وانظر المسائل العضديات، المسألة رقم ١١١، ص٢٦٩-٢٧٢.
[ ١ / ٧١ ]
فحذفت لاماتها كما مر، ولم يعوض منها شيء. "ولا" يجوز ذلك "في اسم وأخت وبنت؛ لأن العوض" فيهن عن لامهن المحذوفة "غير الهاء". أما "اسم" فأصله سمو عند البصريين١، فحذفت لامه، وعوض منها الهمزة في أوله، وأما "أخت وبنت"، فظاهر كلامه هنا أن أصلهما أخو وبنو، حذفت لامهما، وعوض منها تاء التأنيث؛ لا هاء التأنيث والفرق أن تاء التأنيث فيهما لا تبدل في الوقف هاء، وتكتب مجرورة، وهاء التأنيث، يوقف عليها بالهاء، وتكتب مربوطة. وذهب يونس إلى أن تاء "أخت وبنت" ليست للتأنيث؛ لأن ما قبلها ساكن صحيح؛ ولأنها لا تبدل في الوقف هاء٢، ونقل ذلك الموضح عنه في باب النسب وسلمه، وادعى أن الصيغة كلها للتأنيث، وسيأتي قول إن التاء فيهما للإلحاق بجذع وقفل إلحاقا للثنائي بالثلاثي.
"وشذ بنون" جمع ابن؛ لأن المعوض فيه همزة الوصل، وأصله "بنو"؛ لأن مؤنثه بنت، ولم نر هذه التاء تلحق مؤنثا إلا ومذكره محذوف الواو، قاله الجوهري. "ولا" يجوز ذلك "في نحو: شاة وشفة" وإن كانا محذوفي اللام، معوضا عنها هاء التأنيث؛ "لأنهما كسرا" تكسيرا يعرب بالحركات، وذلك أن "شاة" كسرت "على شياه، و" "شفة" كسرت على "شفاه" بالهاء فيهما، وأصل "شاة": شوهة؛ بسكون الواو؛ كصفحة، فلما ألقيت الواو والهاء لزم انفتاحها، فانقلبت ألفا فصار شاهة، فحذفت لامها وهي الهاء، وعوض منها هاء التأنيث، وأصل "شياه": شواه، قبلت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وأصل "شفة": شفهة، حذفت لامها وهي الهاء أيضا، وعوض منها هاء التأنيث، والدليل على أن لامهما هاء؛ تصغيرهما على شويهة وشفيهة، وتكسيرهما على شياه وشفاه، والتصغير والتكسير يردان الأشياء إلى أصولها. وزعم قوم أن لام "شفة" واو، لقولهم في الجمع: شفوات، قال الجوهري: ولا دليل على صحته، إنما لم يجمعا بالحروف؛ لأن العرب استغنت بتكسيرهما عن تصحيحهما. وشذ "ظبون" جمع "ظبة"، فإنهم كسروها على ظُبا ولامها واو محذوفة، والهاء عوض منها، والظبة؛ بكسر الظاء المعجمة وفتح الموحد: طرف السيف والسهم، وأصلها: ظبو، لقولهم: ظبوته إذا أصبته بالظبة.
"و" النوع "الثالث" مما حمل على هذا الجمع: "جموع تصحيح لم تستوف الشروط" المتقدمة في الاسم والصفة، "كأهلون" جمع أهل، وهم العشيرة، "ووابلون"
_________________
(١) ١ الإنصاف ١/ ٦، المسألة رقم١: "الاختلاف في أصل اشتقاق الاسم". ٢ في الكتاب ٣/ ٣٦١: "وأما يونس فيقول: أختي؛ وليس بقياس".
[ ١ / ٧٢ ]
جمع وابل، وهو المطر الغزير، "لأن أهلا ووابلا ليسا علمين ولا صفتين؛ ولأن وابلا لغير عاقل". وتقدم أن شرط هذا الجمع أن يكون لعلم من يعقل أو صفته، ووقع جمع "أهل" في التنزيل دون "وابل"، قال الله تعالى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١] ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ﴿إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢] .
"و" النوع "الرابع: ما سمي به من هذا الجمع" المستوفي للشروط، "و" من "ما ألحق به".
فالثاني "كعليون" فإنه ملحق بهذا الجمع، ومسمى به أعلى الجنة١، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٨، ١٩] وهو في الأصل جمع "عِلِّىٍّ" بكسر العين واللام مع تشديد اللام والياء، ووزنه فعيل، من العلو. ونقل الغزنوي عن يونس أن واحد عليين: عِلِّي وعِلّية، وهي الغرفة.
"و" الأول نحو: "زيدون، مسمى به" شخص، فيعربان بالحروف إجراء لهما على ما كانا عليه قبل التسمية بهما، وإن كانا مفردين حينئذ. "ويجوز في هذا النوع" المسمى به، "أن يجرى" في الإعراب "مجرى غسلين"، وهو ما يسيل من جلود أهل النار، "في لزوم الياء" في الأحوال الثلاثة، "والإعراب بالحركات" الثلاثة ظاهرة على النون، حال كونها "منونة" إن لم يكن أعجميا، فتقول: هذا زيدين وعليين، ورأيت زيدينا وعليينا، ومررت بزيدين وعليين، فإن كانا أعجميا امتنع التنوين، وأعرب إعراب ما لا ينصرف، فتقول: هذه قنسرين، وسكنت قنسرين، ومررت بقنسرين، وإطلاقه تبعا للناظم في قوله:
٣٨-
ومثل حين قد يرد ذا الباب
محمول على المنصرف بقرينة التشبيه، وعدل عن التشبيه بـ"حين" إلى التشبيه بـ"غسلين"، لأنه يشبه الجمع في كونه ذا زيادتين، الياء والنون. "ودون هذا" المجرى من لزوم الياء والإعراب بالحركات على النون منونة "أن يجرى مجرى" هارون، في لزوم الواو والإعراب على النون غير منونة للعلمية وشبه العجمة، كحمدون،
_________________
(١) ١ كذا قال ابن عقيل في شرحه ١/ ٦٣، وذكر الصبان في حاشيته على الأشموني ١/ ٨٣، نقلا عن الكشاف للزمخشري أنه اسم لديوان الخبر الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين.
[ ١ / ٧٣ ]
قالوا: هذا ياسمون بضم النون من غير تنوين، أو يجرى مجرى "عَرَبون" بفتح العين والراء المهملتين وبالموحدة "في لزوم الواو، والإعراب بالحركات" الثلاث "على النون" حال كونها "منونة"، فتقول: هذا زيدون، ورأيت زيدونا، ومررت بزيدون، "كقوله": [من الخفيف]
٣٠-
طال ليلي وبت كالمجنون " واعترتني الهموم بالماطرون"
بكسر النون، وعدم التنوين لوجود "أل"، ويحتمل أن يكون من باب "هارون"، وهذا البيت قال ابن بري في حواشي الصحاح: إنه لأبي ذهل الخزاعي١، ردا على الجوهري حيث زعم أن لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري٢. و"الماطرون"؛ بالميم والطاء المهملة: موضع بناحية الشام، قاله صاحب القاموس٣، وهو جمع ماطر مسمى به.
"ودون هذه" اللغة "أن تلزمه الواو وفتح النون" مطلقا، ذكره السيرافي وزعم أن ذلك صحيح من كلام العرب، ونظير هذه من يلزم المثنى بالألف مطلقا وكسر النون، ويقدر الإعراب، كقوله، وهو يزيد بن معاوية في نصرانية كانت قد ترهبت في دير خراب عن الماطرون: [من المديد]
٣١-
"ولها بالماطرون إذا أكل النمل الذي جمعا"
الرواية بفتح النون في الماطرون، وتقدم أنه اسم موضع، وأورده في الصحاح في فصل النون من باب الراء بالنون في أوله وكسر النون في آخره، فغير أوله بالنون بدل الميم، وآخره بالكسر بدل الفتح، قاله الموضح في الحواشي، والهاء من "لها" تعود على
_________________
(١) البيت لأبي دهبل الجمحي في ديوانه ص٦٨، والأغاني ٧/ ١٢٢، وخزانة الأدب ٧/ ٣١٤، ٣١٥، ولسان العرب ٤/ ٢٤٢ "خصر"، ١٣/ ٢٢٤ "سنن"، ومعجم ما استعجم ص٤٠٩، والمقاصد النحوية ١/ ١٤١، ولعبد الرحمن بن حسان في ديوانه ص٥٩، والأغاني ١٥/ ١٠٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٥٣، وجواهر الأدب ص١٥٨، والخصائص ٣/ ٢١٦، والممتع في التصريف ١/ ١٥٧. ١ كذا في جميع النسخ، والصواب: "لأبي دهبل الجمحي". ٢ ديوانه ص٥٩. ٣ القاموس ٢/ ١٣٥ "مطر"، وفي معجم البلدان ٥/ ٤٣: "الماطرون: موضع بالشام قرب دمشق".
(٢) البيت ليزيد بن معاوية في ديوانه ص٢٢، والمقاصد النحوية ١/ ٤٨، ومعجم البلدان ٥/ ٤٣ "الماطرون"، وله أو للأحوص في خزانة الأدب ٧/ ٣٠٩، ٣١٠، ٣١١، ٣١٢، والكامل ص٤٩٨، وللأحوص الأنصاري في ديوانه ص٢٢١، ولأبي دهبل الجمحي في ديوانه ص٨٥، والحيوان ٤/ ١٠، والمستقصى ١/ ٥١، وللأخطل في لسان العرب ١٣/ ٤٠٩ "مطرن"، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب ٢/ ٦٢٦، ولسان العرب ٥/ ١٨٠ "مطر"، والممتع في التصريف ١/ ١٥٨.
[ ١ / ٧٤ ]
النصرانية، والجار والمجرور في موضع الخبر، لقوله: "خِرْفَة" في البيت بعده١، و"الباء" للظرفية، والمعنى: لهذه النصرانية خرفة وقت أكل النمل الذي جمعه، وأراد به أيام الشتاء، فإن النمل يحزن ما يجمعه تحت الأرض ليأكله أيام الشتاء. والخرفة؛ بكسر الخاء المعجمة: ما يخترف من النمر؛ أي: يجتني.
"وبعضهم" أي: العرب "يجري بنين وباب سنين" وإن لم يكن علما "مجرى غسلين" في لزوم الياء والحركات على النون منونة غالبا، على لغة بني عامر، وغير منونة على لغة بني تميم، حكاه عنهم الفراء، ولا تسقط النون للإضافة "قال" أحد أولاد علي بن طالب ﵁: [من الوافر]
٣٢-
"وكان لنا أبو حسن علي أبا برا ونحن له بنين"
الرواية "بنين" بالياء، والإعراب على النون، "قال" الصمة بن عبد الله بن الطفيل: [من الطويل]
٣٣-
"دعاني من نجد فإن سنينه" لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا
الرواية "سنينه" بإثبات النون، ولم تسقط للإضافة، وعلامة نصبه الفتحة لا الياء، وإلا لقال: فإن سنيه؛ بحذف النون للإضافة، وهذه لغة بني عامر، فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات الثلاث على النون مع لزوم الياء؛ لأنها أخف عليهم؛ ولأن النون قامت مقام الذاهب من الكلمة، ولو كان الذاهب موجودا لكان الإعراب فيه كسائر المفردات، فكذلك يكون ما قام مقامه. وقوله: "دعاني": أمر، ومعناه: اتركاني من نجد، وهو من خطاب الواحد بلفظ الاثنين على عادتهم، و"شيبا"؛ بكسر الشين: جمع أشيب، وهو حال من المجرور بالباء، و"مردا": حال من مفعول شيبننا، "وبعضهم"؛ أي: النحاة؛
_________________
(١) ١ تمام البيت: "خرفة حتى إذا ارتبعت سكنت من جلق بيعا".
(٢) البيت لأحد أولاد علي بن أبي طالب ﵁ في المقاصد النحوية ١/ ١٥٦، ولسعيد بن قيس الهمداني في خزانة الأدب ٨/ ٧٥، ٧٦، ٧٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٥٥، وخزانة الأدب ٨/ ٦٠.
(٣) البيت للصمة بن عبد الله القشيري في ديوانه ص٦٠، وتخليص الشواهد ص٧١، وخزانة الأدب ٨/ ٥٨، ٥٩، ٦١، ٦٢، ٧٦، وشرح شواهد الإيضاح ص٥٩٧، وشرح المفصل ٥/ ١١، ١٢، والمقاصد النحوية ١/ ١٦٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٥٧، والاقتضاب ص٦٩، ٦٤٥، وجواهر الأدب ص١٥٧، وشرح ابن الناظم ص٢٧، وشرح الأشموني ١/ ٣٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٥، ولسان العرب ٣/ ١٣ "نجد"، ١٣/ ٥٠١ "سنه"، ومجالس ثعلب ص١٧٧، ٣٢٠، وعمدة الحفاظ ٢/ ٢٢٨ "سنن"، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٩٢، والمسائل العضديات ١٢٥.
[ ١ / ٧٥ ]
"يطرد هذه اللغة"، وهي لزوم الياء والإعراب على النون منونة "في جمع المذكر السالم، و" في "كل ما حمل عليه"؛ لأن باب الياء أوسع من باب الواو، وهذا أعم من قول الناظم وهو يعني باب سنين:
٣٨-
عند قوم يطرد
"ويخرج عليها قوله": [من الخفيف]
٣٤-
رب حي عرندس ذي طلال "لا يزالون ضاربين القباب"
الرواية: "ضاربين" بإثبات النون مع الإضافة إلى "القباب"، فدل على أن "ضاربين" معرب بالفتحة على النون كمساكين؛ لا بالياء، وإلا لحذفت النون للإضافة، وقيل: "ضاربي"، ورد بأنه يحتمل أن يكون الأصل: ضاربين ضاربي القباب، فحذف البدل الذي هو "ضاربي" لدلالة المبدل منه وهو ضاربين عليه، قاله في المغني١. ويحتمل أن يكون الأصل: ضاربين نفس القباب، فحذف المضاف وبقي المضاف إليه على حاله، ويحتمل أن يكون "القباب" منصوبا بـ"ضاربين"، والأصل: القبابي؛ بياء النسب في الجمع، ثم حذف إحدى الياءين، وأسكن الياء الباقية، و"عرندس"؛ بفتح العين والراء المهملتين وسكون النون وفتح الدال وفي آخره سين مهملة: الشديد القوي، و"الطلال"؛ بفتح الطاء المهملة وتخفيف اللام، الحالة الحسنة والهيئة الجميلة، و"القباب"؛ بكسر القاف: جمع قبة، وهي التي تتخذ من الأديم والخشب واللبد ونحوها، وقد تطلق على ما يتخذ من البناء، و"قوله" وهو سحيم: [من الوافر]
٣٥-
وماذا تبتغي الشعراء مني "وقد جاوزت حد الأربعين"
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٥٩، وتخليص الشواهد ص٧٥، وخزانة الأدب ٨/ ٦١، والدرر ١/ ٥٣، وشرح الأشموني ١/ ٣٧، ومغني اللبيب ص٦٤٣، والمقاصد النحوية ١/ ١٧٦، وهمع الهوامع ١/ ٤٧. ١ مغني اللبيب ص٦٤٣، وانظر الدرر ١/ ٥٣.
(٢) البيت لسحيم بن وثيل في الأصمعيات ص١٩، وإصلاح المنطق ص١٥٦، وتخليص الشواهد ص٧٤، وتذكرة النحاة ص٤٨٠، وخزانة الأدب ٨/ ٦١، ٦٢، ٦٥، ٦٧، ٦٨، وحماسة البحتري ص١٣، والدرر ١/ ٥٦، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٢٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٨، وشرح المفصل ٥/ ١١، ولسان العرب ٣/ ٥١٣ "نجذ"، ٨/ ٩٩ "ربع"، ١٤/ ٢٥٥ "دري"، والمقاصد النحوية ١/ ١٩١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ٢٤٨ وأوضح المسالك ١/ ٦١، وجواهر الأدب ص١٥٥، وشرح ابن الناظم ص٢٨، وشرح الأشموني ١/ ٣٨، ٣٩ والمقتضب ٣/ ٣٣٢، وهمع الهوامع ١/ ٤٩.
[ ١ / ٧٦ ]
الرواية بكسر النون، على أنها كسرة إعراب، وبه قال الأخفش الأصغر علي بن سليمان، ولم يفرق بين العقود وغيرها، وجعله بمنزلة الجمع المكسر، وجعل إعرابه في آخره، كما يفعل في فتيان، وقال الأعلم يوسف الشنتمري: هو في السنين والعقود أمثل منه في المسلمين ونحوه؛ لأنه لفظ مخترع للعقود، فهو أشبه بالواحد الذي إعرابه بحركة آخره من المسلمين ونحوه، ولا دليل لهما في هذا البيت لجواز أن تكون كسرة النون فيه كسرة بناء ضرورة، كما سيأتي، وبذلك صرح ابن جني١.
_________________
(١) ١ سر صناعة الإعراب ٢/ ٦٢٧.
[ ١ / ٧٧ ]
"فصل":
في حكم حركة نون الجمع والمثنى وما ألحق بهما المشار إليها في النظم بقوله:
٣٩-
ونون مجموع وما به التحق فافتح وقل من بكسره نطق
٤٠-
ونون ما ثني والملحق به بعكس ذاك استعملوه فانتبه
ولما كان المثنى سابقا على الجمع قدمه الموضح عليه فقال: "نون المثنى وما حمل عليه مكسورة" بعد الألف والياء، على أصل التقاء الساكنين، وضمها بعد الألف لغة كقوله: [من الرجز]
٣٦-
يا أبتا أرقني القذّان فالنوم لا تألفه العينان
بضم النون، والقِذّان، بكسر القاف وإعجام الذال المشددة: جمع قذذ، وهو البرغوث. "وفتحها بعد الياء لغة" لبني أسد حكاهما الفراء١، "كقوله" وهو حميد بن ثور، وقيل: أبو خالد؛ يصف قطاة: [من الطويل]
٣٧-
"على أحوذيين استقلت عشية" فما هي إلا لمحة وتغيب
الرواية بفتح النون من أحوذيين تثنية أحوذي، بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف: وهو الخفيف في المشي لحذقه. وفي ديوان الأدب: الأحوذي الراعي المتشمر للرعاية الضابط لما ولي، وأراد بالأحوذيين هنا: جناحي قطاة يصفهما بالخفة. وفاعل "استقلت": ضمير القطاة، و"عشية": نصب على الظرفية الزمانية، والمعنى: أن القطاة ارتفعت في الجو عنه على جناحين؛ فما يشاهدها الرائي إلا لمحة وتغيب عنه. "وقيل: لا يختص" فتح النون "بالياء"، بل يكون
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٦، وخزانة الأدب ١/ ٩٢، وذكر محقق تاج العروس ٩/ ٤٥٦ "قذذ" أن "الرجز في المؤتلف والمختلف ص١٧٦ منسوب لرؤبة بن العجاج بن شدقم، وهو غير رؤبة بن العجاج التميمي المشهور"، والرجز بلا نسبة في الدرر ١/ ٥٧، وشرح الأشموني ١/ ٣٩، وهمع الهوامع ١/ ٤٩، وتاج العروس ٩/ ٤٥٦ "قذذ". ١ الدرر ١/ ٥٤.
(٢) البيت لحميد بن ثور في ديوانه ص٥٥، وخزانة الأدب ٧/ ٤٥٨، والدرر ١/ ٥٤، وشرح المفصل ٤/ ١٤١، والمقاصد النحوية ١/ ١٧٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٦٣، وتخليص الشواهد ١/ ٧٩، وجواهر الأدب ص١٥٤، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٨٨، وشرح الأشموني ١/ ٣٩، وشرح ابن عقيل ص١/ ٦٩، ولسان العرب ٣/ ٤٨٦ "هوذ"، والمقرب ٣/ ١٣٦، وهمع الهوامع ١/ ٤٩.
[ ١ / ٧٨ ]
بعدها وبعد الألف في لغة من يلزم المثنى الألف في كل حال، قاله ابن عصفور١، "كقوله": [من الرجز]
٣٨-
"أعرف منها الجيد والعينانا" ومنخرين أشبها ظبيانا
أنشده ابن عصفور والسيرافي وغيرهما بفتح النون في "العينانا" تثنية عين، وأما "ظبيانا"؛ بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحدة وبالياء آخر الحروف: فهو اسم رجل بعينه، لا تثنية ظبي، خلافا للهروي، "وقيل" هذا "البيت مصنوع" لا دليل فيه، وقال أبو زيد٢: هو لرجل من بني ضبة هلك منذ أكثر من مائة سنة. وظاهر كلام الموضح أن الفتح يجري بعد الألف إذا كانت علامة للرفع، وفي اثنين واثنين فإنهما محمولان على المثنى، ولم أقف على نص صريح في ذلك أعتمد عليه، ولا شاهد علي أستند إليه. "ونون الجمع" السالم للمذكر وما حمل عليه، مفتوحة بعد الواو والياء للخفة؛ لأن الجمع أثقل من المثنى، "وكسرها جائز في الشعر بعد الياء كقوله" وهو جرير، لا سحيم؛ خلافا للجوهري: [من الوافر]
٣٩-
عرفنا جعفرا وبني أبيه "وأنكرنا زعانف آخرين"
الرواية بكسر النون من "آخرين"، وهو جمع آخر؛ بفتح الخاء، بمعنى مغاير، وجعفر وبنو أبيه: أولاد ثعلبة بن يربوع، والزعانف؛ بفتح الزاي وبالعين المهملة وبالنون قبل الفاء: جمع زعنفة؛ بكسر الزاي والنون: وهو القصير، وأراد به الأدعياء الذين ليس أصلهم واحدا، "وقوله" وهو سحيم: [من الوافر]
٤٠-
وماذا تبتغي الشعراء مني "وقد جاوزت حد الأربعين"
_________________
(١) ١ المقرب ٣/ ١٦٣.
(٢) الرجز لرجل من بني ضبة أو لرؤبة في الدرر ١/ ٥٥، والمقاصد النحوية ١/ ١٨٤، ولرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٧، ولرجل في نوادر أبي زيد ص١٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٦٥، وتخليص الشواهد ص٨٠، وخزانة الأدب ٤/ ٤٥٣، ٤٥٦، ٤٥٧، ورصف المباني ص٢٤، وسر صناعة الإعراب ص٤٨٩، ٧٠٥، وشرح الأشموني ١/ ٣٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٧١، وشرح المفصل ٣/ ١٢٩، ٤/ ٦٤، ٦٧، ١٤٣، وهمع الهوامع ١/ ٤٩. ٢ نوادر أبي زيد ص١٥.
(٣) البيت لجرير في ديوانه ص٤٢٩، والاشتقاق ص٥٣٨، وتخليص الشواهد ص٧٢، وتذكرة النحاة ص٤٨٠، والدرر ١/ ٥٦، والمقاصد النحوية ١/ ١٨٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٦٧، وشرح الأشموني ١/ ٣٩ وشرح ابن عقيل ١/ ٦٧، وهمع الهمع ١/ ٤٩.
(٤) تقدم تخريج الشاهد برقم ٣٥.
[ ١ / ٧٩ ]
بكسر النون، وتقدم ما فيه، واختلف رأي ابن مالك، فتارة حكم عليه بأنه مجرور بالكسرة، وتارة بأنه مجرور بالياء وكسر النون على لغة، وتابعه الموضح هنا؛ فاستشهد أولا على الإعراب بالكسرة؛ وثانيا على كسر النون في الشعر، ولم تكسر النون بعد الواو في نثر ولا شعر لعدم التجانس.
"الباب الرابع": من أبواب النيابة "الجمع بألف وتاء مزيدتين".
ولا فرق بين أن يكون مسمى هذا الجمع مؤنثا بالمعنى فقط "كهندات" ودَعْدات، أو التاء والمعنى جميعا كفاطمات "ومسلما"، أو بالتاء دون المعنى كطلاحات وحمزات، أو بالألف المقصورة كحبليات، أو الممدودة كصحراوات، أو يكون مسماه مذكرا كاصطبلات، ولا فرق بين أن تكون سلمت فيه بنية واحدة كضخمة وضخمات، أو تغيرت كسجدة وسجدات، وحبلى وحبليات، وصحراء وصحراوات، فالأول حرك وسطه، والثاني قلبت ألفه ياء، والثالث قلبت همزته واوا، ولهذا عدل الموضح عن قول أكثرهم جمع المؤنث السالم إلى أن قال: "الجمع بألف وتاء مزيدتين" ليعم جمع المؤنث وجمع المذكر؛ وما سلم فيه المفرد وما تغير، "فإن" في جميع ذلك "نصبه" بالكسرة نيابة عن الفتحة، حملا للنصب على الجر، كما في جمع المذكر السالم، إجراء للفرع على وتيرة الأصل، وإنما تخلف الفرع عن الأصل في الإعراب بالحروف لعلة مفقودة في الفرع، وهي أنه ليس في آخره حروف تصلح للإعراب "نحو: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ " [العنكبوت: ٤٤] فـ"السماوات": منصوب بالكسرة على أنه مفعول به عند الجمهور، ومفعول مطلق لبيان النوع عند الشيخ عبد القاهر الجرجاني ومحمود الزمخشري وأبي عمرو بن الحاجب، وصوبه الموضح في المغني ووضحه بأن قال: "المفعول به: ما كان موجودا قبل الفعل الذي عمل فيه ثم أوقع الفاعل به فعلا، والمفعول المطلق: ما كان الفعل العامل فيه هو فعل إيجاده وإن كان ذاتا؛ لأن الله تعالى موجد للأفعال وللذوات جميعا". ا. هـ. وسبقه إلى هذا الإيضاح الشيخ عبد القاهر، فقال في أسرار البلاغة: "إذا قلنا خلق الله العالم، فالعالم ليس مفعولا به، بل هو مفعول مطلق؛ لأن المفعول به هو الذي كان موجودا فأوجد الفاعل شيئا آخر، كقولك ضربت زيدا فإن زيدا كان موجودا، وأنت فعلت به الضرب، والمفعول المطلق هو الذي لم يكن موجودا، فحصل بك والعالم لم يكن موجودا، بل كان
[ ١ / ٨٠ ]
عدما محضا، والله أوجده وخلصه من العدم، فكان العالم المفعول المطلق وهو المصدر، ولم يكن مفعولا به. ا. هـ.
واحتج الجمهور والذاهبون إلى أن العالم مفعول به لا مفعول مطلق بأمور:
أولها: أنا قد نعلم العالم، وإن كنا لا نعلم أنه مخلوق لله تعالى إلا بدليل منفصل، والمعلوم مغاير للمجهول، فإذن كون الله خالقا للعالم غير ذات العالم.
وثانيها: أنا نصف الله بالخالقية، فلو كان خلق العالم نفس العالم لزم أن يكون الله تعالى موصوفا بالعالم، كما أنه موصوف بخالقية العالم.
وثالثها: أنا نقول العالم ممكن، فلا يوجد إلا؛ لأن الله أوجده وأحدثه وأبدعه، فلو كان إيجاد العالم وإحداثه نفس للعالم لكان قولنا: العالم وجد؛ لأن الله أوجده، جاريا مجرى قولنا: العالم وجد؛ لأنه وجد، فيكون ذلك تعليلا للشيء بنفسه، ويرجع حاصله إلى أن العالم وجد بنفسه، وذلك نفي نصب للصانع، قاله الفخر الرازي في شرح المفصل.
ونصب الجمع بالألف والتاء المزيدتين بالكسرة مطلقا وهو الغالب، "وربما نصب بالفتحة" على لغة كما قال أحمد بن يحيى، "إن كان محذوف اللام" ولم ترد إليه في الجمع، "كسمعت لغاتهم" بفتح التاء، حكاه الكسائي، ورأيت بناتك، بفتح التاء كما حكاه ابن سيده، وكقوله: [من الطويل]
٤١-
فلما جلاها بالأيام تحيرت ثباتا عليها ذلها واكتئابها
والأيام: الدخان، وثباتا، بضم الثاء: الجماعات المتفرقة، منصوبة على الحالية بالفتحة، والكثير أن ينصب بالكسرة كقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: ٧١] والضمائر المؤنثة للنحل، بالحاء المهملة، والمراد بيان حالها حين يؤخذ عسلها، وإنما نصب هذا النوع بالفتحة تشبيها لهذه التاء التي تبدل في الوقف هاء أو جبرا لما فاته من حذف لامه، كما أعرب نحو سنين بالحروف جبرا لما فاته من حذف لامه، وليس الوارد من ذلك مفردا مردود اللام، خلافا لأبي علي في زعمه أن نحو: "سمعت لغاتهم" بالفتح مفرد ردت لامه، وأصله: لغة أو لغوة، تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله، فقلب ألفا، فصار لغات، ورد بأنه يلزم الجمع بين العوض والمعوض، فإن ردت اللام في الجمع كسنوات أو
_________________
(١) البيت لأبي ذويب الهذلي في أدب الكاتب ٤٦٨، والاقتضاب ص٦٤٤، وشرح أشعار الهذليين ١/ ٥٣، وشرح الجواليقي ٣١١، وجمهرة اللغة ٢٤٨، ١٣٣٤، وشرح المفصل ٥/ ٨، ولسان العرب ١٢/ ٤١، "أيم"، ١٤/ ١٤٩ "رجلا"، والمحتسب ١/ ١١٨، والمنصف ٣/ ٦٣، وبلا نسبة في الخصائص ٣/ ٣٠٤، ورصف المباني ١٦٥، وشرح المفصل ٥/ ٤، والمنصف ١/ ٢٦٢.
[ ١ / ٨١ ]
سنهات على اللغتين نصب بالكسرة اتفاقا، نحو: اعتكفت سنوات أو سنهات، بكسر التاء، هذا إذا كانت الألف والتاء زائدتين، "فإن كانت التاء أصلية" والألف زائدة "كأبيات" جمع بيت، "وأموات" جمع ميت، "أو" كانت "الألف أصلية" والتاء زائدة "كقضاة" جمع قاض، "وغزاة" جمع غاز، وأصل قضاة وغزاة قضية وغزوة، تحركت الياء والواو وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين، فالألف فيهما أصلية لكونها منقلبة عن أصل، والتاء زائدة للتأنيث، "فالنصب بالفتحة" على الأصل نحو: وليت قضاة وجهزت غزاة، والمطرد من الجمع بالألف والتاء المزيدتين ما كان علما لمؤنث مطلقا، أو صفة له مقرونة بالتاء، أو دالة على التفصيل نحو فضليات، أو علما لمذكر مقرونا بالتاء، أو صفة لمذكر غير عاقل كجبال راسيات، أو مصغرة كدريهمات، "وحمل على هذا الجمع شيئان":
أحدهما: "أولات" وهو اسم جمع بمعنى ذوات؛ لا واحد له من لفظه، وواحده في المعنى ذات، بمعنى صاحبة، وأصله ألى؛ بضم الهمزة وفتح اللام؛ قلبت الياء ألفا ثم حذفت لاجتماعها مع الألف والتاء المزيدتين، ووزنه فعات: "نحو ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] فأولات خبر "كان" وهو منصوب بالكسرة، واسمها ضمير النسوة، وهو النون المدغمة في نونها، وأصل "كُنّ" كون بضم الواو بعد النقل إلى باب "فعل" بضم العين، فاستثقلت الضمة على الواو، فنقلت منها إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين.
"و" الثاني: "ما سمي به من ذلك" الجمع ومما ألحق به "نحو: رأيت عرفات" وهو علم لموضع الوقوف، واستدل سيبويه على علميته بقولهم١: "هذه عرفات مباركا فيها"، بنصب "مباركا" على الحال، ولو كان نكرة لجرى عليه صفة، وبأنه لو كان نكرة لدخلت عليه الألف واللام٢، وهي لا تدخل عليه، "وسكنت أذرعات" بكسر الراء، قاله في الصحاح. وزاد في القاموس: "وقد تفتح" وفيه وفي تهذيب الأسماء واللغات: "النسبة إليها أذرعي" بالفتح، وهي جمع أذرعة، وأذرعة جمع ذراع في لغة من ذكره، قاله أبو الفتح الهمداني في اشتقاق البلدان. "و" أذرعات "هي قرية من قرى الشام"، وقال الجوهري: "موضع بالشام"، ولا منافاة بينهما. واختلف العرب في كيفية
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٢٣٣. ٢ في الكتاب ٣/ ٢٣٣: "ويدلك أيضا على معرفتها، أنك لا تدخل فيها ألفا ولا لاما".
[ ١ / ٨٢ ]
إعراب هذا النوع المسمى به على ثلاث فرق:
"فبعضهم يعربه على ما كان عليه قبل التسمية" ولم يحذف تنوينه؛ لأنه في الأصل للمقابلة، فاستصحب بعد التسمية.
"وبعضهم" يعربه على ما كان عليه قبل التسمية مراعاة للجمع، "ويترك تنوين ذلك" مراعاة للعلمية والتأنيث.
"وبعضهم يعربه إعراب ما لا ينصرف"، فيترك تنوينه ويجره بالفتحة مراعاة للتسمية.
فالأول راعى الجمعية فقط، والأخير راعى التسمية فقط، والمتوسط توسط بين الأمرين، فراعى الجمعية، فجعل نصبه بالكسرة، وراعى اجتماع العلمية والتأنيث فترك تنوينه. وهذا المسلك يشبه تداخل اللغتين، فإنه أخذ من الأول النصب بالكسرة، ومن الأخير حذف التنوين، فتحصل في المسألة ثلاثة أوجه. "ورووا بالأوجه الثلاثة قوله"
وهو امرؤ القيس الكندي في محبوبته: [من الطويل]
٤٢-
"تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالي"
الرواية بجر "أذرعات"، بالكسرة من التنوين وتركه، وبالفتحة بلا تنوين، ومعنى "تنورتها": نظرت إلى نارها بقلبي من أذرعات وأنا بالشام وأهلها بيثرب مدينة الرسول ﷺ، سميت باسم الذي نزلها من العماليق، وهو يثرب بن عبيد، وفي السنة: منع إطلاق هذا الاسم عليها؛ لأنه من مادة التثريب، وأما قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] فحكاية عمن قاله من المنافقين، وإلى هذا الباب الإشارة بقول الناظم:
٤١-
وما بتاء وألف قد جمعا يكسر في الجر وفي النصب معا
٤٢-
كذا أولات والذي اسما قد جعل كأذرعات فيه ذا أيضا قبل
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ٣١، والاقتضاب ص٨٦، وخزانة الأدب ١/ ١٥٦، والدرر ١/ ١٣، ورصف المباني ص٣٤٥، وسر صناعة الإعراب ص٤٩٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢١٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٣٥٩، وشرح المفصل ١/ ٤٧، والكتاب ٣/ ٢٣٣ وعمدة الحفاظ ٤/ ٢٣١ "نور" والمقاصد النحوية ١/ ١٩٦، والمقتضب ٣/ ٣٣، ٤/ ٣٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٦٩، وشرح ابن عقيل ص١/ ٧٦، وشرح المفصل ٩/ ٣٤.
[ ١ / ٨٣ ]
"الباب الخامس": من أبواب النيابة "ما لا ينصرف"
أي: ما لا يدخله تنوين الصرف، "وهو ما فيه علتان" فرعيتان "من" علل "تسع" جمعها ابن النحاس في قوله: [من البسيط]
اجمع وزن عادلا أنث بمعرفة ركب وزد عجمه فالوصف قد كملا١
وسيأتي شرح ذلك في باب معقود له، والذي يخصه هنا أنه متى اجتمع في اسم علتان منها "كأحسن" فإن فيه الصفة ووزن الفعل، "أو واحدة منها تقوم مقامهما" في منع الصرف "كمساجد وصحراء" فإن صيغة منتهى الجموع بمنزلة جمعين، والتأنيث بالألف بمنزلة تاء التأنيث، فكل من صيغة منتهى الجموع وألف التأنيث قائم مقام علتين، "فإن جره بالفتحة" نيابة عن الكسرة "نحو: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]، ونحو: اعتكفت في مساجد "إلا إن أضيف" لفظا "نحو: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وفي مساجد عائشة، "أو" تقديرا نحو: "ابدأ بذل من أول"، في رواية من جر بالكسرة بلا تنوين، على نية لفظ المضاف إليه، و"دخلته "أل" معرفة" كانت "نحو": ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ "فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، "أو موصولة" نحو قوله: [من الطويل]
٤٣-
وهن الشافيات الحوائم
بخفض "الحوائم" بالكسرة، لدخول "أل" الموصولة عليه، وهي جمع حائمة، وأما الداخلة على الصفة المشبهة ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ [هود: ٢٤] واليقظان، فإنها حرف تعريف على الأصح، كما في المغني وغيره، لا موصولة أو زائدة كقوله: [من الطويل]
٤٤-
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله
_________________
(١) ١ البيت في شرح شذور الذهب ٤٥٠، وشرح قصر الندى ٢٣٨، وسيأتي في المجلد الثاني ص٣١٦.
(٢) تمام البيت: "أبأنا بها قتلى وما في دمائهم شفاء وهن الشافيات الحمائم". وهو للفرزدق في ديوانه ٢/ ٣١٠، وخزانة الأدب ٧/ ٣٧٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٩٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٨.
(٣) البيت لابن ميادة في ديوانه ١٩٢، وخزانة الأدب ٢/ ٢٢٦، والدرر ١/ ١٧، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٥١، وشرح شواهد الشافية ص١٢، وشرح شواهد المغني ١/ ١٦٤، ولسان العرب ٣/ ٢٠٠ "زيد"، والمقاصد النحوية ١/ ٢١٨، ٥٠٩، ولجرير في لسان العرب ٨/ ٣٩٣ "وسع"، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٢٢، والأشباه والنظائر ١/ ٢٣، ٨/ ٣٠٦، والإنصاف ١/ ٣١٧، وأوضح المسالك ١/ ٧٣، وخزانة الأدب ٧/ ٢٤٧، ٩/ ٤٤٢، وشرح الأشموني ١/ ٨٥، وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ٣٦، وشرح قطر الندى ٥٣، ومغني اللبيب ١/ ٥٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٤.
[ ١ / ٨٤ ]
بخفض "اليزيد" لدخول "أل" الزائدة عليه، بناء على أنه باق على علميته، ويحتمل أن يكون قدر فيه الشيوع فصار نكرة ثم أدخل عليه "أل" للتعريف كما قال الموضح في شرح القطر وعلى هذا لا شاهد فيه.
وهذا البيت لابن ميادة الرماح يمدح به الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان من بني أمية. والأعباء: جمع عبء، بكسر العين المهملة وسكون الموحدة وفي آخره همزة: كل ثقل، بكسر المثلثة وسكون القاف، وأراد به أمور الخلافة الشاقة، والكاهل، ما بين الكتفين، والمعنى: أبصرته شديدا كاهله بحمل أثقال الخلافة. وإلى هذا الباب أشار الناظم بقوله:
٤٣-
وجر بالفتحة ما لا ينصرف ما لم يضف أو يك بعد أل ردف
وإذا دخله "أل"، أو أضيف وجر بالكسرة؛ هل يعود منصرفا أو لا؟ أقول؛ ثالثها إن كانت العلتان باقيتين فيه فهو باق على منع صرفه، وإلا صرف وهو المختار.
"الباب السادس": من أبواب النيابة "الأمثلة الخمسة".
سميت بذلك؛ لأنها ليست أفعالا بأعيانها، كما أن الأسماء أسماء بأعيانها، وإنما هي أمثلة يكنى بها عن كل فعل كان بمنزلتها وسميت خمسة على إدراج المخاطبتين تحت المخاطبين، والأحسن أن تعد ستة، قاله الموضح في شرح اللمحة. "وهي كل فعل مضارع اتصل به ألف اثنين" بالتاء للمخاطبين: "نحو: تفعلان" يا زيدان، أو للخاطبتين نحو: تفعلان يا هندان، أو للغائبتين نحو: الهندان تفعلان، "و" بالياء للغائبين نحو: الزيدان "يفعلان، أو واو جمع" بالتاء للمخاطبين "نحو": أنتم" تفعلون، و" بالياء للغائبين نحو: هم "يفعلون أو ياء مخاطبة نحو": أنت "تفعلين". ولا فرق بين أن تكون الألف والواو ضميرين كما تقدم، أو علامتين كيفعلان ويفعلون الزيدون، في لغة طيئ، "فإن رفعها بثبوت النون وجزمها ونصبها بحذفها نحو: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] الأول جازم ومجزوم، والثاني ناصب ومنصوب، وقدم الجزم على النصب؛ لأن النصب محمول على الجزم، كما حمل النصب على الجر في المثنى، والمجموع على حده؛ لأن الجزم نظير الجر في الاختصاص، فيفعلان كالزيدان، ويفعلون كالزيدون، وتفعلين كالزيدين، في مطلق الحركات والسكنات. وقد جعلوا علامة الرفع في
[ ١ / ٨٥ ]
"الزيدون" الواو، ولا يمكنهم ذلك في "يفعلون" لأنه يؤدي إلى اجتماع واوين، فجعلوا النون علامة للرفع؛ لأنها شبيهة بالواو من حيث الغنة، ثم حذفوها لأجل الجازم، ثم حملوا النصب عليه، كما فعلوا ذلك في نظيره من الأسماء، وحملوا "تفعلان وتفعلين" على "يفعلون، ولما كان ههنا مظنة سؤال وهو أن يقال: إنك قلت إن المضارع المتصل به واو الجماعة ينصب بحذف النون ويعفون من قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] منصوب بأن، والنون لم تحذف، فأشار إلى جوابه بقوله "وأما: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فالواو لام الكلمة" لا ضمير الجماعة وهي واو عفا يعفو، "والنون ضمير النسوة" عائد على "المطلقات" لا نون الرفع، "والفعل" معها "مبني" على السكون لاتصاله بنون النسوة، "مثل: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لا معرب "ووزنه يفعلن" فالعين فاؤه، والفاء عينه، والواو لامه، وهذا "بخلاف قولك: "الرجال يعفون" فالواو" فيه "ضمير" الجماعة "المذكرين" كالواو في قولك "يقومون"، وواو الفعل محذوفة، "والنون علامة رفع" ووزنه يفعون، "فتحذف" النون للجازم والناصب "نحو": لم تعفو، وفي التنزيل: " ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ووزنه تفعوا وأصله تعفووا" بواوين، الأولى لام الكلمة، والثانية واو الجماعة، استثقلت الضمة على الواو؛ فحذفت؛ فالتقى ساكنان، فحذفت الواو الأولى لالتقاء الساكنين، وخصت بالحذف لكونها جزء كلمة، وإلى هذا الباب أشار الناظم بقوله:
٤٤-
واجعل لنحو يفعلان النونا رفعا وتدعين وتسألونا
٤٥-
وحذفها للجزم والنصب سمه
"الباب السابع": من أبواب النيابة وهي خاتمتها "الفعل المضارع المعتل الآخر".
"وهو: ما آخره" حرف علة "ألف كـ: يخشى، أو ياء كـ: يرمي، أو واو كـ: يدعو، فإن جزمهن بحذف الآخر" نيابة عن السكون، نحو: لم يخش، ولم يرم، ولم يدع، فالمحذوف من "يخش" الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ومن "يرم" الياء والكسرة قبلها دليل عليها، ومن "يدع" الواو، والضمة قبلها دليل عليها. ثم القول بأن علامة الجزم فيها حذف حرف العلة إنما يتمشى على قول ابن السراج ومن تابعه بأن هذه الأفعال لا يقدر فيها الإعراب بالضمة في حالة الرفع، والفتحة في الألف في حالة
[ ١ / ٨٦ ]
النصب، وعلل ذلك بأن الإعراب في الفعل فرع، فلا حاجة لتقديره فيه، بخلاف الاسم، وجعل الجازم كالدواء المسهل إن وجد فضلة أزالها، وإلا أخذ من قوى البدن، وذهب سيبويه إلى تقدير الإعراب فيها، فعلى سيبويه لما دخل الجازم حذف الحركة المقدرة، واكتفى بها، ثم لما صارت صورة المجزوم والمرفوع واحدة فرقوا بينهما بحذف حرف العلة، فحرف العلة محذوف عند الجازم لا به، وعلى قول ابن السراج: الجازم حذف نفس حرف العلة وقول الناظم:
٥١-
واحذف جازمًا ثلاثُهنّ
يحتمل المذهبين، ثم استشعر اعتراضًا بأن أحرف العلة قد ثبتت مع الجازم، فأشار إلى جوابه بقوله: "فأما قوله: [من الرجز]
٤٥-
إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق
وقوله: [من البسيط]
٤٦-
هجوت زبان ثم جئت معتذرًا من هجو زبان لم تهجو ولم تدع
وقوله وهو قيس بن زهير: [من الوافر]
٤٧-
ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧٩، وخزانة الأدب ٨/ ٣٥٩، ٣٦٠، والدرر ١/ ٧١، والمقاصد النحوية ١/ ٢٣٦، وبلا نسبة في تاج العروس "رضي"، ولسان العرب ١٤/ ٣٢٤ "رضي"، والأشباه والنظائر ٢/ ١٢٩، والإنصاف ص٢٦، والخصائص ١/ ٣٠٧، وسر صناعة الإعراب ص٧٨، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٨٥، وشرح شواهد الشافية ص٤٠٩، وشرح المفصل ١٠/ ١٠٦، والمخصص ١٣/ ٢٥٨، ١٤/ ٩، والممتع في التصريف ٢/ ٥٣٨، والمنصف ٢/ ٧٨، ١١٥، وهمع الهوامع ١/ ٥٢.
(٢) البيت لزبان بن العلاء في معجم الأدباء ١١/ ١٥٨، وبلا نسبة في تاج العروس ٣/ ٩ "زبب" "زبن"، والإنصاف ١/ ٢٤، وخزانة الأدب ٨/ ٣٥٩، والدرر ١/ ٧٢، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٣٠، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٨٤، وشرح شواهد الشافية ص٤٠٦، وشرح المفصل ١٠/ ١٠٤، ولسان العرب ١٥/ ٤٩٢ "يا"، والمقاصد النحوية ١/ ٢٣٤، والممتع في التصريف ٢/ ٥٣٧، والمنصف ٢/ ١١٥، وهمع الهوامع ١/ ٥٢.
(٣) البيت لقيس بن زهير في الأغاني ١٧/ ١٩٨، والاقتضاب ص٣٦٢، وخزانة الأدب ٨/ ٣٥٩، ٣٦١، ٣٦٢، والدرر ١/ ٧٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٤٠، وشرح شواهد الشافية ٤٠٨، وشرح شواهد المغني ٣٢٨، ٨٠٨، والمقاصد النحوية ١/ ٢٣٠، واللسان ١٤/ ١٤ "أتى"، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٠٣، والأشباه والنظائر ٥/ ٢٨٠، والإنصاف ١/ ٣٠، وأوضح المسالك ١/ ٧٦، والجنى الداني ٥٠، وخزانة الأدب ٩/ ٥٢٤، والخصائص ١/ ٣٣٣، ٣٣٧، ورصف المباني ١٤٩، وسر صناعة الإعراب ١/ ٨٧، ٢/ ٦٣١، وشرح الأشموني ١/ ١٦٨، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٨٤، وشرح المفصل ٨/ ٢٤، ١٠/ ١٠٤، والكتاب ٣/ ٣١٦، واللسان ٥/ ٧٥، "قدر"، ١٤/ ٣٢٤ "رضي"، ١٤/ ٤٣٤ "شظي"، ١٥/ ٤٩٢ "يا"، والمحتسب ١/ ٦٧، ٢١٥، ومغني اللبيب ١/ ١٠٨، ٢/ ٣٨٧، والمقرب ١/ ٥٠، ٢٠٣، والممتع في التصريف ٢/ ٥٣٧، والمنصف ٢/ ٨١، ١١٤، ١١٥، وهمع الهوامع ١/ ٥٢.
[ ١ / ٨٧ ]
فضرورة" فيهن، حيث أثبت أحرف العلة الثلاثة مع الجازم، وقيل: هذه الأحرف إشباع، والحروف الأصلية محذوفة للجازم، وقيل: هذه الأحرف أصلية بناء على قول من يجزم المعتل بحذف الحركة المقدرة ويقر حرف العلة على حاله، والأنباء: جمع نبأ؛ وهو الخبر، وتنمي: بفتح التاء المثناة من فوق؛ من نميت الحديث، يقال بالتخفيف إذا بلغه على وجه الإصلاح، وبالتشديد إذا كان على وجه الإفساد، واللبون: الناقة ذات اللبن، ويروى: قلوص، بفتح القاف وضم اللام: الناقة الشابة بدل لبون، وبنو زياد: الربيع بن زياد وإخوته، وفاعل "يأتيك": مضمر، و"بما لاقت": متعلق بـ"تنمي" لقربه، ويجوز أن يكون "ما لاقت" فاعل "يأتيك"، والباء زائدة في الفاعل مثلها في: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] "وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء من "يتقي" وتسكين "يصبر" "في قراءة قنبل" عن ابن كثير. فاختلف فيه تخريجه، "فقيل: "من" موصولة" لا شرطية، و"يتقي": مرفوع لا مجزوم، "وتسكين: يصبر" مع أنه معطوف على مرفوع "إما لتوالي حركات الباء" الموحدة. "والراء" من يصبر "والفاء والهمزة" من "فإن" كما في "يأمر" بإسكان الراء تنزيلا للكلمتين، بل الثلاث منزلة الكلمة الواحدة، وهم يكرهون توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وإما على تنزيل "برف" من "يصبر فإن" منزلة بناء على فعل بكسر الفاء وضم العين، فسكن لأنه بناء مهمل، وهم يخففون مضموم العين إذا كان مستعملا، فما بالك بالمهمل.
ويجرون المنفصل مجرى المتصل قال امرؤ القيس: [من السريع]
٤٨-
فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٢٢، وإصلاح المنطق ص٢٤٥، ٣٢٢، وجمهرة اللغة ص٩٦٢، وحماسة البحتري ص٣٦، وخزانة الأدب ٤/ ١٠٦، ٨/ ٣٥٠، ٣٥٤، ٣٥٥، والدرر ١/ ٨٢، ورصف المباني ص٣٢٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٦١٢، ١١٧٦، وشرح شذور الذهب ص٢١٢، وشرح شواهد الإيضاح ص٢٥٦، وشرح المفصل ١/ ٤٨، والشعر والشعراء ١/ ١٢٢، والكتاب ٤/ ٢٠٤، ولسان العرب ١/ ٣٢٥ "حقب"، ١٠/ ٤٢٦ "دلك"، ١١/ ٧٣٢ "وغل"، والمحتسب ١/ ١٥، ١١٠، وتاج العروس "وغل"، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٦٦، والاشتقاق ص٣٣٧، وخزانة الأدب ١/ ١٥٢، ٣/ ٤٦٣، ٤/ ٤٨٤، ٨/ ٣٣٩، والخصائص ١/ ٧٤، ٢/ ٣١٧، ٣٤٠، ٣/ ٩٦، والمقرب ٢/ ٢٠٥، وهمع الهوامع ١/ ٥٤. الواغل: هو الداخل على القوم في شرابهم، فيشرب معهم من غير أن يدعى إلى الشراب.
[ ١ / ٨٨ ]
فنزل "رب غ" من "أشرب غير" منزلة عضد، وسكن الباء كما سكن عضد، "وأما على أنه" أي: قنبلا "وصل بنية الوقف" كقراءة الحسن البصري: "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ" [المدثر: ٦] بتسكين "تستكثر"١، مع أنه مرفوع بإجماع السبعة، وكقراءة نافع: "وَمَحْيَايْ وَمَمَاتِي" [الأنعام: ١٦٢] بسكون ياء "محياي"٢ وصلا، "وأما على العطف على المعنى؛ لأن "من" الموصولة بمعنى" من "الشرطية؛ لعمومها وإبهامها" ولكون مدخولها مستقبلا سببا لما بعده، ولهذا دخلت "الفاء" في الخبر كما تدخل في الجواب، قاله الفارسي، فلذلك صح العطف بالجزم على الصلة، كما يعطف على الشرط، وقيل: "من" شرطية، و"الياء" في "يتقي" إما إشباع، فلام الفعل حذفت للجازم، وإما على إجراء المعتل مجرى الصحيح، فجزم بحذف الحركة المقدرة؛ ولم يستتبع حذفها حذف حرف العلة.
"تنبيه": ما مر من حذف حرف العلة للجازم فهو ما إذا كان أصليا، فإما "إذا كان حرف العلة" عارضا؛ بأن كان "بدلا من همزة" مفتوح ما قبلها، "كيقرأ" مضارع قرأ، "و" مكسور ما قبلها نحو: "يقر" مضارع أقرأ، "و" مضموم ما قبلها نحو: "يوضؤ" مضارع وضؤ، بضم الضاد: بمعنى حسن وجمل، "فإن كان الإبدال" للهمزة "بعد دخول الجازم" على المضارع "فهو إبدال قياسي"، لكون الهمزة ساكنة؛ لحذف حركتها بالجازم؛ وإبدال الهمز الساكن من جنس حركة ما قبله قياسي، "ويمتنع حينئذ"؛ أي: حين إذا بدل بعد دخول الجازم "الحذف" للحرف المبدل من الهمزة "لاستيفاء الجازم مقتضاه"، وهو حذف الحركة التي كانت موجودة قبل الإبدال، فلا يحذف شيئا آخر، "وإن كان" الإبدال "قبله"؛ أي: قبل دخول الجازم "فهو إبدال شاذ"، لكون الهمزة متحركة، فهي متعاصية بالحركة عن الإبدال، وإبدال الهمزة المتحركة من جنس حركة ما قبله شاذ، "ويجوز" حينئذ "مع" دخول "الجازم الإثبات" للحرف المبدل، "والحذف" له، "بناء على قول الاعتداد بالعارض"، وله الإبدال هنا "وعدمه"، أي: عدم
_________________
(١) ١ انظر هذه القراءة في الإتحاف ص٤٢٧، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٢٠١. ٢ انظر هذه القراءة في الإتحاف ص٢٢١، والنشر ٢/ ٢٦٧، وهي من شواهد الخصائص ١/ ٩٢.
[ ١ / ٨٩ ]
الاعتداد بعروض الإبدال، فعلى القول بالاعتداد بعروض الإبدال بحذف حرف العلة للجازم؛ لأن حرف العلة على هذا القول معتد به، ومنزل منزلة الحرف الأصلي، وعلى القول بعدم الاعتداد بعروض الإبدال يثبت حرف العلة؛ لأنه لا يحذف للجازم إلا الحرف الأصلي لا العارض، "و" عدم الاعتداد بالعارض "هو الأكثر" في كلامهم؛ وعليه الأكثرون، ففي كلامه لف ونشر١ غير مرتب؛ لأن الاعتداد بالعارض علة للحذف، وعدمه علة الإثبات، وما ذكره من جواز الإثبات والحذف هو ما ذكره ابن عصفور٢، وذهب غيره إلى أن الإبدال إذا كان قبل دخول الجازم فالحذف لذلك الحرف المبدل ممتنع؛ لأن تسهيل الهمزة كتحقيقها.
_________________
(١) ١ اللف والنشر: أن يذكر الناظم في أول البيت أسماء متعددة غير تامة المعنى، ثم يقابلها بأشياء يعددها من غير الأضداد تتم معناها؛ إما بالجمل، وإما بالألفاظ المفردة، كقول ابن حيوس: فعل المدام ولونها ومذاقها في مقلتيه ووجنتيه وريقه انظر شرح الكافية البديعية لصفي الدين الحلي، ص٧٦. ٢ انظر المقرب ٢/ ٢٠٥.
[ ١ / ٩٠ ]
"فصل":
تقدر الواو رفعا في جمع المذكر السالم، إذا أضيف إلى ياء المتكلم، نحو: جاء مسلمي، والنون رفعا في المضارع المعتل إذا أسند إلى واو الجماعة، أو ألف الاثنين، أو ياء المخاطبة، وأكد بالنون الثقيلة نحو: لتبلونَّ لتبلوانِّ لَتُبْلَينَّ، "وتقدر الحركات الثلاث" تعذرا "في الاسم المعرب الذي آخره ألف لازمه" غير مهموزة "نحو: الفتى"، مما ألفه منقلبة عن ياء، "والمصطفى" مما ألفه منقلبة عن واو، وإن صورت فيهما الألف ياء نظرا إلى أصلها في الأول، ومجاوزتها الثلاثة في الثاني. "ويسمى" الاسم المعرب الذي آخره ألف لازمة "معتلا" لكون آخره حرف علة، و"مقصورا" لكونه قصر عن ظهور الحركات فيه، والقصر: المنع، أو لكونه منع المد، والمقصور يقابله الممدود، فعلى هذا لا يسمى نحو: "يَسْعَى" مقصورا، وإن كان ممنوعا من ظهور الحركات فيه؛ لأنه ليس في الأفعال ممدود، تقول: جاء الفتى والمصطفى، ورأيت الفتى والمصطفى، ومررت بالفتى والمصطفى، بلفظ واحد في الأحوال الثلاثة، والتقدير مختلف؛ فتقدر في الرفع الضمة، وفي النصب الفتحة، وفي الجر الكسرة في الألف، وإن قلنا بمقارنة الإعراب لآخر المعرب، وهو الأصح؛ وإلا فبعدها، وموجب هذا التقدير أن ذات الألف لا تقبل الحركة.
"و" تقدر "الضمة والكسرة" فقط في الاسم المعرب الذي آخره "ياء لازمة" في الأحوال الثلاثة؛ "مكسور ما قبلها نحو المرتقي" من مزيد الثلاثي، "والقاضي" من الثلاثي، ويسمى الاسم المذكور "معتلا" لكون آخره حرف علة، و"منقوصا" لأنه نقص منه بعض الحركات؛ وظهر فيه بعضها؛ أو لأنه تحذف لامه لأجل التنوين، نحو: مرتق وقاض، والحذف نقص، وكلا التعليلين لا يخلو عن نظر، أما الأول فلأن نحو: يدعو ويرمي، نقص منه بعض الحركات، وهو يسمى منقوصا، وأما الثاني فلأن نحو: الفتى، حذف لامه لأجل التنوين، ولا يسمى منقوصا.
"وخرج بذكر الاسم" في حد المقصور الفعل "نحو: يخشى"، والحرف نحو: "على" مما في آخره ألف لازمة، "و" في حد المنقوص الفعل نحو: "يرمي"، والحرف نحو: "في" مما آخره ياء لازمة، وخرج المعرب في حديهما المبني، نحو: ذا وتا والذي والتي، "و" خرج "بذكر اللزوم" في الألف "نحو: رأيت أخاك، و" الياء نحو: "مررت بأخيك"، فإنهما يتغيران بحسب الإعراب. "و" خرج "باشتراط الكسرة"
[ ١ / ٩١ ]
قبل الياء في حد المنقوص "نحو: ظبي"، مما آخره ياء قبلها ساكن صحيح، "وكرسي" مما آخره ياء قبلها ساكن معتل. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٦-
وسم معتلا من الأسماء ما كالمصطفى والمرتقي مكارما
٤٧-
فالأول الإعراب فيه قدرا جميعه وهو الذي قد نصرا
٤٨-
والثاني منقوص
ثم قال:
٤٨-
ورفعه ينوى كذا أيضا يجر
"وتقدر الضمة والفتحة في الفعل" المضارع "المعتل بالألف نحو: هو يخشاها، ولن يخشاها" فـ"يخشى" في الأول: مرفوع، وفي الثاني: منصوب تقديرا فيهما، ومثلهما متصلين بهاء الضمير؛ ليوافق اللفظ بالألف الخط. "و" تقدر " الضمة فقط في الفعل" المضارع " المعتل بالواو أو الياء نحو: هو يدعو، وهو يرمي"، فـ"يدعو"، و"يرمي": مرفوعان بضمة مقدرة على الواو والياء، وما ذكره من تقدير الحركات في المعتل هو قول سيبويه١ ومتابعيه، وقال ابن السراج ومن تابعه: لا تقدير؛ لأنا إنما قدرنا في الاسم؛ لأن الإعراب فيه أصل، فيجب المحافظة عليه، وفي الفعل فرع، فلا حاجة لتقديره والمعتمد الأول، وعليه جرى في النظم فقال:
٤٩-
وأي فعل آخر منه ألف أو واو أو ياء فمعتلا عرف
٥٠-
فالألف انو فيه غير الجزم
ثم قال:
٥١-
والرفع فيهما انو
"وتظهر الفتحة" لخفتها "في الواو والياء" في الفعل وهو المنبه عليه في النظم بقوله:
٥٠-
وأبد نصب ما كيدعو يرمي
وفي الياء في الاسم؛ وهو المنبه عليه في النظم بقوله:
٤٨-
ونصبه ظهر
"نحو: إن القاضي لن يرمي ولن يغزو"، وليس في العربية اسم مرتجل معرب في آخره واو لازمة وقبلها ضمة.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٣١٢.
[ ١ / ٩٢ ]
باب النكرة والمعرفة
مدخل
باب النكرة والمعرفة:
وهما في الأصل اسما مصدرين لنكرته ومعرفته؛ فنقلا؛ وسمي بهما الاسم المنكر والاسم المعرف. "الاسم ضربان" على الأصح، "نكرة؛ وهي الأصل"؛ لأنها لا تحتاج في دلالتها إلى قرينة، بخلاف المعرفة، وما يحتاج فرع عما لا يحتاج، "وهي" بالحد عبارة عما شاع في جنس موجوده مقدر، فالأولى: كـ"رجل" فإنه موضوع لما كان حيوانا ناطقا، ذكرا بالغا، فكل ما وجد من هذا الجنس واحد، فهذا الاسم صادق عليه. والثاني: كـ"شمس" فإنها موضوعة لما كان كوكبا نهاريا، ينسخ ظهوره وجود الليل، فحقها أن تصدق على متعدد كما أن رجلا كذلك، وإنما تخلف ذلك من جهة عدم وجود أفراد له في الخارج، ولو وجدت لكان اللفظ صالحا لها، فإنه لم يوضع على أن يكون خاصا كزيد وعمرو، وإنما وضع وضع أسماء الأجناس، وكذلك "قمر"، فأما قوله: [من الكامل]
٤٩-
فكأنه لمعان برق أو شعاع شموس
وقوله: [من الرجز]
وجوههم كأنها أقمار
فإن العرب تنسب إليهما التعدد باعتبار الأيام والليالي، وإن كانت حقيقتهما واحدة، يقولون: شمس هذا اليوم أحر من شمس أمس؛ وقمر هذه الليلة أكثر نورا من قمر ليلة أول ذلك الشهر، وبالخاصة "عبارة عن نوعين":
_________________
(١) تمام صدر البيت: "حمي الحديد فكأنه" ، وهو للأشتر النخعي في لسان العرب ٦/ ١١٣ "شمس"، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٢٨٣، وأساس البلاغة "ومض"، وتاج العروس ١٦/ ١٧١ "شمس"، ١٩/ ١١٠ "ومض".
(٢) الرجز ضمن ستة أبيات وردت بلا نسبة في أساس البلاغة "درق".
[ ١ / ٩٣ ]
"أحدهما: ما يقابل "أل" المؤثرة للتعريف، كرجل" لحيوان مذكر عاقل، "وفرس" لحيوان مذكر غير عاقل، "ودار" لمؤنث غير حيوان، "وكتاب" لمذكر غير حيوان. وهذه الأمثلة الأربعة تقبل "أل" المؤثرة للتعريف، فتقول: الرجل والفرس والدار والكتاب.
"و" النوع "الثاني: ما" لا يقبل "أل" المؤثرة للتعريف؛ ولكنه "يقع موقع ما يقبل "أل" المؤثرة للتعريف، نحو: ذي" بمعنى صاحب "ومن" بفتح الميم معنى إنسان، "وما" بمعنى شيء "في قولك: مررت برجل ذي مال، و" مررت "بمن معجب لك، و" مررت "بما معجبا لك"، فـ"ذو" و"من" و"ما": نكرات لأن "ذي" نعت لنكرة، و"من" و"ما" نُعتا بنكرة، ونعت النكرة والمنعوب بالنكرة نكرة، وهي لا تقبل "أل"، ولكنها واقعة موقع ما يقبلها. أما "ذو" "فإنها واقعة موقع صاحب"، وصاحب يقبل "أل" المؤثرة للتعريف، فتقول: "الصاحب" وليست "أل" فيه موصولة؛ لأنه قد تنوسي فيه معناه الأصلي بحسب الاستعمال، وصار من قبيل الجوامد، ولذلك لا يعمل، لا تقول مررت برجل صاحب أخوه عمرا. قال الشاطبي في باب المبتدأ: "و" أما "من" فإنها نكرة موصوفة واقعة موقع "إنسان"، وإنسان يقبل "أل"، فتقول: "الإنسان"، "و" أما "ما" فإنها نكرة موصوفة أيضا واقعة موقع "شيء"، وشيء يقبل "أل" فتقول: "الشيء"، فـ"من" للعاقل، و"ما" لغيره، وكذلك إذا استعملا في الشرط والاستفهام فمعناهما في الشرط: كل إنسان، وكل شيء، وفي الاستفهام، أي إنسان وأي شيء فـ"إنسان" و"شيء" يقبلان "أل". قال الشاطبي: "ثم قال: وكذلك "أين وكيف" فإنهما واقعان موقع قولك: في أي مكان، وعلى أي حال، و"مكان" و"حال" يقبلان "أل". ا. هـ.
وذهب ابن كسيان إلى أن "من" و"ما" الاستفهاميتين معرفتان، "وكذلك نحو: صه" حال كونه "منونا، فإنه" نكرة، ولا يقبل "أل"، ولكنه "واقع موقع قولك: سكوتا"، و"سكوتا" يقبل "أل" لأنه مصدر، فتقول: "السكوت" بناء على أن التنكير والتعريف في اسم الفعل راجعان إلى المعنى المصدري بواسطة أو بلا واسطة، وإلا فمذهب الجمهور أن أسماء الأفعال واقعة موقع الأفعال، وكذا نحو: "أحد وديار وعريب وكتيع" من الأسماء الملازمة للنفي، فإنها نكرات ولا تقبل "أل". ولكنها واقعة موقع ما يقبل "أل" وهو مثلا رجل؛ أو حي؛ أو ساكن؛ أو نحو ذلك. قال
[ ١ / ٩٤ ]
الشاطبي: وأنكر النكرات شيء، ثم موجود، ثم محدث، ثم جسم، ثم نام، ثم حيوان، ثم إنسان، ثم بالغ، ثم ذكر، ثم رجل، فهذه عشرة يقابل كلا منها ما هو في مرتبته.
"و" الضرب الثاني "معرفة"، وإلى هذين الضربين أشار الناظم بقوله:
٥٢-
نكرة قابل أل مؤثرا أو واقع موقع ما قد ذكرا
وغيره معرفة "وهي الفرع"؛ لأنها تحتاج في دلالتها إلى قرينة، وما يحتاج فرع عما لا يحتاج كما تقدم، "وهو عبارة عن نوعين أحدهما:
ما لا يقبل: أل" المؤثرة "ألبتة" يقطع الهمزة، سماعا، قاله شارح اللباب، والقياس وصلها، "ولا يقع موقع ما يقبلها، نحو: زيد وعمرو"، فأما قوله: [من الرجز]
٥١-
باعد أم العمر من أسيرها
فضرورة.
"و" النوع "الثاني: ما يقبل "أل" ولكنها غير مؤثرة للتعريف، نحو: حارث، وعباس، وضحاك، فإن "أل" الداخلة عليها" غير مؤثرة للتعريف؛ لأنها معارف بالعلمية، وإنما دخلت عليها "أل" "للمح الأصل" بها" وهو التنكير، وفي بعض النسخ: "للمح الوصف"، والأول أولى؛ لأن مدخولها قد يكون غير وصف، كالنعمان؛ فإنه في الأصل اسم عين للدم؛ بالدال المهملة وتخفيف الميم، وظاهر كلامه أن "أل" في هذه الأمثلة دخلت عليها وهي أعلام، وقال الشاطبي: لم تدخل عليها وهي أعلام، بل على تقدير تنكيرها، لتكون "أل" مشعرة بأصلها من الصفة، فدخولها عليها كدخولها على القائم والقاعد وبابه، وهذا معنى ما ذكر سيبويه١، ثم قال: فإذا ثبت أنها
_________________
(١) الرجز لأبي النجم العجلي، وبعده: "حراس أبواب على قصورها"، وهو في ديوانه ص١١٠، وشرح المفصل ١/ ٤٤، والمخصص ١٣/ ٢١٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ١٣٧، والإنصاف ١/ ٣١٧، والجنى الداني ص١٨٩، والدرر ١/ ١٣٧، ورصف المباني ص٧٧، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٦٦، وشرح شواهد المغني ١/ ١٧، ١٦٣، وشرح شواهد الشافية ص٥٠٦، وشرح المفصل ١/ ١٣٢، ٦/ ٦٠، ولسان العرب ٥/ ٢٧٢ "وبر"، ومغني اللبيب ١/ ٥٢، والمقتضب ٤/ ٤٩، والمنصف ٣/ ١٣٤، وهمع الهوامع ١/ ٨٠. ١ في الكتاب ٢/ ٧: "فأما الألف واللام فتوصف بالألف واللام، وبما أضيف إلى الألف واللام؛ لأن ما أضيف إلى الألف واللام بمنزلة الألف واللام، فصار نعتا، كما صار المضاف إلى غير الألف واللام صفة ما ليس فيه الألف واللام".
[ ١ / ٩٥ ]
قد أثرت معنى التعريف تقديرا، ولمح الصفة؛ صار التعريف مشكلا، وأجاب عنه بما حاصله: أنها لم تؤثر تعريفا، فيما لم يكن فيه تعريف، وفيه نظر يظهر بالتأمل.
"وأقسام المعارف سبعة":
أحدها: "المضمر"، بضم الميم الأولى وفتح الثانية، لحاضر أو غائب، "كأنا وهم. و" الثاني: "العلم" لمذكر أو مؤنث، "كزيد، وهند. و" الثالث: "الإشارة كـ: ذا" للمذكر، "وذي" للمؤنث. "و" الرابع: "الموصول" بناء على أن تعريفه بالعهد الذي في الصلة لا بـ"أل" ملفوظة كـ"الذي"، أو مقدرة كـ"من" أو بالإضافة كـ"أي" "كالذي" للمذكر، "والتي" للمؤنث. "و" الخامس: "ذو الأداة" للمذكر والمؤنث، "كالغلام والمرأة. و" السادس: "المضاف" إضافة محضة، "الواحد منها"؛ أي: من هذه الخمسة معتلا كان أو صحيحا "كابني وغلامي. و" السابع: المزيد على قول الناظم:
٥٣-
كهم وذي وهند وابني والغلام والذي
"المنادى" المنكر المقصود، "نحو: يا رجل؛ لمعين"، بناء على أن تعريفه بالقصد لا بحرف تعريف منوي. قال في التسهيل: أعرفها ضمير المتكلم، ثم ضمير المخاطب، ثم العلم، ثم ضمير الغائب السالم عن إبهام. يعني بأن يتقدمه اسم واحد معرفة أو نكرة، ثم المشار به، والمنادى، يعني أنهما في مرتبة واحدة؛ لأن التعريف فيهما بالقصد عنده، ثم الموصول وذو الأداة، يعني أنهما في مرتبة واحدة؛ لأن تعريفهما بالعهد. وفي بعض نسخه: "ثم ذو الأداة"، فجعله بعد الموصول والمضاف بحسب المضاف إليه، فجعل المضاف إلى الضمير، في مرتبة الضمير، والصحيح ما نسب إلى سيبويه أن المضاف في رتبة المضاف إليه، إلا المضاف إلى المضمر فإنه في رتبة العلم. وذهب المبرد إلى أن المضاف دون المضاف إليه مطلقا، فتحصل ثلاثة أقوال.
[ ١ / ٩٦ ]
"فصل في المضمر":
بفتح الميم الثانية "المضمر": اسم مفعول من أضمرته، إذا أخفيته وسترته، وإطلاقه على البارز توسع. "والضمير" بمعنى المضمر على حد قولهم: عقدت العسل فهو عقيد، أي: معقود، وهو اصطلاح بصري، والكوفية يسمونه كناية ومكنيًّا؛ لأنه ليس باسم صريح، والكناية تقابل الصريح، قال ابن هانئ: [من الطويل]
فصرح بمن تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللذات من دونها ستر١
فالضمير والكناية بالاصطلاحين "اسْمًا لما وضع" لتعيين مسماه، وهو إما "لمتكلم، كـ: أنا"، بزيادة الألف عند البصريين، وبأصالتها عند الكوفيين، "أو المخاطب كـ: أنت"، بزيادة التاء عند البصريين، وبأصالتها عند بعض الكوفيين، "أو الغائب كـ: هو"، بتمامها عند البصريين، والهاء وحدها عند الكوفيين، وإليه أشار في النظم بقوله:
٥٤-
فما لذي غيبة أو حضور كأنت وهو سم بالضمير
"أو لمخاطب تارة ولغائب أخرى، وهو" ثلاثة "الألف والواو والنون"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٩-
وألف والواو والنون لما غاب وغيره
وأراد بغيره المخاطب "كقوما" للمخاطبين، "وقاما" للغائبين، "وقوموا وقاموا، وقمن" يا هندات، والهندات قمن. "وينقسم" الضمير "إلى بارز؛ وهو ما له صورة في اللفظ" به كتاء: قمت"، وكاف "أكرمك"، وهاء "غلامه"، فكل من التاء والكاف والهاء يلفظ بصورته. "وإلى مستتر وهو بخلافه"، أي: بخلاف البارز، وهو ما ليس له صورة في اللفظ، بل ينوى "كا" لضمير "لمقدر في" أقوم، و"قم"، فيقدر في "أقوم" أنا، وفي "قم" أنت. ولم تضع العرب لهما لفظًا يعبر به عنهما، ولكن لضيق العبارة عبر عنهما بلفظ الضمير المنفصل، تعليمًا للمبتدئين، وليس هما إياهما على الحقيقة.
_________________
(١) ١ البيت لأبي نواس من خمرية في ديوانه ص٢٨، وبلا نسبة في تزيين الأسواق ص٤٠٩.
[ ١ / ٩٧ ]
"وينقسم البارز إلى:
متصل" بعامله، "وهو ما لا يفتتح به النطق، ولا يقع بعد: إلا كياء: ابني، وكاف: أكرمك، وهاء: سليه ويائه"، وهذا معنى قول الناظم:
٥٥-
وذو اتصال منه ما لا يبتدا ولا يلي إلا اختيارا أبدا
٥٦-
كالياء والكاف من ابني أكرمك والياء والهاء من سليه ما ملك
وشملت هذه الأمثلة أنواع الضمير الثلاثة؛ من المتكلم والمخاطب والغائب، ومحاله الثلاثة؛ من الرفع والنصب والجر، فالياء من ابني للمتكلم، ومحلها جر، والكاف من أكرمك للمخاطب، ومحلها نصب، والياء من سليه للمخاطبة، ومحلها رفع على الفاعلية. والهاء من سلنيه للغائب، ومحلها نصب على المفعولية، والحاصل أن الياء والكاف والهاء لا يبتدأ بشيء من منها، ولا تقع بعد إلا، "وأما قوله": [من البسيط]
٥٢-
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا "أن لا يجاورنا إلاك ديار"
"فضرورة"، والقياس: إلا إياك، ولكنه اضطر فحذف "إيا" وأبقى "الكاف"، أو أوقع المتصل موقع المنفصل، و"ما" الأولى نافية، و"ما" الثانية زائدة؛ لا مصدرية؛ لأن "إذا" الشرطية مختصة بالجمل الفعلية، و"نبالي": من المبالاة؛ بمعنى الاكتراث، و"جارتنا": خبر "كان"، من الجوار، و"أن": مصدرية، و"ديار": بمعنى أحد، فاعل "يجاورنا"، وأن وصلتها: مفعول "نبالي"، وهي مفرد لا جملة، و"إلا": حرف إيجابي، والكاف في موضع نصب على الاستثناء لتقدمه على المستثنى منه وهو ديار، والمعنى: إذا كنت جارتنا فلا نكترث بعدم مجاورة أحد غيرك. وأجاز ابن الأنباري وقوع المتصل بعد "إلا" مطلقا، ومنعه المبرد مطلقا؛ وأنشد مكان "إلاك" "سواك"، ويحتاج إلى الجواب عن قول الشاعر: [من الطويل]
٥٣-
أعوذ برب العرش من فئة بغت علي فما لي عوض إلاه ناصر
فأوقع الهاء المتصلة موقع "إياه".
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٢٩، وأمالي ابن الحاجب ص٣٨٥، وأوضح المسالك ١/ ٨٣، وتخليص الشواهد ص١٠٠، وخزانة الأدب ٥/ ٢٧٨، ٢٧٩، ٣٢٥، والخصائص ١/ ٣٠٧، ٢/ ١٩٥، والدرر ١/ ٨٤، وشرح الأشموني ١/ ٤٨، وشرح شواهد المغني ٨٨٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٩٠، وشرح المفصل ٣/ ١٠١، ومغني اللبيب ٢/ ٤٤١، والمقاصد النحوية ١/ ٢٥٣، وهمع الهوامع ١/ ٥٧، وشرح ابن الناظم ص٣٤.
(٢) البيت بلا نسبة في الدرر ١/ ٨٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٨٩، والمقاصد النحوية ١/ ٢٥٥.
[ ١ / ٩٨ ]
"وإلى منفصل" عن عامله، "وهو" أي: المنفصل، "ما يبتدأ به" في النطق، "ويقع بعد: إلا" وذلك "نحو: أنا، تقول" في ابتداء النطق به: "أنا مؤمن، و" في وقوعه بعد "إلا" "ما قام إلا أنا"، وتقسيمه هنا البارز إلى متصل ومنفصل، لا ينافي تقسيمه المتصل إلى مستتر وبارز في باب العطف، لاختلاف المدركين، فإنه هنا ناظر إلى مواقعه من الإعراب، وهناك ناظر إلى صحة العطف على الضمير المرفوع، وظاهر صنعه أن كلا من المتصل والمنفصل أصل برأسه، وذهب بعضهم إلى أن المتصل أصل للمنفصل؛ محتجا بأن مبنى الضمائر على الاختصار، والمتصل أخصر من المنفصل.
"وينقسم" الضمير "المتصل بحسب مواقع الإعراب" من رفع ونصب وجر "إلى ثلاثة أقسام":
الأول: "ما يختص بمحل الرفع" فقط، "وهو خمسة": أحدها: "التاء" مضمومة كانت أو مفتوحة أو مكسورة "كقمت" بالحركات الثلاث. "و" ثانيها: "الألف" الدالة على اثنين أو اثنتين "كقاما" وقامتا. "و" ثالثها: "الواو" الدالة على جمع المذكر "كقاموا. و" رابعها: "النون" الدالة على جمع الإناث "كقمن. و" خامسها: "ياء المخاطبة" بناء على أنها ضمير، وهو قول سيبويه١، وخالفه الأخفش والمازني وزعما أنها حرف تأنيث٢، والفاعل ضمير مستتر، وتقع في الأمر "كقومي"، والمضارع كتقومين، وخرج بقيد المخاطبة ياء المتكلم، فإنها لا تكون في محل رفع أصلا.
"و" القسم الثاني من الأقسام الثلاثة: "ما هو مشترك بين محل النصب والجر فقط، وهو ثلاثة": أحدها: "ياء المتكلم نحو: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥]، فالياء من "ربي" في محل جر بإضافة "رب" إليها، وفي "أكرمني" في محل نصب على المفعولية بـ"أكرم". "و" ثانيها: "كاف المخاطب" بفتح الطاء "نحو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] فالكاف من "ودعك" في محل نصب على المفعولية، ومن "ربك"
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ١٥٥. ٢ قال السيوطي: إن النون والألف والواو والياء؛ حروف علامات؛ كتاء التأنيث في "قامت"، لا ضمائر، والفاعل ضمير مستكن في الفعل، وعليه المازني؛ ووافقه الأخفش في الياء، وشبهة المازني أن الضمير لما استكن في فعل وفعلة؛ استكن في التثنية والجمع، وجيء بعلامات للفرق؛ كما جيء بالتاء. وشبهة الأخفش أن فاعل المضارع المفرد لا يبرز؛ بل يفرق بين المؤنث والمذكر بالتاء أول الفعل في الغيبة، ولما كان الخطاب بالتاء في الحالين احتيج إلى الفرق، فجعلت الياء علامة للمؤنث. انظر حاشية يس ١/ ٩٩.
[ ١ / ٩٩ ]
في محل جر بإضافة "رب" إليها. "و" ثالثها: "هاء الغائب نحو: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧] فالهاء من "له" و"صاحبه" في محل جر؛ في الأول باللام، وفي الثاني بالإضافة، وفي "يحاوره" في محل نصب على المفعولية بـ"يحاوره" وذلك داخل تحت قول الناظم:
٥٧-
ولفط ما جر كلفظ ما نصب
"و" القسم الثالث من الأقسام الثلاثة: "ما هو مشترك بين" المحال "الثلاثة"، محل الرفع ومحل النصب ومحل الجر، "وهو "نا" خاصة" بشرطين: اتحاد المعنى والاتصال "نحو: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣] فـ"نا" في "ربنا" في محل جر، بإضافة "رب" إليها، وفي "إننا" في محل نصب بـ"إن"، وفي "سمعنا" في محل رفع على الفاعلية بـ"سمع"، ونظير ذلك قول الناظم:
٥٨-
كاعرف بنا فإننا نلنا
"وقال بعضهم" وهو أبو حيان معترضا على الناظم في وقوله:
٥٨-
للرفع والنصب وجر نا صلح
"لا يختص ذلك بكلمة "نا" بل "الياء" وكلمة "هم" كذلك"، فإنهما يقعان في المحال الثلاثة، "لأنك تقول" في الياء في الرفع: "قومي، و" في النصب: "أكرمني، و" في الجر: "غلامي، و" تقول في "هم" في الرفع: "هم فعلوا، و" في النصب: "أنهم، و" في الجر: "لهم مال. و" رده المتأخرون فقالوا: "هذا" النقص "غير سديد" بالسين المهملة؛ لأن المدعى أن يكون الضمير في الأحوال الثلاثة متحد المعنى ومتصلا، وما أورده ليس كذلك، "لأن ياء المخاطبة غير ياء المتكلم"، بدليلين:
أحدهما: أن "ياء المخاطبة" مختلف في اسميتها، و"ياء المتكلم" لم يختلف فيها، والمختلف فيه غير المتفق عليه.
والثاني: أن "ياء المخاطبة" موضوعة للمؤنث، و"ياء المتكلم" موضوعة للمذكر، و"ما" للمؤنث غير "ما" للمذكر، "و" لأن الضمير "المنفصل غير" الضمير "المتصل" ضرورة، فانتفى الإيراد وثبت المراد.
"وألفاظ الضمائر كلها مبنية" وجوبا، وذلك مفهوم من قول الناظم:
٥٧-
وكل مضمر له البنا يجب
واختلف في سبب بنائها، فقيل: شبه الحرف في المعنى؛ لأن كل مضمر
[ ١ / ١٠٠ ]
مضمن معنى التكلم أو الخطاب أو الغيبة، وهي من معاني الحروف، وقيل: شبه الحرف في الوضع؛ لأن أكثر المضمرات على حرف واحد أو حرفين، وحمل الأقل على الأكثر، وقيل: شبه الحرف في الافتقار؛ لأن المضمر لا تتم دلالته على مسماه إلا بضميمة مشاهدة أو غيرها، وقيل: شبه الحرف في الجمود، وقيل: اختلاف صيغه لاختلاف معانيه، وقيل غير ذلك. ولا يختص الإبراز بضمير بعينه بل يكون في ضمير الرفع والنصب والجر، "ويختص الاستتار بضمير الرفع" فقط. "وينقسم المستتر إلى قسمين: مستتر وجوبا، وهو" المقتصر عليه في النظم بقوله:
٦٠-
ومن ضمير الرفع ما يستتر
بقرينة تمثيله بقوله:
٦٠-
كأفعل أو افق نغتبط إذ تشكر
وضابط واجب الاستتار "ما لا يخلفه" في مكانه اسم ظاهر، ولا "ضمير منفصل، وهو المرفوع بأمر الواحد" المذكر "كـ: قم"، واستخرج بخلاف المرفوع بأمر الواحدة والمثنى والجمع، فإنه يبرز في الجميع نحو: قومي وقوما وقوموا وقمن، "أو" المرفوع "بمضارع مبدوء بتاء خطاب الواحد كـ: تقوم"، وتستخرج بخلاف المبدوء بتاء الغائبة، نحو: هند تقوم، فإن استتاره جائز لا واجب، وبخلاف المبدوء بتاء خطاب الواحدة والتثنية والجمع، فإنه يبرز في الجميع، نحو: تقومين وتقومان وتقومون وتقمن، "أو" المرفوع "بمضارع مبدوء بالهمزة كـ"أقوم" وأستخرج، "أو" المرفوع بمضارع مبدوء "بالنون كـ: تقوم" ونستخرج، "أو" المرفوع "بفعل استثناء كـ: خلا، وعدا" وليس، "ولا يكون، في نحو قولك": القوم "قاموا ما خلا زيدا، وما عدا عمرا"، وليس بكرا، "ولا يكون زيدا"، ففي خلا وعدا وليس ولا يكون ضمير مستتر وجوبا مرفوع عائد على البعض المفهوم من كله السابق، أو على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، "أو" المرفوع "بأفعل في التعجب، أو بأفعل" في "التفضيل"، فالأول "كـ: ما أحسن الزيدين"، بفتح الدال وكسرها، "و" الثاني نحو: " ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾ [مريم: ٧٤] ففي "أحسن" فيهما ضمير مرفوع على الفاعلية مستتر وجوبا، و"أثاثا" تمييز، "أو" المرفوع "باسم فعل غير ماض كـ: أوه" بمعنى أتوجع، "ونزال" بمعنى انزل، أو المرفوع بالمصدر النائب عن فعله نحو: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] فجميع هذه الأمثلة لا ترفع الاسم الظاهر، ولا الضمير البارز، إلا "أفعل" التفضيل،
[ ١ / ١٠١ ]
فإنه قد يرفع الظاهر في مسألة "الكحل" عند جميع العرب" ويرفع الضمير البارز على لغة، نحو: "مررت برجل أفضل منه أنت" إذا لم يعرب "أنت" مبتدأ، وعلى هذا فعد "أفعل" التفضيل من أمثلة ما يستتر فيه الضمير وجوبا يشكل على الضابط المذكور. "و" ينقسم "إلى مستتر جوازا، وهو ما يخلفه ذلك" الظاهر أو الضمير المنفصل، "وهو" الضمير "المرفوع بفعل الغائب، أو" بفعل "الغائبة، أو الصفات المحضة"، وهي الخالصة من شائبة الاسمية، "أو اسم الفعل الماضي"، فالمرفوع بفعل الغائب "نحو: زيد قام، و" بفعل الغائبة نحو: "هند قامت" أو تقوم، "و" بالصفات المحضة، وهي: إما اسم فاعل نحو: "زيد قائم، أو" اسم مفعول نحو: زيد "مضروب، أو" صفة مشبهة نحو: زيد "حسن"، أو أمثلة المبالغة نحو: زيد ضراب أو مضراب أو مضروب أو ضريب أو ضرب، "و" باسم الفعل الماضي نحو: زيد "هيهات"، أي: بعد. فالضمير في هذه الأمثلة وما أشبهها مستتر جوازا، وإذا برز انفصل، تقول: "زيد قام هو" وكذا الباقي، والدليل على جواز ذلك أنه يخلفه الظاهر أو الضمير المنفصل، "ألا ترى أنه يجوز" في الفصيح: "زيد قام أبوه"، فيخلفه الظاهر وهو "أبوه"، "أو: ما قام إلا هو"، فيخلفه الضمير المنفصل الواقع بعد "إلا"، "وكذا الباقي" من الأمثلة المذكورة بلا فرق. وهذا الحكم جار في الضمير المنتقل إلى الظرف. وعديله، إذا وقعا صفة أو صلة أو خبرا أو حالا، نحو: "مررت برجل أمامك" وفي مجلسك"، و"جاء الذي عندك، أو في الدار"، و"زيد خلفك، أو في المسجد" و"جاء زيد فوق فرس، أو على حمار"، وقد يجب إبراز الضمير المستتر إذا جرى رافعه على غير من هو له، نحو: غلام زيد ضاربه هو.
"تنبيه: هذا التقسيم" للضمير إلى مستتر وجوبا وجوازا "تقسيم ابن مالك" في التسهيل١ وغيره، "وابن يعيش" في شرح المفصل٢، "وغيرهما" من النحويين، ووافقهما الموضح في شرح القطر٣، وخالفهم هنا فقال: "و" هذا التقسيم "فيه نظر الاستتار" للضمير "في" "قام" من "نحو: زيد قام" واجب"، لا يجوز إبرازه متصلا، "فإنه" لو برز وجب انفصاله فيقال: "قام هو" و"لا يقال: "قام هو" على الفاعلية"، بل على التوكيد لذلك المستتر، "وأما" خلف الظاهر له أو الضمير المنفصل،
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ١٦٦. ٢ شرح المفصل ٣/ ١٠٨-١٠٩. ٣ شرح قطر الندى ص٩٤.
[ ١ / ١٠٢ ]
ففي غير تركيبه، فـ"زيد قام": تركيب أسند فيه القيام إلى ضمير "زيد" من غير حصر، وأما "زيد قام أبوه، أو: ما قام إلا هو، فتركيب آخر" أسند فيه القيام إلى سببي زيد، وإلى ضميره المحصور بـ"إلا". هذا تقرير كلامه وفيه أمران:
أحدهما: أن قوله: "فتركيب آخر" يوهم أن ابن مالك وابن يعيش وغيرهما قائلون بأن نحو: "زيد قام هو" و"زيد قام أبوه" تركيب واحد مع اختلاف المسند إليه، ولا يظن بهم ذلك، إلا أن يقع النظر عن خصوصية المسند إليه.
والثاني: أنه نفى أن يقال: "قام هو" على الفاعلية، والمنقول عن سيبويه أنه أجاز في "هو" من نحو قوله تعالى: ﴿أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أن يكون فاعلا، وأن يكون توكيدا، ونقل المرادي عنه أيضا في شرح التسهيل أنه أجاز في "هو" من نحو: "مررت برجل مكرمك هو" أن يكون فاعلا، وأن يكون توكيدا. وكذلك إذا جرى الوصف على غير من هو له، وأبرز الضمير يكون فاعلا بالاتفاق عند البصريين والكوفيين، والنظر الجيد أن يقال: ما ذهب إليه ابن مالك وابن يعيش وغيرهما مشكل؛ لأنه لا يخلو إما أن يريدوا بجواز الاستتار أنه يجوز إبراز الضمير متصلا أو منفصلا، والأول متعذر، والثاني مخالف لما أصلوه من القواعد، وهو أنه إذا أمكن الاتصال لا يعدل عنه إلى الانفصال، إلا فيما يستثنى، وليس هذا منه، "والتحقيق" في التقسيم "أن يقال: ينقسم العامل إلى ما لا يرفع، إلا الضمير المستتر كـ"أقوم" وقم، "وإلى ما يرفعه، وغيره"، أي: الظاهر "كـ: قام" وهيهات، "وينقسم" الضمير "المنفصل بحسب مواقع الإعراب" الثلاثة "إلى قسمين":
أحدهما: "ما يختص بمحل الرفع" لا يتجاوزه إلى غيره، "وهو: أنا" للمتكلم، "وأنت" بفتح التاء للمخاطب، "وهو" للغائب وفروعهن، "ففرع أنا" واحد فقط، وهو "نحن"؛ لأن المتعدد فرع المفرد، "وفرع أنت" بفتح التاء أربعة وهي: "أنت" بكسر التاء، "وأنتما، وأنتم، وأنتن"؛ لأن المؤنث فرع المذكر، والمثنى والجمع فرع المفرد، "وفرع هو" أربعة أيضا وهي: "هي وهما وهم وهن"، وتعليله ما تقدم.
تنبيه: المختار في "أنا" أن الضمير هو الهمزة والنون فقط، والألف زائدة لبيان الحركة. ومذهب الكوفيين أنه الأحرف الثلاثة١، واختاره ابن مالك٢، وفي
_________________
(١) ١ انظر شرح المفصل ٣/ ٩٣. ٢ شرح التسهيل ١/ ١٣٤.
[ ١ / ١٠٣ ]
"أنت" وفروعه أن الضمير نفس "أن" عند البصريين، واللواحق لها حروف خطاب١. وذهب الفراء إلى أن "أنت" بكماله هو الضمير، وذهب ابن كيسان إلى أن "التاء" هي الضمير، وهي التي في: "فعلت" وكسرت بـ"أن".
وفي "هو وهي" الجميع ضمير، وهو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن الضمير هو الهاء فقط، والواو والياء إشباع، وفي "هما وهم" الضمير "الهاء" وحدها٢. وحكي عن الفارسي أنه المجموع، وفي "هن" الهاء وحدها، والنون الأولى كالميم في "هم"، والثانية كالواو في "هو".
"و" القسم الثاني "ما يختص بمحل النصب لا يتجاوزه إلى غيره، "وهو إيا" بتشديد الياء المثناة، تحت حال كونه "مردفا بما يدل على المعنى المراد" من تكلم وخطاب وغيبة وتذكير وتأنيث وإفراد وتثنية وجمع، "نحو: "إياي" للمتكلم" وحده، "و: إياك، للمخاطب" المذكر، "و: إياه، للغائب" المذكور، هذه الثلاثة هي الأصول، "وفروعها" تسعة، ففرع إياي: "إيانا" لا غير، "و" فرع "إياك" بفتح الكاف؛ أربعة: "إياك" بكسر الكاف، "وإياكما، وإياكم، وإياكن. و" فرع إياه أربعة أيضا: "إياها، وإياهما، وإياهم، وإياهن"، على ما تقدم من التعليل، وفي بعض النسخ بإسقاط العاطف.
"تنبيه: المختار" من الخلاف "أن الضمير نفس: إيا" فقط، "وأن اللواحق لها حروف تكلم وخطاب وغيبة"، وهو مذهب سيبويه٣. واستشكل بأن الضمير ما دل على متكلم أو مخاطب أو غائب، و"إيا" على حدتها لا تدل على ذلك، وأجيب بأنها وضعت مشتركة بين المعاني الثلاثة، فعند الاحتياج إلى التمييز أردفت بحروف تدل على المعنى المراد، كما أردف الفعل المسند إلى المؤنث بناء التأنيث ومقابل المختار مذاهب:
أحدها: ما ذهب إليه بعض البصريين وجمع من الكوفيين واختاره أبو حيان، أن اللواحق هي الضمائر، وكلمة "إيا" عماد٤، أي: زيادة يعتمد عليها لواحقها، ليتميز الضمير المنفصل من المتصل.
_________________
(١) ١ شرح المفصل ٣/ ٩٣، ٩٥. ٢ ذكر الأنباري آراء الكوفيين والبصريين في الإنصاف ٢/ ٦٧٧، المسألة رقم ٩٦: " الحروف التي وضع عليها الاسم في هو وهي". وانظر شرح المفصل ٣/ ٩٥-٩٧. ٣ الكتاب ٢/ ٣٥٥، وانظر شرح المفصل ٣/ ٩٨-٩٩. ٤ الإنصاف ٢/ ٦٩٥، المسألة رقم ٩٧: "الضمير في إياك وأخواتها".
[ ١ / ١٠٤ ]
والثاني: ما ذهب إليه الخليل وجمع، واختاره ابن مالك، أن "إيا" ضمير إلى ما بعده، وأن ما بعده ضمير أيضا في محل خفض بإضافة "إيا" إليه١.
والثالث: ما ذهب إليه الزجاج أن "إيا" اسم ظاهر لا ضمير، واللواحق له ضمائر، أضيف "إيا" إليها، فهي في محل خفض بالإضافة. وهذه الضمائر الأربعة والعشرون ضميرا من المرفوعة والمنصوبة المنفصلة مستفادة من قول الناظم:
٦١-
وذو ارتفاع وانفصال أنا هو وأنت والفروع لا تشتبه
٦٢-
وذو انتصاب في انفصال جعلا إياي والتفريع ليس مشكلا
وجملة الضمائر البارزة ستون ضميرا؛ وذلك لأن البارز إما متصل أو منفصل، مرفوع ومنصوب ومجرور، والمنفصل مرفوع ومنصوب فقط، فهذه خمسة أقسام، ثلاثة للمتصل واثنان للمنفصل، ولكل من هذه الخمسة اثنتا عشرة لفظة: واحدة للمتكلم وحده، وواحدة له ولمن معه، وخمس للمخاطب: واحدة للمذكر، وواحدة للمؤنث، وواحدة لمثنييهما، وواحدة لجمع المذكر، وواحدة لجمع المؤنث، وخمس للغائب كذلك، وإذا ضربنا خمسا في اثني عشر خرج منها ستون.
أمثلة المرفوع المتصل: قُمْتُ؛ قُمنا؛ قُمتِ؛ قُمتما؛ قُمتم؛ قُمتُنّ؛ قامَ؛ قامَتْ؛ قامَا؛ قاموا؛ قُمْنَ.
أمثلة المنصوب المتصل: أكْرَمَنِي؛ أكْرَمَنا؛ أكْرَمَكَ؛ أكْرَمَكِ؛ أكْرَمَكُما؛ أكرمَكُم؛ أكرَمَكُنّ؛ أكرَمَهُ؛ أكرَمَهَا؛ أكْرَمَهُما؛ أكْرَمَهُم؛ أكرَمَهُنّ.
أمثلة المخفوض؛ ولا يكون إلا متصلا؛ غلامي لي؛ غلامنا لنا؛ غلامكَ لكَ؛ غلامكِ لكِ؛ غلامكما لكما؛ غلامكم لكم؛ غلامكنَ لكنَ؛ غلامه له؛ غلامها لها؛ غلامهما لهما؛ غلامهم لهم؛ غلامهنّ لهنّ.
وتقدمت أمثلة المرفوع المنفصل والمنصوب المنفصل في كلام الموضح، فلم أحتج لسردها مرة ثانية. فهذه الستون متفق عليها، وزاد سيبويه في ضمائر الرفع المتصلة: ياء المخاطبة في: تقومين وقومي، وخالف الأخفش والمازني ذاهبين إلى أنها حرف تأنيث، والفاعل مستتر، كما يستتر ضمير المفرد في: تقوم وقم، وقد تقدم ما فيه.
_________________
(١) ١ انظر رأي الخليل في الإنصاف ٢/ ٦٩٥: والكتاب ١/ ٢٧٩، واستشهد الخليل بقولهم: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب".
[ ١ / ١٠٥ ]
"فصل":
القاعدة لغة: الأساس، واصطللاحا: حكم كلي منطبق على جميع جزئياته لتتعرف أحكامها منه. وهي هنا "أنه متى تأتي" وأمكن "اتصال الضمير لم يعدل إلى انفصاله"؛ لأن وضع الضمير على الاختصار؛ والمتصل أخصر من المنفصل "فنحو: قمت" بضم التاء "وأكرمتك، لا يقال فيهما: قام أنا؛ ولا أكرمتك إياك"؛ لأن التاء أخصر من "أنا" والكاف أخصر من "إياك"، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٦٣-
وفي اختيار لا يجيء المنفصل إذا تأتى أن يجيء المتصل
"فأما قوله" وهو زياد بن حمل التميمي: [من البسيط]
٥٤-
وما أصاحب من قوم فأذكرهم
أي: قومي.
٥٤-
"إلا يزيدهم حبا إلي هم"
فأوقع الضمير المرفوع المنفصل مكان المرفوع المتصل، "وقوله" وهو الفرزدق: [من البسيط]
٥٥-
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت "إياهم الأرض في دهر الدهارير"
فأوقع الضمير المنصوب المنفصل مكان المنصوب المتصل، "فضرورة" فيهما، ومعنى البيت الأول على ما قاله ابن كيسان: ما صحبت قوما بعد قومي؛ فذكرت لهم
_________________
(١) البيت لزياد بن منقذ في خزانة الأدب ٥/ ٢٥٠، ٢٥٥، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٧١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٣٩٢، وشرح شواهد المغني ١/ ١٣٥، ١٣٧، ٤٢٨، وشرح المفصل ٧/ ٢٦، والشعر والشعراء ٢/ ٧٠١ ومعجم الشعراء ص٤٠٩، والمقاصد النحوية ١/ ٢٥٦، ولبدر بن سعيد أخي زياد "أو المرار" في الأغاني ١٠/ ٣٣٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٩٠، وتخليص الشواهد ص٨٣، وشرح ابن الناظم ص٣٨، وشرح الأشموني ١/ ٥١، ومغني اللبيب ١/ ١٤٦.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٢١٤، وخزانة الأدب ٥/ ٢٨٨، ٢٩٠، والدرر ١/ ٩٨، والمقاصد النحوية ١/ ٢٧٤، ولأمية بن أبي الصلت في الخصائص ١/ ٣٠٧، ٢/ ١٩٥، ولم أقع عليه في ديوانه، ولأمية أو للفرزدق في تخليص الشواهد ص٨٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٢٩، والأغاني ١٠/ ٣٢٣، والإنصاف ٢/ ٦٩٨، وأوضح المسالك ١/ ٩٢، وتذكرة النحاة ٤٣، وشرح ابن عقيل ١/ ١٠١، ١٠٨ وشرح ابن الناظم ص٣٨، وهمع الهوامع ١/ ٦٢.
[ ١ / ١٠٦ ]
قومي؛ إلا بالغوا في الثناء عليهم، حتى يزيدوا قومي حبًّا إلَيّ، ويدل عليه أنه وجد في أصل قصيدته:
لم ألق بعدهم حيًّا فأخبرهم إلا
إلى آخره. و"هم" الأولى مفعول أول ليزيد، و"حبًّا" مفعوله الثاني، و"هم" الثانية، آخر البيت: فاعل يزيد، والأصل: يزيدون، فعدل عن الواو إلى هم للضرورة. وقال ابن مالك: "الأصل: إلا يزيدون أنفسهم، فحذف المضاف، وفصل ضمير الفاعل". قال الموضح في المعنى: وحامله على ذلك ظنه أن الضميرين لمسمى واحد، وليس كذلك، فإن مسمى "الواو" المصاحبون ثانيًا، ومسمى "هم" المصاحبون أولًا. ومراده: أنه ما يصاحب قومًا بعد قومه فيذكر قومه لهم، إلا ويزيد هؤلاء القوم قومه حبًّا إليه؛ لما يسمعه من ثنائهم عليهم. ويجوز في: "فأذكرهم" النصب في جواب النفي، والرفع بالعطف على "أصاحب". قاله الموضح في شرح الشواهد.
و"الباء" في قول الفرزدق: "بالباعث" متعلقة بـ"حلفت" في بيت قبله١. والباعث: هو الذي يبعث الأموات ويحييهم. والوارث: هو الذي ترجع إليه الأملاك؛ بعد فناء الملاك. والأموات: إما مجرور بإضافة الباعث والوارث إليه، على حد قولهم٢: [من المنسرح]
بين ذراعي وجبهة الأسد
أو منصوب "بالوارث"، على أن الوصفين تنازعاه، وأعمل الثاني. وضمنت؛ بكسر الميم مخففة: بمعنى تضمنت، أي: اشتملت عليهم، أو بمعنى تكلفت بأبدانهم. والأرض: فاعل "ضمنت"، و"إياهم": مفعوله، والقياس اتصاله، ولكنه فصل للضرورة. والدهر: الزمان، و"الدهارير"، بمعنى الشدائد: مضاف إليه.
_________________
(١) ١ وهو قوله: "إني حلفت ولم أحلف على فند فناء بيت من الساعين معمور". انظر ديوان الفرزدق ١/ ٢١٤، والدرر ١/ ٩٩. ٢ صدر البيت: "يا من رأى عارضا أُسَرُّ به" ، وهو الفرزدق في ديوانه ص٢١٥ "طبعة الصاوي"، وخزانة الأدب ٢/ ٣١٩، ٤/ ٤٠٤، ٥/ ٢٨٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٩، وشرح المفصل ٣/ ٢١، والكتاب ١/ ١٨٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٥١، والمقتضب ٤/ ٢٢٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ١٠٠، ٢/ ٢٦٤، ٣٩٠، وتخليص الشواهد ص٨٧، وخزانة الأدب ١٠/ ١٨٧، والخصائص ٢/ ٤٠٧، والدرر ١/ ٩٩، ورصف المباني ص٣٤١، وسر صناعة الإعراب ص٢٩٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣٦٦، وشرح عمدة الحافظ ص٥٠٢، ومغني اللبيب ٢/ ٣٨٠، ٦٢١.
[ ١ / ١٠٧ ]
"و" إذا لم يتأتّ الاتصال وجب الانفصال، "مثال ما لم يتأت فيه الاتصال أن" يرفع الضمير بمصدر مضاف إلى المنصوب نحو قوله: [من البسيط]
٥٦-
بنصركم نحن كنتم ظافرين
أو ينصب بمصدر مضاف إلى المرفوع نحو: " عجبت من ضرب الأمير إياك". فإن قالوا: يجوز: "ضربك الأمير"، قلنا: ويجوز: "بنصرنا إياكم" فما كان جوابهم فهو جوابنا١.
أو أن يرفع بصفة جرت على غير من هي له مطلقا عند البصريين، وبشرط خوف اللبس عند الكوفيين، نحو: "زيد عمرو ضاربه هو"، أو أن يحذف عامله؛ كقوله: [من الطويل]
٥٧-
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
أي: فإن ضللت لم ينفعك علمك.
وأن يكون عامله حرف نفي نحو: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] وأن يقع بعد واو المصاحبة كقوله: [من الطويل]
٥٨-
فآليت لا أنفك أحدو قصيدة تكون وإياهم بها مثلا بعدي
أو أن يفصله متبوع نحو: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] .
أو أن يلي "إما" المكسورة الهمزة المشددة الميم، نحو: إما أنا وإما أنت.
أو يلي اللام الفارقة٢، كقوله: [من الخفيف]
_________________
(١) تتمة البيت: " وقد أغرى العدى بكم استسلامكم فشلا" ،وهو بلا نسبة في الدرر ١/ ١٠٠، والمقاصد النحوية ١/ ٢٨٩، وهمع الهوامع ١/ ٦٣. ١ في حاشية يس ١/ ١٠٥: "قال الزرقاني: والجواب من الجهتين أن الكلام في ضمير الرفع الخاص بذلك، لا فيما يقع في محل رفع، ولا في المشترك"
(٢) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص٢٥٥، وخزانة الأدب ٣/ ٣٤، والدرر ١/ ١٠٢، وشرح الأشموني ١/ ١٨٨، وشرح شواهد المغني ١/ ١٥١، والمعاني الكبير ص١٢١١، والمقاصد النحوية ١/ ٨، ٢٩١، وهمع الهوامع ٢/ ١١٤، وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ٦٣.
(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ١/ ٢١٩، وخزانة الأدب ٨/ ١٥، ٥١٩، والدرر ١/ ١٠٣، ٤٨٠، وشرح شواهد الإيضاح ص١٨٠، والمقاصد النحوية ١/ ٢٩٥، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص٤٤، وهمع الهوامع ١/ ٦٣، ٢٢٠. ٢ أي: بين "أن" المخففة من الثقيلة والنافية. انظر الدرر ١/ ١٠٤.
[ ١ / ١٠٨ ]
٥٩-
إن وجدت الصديق حقا لإيا ك فمرني فلن أزال مطيعا
أو أن يكون منادى، نحو: يا إياك، ويا أنت.
أو أن ينصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع أن أتحدث رتبته، نحو: "ظننتني إياي"، وسيأتي.
أو أن "يتقدم الضمير على عامله، نحو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٤]، أو" يتأخر عن عامله "يلي إلا" لفظا، نحو: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] .
أو معنى، نحو: إنما قام أنا، "ومنه قوله" وهو الفرزدق: [من الطويل]
٦٠-
أنا الذائد الحامي الذمار "وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي"
"لأن" "أنا" ولي "إلا" في المعنى؛ لأن "المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا"، أو مماثلي في إحراز الكمالات. ولما كان غرضه أن يحصر المدافع لا المدافع عنه؛ فصل الضمير وأخره، ولو وصله وقال: وإنما أدافع عن أحسابهم، لصار المعنى: أنه يدافع عن أحسابهم؛ لا عن أحساب غيرهم. وذلك غير مقصود، ولا يصح حمله على الضرورة؛ لأنه كان يصح أن يقال: إنما أدافع عن أحسابهم أنا، على أن يكون "أنا" توكيدا، وليست "ما" موصولة، و"أنا" خبر إن، إذ لا ضرورة في العدول عن لفظ "من" إلى لفظ "ما"، وما نقل عن سيبويه من امتناع فصل الضمير بعد "إنما"؛ محمول على أنه لا يرى الحصر بـ"إنما"، وخولف في ذلك.
والذائد؛ بذال معجمة أوله؛ ومهملة آخره: من ذاد يذود: إذا منع، أو من الذود وهو الطرد. يقال: رجل ذائد أي: حامي الحقيقة، والحامي هنا تفسير للذائد، وهو اسم فاعل من الحماية، وهي الدفع، والذمار؛ بكسر الذال المعجمة وتخفيف الميم: وهو ما لزم الشخص حفظه مما وراءه ويتعلق به. والأحساب: جمع حسب؛ بفتح السين. "قال شَمَر: الحسب: الفعل الحسن للرجل ولآبائه؛ مأخوذ من الحساب، كأنهم يحسبون مناقبهم
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الدرر ١/ ١٠٣، والمقاصد النحوية ١/ ٣٠١، وهمع الهوامع ١/ ٦٣.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ٢/ ١٥٣، وتذكرة النحاة ص٨٥، والجنى الداني ص٣٩٧، وخزانة الأدب ٤/ ٤٦٥، والدرر ١/ ٩٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧١٨، ولسان العرب ١٥/ ٢٠٠ "فلا"، والمحتسب ٢/ ١٩٥، ومعاهد التنصيص ١/ ٢٦٠، ومغني اللبيب ١/ ٣٠٩، والمقاصد النحوية ١/ ٢٧٧، ولأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص٤٨، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١١١، ١١٤، ٧/ ٢٤٢، وأوضح المسالك ١/ ٩٥، ولسان العرب ١٣/ ٣١ "أنن"، وهمع الهوامع ١/ ٦٢، وتاج العروس "ما".
[ ١ / ١٠٩ ]
ويعدونها عند المفاخرة، فالحسب؛ بالسكون: العدد، وبالتحريك: الشيء المعدود على القياس في مثله". ا. هـ. قاله التجاني في تحفة العروس١.
"ويستثنى من هذه القاعدة" المذكورة، وهي أنه إذا تأتى اتصال الضمير لا يعدل إلى انفصاله "مسألتان"، ويجوز فيهما الانفصال مع تأتي الاتصال، وهما المشار إليهما في النظم بقوله:
٦٤-
وصل أو افصل هاء سلنيه وما أشبهه في كنته الخلف انتمى
٦٥-
كذاك خلتنيه
"إحداهما"؛ وهي الأولى في النظم: "أن يكون عامل الضمير" الجائز فيه الاتصال والانفصال، "عاملا في ضمير آخر أعرف منه مقدم عليه"، وهو مراد الناظم بقوله:
٦٦-
وقدم الأخص في اتصال
"وليس" المقدم "مرفوعا"، بأن كان منصوبا أو مجرورا، "فيجوز" حينئذ في الضمير الثاني "الوجهان" المتقدمان، وهما: الاتصال نظرا إلى الأصل؛ والانفصال هربا من توالي اتصالين في فضلتين. "ثم إن كان العامل" في الضميرين المذكورين "فعلا غير ناسخ"، كما في باب "أعطى"، "فالوصل أرجح" لكونه الأصل، ولا مرجح لغيره، ولذلك اقتصر عليه سيبويه٢ "كالهاء من" قولك لشخص في عبد: "سلنيه" أو ملكنيه، وكالكاف من قولك لعبدك: "زيد سألنيك"، ويجوز على مرجوح: سَلْني إياه ومَلِّكني إياه وسَأَلَني إياك ولكون الموصل أرجح لم يأت التنزيل إلا به، قال الله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨]، ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ [محمد: ٣٧]، كل ذلك من الوصل. "ومن الفصل" قوله ﷺ: "إن الله ملككم إياهم" ٣، ولو وصل لقال: "مَلَّكَكُمُوهم"، ولكنه فر من الثقل الحاصل من اجتماع الواو مع ثلاث ضمات، "وإن كان" العامل في الضميرين "اسما"، وكان أول الضميرين مجرورا، "فالفصل أرجح"، لاختلاف محلي الضميرين، سواء أكان الاسم العامل مصدرا، "نحو: عجبت من حبي إياه"، فـ"حب": مصدر مضاف إلى فاعله؛
_________________
(١) ١ تحفة العروس ص٥٧، باب تخير الرجل لنطفته. ٢ الكتاب ٢/ ٣٦٣. ٣ من شواهد شرح ابن الناظم ص٣٩.
[ ١ / ١١٠ ]
وهو ياء المتكلم، و"إياه": مفعوله. هذا من الفصل، "ومن الوصل قوله" في الحماسة: [من المتقارب]
٦١-
لئن كان حبك لي كاذبا "لقد كان حبيك حقا يقينا"
اللام في "لئن": موطئة للقسم، وفي "لقد": جواب القسم؛ هذا هو المعتمد؛ ولا التفات لغيره، وفي "لي" تقوية العمل المصدر في مفعوله؛ لكونه فرعا عن الفعل في العمل، و"حبك" الأول، بغير ياء، و"الكاف": مضاف إليها من إضافة المصدر إلى فاعله، و"حبيك" الثاني، بالياء، وفيه الشاهد، فإنه أتى معه الضمير الثاني، وهو "الكاف" متصلا، ولو فصله لقال: "حبي إياك"، أو كان الاسم العامل اسم فاعل، نحو: "عجبت من الموليك إياه"، ومن الوصل قوله: [من البسيط]
٦٢-
لا ترج أو تخش غير الله إن أذى واقيكه الله لا ينفك مأمونا
فأتى بالضمير الثاني متصلا، ولو فصله لقال: واقيك الله إياه.
"وإن كان" العامل في الضميرين "فعلا ناسخا" من باب ظن "نحو: خلتنيه، فالأرجح عند الجمهور الفصل"؛ لأنه خبر في الأصل، وحق الفصل قبل وجود الناسخ، فيترجح بعده، وهو المراد بقول الناظم:
٦٥-
غيري اختار الانفصالا
"كقوله": [من البسيط]
٦٣-
"أخي حسبتك إياه" وقد ملئت أرجاء صدرك بالأضغان والإحن
أخي: مفعول بفعل محذوف يفسره حسبتك، أو مبتدأ وما بعده خبره، على الوجهين في الاشتغال، لا منادى سقط منه حرف النداء، لفساد المعنى. والأرجاء: النواحي، جمع رجا كعصا، والأضغان: جمع ضغن؛ بكسر الضاد المعجمة؛ وهو: الحقد. والإحن؛ بكسر الهمزة وفتح الحاء المهملة؛ جمع إحنة؛ بكسر الهمزة وسكون الحاء؛ وهو:
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٩٧، وشرح الأشموني ١/ ٥٢، المقاصد النحوية ١/ ٢٨٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٩٦٢، وقيل البيت المستشهد به قوله: لئن كنت أوطأتني عشوة لقد كنت أصفيتك الود حينا وما كنت إلا كذي نهزة تبدل غثا وأعطى سمينا
(٢) البيت بلا نسبة في المقاصد النحوية ١/ ٣٠٨.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٩٩، وشرح ابن الناظم ص٤١، وشرح الأشموني ١/ ٥٣، والمقاصد النحوية ١/ ٢٨٦.
[ ١ / ١١١ ]
الحقد أيضا؛ فهو من باب عطف أحد المترادفين على الآخر. والشاهد في "حسبتك إياه"، حيث فصل الضمير الثاني، "و" الأرجح "عند الناظم والرماني وابن الطراوة الوصل"، وقد صرح بذلك الناظم فقال:
٦٥-
واتصالا أختار
وحجته أن الأصل الاتصال، وقد أمكن، وجاء به التنزيل، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٤٣]، وورد به الشعر "كقوله": [من البسيط]
٦٤-
"بلغت صنع امرئ بر إخالكه" إذ لم تزل لاكتساب الحمد مبتدرا
المسألة "الثانية" من المسألتين المستثناتين من القاعدة المذكورة "أن يكون" الضمير "منصوبا بكان أو إحدى أخواتها"، سواء أكان قبله ضمير أم لا١، وبذلك فارقت المسألة الأولى، "نحو: الصديق كنته، أو كأنه زيد"، فيجوز في الهاء الوجهان، الاتصال والانفصال، "وفي الأرجح من الوجهين الخلاف المذكور" في الترجيح في نحو: "خلتنيه" فالأرجح عند الجمهور الفصل، وعند الناظم والرماني وابن الطراوة الوصل٢، وتوجيههما مع سبق، وكلاهما ورد، "ومن ورود الوصل الحديث"، وهو قوله ﷺ لعمر ﵁ لما طلب أن يقتل ابن صياد حين أخبر بأنه الدجال: "إن يكنه فلن تسلط عليه" وأن لا يكنه فلا خبر لك في قتله"٣. "ومن ورود الفصل قوله" وهو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: [من الطويل]
٦٥-
"لئن كان إياه لقد حال بعدنا عن العهد" والإنسان قد يتغير
ثم شرع في محترزات القيود المتقدمة في المسألة الأولى، فقال: "ولو كان الضمير السابق في المسألة الأولى مرفوعا وجب الوصل نحو: ضربته"، ولا يجوز: ضربت إياه
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٠٠، وشرح الأشموني ١/ ٥٣، والمقاصد النحوية ١/ ٢٨٧. ١ يشترط لجواز الوجهين أن يكون المتقدم أعرف، وإلا فيجب الفصل؛ كما يفهم من قول الناظم: وقدم الأخص ٢ انظر المقتضب ٣/ ٩٨، وشرح التسهيل ١/ ١٥٤، وشرح ابن الناظم ص٣٩. ٣ أخرجه البخاري في الجنائز، باب ٧٨: إذا أسلم الصبي فمات برقم ١٢٨٩، وأخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن صياد، رقم ٢٩٣٠، ٢٩٣١، وهو من شواهد شرح ابن الناظم ص٣٩، وشرح الأشموني ١/ ٥٣.
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص٩٤، وتخليص الشواهد ص٩٣، وخزانة الأدب ٥/ ٣١٢، ٣١٣، وشرح المفصل ٣/ ١٠٧، والمقاصد النحوية ١/ ٣١٤ وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٠٢، وشرح ابن الناظم ص٤٠، وشرح الأشموني ١/ ٥٣، والمقرب ١/ ٩٥.
[ ١ / ١١٢ ]
لما تقدم، "ولو كان الضمير المتقدم" على الضمير الثاني "غير أعرف"، أي: غير أخص، "وجب الفصل"؛ لأنه مع الاتصال يجب تقديم الأخص، فمع تقديم غير الأخص يجب الانفصال، وهذا معنى قول الناظم:
٦٦-
وقدمن ما شئت في انفصال
"نحو: أعطاه إياك، أو" أعطاه "إياي"، فإن كلا من ضميري المخاطب والمتكلم أخص من ضمير الغائب، "أو أعطاك إياي"؛ لأن ضمير المتكلم أخص من ضمير الغائب، وأما قول عثمان ﵁: "أراهمني الباطل شيطانا"١ فنادر، والأصل: أراهم الباطل إياي شيطانا، والمعنى: أرى الباطل القوم أني شيطان. وأجاز المبرد٢ وكثير من القدماء تقديم غير الأخص مع الاتصال نحو: أعطيتهموك، ولكن الانفصال عندهم راجح، "ومن ثم" بفتح التاء المثلثة، أي: من هنا، أي: من أجل أنه يجب الفصل إذا تقدم غير الأعرف "وجب الفصل إذا اتحدت الرتبة"؛ بأن يكونا لمتكلم أو مخاطب أو غائب؛ لأنه يصدق أن المتقدم منهما غير أعرف، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٧-
وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا
وذلك "نحو" قول العبد لسيده: "مَلَّكتني إياي، و" قول السيد لعبده: "مَلَّكتُكَ إياك، و" قول السيد إذا أخبر شخصا أنه مَلَّك عبده نفسه: "مَلَّكتَه إياه"، أن شرط جواز الاتصال تقدم الأخص، "وقد يباح الوصل؛ إن كان الاتحاد في" ضميري "الغيبة، واختلف لفظ الضميرين" تذكيرا وتأنيثا، وإفرادا وتثنية وجمعا، وهو مراد الناظم بقوله:
٦٧-
وقد يبيح الغيب فيه وصلا
وفي بعض النسخ مع اختلاف ما "كقوله": [من الطويل]
٦٦-
لوجهك في الإحسان بسط وبهجة "أنالهماه قفو أكرم والد"٣
بسط، بمعنى بشاشة وطلاقة وجه مبتدأ تقدم خبره في المجرور باللام قبله. وبهجة؛ بمعنى
_________________
(١) ١ من شواهد شرح ابن عقيل ١/ ١٠٦. ٢ انظر رأي المبرد في شرح المفصل ٣/ ١٠٥.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٠٥، وتخليص الشواهد ص٩٧، وتذكرة النحاة ص٥٠، والدرر ١/ ١٠٤، وشرح ابن الناظم ص٤٢، وشرح الأشموني ١/ ٥٤، والمقاصد النحوية ١/ ٣٤٢، وهمع الهوامع ١/ ٦٣. ٣ في ط: "وارد" مكان "والد".
[ ١ / ١١٣ ]
حسن وسرور: معطوف على بسط. وأنال: فعل ماض متعد لاثنين؛ أولهما: ضمير التثنية الراجع إلى بسط وبهجة؛ وثانيهما: ضمير المفرد الراجع إلى الوجه، وأتى به متصلا، والأكثر: "أنالهما إياه" بالانفصال وقفو؛ بمعنى اتباع: فاعل "أنال". وأكرم: مضاف إليه.
واحترز بالغيبة من ضميري المتكلم؛ وضميري المخاطب، فإنه لا يكاد يصح فيهما الاختلاف المذكور؛ لاتحاد مدلولي الضميرين، فلا يقال: علمتناني، ولا: علمتنينا، ولا: ظننتكماك، وصح الاختلاف في ضميري الغيبية لصحة تعدد مدلوليهما، نحو: جارية زيد أعطيتهاه وأعطيتهوها، واحترز باختلاف لفظ الضميرين من أن لا يختلف لفظهما، فلا بد من الفصل، نحو: مال زيد أعطيته إياه.
[ ١ / ١١٤ ]
"فصل":
قد مضى في تقسيم الضمير بحسب مواقع الإعراب "أن ياء المتكلم من الضمائر المشتركة بين محل النصب والخفض"، فتنصب بواحد من ثلاثة: فعل واسم فعل وحرف، وتخفض بواحد من اثنين: حرف واسم، وهذه العوامل على قسمين: ما تمتنع معه نون الوقاية، وما تلحقه، فالذي تلحقه نون الوقاية على أربعة أحوال: وجوب وجواز بتساوي رجحان الثبوت ورجحان الترك، "فإن نصبها فعل أو اسم فعل أو ليت، وجب قبلها نون الوقاية"؛ لنفي الفعل أو شبهه من نظير ما لا يدخله، وهو الكسر الشبيه بالجر، ولتقي ما بني على الأصل وهو السكون من الخروج عن ذلك الأصل. "فأما الفعل فنحو: دعاني" في الماضي، "و: يكرمني" في المضارع، "و: أعطني" في الأمر، وهذه الثلاثة ملازمة للفعلية، "وتقول" فيما تردد بين الفعلية والحرفية: "قام القوم ما خلاني وما عداني وحاشاني"، بنون الوقاية "إن قدرتهن أفعالا"، فإن قدرتهن أحرف جر و"ما" زائدة؛ أسقطت النون، وتقدير الفعلية هو الراجح، فتثبت النون. "قال": [من الطويل]
٦٧-
"تمل الندامي ما عداني فإنني" بكل الذي يهوي نديمي مولع
والندامي: جمع ندمان، وهو نديم الرجل في الشرب، مرفوع على النيابة عن الفاعل بـ"تمل"، ومولع؛ بفتح اللام؛ بمعنى: بمعنى: مغرَّى، خبر "إن"، والمعنى: تمل الندامى مللا مجاوزا إلى غيري، وأما أنا فلا أمل؛ فإنني مغرى بكل ما يهواه نديمي.
"وتقول" في المختلف فيه بين الاسمية والفعلية والأصح الفعلية، "ما أفقرني إلى عفو الله، وما أحسنني إن اتقيت الله"، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والمثال الأول شاذ، والثاني منقاس.
"و" تقول في المختلف فيه بين الفعلية والحرفية، والأصح الفعلية: قام القوم ليسني، "قال بعضهم" وقد بلغه أن إنسانا يهدده: "عليه رجلا ليسني"، حكاه سيبويه عن بعض العرب١. فـ"عليه": اسم فعل بمعنى الأمر، و"رجلا": مفعول به،
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٠٧، والجنى الداني ص٥٦٦، وجواهر الأدب ص٣٨٢، والدرر ١/ ٥٠١، وشرح الأشموني ١/ ٢٣٠، وشرح شذور الذهب ص٢٦٢، وشرح التسهيل ٢/ ٣٠٧، والمقاصد النحوية ١/ ٣٦٣، و٣/ ١٣٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٣. ١ الكتاب ٢/ ٣٩٥، واستشهد به ابن الناظم في شرحه ص٣٩.
[ ١ / ١١٥ ]
و"ليس": فعل ماض؛ واسمه مستتر فيه عائد على رجل، وياء المتكلم خبره، "أي: ليلزم رجلا غيري"، وهذا مبني على جواز إغراء الغائب، وهو شاذ؛ لأنه ليس أمره بفعل وضع للأمر، بل بفعل مقرون بلام الأمر، كما أن النهي بفعل مقرون بـ"لا"، فكما أن أسماء الأفعال لا تكون نائبة عن فعل مقرون بحرف النهي؛ لا تكون نائبة عن فعل مقرون بحرف الأمر؛ لأن الفعل والحرف مختلفا الجنس، فلا ينبغي أن ينوب عنهما الاسم، وما ذكره من لزوم النون في نحو: "ما أحسنني" هو قول البصري، وهو مبني على أن "أفعل" في التعجب فعل ماض، "وأما تجويز الكوفي: ما أحسني" بحذف نون الوقاية سماعا؛ كما في شرح الكافية١ "فمبني على قوله: أن أحسن، ونحوه" في الوزن من أفعال التعجب "اسم"، بدليل تصغيره، سمع ما أحيسنه، ورد بأن التصغير فيه شاذ، وأما تجويز بعضهم "ليس" بحذف نون الوقاية من "ليس" لجموده، فلا يعول عليه، "وأما قوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
٦٨-
عددت قومي كعديد الطيس "إذ ذهب القوم الكرام ليسي"
بغير نون؛ "فضرورة أشار لها الناظم بقوله:
٦٨-
"وليسي قد نظم"
والعديد: كالعدد، يقال: هم عديد الثرى، أي: عدد الثرى، والطيس؛ بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وفي آخره سين مهملة: الرمل الكثير، وليس: فعل ماض؛ واسمه مستتر فيه وجوبا عائد على البعض المفهوم من القوم، وياء المتكلم المتصلة به: خبره، وما ذكره من لزوم نون الوقاية في الفعل مطلقا، هو ما أشار إليه الناظم بقوله:
٦٨-
وقبل يا النفس مع الفعل التزم نون وقاية
_________________
(١) ١ شرح الكافية لابن جماعة ص٢٤٢.
(٢) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧٥، واللسان ٦/ ١٢٨ "طيس"، وخزانة الأدب ٥/ ٣٢٤، ٣٢٥، والدرر ١/ ١٠٥، ٥٠٣، وشرح التسهيل ١/ ١٣٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٤٨٨، ٧٦٩، والمقاصد النحوية ١/ ٣٤٤، وتهذيب اللغة ١٣/ ٢٨، ٧٤، وتاج العروس ١٦/ ٢١٩ "طيس"، وكتاب العين ٧/ ٢٨٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٠٨، وتخليص الشواهد ص٩٩، والجنى الداني ص١٥٠، وجواهر الأدب ص١٥، وخزانة الأدب ٥/ ٣٩٦، ٩/ ٢٦٦، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٣٢، وشرح ابن الناظم ص٤٠، وشرح الأشموني ١/ ٥٥، وشرح ابن عقيل ١/ ١٠٩، وشرح المفصل ٣/ ١٠٨، ولسان العرب ٦/ ٢١١ "ليس"، ومغني اللبيب ١/ ١٧١، ٢/ ٣٤٤، وهمع الهوامع ١/ ٦٤، ٢٣٣ وجمهرة اللغة ص٨٣٩، ٨٦١، ومقاييس اللغة ٣/ ٤٣٦، وأساس البلاغة "ليس".
[ ١ / ١١٦ ]
"وأما نحو: "تَأْمُرُوني" [الزمر: ٦٤]، و: "أَتُحَاجُّوني" [الأنعام: ٨٠] بتخفيف النون في قراءة نافع١، "فالصحيح" عند سيبويه "أن المحذوف نون الرفع"، والمذكور نون الوقاية٢، واختاره ابن مالك٣؛، لأن نون الرفع عهد حذفها للجازم والناصب ولتوالي الأمثال في نحو: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، ولغير ذلك نحو قوله: [من الرجز]
٦٩-
أبيت أسري وتبيتي تدلكي
ولا نون الرفع نائبة عن الضمة، والضمة تحذف تخفيفًا في قراءة أبي عمرو٤ نحو: "يَأْمُرْكُمْ" [البقرة: ٦٧]، فحذف النون ليس من تفضيل الفرع على الأصل، وقيل: المحذوف نون الوقاية، وجزم به الموضح في شذوره، وأسقطه من شرحه، وهو مذهب الأخفش والمبرد وأبي علي وابن جني وأكثر المتأخرين٥، واستدلوا له بأوجه:
أحدها: أن نون الوقاية حصل بها التكرار والاستثقال، فكانت أولى بالحذف.
وثانيها: أن نون الرفع علامة الإعراب، فالمحافظة عليها أولى.
وثالثها: أن نون الرفع لعامل، فلو حذفت لزم وجود مؤثر بلا أثر مع إمكانه.
"وأما اسم الفعل" المزيد على النظم "فنحو دراكني وتراكني" بكسر الكاف فيهما، "وعليكني" بفتحها، الأول "بمعنى: أدْرِكْني" بقطع الهمزة، "و" الثاني "بمعنى: اتركني، و" الثالث بمعنى: "الزمني" بوصل الهمزة فيهما، "وأما: ليت" المشار إليه بقول الناظم:
_________________
(١) ١ انظر قراءة ابن نافع في الإتحاف ص٢١٢، ٣٧٦، والنشر ٢/ ٢٥٩، ٣٦٣. ٢ في الكتاب ٣/ ٥١٩: "بلغنا أن بعض القراء قرأ: "أتحاجّوِني"". ٣ شرح التسهيل ١/ ١٣٧.
(٢) الرجز بلا نسبة في الارتشاف ١/ ٤٢٠، والأشباه والنظائر ١/ ٨٢، ٣/ ٩٥، وخزانة الأدب ٨/ ٣٣٩، ٣٤٠، ٤٢٥، والخصائص ١/ ٣٨٨، والدرر ١/ ٧٠، ورصف المباني ص٣٦١، وشرح التسهيل ١/ ٥٢، ٥٣، ولسان العرب ١٠/ ٤٢٦ "دلك"، ١٢/ ٢٣٧ "ردم"، والمحتسب ٢/ ٢٢، وهمع الهوامع ١/ ٥١. ٤ الرسم المصحفي: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾، وقرأها أبو عمرو بتسكين الراء. انظر الإتحاف ص١٣٦. ٥ قال أبو حيان في الارتشاف ١/ ٤٢٠: "إذا اجتمعت "نون الرفع" مع نون الوقاية، نحو: هل تضربانني، وهل تضربونني، وهل تضربينني؛ فيجوز إثباتها، وإدغام نون الرفع في نون الوقاية وحذف إحداهما، فمذهب سيبويه أن المحذوفة نون الرفع؛ وإليه ذهب أكثر المتأخرين، وذهب الأخفش والمبرد وعلي بن سليمان وأبو علي وابن جني إلى أن المحذوفة نون الوقاية". وانظر الكتاب ٣/ ٥١٩.
[ ١ / ١١٧ ]
٦٩-
وليتني فشا
"فنحو: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] .
وإنما وجبت النون مع "ليت" لقوة شبهها بالفعل، لكونها تغير معنى الابتداء ولا تعلق ما بعدها بما قبلها.
"وأما قوله" وهو ورقة بن نوفل ابن عم خديجة ﵂ لما ذكرت له خديجة عن غلامها ميسرة ما رأى من رسول الله ﷺ في سفره، وما قاله بحيرا الراهب في شأنه: [من الوافر]
٧٠-
"فيا ليتني إذا ما كان ذاكم" ولجت وكنت أولهم ولوجا
بإسقاط نون الوقاية من "ليتني"، "فضرورة عند سيبويه"؛ لأنه يوجب "ليتني" بإثبات نون الوقاية.
"وقال الفراء: يجوز" اختيار "ليتني" بإثبات النون، "وليتي" بحذفها، "وإن نصبها لعل" المشار إليه في النظم بقوله:
٦٩-
ومع لعل اعكس
"فالحذف" لنون الوقاية "نحو: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] أكثر من الإثبات" لها، "كقوله" وهو حاتم بن عي الطائي، وقيل حطائط بن يعفر أخو الأسود النهشلي يخاطب امرأة عذلته على إنفاقه ماله: [من الطويل]
٧١-
"أريني جوادا مات هزلا لعلني" أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
والمعنى: أريني جوادا مات لأجل الهزل، أو بخيلا مخلدا لم يمت لعلني أرى ما ترين، وحاصله أن إنفاق المال لا يميت الكريم لهزاله، ولا إمساكه يخلد البخيل في الدنيا. "و" إثبات النون في "لعلني" "هو أكثر من" حذفها في "ليتي، وغلط ابن الناظم"
_________________
(١) البيت لورقة بن نوفل في المقاصد النحوية ١/ ٣٦٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١١٠، وتخليص الشواهد ص١٠٠.
(٢) البيت لحاتم الطائي في ديوانه ص٢١٨، ولحطائط بن يعفر في خزانة الأدب ١/ ٤٠٦، وسمط اللآلي ص٧١٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٧٣٣، وشرح المفصل ٨/ ٧٨، والشعر والشعراء ١/ ٢٥٤، ولحاتم أو لحطائط في المقاصد النحوية ١/ ٣٦٩، ولهما أو لدريد في لسان العرب ١١/ ٤٧٤ "علل"، ولهم أو لمعن بن أوس في لسان العرب ١٣/ ٣٤ "أنن"، ولمعن بن أوس في ديوانه ص٣٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١١٢، وتخليص الشواهد ص١٠٥، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٣٦.
[ ١ / ١١٨ ]
في شرح النظم في النقل، "فجعل ليتني نادرا"١، مع أنه ضرورة عند سيبويه٢ كما تقدم، "و" وجعل "لعلني، ضرورة" مع أنه نادر٣، بل كثير، كما تقدم. وهو في الأولى تابع لأبيه في قوله:
٦٩-
وليتي ندرا
ومخالف له في الثانية؛ وفي قوله:
٦٩-
ومع لعل اعكس
وإنما كان الأكثر، وفي "لعل" التجرد؛ لأنها سبيهة بحروف الجر في تعليق ما بعدها بما قبلها، كما في قولك: "تب لعلك تفلح"٤، بخلاف "ليت" فإنها شبيهة بالفعل في تغيير معنى الابتداء؛ وعدم تعلق ما بعدها بما قبلها "وإن نصبها بقية أخوات ليت ولعل"، وإليها أشار الناظم بقوله:
٦٩-
وكن مخيرا
٧٠-
في الباقيات
"وهي إن" المكسورة، "وأن" المفتوحة، "ولكن، وكأن، فالوجهان" على السواء، فالإثبات نظرا إلى شبهها بالأفعال المتعدية في عمل النصب والرفع والحذف؛ نظرا إلى كراهية اجتماع الأمثال، فلما تعارض التوجيهان تساقطا واستوى الأمران؛ "كقوله" وهو قيس بن الملوح: [من الطويل]
٧٢-
"وإني على ليلى لزار وإنني" على ذاك فيما بيننا مستديمها
_________________
(١) ١ قال ابن الناظم في شرح الألفية ص٤٣، ٤٤: "إذا نصب "الياء" الحرف، أعني "إن" أو إحدى أخواتها ففيه تفصيل، فإن الناصب إن كان "ليت" وجب إلحاق النون، نحو: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ٧٣] ولم تترك إلا فيما ندر من نحو قوله: [من الوافر] كمنية جابر إذ قال ليتي أصادفه وأفقد بعض مالي واستأثرت "ليت" بلزومها في الغالب إلحاق النون قبل ياء المتكلم تنبيها على مزيتها على أخواتها في الشبه بالفعل". ٢ في الكتاب ٢/ ٣٦٩، ٣٧٠: "قد قال الشعراء: "ليتي" إذا اضطروا، كأنهم شبهوه بالاسم حيث قالوا الضاربي والمضمر منصوب". ٣ شرح ابن الناظم ص٤٣. ٤ هذا القول ذكره ابن الناظم في شرحه ص٤٤.
(٢) البيت لمجنون ليلى في ديوانه ص١٩٨، ولسان العرب ١٢/ ٢١٣ "دوم"، والمقاصد النحوية ١/ ٣٧٤، وبلا نسبة في لسان العرب ١٤/ ٣٥٦ "زري".
[ ١ / ١١٩ ]
فأتى مع "إن" بنون الوقاية؛ وجردها منها أولا. و"زار" خبر "إن" وهو بزاي ثم راء: منقوص من زَرَيْت عليه زراية إذا عتبت عليه. والمعنى: وإني لعاتب على ليلى، وإني مستديمها على ذلك العتب، وكقول امرئ القيس: [من الطويل]
٧٣-
كأني لم أركب جوادا للذة
ويجوز "كأنني" وكقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] وكقول الشاعر: [من الطويل]
٧٤-
ولكنني عن حبها لعميد
"وإن خفضها حرف: فإن كان" ذلك الحرف "من، أو عن، وجبت النون" قبل ياء المتكلم، محافظة على بقاء السكون؛ لأنه الأصل في البناء، "إلا في الضرورة"، فلا تلحقها النون، وإلى ذلك أشار بقوله في النظم:
٧٠-
واضطرارا خففا مني وعني بعض من قد سلفا
"كقوله": [من المديد]
٧٥-
"أيها السائل عنهم وعني لست من قيس ولا قيس مني"
بتخفيف نون "من" و"عن". وقيس هو ابن عيلان؛ بالعين المهملة واسمه النَّأس؛ بفتح النون وسكون الهمزة وبالسين المهملة؛ ابن مضر بن نزار، واسم أخيه اليأس؛ بالياء المثناة تحت.
_________________
(١) عجز البيت: "ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال" ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ٣٥، ولسان العرب ١٣/ ٥٧ "بطن"، وتهذيب اللغة ١٣/ ٣٧٦، وتاج العروس "خلل" "بطن"، وأساس البلاغة "بطن".
(٢) صدر البيت: "يلومونني في حب ليلى عواذلي" ، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٣٨، والإنصاف ١/ ٢٠٩، وتخليص الشواهد ص٣٥٧، والجنى الداني ص١٣٢، ٦١٨، وجواهر الأدب ص٨٧، وخزانة الأدب ١/ ١٦، ١٠/ ٣٦١، ٣٦٣، والدرر ١/ ٢٩٥، ورصف المباني ص٢٣٥، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٨٠، وشرح ابن الناظم ص١٢٣، وشرح الأشموني ١/ ١٤١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٦٣، وشرح المفصل ٨/ ٦٢، ٦٤، وكتاب اللامات ص١٥٨، ولسان العرب ١٣/ ٣٩١ "لكن"، ومغني اللبيب ١/ ٢٣٣، ٢٩٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٤٧، وهمع الهوامع ١/ ١٤٠.
(٣) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٩٠، وأوضح المسالك ١/ ١١٨، وتخليص الشواهد ١٠٦، والجنى الداني ١٥١، وجواهر الأدب ١٥٢، وخزانة الأدب ٥/ ٣٨٠، ٣٨١، ورصف المباني ٣٦١، والدرر ١/ ١٠٩، وشرح ابن الناظم ص٤٤، وشرح الأشموني ١/ ٥٦، وشرح ابن عقيل ١/ ١١٤، وشرح التسهيل ١/ ١٣٨، وشرح المفصل ٣/ ١٢٥، والمقاصد النحوية ١/ ٣٥٢، وهمع الهوامع ١/ ٦٤.
[ ١ / ١٢٠ ]
"وإن كان" الخافض لياء المتكلم "غيرهما"، أي: غير "من" و"عن"، "امتنعت" نون الوقاية "نحو: لي، و: بي" مما هو على حرف واحد، "وفي" بتشديد الياء، مما هو على حرفين، وعلى مما هو على ثلاثة أحرف، "وخلاي وعداي وحاشاي" بفتح الياء فيهن، وإنما امتنعت النون في "لي" و"بي" لأنهما مبنيان على الكسر، وأما "في" فلأنه وإن كان مبنيا على السكون فإن سكونه الأصلي لا يزول عند اتصاله بياء المتكلم، بل تدغم الياء في الياء، وأما "خلاي وعداي وحاشاي" فإن الألف لا تقبل التحريك، ومقتضى هذا التعليل: أن لا تلحقهن نون الوقاية إذا قدرن أفعالا، ولكنهم أجروا باب الفعل مجرى واحدا، وحملوا المعتل على الصحيح، بخلاف الحروف فإنها لا حظ لها في ذلك، بل تفتح ياء المتكلم بعد الألف، "قال" الأقيشر واسمه المغيرة بن الأسود، لقب بالأقيشر؛ لأنه كان أحمر الوجه أقشر: [من الكامل]
٧٦-
"في فتية جعلوا الصليب إلههم حاشاي إني مسلم معذور"
بعين مهملة وذال معجمة، أي: مقطوع العذرة وهي قلفة الذكر، ويقال فيه: مختون؛ من الختان؛ وهو قطع قلفة الذكر.
"وإن خفضها مضاف، فإن كان" المضاف "لدن، أو قط، أو قد" مما آخره ساكن، "فالغالب الإثبات" لنون الوقاية محافظة على السكون، "ويجوز الحذف فيه قليلا"؛ لأن "لدن" بمعنى: "عند"، و"قط" و"قد": بمعنى حسب، و"عند" و"حسب" لا يلحقهما النون، فكذلك ما كان بمعناهما عند التحقيق، "ولا يختص" الحذف "بالضرورة" كما قال ابن مالك؛ "خلافا لسيبويه"١ لما سيأتي، "وغلط ابن الناظم" في شرح النظم٢، "فجعل الحذف في "قد" و"قط" أعرف من الإثبات"، والصواب العكس كما مر، "ومثالهما" أي: الحذف والإثبات في: لدن وقط وقد: " ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] قرئ مشددا" على الإثبات، "ومخففا" على الحذف والتشديد وهو الأكثر، وقرأ به من السبعة من عدا نافعا وعاصما من رواية أبي بكر
_________________
(١) البيت للأقيشر الأسدي في ديوانه ص٤١، والدرر ١/ ٥٠٠، ولسان العرب ١٤/ ١٨٢ "حشا"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١١٩، والجنى الداني ص٥٦٦، وجواهر الأدب ص٤٢٦، ولسان العرب ٤/ ٥٥١ "عذر"، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٢. ١ إثبات النون هو الأشهر عند سيبويه، والحذف ضرورة لا يكون إلا في الشعر. انظر الكتاب ٢/ ٣٧١، وشرح المفصل ٣/ ١٢٤. ٢ في شرح ابن الناظم ص٤٤: "قدي وقطي في كلامهم أشهر من قدني وقطني".
[ ١ / ١٢١ ]
عنه، والتخفيف هو القليل، وقرأ به نافع وأبو بكر١، "و" روي "في حديث النار" بالإضافة: "قطني قطني" بنون الوقاية، "وقَطِي قَطِي" بحذفها٢، والنون أشهر حفظا للبناء على السكون، "وقال" حميد بن مالك الأرقط: [من الرجز]
"قدني من نصر الخبيبين قدي"
بإثبات نون الوقاية في الأول؛ وحذفها في الثاني؛ ولك أن تقول: لا شاهد فيه على ترك النون، ويكون أصله "قد" بإسكان الدال، ثم ألحق ياء القافية لا ياء الإضافة؛ وكسر الدال لالتقاء الساكنين؛ لا لمناسبة الياء، قاله الموضح في شرح الشواهد.
والخبيبين: تثنية خبيب، بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف؛ وهو من باب التغليب كالقمرين، وأراد بهما عبد الله بن الزبير وأخاه مصعبا، وكان عبد الله يكنى بأبي خبيب، وقيل: هما عبد الله وولده خبيب الذي كان يكنى به، ويروى: الخبيبين؛ بكسر الباء؛ على إرادة الجمع، وأراد بالثلاثة عبد الله وأخاه مصعبا وابنه خبيبا، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٧١-
وفي لدني لدني قد وفي قدني وقطني الحذف أيضا قد يفي
وعلم منه أن "قد" و"قط" بمعنى: حسب؛ لأنهما لو كانا اسمي فعلين بمعنى يكفي لكانت ياء المتكلم معهما منصوبة لا مخفوضة، وكانت نون الوقاية واجبة لا جائزة، ولو كانت "قد" حرفا و"قط" ظرفا لم تتصل بهما ياء المتكلم أصلا.
"وإن كان" المضاف "غيرهن"، أي: غير "لدن وقط وقد" "امتنعت" نون الوقاية، "نحو: أني وأخي" لعدم السكون.
_________________
(١) ١ الإتحاف ص٢٩٣. ٢ أخرجه البخاري في التوحيد برقم ٦٩٤٩، واستشهد به ابن الناظم ص٤٦، وقال: "يروى بسكون الطاء وكسرها، مع ياء ودونها، ويروى: قطني قطني، وقط قط".
(٢) الرجز لحميد بن مالك الأرقط في خزانة الأدب ٥/ ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٨٥، ٣٨٩، ٣٩١، ٣٩٢، والدرر ١/ ١٠٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٨٧، ولسان العرب ١/ ٣٤٤ "خبب"، والمقاصد النحوية ١/ ٣٥٧، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٤٧، ٥٣، وتاج العروس ٢/ ٣٣٣ "خبب"، ٨/ ٣٧ "حكد"، ولحميد بن ثور في لسان العرب ٣/ ٣٨٩ "لحد"، وليس في ديوانه، ولأبي بجدلة في شرح المفصل ٣/ ١٢٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٢٤١، وأوضح المسالك ١/ ١٢٠، وتخليص الشواهد ص١٠٨، ورصف المباني ص٣٦٢، وشرح ابن عقيل ١/ ١١٥، وشرح ابن الناظم ص٤٥، والكتاب ٢/ ٣٧١، ولسان العرب ٣/ ١٥٥ "حكد"، ومغني اللبيب ١/ ١٧٠، ونوادر أبي زيد ص٢٠٥، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٤٦، وتهذيب اللغة ١٤/ ١٢٤، والإنصاف ١٣١، وسفر السعادة ٧٧٠، وعمدة الحفاظ ٣/ ٢٧٥ "قدد" وإصلاح المنطق ٣٤٢، ٤٠١، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٤، ٢/ ١٤٢، والكامل ١/ ١٤٤.
[ ١ / ١٢٢ ]
باب العلم
مدخل
باب العَلَم:
بفتح العين واللام، "وهو نوعان: جنسي؛ وسيأتي" آخر الباب، "وشخصي، وهو اسم يعين مسماه تعيينا مطلقا" من غير قيد زائد عليه، بل بمجرد الوضع والغلبة، وإليه أشار الناظم بقوله:
٧٢-
اسم يعين المسمى مطلقا
"فخرج بذكر التعيين النكرات" كرجل، فإنها لا تعين مسمياتها، وكشمس وقمر، فإن لفظهما لا يعين مدلولهما من حيث الوضع، وإنما حصل التعيين بعد الوضع لأمر عرض في المسمى، وهو الانفراد في الوجود الخارجي، "و" خرج "بذكر الإطلاق ما عدا العَلَم من المعارف، فإن تعيينها لمسمياتها" ليس تعيينا مطلقا بل هو "تعيين مقيد"، إما بقرينة لفظية أو معنوية، "ألا ترى أن ذا الألف واللام مثلا إنما يعين مسماه مما دامت فيه "أل"، فإذا فارقته فارقه التعيين"، ونحو: "الذي"، إنما يعين مسماه بالصلة، ونحو: "أنا وأنت وهو" إنما يعين مسماه بالتكلم والخطاب والغيبة، فإن "أنت" مثلا موضوع للمخاطب المعين من حيث هو مخاطب، فإذا جعل صالحا لكل شخص من المخاطبين، فهو غير معرفة مجازا، قاله الشاطبي. "ونحو "هذا" إنما يعين مسماه ما دام حاضرا"، فإذا فارقه الحضور فارقه التعيين.
قال الشاطبي: فإن "ذا" مثلا وضع لشخص مفرد قريب، فهو باعتبار الحال والمحل معرفة، وباعتبار صلاحية لفظه لكل من اتصف بتلك الحال، وحل ذلك المحل غير معرفة. ا. هـ. "وكذا الباقي" من المعارف، فنحو "يا رجل" لمعين إنما يعين مسماه بالقصد والإقبال، ونحو: غلامي، وغلام زيد، وغلام هذا، وغلام الذي قام أبوه، وغلام الرجل، إنما يعين مسماه بالمضاف إليه، فإذا فارقه فارقه التعيين.
[ ١ / ١٢٣ ]
"فصل":
"و" العلم الشخصي "مسماه نوعان":
أحدهما: "أولو العلم من المذكرين كـ: جعفر"، وهو علم منقول عن اسم النهر الصغير لرجل، وهو أيضا: أبو قبيلة من عامر، وهو جعفر بن كلاب من ربيعة بن عامر، وهم الجعافرة، "والمؤنثات كـ: خِرْنِق"، بكسر الخاء المعجمة والنون: وهو علم منقول عن ولد الأرنب لامرأة شاعرة، وهي أخت طرفة بن العبد لأمه، قال أبو عبيدة: وهي خرنق بنت هفان من بني سعد بن ضبيعة؛ رهط الأعشى١ ا. هـ.
"و" الثاني: "ما يؤلف كالقبائل": جمع قبيلة، والأحياء: جمع حي، "كـ: قرن" بفتح القاف والراء: وهو اسم قبيلة من مراد، أبوهم قَرَن بن ردمان بن ناجية بن مراد، وإليه ينسب أويس القرني٢ ﵁، ومن قال إنه منسوب إلى قرن المنازل؛ بسكون الراء؛ كالجوهري فقد سها٣. "والبلاد": جمع بلد، "كعدن" بفتح العين والدال المهملتين: علم بلدة بساحل اليمن، "والخيل": اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإنما له واحد من معناه وهو فرس، "كلاحق": علم فرس كان لمعاوية بن أبي سفيان٤ ﵁، والبغال: كدلدل، والحمير: كيعفور، وكلاهما٥ كان للنبي ﷺ، "والإبل": اسم جمع "كشذقم": علم فحل من فحولة الإبل٦، كان للنعمان بن المنذر،
_________________
(١) ١ نقل هذا القول الزبيدي في تاج العروس ٢٥/ ٢٣٥ "خرنق". ٢ جمهرة أنساب العرب ص٤٠٧. ٣ في معجم البلدان ٤/ ٣٣١ مادة: قرن: "قال الجوهري: قرن، بالتحريك، ميقات أهل نجد، ومنه أويس القرني، وقال الغوري: هو منسوب إلى بني قرن، وغير الجوهري يقول بسكون الراء". ٤ كذا في شرح المفصل ١/ ٣٤، وفي الأغاني ١٧/ ٢٤٦ أنه اسم فرس لزيد الخيل، وفي أنساب الخيل ص٢٢، ٣٣ أنه اسم فرس لغني بن أعصر، وفي معجم الخيل العربية المنسوبة ص١٨٦ أنه اسم فرس للحسين بن علي بن أبي طالب، وللحازوق الخارجي، ولعتيبة بن الحارث، ولسعد بن زيد. ٥ أنساب الأشراف ص٥١١، والمعارف ص١٤٩، ورسائل الجاحظ ٢/ ٢٢٠. ٦ شرح المفصل ١/ ٣٤.
[ ١ / ١٢٤ ]
وإليه تنسب الإبل الشذقمية، "والبقر": اسم جنس "كعرار" بفتح العين والراء المهملتين وكسر الراء الأخيرة: علم بقرة، وفي المثل: "باءت عرار بكحل"١ بفتح الكاف وسكون الحاء المهملة: علم بقرة أيضا، وأصل هذا المثل أن عرار وكحل اصطدمتا فماتتا جميعا، فباءت كل منهما بالأخرى، فصار مثلا يضرب لكل مستويين، "والغنم": اسم جمع "كهيلة": علم لعنز لبعض نساء العرب، "والكلاب": جمع كلب "كواشق": علم لكلب. وذكر في النظم سبعة أعلام، وثامنهم علم الكلب، فقال:
٧٢-
كجعفر وخرنقا
٧٣-
وقرن وعدن ولاحق وشذقم وهيلة وواشق
وفي ذلك موازاة لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] .
_________________
(١) ١ المثل في مجمع الأمثال ١/ ٩١، وجمهرة الأمثال ١/ ٢٠٣، ٢٢٦، والمستقصى ٢/ ٢، وشرح المفصل ٤/ ٦٢، ٦٣.
[ ١ / ١٢٥ ]
"فصل":
وينقسم العلم بحسب الوضع "إلى" قسمين:
أحدهما: "مرتجل" من الارتجال؛ بمعنى الابتكار؛ قيل: كأنه مأخوذ من قولهم: ارتجل الشيء: إذا فعله قائما على رجليه من غير أن يقعد ويتروى، "وهو" في كلام سيبويه على وجهين:
أحدهما: مات لم تقع له مادة مستعملة في الكلام العربي، قالوا: ولم يأت من ذلك إلا فقعس، وهو أبو قبيلة من بني أسد، وهو فقعس بن طريف بن عمرو [بن قعين] ١ بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، ولم يستعملوا مادة "ف ق ع س" في غير هذا الموضع.
والثاني: "ما" استعملت مادته؛ لكن لم تستعمل تلك الصيغة بخصوصها في غير العلمية، بل "استعمل من أول الأمر علما"، وهذا الثاني هو الكثير، ولذلك اقتصر عليه، "كأدد": علما "لرجل"، وهو أبو قبيلة من اليمن، وهو: أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير٢. وذكر سيبويه أنه من الود، من مادة "ودد"، فأصل همزته الواو٣، واستعملت هذه المادة في الود والودود وغيرهما، "وسعاد": علما "لامرأة"، لم تستعمل هذه البنية في النكرات، واستعملت مادة "س ع د" في السعد والساعد والسعدان، وغير ذلك. ثم المرتجل قسمان: قياسي وشاذ، فالقياسي: ما له نظير في أبنية الأسماء، والشاذ ما لا نظير له فالأول، نحو: غطفان وعمران وحمدان وفقعس وحنتف، فإن نظيرها نزوان وسرحان وندمان وجعفر وعنبس، والثاني، نحو: محبب وموهب وموظب ومكوزة وحيوة.
_________________
(١) ١ إضافة من جمهرة أنساب العرب ص١٩٥، ٤٤٦. ٢ جمهرة أنساب العرب ص٣٩٧. ٣ نسب هذا القول إلى ابن دريد في لسان العرب ٢/ ٧١ "أدد".
[ ١ / ١٢٦ ]
"و" إلى "منقول، وهو الغالب" في الأعلام، "وهو ما استعمل قبل العلمية لغيرها، ونقله" إما أن يكون "من اسم" جامد، والاسم الجامد "إما" أن يكون "لحدث" أي: مصدر "كزيد"، فإنه في الأصل مصدر: زاد يزيد زيدا وزيادة، "وفضل": وهو في الأصل مصدر فضل يفضل فضلا، "أو" يكون "لعين" أي: ذات، "كأسد"، فإنه في الأصل اسم جنس للحيوان المفترس، "وثور" بالمثلثة، فإنه في الأصل الفحل من البقر، "وإما" أن يكون "من وصف"، وذلك الوصف "أما الفاعل كحارث"، فإنه في الأصل اسم فاعل من حرث يحرث، "وحسن" بفتح المهملتين؛ فإنه في الأصل صفة مشبهة من حسن، "أو لمفعول كمنصور"، فإنه في الأصل اسم مفعول من نصر الثلاثي المجرد، "ومحمد": فإنه في الأصل اسم مفعول من "حمد" بتشديد الميم الثلاثي المزيد، "وإما" أن يكون "من فعل" مجرد عن الفاعل، وذلك الفعل "إما ماض، كشمر" بتشديد الميم: لفرس، "أو مضارع، كيشكر": لرجل، وهو نوح ﵊، أو أمر كاصمت: لبرية. قال الرضي: وكسر الميم منه؛ والمسموع في الأمر الضم؛ لأن الأعلام كثيرًا ما يغير لفظها عند النقل. ا. هـ. وإما أن يكون نقله من حرف، كما لو سميت رجلًا بواحد من صيغ الحروف، قاله الفخر الرازي في شرح المفصل، "وإما" أن يكون "من جملة"، وتلك الجملة "إما فعلية" فاعلها ظاهر، "كشاب قرناها"، أي: ذؤابتا شعرها، أو فاعلها مضمر بارز كـ"أطرقا"١ أو مستتر كيزيد من قوله: [من الرجز]
٧٨-
بني يزيد
بضم الدال، "أو اسمية؛ كزيد منطلق؛ وليس" النقل من الجملة الاسمية "بمسموع" من العرب كما قاله في شرح التسهيل٢، "ولكنهم" أي: النحاة "قاسوه" على ما سمع من النقل من الجمل الفعلية، وجعلوه قسيما له؛ على تقدير التسمية بها، وما ذكره من
_________________
(١) ١ الشاهد على ذلك قوله: [من المتقارب] "على أطرقا باليات الخيا م إلا الثمام وإلا العصي" وهو لأبي ذؤيب الهذلي في خزانة الأدب ٢/ ٣١٧، ٧/ ٣٤٢، وشرح أشعار الهذليين ١/ ١٠٠، وشرح المفصل ١/ ٣١، والمقاصد النحوية ١/ ٣٩٧، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٣٣٣، وشرح الأشموني ١/ ٦٠.
(٢) تمام البيت: "نبئت أخوالي بني يزيد" ، وسيأتي الشاهد بتمامه برقم ٨٠. ٢ شرح التسهيل ١/ ١١٧.
[ ١ / ١٢٧ ]
تقسيم العلم إلى مرتجل ومنقول هو المشهور١، وهو في ذلك تابع للناظم في قوله:
٧٦-
ومنه منقول كفضل وأسد وذو ارتجال كسعاد وأدد
"وعن سيبويه: الأعلام كلها منقولة"؛ لأن الأصل في الأسماء التنكير٢، "وعن الزجاج: كلها مرتجلة"؛ لأن الأصل عدم النقل، وما وافق وصفا أو غيره؛ فهو اتفاقي لا مقصود.
_________________
(١) ١ جعل بعضهم العلم بالغلبة قسما ثالثا؛ ليس بمنقول ولا مرتجل، وقال: المنقسم إليهما إنما هو العلم الوضعي، وقد يدعى أن تعريفهم المنقول بأنه ما استعمل قبل العلمية في غيرها يشمل هذا القسم. حاشية يس ١/ ١١٤. ٢ الكتاب ٢/ ٩٧.
[ ١ / ١٢٨ ]
"فصل":
"وينقسم" العلم باعتبار ذاته "أيضا إلى مفرد" عن التركيب، "كزيد" وأدد "وهند" وسعاد، "وإلى مركب، وهو ثلاثة أنواع"، وذلك أنه:
إما "مركب إسنادي"، وهو كل كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى، "كبرق نحره"، وشاب قرناها، وهذا" النوع مبني، و"حكمه الحكاية" على ما كان عليه قبل التسمية به، قال: [من الطويل]
٧٩-
كذبتم وبيت الله لا تنكحونها بني شاب قرناها تصر وتحلب
"وقال" رؤبة في حكاية الفعل المسند إلى الضمير المستتر: [من الرجز]
٨٠-
"نبئت أخوالي بني يزيد" ظلما علينا لهم فديد
والقوافي مرفوعة، فلولا أن في "يزيد" ضميرا مرفوعا على الفاعلية لما رفع "يزيد" على الحكاية، ولجر بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه مفرد غير منصرف، ومانعه من الصرف العلمية ووزن الفعل.
و"نبئت": بمعنى أخبرت، متعد لثلاثة، أولها ضمير المتكلم المرفوع على النيابة عن الفاعل، وأخوالي: مفعوله الثاني، وبني يزيد: عطف بيان عليه، وجملة "لهم
_________________
(١) البيت للأسدي في لسان العرب ١٣/ ٣٣٣ "قرن"، وبلا نسبة في أمالي المرتضى ٢/ ٢٧٣، والخصائص ٢/ ٣٦٧، وشرح المفصل ١/ ٢٨، والكتاب ٢/ ٨٥، ٣/ ٢٠٧، ٣٢٦، ولسان العرب ١٢/ ٥٩٦ "نوم"، والكامل ص٤٩٧، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٢٠، ١٢٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٣، والمقتضب ٤/ ٩، ٢٢٦.
(٢) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧٢، وخزانة الأدب ١/ ٢٧٠، والمقاصد النحوية ١/ ٣٨٨، ٤/ ٣٧٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٢٤، وشرح ابن الناظم ص٤٩، وشرح المفصل ١/ ٢٨، ولسان العرب ٣/ ٢٠٠ "زيد" ٣٢٩ "فدد" ٤/ ٧٥ "بقر"، ومجالس ثعلب ٢١٢ ومغني اللبيب ٢/ ٦٢٦، وتهذيب اللغة ١٤/ ٧٤، ومجمل اللغة ٤/ ٥٥، ومقاييس اللغة ٤/ ٤٣٨.
[ ١ / ١٢٩ ]
فديد" بالفاء: بمعنى صياح، في موضع المفعول الثالث، أي: فادين، و"ظلمنا": مفعول لأجله؛ وناصبه محذوف تقديره: يصيحون، و"علينا": متعلق بذلك المحذوف، لا بفديد؛ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، ولم يقل: "عليهم" لأن المتكلم يغلب على غيره في إعادة الضمير، تقول: أنا وزيد فعلنا، ولا تقول: فعلا، والجاري على الألسنة: "بني يزيد" بالياء؛ آخر الحروف أوله، وقال ابن يعيش: صوابه بالتاء المثناة فوق، وهو اسم رجل وإليه تنسب الثياب التزيدية١ ا. هـ. قيل: ولا يتعين ذلك في البيت إلا أن يريد تزيد بن جشم بن الخزرج، أو بن حلوان بن عمران بن قضاعة٢، فإن كلا من هذين أبو قبيلة، وهما بالتاء الفوقانية.
"و" إما "مركب مزجي، وهو كل كلمتين نزلت ثانيتهما منزلة تاء التأنيث مما قبلها" في أن ما قبله مفتوح الآخر ما لم يكن ياء، ولكل من جزأيه حكم يخصه فحكم الجزء "الأول أن يفتح آخره"، كما يفتح ما قبل تاء التأنيث، وينتقل عن الإعراب إلى الجزء الثاني، لصيرورته كالجزء مما قبله، كما نقل الإعراب مما قبل تاء التأنيث إليها، لما صارت كالجزء مما قبلها، "كبعلبك وحضرموت" لبلدين، والأصل قبل التركيب بعل وبك، وحضر وموت، فامتزجا وصارا كالكلمة الواحدة، وحكمهما أن يفتح آخر أولهما، "إلا إن كان ياء فيسكن"، للثقل بالتركيب والإعلال، "كمعدي كرب"، لرجل "وقالي قلا" لمكان، وكسر الدال من "معدي" شاذ، والقياس فتحها، كمرمى ومسعى، و"حكم" الجزء "الثاني" منهما "أن يعرب بالضمة" رفعا، "والفتحة" نصبا وجرا إعراب ما لا ينصرف للتركيب والعلمية، "إلا إن كان" الجزء الثاني "كلمة "ويه" فيبنى على الكسر" في الأشهر عند سيبويه٣، أما البناء فلأنه اسم صوت٤، وأما الكسر فعلى أصل التقاء الساكنين وذلك "كسيبويه وعمرويه"، واختار الجرمي أن يعرب إعراب ما لا ينصرف، فلا يدخله خفض ولا تنوين. قال أبو حيان: وهو مشكل، إلا أن يستند إلى سماع، وإلا لم يقبل؛ لأن القياس البناء، لاختلاط الاسم بالصوت، وصيرورتهما اسما واحدا: ا. هـ. وإلى هذا التفصيل الإشارة بقول الناظم:
_________________
(١) ١ في شرح المفصل ١/ ٢٨: "وهو تزيد بن حلوان أبو قبيلة معروفة؛ إليه تنسب البرود التزيدية". ٢ في تاج العروس ٨/ ١٦٢ "زيد": "قيل: وصوابه تزيد بن حيان، كما نبه عليه العسكري في التصحيف في لحن الخاصة". وانظر جمهرة أنساب العرب ص٤٤٠. ٣ في الكتاب ٣/ ٣٠١: "جعلوه في النكرة بمنزلة غاق، منونة مكسورة في كل موضع". ٤ في شرح ابن الناظم ص٥٠: "لأن الأصوات لا حظ لها في الإعراب".
[ ١ / ١٣٠ ]
٧٧-
ذا إن بغير ويه تم أعربا
"وإما" مركب "إضافي وهو الغالب" في الأعلام المركبة؛ لأن الأكثر فيها الكنى، وهي مضافة، "وهو كل اسمين نزل ثانيهما منزلة التنوين مما قبله"، في أن الجزء الأول جار بوجوه الإعراب، والجزء الثاني ملازم لحالة واحدة، إلا أن التنوين ملازم للسكون، والمضاف إليه ملازم للجر، وما قبلهما يختلف بوجوه الإعراب، "كعبد الله"، مما المضاف إليه مجرور بالكسرة، والمضاف معرب بالحركات، "وأبي قحافة" مما المضاف إليه مجرور بالفتحة، والمضاف معرب بالحروف، "وحكمه أن يجري" الجزء "الأول" وهو المضاف "بحسب العوامل الثلاثة" رفعا ونصبا وجرا، "ويجر" بالبناء للمفعول، بمعنى يخفض الجزء "الثاني" وهو المضاف إليه "بالإضافة" دائما، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار الناظم بقوله:
٧٧-
وجملة وما بمزج ركبا ذا إن بغير ويه تم أعربا
٧٨-
وشاع في الأعلام ذو الإضافة
[ ١ / ١٣١ ]
"فصل":
"وينقسم" العلم "أيضا إلى اسم وكنية ولقب"، وهو المشار إليه في النظم بقوله:
٧٤-
واسما أتى وكنية ولقبا
"فالكنية: كل مركب إضافي في صدره أب أو أم، كأبي بكر" بن أبي قحافة ﵄، "وأم كلثوم" بنت النبي ﷺ، زاد الإمام الفخر الرازي في العلم الجنسي: وابن أو بنت، كابن دأية للغراب، وبنت الأرض للحصاة. ا. هـ.
"واللقب كل ما أشعر برفعة المسمى أو ضعته"، بفتح الضاد المعجمة، والقياس كسرها، وإنما فتحت تبعا للمضارع، والهاء عوض من الواو، والوضيع: الدنيء من الناس، فالرفعة "كزين العابدين": لقب علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃. "و" الضعة، نحو: "أنف الناقة": لقب جعفر بن قريع، تصغير قرع، بفتح القاف وسكون الراء بالعين المهملة، وهو: أبو بطن من سعد بن زيد مناة، وسبب جريان هذا اللقب عليه أن أباه ذبح ناقة وقسمها بين نسائه، فبعثته أمه إلى أبيه، ولم يبق إلا رأس الناقة، فقال له أبوه: شأنك به، فأدخل يده في أنف الناقة وجعل يجره، فلقب به، وكانوا يغضبون من هذا اللقب، فلما مدحهم الحطيئة بقوله: [من البسيط]
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا١
صار اللقب مدحا، والنسبة إليه أنفي، فمرجع الكنية إلى اللفظ، وإن أشعرت
_________________
(١) ١ البيت للحطيئة في ديوانه ص١٧، وديوان المعاني ١/ ٢٧، ٧٨، والاقتضاب ص٥٣١، ولسان العرب ١/ ٣٨٩ "ذنب"، ٩/ ١٦ "أنف"، ومحاضرات الأدباء ٣/ ٢٨٦، ومقاييس اللغة ١/ ١٤٧، وتهذيب اللغة ١٤/ ٤٣٨، ١٥/ ٢٨٤، وتاج العروس ٢/ ٤٣٧ "ذنب"، ٤/ ١٣٤ "كرب"، ٢٣/ ٤٢ "أنف"، وأساس البلاغة "أنف"، والمعاني الكبير ص١١٠٦، وبلا نسبة في محاضرات الأدباء ١/ ٢٩٨، ٣/ ٣٣٩.
[ ١ / ١٣٢ ]
بالتعظيم، ومرجع اللقب إلى المعنى، "والاسم ما عداهما وهو الغالب، كزيد وعمرو"، وفرق الأبهري في حواشي العضد بين الاسم واللقب، فقال: الاسم يقصد بدلالته الذات المعينة، واللقب يقصد به الذات مع الوصف، ولذلك يختار اللقب عند إرادة التعظيم أو الإهانة، "و" إذا اجتمع الاسم واللقب "يؤخر اللقب عن الاسم" غالبا؛ لأن الغالب في اللقب أن يكون منقولا من اسم غير إنسان كـ"بطة" فلو قدم لتوهم السامع أن المراد مسماه الأصلي، وذلك مأمون بتأخره؛، ولأن اللقب يشبه النعت في إشعاره بالمدح والذم، والنعت لا يقدم على المنعوت، فكذلك ما أشبهه "كزيد زين العابدين"، أو أنف الناقة، وهذا مراد الناظم بقوله:
٧٤-
وأخرن ذا إن سواه صحبا
"وربما يقدم" اللقب على الاسم، "كقوله" وهو أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت ﵄: [من الوافر]
٨١-
"أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي" أبوه منذر ماء السماء
فقدم اللقب وهو "مزيقيا" على الاسم وهو "عمرو"، ومزيقيا: بضم الميم وفتح الزاي وسكون الياء المثناة التحتانية وكسر القاف وتخفيف الياء آخر الحروف: لقب عمرو، وعمرو: بالجر، عطف بيان على مزيقيا، أو بدل منه، وسبب جريان هذا اللقب على عمرو أنه كان من ملوك اليمن، وكان يلبس كل يوم حلتين، فإذا أمسى مزقهما، كراهية أن يلبسهما ثانيا، وأن يلبسهما غيره، ومنذر: أحد أجداده لأمه، وهو: منذر بن امرئ القيس بن النعمان، أحد ملوك الحيرة، وماء السماء: لقب منذر، واختلف في سبب جريانه عليه، فقيل: لحسن وجهه، وقيل: إن أمه كان يقال لها ماء السماء لحسنها، واشتهر المنذر بلقب أمه، واسمها ماوية بنت عوف بن جشم بن الخزرج. وأراد أوس بذلك أنه كريم الطرفين نسيب الجهتين، "ولا ترتيب بين الكنية وغيرها" من اسم أو لقب، فيجوز تقديم الكنية على الاسم واللقب وتأخيرها عنهما، "قال" أعرابي إخبارا عن عمر بن الخطاب ﵁: [من الرجز]
_________________
(١) البيت لأوس بن الصامت في المقاصد النحوية ١/ ٣٩١، ولحسان بن ثابت في المستقصى ١/ ٢٤٩، والدرة الفاخرة ١/ ٣١٣، ولبعض الأنصار في خزانة الأدب ٤/ ٣٦٥، ولسان العرب ١٣/ ٥٤٥ "موه"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٢٧، وتخليص الشواهد ص١١٨، وشرح الأشموني ١/ ٥٨، ولسان العرب ١٠/ ٣٤٣ "مزق"، ١٥/ ٢٠٨ "قوا"، وتاج العروس "مزق".
[ ١ / ١٣٣ ]
٨٢-
"أقسم بالله أبو حفص عمر" ما مسها من نقب ولا دبر
فاغفر له اللهم إن كان فجر
فقدم الكنية وهي "أبو حفص" على الاسم وهو "عمر"، وسبب إنشاء ذلك أن قائلها قال لعمر ﵁: إن ناقتي قد نقبت فاحملني، فقال له عمر: كذبت، وأبى أن يحمله، وحلف على ذلك، فأنشده ذلك. يقال: نقب البعير ينقب؛ بكسر القاف في الماضي وفتحها في المضارع؛ إذا رق خفه، ودبر العير: إذا حفي، فكأنه تفسير له، ويقال: فجر، إذا حنث في يمينه، "وقال حسان" بن ثابت يرثي سعد بن معاذ ﵁: [من الطويل]
٨٣-
"وما اهتز عرش الله من أجل هالك سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو"
فقدم الاسم وهو "سعد" على الكنية وهو "أبو عمرو". وأصل هذا البيت أن السيد سعد بن معاذ أصيب يوم الخندق بسهم في أكحله، فتألم قليلا ومات منه، فقال رسول الله ﷺ: "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ" ١، فنظمه حسان ﵁. وتقول: جاءني أبو عبد الله بطة، وبطة أبو عبد الله. "وفي نسخة من الخلاصة ما" أي شيء، وهو قوله:
٧٤-
وأخرن ذا إن سواه صحبا
وذلك "يقتضي أن اللقب يجب تأخيره عن الكنية كأبي عبد الله أنف الناقة" لأن سوى اللقب يشمل الاسم والكنية، فكأنه قال: وأخر اللقب إن صحب الاسم أو للكنية فالأمر بوجوب تأخير اللقب عن الاسم صحيح. "وليس" الحكم مع الكنية "كذلك"، بل يجوز تقديم اللقب على الكنية وتأخيره عنها؛ كما تقدم. وفي نسخة أخرى من الخلاصة:
وذا اجعل إذا اسما صحبا
فالإشارة بـ"ذا" إلى اللقب وهي أصرح في المراد. ولكن قال المرادي: وما سبق
_________________
(١) الرجز لرؤبة في شرح المفصل ٣/ ٧١، ولعبد الله بن كيسبة أو الأعرابي في خزانة الأدب ٥/ ١٥٤، ١٥٦، وربيع الأبرار ١/ ٢٦٩، ولأعرابي في المقاصد النحوية ٤/ ١١٥، ولسان العرب ١/ ٧٦٦ "نقب"، ٥/ ٤٧، ٤٨ "فجر"، وتاج العروس ٤/ ٣٠١ "نقب"، ١٣/ ٣٠١ "فجر"، وتهذيب اللغة ١١/ ٥٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٢٨، وشرح الأشموني ١/ ٥٩، وشرح شذور الذهب ص٤٣٥، ومعاهد التنصيص ١/ ٢٧٩، وأساس البلاغة "نقب"، وديوان الأدب ٢/ ١١١، وكتاب العين ٨/ ٣٠٧.
(٢) البيت لحسان في أوضح المسالك ١/ ١٢٩، والمقاصد النحوية ١/ ٣٩٣، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٥٩. ١ أخرجه البخاري في فضائل الصحابة برقم ٣٥٩٢.
[ ١ / ١٣٤ ]
أولى؛ لأن هذه النسخة لا يفهم منها حكم اللقب مع الكنية. ا. هـ. ولك أن تقول: أما كونها لا يفهم منها حكم اللقب مع الكنية فمسلم باعتبار المنطوق، وغير مسلم باعتبار المفهوم، وأما كونها أولى فممنوع؛ لأنها تفهم غير الصواب.
"ثم إن كان اللقب وما قبله" من الاسم "مضافين كعبد الله زين العابدين"، أو أنف الناقة، "أو كان الأول مفردا" عن الإضافة، "والثاني مضافا كزيد زين العابدين" أو أنف الناقة، "أو كانا بالعكس" بأن كان الأول مضافا والثاني مفردا "كعبد الله كرز"، بضم الكاف وسكون الراء المهملة وفي آخره زاي، وهو في الأصل، خرج الراعي، فالأقسام ثلاثة، فإن شئت "أتبعت الثاني للأول" في إعرابه؛ "إما بدلا" من الأول؛ بدل كل من كل، "أو عطف بيان" على الأول، "أو قطعته عن التبعية؛ إما برفعه خبرا لمبتدأ محذوف أو بنصبه مفعولا" به "لفعل محذوف"، فتقول على الاتباع: جاءني عبد الله زين العابدين؛ برفعهما؛ ورأيت عبد الله زين العابدين؛ بنصبهما؛ ومررت بعبد الله زين العابدين؛ بجرهما؛ وإن شئت قطعت من الرفع إلى النصب، ومن النصب إلى الرفع، ومن الجر إلى الرفع والنصب، فالرفع بتقدير: هو، والنصب بتقدير: أعني، ولو أظهر لجاز. وهكذا حكم الكنية وما قبلها من الاسم واللقب اتباعا وقطعا، إلا أن الكنية لا تكون إلا مضافة، واللقب والاسم يكونان مضافين ومفردين، فإن كانا مضافين أو أحدهما مضافا والآخر مفردا فحكمهما ما سبق.
"وإن كانا مفردين كسعيد كرز، جاز ذلك" المتقدم، وهو جواز الاتباع والقطع، "و" جاز "وجه آخر؛ وهو إضافة الأول إلى الثاني"، إن لم يمنع مانع، كما إذا كان الاسم مقرونا بـ"أل" كالحارث قفة، أو كان اللقب وصفا في الأصل مقرونا بـ"أل" كهارون الرشيد ومحمد المهدي، فلا يضاف الأول إلى الثاني، نص على ذلك ابن خروف. وجواز الإضافة مع انتفاء المانع هو قول الكوفيين والزجاج، وهو الصحيح، والاتباع أقيس، والإضافة أكثر، "وجمهور البصريين يوجب هذا الوجه" وهو الإضافة، "و" وجوب الإضافة "يرده النظر" من جهتي الصناعة والسماع، أما الصناعة فلأنا لو أضفنا الأول إلى الثاني لزم إضافة الشيء إلى نفسه، بيان الملازمة أن الاسم واللقب اسمان مسماهما واحد، فإضافة أحدهما إلى الآخر إضافة الشيء إلى نفسه، واللازم باطل، فالملزوم مثله لوجوب مغايرة المتضايفين، "و" أما السماع من العرب فهو "قولهم" لرجل ضخم العينين اسمه يحيى، ولقبه عينان: "هذا يحيى عينان"، بغير إضافة، وإلا لقالوا: عينين
[ ١ / ١٣٥ ]
بالياء، وأجيب عن الأول بأنه من إضافة المسمى إلى الاسم، فمعنى "جاءني سعيد كرز" بالإضافة: جاءني مسمى هذا الاسم، وإنما أول الأول بالمسمى، والثاني بالاسم؛ لأن الأول هو المعرض للإسناد إليه، والمسند إليه إنما هو المسمى، فلزم أن يقصد بالثاني مجرد اللفظ. وأجيب عن الثاني بأنه يحتمل أن يكون جاء على لغة من يلزم المثنى الألف مطلقا، وإلى وجوب الإضافة في المفردين، وجواز الاتباع في غيرهما أشار الناظم بقوله:
٧٥-
وإن يكونا مفردين فأضف حتما وإلا أتبع الذي ردف
وما ذكروه من النظر على القول بوجوب الإضافة يأتي مثله في حال الإضافة على القول بالجواز، فهو مشترك الإلزام فما كان جواز المجيز فهو جواب الموجب.
[ ١ / ١٣٦ ]
"فصل":
"والعلم الجنسي" الموعود بذكره أول الباب: "اسم يعين مسماه بغير قيد تعيين ذي الأداة الجنسية، أو" ذي الأداة "الحضورية"، وبذلك يفارق العلم الشخصي. "تقول" في تعيينه ذي الأداة الجنسية: "أسامة أجرأ"، من الجراءة وهي الشدة، "من ثعالة، فيكون" في تعين الجنس "بمنزلة قولك: الأسد أجرأ من الثعلب، و"أل" في" الأسد والثعلب "هذين، للجنس" لا للعهد، إذ كل منها اسم جنس. "وتقول" في تعيينه تعين ذي الأداة الحضورية: "هذا أسامة مقبلا، فيكون" في تعيين الحضور المستفاد من الإشارة "بمنزلة قولك: هذا الأسد مقبلا، و"أل" في" الأسد "هذا، لتعريف الحضور" المستفاد من الإشارة إلى الجنس. فإن قيل: كيف يقول: "هذا الأسد" مشيرا إلى واحد بعينه؛ وأنت تعني الجنس؟ فالجواب: أن أصل الاسم الوضع على جملة الجنس، فإذا أشرت إليه فإنما تعني به ذلك الفرد من حيث هو معروف معلوم الأشياء، لا أسد بعينه، قال سيبويه١: إذا قلت هذا أبو الحارث إنما٢ تريد هذا الأسد، أي: هو الذي سميت باسمه٣ أو [هذا الذي قد] ٤ عرفت أشباهه، ولا تريد أن تشير إلى شيء قد عرفته بعينه كزيد٥، ولكنك أردت هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم. ا. هـ.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٩٤. ٢ في الكتاب: "فأنت" مكان "إنما". ٣ في الكتاب: "أي: هذا الذي سمعت باسمه". ٤ إضافة من الكتاب. ٥ في الكتاب: " أن تشير إلى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك، كمعرفته زيدا".
[ ١ / ١٣٧ ]
"وهذا العلم" الجنسي "يشبه علم الشخص من جهة الأحكام اللفظية، فإنه يمتنع من" دخول "أل" عليه فلا يقال: الأسامة، كما لا يقال، الزيد، "و" يمتنع "من الإضافة" فلا يقال: أسامتكم، كما لا يقال: زيدكم، إلا إن قصد فيهما الشياع في المسألتين؛ لأن المانع من ذلك اجتماع معرفين مختلفين على معرف واحد، وذلك مأمون بالشياع، "و" يمتنع "من الصرف"، وهو التنوين فلا يجر بالكسرة ولا ينون "إن كان ذا سبب آخر" مع العلمية، "كالتأنيث" اللفظي "في: أسامة وثعالة"، وكزيادة الألف والنون في حمار قبان، "وكوزن الفعل في: بنات أَوْبَر" علما على ضرب من الكمأة، "وابن آوى" بالمد، وهو حيوان كريه الرائحة، فوق الثعلب ودون الكلب، وفيه شبه من الذئب وشبه من الثعلب، طويل المخالب والأظفار، صياحه يشبه صياح الصبيان. قاله الكمال الدميري١.
فإن قلت وزن الفعل في المضاف إليه فقط، والعلم هو مجموع المضاف والمضاف إليه قلت: أجيب عنه بأن الأعلام الجنسية الإضافية يجري على جزئها الثاني حكم ما لو كان علما وحده، قال الدماميني. ويمتنع وصفه بالنكرة، فلا يقال: أسامة مفترس، بل: المفترس، "ويبتدأ به، ويأتي الحال منه" بلا مسوغ فيهما "كما تقدم في المثالين" السابقين وهما: أسامة أجرأ من ثعالة، وهذا أسامة مقبلا، "ويشبه النكرة من جهة المعنى؛ لأنه شائع في أمته" وجماعته، "لا يختص به واحد دون آخر"، كما أن النكرة، نحو: "رجل" كذلك، فظهر من كلامه أولا أن علم الجنس مرادف في المعنى لاسم الجنس بـ"أل" الجنسية، وآخر: أنه لا فرق بين علم الجنس واسمه النكرة من حيث المعنى، وإنما الفرق بينهما من جهة التعريف وعدمه، وقد يقال لما عاملوا "أسد" معاملة النكرة، و"أسامة" معاملة المعرفة، دل ذلك على افتراق مدلوليهما، وإلا لزم التحكم، فبالأثر يستدل على المؤثر، والفرق أن الصورة الذهنية لها حضور من حيث استحضارها في الذهن؛ ليطابق بها شخص ما، وعموم "من" حيث هي كلية مجردة عن اللواحق، فاللفظ الموضوع لها من حيث خصوصها علم الجنس كأسامة، والموضوع لها من حيث عمومها اسم جنس كأسد، وهي من حيث خصوصها وعمومها تنطبق على كل فرد من أفرادها، والحاصل: أن "أسدا" موضوع للحقيقة الذهنية؛ من حيث هي هي؛ من غير اعتبار قيد معها أصلا، و"أسامة" موضوع للحقيقة باعتبار
_________________
(١) ١ حياة الحيوان الكبرى ١/ ١٥٢ "ابن آوى".
[ ١ / ١٣٨ ]
حضورها الذهني الذي هو نوع تشخص لها، مع قطع النظر عن أفرادها، وينقسم على الجنس إلى اسم وكنية ولقب، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٧٩-
ووضعوا لبعض الأجناس علم كعلم الأشخاص لفظا وهو عم
[ ١ / ١٣٩ ]
"فصل":
"ومسمى علم الجنس ثلاثة أنواع:
أحدها، وهو الغالب: أعيان لا تؤلف" للواضع "كالسباع" جمع سبع، وهو ما له ناب، "والحشرات" جمع حشرة، وهو صغار دواب الأرض، فالسباع "كأسامة" للأسد، وكنيته أبو الحارث، "وثعالة" للثعلب، وكنيته أبو الحصين، "وأبي جعدة" كنية "للذئب"، واسمه ذؤالة، "و" الحشرات، نحو: "أم عريط" كنية "للعقرب"، واسمها شبوة، وإلى هذا النوع أشار الناظم بقوله:
٨٠-
من ذاك أم عريط للعقرب وهكذا ثعالة للثعلب
"و" النوع "الثاني: أعيان تؤلف، كهيان بن بيان"، بفتح أولهما وتشديد الياء المثناة تحت، "للمجهول العين" وهي الذات، "والنسب" من بني آدم كـ"طامر بن طامر" لمن لا يعرف ولا يعرف أبوه، وفي المحكم لابن سيده: ما أدري أي هي بن بي هو، معناه أي: الخلق هو١، وهو من أسماء الأضداد؛ لأن المجهولات مستصعبة خفية، لا هينة بينة، وقيل هيان بن بيان اسمان لولدين لآدم ﵊، ويقال أيضا للذي لا يعرف: صلمعة بن قلمعة، وضل بن ضل، "وأبي المضاء" بفتح الميم والضاد المعجمة والمد: "للفرس، وأبي الدغفاء" بفتح الدال المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء ممدودا: "للأحمق"؛ لأن العرب إذا حمقوا إنسانا قالوا له: يا أبا الدغفاء ولِّدها فقارا٢، أي: شيئا لا رأس له ولا ذنب، والمعنى كلفها ما لا تطيق، ولا يكون. قال الموضح في حواشي التسهيل: كأن العرب جعلت "هيان بن بيان" لعدم الشعور بحقيقته، و"أبا الدغفاء" لنفرتهم عنه لحمقه، بمنزلة ما لا يؤلف.
"و" النوع الثالث: أمور معنوية "كسبحان "علما" للتسبيح"، بمعنى التنزيه، ينصب كما ينصب مسماه، ثم استعملوه مكان "يسبح" وصار بدلا من اللفظ
_________________
(١) ١ لسان العرب ١٤/ ١٠١ "بيي"، ١٥/ ٣٧٥ "هيي". ٢ ومنه قول ابن أحمر في ديوانه ص٧٤، ولسان العرب ٩/ ١٠٣ "دعف"، ١٠٤ "دغف": "يدنس عرضه لينال عرضي أنا دغفاء ولدها فقارا"
[ ١ / ١٤٠ ]
بالفعل، والمعنى: براءة الله من السوء، قاله ابن إياز، ورد جعله علما لملازمته للإضافة، قاله الموضح في الجامع الصغير١. "وكيسان" بفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة: علما "للغدر"، بفتح الغين المعجمة، وعليه قوله: [من الطويل]
٨٤-
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم إلى الغدر أسعى من شبابهم المرد
وقال ابن جني في المنهج: والدليل على أنهم سموا التسبيح بسبحان، والغدر بكيسان، أنهما غير منصرفين، والسبب الواحد؛ وهو الألف والنون حاصل، فلا بد من حصول العلمية، "ويسار" بفتح الياء المثناة تحت والسين المهملة وكسر الراء: علما "للميسرة" بمعنى اليسر، كقوله: [من الطويل]
٨٥-
فقلت امكثي حتى يسار لعلنا نجح معا قالت وعاما وقابله
"وفجار" بفتح الفاء والجيم وكسر الراء: علما "للفجرة" بسكون الجيم، بمعنى الفجور، "وبرة" بفتح الموحدة وتشديد الراء: علما "للمبرة"، بمعنى البر، وقد اجتمع في قول النابغة: [من الكامل]
٨٦-
إنا اقتسمنا خطتينا بيننا فحملت برة واحتملت فجار
وإلى هذا النوع الإشارة بقول الناظم:
٨١-
ومثله برة للمبره كذا فجار علما للفجره
_________________
(١) ١ الجامع الصغير ص١١.
(٢) البيت للنمر بن تولب في ديوانه ص٣٣٩، وأساس البلاغة "كيس"، والأغاني ١٤/ ٨٧، والحماسة البصرية ٢/ ٢٨٨، ومجمع الأمثال ٢/ ٦٥، وله أو لضمرة بن ضمرة في شرح المفصل ١/ ٣٧، ٣٨، ولسان العرب ٦/ ٢٠١ "كيس"، وتاج العروس "كيس"، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٦٢، ومقاييس اللغة ٥/ ١٥٠.
(٣) البيت لحميد بن ثور في ديوانه ص١١٧ "الحاشية"، وخزانة الأدب ٦/ ٣٣٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣١٧، وبلا نسبة في الدرر ١/ ٢٤، وشرح المفصل ٤/ ٥٥، والكتاب ٣/ ٢٧٤، ولسان العرب ٥/ ٢٩٦ "يسر"، وهمع الهوامع ١/ ٢٩.
(٤) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٥٥، وإصلاح المنطق ص٣٣٦، وخزانة الأدب ٦/ ٣٢٧، ٣٣٠، ٣٣٣، والدرر ١/ ٢٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢١٦، وشرح المفصل ٤/ ٥٣، والكتاب ٣/ ٢٧٤، ولسان العرب ٤/ ٥٢ "برر"، ٥/ ٤٨ "فجر"، ١١/ ١٧٤ "حمل"، والمقاصد النحوية ١/ ٤٠٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٤٩، وجمهرة اللغة ص٤٦٣، وخزانة الأدب ٦/ ٢٨٧، والخصائص ٢/ ١٩٨، ٣/ ٢٦١، ٢٦٥، وشرح الأشموني ١/ ٦٢، وشرح عمدة الحافظ ص١٤١، وشرح المفصل ١/ ٣٨، ولسان العرب ١٣/ ٣٧ "أنن"، ومجالس ثعلب ٢/ ٤٦٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٩.
[ ١ / ١٤١ ]
باب أسماء الإشارة
مدخل
باب أسماء الإشارة:
وهي كل اسم دل على مسمى وإشارة إليه، "المشار إليه إما واحد، أو اثنان، أو جماعة" فهذه ثلاثة، "وكل واحد منها إما مذكر أو مؤنث"، فهذه ستة تحصلت من ضرب اثنين في ثلاثة وكل واحد من هذه الستة إما قريب المسافة أو بعيدها، فهذه اثنا عشر تحصلت من ضرب اثنين في ستة، وعلى اعتبار المتوسط تصير ثمانية عشر قامت من ضرب ثلاثة في ستة. والمخاطب بالإشارة يكون واحدا مذكرا أو مؤنثا، أو اثنين مذكرين أو مؤنثين، أو جماعة ذكورا وإناثا، فهذه ستة تتنوع الثمانية عشر المذكورة في المشار إليه بحسب هذه الستة تصير ثمانية عشر في ستة فالمجموع مائة وثمانية.
"فللمفرد المذكر" في القرب أربعة "ذا" بألف ساكنة، و"ذاء" بهمزة مكسورة بعد الألف، و"ذائه" بهاء مكسورة بعد الهمزة المكسورة، و"ذاؤه" بهاء مضمومة بعد همزة مضمومة، قال: [من الرجز]
٨٧-
هذاؤه الدفتر خير دفتر في كف قرم ماجد مصور
يروى بكسر الهاء وضمها، وفي كتاب أبو الحسن الهيثم إنما حركت الهاء فيهما للضرورة، والأصل فيهما ذاء؛ وألفه أصليه عند البصريين لا زائدة؛ خلافا للكوفيين، وهو ثلاثي الأصل، حذفت لامه على الأصح لا عينه، وعينه مفتوحة لا ساكنة على الأصح.
"وللمفرد المؤنث" في القرب "عشرة"، خمسة مبدوءة بالذال، وخمسة مبدوءة بالتاء؛ "وهي: ذي وتي" بكسر أولهما وسكون ثانيهما، "وذه وته" بإشباع الكسرة، "وذه وته باختلاس" وهو اختطاف الحركة من الهاء والإسراع بها لا ترك الإشباع، "وذه وته" بالإسكان للهاء، "وذات وتا" بضم التاء من ذات، قال الموضح في الحواشي التسهيلية١: الإشارة "ذا" والتاء للتأنيث، وهي التاء في "امرأة" ونحوه مما فيه تاء الفرق، وليس بصفة، ا. هـ. و"تا" بألف.
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في الدرر ١/ ١٢٦، وهمع الهوامع ١/ ٧٥. ١ انظر شرح التسهيل ١/ ٢٤١.
[ ١ / ١٤٢ ]
"وللمثنى" القريبة: "ذان" في التذكير، "وتان" في التأنيث بالألف فيهما "رفعا، وذَيْن وتَيْن" بالياء فيهما "جرا ونصبا، ونحو: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ " [طه: ٦٣] بالألف وتشديد ونون إن ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] مؤول"، وتأويله: إما على حذف اسم "إن" ضمير شأن؛ على حد: إن يك زيدا مأخوذ، واللام داخلة على مبتدأ محذوف، والأصل: إنه هذان لهما ساحران، أو على أن "إن" بمعنى نعم، وهي لا تعمل شيئا؛ لأنها حرف تصديق، فلا اسم لها ولا خبر، أو على أنه جاء على لغة خثعم، فإنهم لا يقلبون ألف المثنى في حالتي النصب والجر، أو على أن الألف الموجودة ألف المفرد، وألف التثنية حذفت لاجتماع الألفين، وألف المفرد لا تقلب ياء، أو على أنه جيء به على أول أحواله وهو الرفع، كما في "اثنان" قبل التركيب، أو على أن "إن" نافية بمعنى "ما"، واللام بمعنى "إلا" الإيجابية، كما يقول به الكوفيون، أو على أنه مبني لدلالته على معنى الإشارة، واختاره ابن الحاجب١.
"ولجمعهما" في التذكير والتأنيث: "أولاء" حال كونه "ممدودا عند الحجازيين" نحو: هؤلاء القوم، وهؤلاء بناتي، "مقصورا عند" أهل نجد من بني "تميم" وقيس وربيعة وأسد، ذكر ذلك الفراء في لغات القرآن، ولم يخصه بتميم، كما قاله الموضح في حواشي التسهيل٢، ومن خطه نقلت، والأكثر مجيئه للعقلاء، "ويقل مجيئه لغير العقلاء، كقوله" وهو جرير بن عطية: [من الكامل]
٨٨-
ذم المنازل بعد منزلة اللوى "والعيش بعد أولئك الأيام"
فأشار بـ"أولئك" للأيام، وهي ما لا يعقل، وذم: أمر من ذم يذم، ويجوز في ميمه الكسر على أصل التقاء الساكنين، والفتح للتخفيف؛ والضم للاتباع، والمنازل: مفعول به، وبعد متعلق بمحذوف حال من المنازل؛ على تقدير مضاف بين الظرف ومجروره، والتقدير:
_________________
(١) ١ انظر الموشح على كافية ابن الحاجب ص١٨٣. ٢ في شرح التسهيل ١/ ٢٤١: "حكى الفراء أن المد في أولاء وأولئك لغة الحارثيين؛ وأن القصر لغة الحجازيين". وفي شرح ابن عقيل ١/ ١٣٣ أن المد لغة الحجازيين، والقصر لغة بني تميم.
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص٩٩٠، وفيه "الأقوام" مكان "الأيام"، وتخليص الشواهد ص١٢٣، وخزانة الأدب ٥/ ٤٣٠، وشرح شواهد الشافية ص١٦٧، وشرح المفصل ٩/ ١٢٩، ولسان العرب ١٥/ ٤٣٧ "أولى"، والمقاصد النحوية ١/ ٤٠٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٣٤، وشرح ابن الناظم ص٥١، وشرح الأشموني ١/ ٦٣، وشرح ابن عقيل ١/ ١٣٢، المقتضب ١/ ١٨٥.
[ ١ / ١٤٣ ]
كائنة بعد مفارقة منزلة اللواء، واللواء: ممدود وقصر للضرورة، والعيش: منصوب بالعطف على المنازل، والأيام: عطف بيان على أولئك؛ أو نعت له؛ والمخاطب بالإشارة مذكر، ولا يخفى ما في ذلك من الزيادة على قول الناظم:
٨٢-
بذا لمفرد مذكر أشر بذي وذه تي تا على الأنثى اقتصر
٨٣-
وذان تان للمثنى المرتفع وفي سواه ذين تين اذكر تطع
٨٤-
وبأولى أشر لجمع مطلقا والمد أولى
[ ١ / ١٤٤ ]
"فصل":
ما تقدم في المشار إليه إذا كان قريبا، " وإذا كان المشار إليه بعيدا لحقته كاف حرفية"؛ لأن أسماء الإشارة لا تضاف، وهذه الكاف "تنصرف تصرف الكاف الاسمية غالبا"، ليتبين بها أحوال المخاطب من الإفراد والتثنية، والجمع والتذكير والتأنيث، كما يتبين بها لو كانت اسما؛ فتفتح للمخاطب؛ وتكسر للمخاطبة؛ وتتصل بها علامة التثنية والجمعين، فتقول: ذاك وذاك وذاكما وذاكم وذاكن، "ومن غير الغالب" أن تفتح في التذكير وتكسر في التأنيث، ولا يلحقها دليل تثنية ولا جمع، ودون هذا أن تفتح مطلقا، ولا تلحقها علامة تثنية ولا جمع، ويحتملهما قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ في البقرة١، وقوله تعالى: " ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ "٢ في المجادلة، "ولك" مع إلحاق الكاف "أن تزيد قبلها لاما" مبالغة في البعد، وهذه اللام أصلها السكون، كما في "تلك"، وكسرت في ذلك لالتقاء الساكنين، أو فرقا بينها وبين لام الجر من نحو: "ذا لك" بفتح اللام، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٤-
ولدى البعد انطقا
٨٥-
بالكاف حرفا دون لام أو معه
"إلا في التثنية مطلقا" من غير تقييد، بلغة دون أخرى، وسواء في ذلك تثنية المذكر والمؤنث، "و" إلا "في الجمع في لغة من مده"، وهم الحجازيون. وفي لغة بعض من قصره، وهم التميميون. "و" إلا "فيما سبقته ها" التنبيه بألف غير مهموزة، وإلى الاستثناء الأخير أشار الناظم بقوله:
٨٥-
واللام إن قدمت ها ممتنعه
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٣٢. ٢ المجادلة: ١٢.
[ ١ / ١٤٥ ]
"وبنو تميم لا يأتون باللام مطلقا" لا في مفرد ولا في مثنى ولا في جمع، حكاه الفراء عنهم، وتقييد الجمع بلغة من مده احترازا من لغة من يقصره غير التميميين، كقيس وربيعة وأسد، فإنهم يأتون باللام، قال شاعرهم: [من الطويل]
٨٩-
أُولالك قومي لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا أولالكا
و"الأشابة" بضم الهمزة؛ وبالشين المعجمة والباء الموحدة: واحدة الأشائب، وهم الأخلاط من الناس، و"الضليل" بكسر الضاد المعجمة وتشديد اللام: الكثير الضلال، وما ذهب إليه من أن اسم الإشارة له مرتبتان قربى وبعدى لا غير؛ تبع فيه الناظم؛ وخالفه في شرح اللمحة فقال: والمشار إليه إما قريب المسافة أو متوسطها أو بعيدها، فللمفرد المذكر: "ذا": للقريب، و"ذاك": للمتوسط، و"ذلك": للبعيد، ولمثناه: "ذان": للقريب، و"ذانك": للمتوسط، و"ذانك" بتشديدها: للبعيد، ولجمعه: "أولا": لقريب؛ يمد ويقصر، و"أولاك" بالقصر: للمتوسط، و"أولئك" بالمد: للبعيد، وللمفرد المؤنث: "ذي وتي": للقريب، و"تيك": للمتوسط، و"تلك": للبعيد، ولمثناه: "تان": للقريب، و"تانك" بالتخفيف: للمتوسط، و"تانك" بالتشديد: للبعيد، ولجمعه: "أولا": للقريب، و"أولاك": للمتوسط، و"أولئك" للبعيد. ا. هـ.
وقد يتجوز في اسم الإشارة بالنسبة إلى المرتبة وبالنسبة إلى المسمى، فالأول: نيابة ذي البعد عن ذي القرب، نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]، والثاني: نيابة ما للواحد عما للاثنين وعما للجمع، فالأول: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: بين ذلك، أي: بين الفارض والبكر، كقول لبيد: [من الكامل]
٩٠-
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد
ولا ينوب ما للاثنين أو للجماعة عما للواحد.
_________________
(١) البيت للأعشى في شرح المفصل ١٠/ ٦، ولأخي الكلحبة في خزانة الأدب ١/ ٣٩٤، ونوادر أبي زيد ص١٥٤، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص٣٨٢، والدرر ١/ ١٢٨، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٢٢، والصاحبي في فقه اللغة ص٨٤، واللامات ص١٣٢، ولسان العرب ١٥/ ٤٣٧ "أولى"، والمنصف ١/ ١٦٦، ٣/ ٢٦، وهمع الهوامع ١/ ٧٦.
(٢) البيت للبيد في ديوانه ص٣٥، وخزانة الأدب ٢/ ٢٥١، وشرح التسهيل ١/ ٢٤٩، ولسان العرب ١/ ٧٥٩، "نصب" والمحتسب ١/ ١٨٩.
[ ١ / ١٤٦ ]
"فصل":
"ويشار إلى المكان القريب" بالفظتين "هنا" مجردة عن "ها" التنبيه، "أو ههنا" مقرونة بـ"ها" التنبيه، "نحو: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، و" يشار "للبعيد" بألفاظ: "بـ: هناك" مجردة عن "ها" التنبيه، "أو: ههناك" مقرونة بـ"ها" التنبيه من غير لام، "أو: هنالك" بضم الهاء وتخفيف النون وباللام المكسورة، "أو: هنا" بفتح الهاء وتشديد النون، وأصلها: "هنن" بثلاث نونات، أبدلت الثالثة ألفا لكثرة الاستعمال، "أو: هِنّا" بكسر الهاء وتشديد النون، والكلام فيها كالتي قبلها، وكسر الهاء أردأ من فتحها، قاله السيرافي، وأنشد لذي الرمة: [من البسيط]
٩١-
هَنَّا وهِنَّا ومن هُنّا لهُنّ بها ذات الشمائل والأيمان هينوم
"أو: هنّت" بفتح الهاء والنون المشددة وسكون التاء، وهي "هنا" المفتوحة الهاء؛ زيدت عليها التاء الساكنة، فالتقى ساكنان حذفت ألفها لالتقاء الساكنين، وقد تكسر هاؤها، "أو: ثَمّ" بفتح المثلثة وتشديد الميم، وبنيت على الفتح للتخفيف، ولم تكسر على أصل التقاء الساكنين لاستثقال الكسرة مع التضعيف "نحو: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] وهي ملازمة للظرفية، فلا تخرج عنها إلا إلى حالة شبيهة بها، نحو: "جئت من ثم" لأن الظرف والجار والمجرور أخوان، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] فـ"ثَمّ" ظرف مكان لـ"رأيت" المتقدمة عليه. لا مفعول مطلق على الصواب، وإذا قلنا بمذهب الجمهور إن المراتب ثلاث، فيشار إلى المكان القريب بـ"هنا"، وإلى المتوسط بـ"هناك"، وإلى البعيد بـ"هنالك" وأخواته، وعند الناظم مرتبتان أشار إليهما بقوله:
٨٦-
وبهنا أو ههنا أشر إلى داني المكان وبه الكاف صلا
٨٧-
في البعد أو بثم فه أو هَنّا أو بهنالك انطقن أو هنا
_________________
(١) البيت لذي الرمة في ديوانه ص٤٠٩، وتخليص الشواهد ص١٣٣، وجمهرة اللغة ص١٢٠٤، وشرح شواهد الإيضاح ص٤٣٥، وشرح المفصل ٣/ ١٣٧، ولسان العرب ١٢/ ٦٢٣ "هنم"، ١٥/ ٤٨٤ "هنا"، والمقاصد النحوية ١/ ٤١٢، وبلا نسبة في الخصائص ٣/ ٣٨، وشرح ابن الناظم ص٥٣، وشرح الأشموني ١/ ٦٦.
[ ١ / ١٤٧ ]
باب الموصول
مدخل
باب الموصول:
وهو في الأصل اسم مفعول من وَصَلَ الشيء بغيره: إذا جعله من تمامه، وفي الاصطلاح "ضربان": موصول "حرفي، و" موصول "اسمي، فـ" الموصول "الحرفي كل حرف أول مع صلته بالمصدر"، ولم يحتج إلى عائد، "وهو ستة:
أن" المفتوحة الهمزة المشددة النون، وتوصل بجملة اسمية، وتؤول مع معموليها بمصدر، فإن كان خبرها مشتقا فالمصدر المؤول من لفظه، وإن كان جامدا أُوّل بالكون، وإن كان ظرفا أو مجرورا أُوّل بالاستقراء. وحكم الفعل في التصرف والجمود حكم الاسم فيهما، قاله في المغني١. وحكم المخففة من الثقيلة حكم المشددة في ذلك.
"وأنْ" بفتح الهمزة وسكون النون، وهي الناصبة للمضارع: وتوصل بفعل متصرف ماضيا كان أو مضارعا، اتفاقا وأمرا على الأصح.
"وما" المصدرية: وتوصل بفعل متصرف غير أمر وبجملة اسمية لم تصدر بحرف قاله الموضح في الحواشي.
"وكي" المصدرية: وتوصل بمضارع مقرونة بلام التعليل لفظا أو تقديرا.
"ولو" المصدرية: وتوصل بفعل متصرف غير أمر.
"والذي" على وجه حكاه الفارسي في الشيرازيات عن يونس، وأنه جعل منه، ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] قاله الموضح في الحواشي.
ومن أوضح الدلالة على ذلك قول أبي دهبل الجمحي: [من البسيط]
٩٢-
يا ليت من يمنع المعروف يمنعه حتى يذوق رجال مر ما صنعوا
وليت رزق رجال مثل نائلهم قوت كقوت ووسع كالذي وسعوا
وعلى القول به، فقال الرضي: لا خلاف في اسمية "الذي" المصدرية وصنيع الموضح يأباه٢.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ١٩٣.
(٢) البيتان لأبي دهبل الجمحي في ديوانه ص٩١، وأمالي المرتضى ١/ ١١٧، والمؤتلف والمختلف ١١٧. ٢ في حاشية يس ١/ ١٣٠: "مراد الفاضل الرضي بكونها اسمين أن المحل لها، ومراد الموضح بكونها موصلا حرفيا أنها تؤول بمصدر، فلا منافاة".
[ ١ / ١٤٨ ]
مثال "أنّ" بالتشديد "نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١]، أي: أنزلنا.
ومثال "أنْ" بالتخفيف: " ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: صومكم خير لكم.
ومثال "ما": " ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ " [ص: ٢٦]، أي: بنسيانهم إياه.
ومثال "كي": ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي: لعدم كون على المؤمنين حرج.
ومثال "لو": ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦]، أي: التعمير.
ومثال "الذي" المصدرية: " ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]، أي: كخوضهم.
والمانع يدعي أن الأصل كـ"الذين"، حذفت النون على لغة، أو أن الأصل: كالخوض الذي خاضوه، فحذف الموصوف والعائد، أو أن الأصل: كالجمع الذي خاضوا، فقال "الذي" باعتبار لفظ الجمع، وقال "خاضوا" باعتبار معناه، أو أنه أوقع "الذي" على الجمع، كقوله: [من الطويل]
٩٣-
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد
أو أن "الذي" مشترك بين المفرد والجمع على قول الأخفش، كما قاله الموضح في شرح اللمحة.
"و" الموصول "الاسمي" كل اسم افتقر إلى الوصل بجملة خبرية، أو ظرف، أو جار ومجرور تامين، أو وصف صريح، وإلى عائد أو خلفه، قاله الموضح في شذوره١.
_________________
(١) البيت للأشهب بن رميلة في خزانة الأدب ٦/ ٧، ٢٥-٢٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥١٧، والكتاب ١/ ١٨٧، واللسان ٢/ ٣٤٩ "فلج"، ١٥/ ٢٤٦ "لذا"، والمؤتلف والمختلف ص٣٣، والمحتسب ١/ ١٨٥، ومعجم ما استعجم ص١٠٢٨، والمقاصد النحوية ١/ ٤٨٢، والمقتضب ٤/ ١٤٦، والمنصف ١/ ٦٧، وللأشهب أو لحريث بن مخفض في الدرر ١/ ٦٢، وبلا نسبة في الأزهية ٢٩٩، وخزانة الأدب ٢/ ٣١٥، ٦/ ١٣٣، ٨/ ٢١٠، والدرر ٢/ ٢٢١، ورصف المباني ص٣٤٢، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٣٧، وشرح المفصل ٣/ ١٥٥، ومغني اللبيب ١/ ١٩٤، ٢/ ٥٥٢، وهمع الهوامع ١/ ٤٩، ٢/ ٧٣. حانت: من الحَيْن؛ وهو الهلاك. فلج: موضع. ومعنى "هم القوم كل القوم يا أم خالد": أن الذين هلكوا بهذا الموضع هم القوم والرجال الكاملون، فاعلمي ذلك، وابكي عليهم يا أم خالد. ١ شرح شذور الذهب ص١٤١.
[ ١ / ١٤٩ ]
"وهو ضربان: نص" في معناه لا يتجاوزه إلى غيره، "ومشترك" بين معان مختلفة بلفظ واحد.
"فالنص ثمانية" هنا، "منها للمفرد المذكر "الذي" للعالم" بكسر اللام: وهو من يقوم به العَلَم "وغيره" بالجر، فالعالم المنزه عن الذكورة والأنوثة، "نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، والعالم المذكر نحو: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]، وغير العالم نحو: " ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، وللمفرد المؤنث التي للعاقلة وغيرها" فالأول "نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، والثاني "نحو: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ " [البقرة: ١٤٢] فأوقع "التي" على القبلة وهي غير عاقلة.
ولك في ياءي "الذي والتي" وجهان: الإثبات والحذف، فعلى الإثبات تكون إما خفيفة فتكون ساكنة، وأما شديدة فتكون إما مكسورة أو جارية بوجوه الإعراب، وعلى الحذف فيكون الحرف الذي قبلها إما مكسورا؛ كما كان قبل الحذف وإما ساكنا، فهذه الخمس لغات في "الذي والتي"، "ولتثنيتهما: اللذان واللتان" بالألف "رفعا، واللذين واللتين" بالياء المفتوح ما قبلها "جرا ونصبا"، تقول: "جاءني اللذان قاما واللتان قامتا"، و"رأيت اللذين قاما واللتين قامتا"، و"مررت باللذين قاما واللتين قامتا"، وتثنيتهما بحذف الياء على غير القياس، "وكان القياس في تثنيتهما و" في "تثنية: ذا، و: تا" السابقين في بحث الإشارة "أن يقال" في تثنية "الذي": "اللذيان" بإثبات الياء مخففة، "و" في تثنية "التي": "اللتيان" بإثبات الياء مخففة، "و" في تثنية "ذا" "ذيان" بقلب الألف ياء، "و" في تثنية "تا": "تيان" بقلب الألف ياء "كما يقال" في تثنية "القاضي" من المعرب المنقوص: "القاضيان؛ بإثبات الياء، و" كما يقال في تثنية "فتى" من المعرب المقصور: "فتيان؛ بقلب الألف ياء، ولكنهم فرقوا بين تثنية المبني" كالذي وذا، "و" تثنية "المعرب" كالقاضي وفتى، "فحذفوا" الحرف "الآخر" وهو الياء من "الذي والتي"، والألف من "ذا وتا"، وأثبتوه في القاضي وفتى، ففرقوا بين المعرب والمبني في التثنية، "كما فرقوا" بينهما "في التصغير، إذ قالوا" في تصغير "الذي والتي وذا وتا": "اللَّذَيَّا واللَّتَيَّا وذَيَّا وتَيَّا، فأبقوا" الحرف "الأول" هو اللام الأولى من "اللذيا واللتيا"، والذال من "ذيا"، والتاء من "تيا"، "على فتحة" الذي كان قبل التصغير، "وزادوا ألفا في الآخر" في الألفاظ الأربعة "عوضا عن
[ ١ / ١٥٠ ]
ضمة التصغير" التي تكون في أول المصغر ومن العرب من يقول "اللُّذَيَّا واللُّتَيَّا" بضم اللام، فيجمع في التصغير بين الضمة الألف، وما ذكره الموضح هنا تبعا للنظم من أن "اللذان واللتان" تثنية: "الذي والتي" مخالف لقول الناظم في شرح التسهيل١: إن العرب استغنت بتثنية "اللَّذ" دون الياء، و"اللَّت" كذلك عن تثنية "الذي والتي" بالياء، فإن العرب لم تثنهما. ا. هـ.
وعلى تقدير تسليم ما هنا، فلا يختص حذف الآخر بتثنية المبني، بل قد يحذف الآخر في تثنية المعرب، نحو: "عاشوران وخنفسان" تثنية: "عاشوراء وخنفساء"، حكاه الفراء عن العرب، وحيث ثُنِّي الموصول واسم الإشارة فجمهور العرب يخفف النون فيهما، "وتميم وقيس تشدد النون فيهما تعويضا من المحذوف" منهما وهو الياء في "الذي والتي" والألف في "ذا" و"تا"، "أو تأكيدا للفرق" بين تثنية المبني والمعرب الحاصل بحذف الياء والألف، وإلى التشديد والتعويض أشار الناظم بقوله:
٨٩-
والنون إن تشدد فلا ملامه
٩٠-
والنون من ذين وتين شددا أيضا وتعويض بذاك قصدا
"ولا يختص ذلك" التشديد "بحالة الرفع" عند الكوفيين، بل يكون فيها وفي حالتي الجر والنصب، "خلافا للبصريين" في زعمهم أن التشديد مختص بحالة الرفع٢؛ "لأنه قد قرئ في السبع: "رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِّ"٣ [فصلت: ٢٩]، "إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِّ"٤ [القصص: ٢٧]، بالتشديد" فيهما في حالتي النصب في "اللذين" والجر في "هاتين"، "كما قرئ" في حالة الرفع: ""وَالَّذَانِّ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ"٥ [النساء: ١٦]، "فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ"٦" [القصص: ٣٢] بالتشديد فيهما، فتجويز إحداهما ومنع الأخرى تحكم، "وبلحارث بن كعب" أجمعون
"وبعض ربيعة يحذفون نون اللذان واللتان" في حالة الرفع، تقصيرا للموصول لطوله بالصلة،
لكونهما كالشيء الواحد، "قال" الفرزدق: [من الكامل]
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ٢٠٤. ٢ الإنصاف ٢/ ٦٦٩، المسألة رقم ٩٥: الحروف التي وضع عليها الاسم في "ذا" و"الذي". ٣ هي قراءة ابن كثير. انظر الإتحاف ص٣٨١، والنشر ٢/ ٢٤٨. ٤ هي قراءة ابن كثير. انظر الإتحاف ص٣٤٢، والنشر ١/ ٣١٢. ٥ هي قراءة ابن كثير. انظر الإتحاف ص١٨٧، والنشر ٢/ ٢٤٨. ٦ هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ورويس. انظر الإتحاف ص٣٤٢، والنشر ٢/ ٣٤١.
[ ١ / ١٥١ ]
٩٤-
"أبني كليب إن عمّيّ اللّذا" قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
أراد: "اللذان" فحذف النون، وهو مرفوع على الخبرية؛ لأن "بني": منادى بالهمزة، و"كليب" بالتصغير: أبو قبيلة، وهو كليب بن يربوع، و"عمّيّ" بالتثنية: هما هذيل بن هبيرة الثعلبي، وهذيل بن عمران الأصغر، كان أخاه لأمه، و"الأغلال": جمع غل؛ وهو حديد يجعل في العنق من الأسارى وغيرهم. وأراد الفرزدق بذلك الافتخار على جرير، فإنه من بني كليب بأن عميه قتلا الملوك وخلصا الأسارى من أغلالهم، "وقال" الأخطل: [من الرجز]
٩٥-
"هما اللتا لو ولدت تميم" لقيل فخر لهم صميم
أراد: "اللتان" فحذف النون، وهو مرفوع على الخبرية للمبتدأ وهو "هما"، و"تميم": قبيلة، و"صميم": بمعنى خالص. والمعنى: هنا المرأتان اللتان لو ولدتهما تميم لقيل فخر لهم خالص. ولقب هذا الشاعر بالأخطل لكبر أذنه، واسمه غياث بن غوث الثعلبي وكان نصرانيا.
وجاز حذف النون في "اللذان واللتان" لعدم الإلباس، "ولا يجوز ذلك" الحذف "في" نون "ذان، وتان، للإلباس" بالمفرد، ولعدم الطول.
"وتلخص أن في نون الموصول ثلاث لغات": الإثبات والحذف والتشديد، "وفي نون الإشارة لغتان": الإثبات والتشديد، "ولجمع المذكر العاقل كثيرا أو لغيره" أي: لغير العاقل "قليلا: الألى" على وزن العلى، ويكتب بغير واو. قاله الموضح في
_________________
(١) البيت للأخطل في ديوانه ص٣٨٧، والأزهية ص٢٩٦، والاشتقاق ص٣٣٨، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣٠٦، وخزانة الأدب ٣/ ١٨٥، ٦/ ٦، والدرر ١/ ٥٩، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٣٦، وسمط اللآلي ١/ ٣٥، وشرح المفصل ٣/ ١٥٤، والكتاب ١/ ١٨٦، ولسان العرب ٢/ ٣٤٩ "فلج"، ١٤/ ٢٣٣ "حظا"، ١٥/ ٢٤٥ "لذي"، والمقتضب ٤/ ١٤٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٦٢، وأوضح المسالك ١/ ١٤٠، وخزانة الأدب ٨/ ٢١٠، ورصف المباني ص٣٤١، ٤٠٦، وشرح التسهيل ١/ ١٩٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٧٩، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٨٤، والمحتسب ١/ ١٨٥، والمسائل العسكريات ص٢١٨، ومعاني الأخفش ص٢٥٦، والمنصف ١/ ٦٧، وهمع الهوامع ١/ ٤٩.
(٢) الرجز للأخطل في خزانة الأدب ٦/ ١٤، والدرر ١/ ٦٠، والمقاصد النحوية ١/ ٤٢٥، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في الأزهية ص٣٠٣، وأمالي ابن الشجري ص٣٠٨، وأوضح المسالك ١/ ١٤١، وهمع الهوامع ١/ ٤٩.
[ ١ / ١٥٢ ]
شرح اللمحة "مقصورا" على الأشهر كقوله: [من الطويل]
٩٦-
رأيت بني عمي الألى يخذلونني على حدثان الدهر إذ يتقلب
"وقد يمد" كقوله: [من الطويل]
٩٧-
أبى الله للشم الألاء كأنهم سيوف أجاد القين يوما صقالها
وهو في هذين البيتين للعاقل. ومن وقوعها لغير العاقل قوله: [من الطويل]
٩٨-
تهيجني للوصل أيامنا الألى مررن علينا والزمان وريق
"والذين: بالياء مطلقا" في الأحوال الثلاثة، وهي مبنية، وإن كان الجمع من خصائص الأسماء؛ لأن "الذين" مخصوص بـ"أولي العلم"، و"الذي" عام، فلم يجر على سنن الجموع المتمكنة، بخلاف المثنى فإنه جار على سنن المثناة المتمكنة لفظا ومعنى، "وقد يقال": جاء اللذون "بالواو رفعا"، ورأيت الذين ومررت بالذين بالياء جرا ونصبا، وهي حينئذ معربة؛ لأن شبه الحرف عارضه الجمع، وهو من خصائص الأسماء "وهي لغة هذيل أو عقيل" بالتصغير فيهما، و"أو" للشك، قال شاعرهم: [من الرجز]
٩٩-
"نحن اللذون صبحوا الصباحا" يوم النخيل غارة ملحاحا
فـ"نحن": مبتدأ، و"اللذون": خبره، و"النخيل": تصغير نخل؛ بالنون والخاء المعجمة؛ موضع بالشام، و"غارة": مفعول لأجله؛ وهو اسم مصدر إغار، والقياس
_________________
(١) البيت لعمرو بن أسد الفقعسي في الحماسة البصرية ١/ ٧٥، ولبعض بني فقعس أو لمرة بن عداء الفقعسي في الدرر ١/ ١٤٧، ولبعض بني فقعس في خزانة الأدب ٣/ ٣٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٢١٣، بلا نسبة في همع الهوامع ١/ ٨٣.
(٢) البيت لكثير عزة في ديوانه ص٨٧، وشرح التسهيل ١/ ١٩٥، والمقاصد النحوية ١/ ٤٥٩، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٦٨، وشرح شذور الذهب ص١٢٢، وهمع الهوامع ١/ ٨٣.
(٣) البيت لمجنون ليلى في ديوانه ص١٦٣، ولمضرس بن قرط المازني في أمالي القالي ٢/ ٢٥٨.
(٤) الرجز لرؤبة في محلق ديوانه ص١٧٢، ولليلى الأخيلية في ديوانها ص٦١، ولليلى أو لرؤبة أو لأبي حرب الأعلم في الدرر ١/ ٩٢، ١٤٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٢، والمقاصد النحوية ١/ ٤٢٦، ولأبي حرب الأعلم أو لليلى في خزانة الأدب ٦/ ٢٣، ولأبي الحرب بن الأعلم في نوادر أبي زيد ص٤٧، وللعقيلي في مغني اللبيب ٢/ ٤١٠، وبلا نسبة في الأزهية ص٢٩٨، وأوضح المسالك ١/ ١٤٣، تخليص الشواهد ص١٣٥، وشرح ابن الناظم ص٥٦، وشرح الأشموني ١/ ٦٨، وشرح ابن عقيل ١/ ١٤٤، وهمع الهوامع ١/ ٦٠، ٨٣.
[ ١ / ١٥٣ ]
إغارة، و"الملحاح" بكسر الميم؛ من ألح السحاب: دام مطره، "ولجمع المؤنث اللاتي واللائي" بإثبات الياء فيهما، "قد تحذف ياؤهما" اجتزاء بالكسرة، فيقال: اللات واللاء، وإلى هذه الثمانية أشار الناظم بقوله:
٨٨-
موصولة الأسماء الذي الأنثى التي واليا إذا ما ثنيا لا تثبت
٨٩-
بل ما تليه أوله العلامه
٩١-
جمع الذي الألى الذين مطلقا وبعضهم بالواو رفعا نطقا
٩٢-
باللات واللاء التي قد جمعا
"وقد يتقارض الألى واللائي" فيقع كل منهما مكان الآخر "قال" مجنون ليلى قيس بن الملوح: [من الطويل]
١٠٠-
"محا حبها حب الألى كن قبلها" وحلت مكانا لم يكن حل من قبل
فأوقع "الألى" مكان "اللائي" "أي: حب اللائي"، بدليل عود ضمير المؤنث عليها، "قال" رجل من بني سليم: [من الوافر]
١٠١-
"فما آباؤنا بأمن منه علينا اللاء قد مهدوا الحجورا"
فأوقع "اللاء" مكان "الألى" بدليل عود ضمير جمع الذكور عليها، و"الألى": بمعنى الذين، و"الذين" أشهر منها، فلذلك عدل الموضح فقال: "أي: الذين"، إذ لا فرق بينهما. والمعنى: ليس آباؤنا الذين أصلحوا شأننا وجعلوا حجورهم لنا كالمهد، بأكثر امتنانا علينا من هذا الممدوح. وإلى تقارضهما أشار الناظم بقوله:
٩٢-
واللاء كالذين نزرا وقعا
"و" الموصول "المشترك ستة: من"؛ بفتح الميم؛ "وما، وأي"؛ بفتح الهمزة وتشديد الياء؛ "وأل، وذو، وذا"، وذكرها الناظم على غير هذا الترتيب فقال:
٩٣-
ومن وما وأل تساوي ما ذكر وهكذا ذو
٩٥-
ومثل ماذا
٩٩-
أي كما
_________________
(١) البيت لمجنون ليلى في ديوانه ص١٧٠، والمقاصد النحوية ١/ ٤٣٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٤٤، وشرح الأشموني ١/ ٦٨.
(٢) البيت لرجل من بني سليم في تخليص الشواهد ص١٣٧، والدرر ١/ ١٤٨، والمقاصد النحوية ١/ ٤٢٩، وبلا نسبة في الأزهية ص٣٠١، وأوضح المسالك ١/ ١٤٦، وشرح ابن الناظم ص٥٦، وشرح الأشموني ١/ ٦٩، وشرح ابن عقيل ١/ ١٤٥، وهمع الهوامع ١/ ٨٣.
[ ١ / ١٥٤ ]
ولكل منها كلام يخصها، "فأما "من" فإنها تكون" في أصل الوضع "للعالم" بكسر اللام، "نحو: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الوعد: ٤٣]، و" تكون "لغيره"، أي: غير العالم؛ على سبيل التطفل "في ثلاث مسائل:
إحداها أن ينزل" ما وقعت عليه "مَن" مِن غير العالم "منزلته"، أي: منزلة العالم، "نحو" قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ "مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف: ٥]، وقوله، وهو العباس بن أحنف: [من الطويل]
١٠٢-
أسرب القطا هل مَن يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير
فاوقع "من" على سرب القطا؛ وهو غير عاقل، "وقوله" وهو امرؤ القيس بن حجر الكندي: [من الطويل]
١٠٣-
"ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي"
فأوقع "من" على الطلل وهو غير عاقل. وعم: فعل أمر معناه الدعاء، أصله أنعم، حذفت منه الألف والنون تخفيفا. وصباحا: منصوب على الظرفية، ومن عادة تحيات العرب في الصباح: عم صباحا، وفي المساء: عم مساء، فكأنهم قالوا: أنعم الله في صباحك ومسائك. ويَعِمَن: أصله يَنْعِمن، حذفت منه النون الأولى، والنون الساكنة في آخره للتوكيد. ومن: فاعل يَعِمْن. والعصر؛ بضمتين؛ بمعنى: العصر؛ بفتح العين وسكون الصاد: الزمان ويجمع في القلة على أعصر؛ وفي الكثرة على عصور، والخالي: نعته. "فدعاء الأصنام" في قوله تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف: ٥] "ونداء القطا" في قوله: [من الطويل]
أسرب القطا هل من يعير جناحه
_________________
(١) البيت للمجنون في ديوانه ص١٠٦، وللعباس بن الأحنف في ديوانه ص١٦٨، وتخليص الشواهد ص١٤١، وللعباس أو للمجنون في الدرر ١/ ١٧٥، والمقاصد النحوية ١/ ٤٣١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٤٧، وشرح ابن الناظم ص٥٧، وشرح الأشموني ١/ ٦٩، وشرح ابن عقيل ١/ ١٤٨.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص٢٧، وجمهرة اللغة ص١٣١٩، وخزانة الأدب ١/ ٦٠، ٣٢٨، ٣٣٢، ٢/ ٣٧١، ١٠/ ٤٤، والدرر ٢/ ٢٦٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤٠، والكتاب ٤/ ٣٩، وتاج العروس "طول"، وبلا نسبة في الاقتضاب ص٥٦٠، وأوضح المسالك ١/ ١٤٨، وخزانة الأدب ٧/ ١٠٥، وشرح الأشموني ١/ ٦٩، ٢/ ٢٩٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٨٥، ومغني اللبيب ١/ ١٦٩، وهمع الهوامع ٢/ ٨٣، والحيوان ١/ ٣٢٨.
[ ١ / ١٥٥ ]
"و" نداء "الطلل" في قوله:
أيها الطلل البالي
"سوغ ذلك"، وهو وقوع "من" على الأصنام لما كانت عندهم مدعوة، وعلى السرب والطلل لما كانا مناديين، ولا يدعى إلا العاقل.
المسألة "الثانية" من وقوع "من" على غير العالم "أن يجتمع" غير العاقل "مع العاقل فيما وقعت عليه من" الموصولة، "نحو: ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] فإنه عام في العاقل وغيره، "لشموله الآدميين والملائكة والأصنام"، فإن الجميع لا يخلقون شيئا، "ونحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الحج: ١٨] فإنه يشمل الملائكة والشمس والقمر والنجوم وغيرها " ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ " [الحج: ١٨] فإنه الأدميين والجبال والشجر والدواب وغيرها، وأفرد الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب بالذكر في الآية لشهرتها؛ واستبعاد السجود منها، "ونحو: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ [النور: ٤٥] فإنه يشمل الآدمي والطائر"، ولا فرق في هذه المسألة بين أن يكون العاقل أكثر من غيره كالمثال الأول، أو أقل منه كالمثال الثاني، أو مساويا له كالمثال الثالث، ولذلك أعاد لفظه نحو في الأمثلة الثلاثة.
المسألة "الثالثة" من وقوع "من" على غير العالم "أن يقترن" غير العاقل "به" أي: بالعاقل "في عموم فُصّل بـ: من" الموصولة "نحو: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ و﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] لاقترانها بالعاقل في" عموم "كل دابة" من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥]، فأوقع "من" على غير العاقل لما اختلط بالعاقل، ولكن الاختلاط فيها على ضربين:
اختلاط فيما وقعت عليه "من" وهو من يمشي على رجلين، فإنه يشمل الآدمي والطائر كما تقدم.
واختلاط في عموم فصل بـ"من" وهو من يمشي على بطنه، ومن يمشي على أربع، فإنهما اختلط بالعاقل في عموم كل دابة؛ لأن الدابة لغة: اسم لما يدب على الأرض عاقلا كان أو غيره، بدليل: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥] ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤]، ويحتمل عندي أن تكون "من" فيهن نكرة موصوفة بالجملة بعدها، والتقدير: فمنهم نوع يمشي على بطنه، ومنهم نوع يمشي على
[ ١ / ١٥٦ ]
رجليه، ومنهم نوع يمشي على أربع، على حد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] قال الموضح في شرح الشذور١: ويجوز في "من" أن تكون نكرة موصوفة بالجملة بعدها، والتقدير: ومن الناس ناس يعبدون الله. ا. هـ.
"وأما ما" الموصولة "فإنها" في أصل وضعها "لما يعقل وحده نحو: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ [النحل: ٩٦] أي: الذي عندكم ينفد، "و" قد تكون "له" أي: لما لا يعقل "مع العاقل نحو: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحشر: ١] فإنه يشمل العاقل وغيره، "و" تكون "لأنواع من يعقل". هذه عبارة ابن عصفور، وعبارة ابن مالك تبعا للفارسي: ولصفات من يعقل، ومثالها عند ابن عصفور وابن مالك "نحو: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] كلا التعبيرين متكلم فيه، أما الأول فرده ابن الحاج بأن النوع لا يعقل، فهذا مستغنى عنه بقوله: "لما لا يعقل"، وأما الثاني فلأنه لا يصح أن يقال: أنكحوا الطيب أو الطيبة؛ لأن النكاح إنما هو للذوات لا للصفات، نقله الموضح في الحواشي.
وتكون ما "للمبهم أمره" من الأشخاص "كقولك وقد رأيت شبحا" بفتح الموحدة وبالحاء المهملة، لا تدري أبشر هو أم مُدَّر: "انظر إلى ما ظهر"، كذا لو علمت إنسانيته، ولم تدر أذكر هو أم أنثى، قاله ابن مالك في شرح التسهيل٢ أخذا من قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] وللبحث فيه مجال.
"والأربعة الباقية" من الستة تكون "للعاقل وغيره" وفيها تفصيل:
"فأما: أي" بفتح الهمزة وتشديد الياء "فخالف في موصوليتها ثعلب" أبو العباس أحمد بن يحيى محتجا بأنه لم يسمع: أيهم هو فاضل جاءني، بتقدير: الذي هو فاضل جاءني، "ويرده قوله" وهو غسان: [من المتقارب]
١٠٤-
إذا ما لقيت بني مالك "فسلم على أيهم أفضل"
_________________
(١) ١ لم أجد هذا القول في شرح شذور الذهب. ٢ شرح التسهيل ١/ ١٩٧.
(٢) البيت لغسان بن وعلة في الدرر ١/ ١٥٥، والمقاصد النحوية ١/ ٤٣٦، وله أو لرجل من غسان في شرح شواهد المغني ١/ ٢٣٦، ولغسان في الإنصاف ٢/ ٧١٥، ولغسان أو لرجل من غسان في خزانة الأدب ٦/ ٦١ وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٥٠، وتخليص الشواهد ١٥٨، وجواهر الأدب ٢١٠، ورصف المباني ١٩٧، وشرح الأشموني ١/ ٧٧، وشرح ابن عقيل ١/ ١٦٢، وشرح ابن الناظم ص٦٥، وشرح المفصل ٣/ ١٤٧، ٤/ ٢١، ٧/ ٨٧، ولسان العرب ١٤/ ٥٩ "أيا"، ومغني اللبيب ١/ ٧٨، وهمع الهوامع ١/ ٨٤.
[ ١ / ١٥٧ ]
وجه الرد منه أن "أيهم" مبنية على الضم، وغير الموصولة لا تبنى ولا يصلح هنا، وإذا انتفى غير الموصولة تعينت الموصولة وهو المدعى، وهي الملازمة للإضافة لفظا أو تقديرا إلى معرفة، "ولا تضاف لنكرة لتكون خلافا لابن عصفور" وابن الضائع، بالضاد المعجمة والعين المهملة، فإنهما أجازا إضافتها إلى نكرة وجعلا من ذلك: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، فـ"أي" عندهما موصولة، و"يعلم" بمعنى: يعرف، والتقدير: وسيعرف الذين ظلموا المنقلب الذي ينقلبونه، ومذهب الجمهور أن "أيا" هنا استفهامية منصوبة ينقلبون على أنها مفعول مطلق، و"يعلم" على بابه، وهو معلق عن العمل فيما بعده لأجل الاستفهام بـ"أي"، والتقدير: وسيعلم الذين ظلموا ينقلبون أي: انقلاب.
"و" أي الموصولة "لا يعمل فيها إلا" عامل "مستقبل متقدم" عليها "نحو: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ١ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] خلافا للبصريين" في الاستقبال والتقديم٢ قال في التسهيل: ولا يلزم استقبال عامله ولا تقديمه، خلافا للكوفيين٣. وقال أبو حيان في شرح التسهيل: "وسأل الكسائي" في حلقة يونس: "لم لا يجوز: أعجبني أيهم قام"؟ فمنع من ذلك، فقيل له: لمه؟ فلم يلح له وجه المنع، "فقال: أي كذا خلقت" ا. هـ.
أي: كذا وضعت. قال ابن السراج موجها قول الكسائي بالمنع ما معناه إن "أيا" وضعت على العموم والإبهام، فإذا قلت: يعجبني أيهم يقوم، فكأنك قلت: يعجبني الشخص الذي يقع منه القيام كائنا من كان، ولو قلت: أعجبني أيهم قام لم يقع إلا على الشخص الذي قام؛ فأخرجها ذلك عما وضعت له من العموم، وإنما اشترط كون العامل فيها متقدما مع كونه مستقبلا لأجل الفرق بين الشرطية والاستفهامية، وبين الموصولة؛ لأن الشرطية والاستفهامية لا يعمل فيهما إلا متأخر، والمشهور عند الجمهور إفرادها وتذكيرها، "وقد تؤنث وتثنى وتجمع" عند بعضهم، فتقول: أية وأيان وأيتان وأيون وأيات، "و" على الحالين "هي معربة، فقيل مطلقا"، سواء أضيفت أم لم تضف، ذكر صدر
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي ﴿أَيُّهُمْ﴾ بالرفع، وقرأها بالنصب: هارون ومعاذ وطلحة والأعرج والأعمش. انظر البحر المحيط ٦/ ٢٠٩، ومغني اللبيب ١/ ٧٧، والإنصاف ٢/ ٧١١، وشرح ابن عقيل ١/ ١٦٥، والكتاب ٢/ ٣٩٩. ٢ الإنصاف ٢/ ٧١١. ٣ الإنصاف ٢/ ٧٠٩، ٧١٠.
[ ١ / ١٥٨ ]
صلتها أو حذف، وهو قول الخليل ويونس والأخفش والزجاج والكوفيين١، وإليه أشار الناظم بقوله:
١٠٠-
وبعضهم أعرب مطلقا
"وقال سيبويه: تبنى على الضم إذا أضيفت لفظا وكان صدر صلتها ضميرا محذوفا٢" وهو مراد الناظم بقوله:
٩٩-
وأعربت ما لم تضف وصدر وصلها ضمير انحذف
"نحو: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩]، وقوله:
١٠٥-
على أيهم أفضل"
بالبناء على الضم فيهما تشبيها بالغايات، إذ كان بناؤها بسبب حذف شيء. وخولف في ذلك، قال الزجاج: ما تبين لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين٣، هذا أحدهما، فإنه يسلم أنها تعرب إذا أفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت. ا. هـ.
وزعم المانعون أن "أيا" في الآية استفهامية، وأنها مبتدأ، و"أشد" خبره. ثم اختلفوا في مفعول ننزع. فقال الخليل: محذوف والتقدير: لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد٤. وقال يونس: المفعول الجملة، وعلقت "ننزع" عن العمل فيها٥. وقال الكسائي والأخفش: المفعول: "كل شيعة"، و"من" زائدة٦. ورد الموضح ذلك في المغني٧ بما يطول ذكره وبالبيت السابق.
"وقد تعرب حينئذ" أي: حين إذ أضيفت، وكان صدر صلتها ضميرا محذوفا
_________________
(١) ١ الإنصاف ٢/ ٧١١، والكتاب ٢/ ٣٩٩، وشرح الرضي ٣/ ٦٢. ٢ هذا القول مستنتج من رأي سيبويه حيث قال في الكتاب ٢/ ٤٠٠: "وأرى قولهم: اضرب أيهم أفضل، على أنهم جعلوا هذه الضمة بمنزلة الفتحة في خمسة عشر، وبمنزلة الفتحة في الآن وجاز إسقاط هو في أيهم تخفيفا". وانظر شرح الرضي ٣/ ٦٠.
(٢) تقدم تخريج البيت بتمامه برقم ١٠٤. ٣ في حاشية يس ١/ ١٣٦: "لا وجه للتغليط مع دلالة ظواهر الشواهد لما قال سيبويه كما في الآية والبيت المشهورين". قلت: يقصد الآية: ٦٩ من سورة مريم، والبيت الذي تقدم برقم ١٠٤، ١٠٥. ٤ انظر قول الخليل في الإنصاف ١/ ٧١١، ٧١٢، وشرح الرضي ٣/ ٦٢. ٥ انظر قول يونس في شرح الرضي ٣/ ٦٣، والكتاب ٢/ ٤٠٠. ٦ انظر قول الكسائي والأخفش في شرح الرضي ٣/ ٦٣. ٧ مغني اللبيب ١/ ٧٨.
[ ١ / ١٥٩ ]
"كما رويت الآية" وهي: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] "بالنصب"١ وهي قراءة هارون ومعاذ ويعقوب، "والبيت"؛ وهو: "على أيهم أفضل" "بالجر". قال سيبويه: وهي لغة جيدة٢. وبذلك احتج من قال بإعرابها مطلقا.
"وأما "أل" فنحو: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ " [الحديد: ١٨] مما صلته اسم فاعل، "ونحو: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ " [الطور: ٦٥] مما صلته اسم مفعول.
وسكت عن الصفة المشبهة نحو: الحسن؛ لأن "أل" الداخلة عليها حرف تعريف، على ما صححه في المغني. "وليست" "أل" الداخلة على اسم الفاعل والمفعول "موصولا حرفيا خلافا للمازني" في أحد قوليه "ومن وافقه". ويرده أنها لا تؤول بالمصدر، وأن الضمير يعود عليها في نحو قولهم: "قد أفلح المتقي ربه"، والضمير لا يعود إلا على الأسماء، وأجاب المازني عن الثاني بأن الضمير يعود على موصوف محذوف، ورد بأن الحذف الموصوف مظان لا يحذف في غيرها إلا لضرورة، وهذا ليس منها، "ولا حرف تعريف، خلافا لأبي الحسن" الأخفش، وهو ثاني قول المازني، وحجتهما أن العامل يتخطاها نحو: جاء الضارب، كما يتخطاها مع الجامد نحو: جاء الرجل، وهي مع الجامد معرفة اتفاقا، فتكون مع المشتق كذلك. ويجاب بالفرق بأنها مع المشتق داخلة على الفعل تقديرا؛ لأن المشتق في تقدير الفعل، فيعود عليها ضمير، و"أل" المعرفة لا يعود عليها ضمير، وإنما نقل الإعراب إلى ما بعدها لكونها على صورة الحرف، ويدل على كونها اسما أن الوصف يعمل معها بلا شرط، ولو كانت معرفة لكانت مبعدة من شبه الفعل، فلا يكون الوصف معها عاملا. وأجاب الأخفش بالتزامه، فذهب إلى أن اسم الفاعل لا يعمل مع "أل"٣. "وأما "ذو" فخاصة بطيء"٤، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٩٣-
وهكذا ذو عند طيئ شهر
"والمشهور" عنهم بناؤها على سكون الواو، "وقد تعرب" بالحروف الثلاثة إعراب "ذو" بمعنى صاحب، وخص ابن الضائع ذلك بحالة الجر؛ لأنه المسموع، "كقوله"
_________________
(١) ١ انظر البحر المحيط ٦/ ٢٠٩، والإنصاف ٢/ ٧١١، والكتاب ٢/ ٣٩٩. ٢ أي: نصب "أيهم" في الآية السابقة. انظر الكتاب ٢/ ٣٩٩. ٣ انظر هذه الأقوال في شرح الرضي ٣/ ٢٩-٤٨: الإخبار بالذي أو بالألف واللام، وشرح التسهيل ٣/ ٢٠٠. ٤ انظر شرح الرضي ٣/ ٢٢، وشرح ابن الناظم ص٥٩.
[ ١ / ١٦٠ ]
وهو منظور بن سحيم الفقعسي: [الطويل]
١٠٦-
فإما كرام موسرون لقيتهم "فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا"
"فيمن رواه بالياء"، وهو أبو الفتح بن جني في كتابه المحتسب، وهو مشكل، فإن سبب البقاء قائم ولم يعارضه معارض، "والمشهور" عنهم "أيضا إفرادها" وإن وقعت على مثنى أو جمع "وتذكيرها" وإن وقعت على مؤنث "كقوله" وهو سنان بن الفحل الطائي: [من الوافر]
١٠٧-
فإن الماء ماء أبي وجدي "وبئري ذو حفرت وذو طويت"
فأتى بـ"ذو" مفردة مذكرة، مع أنها واقعة على "البئر" وهو مؤنثة. ويحتمل أنه راعى معنى القليب١ وهو مذكر، والحفر: معروف. والطي: من طويت البئر إذا بنيتها بالحجارة. "وقد تؤنث وتثنى وتجمع" عند بعض بني طيئ، فتقول في المذكر: "ذو قام"، وفي المؤنث: "ذات قامت"، وفي مثنى المذكر: "ذوا قاما"، وفي مثنى المؤنث: "ذواتا قامتا"، وفي جمع المذكر: "ذوو قاموا"، وفي جمع المؤنث: "ذوات قمن"، "حكاه ابن السراج" في الأصول عن جميع لغة طيئ على الإطلاق، وتبعه ابن عصفور في المقرب٢. "ونازع في ثبوت ذلك" المحكي على الإطلاق "ابن مالك" في شرح التسهيل فقال: وأطلق ابن عصفور القول بتثنيتها وجمعها٣. قال الشاطبي: والمردود عليه إنما هو الإطلاق في جميع لغة طيئ، وأما كون "ذو" تثنى وتجمع وتؤنث عند بعض طيء فهو ثابت. ا. هـ. قال الفراء في لغات القرآن: وربما قالوا: هذان ذوا تعرف، وهؤلاء ذوو تعرف، ويجعلون مكان "التي" ذات، ويرفعون التاء على كل حال، وفي تثنيتها: هاتان
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ٢٣.
(٢) البيت لسنان بن الفحل في الإنصاف ص٣٨٤، وخزانة الأدب ٦/ ٣٤، ٣٥، والدرر ١/ ١٥١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٥٩١، والمقاصد النحوية ١/ ٤٣٦، وبلا نسبة في الأزهية ٢٩٥، وأوضح المسالك ١/ ١٥٤، وتخليص الشواهد ١٤٣، وشرح ابن الناظم ص٦٠، وشرح التسهيل ١/ ١٩٩، وشرح الرضي ٣/ ٢٢، وشرح قطر الندى ص١٠٢، وشرح الأشموني ١/ ٧٢، وشرح المفصل ٣/ ١٤٧، ٨/ ٤٥، ولسان العرب ١٥/ ٤٦٠ "ذوا"، وهمع الهوامع ١/ ٨٤. ١ القليب: البئر قبل أن تطوى فإذا طويت فهي الطوي. وقال شمر: القليب من أسماء البئر، وسميت قليبا؛ لأن حافرها قلب ترابها. معجم البلدان ٤/ ٣٨٦ "قليب". ٢ المقرب ١/ ٥٩. ٣ شرح التسهيل ١/ ١٩٩.
[ ١ / ١٦١ ]
ذواتا تعرف، وفي جمعها: هؤلاء ذوات تعرف. ا. هـ. "و" ابن السراج وابن عصفور وابن مالك١ "كلهم حكى" عن بعض طيئ "ذات للمفردة، وذوات لجمعها مضمومتين"، على أنهما موصولان مستقلان مرادفان لـ"اللتي واللاتي"، قال في التسهيل: وقد ترادف "اللتي واللاتي" ذات وذوات مضمومتين مطلقا، وقال في النظم:
٩٤-
وكالتي أيضا لديهم ذات وموضع اللاتي أتى ذوات
"كقوله" وهو رجل من بني طيئ كما قال الفراء في لغات القرآن: سمعنا أعرابيا من طيئ يسأل ويقول: "بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به"٢ فبنى "ذات" على الضم، ونقل حركة الهاء الأخيرة إلى ما قبلها، وحذف الألف فسكنت الهاء. وبالفضل: متعلق بمحذوف، أي: أسألكم بالفضل أو نحوه، والكرامة: بالخفض. معطوفة على الفضل، وكأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] قاله الموضح في الحواشي. "وقوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
١٠٨-
جمعتها من أينق موارق "ذوات ينهضن بغير سائق"
فبنى "ذوات" على الضم، والهاء في "جمعتها" للنوق المذكورة في بيت قبله، والأينق؛ بتقديم الياء المثناة تحت الساكنة على النون المضمومة: جمع ناقة، وأصل ناقة نوقة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وتجمع في القلة على أنوق، قدمت الواو على النون فصار أونق، ثم قلبت الواو ياء أينق، ويجمع أينق على أيانق، والموارق: جمع مارقة، من مرق السهم، شبه النوق بالسهام في سرعة مشيها، وسائق: من السوق؛ بفتح السين.
و"حكي" في ذوات وذوات "إعرابهما" بالحركات "إعراب ذات وذوات بمعنى صاحبة وصاحبات"، حكى الأول أبو حيان في الارتشاف، وحكى الثاني أبو جعفر بن النحاس الحلبي، وإذا أعربا نونا لعدم الإضافة، فنقول: جاءني ذات قامت، ورأيت ذاتا قامت، ومررت بذات قامت، بالحركات الثلاث مع التنوين. وتقول: جاءني ذوات قمن،
_________________
(١) ١ المقرب ١/ ٥٩، وشرح التسهيل ١/ ١٩٩. ٢ ورد هذا القول في شرح ابن الناظم ص٦٠.
(٢) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٠، والدرر ١/ ١٥١، وبلا نسبة في الأزهية ص٢٩٥، وأوضح المسالك ١/ ١٥٦، وتخليص الشواهد ص١٤٤، وتهذيب اللغة ١٥/ ٤٤، وتاج العروس "ذو"، وشرح ابن الناظم ص٦٠، وهمع الهوامع ١/ ٨٣.
[ ١ / ١٦٢ ]
بالرفع والتنوين؛ ورأيت ذوات قُمْن، ومررت بذوات قُمْن، بالكسر مع التنوين جرا ونصبا، قاله الموضح في الحواشي.
"وأما "ذا" فشرط موصوليتها ثلاثة أمور:
أحدها: أن لا تكون للإشارة"؛ لأنها إذا كانت للإشارة تدخل على المفرد، "نحو: من ذا الذاهب وماذا التواني"، والمفرد لا يصلح أن يكون صلة لغير "أل".
"و" الأمر "الثاني: أن لا تكون" ذا "ملغاة"، وإلغاؤها على وجهين، أحدهما حكمي، والآخر حقيقي، فالحكمي ما ذكره بقوله "وذلك" الإلغاء "بتقديرها مركبة مع "ما" في نحو: ماذا صنعت"، فيصيران اسما واحدا من أسماء الاستفهام في محل نصب على المفعولية المقدمة بـ"صنعت"، والتقدير: أي شيء صنعت "كما قدرها كذلك"، أي: مركبة مع "ما"، إلا أنهما في محل جر "من قال" لسائل عن شيء: "عما ذا تسأل"، والتقدير: عن أي شيء تسأل، "فأثبت الألف" من ما "لتوسطهما" في اسم الاستفهام بالتركيب، ولولا ذلك لحذفت الألف؛ لأن "ما" الاستفهامية إذا دخل عليها جار حذفت ألفها لتطرفها نحو: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] فرقا بين "ما" الاستفهامية والموصولة نحو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٣] وخصت الاستفهامية بحذف الألف للتطرف، وصينت الموصولة عن الحذف لتوسط الألف؛ لأن الصلة والموصول بمنزلة الاسم الواحد، والإلغاء الحقيقي ما ذكره بقوله: "ويجوز الإلغاء عند الكوفيين وابن مالك على وجه آخر، وهو تقديرها زائدة" بين "ما" ومدخولها، فكأنك قلت: ما صنعت؟ والبصريون لا يجيزون زيادة شيء من الأسماء، وسكنت عن إلغاء "ذا" مع "من" لمنع أبي البقاء وثعلب وغيرهما أن تكون "من وذا" مركبتين، وخصوا جواز ذلك بـ"ما وذا" لأن "ما" أكثر إبهاما، فحسن أن تجعل مع غيرها كشيء واحد ليكون ذلك أظهر لمعناها، ويجوز على قول الكوفيين بزيادة الأسماء كون "ذا" زائدة و"من" مفعولا في نحو: من ذا ضربت، وظاهر كلام جماعة أنه يجوز أن يكون "من وذا" مركبتين، قاله في المغني وهو ظاهر قول الناظم:
٩٥-
ومثل ماذا بعد ما استفهام أو من إذا لم تلغ في الكلام
"و" الأمر "الثالث أن يتقدمها استفهام بما باتفاق" من البصريين "أو بمن على الأصح" عندهم؛ لأن كلا منهما للاستفهام، وأجاب المانع بالفرق بأن "ما" تجانس "ذا" لما فيها من الإبهام، بخلاف "من"، فإنها لا إبهام فيها لاختصاصها بمن
[ ١ / ١٦٣ ]
يعقل، فلا مجانسة بينهما، وكلا التعليلين ضعيف، أما الأول فلأن بقية أدوات الاستفهام كما في الإبهام، فلا خصوصية لإلحاق من دونها. وأما الثاني فلأن "ما" مختصة بما لا يعقل، كما أن "من" مختصة بمن يعقل، إلا أن يقال إن ما لا يعقل أوسع دائرة ممن يعقل، والمرجع في ذلك إلى السماع، وكلاهما مسموع، فالأول "كقول لبيد" ابن ربيعة العامري: [من الطويل]
١٠٩-
"ألا تسألون المرء ماذا يحاول" أنحب فيقضي أم ضلال وباطل
أنشده سيبويه١. فـ"ما" مبتدأ و"ذا" اسم موصول خبر، وجملة "يحاول"، صلته والعائد محذوف، و"يحاول": يطلب، و"النحب" بفتح النون وسكون الحاء المهملة: أصله المدة والوقت، يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات، والمراد به هنا النذر، والمعنى: ألا تسألان المرء ما الذي يطلبه ويحاوله باجتهاده في الدنيا، وأنذر أوجبه على نفسه، فهو يسعى في وفائه، أم هو في ضلال وباطل. "و" الثاني نحو "قوله" وهو أمية بن أبي عائد الهذلي، كما قال ابن مالك٢، أو أمية بن الصلت، كما قال العيني٣: [من المتقارب]
١١٠-
ألا إن قلبي لدى الظاعنينا حزين "فمن ذا يعزي الحزينا"
أنشده ابن مالك. فـ"من" مبتدأ، و"ذا" اسم موصول خبر، وجملة "يعزي الحزينا" صلته، و"الظاعنين" جمع ظاعن؛ من ظعن: إذا سار. "والكوفي لا يشترط" في موصولية "ذا" تقدم "من" ولا "ما" الاستفهاميتين، "واحتج بقوله" وهو يزيد بن مفرغ الحميري: [من الطويل]
_________________
(١) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص٢٥٤، والأزهية ص٢٠، والجنى الداني ص٢٣٩، وخزانة الأدب ٢/ ٢٥٢، ٢٥٣، ٦/ ١٤٥، ١٤٧، وديوان المعاني ١/ ١١٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٠، وشرح شواهد المغني ١/ ١٥٠، ٢/ ٧١١، والكتاب ٢/ ٤١٧، ولسان العرب ١/ ٧٥١ "نحب"، ١١/ ١٨٧ "حول"، ١٥/ ٤٥٩ "ذو"، والمعاني الكبير ص١٢٠١، ومغني اللبيب ص٣٠٠، وتاج العروس ٤/ ٢٤٣ "نحب"، "ما"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٥٩، ورصف المباني ص١٨٨، وشرح ابن الناظم ص٦٢، وشرح الأشموني ١/ ٧٣، وشرح التسهيل ١/ ١٩٧، وشرح الرضي ٣/ ٦٥، وشرح المفصل ٣/ ١٤٩، ١٥٠، ٤/ ٢٣، وكتاب اللامات ص٦٤، ومجالس ثعلب ص٥٣٠. ١ الكتاب ٢/ ٤١٧. ٢ شرح التسهيل ١/ ١٩٩. ٣ المقاصد النحوية ١/ ٤٤١.
(٢) البيت لأمية بن أبي عائذ الهذلي في ديوانه ص٦٣، وخزانة الأدب ٢/ ٤٣٦، وشرح التسهيل ١/ ١٩٩، ولأمية بن أبي الصلت في المقاصد النحوية ١/ ٤٤١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٦١.
[ ١ / ١٦٤ ]
١١١-
عَدَس ما لعباد عليك إمارة "أمنت وهذا تحملين طليق"
وتقرير الحجة منه أن "هذا" اسم موصول مبتدأ، ولم يتقدم عليه "ما" ولا "من"، وتحملين: صلته والعائد محذوف، وطليق: بمعنى مطلق خبر المبتدأ، "أي: والذي تحملينه طليق، وعندنا" معشر البصريين١ "أن "هذا" اسم إشارة" على أصله، لا موصول٢؛ لأن "ها" التنبيه لا تدخل
على الموصولات وهو مبتدأ، "وطليق": خبره، وهي "جملة اسمية، وتحملين: حال" من فاعل طليق المستتر فيه متقدمة على عاملها، "أي: وهذا طليق محمول لك"، وعدس؛ بفتح العين والدال والسين المهملات: اسم صوت لزجر البغل، وعباد: هو ابن زياد بن أبي سفيان، وكان يزيد يكثر من هجوه، حتى كتبه على الحيطان، فلما ظفر به ألزمه محوه بأظفاره، ففسدت أنامله، ثم أطال سجنه، فكلموا فيه معاوية فأمر بإخراجه، فلما خرج قدمت بغلة فركبها فنفرت فقال٣:
عدس ما لعباد عليك إمارة
البيت. و"إمارة" بكسر الهمزة: أي: أمر.
ولا تختص "ذا" الإشارية بذلك عند الكوفيين، بل جميع أسماء الإشارة يجوز أن تستعمل عندهم موصولات٤ نحو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] قالوا٥: إن "تلك" موصول و"بيمينك" صلة، أي: وما التي بيمينك، وعندنا أن "بيمينك" حال
_________________
(١) البيت ليزيد بن مفرغ في ديوانه ص١٧٠، وأدب الكاتب ص٤١٧، والاقتضاب ٦٢٧، والأغاني ١٨/ ٢٧٠، والحماسة البصرية ١/ ١٧٣، والإنصاف ٢/ ٧١٧، وتخليص الشواهد ص١٥٠، وتذكرة النحاة ص٢٠، وجمهرة اللغة ص٦٤٥، وخزانة الأدب ٦/ ٤١، ٤٢، ٤٨، والدرر ١/ ١٥٣، وشرح ابن الناظم ص٦١، ولسان العرب ٦/ ٤٧، "حدس"، ١٣٣، "عدس"، والمقاصد النحوية ١/ ٤٤٢، ٣/ ٢١٦، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٣٦٢، ٤٤٧، وأوضح المسالك ١/ ١٦٢، وخزانة الأدب ٤/ ٣٣٣، ٦/ ٣٨٨، وشرح الأشموني ١/ ٧٤، وشرح الرضي ٣/ ٢٣، ١٢٢، وشرح شذور الذهب ص١٤٧، وشرح قطر الندى ص١٠٦، وشرح المفصل ٢/ ١٦، ٤/ ٢٣، واللسان ١٥/ ٤٦٠ "ذوا"، والمحتسب ٢/ ٩٤، ومغني اللبيب ٢/ ٤٦٢، وهمع الهوامع ١/ ٨٤. وتاج العروس "ذا". ١ الإنصاف ٢/ ٧١٩. ٢ يرى الكوفيون أن "هذا" بمنزلة "الذي" ويستعملونها موصولة. انظر الدرر ١/ ١٥٣، والإنصاف ٢/ ٧١٩. ٣ الأغاني ١٨/ ٢٧٠. ٤ الإنصاف ٢/ ٧١٧، وشرح الرضي ٣/ ٢٣. ٥ الإنصاف ٢/ ٧١٧، والاقتضاب ص٦٢٧.
[ ١ / ١٦٥ ]
من المشار إليه١، ومن الموصولات عندهم الاسم المحلى بالألف واللام، نحو قوله: [من الطويل]
١١٢-
لعمرك لأنت الليث أكرم أهله وأقعد من أفنائه بالأصائل
كأنه قال لأنت الذي أكرم أهله، فأكرم: صلة الليث.
ومنها الاسم المضاف، نحو قوله: [من البسيط]
١١٣-
يا درا مية بالعلياء فالسند
فـ"بالعلياء": صلة لـ"دار مية".
ومنها النكرة الواقعة بعها جملة، نحو: هذا رجل ضربته، فـ"ضربته" عندهم صلة لـ"رجل"، ولم يثبت البصريون شيئا من ذلك، قال أبو حيان في النكت الحسان على غاية الإحسان.
_________________
(١) ١ الإنصاف ٢/ ٧٢١، كأنه قال: أي شيء هذه كائنة بيمينك، وهو رأي البصريين.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ١/ ١٤٢، وإصلاح المنطق ص٣٢٠، والاقتضاب ص٦٠٣، وخزانة الأدب ٥/ ٤٨٤، ٤٨٥، ٤٩١، ٤٩٧، والدرر ١/ ١٥٦، ولسان العرب ١١/ ١٦ "أصل"، وتاج العروس "أصل"، وبلا نسبة في الأزمنة والأمكنة ٢/ ٢٥٩، وأساس البلاغة "فيء"، والإنصاف ٢/ ٧٢٣، وخزانة الأدب ٦/ ١٦٦، ولسان العرب ١/ ١٢٤، "فيأ"، وهمع الهوامع ١/ ٨٥.
(٣) عجز البيت: "أقوت وطال عليها سالف الأمد" ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٤، وتهذيب اللغة ٨/ ٣٥٣، ١٢/ ٢٦٦، ١٥/ ٦٦٨، وبلا نسبة في شرح الرضي ٤/ ٣٨٧.
[ ١ / ١٦٦ ]
"فصل":
"وتفتقر كل الموصولات" الاسمية مختصة كانت أو مشتركة "إلى صلة" تتصل بها؛ لأنها نواقص لا يتم معناها إلا بصلة "متأخرة عنها" لزوما؛ لأن الصلة من كمال الموصول ومنزلة منزلة جزئه المتأخر، وكما لا تتقدم الصلة على الموصول؛ لا يتقدم معمولها عليه؛ لأنه جزؤها، وأما نحو: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] ففيه متعلق بمحذوف دل عليه صلة "أل" والتقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين. وتتميز الموصولات الاسمية عن الموصولات الحرفية بأن الاسمية لا بد لها من صلة "مشتملة على ضمير مطابق لها" في الإفراد والتذكير وفروعهما، بخلاف الحرفية فإن صلتها لا ضمير فيها، فسقط ما قيل إن قول الناظم:
٩٦-
وكلها يلزم بعده صله على ضمير لائق مشتمله
يعم الموصولات الاسمية والحرفية.
وهذا الضمير "يسمى العائد"؛ لعوده إلى الموصول، ثم الموصول إن طابق لفظه معناه؛ فلا إشكال في مطابقة العائد لفظا ومعنى، وإن خالف لفظه معناه بأن يكون مفرد اللفظ مذكرا؛ وأريد به غير ذلك نحو: "من وما"، ففي العائد وجهان: مراعاة اللفظ، وهو الأكثر نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ومراعاة المعنى نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ما لم يحصل من مطابقة اللفظ لبس نحو: أعط من سألتك، ولا تقل: من سألك، أو قبح١ نحو: من هي حمراء أمك، فيجب مراعاة المعنى، ولم يعضد المعنى سابق، فيختار مراعاة المعنى كقوله: [من الطويل]
١١٤-
وإن من النسوان من هي روضة تهيج الرياض قبلها وتصوح
_________________
(١) ١ وجه القبح أنه لو روعي اللفظ لزم الإخبار بمؤنث عن مذكر؛ فروعي المعنى بكسر كاف "أمك".
(٢) البيت لجران العود في ديوانه ص٤٤، ولسان العرب ٢/ ٥١٢ "صرقح"، والمقاصد النحوية ١/ ٤٩٢.
[ ١ / ١٦٧ ]
وقد يخلف الضمير في الربط الاسم الظاهر نحو: [من الطويل]
١١٥-
وأنت الذي في رحمة الله أطمع
الأصل في رحمته. و: [من الطويل]
١١٦-
سعاد التي أضناك حب سعادا
أي: حبها. "والصلة إما جملة" تامة، اسمية أو فعلية. " وشرطها أن تكون خبرية"، وهي المحتملة للتصديق والتكذيب في نفسها؛ من غير نظر إلى قائلها؛ لأن الموصول وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل نحو: جاء الرجل الذي قام أبوه. ومن شرط الجملة المنعوت بها أن تكون خبرية "معهودة" للمخاطب؛ لأنك إنما تأتي بالصلة لتعرف المخاطب الموصول المبهم بما كان يعرفه قبل ذكر الموصول من اتصافه بمضمون الصلة، "إلا في مقام التهويل والتفخيم" وهو التعظيم؛ "فيحسن إبهامها" لذلك، "فالمعهودة كجاء الذي قام أبوه" إذا كان بينك وبين مخاطبك عهد في شخص قام أبوه، "والمبهمة نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾ أي: البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] أي: الذي غشيهم أمر عظيم، والمرجع في ذلك إلى الموصول، فإنه أريد به معهود فصلته معهودة نحو: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]، وإن أريد به التعظيم أبهمت صلته نحو: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] .
"ولا يجوز" في الصلة "أن تكون" جملة "إنشائية"، وهي ما قارن لفظها معناها "كـ: بِعْتُكَه"، فلا تقل: جاء العبد الذي بعتكه، قاصدا إنشاء البيع، "ولا" جملة "طلبية"، وهي ما تأخر وجود معناها عن وجود لفظها أمرا كانت أو نهيا، "كاضربه ولا تضربه" فلا تقل: جاء الذي اضربه، أو لا تضربه؛ لأن كلا من الإنشاء والطلب لا خارجي له، فضلا عن أن يكون معهودا، فلا يصلح لبيان الموصول، ومن ثم امتنع الوصل بالتعجبية، وإن كانت خبرية فلا يقال: جاء الذي ما أحسنه، لما في التعجب من الإبهام المنافي للبيان، فتكون مستثناة من الخبرية، كما أن جملة القسم مستثناة من
_________________
(١) صدر البيت: "فيا رب ليلى أنت في كل موطن" ، وهو لمجنون ليلى في الدرر ١/ ١٦٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٥٩، والمقاصد النحوية ١/ ٤٩٧، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٦٧، ومغني اللبيب ١/ ٢١٠، وهمع الهوامع ١/ ٨٧.
(٢) عجز البيت: "وإعراضها عنك استمر وزادا" ، وهو بلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٦٧، وشرح شذور الذهب ص١٤٢.
[ ١ / ١٦٨ ]
الإنشائية، فيجوز الوصل بها نحو: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] وقيل لا استثناء فيهما، أما التعجبية فلأنها إنشائية نظرا إلى حالة الاستعمال، وأما القسمية فلأن الوصل إنما هو بجملة الجواب وهو خبري، وجملة القسم إنما جيء بها لمجرد التأكيد.
ولا يجوز الوصل بجملة مستدعية كلاما قبلها، فلا يقال: جاء الذي لكنه قائم، أو: حتى أبوه قائم؛ لأن فيه استعمال "لكن" من غير تقدم مستدرك، واستعمال "حتى" من غير تقدم مغيا، وأجاز الكسائي الوصل بالأمر والنهي، والمازني بالدعاء بما لفظه الخبر نحو: جاء الذي يغفر الله له، وصاحب الإفصاح: بـ"نعم وبئس، وهشام: بـ"ليت ولعل وعسى"، هذا حكم الجملة.
"وأما شبهها" في حصول الفائدة "فهو ثلاثة":
الأول والثاني "الظرف المكاني والجار والمجرور التامان"، والمراد بالتام فيهما ما يفهم بمجرد ذكره ما يتعلق هو به، "نحو": جاء "الذي عندك، و" جاء الذي في الدار، وتعلقهما بـ"استقر" "محذوفا" وجوبا، وبذلك أشبها الجملة، بخلاف الناقصين، نحو: جاء الذي مكانا والذي بك، إذ لا يتم معناهما إلا بذكر متعلق خاص جائز الذكر، نحو: جاء الذي سكن مكانا والذي مر بك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩٧-
وجملة أو شبهها الذي وصل به
"و" الثالث: "الصفة الصريحة، أي: الخالصة للوصفية"، وهي التي لم يغلب عليها الاسمية؛ لأن فيها معنى الفعل، ولذلك عملت عمله، وصح عطف الفعل عليها، وعطفها عليه نحو: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا﴾ [الحديد: ١٨]، ونحو: [من الرجز]
١١٧-
أم صبي قد حبا أو دارج
وبذلك أشبهت الجملة.
"وتختص الصريحة "بالألف واللام"، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٩٨-
وصفة صريحة صلة أل
_________________
(١) الرجز لجندب بن عمرو في خزانة الأدب ٤/ ٢٣٨، وبلا نسبة في لسان العرب ٢/ ٢٦٦ "درج"، وأوضح المسالك ٣/ ٣٩٤، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٤١، وشرح ابن الناظم ص٣٩١، وشرح الأشموني ٢/ ٤٣٣، والمقاصد النحوية ٤/ ١٧٣، وتهذيب اللغة ١٠/ ٦٤٣، وتاج العروس ٥/ ٥٥٣ "درج"، وكتاب العين ٣/ ٧٦.
[ ١ / ١٦٩ ]
"كضارب ومضروب" اتفاقا. "وحسن" على قول ابن مالك ونصه١: وعنيت بالصفة المحضة أسماء الفاعلين، واسم المفعول، والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين، ا. هـ. وصحح الموضح في المغني أن "أل" الداخلة على الصفة المشبهة حرف تعريف، "بخلاف ما غلبت عليها الاسمية" من الصفات "كأبطح": مذكر بطحاء، فإنه في الأصل وصف لكل مكان منبطح من الوادي، ثم غلب على الأرض المتسعة، "وأجرع": مذكر جرعاء، فإنه في الأصل وصف لكل مكان مستو، ثم غلب عليه الاسمية، فصار مختصا بالأرض المستوية ذات الرمل التي لا تنبت شيئا، "وصاحب": فإنه في الأصل وصف للفاعل ثم غلب على صاحب الملك، "وراكب": فإنه في الأصل وصف للفاعل، ثم غلب على راكب الإبل دون غيره، وعلى رأس الجبل. قال الشاطبي: الدليل على أن هذه الأسماء انسلخ منها الوصفية أنها لا تجري صفات على موصوف، ولا تعمل على الصفات، ولا تتحمل ضميرا، ا. هـ. فلا توصل بها "أل" لعدم شبهها بالفعل، "وقد توصل" أل "بمضارع" اختيارا، "كقوله" وهو الفرزدق خطابا لرجل من بني عذرة، هجاه بحضره عبد الملك بن مروان: [من البسيط]
١١٨-
"ما أنت بالحكم الترضى حكومته" ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
فأدخل "أل" على "ترضى" وهو فعل مضارع مبني للمفعول، وحكومته: نائب فاعل به، "ولا يختص" ذلك "عند ابن مالك بالضرورة"، بل أشار إلى قلته بقوله في النظم:
٩٨-
وكونها بمعرب الأفعال قل
وهو اختيار ثالث في المسألة، فإن بعض الكوفيين يجيزونه اختيارا، والجمهور يمنعونه ويخصونه بالضرورة، فالقول بالجواز على قلة قول ثالث، والمدرك مختلف، فابن مالك يرى أن الضرورة ما يضطر إليه الشاعر، ولم يجد عنه مخلصا، ولهذا قال٢: لتمكنه من أن يقول المرضي. والجمهور يرون أن الضرورة ما جاء في الشعر، ولم يجئ في الكلام، سواء اضطر إليه الشاعر أم لا، فلم يتواردا على محل واحد. والحكم؛ بفتحتين: المحكم بين الخصمين للفصل بينهما، والأصيل: الحسيب، والجدل؛ بفتحتين: شدة الخصومة.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ٢٠١.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم "١٣". ٢ شرح التسهيل ١/ ٢٠١، وانظر الدرر ١/ ١٥٧.
[ ١ / ١٧٠ ]
"فصل":
يجوز حذف الصلة إذا دل عليها دليل، أو قصد الإبهام، ولم تكن صلة "أل" كقوله: [من م. الكامل]
١١٩-
نحن الألى فاجمع جمو عك ثم وجههم إلينا
أي: نحن الألى عرفوا بالشجاعة.
والثاني كقولهم: بعد اللتيا والتي؛ أي: بعد الخطة التي من فظاعة شأنها كَيْت وكَيْت. وإنما حذفوا ليوهموا أنها بلغت من الشدة مبلغا تقاصرت العبارة عن كنهه.
"ويجوز حذف العائد المرفوع" بشرطين، "إذا كان مبتدأ" غير منسوخ، وكان مخبرا عنه بمفرده، فلا يحذف في "نحو جاء اللذان قاما أو ضربا" بالبناء للمفعول، أو كانا قائمين "لأنه غير مبتدأ"، فإنه في الأول فاعل، وفي الثاني نائب عن فاعل، وفي الثالث منسوخ، فهو فاعل مجازا، والفاعل ونائبه لا يحذفان، "ولا" يحذف "في نحو: جاء الذي هو يقوم، أو: هو في الدار؛ لأن الخبر غير مفرد"، لأنه في الأول جملة فعلية، وفي الثاني جار ومجرور، "فإذا حذف الضمير" المنفصل المفيد للاختصاص "لم يدل دليل على حذفه، إذ الباقي بعد الحذف" للضمير جملة أو شببها، وكل منهما "صالح لأن يكون صلة كاملة"، لاشتماله على ضمير مستتر في الفعل وفي الجار والمجرور، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٠١-
وأبوا أن يختزل
١٠٢-
إن صلح الباقي لوصل مكمل
_________________
(١) البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه ١٤٢، وخزانة الأدب ٢/ ٢٨٩، والدرر ١/ ١٧٣، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٥٨، ولسان العرب ١٥/ ٤٣٧، "أولى وأولاء"، والمقاصد النحوية ١/ ٤٩٠، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٦/ ٥٤٢، وشرح الأشموني ١/ ٧٤، ٨٢، ومغني اللبيب ١/ ٨٦، وهمع الهوامع ١/ ٨٩.
[ ١ / ١٧١ ]
"بخلاف الخبر المفرد"، فإنه لا يصلح للوصل على حدته، ولا فرق في ذلك بين صلة "أي" وغيرها، فـ"أي" "نحو: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ " [مريم: ٦٩]، فأشد: خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أشد، وذلك المبتدأ هو العائد، وخبره مفرد وهو أشد. "و" غير "أي" نحو: " ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ " [الزخرف: ٨٤]، فإله: خبر مبتدأ محذوف تقديره هو إله، وذلك المبتدأ هو العائد؛ وخبره مفرد وهو إله، وفي السماء: متعلق بإله؛ لأنه بمعنى معبود. "أي: هو إله في السماء، أي: معبود فيها"، ولا يجوز تقدير إله مبتدأ مخبرا عنه بالظرف. أو فاعلا بالظرف؛ لأن الصلة حينئذ خالية من العائد، ولا يحسن تقدير الظرف صلة، وإله بدل من الضمير المستتر فيه، وتقدير: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] معطوفا كذلك، لتضمنه الإبدال من ضمير العائد مرتين، وفيه بعد، حتى قيل بامتناعه، قال في المغني.
"ولا يكثر الحذف" للضمير المرفوع "في صلة غير أي" عند البصريين، "إلا إن طالت الصلة"، إما بمعمول الخبر أو بغيره، سواء تقدم المعمول على الخبر نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، أو تأخر نحو قولهم: "ما أنا بالذي قائل لك سوءا" حكاه الخليل١.
ويستثنى من اشتراط الطول: "لا سيما زيد" فإنهم جوزوا في "زيد" إذا رفع أن تكون "ما" موصولة، و"زيد" خبر مبتدأ محذوف وجوبا، والتقدير: لا سي الذي هو زيد، فحذف العائد وجوبا٢، ولم تطل الصلة، وهو مقيس وليس بشاذ٣، وذلك لأنهم نزلوا "لا سيما" منزلة "إلا" استثنائية، فناسب أن لا يصرح بعدها بجملة، فإن قلت: "لا سيما زيد الصالح" فلا استثناء لطول الصلة بالنعت، كقوله: [من الطويل]
١٢٠-
ولا سيما يوم بدارة جلجل
فيمن رفع "يوم" والتقدير: ولا سي الذي هو يوم، وحسن حذف العائد طول الصلة بصفة
_________________
(١) ١ ورد هذا القول في الكتاب ٢/ ١٠٨، ٤٠٤، وشرح ابن عقيل ١/ ١٦٥، وشرح ابن الناظم ص٦٥. ٢ هو قولك: "هو" من قوله: "لا سيما الذي هو زيد". ٣ كذا قال ابن عقيل في شرحه ١/ ١٦٦.
(٢) صدر البيت: "ألا رب يوم لك منهن صالح" ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص١٠، والجنى الداني ص٣٣٤، ٤٤٣، وخزانة الأدب ٣/ ٤٤٤، ٤٥١، والدرر ١/ ٥٠٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٤١٢، ٢/ ٥٥٨، وشرح المفصل ٢/ ٨٦، والصاحبي في فقه اللغة ص١٥٥، واللسان ١٤/ ٤١١ "سوا"، وتاج العروس "سوى"، وبلا نسبة في رصف المباني ص١٩٣، وشرح الأشموني ١/ ٢٤١، وشرح الرضي ٢/ ١٣٥، ومغني اللبيب ١/ ١٤٠، ٣١٣، ٤٢١، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٤.
[ ١ / ١٧٢ ]
"يوم"، وهو: "بدارة" قاله الموضح في المغني١، وإلى اشتراط الطول أشار الناظم بقوله:
١٠٠-
وفي ذا الحذف أيا غير أي يقتفي
١٠١-
إن يستطل وصل
"وشذت قراءة بعضهم" وهو يحيى وابن يعمر بن أبي إسحاق "تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ" [الأنعام: ١٥٤] بالرفع٢، وشذت قراءة ابن أبي عبلة والضحاك ورؤبة بن العجاج: "مَثَلًا مَا بَعُوضَةٌ" [البقرة: ٢٦] برفع بعوضة٣، أي: الذي هو أحسن، والذي هو بعوضة، "و" شذ "قوله": [من البسيط]
١٢١-
"من يعن بالحمد لم ينطق بما سفه" ولا يحد عن سبيل الحلم والكرم
أي: بما هو سفه، و"يعن"؛ بالبناء للمفعول؛ من قولهم: عنيت بحاجتك أعني بها بضم أولهما، و"يحد" بفتح الياء المثناة تحت وكسر الحاء المهملة، بمعنى يعدل، والمعنى: من يعتن بحصول الحمد ويرغب في حمد الناس له فلا يتكلم بالكلام الفاحش الذي هو سفه؛ ولا يعدل عن طريق الحلم والكرم.
"والكوفيون" لا يشترطون في حذف العائد المرفوع استطالة الصلة٤، و"يقيسون على ذلك" المسموع من الآية والبيت ونحوهما، وتبعهم الناظم إلا أنه جعله قليلا فقال:
١٠١-
وإن لم يستطل فالحذف نزر
"ويجوز حذف" العائد "المنصوب إن كان متصلا، وناصبه فعل أو وصف غير صلة الألف واللام".
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ٣١٣. ٢ الرسم المصحفي: "أحسن" بالنصب، وقرأها بالرفع الحسن والأعمش ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق. انظر الإتحاف ٢٢٠، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣٦٥، والكتاب لسيبويه ٢/ ١٠٨، وشرح ابن الناظم ص٦٦، وشرح المفصل ٢/ ٨٥، وأوضح المسالك ١/ ١٦٨، والأمالي الشجرية ٢/ ٢٣٥، وشرح ابن عقيل ١/ ١٦٥. ٣ الرسم المصحفي: ﴿بَعُوضَةً﴾ بالنصب، وانظر القراءة المستشهد بها في البحر المحيط ١/ ١٢٣، والمحتسب ١/ ٦٤.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٦٨، وتخليص الشواهد ص١٦٠، والدرر ١/ ١٧٥، وشرح ابن الناظم ص٦٦، وشرح الأشموني ١/ ٧٨، وشرح التسهيل ١/ ٢٠٨، والمقاصد النحوية ١/ ٤٤٦، وهمع الهوامع ١/ ٩٠. ٤ شرح التسهيل ١/ ٢٠٧، وهمع الهوامع ١/ ٩٠.
[ ١ / ١٧٣ ]
فالفعل "نحو: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] أي: يسرونه ويعلنونه، ولا يتعين في "ما" هذه أن تكون موصولا اسميا، لجواز أن تكون موصولا حرفيا، والتقدير: يعلم سركم وعلانيتكم، بدليل أنه قد جاء مصرحا به في مكان آخر هو: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] قيل: وشرط جواز حذف العائد المنصوب أن يكون متعينا للربط كما مثل، فلو كان غير متعين لم يجز حذفه نحو: "جاء الذي أكرمته في داره" فإن العائد أحدهما لا بعينه، قاله ابن عصفور وغيره، قال الموضح في الحواشي: وفيه نظر، فإنه متى كان العائد أحدهما لا بعينه لا يسمى منصوبا ولا مجرورا، ا. هـ. وشرط الفعل أن يكون تاما، فلا يحذف في نحو: "جاء الذي كأنه زيد" على الأصح.
"و" الوصف نحو "قوله": [من البسيط]
١٢٢-
"ما الله موليك فضل فاحمدنه به" فما لدى غيره نفع ولا ضرر
فـ"ما": موصول اسمي في موضع رفع على الابتداء، و"فضل": خبره، و"الله موليك": صلة "ما" والعائد محذوف منصوب بالوصف، والتقدير: الذي الله موليكه فضل، "بخلاف: جاء الذي إياه أكرمت"؛ لأنه منفصل، وحذفه يوقع في إلباسه بالمتصل، ومفوت لما قصد به من التخصيص عند البيانيين، والاهتمام عند النحويين، وإنما حذف منفصلا من قوله ﷾: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] والأصل: رزقناهم إياه؛ لأن تقديره متصلا يلزم منه اتصال الضميرين المتحدي الرتبة في ضميري الغيبة، وهو قليل، "و" بخلاف: جاء "الذي إنه فاضل أو كأنه أسد"؛ لأن اسم "إن" و"كأن" المشددتين لا يحذف إلا شذوذا، وأتى بمثالين أحدهما ما لا يغير معنى الجملة وهو إن، الثاني ما يغيرها وهو كأن، "أو" الذي "أنا الضاربه"؛ لأن الوصف صلة الألف واللام، واسمية "أل" خفية، والضمير إذا كان مذكورا يدل على اسميتها نصا، فإذا حذف فات هذا المعنى، وهم بصدد التنصيص على اسميتها، قاله قريب الموضح في حاشية هذا الكتاب، وهو سهو؛ لأن العائد المنصوب ليس عائدا على "أل" في هذا المثال؛ حتى يدل على اسميتها نصا، وإنما هو عائد على "الذي"، كما يفيده العطف بأو، والعائد إلى "أل" إنما هو الضمير المرفوع المستتر في الوصف والتحرير أن العائد المنصوب بالوصف المقرون بـ"أل" إن كان عائدا على غير "أل"
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٦٩، وتخليص الشواهد ص١٦١، وشرح الأشموني ١/ ٧٩، وشرح ابن عقيل ١/ ١٦٩، والمقاصد النحوية ١/ ٤٤٧.
[ ١ / ١٧٤ ]
كالمثال المذكور جاز حذفه، وإن كان عائدا على "أل" نحو: "جاءني الضاربه زيد" امتنع حذفه لما تقدم من التعليل، "وشذ قوله": [من البسيط]
١٢٣-
"ما المستفز الهوى محمود عاقبة" ولو أتيح له صفو بلا كدر
فحذف العائد إلى "أل" المنصوب بالوصف و"ما": نافية، والمستفز؛ بالسين المهملة والفاء والزاي؛ بمعنى: المستخف، اسم "ما" و"المحمود" خبرها إن كانت حجازية، وأتيح؛ بالبناء للمفعول بتاء مثناة فوق فياء مثناة تحت فحاء مهملة بمعنى قدر؛ والمعنى: ليس المستفز الهوى محمود عاقبة ولو قدر له صفو خالص من الكدر.
"وحذف منصوب الفعل كثير"؛ لأن الأصل في العمل للفعل، فكثر تصرفهم في معموله بالحذف، "و" حذف "منصوب الوصف قليل" جدا، بل قال الفارسي: لا يكاد يسمع من العرب، قال ابن السراج: أجازوه على قبح، وقال المبرد: رديء جدا، وعلى هذا فيشكل قول الناظم:
١٠٢-
والحذف عندهم كثير منجلي
١٠٣-
في عائد متصل إن انتصب بفعل أو وصف
فسوى بين منصوب الفعل والوصف في كثرة الحذف، "ويجوز حذف" العائد "المجرور بالإضافة، إن كان المضاف" الجار للعائد "وصفا" ناصبا للعائد تقديرا بأن كان اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال "غير ماض"، خلافا للكسائي "نحو: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] والأصل: فاقض الذي أنت قاضيه، فحذف العائد على ما موصول اسمي. قال الموضح في الحواشي: و"ما" هذه تحتمل أن تكون مصدرية، أي: اقض قضاءك أو مدة قضائك، بدليل: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] ا. هـ. ولكنه حاول شرح قول الناظم:
١٠٤-
كذاك حذف ما بوصف خفضا كأنت قاض بعد أمر من قضى
"بخلاف: جاء الذي قام أبوه" لأن المضاف الجار للعائد ليس بوصف، "أو": جاء الذي "أنا أمس ضاربه" لأن المضاف وصف ماض، وهو لا يعمل على الأصح، وبخلاف: جاء الذي أنا مضروبه؛ لأن الوصف اسم مفعول، وإنما لم يجز حذفه فيهن؛ لأنه ليس منصوبا تقديرا، "و" يجوز حذف العائد "المجرور بالحرف إن كان" في
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٧١، وتخليص الشواهد ص١٦١، والدرر ١/ ١٧٣، وشرح الأشموني ١/ ٧٩، وشرح التسهيل ١/ ٢٠٧، والمقاصد النحوية ١/ ٤٤٧، وهمع الهوامع ١/ ٨٩.
[ ١ / ١٧٥ ]
موضع نصب، وكان "الموصول أو" الاسم "الموصوف بالموصول مجرورا بمثل ذلك الحرف لفظا" ومعنى، "أو معنى" فقط، "و" اتفقا فيهما "متعلقا"، سواء اتفق المتعلقان لفظا ومعنى، أو معنى فقط، أم اختلفا نوعا واتحدا مادة؛ لأن الضمير عبارة عن الموصول أو الموصوف به، فلا بد أن يكون الجار لهما متحدا من جهة المعنى والمتعلق، فإذا حذف الجار والمجرور كان في الكلام ما يدل عليهما، وذلك معنى قول الناظم:
١٠٥-
كذا الذي جر بما الموصول جر
"نحو: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فالموصول وهو "ما" مجرور بـ"من" التبعيضية، وهي متعلقة بـ"يشرب" قبلها، والعائد المحذوف مجرور بـ"من" التبعيضية وهي متعلقة بـ"تشربون" والتقدير: ويشرب من الذي يشربون منه فاتفق الحرفان لفظا أو معنى ومتعلقا، "و" نحو قوله، وهو كعب بن زهير:
[من البسيط]
١٢٤-
"لا تركنن إلى الأمر الذي ركنت" أبناء يعصر حين اضطرها القدر
فالموصوف بالموصول وهو الأمر مجرور بـ"إلى" المعدية، وهي متعلقة بـ"تركنن"، والعائد المحذوف مجرور بـ"إلى" المعدية، وهي متعلقة بـ"ركنت"، والتقدير: لا تركن إلى الأمر الذي ركنت إليه، فاتفق الحرفان لفظا ومعنى ومتعلقا، وأقيم الموصوف بالموصول مقام الموصول؛ لأنه نفسه في المعنى. ويعصر: بمهملات بوزن ينصر لا ينصرف؛ للعلمية ووزن الفعل؛ وهو أبو قبيلة من باهلة، وحكم المضاف للموصول كذلك، نحو: "مررت بغلام الذي مررت" أي: به. ومثال اتفافقهما معنى فقط: "حللت به في الذي حللت"، فيجوز حذف الضمير المجرور بالباء؛ لأنها بمعنى: في كذا، قالوا: وفيه نظر؛ لأنه لا يعلم نوع المحذوف. ومثال اختلاف المتعلقين لفظا واتحادهما معنى نحو: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] أي: به؛ لأن اصدع في معنى مر، على خلاف في هذه والتي قبلها. ومثال اختلاف المتعلقين نوعا واتحادهما مادة قوله: [من الطويل]
١٢٥-
وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة فبح لان منها بالذي أنت بائح
_________________
(١) البيت لكعب بن زهير في المقاصد النحوية ١/ ٤٤٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٧٤، وشرح الأشموني ١/ ٨١.
(٢) البيت لعنترة في ديوانه ص٢٩٨، والمقاصد النحوية ١/ ٤٧٨، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٥٦، ٥/ ٦٧، وتذكرة النحاة ٣١، والخصائص ٣/ ٣٥، وشرح الأشموني ١/ ٨١، وشرح التسهيل ١/ ٢٠٦، وشرح ابن عقيل ١/ ١٧٤، ولسان العرب ١٣/ ٤٢ "أين".
[ ١ / ١٧٦ ]
أي: به، أنشده أبو الفتح١، "وشذ قوله" وهو حاتم بن عدي الطائي: [من الوافر]
١٢٦-
ومن حسد يجوز علي قومي "وأي الدهر ذو لم يحسدوني"
فـ"أي" استفهامية مبتدأ، و"ذو": خبره وهي موصولة عند الطائيين واقعة على الدهر، وجملة "لم يحسدوني": صلتها والعائد محذوف، "أي: فيه"، والذي سهل حذفه كون مدلول الموصول زمانا، وقد عاد عليه الضمير المجرور بـ"في" كما تقول: أعجبني اليوم الذي جئت، تريد فيه، وجعله بعضهم منقاسا بخلاف غير الزمان، فإنه لا يتعين فيه الجار، وهذا ظاهر إن قلنا بأن الحذف ليس على التدريج، كما يقول به الإمام سيبويه. أما إذا قلنا إنه على التدريج كما يقول به الأخفش فلا يكون شاذا؛ لأنه لما حذف في أولا صار الضمير منصوبا على المفعول به توسعا، فكأنه قال: وأي الدهر ذو لم يحسدونيه، ثم حذفت الهاء. وحذف الضمير المنصوب بالفعل كثير كما تقدم، ويمكن أن يخرج عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] أي: به، فحذف الجار أولا والضمير ثانيا من نصب لا من جر. وذهب يونس وابن الزكي في البديع إلى أن الذي في الآية الشريفة موصول حرفي ولا حذف.
"و" شذا أيضا "قوله" وهو رجل من بني همدان: [من الطويل]
١٢٧-
وإن لساني شهدة يشتفي بها "وهو على من صبه الله علقم"
أي: عليه. أنشده الفارسي. و"شهدة" بضم الشين المعجمة: العسل بشمعه، و"هو" بتشديد الواو المفتوحة على لغة فيها: مبتدأ و"علقم" خبره، و"على من" متعلق بـ"علقم"؛ لأنه بمعنى مر. و"العلقم": الحنظل، وجملة "صبه الله" صلة من المجرورة بـ"على" والعائد على "من" محذوف مجرور بـ"على"، وهي متعلقة بـ"صب"، والتقدير: وهو علقم على من صبه الله عليه، والمعنى: وإن لساني مثل العسل والشهد
_________________
(١) ١ الخصائص ٣/ ٣٥.
(٢) البيت لحاتم الطائي في ديوانه ص٢٧٦، وتخليص الشواهد ص١٦٤، وشرح التسهيل ١/ ١٩٩، ٢٠٦، والمقاصد النحوية ١/ ٤٥١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٧٥، وشرح الأشموني ١/ ٨١.
(٣) البيت لرجل من همدان في المقاصد النحوية ١/ ٤٥١، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ٢٧٣، وأوضح المسالك ١/ ١٧٧، وتخليص الشواهد ص١٦٥، والجنى الداني ص٤٧٤، وخزانة الأدب ٥/ ٢٦٦، والدرر ١/ ٩٧، ٢/ ٥١٩، وشرح ابن الناظم ص٦٨، وشرح الأشموني ١/ ٨١، وشرح التسهيل ١/ ١٤٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٢، وشرح المفصل ٣/ ٩٦، ولسان العرب ١٥/ ٤٧٨ "ها"، ومغني اللبيب ٢/ ٤٣٤، وهمع الهوامع ١/ ٦١، ٢/ ١٥٧.
[ ١ / ١٧٧ ]
يشتفي به الناس، وإنه مثل الحنظل في المرارة على من سلطه الله عليه، "فحذف" حاتم الطائي "العائد" المجرور بـ"في" مع انتفاء خفض "الموصول"، وهو ذو "في" البيت "الأول"، وهو قوله: "ومن حسد" إلخ "و" حذف الهمداني العائد المجرور بعلى "مع اختلاف المتعلق" في البيت "الثاني"، وهو قوله: "وإن لساني شهدة" إلى آخره.. "و" المتعلقان بفتح اللام "هما: صب وعلقم".
ويمتنع الحذف إذا كان العائد المجرور محصورا نحو: مررت بالذي ما مررت إلا به، إذ إنما مررت به، أو كان نائبا عن الفاعل نحو: مررت بالذي مر به، أو كان لا يتعين للربط نحو: مررت بالذي مررت به في داره، أو كان حذفه ملبسا نحو: رغبت فيما رغبت فيه؛ لأنه لا يعلم أن الأصل فيه أو عنه وقيل: يجوز لأن الحذف يدل على اتفاق الحرفين، ولو كانا متباينين لم يجر الحذف؛ لأنه مشروط فيه اتفاق الحرفين وهذا أوفق.
[ ١ / ١٧٨ ]
باب المعرف بالأداة
مدخل
باب المعرف بالأداة:
قال في التسهيل: "هي "أل" لا "اللام" وحدها وفاقا للخليل وسيبويه١، وليست الهمزة زائدة، خلافا لسيبويه" ا. هـ.
وقال الموضح في شرح القطر: والمشهور بين النحويين أن المعرف "أل" عند الخليل، و"اللام" وحدها عند سيبويه. ونقل ابن عصفور الأول عن ابن كيسان، والثاني عن بقية النحويين، ونقله بعضهم عن الأخفش. وزعم ابن مالك أنه لا خلاف بين سيبويه والخليل في أن المعرف "أل"، وقال: وإنما الخلاف بينهما في الهمزة؛ أزائدة هي أم أصلية، واستدل على ذلك بمواضع أوردها من كلام سيبويه. وتلخص في المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: أن المعرف "أل" والألف أصل. والثاني: أن المعرف "أل"، والألف زائدة. والثالث: أن المعرف اللام وحدها٢. ا. هـ.
وأسقط مذهبا رابعا وهو أن المعرف الهمزة وحدها، واللام زائدة للفرق بينها وبين همزة الاستفهام، وهو مذهب المبرد، ولكل منهم حجة تعضده.
فحجة الأول فتح الهمزة، وأنهم يقولون "الأحمر" بنقل حركة همزة أحمر إلى "اللام" قبلها، فيثبونها مع تحرك ما بعدها٣، ويثبتونها في القسم والنداء٤ والتذكر٥،
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٣٢٥، ٤/ ١٤٧، وانظر شرح ابن الناظم ص٦٩، وشرح ابن عقيل ١/ ١٧٧. ٢ شرح قطر الندى ص١١٢. ٣ أي: ولو كانت الهمزة زائدة للتوصل للنطق بالساكن لم يثبتوها لعدم الحاجة إليها. قال ابن الناظم: المشهور من قراءة ورش أنه يبدأ بالهمزة في نحو: "الآخرة، الأولى"، وحاصله أن ورشا لا يسقط همزة الوصل في الابتداء فيما ذكره إلا شذوذا. انظر حاشية يس ١/ ١٤٩، وشرح ابن الناظم ص٦٩. ٤ أي: جوازا؛ بدليل ما قالوه في بابي النداء والقسم من أنه يجوز وصل ألف "الله" فيهما، وحذف ألفها في القسم. انظر حاشية يس ١/ ١٤٩. ٥ هو أن يلحق المتكلم آخر كلامه مدة تشعر باسترساله في الكلام. حاشية يس ١/ ١٤٩.
[ ١ / ١٧٩ ]
يقولون: "ألى" كما يقولون: "فدى" ويثبتونها مسهلة في نحو: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] .
وحجة الثاني سقوطها في الدرج، أما فتحها فلمخالفتها القياس بدخولها على الحرف، وأما ثبوتها مع الحركة عارضة فلا يعتد بها، وأما ثبوتها في القسم والنداء، نحو: ها الله لأفعلن، ويا ألله، فلأن "أل" صارت عوضا عن همزة إله، وأما قولهم في التذكر ألى، فلما كثرت مصاحبة الهمزة للام نزلا منزلة قد، وأما: "آلذكرين" فلالتباس الاستفهام بالخبر.
وحجة الثالث أنها ضد التنوين الدال على التنكير، وهي حرف واحد ساكن، فكانت كذلك تشبه أمثالها ولا تقوم بنفسها، وإنما خالفت التنوين ودخلت أولا؛ لأن الآخر يدخله الحذف كثير، فحصنت من الحذف بذلك، وإنما كانت لاما؛ لأن اللام تدغم في ثلاثة عشر حرفا، وإذا أظهرت جاز.
وحجة الرابع أنها جاءت لمعنى، وأولى الحروف بذلك حرف العلة، وحركت لتعذر الابتداء بالساكن، فصارت همزة كهمزة التكلم والاستفهام، وأن "اللام" تغير عن صورتها في لغة حمير، قال الزجاج في حواشيه على ديوان الأدب: حمير يقلبون "اللام" ميما إذا كانت مظهرة كالحديث المروي، إلا أن المحدثين أبدلوا في الصوم والسفر، وإنما الإبدال في البر فقط، وربما وقع في أشعارهم قلب اللام المدغمة كقوله: [من المنسرح]
١٢٨-
وامسلمه
ا. هـ.
وأراد بالحديث المروي قوله ﷺ: "ليس من البر الصيام في السفر" ١. والناظم في النظم اقتصر على قولين فقال:
١٠٦-
أل حرف تعريف أو اللام فقط
"وهي" على كل قول "قسمان: إما جنسية" وأنواعها ثلاثة، وجه الحصر فيها
_________________
(١) تمام البيت: ذاك خليلي وذو يواصلني يرمي ورائي بامسهم وامسلمه وهو لبجير بن غنمة في الدرر ١/ ١٣٧، وشرح شواهد الشافية ص٤٥١، ٤٥٢، وشرح شواهد المغني ١/ ١٥٩، واللسان ١٢/ ٢٩٧ "سلم"، ١٥/ ٤٥٩ "ذو"، والمؤتلف والمختلف ٥٩، والمقاصد النحوية ١/ ٤٦٤، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص١٤٣، والجنى الداني ١٤٠، وشرح ابن الناظم ص٥٩، وشرح الأشموني ١/ ٧٢، وشرح عمدة الحافظ ص١٢١، وشرح قطر الندى ص١١٤، وشرح المفصل ٩/ ١٧، ٢٠، ولسان العرب ١٢/ ٣٦ "أمم"، ومغني اللبيب ١/ ٤٨، وهمع الهوامع ١/ ٧٩. ١ أخرجه البخاري في الصوم برقم ١٨٤٤.
[ ١ / ١٨٠ ]
أن يقال: لا يخلو إما أن تخلفها "كل" حقيقة أو مجازا أو لا تخلفها أصلا "فإن لم تخلفها: كل" لا حقيقة ولا مجازا "فهي لبيان الحقيقة" الماهية من حيث هي "نحو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ أي: من حقيقة الماء المعروف، وقيل المني. " ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ " [الأنبياء: ٣٠] . والفرق بين المعرف بـ"أل" هذه واسم الجنس النكرة هو الفرق بين المقيد والمطلق، وذلك أن ذا "الألف واللام" يدل على الحقيقة بقيد حضورها في الذهي واسم الجنس النكرة يدل على مطلق الحقيقة، لا باعتبار قيد، قاله الموضح في المغني.
"وإن خلفتها" كل "حقيقة فهي لشمول أفراد الجنس نحو: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] فإنه لو قيل: وخلق كل إنسان ضعيفا، لكان صحيحا على جهة الحقيقة.
"وإن خلفتها" كل "مجازا" فهي "لشمول خصائص الجنس مبالغة، نحو: أنت الرجل علما" فإنه لو قيل: أنت كل رجل علما لصح على جهة المجاز؛ على معنى أنك اجتمع فيك ما افترق في غيرك من الرجال من جهة كمالك في العلم، ولا اعتداد بعلم غيرك لقصوره عن رتبة الكمال. وفي الحديث: "كل الصيد في جوف الفرا" ١، وقال ابن هانئ: [من السريع]
١٢٩-
وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
فإن قيل: هذا الضابط يصدق على "أل" في الاستغراق العرفي، نحو: جمع الأمير الصاغة؛ أي: صاغة بلده أو مملكته؛ فإن "كلا" تخلف الأداة فيه مجازا وليست فيه لشمول الخصائص، بل لشمول بعض ما يصلح له اللفظ، وهو صاغة بلد الأمير؛ أو صاغة مملكته؛ دون من عداهم، أجيب بأن الكلام في "أل" المعرفة و"أل" في الصاغة موصول على الأصح.
"وإما عهدية" وهي ثلاثة أنواع أيضا "و" وجه الحصر أن يقال: "العهد: إما ذكرى" بكسر الذال المعجمة وهي التي يتقدم لمصحوبها ذكر "نحو": ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، "فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ " [المزمل: ١٥، ١٦] وفائدتها التنبيه على
_________________
(١) ١ الحديث قاله الرسول ﷺ في أبي سفيان، وهو في مجمع الأمثال ٢/ ١٣٦، وجمهرة الأمثال ١/ ١٦٥، ٢/ ١٣٦، ١٦٢، والمستقصى ٢/ ٢٢٤، وفصل المقال ص١٠، وأمثال ابن سلام ص٣٥، والبيان والتبيين ٢/ ١٦.
(٢) البيت لأبي نواس في ديوانه ص٤٥٤، والاقتضاب ص٩٥، وزهر الآداب ص١٠٣٥، والوساطة ص٢٥٤، وبلا نسبة في شرح قطر الندى ص١١٤.
[ ١ / ١٨١ ]
أن الرسول الثاني هو الرسول الأول، إذ لو جيء به منكرا لتوهم أنه غيره، ولذلك لا يجوز نعته، والذكر باللسان ضد الإنصات وذاله مكسورة، وبالقلب ضد النسيان وذاله مضمومة، قال الكسائي، وقال غيره: هما لغتان بمعنى، حكاه الماوردي في تفسير سورة البقرة.
"أو علمي" وهو أن يتقدم لمصحوبها علم "نحو: ﴿بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ﴾ " [طه: ١٢]، ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] لأن ذلك معلوم عندهم.
"أو حضوري" وهو أن يكون مصحوبها حاضرا "نحو: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: اليوم الحاضر، وهو يوم عرفة، وفي بعض النسخ: إسقاط "حضوري" وإثبات "علمي" مكانه، ومثله بـ"اليوم أكملت".
[ ١ / ١٨٢ ]
"فصل":
"وقد ترد أل زائدة أي: غير معرفة" وغير موصولة "وهي" ثلاثة أنواع، وذلك لأنها "إما" زائدة "لازمة كالتي في علم قارنت وضعه" سواء قارنت ارتجاله أو نقله.
فالأول "كالسموءل" بفتح السين المهملة والميم وسكون الواو وفتح الهمزة وفي آخره لام: علم لرجل من اليهود؛ شاعر. وفي القاموس: السموءل بالهمز: طير يكنى أبا براء، "واليسع" بفتح الياء المثناة تحت والسين المهملة: علم على نبي، وهو أعجمي معرب، لفظه لفظ المضارع، وليس بمضارع، قاله الفارسي.
"و" الثاني "نحو اللات والعزى": علمين مؤنثين لصنمين، فاللات كانت لثقيف بالطائف. وعن مجاهد: كان رجلا يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره، فجعلوه وثنا، وكانت تاؤه مشددة فخففت. والعزى: كانت لغطفان وهي شجرة، وأصلها تأنيث الأعز، وبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، وجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول١: [من الرجز]
يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
ورجع فأخبر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "تلك العزى ولن تعبد أبدا".
"أو" كالتي "في" اسم "إشارة، وهو الآن"، فإنه علم على الزمان الحاضر مبني لتضمنه معنى حرف الإشارة الذي كان يستحق الوضع، قاله ابن مالك. وقال الفارسي: لتضمنه حرف التعريف و"أل" فيه زائدة، "وفاقا للزجاج والناظم" في قوله:
١٠٧-
وقد تزاد لازما كاللات والآن والذين ثم اللاتي
_________________
(١) ١ الرجز بلا نسبة في تاج العروس ١٥/ ٢٢٤ "عزز"، وثمار القلوب ص٧٥، والحيوان ٤/ ٤٨٤، ولسان العرب ٥/ ٣٧٩ "عزز"، والمخصص ١٥/ ١٩٠.
[ ١ / ١٨٣ ]
"أو" كالتي "في موصول، وهو الذي والتي وفروعهما" من التثنية والجمع، فـ"أل" في جميع هذه الأمثلة زائدة لا معرفة؛ "لأنه لا يجتمع تعريفان"، وهما تعريف "أل" وغيرها من العلمية والإشارة والصلة على معرف واحد، "وهذه" الأمثلة "معارف بالعلمية" كما في الأربعة الأول. واعترض الدماميني القول بزيادة "أل" فيها فقال: العلم هو مجموع لفظ "أل" وما بعدها، فهي جزء من العلم كالجيم من جعفر، ومثل هذا لا يقال بأنه زائد. ا. هـ.
"والإشارة" كما في "الآن" خاصة، "والصلة" كما في الموصول، "وإما" زائدة "عارضة" وهي نوعان؛ وذلك لأنها "إما خاصة بالضرورة كقوله": [من الكامل]
١٣٠-
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا "ولقد نهيتك عن بنات الأوبر"
أنشده ابن جني١. وأصل "جنيتك": جنيت لك، من جنيت الثمرة أجنيها، فحذف الجار توسعا، وأكمؤا؛ بفتح الهمزة وسكون الكاف وضم الميم وفي آخره همزة: جمع كمء كفأس، وهو أيضا واحد كمأة كجبهة. وعساقلا: جمع عسقول؛ بضم العين وسكون المهملتين، وهو الكمأة الكبار البيض التي يقال لها شحمة الأرض، وأصله: عساقيلا، فحذفت المدة ضرورة. وبنات أوبر: جمع ابن أوبر، كما يقال في جمع ابن عرس بنات عرس، ولا يقال بنو أوبر ولا بنو عرس؛ لأنها لا تعقل، وبنات أوبر: كمأة صغار مزغبة رديئة الطعم، وهي أول الكمأة، وقيل مثل الكمأة وليست كمأة. "وقوله" وهو رشيد بن شهاب اليشكري يخاطب قيس بن مسعود بن خالد اليشكري: [من الطويل]
١٣١-
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا صددت "وطبت النفس يا قيس بن عمرو"
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الاشتقاق ٤٠٢، والإنصاف ١/ ٣١٩، وأوضح المسالك ١/ ١٨٠ وتخليص الشواهد ١٦٧، وجمهرة اللغة ٣٣١، والخصائص ٣/ ٥٨، ورصف المباني ٧٨، وسر صناعة الإعراب ٣٦٦، وشرح ابن الناظم ص٧١، وشرح الأشموني ١/ ٥٨، وشرح شواهد المغني ١/ ١٦٦، وشرح ابن عقيل ١/ ١٨١، ولسان العرب ٢/ ٢١ "جوت"، ٤/ ١٧٠ "حجر"، ٤/ ٣٨٥ "سور"، ٤/ ٦٢٢ "عير"، ٥/ ٢٧١ "وبر"، ٦/ ٢٧١ "جحش"، ١١/ ٧ "أبل"، ١١/ ١٥٩ "حفل"، ١١/ ٤٤٨ "عقل"، ١٢/ ١٨ "اسم"، ١٤/ ١٥٥ "جني"، ١٥/ ٣٠٩ "نجا"، والمحتسب ٢/ ٢٢٤، ومغني اللبيب ١/ ٥٢، ٢٢٠، والمقاصد النحوية ١/ ٤٩٨، والمقتضب ٤/ ٤٨، والمنصف ٣/ ١٣٤. ١ أنشده ابن جني في سر صناعة الإعراب ص٣٦٦، والمحتسب ٢/ ٢٢٤.
(٢) البيت لرشيد بن شهاب في الدرر ١/ ١٣٨، ١/ ٥٣٢، وشرح اختيارات المفضل ص١٣٢٥، والمقاصد النحوية ١/ ٥٠٢، ٣/ ٢٢٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٨١، وتخليص الشواهد ص١٦٨، والجنى الداني ص١٩٨، وجواهر الأدب ص٣١٩، وشرح ابن الناظم ص٧١، وشرح الأشموني ١/ ٨٥، وشرح ابن عقيل ١/ ١٨٢، وشرح عمدة الحافظ ص١٥٣، ٤٧٩، وهمع الهوامع ١/ ٨٠، ٢٥٢.
[ ١ / ١٨٤ ]
وأراد بالوجوه أعيان القوم. والمعنى: أبصرتك حين عرفت أعياننا صددت عنا، وطابت نفسك عن قتلنا صديقك عمرا. والشاهد في زيادة "أل" الداخلة على "بنات أوبر" في البيت الأول، وعلى "النفس" في البيت الثاني. وهي لا تدخل عليهما "لأن بنات أوبر علم" لضرب من الكمأة، "والنفس تمييز" واجب التنكير عند البصريين، فلا يقبلان التعريف" فـ"أل" الداخلة عليهما زائدة للضرورة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٠٨-
ولاضطرار كبنات الأوبر كذا وطبت النفس يا قيس السري
"ويلتحق بذلك ما زيد" في النثر "شذوذا، نحو" قولهم: "ادخلوا الأول فالأول"، فالسابق منهما حال واللاحق معطوف، و"أل" فيهما زائدة؛ لأن الحال واجبة التنكير، والأصل: أدخلوا أول فأول، وفائدة العطف بالفاء الدلالة على الترتيب التعقبي، والمعنى: ادخلوا مترتبين الأسبق فالأسبق. وأصل "أول" على الأصح "أوأل" على وزن أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت الواو في الواو لاجتماع المثلين، وله استعمالان:
أحدهما: أن يكون اسما بمعنى قبل، فحينئذ يكون منصرفا منونا، ومنه قولهم: أولا وآخرا.
والثاني: أن يكون صفة، فيكون أفعل تفضيل، ومعناه: الأسبق، فيكون غير منصرف لوزن الفعل والوصف.
"وإما مجوزة للمح الأصل" المنقول عنه، "وذلك أن العلم المنقول مما"، أي: من شيء "يقبل "أل" قد يلمح أصله" وهو التنكير، "فتدخل عليه: أل" للمح الأصل به. "وأكثر وقوع ذلك في المنقول عن صفة كحارث وقاسم" من أسماء الفاعلين، "وحسن وحسين" من الصفات المشبهة مكبرة أو مصغرة، "وعباس وضحاك" من أمثلة المبالغة، "وقد يقع" ذلك "في المنقول عن مصدر كفضل" فإنه في الأصل مصدر فضل الرجل يفضل فضلا إذا صار ذا فضل، "أو" عن "اسم عين كنعمان" بضم النون، "فإنه في الأصل اسم للدم" بتخفيف الميم، ومنه سميت شقائق النعمان لشبه لونها في حمرته بالدم. فإن قلت في كلام الموضح مخالفتان لكلام ابن مالك في شرح التسهيل:
الأولى: أنه جعل المنقول عن مصدر، والمنقول عن اسم عين في مرتبة واحدة، وجعلهما ابن مالك في مرتبتين، فقال ما حاصله: وأكثر وقوعها على منقول من صفة، ويليه دخولها على منقول من مصدر، ويليه دخولها على منقول من اسم عين.
[ ١ / ١٨٥ ]
والثانية: أنه مثل بالنعمان لما فيه "أل" للمح الصفة، تبعا للناظم في قوله:
١٠٩-
وبعض الأعلام عليه دخلا للمح ما قد كان عنه نقلا
١١٠-
كالفضل والحارث والنعمان فذكر ذا وحذفه سيان
فتكون "أل" فيه غير لازمه، ومثل به ابن مالك في شرح التسهيل لما قارنت الأداة نقله فتكون لازمة، فالجواب عن الأولى بأنها من اختيارات ابن مالك، بل قبل إنها من عندياته فلا يتابع عليها، وعن الثانية بأنه يمكن أن يكون سمي بنعمان مجردا من "أل" كقوله: [من الطويل]
١٣٢-
أيا جبلي نعمان بالله خليا نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها
ومقرونا بها فلا مخالفة.
"والباب كله سماعي" يقتصر فيه على الوارد، "فلا يجوز في نحو: محمد وصالح ومعروف" أن يقال فيهما المحمد والصالح والمعروف حال العلمية؛ لأنه لم يسمع، واللغة لا تثبت بالقياس، "ولم يقع" دخول "أل" "في نحو: يزيد ويشكر" علمين، "لأن أصله الفعل، وهو لا يقبل: أل" غير الموصولة له، فأما قوله: [من الطويل]
١٣٣-
"رأيت الوليد بن اليزيد مباركا" شديدا بأعباء الخلافة كاهله
"فضرورة" دخول "أل" على اليزيد "سهلها تقدم ذكر الوليد"، و"أل" في "الوليد" للمح الصفة، وقيل "أل" في "اليزيد" للتعريف، وأنه نكر، ثم دخلت عليه "أل"، كما ينكر العلم إذا أضيف كقوله: [من الطويل]
١٣٤-
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يمان
حكاه في المغني١ ولم يتعقبه، وعندي فيه نظر؛ لأنه وإن نكر لا يقبل "أل"، نظرا إلى أصله، وهو الفعل، والفعل لا يقبل "أل"، نظرا إلى أصله، وهو الفعل، والفعل لا يقبل "أل" بخلاف زيد إذا نكر.
_________________
(١) البيت لمجنون ليلى في ديوانه ص١٩٦، وشرح شواهد المغني ١/ ٦٠، وبلا نسبة في الحماسة الشجرية ٢/ ٥٨٠، ومغني اللبيب ١/ ٢٠.
(٢) البيت لابن ميادة في ديوانه ص١٩٢، وتقدم مع تخريج واف برقم ٤٤.
(٣) البيت لرجل من طيئ في شرح شواهد المغني ١/ ١٦٥، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٧١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٨٩، ١٩١، وجواهر الأدب ص٣١٥، وخزانة الأدب ٢/ ٢٢٤، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٥٢، ٤٥٦، وشرح الأشموني ١/ ١٨٦، ٢/ ٤٤٢، وشرح المفصل ١/ ٤٤، ولسان العرب ٣/ ٢٠٠ "زيد"، ومغني اللبيب ١/ ٥٢. ١ مغني اللبيب ١/ ٥٢.
[ ١ / ١٨٦ ]
"فصل":
"من المعرف بالإضافة أو الأداة ما غلب على بعض من يستحقه حتى التحق بالأعلام" الشخصية في أحكامها، وصار علما اتفاقيا.
"فالأول" وهو المعرف بالإضافة، "كابن عباس وابن عمر بن الخطاب وابن عمرو بن العاص وابن مسعود"، قيل: والصواب ذكر ابن الزبير مكان ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود مات قبل إطلاق اسم العبادلة، وهو من الطبقة الأولى، قيل: وهذه إنما يرد على من قال: غلبت عليهم العبادلة، دون من قال "غلب على العبادلة دون من عداهم من إخوتهم"، فليتأمل.
"والثاني" وهو المقرون بالأداة "كالنجم"، فإنه في الأصل يتناول كل نجم، ثم صار علما "للثريا" فقط، وأصلها قبل التصغير ثروى من الثروة، أي: كثرة الكواكب؛ لأن كواكبها سبعة، فصغرت فصارت ثُرَيْوَى فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت ثريا، قاله الفخر الرازي، "والعقبة"، فإنها في الأصل اسم لكل طريق صاعد في الجبل، ثم اختص بعقبة منى التي تضاف إليها الجمرة، فيقال: جمرة العقبة، قاله الشاطبي. وقيل: عقبة أيلة، "والبيت"، فإنه في الأصل يتناول كل بيت، ثم اختص بالبيت الحرام، "والمدينة" لطيبة مدينة رسول الله ﷺ، "والأعشى"، فإنه في الأصل لكل من لا يبصر ليلا، ثم غلب على أعشى همدان ونحوه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١١١-
وقد يصير علما بالغلبه مضافا أو مصحوب أل كالعقبه
"وأل هذه لازمة" دائما، "إلا في نداء أو إضافة فيجب حذفها"؛ لأن حرف النداء والإضافة لا يجامعان أل هذه، كما أشار إليه الناظم بقوله:
١١٢-
وحذف أل ذي إن تناد أو تضف أوجب
[ ١ / ١٨٧ ]
"نحو: يا أعشى باهلة"، بموحدة: قبيلة من قيس بن عيلان؛ بعين مهملة، "و" يا "أعشى تغلب"، بفتح التاء المثناة الفوقانية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام وفي آخره باء موحدة: قبيلة سميت باسم أبيها تغلب بن وائل.
"وقد تحذف" "أل" هذه "في غير ذلك" المذكور من النداء أو الإضافة، هذا معنى قول الناظم:
١١٢-
وفي غيرهما قد تنحذف
"سمع" من كلامهم "هذا عيوق طالعا" حكاه ابن الأعرابي. وعيوق: فيعول بمعنى فاعل، كقيوم بمعنى قائم، واشتقاقه من عاق يعوق، كأنه عاق كواكب وراءه من المجاوزة. ويجوز أن يكون سموه بذلك؛ لأنهم يقولون الدبران يخطب الثريا والعيوق يعوقه عنها؛ لكونه بينهما، قاله الفخر الرازي.
"و" سمع من كلامهم أيضا "هذا يوم اثنين مباركا فيه" حكاه سيبويه. ومجيء الحال منه في الفصيح يوضح فساد قول المبرد في جعله "أل" في الاثنين وسائر الأيام للتعريف، فإذا زالت صارت نكرات. والصحيح عند الجمهور أن أسماء الأيام أعلام توهمت فيها الصفة فدخلت عليها "أل" كالحارث، ثم غلبت فصارت كالدبران.
[ ١ / ١٨٨ ]
باب المبتدأ والخبر
مدخل
هذا باب المبتدأ والخبر:
ولم يحد١ الناظم المبتدأ؛ بل اكتفى فيه بالمثال فقال:
١١٣-
مبتدأ زيد وعاذر خبر
وحده الموضح بقوله: "المبتدأ اسم" صريح٢، "أو بمنزلته، مجرد عن العوامل اللفظية، أو بمنزلته" أي: بمنزلة المجرد، "مخبر عنه، أو وصف رافع لمكتفى به" عن الخبر، أو بمنزلة الوصف.
"فالاسم" الصريح "نحو" قول من يعتقد السامع عدم إيمانه "الله ربنا ومحمد نبينا". وقيل: المراد بهذا الإسناد التعظيم والإقرار، لا الإخبار، وهذان الوجهان نقلهما أبو البقاء.
"والذي بمنزلته"، أي: بمنزلة الاسم الصريح، هو المصدر المنسبك من "أن" والفعل نحو: " ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ " [البقرة: ١٨٤] فـ"أن تصوموا" مبتدأ، وهو بمنزلة الاسم الصريح؛ لأنه في تأويل صومكم، وخبره "خير لكم".
"و" المصدر المتصيد من الفعل نحو: " ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ " [البقرة: ٦]، [يس: ١٠]، فـ"أنذرتهم" مبتدأ، وهو في تأويل مصدر، و"أم لم تنذرهم" معطوف عليه، و"سواء" خبر مقدم، والتقدير: إنذارك وعدمه سواء عليهم وصح الإخبار به عن الاثنين؛ لأنه في الأصل مصدر بمعنى الاستواء، والمصدر يقع على القليل والكثير.
_________________
(١) ١ في ط: "يجد" مكان "يحد". ٢ قال ابن الناظم في شرحه ص٧٤: الاسم جنس للمبتدأ يعم الصريح والمؤول.
[ ١ / ١٨٩ ]
ومنع الفارسي في الحجة١، وتبعه ابن عمرون كون "أأنذرتهم"٢ وتاليه مبتدأ، و"سواء" خبرا؛ لأن ما في حيز الاستفهام لا يتقدم عليه.
وأجيب بأن الاستفهام هنا ليس على حقيقته؛ بل هو خبر من حيث المعنى، "و" المصدر المنسبك من الفعل المقدر معه "أن" نحو: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"٣ فـ"تسمع" مبتدأ، وهو في تأويل "سماعك"، وقبله "أن" مقدرة، والذي حسن حذف "أن" من "تسمع" ثبوتها في "أن تراه"، قاله الموضح في شرح الشذور٤.
والفرق بين هذا والذي قبله أن السبك في هذا شاذ، وفي الذي قبله مطرد؛ لأن السبك بدون وجود حرف مصدري مطرد في باب التسوية، شاذ في غيرها٥.
"والمجرد" عن العوامل اللفظية "كما مثلنا" للصريح المؤول به، "والذي بمنزلة المجرد" عن العوامل اللفظية ما دخل عليه حرف زائد أو شبهه، فالأول "نحو٦: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، "و" نحو: "بحسبك درهم" لا فرق في ذلك بين الوصف وغيره، فـ"خالق"، و"حسبك" مبتدآن، وإن كانا مجرورين بـ"من"، والباء الزائدتين "لأن وجود" الحرف "الزائد كلا وجود. ومنه" أي: من المبتدأ المجرور بحرف زائد "عند سيبويه" قوله تعالى: " ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ " [القلم: ٦] فـ"أيكم" مبتدأ، والباء زائدة فيه، و"المفتون" خبره، ولم يعكس؛ لأن صيغة مفعول لا تكون عنده بمعنى المصدر.
وعند الأخفش بالعكس٧، فـ"المفتون" بمعنى الفتنة مبتدأ مؤخر، وبـ"أيِّكُم"
_________________
(١) ١ الحجة للقراء السبعة ١/ ٢٦٩، وانظر حاشية يس ١/ ١٥٥. ٢ في "ب"، "ط": "أنذرتهم". ٣ المثل في مجمع الأمثال ١/ ١٢٩، ٢/ ٤٢٠، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٩٧، ٩٨، والفاخر ص٥٦، وجمهرة الأمثال ١/ ٢٦٦، والمستقصى ١/ ٣٧٠، وفصل المقال ص١٣٥. ٤ شرح شذور الذهب ص١٩. ٥ في حاشية يس ١/ ١٥٥، ١٥٦: "قال الدماميني في شرح التسهيل في باب القسم: لا نسلم أن السبك بدوم حرف مصدري شاذ في غيرها على الإطلاق، وإنما يكون شاذا إذا لم يطرد في باب، أما إذا اطرد في باب واستمر فيه فإنه لا يكون شاذا، كالجملة التي يضاف إليها اسم الزمان، نحو: جئتك حين ركب الأمير، أي: حين ركوبه، و﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾، أي: يوم نفع الصادقين. فهذا مطرد". ٦ سقط من "ب". ٧ معاني القرآن للأخفش ٢/ ٧١٢.
[ ١ / ١٩٠ ]
خبر مقدم، والباء بمعنى "في" لا زائدة. والمعنى على الأول: أيكم المفتون؛ أي: المجنون. وعلى الثاني: الفتنة بأيكم، أي: الجنون في أيكم.
"و" منه "عند بعضهم" وهو ابن عصفور قوله ﷺ: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" ١، فـ "الصوم" مبتدأ مؤخر، و"عليه" خبر مقدم، والباء زائدة في المبتدأ. وقيل: "عليه" اسم فعل، وفاعله مستتر فيه، و"الصوم" مفعول به، والباء زائدة في المفعول. وحجة الأول أن إغراء الغائب شاذ، فإن "عليه" إذا كان اسم فعل يكون نائبا عن "ليلزم"، والشيء الواحد لا يقوم مقام شيئين مختلفي الجنس وهما لام الأمر والفعل.
ورد بأن ذلك إذا كان المراد به الغائب، والمراد هنا المخاطب، وإنما جيء بالضمير غائبا على لفظ "من"، وإلا فهو مخاطب في المعنى، قاله أبو إسحاق الجزري في نقده على مقرب ابن عصفور.
والثاني: وهو الذي يشبه الزائد، نحو: [من الطويل]
١٣٥-
لعل أبي المغوار منك قريب
ونحو: رب رجل صالح لقيته، فمجرور "لعل" و"رب" في موضع رفع بالابتداء؛ لأن "لعل" و"رب" في موضع رفع بالابتداء؛ لأن "لعل" و"رب" أشبها الحرف الزائد٢ في كونهما لا يتعلقان بشيء.
"والوصف" يتناول اسم الفاعل، والمفعول، الصفة المشبهة، واسم التفضيل، والمنسوب، "نحو: أقائم هذان"٣، وما مضروب العمران، وهل حسن الوجهان، وهل
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب: الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، برقم ١٨٠٦، وهو في كشف المشكلات ص١١٥، وانظر تخريج المحقق فيه.
(٢) صدر البيت: "فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة" ، وهو لكعب بن سعد الغنوي في الأصمعيات ص٩٦، والاقتضاب ص٧٦١، وخزانة الأدب ١٠/ ٤٢٦، ٤٢٨، ٤٣٠، ٤٣٦، والدرر ٢/ ٨٠، ٣٤٨، وديوان المعاني ٢/ ١٧٩، وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٠٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٦٩، وشرح شواهد المغني ص٦٩١، ولسان العرب ١/ ٢٨٣ "جوب"، ١١/ ٤٧٣ "علل"، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٤٧، وبلا نسبة في رصف المباني ص٣٧٥، وشرح الأشموني ١/ ٥٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٤، وكتاب اللامات ص١٣٦، ولسان العرب ١٢/ ٥٥٠ "لمم"، ومغني اللبيب ٣٧٧، "١/ ٢٨٦"، وهمع الهوامع ٢/ ٣٣، ١٠٨، وشرح الجواليقي ص٣٨٢. ٢ في "رب": "الزيدان". ٣ قال الشنقيطي في الدرر ٢/ ٨١: "اعتبار زيادتها من هذه الجهة أولى من عدم اعتبار زيادتها من جهة إفادتها لمعنى تأسيسي وهو الترجي؛ كغيرها من الحروف التي هي غير زائدة". وانظر حاشية الصبان ١/ ١٨٩، ومصادر تخريج البيت.
[ ١ / ١٩١ ]
أحسن في عين زيد الكحل منه في عين غيره، وما قرشي أبواك. والذي بمنزلة الوصف نحو قولهم: لا نولك أن تفعل، فـ"نولك" مبتدأ، وهو بمنزلة الوصف في كونه قائما مقام الفعل، وهو "ينبغي" و"أن تفعل" فاعل بـ"نولك" سد مسد الخبر١، وسيأتي في باب "لا".
"وخرج" بقوله: مخبر عنه أو وصف "نحو: نزال"، [فإنه] ٢ من أسماء الأفعال؛ "لأنه لا مخبر عنه ولا وصف"، فلا يكون مبتدأ، بناء على أن اسم الفعل لا محل له من الإعراب، وهو الأصح.
"و" خرج بقوله: رافع لمكتفى به "نحو: أقائم أبواه زيد، فإن المرفوع بالوصف" وهو "أبواه" "غير مكتفى به"٤ في حصول الفائدة مع قطع النظر عن "زيد" "فـ"زيد" مبتدأ" مؤخر، "والوصف خبر" مقدم و"أبواه" فاعله.
"ولا بد للوصف المذكور" وما هو بمنزلته "من" اشتراط "تقدم نفي أو استفهام" عليهما، وهل ذلك شرط في العمل، أو في الاكتفاء بالفاعل عن الخبر قولان، أرجحهما الثاني، قاله في المغني٥.
والنفي يشمل النفي بالحرف، وبالفعل، وبالاسم.
فالنفي بالحرف، "نحو" قوله: [من الطويل]
١٣٦-
"خليلي ما واف بعهدي أنتما" إذا لم تكونا لي على من أقاطع
_________________
(١) ١ في حاشية الصبان ١/ ١٨٩: ""نول" وإن كان مصدرا بمعنى التناول إلا أنه هنا بمعنى المفعول، أي: ليس متناولك هذا الفعل، أي: لا ينبغي لك تناوله، فنولك: مبتدأ، وأن تفعل: نائب فاعله. وقول المصرح ومن تبعه: "أن تفعل" فاعله غير صحيح". ٢ إضافة من "أ". ٣ في "أ"، "ط": "فإنه". ٤ في حاشية يس ١/ ١٥٧: "أي: فلا يحسن السكون عليه، وهذا واضح إذا لم يعلم مرجع الضمير، أما إذا علم كما إذا جرى ذكر زيد فقيل: أقائم أبوه، فإنه يكتفى به ويحسن السكون عليه؛ لأنه بمنزلة: أقائم أبو زيد". ٥ مغني اللبيب "٧٢٣" ٢/ ٥٥٦.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٨٩، وتخليص الشواهد ص١٨١، والدرر ١/ ١٨٢، وشرح ابن الناظم ص٧٥، وشرح الأشموني ١/ ٨٩، وشرح التسهيل ١/ ٢٦٩، وشرح شذور الذهب ص١٨٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٩٨، وشرح قطر الندى ص١٢١، ومغني اللبيب "٧٢٣" ٢/ ٥٥٦، والمقاصد النحوية ١/ ٥١٦، وهمع الهوامع ١/ ٩٤.
[ ١ / ١٩٢ ]
فـ "ما" نافية، و"واف" مبتدأ، و"أنتما" فاعل سد مسد الخبر.
وفيه رد على الزمخشري وابن الحاجب١ حيث شرطا أن يكون المرفوع اسما ظاهرا، قاله الموضح في شرح الشذور٢. وجوابه أن المراد بالظهور ضد الاستتار.
والنفي بالفعل، نحو: ليس قائم الزيدان، فـ"قائم" اسم "ليس"، و"الزيدان" فاعل بـ"قائم" سد مسد خبر "ليس" قاله ابن عقيل٣.
والنفي بالاسم، نحو: غير قائم الزيدان، فـ"غير" مبتدأ، و"قائم" مضاف إليه و"الزيدان" فاعل بـ"قائم" سد مسد خبر "غير"؛ لأن المعنى ما قائم الزيدان، فعومل "غير قائم" معاملة "ما قائم" قاله ابن عقيل أيضا٤.
والنفي في المعنى كالنفي الصريح، نحو: إنما قائم الزيدان؛ لأنه في قوة قولك: ما قائم إلا الزيدان.
والاستفهام يشمل الاستفهام بالحرف والاسم.
فالاستفهام بالحرف "نحو" قوله: [من الطويل]
١٣٧-
"أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا" إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا
فـ"قاطن" مبتدأ، من: قطن بالمكان إذا أقام به، و"قوم سلمى" فاعل سد مسد الخبر، و"الظعن": السير.
والاستفهام بالاسم، نحو: كيف جالس العمران، وإنما لم يجعل المرفوع بالوصف خيرا فيهن؛ لأن الوصف قائم مقام الفعل، والفعل لا يخبر عنه، فكذا ما قام مقامه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١١٤-
وأول مبتدأ والثاني فاعل اغنى في أسار ذان
_________________
(١) ١ انظر قوله في كتاب الموشح على كافية ابن الحاجب للخبيصي ص٤٨. ٢ شرح شذور الذهب ص١٨٢، وفي همع الهوامع ١/ ٩٤: "ومنع الكوفيون الضمير؛ فلا يجيزون إلا "أقائمان أنتما" بالمطابقة، بجعل الضمير مبتدأ مؤخرا، قالوا: لأن الوصف إذا رفع الفاعل الساد مسد الخبر جرى مجرى الفعل، والفعل لا ينفصل منه الضمير، ورد بالسماع". ٣ شرح ابن عقيل ١/ ١٩٠. ٤ شرح ابن عقيل ١/ ١٩٠.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٩٠، وتخليص الشواهد ص١٨١، وجواهر الأدب ٢٩٥، وشرح ابن الناظم ص٧٥، وشرح الأشموني ١/ ٨٩، وشرح التسهيل ١/ ٢٦٩، وشرح شذور الذهب ص١٨١، وشرح قطر الندى ص١٢٢، والمقاصد النحوية ١/ ٥١٢.
[ ١ / ١٩٣ ]
١١٥-
وقس وكاستفهام النفي١
وإذا لم يتقدم على الوصف نفي ولا استفهام لا يكون مبتدأ٢ "خلافا للأخفش والكوفيين"٣ في إجازتهم وقوعه مبتدأ من غير أن يتقدمه نفي أو استفهام، "ولا حجة لهم في نحو" قول بعض الطائيين: [من الطويل]
١٣٨-
"خبير بنو لهب فلا تك ملغيا مقالة" لهبي إذا الطير مرت
"خلافا للناظم" في شرح التسهيل٤ "وابنه" في شرح النظم٥ "لجواز كون الوصف" وهو "خبير" "خبرا مقدما" و"بنو لهب"، مبتدأ مؤخرا، "وإنما صح الإخبار به"، أي: بـ"خبير" مع كونه مفردا "عن الجمع"، وهو: "بنو لهب"؛ "لأنه" أي: "خبير" "على" وزن "فعيل" و"فعيل" على وزن المصدر كـ"صهيل"، والمصدر يخبر به عن المفرد والمثنى والجمع، فأعطي حكم ما هو على زنته، "فهو على حد: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] . و"لهب" بكسر اللام وسكون الهاء: حتى من الأزد.
فإن قلت: إذا جوز الأخفش كون الوصف مبتدأ من غير أن يعتمد على نفي أو استفهام، فما سوغ الابتداء به وهو نكرة؟.
قلت: عمله في المرفوع بعده، وسيأتي
_________________
(١) ١ يعني أن النفي مسوغ لاستعمال الوصف المذكور كالاستفهام، نحو: ما قائم الزيدان، وأطلق الاستفهام ليتناول جميع أدواته، كـ"هل، ومن، وما"، وأطلق في النفي ليتناول كل ناف يصلح لمباشرة الاسم حرفا وهو "ما، ولا، وإن"، واسما وهو "غير"، وفعلا وهو "ليس". انظر توضيح المقاصد ١/ ٢٦٩، وشرح التسهيل لابن مالك ١/ ٢٧٤. ٢ في شرح ابن الناظم ص٧٥: "أما إذا لم يعتمد على الاستفهام أو النفي؛ كان الابتداء به قبيحا، وهو جائز على قبحه". ٣ انظر الارتشاف ٢/ ٢٧، وحاشية الصبان ١/ ١٩٢، وشرح ابن عقيل ١/ ١٩٢، وشرح التسهيل لابن مالك ١/ ٢٧٣.
(٢) البيت لرجل من الطائيين في تخليص الشواهد ص١٨٢، وشرح ابن الناظم ص٧٥، وشرح التسهيل ١/ ٢٧٣، ٢/ ١٧، والمقاصد النحوية ١/ ٥١٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٩١، والدرر ١/ ١٨٣، وشرح الأشموني ١/ ٩٠، وشرح ابن عقيل ١/ ١٩٥، وشرح عمدة الحافظ ص١٥٧، وشرح قطر الندى ص٢٧٢، وهمع الهوامع ١/ ٩٤. ٤ شرح التسهيل ١/ ٢٧٣، ٢٧٤. ٥ شرح ابن الناظم ص٧٥.
[ ١ / ١٩٤ ]
أن العمل من جملة المسوغات. فإن قلت العمل مشروط بالاعتماد، وقد تخلف هنا؟. قلت: الأخفش لا يشترط في عمل الوصف اعتماده على شيء كما حكاه المسيلي عنه. وإلى موافقة الأخفش والكوفيين١ أشار الناظم بقوله:
١١٥-
وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد
"وإذا" رفع الوصف ما بعده فله ثلاثة أحوال. وجوب الابتدائية، ووجوب الخبرية، وجواز الأمرين.
وذلك أنه إن "لم يطابق الوصف ما بعده تعينت ابتدائيته، نحو: أقائم أخواك" فـ"قائم" مبتدأ، و"أخوك" فاعله سد مسد خبره، ولا يجوز أن يكون "أخواك" مبتدأ مؤخرا و"قائم" خبر مقدما؛ لأنه لا يخبر عن المثنى بالمفرد "وإن طابقه"، أي: طابق الوصف ما بعده "في غير الإفراد" وهو التثنية والجمع "تعينت خبريته، نحو: أقائمان أخواك، وأقائمون أخوتك" بالتاء الفوقانية، وأقائم٢ الزيدون، فالوصف فيهن خبر مقدم، والمرفوع بعده مبتدأ مؤخر، ولا يجوز أن يكون الوصف فيهن مبتدأ، والمرفوع فاعلا سد مسد الخبر؛ لأن الوصف إذا رفع ظاهرا كان حكمه حكم الفعل في لزوم الإفراد على اللغة الفصحى٣، ويجوز ذلك على غيرها، ومسألة جمع التكسير نص عليها الشاطبي.
"وإن طابقه" أي: الوصف ما بعده "في الإفراد" تذكيرا وتأنيثا "احتملهما" أي: الابتدائية والخبرية على السواء، "نحو: أقائم أخوك"، وأقائمة أختك، فيجوز أن يجعل الوصف مبتدأ، وما بعده فاعلا سد مسد الخبر. ويجوز أن يجعل المرفوع مبتدأ مؤخرا، والوصف خبرا مقدما، فإن رجح الأول بأن الأصل في المقدم الابتداء عورض بأن الأصل في الوصف الخبرية، فلما تعارض الأصلان تساقطا، وإلى هذا التفصيل أشار الناظم بقوله:
١١٦-
والثاني مبتدأ وذا الوصف خبر إن في سوى الإفراد طبقا استقر
"وارتفاع المبتدأ بالابتداء، وهو التجرد" عن العوامل اللفظية "للإسناد،
_________________
(١) ١ انظر حاشية الصبان ١/ ١٩٢، وحاشية يس ١/ ١٥٨. ٢ في "ب": "أقيام"، وفي "ط": "أقام". ٣ انظر الارتشاف ٢/ ٢٦، وتوضيح المقاصد ١/ ٢٧٢، وشرح التسهيل لابن مالك ١/ ٢٧٢، وفي شرح ابن عقيل ١/ ١٩٩: "ويجوز على لغة "أكلوني البراغيث" أن يكون الوصف مبتدأ، وما بعده فاعل أغنى عن الخبر".
[ ١ / ١٩٥ ]
وارتفاع الخبر بالمبتدأ" عند سيبويه١، وإليه ذهب الناظم فقال:
١١٧-
ورفعوا مبتدأ بالابتدا كذاك رفع خبر بالمبتدا
فإذا قلت: زيد أخوك، فـ"زيد" مرفوع بالابتداء، و"أخوك" مرفوع بـ"زيد"، وصح رفعه به وإن كان جامدا؛ لأن أصل العمل للطالب٢، والمبتدأ طالب للخبر من حيث كونه محكوما به له طلبا لازما، كما أن فعل الشرط لما كان طالبا للجواب عمل فيه عند طائفة، وإن كان الفعل لا يعمل في الفعل. واعترض بأن المبتدأ قد يرفع الفاعل نحو: القائم أبوه ضاحك٣، فلو كان رافعا للخبر لأدى إلى رفع شيئين لم يكن أحدهما تابعا للآخر. وأجيب بأن الجهة مختلفة؛ لأن طلبه للفاعل من حيث كون الفاعل محكوما عليه. وطلبه للخبر من حيث كون الخبر محكوما به له "لا" ارتفاعه "بالابتداء" وهو قول ابن السراج٤، وصححه أبو البقاء. وحجة من قال به٥ أن الابتداء رفع المبتدأ، فيجب أن يرفع الخبر؛ لأنه مقتض لهما، فهو كالفعل لما عمل
في الفاعل عمل في المفعول، "ولا" ارتفاعه "بهما"، أي: بالابتداء والمبتدأ. وحجة من قال به أن الابتداء عامل ضعيف، فقوي بالمبتدأ كما قوي حرف الشرط بفعله حين عملا جميعا في الجزاء عند طائفة، وهذه الأقوال الثلاثة عن البصريين.
"وعن الكوفيين٦ أنهما"، أي: المبتدأ والخبر "ترافعا"، فرفع كل منهما الآخر. وحجتهم أن كل واحد منهما مفتقر إلى الآخر، فكان كل واحد منهما عاملا في صاحبه، كما أن "أيا" الشرطية
عامله في الفعل بعدها، وهو عامل فيها في نحو: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠]
وهذه الأقوال كلها ضعيفة. أما الأول: فلأن الخبر قد يكون نفس المبتدأ في المعنى، نحو: زيد أخوك، فلو رفع "الأخ" بـ"زيد" كان رافعا لنفسه بنفسه.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ١٢٧، وانظر الارتشاف ٢/ ٢٨، ٢٩، والإنصاف ١/ ٤٤، وشرح التسهيل لابن مالك ١/ ٢٦٩-٢٧٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٠٠، ٢٠١، وحاشية يس ١/ ١٥٨، ١٥٩، وحاشية الصبان ١/ ١٩٣. ٢ في "ب"، "ط": "للطلب". ٣ في "ط": "صاحبك"، تحريف. ٤ انظر كتابه الأصول ١/ ٥٨. ٥ يقصد المبرد. انظر شرح ابن الناظم ص٧٦، وشرح التسهيل لابن مالك ١/ ٢٧٢، والمقتضب ٤/ ١٢٦، وحاشية الصبان ١/ ١٩٤. ٦ انظر الإنصاف ١/ ٤٤.
[ ١ / ١٩٦ ]
وأما الثاني: فلأن الابتداء عامل ضعيف لا يرفع شيئين.
وأما الثالث فلأن اجتماع عاملين معنوي ولفظي لا يعهد.
وأما الرابع: فلأن العمل تأثير والمؤثِّر أقوى من المؤثَّر فيه، فليزم أن يكون الشيء الواحد قويا ضعيفا من وجه واحد إذا كان مؤثرا فيما أثر فيه من ذلك الوجه، وهو الرفع.
واحترز بقوله: للإسناد عن الأعداد المسرودة، نحو: اثنان ثلاثة، فإنها وإن تجردت فلا إسناد معها، فليست مبتدآت. وإثبات الألف في اثنان من استعمال الشيء في أول أحواله.
[ ١ / ١٩٧ ]
"فصل":
"والخبر" هو "الجزء الذي حصلت به" أو بمتعلقه "الفائدة" التامة "مع مبتدأ غير الوصف المذكور" في قوله: أو وصف رافع لمكتفى به، "فخرج" بذكر المبتدأ "فاعل الفعل"، نحو: "زيد" من قولك: قام زيد، "فإنه" وإن حصلت به الفائدة؛ لكنه "ليس مع المبتدأ" بل مع الفعل، ومثله فاعل اسم الفعل، نحو: [من الطويل]
١٣٩-
هيهات العقيق
"و" خرج بقوله: غير الوصف المذكور "فاعل الوصف" المذكور، نحو: "الزيدان" من قولك: أقائم الزيدان، فإنه وإن حصلت به الفائدة، لكنه ليس مع مبتدأ غير الوصف المذكور؛ بل مع مبتدأ هو الوصف المذكور، فلا يكون "الزيدان" خبرا، بل فاعلا سد مسد الخبر، وسلم الحد بعد ذلك للخبر، بخلاف قول الناظم:
١١٨-
والخبر الجزء المتم الفائده
فإنه يرد عليه فاعل الفعل، وفاعل الوصف، "وهو إما مفرد"١، وهو ما ليس جملة، فيشمل المثنى والمجموع، "وإما جملة" اسمية وفعلية.
وذكر ابن خروف في شرح الكتاب٢ أن الخبر ينقسم إلى نيف وسبعين قسما، كل منها يخالف صاحبه في حكم ما، وكلها ترجع إلى المفرد والجملة، ولذلك اقتصر الناظم
_________________
(١) تمام البيت: "وهيهات هيهات العقيق وأهله وهيهات خل بالعقيق نواصله" والبيت لجرير في ديوانه ص٩٦٥، والأشباه والنظائر ٨/ ١٣٣، والخصائص ٣/ ٤٢، والدرر ٢/ ٣٥٥، وشرح شواهد الإيضاح ص١٤٣، وشرح المفصل ٤/ ٣٥، ولسان العرب ١٣/ ٥٥٣ "هيه"، والمقاصد النحوية ٣/ ٧، ٤/ ٣١١، وكتاب العين ١/ ٦٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٩٣، ٤/ ٨٧، وسمط اللآلي ص٣٦٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٠٠١، وشرح شذور الذهب ص٥١٦، وشرح قطر الندى ص٢٥٦، والمقرب ١/ ١٣٤، وهمع الهوامع ٢/ ١١١. ١ في شرح ابن الناظم ص٧٧: "والأصل في الخبر أن يكون اسما مفردا". وفي توضيح المقاصد ١/ ١٧٤: "خلافا لابن السراج في إثباته لا مفردا ولا جملة، وهو الظرف والجار والمجرور". ٢ اسم كتابه: "تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب". كشف الظنون ص١٤٢٧.
[ ١ / ١٩٨ ]
عليهما فقال:
١١٩-
ومفردا يأتي ويأتي جمله
"والمفرد إما جامد"، وهو ما لم يشعر بمعنى الفعل الموافق له في المادة بالنظر إلى القياس الاستعمالي، كـ"زيد" فإنه لا يدل على معنى: زاد المال زيادة، وكـ"أسد" إذا أراد به شجاع على رأي، فإنه وإن كان في الاستعمال مشعرا بمعنى الفعل؛ ولكن بمعنى فعل غير موافق له في المادة، وهو "شَجُع" وكـ"صاحب" فإنه وإن كان مشعرا بمعنى "صحب" لكن لا بحسب الاستعمال، فكل من "زيد" و"أسد" و"صاحب" عندهم من قبيل الجوامد، "فلا يتحمل ضميرا المبتدأ، نحو: هذا زيد"، وهذا أسد، وهذا صاحب، فليس في شيء منها ضمير يعود على المبتدأ، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٢١-
والمفرد الجامد فارغ
"إلا إن أول" الجامد "بالمشتق" فيتحمل ضمير المبتدأ، "نحو: زيد أسد، إذا أريد به شجاع" عند جمهور البصريين١، فإن أريد به التشبيه على إضمار الكاف، أو أنه نفس الأسد مبالغة، لا يتحمل ضمير المبتدأ عندهم. وذهب الكسائي من الكوفيين، والرماني من البصريين ومن وافقهما إلى أن الجامد يتحمل ضمير المبتدأ مطلقا٢، سواء أول بمشتق أم لا.
"وإما مشتق"، وهو ما أشعر بمعنى الفعل الموافق له في المادة بالنظر إلى القياس الاستعمالي، كـ"قائم" فإنه دل على معنى "قام"، إذا أخبر به عن مبتدأ "فيتحمل ضميره"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٢١-
وإن يشتق فهو ذو ضمير مستكن
"نحو: زيد قائم"، والزيدان قائمان، والزيدون قائمون، وهند قائمة، والهندان قائمتان، والهندات قائمات، فالخبر في ذلك كله متحمل لضمير مستتر عائد على المبتدأ، والألف في "قائمان" والواو في "قائمون" حرفان دالان على التثنية والجمع، كما في "الرجلان" و"الزيدون"، "إلا إن رفع" المشتق الاسم "الظاهر نحو: زيد قائم
_________________
(١) ١ شرح ابن عقيل ١/ ٢٠٥. ٢ كذا ذكر ابن عقيل في شرحه ١/ ٢٠٥، وقال: "والتقدير عندهم: زيد أخوك هو". وانظر الإنصاف ١/ ٥٥، وشرح المفصل ١/ ٨٨.
[ ١ / ١٩٩ ]
"أبوه"، أو رفع الضمير البارز نحو: زيد قائم أنت إليه. فإنه لا يحتمل ضمير المبتدأ؛ لأنه لا يرفع فاعلين، "ويبرز الضمير المتحمل"، بفتح الميم، وينفصل "إذا جرى الوصف" الواقع خبرا "على" مبتدأ "غير من هو له" في المعنى، "سواء ألبس" الحال، "نحو: غلام زيد ضاربه هو"، فـ"ضاربه" وصف في المعنى لـ"زيد"؛ لأنه هو الضارب. للغلام، وذلك "إذا كانت الهاء" المفعولة "لـ"الغلام""؛ لأنه المضروب وقد جرى الوصف وهو "ضاربه" على "الغلام" لفظا؛ لأنه خبر عنه، فلو لم يبرز الضمير المستتر في "ضاربه" لتوهم السامع أن "الغلام" بحسب ظاهر الإسناد إليه هو "الضارب لزيد"، وانقلب المعنى فوجب إبراز ضمير الفاعل دفعا لهذا اللبس، فإن كانت الهاء لـ"زيد" فقد جرى الوصف على من هو له لفظا ومعنى، واستغنى عن إبراز الضمير، "أم لم يلبس" الحال، "نحو: غلام هند ضاربته هي"، فتاء التأنيث في "ضاربته"، خارجة تدل على أن الوصف في المعنى لـ"هند"، وكان ينبغي أن لا يبرز ضميرها إلا أن البصري التزم الإبراز مطلقا طردا للبس، وجرى على ذلك الناظم فقال:
١٢٢-
وأبرزته مطلقا حيث تلا ما ليس معناه له محصلا
"والكوفي إنما يلزم الإبراز عند الإلباس" خاصة "تمسكا بنحو قوله: [من البسيط]
١٤٠-
قومي ذرا المجد بانوها" وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطان
وجه التمسك١ به أن "قومي" مبتدأ أول، و"ذرا المجد" مبتدأ ثان، و"بانوها" خبر "ذرا المجد"، و"ذرا المجد" وخبره خبر "قومي" والهاء عائدة على "ذرا المجد" والضمير العائد على "قومي" مستتر في "بانوها"، فقد جرى الوصف وهو "بانوها" على "ذرا المجد" وهو في المعنى لـ"قومي" لأنهم "البانون"، ولم يبرز الضمير المستتر في "بانوها" لأن اللبس مأمون، فإن "الذرا" مبنية لا بانية، ولو برز لقيل على اللغة الفصحى: بانيهاهم؛ لأن حكم ضمير الجمع المنفصل كحكم جمعه الظاهر، فيكون الوصف مفردا كالفعل إذا أسند إلى جمع، وعلى لغة أكلوني البراغيث: بانوهاهم٢،
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٩٦، وتخليص الشواهد ١٨٦، والدرر ١/ ١٨٤، وشرح ابن الناظم ص٧٨، وشرح الأشموني ١/ ٩٣، وشرح التسهيل ١/ ٣٠٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٠٨، وهمع الهوامع ١/ ٩٦. ١ هذا التعليق على البيت نقله الشنقيطي بتمامه في الدرر ١/ ١٨٤،١٨٥. ٢ هي لغة طيئ وأزد شنوءة، انظر شرح ابن عقيل ٢/ ٤٦٨.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ولا حجة لهم في ذلك لاحتمال أن يكون "ذرا المجد" منصوبا بوصف محذوف يفسره الوصف المذكور، والتقدير: بانو ذرا المجد بانوها.
و"الذرا": جمع ذروة، وذروة الشيء أعلاه، و"المجد": الكرم، و"بانون": جمع بان؛ اسم فاعل من بني يبني، والأصل: بانيون، أعل إعلال قاضون، وحذفت النون للإضافة. وقال العيني١: من "البون" بضم الباء وهو: الفضل والمزية، يقال: بانه يبونه ويبنه، قاله الجوهري٢. ا. هـ.
فإن أراد أنه٣ جملة فعلية ماضوية [ولو كان كذلك لاستدعى إثبات الألف في الخط بعد الواو كما في نظائره] ٤، فالضمير هو الواو في "بانوها"، إذ ليس ثم فاعل غيره حتى يبرز، وإن أراد الوصف من: بان يبون أو يبين؛ فقياسه: بائن بهمزة بعد الألف بدلا من عين الفعل، والجمع بائنون لا بانون.
"والجملة إما نفس المبتدأ في المعنى فلا تحتاج لرابط" يربطها بالمبتدأ٥، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٢٠-
وإن تكن إياه معنى اكتفى بها
"نحو: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إذا قدر "هو" ضمير شأن" فـ"هو" مبتدأ، و"الله أحد" جملة خبره، وهي عينه في المعنى؛ لأنها مفسرة له، والمفسر عين المفسر، أي: الشأن الله أحد، [ولا يكون ضمير الشأن الحاضر، وإنما يكون ضمير غيبة مفسرا بجملة بعده خبرية مصرح بجزأيها، فإن كان بلفظ التذكير سمي ضمير الشأن، وإن كان بلفظ التأنيث سمي قصة، وقد يسمى بهما، وأما] ٦ إذا قدر "هو" ضمير المسئول عنه فخبره مفرد وهو "الله" و"أحد" خبر بعد خبر أو بدل، "ونحو: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] إذا قدر "هي" ضمير قصة، فـ"هي" مبتدأ، و"شاخصة" خبر مقدم، و"أبصار الذين كفروا" مبتدأ مؤخر، وجملة "أبصار
_________________
(١) ١ شرح الشواهد للعيني ١/ ١٩٩. ٢ الصحاح ٥/ ٢٠٨٢ "بين". ٣ في "ب": "به". ٤ ما بين المعقوفتين سقط من "ب"، "ط"، والدرر ١/ ١٨٥. ٥ في حاشية يس ١/ ١٦٢: "يفهم أن الرابط إذا وجد لا يضر، وهو كذلك، ولو قال: فلا يكون لها رابط كان صوابا" وانظر حاشية الصبان ١/ ١٩٧، وتوضيح المقاصد ١/ ٣٠٩. ٦ ما بين المعقوفتين سقط من "ب".
[ ١ / ٢٠١ ]
الذين كفروا شاخصة" في موضع رفع خبر "هي"، وهي عينها في المعنى، أي: فإذا القصة أبصار الذين كفروا شاخصة، فلا تحتاج إلى رابط، وأما إذا قدر "هي" ضمير الأبصار كما قال الفراء١، أو عماد أو تقدم مع الخبر على المبتدأ، والأصل: فإذا أبصار الذين كفروا هي شاخصة؛ كما قال الكسائي، فالخبر مفرد، "ومنه" قول الناظم:
١٢٠-
"كنطقي الله حسبي"
فـ"نطقي" مبتدأ، و"الله حسبي" مبتدأ وخبر، والجملة خبر "نطقي"، وهي نفسه في المعنى؛ "لأن المراد بالنطق المنطوق به"، والمنطوق به هو "الله حسبي"، فلا يحتاج إلى رابط. والتحقيق أن مثل هذا ليس من الإخبار بالجملة؛ بل المفرد على إرادة اللفظ كما في عكسه، نحو: $"لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة"٢، قاله الدماميني والمرادي٣.
"وإما غيره"، أي: غير المبتدأ في المعنى "فلا بد من احتوائها على معنى المبتدأ الذي هي مسوقة له"، وإلى ذلك الإشارة بقول الناظم:
١١٩-
ويأتي جمله حاوية معنى الذي سيقت له
"وذلك بأن تشتمل على اسم بمعناه"، أي بمعنى المبتدأ، "وهو" أي: الاسم المشتملة عليه بالجملة. "إما ضميره"، أي: ضمير المبتدأ حال كون الضمير "مذكورا"، وهو الأصل، "نحو: زيد قام أبوه". فجملة "قام أبوه" خبر عن "زيد"، والرابط بينهما الهاء. "أو مقدرا"، وهو إما مجرور أو منصوب.
فالأول: "نحو: السمن منوان بدرهم"، فـ"السمن" مبتدأ أول، و"منوان" مبتدأ ثان، وسوغ الابتداء به الوصف المحذوف، "أي" منوان "منه" و"بدرهم" خبر المبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول، والرابط بينهما الضمير المجرور بـ"من" المقدرة.
"و" الثاني: نحو: "قراءة ابن عامر "وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى""
_________________
(١) ١ معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٢. ٢ الحديث في النهاية لابن الأثير ٤/ ٢٠٣ "كنز"، ولسان العرب "كنز". أي: أجرهما مدخر لقائلها والمتصف بها، كما يدخر الكنز. ٣ توضيح المقاصد ١/ ٢٧٧، وذكره ابن هشام في مغني اللبيب في بحث الجمل التي لا محل لها من الإعراب.
[ ١ / ٢٠٢ ]
[الحديد: ١٠] برفع "كل" في سورة الحديد١، فـ"كل" مبتدأ، وجملة "وعد الله الحسنى" من الفعل والفاعل والمفعول خبر المبتدأ، والرابط بينهما الضمير المقدر المنصوب بـ"وعد" على أنه مفعوله الأول، "أي: وعده" الله.
"أو إشارة إليه"، أي: إلى المبتدأ، "نحو: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] إذا قدر "ذلك" مبتدأ ثانيا لا تابعا لـ"لباس""، فـ"لباس" مبتدأ، و"التقوى" مضاف إليها، و"ذلك" مبتدأ ثان، و"خير" خبره، وهو وخبره خبر الأول، والرابط بينهما الإشارة إلى المبتدأ.
وخص ابن الحاج المسألة بكون المبتدأ موصولا أو موصوفا والإشارة للبعيد٢. ورد بقوله ﷾: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ﴾ الآية [الإسراء: ٣٦] .
إما إذا قدر "ذلك" تابعا لـ"اللباس" على أنه بدل منه أو عطف بيان عليه لا نعت عليه خلافا للفارسي ومن تبعه٣؛ لأن النعت لا يكون أعرف من المنعوت٤ كما قال الحوفي فالخبر حينئذ مفرد.
"قال الأخفش٥: أو غيرهما"، أي: غير الضمير والإشارة وهو إعادة المبتدأ بمعناه، "نحو: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ الآية"، وتمامها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، فـ"الذين" مبتدأ، وجملة "يمسكون الكتاب" صلة "الذين"، وجملة "وأقاموا الصلاة" معطوفة على الصلة، وجملة "إنا لا نضيع أجر المصلحين" خبر المبتدأ، والرابط بينهما إعادة المبتدأ بمعناه، فإن "المصلحين" هم "الذين يمسكون بالكتاب" في المعنى.
ورد بمنع كون "اللذين" مبتدأ؛ بل هو مجرور بالعطف على "الذين يتقون" [من قوله: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]] ٦، ولئن سلط فالرابط
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي ﴿كلَّا﴾ بالنصب، وانظر الإتحاف ص٤٠٩، والنشر ٢/ ٣٨٤، وفي حاشية يس ١/ ١٦٥: "أما في سورة النساء فقرأ بالنصب كالجماعة؛ لأن قبله جملة فعلية وهي "فضل الله المجاهدين" فساوى بين الجملتين في الفعلية، بل بين الجمل؛ لأن بعده "وفضل الله المجاهدين" وهذا مما أغفلوه؛ أعني الترجيح؛ باعتبار ما يعطف على الجملة، قاله في المغني". ٢ انظر قوله في الارتشاف ٢/ ٥٠. ٣ في حاشية الصبان ١/ ١٩٦: "وتبعه أبو البقاء وجماعة". ٤ في حاشية الصبان ١/ ١٩٦: "بناء على أن النعت قد يكون أعرف من المنعوت". ٥ في همع الهوامع ١/ ٩٨: "ووافق ابن عصفور الأخفش، كما جاء ذلك في الأصول". ٦ سقط ما بين المعقوفتين من الأصل و"ب"، وهو ثابت في "ط".
[ ١ / ٢٠٣ ]
العموم؛ لأن "المصلحين" أعم من المذكورين، أو ضمير محذوف، أي: منهم، أو الخبر محذوف، والجملة قبله دليله، والتقدير: مأجورون، قاله في المغني١.
"أو" تشتمل الجملة "على اسم بلفظه"، أي: بلفظ المبتدأ، "ومعناه نحو: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١، ٢] فـ"الحاقة" الأولى مبتدأ، و"ما" اسم استفهام مبتدأ ثان، و"الحاقة" الأخيرة خبر "ما" الاستفهامية، و"ما" وخبرها خبر "الحاقة" الأولى، والرابط بينهما إعادة المبتدأ بلفظه ومعناه.
"أو" تشتمل الجملة "على اسم أعم منه"، أي: من المبتدأ، "نحو: زيد نعم الرجل"٢، فـ"زيد" مبتدأ، و"نعم الرجل" خبره، والرابط بينهما العموم الذي في "الرجل" الشامل لـ"زيد".
"و" نحو "قوله" وهو الرماح ابن ميادة: [من الطويل]
١٤١-
ألا ليت شعري هل إلى أم معمر سبيل "فأما الصبر عنها فلا صبررا"
فـ"الصبر" مبتدأ، و"عنها" متعلق به، و"لا" نافية، و"صبرا" اسمها مبني معها على الفتح، والخبر محذوف تقديره "لي"، وجملة "لا صبر لي" خبر المبتدأ، والرابط بينهما العموم الذي في اسم "لا" لأن النكرة المنفية تفيد العموم، والمطرد من هذه الروابط هو الضمير لا غير. أما الإشارة فلأنه لا يقال: زيد قام هذا، والزيدون خرج أولئك. وأما إعادة المبتدأ بمعناه فقد تقدم رده. وأما إعادة المبتدأ بلفظه ومعناه فقد نص سيبويه على ضعفه٣، وهو مخصوص بموضعين، أحدهما: أما العبيد فذو عبيد، وثانيهما: حيث قصد التهويل والتعظيم نحو: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١، ٢] قاله
_________________
(١) ١ مغني اللبيب "٦٥٠"، وانظر حاشية يس ١/ ١٦٥. ٢ في حاشية يس ١/ ١٦٥: "قال الدنوشري: ظاهره أن العموم جاء من قبل أن الألف واللام للاستغراق. قال ابن الحاجب: وهذا غلط؛ لأنا نقطع أن المتكلم بقوله: "نعم العبد صهيب" لم يقصد مدح جميع من في العالم، وإنما قصد مدح هذا الفاعل المذكور، فجعله للعموم غلط. وفي اللباب: أن خبر المبتدأ إذا كان جملة يشتمل على جنس يندرج فيه هو لم يحتج إلى ضمير نحو: زيد نعم الرجل".
(٢) البيت لابن ميادة في ديوانه ص١٣٤، والأغاني ٢/ ٢٣٧، والحماسة البصرية ٢/ ١١١، وخزانة الأدب ١/ ٤٥٢، والدرر ١/ ١٨٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٦٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٧٦، والمقاصد النحوية ١/ ٥٢٣، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ٢٨، وأوضح المسالك ١/ ١٩٩، والكتاب ١/ ٣٨٦، ومغني اللبيب ٢/ ٥٠١، "٦٥١"، وهمع الهوامع ١/ ٩٨. ٣ الكتاب ١/ ٦٢.
[ ١ / ٢٠٤ ]
الشاطبي وأما العموم فلأنه لا يجوز: زيد مات الناس، وزيد نعم الرجال، وهند نعمت النساء، وأما:
فأما الصبر عنها فلا صبرا
فمن باب: أما العبيد فذو عبيد، فهو من تكرار المبتدأ بلفظه ومعناه، وليس العموم فيه مرادا، إذ المراد أنه: لا صبر له عنها، لا أنه لا صبر له عن كل شيء، قاله في المغني١.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ٢/ ٥٠١ "٦٥١".
[ ١ / ٢٠٥ ]
"فصل":
"ويقع الخبر ظرفا، نحو ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]، ومجرورا نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] . وشرطهما أن يكونا تامين كما مثل، فلا يجوز: زيد مكانا، ولا زيد بك، لعدم الفائدة، ويتعلقان بمحذوف وجوبا، ثم قيل: الخبر نفس الظرف والمجرور وحدهما، والمصحح لذلك تضمنها معنى صادقا على المبتدأ، وقيل: هما ومتعلقهما والمتعلق جزء من الخبر، واختاره الرضي١ والسيد عبد الله. "والصحيح" عند الموضح تبعا لطائفة "أن الخبر في الحقيقة متعلقهما المحذوف"، لا هما، ولا مع متعلقهما.
واختلف في تقديره. فقال الأخفش والفارسي والزمخشري تقديره: كان أو استقر. وحجتهم أن المحذوف عامل النصب في لفظ الظرف ومحل المجرور، والأصل في العامل أن يكون فعلا.
"و" الصحيح عند جمهور البصريين٢ "أن تقديره: كائن أو مستقر، لا كان أو استقر". وحجتهم أن المحذوف هو الخبر في الحقيقة، والأصل في الخبر أن يكون اسما مفردا، فكل من الفريقين استند إلى أصل صحيح٣، ورجح الاسم بوقوع الظرف والمجرور في موضع لا يصلح للفعل، نحو: أما في الدار فزيد، ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: ٢١] لأن "أما" لا تنفصل من الفاء إلا باسم مفرد أو جملة شرط دون جوابه؛ ولأن "إذا" الفجائية لا يليها الأفعال على الأصح.
وقال الموضح في المغني٤: والحق عندي أنه لا يترجح تقديره اسما ولا فعلا؛ بل بحسب المعنى. ا. هـ. وإليه يرشد قول الناظم:
_________________
(١) ١ شرح الرضي ١/ ٢٤٣. ٢ انظر الإنصاف ١/ ٢٤٥. ٣ شرح ابن عقيل ١/ ٢١١. ٤ مغني اللبيب ٢/ ٤٤٥ "٥٨٤".
[ ١ / ٢٠٦ ]
١٢٣-
وأخبروا بظرف أو بحرف جر ناوين معنى كائن أو استقر
وذهب الكوفيون وابنا طاهر وخروف إلى أنه لا تقدير. ثم اختلفوا فقال ابنا طاهر وخروف: الناصب لهما المبتدأ، وزعما أنه يرفع الخبر إذا كان عينه نحو: زيد أخوك، وينصبه إذا كان غيره، نحو: زيد عندك. وقال الكوفيون: الناصب لهما معنوي وهو كونهما مخالفين للمبتدأ١.
قال في المغني٢: ولا معمول على هذين القولين. "و" على القول بأن لهما متعلقا محذوفا فالصحيح "أن الضمير الذي كان فيه انتقل" منه "إلى الظرف والمجرور"، وسكن فيهما "كقوله" وهو جميل بن عبد الله: [من الطويل]
١٤٢-
فإن يك جثماني بأرض سواكم "فإن فؤادي عندك الدهر أجمع"
وجه الدلالة منه أن "أجمع" مرفوع لا يصلح أن يكون توكيد لـ"فؤادي" ولا لـ"الدهر"؛ لأنهما منصوبان، ولا للضمير المحذوف مع الاستقرار؛ لأن التوكيد والحذف متنافيان، ولا لاسم "إن" على محله من الرفع على الابتداء؛ لأن الطالب للمحل قد زال بدخول الناسخ، وإذا بطلت هذه الأقسام تعين أن يكون توكيدا للضمير المنتقل إلى الظرف وهو المطلوب، ولا يشكل بالفصل بالأجنبي وهو "الدهر" فإنه جائز في الضرورة٣.
وقيل: لا ضمير في الظرف والمجرور مطلقا تقدم أو تأخر، وإن الضمير حذف مع المتعلق، وزعم ابن خروف أن الخبر إذا كان ظرفا أو مجرورا لا ضمير فيه عند سيبويه٤ والفراء إلا إذا تأخر عن المبتدأ، أما إذا تقدم عليه فلا ضمير فيه؛ واستدل على ذلك بأنه لو كان فيه ضمير إذا تقدم لجاز أن يؤكد، وأن يعطف عليه، وأن يبدل منه، كما يفعل ذلك مع المتأخر، ا. هـ.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ٣١٤. ٢ مغني اللبيب ٢/ ٤٤٦ "٥٨٥".
(٢) البيت لجميل بثينة في ديوانه ص١١١، وخزانة الأدب ١/ ٣٥٩، والدرر ١/ ١٩٠، والسمط ص٥٠٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٦، والمقاصد النحوية ١/ ٥٢٥، ولكثير عزة ديوانه ص٤٠٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٠١، وشرح الأشموني ١/ ٩٣، ومغني اللبيب ٢/ ٤٤٢ "٥٧٩"، وهمع الهوامع ١/ ٩٨. ٣ هذا التعليق على البيت نقله الصبان بتصرف في حاشيته ١/ ٢٠٠. ٤ الكتاب ٢/ ١٤٥.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ولك أن تقول: إنما امتنع جواز الاتباع للفصل بالأجنبي، ولا يلزم منه عدم وجود المتبوع، فلا يتم التقريب.
"ويخبر" بالمكان عن أسماء الذوات والمعاني، نحو: زيد خلفك، والخير أمامك، ولا يخبر "بالزمان" إلا "عن أسماء المعاني" إذا كان الحديث غير مستمر، "نحو: الصوم اليوم والسفر غدا"، فإن كان الحدث مستمرا امتنع الإخبار به عنه، فلا يقال: طلوع الشمس يوم الجمعة، لعدم
الفائدة. "ولا" يخبر بالزمان "عن أسماء الذوات، نحو: زيد اليوم"، والفرق أن الأحداث أفعال وحركات وغيرهما فلا بد لكل حدث من زمان يختص به، بخلاف الذوات فإن نسبتها إلى جميع الأزمنة على السواء فلا فائدة في الإخبار بالزمان عنها، "فإن حصلت فائدة جاز" الإخبار بالزمان عن أسماء الذوات، وتحصل الفائدة "كأن يكون المبتدأ عاما، والزمان خاصا" إما بالإضافة، "نحو: نحن في شهر كذا"، فـ"نحن" مبتدأ، وهو عام لصلاحيته في نفسه لكل متكلم، إذ لا يختص بمتكلم دون آخر، و"في شهر كذا" خبره. وهو خاص بالمضاف إليه. وإما بالوصف نحو: نحن في زمان طيب. "وأما نحو: الورد في أيار"، بفتح الهمزة وتشديد الياء آخر الحروف، والمنع من الصرف للعلمية والعجمة؛ لأنه شهر رومي، "واليوم خمر والليلة الهلال"، بنصب "اليوم" و"الليلة"، "فـ" التأويل فيها واجب بتقدير مضاف كما قاله الفارسي، و"الأصل: خروج الورد" في أيار، "و" اليوم "شرب خمر و" الليلة "رؤية الهلال"، فالإخبار في الحقيقة إنما هو عن اسم المعنى، لا عن اسم الذات، والتفصيل بين حصول الفائدة وعدمها هو اختيار ابن الطراوة وجماعة١، ووافقهم الناظم٢ فقال:
١٢٤-
ولا يكون اسم زمان خبرا عن جثة وإن يفد فأخبرا
والصحيح المنع مطلقا، وما ورد من ذلك فيؤول.
_________________
(١) ١ هذا مذهب جمهور البصريين. انظر شرح ابن عقيل ١/ ٢١٤. ٢ انظر التسهيل ص٤٦، وتوضيح المقاصد ١/ ٢٨١.
[ ١ / ٢٠٨ ]
"فصل":
"ولا يبتدأ بنكرة" لأنها مجهولة، والحكم على المجهول لا يفيد غالبا "إلا إن حصلت" به "فائدة، كأن يخبر عنها بمختص" بما يصلح للإخبار عنه، "مقدم" نعت لمختص "ظرف أو مجرور" بدل من مختص أو عطف بيان عليه، وظاهر كلامه أن التقديم له دخل في التسويغ. والتحقيق أن المسوغ للابتداء بالنكرة أن يخبر عنها بظرف مختص، والتقديم إنما هو لرفع إلباس الخبر بالصفة، وصرح بذلك في المغني١.
فالظرف "نحو: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ " [ق: ٣٥]، والمجرور نحو: " ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، فـ"مزيد" و"غشاوة" مبتدآن، وهما نكرتان، وسوغ الابتداء بهما الإخبار عنهما بظرف ومجرور مختص بإضافتهما إلى ما يصلح للإخبار عنه وهو الضمير، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٢٥-
ولا يجوز الابتداء بالنكره ما لم تفد كعند زيد نمره
وهو مثال لما يجوز، "ولا يجوز: رجل في الدار" لفوات الاختصاص والتقدم معا، "ولا" يجوز: "عند رجل مال"٢ لعدم الاختصاص بما يصلح للإخبار عنه٣، "أو" كانت "تتلو نفيا، نحو: ما رجل قائم"، مثله في النظم بقوله:
١٢٦-
فما خل لنا
فـ"رجل" و"خل" مبتدآن، وسوغ الابتداء بهما تقدم النفي عليهما، وبذلك تحصل الفائدة؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم، وإذا عمت كان مدلول النكرة جميع أفراد الجنس، فأشبهت المعرف بـ"أل" الاستغراقية.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب "٦١١". ٢ في "ط": "ماله"، تحريف. ٣ في حاشية الصبان ١/ ٢٠٤: "المراد بالاختصاص هنا أن يكون المجرور في الخبر الجار والمجرور والمضاف إليه في الظرف، والمسند إليه في الجملة صالحا للإخبار عنه، قاله الشمني".
[ ١ / ٢٠٩ ]
"أو" تتلو "استفهاما، نحو: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠، ٦٤]، ومثله في النظم بقوله:
١٢٦-
وهل فتى فيكم
فـ"إله" و"فتى" مبتدآن، وسوغ الابتداء بهما وقوعهما في حيز الاستفهام، وبذلك تحصل الفائدة؛ لأن الاستفهام سؤال عن غير معين يطلب تعيينه في الجواب، فأشبه العموم الخاص. وفيه رد على ابن الحاجب حيث قال في شرح منظومته: إن الاستفهام المسوغ للابتداء هو الهمزة المعادلة بـ"أم"، نحو: أرجل في الدار أم امرأة، "أو تكون موصوفة سواء ذكرا"، أي: الموصوف والصفة، "نحو: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ" خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فـ"عبد" مبتدأ وهو نكرة، وسوغ الابتداء به وصفه بـ"مؤمن" لأن النكرة إذا وصفت قربت من المعرفة.
وقال ابن الحاجب: المسوغ للابتداء بالنكرة في هذه الآية إنما هو معنى العموم١، و"خير" خبر المبتدأ، ومثله الناظم بقوله:
١٢٦-
ورجل من الكرام عندنا
"أو حذفت الصفة" وذكر الموصوف، "نحو: السمن منوان بدرهم، ونحو: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فـ"منوان" و"طائفة" مبتدآن، وسوغ الابتداء بهما كون كل منهما موصوفا بصفة محذوفة، "أي: منوان منه، وطائفة من غيركم"، بدليل: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وفيه رد على ابن مالك حيث مثل بالآية للتسويغ بواو الحال، كما قاله في المغني٢. "أو" حذف "الموصوف"، وذكرت الصفة "كالحديث: سوآء ولود خير من حسناء عقيم"٣، فـ"سوآء" بالمد، مبتدأ، وسوغ الابتداء بها كونها صفة لموصوف، "أي: امرأة سوآء"، فحذف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، و"ولود" صفة ثانية لـ"امرأة" و"خير" خبر المبتدأ.
_________________
(١) ١ الإيضاح في شرح المفصل ١/ ١٨٤، ١٨٥. ٢ مغني اللبيب "٦١٣". ٣ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وقال: رواه الطبراني، وأشار إليه بالضعف، فيض القدير ٤/ ١١٤. وقال ابن الأثير في النهاية ٢/ ٤١٦ "سوأ": "أخرجه الأزهري عن النبي ﷺ، وأخرجه غيره من عمر". وفي حاشية يس ١/ ١٦٩: "قال الدنوشري: ذكره في الإحياء بلفظ: سوداء ولود خير من حسناء لا تلد. قال العراقي في تخريجه: أخرجه في الضعفاء من رواية شهر بن حكيم عن أبيه عن جده".
[ ١ / ٢١٠ ]
"أو" كانت النكرة "عاملة [عمل الفعل] ١، كالحديث: "أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة" ٢، فـ"أمر" و"نهي" مبتدآن، وسوغ الابتداء بهما كونهما عاملين في محل المجرور بعدهما؛ لأنهما مصدران، والمصدر يعمل عمل فعله، ومثله الناظم بقوله:
١٢٧-
ورغبة في الخير خير
"ومن" النكرة "العاملة" النكرة "المضافة"؛ لأن المضاف عامل في المضاف إليه الجر، "كالحديث: "خمس صلوات كتبهن الله" " على العباد في [اليوم والليلة] ٣، فـ"خمس" مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه عاملا في المضاف إليه، ومثله الناظم بقوله:
١٢٧-
وعمل بر يزين
ولا بد في هذه المسوغات من مراعاة معنى صحيح مقصود، وإلا ورد على الظرف والمجرور: عند الناس درهم، وفي الدنيا رجل، وعلى النفي: ما حمار ناطق، وعلى الاستفهام: هل امرأة في الأرض، وعلى الموصوف: رجل ذكر واضح، وعلى العمل: شرب للماء نافع، وغلام إنسان موجود، فهذه كلها لا تصلح لأن تكون أمثلة لحصول الفائدة، مع أنها مشتملة على المسوغات المذكورة.
"ويقاس على هذه المواضع" المذكورة في كلام الموضح "ما أشبهها" في المعنى، فيقاس على ﴿لَدَيْنَا " مَزِيدٌ "﴾ [ق: ٣٥]، ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٦] "نحو: قصدك غلامه رجل، و" على: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠، ٦٤] نحو: "كم رجلا في الدار و" على: ما رجل في الدار، نحو "قوله: [من البسيط]
١٤٣-
لولا اصطبار لأودي كل ذي مقة" لما استقلت مطاياهن للظعن
"و" على ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢١] نحو: "رجيل في الدار"، بالتصغير. وعلى العاملة النصب أو الجر العاملة الرفع، نحو: قائم الزيدان، عند من لا يشترط الاعتماد، وإنما قيست عليها "لشبه الجملة"، وهي: قصدك غلامه
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين إضافة من "ط". ٢ صحيح مسلم ١/ ٤٩٩، وكتاب صلاة المسافرين وقصرها "٦"، باب ١٣: استحباب صلاة الضحى. ٣ ما بين المعقوفتين إضافة من "ط". وانظر الموطأ ١/ ١٢٣.
(٢) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١١٢، وأوضح المسالك ١/ ٢٠٤، والدرر ١/ ١٩٣، وشرح الأشموني ١/ ٩٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٢٤، والمقاصد النحوية ١/ ٥٣٢، وهمع الهوامع ١/ ١٠١. أودى: هلك. كل ذي مقة: كل ذي محبة. استقلت: نهضت. الظعن: الرحيل والسفر
[ ١ / ٢١١ ]
رجل "بالظرف والمجرور"، في التقديم والاختصاص بالمعمول، "و" لشبه "اسم الاستفهام" وهو: "كم" "بالاسم المقرون بحرفه" وهو: "أإله". "و" لشبه "تالي لولا" وهو: "اصطبار" "بتالي النفي" وهو: "رجل" في: ما رجل، "و" لشبه "المصغر" وهو: "رجيل" "بـ" الاسم "الموصوف" وهو: "لعبد مؤمن"،؛ لأن التصغير وصف في المعنى بالصغر، هكذا ثبت في بعض النسخ، وفيه لف ونشر مرتب وهو [أخص من قول الناظم:
١٢٧-
وليقس ما لم يقل] ١
ولم يذكر مسوغ الإخبار بالنكرة غير المفيدة تبعا للنظم، ومن ذلك التسويغ بالنعت نحو قوله ﷾: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] . ذكره الموضح في شرح بانت سعاد٢.
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعقوفتين من "ب". ٢ قال الموضح في شرح بانت سعاد ص١٢٤: "ونظيرها الجملة التي بعد "قوم"، في قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾، وعلم بذلك أن الفائدة كما تحصل من الخبر كذلك تحصل من صفته".
[ ١ / ٢١٢ ]
"فصل":
"وللخبر ثلاث حالات: إحداها: التأخر، وهو الأصل". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٢٨-
والأصل في الأخبار أن تؤخرا
لأن المبتدأ محكوم عليه، فحقه التقديم ليتحقق تعقله، فيكون حق الخبر التأخير؛ لأن محكوم به "كـ"زيد قائم" ويجب" تأخير الخبر "في أربع مسائل:
إحداها: أن يخاف التباسه بالمبتدأ، وذلك إذا كانا معرفتين، أو" نكرتين "متساويين" في التخصيص، "ولا قرينة" تمييز أحدهما عن الآخر، فالمعرفتان "نحو: زيد أخوك"، فإن كلا من هذين الجزأين صالح لأن يخبر عنه بالآخر، ويختلف المعنى باختلاف الغرض، فإذا عرف السامع زيدا بعينه واسمه ولا يعرف المخاطب اتصافه بأنه أخو المخاطب، وأردت أن تعرفه ذلك قلت: زيد أخوك: ولا يصح لك أن تقول: أخوك زيد، وإذا عرف أخا له ولا يعرفه على التعيين باسمه، وأردت أن تعينه عنده قلت: أخوك زيد، ولا يصح لك أن تقول: زيد أخوك. هذا هو المشهور. وقيل: يجوز تقدير كل منهما مبتدأ وخبرا مطلقا. وقيل: إن كان أحدهما مشتقا فهو الخبر وإن تقدم، نحو: القائم زيد، وقيل: إن كان أحدهما أعرف فهو المبتدأ، نحو: هذا زيد، وإن استويا في الرتبة وجب الحكم بابتدائية المتقدم، نحو: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الشورى: ١٥]، قاله في المغني١.
"و" النكرتان المتساويتان، نحو: "أفضل منك، أفضل مني"، فإن كل واحد من هذين الوصفين صالح لأن يخبر عنه بالآخر لعمله في المجرور بعده، فإذا جعلت "أفضل منك" مبتدأ، و"أفضل مني" خبره امتنع تقديم الخبر لئلا يتوهم ابتدائيته، فينعكس المعنى لعدم القرينة٢، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٢٩-
فامنعه حين يستوي الجزآن عرفا ونكرا عادمي بيان
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ٢/ ٤٥٢ "٥٨٨، ٥٨٩". ٢ هذا على مذهب الجمهور. انظر حاشية الصبان ١/ ٢٠٩.
[ ١ / ٢١٣ ]
"بخلاف" ما إذا كان معه قرينة لفظية أو معنوية. فالأول نحو: "رجل صالح حاضر"، فإن القرينة اللفظية وهي الصفة قاضية على النكرة الموصوفة بالابتدائية تقدمت أو تأخرت. والثاني نحو: "أبو يوسف أبو حنيفة"، فإن القرينة المعنوية وهي التشبيه الحقيقي قاضية بأن "أبو يوسف" مبتدأ؛ لأنه مشبه، و"أبو حنيفة" خبره؛ لأنه مشبه به تقدم أو تأخر، "وقوله: [من الطويل]
١٤٤-
بنونا بنو أبنائنا" وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فإن قرينة التشببيه الحقيقي قاضية بأن بني الأبناء مشبهون بالأبناء، فـ"بنو أبنائنا" مبتدأ مؤخر، و"بنونا" خبر مقدم، "والمعنى: بنو أبنائنا مثل بنينا"، هذا على حقيقة التشبيه، ويضعف أن يكون على عكس التشبيه للمبالغة؛ لأن ذلك نادر الوقوع، ومخالف للأصول، اللهم إلا أن يقتضي المقام المبالغة فلا شاهد فيه حينئذ. و"بناتنا" مبتدأ أول، و"بنوهن" مبتدأ ثان، و"أبناء الرجال" خبر الثاني١، وهو وخبره خبر الأول، و"الأباعد" نعت "الرجال".
المسألة "الثانية": مما يجب فيه تأخير الخبر "أن يخاف التباس المبتدأ بالفاعل" إذا تقدم الخبر وكان فعلا مسندا إلى ضمير المبتدأ المستتر، "نحو: زيد قام"، أو يقوم، فلو قدم والحالة هذه، وقيل: "قام أو يقوم زيد" لالتبس المبتدأ بالفاعل، "بخلاف" ما إذا كان الخبر صفة، نحو: "زيد قائم، أو" كان فعلا رافعا لظاهر أو لضمير بارز، فالأول نحو: زيد "قام أبوه"، والثاني نحو: "أخواك قاما" على اللغة الفصحى، فلا لبس فيهن، فيجوز تقديمه٢، فتقول: قائم زيد، وقام أبوه زيد، وقاما أخواك، وهذا التقييد لا بد منه في قول الناظم:
١٣٠-
كذا إذا ما الفعل كان الخبرا
_________________
(١) البيت للفرزدق في خزانة الأدب ١/ ٤٤٤، وبلا نسبة في ارتشاف الضرب ٢/ ٤١، والإنصاف ١/ ٦٦، وأوضح المسالك ١/ ١٠٦، وتخليص الشواهد ١٩٨، والحيوان ١/ ٢٣٠، والدرر ١/ ١٩٣، وشرح ابن الناظم ص٨٢، وشرح الأشموني ١/ ٩٩، وشرح التسهيل ١/ ٢٠٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٣٣، وشرح المفصل ١/ ٩٩، ٩/ ١٣٢، ومغني اللبيب ٢/ ٤٥٢، وهمع الهوامع ١/ ١٠٢. ١ في "ط": "خبر المبتدأ الثاني". ٢ في الارتشاف ٢/ ٤١: "الإجازة مذهب الأخفش والمبرد، أما من منع فهم باقي البصريين". وانظر شرح ابن عقيل ١/ ٢٣٥، وشرح ابن الناظم ص٨٢.
[ ١ / ٢١٤ ]
المسألة "الثالثة: أن يقترن" الخبر "بـ"إلا" معنى نحو: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ " [هود: ١٢]، فلا يجوز تقديم الخبر؛ لأنه محصور فيه بـ"إلا" معنى، إذ١ التقدير: ما أنت إلا نذير، "أو" يقترن بـ"إلا" "لفظا نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فلا يجوز تقديم الخبر لما مر، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٣٠-
أو قصد استعماله منحصرا
"فأما قوله"، وهو الكميت بن زيد: [من الطويل]
١٤٥-
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى عليهم "وهل إلا عليك المعول
فضرورة"؛ لأنه قدم الخبر المقرون بـ"إلا" لفظا، والأصل: وهل المعول إلا عليك٢، ولا يجوز أن يكون "المعول" مرفوعا على الفاعلية بالجار والمجرور قبله لاعتماده على الاستفهام؛ لأن "إلا" مانعة من ذلك، فكما يقال: هل إلا قام زيد، لا يقال: هل إلا في الدار زيد، من باب أولى.
المسألة "الرابعة": مما يجب فيه تأخير الخبر "أن يكون المبتدأ مستحقا للتصدير، إما بنفسه"، بأن يكون له صدر الكلام، "نحو: ما أحسن زيدا"، فـ"ما" مبتدأ، وسوغ الاتبداء بها ما فيها من معنى التعجب، و"أحسن زيدا" خبره، "و: من في الدار"، فـ"من" اسم استفهام مبتدأ، و"في الدار" خبره، "و: من يقم أقم معه"، فـ"من" اسم شرط، وهو مبتدأ، و"يقم" خبره على الأصح، وقيل: الجواب، وقيل هما، "و: كم عبيد لزيد" فـ"كم" مبتدأ، وهي خبرية، و"عبيد" مضاف إليه، و"لزيد"
خبر "كم"، فالخبر في هذه الأمثلة واجب التأخير، وهو في الأول فعل ماض، وفي الثاني جار ومجرور، وفي الثالث فعل مضارع، وفي الرابع جار ومجرور، والمبتدأ فيها لازم الصدر، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٣١-
أو لازم الصدر
_________________
(١) ١ في "ب": "والتقدير".
(٢) البيت للكميت في تخليص الشواهد ١٩٢، والدرر ١/ ١٩٥، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٣٩، والمقاصد النحوية ١/ ٥٣٤، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في ارتشاف الضرب ٢/ ٤٢، وأوضح المسالك ١/ ٢٠٩، وشرح ابن الناظم ص٨٣، وشرح الأشموني ١/ ٩٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٣٥، وشرح التسهيل ١/ ٢٩٨، وهمع الهوامع ١/ ١٠٢. ٢ في المقاصد النحوية ١/ ٥٣٤: "الاستشهاد به على جواز تقديم الخبر المحصور بـ"إلا" للضرورة، وإنما كان حقه أن يقول: وهل النصر يرتجى إلا بك، و: هل العول إلا إليك". وانظر الدرر ١/ ١٩٥ حيث نقل ذلك القول.
[ ١ / ٢١٥ ]
"أو مشبها به"، أي: بما يستحق التصدير، "نحو: الذي يأتيني فله درهم"، فـ"الذي" مبتدأ، وهو اسم موصول، و"يأتيني" صلته، وجملة "فله درهم" خبره، وهو واجب التأخير، "فإن المبتدأ هنا" وهو "الذي" "مشبه باسم الشرط لعمومه" وإبهامه، "واستقبال الفعل الذي بعده" وهو "يأتيني"، "وكونه" أي: الفعل الذي بعده "سببا" لما بعده، وهو جملة الخبر كما أن الشرط سبب للجواب، "ولهذا" الشبه "دخلت الفاء في الخبر كما تدخل في الجواب" لتفيد التنصيص على أن استحقاق "الدرهم" مسبب عن الإتيان، فلو لم تذكر الفاء احتمل ذلك، واحتمل الإقرار.
"أو" يكون مستحقا للتصدير "بغيره"، وذلك الغير الذي له الصدر "إما" أن يكون "متقدما عليه" أي: على المبتدأ، "نحو: لزيد قائم"، فـ"زيد" مبتدأ، و"قائم" خبره١، وهو واجب التأخير؛ لأن المبتدأ تقدم عليه لام الابتداء، وهي مانعة من تأخيره، فإن لام الابتداء ملازمة لصدر الكلام، وما اقترن بلازم الصدر وجب تقديمه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٣١-
أو كان مسندا لذي لام ابتدا
"فأما قوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
١٤٦-
"أم الحليس لعجوز شهربه" ترضى من اللحم بعظم الرقبه
"فا" للام داخلة على مبتدأ محذوف، وا "التقدير: لهي٢ عجوز"، والجملة خبر "أم الحليس"، ولا يمتنع دخول اللام في الخبر إذا كان جملة، بخلاف المفرد، "أو" لا حذف "واللام زائدة، لا لام الابتداء" كقوله: [من الكامل]
_________________
(١) ١ في الأصل: "زيد قائم، مبتدأ خبره".
(٢) الرجز لرؤبة في ديوانه ص١٧٠، وشرح المفصل ٣/ ١٣٠، ٨/ ٢٣، وله أو لعنترة بن عروس في خزانة الأدب ١٠/ ٣٢٣، والدرر ١/ ٢٩٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٤، والمقاصد النحوية ١/ ٥٣٥، ٢/ ٢٥١، وبلا نسبة في لسان العرب ١/ ٥١٠ "شهرب" وجمهرة اللغة ص١١٢١، وتاج العروس ٣/ ١٦٩ "شهرب"، "لوم"، والارتشاف ٢/ ١٤٧، وأوضح المسالك ١/ ٢١٠، وتخليص الشواهد ص٣٥٨، والجنى الداني ١٢٨، ورصف المباني ص٣٣٦، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٧٨، ٣٨١، ١/ ٢٢٩، ٢/ ٣٠، وشرح المفصل ٧/ ٥٧، ومغني اللبيب ١/ ٢٣٠، ٢٣٣، وهمع الهوامع ١/ ١٤٠. ٢ في الأصل: "كل"، تحريف.
[ ١ / ٢١٦ ]
١٤٧-
خالي لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الأخوالا
ويضعف التقدير الأول أن الجمع بين لام التوكيد وحذف المبتدأ كالجمع بين متنافيين، ويضعف التقدير الثاني١ أن زيادة اللام في الخبر خاصة بالشعر، قاله في المغني٢. وإذا دار الأمر بين التقديرين فدعوى الزيادة أولى من دعوى الحذف، لئلا يجتمع التوكيد والحذف، وهو ممتنع عند الجمهور، "أو" يكون ذلك الغير الذي في الصدر "متأخرا عنه"، أي: عن المبتدأ بأن يكون ما في الصدر مضافا إليه مبتدأ، "نحو: غلام من في الدار"، فـ"غلام" مبتدأ، و"من" اسم استفهام مضاف إليه، و"في الدار" خبر المبتدأ، "وغلام من يقم أقم معه"، فـ"غلام" مبتدأ، و"من" اسم شرط مضاف إليه، و"يقم" خبر المبتدأ، و"أقم معه" جواب الشرط، "و: مال كم رجل عندك"، فـ"مال" مبتدأ، و"كم" خبرية مضاف إليها، و"رجل" تمييزها مخفوض بإضافته إليها، و"عندك" خبر مقدم.
وحاصل ما أتى به [من أمثلة] ٣ ما يستحق التصدير سبعة أضرب٤: ما التعجبية، ومن الاستفهامية والشرطية، وكم الخبرية، والموصول الذي في خبره الفاء، ولام الابتداء، والمضاف إلى ما في الصدر وبقي عليه ضمير الشأن نحو: [﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] ٥ [الإخلاص: ١] فإنه يلزم صدر الكلام، والإخبار بالجمل وإذا أخبر عنه بجملة لا يجوز أن تتقدم عليه٦.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في خزانة الأدب ١٠/ ٣٢٣، وسر صناعة الإعراب ص٣٧٨، وشرح الأشموني ١/ ١٠٠، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٣٧، وشرح التسهيل ١/ ٢٥٨، ولسان العرب ١/ ٥١٠ "شهرب"، والمقاصد النحوية ١/ ٥٥٦. ١ في الأصل: "الأول". ٢ مغني اللبيب ١/ ٢٣٨. ٣ سقط ما بينهما من الأصل. ٤ انظر الارتشاف ٢/ ٤٢، ٤٣. ٥ سقط من "أ"، "ب"، وهو ثابت في "ط". ٦ في الإنصاف ١/ ٦٥: "ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه، مفردا كان أو جملة، فالمفرد نحو: قائم زيد، وذاهب عمرو، والجملة نحو: أبوه قائم زيد، وأخوه ذاهب عمرو. وذهب البصريون إلى أنه يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه، المفرد والجملة"، وانظر شرح ابن عقيل ١/ ٢٢٧، ٢٢٨.
[ ١ / ٢١٧ ]
"الحالة الثانية: التقدم: ويجب في أربع مسائل" أيضا. وفي غالب النسخ إسقاط الحالة الثانية التقدم، وإثبات١: ويمتنع: يعني تأخير الخبر في أربع مسائل:
"إحداها: أن يوقع تأخيره في لبس ظاهر، نحو: في الدار رجل"، فـ"في الدار" خير مقدم، و"رجل" مبتدأ مؤخر وجوبا، "و: عندك مال"، فـ"عندك" خبر مقدم، و"مال" مبتدأ مؤخر وجوبا، "وقصدك غلامه رجل"، فجملة "قصدك غلامه" خبر مقدم، و"رجل" مبتدأ مؤخر٢. قال أبو حيان٣: ولا أعلم لابن مالك سلفا في هذه الأخيرة، "وعندي أنك فاضل"، فـ"عندي" خبر مقدم، و"أنك فاضل" بفتح "أن" مبتدأ مؤخر، ولا يجوز تأخير الخبر في شيء من ذلك، "فإن تاخير الخبر في مثل هذا المثال" الأخير، وهو "عندي أنك فاضل" "يوقع في إلباس "أن" المفتوحة بـ"إن" المكسورة" لفظا، "و" إلباس ""أن" المؤكدة" المفتوحة "بـ"أن"" المفتوحة "التي بمعنى "لعل"" يعني: فإذا قدم المبتدا وأخر الخبر يصير: أنك فاضل عندي، فيحتمل أن تكون "أن" مفتوحة، وهي وصلتها مبتدأ، والظرف خبره، ويحتمل أن تكون مكسورة لكونها وقعت في ابتداء الجملة، والظرف متعلق بـ"فاضل"، وعلى الفتح يحتمل كونها مؤكدة بمعنى "لعل" لأنها أحد لغاتها، والمعنى: لعلك فاضل عندي، وهذا الإلباس لا يتأتى مع تقدم الظرف لأن "إن" المؤكدة المكسورة و"أن" التي بمعنى "لعل" لا يتقدم معمول خبرهما عليهما، "ولهذا يجوز تأخره"، أي: الخبر عن المبتدأ، "بعد: أما" الشرطية المفتوحة الهمزة المشددة الميم، كقوله: [من البسيط]
١٤٨-
عندي اصطبار "وأما أنني جزع يوم النوى فلوجد كاد يبريني"
فـ"أما أنني جزع" بكسر الزاي، مبتدأ، و"يوم النوى" بالنون بمعنى: البعد والفراق، يتعلق بـ"جزع" لأنه صفة مشبهة من "الجزع" بفتحتين، وهو نقيض الصبر، و"فلوجد" جار ومجرور خبر "أنني جزع" على حد: أما زيد ففي الدار، و"يبريني" من:
_________________
(١) ١ في "ط": "والإثبات". ٢ في شرح التسهيل ١/ ٣٠١: "فلولا "الكاف" من "قصدك" لم يفد الإخبار بالجملة، كما أنه لولا اختصاص الظرف والمجرور لم يفد الإخبار بهما". ٣ الارتشاف ٢/ ٤٣.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢١٣، والدرر ١/ ١٩٥، وحاشية يس ٢/ ٢٥٩، وشرح الأشموني ١/ ١٠١، ٣/ ٦٠٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٦١، ومغني اللبيب ١/ ٢٧٠، والمقاصد النحوية ١/ ٥٣٦، وهمع الهوامع ١/ ١٠٣.
[ ١ / ٢١٨ ]
بربت القلم: إذا نحته، وأصل البري: القطع، والمعنى: وأما جزعي يوم الفراق فلأجل وجد قارب أن ينحلني. وإنما جاز تأخير الخبر عن المبتدأ١ هنا "لأن "إن" المكسورة، و"أن" التي بمعنى "لعل" لا يدخلان هنا"؛ لأن كلا منهما مع معموليهما جملة تامة مستقلة، و"أما" لا تفصل من الفاء بجملة تامة، وإنما تفصل باسم مفرد أو جملة شرط دون جوابه، نحو: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩]، و"تأخره"، أي: الخبر عن المبتدأ "في الأمثلة" الثلاثة "الأول"، بضم الهمزة، وهي: في الدار رجل، و: عندك مال، و: قصدك غلامه رجل، "يوقع في إلباس الخبر بالصفة"؛ لأن النكرة تطلب الظرف والجار والمجرور والجملة لتختص بها طلبا حثيثا، فلو تأخر الخبر لتوهم أنه صفة؛ لأن الجملة وشببها بعد النكرات صفات، فالتزم التقديم دفعا لهذا الإلباس، وإليه أشار الناظم بقوله:
١٣٢-
ونحو عندي درهم ولي وطر ملتزم فيه تقدم الخبر
"وإنما لم يجب تقديم الخبر في نحو: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] لأن النكرة" وهي "أجل" "قد وصفت بمسمى"، فضعف طلبها للظرف، "فكان الظاهر في الظرف" وهو "عنده" "أنه خبر" لـ"أجل"، "لا صفة" ثانية له٢.
وفي الكشاف ٣: أن تقديم المبتدأ هنا واجب؛ لأن المعنى: وأي أجل مسمى عنده، تعظيما لشأن الساعة، فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم.
المسألة "الثانية" مما يجب فيه تقديم الخبر "أن يقترن المبتدأ بـ"إلا" لفظا نحو:
١٣٥-
ما لنا إلا اتباع أحمدا"
ﷺ، فـ"لنا" خبر مقدم، و"اتباع أحمدا" مبتدأ مؤخر، "أو" يقترن بـ"إلا" "معنى" نحو: إنما عندك زيد، فـ"عندك" خبر مقدم، و"زيد" مبتدأ مؤخر، وهو محصور فيه، والمعنى: ما عندك إلا زيد، وشمل ذلك قول الناظم:
١٣٥-
وخبر المحصور قدم أبدا
المسألة "الثالثة: أن يكون" الخبر "لازم الصدرية" بنفسه٤ "نحو: أين زيد"، أو بغيره، إما مقدما عليه نحو: لقائم زيد، "أو" متأخرا عنه، وذلك إذا كان
_________________
(١) ١ سقطت من الأصل. ٢ سقطت من "ط". ٣ الكشاف ١/ ٣٥٣. ٤ خلافا للأخفش والمازني، فإنهما أجازا: زيد كيف؟ وعمرو أين؟. انظر الارتشاف ٢/ ٤٣.
[ ١ / ٢١٩ ]
الخبر "مضافا إلى لازمها" أي: الصدرية "نحو: صبيحة أي يوم سفرك" فـ"صبيحة" خبر مقدم، و"أي" اسم استفهام مضاف إليه، و"سفرك" مبتدأ مؤخر، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٣٤-
كذا إذا يستوجب التصديرا
المسألة "الرابعة: أن يعود ضمير متصل بالمبتدأ على بعض" متعلق "الخبر١، كقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، فـ"أقفالها" مبتدأ مؤخر، و"على قلوب" خبر مقدم، ولا يجوز تأخيره لئلا تعود الهاء المتصلة بـ"أقفالها" على "قلوب" وهي متأخرة في الرتبة؛ لأنها بعض متعلق الخبر؛ لأن الخبر على الصحيح المتقدم هو الاستقرار، والجار والمجرور متعلق به، ومتعلق الخبر رتبته التأخير، فيعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، "و" كذا إذا عاد على مضاف إليه الخبر، نحو "قول الشاعر" وهو نصيب بالتصغير الأكبر ابن رباح، وهو عبد أسود لبني مروان لا نصيب الأصغر مولى المهدي، يخاطب امرأة: [من الطويل]
١٤٩-
أهابك إجلالا وما بك قدرة علي "ولكن ملء عين حبيبها"
فـ"ملء" خبر مقدم، و"حبيبها" مبتدأ مؤخر، ولا يجوز تقديمه على الخبر٢ لئلا يعود الضمير على "عين"، وقد أضيف إليها الخبر وهو متأخر في الرتبة، وتسميتها بعض الخبر مجاز، وإنما الخبر المضاف لا غير، وقول الخطيب التبريزي إن الضمير المضاف إليه المبتدأ يجوز أن يرجع إلى المرأة بعيد٣، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٣٣-
كذا إذا عاد عليه مضمر مما به عنه مبينا يخبر
ويوجد في بعض النسخ الحالة الثالثة جواز التقديم والتأخير، وذلك فيما فقد فيه موجبهما كقولك: زيد قائم فيترجح تأخيره على الأصل، ويجوز تقديمه لعدم المانع. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٢٨-
وجوزوا التقديم إذ لا ضررا
_________________
(١) ١ انظر حول هذه المسألة ما جاء في شرح ابن عقيل ١/ ٢٤٠، ٢٤١، وشرح ابن الناظم ص٨٤.
(٢) البيت للمجنون في ديوانه ص٧١، وديوان المعاني ١/ ١٤٤، ولنصيب بن رباح في ديوانه ص٦٨، وتخليص الشواهد ص٢٠١، وسمط اللآلي ص٤٠١، وشرح التسهيل ١/ ٣٠٢، والمقاصد النحوية ١/ ٥٣٧، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٤٤، وأوضح المسالك ١/ ٢١٥، وشرح ابن الناظم ص٨٤، وشرح الأشموني ١/ ١٠١، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٤١، وشرح عمدة الحافظ ص١٧٣. ٢ في شرح ابن الناظم ص٨٤: "وتأخير المبتدأ واجب؛ لأنه لو قدم لعاد الضمير معه إلى متأخر في اللفظ والرتبة". وانظر شرح ابن عقيل ١/ ٢٤٢. ٣ في شرح الحماسة للتبريزي ٣/ ١٧٠: "والضمير من "حبيبها" للعين، وإن جعلته للمرأة جاز".
[ ١ / ٢٢٠ ]
"فصل":
وما علم من مبتدأ أو خبر جاز حذفه، وإلى ذلك أشار النظم بقوله:
١٣٦-
وحذف ما يعلم جائز
" وقد يجب" حذف المعلوم منهما١، "فأما حذف المبتدأ جوازا٢ فنحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، [الجاثية: ١٥]، "ويقال: كيف زيد؟ فتقول" في الجواب: "دنف"، بكسر النون، فـ"لنفسه" و"عليها" و"دنف" أخبار لمبتدآت محذوفة جوازا للعلم بها، "والتقدير: فعمله لنفسه، وإساءته عليها، وهو دنف"، أي: مريض من العشق، وطريق العلم بها أن عمله وإساءته مصدران مأخوذان من فعلهما السابق، ودخول الفاء على ما لا يصلح أن يكون مبتدأ قرينة دالة على حذفه، وأن الضمير معلوم من العائد عليه في السؤال، وذلك أشار الناظم بقوله:
١٣٧-
وفي جواب كيف زيد قل دنفن فزيد استغنى عنه إذ عرف
"وأما حذفه"، أي: المبتدأ "وجوبا فإذا أخبر عنه بنعت مقطوع" عن متبوعه "لمجرد مدح، نحو: الحمد لله الحميد، أو ذم، نحو: أعوذ بالله من إبليس عدو المؤمنين، أو ترحم، نحو: مررت بعبدك المسكين"، برفع "الحميد" و"عدو" و"المسكين"، على أنها أخبار لمبتدآت محذوفة وجوبا، والتقدير: هو الحميد، هو عدو المؤمنين، هو المسكين، وإنما وجب حذفه لأنهم لما [قطعوا هذه النعوت إلى النصب التزموا إضمار الناصب أمارة على أنهم] ٣ قصدوا إنشاء المدح أو الذم أو الترحم، كما فعلوا في النداء؛ إذ لو أظهروا الناصب لأوهم الإخبار، وأجروا الرفع في وجوب الحذف
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٨٦، ٨٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٤٦. ٢ في شرح التسهيل ١/ ٢١٤: "ومن حذفه عند شم طيب، أو سمع صوت، أو رؤية شبح، فيقال: مسك، وقراءة، وإنسان، بإضمار "هذا" ونحوه". ٣ سقط ما بينهما من "ط".
[ ١ / ٢٢١ ]
مجرى النصب، واحترز بقوله: "لمجرد مدح إلخ"؛ من أن يكون النعت للإيضاح أو التخصيص، فإنه إذا قطع إلى الرفع جاز ذكر المبتدأ وحذفه، كإظهار الناصب وإضماره، "أو" أخبر عنه "بمصدر جيء به" أي: بالمصدر "بدلا"، أي: عوضا "من اللفظ بفعله" أي: بفعل المصدر، والمراد أنهم تلفظوا بالمصدر عوضا عن تلفظهم بالفعل، "نحو: سمع وطاعة١، وقوله: [من الطويل]
١٥٠-
فقالت حنان ما أتى بك ههنا" أذو نسب أم أنت بالحي عارف
فـ"سمع" و"حنان" خبران لمبتدأين محذوفين وجوبا، "والتقدير: أمري حنان، وأمري سمع وطاعة"، وأصل هذه المصادر النصب بفعل محذوف وجوبا؛ لأنها من المصادر التي جيء بها بدلا من اللفظ بأفعالها٢، ولكنهم قصدوا الثبوت والدوام، فرفعوها وجعلوها أخبارا عن مبتدآت محذوفة وجوبا حملا للرفع على النصب، وفاعل "قالت" مستتر عائد على المرأة المعهودة، والمعنى: إني أحن عليك أي شيء جاء بك ههنا، ألك قرابة، أم معرفة بالحي، وإنما قالت له ذلك خوفا من إنكار أهل الحي فيقتلونه٣، "أو" أخبر عنه "بمخصوص بمعنى "نعم"" في إفادة المدح، "أو بئس" في إفادة الذم "مؤخر" المخصوص "عنهما"، أي: عن "نعم" و"بئس"، "نحو: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، إذا قدرا"، أي: زيد وعمرو "خبرين" لمبتدأين محذوفين وجوبا، كأن سامعا سمع: نعم الرجل، أو بئس الرجل، فسأل عن المخصوص بالمدح أو الذم من هو؟ فقيل له: هو زيد، وهو عمرو، أما إذا قدرا مبتدأين وخبرهما الجملة قبلهما، أو محذوف
_________________
(١) ١ أي: أمري سمع وطاعة، انظر شرح ابن الناظم ص٨٦.
(٢) البيت لمنذر بن درهم الكلبي في خزانة الأدب ٢/ ١١٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٣٥، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٢٩، ٢٠٨، وأمالي الزجاج ص١٣١، وأوضح المسالك ١/ ٢١٧، والدرر اللوامع ١/ ٤١٢، وشرح ابن الناظم ص٨٦، وشرح الأشموني ١/ ١٠٦، وشرح التسهيل ١/ ٢٨٧، وشرح عمدة الحافظ ص١٩٠، وشرح المفصل ١/ ١١٨، والصاحبي في فقه اللغة ص٢٥٥، والكتاب ١/ ٣٢٠، ٣٤٩، واللسان ١٣/ ١٢٩ "حنن"، والمقاصد النحوية ١/ ٥٣٩، والمقتضب ٣/ ٢٢٥، وهمع الهوامع ١/ ١٨٩. ٢ في شرح ابن الناظم ص٨٦: "قال سيبويه: وسمعت ممن يوثق بعربيته يقال له: كيف أصبحت؟ فقال: حمد الله وثناء عليه. أي: حالي حمد الله". وانظر الكتاب ١/ ٣١٩، ٣٢٠، وشرح التسهيل ١/ ٢٨٨. ٣ في "ب": "فيغتالوه".
[ ١ / ٢٢٢ ]
على رأي عصفور١ فليسا مما نحن فيه، "فإن كان" المخصوص "مقدما" عنهما، أي: نعم أو بئس، "نحو: زيد نعم الرجل"، وعمرو بئس الرجل، "فمبتدأ"، أي: فهو مبتدأ "لا غير"، والجملة بعده خبره، والرابط بينهما العموم الذي في "الرجل".
"ومن ذلك"، أي: من حذف المبتدأ وجوبا "قولهم: من أنت زيد" بالرفع، فـ"زيد" خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، "أي: مذكورك زيد، وهذا" التقدير "أولى من تقدير سيبويه: كلامك زيد"٢؛ لأن المعاني لا يخبر عنها بالذوات؛ ولأن "زيدا" ليس بكلام لعدم تركيبه. وأجيب بأنه من باب إطلاق الكلام على المفرد، وهو جائز لغة، كما جاء عكسه وهو إطلاق الكلمة على الكلام، والمعنى على التقديرين: أن شخصا ذكر زيدا وهو ليس أهلا لذكره، فقيل له: من أنت زيد، برفع "زيد" ونصبه، فالرفع على ما مر، والنصب بفعل محذوف وجوبا، والتقدير: من أنت تذكر زيدا، ومن ثم قال ابن طاهر في الرفع والتقدير: مذكورك زيد، فيكون المقدر في الرفع من لفظ المقدر في النصب، والتزم حذف الرافع، كما التزم الناصب، نص عليه سيبويه٢، وأفاد ذلك تعظيم زيد وإجلاله، وتحقير المخاطب وإذلاله.
"و" من حذف المبتدأ وجوبا "وقولهم: في ذمتي" لأفعلن"، فـ"في ذمتي" خبر لمبتدأ محذوف وجوبا لسد جواب القسم مسده، "أي: في ذمتي ميثاق أو عهد"، ذكره أبو علي٣.
"وأما حذف الخبر جوازا فنحو: خرجت فإذا الأسد" فـ"الأسد" مبتدأ وخبره محذوف جوازا، "أي: حاضر"؛ لأن "إذا" الفجائية تشعر بالحضور، "ونحو: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، فـ"ظلها" مبتدأ، وخبره محذوف جوازا لدلالة ما قبله عليه، "أي: كذلك"، أي: دائم، "ويقال: من عندك؟ فتقول زيد"، فـ"زيد" مبتدأ، وخبره محذوف جوازا لدلالة "من" عليه، "أي: عندي"، وإليه أشار الناظم بقوله:
١٣٦-
كما تقول زيد بعد من عندكما
_________________
(١) ١ في مغني اللبيب "٧٨٥": "وجوّز ابن عصفور في المخصوص المؤخر أن يكون مبتدأ حذف خبره، ويرده أن الخبر لا يحذف وجوبا إلا إن سد شيء مسده"، وانظر شرح ابن الناظم ص٨٩. ٢ الكتاب ١/ ٣٢١. ٣ شرح التسهيل ١/ ٨٨.
[ ١ / ٢٢٣ ]
ويقال: ما عندك؟ فتقول: درهم، أي: عندي درهم، فيقدر الخبر متأخرا. قال ابن مالك١: "ولا يجوز أن يكون التقدير: عندي درهم إلا على ضعف؛ لأن الجواب ينبغي أن يسلك به مسلك السؤال، والمقدم في السؤال هو المبتدأ، فيكون هو المقدم في الجواب؛ ولأن الأصل تأخير الخبر، فترك في مثل: عندي درهم؛ لأن التأخير يوهم الوصفية، وذلك مأمون فيما هو جواب، فلم يعدل عن الأصل بلا سبب" ا. هـ. فإن قلت: إذا قدر الخبر متأخرا فما سوغ الابتداء بدرهم؟. قلت: كونه جوابا للاستفهام.
"وأما حذفه"، أي: الخبر "وجوبا، ففي أربع مسائل:
إحداها: أن يكون" الخبر "كونه مطلقا، والمبتدأ" واقع "بعد: لولا" الامتناعية، والمراد بالكون الوجود، وبالإطلاق عدم التقييد بأمر زائد على الوجود، وإيضاح ذلك أن يقال: إن كان امتناع الجواب لمجرد وجود المبتدأ فالخبر كون مطلق، "نحو: لولا زيد لأكرمتك"، فـ"الإكرام" ممتنع لوجود "زيد"، فـ"زيد" مبتدأ، وخبره محذوف وجوبا، وهو كون مطلق، "أي: لولا زيد موجود"، وإن كان امتناع الجواب لمعنى زائد على وجود المبتدأ؛ فالخبر كون مقيد، كما إذا قيل: هل زيد محسن إليك؟ فتقول: لولا زيد لهلكت، تريد: لولا إحسان زيد إلي لهلكت، فـ"الهلاك" ممتنع لـ"إحسان زيد"، فالخبر كون مقيد بـ"الإحسان"، وإنما حذف الخبر بعد "لولا" إذا كان كونا مطلقا؛ لأنه معلوم بمقتضى "لولا" إذ هي دالة على امتناع لوجود، والمدلول على امتناعه هو الجواب، والمدلول على وجوده هو المبتدأ، فإذا قيل: لولا زيد لأكرمتك، لم يشك في أن وجود "زيد" منع من "الإكرام"، فصح الحذف لتعيين المحذوف، وإنما وجب لسد الجواب مسده وحلوله محله، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٣٨-
وبعد لولا غالبا حذف الخبر حتم
"فلو كان" الخبر "كونا مقيدا"، بمعنى زائد على الوجود "وجب ذكره إن فقد دليله، كقولك: لولا زيد سالمنا ما سلم" من القتل، فـ"زيد" مبتدأ، وجملة "سالمنا" خبره، وهو كون مقيد؛ لأن وجود "زيد" مقيد بـ"المسألة"، ولا دليل يدل على خصوصيتها، فلذلك وجب ذكره، "وفي الحديث" خطابا لعائشة ﵂ "لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" ٢، وحكاه في المغني٣
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ٢٩٥. ٢ أخرجه البخاري في العلم برقم ١٢٦، وأعاده في الحج برقم ١٥٠٦، ١٥٠٩، وأخرجه مسلم في الحج باب نقض الكعبة برقم ١٣٣٣، والحديث من شواهد أوضح المسالك ١/ ٢٢١، ومغني اللبيب ١/ ٢٧٢، وهو في النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٥٠ "حدث". ٣ مغني اللبيب ١/ ٢٧٢ "٣٦٠".
[ ١ / ٢٢٤ ]
بلفظ: "لولا قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة" فـ"قومك" مبتدأ، و"حديثو" خبره، وهو كون مقيد بـ"الحداثة"، "وجاز الوجهان" وهما: ذكر الخبر وحذفه، "إن وجد الدليل" الدال عليه، "نحو: لولا أنصار زيد حموه ما سلم"، فـ"حموه" خبر "أنصار" وهو كون مقيد بـ"الحماية"، والمبتدأ دال عليها، إذ من شأن الناصر أن يحمي من ينصره، "ومنه قول أبي العلاء" أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي "المعري" في وصف السيف: [من الوافر]
١٥١-
يذيب الرعب منه كل عضب "فلولا الغمد يمسكه لسالا"
فـ"يمسكه" خبر "الغمد"، وهو كون مقيد بـ"الإمساك"، والمبتدأ دال عليه، إذ من شأن غمد السيف إمساكه، و"يذيب" نقيض "يجمد" ومعناه: يسيل، و"الرعب" بضم الراء وسكون العين المهملة: الخوف، فاعل "يذيب" و"كل عضب" مفعوله، وهو بعين مهملة فضاد معجمة ساكنة فموحدة وهو: السيف القاطع، و"الغمد" بكسر الغين المعجمة: غلاف السيف، و"الإسالة": إيجاد السيلان، والهاء في "يمسكه" عائدة على "كل عضب"١. قال الموضح في شرح الشواهد٢: والمعنى أن هذا السيف تفزع منه السيوف، فلولا أن أغمادها تمسكها لسالت لذوبانها من فزعها منه. ا. هـ.
وهذا التفصيل مذهب الرماني وابن الشجري والشلوبين وابن مالك، وإليه أشار في النظم بقوله: غالبا. "وقال الجمهور: لا يذكر الخبر بعد "لولا"" أصلا، بناء عندهم على أنه لا يكون إلا كونا مطلقا. "وأوجبوا جعل الكون الخاص"، أي: المقيد "مبتدأ فيقال" في: لولا زيد سالمنا ما سلم: "لولا مسالمة زيد إيانا، أي: موجودة"، ويقال في: لولا أنصار زيد حموه ما سلم: لولا حماية أنصار زيد إياه، أي: موجودة. "ولحنوا المعري" في قوله: فلولا الغمد يمسكه٣. قال الموضح في المغني٤: وليس؛ يعني التلحين؛
_________________
(١) البيت لأبي العلاء المعري في الارتشاف ٢/ ٣١، وأوضح المسالك ١/ ٢٢١، والجنى الداني ص٦٠٠، والدرر ١/ ١٩٦، ورصف المباني ٢٩٥، وشرح ابن الناظم ص٨٧، وشرح التسهيل ١/ ٢٧٦، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ١٠٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٥١، ومغني اللبيب ١/ ٢٧٣، والمقرب ١/ ٨٤. ١ في شرح ابن الناظم ص٨٨: "ولو قيل في الكلام: "لولا الغمد لسال" لصح، ولكنه آثر ذكر الخبر، رفعا لإيهام تعليق الامتناع على نفس الغمد بطريق المجاز". ٢ أي: في كتابه تخليص الشواهد ص٢٠٩. ٣ في حاشية يس ١/ ١٧٩: "ظاهر قوله: لحنوا، أن الجمهور جميعهم وقع منهم ذلك". ٤ مغني اللبيب ١/ ٢٧٣.
[ ١ / ٢٢٥ ]
بجيد، لاحتمال تقدير "يمسكه" بدل اشتمال [من "الغمد"] ١ على أن الأصل: أن يمسكه، ثم حذفت "أن" فارتفع الفعل، أو تقدير "يمسكه" جملة معترضة، [أي: بين المبتدأ والخبر المحذوف] ١. ا. هـ. وفي الاحتمال الأول نظر، فقد قال الموضح نفسه في شرح شواهد ابن الناظم في: [من الرجز]
١٥٢-
من لد شولا
قدره سيبويه: من لد أن كانت٢. واعترض عليه في تقديره "أن" أنه يلزم منه حذف بعض الاسم، وبقاء بعضه، هذا كلامه، ومن خطه نقلت.
وبهذا يعترض أيضا على الدماميني في قوله: ويحتمل أن يخرج على حذف "أن" الناصبة للاسم، الرافعة للخبر، والأصل: فلولا أن الغمد يمسكه، فحذفت، وارتفع الاسم بعدها. ا. هـ. [وهذا أقعد في الرد من قول الشمني، ردا لتخريج الدماميني، وهذا التخريج غير متأت في بيت المعري لكونه من المولدين، فيقال له: لا خصوصية بهذا لتخريج الدماميني، بل يقال ذلك في تخريج الموضح أيضا] ٣. ولا يجوز أن يكون "يمسكه" حالا من الخبر المحذوف؛ لأنهم لا يذكرون الحال بعد "لولا" لأنها خبر في المعنى، نقله الموضح في المغني٤ عن الأخفش، وأقره٥. "وقالوا: الحديث المتقدم مروي بالمعنى"، لا باللفظ، قال ابن أبي الربيع٦: لم أر هذه الرواية؛ يعني بهذا اللفظ؛ من طريق صحيح. والروايات المشهورة في ذلك: لولا حدثان قومك، لولا حداثة قومك، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، ونحو ذلك، نقله المرادي في شرح النظم٧.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين زيادة من "ط".
(٢) تمام الرجز: "من لد شولا فإلى إتلائها"، وهو بلا نسبة في ارتشاف الضرب ٢/ ٢٦٦، وشرح ابن الناظم ص١٠١، وشرح التسهيل ١/ ٣٦٥، ٣/ ١٣٠، وشرح المفصل ٤/ ١٠١، ٨/ ٣٥، والكتاب ١/ ٢٦٤، واللسان ١٣/ ٣٨٤ "لدن"، ومغني اللبيب ٢/ ٤٢٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٥١، وهمع الهوامع ١/ ١٢٢. ٢ الكتاب ١/ ٢٦٥. ٣ سقط بين المعقوفتين من الأصل، وهو إضافة من "ب" و"ط". ٤ مغني اللبيب ١/ ٢٧٣. ٥ في الارتشاف ٢/ ٣١، ٣٢: "وزعم الأخفش أنه إن ورد خبر لمبتدأ بعد "لولا" كان شاذا أو ضرورة، وهو منبه على الأصل". ٦ في كتابه البسيط في شرح الجمل ١/ ٥٩٤، ٥٩٥. ٧ شرح المرادي ١/ ٢٨٩.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وما ذكره الموضح من أن الاسم المرفوع بعد "لولا" مبتدأ؛ هو الصحيح عند البصريين. وذهب الكوفيون إلى أنه فاعل بفعل محذوف، وقيل: هو مرفوع بـ"لولا"١، وسيأتي.
المسألة "الثانية: أن يكون المبتدأ صريحا في القسم"، بمعنى: أنه لا يستعمل إلا في القسم قبل ذكر المقسم عليه، "نحو: لعمرك"، بفتح العين، من عمر الرجل، بكسر الميم، إذا عاش زمنا طويلا، ثم استعمل في القسم مرادا به الحياة، أي: وحياتك، "لأفعلن، وأيمن الله"، بفتح الهمزة وضم الميم، من اليمن، وهو البركة، أي: وبركة الله لأفعلن، فـ"عمرك" و"أيمن الله" مبتدآن، حذف خبراهما وجوبا، "أي: لعمرك قسمي، وأيمن الله يميني"، وإنما وجب حذفه لسد جواب القسم مسده، "فإن قلت" عهد الله لأفعلن، جاز إثبات الخبر" وحذفه "لعدم الصراحة في القسم" به؛ لأن "عهد الله" غير ملازم للقسم، إذ يستعمل في غيره، نحو: عهد الله يجب الوفاء به، ولا يفهم منه القسم إلا بذكر المقسم عليه.
"وزعم ابن عصفور أنه يجوز في نحو: لعمرك لأفعلن، أن يقدر: لقسمي عمرك، فيكون من حذف المبتدأ٢".
والأول أولى؛ لأنه إذا دار الحذف بين أن يكون من الصدور الأوائل أو من الأعجاز الأواخر فالحمل على الأواخر أولى؛ لأنها هي محل التغيير غالبا؛ ولأن دخول اللام على شيء واحد لفظا وتقديرا أولى من جعلها داخلة في اللفظ على شيء وفي التقدير على شيء آخر، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
١٣٨-
وفي نص يمين ذا استقر
المسألة "الثالثة: أن يكون المبتدأ معطوفا عليه اسم بواو وهي نص في المعية، نحو: كل رجل وضيعته" بالضاد المعجمة، وهي الحرفة، سميت بذلك لأن صاحبها يضيع بتركها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٣٩-
وبعد واو عينت مفهوم مع كمثل "كل صانع وما صنع"
فـ"كل" مبتدأ، و"صانع" مضاف إليه، و"ما صنع" معطوف على المبتدأ،
_________________
(١) ١ انظر الإنصاف ١/ ٧٠. ٢ في الارتشاف ٢/ ٣٢: "وأجاز ابن عصفور في نحو: يمين الله، أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، وأن يكون خبرا محذوف المبتدأ، وقدره: قسمي يمين الله، فإن كان القسم به قد يستعمل لغير القسم كان حذف الخبر جائز، نحو: علي عهد الله لأفعلن".
[ ١ / ٢٢٧ ]
والخبر محذوف وجوبا، أي: مقرونان، وإنما حذف لدلالة الواو وما بعدها على المصاحبة والاقتران، وإنما وجب الحذف لقيام الواو مقام "مع" ولو جيء بـ"مع" [مكان الواو] ١ كان كلاما تاما، "ولو قلت: زيد وعمرو، وأردت الإخبار باقترانهما جاز حذفه"، أي: الخبر اعتمادا على أن السامع يفهم من اقتصارك على ذكر المتعاطفين معنى الاقتران والاصطحاب، "و" جاز "ذكره" لعدم التنصيص على المعية٢، "قال" الفرزدق: [من الطويل]
١٥٣-
تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى "وكل امرئ والموت يلتقيان"
فآثر ذكر الخبر وهو "يلتقيان" و"يشعب" بفتح العين المهملة: يفرق، وما ذكره الموضح هو قول جمهور البصريين.
"وزعم الكوفيون والأخفش أن نحو: كل رجل وضيعته، مستغن عن تقدير الخبر؛ لأن معناه مع ضيعته"، وذلك كلام تام لا يحتاج إلى شيء آخر٣، والبيت ضرورة.
المسألة "الرابعة: أن يكون المبتدأ إما مصدرا" صريحا "عاملا في اسم مفسر"، بكسر السين، "لضمير" بالتنوين، متعلق بمفسر "ذي حال"، نعت لضمير "لا يصح كونها"، أي: الحال "خبرا عن المبتدأ المذكور، نحو: ضربي زيدا قائما"، فـ"ضربي" مبتدأ، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، و"زيدا" مفعوله، و"قائما" حال من ضمير يفسره "زيد"، وهذه الحال لا يصح جعلها خبرا عن "ضربي" لأن الخبر وصف في المعنى، و"الضرب" لا يوصف بالقيام. فلا يقال: ضربي قائم: وإما مصدرا مؤولا، نحو: أن ضربت، أو: أن تضرب زيدا قائما، على رأي بعض الكوفيين.
"أو" يكون المبتدأ اسم تفضيل "مضافا إلى المصدر المذكور، نحو: أكثر شربي السويق ملتوتا"، فـ"أكثر" اسم تفضيل مبتدأ، مضاف إلى مصدر عامل في اسم مفسر لضمير ذي حال لا يصح كونها خبر عنه.
"أو" مضافا "إلى" شيء "مؤول بالمصدر المذكور، نحو: أخطب ما يكون
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ انظر شرح ابن عقيل ١/ ٢٥٣، وشرح التسهيل ١/ ٢٧٧، وشرح ابن الناظم ص٨٨.
(٢) البيت للفرزدق في المقاصد النحوية ١/ ٥٤٣، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٢٤، وتخليص الشواهد ص٢١١، وخزانة الأدب ٦/ ٢٨٣، وشرح ابن الناظم ص٨٨، وشرح الأشموني ١/ ١٤٥. ٣ في شرح ابن عقيل ١/ ٢٥٣: "واختار هذا المذهب ابن عصفور في شرح الإيضاح".
[ ١ / ٢٢٨ ]
الأمير قائما"، فـ"أخطب" اسم تفضيل مبتدأ مضاف إلى مؤول بالمصدر، وهو "ما" والفعل، أي: أخطب كون الأمير قائما. "وخبر ذلك" كله في الأمثلة السابقة "مقدر بـ"إذ كان"" إن أريد الماضي، "أو "إذا كان" إن أريد المستقبل "عند" سيبويه وجمهور "البصريين"١، فيكون الخبر ظرف زمان متعلقا بمحذوف، والتقدير: حاصل إذ كان، أو إذا كان، فـ"حاصل" خبر، و"إذ" أو "إذا" ظرف للخبر مضاف إلى "كان" التامة، وفاعلها مستتر فيها عائد على مفعول المصدر، و"قائما" و"ملتوتا" حالان من الضمير المستتر في "كان"، وإنما لم تجعل "كان" ناقصة، والمنصوب خبرها لوجهين:
أحدهما: التزام تنكيره، فإنهم لا يقولون: ضربي زيدا القائم.
والثاني: وقوع الجملة الاسمية مقرونة بالواو موقعه، كالحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" ٢، قاله ابن الناظم٣.
"و" مقدر "بمصدر مضاف إلى صاحب الحال عند الأخفش، واختاره الناظم" في التسهيل٤ لقلة الحذف مع صحة المعنى، "فيقدر" الخبر "في: ضربي زيدا قائما: ضربه قائما"، وفي: أكثر شربي السويق ملتوتا: شربه ملتوتا، وفي: أخطب ما يكون الأمير قائما: كونه قائما، فالمصدر الثاني هو الخبر، وفاعله محذوف، والهاء المضاف إليها مفعوله، وهي صاحبة الحال، وهذا وإن كان أقل حذفا من الأول غير مرضي عند سيبويه وجمهور البصريين لما فيه من حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو لا يجوز عندهم؛ ولأن تقدير الظرف يناسب الحال٥. قال ابن عصفور٦: وإنما صح للحال أن تسد مسد الخبر؛ لأنها بمنزلة الظرف في المعنى، ألا ترى أنه لا فرق بين: ضربي زيدا قائما، و: ضربي زيدا وقت قيامه، فكل منهما سد مسد الخبر، وكل منهما على معنى "في" والظرف يسد مسد الخبر، فكذا الحال. ا. هـ.
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٣٥، والكتاب ١/ ٤٠٢. ٢ أخرجه النسائي ١/ ٢٤٥، كتاب الصلاة، باب أقرب ما يكون العبد من الله. ٣ شرح ابن الناظم ص٨٩. ٤ التسهيل ص٤٥، وشرح التسهيل ١/ ٢٧٨. ٥ انظر الارتشاف ٢/ ٣٥، والكتاب ١/ ٤٠٢. ٦ المقرب ١/ ٨٥.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وقيل: الخبر نفس الحال، كما قيل به في الظرف، وقيل: الحال أغنت عنه، كما أغنى مرفوع الوصف عن الخبر، والصحيح أن الخبر محذوف وجوبا لسد الحال مسده؛ كما نبه عليه الناظم بقوله:
١٤٠-
وقبل حال لا يكون خبرا عن الذي خبره قد أضمرا
واحترز الموضح بقوله: عاملا في اسم مفسر لضمير ذي حال من أن يكون المصدر عاملا في صاحب الحال نفسه، فإن الحال لا يسد مسد الخبر حينئذ، نحو: ضربي زيدا قائما شديد، فإن "قائما" حال من "زيد"، والعامل فيها هو العامل في "زيد" وهو "ضربي"، فلا يغني عن الخبر؛ لأنها من صلة المصدر، وشمل قوله: عاملا في اسم مفسر، كون المفسر مفعولا، كما مثل، وكونه فاعلا في المعنى، نحو: قيام زيد ضاحكا، قاله المرادي في شرح التسهيل.
واحترز بقوله: لا يصح كونها خبرا عن المبتدأ عما إذا صحت فإنه "لا يجوز: ضربي زيدا شديدا"، بالنصب "لصلاحية الحال للخبرية، فالرفع" لـ"شديد" "واجب"؛ لأنه وصف لـ"الضرب" لا لـ"زيد"، وقيل: إنما وجب الرفع لعدم احتياجه إلى إضمار، وهو مشكل غايته أن يكون راجحا، كما في: زيد ضربته، "وشذ قولهم" لرجل حكموه عليهم، وأجازوا حكمه: "حكمك مسمطا"، بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد الميم وفي آخره طاء مهملة، أي: مثبتا، وكان القياس رفعه لصلاحيته للخبرية، ولكنه نصب على الحالية، والخبر محذوف، "أي: حكمك لك مثبتا"، أي: نافذا، وشذوذه من وجهين:
أحدهما: النصب مع صلاحية الحال للخبرية.
والثاني: أن الحال ليست من ضمير معمول المصدر، وإنما صاحب الحال ضمير المصدر المستتر في الخبر، ولا يصح أن يكون الحال من الكاف المضاف إليها في: "حكمك" لأن الذوات لا توصف بالنفوذ، وأشذ منه قراءة علي كرم الله وجهه "وَنَحْنُ عُصْبَةً" [يوسف: ١٤] بالنصب١، مع انتفاء المصدرية بالكلية، فـ"عصبة" حال من ضمير الخبر، والتقدير: ونحن نجتمع عصبة.
_________________
(١) ١ انفرد الإمام علي بهذه القراءة. انظر البحر المحيط ٥/ ٢٨٣، ومختصر ابن خالويه ص٦٢، وشرح ابن الناظم ص٨٩.
[ ١ / ٢٣٠ ]
"فصل":
"والأصح جواز تعدد الخبر" لفظا ومعنى لمبتدأ واحد؛ لأن الخبر كالنعت، فيجوز تعدده، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٤٢-
وأخبروا باثنين أو بأكثرا عن واحد
سواء اتفقا إفرادا، أو جملة أو اختلفا. فالأول "نحو: زيد شاعر"، أي: ناظم، "كاتب" أي: ناثر؛ يعني أنه ينظم الكلام وينثره. والثاني نحو: زيد قام ضحك. والثالث: زيد قاعد ضحك وعكسه.
"والمانع" لجواز التعدد كابن عصفور "يدعي تقدير "هو" للثاني" من الخبرين، "أو" يدعي "أنه"، أي: المبتدأ "جامع للصفتين"، الشعر والكتابة، "لا الإخبار بكل منهما" على انفراده لوجود التعدد لفظا ومعنى، نص على ذلك ابن عصفور في المقرب١ وشرحي الجمل، "وليس من تعدد الخبر" لواحد "ما ذكره ابن الناظم" في شرح النظم٢ "من قوله" وهو طرفة، على ما قيل: [من المتقارب]
١٥٤-
"يداك يد خيرها يرتجى وأخرى لأعدائها غائظه"
بل من تعدد الخبر لمبتدأ متعدد في نفسه حقيقة؛ "لأن "يداك" في قوة مبتدأين لكل منهما خبر"، على حدته؛ لأن التحقيق أن العطف ليس من التعدد، وقول أبيه في التسهيل٣: بعطف وغير عطف، منتقد عليه. وليس من تعدد الخبر لفظا ومعنى ما ذكره ابن الناظم أيضا، "من نحو قولهم٤: الرمان حلو حامض"، بل من تعدد الخبر لفظا لا
_________________
(١) ١ المقرب ص٨٦. ٢ شرح ابن الناظم ص٩١.
(٢) البيت لطرفة بن العبد في ملحق ديوانه ص١٥٥، والمقاصد النحوية ١/ ٥٧٢، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ١٧، ١٨، وأوضح المسالك ١/ ٢٢٨، وتخليص الشواهد ص٢١٢، وخزانة الأدب ١/ ١٣٣، وشرح ابن الناظم ص٩٠، وشرح الأشموني ١/ ١٠٦، وشرح التسهيل ١/ ١٤٠، ٣٢٦، ولسان العرب ٧/ ٤٥٤ "غيظ". ٣ التسهيل ص٥٠. ٤ شرح ابن الناظم ص٩٠.
[ ١ / ٢٣١ ]
معنى؛ "لأنهما بمعنى خبر واحد، أي: مز"، وضابطه أن يكون المخبر عنه مشتملا على طرف من كل من الخبرين، لا عليهما معا، ألا ترى أن "المز" ليس تام الحلاوة، ولا تام الحموضة، ولكنها بينهما، "ولهذا"، أي: ولأجل كونهما في معنى خبر واحد "يمتنع العطف" للثاني "على" الأول على "الأصح"؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، فلا يقال: الرمان حلو وحامض، خلافا للفارسي في أحد قوليه١.
"و" يمتنع أيضا "أن يتوسط المبتدأ بينهما"، وأن يتقدما على المبتدأ على الأصح فيهما عند الأكثرين، قاله في البديع. فلا يقال: حلو الرمان حامض، ولا حلو حامض الرمان، وليس الثاني بدلا؛ لأنه ليس المراد أحدهما، بل كلاهما، ولا صفة لامتناع وصف الشيء بمناقضه، ونقل عن الأخفش جواز كونه وصفا للأول على معنى: حلو فيه حموضة، والصفة توصف إذا نزلت منزلة الجامد، نحو: مررت بالضارب العاقل. ورد بأن الصفة كالفعل، وهو لا يوصف، ولو صح هذا؛ أي: الرد؛ لم يصح التصغير، وهو جائز بلا خلاف. قاله الموضح في شرح بانت سعاد٢.
ولا خبر مبتدأ محذوف؛ لأن المراد أنه جمع الطعمين، وهل في كل منهما ضمير أو لا ضمير فيهما، أو في الثاني فقط أقوال، اختار أبو حيان أولها٣، وصاحب البديع ثانيها، والفارسي ثالثها، ونظير ثمرة الخلاف في تحملهما، أو تحمل أحدهما في نحو: هذا البستان حلو حامض رمانه، فإن قلنا: لا يتحمل الأول ضميرا، تعين رفع "رمانه" بالثاني، وإن قلنا: إنه يتحمل فيجوز أن يكون من باب التنازع في السببي المرفوع على القول به، وليس من تعدد الخبر ما ذكره ابن الناظم٤ أيضا "من نحو: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ" فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]؛ "لأن الثاني تابع" بالعطف بالواو علة ما قبله، والأصل: والذين كذبوا بآياتنا بعضهم صم وبعضهم بكم، فحذف المبتدآن، وبقي خبراهما، فعطف أحدهما على الآخر.
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٩٠: "أجاز فيه أبو علي الفارسي، العطف". ٢ شرح بانت سعاد ص٥٣. ٣ الارتشاف ٢/ ٦٤. ٤ شرح ابن الناظم ص٩٠.
[ ١ / ٢٣٢ ]
باب الأفعال الداخلة على المبتدأ
مدخل
باب الأفعال الداخلة على المبتدأ:
إذا لم يلزم التصدير ولا الحذف، ولا عدم التصرف، ولا الابتدائية بنفسه، أو بغيره، فالأول: كاسم الشرط، والثاني: كالمخبر عنه بنعت مقطوع.
والثالث: نحو طوبى للمؤمن، والرابع: نحو: أقل رجل يقول ذلك إلا زيدًا، والخامس: كمصحوب إذا الفجائية، والخبر إذا لم يكن طلبًا ولا إنشاء، "فترفع المبتدأ تشبيهًا بالفاعل، ويسمى اسمها" حقيقة، وفاعلها مجازًا، "وتنصب خبره تشبيهًا بالمفعول، ويسمى خبرها" حقيقة، ومفعولها مجازًا؛ لأنها أشبهت بالفعل التام المتعدي لواحد، كـ: ضرب زيد عمرًا، هذا مذهب البصريين، وذهب جمهور الكوفيين إلى أنها لا تعمل في المرفوع شيئًا، وإنما هو مرفوع بما كان مرفوعًا به قبل دخولها، وخالفهم الفراء فذهب إلى أنها عملت فيه الرفع تشبيهًا بالفاعل، واتفقوا على نصبها الجزء الثاني. ثم اختلفوا في نصبه، فقال الفراء: تشبيهًا بالحال؛ لأنها شبيهة بـ "قام". وقال بقية الكوفيين: منصوب على الحال. والصحيح مذهب البصريين لوروده مضمرًا ومعرفة وجامدً١، ولكونه لا يستغنى عنه، وليس ذلك من شأن الحال. وعورض بوقوعه جملة وشبهها، ولا يقع المفعول به كذلك. وأجيب بأن الجملة تقع موقع المفعول به، كالمحكية بالقول، نحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، وكذلك شبهها، كمررت بزيد، ودخلت الدار، وإلى اختيار مذهب البصريين أشار الناظم بقوله:
١٤٣-
ترفع كان المبتدأ اسمًا والخبر تنصبه
_________________
(١) انظر الإنصاف ٢/ ٨٢١.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وهذه الأفعال هنا ثلاثة عشر فعلًا. "وهي ثلاثة أقسام:"
"أحدها: ما يعمل هذا العمل"، وهو رفع الاسم ونصب الخبر "مطلقًا" من غير شرط، سواء كانت مثبتة أو منفية صلة لـ "ما" الظرفية أو "لا"، "وهو ثمانية، كان، وهي أم الباب" لاختصاصها بأمور لا تكون لأخواتها كما سيأتي: "وأمسى، وأصبح، وأضحى، وظل، وبات، وصار، وليس، نحو: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ " [الفرقان: ٥٤]، و: [من البسيط]
١٥٥-
أمست خلاء
و: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، و: [من البسيط]
١٥٦-
أضحى يمزق أثوابي
و: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٨٥]، [الزخرف: ١٧]، و: [من البسيط]
١٥٧-
أبيت ريان الجفون
و: صار السعر رخيصًا: و: ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾ [هود: ٨] .
والقسم "الثاني: ما يعمله"، أي: هذا العمل، "بشرط أن يتقدمه نفي" بحرف أو اسم أو فعل موضوع للنفي أو عارض فيه بنقل أو استلزام، "أو نهي، أو دعاء" بـ "لا" خاصة، كما في الارتشاف١. "وهو أربعة: زال ماضي يزال، وبرح،
_________________
(١) تمام البيت: "أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد" وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٦، وجمهرة اللغة ص١٠٥٧، والحيوان ٦/ ٣٢٥، ٧/ ٥١، وخزانة الأدب ٤/ ٥، والدرر ١/ ٢١٣، ولسان العرب ٣/ ٣٨٦، "لبد"، ١٤/ ٢٤٥ "خنا"، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٧٨، وشرح الأشموني ١/ ١١١، وشرح التسهيل ١/ ٣٤٤، وشرح عمدة الحافظ ص٢١٠، وشرح قطر الندى ص١٣٤، وهمع الهوامع ١/ ١١٤، وثمار القلوب ص٦٩٤، وعمدة الحفاظ "لبد": "مسي".
(٢) تمام البيت: "أضحى يمزق أثوابي ويضربني أبعد شيبي يبغي عندي الأدبا" ،وهو لأم ثواب الهزانية في الحماسة البصرية ٢/ ٣٠٥ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٧٥٦، والعققة والبررة ٢/ ٣٦٤، "ضمن نوادر المخطوطات"، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٧٨، وشرح قطر الندى ص١٣٥.
(٣) تمام البيت: "أتبيت ريان الجفون من الكرى وأبيت منك بليلة الملسوع" وهو للشريف الرضي في ديوانه ١/ ٦٥٢، وحاشية يس ١/ ١٨٤، وللشريف المرتضى في مغني اللبيب ٢/ ٦٦٨، وبلا نسبة في الدرر ٢/ ٢٣، ٢٩٤، وشرح الأشموني ٣/ ٥٦٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٣، ٩٠. ١ الارتشاف ٢/ ٧٢.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وفتئ، وانفك"، وإنما اشترطوا فيها ذلك؛ لأنها بمعنى النفي، فإذا دخل عليها النفي إثباتًا، فمعنى: ما زال زيد قائمًا، وهو قائم فيما مضى، والدليل على انقلابه أنه لا يجوز: ما زال زيد إلا قائمًا، كما يجوز: ما كان زيد إلا قائمًا، هذا قول البصريين، وصححه أبو البقاء، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٤٥-
وهذي الأربعه لشبه نفي أو لنفي متبعه
"مثالها بعد النفي" بالحرف: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨]، فـ "يزال" فعل مضارع، والواو اسمه، و"مختلفين" خبره، " ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ " [طه: ٩١]، فـ "نبرح" مضارع برح، واسمه مستتر فيه وجوبًا، و"عاكفين" خبره. ولو اقتصر على المثال الثاني كفاه، ولكنه حاول التنصيص على أن ذلك يسوغ مع ذكر "لا" وحذفها، "ومنه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] "وقوله" وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
١٥٨-
"فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
"إذ الأصل: لا تفتؤ، ولا أبرح" ولا ينقاس حذف النافي إلا بثلاثة شروط: كون الفعل مضارعًا، وكونه جواب قسم، وكون النافي "لا"، وهذه الشروط مستفادة من الآية والبيت، و"يمين" يروى بالرفع على أنه مبتدأ حذف خبره، أي: يمين الله قسمي، وبالنصب على أن أصله: أقسم بيمين الله فحذف حرف الجر أولًا، فوصل الفعل بنفسه، ثم حذف الفعل، وبقي النصب بحاله، "ولا أبرح" جواب القسم، وجواب "لو" محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: ولو قطعوا رأسي لا أبرح، ومثالها بعد النفي بالاسم قوله: [من المديد]
١٥٩-
غير منفك أسير هوى كل فان ليس يعتبر
ومثالها بالفعل الموضوع للنفي قوله: [من الخفيف]
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص٣٢، وخزانة الأدب ٩/ ٢٣٨، ٢٣٩، ١٠/ ٤٣، ٤٤، ٤٥، والخصائص ٢/ ٢٤٨، والدرر ٢/ ١٠٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٢٠، وشرح الجواليقي ص٣٨٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤١، وشرح المفصل ٧/ ١١٠، ٨/ ٣٧، ٩/ ١٠٤، والكتاب ٣/ ٥٠٤، ولسان العرب ١٣/ ٤٦٣، "يمن"، واللمع ص٢٥٩، والمقاصد النحوية ٢/ ١٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٣٢، وخزانة الأدب ١٠/ ٩٣، ٩٤، وشرح الأشموني ١/ ١١٠، ومغني اللبيب ٢/ ٦٣٧، والمقتضب ٢/ ٣٦٢، وهمع الهوامع ٢/ ٣٨.
(٢) البيت بلا نسبة في الدرر ١/ ٢٠٥، وهمع الهوامع ١/ ١١١، والارتشاف ٢/ ٨١.
[ ١ / ٢٣٥ ]
١٦٠-
ليس ينفك ذا غنى واعتزاز كل ذي عفة مقل قنوع
ومثالها بالفعل العارض للنفي قوله: [من الخفيف]
١٦١-
قلما يبرح اللبيب إلى ما يورث الحمد داعيًا أو مجيبًا
فإن "قلما" خلع منه معنى التقليل، وصير بمعنى "ما" النافية، ومثالها بالفعل المستلزم للنفي: أبيت أزال أستغر الله، أي: لا أزال، قاله الفراء، ووجهه أن من أبى شيئًا لم يفعله، والإباء مستلزم للنفي؛ ولهذا ساغ بعد أبي تغريغ الاستثناء، قاله الموضح في الحواشي.
"ومثالها بعد النهي قوله": [من الخفيف]
١٦٢-
"صاح شمر ولا تزل ذاكر المو ت" فنسيانه ضلال مبين
"صاح" مرخم صاحب على غير القياس. و"شمر" بكسر الميم أمر لا نهي، واسم "تزل" مستتر فيها وجوبًا تقديره: أنت. و"ذاكر الموت" خبرها.
"ومثالها بعد الدعاء قوله" وهو ذو الرمة: [من الطويل]
١٦٣-
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى "ولا زال منهلًا بجرعائك القطر"
فـ "القطر": اسم "زال" مؤخر، و"منهلًا": خبرها مقدم، والأصل: ولا زال القطر منهالًا بجرعائك، و"ألا": حرف استفتاح، و"يا": حرف نداء، والمنادى محذوف، أي: يا هذه، أو حرف تنبيه مؤكد لـ "ألا" الاستفتاحية لما فيها من معنى التنبيه، و"اسلمي" فعل أمر من السلامة وهي: البراءة من العيوب، ومعناه الدعاء لدار مي بالسلامة، و"مي": اسم امرأة وليس ترخيم مية كما قد يتوهم، و"على": للمصاحبة، أي: اسلمي مع بلائك، و"المنهل": السائل بشدة، و"الجرعاء": تأنيث الأجرع رملة مستوية لا تنبت شيئًا و"القطر": جمع قطرة المطر. وهذا البيت خاتمة كتاب الصحاح١ لما
_________________
(١) البيت بلا نسبة في تخليص الشواهد ص٢٣٠، والدرر ١/ ٢٠٥، وشرح الأشموني ١/ ١٠٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٧٣، وهمع الهوامع ١/ ١١١، وشرح التسهيل ١/ ٣٣٤.
(٢) البيت بلا نسبة في تذكرة النحاة ص٣٠٤، وشرح شواهد المغني ٣٠٦، والنكت الحسان ص٦٦.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٣٤، وتخليص الشواهد ص٢٣٠، والدرر ١/ ٢٠٥، وشرح ابن الناظم ص٩٤، وشرح الأشموني ١/ ١١٠، وشرح التسهيل ١/ ٣٣٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٦٥، وشرح عمدة الحافظ ص١٩٩، وشرح قطر الندى ص١٢٧، والمقاصد النحوية ٢/ ١٤، وهمع الهوامع ١/ ١١١.
(٤) تقدم تخريج البيت برقم ١٢. ١ الصحاح ٦/ ٢٥٦٣ "يا".
[ ١ / ٢٣٦ ]
فيه من الدعاء بالسلامة من العيوب، وباستمرار النفع به١، وإنما قام النهي والدعاء بـ"لا" مقام النفي لأن المطلوب بهما ترك الفعل؛ وترك الفعل نفي.
"وقيدت "زال" بماضي "يزال" احترازًا من "زال" ماضي "يزيل" بفتح الياء "فإنه فعل تام متعد إلى مفعول" واحد، وزنه "فعل" بفتح العين "ومعناه: "ماز" بمعنى "ميز" "تقول: زل ضأنك من معزك" أي: ميز بعضها من بعض "ومصدره" الزيل" بفتح الزاي؛ لأنه من باب ضرب يضرب ضربًا" "و" احترازًا من "زال" "ماضي "يزول" فإنه فعل تام قاصر"، ووزنه "فعل" بفتح العين أيضًا؛ لأنه من باب: نصر ينصر، "ومعناه الانتقال"، تقول١: زل عن مكانك؛ أي: انتقل عنه "ومنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ " أي: تنتقلا. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ [فاطر: ٤١]، أي: انتقلتا، "ومصدره "الزوال"، أي: الانتقال بخلاف "زال" ماضي "يزال" فإنه وزنه "فعل" بكسر العين؛ لأنه من باب: علم يعمل، ولا يوصف بتعد ولا قصور، وليس له مصدر. وحكى الكسائي والفراء٢ لـ "زال" الناقصة مضارعًا آخر وهو "يزيل" فيكون مشتركًا بين التام والناقص، بل قال الفراء٣: غيرت "زال" الناقصة من "زال" التامة بتحويلها إلى "فعل" بكسر العين، بعد أن كانت "فعل" بفتح العين، فرقًا بين التام والناقص.
وقال ابن خروف٤: يجوز كون الناقصة منقولة من: "زال يزيل" فعلى هذا عينهما ياء و"زال يزول" عينه واو.
والقسم "الثالث: ما يعمل" هذا العمل "بشرط تقدم "ما" المصدرية الظرفية، وهو "دام" خاصة "نحو": ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ " مَا دُمْتُ حَيًّا "﴾ [مريم: ٣١] فـ "ما" مصدرية ظرفية، و"دمت"، دام واسمها، و"حيا" خبرها، والدليل على مصدرية "ما" وظرفيتها أنها تؤول بمصدر مضاف إليه الزمان، "أي: مدة دوامي حيا، وسميت "ما" هذه مصدرية؛ لأنها تقدر بالمصدر. وهو: الدوام، وسميت ظرفية لنيابتها عن الظرف؛ وهو: المدة" فأصل "ما دمت حيا" مدة ما دمت حيا، فحذف المضاف وهو "المدة" وناب المضاف إليه وهو: "ما" وصلتها عنها في
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ حاشية الصبان ١/ ٢٣٧. ٣ الارتشاف ٢/ ٧٩. ٤ الارتشاف ٢/ ٧٩.
[ ١ / ٢٣٧ ]
الانتصاب على الظرفية، كما ناب المصدر الصريح عن ظروف الزمان، كجئتك صلاة العصر، أي: وقت صلاة العصر، قاله في المغني، وأطلق الناظم "ما" واعتمد على المثال فقال:
١٤٦-
ومثل كان دام مسبوقًا بما كاعط ما دمت مصيبًا درهما
فلو كانت "ما" مصدرية غير ظرفية لم تعمل عمل "دام" بعدها العمل المذكور، فإن ولي مرفوعها منصوب فهو حال، نحو: يعجبني ما دمت صحيحًا، أي: يعجبني دوامك صحيحًا، ولو لم تذكر "ما" أصلًا فأحرى بعدم العمل، نحو: دام زيد صحيحًا، فـ "دام" فعل ماض تام بمعنى "بقي" و"زيد" فاعله، و"صحيحًا" حال من "زيد"، ولا يلزم من وجود "ما" المصدرية الظرفية العمل المذكور، بدليل ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، ولا توجد الظرفية بدون المصدرية.
[ ١ / ٢٣٨ ]
"فصل":
"وهذه الأفعال" الثلاثة عشر "في التصرف" وعدمه. "ثلاثة أقسام:
ما لا يتصرف بحال، وهو "ليس" باتفاق" لأنها وضعت وضع الحروف في أنها لا يفهم معناها، إلا بذكر متعلقها. "و"دام" عند الفراء وكثير من المتأخرين"١؛ لأنها صلة لـ"ما" الظرفية، وكل فعل وقع صلة لـ"ما" التزم مضيه، قال أبو حيان في النكت الحسان٢. وأما: يدوم ودم ودائم ودوام، فمن تصرفات التامة.
"وما يتصرف تصرفًا ناقصًا، وهو "زال" وأخواتها" الثلاثة، "فتئ" و"برح"، و"انفك"، "فإنها لا يستعمل منها أمر"؛ لأن من شرط عملها النفي، وهو لا يدخل الأمر، "ولا مصدر" لعدم دلالتها على الحدث عند جمهور البصريين. "و"دام" عند الأقدمين" وقليل من المتأخرين "فإنهم أثبتوا لها مضارعًا" وهو يدوم". "وما يتصرف تصرفًا تاما وهو الباقي". بناء على أن لها مصادر، فمصدر كان: الكون والكينونة، ومصدر أضحى، وأمسى، وأصبح: الإضحاء، والإمساء، والإصباح، ومصدر صار: الصير والصيرورة، ومصدر بات: البيات والبيتوتة، ومصدر ظل الظلول؛ قاله أبو حيان٣.
"وللتصاريف في هذين القسمين" وهما: المتصرف التصرف التام والناقص، "ما للماضي من العمل" بشرط وغيره، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٤٧-
وغير ماض مثله قد عملا إن كان غير الماضي منه استعملا
_________________
(١) ١ في همع الهوامع ١/ ١١٤: "قال ابن الخباز: لا تنصرف "ما دام" لأنها للتوقيت وللتأبيد، فتفيد المستقبل. قال أبو حيان: وما ذكر عدم تصرفها لم يذكره البصريون". ٢ النكت الحسان ص٦٩. ٣ انظر الارتشاف ٢/ ٧٥، وهمع الهوامع ١/ ١١٤.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فالمضارع؛ نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ "، [مريم: ٢٠] فـ"أك" مضارع "كان" وأصله: كون، حذفت الضمة للجازم، والواو لالتقاء الساكنين، والنون للتخفيف، واسمه مستتر فيه وجوبًا، و"بغيًا" خبره، وأصله: بغويا، اجتمع فيه الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقلبت الضمة كسرة.
"والأمر نحو: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠]، أصله قبل اتصال الواو: كون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار: كن، فلما اتصل به واو الجماعة حركت النون بالضم لمناسبة الواو، فرجعت الواو المحذوفة لزوال التقاء الساكنين والواو اسمه، و"حجارة" خبره، ومثله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ولو مثل به لكان حسنًا.
"والمصدر كقوله": [من الطويل]
١٦٤-
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى "وكونك إياه عليك يسير"
"كونك" مبتدأ، وهو مصدر مضاف إلى اسمه، وهو كاف المخاطب، و"إياه" خبره، من جهة نقصانه، والأصل: وكونك فاعله، فحذف المضاف، وانفصل الضمير، وفيه رد على أبي البقاء في زعمه: أن المنصوب بعد مصدر "كان" حالًا؛ لأن الضمير لا ينتصب على الحال، و"يسير" خبره من جهة ابتدائيته، و"البذل" بالذال المعجمة: العطاء "والباء" متعلقة بـ"ساد" و"عليك" متعلق بـ"يسير" مقدم من تأخير. "واسم الفاعل كقوله": [من الطويل]
١٦٥-
"ومات كل من يبدي البشاشة كائنا أخاك" إذا لم تلفه لك منجدا
فـ "كائنا" خبر "ما" الحجازية، واسمه مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، و"أخاك" خبره، و"البشاشة" بفتح الباء الموحدة وشينين معجمتين: طلاقه الوجه، "وتلفه" بالفاء بمعنى: تجده متعد لاثنين. وفي التنزيل: ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩]، و"منجدًا" بالجيم: مفعوله الثاني لا حال، خلافًا للعيني١. واسم المفعول كقول سيبويه٢ في الظرف:
_________________
(١) البيت بلا نسبة في ارتشاف الضرب ٢/ ٧٥، وأوضح المسالك ١/ ٢٣٩، وتخليص الشواهد ص٢٣٣، والدرر ١/ ٢١٣، وشرح ابن الناظم ص٩٥، وشرح الأشموني ١/ ١١٢، وشرح التسهيل ١/ ٣٣٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٧٠، والمقاصد النحوية ٢/ ١٥، وهمع الهوامع ١/ ١١٤.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٣٩، وتخليص الشواهد ص٢٣٤، والدرر ١/ ٢١٤، وشرح ابن الناظم ص٩٥، وشرح الأشموني ١/ ١١٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٧٠، والمقاصد النحوية ٢/ ١٧، وهمع الهوامع ١/ ١١٤. ١ المقاصد النحوية ٢/ ١٨. ٢ الكتاب ١/ ٤٦.
[ ١ / ٢٤٠ ]
مكون فيه، قاله أبو حيان١.
"وقوله" وهو الحسين بن مطير الأسدي: [من الطويل]
١٦٦-
"قضى الله يا أسماء أن لست زائلًا أحبك" حتى يغمض العين مغمض
فـ"زائلًا" اسم فاعل "زال" الناقصة، واسمه مستتر فيه تقديره: أنا، وجملة "أحبك" خبره.
_________________
(١) ١ النكت الحسان ص٦٩.
(٢) البيت للحسين بن مطير في ديوانه ١٧٠، والدرر ١/ ٢١٥، وشرح التسهيل ١/ ٣٤٠، ولسان العرب ٧/ ١٩٩، "غمض" ومجالس ثعلب ١/ ٢٦٥، والمقاصد النحوية ٢/ ١٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٤٠، وتخليص الشواهد ص٢٣٤، وشرح ابن الناظم ص٩٥، وشرح عمدة الحافظ ص١٩٧، وهمع الهوامع ١/ ١١٤.
[ ١ / ٢٤١ ]
"فصل":
"وتوسط أخبارهن" بينهن وبين أسمائهن. "جائز خلافًا لابن درستويه١ في "ليس" ولابن معط٢ في "دام" نص عليه في ألفيته. قيل: ولم يعرف لغيره.
والصحيح الجواز من غير استثناء وعليه قول الناظم:
١٤٨-
وفي جميعها توسط الخبر أجز
"قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، فـ"حقا" خبر "كان" مقدم، و"نصر المؤمنين" اسمها مؤخر، ومن لازم تقديم خبرها على اسمها توسطه بينها وبين اسمها، إذا لم يتقدم عليها، "وقرأ حمزة وحفص ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] بنصب: البر٣" على أنه خبر "ليس" مقدم، و"أن تولوا" اسمها مؤخر، فقد توسط خبر "ليس" بينها وبين اسمها، وهو خلاف ما منعه ابن درستويه. ويؤخذ من كلام المغني٤ أن رفع "البر" ضعيف كضعف الإخبار بالضمير عما هو دونه في التعريف، فإنه قال: واعلم أنهم حكموا لـ"أن" و"أنّ" المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير؛ [لأنه لا يوصف كما أن الضمير كذلك] ٥، فلهذا قرأت
_________________
(١) ١ في الارتشاف ٢/ ٨٦: "وأما توسيط "ليس" فثابت من كلام العرب، فلا التفات لمن منع ذلك ودعوى الفارسي وابن الدهان وابن عصفور وابن مالك الإجماع على جواز توسيط خبر "ليس" ليست بصحيحة، بل ذكر الخلاف فيها ابن درستويه تشبيهًا بـ"ما". ٢ في شرح التسهيل ١/ ٣٤٩: "وقد وقع في ذلك ابن معط ﵀ فضمن ألفيته منع توسيط خبر "ليس وما دام" وليس له في ذلك متبوع، بل هو مخالف للمقيس والمسموع". ٣ هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي وابن مسعود وغيرهم. انظر البحر المحيط ٢/ ٢، والنشر ٢/ ٢٢٦. ٤ مغني اللبيب ص٥٩٠. ٥ إضافة من المصدر السابق.
[ ١ / ٢٤٢ ]
السبعة: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥]، بالنصب، والرفع ضعيف. "وقال الشاعر": [من البسيط]
١٦٧- "لا طيب للعيش ما دامت منغصة
لذاته" بادكار الموت والهرم
فـ "منغصة" خبر "دام" مقدم، "ولذاته" اسمها مؤخر، فقد توسط خبر "دام" بينها وبين اسمها، وهو خلاف ما منعه ابن معط، وله أن يقول: "لذّاته" مرفوع على النيابة عن الفاعل بـ" منغصة"، واسم "دام" مستتر فيها على طريق التنازع في السببي المرفوع، إلا أن يكون لا يراه.
وأولى منه قول الآخر: [من البسيط]
١٦٨-
ما دام حافظ سري من وثقت به فهو الذي لست عنه راغبًا أبدًا
فقدم الخبر على الاسم. "إلا أن يمنع" من جواز التوسط "مانع"، كحصر الخبر، "نحو: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾ " [الأنفال: ٣٥] أي: صفير، أو كخفاء إعرابهما، نحو: كان موسى فتاك، وقد يكون التوسط واجبًا، نحو: كان في الدار ساكنها، فتحصل ثلاثة أقسام: قسم يجوز، وقسم يمتنع، وقسم يجب١.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٤٢، وتخليص الشواهد ٢٤١، والدرر ١/ ٢٢١، وشرح ابن الناظم ص٩٦، وشرح الأشموني ١/ ١١٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٧٤، وشرح عمدة الحافظ ٢٠٤، وشرح قطر الندى ص١٣١، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٠، وهمع الهوامع ١/ ١٧٧.
(٢) البيت بلا نسبة في تخليص الشواهد ص٢٤٠. ١ انظر الارتشاف ٢/ ٨٥، ٨٦، وشرح عمدة الحافظ ص٢٠٥، ٢٠٦.
[ ١ / ٢٤٣ ]
"فصل":
"وتقديم أخبارهن" عليهن "جائز" عند البصريين١، إذا عريت مما يوجب التقديم أو التوسط أو التأخير، "بدليل" نحو: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، " ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ " [الأعراف: ١٧٧]، فـ"إياكم" و"أنفسكم" معمولان لخبر "كان"، وقد تقدما عليها، وتقديم المعمول يؤدن بجواز تقديم العامل، قاله
ابن مالك في شرح التسهيل٢، وسبقه إلى ذلك الفارسي، وابن جني٣، وغيرهما من البصريين، وهو غير لازم، فإن البصريين أجازوا: زيدًا عمرو ضرب، مع قولهم: لا يتقدم الخبر إذا كان فعلًا، فأجازوا تقديم المعمول، ولم يجيزوا تقديم العامل، وفي التنزيل: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] فتقدم معمول الفعل مع أن الفعل لا يجوز تقديمه؛ لأن "أما" لا يليها فعل، قاله الموضح في الحواشي.
"إلا خبر "دام" فلا يجوز تقديمه على "ما دام" "اتفاقًا" لأن معمول صلة الحرف المصدري. لا يتقدم عليه، ولا يجوز توسطه بين "ما" و"دام" على الصواب إن قلنا إن الموصول الحرفي لا يفصل من صلته بمعمولها، وإن قلنا يفصل إذا لم يكن عاملًا، وهو اختيار ابن عصفور٤، فإن قلنا بعدم تصرف "دام" فينبغي أن يجري فيه الخلاف الذي في "ليس"، وإن قلنا بتصرفها فينبغي أن يجوز قطعًا، قاله الموضح في حواشيه.
وحكى الناظم الاتفاق على المنع فقال:
١٤٨-
وكل سبقه دام حظر
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٨٦. ٢ شرح التسهيل ١/ ٣٥٤. ٣ الخصائص ٢/ ٣٨٢. ٤ المقرب ١/ ٩٦.
[ ١ / ٢٤٤ ]
"وإلا" خبر "ليس" فلا يجوز أن يتقدم عليها "عند جمهور البصريين" من متأخريهم، وجمهور الكوفيين١، وهو المختار، وإليه أشار الناظم بقوله:
١٥٠-
ومنع سبق خبر ليس اصطفي
وحجتهم أنهم "قاسوها على "عسى" وخبر "عسى" لا يتقدم عليها اتفاقًا، والجامع بينهما الجمود "واحتج المجيز" من قدماء البصريين، والفراء، وابن برهان، والزمخشري، والشلوبين، وابن عصفور من المتأخرين "بنحو قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨]، وتقدير الحجة منه أن "يوم يأتيهم" معمولًا لـ"مصروفًا" وقد تقدم على "ليس"، واسمها ضمير مستتر فيها يعود على العذاب، "ومصروفًا" خبرها، وتقديم المعمول لا يصح إلا حيث يصح تقديم عامله، فلولا أن الخبر؛ وهو "مصروفًا" يجوز تقديمه على "ليس"، لما جاز تقديم معموله عليها، "وأجيب" بالمنع وسنده ما تقدم، وعلى تقدير تسليمه يجاب "بأن المعمول ظرف، فيتسع فيه" ما لا يتسع في غيره. أو بأن "يوم" معمول لمحذوف تقديره: يعرفون يوم يأتيهم، و"ليس مصروفًا" جملة حالية مؤكدة أو مستأنفة، أو بأن "يوم" في محل رفع على الابتدء، وبني على الفتح لإضافته إلى جملة "يأتيهم" و"ليس مصروفًا" خبره.
"وإذا نفي الفعل بـ"ما" النافية "جاز توسط الخبر بين النافي" وهو "ما" "و" الفعل "المنفي مطلقًا"، سواء كان النفي شرطًا في العمل أم لا، "نحو: ما قائمًا كان زيد". ونحو: ما قائمًا زال زيد، "ويمتنع التقديم على" نفس "ما عند البصريين، والفراء" من الكوفيين٢؛ لأنها من ذوات الصدور، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٤٩-
كذاك سبق خبر ما النافيه
"وأجازه بقية الكوفيين" بناء على أنها لا تستحق التصدير، قياسًا على أخواتها "وخص ابن كيسان" من الكوفيين "المنع بغير "زال" وأخواتها؛ لأن نفيها إيجاب"، بدليل أنه لا يجوز: ما زال زيد إلا قائمًا، كما لا يجوز: كان زيد إلا قائمًا، ورد بأن ذلك لا يخرجها عما ثبت لها من التصدير اعتبارًا بأصل الوضع٣.
"وعمم الفراء المنع في جميع حروف النفي٤، ويرده قوله" وهو المعلوط
_________________
(١) ١ الإنصاف ١/ ١٦٠، وشرح التسهيل ١/ ٣٥١. ٢ انظر التسهيل ص٥٤. ٣ الارتشاف ٢/ ٨٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٧٦. ٤ الارتشاف ٢/ ٨٧، وشرح التسهيل ١/ ٣٥٥.
[ ١ / ٢٤٥ ]
القريعي: [من الطويل]
١٦٩-
ورج الفتى للخير ما إن رأيته "على السن خيرًا لا يزال يزيد"
فقدم معمول الخبر على "لا" النافية؛ والأصل: لا يزال يزيد خيرًا، ورج: أمر من الرجاء، والفتى: الشاب؛ يقال: فتي فهو فتى بالقصر، والسن: هو العمر، "وخيرًا" مفعول "يزيد" يعني: أنك إذا رأيت الشاب يزيد خيرًا كلما زاد عمره فرجه للخير. و"ما" يحتمل أن تكون مصدرية ظرفية، وزيدت "أن" بعدها لشبهها في اللفظ بـ"ما" النافية، وجزم به في المغني١. ويحتمل أن تكون زائدة و"أن" شرطية وجوابها محذوف.
_________________
(١) البيت للمعلوط القريعي في شرح شواهد المغني ص٨٥، ٧١٦، ولسان العرب ١٣/ ٣٥ "أنن"، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٢، وبلا نسبة في الأزهية ص٥٢، ٩٦، والأشباه والنظائر ٢/ ١٨٧، وأوضح المسالك ٢/ ٢٢، والجنى الداني ص٢١١ وجواهر الأدب ص٢٠٨ وخزانة الأدب ٨/ ٤٤٣، والخصائص ١/ ١١٠، والدرر ١/ ٢٧٤ وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٧٨، وشرح المفصل ٨/ ١٣٠، والكتاب ٤/ ٢٢٢، ومغني اللبيب ١/ ٢٥، والمقرب ١/ ٩٧، وهمع الهوامع ١/ ١٢٥، وشرح التسهيل ١/ ٣٧١، والارتشاف ٣/ ٢٨٣. ١ مغني اللبيب ١/ ٢٥.
[ ١ / ٢٤٦ ]
"فصل":
"ويجوز باتفاق أن يلي هذه الأفعال معمول خبرها، إن كان" المعمول "ظرفًا أو" جارا و"مجرورًا" للتوسع، "نحو: كان عندك أو في المسجد زيد معتكفًا"، والأصل: كان زيد معتكفًا عندك؛ أو في المسجد، فقدم معمول خبر "كان" على اسمها، فوليها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥٢-
ولا يلي العامل معمول الخبر إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر
"فإن لم يكن" المعمول "أحدهما: فجمهور البصريين يمنعون مطلقًا"، لما في ذلك من الفصل بينها وبين اسمها بأجنبي منهما، "والكوفيون يجيزون مطلقًا"؛ لأن معمول معمولها في معنى معمولها١.
"وفصل ابن السراج٢ والفارسي٣" من البصريين "وابن عصفور٤" من المتأخرين، "فأجازوه إن تقدم الخبر معه، نحو: كان طعامك آكلًا زيد" لأن المعمول من كمال الخبر، وكالجزء منه، "ومنعوه إن تقدم وحده، نحو: كان طعامك زيد آكلًا"، إذ لا يفصل بين الفعل ومرفوعه بأجنبي.
ويتحصل من هذه المسألة أربع وعشرون صورة ذكرها المرادي في شرح التسهيل.
"واحتج الكوفيون" القائلون بالجواز مطلقًا" "بنحو قوله" وهو الفرزدق: [من الطويل]
١٧٠-
قنافذ هداجون حول بيوتهم "بما كان إياهم عطية عودا"
_________________
(١) ١ التسهيل ص٥٤، وحاشية الصبان ١/ ٢٣٧. ٢ في كتابه الأصول ١/ ٨٦-٨٩. ٣ في كتابه المسائل البصريات ١/ ٤٣٤. ٤ المقرب ١/ ٩٧.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ١٨١، وتخليص الشواهد ص٢٤٥، وخزانة الأدب ٩/ ٢٦٨، ٢٦٩، والدرر ١/ ٢٢٢، وشرح التسهيل ١/ ٣٦٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٤، والمقتضب ٤/ ١٠١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٤٨، وشرح ابن الناظم ص٩٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٨١، ومغني اللبيب ٢/ ٦١٠، وهمع الهوامع ١/ ١١٨.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وجه الحجة منه أن "إياهم" معمول "عود" و"عود" خبر "كان"، فقد ولي "كان" معمول خبرها، وليس ظرفًا، ولا جارا ومجرورًا، و"قنافذ" بالذال المعجمة: جمع قنفذ بضم الفاء وفتحها، خبر مبتدأ محذوف، أي: هم قنافذ، و"هداجون" جمع هداج بتشديد الدال وفي آخره جيم؛ من الهدجان، وهو: مشية الشيخ، "وعطية": أبو جرير، وأراد الفرزدق بهذا البيت هجو رهط جرير، وشبههم بالقنافذ في مشيهم بالليل، وطوى ذكر المشبه، فهو من الاستعارة بالكناية، "وخرج" هذا البيت "على زيادة "كان"" بين الموصول وصلته، "أو" على "إضمار اسم" في "كان" حال كونه "مرادًا به الشأن١"، وعلى ذلك اقتصر الناظم فقال:
١٥٣-
ومضمر الشأن اسما انو إن وقع موهم ما استبان أنه امتنع
"أو راجعًا إلى "ما" الموصولة "وعليهن فـ"عطية" مبتدأ" و"عود" خبره، و"إياهم" معمول الخبر مقدم على المبتدأ، وتقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ جائز عند البصريين٢، "وقيل": التقديم "ضرورة، وهذا" التخريج الأخير، وهو دعوى الضرورة. "متعين في قوله": [من البسيط]
١٧١-
"باتت فؤادي ذات الخال سالبة" فالعيش إن حم لي عيش من العجب
فلا يجوز دعوى زيادة "بات"، ولا إضمار اسمها مرادًا به الشأن "لظهور نصب الخبر" وهو "سالبة" لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه بمفرد، و"حم" بالبناء للمفعول بمعنى: قدر، ولا يتعين دعوى الضرورة، لجواز أن يكون "فؤادي" منادى سقط منه حرف النداء، ومعمول الخبر محذوف أي: سالبة لك.
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن عقيل ١/ ٢٨١، وشرح ابن الناظم ص٩٩. ٢ انظر خزانة الأدب ٩/ ٢٦٨، ٢٦٩.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٥١، وتخليص الشواهد ص٢٤٨، وخزانة الأدب ٩/ ٢٦٩، وشرح الأشموني ١/ ١١٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٨.
[ ١ / ٢٤٨ ]
"فصل":
"قد تستعمل هذه الأفعال تامة، أي: مستغنية بمرفوعها" عن منصوبها، وهذا هو الصحيح عند ابن مالك، وإليه أشار بقوله في النظم:
١٥٠-
وذو تمام ما برفع يكتفي
وتبعه الموضح وهو مخالف لمذهب سيبويه وأكثر البصريين، من أن معنى تمامها دلالتها على الحدث والزمان، وكذا الخلاف في تسمية ما ينصب الخبر ناقصًا، لم سمي ناقصًا؟ فعلى الأول: لكونه لم يكتف بمرفوعه، وعلى قول الأكثرين: لكونه سلب الدلالة على الحدث، وتجرد للدلالة على الزمان، واستدل ابن مالك على بطلان مذهب الأكثرين بعشرة أوجه مذكورة في شرحه على التسهيل١.
وإذا استعملت تامة كانت بمعنى فعل لازم. فـ"كان" بمعنى: حصل "نحو: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: وإن حصل ذو عسرة" و"أمسى" بمعنى: دخل في المساء، و"أصبح" بمعنى: دخل في الصباح، نحو: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] أي: حين تدخلون في المساء، وحين تدخلون في الصباح". و"دام" بمعنى: بقي نحو: " ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] أي: ما بقيت". و"بات" بمعنى: عرس؛ وهو النزول ليلًا، نحو قول عمر ﵁: "أما رسول الله ﷺ فقد بات بمنى" أي: عرس بها، "وقوله" وهو امرؤ القيس بن عانس؛ بالنون؛ وفاقًا لابن دريد٢، لا ابن حجر الكندي خلافًا لمن زعمه: [من المتقارب]
_________________
(١) ١ انظر شرح شواهد ابن الناظم ص٢٤٨. ٢ في الاشتقاق ٣٧٠: "امرؤ القيس بن عابس -بالباء- بن المنذر الشاعر، أدرك الإسلام ولم يرتد".
[ ١ / ٢٤٩ ]
١٧٢-
"وبات وباتت له ليلة" كليلة ذي العائر الأرمد
أي: وعرس، و"العائر" بالعين المهملة اسم فاعل من العور، وهو القذى في العين تدمع له، وقيل: الرمد والأرمد صفة له مخصصة على الأول، وكاشفة على الثاني، "وقالوا: بات بالقوم؛ أي: نزل بهم" ليلًا. و"ظل" بمعنى: دام واستمر، نحو: "ظل اليوم" بالرفع، "أي: دام ظله. و" "أضحى" بمعنى: دخل في الضحى، نحم: "أضحينا؛ أي: دخلنا في الضحى". و"صار" بمعنى: انتقل، نحو: صار الأمر إليك، أي: انتقل، وبمعنى: رجع نحو: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] أي: ترجع.
"وبرح" بمعنى: "ذهب، نحو: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ﴾ [الكهف: ٦٠] أي: لا أذهب. و"أنفك" بمعنى: انفصل، نحو: فككت الخاتم فانفك، أي: انفصل. وتكون هذه الأفعال التامة لمعان أخر عنه ما ذكر١.
وجميع أفعال هذا الباب استعملت تامة وناقصة. "إلا ثلاثة أفعال فإنها ألزمت النقص" ولم تستعمل تامة أصلًا، "وهي: فتئ، وزال، وليس" وما أوهم خلاف ذلك يؤول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥١-
والنقص في فتئ ليس زال دائمًا قفي
وذهب أبو حيان في نكته إلى أن "فتئ" تكون تامة بمعنى: سكن. وذهب أبو علي في الحلبيات إلى أن "زال" تكون تامة، نحو: ما زال زيد عن مكانه، أي: لم ينتقل عنه.
وذهب الكوفيون إلى أن "ليس" تكون عاطفة لا اسم ولا خبر، نحو: [من الرمل]
١٧٣-
إنما يجزي الفتى ليس الجمل
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٨٥، وتخليص الشواهد ص٢٤٣، وشرح قطر الندى ص١٣٦، ولعمرو بن معد يكرب في ديوانه ص٢٠٠، ولعمرو أو لامرئ القيس في سمط اللآلي ص٥٣١، ولامرئ القيس بن عابس في المقاصد النحوية ٢/ ٣٠، وله أو لامرئ القيس الكندي أو لعمرو بن معد يكرب في شرح شواهد المغني ٢/ ٧٣٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٥٤، وجمهرة اللغة ص٧٧٥، وشرح ابن الناظم ص٩٨، وشرح الأشموني ١/ ١١٥. ١ انظر الارتشاف ٢/ ٧٧، ٧٨، وحاشية الصبان ١/ ٣٢٦، وهمع الهوامع ١/ ١١٥.
(٢) صدر البيت: "وإذا أقرضت قرضًا فاجزه" والبيت للبيد في ديوانه ص١٧٩، ولسان العرب ٦/ ٢١١ "ليس"، ٧/ ٢١٧ "قرض"، ١٥/ ٤٦٩ "إما لا"، وتهذيب اللغة ٨/ ٣٤، ١٣/ ٧٢، ٧٣، وأساس البلاغة "جزي"، وتاج العروس ١٩/ ١٧ "قرض"، وجمهرة الأمثال ١/ ٥٧، والأزهية ص١٨٢، ١٩٦، وخزانة الأدب ٩/ ٢٩٦، ٢٩٧، ٣٠٠، ١١/ ١٩٠، ١٩١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٠، والكتاب ٢/ ٣٢٣، ومجالس ثعلب ص١٦٩، ٥١٥، والمقاصد النحوية ٤/ ١٧٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٥٤، والمقتضب ٤/ ٤١٠ والارتشاف ٢/ ٩٦.
[ ١ / ٢٥٠ ]
"فصل":
"تختص "كان" بأمور. منها: جواز زيادتها بشرطين:
أحدهما: كونها بلفظ الماضي"، لتعيين الزمان فيه دون المضارع. "وشذ قول أم عقيل" بن أبي طالب وهي ترقصه: [من الرجز]
١٧٤-
"أنت تكون ماجد نبيل" إذا تهب شمأل بليل
أنشده ابن مالك شاهدًا على ذلك١. فـ"أنت" مبتدأ، و"ماجد" خبره، و"تكون" زائدة بين المبتدأ والخبر، ونبيل" فعيل من النبالة، بمعنى: الفضل، خبر بعد خبر، و"شمأل" كجعفر: ريح تهب من ناحية القطب، و"بليل" كقتيل، بمعنى: مبلولة.
"و" الشرط "الثاني: كونها بين شيئين متلازمين، ليسا جارا ومجرورًا"، وليس المراد بزيادتها أنها لا تدل على معنى البتة، بل أنها لم يؤت بها للإسناد، وإلا فهي دالة على المضي، ولذلك كثرت زيادتها بين "ما" التعجبية وفعل التعجب، لكونه سلب الدلالة على المضي٢، "نحو: ما كان أحسن زيدًا" فـ"كان" زائدة بين المبتدأ وخبره. "و" قد تزاد بين الفعل ومرفوعه، نحو: "قول بعضهم: لم يوجد كان مثلهم". فزاد "كان" بين الفعل ونائب الفاعل تأكيدًا للمضي. "وشذ" زيادتها بين الجار والمجرور، ومنه "قوله": [من الوافر]
_________________
(١) الرجز لأم عقيل في أوضح المسالك ١/ ٢٥٥، وتخليص الشواهد ص٢٥٢، وخزانة الأدب ٩/ ٢٢٥، ٢٢٦، والدرر ١/ ٢٢٦، وشرح ابن الناظم ص١٠٠، وشرح الأشموني ١/ ١١٨، وشرم ابن عقيل ١/ ٢٩٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٩، وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ١٢٠. ١ شرح التسهيل ١/ ٣٦٢. ٢ أجاز الفراء ذلك. انظر الارتشاف ٢/ ٩٦.
[ ١ / ٢٥١ ]
١٧٥-
جياد بني أبي بكر تسامى "على كان المسومة العراب"
أنشده الفراء، فزاد "كان" بين الجار والمجرور، وهما كالشيء الواحد، و"الجياد": جمع جيد، و"تسامى" أصله: تتسامى، حذفت إحدى التاءين، من السمو، وهو: العلو، و"المسومة": اسم مفعول من السومة١، وهي: العلامة، و"العراب" بكسر العين المهملة نعت "المسومة" وهي: الخيل العربية التي جعلت عليها علامة، وتركت في المرعى، وأطلق الناظم المسألة اعتمادًا على المثال فقال:
١٥٤-
وقد تزاد كان في حشو كما كان أصح علم من تقدما
"وليس في زيادتها قوله" وهو الفرزدق: [من الوافر]
١٧٦-
فكيف إذا مررت بدار قوم "وجيران لنا كانوا كرام"
"لرفعها الضمير" وهو الواو، والزائد لا يعمل شيئًا عند الجمهور، وهذا مذهب أبي العباس المبرد٢، وأكثر النحويين، حيذ ذهبوا إلى أن "كان" في هذا البيت ليست بزائدة، بل هي الناقصة، و"الواو" اسمها، و"لنا" خبرها، والجملة في موضع الصفة لـ"جيران" و"كرام" صفة بعد صفة٣، فهو نظير قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥] "خلافًا لسيبويه" والخليل٤، حيث ذهبا إلى أنها في
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٩٦، والأزهية ص١٨٧، وأسرار العربية ص١٣٦، والأشباه والنظائر ٤/ ٣٠٣، وأوضح المسالك ١/ ٢٥٧، وتخليص الشواهد ص٢٥٢، وخزانة الأدب ٩/ ٢٠٧، ٢١٠، ١٠/ ١٨٧، والدرر ١/ ٢٢٧، ورصف المباني ص١٤٠، ١٤١، ٢١٧، ٢٥٥، وشرح ابن الناظم ص١٠٠، وشرح الأشموني ١/ ١١٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٩١، وشرح التسهيل ١/ ٣٦١، وشرح المفصل ٧/ ٩٨، ولسان العرب ١٣/ ٣٧٠ "كون"، واللمع في اللغة العربية ص١٢٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٤١، وهمع الهوامع ١/ ١٢٠. ١ في "ب": "الوسم"، وفي "ط": "السمة".
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ٢/ ٢٩٠، والارتشاف ٣/ ٢٩٠، والأزهية ص١٨٨، وتخليص الشواهد ص٢٥٢، وخزانة الأدب ٩/ ٢١٧، ٢٢١، ٢٢٢، وشرح الأشموني ١/ ١١٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٩٣، والكتاب ٢/ ١٥٣، ولسان العرب ١٣/ ٣٧٠ "كنن" والمقاصد النحوية ٢/ ٤٢، والمقتضب ٤/ ١١٦، وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٣٦، والأشباه والنظائر ١/ ١٦٥، وأوضح المسالك ١/ ٢٥٨، وشرح ابن عقيل ص١٤٦، والصاحبي في فقه اللغة ص١٦١، ولسان العرب ١٣/ ٣٦٧ "كون" ومغني اللبيب ١/ ٢٨٧. ٢ المقتضب ٤/ ١١٦. ٣ انظر خزانة الأدب ٩/ ٢١٧، والمقتضب ٤/ ١١٦. ٤ الكتاتب ٢/ ١٥٣، وانظر شرح التسهيل ١/ ٣٦١.
[ ١ / ٢٥٢ ]
البيت زائدة، واختلف في إطلاقهما الزيادة فيها. والذي فهمه النحويون أنهما أرادا حقيقة الزيادة، واختلفوا في تخريج ذلك، فقال ابن مالك: لا يمنع من زيادتها إسنادها إلى الضمير، كما لم يمنع من إلغاء "ظن" إسنادها إلى الفاعل في نحو: زيد ظننت قائم، وقال الفارسي في التذكرة: فإن قلت: كيف تلغى وقد عملت في الضمير؟ قلت: تكون لغوًا، والضمير الذي فيها توكيد لما في "لنا"؛ لأنه مرتفع بالفاعل، ألا ترى أنه لا خبر له١. وقال أبو الفتح محتجا للخليل: وجه زيادتها في هذا البيت: أن يعتقد أن الضمير المتصل وقع موقع المنفصل، والضمير مبتدأ، و"لنا" الخبر، ولكنك لما وصلت أعطيت اللفظ حقه، ولم يعتقد أن الواو مرفوعة بـ"كان".
وقال ابن عصفور: أصل المسألة: وجيران لنا هم، فـ"لنا" في موضع الصفة، و"هم" فاعل بـ"لنا"، على حد: مررت برجل معه صقر، ثم زيدت "كان" بين "لنا" و"هم" لأنها تزاد بين العامل والمعمول، فصار: لنا كان هم، ثم اتصل الضمير بـ"كان" وإن كانت غير عاملة فيه؛ لأن الضمير قد يتصل بغير عامله في الضرورة، نحو قوله: [من البسيط]
١٧٧-
أن لا يجاورنا إلاك ديار
والأص: إلا إياك، وإذا كان يتصل بالحرف فأحرى أن يتصل بالفعل، ا. هـ.
قال المرادي في شرح التسهيل: وهذه تخريجات متكلفة، ثم قال: وقال بعضهم: لا يعني الخليل وسيبويه ما فهمه النحويون، إنما أراد بالزيادة أنه لو لم تدخل هذه الجملة بين "جيران" و"كرام" لفهم أن هؤلاء القوم كانوا جيرانه فيما مضى، وأنه فارقهم، فالجيرة كانت في الزمن الماضي، فجيء بقوله: كانوا لنا، لتأكيد ما فهم من المضي، قبل دخولها، فأطلق الخليل الزيادة بهذا المعنى، ويدل على أنه يصف حالًا ماضية قوله قبل هذا: [من الوافر]
هل أنتم عائجون بنا لعنا نرى العرصات أو أثر الخيام٢
_________________
(١) ١ انظر قوله في خزانة الأدب ٩/ ٢١٩.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٥٢. ٢ البيت للفرزدق في ديوانه ٢/ ٢٦٠، وخزانة الأدب ٩/ ٢٢٢، وسمط اللآلي ص٧٥٨، وشرح شواهد الشافية ص٤٦، واللامات ص١٣٦، ولسان العرب ١٣/ ٣٩٠ "لعن" ولجرير في ملحق ديوانه ص١٠٣٩، ولسان العرب ١٣/ ٣٤ "أنن"، وبلا نسبة في الإنصاف ص٢٥١، وجواهر الأدب ص٤٠٢، وخزانة الأدب ١٠/ ٤٢٢.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ولا يمتنع أيضًا في البيت أن تكون "كان" تامة على حذف مضاف تقديره: "وجدت جيرتهم" ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فقال: "كانوا" والجملة صفة. ا. هـ. كلام المرادي.
والحاصل على القول بزيادة "كان" في البيت قولان في الإعمال والإهمال، وفي كل واحد منهما قولان. فعلى الإهمال قيل: الأصل: هم لنا، ثم وصل الضمير بـ"كان" الزائدة إصلاحًا للفظ، لئلا يقع الضمير المرفوع المنفصل إلى جانب الفعل.
وقيل: بل الضمير توكيد للمستتر في "لنا" على أن "لنا" صفة لـ"جيران"، ثم وصل لما ذكر. وعلى الإعمال قيل: إن الضمير معمول لـ"كان" بالحقيقة على أنها ناقصة، و"لنا" خبرها. وقيل: تامة، وإنها تعمل في الفاعل، كما يعمل فيه العامل الملغى نحو: زيد ظننت عالم، هذا ما في المغني مرتبًا١. "ومنها"، أي: من الأمور المختصة بها "كان" "أنها تحذف ويقع ذلك" الحذف "على أربعة أوجه:
أحدها؛ وهو الأكثر؛ أن تحذف مع اسمها" ضميرًا كان أو ظاهرًا، "ويبقى الخير" دالا عليهما، ويكثر "ويكثر، "وكثر ذلك بعد "إن" و"لو" الشرطيتين"؛ لأنهما من الأدوات الطالبة لفعلين، فيطول الكلام، فيخفف بالحذف. وخص ذلك بـ"إن" و"لو" دون بقية أدوات الشرط؛ لأن "إن" أم أدوات الشرط الجازمة. و"لو" أم أدوات الشرط غير الجازمة، كما أن "كان" أم بابها، وهم يتسعون في الأمهات ما لا يتسعون في غيرها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥٥-
ويحذفونها ويبقون الخبر وبعد إن ولو كثيرًا ذا اشتهر
"مثال "إن"" والغالب فيها أن تكون تنويعية. "قولك: سر مسرعًا إن راكبًا وإن ماشيًا" أي: إن كانت راكبًا وإن كنت ماشيًا، "وقوله": [من الكامل]
١٧٨-
لا تقربن الدهر آل مطرف "إن ظالمًا أبدًا وإن مظلومًا"
أي: إن كنت ظالمًا وإن كنت مظلوما، وقال أبو حيان: يمكن أن لا يكونا من إضمار "كان" وإنما انتصبا على الحال، و"إن" بقية "أما". وهذا البيت قالته ليلى الأخيلية.
"وقولهم: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرًا فخير وأن شرا فشر٢"،
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ٢٨٨.
(٢) البيت لليلى الأخيلية في ديوانها ص١٠٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٤٥، ولليلى أو لحميد بن ثور في الدرر ١/ ١٣١، ولحميد بن ثوب في ديوانه ص١٣٠. ٢ ورد هذا القول في الكتاب ١/ ٢٥٨، وأوضح المسالك ١/ ٢٦١، والدرر ١/ ٢٢٩.
[ ١ / ٢٥٤ ]
بنصب الأول على الخبرية لـ"كان" المحذوفة مع اسمها، ورفع الثاني على الخبرية لمبتدأ محذوف، "أي: إن كان عملهم خيرًا فجزاؤهم خير"، وإن كان عملهم شرا فجزاؤهم شر. وفيه رد على التسهيل، حيث قيد اسم "كان" بكونه ضميرًا، وهو معدود من مفرداته١.
"ويجوز: إن خير فخيرًا" وإن شر فشرا، برفع الأول على أنه اسم لـ"كان" المحذوفة مع خبرها، ونصب الثاني على أنه مفعول ثان لفعل محذوف أي: "إن كان في عملهم خير فيجزون خيرًا، ويجوز نصبهما" معًا بتقدير: إن كان عملهم خيرا فيجزون خيرا، ورفعهما معا بتقدير: إن كان في عملهم خير فجزاؤهم خير، "و" الوجه "الأول" من الأوجه الأربعة "أرجحها"؛ لأن فيه إضمار "كان" واسمها بعد "إن" وإضمار المبتدأ بعد فاء الجزاء، وكلاهما٢ كثير مطرد.
"و" الوجه "الثاني أضعفها"؛ لأن فيه حذف "كان" وخبرها بعد "إن" وحذف فعل ناصب بعد الفاء، وكلاهما قليل غير مطرد، ولذلك لم يذكره سيبويه٣، "و" الوجهان "الأخيران متوسطان" بين القوة والضعف. ثم قال الشلوبين: هما متكافئان، يعني على حد سواء٤.
قال تلميذه ابن الضائع: لأن في كل منهما الأقوى والأضعف، ففي نصبهما قوة نصب الأول، وضعف نصب الثاني، وفي رفعهما قوة رفع الثاني، وضعف رفع الأول، فتساويا.
وقال ابن عصفور: رفعهما أحسن من نصبهما٤. ومثال "إن" غير التنويعية قولهم: [من البسيط]
١٧٩-
انطق بحق وإن مستخرجًا إحنا
أي: وإن كنت مستخرجًا، "ومثال "لو"" قوله ﷺ لبعض أصحابه: "التمس
_________________
(١) ١ التسهيل ص٥٦. ٢ سقطت من "ب". ٣ انظر الكتاب ١/ ٢٥٨. ٤ الارتشاف ٢/ ٨٩.
(٢) عجز البيت: "#فإن ذا الحق غلاب وإن غلبا"#، والبيت بلا نسبة في الدرر ١/ ٢٣٢، وهمع الهوامع ١/ ١٢١، وشرح التسهيل ١/ ٣٦٣.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ولو خاتمًا من حديد١" أي: التمس شيئًا ولو كان ما تلتمسه خاتمًا من حديد. "وقوله": [من البسيط]
١٨٠-
"لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا" جنوده ضاف عنها السهل والجبل
أي: ولو كان صاحب البغي ملكًا ذا جنود كثيرة. وقولهم: الأحشف ولو تمرًا، وفيهما رد على أبي حيان، حيث شرط أن لا يكون ما بعد "لو" أعلى مما قبلها، ولا أعم، فإن الملك أعلى مما قبله، والتمر أعم من الحشف. "وتقول" فيما إذا كان ما بعد "لو " مندرجًا فيما قبلها، ولا أعم ولا أعلى على ما مثل به سيبويه من قولهم٢: "ألا طعام ولو تمرًا"، فإن الطعام أعم من التمر. "وجوز سيبويه" فيه "الرفع بتقدير: ولو يكون عندنا تمر" فحذف "يكون" وخبرها وبقي اسمها. و"يقل الحذف المذكور" وهو حزف "كان" واسمها "بدون "إن" و"لو"" الشرطيتين "كقوله: [من الرجز]
١٨١-
من لد شولًا فإلى إتلائها
"قدره سيبويه٣: من لد أن كانت شولًا" بفتح الشين المعجمة وسكون الواو والقصر والتنوين، جمع شائلة على غير قياس، وهي النوق التي جف لبنها، وارتفع ضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية. وأما الشائل: بلا هاء فهي الناقة التي تشول بذنبها للقاح، ولا لبن لها أصلًا، وجمعها: شول، بتشديد الواو؛ كراكع وركع، والإتلاء: مصدر أتلت الناقة إذا تلاها ولدها، أي: من زمن كونها شولًا إلى زمن كونها متلوة بأولادها، وإنما قدره "سيبويه: من لد أن كانت شولًا، ولم يقدره: من لد كانت؛ لأنه لا يرى إضافة "لدن" إلى الجمل، نقله في المغني عن الغرة لابن الدهان، واعترض على سيبويه في تقديره "أن" إذ يلزم منه حذف بعض الاسم، وبقاء بعضه، بل نص سيبويه في باب الاستثناء٤ على أن الموصول الحرفي لا يجوز حذفه، وإن حمل على أنه تقدير معنى لا تقدير إعراب لزم منه أن ما فر منه وقع فيه.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب النكاح برقم ٤٧٤١.
(٢) البيت للعين المنقري في خزانة الأدب ١/ ٢٥٧، والدرر ٢/ ٨٥، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٩٧، وأوضح المسالك ١/ ٢٦٢، وتخليص الشواهد ص٢٦٠، وشرح ابن الناظم ص١٠١، وشرح الأشموني ١/ ١١٩، وشرح التسهيل ١/ ٣٦٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥٨، وشرح قطر الندى ص١٤٢، ومغني اللبيب ١/ ٢٦٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٠. ٢ الكتاب ١/ ٢٦٩.
(٣) تقدم تخريج الرجز برقم ١٥٢. ٣ الكتاب ١/ ٢٦٥. ٤ الكتاب ٢/ ٣٣٥.
[ ١ / ٢٥٦ ]
الوجه "الثاني: أن تحذف "كان" مع خبرها، ويبقى الاسم، وهو ضعيف، ولهذا ضعف: ولو تمر، وإن خير" برفعهما.
الوجه "الثالث: أن تحذف وحدها" ويبقى اسمها وخبرها، "وكثر ذلك بعد "أن" المصدرية" الواقعة في موضع المفعول لأجله في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بفعل، "في مثل" قولهم: "أما أنت منطلقًا انطلقت"، فـ"انطلقت" معلول، وما قبله علة له مقدمة عليه، "وأصل انطلقت: لأن كنت منطلقًا، ثم قدمت اللام" التعليلية "وما بعدها"، المجرور بها، "على انطلقت للاختصاص" عند النحويين، أو الاهتمام بالفعل عند البيانيين١، فصار: لأن كنت منطلقًا انطلقت، "ثم حذفت: "كان": لذلك" الاختصار "فانفصل الضمير" الذي هو اسم "كان" فصار: أن أنت منطلقًا، "ثم زيد "ما" للتعويض" من "كان" فصار: أن ما أنت، "ثم أدغمت النون" من "أن" "في الميم" من "ما" "للتقارب" في المخرج، فصار: أما أنت. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥٦-
وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب
وقد يحذف متعلق الجار إذا فهم من المقام، "وعليه قوله" وهو عباس بن مرداس: [من البسيط]
١٨٢-
"أبا خراشة أما أنت ذا نفر" فإن قومي لم تأكلهم الضبع
"أي: لأن كانت ذا نفر فخرت، ثم حذف" فخرت، وهو "متعلق الجار"
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": للاختصاص عند البيانيين، أو للاهتمام بالفعل عند النحويين.
(٢) البيت لعباس بن مرداس في ديوانه ص١٢٨، والأشباه والنظائر ٢/ ١١٣، والاشتقاق ٣١٣، وخزانة الأدب ٤/ ١٣، ١٤، ١٧، ٢٠٠، ٥/ ٤٤٥، ٦/ ٥٣٢، ١١/ ٦٢، والدرر ١/ ٢٣٥، وشرح شذور الذهب ٢٤٢، وشرح شواهد الإيضاح ٤٧٩، وشرح شواهد المغني ١/ ١١٦، ١٧٩، وشرح قطر الندى ١٤٠، ولجرير في ديوانه ١/ ٣٤٩، والخصائص ٢/ ٣٨١، وشرح المفصل ٢/ ٩٩، ٨/ ١٣٢، والشعر والشعراء ١/ ٣٤١، والكتاب ١/ ٢٩٣، واللسان ٦/ ٢٩٤ "خرش"، ٨/ ٢١٧، "ضبع" والمقاصد النحوية ٢/ ٥٥، وبلا نسبة في الأزهية ١٤٧، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤١١، ٤٤٢، والإنصاف ١/ ٧١، وأوضح المسالك ١/ ٢٦٥، وتاج العروس "ما" وتخليص الشواهد ص٢٦٠، والجنى الداني ص٥٢٨، وجواهر الأدب ص١٩٨، ٤١٦، ٤٢١، ورصف المباني ص٩٩، ١٠١، وشرح ابن الناظم ص١٠٢، وشرح الأشموني ١/ ١١٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٩٧، ولسان العرب ١٤/ ٤٧ "أما" ومغني اللبيب ١/ ٣٥، والمنصف ٣/ ١١٦، وهمع الهوامع ١/ ٢٣.
[ ١ / ٢٥٧ ]
لـ"أن" وما بعدها، و"أبا خراشة" منادى سقط منه حرف النداء، وهو بضم الخاء المعجمة، وحكي كسرها، وبراء مهملة وشين معجمة: كنية شاعر مشهور اسمه خفاف، بخاء معجمة مضمومة، وفاءين خفيفتين بينهما ألف. والنفر بفتح النون والفاء: الرهط هنا، والضبع؛ على وزن العضد: السنين المجدبة، وفيه تورية؛ لأنه أوهم أنه يريد الحيوان المعروف، ورشح بقوله: لم تأكلهم، وهو مجاز عن الشدة التي تحصل من جدب السنة، شبهها بالأكل، فهو استعارة تبعية، ودخلت الفاء في "فإن قومي" لأن الثاني مستحق بالأول، فهو مسبب عنه، والأول سبب فيه، فأشبه الشرط والجزاء، هذا قول البصريين. وذهب الكوفيون إلى أن "أن" المفتوحة هنا شرطية، ولذلك دخلت الفاء في جوابها١: ومعنى المثال المذكور عندهم: إن كنت منطلقًا انطلقت معك، والأول أشهر.
ونقل أبو الفتح عن أبي علي أن "ما" الخالفة عن "كان" عاملة في الجزأين عمل ما خلفته. وحجته أن "ما" لما نابت في اللفظ نابت في العمل. وزعم أنه مذهب سيبويه٢.
"وقل" حذف "كان" وحدها "بدونها" أي: بدون "أن" المصدرية "كقوله" وهو عبيد بن حصين الراعي: [من الكامل]
١٨٣-
"أزمان قومي والجماعة كالذي" لزم الرحالة أن تميل مميلًا
"قال سيبويه٣: أراد أزمان كان قومي" مع الجماعة، فحذف "كان" التامة، وأبقى فاعلها وهو "قومي"، و"الجماعة" مفعول معه، والناصب له "كان" المحذوفة.
والرحالة: بكسر الراء وبالحاء المهملة: سرج من جلود ليس فيها خشب، يتخذ للركض الشديد، وتميل؛ بفتح التاء؛ منصوب بـ"أن" وهي ومنصوبها في موضع التعليل، "ومميلًا" بفتح الميم الأولى بمعنى: ميل، مفعول مطلق.
_________________
(١) ١ في الارتشاف ٢/ ١٠٠: "وزعم الكوفيون أن "أن" هذه المفتوحة الهمزة أداة شرط كـ"إن" المكسورة، وجاز حذف الفعل في المذهبين للعلم بأن "أن" لا يقع بعدها إلا الأفعال، واتفقوا على أنه إذا حذفت "ما" وأتي بالفعل كانت "إن" مكسورة، وهي عند البصريين غير "أن" المفتوحة". ٢ انظر قول أبي الفتح في الخصائص ٢/ ٣٨١.
(٢) البيت للراعي النميري في ديوانه ص٢٣٤، والأزهية ص٧١، وخزانة الأدب ٣/ ١٤٥، ١٤٨، والدرر ١/ ٢٣٤، ٢/ ٥٠٥، وشرح التسهيل ١/ ١٩٥، والكتاب ١/ ٣٦٥، ٢/ ٢٥٩، ٣/ ٢٥٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٩٩، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٩٩، وأوضح المسالك ١/ ٢٦٦، وشرح ابن الناظم ص٢٠٧، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٥، وشرح عمدة الحافظ ص٤٠٥، والمقرب ١/ ١٦٠، وهمع الهوامع ١/ ١٢٢،/ ٢/ ١٥٦. ٣ الكتاب ١/ ٣٠٥.
[ ١ / ٢٥٨ ]
الوجه "الرابع" أن تحذف" كان "مع معموليها" جميعا، "وذلك بعد: إن" الشرطية "في قولهم: افعل هذا إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره فـ"ما" عوض" عن "كان" واسمها، وأدغمت نون "إن" فيها لتقارب مخرجيهما، "ولا" هي "النافية للخبر" وهو "تفعل"، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره: فافعله. قال الجاربردي١: تقول: اخرج، فإذا امتنع تقول: إما لا فتكلم، أي: إن كنت لا تفعل الخروج فتلكم، هكذا ذكر في بعض شروح المفصل، وهو يدل على أن الهمزة من "إما" مكسورة.
وقال بعض شراح الشافية: أما لا بفتح الهمزة، قال: معنى أما لا هو: أن كنت لا تفعل ذلك افعل هذا، أي: لأن كنت، فحذف اللام، ثم حذف "كان" فصار الضمير المتصل منفصلًا، وزيد "ما" عوضًا من الفعل المحذوف وقلبت النون ميمًا، وأدغمت في الميم. ا. هـ. كلام الجاربردي في باب الإمالة. وهو عجيب، فإن صيرورة الضمير المتصل منفصلًا إنما هو في أما أنت، لا في إما لا، والحذف في هذا الوجه والذي قبله واجب، وفيما قبلهما جائز، قاله الخضراوي. وحكى الكوفيون أنه يقال: لا تأت الأمير فإنه جائر، فتقول: أنا آتيه وإن، أي: وإن كان جائزًا، فتحذف "كان" مع معموليها من غير تعويض، وعليه قوله: [من الرجز]
١٨٤-
قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيرًا معدمًا قالت وإن
أي: وإن كان فقيرًا معدما، ولا يجوز هذا الحذف مع غير "كان" عند البصريين.
"ومنها" أي: من الأمور المختصة بها "كان" "أن لام مضارعها" وهي النون "يجوز حذفها" تخفيفًا وصلًا لا وقفًا. نص على ذلك ابن خروف. وإلى الجواز أشار الناظم بقوله:
١٥٧-
ومن مضارع لكان منجزم تحذف نون وهو حذف ما التزم
"وذلك بشرط كونه مجزوما بالسكون"، حال كونه "غير متصل بضمير نصب، ولا" متصل "بساكن، نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠]، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠] أصلهما: أكون وتكون، بالرفع فحذفت الضمة للجازم، والواو لالتقاء الساكنين، والنون للتخفيف، ووقع ذلك في التنزيل في ثمانية عشر موضعًا "بخلاف: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ [يونس: ٧٨] لانتفاء الجزم" فيهما؛ لأن الأول مرفوع. والثاني منصوب، وبخلاف نحو: " ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِين﴾ [يوسف: ٩] لأن جزمه بحذف النون" بالعطف على "يخل" المجزوم في جواب الأمر، وإنما لم تحذف نون تكون فيهن؛ لأنها محركة في الأولين
_________________
(١) ١ في كتابه شرح الشافية ص٣٨٤، مع اختلاف يسير عما ورد هنا.
(٢) تقدم تخريج الرجز برقم ٩.
[ ١ / ٢٥٩ ]
بحركة الإعراب، وفي الثالث بحركة المناسبة، فتعاصت عن الحذف بخلاف ما إذا كانت ساكنة فإنها شبيهة بأحرف المد واللين في سكونها وامتداد الصوت بها، فتحذف كما يحذفن بجامع أنها تكون إعرابًا مثلهن، وتحذف للجازم كما يحذفن. "و" بخلاف "نحو: إن يكنه فلن تسلط عليه"، فلا يحذف أيضًا "لاتصاله بالضمير" المنصوب. والضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، فلا يحذف معها بعض الأصول، وبخلاف "نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ " [النساء: ١٣٧]، فلا يحذف أيضًا "لاتصاله بالساكن"، وهو لام التعريف، فالنون مكسورة لأجله، فهي متعاصية على الحذف لقوتها بالحركة قلله الموضح في شرح القطر١.
"وخالف في هذا" الأخير "يونس" بن حبيب "فأجاز الحذف" ولم يعتد بالحركة العارضة لالتقاء الساكنين٢ " تمسكا بنحو قوله" وهو الخنجر بن صخر الأسدي: [من الطويل]
١٨٥-
"فإن لم تك المرآة أبدت وسامة" فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
فحذف النون مع ملاقاة الساكن، والمرآة، بكسر الميم ومد الهمزة: آلة الرؤية، فكأنه نظر وجهه فيها فلم يره حسنًا، فتسلى بأنه يشبه الضيغم وهو: الأسد، والوسامة بفتح الواو: الحسن والجمال. "و" هذا البيت "حمله الجماعة" المعتدون في المنع بمطلق الحركة "على الضرورة. كقوله" وهو النجاشي: [من الطويل]
١٨٦-
فلست بآتيه ولا أستطيعه "ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل"
فحذف نون "لكن" ضرورة٣، واستدل به الفراء على أن "لكن" المشددة مركبة، وأصلها: لكن أن فطرحت الهمزة للتخفيف، ونون "لكن" للساكنين قاله في المغني٤.
وقيل: هذه أبيات تتضمن أن النجاشي عرض له ذئب في سفره فحكى أنه دعا الذئب إلى الطعام، وقال له: له لك من أخ؟ يعني نفسه، يواسيك بطعامه بغير من ولا بخل، فقال له الذئب، دعوتني إلى شيء لم تفعله السباع قبلي من مؤاكلة بني آدم، ولست بآتيه ولا أستطيعه ولكن إن كان في مائك الذي معك فضل عما تحتاج إليه فاسقني منه.
_________________
(١) ١ شرح قطر الندى ص١٣٨. ٢ شبرح التسهيل ١/ ٣٦٦، والارتشافغ ١/ ٣١، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٢٩.
(٢) البيت للخنجر بن صخر الأسدي في خزانة الأدب ٩/ ٣٠٤، والدرر ١/ ٢٣٧،/ وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٤٢، ولسان العرب ١٣/ ٣٦٤ "كون" والمقاصد النحوية ٢/ ٦٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٦٩، وتخليص الشواهد ص ٢٦٨، وشرح ابن الناظم ص١٠٢، وشرح الأشموني ١/ ١٢٠.
(٣) البيت للنجاشي الحارثي في ديوانه ١١١، والأزهية ٢٩٦، وخزانة الأدب ١٠/ ٤١٨، ٤١٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٩٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٠١، والكتاب ١/ ٢٧، والمنصف ٢/ ٢٢٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٣٣، ٣٦١، والإنصاف ٢/ ٦٨٤، وأوضح المسالك ١/ ٦٧١، وتخليص الشواهد ٢٦٩، والجنى الداني ٥٩٢، وخزانة الأدب ٥/ ٢٦٥، ورصف المباني ص٢٧٧، ٣١٠. ٣ انظر الخصائص ١/ ٣١٠. ٤ مغني اللبيب ١/ ٢٩١.
[ ١ / ٢٦٠ ]
"فصل": "في ما ولا ولات وإن المعملات عمل ليس تشبيهًا بها" في النفي
"أما "ما" فأعملها الحجازيون، وبلغتهم جاء التنزيل، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ثم اختلف النحاة، فقال البصريون: عملت في الجزأين، وقال الكوفيون: عملت في الأول فقط، وأما نصب الثاني فعلى إسقاط الخافض، كذا قاله الشاطبي، وفيه نظر، فإن المنقول عنهم أن المرفوع بعدها مبتدأ والمنصوب خبره. ونصب بإسقاط الخافض، وأهملها التميميون، قال سيبويه١: وهو القياس. كما أهملوا ليس حملًا عليها، فقالوا: ليس الطيب إلا المسك بالرفع، قاله في المغني٢.
"و" لا يعملها الحجازيون مطلقًا، بل "لإعمالهم إياها" عندهم "أربعة شروط:
أحدها: أن لا يقترن اسمها بـ"إن" الزائدة"، فإن اقترن بها بطل عملها وجوبا عند البصريين٣ "كقوله": [من البسيط]
١٨٧-
"بني غدانة ما إن أنتم ذهب" ولا صريف ولكن أنتم خزف
_________________
(١) ١ الكاب ١/ ٥٧. ٢ مغني اللبيب ١/ ٢٩١. ٣ انظر شرح التسهيل ١/ ٣٦٩.
(٢) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٣٤٠، وأوضح المسالك ١/ ٢٧٤، وتخليص الشواهد ٢٧٧؛ والجنى الداني ص٣٢٨، وجواهر الأدب ٢٠٧، ٢٠٨، وخزانة الأدب ٤/ ١١٩، والدرر ١/ ٢٤، وشرح ابن الناظم ص١٠٣، وشرح الأشموني ١/ ١٢١، وشرح التسهيل ١/ ٣٧٠، وشرح شذور الذهب ص٢٥٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٨٤، وشرح عمدة الحافظ ص٢١٤، وشرح قطر الندى ص١٤٣، ولسان العرب ٩/ ١٩٠، "صرف" ومغني اللبيب ١/ ٢٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٩١، وهمع الهوامع ١/ ١٣، وتاج العروس ٢٤/ ١٥ "صرف".
[ ١ / ٢٦١ ]
برفع "ذهب" على الإهمال، وإنما لم تعمل حينئذ؛ لأنها محمولة على "ليس" في العمل، و"ليس" لا يقترن اسمها بـ"إن". "وأما رواية يعقوب" بن السكيت "ذهبًا؛ بالنصب فتخرج على أن "إن" نافية مؤكدة لـ: ما" لا مؤسسة؛ لأن نفي النفي إيجاب. و"لا زائدة" كافة لـ"ما"، وهذا التخريج إنما يتمشى على قول الكوفيين إن "إن" المقرونة بـ"ما" هي النافية، جيء بها بعد "ما" توكيدًا، وهو مردود، فإن العرب قد استعملت "إن" الزائدة بعد:ما" الموصولة الاسمية والحرفية لشبهها في اللفظ بـ"ما" النافية، فلو لم تكن "إن" المقترنة بـ"ما" النافية زائدة لم يكن لزيادتها بعد الموصولتين مسوغ، قاله المرادي.
وغدانة: بضم الغين المعجمة وبالدال المهملة والنون قبل هاء التأنيث: حي من يربوع، والصريف بالصاد المهملة: الفضة الخالصة، والخزف، بفتح الخاء والزاي المعجمتين وبالفاء قال الجوهري١: هو الجر. زاد في القاموس٢: وكل ما عمل من طين وشوي بالنار حتى يكون فخارًا.
الشرط "الثاني: أن لا ينتقض نفي خبرها بـ"إلا"، فإن انتقض بطل عملها، كبطلان معنى "ليس" "فلذلك وجب الرفع في" "واحدة" من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: ٥٠] وفي "رسول" من قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، "فأما قوله: [من الطويل]
١٨٨-
وما الدهر إلا منجنونا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معذبًا
_________________
(١) ١ الصحاح ٤/ ١٣٤٩ "خزف". ٢ القاموس المحيط "خزف".
(٢) البيت لأحد بني سعد في شرح شواهد المغني ص٢١٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٧٦، وتخليص الشواهد ص٢٧١، والجنى الداني ٣٢٥، وخزانة الأدب ٤/ ١٣٠، ٩/ ٢٤٩، والدرر ١/ ٢٣٩، ٤٥٩، ورصف المباني ص٣١١، وشرح ابن الناظم ص١٠٤، وشرح الأشموني ١/ ١٢١، وشرح التسهيل ١/ ٣٧٤/ وشرح المفصل ٨/ ٧٥، ومغني اللبيب ص٧٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٩٢، وهمع الهوامع ١/ ١٢٣، ٢٣٠.
[ ١ / ٢٦٢ ]
فمن باب" المفعول المطلق الواقع عامله المحذوف خبرا عن اسم مبتدأ على حد: "ما زيد إلا سيرًا، أي:" ما زيد "إلا يسير سيرًا، والتقدير:" وما الدهر "إلا يدور دوران منجنون"، فـ"الدهر" مبتدأ و"يدور" خبره، و"دوران مفعول مطلق، وعامله "يدور" فحذف وأقيم المضاف إليه "دوران" مقامه، والباعث على نصب "منجنون" على هذا التقدير أمران: كونه لا يصح أن يكون خبرًا عن "الدهر" وكونه واقعًا بعد الإيجاب، والباعث على تقدير "دوران" أن "منجنونا" لا يصح كونه مفعولًا مطلقا؛ لأنه اسم للدواب الذي يسقى عليها الماء، فتارة يجعل السافل عاليا، وتارة يعكس، وأسماء الذوات لا تنصب إلى المفعولية المطلقة، إلا أن تكون آلة لها نحو: ضربته سوطًا. "و" كذا القول في:
وما صاحب الحاجات إلا معذبًا
فإنه في تقدير "إلا يعذب معذبًا، أي: تعذيبًا"، والباعث على نصبه وقوعه بعد الإيجاب، والباعث على تأويله بالمصدر ما تقدم؛ لأن "معذب" اسم مفعول، وهو لا يقبل النصب على المفعولية المطلقة، وهذا ظاهر على مذهب الأخفش، وأما مذهب سيبويه فلا؛ لأنه لا يرى أن صيغة المفعول تكون بمعنى المصدر. وأجاز يونس النصب بعد الإيجاب١، وهذا البيت يشهد له، والأصل عدم التأويل وأنشده ابن مالك:
أرى الدهر إلا منجنوبًا
وحكم بزيادة "إلا".
واعترضه في المغني٢، وما ذكره من وجوب الرفع مطلقًا في الخبر المنتقض نفيه هو قول الجمهور٣.
والثاني: جواز النصب مطلقًا وهو قول يونس٤.
والثالث: جواز النصب بشرط كون الخبر وصفًا، وهو قول الفراء٥.
والرابع: جواز النصب بشرط كون الخبر مشبهًا به، وهو قول بقية الكوفيين٦.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ٣٧٣، ٣٧٤. ٢ مغني اللبيب ١/ ٧٣. ٣ الارتشاف ٢/ ١٠٤. ٤ وكذلك رأي الشلوبين، انظر همع الهوامع ١/ ١٢٣. ٥ معاني القرآن للفراء ٣/ ١١١. ٦ انظر الارتشاف ٢/ ١٠٥.
[ ١ / ٢٦٣ ]
"ولأجل هذا الشرط أيضًا" وهو: أن لا ينتقض نفي الخبر "وجب الرفع بعد "بل" و"لكن" في نحو: ما زيد قائمًا بل قاعد، ولكن قاعد، على أنه خبر لمبتدأ محذوف" أي: بل هو قاعد، أو لكن هو قاعد، "ولم يجز" في "قاعد" "نصبه بالعطف" على "قائمًا" لأنه" واقع بعد "بل" أو "لكن" والواقع بعدهما "موجب" بفتح الجيم: أي مثبت، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٦٠-
ورفع معطوف بلكن أو ببل من بعد منصوب بما الزم حيث حل
وأجاز المبرد كون "بل" ناقلة معنى النفي إلى ما بعدها، فيجوز على قوله: ما زيد قائمًا بل قاعدًا بالنصب على معنى: بل ما هو قاعدًا، نقله الموضح عنه في باب العطف من هذا الكتاب.
الشرط "الثالث: أن لا يتقدم الخبر" على الاسم، خلافًا للفراء، وإن كان ظرفًا أو جارا ومجرورًا على الأصح، خلافًا لابن عصفور١، فإن تقدم بطل العمل، "كقولهم: ما مسيء من أعتب" فـ"مسيء" خبر مقدم. و"من أعتب" مبتدأ مؤخر.
وحكى الجرمي: ما مسيئا من أعتب. على الإعمال، وقال: إنه لغة٢. والمعتب: الذي عاد إلى مسرتك بعد ما ساءك. "وقوله": [من الطويل]
١٨٩-
"وما خذل قومي فأخضع للعدى" ولكن إذا أدعوهم فهم هم
فـ"خذل" بتشديد الذال المعجمة، جمع خاذل، خبر مقدم و"قومي" مبتدأ مؤخر، "فأما قوله" وهو الفرزدق: [من البسيط]
١٩٠-
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم "إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر"
_________________
(١) ١ المقرب ١/ ١٠٢. ٢ الارتشاف ٢/ ١٠٣.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٧٩، وشرح الأشموني ١/ ١٢٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٩٤.
(٣) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ١٨٥، والأشباه والنظائر ٢/ ٢٠٩، ٣/ ١٢٢، وتخليص الشواهد ص٢٨١، والجنى الداني ص١٨٩، ٣٢٤، ٤٤٦، وخزانة الأدب ٤/ ١٣٣، ١٣٨، والدرر ١/ ٢٤٢، ٤٧٧، وشرح ابن الناظم ص١٠٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٦٢، وشرح التسهيل ١/ ٣٧٣، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٣٧، ٢/ ٧٨٢، والكتاب ١/ ٦٠، ومغني اللبيب ص٣٦٣، ٥١٧، ٦٠٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٩٦، والمقتضب ٤/ ١٩١، والهمع ١/ ١٢٤، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٢٣٥، وأوضح المسالك ١/ ٢٨٠، ورصف المباني ص٣١٢، وشرح الأشموني ١/ ١٢٢، ومغني اللبيب ص٨٢، والمقرب ١/ ١٠٢.
[ ١ / ٢٦٤ ]
بنصب "مثلهم" مع تقدمه، "فقال" سيبويه١: شاذ" ولا يكاد يعرف. "وقيل: غلط، وإن الفرزدق" تميمي "لم يعرف شرطها عند الحجازيين"، فقصد أن يتكلم بلغة الحجازيين، فغلط فيها، وفيه نظر، فإن العربي لا يطاوعه لسانه أن ينطق بغير لغته كما قاله سيبويه، "وقيل" بشر: خبر، "ومثلهم: مبتدأ٢، ولكن بني" على الفتح "لإبهامه مع إضافته للمبني"، هو الضمير، والمبهم المضاف المبني يجوز بناؤه وإعرابه، "ونظيره" في البناء على الفتح: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ٣ [الذاريات: ٢٣]، ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ٤ [الأنعام: ٩٤]، في قراءة من فتحهما" مع أنهما يستحقان الرفع على التبعية لـ"حق" في الأول. والفاعلية في الثاني، وأتى بنظيرين لئلا يتوهم أن ذلك خاص بلفظة "مثل"، "وقيل": مثلهم" حال"؛ لأن إضافة "مثل" لا تفيد التعريف، وهو في الأصل نعت لـ"بشر" ونعت النكرة إذا تقدم عليها انتصب على الحال، و"بشر" مبتدأ "والخبر محذوف" مقدم على المبتدأ لئلا يلزم تقديم الحال على عاملها الظرف، وهو ممتنع أو نادر، "أي: ما في الوجود بشر مثلهم"، أي: مماثلًا لهم. قاله المبرد٥، ورد بأن حذف عامل الحال إذا كان معنويا ممتنع، قاله في المغني٦. وقيل: "مثلهم" ظرف زمان تقديره: وإذ هم في زمان ما في مثل حالهم بشر قاله أبو البقاء. وقيل: ظرف مكان، والتقدير: وإذ ما مكانهم بشر، أي: في مثل حالهم. واسم الفرزدق: همام بن غالب، وقال ابن قتيبة، هميم بن غالب. ويكنى أبا فراس٧. واختلف كلام ابن قتيبة في سبب تلقيبه بالفرزدق، فقال في أدب الكاتب٨: الفرزدق قطع العجين، واحدتها فرزدقة؟
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٦٠. ٢ في "ب": "مبتدأ مؤخر". ٣ الرسم المصحفي: ﴿مثلَ﴾، بالنصب وقرأها بالرفع: حمزة والكسائي وعاصم الأعمش، انظر الاتحاف ص٣٩٩. ٤ الرسم المصحفي: ﴿بينَكم﴾، بالنصب وقرأها بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وعاصم. انظر الإتحاف ص٢١٣. ٥ المقتضب ٤/ ١٩١، ١٩٢. ٦ مغني اللبيب ص٤٧٥. ٧ كذا نقل عنه ابن السيد في الاقتضاب ٦٣٣، وفي الشعر والشعراء ١/ ٤٧١: "هو همام بن غالب". قلت: أما "هميم" فهو اسم أخيه، كما في الأغاني ٢١/ ٢٧٦. ٨ أدب الكاتب ص٧٨.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ولقب به لأنه كان جهم الوجه. وقال في كتاب طبقات الشعراء١: إنما لقب بالقرزدق لغلظه وقصره. وقال أبو محمد بن السيد٢: والأول أصح لأنه كان أصابه جدري في وجهه ثم برئ منه، فبقي وجهه جهمًا.
وهذه الشروط الثلاثة مستفادة من قول الناظم:
١٥٨-
إعمال ليس أعملت ما دون إن مع بقا النفي وترتيب زكن
أي: علم.
الشرط "الرابع: أن لا يتقدم معمول خبرها على اسمها"، فإن تقدم بطل عملها، "كقوله" وهو: مزاحم بن الحارث العقيلي: [من الطويل]
١٩١-
وقالوا تعرفها المنازل من منى "وما كل من وافى منى أنا عارف"
والأصل: ما أنا عارف كل من وافى منى، فـ"كل" منصوبة على المعفولية بـ"عارف"، يقال: تعرفت ما عند فلان، بتشديد الراء، تطلبت حتى عرفت، و"المنازل" مفعول فيه. وذلك أن مزاحمًا لما اجتمع بمحبوبته في الحج ثم فقدها. فسأل عنها، فقالوا له: تعرفها في منازل الحج من منى، فقال أنا لا أعرف كل من وافى منى حتى أسأله عنها. "إلا إن كان المعمول ظرفًا أو" جارا و"مجرورًا، فيجوز" العمل للتوسع فيهما، "كقوله": [من الطويل]
١٩٢-
بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا "فما كل حين من توالي مواليا
والأصل: فما من توالي مواليًا كل حين، فـ"ما" نافية، و"من توالي" اسمها و"مواليا" خبرها، و"كل حين" ظرف زمان منصوب بـ"مواليًا". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥٩-
وسبق حرف جر أو ظرف كما بي أنت معنيا أجاز العلما
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء ١/ ٤٧٢. ٢ الاقتضاب ص٦٣٣.
(٢) البيت لمزاحم بن الحارث العقيلي في ديوانه ص٢٨، وخزانة الأدب ٦/ ٢٦٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٣، وشرح شواهد الإيضاح ص١٥٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٧٠، والكتاب ١/ ٧٢، ١٤٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٩٨، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٣٣، وأوضح المسالك ١/ ٢٨٢، والخصائص ٢/ ٣٥٤، ٣٧٦، وشرح ابن الناظم ص١٠٥، وشرح الأشموني ١/ ١٢٢، ولسان العرب ٩/ ٢٣٧ "عرف"، ومغني اللبيب ٢/ ٦٩٤.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٨٣، وشرح الأشموني ١/ ١٢٢، والمقاصد النحوية ٢/ ١٠١، وشرح التسهيل ١/ ٣٧٠.
[ ١ / ٢٦٦ ]
والأصل: ما أنت معنيا بي. وفهم منه أن المعمول إذا لم يكن أحدهما أنهم لا يجيزون العمل وهو الشرط الرابع.
"وأما "لا" فإعمالها ليس قليل" جدا عند الحجازيين، وإليه ذهب سيبويه١ وطائفة من البصريين، وذهب الأخفش والمبرد إلى منعه٢، وعلى الإعمال "يشترط له الشروط السابقة" في عمل "ما" "ما عدا الشرط الأول"، وهو أن لا يقترن اسم "لا" بـ"إن" الزائدة، "و" يشترط "أن يكون المعمولان نكرتين"، نحو: لا أحد أفضل منك، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
١٦٢-
في النكرات أعملت كليس لا
وأما قول النابغة: [من الطويل]
١٩٣-
لا أنا باغيا سواها ولا في حبها متراخيا
وقول المتنبي: [من الطويل]
١٩٤-
فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا
فمن النوادر.
فإن قلت: كيف جعلته نادرًا وفي مثل سيبويه٣: ما زيد ذاهبا ولا أخوه قاعدًا.
قلت: لا عمل للا بل هي زائدة، والاسمان تابعان لمعمولي "ما" "والغالب" في "لا" "أن يكون خبرها محذوفًا حتى قيل بلزوم ذلك كقوله"، وهو سعد بن مالك، جد طرفة بن العبد: [من م. الكامل]
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٢٩٥. ٢ المقتضب ٤/ ٣٦٠.
(٢) تمام صدر البيت: "وحلت سواد القلب لا أنا باغيًا" ، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص١٧١، والأشباه والنظائر ٨/ ١١٠، وتخليص الشواهد ص٢٩٤، والجنى الداني ص٢٩٣، وخزانة الأدب ٣/ ٣٣٧، والدرر ١/ ٢٤٩، وشرح الأشموني ١/ ١٢٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦١٣، ومغني اللبيب ١/ ٣٤٠، والمقاصد النحوية ٢/ ١٤١، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص٢٤٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٣١٥، وهمع الهوامع ١/ ١٢٥.
(٣) صدر البيت: " "إذا الجواد لم يرزق خلاصًا من الأذى" ، وهو للمتنبي في ديوانه ٤/ ٤١٩، وتخليص الشواهد ص٢٩٩، والجنى الداني ص٢٩٤، وشرح شذور الذهب ص٢٥٧، وشرح قطر الندى ص١٤٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ١٠٨، ومغني اللبيب ١/ ٢٤٠. ٣ الكتاب ١/ ٦٠.
[ ١ / ٢٦٧ ]
١٩٥-
من صد عن نيرانها "فأنا ابن قيس لا براح"
فـ"براح" اسم "لا" وخبرها محذوف، أي: لا براح لي، "والصحيح جواز ذكره"، أي: الخبر، "كقوله: [من الطويل]
١٩٦-
تعز فلا شيء على الأرض باقيا ولا وزر مما قضى الله واقيا
فـ"تعز" فعل أمر من التعزية، وهي: التسلية، ومعناه: تصبر، و"لا" نافية للجنس هنا، وهي عاملة عمل "ليس" وربما ظن كثير أن "لا" العاملة عمل "ليس" لا تكون إلا نافية للوحدة، وليس كذلك نبه عليه في المغني١. و"شيء" اسمها و"على الأرض" ظرف مستقر صفة لـ"شيء"، أو لغو متعلق بـ"باقيًا" و"باقيًا" خبر "لا" والأول أولى، وكذا القول فيما بقي، والوزر: الملجأ، والواقي: الحافظ.
"وإنما لم يشترط الشرط الأول"، وهو أن لا يقترن اسمها بـ"إن"؛ "لأن "إن" لا تزداد بعد "لا" "أصلًا" فلا حاجة لاشتراط ذلك فيها.
"وأما "لات" فأصلها "لا" النافية. "ثم زيدت" عليها "التاء" لتأنيث اللفظ أو للمبالغة في معناه أو لهما وخصت بنفي الأحيان، وزيادة التاء هنا أحسن منها في ثمت وربت؛ لأن "لا" محمولة على ليس وليس تتصل بها التاء، ومن ثم لم تتصل بـ"لا" المحمولة على "إن". قال صاحب الكافي٢:" "لات" فرع "لا" و"لا"
_________________
(١) البيت لسعد بن مالك في شرح المفصل ١/ ١٠٩، والكتاب ١/ ٨٥، والأشباه والنظائر ٨/ ١٠٩، ١٣٠، وخزانة الأدب ١/ ٤٦٧، والدرر ١/ ٢٤٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٥٠٩، وشرح شواهد المغني ص٥٨٢، ٦١٢، ولسان العرب ٢/ ٤٠٩ "برح"، والمؤتلف والمختلف ص١٣٥، والمقاصد النحوية ٢/ ١٥٠، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٣٢٦، والإنصاف ٣٦٧، وأوضح المسالك ١/ ٢٨٥، وتخليص الشواهد ٢٩٣، ورصف المباني ٢٦٦، وشرح ابن الناظم ص١٠٧، وشرح الأشموني ١٢٥، وشرح التسهيل ١/ ٣٧٦، وشرح المفصل ١/ ١٠٨، وكتاب اللامات ص١٠٥، ومغني اللبيب ص٢٣٩، ٦٣١، والمقتضب ٤/ ٣٦٠.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٨٦، وتخليص الشواهد ص٢٩٤، والجنى الداني ص٢٩٢، وجواهر الأدب ص٢٣٨، والدرر ١/ ٢٤٧، وشرح ابن الناظم ص١٠٧، وشرح الأشموني ١/ ٢٤٧، وشرح شذور الذهب ص٢٥٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٢١، وشرح ابن عقيل ١/ ٣١٣، وشرح عمدة الحافظ ص٢١٦، وشرح قطر الندى ص١١٤، ومغني اللبيب ١/ ٢٣٩، والمقاصد النحوية ٢/ ١٠٢، وهمع الهوامع ١/ ١٢٥. ١ مغني اللبيب ١/ ٢٤٠. ٢ الكافي في النحو لأبي جعفر النحاس. انظر كشف الظنون ص١٣٧٩.
[ ١ / ٢٦٨ ]
فرع ليس، وليس فرغ ضرب، فهي في المرتبة الرابعة. وهي كلمتان عند الجمهور "لا" النافية وتاء التأنيث. وحركت لالتقاء الساكنين. وقال أبو عبيدة وابن الطراوة: كلمة وبعض كلمة وذلك أنها "لا" النافية والتاء الزائدة في أول الحين١، وقيل: كلمة واحدة، وهي فعل ماض، وعلى هذا هل هي ماضي: يليت، بمعنى ينقص. استعملت للنفي٢ أو هي ليس بكسر الياء قلبت الياء ألفًا، وأبدلت السين تاء، كما قاله ابن أبي الربيع٣، قولان حكاهما في المغني.
"وعملها إجماع من العرب"، وفيه خلاف عند النحاة، فنمهم من ذهب إلى أنها لا تعمل شيئًا وإن وليها مرفوع، فمبتدأ حذف خبره أو منصوب فمفعول لفعل محذوف، وهذا أحد قولي الأخفش٤، وعنه أيضًا أنها تعمل عمل "إن" فتنصب الاسم وترفع الخبر، ومذهب الجمهور أنها تعمل عمل ليس فترفع الاسم وتنصب الخبر. "وله" عندهم "شرطان: كون معموليهما اسمي زمان وحذف أحدهما، والغالب" في المحذوف "كونه المرفوع، نحو: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] بنصب "حين" على أنه خبرها واسمها محذوف، وهي بمعنى: ليس، و"مناص" بمعنى: فرار، "أي: ليس الحين حين فرار. ومن القليل قراءة بعضهم" وهو عيسى بن عمر في الشواذ٥: "ولات حينُ مناص" "برفع الحين" على أنه اسمها وخبرها محذوف، أي: ليس حين فرار حينا لهم٦، وكان القياس أن يكون هذا هو الغالب، بل كان ينبغي أن حذف المرفوع لا يجوز البتة؛ لأن مرفوعها محمول على مرفوع ليس، ومرفوع ليس لا يحذف، فهذا فرع تصرفوا فيه ما لم يتصرفوا في أصله، وقرئ أيضًا: "ولات حينِ مناص" بخفض "حين" فزعم الفراء أن "لات" تستعمل حرفًا جارا لاسم الزمان خاصة، كما أن منذ ومذ كذلك، فتحصل في "حين" ثلاث قراءات: الرفع والنصب والخفض، وفي الواقع ثلاثة أقوال.
إما على الابتداء أو على الاسمية لـ"لات" إن كانت عاملة عمل ليس، وعلى الخبرية لها إن كانت عاملة عمل إن. وفي النصب ثلاثة أقوال أيضًا: إما على الاسمية لـ"لات" إن
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ١١١. ٢ انظر الارتشاف ٢/ ١١١. ٣ البسيط في شرح الجمل ٢/ ٧٥٣. ٤ معاني القرآن للأخفش ٢/ ٦٧٠. ٥ مختصر الشواذ ص١٢٩. ٦ انظر الكتاب ١/ ٥٨، ومعاني القرآن للأخفش ٢/ ٦٧٠.
[ ١ / ٢٦٩ ]
كانت عاملة عمل إن، أو على الخبرية لها إن كانت عاملة عمل ليس، أو على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: لا أرى حين مناص. وفي الخفض وجه واحد، وعلى كل حال لا تعمل إلا في أسماء الزمان، كما يؤخذ من قول الناظم:
١٦٢-
وما للات في سوى حين عمل
"فأما قوله" وهو شمردل الليثي: [من الكامل]
١٩٧-
لهفي عليك للهفة من خائف "يبغي جوارك حين لات مجير"
"فارتفاع "مجير" على الابتداء"، وسوغ الابتداء به تقدم خبره في المجرور قلبه تقديرًا "أو على الفاعلية" بفعل محذوف. "والتقدير: حين لات له مجير"، على الابتدائية "أو يحصل له مجير"، على الفاعلية، "و"لات" مهملة، لعدم دخولها على الزمان"، و"مجير" بالجيم، اسم فاعل من أجار. "ومثله" في إهمال "لات" "قوله"، وهو الأعشى ميمون: [من الخفيف]
١٩٨-
"لات هنا ذكرى جبيرة" أو جاء منها بطائف الأهوال
"إذ المبتدأ" ههنا "ذكرى" بفتح الراء مصدر: ذكر، "وليس" هو "بزمان" وخبره "هنّا" بفتح الهاء وتشديد النون، وهي ههنا محتملة للمكان والزمان، أي: ليس في هذا المكان أو الزمان ذكرى جبيرة بضم الجيم وفتح الموحدة والراء مصغر جبيرة، وقيل مكبر، هي: بنت عمرو بن حزم بن بكر بن وائل. قيل: هي امرأة قائل هذا البيت وأو من عطف على مقدر، أي: الجبيرة تذكر أو من جاء منها بطائف الأهوال، والطائف: الذي يطرق بالليل، وأراد به هنا: الخيال الذي رآه في النون، فكأنه رآها وهي غضبي ففزع من ذلك، والأهوال، جمع هول، وهو الخوف.
"وأما "إن"" النافية. "فإعمالها نادر" عند ابن مالك١، وقال غيره: إنه أكثر
_________________
(١) البيت للشمردل بن عبد الله الليثي في شرح شواهد المغني ٢/ ٩٢٧، والمقاصد النحوية ٢/ ١٠٣، وللتميمي الحماسي في الدرر ١/ ٢١٧، وللتميمي في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٩٥٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/ ٨٢، وأوضح المسالك ١/ ٢٨٧، وجواهر الأدب ص٢٠٥، وشرح الأشموني ١/ ١٢٦، ومغني اللبيب ٢/ ٦٣١، وهمع الهوامع ١/ ١١٦.
(٢) البيت للأعشى في ديوانه ص٥٣، وخزانة الأدب ٤/ ١٩٦، ١٩٨، والخصائص ٢/ ٤٧٤، والدرر ١/ ٢٥٢، وشرح ابن الناظم ص٣٩٩ وشرح المفصل ٣/ ١٧، والمحتسب ٢/ ٣٩، والمقاصد النحوية ٢/ ١٠٦، ٤/ ١٩٨. ١ شرح التسهيل ١/ ٣٧٥.
[ ١ / ٢٧٠ ]
أكثر من عمل "لا" "وهو لغة أهل العالية"١، بالعين المهملة والياء المثناة تحت، وهي ما فوق نجد إلى أرض تهامة وإلى ما وراء مكة وما والاها والنسبة إليهما عالي وعلوي على غير قياس كذا في الصحاح٢. واختلف في جواز إعمالها فذهب الكسائي وأكثر الكوفيين وأبو بكر٣ وأبو علي٤ وأبو الفتح إلى الجواز١، وذهب الفراء٥، وطائفة وأكثر أهل البصرة إلى المنع، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد، فنقل السهيلي الإجازة عن سيبويه والمنع عن المبرد وعكس ذلك النحاس، ونقل ابن مالك عنهما الإجازة٦، وسمع ذلك من أهل العالية٧، "كقول بعضهم: إن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية"، وإن ذلك نافعك ولا ضارك، وإن قائمًا أي: إن أنا قائمًا. "وكقراءة سعيد" بن جبير: "إِنْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالُكُمْ" [الأعراف: ١٩٤] بسكون نون "إن" ونصب "عبادًا"٨ وخرجها بعضهم على أنها المخففة من الثقلية، وأنها تنصب الجزأين مثل: [من الطويل]
١٩٩-
إن حراستا أسدًا
وجعله أحسن لتتوافق القراءتان إثباتا، وهو تخريج على شاذ. "وقول الشاعر": [من المنسرح]
٢٠٠-
"إن هو مستوليا على أحد" إلا على أضعف المجانين
أنشده الكسائي شاهدًا على عمل "إن" عمل "ليس".
_________________
(١) ١ الارتشاف ٢/ ١٠٩. ٢ الصحاح ٦/ ٢٤٣٦ "علا". ٣ الأصول ١/ ١٠٩، ١١٠. ٤ المسائل البصريات ١/ ٤٤٦-٦٤٨. ٥ معاني القرآن للفراء ٢/ ١٤٤. ٦ شرح التسهيل ١/ ٣٧٥. ٧ الارتشاف ٢/ ١٠٩. ٨ الرسم المصحفي: "إنَّ عبادٌ"، انظر قراءة ابن جبير في المحتسب ١/ ٢٧٠، وشرح ابن الناظم ١٠٩.
(٢) تمام البيت: "إذا التف جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافًا إن حراستا أسدا" وهو لعمر بن أبي ربيعة في الجنى الداني ص٣٩٤، والدرر ١/ ٢٨٢، وشرح شواهد المغني ١٢٢، ولم أقع عليه في ديوانه، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب ٤/ ١٦٧، ١٠/ ٢٤٢، وشرح الأشموني ١/ ١٣٥، ومغني اللبيب ص٣٧.
(٣) البيت بلا نسبة في الأزهية ٤٦، وأوضح المسالك ١/ ٢٩١، وتخليص الشواهد ٣٠٦، والجنى الداني ٢٠٩، وجواهر الأدب ص٢٠٦، وخزانة الأدب ٤/ ١٦٦، والدرر ١/ ١٠٢، ٤٢٥، ورصف المباني ص١٠٨، وشرح ابن الناظم ص١٠٩، وشرح الأشموني ١/ ١٢٦، وشرح شذور الذهب ص٣٦٠، وشرح عمدة الحافظ ص٢١٦، والمقاصد النحوية ٢/ ١١٣، والمقرب ١/ ١٠٥، وهمع الهوامع ١/ ١٢٥.
[ ١ / ٢٧١ ]
"فصل":
"وتزاد الباء بكثرة في خبر: ليس" غير الاستثنائية، "و" في خبر ""ما" نحو: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ [البقرة: ٧٤]، وذلك عند البصريين لرفع توهم الإثبات، فإن السامع قد لا يسمع أول الكلام، وعند الكوفيين لتأكيد النفي. قالوا: ليس زيد بقائم، رد لأن زيدًا لقائم، فالباء بمنزلة اللام.
وخرج بقولنا: غير الاستثنائية: قاموا ليس زيدًا، فإن الباء لا تدخل هنا لأن مصحوب [ليس] ١ الاستثنائية كمصحوب "إلا" فكما لا تقول: ما زيد إلا بقائم، لا تقول: قاموا ليس بزيد، وكما تزاد الباء في خبر "ليس" تزاد في اسمها إذا تأخر إلى موضع الخبر، كقراءة بعضهم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] بنصب "البر٢"، وقوله: [من المتقارب]
٢٠١-
أليس عجيبًا بأن الفتى يصاب ببعض الذي في يديه
وهذا من الغريب، كما قاله في المغني٣.
"و" تزاد الباء "بقلة في خبر "لا"، و" الجزء الثاني من معمولي "كل ناسخ منفي، كقوله" وهو سواد بن قارب يخاطب النبي ﷺ: [من الطويل]
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي وابن مسعود وغيرهم. انظر البحر المحيط ٢/ ٢، والنشر ٢/ ٢٢٦.
(٢) البيت لمحمود الوراق في البيان والتبيين ٣/ ١٩٧، وأمالي القالي ١/ ١٠٨، وأمالي المرتضى ١/ ٦٠٨، وفوات الوفيات ٤/ ٨٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٣٨، والكامل ص٧٠٥، ولمحمد بن حازم الباهلي في ديوانه ص١٠٧، وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ١١٠. ٣ مغني اللبيب ١/ ١١٠.
[ ١ / ٢٧٢ ]
٢٠٢-
"وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب"
فأدخل الباء في "مغن" وهو خبر "لا" و"فتيلًا" بفتح الفاء: هو الخيط الذي يكون في شق النواة وهو مفعول مطلق، أي: بمغن إغناء ما، كأحد الوجهين في: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] والمعنى: يوم لا صاحب شفاعة مغنيًا عني شيئًا، فأقام الظاهر مقام المضمر، وكقول بعض العرب: لا خير بخير بعده النار. فزاد الباء في خبر "لا" التبرئة، إذا لم تجعل الباء بمعنى "في" قاله ابن مالك١.
"وقوله"، وهو عمرو بن براق الأزدي: [من الطويل]
٢٠٣-
"وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم" إذ أجشع القوم أعجل
فزاد الباء في "أعجلهم" وهو خبر "أكن" و"أجشع" بتقديم الجيم على الشين المعجمة: الفائق في الجشع، وهو شدة الحرص على الأكل، و"أعجل" بمعنى: عجل، لا للتفضيل، "وقوله"، وهو دريد بن الصمة: [من الطويل]
٢٠٤-
دعاني أخي والخيل بيني وبينه "فلما دعاني لم يجدني بقعدد"
فزاد الباء في "قعدد" وهو المفعول الثاني لـ"وجد" والقُعْدُد، بضم القاف وسكون العين المهملة وضم الدال الأولى وفتحها: الضيف.
_________________
(١) البيت لسواد بن قارب في الجنى الداني ص٥٤، والدرر ١/ ٢٥٧، ٤٧٥، وشرح ابن الناظم ص١٠٥، وشرح التسهيل ١/ ٣٧٦، وشرح عمدة الحافظ ٢١٥، والمقاصد النحوية ٢/ ١١٤، ٣/ ٤١٧، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٥٢٢، والأشباه والنظائر ٣/ ١٢٥، وأوضح المسالك ١/ ٢٩٤، وشرح الأشموني ١/ ١٢٣، وشرح شواهد المغني ٨٣٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٣١٠، ومغني اللبيب ص٤١٩، وهمع الهوامع ١/ ١٢٧، ٢١٨. ١ شرح التسهيل ١/ ٣٨٣.
(٢) البيت للشنفرى في ديوانه ص٥٩، وتخليص الشواهد ص٢٥٨، وخزانة الأدب ٣/ ٣٤٠، والدرر ١/ ٢٥٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٩٩، والمقاصد النحوية ٢/ ١١٧، ٤/ ٥١، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١١٤، والأشباه والنظائر ٣/ ١٢٤، وأوضح المسالك ١/ ٢٩٥، والجني الداني ٥٤، وجواهر الأدب ص٥٤، وشرح ابن الناظم ص١٠٦، وشرح الأشموني ١/ ١٢٣، وشرح التسهيل ١/ ٣٨٢، ٢/ ١٢٦، وشرح قطر الندى ص١٨٨، ومغني اللبيب ٢/ ٥٦٠، وهمع الهوامع ١/ ١٢٧.
(٣) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ص٤٨، وتخليص الشواهد ص٢٦٨، وجمهرة أشعار العرب ١/ ٥٩٠، والدرر ١/ ٢٥٦، ولسان العرب ٣/ ٣٦٢ "قعد"؛ والمقاصد النحوية ٢/ ٢١٢، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١١٤، وأوضح المسالك ١/ ٢٩٦، وجواهر الأدب ص٥٥، وشرح ابن الناظم ص١٠٦، وهمع الهوامع ١/ ١٢٧.
[ ١ / ٢٧٣ ]
"وتزاد الباء بندور في غير ذلك كخبر: إن" المكسورة "ولكن و"ليت" في قوله"، وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٢٠٥-
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها "فإنك مما أحدثت بالمجرب"
فزاد الباء في "المجرب" وهو خبر "إن"، وتنأ، من النأي وهو: البعد، والهاء في "عنها" عائدة على أم جندب المذكورة في قوله أولًا: [من الطويل]
خليلي مرا بي على أم جندب لتقضي حاجات الفؤاد المعذب١
و"حقبة" بكسر الحاء المهملة، نصب على الظرفية بمعنى السنة وجمعها حقب.
و"تلاقها" مجزوم؛ لأنه بدل من تنأ، قاله الموضح في شرح الشواهد. والمجرب بكسر الراء من التجربة: الاختبار. "و" في "قوله": [من الطويل]
٢٠٦-
"ولكن أجرا لو فعلت بهين" وهل ينكر المعروف في الناس والأجر
فزاد الباء في "هين" وهو خبر "لكن" المشددة و"لو فعلت" شرط معترض بين اسم "لكن" وخبرها، وجوابه محذوف، كما حذف مفعول "فعلت" والأصل: ولكن أجرًا هين لو فعلته أصبت.
"و" في "قوله"، وهو الفرزدق يهجو جريرًا وكليبًا رهطه، ويرميهم بإتيان الأتن بالمثناة: إناث الحمير، كما أن بني فزارة يرمون بإتيان الإبل: [من الطويل]
٢٠٧-
يقول إذا اقلولى عليها وأقردت "ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم"
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ٤٢، وتخليص الشواهد ٢٨٦، والدرر ١/ ١٧٠، ٢٥٨،وشرح ابن الناظم ١٠٧، وشرح التسهيل ١/ ٣٨٥، والارتشاف ٢/ ١١٦، والصاحبي في فقه اللغة ١٠٧، والمقاصد النحوية ٢/ ١٢٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٢٥، وأوضح المسالك ١/ ٢٩٧، وجواهر الأدب ص٥٤، ورصف المباني ص٢٥٧، وشرح الأشموني ١/ ١٢٣، وهمع الهوامع ١/ ٨٨، ١٢٧. ١ ديوانه ص٤١، والأشباه والنظائر ٨/ ٨٥، وأساس البلاغة "قضى".
(٢) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٢٦، وأوضح المسالك ١/ ٢٩٨، وخزانة الأدب ٩/ ٥٢٣، والدرر ١/ ٢٥٧، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٤٢، وشرح الأشموني ١/ ١٢٤، وشرح المفصل ٨/ ٢٣، ١٣٩، ولسان العرب ١٥/ ٢٢٦ "كفي" والمقاصد النحوية ٢/ ١٣٤، وهمع الهوامع ١/ ١٢٧، والارتشاف ٢/ ١١٦.
(٣) البيت للفرزدق في ديوانه ص٨٦٣، والأزهية ص٢١٠، وتخليص الشواهد ص٢٨٦، وجمهرة اللغة ص٣٣٦، وخزانة الأدب ٤/ ١٤٢، والدرر ١/ ٢٥٧، ٢٥٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٢، واللسان ١٥/ ٢٠٠ "فلا" والمقاصد النحوية ٢/ ١٣٥، ١٤٩، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١١٥، وأساس البلاغة ص٣٦١ "قرد" والأشباه والنظائر ٣/ ١٢٦، وأوضح المسالك ١/ ٢٩٩، والجنى الداني ص٥٥، وجواهر الأدب ص٥٢، وخزانة الأدب ٥/ ١٤، والدرر ١/ ٢٥٧، وشرح ابن الناظم ص١٠٦، وشرح التسهيل ١/ ٢٧٢، ٣٨٣، وشرح الأشموني ١/ ١٢٤، واللسان ٣/ ٣٥٠ "قرد" ١١/ ٧٠٧، "هلل"، والمنصف ٣/ ٦٧، وهمع الهوامع ١/ ١٢٧، ٢/ ٧٧، وتاج العروس "هلل".
[ ١ / ٢٧٤ ]
فزاد الباء في "دائم" وهو خبر "ليت" و"ذا" اسمها و"العيش" عطف بيان على "ذا" أو نعت له، و"اللذيذ" نعت العيش و"اقلولى" بالقاف، ارتفع و"أقردت" بالقاف والراء: سكنت وذلت. وفي اليواقيت للزاهد: المقلولي المجافي المستوفز، وفي أثر ابن عمر كان إذا سجد اقلولى١، قال الفراء: هو أن يرفع مقعدته ويتجافى قليلًا، وأنشد: [من الرجز]
٢٠٨-
لما رأتني خلقًا مقلوليا
أي: متجافيًا عن النساء، والمقلولي أيضًا: الراكب على الشيء العالي عليه ومنه هذا. ومعنى البيت يقول الكلبي: إذا ارتفع على الأتان وسكنت له قال ألا ليت هذا العيش اللذيذ بدائم ويروى:
ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم٢
وعليه تكون الباء زائدة في خبر المبتدأ الداخلة عليه "هل" وهي هنا جحد، وعليه شراح التسهيل٣. قال الكسائي: تأتي "هل" استفهامًا وجحدًا وشرطًا وأمرًا وتوبيخًا وتقريرًا وبمعنى "قد".
واقتصر الناظم في زيادة الباء على خبر ليس وما ولا وكان المنفية فقال:
١٦١-
وبعد ما وليس جر البا الخبر وبعد لا ونفي كان قد يجر
"وإنما دخلت في خبر "أن" المفتوحة "في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، لما كان:
_________________
(١) ١ في النهاية ٣/ ٣٠٩: "يروى: لو رأيت ابن عمر ساجدًا لرأيته مقلوليًا".
(٢) الرجز للفرزدق في الدرر ١/ ٢٨، وشرح ابن الناظم ص٤٧٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣٩، والخصائص ١/ ٦، وشرح الأشموني ٢/ ٥٤١، والكتاب ٣/ ٣١٥، ولسان العرب ١٥/ ٩٤ "علا" ١٥/ ٢٠٠ "قلا"، وما ينصرف وما لا ينصرف ص١١٤، والمقتضب ١/ ١٤٢، والممتع في التصريف ٢/ ٥٥٧، والمنصف ٢/ ٦٨، ٧٩، ٣/ ٦٧، وهمع الهوامع ١/ ٣٦، وتهذيب اللغة ٩/ ٢٩٧، وكتاب العين ٥/ ٢١٢، وتاج العروس "علا" "قلا". ٢ وردت هذه الرواية في المقاصد النحوية ٢/ ١٣٥، ١٤٩. ٣ شرح التسهيل ١/ ٣٨٣.
[ ١ / ٢٧٥ ]
"أولم يروا أنّ الله" في معنى: أوليس الله" بقادر، بدليل أنه جاء مصرحًا به في موضع آخر. كقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ [يس: ٨١]، فالنفي متناول لها مع ما في حيزها، فليست حينئذ من النوادر، وهي نظير ما أجازه الزجاج من قولك: ما ظننت أن أحدًا بقائم، لما كان في معنى: ليس في ظني أحد بقائم١.
_________________
(١) ١ معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/ ٤٤٧.
[ ١ / ٢٧٦ ]
باب أفعال المقاربة
مدخل
باب أفعال المقاربة:
"وهذا" مجاز مرسل. "من باب تسمية الكل باسم الجزء، كتسميتهم الكلام كلمة"، وكتسميتهم ربيئة القوم عينًا. "وحقيقة الأمر" في ذلك "أن أفعال" هذا "الباب ثلاثة أنواع":
أحدها: "ما وضع للدلالة": بتثليث الدال "على قرب الخبر" للمسمى باسمها، "وهو ثلاثة: كاد وكرب" بفتح الراء وكسرها. "وأوشك".
"و" الثاني: "ما وضع للدلالة على رجائه"، أي: رجاء المتكلم الخبر في الاستقبال، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله وحذف فاعله. "وهو ثلاثة" أيضًا: "عسى وحرى" بفتح الحاء والراء المهملتين، نص عليها ابن طريف في كتاب الأفعال. وأنكرها أبو حيان مع أنه ذكرها في لمحته. "واخلولق" بخاء معجمة وقاف.
"و" النوع الثالث: "ما وضع للدلالة على الشروع فيه"، أي: على شروع المسمى باسمها في خبرها. "وهو "كثير"، وأنهاه بعضهم إلى نيف وعشرين فعلًا١، "ومنه: أنشأ" وأنشى "وطفق" بفتح الفاء وكسرها. وطبق بكسر الباء الموحدة٢، "وجعل وهب "وعلق" وهلهل "وأخذ وقام.
"و" جميع أفعال هذا الباب "تعمل عمل كان" من رفع الاسم ونصب الخبر، "إلا أن خبرهن يجب كونه جملة" ليتوجه٣ الحكم إلى مضمونها، "وشذ مجيئه مفردًا" عن "الجملة:"بعد: كاد٤ وعسى" وأوشك، "كقوله"، وهو تأبط شرا، واسمه
_________________
(١) ١ في "ب": "موضعًا. ٢ في الارتشاف ٢/ ١١٨: "وكسر الفاء لغة القرآن، وقالوا: طبق، بالباء المكسورة بدلًا من الفاء". ٣ في "ط": "لتوجه". ٤ في "ط": "كان".
[ ١ / ٢٧٧ ]
ثابت بن جابر: [من الطويل]
٢٠٩-
"فأبت إلى فهم وما كدت آيبا وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
فأتى بخبر "كاد" مفردًا، وهو "آيبا" اسم فاعل من "آب" إذا رجع، ويروى:
وما كنت آيبا
و"أبت" بضم الهمزة وسكون الموحدة، بمعنى: رجعت، و"فهم" بفتح الفاء وسكون الهاء: أبو قبيلة وهو فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان. و"كم" خبرية، و"مثلها" تمييز مجرور، بإضافة، والهاء المضاف إليها ترجع إلى القبيلة. و"تصفر" من صفر الطائر. والمعنى: فرجعت إلى القبيلة المسماة بفهم، وما كدت راجعًا، وكم مثل هذه القبيلة فارقتها وهي تصفر. "وقولهم" في المثل: "عسى الغوير أبؤسا١ فـ "أبؤسا" جمع بؤس ومعناه: العذاب أو الشدة خبر "عسى" وهو مفرد؛ لأنه ليس جملة. هذا قول سيبويه٢ وأبي علي٣ من البصريين، وقال الكوفيون: خبر يكون محذوفة، والتقدير: أن يكون أبؤسًا٤.
وقال الأصمعي: خبر "يصير" محذوفة. وقيل: مفعول به، والتقدير عسى الغوير يأتي بأبؤس، فحذف الناصب والجار توسعًا، وتلخص أن "أبؤسًا" خبر لعسى أو لكان أو لصار أو مفعولًا به. قال الموضح في شرح الشواهد: والأحسن من ذلك كله. أن يقدر يبأس أبؤسًا، فيكون مفعولًا مطلقًا، على حد: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ [ص: ٣٣] أي: يمسح مسحًا ا. هـ. وقال في المغني٥: الصواب أنه مما حذف فيه "كان" أي: يكون أبؤسًا،
_________________
(١) البيت لتأبط شرا في ديوانه ص٩١، والأغاني ٢١/ ١٥٩، وتخليص الشواهد ص٣٠٩، وخزانة الأدب ٨/ ٣٧٤، ٣٧٥، ٣٧٦، والخصائص ١/ ٣٩١، والدرر ١/ ٢٧٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٨٣، وشرح شواهد الإيضاح ص٦٢٩، ولسان العرب ٣/ ٣٨٣ "كيد" والمقاصد النحوية ٢/ ١٦٥، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١٢٠، والإنصاف ٢/ ٥٤٤، وأوضح المسالك ١/ ٣٠٢، وخزانة الأدب ٩/ ٣٤٧، ورصف المباني ١٩٠، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٢٥، وشرح ابن الناظم ١١١، وشرح التسهيل ١/ ٣٩٣، وشرح عمدة الحافظ ٨٢٢، وشرح المفصل ٧/ ١٣، وهمع الهوامع ١/ ١٣٠. ١ المثل في مجمع الأمثال ٢/ ١٧، وجمهرة الأمثال ٢/ ٥٠، والمستقصى ٢/ ١٦١، وفصل المقال ٤٢٤. ٢ الكتاب ٣/ ١٥٨. ٣ المسائل الحلبيات ص٢٥٠. ٤ المقتضب ٣/ ٧٠، وإليه ذهب المبرد فيه. ٥ مغني اللبيب ص٢٠٣.
[ ١ / ٢٧٨ ]
لأن في ذلك إبقاء لها على الاستعمال الأصلي ا. هـ. وسبقه إلى ذلك ابن جني، فقال في البيت١: التقدير: وما كدت أكون آيبًا ا. هـ. والغوير: تصغير غار بالغين المعجمة. وأصل هذا المثل فيما قيل: أن الزباء قالت لقومها عند رجوع قصير من الغزو إليها ومعه الرجال، وكان الغوير وهو ماء لكلب على طريقه: عسى الغوير أبؤسًا. تريد: لعل الشرك يأتيكم من قبل الغوير، فصار مثلًا يضرب للرجل يتوقع الشر من جهة يعينها، وكقول حسان ﵁: [من السريع]
٢١٠-
من خمر بيسان تخيرتها ترياقة توشك فقر العظام
أنشد محمد بن بري في حواشي الصحاح، وقد يقال: إنه على حذف كان، أي: توشك أن تكون فقر العظام، "وأما: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾، فالخبر" فعل "محذوف" لدلالة مصدره عليه، و"مسحًا" مفعول مطلق، لا خبر "أي": فطفق "يمسح مسحًا"، وفيه رد على الناظم في قوله:
١١٣-
وحذف عامل المؤكد امتنع
كما سأيتي في بابه. وفي قوله: وشذ مجيئه مفردًا بعد كاد وعسى تقييد لقول الناظم:
١٦٤-
ككان كاد وعسى لكن ندر غير مضارع لهذبن خبر
"وشرط الجملة" الواقعة خبرًا لهذه الأفعال. "أن تكون فعلية" لتدل على الحدث، "وشذ مجيئ" الجملة "الاسمية" خبرًا "بعد "جعل" في قوله" في الحماسة: [من الوافر]
٢١١-
"وقد جعلت قولص بني سهيل من الأكوار مرتعها قريب"
فـ "قلوص" بفتح القاف: الشابة من النوق، اسم "جعل"، و"مرتعها قريب" جملة اسمية خبر "جعل" وأصله: يقرب مرتعها، فأقام الجملة الاسمية مقام الفعلية، قاله الموضح في شرح الشواهد. ويروى ابني سهيل بالتثنية، و"من الأكوار"
_________________
(١) ١ في الخصائص ٣/ ٣٩١: " ألا ترى أن معناه: فأبت وما كدت أؤوب".
(٢) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص١٨٦، ولسان العرب ٦/ ٣٢ "بيس"، ١٠/ ٥١٣، "وشك".
(٣) البيت بلا نسبة في تخليص الشواهد ص٣٢٠، وخزانة الأدب ٥/ ١٢٠، ٩/ ٣٥٢، والدرر ١/ ٢٧٣، وشرح ابن الناظم ص١١١، وشرح الأشموني ١/ ١٢٨، وشرح التسهيل ١/ ٣٩٣، والارتشاف ٢/ ١٢١، وشرح ديوان الحماسة للمزروقي ص٣١٠، وشرح شواهد المغني ص٦٠٦، ومغني اللبيب ص٢٣٥، والمقاصد النحوية ٢/ ١٧٠، وهمع الهوامع ١/ ١٣٠.
[ ١ / ٢٧٩ ]
متعلق بـ"قريب"، هي إما جمع كور، بضم الكاف، وهو: الرجل بأداته، أو جمع كور بفتحها، وهو: الجماعة الكثيرة من الإبل: والمرتع: مكان الرتوع. والمعنى: أن هذه القلوص حصل لها إعياء وتعب وكلال، فلم تبعد من الأكوار، بل رتعت بالقرب منها.
قال ابن ملكون فيما له على الحماسة: وقيل: "جعل" بمعنى: صير، ثم اختلف، فقيل ألغيت على حد إجازة الأخفش: ظننت زيد قائم: وقيل الأصل جعلته، أي: جعلت القلوص الأمر والشأن، كما قالوا: إن بك زيد مأخوذ ا. هـ.
واعترضه الموضح في الحواشي بأن أفعال التصير لا تلغى. "وشرط الفعل" المشتمل عليه الجملة "ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون رافعًا لضمير الاسم" الذي لهذه لأفعال. نحو: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وذلك لأن أفعال هذا الباب إنما جاءت لتدل على أن مرفوعها هو الذي قد تلبس بالفعل. أو شرع فيه لا غيره. فلا بد في الفعل من ضمير يعود على المرفوع. ليتحقق ذلك. "فأما قوله"، وهو أبو حية النميري: [من البسيط]
٢١٢-
"وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي" فأنهض نهض الشارب الثمل
"وقوله"، وهو ذو الرمة: [من الطويل]
٢١٣-
"وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه"
"فـ ثوبي" في البيت الأول. "وأحجاره" في البيت الثاني "بدل من اسمي "جعل" في الأول، "و"كاد" في الثاني بدل اشتمال، لا فاعلان بـ"يثقلني" و"تكلمني" بل فاعلهما ضمير مستتر فيهما، والتقدير: جعل ثوبي يثقلني، وكادت أحجاره تكلمني، فعاد الضمير على البدل دون المبدل منه؛ لأنه المقصود بالحكم، والمعتمد
_________________
(١) البيت لعمرو بن أحمر في ملحق ديوانه ص١٨٢، وخزانة الأدب ٩/ ٣٥٩، ٣٦٢، ولأبي حية النميري في ملحق ديوانه ص١٨٦، والحيوان ٦/ ٤٨٣، وشرح شواهد الإيضاح ص٧٤، والمقاصد النحوية ٢/ ١٧٣، ولأحدهما في الدرر ١/ ٢٦١، ولأبي حية أو للحكم بن عبدل في شرح شواهد المغني ٢/ ٩١١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٠٥، وشرح الأشموني ١/ ١٣٠، ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٩، والمقرب ١/ ١٠١، ويروى البيت بقافية "السكر" مكان "الثمل".
(٢) البيت لذي الرمة في ديوانه ص٨٢١، وأدب الكاتب ص٤٦٢، والدرر ١/ ٢٧٥، والاقتضاب ص٦٥٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٦٤، وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ٩١، ٩٢، وشرح شواهد الشافية ص٤١، والكتاب ٤/ ٥٩، والمقاصد النحوية ٢/ ١٧٦، والممتع في التصريف ص١٨٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٠٧، وشرح الأشموني ١/ ١٣٠، وهمع الهوامع ١/ ١٣١.
[ ١ / ٢٨٠ ]
عليه في الإخبار غالبًا، وأغنى ذلك عن عوده إلى المبدل منه فسقط ما قيل إنه ليس في الفعل ضمير يعود إلى اسمي "جعل" و"كاد"، وتقدم أن ذلك شرط. وفي البيت الأول تأويلات آخران ذكرهما الموضح في الحواشي. وفي البيت الثاني ستة تآويل أخر ذكرها الخضراوي، وتركت الجميع خوف الإطالة.
"ويجوز في" خبر ""عسى" خاصة أن يرفع السببي"، وهو الاسم الظاهر المضاف إلى ضمير يعود على اسمها، "كقوله"، وهو الفرزدق، حين هرب من الحجاج لما توعده بالقتل: [من الطويل]
٢١٤-
"وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده" إذا نحن جاوزنا حفير زياد
"ويروى بنصب "جهده"" على المفعولية بـ"يبلغ"، "ورفعه" على
الفاعلية به، وهو محل الاستشهاد، فإنه متصل بضمير يعود على "الحجاج" الذي هو اسم "عسى"، وفيه رد على أبي حيان حيث منع من ذلك في النكت الحسان١.
و"حفير زياد" موضع بين الشام والعراق، وزياد: هو ابن أبي سفيان، أخو معاوية، كان أميرًا بالعراق. نيابة عن معاوية.
والأمر "الثاني: أن يكون" الفعل "مضارعًا"، ليدل على الحال أو الاستقبال، "وشذ في "جعل" قول ابن عباس ﵄: فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا٢" فـ "أرسل" خبر "جعل" وهو فعل ماض. قال الموضح في شرح الشواهد: وهذا لم أر من يحسن تقريره. ووجهه أن "إذا" منصوبة بجوابها على الصحيح، والمعمول مؤخر في التقدير عن عامله، فأول الجملة في الحقيقة "أرسل"، فافهموه٣، ا. هـ.
وفيه رد على ابن مالك، حيث قال في التسهيل٤: أو فعلية مصدرة
_________________
(١) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ١٦٠، والدرر ١/ ٢٧٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٦٧٧، والمقاصد النحوية ٢/ ١٨٠، ولمالك بن الريب في ملحق ديوانه ص٥١، وخزانة الأدب ٢/ ٢١١، والشعر والشعرء ١/ ٣٦١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٠٨، وشرح الأشموني ١/ ١٣٠، وهمع الهوامع ١/ ١٣١. ١ النكت لحسان ص٧٢، ٧٣. ٢ النهاية ٤/ ١٩٤. ٣ لم أجد قوله في شرح الشواهد، وهو في حاشية الصبان ١/ ٢٦٠. ٤ التسهيل ص٥٩.
[ ١ / ٢٨١ ]
بـ"إذا" قال الموضح في الحواشي: الصواب أن يقال أو جملة فعلية فعلها ماض، فإن هذا هو محط الشذوذ. وأما نفس "إذا" فلا وجه لكونها مرجعا للشذوذ،
ولهذا لم يقل أحد فيما علمنا إن قوله:
٢١٥-
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي
شاذ من جهة التصدير بـ"إذا"، وإنما جعلوا شذوذه من جهة رفع السببي، خاصة فافهمه، ا. هـ.
والأمر "الثالث: أن يكون" المضارع "مقرونًا بـ"أن" المصدرية وجوبا، "إن كان الفعل" الدال على الترجي، "حرى واخلولق"؛ لأن الفعل المرجى١ وقوعه قد يتراخى حصوله، فاحتيج إلى "أن" المشعرة بالاستقبال. "نحو: حرى زيد أن يأتي، و: اخلولقت السماء أن تمطر"، واستشكل الاقتران بـ"أن" لأنه يؤدي إلى جعل الحديث خبرًا عن الذات، وهو غير جائز. وأجيب بأنه من باب: زيد عدل، أو على تقدير مضاف. إما قبل الاسم، أو قبل الخبر، والتقدير: حرى أمر زيد الإتيان، واخلولق أمر السماء الإمطار، أو حرى زيد صاحب الإتيان، واخلولقت السماء صاحبة الإمطار، بكسر الهمزة وكذا البواقي.
"وأن يكون الفعل مجردا منها"، أي: من "أن" وجوبًا، "إن كان الفعل دالا على الشروع، نحو: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢] لأنه للأخذ في الفعل والشروع فيه، وذلك ينافي الاستقبال، "والغالب في خبر "عسى" و" "أوشك الاقتران بها"، أي: بـ"أن" لأن "عسى" من أفعال الترجي، وكان القياس وجوب اقتران خبرها بـ"أن" حتى ذهب جمهور البصريين إلى أن التجريد من "أن" خاص بالشعر٢. وأما "أوشك" فإنما يغلب معها الاقتران بـ"أن" حيث جعلت للترجي أختًا لـ"عسى".
قال الشاطبي: والصحيح ما ذكره الشلوبيين وتلاميذه ابن الضائع والأبذي وابن أبي الربيع أن "أوشك" من قسم "عسى" الذي هو الرجاء، قال ابن
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم "٢١٢". ١ في "ب"، "ط": "المترجى". ٢ في الارتشاف ٢/ ١٢٠: "فجمهور البصريين على أن حذف "أن" من خبرها لا يكون إلا في الضرورة، قاله الفارسي، وأجاز حذفها في التذكرة في الكلام، وهو ظاهر قول سيبويه". وانظر الكتاب ٣/ ١٥٨.
[ ١ / ٢٨٢ ]
الضائع: والدليل على ذلك أنك تقول: عسى زيد أن ينجح، ويوشك زيد أن يحج ولم يخرج من بلده، ولا تقول: كاد زيد يحج، إلا وقد أشرف عليه، ولا يقال ذلك وهو في بلد، انتهى كلام الشاطبي؟
وأما إذا جعلت للمقاربة كما ذهبت إليه الموضح١ هنا تبعًا للناظم وابنه٢، فيشكل كون الغالب معها الاقتران كالاقتران الغالب في "عسى"، نحو: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨]، "و" نحو "قوله: [من الطويل]
٢١٦-
"ولو سئل الناس التراب لأوشكوا إذ قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا"
فإن "يملوا" خبر "أوشك"، وهو مقرون بـ"أن" وفيه رد على الأصمعي إذ قال٣: لم يستعمل ماض لـ"يوشك"، والمعنى: أن من طبع الناس الحرص على أنهم لو سئلوا٤ في إعطاء التراب بالموحدة لقاربوا الامتناع من ذلك والملل إذا قيل لهم هاتوه.
"و" التجرد من "أن" قليل، كقوله، وهو هدبة بن خشرم العذري: [من الوافر]
٢١٧-
"عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب"
"فيكون" خبر "عسى" وهو مجردًا من "أن"، و"الكرب" بفتح الكاف، وسكون الراء: الحزن بالنفس، و"أمسيت" قال الموضح تبعًا لليمني: الرواية بفتح التاء على الخطاب. و"فرج" بالجيم: كشف الغم، وهو مبتدأ تقدم خبره في الطرف قبله،
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ٣٨٩. ٢ شرح ابن الناظم ص١١٣.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣١١، وتخليص الشواهد ص٣٢٢، والدرر ١/ ٢٦٨، وشرح ابن الناظم ص١١٣، وشرح الأشموني ١/ ١٢٩، وشرح شذور الذهب ص٣٥٠، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٣٢، وشرح عمدة الحافظ ص٨١٧، ولسان العرب ١٠/ ٥١٣، "وشك"، والمقاصد النحوية ٢/ ١٨٢، وهمع الهوامع ١/ ١٣٠، وتاج العروس "وشك". ٣ الارتشاف ٢/ ١١٩. ٤ في "ط": "حتى لو أنهم سئلوا".
(٣) البيت لهدبة بن خشرم في ديوانه ص٥٤، والكتاب ٣/ ١٥٩، وخزانة الأدب ٩/ ٣٢٨، ٣٣٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٤٢، والدرر ١/ ٢٦٨، وشرح شواهد الإيضاح ٩٧، وشرح شواهد المغني ٤٤٣، واللمع ٢٢٥، والمقاصد النحوية ٢/ ١٨٤، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص١١١، وشرح المفصل ٧/ ١١٧، ١٢١، وأسرار العربية ١٢٨، وأوضح المسالك ١/ ٣١٢، وتخليص الشواهد ٣٢٦، وخزانة الأدب ٩/ ٣١٦، والجنى الداني ٤٦٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٢٧، وشرح عمدة الحافظ ٨١٦؛ والمقرب ١/ ٩٨، ومغني اللبيب ١٥٢، والمقتضب ٣/ ٧٠، وهمع الهوامع ١/ ١٣٠.
[ ١ / ٢٨٣ ]
والجملة في محل نصب خبر "يكون"، واسمها مستتر فيها عائد على "الكرب"، و"قريب" نعت لـ"فرج"، وفي نتيجة القواعد لابن أياز "يكون" تامة و"وراءه" متعلق بها، ويجوز أن يكون "وراءه" في الأصل صفة لـ"قريب" ثم قدم عليه فانتصب حالًا، فيتعلق بمحذوف، وفيه ضمير وأجاز بعض المغاربة أن يكون حالًا من ضمير "قريب"، وفيه نظر، ا. هـ. ووجه النظر تقديم معمول الصفة على الموصوف، ولا يجوز أن يكون "فرج" مرفوعًا بـ"يكون" لا على التمام، ولا على النقصان؛ لأن ذلك يخلي "يكون من ضمير يعود على اسمها، وتقدم أن شرط خبر "عسى" أن يرفع الضمير أو السببي.
"وقوله" وهو أمية بن أبي الصلت الثقفي: [من المنسرح]
٢١٨-
"يوشك من فر من منيته في بعض غراتها يوافقها"
فـ"يوافقها" بالفاء فالقاف من الموافقة خبر "يوشك"، وهو مجرد من "أن" و"من فر" بمعنى: هرب، اسم "يوشك"، والمنية: الموت، والغرات بكسر الغين المعجمة، وتشديد الراء، جمع غرة، وهي الغفلة، والمعنى: أن من هرب من الموت في الحرب، يوشك أن يوافقه الموت في بعض غفلاته.
"وكاد وكرب بالعكس"، فيكون الغالب في خبرهما التجرد من "أن"؛ لأنهما يدلان على شدة مقاربة الفعل ومداومته، وذلك يقرب من الشروع في الفعل والأخذ فيه، فلم يناسب خبرهما أن يقترن بـ"أن" غالبًا، ويقل اقترانه بـ"أن" نظرًا إلى أصلهما، "فمن الغالب قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقول الشاعر"، وهو كلحبة اليربوعي، وقيل رجل من طيئ: [من الخفيف]
٢١٩-
"كرب القلب من جواه يذوب" حين قال الوشاة هند غصوب
_________________
(١) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه، ٤٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦٧، ٢٠٧، وشرح المفصل ٧/ ١٢٦، والعقد الفريد ٣/ ١٨٧، والكتاب ٣/ ١٦١، ولسان العرب ٦/ ٣٢، ولسان العرب ٦/ "بيس"، ١٨٨ "كأس" والمقاصد النحوية ٢/ ١٨٧، ولعمران بن حطان في ديوانه ١٢٣، ولأمية أو لرجل من الخوارج في تخليص الشواهد ص٣٢٣، والدرر ١/ ٢٦٣، ٢٧٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣١٣، وشرح ابن الناظم ١١٤، وشرح الأشموني ١/ ١٢٩، وشرح التسهيل ١/ ٣٩٢، وشرح شذور الذهب ص٢٧١، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٣٣، وشرح عمدة الحافظ ص٨١٨، والمقرب ١/ ٩٨، وهمع الهوامع ١/ ١٢٩، ١٣٠.
(٢) البيت للكلحبة اليربوعي أو لرجل من طيئ في الدرر ١/ ١٦٦، والمقاصد النحوية ٢/ ١٨٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣١٤، وتخليص الشواهد ص٣٣٠، وشرح ابن الناظم ص١١٢، وشرح الأشموني ١/ ١٣٠، وشرح التسهيل ١/ ٣٩٢، وشرح شذور الذهب ص٢٧٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٣٥، وشرح عمدة الحافظ ص٨١٤، وهمع الهوامع ١/ ١٣٠.
[ ١ / ٢٨٤ ]
فـ"يذوب" خبر "كرب" مجرد من "أن"، و"القلب" اسمها، والجوى: شدة الوجه، والوشاة جمع واش من وشى به إذا نم عليه، وعضوب: فعول بمعنى فاعل، كصبور، يستوي فيه المذكر والمؤنث. والمعنى: كاد القلب يذوب ويضمحل من شدة وجده وشوقه حين قال الواشون: محبوبتك هند غضوب عليك. "ومن القليل قوله" يرثي ميتًا: [من الخفيف]
٢٢٠-
"كادت النفس أن تفيض عليه" إذ غدا حشو ريطة وبرود
فـ"أن تفيض" خبر "كاد" وهو مقرون بـ"أن"، وأوله فاء، وثانيه ياء مثناة تحت، وثالثه ضاد معجمة على لغة تميم، ومشالة على لغة قيس، قاله أبو زيد، وأبو عبيدة. يقال: فاظ الميت يفيظ فيظًا إذا قضى، قاله أبو الفرج بن سهيل. "وغدا" بمعنى صار، واسمه مستتر فيه، يعود إلى ما عاد عليه ضمير "عليه" قبله، وهو الميت المرثي، "وحشو" خبر "غدا"، والريطة بفتح الراء وسكون الياء المثناة تحت وبالطاء المهملة: الملاءة إذا كانت شقة واحدة، والبرود بضم الموحدة جمع برد، نوع من الثياب، والمراد بهما: الكفن، ويروى: مذ ثوى، بالمثلثة، بمعنى: أقام. "وقوله" وهو أبو زيد الأسلمي: [من الطويل]
٢٢١-
سقاها ذوو الأحلام سجلًا على الظما "وقد كربت أعناقها أن تقطعا"
فـ"أن تقطعا" خبر "كربت" وهو مقرون بـ"أن"، وفيه رد على سيبويه حيث زعم أن خبر كرب لا يقترن بـ"أن" قاله الموضح في شرح الشواهد. وأصل "تقطع" تقطع بتاءين، حذفت إحداهما، وسقى يتعدى إلى اثنين، أولهما الهاء المتصلة به،
_________________
(١) البيت لأبي زبيد الطائي في الاقتضاب ص٦١٤، ونسبه الدسوقي في حاشيته على المغني ٢/ ٢٨٧، والأمير ٢/ ١٨٣، لمحمد بن مناذر، وهو بلا نسبة في أدب الكاتب ص٤٠٦، والاقتضاب ص٣٠٧، وأوضح المسالك ١/ ٣١٥، وخزانة الأدب ٩/ ٣٤٨، وشرح الأشموني ١/ ١٢٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٤٨، وشرح شذور الذهب ٢٧٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٣٠، ولسان العرب ٦/ ٢٣٤ "نفس"، ٧/ ٤٥٤، "فيظ"، ومغني اللبيب ٢/ ٦٦٢.
(٢) البيت لأبي زيد الأسلمي في تخليص الشواهد ٣٣٠، والدرر ١/ ٢٦٧، وشرح عمدة الحافظ ٨١٥، والمقاصد النحوية ٢/ ١٩٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣١٦، وشرح ابن الناظم ١١٣، وشرح الأشموني ١/ ١٢٣، وشرح التسهيل ١/ ٣٩٢، وشرح شذور الذهب ص٢٧٤، وشرح شواهد المغني ص٣٥٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٣٥، والكامل ص٢٤٤، والمقرب ١/ ٩٩، وهمع الهوامع ١/ ١٣٠.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وهي عائدة على العروق المذكورة في قوله قبل١:
مدحت عروقًا
وسجلا، بفتح السين المهملة، وسكون الجيم مفعوله الثاني، وهو: الدلو المشغول بالماء، والأحلام بالحاء المهملة: العقول. والظما، بالمشالة: العطش. "ولم يذكر سيبويه في خبر "كرب" إلأا التجرد من: أن٢". وفي نسخة: وهو مردود بالسماع. والحاصل أن خبر هذه الأفعال بالنسبة إلى اقترانه بـ"أن"، وتجرده منها أربعة أرقام. ما يجب فيه الاقتران. هو: حرى واخلولق، وإليه الإشارة بقول الناظم:
١٦٦-
وكعسى حرى ولكن جعلا خبرها حتمًا بأن متصلًا
١٦٧-
والزموا اخلولق أن مثل حرى
وما يجب تجرده من "أن" وهو أفعال الشروع المشار إليها بقول الناظم:
١٦٨-
وترك أن مع ذي الشروع وجبًا
وما يجوز فيه الأمران، والغالب الاقتران، وعسى وأوشك وهو المشار إليه بقول الناظم أولًا:
١٦٥-
وكونه بدون أن بعد عسى نزر
وثانيًا بقوله:
١٦٧-
وبعد أوشك انتفا أن نزرا
وما يجوز فيه الأمران، والغالب التجرد، وهو: كاد وكرب، وهو المشار إليه بقول الناظم أولًا:
١٦٥-
فكاد الأمر فيه عكسًا
وبقوله ثانيًا:
١٦٨-
ومثل كاد في الأصح كربا
_________________
(١) ١ تمام البيت: "مدحت عروقًا للندى مصت الثرى حديثًا فلم تهمم بأن تتزعزعا" وهو له في الكامل ص٢٤٣. ٢ في الكتاب ٣/ ١٥٩: "وأما كاد فإنهم لا يذكرون فيها أن، وكذلك كرب يفعل، ومعناهما واحد".
[ ١ / ٢٨٦ ]
"فصل":
"وهذه الأفعال ملازمة لصيغة الماضي إلا أربعة استعمل لها مضارع، وهي: كاد" وعينها واو، وجاءت من باب: خاف يخاف، ومن باب: قال يقول، كدت بكسر الكاف، كخفت، وبضمها كقلت، حكاهما سيبويه، فعلى الأول مضارعها: يكاد، كيخاف، "نحو: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥]، وعلى الثاني مضارعها: يكود، كيقول حكاه ابن أفلح في منية الألباب. قال الموضح في الحواشي: فإن احتج على أنها يائية العين بقولهم: لا أفعله ولا كيدًا، قلنا: معارض بقولهم: ولا كودًا، وجعل الواو أصلًا، وسيلة إلى مجيء الياء للتخفيف، ا. هـ. "وأوشك، كقوله: [من المنسرح]
٢٢٢-
يوشك من فر من منيته"
أنشده سيبويه١، وتقدم الكلام عليه قريبًا، "وهو أكثر استعمالًا" من ماضيها، حتى إن الأصمعي وأبا علي أنكرا مجيء ماضيها٢، وهما محجوجان بما تقدم، ولقلته يمثل أكثر النحويين لها بالمضارع. "وطفق، حكى" أبو الحسن "الأخفش٣: طفق يطفق"، بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع، "كضرب يضرب، وطفق يطفق"، بالعكس، "كعلم يعلم"، وفرح يفرح"، "وجعل، حكى الكسائي: إن البعير ليهرم حتى يجعل" بالرفع، "إذا شرب الماء مجه"، وفيه شذوذ وقوع الماضي خبرًا كما تقدم توجيهه في: أرسل رسولًا، وكرب يكرب كنصر ينصر. قاله ابن أفلح في منية
_________________
(١) تقدم تمام البيت مع تخريجه برقم ٢١٨. ١ الكتاب ٣/ ١٦١. ٢ في الارتشاف ٢/ ١١٩: "وأنكر الأصمعي "أوشك"، وقد نقله الخليل وغيره، وهو مسموع في كلامهم". ٣ معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥١٥.
[ ١ / ٢٨٧ ]
الألباب، وعسى أعسى، حكاه ابن ظفر في شرح المقامات. وزعم غيره أنه يقال: عسى يعسو، وعسى يعسي١، فيكون مما اعتقبت الواو والياء على لامه، قاله قريب الموضح في حاشيته على هذا الكتاب. واقتصر الناظم على اثنين منها، فقال:
١٧٠-
واستعملوا مضارعًا لأوشكا وكاد لا غير
"واستعمل اسم فاعل لثلاثة وهي: كاد، قاله الناظم" في شرح الكافية٢، "وأنشد عليه" قول كبير٣؛ بالباء الموحدة والتكبير؛ ابن عبد الرحمن: [من الطويل]
٢٢٣-
أموت أسى يوم الرجام "وإنني يقينا لرهن بالذي أنا كائد"
فـ"كائد" بصورة الياء المثناة بعد الألف اسم فاعل من: كاد، والأسى، بالقصر: الحزن، والرجام بكسر الراء المهملة وبالجيم، اسم موضع، ويقينا، مفعول مطلق، ورهن بمعنى مرهون خبر "إن"، "وكرب، قاله جماعة، وأنشدوا عليه" قول عبد قيس بن خفاف: [من الكامل]
٢٢٤-
"أبني إن أباك كارب يومه" فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
فـ"كارب" اسم فاعل من: كرب الناقصة، واسمه مستتر فيه، وخبره محذوف.
"و"أوشك"" وعليه اقتصر الناظم فقال:
١٧٠-
وزادوا موشكا
_________________
(١) ١ في شرح ابن عقيل ١/ ٣٤٠، ٣٤١: "فحكى صاحب الإنصاف استعمال المضارع واسم الفاعل من "عسى" قالوا: عسى يعسي فهو عاس". ٢ شرح الكافية ١/ ٤٥٩. ٣ في حاشية الصبان ١/ ٢٦٥: "إن تسميته كبير لا ينافيه قول الشارح بعد: "في شرح ديوان كثير" أي: بالمثلثة والتصغير، لاحتمال أن تكلمه على هذا البيت استطرادي، لا لكونه في الديوان، لكن نقل شيخنا عن شرح التوضيح للشارح أنه قول كثير عزة".
(٢) البيت لكثير عزة في شرح الشافية ١/ ١٤٥٩، والارتشاف ٢/ ١٢٦، وأوضح المسالك ١/ ٣١٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٣٩، والمقاصد النحوية ٢/ ١٩٨، والهمع ١/ ١٢٩، وشرح الأشموني ١/ ١٣١، وتخليص الشواهد ص٣٣٦، وشرح عمدة الحافظ ص٨٢٤، والدرر ١/ ٢٦٥.
(٣) البيت لعبد قيس بن خفاف في الأصمعيات ص٢٢٩، والحماسة الشجرية ١/ ٤٦٩، وسمط اللآلي ص٩٣٧، وشرح اختيارات المفصل ص١٥٥٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٧١، ولسان العرب ١/ ٧١٢، "كرب" والمقاصد النحوية ٢/ ٢٠٢، ونوادر أبي زيد ص١١٤، ولعبد الله بن خفاف في تخليص الشواهد ص٣٣٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣١٩، وجمهرة اللغة ص٣٢٨، وشرح الأشموني ١/ ١٣١.
[ ١ / ٢٨٨ ]
"كقوله" وهو كبير بن عبد الرحمن: [من الوافر]
٢٢٥-
"فإنك موشك أن لا تراها" وتعدو دون غاضرة العوادي
فـ"موشك" اسم فاعل أوشك، و"تعدو" مضارع عدا: إذا جاوز، و"غاضرة" بغين فضاد معجمتين جارية أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز، و"العوادي" بالعين المهملة: عوائق الدهر فاعل "تعدو"، "والصواب أن الذي في البيت الأول كابد بالباء الموحدة من المكابدة والعمل، وهو" اسم "للفاعل غير جار على الفعل"؛ لأن فعله كابد وقياس اسم فاعله الجاري عليه "مكابد"، "كابد" وبهذا جزم١ يعقوب" بن السكيت "في شرح ديوان كثير"، عزة، فلا دليل للناظم فيه، وقد ثبت عن الموضح أنه رجع لقول الناظم أخيرًا فقال في شرح الشواهد الكبرى: والظاهر ما أنشده الناظم، وقد كنت أقمت مدة على مخالفته، وذكرت ذلك في توضيح الخلاصة، ثم اتضح لي أن الحق معه ا. هـ.
"و" الصواب "أن "كاربا" في البيت الثاني اسم فاعل "كرب" التامة، في نحو قولهم: "كرب الشتاء"، إذا قرب، وبهذا جزم الجوهري" في الصحاح٢، وأصله: كارب يومه، برفع يوم، أي: قريب، وفي كرب استعمالان: ناقصة، وتامة، والتامة قاصرة ومتعدية، فالقاصرة نحو: كرب الشتاء، وقولهم: كل دان قريب فهو كارب، والمتعدية نحو: كربت القيد إذا ضيقته على المقيد.
"واستعمل مصدرًا لاثنين وهما: طفق وكاد، حكى الأخفش: طفوقًا" كقعودًا "عمن قال: طفق بالفتح٣" فإن قياسه الفعول، ﴿وَطَفِقَا﴾ [الأعراف: ٢٢] بفتحتين١، كفرحا، "عمن قال: طفق، بالكسر٤" فإن قياسه الفعل بفتحتين "وقالوا: كاد كودا"، كقال قولًا، "ومكادا" كمقالًا، "ومكادة" كمقالة، كيدًا بقلب الواو ياء، وفي حواشي سنن أبي داود للمنذري حكاية إيشاك، مصدر "أوشك" قاله الموضح في الحواشي.
_________________
(١) البيت لكثير عزة في ديوانه ص٢٢٠، والارتشاف ٢/ ١٢٦، والدرر ١/ ٢٦٤، وشرح عمدة الحافظ ص٨٢٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٠٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٢١، وتخليص الشواهد ص٣٣٦، وشرح الأشموني ١/ ١٣١، وهمع الهوامع ١/ ١٢٩، وشرح الكافية الشافية ١/ ٤٦٠. ١ سقطت من "ب". ٢ الصحاح ١/ ٢١١ "كرب". ٣ في المساعد ١/ ٢٩٢: "قال الأخفش: وبعضهم يقول طفق بالفتح، يطفق طفوقًا". ٤ في معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥١٤: "قال: طفقا، وقال بعضهم، طَفَقَ، وهذه قراءة أبي السمال".
[ ١ / ٢٨٩ ]
"فصل":
"وتختص عسى واخلولق وأوشك" من بين أفعال هذا الباب "بجواز إسنادهن إلى "أن يَفْعَلَ" حال كون "أن يفعل" "مستغنى به عن الخبر"، فتكون تامة، وهذا معنى قول الناظم:
١٧١-
بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد غنى بأن يفعل غن ثان فقد
"نحو: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] "وينبني على هذا الأصل فرعان: أحدهما: أنه إذا تقدم على إحداهن اسم هو المسند إليه" الفعل "في المعنى، وتأخر عنها "أن" والفعل، نحو: زيد عسى أن يقوم، جاز تقديرها خالية من ضمير ذلك الاسم" المتقدم عليها، "فتكون" "عسى" "مسندة إلى "أن" والفعل مستغنى بهما عن الخبر"، فتكون تامة، وهذه لغة أهل الحجاز، "وجاز تقديرها مسندة إلى الضمير" العائد إلى الاسم المتقدم عليها، فيكون الضمير اسمها، "وتكون "أن" والفعل في موضع نصب على الخبر"، فتكون ناقصة، وهذه لغة بني تميم، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٧٢-
وجردن عسى أو ارفع مضمرًا بها إذا اسم قبلها قد ذكرا
"ويظهر أثر" هذين "التقديرين" في حال "التأنيث والتثنية والجمع" المذكر والمؤنث، "فتقول على تقدير الإضمار" في "عسى": "هند عست أن تفلح"، فـ"هند" مبتدأ، و"عسى" فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر فيها يعود على "هند"، و"أن تفلح" في موضع نصب على أنه خبر "عسى"، و"عسى" ومعمولاها في موضع رفع على أنه خبر المبتدأ. "والزيدان عسيا أن يقوما"، فـ"الزيدان" مبتدأ، و"عسى" فعل ماض ناقص، والألف المتصلة بها اسمها، و"أن يقوما" خبرها، وجملة "عسى" ومعمولاها خبر المبتدأ، "والزيدون عسوا أن يقوموا" كذلك، "والهندات عسين أن يقمن" كذلك، "وتقول على تقدير الخلو من المضمر" في "عسى": هند
[ ١ / ٢٩٠ ]
"عسى" أن تفلح، والزيدان عسى أن يقوما، والزيدون عسى أن يقوموا، والهندات عسى أن يقمن، فتقدر عسى خالية من الضمير "في" الأمثلة "الجميع"، وهي تامة.
وأن والفعل بعدها في موضع رفع على الفاعلية بها، وهي ومرفوعها في موضع رفع على الخبرية للمبتدأ قبلها، "و" الخلو من الضمير "هو الأفصح"، وبه جاء التنزيل، "قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] . "و" الفرع "الثاني أنه إذا ولي إحداهن أن والفعل، وتأخر عنها اسم هو المسند إليه في المعنى، نحو عسى أن يقوم زيد، جاز" الوجهان السابقات فيما إذا تقدم المسند إليه في المعنى، وعلى هذا يكون المبتدأ مؤخرًا لا غيره وجاز إيضًا وجهان آخران. أحدهما: أنه يجوز "في ذلك الفعل" المقرون بـ"أن" "أن يقدر خاليًا من الضمير" العائد إلى الاسم المتأخر، "فيكون" الفعل "مسندًا إلى ذلك الاسم" المتأخر، "و" تكون ""عسى" مسندة إلى "أن"، والفعل مستغنى بهما عن الخبر"، فتكون تامة.
"و" الثاني: أنه يجوز "أن يقدر" ذلك الفعل "متحملًا لضمير ذلك الاسم" المتأخر. "فيكون الاسم" المتأخر "مرفوعًا، بـ"عسى" وتكون "أن" والفعل في موضع نصب على الخبرية" لـ"عسى" مقدمًا على اسمها، فتكون ناقصة.
"ومنع الشلوبين هذا الوجه" الثاني "لضعف هذه الأفعال عن توسط الخبر١، وأجازه" أبو العباس "المبرد٢، و" أبو سعيد "السيرافي، و" أبو علي "الفارسي٣، ويظهر أثر الاحتمالين أيضًا في" حال "التأنيث والتثنية والجمع" المذكر والمؤنث، "فتقول على وجه الإضمار" في الفعل المقرون بأن: "عسى أن يقوما أخواك"، فـ"أخواك" اسم "عسى" مؤخر، و"أن يقوما" في موضع نصب خبر "عسى" متقدم على اسمها "وعسى أن يقوموا إخوتك" فـ"إخوتك" اسم "عسى"، و"أن يقوموا" خبرها، "و: عسى أن يقمن نسوتك"، فـ" نسوتك"، اسم "عسى"، و"أن يقمن" خبرها، "و: عسى أن تطلع الشمس، بالتأنيث، لا غير" فـ"الشمس" اسم "عسى"، و"أن تطلع" خرها، وإنما وجب تأنيث الفعل؛ لأنه إذا
_________________
(١) ١ في شرح ابن عقيل ١/ ٣٤١، "ذهب الأستاذ أبو علي الشلوبين إلى أنه يجب أن يكون الظاهر مرفوعًا بالفعل الذي بعد "أن"، فـ"أن" وما بعدها فاعل لـ"عسى" وهي تامة ولا خبر لها". ٢ المقتضب ٣/ ٧٠. ٣ شرح ابن عقيل ١/ ٣٤٢.
[ ١ / ٢٩١ ]
أسند إلى ضمير متصل وجب تأنيثه لئلا يلتبس بالإسناد إلى الظاهر. كما سيجيء في باب الفاعل.
"و" تقول "على الوجه الآخر" وهو عدم الإضمار في الفعل: عسى أن يقوم أخواك، وعسى أن يقوم إخوتك، وعسى أن تقوم نسوتك، وعسى أن تطلع الشمس، فالاسم المتأخر في هذه الأمثلة فاعل، "يقوم"، و"تطلع" مسندة إلى "أن"، والفعل مستغنى بهما عن الخبر، ففي الأمثلة الثلاثة، الأول "توحد "يقوم"؛ لأنه مسند إلى الظاهر، وسيأتي أن الأفصح توحيده، "و" في المثال الأخير "تؤنث "تطلع" أو تذكره"؛ لأنه أسند إلى ظاهر مجازي التأنيث، وسيأتي أنه يجوز تذكيره وتأنيثه، لا يقال إذا تأخر المسند إليه في المعنى يكون مطلوبًا لكل من الفعلين فلا يتأتى فيه ما تقدم؛ لأنا نقول دعوى التنازع فيه ممنوعة؛ لأن أحد الفعلين جامد، وسيأتي أن التنازع لا يكون بين جامدين ولا بين جامد وغيره.
مسألة:
يجوز كسر سين: عسى" في لغة من قال: هو عس بكذا، مثل: شج، من شجى، "خلافًا لأبي عبيدة" في منعه الكسر، "وليس ذلك" الجواز "مطلقًا"، سواء أسندته إلى ظاهر أو مضمر، "خلافًا للفارسي" في إجازته الكسر مطلقًا١، فيجيز: عسي زيد، بكسر السين، كرضي زيد، "بل يتقيد بأن يسند إلى" ضمير يسكن معه آخر الفعل. فيشمل ما إذا كان مسندا إلى "التاء أو النون أو نا، نحو:" عسيت بالحركات الثلاث في التاء، وعسيتما وعسيتم وعسيتن وعسين وعسينا، بفتح السين وكسرها في الجميع٢، وبهما قرئ في السبع: قال الله تعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، قرأهما نافع بالكسر لمناسبة الياء٣، وغيره بالفتح وهو المختار لجريانه على القياس، وهو عدم اختلافه مع الظاهر والمضمر، بخلاف الكسر؛ ولأنه اللغة الشائعة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٧٣-
والفتح والكسر أجز في السين من نحو عسيت وانتقا الفتح زكن
_________________
(١) ١ انظر الحجة ٢/ ٣٥٠. ٢ انظر الارتشاف ٢/ ١٤٢. ٣ وقرأها كذلك: الحسن وطلحة، انظر البحر المحيط ٢/ ٢٥٥.
[ ١ / ٢٩٢ ]
باب الأحرف الثمانية
مدخل
باب الأحرف الثمانية:
عبر بالأحرف نظرًا إلى أن هذا العدد للقلة، وبالثمانية لإدخال "أن" المفتوحة "وعسى"، و"لا" التبرئة، وعبر سيبويه١ بالحروف الخمسة؛ لأن المفتوحة فرع المكسورة، عنده. "الداخلة على المبتدأ والخبر فتنصب المبتدأ" اتفاقًا، بشرط أن يكون مذكورًا غير واجب الابتداء، أو التصدير. "ويسمى اسمًا، وترفع خبره"، على الأصح عند البصريين٢، بشرط أن لا يكون طلبيا، "ويسمى خبرها"، فلو كان محذوفًا، نحو: الحمد لله الحميد، برفع "الحميد" على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو واجب الابتداء كأيمن، أو واجب التصدير غير ضمير الشأن، كـ"أي" و"كم" لم تنصبه هذه الأحرف، ولو كان الخبر طلبيًا، نحو: زيد اضربه، وأين زيد، لم ترفعه هذه الأحرف، إلا أن يكون الاستفهام جوابًا، حكي من كلامهم: أن أين الماء والعشب، جوابًا لمن قال: أن في موضع كذا الماء والعشب، قاله أبو حيان٣.
وذهب لكوفيون إلى أن هذه الأحرف لا تعمل في الخبر، وإنما هو مرفوع بما كان مرفوعًا به قبل دخولهن وهو المبتدأ، ولكل من الفريقين حجة. فحجة البصريين أن لهذه الأحرف شبهًا بـ"كان" الناقصة في لزوم دخولهن على المبتدأ والخبر، والاستغناء بهما، فعملهن عملها معكوسًا، ليكون المبتدأ والخبر معهن كمفعول قدم، وفاعل أخر، تنبيهًا على الفرعية، وحجة الكوفيين أنه لا يجوز: إن قائم زيدًا، ولو كان الخبر معمولها لجاز أن يليها. وينبني على هذا الخلاف خلاف في جواز العطف بالرفع قبل مجيء الخبر، وسيأتي.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ١٣١. ٢ الإنصاف ١/ ١٧٦. ٣ الإنصاف ١/ ١٧٦، المسألة رقم ٢٢.
[ ١ / ٢٩٣ ]
فالحرف "الأول والثاني "إن"" المكسورة، "و"أن"" المفتوحة، "وهما لتوكيد النسبة" بين الجزأين، "ونفي الشك عنها، و" نفي "الإنكار لها"، بحسب العلم بالنسبة والتردد فيها، والإنكار لها، فإن كان المخاطب عالمًا بالنسبة، فهما لمجرد توكيد النسبة. وإذا كان مترددًا فيها، فهما لنفي الشك عنها وإن كان منكرًا لها، فهما لنفي الإنكار لها، فالتوكيد لنفي الشك عنها مستحسن، ولنفي الإنكار واجب، ولغيرهما لا.
"و" الحرف "الثالث: "لكن"، وهو للاستدراك"، وهو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه من الكلام السابق، "والتوكيد" قاله جماعة، منهم صاحب البسيط.
"فالأول:" وهو الاستدراك، كقولك: "زيد شجاع"، فيوهم ذلك أنه كريم؛ لأن من شيمة الشجاع الكرم، فتقول "لكنه بخيل"، وتقول: ما زيد شجاع، فيوهم أنه ليس بكريم، فتقول: لكنه كريم، ولكونها للاستدراك لا بد أن يتقدم عليها كلام، ثم لا يخلو ما بعدها، إما أن يكون نقيضًا لما قبلها، نحو: هذا متحرك، لكن هذا ساكن، أو ضدا له، نحو: ما هذا أسود، لكنه أبيض، أو خلافًا له، نحو: ما قام زيد لكن عمرًا يشرب، أو مثلًا له، نحو: ما زيد قائم لكن عمرًا قائم، فالأول والثاني جائزان باتفاق، والثالث جائز على الأصح، والرابع ممتنع بالاتفاق، قاله أبو حيان في النكت الحسان١.
"والثاني" وهو التوكيد، "نحو" قولك: "لو جاءني" زيدًا زيد أكرمته، فهذا يدل على امتناع المجيء؛ لأن "لو" إذا أدخلت على مثبت نفته، فإذا أردت توكيده قلت: "لكنه لم يجئ" فأكدت بـ"لكن" من أفادته "لو" من الامتناع بـ"لكن". وهي بسيطة على الأصح. وذهب الكوفيون إلى أنها مركبة من "لا" و"أن" والكاف زائدة بينهما لا للتنبيه، وحذفت الهمزة تخفيفًا.
"و" الحرف "الرابع "كأن"" بتشديد النون، "وهو للتشبيه المؤكد"، بفتح الكاف، نعت للتشبيه، نحو: كأن زيدًا أسد، أو حمار، مما الخبر فيه أرفع من الاسم أو أخفض منه، ففيه تشبيه مؤكد بـ"كأن"، "لأنه مركب من الكاف" المفيدة للتشبيه، "و"أن" المفيدة للتوكيد، والأصل: إن زيدًا كالأسد، أو كالحمار، فقدمت الكاف على "أن" ليدل أول الكلام على التشبيه من أول وهلة، وفتحت همزة "أن" وصارا كلمة واحدة، ولهذا لا تتعلق الكاف بشيء، وقبل التقديم والتركيب كانت متعلقة بمحذوف على الأصح.
_________________
(١) ١ النكت الحسان ص٧٩.
[ ١ / ٢٩٤ ]
"وكأن" ملازمة للتشبيه، ولا تكون للتحقيق، خلافًا للكوفيين١، ولا حجة لهم في قوله: [من الوافر]
٢٢٦-
فأصبح بطن مكة مقشعرا كأن الأرض ليس بها هشام
لأنه محمول على التشبيه، فإن الأرض ليس بها هشام حقيقة، بل هو فيها مدفون، ولا للظن فيما إذا كان خبرها فعلًا أو ظرفًا، أو صفة من صفة أسمائها، نحو: كأن زيدًا قعد، أو يقعد. أو في الدار أو عندك، أو قاعد، خلافًا لابن السيد٢، ولا للتقريب، نحو: كأنك بالدنيا لم تكن، خلافًا لأبي الحسين الأنصاري، ولا للنفي نحو: كأنك دال عليها، أي: ما أنت دال عليها، خلافًا للفارسي.
"و" الحرف "الخامس: ليت"، وهي للتمني وهو طلب ما لا طمع فيه، أو ما فيه عسر." فالأول "نحو" قول الطاعن في السن: "ليت الشباب عائد" فإن عود الشباب لا طمع فيه، لاستحالته عادة. و" الثاني نحو "قول منقطع الرجاء" من مال يحج به، "ليت لي مالًا فأحج منه"، فإن حصول المال ممكن، ولكن فيه عسر ويمتنع: ليت غدا يجيء، فإن غدًا واجب المجيء، والحاصل أن التمني يكون في الممتنع والممكن، ولا يكون في الواجب.
"و" الحرف "السادس: "لعل"، وهي للتوقع، وعبر عنه قوم بالترجي في" الشيء "المحبوب، نحو:" لعل الحبيب قادم، ومنه عند البصريين: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، "والإشفاق في" الشيء "المكروه، نحو: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦]، أي: قاتل نفسك، والمعنى: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك، قاله في الكشاف٣.
فتوقع المحبوب يمسى ترجيًا، وتوقع المكروه ويسمى إشفاقًا، ولا يمكن التوقع إلا في الممكن، وأما قول فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]
_________________
(١) ١ في الارتشاف ٢/ ١٢٩: "زعم الكوفيون والزجاجي أن "كأن" تكون للتحقيق".
(٢) البيت للحارث بن خالد في ديوانه ص٩٣، والاشتقاق ص١٠١، ١٤٧، وبلا نسبة في الجنى الداني ص٥٧١، وجواهر الأدب ص٩٣، والدرر ١/ ٢٨٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥١٥، ولسان العرب ١٢/ ٤٦١ "قثم" ومغني اللبيب ١/ ١٩٢، وهمع الهوامع ١/ ١٣٣. ٢ في الارتشاف ٢/ ١٩٢: "وزعم الكوفيون والزجاجي وتبعهم ابن الطراوة وابن السيد أنه إذا كان الخبر صفة أو فعلًا أو جملة أو ظرفًا كانت "كأن" للشك، نحو: ظننت وتوهمت. ٣ الكشاف ٢/ ٤٧٣.
[ ١ / ٢٩٥ ]
فجهل منه، أو إفك، قاله في المغني١.
والإشفاق لغة الخوف، يقال: أشفقت عليه بمعنى: خفت عليه، وأشفقت منه بمعنى: خفت منه وحذرته. "قال الأخفش" والكسائي: "و" تأتي "لعل" "للتعليل، نحو" ما قال الأخفش: يقول الرجل لصاحبه: "أفرغ عملك لعلنا نتغدى"، واعمل عملك لعلك تأخذ أجرك، أي: لنتغدى ولتأخذ٢ ا. هـ.
"ومنه": أي: من التعليل: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ . [طه: ٤٤]، أي: ليتذكر. قال في المغني٣: ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء، ويصرفه للمخاطبين، أي: اذهبا على رجائكما، ا. هـ.
"قال الكوفيون٤": وتأتي "لعل" "للاستفهام". قال في المغني٥: ولهذا علق بها الفعل، "نحو": ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣] ا. هـ.
وعلى هذا فالتقدير: لا تدري أألله يحدث بعد ذلك أمرًا، وما يدريك أيزكى، والمعنى: لا تدري جواب أألله يحدث، وما يدريك جواب أيزكى، قاله قريب الموضح في حاشيته: وهذان المعنيان لا يثبتهما البصريون.
"وعقيل" بالتصغير "تجيز جر اسمها، وكسر لامها الأخيرة"، وحذف لامها الأولى وإثباتها، قال شاعرهم: [من الطويل]
٢٢٧-
لعل أبي المغوار منك قريب
وظاهر كلامه هنا أنها في حال الجر عاملة عمل "إن" وأن اسمها في موضع نصب، وخالف ذلك في المغني٦، فقال له نصه: واعلم أن مجرور "لعل" في موضع رفع بالابتداء لتنزيل "لعل" منزلة الجار الزائد، نحو: بحسبك درهم بجامع ما بينهما من عدم التعلق بعامل، وقوله "قريب" خبر ذلك المبتدأ ا. هـ.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٣٧٩. ٢ معاني القرآن للأخفش ٢/ ٦٣١. ٣ مغني اللبيب ص٣٧٩. ٤ الارتشاف ٢/ ١٣٠، ومغني اللبيب ص٣٧٩. ٥ معني اللبيب ص٣٧٩.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ١٣٥. ٦ مغني اللبيب ص٣٧٧.
[ ١ / ٢٩٦ ]
"و" الحرف "السابع "عسى" في لغية" بالتصغير، "وهو بمعنى: لعل" في الترجي والإشفاق، فحملت في العمل عليها، كما حملت "لعل" على "عسى" في إدخال أن في خبرها، كالحديث١: "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض".
"وشرط اسمها أن يكون ضميرًا" لغائب أو متكلم أو مخاطب، "كقوله" وهو صخر بن الجعد الخضري، وكان ترجى أن محبوبته يصيبها مرض، ليكون ذلك وسيلة إلى عيادته إياها: [من الطويل]
٢٢٨-
فقلت عساها نار كأس وعلها تشكى فآتي نحوها فأعودها
فالهاء المتصلة بـ"عسى" اسمه، و"نار كأس" خبره، "وقوله" هو عمران بن حطان الخارجي، وكان سنيا فتزوج امرأة من الخوارج، فقيل له فيها، فقال: أردها عن مذهبها، فغلبت هي عليه وأضلته عن مذهب أهل السنة: [من الوافر]
٢٢٩-
ولي نفس تنازعي إذا ما "أقول لها لعلي أو عساني"
فياء المتلكم اسم "عسى"، وخبره محذوف، وقول آخر: [من الرجز]
٢٣٠-
يا أبتا علك أو عساكا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب المظالم برقم ٢٥٣٤.
(٢) البيت لضخر بن جعد الخضري في الدرر اللوامع ١/ ٢٧٨، وشرح شواهد المغني ص٤٤٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٢٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٢٩، والجنى الداني ٤٦٩، وخزانة الأدب ٥/ ٣٥٠، ومغني اللبيب ص١٥٣، وهمع الهوامع ١/ ١٣٢.
(٣) البيت لعمران بن حطان في الارتشاف ٢/ ١٢٥، وتذكرة النحاة ٤٤٠، وخزانة الأدب ٥/ ٣٣٧، ٣٤٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٢٤، وشرح المفصل ٣/ ١٢٠، ٧/ ١٢٣، والكتاب ٢/ ٣٧٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٢٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٣٠، وتذكرة النحاة ص٤٩٥، والجنى الداني ص٤٦٦، والخزانة ٥/ ٣٦٣، والخصائص ٣/ ٥، ورصف المباني ص٢٤٩، وشرح المفصل ٣/ ١٠، ١١٨، والمقتضب ٣/ ٧٢، والمقرب ١/ ١٠١، وشرح التسهيل ١/ ٣٩٧.
(٤) الرجز لرؤبة في ملحقات ديوانه ص١٨١، وخزانة الأدب ٥/ ٣٦٢، ٣٦٧، ٣٦٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٣، وشرح المفصل ٧/ ١٢٣، ٢/ ٩٠، والكتاب ٢/ ٣٧٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٢، وللعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣١٠، وتهذيب اللغة ١/ ١٠٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٦، والإنصاف ١/ ٢٢٢، والجنى الداني ص٤٤٦، ٤٧٠، والخصائص ٢/ ٩٦، والدرر ١/ ٢٧٧، ورصف المباني ص٢٩، ٢٤٩، ٣٥٥، وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٠٦، ٢/ ٤٩٣، ٥٠٢، وشرح الأشموني ١/ ١٣٣، ٢/ ٤٥٨، وشرح المفصل ٢/ ١٢، ٣/ ١١٨، ١٢٠، ٨/ ٨٧، ٩/ ٣٣، واللامات ص ١٣٥، ولسان العرب ١٤/ ٣٤٩ "روي" وما ينصرف وما لا ينصرف ١٣٠، والمقتضب ٣/ ٧١، ومغني اللبيب ١/ ١٥١، ٢/ ٦٩٩، وهمع الهوامع ١/ ١٣٢، وتاج العروس "الياء".
[ ١ / ٢٩٧ ]
فالكاف اسمه، وخبره محذوف. وما ذكره الموضح من أن الضمير المتصل بـ"عسى" هو اسمه وهو في موضع نصب، وما بعده خبره هو مذهب سيبويه١.
وذهب المبرد٢ والفارسي٣ إلى أن الضمير خبر "عسى" مقدمًا، وما بعده اسمها مؤخرًا.
ورُدّ قولهما بأمرين:
أحدهما: أداؤه إلى كون خبر "عسى"اسمًا مفردًا، وهو ضرورة، أو شاذ جدا.
والثاني: إن من قال "أو عساها" فقط، اقتصر على فعل ومنصوبه دون مرفوعه، ولا نظير لذلك، ولا يرد هذا على سيبويه؛ لأنه يرى أن "عسى" الذي ينصب الاسم حرف، فهو نظير، إن مالًا وإن ولدًا٤.
وذهب الأخفش إلى أن الضمير المنصوب في موضع رفع على أنه اسمها، وما بعده خبرها، وأنه وضع المنصوب موضوع المرفوع.
٢٣١-
فقلت عساها نار كأس
برفع "نار"، "وهو" أي: "عسى" "حينئذ"، أي: حين إذ نصب الاسم، ورفع الخبر "حرف" كـ"لعل" لئلا يلزم حمل الفعل على الحرف. "وفاقًا للسيرافي"، بكسر السين، "ونقله"، أي: نقل السيرافي القول بحرفيته "عن سيبويه٥، خلافًا للجمهور في إطلاق القول بفعليته"، سواء أكان بمعنى "لعل" أم لا. "و" خلافًا "لابن السراج٦" وثعلب "في إطلاق القول بحرفيته".
والحاصل في "عسى" ثلاثة أقوال. فعل مطلقًا، حرف مطلقًا، التفصيل، إن عمل عمل "لعل" فحرف، وإلا ففعل. ومحل الخلاف في "عسى" الجامدة. أما "عسى" المتصرفة فإنها فعل باتفاق ومعناها اشتد، قال عدي: [من الكامل]
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٣٧٤، ٣٧٥. ٢ المقتضب ٣/ ٧١. ٣ الجنى الداني ص٤٧٠. ٤ الكتاب ٢/ ١٤١.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٢٢٨. ٥ الكتاب ٢/ ٣٧٥. ٦ الأصول ١/ ٢٢٩.
[ ١ / ٢٩٨ ]
٢٣٢-
لولا الحياء وأن رأسي قد عسى فيه المشيب لزرت أم القاسم
أي: قد اشتد.
"و" الحرف "الثامن "لا" النافية للجنس، وستأتي" في باب معقود لها بعد بهذا.
"و" هذه الأحرف الثمانية "لا يتقدم خبرهن" عليهن "مطلقًا" من غير استثناء، ولو كان ظرفًا، أو جارا ومجرورًا لعدم تصرفهن. "ولا يتوسط" خبرهن بينهن وبين أسمائهن؛ لأن التوسط يذهب صورة ما أراد: من تقديم المنصوب، وتأخير المرفوع، ومن عادتهم أنهم إذا تركوا شيئًا لا يعودون إليه، قال: [من الطويل]
٢٣٢-
إذا انصرفت نفسي عن الشي لم تكن عليه بوجه آخر الدهر تقبل
"إلا إن كان الحرف" العامل "غير: عسى، و: لا"؛ لأن شرط عملهما اتصال اسمهما بهما، "و" إلا إن كان "الخبر ظرفًا أو مجرورًا" فيجوز توسطه فالظرف "نحو: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١٢] فـ"لدينا" خبر مقدم، و"أنكالًا" اسمها مؤخر، والمجرور، نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَة﴾ [آل عمران: ١٣] فالمجرور خبر مقدم، و"عبرة" اسمها مؤخر، وقد يجب التوسط، نحو: إن عند هند عبدها، وإن في الدار مالكها، واغتفروا التوسط بالظرف والمجرور فيهما لكثرتهما، ولا يلزم من تجويزهم التوسط تجويزهم التقدم على هذه الأحرف؛ لأنه لا يلزم من تجويز الأسهل تجويز غيره، بخلاف العكس، وإلى جواز التوسط بالظرف وعديله أشار الناظم بقوله:
١٧٦-
وراع ذا الترتيب إلا في الذي كليت فيها أو هنا غير البذي
ولا يلي هذه الأحرف معمول خبرها، إلا إن كان ظرفًا أو مجرورًا، ويجوز توسطه بين الاسم والخبر مطلقًا.
_________________
(١) البيت لعدي بن الرقاع ص٩٩، والأغاني ٣/ ٣٧٤، ٩/ ٣٠٤، ٣٠٧، وأمالي المرتضى ١/ ٥١١، وسمط اللآلي ص٥٢١، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٩٢، والشعر والشعراء ٢/ ٦٢٤، ولسان العرب ١٢/ ١٠٠ "جسم"، ١٥/ ٢٨ "عتا" ومعجم البلدان ٢/ ٩٤ "جاسم" ومغني اللبيب ١/ ١٧٣، وبلا نسبة في اللامات ص١٢٩.
(٢) لم أجد البيت في مصادر أخرى.
[ ١ / ٢٩٩ ]
"فصل":
"تتعين "إن" المكسورة" وهي الأصل عند الجمهور: "حيث لا يجوز أن يسد المصدر مسدها ومسد معموليها، و" تتعين "أن: المفتوحة"، وهي الفرع١، "حيث يجب ذلك"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٧٧-
وهمز إن افتح لسد مصدر مسدها وفي سوى ذاك اكسر
"ويجوزان" بألف التثنية، أي: ويجوز "إن" المكسورة والمفتوحة "إن صح الاعتباران" وهما سد المصدر مسدها، ومسد معموليها، وعدمه.
"فالأول" وهو تعيين "إن" المكسورة في مواضع "عشرة"، لا يجوز فيها أن يسد المصدر مسدها ومسد معموليها"، "وهي أن تقع في الابتداء" حقيقة. "نحو: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الدخان: ٣]، [القدر: ١]، إذ لو فتحت لصارت مبتدأ بلا خبر؛ لأن المفتوحة في تأويل مفرد، والمفرد لا يستقل به الكلام، و"في ليلة" متعلق بـ"أنزلنا" لا بالاستقرار. أو حكمًا، "ومنه"، أي: من الابتداء الحكمي: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] لأن "إن" الواقعة بعد "ألا" الاستفتاحية واقعة في الابتداء حكمًا. "أو" تقع "تالية لـ"حيث"، نحو: جلست حيث إن زيدًا جالس"، أو لـ"إذ"، كـ: جئتك إذ إن زيدًا أمي؛ لأن "حيث وإذ" لا يضافان إلا إلى الجمل. وفتح "إن" يؤدي إلى إضافتها إلى المفرد. "أو" تالية "لموصول" اسمي، أو حرفي، "نحو": ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦] فـ"ما" موصول اسمي، ووجب كسر "إن" بعدها لوقوعها في صدر الصلة، وصلة الموصول غير "أل" يجب أن تكون جملة، "بخلاف الواقعة في حشو الصلة نحو: جاء الذي عندي أنه فاضل"، فإنه يجب فتحها فإنها مع
_________________
(١) ١ في همع الهوامع ١/ ١٣٨: "قال قوم: المفتوحة أصل المكسورة، وقال آخرون، كل واحدة أصل برأسها".
[ ١ / ٣٠٠ ]
معموليها مبتدأ تقدم خبره في الظرف قبله، والمبتدأ وخبره صلة "الذي"، وإنما وجب كسرها في نحو: أعجبني الذي أبوه إنه منطلق مع أنها واقعة في حشو الصلة؛ لأنها خبر اسم عين، فإطلاقه هنا محمول على تقييده بعد، "و" بخلاف "قولهم: لا أفعله ما أن حراء مكانه" بفتح "أن" لوقوعها في حشو الصلة تقديرًا "إذ التقدير: ما ثبت ذلك" أي: ما ثبت أن حراء مكانه، "فليست في التقدير تالية للموصول" لأنها فاعل بفعل محذوف، والجملة الفعلية صلة "ما" الموصول الحرفي الظرفي، والمعنى: لا أفعله مدة ثبوت حراء مكانه، وحراء بكسر الحاء المهملة، وبالراء جبل على ثلاثة أميال من مكة على يسار الذاهب إلى منى. قال القاضي عياض: يمد ويقصر، ويؤنث ويذكر، فعلى التذكير يصرف، وعلى التأنيث يمنع والتذكير بإرادة الموضع، والتأنيث بإرادة البقعة.
"أو تقع جوابًا لقسم" لم يذكر فعله أو ذكر، وجاءت اللام، فالأول "نحو: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الدخان: ١-٣] والثاني: نحو أقسمت إن زيدا لقائم؛ لأن جواب القسم يجب أن يكون جملة.
"أو" تقع "محكية بالقول، نحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]؛ لأن المحكي بالقول لا يكون إلا جملة. أو ما يؤدي معناها، فإن وقعت بعد القول غير محكية فتحت، نحو: أخصك بالقول أنك فاضل، ونحو: أتقول أن زيدًا عاقل، فإنها في الأول للتعليل، أي: لأنك فاضل، وفي الثاني للقول بمعنى الظن.
"أو" تقع "حالًا" مقرونة بالواو، أولًا، فالأول "نحو: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥]، فجملة "إن" ومعموليها في موضع نصب على الحال، والثاني نحو: جاء زيد إنه فاضل ولم تفتح "إن" فيهما، وإن كان الأصل في الحال الإفراد؛ لأن "أن" المفتوحة مؤولة بمصدر معرفة، وشرط الحال التنكير١.
وأما: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٢٠] فإنما كسرت "إن" لأجل اللام لا لوقعها حالًا، على أن ابن الخباز قال في الكفاية: يجب كسر "إن" بعد "إلا"، نحو: ما يعجبني فيه إلا إنه يقرأ القرآن ا. هـ.
"أو" تقع "صفة" لاسم عين، "نحو: مررت برجل إنه فاضل"؛ لأن الفتح يؤدي إلى وصف أسماء الأعيان بالمصادر، وهي لا توصف بها إلا بتأويل، وذلك مفقود مع
_________________
(١) ١ في "ب": "النكرة".
[ ١ / ٣٠١ ]
"إن" بخلاف الواقع في حشو الصفة فإنها تفتح، نحو: مررت برجل عندي أنه فاضل، فإن الوصف بالجملة لا بالمصدر.
"أو تقع بعد عامل علق" عن عمله فيها "باللام" الابتدائية، "نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] لأنها لو فتحت لزم تسليط العامل عليها، ولام الابتداء لها صدر الكلام، وما له صدر الكلام يمنع ما قبله أن يعمل فيما بعده وهذه اللام وإن كانت متأخرة في اللفظ فرتبتها التقديم على "إنّ"، وإنما أخرت لئلا يدخل حرف توكيد على مثله، ولم تؤخر "إن" لقوتها بالعمل، وإنما فتحت في نحو: علمت أن زيدًا لقعد؛ لأن اللام ليست للابتداء لدخولها على الفعل الماضي، وسيأتي أنها لا تدخل عليه إلا مع "قد" ظاهرة أو مقدرة.
"أو" تقع "خبرًا عن اسم ذات" غير منسوخ، "نحو: زيد إنه فاضل"؛ لأن المصدر لا يخبر به عن أسماء الذوات، إلا بتأويل، وذلك ممتنع مع "أن"، أو منسوخ، "ومنه": ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا " إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ " [الحج: ١٧]، فجملة إن ومعموليها خبر "إن الذين أمنوا" وما عطف عليه وهي أسماء ذوات. قيل: وبقي عليه الواقعة بعد "كلا" نحو: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦]، والمقرون خبرها باللام من غير تعليق، نحو: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] . والواقعة بعد "حتى" الابتدائية، نحو: مرض زيدًا حتى إنهم لا يرجونه، والتابعة لشيء من ذلك، نحو: إن زيدا فاضل، وإن عمرًا جاهل؛ فإن في ذلك كله واجبة الكسر، والحق أن "إن" في ذلك كله ابتدائية، فهي داخلة في قوله، أولًا أن تقع في الابتداء واقتصر الناظم على ستة مواضع فقال: ١٧٨- فاكسر في الابتدا وفي بدء صله وحيث إن ليمين مكمله
١٧٩- أو حكيت بالقول أو حلت محل حال كزرته وإني ذو أمل
١٨٠-
وكسروا من بعد فعل علقا باللام
"والثاني:" وهو تعين "أن" المفتوحة "في" مواضع "ثمانية" يجب فيها أن يسد المصدر مسد "أن"١ وسد معموليها، "وهي أن تقع فاعلة، نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١]، أو تقع مفعولة غير محكية" بالقول، "نحو: ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ﴾ " [ألأنعام: ٨١] أي: إشراككم، بخلاف المحكية بالقول فإنها واجبة الكسر كما تقدم.
_________________
(١) ١ في "ط": "مسدها" مكان "مسد أنّ".
[ ١ / ٣٠٢ ]
"أو" تقع "نائبة عن الفاعل نحم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١]، أي: استماع نفر. "أو" تقع "مبتدأ" في الحال، أو في الأصل.
فالأول نحو: " ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ " [فصلت: ٣٩] أي: رؤيتك الأرض من آياته، هذا مذهب الخليل. وقال المطرزي: اسم الحدث المرفوع بعد الظرف فاعل عند سيبويه، وإن لم يعتمد الظرف على١ شيء، ومنه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ ا. هـ.
والثاني نحو: كان عندي أنك فاضل، والفرق بين قوله أولًا أن تقع في الابتداء، وقوله هنا أن تقع مبتدأ أنها إذا وقعت في الابتداء تكون داخلة في أول جملة مستقلة، وإذا وقعت مبتدأ تكون مع معموليها في تأويل مرفوع على الابتداء محتاج إلى خبر، ومنه عند سيبويه٢: " ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ " [الصافات: ١٤٣] ثم قيل لا يحتاج لخبر لاشتمال صلتها على
المسند إليه، وقيل: له خبر محذوف، والتقدير: لولا كونه من المسبحين موجود.
وذهب المبرد والزجاج والكوفيون إلى أنه فاعل بفعل محذوف، والتقدير: فلولا ثبت أنه كان من المسبحين، على الخلاف في: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥] وقاله في المغني٣.
"أو" تقع "خبرًا عن اسم معنى غير قول ولا صادق عليه" أي: على اسم المعنى "خبرها" أي:
خبر "أن"، "نحو: اعتقادي أنه فاضل" فيجب فتحها؛ لأنها خبر "اعتقادي"، وهو اسم معنى غير قول ولا صادق على اعتقادي خبرها؛ لأن "فاضل" لا يصدق على الاعتقاد، وإنما فتحت لسد المصدر مسدها ومسد معموليها، والتقدير: اعتقادي فضله، أي: معتقدي ذلك، ولم يجز كسرها على أن تكون مع معموليها جملة مخبرًا بها عن "اعتقادي" لعدم الرابط؛ لأن اسم "إن" لا يعود على المبتدأ الذي هو "اعتقادي"؛ لأن خبرها غير صادق عليه، فهو يعود على غيره، فتبقى الجملة بلا رابط، "بخلاف قولي: إنه فاضل" فيجب كسرها؛ لأنها وقعت خبرًا عن "قولي"، ولا تحتاج إلى رابط؛ لأن الجملة إذا قصد حكاية لفظها كانت نفس المبتدأ في المعنى، والتقدير: قولي هذا اللفظ لا غيره، أما إذا أريد أن جملة "أن" منصوبة بـ"قولي" كانت من
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ١١٩، ١٢٠. ٢ الكتاب ٣/ ١٣٩، ١٤٠. ٣ مغني اللبيب ص٣٥٦.
[ ١ / ٣٠٣ ]
تتمة المبتدأ، فتحتاج إلى خبر ولا يصح فتحها لفساد المعنى؛ لأن القول لا يخبر عن بالفضل، "وبخلاف: اعتقاد زيد إنه حق" فيجب كسرها أيضًا؛ لأن خبرها وهو "حق" صاقد على "الاعتقاد"، ولا مانع من وقوع جملة "أن" ومعموليها خبرًا عن المبتدأ؛ لأن اسم "أن" رابط بينهما، ولا يصح فتحها؛ لأنه يصير اعتقاد زيد كون اعتقاده حقا، وذلك لا يفيد؛ لأن الخبر لا بد أن يستفاد ما لا يستفاد من المبتدأ وسكت عن القسم الرابع. وهو أن تقع خبرًا عن قول، وخبرها صادق عليه نحم: قولي إنه حق، لظهور أنها إذا كانت تكسر مع أحدهما فمعهما أولى.
أو تقع "مجرورة بالحرف، نحو ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦]؛ لأن المجرور بالحرف لا يكون إلا مفردًا.
أو تقع "مجرورة بالإضافة" إلى غير ظرف، "نحو: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، فـ" مثل" مضاف إلى "أنكم تنطقون"، و"ما" صلة، أي: مثل نطقكم؛ لأن المجرور بالمضاف حقه الإفراد إذا لم يكن المضاف ظرفًا يقتضي الجملة، فإن كان كذلك كسرت كما تقدم في "حيث و"إذ".
أو تقع تابعة لشيء من ذلك، وهي إما أن تكون "معطوفة على شيء من ذلك نحو: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٢]، فـ" أني فضلتكم" معطوف على "نعمتي"، وهو مفعول به، والمعنى: اذكروا نعمتي وتفضيلي.
"أو مبدلة من شيء من ذلك، نحو: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ " [الأنفال: ٧] فـ"أنها لكم" بدل اشتمال من "إحدى" والتقدير: إحدى الطائفتين كونها لكم. فهذه الأماكن الثمانية يجب فتح "أن" فيها؛ لأنها أماكن المفردات، لا أماكن الجمل.
والثالث:" ما يجوز فيه الأمران، كسر "إن" وفتحها، باعتبارين مختلفين، وذلك "في" مواضع "تسع:
أحدها: أن تقع بعد فاء الجزاء، نحو:" ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ من قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ الآية" [الأنعام: ٥٤] قرئ بكسر "إن" وفتحها١، "فالكسر" على جعل ما بعد فاء الجزاء جملة تامة "على معنى: فهو غفور رحيم، والفتح"، على تقدير أن ومعموليها مبتدأ، خبره محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف،
_________________
(١) ١ قرأها عاصم وابن عامر بالفتح "فأنه"، وقرأها الباقون بالكسر. انظر النشر ٢/ ٢٥٨.
[ ١ / ٣٠٤ ]
"على معنى: فالغفران والرحمة، أي: حاصلان، أو فالحاصل الغفران والرحمة"، وإذا دار الأمر بين حذف أحد الجزأين فحذف المبتدأ أولى؛ لأنه المعهود في الجملة الجزائية "كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ﴾ [فصلت: ٤٩]، أي: فهو يئوس".
الموضع "الثاني: أن تقع بعد "إذا" الفجائية" نسبة إلى الفجاءة، بضم الفاء والمد، والمراد بها: الهجوم والبغتة، تقول: فاجأني كذا، إذا هجم عليك بغتة، والغرض من الإتيان بها الدلالة على أن ما بعدها يحصل بعد وجود ما قبلها، على سبيل المفاجأة "كقوله": [من الطويل]
٢٣٤-
وكنت أرى زيدًا كما قيل سيدا "إذ أنه عبد القفا واللهازم"
أنشده سبيويه، ولم يعزه إلى أحد، وأرى بضم الهمزة بمعنى: أظن يتعدى إلى اثنين، وهما زيدًا وسيدًا، وما بينهما اعتراض، "فإذا أنه" يروى بكسر "إن" وفتحها، "فالكسر على معنى" الجملة، أي: "فإذا هو عبد القفا"، فالجملة مذكورة بتمامها، "والفتح على معنى" الإفراد، "فإذا العبودية، أي: حاصلة" على جعلها مبتدأ، حذف خبره١، "كما تقول: خرجت فإذا الأ سد" أي: حاضر، وذهب قوم إلى أن "إذا" هي الخبر، فعلى هذا لا حذف، واللهازم جمع لهزمة، بكسر اللام وبالزاي، وهو: طرف الحلقوم، وقيل: مضغة تحت الأذن، والمعنى: كنت أظن سيادته، فلما نظرت إلى قفاه ولهازمه تبين لي عبوديته وقيل المعنى: كنت أظنه سيدًا كما قيل فإذا هو ذليل خسيس عبد البطن، وخص هذين بالذكر؛ لأن القفا موضع الصفع، واللهازم موضع اللكز.
الموضع "الثالث: أن تقع في موضع التعليل نحو:" ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، من قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، قرأ نافع والكسائي بالفتح على تقدير لام العلة" أي: لأنه٢ وحرف الجر إذا دخل على "أن" لفظًا أو تقديرًا فتح همزتها، فهو تعليل إفرادي، "و" قرأ "الباقون" من السبعة
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٢٤٠، وأوضح المسالك ١/ ٣٣٨، وتخليص الشواهد ٣٤٨، والجنى الداني ٣٧٨، ٤١١، وجواهر الأدب ٣٥٢، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٦٥، والخصائص ٢/ ٣٩٩، والدرر ١/ ٢٩١، وشرح ابن الناظم ١١٩، وشرح الأشموني ١/ ١٣٨، وشرح التسهيل ٢/ ٢٢، وشرح شذور الذهب ٢٠٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٥٦، وشرح عمدة الحافظ ٨٢٨، وشرح المفصل ٤/ ٩٧، ٨/ ٦١، والكتاب ٣/ ١٤٤، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٢٤، والمقتضب ٢/ ٣٥١، وهمع الهوامع ١/ ١٣٨. ١ في شرح التسهيل ٢/ ٢٢: "والكسر أولى لأنه لا يحوج إلى تقدير محذوف". ٢ انظر النشر ٢/ ٣٧٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
"بالكسر على أنه تعليل مستأنف" بياني، فهو في المعنى جواب سؤال مقدر تضمنه ما قبله، فكأنهم لما قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ قيل لهم لم فعلتم ذلك، فقالوا: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ فهو تعليل جملي، "مثل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ " [التوبة: ١٠٣] بكسر "إن" على أنه تعليل مستأنف، "ومثله" في جواز الوجهين: "لبيك إن الحمد والنعمة لك" يروى بكسر "إن" وفتحها١ فالفتح على تقدير لام العلة، والكسر على أنه تعليل مستأنف، وهو أرجح؛ لأن الكلام حينئذ جملتان، لا جملة واحدة، وتكثير الجمل في مقام التعظيم مطلوب، قاله الموضح في شرح بانت سعاد٢.
والكسر اختيار أبي حنفية، والفتح اختيار الشافعي، قاله في الكشاف٣.
الموضع "الرابع: أن تقع بعد فعل قسم ولا لام بعدها، كقوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
٢٣٥-
"أو تحلفي بربك العلي إني أبو ذيالك الصبي"
يروى بكسر "إن" وفتحها "فالكسر على الجواب" للقسم "والبصريون يوجبونه٤"، واختاره الزجاجي٥، "والفتح" عند الكسائي والبغداديين وأوجبه أبو عبد الله الطوال "بتقدير "على"" و"أن" مؤولة بمصدر معمول لفعل القسم، وهو "تحلفي"، بإسقاط الخافض، وعلى هذا ليست جوابًا للقسم؛ لأنها مفرد وجواب القسم لا يكون إلا جملة، وإذا امتنع أن يكون جوابًا للقسم كان الفعل إخبارًا بمعنى الطلب للقسم، لا قسما، إذ الأصل في الجواب أن يكون مذكورًا، لا محذوفًا، "ولو أضمر الفعل"، أي: فعل القسم، وذكرت اللام، أو لم تذكر، "أو ذكرت اللام" وذكر فعل القسم "تعين الكسر إجماعًا" من العرب "نحو: والله إن زيدًا" لقائم أو "قائم، وحلفت إن زيدًا لقائم" وحكى
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٣/ ١٢٨. ٢ شرح بانت سعاد ص١٤٥، ١٤٦. ٣ الكشاف ٢/ ٢١٢.
(٢) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٣٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٤٠، وتخليص الشواهد ص٣٤٨، وشرح ابن الناظم ص١٢٠ وشرح الأشموني ١/ ١٣٨، وشر التسهيل ٢/ ٥٢، والجنى الداني ص٤١٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٥٨، وشرح عمدة الحافظ ٢٣١، ولسان العرب ١٥/ ٤٥٠ "ذا" واللمع في العربية ص٣٠٤، وتاج العروس "ذا". ٤ انظر همع الهوامع ١/ ١٣٧، والارتشاف ٢/ ١٣٩. ٥ في الجمل ص٥٨: "والكسر أجود وأكثر في كلام العرب، والفتح جائز قياسًا".
[ ١ / ٣٠٦ ]
ابن كيسان عن الكوفيين جواز الوجهين إذا أضمر الفعل، ولم تذكر اللام١، نحو: والله إن زيدًا قائم، وأنهم يفضلون الفتح في هذا المثال على الكسر، وأن أبا عبد الله الطوال منهم يوجبه، وهذا لا يقدح في دعوى الإجماع السابقة عن العرب، فإن الكوفيين، ومنهم الطوال لم يثبت لهم سماع بذلك.
الموضع "الخامس: أن تقع خبرًا عن قول ومخبرًا عنها بقول والقائل" للقولين شخص "واحد، نحو: قولي إني أحمد الله"، بفتح "إن" وكسرها، فإذا فتحت فالقول على حقيقته من المصدرية. أي: قولي حمد الله، وإذا كسرت فهو بمعنى المقول، أي: مقولي إني أحمد الله، قاله الموضح في حواشيه على التسهيل، ومن خطه نقلت. فالخبر على الأول مفرد، وعلى الثاني جملة، وهي مستغنية عن العائد؛ لأنها نفس المبتدأ في المعنى، على حد قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] قاله الموضح في شرح الشذور٢.
"ولو انتفى القول الأول فتحت وجوبًا، نحو: عملي أني أحمد الله" لأنها خبر عن اسم معنى غير قول، والتقدير: عملي حمد الله، وهذا مبني على انحصار العمل في الحمد، إذ لا يخبر بالخاص عن العام إلا إذا ادعي انحصاره فيه، نحو: صديقي زيد؛ لأن المحمول لا يكون أخص من الموضوع، ولا يقال: الحيوان إنسان، وإنما يكون أعم منه كالإنسان حيوان، أو مساويًا كالإنسان الناطق، ولا يجوز كسرها لعدم العائد على المبتدأ، وبذلك فارقت: اعتقاد زيد إنه حق، والجامع بينهما أن خبر "أن" فيهما يصدق على المبتدأ، إلا أن يقال باستغنائها عن العائد لكونها نفس المبتدأ في المعنى فيشكل الفرق، "ولو انتفى القول الثاني، أو" وجد القولان، ولكن "اختلف القائل" لهما "كسرت" وجوبًا فيهما، فالأول "نحو: قولي إني مؤمن"، فالقول بمعنى المقول مبتدأ وجملة "إني مؤمن" خبره، وهي نفسه في المعنى، فلا تحتاج لرابط، ولا يصح الفتح؛ لأن الإيمان لا يخبر به عن القول لاختلاف مورديهما، فإن الإيمان مورده الجنان، والقول مورده اللسان. "و" الثاني نحو: "قولي إن زيدًا يحمد الله"، فالكسر على ما مر قبله، ولا يصح الفتح لفساد المعنى، إذ لا يصح أن يقال: حمد زيد الله؛ لأن "حمد زيد" غير قائم بالمتكلم، فكيف يسنده المتكلم إلى نفسه.
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ١٣٩. ٢ شرح شذور الذهب ص٢٠٨.
[ ١ / ٣٠٧ ]
الموضع "السادس: "أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] قرأ نافع وأبو بكر بالكسر١" في ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ﴾ . "أما على الاستئناف" فتكون جملة منقطعة عما قبلها، "أو بالعطف على جملة "إن" الأولى"، وهي: إن لك أن لا تجوع، وعليهما فلا محل لها من الإعراب. "و" قرأ "الباقون" من السبعة "بالفتح، بالعطف على أن لا تجوع"، من عطف المفرد على مثله، والتقدير: أن لك عدم الجوع، وعدم الظمأ.
واحترز بقوله: صالح للعطف عليه من نحو قولك: إن لي مالًا وإن عمرًا فاضل، فإن مالًا مفرد غير صالح للعطف عليه، إذ لا يصح أن يقال: أن لي مالًا وفضل عمرو، فيجب كسر "إن".
الموضع "السابع: أن تقع بعد حتى"، من حيث هي، ثم تارة يجب كسرها، وتارة يجب فتحها، وليس المراد جواز الفتح والكسر في محل واحد، كما مر قبله، "بل يختص الكسر بالابتدائية، نحو: مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه"؛ لأن "حتى" الابتدائية منزلة منزلة "ألا" الاستفتاحية، فتكسر "إن" بعدها "و" يختص "الفتح بالجارة والعاطفة٢، نحو عرفت أمورك حتى أنك فاضل"، فـ"حتى" في هذا المثال تصلح لأن تكون جارة، ولأن تكون عاطفة، و"أن" فيهما مفتوحة، فإن قدرت "حتى" جارة فـ"أن" في موضع جر بها، وإن قدرتها عاطفة فـ"أن" في موضع نصب، والتقدير على الجر: عرفت أمورك إلى فضلك، وعلى النصب: عرفت أمورك وفضلك، أما فتحتها في الجر فلدخول الجار عليها، وأما فتحها في النصب فلعطفها على المفعول.
الموضع "الثامن: أن تقع بعد "أما"" بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، "نحو: أما إنك فاضل، فالكسر على أنها" أي: "أما" "حرف استفتاح"، فتكون حرفًا واحدًا، "بمنزلة: ألا" الاستفتاحية، وتلك تكسر "إن" بعدها، "والفتح على أنها" مركبة من همزة الاستفهام، و"ما" العامة بمعنى شيء، وصارا بعد التركيب "بمعنى "حقا"" بتقديم الهمزة على "حقا" على الصواب، لا بإسقاطها، كما قال الموضح في الحواشي، وهو قليل، فالهمزة للاستفهام، و"ما" في محل نصب على الظرفية كما
_________________
(١) ١ انظر قراءتها بالكسر في الإتحاف ص٣٠٨، والنشر ٢/ ٣٢٢. ٢ انظر الكتاب ٣/ ١٤٣.
[ ١ / ٣٠٨ ]
انتصب عليها "حقا" في قوله: [من الوافر]
٢٣٦-
أحقا أن جيرتنا استقلوا فنيتنا ونيتهم فريق
تقديره: أفي حق، وقد جاء مصرحًا بـ"في"، كقوله: [من الوافر]
٢٣٧-
أفي حق مواساتي أخاكم
و"أن" وصلتها في موضع رفع على الابتداء عند سيبويه١ والجمهور، فهي بمنزلتها في: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ [فصلت: ٣٩]، وعلى الفاعلية عند المبرد وابن مالك٢، فهمي بمنزلتها في ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١] وأصل ذلك أن "حقا" عند سيبويه ظرف مجازي بمنزلة "كيف١". ومصدر بدل من اللفظ بفعله عند المبرد٣، وابن مالك٤، ورده أبو حيان٥.
الموضع "التاسع: أن تقع بعد "لا جرم"، والغالب الفتح، نحو: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [النحل: ٢٣] فالفتح عند سيبويه٦ على أن "جرم: فعل ماض" معناه وجب، "و"أن" وصلتها فاعل، أي: وجب أن الله يعلم، و"لا" صلة" زائدة للتوكيد، ورده الفراء بأن "لا" لا تزاد في أول الكلام، وعلله في المغني٧ بأن زيادة الشيء
_________________
(١) البيت للمفضل النكري، في الأصمعيات ص٢٠٠، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٠٨، وله أو لعامر بن أسحم بن عدي في الدرر ٢/ ٢١٤، وشرح شواهد المغني ١/ ١٧٠، ولرجل من عبد القيس أو للمفضل بن معشر البكري في تخليص الشواهد ص٣٥١، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٣٥، وللعبدي في خزانة الأدب ١٠/ ٢٧٧، والكتاب ٣/ ١٣٦، وبلا نسبة في الجنى الداني ٣٩١، وشرح ابن الناظم ص١٢١، وشرح الأشموني ١/ ٩٢، وشرح التسهيل ١/ ٢٣، ولسان العرب ١٠/ ٣٠١، "فرق" ومغني اللبيب ١/ ٥٤، ٦٨، وهمع الهوامع ٢/ ٧١.
(٢) عجز البيت: "بما لي ثم يظلمني السريس" ، والبيت لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص٦٣٦، والأغاني ١٢/ ١٢٩، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٢، ولسان العرب ٦/ ١٠٦ "سرس"، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص٣٥٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٩٨٣. ١ الكتاب ٣/ ١٣٧. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٢٣، ٢٤. ٣ على تقدير: أحلف بالله أنك ذاهب، انظر الارتشاف ٢/ ١٤٢. ٤ شرح التسهيل ٢/ ٢٣. ٥ الارتشاف ٢/ ١٤٢. ٦ الكتاب ٣/ ١٣٨. ٧ مغني اللبيب ص٣٢٩.
[ ١ / ٣٠٩ ]
تفيد اطراحه، وكونه أول الكلام تفيد الاعتناء به، وجوابه ما أجاب به الفارسي عن القول بزيادة "لا" في "لا أقسم" من أن القرآن كالسورة الواحدة، وقال المرادي في شرح التسهيل: و"جرم" عند سيبويه بمعنى "حق"١ و"لا" رد لما قبلها، والوقف على "لا" و"أن" وما بعدها في موضع الفاعل. ا. هـ.
وما نقله المرادي عن سيبويه حكاه في المغني٢ عن قطرب، "و" الفتح "عند الفراء على أن "لا جرم" مركبة من حرف واسم٣، "بمنزلة: لا رجل"، في التركيب، "ومعناهما" بعد التركيب:"لا بد"، أو: لا محالة، "و"من"" أو "في" "بعدهما مقدرة"، أي: لا بد من أن الله يعلم، أو: لا محالة في أن الله يعلم.
ونقل ابن مالك٤ عن الفراء٥ أن "لا جرم" بمنزلة "حقا" وأصل جرم من الجرم بمعنى الكسب، "والكسر على ما حكاه الفراء" عن العرب "من أن بعضهم ينزلها منزلة اليمين فيقول: ولا جرم لآتينك"، ولا جرم لقد أحسنت، ولا جرم إنك ذاهب، بكسر "إن"، واقتصر الناظم من ذلك على قوله:
١٨١-
بعد إذا فجاءة أو قسم لا لام بعده بوجهين نمي
١٨٢-
مع تلو فا الجزا وذا يطرد في نحو خير القول إني أحمد
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ١٣٨. ٢ مغني اللبيب ص٣١٤. ٣ معاني القرآن ٢/ ٨. ٤ شرح التسهيل ٢/ ٢٤. ٥ معاني القرآن ٢/ ٩.
[ ١ / ٣١٠ ]
"فصل":
"وتدخل لام الابتداء بعد "إن" المكسورة"، نحو: إن زيدًا لقائم، وتسمى اللام المزحلقة، والمزحلفة، بالقاف والفاء، وبنو تميم يقولون: زحلوقة، بالقاف، وأهل العالية: زحلوقة، بالفاء، سميت بذلك لأن أصل: إن زيدًا لقائم؛ لأن زيدًا قائم، فكرهوا افتتاح الكلام بحرفين مؤكدين، فزحلقوا اللام دون "إن" لئلا يتقدم معمولها عليها، وإنما لم ندع أن الأصل إن لزيدًا قائم لئلا يحول ما له صدر الكلام بين العامل والمعمول، قاله في المغني١.
وإنما دخلت اللام بعد "إن" لأنها شبيهة بالقسم في التأكيد، قاله سيبويه٢.
وسميت لام الابتداء؛ لأنها لا تدخل على المبتدأ، وتدخل على غيره بعد "إن" المكسورة "على أربعة أشياء: أحدها الخبر، وذلك بثلاثة شروط: كونه مؤخرا" عن الاسم، "و" كونه "مثبتًا، و" كونه "غير ماض" فيشمل المفرد، "نحو: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، والجملة المصدرة بالمضارع، نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ﴾ [النمل: ٧٤]، والجار والمجرور والظرف إذا لم يقدر متعلقهما، نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وإن زيدًا لعندك أما إذا قدرا متعلقين بـ"استقر" لم تدخل عليهما اللام؛ لأن معمول الفعل الماضي لا تدخل اللام عليه، خلافًا للأخفش، كما سيأتي، والجملة الاسمية على قلة، نحو: " ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣]، وليس "نحن" ضمير فصل، خلافًا للجرجاني، "بخلاف" نحو: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١٢] لتقدم الخبر "و" بخلاف "نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]، لنفي الخبر، وشذ قوله وهو أبو حرام بن غالب بن حارث
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٣٠٤. ٢ الكتاب ٣/ ١٤٦، ١٤٧.
[ ١ / ٣١١ ]
العكلي: [من الوافر]
٢٣٨-
"وأعلم إن تسليمًا وتركا للا متشابهان ولا سواء"
من وجهين، دخول اللام على الخبر المنفي، وتعليق الفعل عن العمل، حيث كسرت "إن"، وكان القياس أن لا يعلق؛ لأن الخبر المنفي ليس صالحًا للام، وسوغ ذلك كما قيل إنه شبه "لا" بـ "غير" فأدخل عليها اللام، والمعنى: أن التسليم على الناس وتركه ليسا متساويين، ولا قريبين من السواء، وكان حقه أن يقول: للا سواء ولا متشابهان، ولكنه اضطر فقد وأخر. و"سواء" في الأصل مصدر بمعنى المساواة. فلذلك صح وقوعه خبرًا عن اثنين. "وبخلاف نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ [البقرة: ١٣٢]، [آل عمران: ٣٣] لأن الخبر ماض، وإنما دخلت اللام على الخبر المفرد؛ لأنه أشبه المبتدأ، وعلى الفعل المضارع لشبهه بالاسم وعلى الظرف وعديله؛ لأنهما في حكم الاسم، وعلى الجملة الاسمية؛ لأنها مبتدأ وخبر، ولم تدخل على الخبر إذا تقدم لئلا يتوالى حرفا توكيد؛ ولا إذا كان منفيا لئلا يجمع بين متماثلين في نحو: لم ولن ولما ولا، وحمل الباقي عليه، ولم تدخل على الماضي لعدم شبهه بالاسم. "وأجاز الأخفش١ والفراء وتبعهما ابن مالك٢: إن زيدًا لنعم الرجل"، مما سلب الدلالة على الحدث والزمان، "و:" إن زيدًا "لعسى أن يقوم" مما دل على الزمان، وانتقل إلى الإنشاء؛ "لأن الفعل الجامد كالاسم"، ووافق الشاطبي على الأول دون الثاني، والفرق لائح.
"وأجاز الجمهور: إن زيد لقد قام، لشبه الماضي المقرون بـ"قد" بالمضارع لقرب زمانه من الحال"، والمضارع شبيه بالاسم. ومشابه المشابه مشابه، "وليس جواز ذلك مخصوصًا، بتقدير اللام للقسم لا للابتداء خلافًا لصاحب الترشيح"، بالراء، وهو خطاب الماردي، حيث ذهب إلى منع دخول لام الابتداء على "قد" وادعى أن هذه اللام الداخلة عليها لام جواب القسم، والتقدير: إن زيدًا والله لقد قام، ووافقه على ذلك محمد بن مسعود الغزني. بغين معجمة مفتوحة وزاي ساكنة فنون مكسورة، "وأما
_________________
(١) البيت لأبي حزام العكلي في خزانة الأدب. ١٠/ ٣٣٠، ٣٣١، والدرر ١/ ٢٩٤، وسر صناعة الإعراب ص٣٧٧، وشرح التسهيل ٢/ ٢٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٤٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٤٥، وجواهر الأدب ٨٥، وتخليص الشواهد ص٣٥٦، وشرح ابن الناظم ص١٢٣، وشرح الأشموني ١/ ١٤١، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٦٨، والمحتسب ١/ ٣٤، وهمع الهوامع ١/ ١٤٠. ١ انظر الارتشاف ٢/ ١٤٤. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٢٨.
[ ١ / ٣١٢ ]
نحو: إن زيد لقادم"، بدون "قد" ظاهرة "ففي الغُرّة" بضم العين المعجمة لابن الدهان "أن البصري والكوفي" اتفقا "على منعها إن قدرت" اللام "للابتداء"، لا للقسم، "والذي نحفظه" نحن وهو المنقول في المغني "أن الأخفش" من البصريين، "وهشامًا" الضرير من الكوفيين "أجازاها على إضمار "قد""، ومنعها الجمهور، وقالوا: إنما هي لام القسم، فمتى تقدم فعل القلب فتحت همزة "إن"، كـ: علمت أن زيدًا لقائم، والصواب عند الكسائي وهشام الكسر. ا. هـ. كلام المغني١، إلا أنه لم يذكر فيه الأخفش، بل ذكر بدله الكسائي.
ويشترط في الخبر أيضًا أن لا يكون جملة شرطية؛ لأن اللام لا تدخل على الشرط اتقافًا، ولا على الجواب خلافًا لابن الأنباري٢.
"الثاني" مما يدخل عليه اللام "معمول الخبر"؛ لأنه من تتمة الخبر، "وذلك بثلاثة شروط أيضًا، تقدمه على الخبر، وكونه غير حال، وكون الخبر صالحًا للام، نحو: إن زيدًا لعمرًا ضارب"، وقد تدخل على الخبر والحالة هذه دون معموله، نحو: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] وقد تدخل عليهما معًا حكى الكسائي والفراء من كلام العرب: إني لبحمد الله لصالح٣، وذلك قليل أجازه المبرد، ومنعه الزجاج، وهو الصحيح٤، كما امتنع دخولها على الخبر إذا دخلت على الاسم المتأخر، أو على ضمير الفصل، "بخلاف: إن زيدًا جالس في الدار" لتأخر المعمول، ولام الابتداء تطلب الصدر ما أمكن، "و" بخلاف: "إن زيدًا راكبًا منطلق"؛ لأن المعمول حال، ولم يسمع دخول اللام عليه، ونص الأئمة على منعه، ومقتضى قياس دخولها على المفعول والظرف جوازه، وفرق ابن ولاد بينه وبين الظرف بأن لحال لا تكون خبرًا وهو حال، بخلاف الظرف فإنه يكون خبرًا وهو ظرف، ا. هـ.
والفرق بينه وبين المفعول أن المفعول قد ينوب على الفاعل، فيصير عمدة، وإذا تقدم على عامله صار مبتدأ، واللام تدخل على المبتدأ، نحو: إن زيدًا لطعامه مأكول، "و" بخلاف: "إن زيدًا عمرًا ضرب"؛ لأن الخبر غير صالح للام لكونه فعلًا ماضيًا، "خلافًا للأخفش" من البصريين، والفراء من الكوفيين "في هذه" المسألة الأخيرة، وحجتهما أن
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٣٠١، ٣٠٢. ٢ انظر قوله في همع الهوامع ١/ ١٣٩، والتسهيل ص٦٤. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٣١، وفي شرح ابن الناظم ص١٢٣؛ أن هذا القول لابن الجراح. ٤ شرح التسهيل ٢/ ٣١.
[ ١ / ٣١٣ ]
المانع إنما قام بالخبر لكونه فعلًا ماضيًا، فأما المعمول فاسم، وحجة المانعين أن دخول اللام على المعمول فرع دخولها على العامل، فكيف يتفرع فرع من غير أصل١.
قال الموضح في الحواشي: وينبغي أن يجرى خلاف في: إن زيدًا طعامك قد أكل، فإن خطابًا يمنع دخول اللام على "قد"، وبعد فالقول عندي قول الأخفش والفراء بدليل إجازة البصريين: زيدًا عمرو ضرب، وزيدًا أجله أحرز، مع قولهم: لا يتقدم الخبر إذا كان فعلًا، فأجازوا تقديم المعمول، وإن لم يجيزوا تقديم العامل؛ لأن المانع من تقديم العامل الالتباس. وذلك معنى خاص به دون المعمول، فكذا هنا، ا. هـ.
"الثالث" مما تدخل عليه اللام بعد "إن" "الاسم، بشرط واحد وهو أن يتأخر"، إما "عن الخبر، نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران: ١٣]، "أو عن معموله"، أي: الخبر إذا كان المعمول ظرفًا، نحو: إن عندك لزيدًا مقيم، أو جار ومجرورًا، "نحو: إن في الدار لزيدًا جالس"، وما اختاره هنا من جواز تقديم معمول خبر "إن" على اسمها إذا كان ظرفًا أو جارا ومجرورًا منعه ابن عقيل في أول باب "إن" فقال٢: لا يجوز أن يقال: إن بك زيدًا واثق، وإن عندك زيدًا جالس، ثم قال: وأجازه بعضهم.
"الرابع" مما تدخل عليه اللام "الفصل"، وهو المسمى عند الكوفيين عمادًا؛ لأنه يعتمد عليه في تأدية المعنى، وضمير فعل عند البصريين؛ لأنه يفصل به بين الخبر والنعت٣، وإنما دخله اللام؛ لأنه مقو للخبر لرفعه توهم السامع كون الخبر تابعًا له، فنزل منزلة الجزء الأول من الخبر.
وقال ابن عصفور: لأنه اسم "إن" في المعنى، "وذلك بلا شرط" ولا التفات لمن يجيز تقديمه مع الخبر: هو القائم زيد، على أن الأصل: زيد هو القائم، فلذلك قال ابن عقيل٤:" وشرط ضمير الفصل أن يتوسط بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر "نحو: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ " [آل عمران: ٦٢] وهذا "إذا لم يعرب: هو" الداخلة عليه اللام مبتدأ، فإن أعرب "مبتدأ" وما بعده خبر، والجملة خبر "إن" فلا يكون ضمير فصل؛ لأن ضمير الفصل لا محل له من الإعراب على الصحيح.
_________________
(١) ١ انظر شرح التسهيل ٢/ ٢٨. ٢ شرح ابن عقيل ١/ ٣٤٩. ٣ انظر الإنصاف ٢/ ٧٠٦. ٤ شرح ابن عقيل ١/ ٣٧٢.
[ ١ / ٣١٤ ]
والحاصل أن لام الابتداء تدخل بعد "إن" المكسورة على أربعة أشياء اثنين مؤخرين، واثنين متوسطين، فالمتأخران أحدهما الخبر إذا لم يكن منفيا ولا ماضيًا متصرفًا مجردًا من "قد"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٨٣-
وبعد ذات الكسر تصحب الخبر لام ابتداء نحو إني لوزر
١٨٤-
ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ولا من الأفعال ما كرضيا
١٨٥-
وقد يليها مع قد كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا
والثاني الاسم، وإليه أشار بقوله:
١٨٦-
واسما حل قبله الخبر
وأما المتوسطان فهما معمول الخبر، وضمير الفصل، وإليهما أشار بقوله:
١٨٦-
وتصحب الواسط معمول الخبر والفصل
[ ١ / ٣١٥ ]
"فصل":
"وتتصل "ما" الحرفية "الزائدة بهذه الأحرف" المتقدمة، "إلا "عسى" و"لا""، فإن "ما" لا تتصل بهما، وتتصل بـ"أن" و"إنّ" و"كأن" و"لكن" و"ليت" و"لعل" فتكفها عن العمل"، فيما دخلت عليه من الجمل الاسمية، "وتهيئها للدخول على الجمل" الفعلية، قال في المغني: وتسمى "ما" الكافة لعمل النصب والرفع. المتلوة بفعل مهيئة، فمثال "إن" و"أن"، "نحو: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ " [الأنبياء: ١٠٨] فـ"إن" في الأولى مكسورة، ومدخولها جملة فعلية، وفي الثانية مفتوحة، ومدخولها جملة اسمية، "و" مثال "كأن" نحو: " ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦]، ومثال "لعل" قوله: [من الطويل]
٢٣٩
لعلما أضاءت لك النار الحمار المقيدا
ومثال "لكن" قوله: [من الطويل]
٢٤٠-
ولكنما أسعى لمجد مؤثل
"بخلاف قوله": [من الطويل]
٢٤١-
فوالله ما فارقتكم قاليا لكم "ولكن ما يقضى فسوف يكون"
_________________
(١) صدر البيت: "أعد نظرًا يا عبد قيس لعلما" ، والبيت للفرزدق في ديوانه ١/ ١٨٠، والأزهية ص٨٨، والدرر ١/ ٣٠٩، وشرح شواهد الإيضاح ص١١٦، وشرح شواهد المغني ص٦٩٣، وشرح المفصل ٨/ ٥٧، وبلا نسبة في رصف المباني ص٣١٩، وشرح شذور الذهب ص٢٧٩، وشرح قطر الندى ص١٥١، وشرح المفصل ٨/ ٥٤، ومغني اللبيب ص٢٨٧، ٢٨٨، والهوامع ١/ ١٤٣.
(٢) عجز البيت: "وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي" ، والبيت لامرئ القيس في ديوانه ص٣٩، وإصلاح المنطق ص٢١، "والإنصاف ١/ ٨٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٨، وشرح شواهد الإيضاح ص٩٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤٢، ٢/ ٦٤٢، ولسان العرب ١١/ ٩ "أثر"، وتاج العروس "أثل" "لو"، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص٣٤٠، ومغني اللبيب ١/ ٢٥٦، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣.
(٣) البيت لذي القرنين أبي المطاع بن حمدان في تاج العروس ٧/ ٤٢٠ "برد" ومعجم البلدان ١/ ٣٧٩، "بردى" وللأفوه الأودي في الدرر ١/ ٢٠٣، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أمال القالي ١/ ٩٩، وأوضح المسالك ١/ ٣٤٨، وشرح الأشموني ١/ ١٠٨، وشرح قطر الندى ص١٤٩، ومعجم البلدان ٢/ ٢٢٠ "الحجاز" والمقاصد النحوية ٢/ ٣١٥، وهمع الهوامع ١/ ١١٠، وشرح التسهيل ١/ ٣٣٢.
[ ١ / ٣١٦ ]
فـ"ما" اسم مصول، لا زائدة، في موضع نصب على أنها اسم "لكن"، و"يقضى" صلتها، وجملة "فسوف" يكون" خبرها، ودخلت الفاء في خبرها؛ لأن "ما" الموصولة شبيهة باسم الشرط في الإبهام والعموم، فلذلك دخلت الفاء في الخبر كما تدخل في الجواب، نص عليه ابن مالك١، ويوجد في غالب النسخ إسقاط لفظة "بخلاف" وليس بجيد، والمعتمد إثباتها، وإنما أهملت هذه الأحرف لزوال اختصاصها، "إلا" "ليت"، فتبقى على اختصاصها" بالجمل الاسمية على الاصح، خلافًا لابن أبي الربيع وطاهر القزويني، فإنهما أجازا: ليتما قام زيد٢، "ويجوز إعمالها" استصحابًا للأصل حتى قيل بوجوبه، ويجوز إهمالها حملًا على أخواتها. "وقد روي بهما قوله"، وهو النابغة الذبياني: [من البسيط]
٢٤٢-
"قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا" إلى حمامتنا أو نصفه فقد
يروى برفع "الحمام" ونصبه، فالرفع على الإهمال، والنصب على الإعمال، وليس فيه رد على القائل بوجوب الإعمال؛ لأن سيبويه أجاز في رواية الرفع أن تكون "ما" موصولة اسم "ليت"، و"هذا" خبر مبتدأ محذوف، و"الحمام" نعت "هذا" و"لنا" خبر "ليت"، والتقدير: ليت الذي هو هذا الحمام لنا، وحذف صدر الصلة لطولها بالنعت، وقبل هذا البيت٣:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ٣٣١. ٢ في همع الهوامع ١/ ١٤٣: "قال أبو حيان: ووقفت على كتاب تأليف طاهر القزويني في النحو، ذكر فيه أن "ليتما" تليها الجملة الفعلية، بل نقله أبو جعفر الصفار عن البصريين".
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٢٤، والأزهية ص٨٩، ١١٤، والأغاني ١١/ ١٣، والإنصاف ٢/ ٤٧٩، وتخليص الشواهد ص٣٦٢، تذكرة النحاة ٣٥٣، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٥١، ٢٥٣ والخصائص ٢/ ٤٦٠، والدرر ١/ ١١٣، ٣٠٦، ورصف المباني ص٢٢٩، ٣١٦، ٣١٨، وشرح شذور الذهب ص٢٨٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٧٥، ٢٠٠، ٢/ ٦٩٠، وشرح عمدة الحافظ ص٢٣٣، وشرح المفصل ٨/ ٥٨، والكتاب ٢/ ١٣٧، واللمع ص٣٢٠، ومغني اللبيب ١/ ٦٣، ٢٨٦، ٣٠٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٥٤، وبلا نسبة في الارتشاف ١/ ٤٥٠، وأوضح المسالك ١/ ٣٤٩، وخزانة الأدب ٦/ ١٥٧، وشرح ابن الناظم ص١٢٥، وشرح الأشموني ١/ ١٤٣، وشرح التسهيل ٢/ ٣٨، وشرح قطر الندى ١٥١، ولسان العرب ٣/ ٣٤٧، "قدد" والمقرب ١/ ١١٠، وهمع الهوامع ١/ ٦٥. ٣ ديوان النابغة الذيباني ص٢٤.
[ ١ / ٣١٧ ]
وبعده:
فحسبوه فألفوه كما ذكرت تسعًا وتسعين لم ينقص ولم يزد
فكملت مائة فيها حمامتها وأسرعت حسبة في ذلك العدد
والمعنى: كن حكيمًا كفتاة الحي، وهي زرقاء اليمامة، قيل: وكانت تبصر مسيرة ثلاثة أيام، وقصتها أنها كانت لها قطاة، ثم مر بها سرب من القطا بين جبلين، فقالت١: [من الرجز]
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه
ونصفه قديه تم الحمام ميه
فنظر فإذا القطا قد وقع في شبكة الصياد، فعده فإذا هو ست وستون قطاة ونصفها ثلاثة وثلاثون قطاة، فإذا ضم ذلك إلى قطاتها كان مئة.
ووصف "الحمام" بصفة الجمع، وهو شراع، وشراع يحتمل أوله الإعجام والإهمال، وبصفة الإفراد وهو وارد، والثمد بفتح المثلثة والميم: الماء القليل، وحسبوه من الحساب، وهو العد.
"وندر الإعمال في "إنما""، نحو: إنما زيدًا قائم، بنصب "زيد"، رواه الأخفش والكسائي عن العرب سماعًا٢، "وهل يمتنع قياس ذلك" المسموع "في الباقي٣ مطلقا" أي: في بقية أخوات "إن" الأربعة، وهي: "أن" المفتوحة، و"كأن" و"لعل" و"لكن" وقوفًا مع السماع، ذهب إلى ذلك سيبويه والأخفش٤، "أو يسوغ" القياس على ما سمع في "إنما" "مطلقًا" في بقية أخواتها الأربعة إذ لا فرق، ذهب إلى ذلك الزجاج٥ وابن السراج٦ والزمخشري٧ وابن مالك٨، أو يسوغ القياس "في "لعل"
_________________
(١) ١ الرجز في ديوان النابغة الذبياني ص٢٤، والدرر ١/ ٣٠٨، ولسان العرب ١٢/ ١٥٩ "حمم"، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٥٧. ٢ في شرح ابن الناظم ص١٢٥، "وذكر ابن برهان أن الأخفش روى: إنما زيدًا قائم، وعزا مثل ذلك إلى الكسائي، وهو غريب" وانظر شرح التسهيل ٢/ ٣٨، والارتشاف ٢/ ١٥٨. ٣ في "ط": "البواقي". ٤ انظر الكتاب ٢/ ١٣٨، ٣/ ١٣٨ والارتشاف ٢/ ١٥٧. ٥ الارتشاف ٢/ ١٥٧. ٦ الأصول ١/ ٢٣٢. ٧ المفصل ص٢٩٣. ٨ شرح التسهيل ٢/ ٣٨.
[ ١ / ٣١٨ ]
فقط"،؛ لأنها أقرب إلى "ليت" حتى قال بعضهم في قراءة من قرأ: "فَأَطَّلِعَ"١ إن "لعل" ضمنت معنى "ليت" ذهب إلى ذلك الفراء٢، "أو" يسوغ "فيها"، أي: في "لعل"، "وفي: كأن" لقربهما من "ليت"؛ لأن الكلام معهما صار غير خبر، ذهب إلى ذلك ابن أبي الربيع٣، فهذه أقوال أربعة، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
١٨٧-
ووصل ما بذي الحروف مبطل إعمالها وقد يبقى العمل
_________________
(١) ١ انظر القراءة في النشر ٢/ ٣٦٥. ٢ معاني القرآن للفراء ٣/ ٩. ٣ في الارتشاف ٢/ ١٥٧: "عزاه البسيط إلى الأخفش، واختاره ابن أبي الربيع".
[ ١ / ٣١٩ ]
"فصل":
"يعطف على أسماء هذه الأحرف بالنصب قبل مجيء الخبر، وبعده، كقوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
٢٤٣-
"إن الربيع الجود والخريفا يد أبي العباس والصيوفا"
فعطف "الخريف" بالنصب على "الربيع" قبل مجيء الخبر، وهو "يدا أبي العباس"، وعطف "الصيوف" جمع "صيف" على "الربيع" بالنصب، بعد مجيء الخبر، والجود: بفتح الجيم، وسكون الواو وبالدال: المطر الغزير، ويروى: الجون، بالنون، بلد الدال، والمراد به السحاب الأسود، والمراد بالربيع والخريف والصيوف: أمطارهن، والمراد بأبي العباس: السفاح أول الخلفاء من بني العباس، وهذا من عكس التشبيه، مبالغة لأن الغرض تشبيه يديه بالأمطار الواقعة في الربيع والخريف والصيف، وحقيقة التشبيه أن تقول: إن يدي أبي العباس الربيع والخريف والصيوف.
"ويعطف بالرفع" على محل أسماء هذه الأحرف "بشرطين، استكمال الخبر، وكون العامل "إن" أو"أن" أو "لكن"" مما لا يغير معنى الجملة، "نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ " [التوبة: ٣] فعطف "رسوله" على محل الجلالة بعد استكمال الخبر وهو "بريء" و"قوله: [من الطويل]
٢٤٤-
فمن يك لم ينحب أبوه وأمه "فإن لنا الأم النجيبة والأب"
فعطف الأب على محل الأم؛ بعد استكمال الخبر وهو "لنا"، "وقوله": [من الطويل]
٢٤٥-
وما قصرت بي في التسامي خئولة "ولكن عَمِّي الطيب الأصل والخال"
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧٩، وتخليص الشواهد ٣٦٨، وشرح التسهيل ٢/ ٤٨، والكتاب ٢/ ١٤٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٦١، وللعجاج في الدرر ٢/ ٤٨٠، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٥١، وشرح ابن الناظم ص١٢٥، والمقتضب ٤/ ١١١، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٥٣، وتخليص الشواهد. ٣٧٠، والدرر ٢/ ٤٧٩، وشرح ابن الناظم ص١٢٦ وشرح الأشموني ١/ ١٤٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٦٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٥٥، وتخليص الشواهد ص٣٧٠، والدرر ٢/ ٤٨٤، وشرح الأشموني ١/ ١٤٤، والمقاصد النحوية ٢/ ٣١٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فعطف "الخال" على محل "عمي" بعد استكمال الخبر وهو: "الطيب"، هذا معنى قول الناظم:
١٨٨-
وجائز رفعك معطوفا على منصوب إن بعد أن تستكملا
١٨٩-
وألحقت بإن لكن وأن
وكون الرفع بالعطف على محل الاسم هو قول بعض البصريين الذين لا يشترطون وجود المحرز، أي: الطالب لذلك المحل، "والمحققون" من البصريين وهم الذين يشترطون ذلك مجمعون "على أن رفع ذلك ونحوه" ليس بالعطف على محل الاسم؛ "بل على أنه مبتدأ حذف خبره" لدلالة خبر الناسخ عليه فهو من عطف جملة على جملة، والتقدير: ورسوله بريء، ولنا الأب النجيب، والخال الطيب الأصل، "أو" على أنه مرفوع "بالعطف على ضمير الخبر" المستتر فيه، "وذلك إذا كان بينهما فاصل"، فهو من عطف مفرد على مفرد، فـ"رسوله" معطوف على الضمير المستتر في "بريء" أي: بريء هو ورسوله، لوجود الفصل بالجار والمجرور، وهو "من المشركين"، و"الأب" معطوف على الضمير المستتر في "لنا"، لوجود الفصل بالصفة والموصوف. و"الخال" معطوف على الضمير المستتر في "الطيب"، لوجود الفصل بالمضاف إليه، "لا" إن رفع ذلك ونحوه "بالعطف على محل الاسم مثل" عطف "امرأة" على محل "رجل" في قولك: "ما جاءني من رجل ولا امرأة، بالرفع،؛ لأن الرفع" لمحل "رجل" الفعل، وهو "جاءني" وهو باق ولا يمنعه عن العمل في محل "رجل" الحرف الزائد؛ لأن الزائد وجوده كلا وجود، والرفع لمحل الاسم "في مسألتنا" التي نحن فيها "الابتداء وقد زال بدخول الناسخ"، وهو "إن" و"أن" و"لكن" والعامل اللفظي يبطل عمل العامل المعنوي، فإن قيل: إذا كان هذا من عطف الجمل أو من العطف على الضمير عند المحققين فما وجه اشتراط استكمال الخبر، وكون العامل "إن و"أن" أو "لكن" عندهم، قلت: أما اشتراطهم الأول إذا كان من عطف الجمل فلئلا يلزم العطف قبل تمام المعطوف عليه، وإذا كان من العطف على الضمير فلئلا يلزم تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وأما اشتراطهم الثاني إذا كان من عطف الجمل فلئلا يلزم عطف الخبر على الإنشاء، وإن كان من العطف على الضمير فلم يحضرني عنه جواب شاف.
"ولم يشترط الكسائي و" تلميذه "الفراء الشرط الأول"، وهو استكمال الخبر "تمسكًا، بنحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ﴾ " [المائدة: ٦٩]
[ ١ / ٣٢١ ]
فعطف "الصابئون" بالرفع على محل "الذين آمنوا" قبل استكمال الخبر، وهو: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المائدة: ٦٩] وبقراءة بعضهم١ "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ" [الأحزاب: ٥٦] فعطف "وملائكته" بالرفع على محل الجلالة قبل استكمال الخبر وهو "يصلون"، "وبقوله" وهو ضابئ بالضاد المعجمة، وبعد الألف باء موحدة، فهمزة، ابن الحارث البرجمي، بضم الموحدة والجيم [من الطويل]
٢٤٦-
فمن يك أمسى بالمدينة رحله "فإني وقيار بها لغريب"
فعطف "قيار" بالرفع على محل ياء المتكلم قبل استكمال الخبر، وهو "لغريب"، وقيار؛ بقاف مفتوحة "وياء مثناة تحتية مشددة: اسم فرس عند الخليل، واسم جمل عند أبي زيد، وضمير "بها" لـ"المدينة"، و"قوله" وهو بشر بن أبي خازم، بالخاء والزاي المعجمتين: [من الوافر]
٢٤٧-
"وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة" ما بقينا في شقاق
فعطف "أنتم" وهو ضمير مرفوع على محل ضمير المتكلم المعظم نفسه، أو المشارك لغيره قبل استكمال الخبر، ولما كان ظاهر الاستدلال للكسائي، والفراء جميعًا والفراء لا يوافق على نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦] استدرك ذلك بقوله: "ولكن اشترط الفراء إذا لم يتقدم الخبر" على المعطوف بالرفع "خفاء إعراب الاسم٢، برفع الخبر، ونصب خفاء على المفعولية لاشتراط، والظرف مقدر من تأخير
_________________
(١) ١ هي قراءة أبي عمرو وابن عباس وعبد الوارث. انظر البحر المحيط ٢٤٨، والكشاف ٣/ ٢٧٢.
(٢) البيت لضابئ بن الحارث البرجمي في الأصمعيات ص١٨٤، والإنصاف ص٩٤، وتخليص الشواهد ص٣٨٥، وخزانة الأدب ٩/ ٣٢٦، ١٠/ ٣١٢، ٣١٣، ٣٢٠، والدرر ٢/ ٤٨١، ٢/ ٤٨٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٦٩ وشرح شواهد المغني ص٨٦٧، وشرح المفصل ٨/ ٦٨، والشعر والشعراء ص٣٥٨، والكتاب ١/ ٧٥، ولسان العرب ٥/ ١٢٥، "قير"، ومعاهد التنصيص ١/ ١٨٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٣١٨، ونوادر أبي زيد ص٢٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ١٠٣، وأوضح المسالك ١/ ٣٥٨، ورصف المباني ص٢٦٧، وسر صناعة الإعراب ص٣٧٢، وشرح الأشموني ١/ ١٤٤، ومجالس ثعلب ص٣١٦، ٥٩٨، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤.
(٣) البيت لبشر بن أبي خازم في ديوانه ص١٦٥، والإنصاف ١/ ١٩٠، وتخليص الشواهد ٣٧٣، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٩٣، ٢٩٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٤، والكتاب ٢/ ١٥٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٧١، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٥٤، وشرح ابن الناظم ص١٢٧، وشرح المفصل ٨/ ٦٩. ٢ معاني القرآن للفراء ١/ ٣١٠.
[ ١ / ٣٢٢ ]
تأخير، والأصل ولكن اشتراط الفراء خفاء إعراب الاسم إذا لم يتقدم الخبر، والتعبير بخفاء الإعراب أخذه من التسهيل١، واعترضه في حواشيه فقال: المعروف عن الفراء أنه يشترط بناء الاسم فلا يدخل في ذلك الاسم المقصور والمضاف للياء، ويدخلان في نقل المؤلف ا. هـ.
فيجيز إن كان الاسم مبنيا. "كما في بعض هذه الأدلة" المتقدمة، وهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦٩] الآية، والبيتان، ويمنع إن كان الاسم معربًا، كما في نحو: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتُهُ" [الأحزاب: ٥٦] بالرفع، لما فيه من تخالف المتعاطفين في الحركة اللفظية، ومقتضى هذه العلة أنه يجيز: إن الفتى وزيد ذاهبان، برفع "زيد"، لعدم اجتماع عاملين على المعمول واحد عملًا واحدًا؛ لأن الناسخ عامل في الخبر والمعطوف مبتدأ، وهو أيضًا عامل في الخبر فيجتمع على الخبر الواحد عاملان عملًا واحدًا، وذلك ممتنع، ولا يتأتى ذلك على مذهب الكسائي والفراء؛ لأن الرافع للخبر عندهما في باب "إن" هو رافعه في باب المبتدأ، إلا أنه مشكل، أما على القول بالترافع وهو المشهور عن الكوفيين؛ فلأن المبتدأ قد زال بدخول الناسخ، وأما على القول بأن رافعه الابتداء في باب "إن" كما نقله الشاطبي عنهم؛ فلأنه يلزم أن يكون الخبر في مسألتنا توارد عليه عاملان من جهة واحدة، وهما: الابتداء والمبتدأ، فما هربا منه وقعا فيه، "و" ما تمسكا به من الأدلة المتقدمة "خرجها المانعون" من البصريين "على التقديم والتأخير"، فيكون "من آمن" خبر "إن"، وخبر "الصابئون" محذوفًا، "أي: والصابئون" والنصارى "كذلك"، والأصل والله أعلم: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر، "أو على" تقدير "الحذف من الأول" لدلالة الثاني عليه، فيكون "من آمن" خبر "الصابئون" وخبر "إن" محذوفًا، "أي لدلالة خبر المبتدأ عليه، "كقوله:" [من الطويل]
٢٤٨-
خليلي هل طب "فإني وأنتما وإن لم تبوحا بالهوى دنفان"
فحذف خبر "إن" لدلالة خبر المبتدأ عليه، والتقدير: فإني دنف، أي: مريض
_________________
(١) ١ التسهيل ص٦٦.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٦٢، وتخليص الشواهد ص٣٧٤، وشرح ابن الناظم ص١٢٧، وشرح الأشموني ١/ ١٤٤، وشرح التسهيل ٢/ ٥٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٦٦، ومغني اللبيب ٢/ ٤٧٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٧٤.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وأنتما دنفان، والتوجيه الأول أجود؛ لأن الحذف من الثاني لدلالة الأول أولى من العكس، قاله الموضح في شرح الشذور١.
"ويتعين التوجيه الأول" وهو التقديم والتأخير "في قوله:" [من الطويل]
٢٤٩-
"فإني وقيار بها لغريب"
والأصل: فإني لغريب وقيار غريب، "ولا يتأتى فيه" التوجيه "الثاني" وهو الحذف من الأول "لأجل اللام" لأنها لا تدخل في خبر المبتدأ "إلا إن قدرت زائدة مثلها في قوله:" [من الرجز]
٢٥٠-
"أم الحليس لعجوز شهربه"
على الوجهين المتقدمين، فيصبح حينئذ التخريج الثاني، ويصير التقدير، فإني غريب، وقيار لغريب، "و" يتعين التوجيه "الثاني" وهو الحذف من الأول "في قوله تعالى": "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتُهُ" [الأحزاب: ٥٦] بالرفع، والتقدير: إن الله يصلي وملائكته يصلون "ولا يتأتى فيه" التوجيه "الأول" وهو التقديم والتأخير "لأجل الواو في "يصلون" لأنها للجماعة المشتركة، والله واحد لا شريك له "إلا إن قدرت" الواو "للتعظيم" للواحد "مثلها في: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] فإنها لتعظيم المخاطب على أحد الوجهين، فيتأتى الوجه الأول أيضا، ويصير التقدير: إن الله يصلي وملائكته يصلون.
فإن قلت: كلا الوجهين مشكل، فإن شرط الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف معنى، أما على التوجيه الأول؛ فلأن الصلاة المذكورة بمعنى: الرحمة، والمحذوفة بمعنى الاستغفار، فلم ينطابقا، وأما على التوجيه الثاني فعلى العكس؛ لأن الصلاة المذكورة بمعنى: الاستغفار، والمحذوفة بمعنى: الرحمة، فلم يتطابقا أيضًا، قلت: أجاب عنه في المغني فقال: الصواب عندي أن الصلاة لغة بمعنى واحد وهو: العطف، ثم العطف بالنسبة إلى الله ﷾: الرحمة، وإلى الملائكة: الاستغفار، وإلى الآدميين: دعاء بعضهم لبعض. ا. هـ٢.
_________________
(١) ١ لم أجده في شرح شذور الذهب، بل في مغني اللبيب ٢/ ٤٧٥.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٢٤٦.
(٣) تقدم تخريج البيت برقم ١٤٦. ٢ مغني اللبيب ص٧٩١.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وموضع الخلاف حيث يتعين كون الخبر للاسمين جميعًا، إنك وزيد زاهبان، وأما نحو: إن زيدًا وعمرو في الدار، فجائز باتفاق، قاله الموضح في شرح بانت سعاد١، وهو مخالف لما أطلقه هنا.
"ولم يشترط الفراء الشرط الثاني٢" وهو كون العامل "إن" أو "أن" أو "لكن" "تمسكًا بنحو قوله"، وهو العجاج: [من الرجز]
٢٥١-
"يا ليتني وأنت يا لميس في بلد ليس بها أنيس"
فعطف "أنت" بكسر التاء، على اسم "ليت" وهو ياء المتكلم. "لميس" علم امرأة، و"أنيس" بمعنى: مؤنس.
"وخرج" بتشديد الراء والبناء للمفعول "على أن" "أنت" مبتدأ، حذف خبره، وأن "الأصل: وأنت معي، والجملة" من المبتدأ والخبر "حالية" متوسطة بين اسم "ليت" وخبرها، فالاسم ياء المتكلم، "والخبر قوله: "في بلد""، هذا تخريج ابن مالك٣، وهو على ندور أو قلة، فإن أكثر النحويين على امتناع تقديم الحال المنتصبة بالظرف، وهو ممن نص على ذلك، فقال في باب الحال:
٣٤٦-
وندر نحو سعيد مستقرا في هجر
وشرحه الموضح بقوله٤: يجوز توسط الحال بين المخبر عنه والمخبر به، ا. هـ.
والنادر والقليل لا يقاس عليهما، وأبعد منه قول بعضهم إن الأصل: أنا وأنت، "فأنا" مبتدأ، "وأنت" معطوف عليه، وخبر المبتدأ وما عطف عليه قوله: "في بلد"، فحذف "أنا"، ا. هـ.
_________________
(١) ١ شرح بانت سعاد ص١٤٦، ١٤٧. ٢ انظر شرح ابن عقيل ١/ ٣٧٧.
(٢) الرجز للعجاج في الدرر ١/ ٤٨٤، وليس في ديوانه، ولرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٦٤، ومجالس ثعلب ١/ ٣١٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٥٢. ٤ أوضح المسالك ٢/ ٣٣١.
[ ١ / ٣٢٥ ]
"فصل":
"تخفف "إن" المكسورة لثقلها" بالتضعيف، "فيكثر إهمالها لزوال اختصاصها" بالأسماء، "نحو: "وَإِنْ كُلٌّ لَمَا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ" [يس: ٣٢] في قراءة من خفف "لما"١، فـ"كل" مبتدأ، واللام لام الابتداء، و"ما" زائدة و"جميع" خبر المبتدأ، و"محضرون" نعته، وجمع على المعنى "ويجوز إعمالها" على قلة "استصحابًا للأصل" وإليه يشير قول الناظم:
١٩٠-
وخففت إن فقل العمل
"نحو: "وَإِنَ كُلًّا لَمَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" [هود: ١١١] في قراءة نافع وابن كثير، بتخفيف "إن" و"لما"٢، فـ"إن" مخففة من الثقيلة، و"كلا" اسمها، واللام في "لما" لام الابتداء، و"ما" موصولة خبر "إن"، وليوفينهم" جواب لقسم محذوف، وجملة القسم وجوابه صلة "ما"، والتقدير: وإن كلا للذين والله ليوفينهم، وقيل: "ما" نكرة موصوفة، وجملة القسم وجوابه سدت مسد الصفة، والتقدير: وإن كلا لخلق موفي عمله.
"وتلزم لام الابتداء بعد" "إن" المكسورة المخففة "المهملة"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٩٠-
وتلزم اللام إذا ما تهمل
حال كون اللام "فارقة بين الإثبات والنفي" في نحو: إن زيد لقائم، بتخفيف "إن" ورفع زيد، فلولا اللام لتوهم "إن" نافية، وأن المعنى: ما زيد قائم، فلما جيء باللام ارتفع التوهم.
_________________
(١) ١ هي قراءة نافع وابن كثير والكسائي. انظر الإتحاف ص٣٦٤، والنشر ٢/ ٢٩١. ٢ وقرأها كذلك عاصم وشعبة وابن محيصن، انظر الإتحاف ص٢٦٠، والنشر ٢/ ٢٩٠.
[ ١ / ٣٢٦ ]
"و" هذه اللام "قد تغني عنها قرينة لفظية" بأن يكون الخبر منفيا، "نحو: إن زيد لن يقوم"، فيجب حينئذ ترك اللام كما في المغني١؛ لأن الخبر المنفي لا تدخل عليه لام الابتداء كما تقدم، "أو" قرينة "معنوية"، كأن يكون الكلام سيق للإثبات والمدح، "كقوله"، وهو الطرماح، واسمه الحكيم بن حكيم: [من الطويل]
٢٥٢-
أنا ابن أباة الضيم من آل مالك "وإن مالك كانت كرام المعادن"
ولو قال: لكانت باللام لجاز، ولكن استغنى عنها لكونه في مقام المدح، وتوهم النفي هنا ممتنع، وأباة جمع آب، كقضاة جمع قاض، من: أبى إذا امتنع، والضيم: الظلم، ومالك: اسم قبيلة، ولذلك قال: كانت، وصرفها مراعاة للحي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٩١-
وربما استغني عنها إن بدا ما ناطق أراده معتمدًا
"وإن ولي "إن" المكسورة المخففة" من الثقلية "فعل" فشرطه أن يكون ناسخًا، وربما تخلف، وشرط الناسخ كونه غير ناف، فخرج بذلك "ليس" وغير منفي، فخرج بذلك "زال" وأخواتها، ونحو: ما كان، وغير صلة، وغير صلة، فخرج بذلك "ما دام" ولا فرق في الناسخ بين الماضي والمضارع. إلا أنه "كثر كونه مضارعًا ناسخا نحو: " ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ " بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١]، " ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء:١٨٦] وأكثر منه" أي: من المضارع "كونه ماضيًا ناسخا، نحو: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦]، ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وتدخل اللام حينئذ على الجزء الثاني من معمولي الناسخ، أما دخول "إن" على الناسخ؛ فلأنها كانت مختصة بالدخول على المبتدأن والخبر في الأصل، فلما خففت وضعت شبهها بالفعل جاز دخولها على الفعل، وكان من النواسخ لئلا تفارق محلها بالكلية، ألا ترى أنها إذا دخلت على الناسخ كان مقتضاها موفرًا عليها إذ الجزآن مذكوران بعد مدخولها، وأما دخول اللام في الجزء الثاني من معمولي الناسخ فكما تدخل على خبرها؛ لأنك إذا قلت: إن كان زيد لقائمًا فمعناه: إن زيد
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٣٠٦.
(٢) البيت للطرماح في ديوانه ص٥١٢، والدر ١/ ٢٩٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٧٦، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١٥٠، وأوضح المسالك ١/ ٣٦٧، وتخليص الشواهد ص٣٧٨، وتذكرة النحاة ٤٣، والجنى الداني ص١٣٤، وشرح ابن الناظم ص١٢٨، وشرح الأشموني ١/ ١٤٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٧٩، وشرح عمدة الحافظ ص٢٣٧، وشرح قطر الندى ص١٦٥، وهمع الهوامع ١/ ١٤١.
[ ١ / ٣٢٧ ]
لقائم، وأما كون الماضي أكثر من المضارع فلأن "إن" المشددة شبيهة به لفظًا ومعنى، فقصدوا بعد تخفيفها أن يدخلوها على مشابهها، ويقاس على النوعين اتفاقًا، ولا يجيز جمهور البصريين دخولها على غير الناسخ، "وندر" عند غيرهم "كونه ماضيًا غير ناسخ، كقوله" وهي الشخص المسمى عاتكة بنت زيد العدوية ابنة عم عمر بن الخطاب ﵁ تخاطب عمرو بن شرموز قاتل الزبير بن العوام١: [من الكامل]
٢٥٣-
"شلت يمينك إن قتلت لمسلما" حلت عليك عقوبة المتعمد
فأدخلت "إن" المخففة على "قتلت" وهو فعل ماض غير ناسخ، وشلت بفتح الشين المعجمة أفصح من ضمها إخبار ومعناه: الدعاء وحلت: وجبت، "ولا يقاس عليه"، أي: على "إن قتلت لمسلمًا": "إن قام لأنا، وإن قعد لزيد، خلافًا للأخفش" فإنه أجازه، كما قاله في المغني٢، وزاد هنا: "والكوفيين" وهو يوهم أنهم يجيزون "إن" المكسورة، ويدخلونها على: نحو قام وقعد، وذلك مخالف لقاعدتهم، فإنهم لا يجيزون تخفيف "إن" المكسورة، ويحملون على ما ورد من ذلك على أن "إن" نافية بمنزلة "ما"، واللام إيجابية بمنزلة "إلا"، قال في المغني في بحث اللام: وزعم الكوفيون أن اللام في ذلك كله بمعنى: "إلا" وأن "إن" قبلها نافية، ا. هـ.
ومما ورد من ذلك قراءة ابن مسعود: "قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ لَقَلِيلًا" [المؤمنون: ١١٤] حكاها الأخفش في معانيه٣، وقول امرأة من العرب: والذي يحلف به إن جاء لخاطبًا، فدخلت على الماضي غير الناسخ.
_________________
(١) ١ بعده في "ط": "يوم الجمل".
(٢) البيت لعاتكة بنت زيد في الأغاني ١٨/ ١١، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٧٣، ٣٧٤، ٣٧٦، ٣٧٨، والدرر ١/ ٣٠٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٧١، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٧٨، ولأسماء بنت أبي بكر في العقد الفريد ٣/ ٢٧٧، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١٥٠، والأزهية ص٤٩، والإنصاف ٢/ ٦٤١، وأوضح المسالك ١/ ٣٦٨، وتخليص الشواهد ص٣٧٩، والجنى الداني ص٢٠٨، ورصف المباني ص١٠٩، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٤٨، ٥٥٠، وشرح الأشموني ١/ ١٤٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٨٢، وشرح عمدة الحافظ ص٢٣٦، وشرح المفصل ٨/ ٧١، ٩/ ٢٧، واللامات ص١١٦، ومجالس ثعلب ص٣٦٨، والمحتسب ٢/ ٢٥٥، ومغني اللبيب ١/ ٢٤، والمقرب ١/ ١١٢، والمنصف ٣/ ١٢٧، وهمع الهوامع ١/ ١٤٢. ٢ مغني اللبيب ١/ ٢٤. ٣ معاني القرآن ٢/ ٦٤٠.
[ ١ / ٣٢٨ ]
"وأندر منه كونه لا ماضيًا ولا ناسخًا"، بأن يكون مضارعًا غير ناسخ، إذ لا مشابهة بينهما "كقوله: إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه١" ولا يقاس عليه اتفاقًا.
والحاصل أن للام بعد "إن" المخففة ثلاث حالات، وجوب ذكرها، ووجوب تركها، وجواز الأمرين. فالأول نحو: إن زيد لقائم، بالإهمال، حيث لا قرينة، والثاني نحو: إن زيد لن يقوم. والثالث نحو: إن زيدًا قائم، بالإعمال، وما ذكره من أنها لام الابتداء قال به سيبويه٢ والأخفشان٣، وأكثر البغداديين٤، وذهب الفارسي٥ وابن جني٦ وابن أبي العافية وابن أبي الربيع٧ إلى أنها غيرها اجتلبت للفرق، وحجتهم أنها دختل على ما ليس مبتدأ ولا خبرًا في الأصل ولا راجعًا إلى الخبر كالمفعول في نحو: إن قتلت لمسلمًا، وأجيب بأن الفعل والفاعل بمنزلة الشيء الواحد، وهما حالّان محل الجزء الأول الذي يلي "إن" والمفعول كالجزء الثاني، فإن قتلت لمسلمًا بمنزلة إن قتيلك لمسلم، ثم إن كان الفعل ناسخًا دخلت على الخبر الذي كان خبرًا في الأصل، كما مر، وإن كان غير ناسخ، دخلت على معموله فاعلًا كان أو مفعولًا، ظاهرًا كان أو ضميرًا متصلًا، فإن تقدم عليها فعل من أفعال القلوب، نحو: قد علمنا إن كنت لموقنا، فإن قلنا اللام للابتداء كسرت "إن"، وإن قلنا لام أخرى اجتلبت للفرق فتحت، وإلى دخلوها على الفعل مطلقًا أشار الناظم بقوله:
١٩٢-
والفعل إن لم يك ناسخًا فلا تلفيه غالبًا بإن ذي موصلًا
_________________
(١) ١ انظر هذا القول في أوضح المسالك ١/ ٣٦٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٨٢، وشرح المفصل ٨/ ٨٦، وشرح ابن الناظم ص١٢٩. ٢ الكتاب ٢/ ١٤٠. ٣ انظر شرح التسهيل ٢/ ٣٥. ٤ انظر همع الهوامع ٢/ ١٤٢. ٥ البغداديات ص٣٩. ٦ المحتسب ٢/ ٢٥٥. ٧ همع الهوامع ١/ ١٤٢.
[ ١ / ٣٢٩ ]
"فصل":
"وتخفف "أن" المفتوحة، فيبقى العمل" وجوبًا لتحقق مقتضاها وهو إفادة معناها في الجملة الاسمية؛ لأنها أكثر مشابهة للفعل من المكسورة، "ولكن يجب في اسمها كونه مضمرًا" لا مظهرًا "محذوفًا" لا مذكورًا، سواء كان للشأن أم لا عند ابن مالك١؛ لأن "إن" المكسورة ثبت إعمالها في الظاهر دون المفتوحة، فقدروا عملها في المضمر لئلا ينحط الأقرب عن الأضعف.
وذهب ابن الحاجب إلى أنه لا يكون إلا للشأن، "فأما قوله" وهو الشخص المسمى جنوب أخت عمرو ذي الكلب: [من المتقارب]
٢٥٤-
"بأنك ربيع وغيث مريع وأنك هناك تكون الثمالا"
"فضرورة" من وجهين عند ابن الحاجب، كونه غير ضمير الشأن، وكونه مذكورًا، وعند ابن مالك من وجه واحد، وهو كونه مذكورًا.
والربيع ربيعان، ربيع الشهور، وربيع الأزمنة، فربيع الشهور بعد صفر، وربيع الأزمنة ربيعان، أولهما: ما يأتي فيه النور والكمأة، والثاني: ما تدرك فيه لثمار، والمراد هنا ربيع الأزمنة، والغيث: الكلأ أو المطر، والمريع: إما بفتح الميم إن جعل الغيث اسمًا للكلأ، أي: خصيب، وإما بضمها إن جعل اسمًا للمطر، يقال: مرع الوادي وأمرعه المطر، والثمال، بكسر الثاء المثلثة: الغياث خبر "تكون".
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٢/ ٤١.
(٢) البيت لكعب بن زهير في الأزهية ص٦٢، وتخليص الشواهد ص٣٨٠، وليس في ديوانه، وهو لجنوب بنت عجلان في الحماسة الشجرية ١/ ٣٠٩، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٨٤، وشرح أشعار الهذليين ٢/ ٥٨٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٨٢، ولعمرة بنت عجلان أو لجنوب بنت عجلان في شرح شواهد المغني ١/ ١٠٦، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٢٠٧، وأوضح المسالك ١/ ٣٧٠، وخزانة الأدب ٥/ ٤٢٧، وشرح الأشموني ١/ ١٤٦، وشرح قطر الندى ص١٥٦، وشرح المفصل ٨/ ٧٥، ولسان العرب ١٣/ ٣٠ "أنن"، ومغني اللبيب ١/ ٣١، وتاج العروس "أنن".
[ ١ / ٣٣٠ ]
"ويجب في خبرها أن يكون جملة" لاشتمالها على المسند والمسند إليه محافظة على الأصل حيث لا يذكر الاسم. "ثم إن كانت" الجملة "اسمية أو فعلية فعلها جامد أو دعاء لم تحتج لفاصل" من الفواصل الآتية، أما مع الاسمية؛ فلأنه جيء بعد "أن" باسم وخبر، كما جيء بهما بعد المثقلة العاملة، وأما الفعل الجامد فهو كالاسم، والاسم غير محتاج إلى فصل. فكذلك ما أشبهه. وأما الدعاء فشبيه بالجامد في عدم التصرف، قاله الشاطبي فالاسمية "نحو: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " [يونس: ١]، والفعلية، التي فعلها جامد. نحو: " ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ " [النجم: ٣٩] والفعلية التي فعلها دعاء إما بخبر نحو: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨]، أو بشر نحو: " ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ " [النور: ٩] في قراءة من خفف "أن"١ وكسر الضاد في غير السبع، وهذا مبني على جواز تفسير ضمير الشأن بالجملة الإنشائية وهو الصحيح، ويجوز الفصل فيهن، "ويجب الفصل في غيرهن"، ليكون عوضًا مما حذفوا من أنه وهو أحد النونين والاسم، أو لئلا يلتبس بـ"أن"، المصدرية، ولما كان التغيير مع الفعل أكثر مما هو مع الاسم وما أشبهه عوض مع الفعل المتصرف ولم يعوض مع الاسم وما أشبهه، والفصل إما "بـ"قد"" لأنها تقرب الماضي من الحال، "نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، أو تنفيس نحم: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونَ﴾ [المزمل: ٢٠]، أو نفي بـ"لا" أو "لن" أو "لم"" فقط، مثال "لا" "نحو: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ " [المائدة: ٧١]، في قراءة من ضم نون "تكون"٢، و: حسبت أن لا قام زيد، ومثال "لن": " ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ " [البلد: ٥] ومثال "لم"، " ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٧]، أو "لو" نحو:" ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا﴾ [الجن: ١٦] " ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ " [الأعراف: ١٠٠]، وهو كثير.
والحاصل أن الفعل إما مثبت أو منفي، وكل منهما إما ماض، أو مضارع فالمثبت إن كان ماضيًا ففاصله "قد"، وإن كان مضارعًا ففاصله حرف التنفيس، والمنفي إن كان ماضيًا ففاصله "لا" فقط، وإن كان مضارعًا ففاصله "لن" أو "لم" أو "لا"، وأما "لو"
_________________
(١) ١ هي قراءة نافع كما في شرح ابن الناظم ص١٣٠، وانظر الإتحاف ص٣٢٢، والنشر ٢/ ٣٣٠، وهي من شواهد شرح المفصل ٦/ ١٠٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٨٦. ٢ قرأها بالرفع: أبو عمرو والكسائي وحمزة ويعقوب والأعمش، انظر الإتحاف ص٢٠٢، والنشر ٢/ ٢٥٥.
[ ١ / ٣٣١ ]
فإنها في الامتناع شبيهة بالنافي فتدخل على الماضي والمضارع كما مثلنا، "ويندر تركه"، أي: الفصل بواحد منها، "كقوله": [من الخفيف] .
٢٥٥-
"علموا أن يؤملون فجادوا" قبل أن يسألوا بأعظم سؤل
والقياس: عملوا أن سيؤملون، وسؤل: بمعنى مسئول كقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ [يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] أي: قد أوتيت مسئولك] ١، "ولم يذكر "لو" في الفواصل إلا قليل من النحويين"، هذا شرح قول الناظم:
١٩٣-
وإن تخفف أن فاسمها استكن والخبر اجعل جملة من بعد أن
١٩٤-
وإن يكن فعلًا ولم يكن دعا ولم يكن تصريفه ممتنعا
١٩٥-
فالأحسن الفصل بقد أو نفي أو تنفيس أو لو وقيل ذكر لو
"وقول ابن الناظم: إن الفصل بها"، أي: بـ"لو" "قليل، وهم" بفتح الهاء، أي: غلط "منه على أبيه" كأن الموضح وقع له النسخة التي فيها: وربما فصلت بـ"لو" فاعترض عليها؛ وإلا فالذي قاله ابن الناظم في غالب النسخ ما نصه٢: وأكثر النحويين لم يذكروا الفصل بين "أن" المخففة وبين الفعل بـ"لو" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٩٥-
وقليل ذكر لو
انتهى، وهو مساو لنص الموضح، فلينظر.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٧٣، وتخليص الشواهد ص٣٨٣، والجنى الداني ص٢١٩، والدرر ١/ ٣٠٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٨٨، وشرح ابن الناظم ص١٣١، وشرح قطر الندى ص١٥٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٩٤، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣. ١ ما بينهما إضافة من "ط". ٢ شرح ابن الناظم ص١٣١.
[ ١ / ٣٣٢ ]
"فصل":
"وتخفف "كأن" فيبقى أيضًا إعمالها" استصحابًا للأصل، "لكن يجوز ثبوت اسمها وإفراد خبرها" وإلى ثبوت اسمها وحذفه أشار الناظم بقوله:
١٩٦-
وخففت كأن أيضًا فنوي منصوبها وثابتًا أيضًا روي
"كقوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
٢٥٦-
"كأن وريديه رشاء خلب"
فـ "وريديه" وهما عرقان في الرقبة اسم "كأن"، و"رشاء" بكسر الراء والمد: خبرها، وهو مفرد لا مثنى، وصحح الصغاني أنه مثنى بالغين المعجمة، والرشاء: الحبل، والخلب: بضم الخاء المعجمة: الليف، قاله أبو إسحاق، وقال غيره الخلب: البئر البعيدة القعر.
"وقوله" وهو باغث، بالموحدة فالمعجمة فالمثلثة، ابن صريم، بالتصغير اليشكري، قاله النحاس١، وقال السيرافي٢: هو أرقم بن علباء، وقال صاحب المنقد هو علباء بن أرقم اليشكري يذكر امرأته ويمدحها: [من الطويل]
٢٥٧-
ويومًا توافينا بوجه مقسم "كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم"
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٦٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٩٩، وبلا نسبة في لسان العرب ١/ ٣٦٥، "خلب"، ١٣/ ٣٢ "أنن"، والإنصاف ١/ ١٩٨، وأوضح لمسالك ١/ ٣٧٥، وتخليص الشواهد ص٣٩٠، والجنى الداني ص٥٧٥، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٩١، ٣٩٣، ٣٩٥، ٣٩٦، ٣٩٧، ٤٠٠، ٤١٢، ورصف المباني ٢١١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٧٥، وشرح المفصل ٨/ ٨٣، والكتاب ٣/ ١٦٤، ١٦٥، والمقرب ١/ ١١٠، وتاج العروس ٢/ ٣٨٠ "خلب". ١ خزانة الأدب ١٠/ ٤١٣. ٢ شرح أبيات سيبويه ١/ ٥٢٥.
(٢) البيت لعباء بن أرقم في الأصمعيات ص١٥٧، والدرر ١/ ٣٠٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٤، ولأرقم بن علباء في شرح أبيات سيبويه ١ ٥٢٥، ولزيد بن أرقم في الإنصاف ١/ ٢٠٢، ولكعب بن أرقم في اللسان ١٢/ ٤٨٢ "قسم" ولباغت بن صريم اليشكري في تخليص الشواهد ص٣٩٠،=
[ ١ / ٣٣٣ ]
يروى بالرفع" لـ"ظبية" على أنها خبر "كأن" "على حذف الاسم، أي: كأنها" ظبية، ويروى بالنصب لظبية على أنها اسم "كأن" "على حذف الخبر، أي: كأن مكانها" ظبية، "و" يروى "بالجر" لظبية "على أن الأصل كظبية، وزيد "أن" بينهما"، أي: بين الكاف ومجرورها، وعليهن فجملة "تعطو" صفة لـ"ظبية"، والموافاة الإتيان، والمقسم بضم الميم وفتح القال والسين المهملة مع التشديد: المحسن من القسنام وهو الحسن، يقال: فلان قسيم الوجه، ومقسم الوجه، أي: حسنه، وتعطو: أي تتناول، وعداه بـ"إلى" لتضمنه معنى: تميل، والوارق: اسم فاعل من ورق الشجر: يرق، مثل: أورق، أي: صار ذا ورق، ويرى ناضر السلم، والنضرة الحسن والبهجة، والسلم بفتحتين شجر العضاه له شوك.
"وإذا حذف الاسم وكان الخبر جملة اسمية لم يحتج لفاصل" كما تقدم تعليله في "أن" المخففة "كقوله:" [من الهزج]
٢٥٨-
ووجه مشرق اللون "كأن ثدياه حقان"
فـ "ثدياه حقان" مبتدأ وخبر في موضع رفع خبر "كأن"، واسمها ضمير شأن محذوف، أي: كأنه. وهذا البيت رواه سيبويه هكذا١ ورواه غيره:
وصدر مشرق اللون
_________________
(١) = وشرح المفصل ٨/ ٨٣، والكتاب ٢/ ١٣٤، وله أو لعلباء بن أرقم في المقاصد النحوية ٢/ ٣٠١، ولأحدهما أو لأرقم بن علباء في شرح شواهد المغني ١/ ١١١، ولأحدهما أو لراشد بن شهاب اليشكري، أو لابن أصرم اليشكري في خزانة الأدب ١٠/ ٤١١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٧٧، وجواهر الأدب ص١٩٧، والجنى الداني ص٢٢٢، ورصف المباني ص١١٧، ٢١١، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٨٣، وسمط اللآلي ص٨٢٩، وشرح ابن الناظم ص١٣٢، وشرح الأشموني ١/ ١٤٧، وشرح عمدة الحافظ ١/ ٣٣١، ٣٤١، وشرح قطر الندى ص١٥٧، والكتاب ٣/ ١٦٥، والمحتسب ١/ ٣٠٨، ومغني اللبيب ١/ ٣٣، والمقرب ١/ ١١١، ٢/ ٢٠٤، والمنصف ٣/ ١٢٨، وهمه الهوامع ١/ ٤١٣.
(٢) البيت بلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٩٧، وأوضح المسالك ١/ ٣٧٨، وتخليص الشواهد ص٣٨٩، والجنى الداني ص٥٧٥، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٩٢، ٣٩٤، ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٠، ٤٤٠، والدرر ١/ ٣٠٣، ٣٠٥، وشرح ابن الناظم ص١٣٢، وشرح الأشموني ١/ ١٤٧، وشرح شذور الذهب ص٢٨٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٩١، وشرح قطر الندى ص١٥٨، وشرح المفصل ٨/ ٨٢، والكتاب ٢/ ١٣٥، ١٤٠، ولسان العرب ١٣/ ٣٠، ٣٢ "أنن"، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٠٥، والمنصف ٣/ ١٢٨، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣. ١ الكتاب ٢/ ١٣٥.
[ ١ / ٣٣٤ ]
والمعنى على الأول: رب وجه يلوح لونه، وثديا صاحبه كحقين في الاستدارة.
"وإن كانت الجملة فعلية فصلت بـ"لم"" في المضارع المنفي. "أو "قد"" في الماضي المثبت، فالأول "نحو: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ " [يونس: ٢٤]، "و" الثاني "نحو قوله": [من الخفيف]
٢٥٩-
"لا يهولنك اصطلاء لظى الحر ب فمحذورها كأن قد ألما"
ففصل بين "كأن" و"ألما" بـ"قد" والهول: الفزع، يقال: هاله الأمر يهوله إذا أفزعه، ولظى الحرب: نارها، والاصطلاء، من اصطليت بالنار: تدفأت بها، والمحذور: من الحذر، وهو: ما يخاف منه، وألم: ماض من الإلمام، وهو النزول: ألم به أمر إذا نزل به.
"مسألة:
وتخفف "لكن" فتهمل وجوبًا" لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية، وليباين لفظها لفظ الفعل، "نحو:" ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ "وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧]، وعن يونس والأخفش جواز الإعمال" قياسًا على "أن" ولم يسمع من العرب: ما قام زيد لكن عمرًا قائم، بنصب عمرو، وما ورد عن يونس أنه حكى فيها العمل فهي رواية لا تعرف والفرق بينها وبين "إن" زوال الاختصاص.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٧٩، وسر صناعة الإعراب ص٤١٩، ٤٣٠، وشرح الأشموني ١/ ١٤٨، وشرح شذور الذهب ص٢٨٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٠٦.
[ ١ / ٣٣٥ ]
باب "لا" العاملة عمل "إن" المشددة
مدخل
باب "لا" العاملة عمل "إن" المشددة:
وتسمى "لا"١ التبرئة دون غيرها من أحرف النفي، وحق "لا" التبرئة أن تصدق على "لا" النافية كائنة ما كانت؛ لأن كل من برأته فقد نفيت عنه شيئًا، ولكنهم خصوها بالعاملة عمل "إن" فإن التبرئة فيها أمكن منها في غيرها، لعمومها بالتنصيص، وتسمى النافية للجنس، وأفردت بباب لطول الكلام عليها.
قال أبو البقاء وإنما عملت "لا"١ عمل "إن" لمشابهتها لها من أربعة أوجه.
أحدها: أن كلا منهما يدخل على الجملة الاسمية.
الثاني: أن كلا منهما للتأكيد، فـ"لا" لتأكيد النفي، و"إن" لتأكيد الإثبات.
والثالث: أن "لا" نقيضة "إن"، والشيء يحمل على نقيضه، كما يحمل على نظيره.
والرابع: أن كلا منهما له صدر الكلام، ولكون "لا" محمولة على "إن" في العمل انحطت درجتها عن "إن" في أمور:
منها أن اسم "لا" لا يكون إلا مظهرًا، واسم "إن" يكون مظهرًا ومضمرًا.
ومنها أن اسم "لا" لا يكون إلا نكرة، واسم "إن" يكون نكرة ومعرفة.
ومنها أن "لا" لا يجوز أن يتقدم خبرها على اسمها إذا كان ظرفًا أو مجرورًا ويجوز في "إن".
ومنها أن اسم "لا" لا ينون، واسم "إن" ينون.
ومنها أن اسم "لا" المفرد مختلف في إعرابه وبنائه، واسم "إن" لا خلاف في إعرابه، ا. هـ.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب".
[ ١ / ٣٣٦ ]
ومنها أن "إن" تعمل بلا شرط، و"لا" لا تعمل إلا بشرط، "وشرطها أن تكون نافية" لا زائدة. "وأن يكون المنفي" بها "الجنس" بأسره، "وأن يكون نفيه نصا" وذلك إذا دخلت على نكرة، وأريد بها النفي العام، وقدر فيه "من" الاستغراقية؛ لأن "من" هي الموضوعة للجنس، فإذا قلت: لا رجل في الدار، وأنت تريد نفي الجنس كله لم يصح إلا بتقدير "من"، ولو لم ترد "من" لكنت نافيًا رجلًا واحدا، وجاز أن يكون في الدار اثنان فأكثر، ومن هنا قال النحويون إن "لا رجل" جواب لمن قال: هل من رجل في الدار؟، فهو سائل عن كل الجنس، قاله أبو البقاء في شرح لمع ابن جني "وأن لا يدخل عليها جار"، وهو المراد بقولهم أن لا تقع بين عامل ومعمول، "وأن يكون اسمها نكرة" لأنه على تقدير "من" كما تقدم، و"من" الاستغراقية مختصة بالنكرات، وأن تكون النكرة "متصلة بها"، خلافًا لأبي عثمان فإنه أجاز فيها أن تعمل مع فصلها، ولكنه لا يبنى، فقد جاء في السعة، لا منها بد، بالبناء مع الفصل، وليس مما يعول عليه، قاله الموضح في الحواشي، "وأن يكون خبرها نكرة" على الأصل، فجملة الشروط سبعة، أربعة راجعة إلى "لا" واثنان إلى اسمها، وواحد إلى خبرها، وستأتي محترزاتها.
وإذا اجتمعت هذه الشروط عملت "لا" عمل "إن" من نصب الاسم ورفع الخبر، "نحو: لا غلام سفر حاضر"، فـ"غلام سفر" اسمها، وهو منصوب، و"حاضر" خبرها، وهو مرفوعًا بها اتفاقًا؛ لأنها غير مركبة، وأما إذا ركبت فعن سيبويه أنها لا تعمل في الخبر، بل النكرة مع "لا" في موضع رفع بالابتداء والخبر خبر المبتدأ، مرفوع بما كان مرفوعًا به قبل دخول "لا"، والأصح عند الناظم أنه مرفوع بها أيضًا، وهو مذهب الأخفش والمازني والمبرد١، "فإن كانت غير نافية لم تعمل" في الأسماء شيء "وشذ إعمال" "لا" "الزائدة في قوله" وهو الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة الفزاري: [من البسيط]
٢٦٠-
"لو لم تكن غطفان لا ذنوب بها إذن للام ذوو أحسابها عمرا"
فأعمل "لا" الزائدة، "وذنوب" اسمها: و"لها" خبرها، وإنما عملت مع
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ١٦٥، والمقتضب ٤/ ٣٥٧.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٢٣٠، وخزانة الأدب ٤/ ٣٠، ٣٢، ٥٠، والدرر ١/ ٣٢٠، والارتشاف ٢/ ١٦٨، وشرح التسهيل ٢/ ٥٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٢٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣، والخصائص ٢/ ٣٦، ولسان العرب ٦/ ٢٦٩، "غطف"، وهمع الهوامع ١/ ١٤٧.
[ ١ / ٣٣٧ ]
الزيادة؛ لأنها أشبهت النافية لفظًا وصورة، فلوحظ فيها جانب اللفظ دون جانب المعنى، والدليل على زيادتها أن المعنى المستفاد مستفاد من "لو" لأن "لو" شرطها ممتنع، والغرض أنه منفي بـ"لم"، وامتناع النفي إثبات، فدل على إثبات الذنوب لغطفان، لا نفيها عنها، وإذا ثبتت الذنوب امتنع اللوم؛ لأن جواب "لو" إذا كان مثبتًا في نفسه يكون منفيا بعد دخول "لو"، وإنما شذ عمل الزائدة؛ لأنها غير مختصة، وشرط العمل الاختصاص، فإن قيل: "لا" النافية غير مختصة مع أنها عاملة، فالجواب ما قاله المرادي أن "لا" إذا قصد به النفي العام اختصت بالاسم فليست إذن الداخلة على الفعل "ولو كانت" "لا" لغير نفي الجنس بل "لنفي الوحدة عملت عمل "ليس""، فترفع الاسم وتنصب الخبر "نحو: لا رجل قائمًا"، فالمنفي هنا الواحد دون الجنس إذا قلت عقبه: "بل رجلان"، فيكون المنفي واحدًا، والمثبت اثنان، "وكذا" تعمل عمل "ليس" "أن أريد بها نفي الجنس لا على سبيل التنصيص" بل على سبيل الظهور، نحو: لا رجل قائمًا، ويمتنع أن يقال بعده: بل رجلان.
والحاصل أن "لا" إذا عملت عمل "ليس" احتمل نفي الواحد ونفي الجنس، وهو الظاهر؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم، فإذا أردت نفي الواحد ميزته بقولك عقبه: بل رجلان، وإذا أردت نفي الجنس لم تعقبه بشيء، بل لا يجوز أن تقول بعده: بل رجلان، هذا حاصل كلام ابن عقيل١.
"وإن" وقعت٢ "لا" بين عامل ومعمول كما إذا "دخل علها الخافض" فإنها لا تعمل شيئًا، "وخفض" الخافض "النكرة" لقوته؛ ولأن "لا" لا تحول بين العامل ومعموله "نحو: جئت بلا زاد، وغضبت من لا شيء" بالجر فيهما بحرف الجر.
وعن الكوفيين أن "لا" هنا اسم بمعنى غير، وأن الخافض دخل عليها نفسها، وأن ما بعدها خفض بالإضافة، وغيرهم يراها حرفًا، ويسميها زائدة، ويعنون بذلك أنها معترضة بين شيئين مطالبين، وإن لم يصح أصل المعنى بإسقاطها، "وشذ: جئت بلا شيء، بالفتح" على الإعمال والتركيب، ووجهه أن الجار دخل بعد التركيب نحو: لا خمسة عشر، وليس حرف الجر معلقًا، بل "لا" وما ركب معها في موضع جر؛ لأنهما جريا مجرى الاسم الواحد، قاله ابن جني في كتاب القد. وقال في الخاطريات إن "لا" نصبت
_________________
(١) ١ شرح ابن عقيل ١/ ٣٩٣. ٢ سقطت من "ب".
[ ١ / ٣٣٨ ]
"شيء"، ولا خبر لها؛ لأنها صارت فضلة نقله عن أبي علي وأقره١، "وإن كان الاسم معرفة أو منفصلًا منها أهملت" وجوبًا "ووجب عند غير المبرد وابن كيسان تكرارها" في الصورتين مع العاطف ليكون تكرارها عوضًا من مصاحبة ذي العموم٢، أو لأن العرب جعلتها في جواب من سأل بالهمزة، وأم، والسؤال بهما لا بد فيه من العطف. فكذلك الجواب، "نحو: لا زيد في الدار ولا عمرو، ونحو: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ" وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] . "وإنما لم تتكرر" مع المعرفة "في قولهم: لا نولك أن تفعل، و" في "قوله": [من البسيط]
٢٦١-
"أشاء ما شئت حتى لا أزال لما لا أنت شائية من شأننا شاني"
"للضرورة في هذا" البيت، واللام في الضرورة للتعليل متعلقة بـ"لم" تتكرر، والمعنى: وإنما لم تتكرر في "لا أنت" للضرورة، و"أشاء" مضارع شاء مسند للمتكلم، و"ما" موصول في موضع نصب على المفعولية بـ"أشاء"، وشئت بكسر التاء صلة "ما"، والعائد محذوف، "وحتى" بمعنى: إلى، و"أزال" مضارع زال، منصوب بـ"أن" مضمرة بعد حتى وجوبًا، واسم "أزال" مستتر فيه وجوبًا، وخبره "شاني" آخر البيت بنون من الشنآن، وهو: البغض، وقف عليه بحذف الألف على لغة ربيعة، و"لما" متعلق به، و"ما" موصول اسمي، و"لا" نافية، و"أنت" مبتدأ، و"شائية" من المشيئة خبره، و"من شأننا" متعلق به، والجملة صلة "ما"، والعائد محذوف، والمعنى: أن أشاء الذي شئته حتى لا أزال شانيًا للذي لا أنت شائيته من شاننا، أي: أمرنا، "ولتأول" معطوف على الضرورة "لا نولك" بلا ينبغي لك"، "ولا" إذا دخلت على الفعل لا يجب تكرارها؛ لأنه في معنى النكرة، "ونولك" بتفح النون وسكون الواو من التنويل والنوال وهو: العطية مبتدأ، وأن تفعل سد مسد خبره كما في الوصف مع مرفوعه قاله الخضراوي.
وقال أبو حيان: والذي أذهبت إليه أنه خبر لا فاعل؛ لأن "نولك" ليس بوصف.
وقال الموضح: لا أدري كيف يتأتى أن يقول هذا مع قوله: إن "لا نولك" مؤول بلا ينبغي لك، ولم ينزل كتاب بأن المرفوع الساد مسد الخبر لا يرفع إلا بالوصف ا. هـ.
_________________
(١) ١ المسائل البصريات ٢/ ٩٠٦-٩٠٨، والمسائل المنثورة ص٨٥. ٢ انظر الارتشاف ٢/ ١٧٢، والتسهيل ص٦٨.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٧، والدرر ١/ ٣٢٥، وشرح الأشموني ١/ ١٤٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٢٥، وهمع الهوامع ١/ ١٤٨.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وإذا قلنا بالأول فالظاهر أن المرفوع هنا نائب عن الفاعل. قال الرضي: والنول مصدر بمعنى: التناول وهو هنا بمعنى المفعول، أي: ليس متناولك هذا الفعل، أي: لا ينبغي لك أن تتناوله ا. هـ. فسقط بالتأويل في المثال ودعوى الضرورة في البيت ما احتج به المبرد١ وابن كيسان على عدم وجوب تكرار "لا" إذا دخلت على معرفة، وإلى إعمال "لا" عمل "إن" أشار الناظم بقوله:
١٩٧-
عمل إن اجعل للا في نكره مفردة جاءتك أو مكرره
_________________
(١) ١ المقتضب ٤/ ٣٥٩.
[ ١ / ٣٤٠ ]
"فصل":
"وإذا كان اسمها مفردًا، أي: غير مضاف ولا شبيه به بني على الفتح إن كان مفردًا" لفظًا ومعنى أو لفظًا لا معنى. "أو جمع تكسير" لمذكر أو مؤنث، فالأول "نحو: لا رجل"، والثاني نحو: لا قوم ولا شجر. "و" الثالث نحو: "لا رجال" ولا هنود، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٩٩-
وركب المفرد فاتحًا
"و" بني "عليه" أي: على الفتح "أو على الكسر إن كان جمعًا بألف وتاء" مزيدتين، "كقوله" هو سلامة بن جندل يبكي على فراق الشباب، لا ابن مقبل، خلافًا لابن عصفور: [من البسيط]
٢٦٢-
"إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه نلذ ولا لذات للشيب"
بكسر التاء وفتحها، "روى بهما" في "لذات" جمع لذة، وهو اسم "لا" و"للشيب" بفتح الشين خبرها، وفي الجمع بالألف والتاء إذا كان اسم "لا" أربعة أقوال:
أحدها: أنه يجعل في البناء كما هو في الإعراب، فكما أن فتحته في الإعراب كسرة، فكذلك في البناء قاله بان عذرة، وهو قول الأكثيرين. "و" قال أبو الفتح ابن جني "في الخصائص١" ما حاصله "أنه لا يجيز فتحه بصري إلا أبو عثمان" المازني، وعبارة الخصائص: لم يجز أصحابنا الفتح إلا شيئًا قياسه أبو عثمان، والصواب الكسر بغير تنوين، ا. هـ.
_________________
(١) البيت لسلامة بن جندل في ديوانه ص٩١، وتخليص الشواهد ص٤٠٠، وخزانة الأدب ٤/ ٢٧، والدرر ١/ ٣١٩، والشعر والشعراء ص٢٧٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٢٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٩، وشرح شذور الذهب ص٨٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٩٧، وهمع الهوامع ١/ ١٤٦. ١ الخصائص ٣/ ٣٠٥.
[ ١ / ٣٤١ ]
الثاني: كالأول إلا أنه ينون؛ لأن تنوينه كون "مسلمين"، لا كتنوين "زيد" فلا ينافي البناء، جزم به ابن مالك في سبك المنظوم، ونقله ابن الدهان عن قوم، وتابعه ابن خروف.
الثالث: أنه يفتح؛ لأن الحركة ليست له، بل لمجموع المركب، وهو "لا" والاسم، قاله المازني والفارسي١، وهو حسن في القياس، ورجحه الموضح في المغني وشرح الشواهد.
الرابع: أنه يجوز الفتح والكسر بغير تنوين، وهو الصحيح، واقتصر عليه هنا، وقال بعض المغاربة: جواز الأمرين مبني على الخلاف في اسم "لا".
فمن قال هي إعراب وحذف تنوينه للتخفيف كالزجاج، والجرمي والرماني والكوفيين كسر٢، ومن قال هي بناء كجمهور البصريين فتح٣، "و" بني "على الياء إن كان مثنى أو مجموعًا على حده"، أي: على حد المثنى وطريقته في إعرابه بالحروف وسلامة واحده واختتامه بنون زائدة تحذف للإضافة "كقوله: [من الطويل]
٢٦٣-
"تعز فلا إلفين بالعيش متعا" ولكن لوراد المنون تتابع
فـ"إلفين" بكسر الهمزة تثنية: إلف، اسم "لا" مبني على الياء، "ومتعا" بالبناء للمفعول خبرها، و"تعز" أمر من التعزية، وهي الحمل على الصبر عند المصيبة، و"المنون": الموت، و"وراده" الذين يردونه، وهو جمع وارد، "وقوله: [من الخفيف]
٢٦٤-
"يحشر الناس لا بنين ولا آ باء إلا وقد عنتهم شئون"
فـ"بنين" بكسر النون الأولى جمع ابن، اسم "لا" مبني على الياء، ولا آباء جمع أب، عطف على ما قبله "إلا" حرف إيجاب، وقد عنتهم بفتح العين المهملة والنون
_________________
(١) ١ الارتشاف ٢/ ١٦٥. ٢ انظر الارتشاف ٢/ ١٦٤، وشرح التسهيل ٢/ ٥٨، ٥٩. ٣ انظر الإنصاف ١/ ٣٦٦.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٠، وتخليص الشواهد ٣٩٥، والدرر ١/ ٣١٧، وشرح ابن الناظم ١٣٤، وشرح الأشموني ١/ ١٤٥، وشرح شذور الذهب ص٨٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٣٣، وهمع الهوامع ١/ ١٤٦.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١١، وتخليص الشواهد ص٣٩٦، ١/ ٣١٨، وشرح ابن الناظم ص١٣٤، وشرح الأشموني ١/ ١٥٠، وشرح التسهيل ٢/ ٥٥، وشرح شذور الذهب ص٨٤، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٣٤، وهمع الهوامع ١/ ١٤٦.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وسكون التاء المثناة فوق بمعنى: أهمتهم، وشئون: جمع شأن وهو الخطب فاعل "عنتهم"، والجملة في موضع رفع خبر "لا"، ولا يضر اقترانه بالواو؛ ولأن خبر الناسخ يجوز اقترانه بالواو، كقول الحماسي: [من الهزج]
٢٦٥-
فأمسى وهو عريان
وقولهم: ما أحد إلا وله نفس أمارة١، وليست حالا خلافا للعيني٢؛ لأن واو الحال لا تدخل على الماضي التالي "إلا" كما قال في الموضح في باب الحال٣، وذهب المبرد٤ إلى أن المثنى والمجموع على حده في باب "لا" معربان بناء على أن التثنية والجمع عارضا التضمن أو التركيب في علة البناء، ولو صح ذلك لزم الإعراب في: يا زيدان ويا زيدون ولا قائل به والقول بالبناء في اسم "لا" المفرد اختلف في علته. "قيل: وعلة البناء" فيه "تضمن معنى "من"" الاستغراقية "بدليل ظهورها في قوله:" [من الطويل]
٢٦٦-
فقام يذود الناس عنها بسيفه "وقال ألا لا من سبيل إلى هند"
واختار هذا القول ابن عصفور، وعلله بأن تركيب الاسم مع الحرف قليل، والبناء للتضمن كثير، واعترضه ابن الضائع بأن المتضمن لمعنى "من" هو "لا" نفسها، لا الاسم بعدها، "وقيل"، علة البناء "تركيب الاسم مع الحرف" كما في تركيب الاسمين، "كخمسة عشر"، هذا قول سيبويه والجماعة٥، ويؤيده أنهم إذا فصلوا
_________________
(١) صدر البيت: "فلما صرح الشر" وهو للفند الزماني "شهل بن شيبان" في أمالي القالي ١/ ٢٦٠، وحماسة البحتري ص٥٦، والحيوان ٦/ ٤١٦، وخزانة الأدب ٣/ ٤٣١، وسمط اللآلي ص٥٧٨، ٤٩٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٣٤، والمقاصد النحوية ٣/ ١٢٢. ١ شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٣٤. ٢ المقاصد النحوية ٣/ ١٢٢. ٣ أوضح المسالك ٢/ ٣٥٣. ٤ المقتضب ٤/ ٣٦٦.
(٢) البيت بلا نسبة في كتاب العين ٨/ ٣٥٢، وأوضح المسالك ٢/ ١٣، وتهذيب اللغة ١٥/ ٤٢٣، وتاج العروس "ألا"، "لا" وأوضح المسالك ٢/ ١٣، وتخليص الشواهد ص٣٩٦، والجنى الداني ص٢٩٢، والدرر ١/ ٣١٧، وشرح ابن الناظم ص١٣٤، وشرح الأشموني ١/ ١٤٨، ولسان العرب ١٥/ ٤٣٤، "ألا"، ١٥/ ٤٦٨ "لا"، ومجالس ثعلب ص١٧٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٣٢، وهمع الهوامع ١/ ١٤٦. ٥ الكتاب ٢/ ٤٧٤.
[ ١ / ٣٤٣ ]
أعربوا، فقالوا: لا فيها رجل ولا امرأة، وقد جاء تركيب الاسم مع الحرف المؤخر كقوله: [من الرجز]
٧٢٦-
أثور ما أصيدكم أم ثورين
ودليل التركيب والبناء ترك تنوينه وهو مفعول مقدم لـ"أصيد"، وأما "كم" فعلى التوسع بإسقاط اللام، والمعنى: أصيد لكم ثورًا أم ثورين.
"وأما المضاف وشبهه فمعربان" اتفاقًا، نحو: لا غلام سفر حاضر، ولا طالبًا علما ممقوت، وأما: لا أبا لك، فاللام زائدة، لتأكيد معنى الإضافة، وهي معتد بها من وجه دون وجه، وأما وجه الاعتداد فلأن اسم "لا" لا يضاف لمعرفة، فاللام مزيلة لصورة الإضافة، وأما وجه عدم الاعتداد فهو أن ما قبلها معرب بالألف، وإنما يعرب إذا كان مضافًا أو شبهه، هذا مذهب سيبويه والجمهور١، ويشكل عليه٢: لا أبا لي، بالألف مع الإضافة إلى ياء المتكلم، "والمراد بشبهه" أي: شبه المضاف "ما اتصل به شيء من تمام معناه" مرفوع أو منصوب أو مجرور، "نحو: لا قبيحًا فعله محمود، ولا طالعًا جبلًا حاضر، ولا خيرًا من زيد عندنا" فـ"لا" في الجميع نافية، وما بعدها اسمها وهو منصوب بها، والمتأخر خبرها، وفعله في الأول فاعل "قبيحًا"؛ لأنه صفة مشبهة، "وجبلًا" في الثاني مفعول "طالعًا"؛ لأنه اسم فاعل، "ومن زيد" في الثالث متعلق بـ"خيرًا" لأنه اسم تفضيل، وما ذكره من نصب الشبيه بالمضاف وتنوينه هو مذهب البصريين، وأجاز البغداديون: لا طالعا جبلا، بلا تنوين أجروه في ذلك مجرى المضاف، كما أجري مجراه في الإعراب، وعليه يتخرج الحديث: "لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت" ٣، قاله في المغني٤.
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٤٠، والخصائص ٢/ ١٨٠، ورصف المباني ص٣٣٦، ولسان العرب ٤/ ١١١ "ثور" ١٣/ ٣٣٣ "قرن" وتهذيب اللغة ٩/ ٩٠. ١ الكتاب ٢/ ٢٨٧. ٢ في "ط": "عليهم". ٣ انظر الكلم الطيب ص٣٧. ٤ مغني اللبيب ص٣١٣.
[ ١ / ٣٤٤ ]
"فصل":
"ولك في نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، خمسة أوجه:
أحدها: فتحهما"، أي: فتح ما بعد "لا" الأولى وما بعد "لا" الثانية، "وهو الأصل، نحو: ﴿لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا ُلَّةَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، بفتحهما "في قراءة ابن كثير وأبي عمرو" بن العلاء١.
"والثاني: رفعهما إما بالابتداء، أو على إعمال "لا" عمل "ليس"، كالآية" المتقدمة "في قراءة الباقين من سبعة، وقوله" وهو عبيد الراعي بن حصين: [من البسيط]
٢٦٨-
وما هجرتك حتى قلت معلنة "لا ناقة لي في هذا ولا جمل"
برفع "ناقة" و"جمل"، والمعنى: وما تركتك حتى تبرأت مني وقلت صريحًا: لا ناقة لي ولا جمل، وهو مثل، ضربه لبراءتهما منه٢.
و"الثالث: فتح الأول، ورفع الثاني، كقوله:" [من الكامل]
٢٦٩-
هذا لعمركم الصغار بعينه "لا أم لي إن كان ذاك ولا أب"
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾، بالرفع. وقرأها بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محصين والحسن واليزيدي، انظر الإتحاف ص١٣٥، والنشر ٢/ ٢١١.
(٢) البيت للراعي النميري في ديوانه ص١٩٨، وتخليص الشواهد ص٤٠٥، وشرح المفصل ٢/ ١١١، ١١٣، والكتاب ٢/ ٢٩٥، ولسان العرب ١٥/ ٢٥٤ "لقا"، ومجالس ثعلب ص٣٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٣٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٥، وشرح الأشموني ١/ ١٥٢، واللمع ص١٢٨. ٢ المثل في المستقصى ٢/ ٢٦٧، وفصل المقال ص٣٨٨، ويروى: "لا ناقتي في هذا ولا جملي" في مجمع الأمثال ٢/ ٢٢٠، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٢٧٥، وجمهور الأمثال ٢/ ٣٩١.
(٣) البيت لضمرة بن جابر في خزانة الأدب ٢/ ٣٨، ٤٠، وهو لرجل من مذحج أو لضمرة بن ضمرة، أو لهمام أخي جساس ابني مرة في تخليص الشواهد ص٤٠٥، وهو لرجل من بني عبد مناة في الدرر ٢/ ٤٧٦، وهو لهني بن أحمر أو لزرافة الباهلي في لسان العرب ٦/ ٦١ "حيس"، وتاج العروس ١٥/ ٥٦٩ "حيس"، وهو لابن أحمر في المؤتلف والمختلف ٣٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٣٩، ولرجل=
[ ١ / ٣٤٥ ]
"الخامس: فتح الأول ونصب الثاني: كقوله" وهو أنس بن العباس السلمي جد العباس بن مرداس، وقيل: أبو عامر جد العباس: [من السريع]
٢٧٢-
"لا نسب اليوم ولا خلة" اتسع الخرق على الراقع
وهذه الأوجه الخمسة الجارية في نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله مستفادة من قول الناظم:
١٩٩-
وركب المفرد فاتحًا كلا حول ولا قوة والثاني اجعلا
٢٠٠-
مرفوعًا أو منصوبًا أو مركبا وإن رفعت أولًا لا تنصبا
ولكل منها توجيه يخصه، أما فتحهما فوجهه أن تجعل "لا" فيهما مركبة مع اسمها كما لو انفردت.
فعلى مذهب سيبويه١ يجوز أن يقدر بعدهما خبرًا لهما معًا، أي: لا حول ولا قوة لنا، أي: موجودان لنا؛ لأن مذهبه أن "لا" المفتوح اسمها لا تعمل في الخبر فهما في موضع رفع "ولا قوة" مبتدأ معطوف على مبتدأ، والمقدر مرفوع بأنه خبر عنهما جميعًا، فيكون الكلام جملة واحدة، نحو: زيد وعمرو قائمان، ويجوز أيضًا عنده أن يقدر لكل واحدة منهما خبر، أي: لا حول موجود لنا، ولا قوة موجودة لنا، فيكون الكلام جملتين.
وعلى مذهب غير سيبويه القائل بأن "لا" المفتوح اسمها عاملة في الخبر، كما عملت فيه "لا" الناصبة اسمها، فيجوز أيضًا أن يقدر لهما معًا خبر واحد، وذلك الخبر يكون مرفوعًا بـ"لا" الأولى والثانية، وإن كانت عاملتين إلا أنهما متماثلان فيجوز أن يعملا في اسم واحد عملًا واحدًا، كما في: إن زيدًا وإن عمرًا قائمان؛ لأنهما شيء واحد، ويجوز أيضًا عند هؤلاء أن يقدر لكل منهما خبر على حياله، وأما رفعهما فوجهه أن تجعل
_________________
(١) البيت لأنس بن العباس بن مرداس في تخليص الشواهد ص٤٠٥، والدرر ٢/ ٤٧٦، ٢/ ٥٧٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠١، والكتاب ٢/ ٢٨٥، ٣٠٩، ولسان العرب ٥/ ٥١١ "قمر" ١٠/ ٢٣٨، "عتق"، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٥١، وله أو لسلامان بن قضاعة في شرح أبيات سيبويه ١/ ٥٨٣، ٥٨٧، ولأبي عامر جد العباس بن مرداس في ذيل سمط اللآلي ٣٧، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١٧٢، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٢١، وأوضح المسالك ٢/ ٢٠، وشرح ابن الناظم ص١٣٥، وشرح الأشموني ١/ ١٥١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٧٥، ٩٦٧، وشرح شذور الذهب ص٨٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٠٠، وشرح المفصل ٢/ ١٠١، ١٣٥، ٩/ ١٣٨، واللمع في العربية ص١٢٨، ومغني اللبيب ١/ ٢٢٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤، ٢١١. ١ الكتاب ٢/ ٢٨٤، ٢٨٥.
[ ١ / ٣٤٧ ]
"لا" الأولى ملغاة لتكرارها، فما بعدها مرفوع بالابتداء، أو عاملة عمل "ليس"، فيكون ما بعدها مرفوعًا بها، وعلى الوجهين فـ"لنا" خبر عن الاسمين إن قدرت "لا" الثانية تكرار للأولى وما بعدها معطوف فإن قدرت الأولى مهملة، والثانية عاملة عمل "ليس" أو بالعكس، فـ"لنا" خبر عن إحداهما، وخبر الأخرى محذوف، كما في: زيد وعمرو قائم، ولا يكون خبرًا عنهما لئلا يلزم محذوران: أحدهما: كون الواحد مرفوعًا منصوبًا. والثاني: توارد عاملين على معمول واحد، قاله في المغني١ في مسألة: لا رجل ولا امرأة، برفعهما، وأما فتح الأول ورفع الثاني، فوجهه أن "لا" الأولى عاملة عمل "إن" ولا الثانية زائدة، وما بعدها معطوف على محل "لا" الأولى مع اسمها، فعند سيبويه٢ يجوز أن يقدر لهما معًا خبر واحد؛ لأنه خبر مبتدأ، وما عطف عليه، وعند غيره لا بد لكل واحد من خبر لئلا تجتمع "لا" والابتداء في رفع الخبر الواحد، ويجوز أن نجعل "لا" الثانية غير زائدة، وهي ملغاة، أو عاملة عمل "ليس".
وأما رفع الأول وفتح الثاني فوجهه أن "لا" الأولى ملغاة. أو عاملة عمل "ليس" و"لا" الثانية عاملة عمل "إن"، وتقدير الخبر في هذا الوجه كالوجه الذي قبله، سواء على المذهبين.
وأما فتح الأول ونصب الثاني فوجهه أن "لا" الأولى عاملة عمل "إن"، و"لا" الثانية زائدة، وما بعدها منصوب منون، "وهو أضعفها"؛ لأن نصب الاسم مع وجود "لا" ضعيف والقياس فتحه بلا تنوين، "حتى" قال ابن الدهان في الغرة: "خصه يونس وجماعة" من النحويين "بالضرورة، كتنوين المنادى" المفرد المعرفة٣، وجعله الزمخشري منصوبًا على إضمار فعل أي: ولا أرى قوة٤، "وهو عند غيرهم على تقدير "لا" زائدة مؤكدة، وأن الاسم" بعدها "منتصب بالعطف" على محل اسم "لا" الأولى عند ابن مالك٥، وعند غيره على لفظ اسم "لا" لأنه لما اطرد في "لا" بناء اسمها معها على الفتح نزلت منزلة العامل المحدث للفتحة الإعرابية، وأما الخبر فلا يجوز عند سيبويه٦ أن يقدر لهما خبر واحد بعدهما؛ لأن خبر ما بعد "لا" الأولى مرفوع بما كان مرفوعًا، قبل دخول "لا" عنده، وخبر ما بعد "لا" الثانية مرفوع بـ"لا" الأولى؛ لأن الناصب لاسمها عاملة في الخبر عنده، كما يقول غيره، فيلزم ارتفاع الخبر بعاملين
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ٢٤٢. ٢ الكتاب ٢/ ٢٨٥، ٢٨٦. ٣ الارتشاف ٢/ ١٧٣. ٤ المفصل ص٧٥. ٥ شرح التسهيل ٢/ ٦٨. ٦ الكتاب ٢/ ٢٨٥.
[ ١ / ٣٤٨ ]
مختلفين، وهو لا يجوز، فيجب أن يقدر لكل منهم خبر [على حياله وعند غيره يقدر لهما خبر واحد؛ لأن العامل عندهم "لا" وحدها، ويجوز أن يقدر لكل خبر] ١.
وهذه الأوجه الخمسة مأخوذة من اثني عشر وجهًا، وذلك لأن ما بعد "لا" الأولى يجوز فيه البناء على الفتح والرفع على الإلغاء، والرفع على إعمالها عمل "ليس"، فهذه ثلاثة، وما بعد "لا" الثانية يجوز فيه ذلك، ووجه رابع وهو النصب، وإذا ضربت هذه الأربعة في الثلاثة الأول بلغت اثني عشر وجها، وكلها جائزة إلا اثنين، وهما رفع الأول على الإلغاء أو على الإعمال عمل "ليس"، ونصب الثاني، وأنهاها ابن الفخار في شرح الجمل إلى مائة وأحد وثلاثين وجهًا، هذا إذا عطفت وكررت "لا"، "فإن عطفت ولم تكرر "لا" وجب فتح الأول" على إعمال "لا" عمل "إن"، وجاز في الثاني النصب" عطفًا على محل الأول، "والرفع" عطفًا على محل "لا" مع اسمها، وامتنع الفتح لعدم ذكر "لا" "كقوله"، وهو رجل من بني عبد مناة يمدح مروان بن الحكم وابنه عبد الملك: [من الطويل]
٢٧٣-
"فلا أب وابنًا مروان وابنه" إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
يروى "وابنًا" بالنصب، "ويجوز "وابن" بالرفع"، ولا يجوز "وابن" بالفتح، "وأما حكاية الأخفش": لا رجل وامرأة، بالفتح، بلا تنوين "فشاذة"٢، والأصل: ولا امرأة فحذفت "لا" وبقي البناء بحاله على نية "لا"، كما قالوا: ولا بيضاء شحمة٣، على نية "كل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٠٣-
والعطف إن لم تتكرر لا احكما له بما للنعت ذي الفصل انتمى
_________________
(١) ١ سقطت ما بين المعقوفين من الأصل، وتم استدراكه من "ب"، "ط".
(٢) البيت لرجل من عبد مناة بن كنانة في تخليص الشواهد ص٤١٣، ٤١٤، وخزانة الأدب ٤/ ٦٧، ٨٦، وشرح شواهد الإيضاح ص٢٠٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٥٥، وله أو للفرزدق في الدرر ٢/ ٤٧٤، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٤١٩، ٢/ ٥٩٣، ٨٤٧، وأوضح المسالك ٢/ ٢٢، وجواهر الأدب ص٢٤١، وشرح ابن الناظم ص١٣٨، وشرح الأشموني ١/ ١٥٣، وشرح قطر الندى ص١٦٨، وشرح المفصل ٢/ ١٠١، ١١٠، والكتاب ٢/ ٢٨٥، واللامات ص١٠٥، واللمع ١٣٠، والمقتضب ٤/ ٣٧٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٣. ٢ شرح ابن الناظم ص١٣٨، وشرح التسهيل ٢/ ٦٨. ٣ في الكتاب ١/ ٦٥: "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة، وإن شئت نصبت "شحمة" و"بيضاء": في موضع جر، كأنك أظهرت "كل" فقلت: "ولا كل بيضاء"، ومن الأمثال قولهم: "ما كل سوداء تمرة ولا كل بيضاء شحمة" والمثل في الفاخر ص١٩٥، وجمهرة الأمثال ٢/ ٢٢٦، ٢٨٧، والمستقصى ٢/ ٣٢٨، ومجمع الأمثال ٢/ ٢٨١.
[ ١ / ٣٤٩ ]
فصل٢
واختلف في قائله: فنسبه سيبويه في الكتاب١ إلى رجل من بني مذحج، ونسبه أبو رياش إلى همام بن مرة، ونسبه ابن الأعرابي إلى رجل من بني عبد مناة، ونسبه الحاتمي إلى ابن الأحمر، ونسبه الأصفهاني إلى ضمرة.
والصغار بفتح الصاد: الذل، و"بعينه" توكيد له، والباء زائدة "وقوله" وهو جرير يهجو نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن وهو أبو قبيلة من قيس: [من الطويل]
٢٧٠-
بأي بلاء يا نمير بن عامر "وأنتم ذنابي لا يدين ولا صدر"
بأي متعلق بمحذوف، والتقدير: بأي بلاء تفتخرون، وذنابي: بضم الذال المعجمة وتخفيف النون، وبعد الألف باء موحدة مفتوحة، أي: أتباع، وجملة "لا يدين" و"لا صدر" تفسير للذنابي، والمعنى: لستم برءوس بل أتباع لا يدين ولا صدر.
"الرابع: عكس الثالث"، وهو رفع الأول، وفتح الثاني، "كقوله" وهو أمية بن أبي الصلت في أحوال الجنة: [من الوافر]
٢٧١-
"فلا لغو ولا تأثيم فيها" وما فاهوا به أبدًا مقيم
واللغو: الباطل، والتأثيم: من أثمته، إذا قلت له أثمت، وفاهوا تلفظوا، والمعنى: ليس في الجنة قول باطل ولا تأثيم أحد، وما تلفظوا به من طلب شهوة حاصل مقيم على التأبيد.
_________________
(١) = من مذحج أو لهمام أخي حسان بن مرة أو لضمر بن ضمرة أو لابن أحمر في شرح شواهد المغني ٩٢١، ولهمام بن مرة في الحماسة الشجرية ١/ ٢٥٦، ولعامر بن جوين الطائي أو منقذ بن مرة الكناني في حماسة البحتري ٧٨، ولرجل من بني عبد مناة بن كنانة في سمط اللآلي ٢٨٨، ولعمرو بن طيئ في معجم البلدان ١/ ٩٨ "أجأ"، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص١٣٦، وشرح المفصل ٢/ ١١٠، ٢٩٢، وجواهر الأدب ص٢٤١، ٢٤٥، والأشباه والنظائر ٤/ ١٦٢، وأمالي ابن الحاجب ص٥٩٣، ٨٤٧، وأوضح المسالك ٢/ ١٦، ورصف المباني ص٢٧٦، وشرح الأشموني ١/ ١٥١، وكتاب اللامات ص١٠٦، واللمع في العربية ص١٢٩، ومغني اللبيب ص٥٩٣، والمقتضب ٤/ ٣٧١. ١ الكتاب ٢/ ٢٩٢.
(٢) البيت لجرير في ديوانه ١/ ١٧٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٤٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٧.
(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص٥٤، وتخليص الشواهد ٤٠٦، ٤١١، والدرر ٢/ ٤٧٨، واللسان "١٢/ ٦ "أثم"، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٤٦، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١٦٥، وأوضح المسالك ٢/ ١٩، وجواهر الأدب ص٩٣، ٢٤٥، وخزانة الأدب ٤/ ٤٩٤، وسر صناعة الإعراب ١/ ٤١٥، وشرح ابن الناظم ص١٣٦، وشرح الأشموني ١/ ١٥٢، وشرح شذور الذهب ص٨٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٠٣، ولسان العرب ١٣/ ٥٢٦، "فوه" واللمع ص١٢٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤.
[ ١ / ٢٤٦ ]
"فصل":
"وإذا وصفت النكرة المبنية بمفرد" متعلق بوصفت "متصل" نعت مفرد جاز في الوصف المفرد "فتحه على أنه ركب معها" أي: مع النكرة "قبل مجيء "لا"" وصار الوصف والموصوف كالشيء الواحد، ثم دخل عليهما "لا" "مثل": لا "خمسة عشر" عندنا، وقيل: علة النباء كون الوصف ما تمام اسم "لا" واسم "لا" وجب له البناء لتضمنه معنى "من" فصارا كأنهما معًا تضمنا معنى "من" وقيل: إنه أجري على لفظ الموصوف؛ لأنه أشبه المعرب، وقيل: فتحته فتحة إعراب، وحذف تنوينه للمشاكلة.
وجاز نصبه مراعاة لمحل النكرة الموصوفة؛ لأنها في محل نصب "بلا"، وقال الشاطبي: النصب بالحمل على لفظ النكرة، وإن كان مبنيا؛ لأن حركة البناء هناء شبيهة بحركة الإعراب بل الإعراب أصلها ا. هـ.
"و" جاز "رفعه مراعاة لمحلها مع "لا"" لأنهما في محل رفع بالابتداء لصيرورتها بالتركيب كشيء واحد، فحكموا على محلهما بالرفع، وجعلوا النعت للمجموع كما عكسوا في النعت المقرون بـ"لا"، نحو: مررت برجل لا ظريف ولا كريم. قال الرضي١: جعل حرف النفي مع الاسم الذي بعده صفة لـ"رجل" ا. هـ.
"نحو: لا رجل ظريف فيها" هذا من أمثلة الخليل، فيجوز فيه: لا رجل ظريف، بفتح "ظريف"، ولا رجل ظريفًا، بنصبه، ولا رجل ظريف، برفعه ومثله: "لا رجلين ظريفين، وظريفان،
ولا رجال ظريقين، وظريفون، يستوي فيهما لفظ المفتوح والمنصوب ولا هندات ظريفات؛ لأن اسم "لا" في ذلك كله مبني، ولا فرق في النعت بين المشتق، كما مر، والجامد المنعوت بمشتق، "ومنه٢ ألا ماء ماء باردًا عندنا" فيجوز في "ماء" الثاني الفتح على أنه مركب مع الأول، والنصب والرفع على ما مر، وضعف الكمال الأنصاري
_________________
(١) ١ شرح الرضي ١/ ٢٩١. ٢ الكتاب ٢/ ٢٨٩.
[ ١ / ٣٥٠ ]
في شرح المفصل كون "ماء" الثاني صفة "لماء" الأول، وقال: كيف يوصف الشيء بنفسه مع أنه جامد، وإنما هو من قبيل التوكيد اللفظي، أو البدل، ا.هـ. وجوابه أنه لا بعد في جعله صفة؛ لأنه لما وصف بـ"باردًا" صار مغايرًا للأول تغاير المطلق والمقيد، "ولأنه يوصف بالاسم" الجامد "إذا وصف" كـ: مررت برجل رجل عاقل، "والقول بأنه توكيد" لفظي أو بدل "خطأ"؛ لأن "الماء" الثاني لما وصف وتقيد بقيد خرج عن كونه مرادفًا للأول، فلا يصح كونه توكيدًا له، ولا بد منه لعدم مساواته للأول، وإن جعلنا "باردًا" نعتًا "لماء" الأول، "وماء" الثاني بدلًا من الأول لزم مع ذلك تقديم البدل على النعت وهو ممتنع.
وقال أبو حيان١: وتكرير النكرة هنا توطئة للنعت كما جاءت توطئة للحال في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤، ٥] واعترضه الموضح في الحواشي بأنه إنما جيء بالجامد توطئة للحال ليجرى على منعوته إذا كان ذلك حق المشتقات [ومن ثم قال ابن عصفور وغيره في: جاء زيد ضاحكًا، كما أنه على حذف الموصوف] ٢، وهنا لو لم يذكر
التابع لجرى قولك: "باردًا" نعتًا على "ماء" الأول، فما فائدة هذه التوطئة ا. هـ.
قلت: هذا كلام مخالف لقول سيبويه لا بد من تنوين "بارد" لأنه وصف ثان، "فإن فقد الإفراد" في النعت "نحو: لا رجل قبيحًا فعله عندنا، أو" فقد الإفراد في المنعوت، نحو: "لا غلام سفر ظريفًا عندنا، أو" فقد "الاتصال" بأن كان بين النعت والمنعوت فاصل، "نحو: لا رجل في الدار ظريف، أو: لا ماء عندنا ماء باردًا امتنع الفتح" فيهن؛ لأنه يستدعي التركيب وهم لا يركبون ما زاد على كلمتين "وجاز الرفع" بالنظر إلى المحل، "والنصب" بالنظر إلى لفظ المنعوت إن كان معربًا، وإلى محله إن كان مبنيا.
قال ابن خروف: الحمل على الموضع في هذا الباب حسن في المعرب والمبني؛ لأن الموضع للابتداء ا. هـ. وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٢٠١-
ومفردًا نعتا لمبني يلي فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل
٢٠٢-
وغير ما يلي وغير المفرد لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد
_________________
(١) ١ الارتشاف ٢/ ١٧٥. ٢ إضافة من "ط".
[ ١ / ٣٥١ ]
"كما" تقدم "في المعطوف بدون تكرار: لا" فشبه النعت المفصول في جواز الرفع والنصب بالمعطوف بدون تكرار "لا" والناظم عكس ذلك، فشبه المعطوف بدون تكرار "لا" بالنعت المفصول فقال:
٢٠٣-
والعطف إن لم تتكرر لا احكما له بما للنعت ذي الفصل انتمى
وصنيع الموضح أقعد من جهة التقسيم وأنسب لقوله: "وكما في البدل الصالح لعمل "لا"" وهو المنكر "فالعطف" بدون تكرار "لا" "نحو: لا رجل وامرأة فيها" بنصب امرأة ورفعها، "والبدل" الصالح لعمل "لا" "نحو: لا أحد رجل وامرأة فيها"، بنصب "رجل وامرأة" ورفعهما، ولا يجوز الفتح في المعطوف والبدل لوجود الفاصل في العطف بحرفه، وفي البدل بعامله؛ لأن البدل على نية تكرار العامل "فإن لم يصلح" البدل "له" أي: لعمل "لا" بأن كان معرفة، "فالرفع" واجب بالنظر إلى محل "لا" مع اسمها ويمتنع النصب بالنظر إلى محل اسم "لا"؛ لأنها لا تعمل في معرفة، "نحو: لا أحد زيد وعمرو فيها" فـ"زيد وعمرو" بدل تفصيل من "أحد"، و"كذا" يجب الرفع مع تكرار "لا" "في المعطوف الذي لا يصلح لعمل "لا"، نحو: لا امرأة فيها ولا زيد" لأن "لا" الجنسية لا تعمل في معرفة.
قال أبو حيان١: ومن قال: رب شاة وسخلتها، قال، لا غلام ولا العباس ولا رجل عندنا ولا أخاه، قاله صاحب البسيط، ووجهه أنهم يغتفرون في الثواني ما لا يغتفرون في الأوائل، وسكت الموضح عن البيان والتوكيد المعنوي بناءًا على أنهما لا يتبعان نكرة، وسيأتي الخلاف فيهما.
_________________
(١) ١ الارتشاف ٢/ ١٧٥.
[ ١ / ٣٥٢ ]
"فصل":
"وإذا دخلت همزة الاستفهام على "لا"" النافية للجنس "لم يتغير الحكم"، بل يكون حكمها مع الهمزة كحكمها بدونها من عمل في اللفظ١، نحو: ألا غلام سفر حاضر، بنصب "غلام" لا غير، ومن تركيب نحو: ألا رجل في الدار بفتح "رجل" لا غير، وتكرار نحو: ألا رجوع وألا حباء، بالأوجه الخمسة، "ثم تارة يكون الحرفان باقيين على معنييهما" من الاستفهام والنفي، وذلك إذا كان الاستفهام عن النفي، "كقوله"، وهو قيس بن الملوح على ما قيل: [من البسيط]
٢٧٤-
"ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد" إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
والمعنى: ليت شعري إذا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت، هل عدم الاصطبار ثابت لسلمى أم لها تجلد، وكنى عن الموت بما ذكر تسلية لها، وأدخل "إذا" الظرفية على المضارع بدل الماضي وهو نادر وبقاء الحرفين على معنييهما "قليل، حتى توهم" أبو علي "الشلوبين أنه غير واقع" في كلام العرب٢، ورد على الجزولي إجازته إياه٣، وألحق وقوعه في كلامهم على قلة، كقولهم في المثل: أفلا قماص بالعير٤،
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٣٠٦، والمسائل المنثورة ص١٠٥.
(٢) البيت لقيس بن الملوح في ديوانه ص١٧٨، وجواهر الأدب ٢٤٥، والدرر ١/ ٣٢٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٢، ٢١٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٥٨، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١٧٦، وأوضح المسالك ٢/ ٢٤، وتخليص الشواهد ص٤١٥، والجنى الداني ص٣٨٤، وخزانة الأدب ٤/ ٧٠، وشرح ابن الناظم ص١٣٩، وشرح الأشموني ١/ ١٥٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٤١٠، وشرح عمدة الحافظ ص٣٢٠، ٣٨٤، ومغني اللبيب ١/ ١٥، وهمع الهوامع ١/ ١٤٧، وتاج العروس "ألا". ٢ الارتشاف ٢/ ١٧٦. ٣ الجزولية ص٢١٩. ٤ من شواهد الكتاب ٢/ ٣٠٦، ويروى: "ما بالعير من قماص" في مجمع الأمثال ٢/ ٢٦٨، وجمهرة الأمثال ٢/ ٢٣٧، والمستقصى ٢/ ٣١٧.
[ ١ / ٣٥٣ ]
والقماص بكسر القاف وبالصاد المهملة، والعير بفتح العين المهملة: الحمار، والشلوبين لفظ أعجمي ينطق بالحرف الذي بعد واوه بين الباء الموحدة والفاء ولامه مضمومة وقد تفتح، قاله الدماميني. "وتارة يراد بهما" أي: بالهمزة و"لا" "التوبيخ" والإنكار، "كقوله": [من البسيط]
٢٧٥-
"ألا ارعواء لمن ولت شبيته" وآذنت بمشيت بعده هرم
فـ"ألا" حرف توبيخ، و"ارعواء" مصدر ارعوى، أي: انكف عن الشيء، يستعمل كثيرًا في ترك ما يستهجن، يقال: ارعوى فلان عن القبيح، أي: انكف عنه، و"ولت": أدبرت وذهبت و"الشبيبة": الشباب قال في المطول١: والشباب في الحقيقة عبارة عن كون الحيوان في زمان تكون حرارته الغريزية مشبوبة، أي: قوية مشتعلة ا. هـ.
وهو مأخوذ من كلام الأطباء، و"آذنت" أعلمت، والمشيب والشيب واحد.
وقال الأصمعي: المشيب دخول الرجل في حد الشيب من الرجال. والشيب بغير ميم: بياض الشعر، والهرم: كبر السن. "و" كون الحرفين يراد بهما التوبيخ "هو الغالب" في الاستعمال، واعترضه الدماميني فقال: اعلم أن المفيد للإنكار التوبيخي هو الهمزة وحدها لا مجموع "ألا" والنفي المفاد بـ"لا" باق على حاله، ففي البيت عدم الارعواء أمر ثابت، والتوبيخ تسلط٢ على ذلك، وحينئذ لهما حرفان، كل منهما يفيد ما اختص به. وأجاب الشمني٣ بأن المراد أن الهمزة تفيد الإنكار التوبيخي، وكلمة "لا" تفيد النفي فمجموع "ألا" يفيد الإنكار التوبيخي على النفي. "وتارة يراد بهما التمني، كقوله": [من الطويل]
٢٧٦-
"ألا عمر ولى مستطاع رجوعه" فيرأب ما أثأت يد الغفلات
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ١٧٧، وأوضح المسالك ٢/ ٢٥، وتخليص الشواهد ص٤١٤، والدرر ١/ ٣٢٤/ وشرح ابن الناظم ص١٣٩، وشرح الأشموني ١/ ١٥٣، وشرح التسهيل ٢/ ٧٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٢١٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٠٩، وشرح عمدة الحافظ ص٣١٩، ومغني اللبيب ١/ ٦٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٦٠، وهمع الهوامع ١/ ١٤٧. ١ المطول "شرح التلخيص" ١/ ٢٥٠. ٢ في "ط": "مسلط". ٣ حاشية الصبان ٢/ ١٦.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٦، وتخليص الشواهد ص٤١٥، والجنى الداني ص٣٨٤، وخزانة الأدب ٤/ ٧٠، وشرح الأشموني ١/ ١٥٣، وشرح شواهد المغني ص٨٠٠، وشرح ابن عقيل ١/ ٤١١، وشرح عمدة الحافظ ص٣١٨، ومغني اللبيب ص٦٩، ٣٨١، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٦١.
[ ١ / ٣٥٤ ]
والعمر: المدة، ويرأب: بفتح الياء المثناة تحت وسكون الراء وفي آخره باء موحدة قبلها همزة بمعنى: يصلح، منصوب في جواب التمني، وفاعله ضمير العمر، وأثأت: بمثلثة بعد الهمزة الأولى: أي: أفسدت، ويد الغفلات فيه استعارة بالكناية، واستعارة تخييلية، استعار للغفلات يدا تشبيها بمن يكسب أشياء بيده. "وهو" أي كون الحرفين يراد بهما التمني "كثير"، واختلف في "ألا" هذه في رفعها الخبر ومراعاة محلها مع اسمها وإلغائها، "و" المعتمد "عند سيبويه١ والخليل أن "ألا" هذه" ملاحظ فيها معنى الفعل والحرف، فهي "بمنزلة: أتمنى، فلا خبر لها" كما أن أتمنى لا خبر له، "وبمنزلة: "ليت" فلا يجوز مراعاة محلها مع اسمها ولا إلغائها إذا تكررت" كما أن "ليت" كذلك؛ لأن "ليت" تركب مع اسمها، ولا تكرر فتلغى، فلا تعمل "ألا" عندهما إلا في الاسم خاصة فينبني إن كان مفردا، ويعرب نصبًا إن كان مضافًا أو شبهه، "وخالفهما المازني٢ والمبرد٣" فجعلاها كالمجردة من همزة الاستفهام، فلها عندهما مركبة ما لها مجردة من تركيب ونصب وخبر وإلغاء وإتباع للفظ اسمها أو محله، واستدلا بالبيت السابق ووجه الدلالة منه أن "مستطاع" إما خبر لـ"ألا"، وإما صفة لاسمها مراعاة لمحلها مع اسمها لا لمحل اسمها فقط، وإلا نصب، وعليهما فـ"رجوعه" مرفوف بـ"مستطاع" على النيابة عن الفاعل، فاللازم أحد الأمرين، إما ثبوت الخبر، أو مراعاة لمحلها مع اسمها، وأيا ما كان فهو المدعى، "و" رد بأنه "لا دليل لهما في البيت"، أي: الذي استدلا به، "إذ لا يتعين كون "مستطاعًا" خبرًا" لـ"ألا"، "أو صفة" لاسمها، "و"رجوعه" فاعلًا" على حذف مضاف، أي: نائب فاعل لـ"مستطاع" "بل يجوز كان "مستطاع" خبرًا مقدمًا، "و"رجوعه" مبتدأ مؤخرًا، والجملة" من المبتدأ والخبر "صفة ثانية" لـ"عمر" وصفته الأولى جملة "ولى"، وإذا طرقه هذا الاحتمال سقط منه الاستدلال.
ولما فرغ من الكلام على "ألا" المركبة اتفاقًا، وهي المشار إليها في النظم بقوله:
٢٠٤-
وأعط لا مع همزة استفهام ما تستحق دون الاستفهام
شرع في "ألا" البسيطة على الأصح تكملة للأقسام فغير الأسلوب وقال: "وترد "ألا" للتنبيه" والاستفتاح "فتدخل على الجملتين" الاسمية والفعلية، ولا تعمل شيئًا، فالاسمية "نحو: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ٦٢]،
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٣٠٨، وانظر الارتشاف ٢/ ١٧٧. ٢ الأصول ١/ ٣٩٧، وشرح التسهيل ٢/ ٧١. ٣ المقتضب ٤/ ٣٨٢.
[ ١ / ٣٥٥ ]
والفعلية نحو: " ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ " [هود: ٨] فـ"ألا" داخلة على "ليس" تقديرًا؛ لأن "يوم" منصوب بـ"مصروفًا " مقدم من تأخير، والأصل: ألا ليس مصروفًا عنهم يوم يأتيهم.
"و" ترد "ألا" "عرضية"، بسكون الراء "وتحضيضية"، بحاء مهملة وضادين معجمتين، "فتنختصان" بالجملة "الفعلية" الخبرية، ولا تعملان شيئا، فالعرضية "نحو: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] والتحضيضية نحو: " ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]، وإنما اختصا بالفعلية؛ لأنهما للطلب لأن العرض طلب بلين ورفق، والتحضيض طلب بحث وإزعاج، ومضمون الفعلية، أمر حادث متجدد، فيتعلق الطلب به بخلاف الاسمية فإنها للثبوت وعدم الحدوث.
قال ابن الحاجب في شرح المفصل: حروف التحضيض معناها الأمر إذا وقع بعدها المضارع، والتوبيخ إذا وقع بعدها الماضي.
"مسألة:
وإذا جهل الخبر" سواء قلنا: إنه خبر "لا" أم خبر المبتدأ "وجب ذكره" للجهل به، "نحو: "لا أحد أغير من الله ﷿" ١، وإذا علم" من سياق أو غيره فحذفه كثير، نحو: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، أي: لهم، " ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ "، [الشعراء: ٥٠] أي: علينا، ولو ذكر لجاز عند الحجازيين٢، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٠٥-
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر
"و" حذف الخبر المعلوم "يلتزمه التميميون والطائيون" هذا نقل ابن مالك٣، ونقل ابن خروف عن بني تميم٤ أنهم لا يظهرون خبرًا مرفوعًا، ويظهرون المجرور والظرف، وهو ظاهر كلام سيبويه٥، وقال أبو حيان٦: وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع "إلا"، نحو: لا إله إلا الله، أي: لنا، أو في الوجود، أو نحو ذلك. قال الزمخشري في جزء لطيف على كلمة الشهادة، هكذا قالوا، والصواب أنه كلام تام، ولا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في النكاح برقم ٤٣٥٨، ٤٩٢٤. ٢ انظر الارتشاف ٢/ ١٦٦، وشرح التسهيل ٢/ ٥٦. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٥٦، وشرح الكافية الشافية ١/ ٥٣٥. ٤ انظر الارتشاف ٢/ ١٦٧. ٥ الكتاب ٢/ ٢٦٧. ٦ الارتشاف ٢/ ١٦٦، ١٦٧.
[ ١ / ٣٥٦ ]
حذف، وان الأصل: الله إله مبتدأ وخبر، كما تقول: زيد منطلق، ثم جيء بأداة الحصر، وقدم الخبر على الاسم وركب مع "لا"، كما ركب المبتدأ معها في نحو: لا رجل في الدار، ويكون "الله" مبتدأ مؤخرًا، و"إله" خبر مقدمًا، وعلى هذا تخريج نظائره، نحو: "لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي"١. نقله الموضح منه، وذلك على قول الجمهور، ومن الإخبار عن النكرة بالمعرفة، وعن العام بالخاص، وذلك على قول من يجعل المرفوع خبرًا، ا. هـ.
_________________
(١) ١ شرح المفصل ١/ ١٠٧.
[ ١ / ٣٥٧ ]
باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين
مدخل
هذا باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين:
هذا قول الجمهور١، وذهب السيهلي إلى أن المفعولين في باب "ظن" ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بل هما كمفعولي "أعطى" واستدل بـ: ظننت زيدًا عمرًا، فإنه لا يقال: زيد عمرو، إلا على جهة التشبيه وأنت لم ترد ذلك مع ظننت٢. وأجيب بالمنع، وأن المراد: ظننت زيدًا عمرا، فتبين خلافه.
وذهب الفراء٣ إلى أن الثاني منصوب على التشبيه بالحال، مستدلًا بوقوعه جملة وظرفًا وجارا ومجرورًا. وعورض بوقوعه معرفة وضميرًا وجامدًا، وبأنه لا يتم الكلام بدونه.
"أفعال هذا الباب نوعان:
أحدهما: أفعال القلوب، وإنما قيل لها ذلك؛ لأن معانيها قائمة بالقلب وليس كل قلبي ينصب مفعولين، بل القلبي ثلاثة أقسام: ما لا يتعدى بنفسه، نحو: فكر" في كذا، "وتفكر" فيه، "وما يتعدى لواحد" بنفسه، "نحو: عرف" زيد الحق، "وفهم" المسألة، "وما يتعدى لاثنين" بنفسه، "وهو المراد هنا"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٠٦-
انصب بفعل القلب جزأي ابتدا أعني رأى خال علمت وجدا
٢٠٧-
ظن حسبت وزعمت مع عد حجا درى وجعل اللذ كاعتقد
٢٠٨-
وهب تعلم
_________________
(١) ١ انظر المساعد ١/ ٣٥٢. ٢ انظر المساعد ١/ ٣٥٢، والارتشاف ٣/ ٥٦. ٣ الارتشاف ٣/ ٥٦.
[ ١ / ٣٥٨ ]
"وينقسم" هذا القسم المتعدي لاثنين "أربعة أقسام:
أحدها: ما يفيد في الخبر يقينًا، وهو أربعة: وجد وألفى وتعلم بمعنى: اعلم، ودرى، قال الله تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ " [المزمل: ٢٠] فالهاء المتصلة به مفعوله الأول، و"خيرًا" مفعوله الثاني، و"هو" ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وإنما ساغ مجيء "وجد" للعلم؛ لأن من وجد الشيء على حقيقته فقد علمه، وقال الله تعالى: " ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ " [الصافات: ٦٩]، فـ"آباءهم" مفعول أول، و"ضالين" مفعول ثان، "وقال الشاعر"، وهو زياد بن سيار: [من الطويل]
٢٧٧-
"تعلم شفاء النفس قهر عدوها" فبالغ بلطف في التحيل والمكر
فـ"تعلم" أمر بمعنى، اعلم، و"شفاء النفس" مفعوله الأول، و"قهر عدوها" مفعوله الثاني، "والأكثر وقوع" "تعلم" "هذا على "أن"" المشددة "وصلتها"، فتسد مسد المفعولين لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه، "كقوله" وهو زهير بن أبي سلمى، بضم السين: [من الطويل]
٢٧٨-
"فقلت تعلم أن للصيد غرة" وإلا تضيعها فإنك قاتله
فـ"أن" بفتح الهمزة، وتشديد النون حرف موصول، "وللصيد" خبرها مقدم، و"غرة" بكسر الغين المعجمة، وتشديد الراء المهملة اسمها مؤخر، و"أن" وصلتها سدت مسد مفعولي "تعلم"، و"إلا" إلى آخره جملة شرطية، والهاء في "تضيعها" عائدة على "الوصية" فيما قبله، والهاء في "قاتله" عائدة على "الصيد"، وقد تكون "تعلم" بمعنى الماضي، قال يعقوب: تقول: تعلمت أن زيدًا خارج، بمعنى: علمت، "وقال الآخر: [من الطويل]
٢٧٩-
دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط" فإن اغتباطًا بالوفاء حميد
_________________
(١) البيت لزياد بن سيار وهو تصحيف زبان بن سيار في خزانة الأدب ٩/ ١٢٩، والدرر ١/ ٣٣٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٢٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٧٤، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٣، وأوضح المسالك ٢/ ٣١، وشرح ابن الناظم ص١٤٢، وشرح الأشموني ١/ ١٥٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٢٠، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٤٥٦، وهمع الهوامع ١/ ١٤٩.
(٢) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص١٣٤، ولسان العرب ١٣/ ١٣ "أذن" والمقاصد النحوية ٢/ ٣٧٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٢، وشرح الأشموني ١/ ١٥٨.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٣، والدرر ١/ ٣٣٣، وشرح ابن الناظم ص١٤٢، وشرح الأشموني ١/ ١٥٧، وشرح التسهيل ٢/ ٧٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٤١٩، وشرح قطر الندى ص١٧١، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٥٤٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٧٢، وهمع الهوامع ١/ ١٤٩.
[ ١ / ٣٥٩ ]
و"دريت" مبني للمفعول، والتاء مفعوله الأول في موضع رفع على النيابة عن الفاعل، و"الوفي" مفعوله الثاني، وهو صفة مشبهة، و"العهد" بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التشبيه بالمفعول به، وبالجر على الإضافة، "وعرو" مرخم بحذف التاء، و"فاغتبط" جواب شرط مقدر، أي: إن دريته فاغتبط من الغبطة، وهو أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، فإن أراد زوالها كان حسدًا، "والأكثر في" "درى" "هذا أن يتعد بالباء"، نحو: دريت بزيد، "فإذا دخلت عليه الهمزة تعدى لآخر بنفسه، نحو: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ " [يونس: ١٦] فضمير المخاطبين مفعوله الأول، والمجرور بالباء مفعوله الثاني.
"و" القسم "الثاني: ما يفيد في الخبر رجحانًا وهو خمسة: جَعَلَ وحجا وعدّ ووهب وزعم، نحو: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١]، فـ"الملائكة" مفعوله الأول، و"إناثًا" مفعوله الثاني "و" نحو "قوله" وهو تميم بن مقبل، وقيل: أبو شبل الأعرابي: [من البسيط]
٢٨٠-
"قد كنت أحجوا أبا عمرو أخا ثقة" حتى ألمت بنا يومًا ملمات
فـ"أبا عمرو" مفعوله الأول، و"أخا ثقة" مفعوله الثاني، و"الملمات" جمع ملمة، بمعنى النازلة، فاعل "ألمت" بمعنى نزلت، "و" نحو "قوله" وهو النعمان بن بشير الأنصاري ﵁: [من الطويل]
٢٨١-
"فلا تعدد المولى شريكك في الغنى" ولكنما المولى شريكك في العدم
فـ"المولى" بمعنى الصاحب، هنا مفعوله الأول، و"شريكك" مفعوله الثاني، و"العدم" بضم العين: الفقر، "و" نحو "قوله" وهو ابن همام السلولي: [من المتقارب]
_________________
(١) البيت لتميم بن مقبل في تخليص الشواهد ص٤٤٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٧٦، ولم أقع عليه في ديوانه، وله أو لأبي شبل الأعرابي في الدرر ١/ ٣٢٨، وللأزهري في شرح ابن الناظم ص١٤٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٥، وشرح التسهيل ٢/ ٧٧، وشرح شذور الذهب ص٣٥٧، وشرح ابن عقيل١/ ٤٢٦، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٥٤٣، ولسان العرب ٢/ ٣١٥، "ضربج"، ١٤/ ١٦٧، "حجا"، وهمع الهوامع ١/ ١٤٨.
(٢) البيت للنعمان بن بشير في ديوانه ص٢٩، وتخليص الشواهد ص٤٣١، والدرر ١/ ٣٢٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٧٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٦، وخزانة الأدب ٣/ ٥٧، وشرح ابن الناظم ص١٤٣، وشرح الأشموني ١/ ١٥٧، وشرح التسهيل ٢/ ٧٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٢٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٥٤٥، وهمع الهوامع ١/ ١٤٨.
[ ١ / ٣٦٠ ]
٢٨٢-
فقلت أجرني أبا خالد "وإلا فهبني امرأ هالكا"
فياء المتكلم: مفعوله الأول، و"امرأ" مفعوله الثاني، و"هالكًا" نعت "امرأ".
والأقل في "هب" هذا وقوعه على "أن" وصلتها، كما في المسألة الحمارية في الفرائض: هب أن أبانا كان حمارًا١، "و" نحو "قوله" وهو أبو أمية الحنفي، واسمه أوسن: [من الخفيف]
٢٨٣-
"زعمتني شيخًا ولست بشيخ" إنما الشيخ من يدب دبيبًا
فياء المتكلم مفعوله الأول، و"شيخا" مفعوله الثاني، "ويدب دبيبًا": يدرج في المشي درجًا رويدًا، "والأكثر في" "زعم" "هذا وقوعه على "أن" بتخفيف النون، "أو: أن" بتشديدها [أي: مع فتح الهمزة فيهما] ٢ "وصلتهما"، وإفراد الضمير في مثل هذا أفصح من تثنيته [لأن العطف فيه بـ"أو" وهو رأي البصريين، والتثنية رأي الكوفيين] ٢، فالأول "نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ " [التغابن: ٧]، "و" الثاني نحو "قوله" وهو كثير عزة: [من الطويل]
٢٨٤-
"وقد زعمت أني تغيرت بعدها" ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
و"عز" منادى مرخم.
_________________
(١) البيت لعبد الله بن همام السلولي في تخليص الشواهد ص٤٤٢، وخزانة الأدب ٩/ ٣٦، والدرر ١/ ٣٣٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٢٣، ولسان العرب ١/ ٨٠٤، "وهب"، ومعاهد التنصيص ١/ ٢٨٥، والمقاصد لنحوية ٢/ ٣٧٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٧، وشرح ابن الناظم ص١٤٤، وشرح الأشموني ١/ ٢٤٨، وشرح التسهيل ٢/ ٧٨، وشرح شذور الذهب ص٣٦١، وشرح ابن عقيل ٢١٦، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٤٥٦، ومغني اللبيب ٢/ ٥٩٤، وهمع الهوامع ١/ ١٤٩. ١ تقوم هذه المسألة على إرث زوج وأم وأخوين لأم وأخوين لأب وأم، وحكم عمر بن الخطاب ﵁ فيها بالنصف للزوج، والسدس للأم، والثلث للأخوين للأم، وترك الأخوين لأب وأم، فقالا له: هب أن أبانا كان حمارًا، فأشركنا بقرابة أمنا، ففعل. انظر الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٧٩.
(٢) البيت لأبي أمية أوس الحنفي في الدرر ١/ ٣٣١، وشرح شواهد المغني ص٩٢٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٩٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٨، وتخليص الشواهد ص٤٢٨، وشرح الأشموني ١/ ١٥٦، وشرح قطر الندى ص١٧٢، ومغني اللبيب ص٥٩٤. ٢ إضافة من "ط".
(٣) البيت لكثير عزة في ديوانه ص٣٢٨، والأغاني ٩/ ٢٦، وتخليص الشواهد ص٤٢٨، وخزانة الأدب ٥/ ٢٢٢، ٣١٤، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٨٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٤٠، وشرح الأشموني ١/ ١٥٧، وشرح شذور الذهب ص٣٥٩.
[ ١ / ٣٦١ ]
"و" القسم "الثالث: ما يرد بالوجهين، والغالب كونه لليقين، وهو اثنان: رأي وعلم، كقوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧] الأول للرجحان، والثاني لليقين، "وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الأولى لليقين والثانية للرجحان.
"و" القسم "الرابع: ما يراد بهما"، أي: بالوجهين، "والغالب كونه للرجحان، وهو ثلاثة: ظن، وحسب، وخال" فالرجحان كقوله: [من الطويل]
٢٨٥-
"ظننتك إن شبت لظى الحرب صاليا" فعردت فيمن كان عنها معردًا
فالكاف مفعوله الأول، و"صاليًا" مفعوله الثاني، و"إن شبت" بالبناء للمفعول شرط، و"لظى الحرب" نائب الفاعل، وجواب الشرط محذوف، والتعريد بالعين المهملة، الانهزام والجبن، يقال: عرد في الحرب إذا جبن. وقال الخليل: عرد وعرج في الحرب واحد، والمعنى: ظننتك صاليًا الحرب إذا أوقدت نارها فانهزمت فيمن كان منهزمًا، "و" اليقين، "نحو قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ " [البقرة: ٤٦]، أي: يتيقنون ذلك، "و" الرجحان في حسب، "كقول الشاعر" وهو زفر بن الحارث الكلابي: [من الطويل]
٢٨٦- فـ"كل" مفعوله الأول، و"شحمة" مفعوله الثاني، و"عشية" منصوب على الظرفية، و"جذام وحمير" قبيلتان لم ينصرفا للعملية والتأنيث. "و" اليقين فيها نحو "قوله" وهو لبيد العامري: [من الطويل]
٢٨٧-
"حسبت التقى والوجود خير تجارة" رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلًا
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٤٢، وشرح الأشموني ١/ ١٥٦، وشرح التسهيل ٢/ ٨٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٨١.
(٢) البيت لزفر بن الحارث الكلابي في تخليص الشواهد ص٤٣٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٥٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٣٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٨٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٤٣، وشرح ابن الناظم ص١٤٣، وشرح التسهيل ١/ ٣٤٤، ومغني اللبيب ٢/ ٦٣٦.
(٣) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص٢٤٦، وأساس البلاغة ص٤٦ "ثقل"، والدرر ١/ ٣٣٤، ولسان العرب ١١/ ٨٨، "ثقل" والمقاصد النحوية ٢/ ٣٨٤، وتاج العروس "ثقل"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٤٤، وتخليص الشواهد ص٤٣٥، وشرح ابن الناظم ص١٤٤، وشرح الأشموني ١/ ١٥٦، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٢٢، وشرح قطر الندى ٢٧٤، وهمع الهوامع ١/ ١٤٩.
[ ١ / ٣٦٢ ]
فـ"التقى" مفعول أول، و"الوجود" معطوف عليه، و"خير" مفعوله الثاني، ولم يثن لأنه اسم تفضيل، واسم التفضيل إذا أضيف إلى نكرة لزمه الإفراد والتذكير، و"رباحًا" بالباء الموحدة، والحاء المهملة تمييز، و"إذا" شرطية، و"ما" زائدة، و"المرء" مرفوع بفعل محذوف يفسره "أصبح"، و"ثاقلًا" بمعنى: ثقيلًا١، خبر أصبح المحذوف، والمعنى: تيقنت التقى والجود خير تجارة رباحًا٢ إذا أصبح المرء ثقيلًا بسب الموت، ووصف الميت بالثقل؛ لأن الأبدان تخف بالأرواح، فإذا مات صاحبها تصير ثقيلة كالجمادات. "و" الرجحان في "خال" "كقوله": [من الطويل]
٢٨٨-
"إخالك إن لم تغضض الطرف ذا هوى" يسومك ما لا يستطاع من الوجد
إخالك بكسر الهمزة والقياس فتحها٣، والكاف مفعوله الأول، و"ذا الهوى" مفعوله الثاني، و"إن لم تغضض الطرف" شرط، وجوابه محذوف، وجملة "يسومك" بمعنى: يكلفك نعت "هوى"، وفاعله ضمير مستتر يعود على "هوى"، وهو العائد من الصفة إلى الموصوف، و"ما لا يستطاع" في موضع المفعول الثاني لـ"يسومك"، و"من الوجد" بيان لـ"ما"، "و" اليقين فيها، نحو "قوله": [من المنسرح]
٢٨٩-
"ما خلتني زلت بعدكم ضمنا" أشكو إليكم حموة الألم
أنشده خلف الأحمر من الكوفيين، وياء المتكلم مفعوله الأول، و"ضمنا" مفعوله الثاني، وهو بفتح الضاد المعجمة، وكسر الميم وبالنون: الزمن المبتلي، وفي نسخة: ظمئا بالظاء المشالة، والهمزة، وهو بمعنى مشتاق٤، قاله٥ في الصحاح٦، وظمئت إلى لقائكم: اشتقت، و"زلت بعدكم" معترض بين المفعولين و"خلتني" معترض بين النافي وهو "ما" والمنفي وهو "زلت"، و"ضمنا" معترض بين اسم "زال" وهو التاء وخبرها
_________________
(١) ١ في "ب": "ثقيل". ٢ سقطت من "ب".
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٤٥، والدرر ١/ ٣٣٥، وشرح التسهيل ٢/ ٨٠، وشرح الأشموني ١/ ١٥٥، وهمع الهوامع ١/ ١٥٠. ٣ في خزانة الأدب ٩/ ١٥٢ أن فتح الهمزة في "أخال" هي لغة بني أسد.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٤٧، واللسان ١٣/ ٢٦٠ "ضمن"، ١٤/ ٢٠١ "حما"، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٨٦، وشرح التسهيل ١/ ٣٣٥، ٢/ ٨١. ٤ في "أ"، "ط": "مشفق". ٥ في "ب"، "ط": "قال". ٦ الصحاح ١/ ٦١ "ظمأ" ٦/ ٢١٥٦، "ضمن".
[ ١ / ٣٦٣ ]
وهو "أشكو"، و"بعدكم" متعلق بـ"ضمنا" وجاز تقدمه على الصفة المشبهة؛ لأنه ظرف و"حموة" بضم الحاء المهملة والميم، وتشديد الواو: الشدة، والتقدير: خلت نفسي ضمنا بعدكم ما زلت أشكو شدة الفراق.
"تنبيهان" اثنان: "الأول: ترد "علم" بمعنى: عرف، و" ترد "ظن؛ بمعنى: اتهم" وإليهما أشار الناظم بقوله:
٢١٤-
لعلم عرفان وظن تهمه تعديه لواحد ملتزمه
"و" ترد ""رأى" بمعنى:" ذهب، من "الرأي، أي: المذهب، و" ترد ""حجا" بمعنى: قصد، فيتعدين" هذه الأفعال الأربعة "إلى" مفعول "واحد" فقط: فأولها "نحو: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] أي: لا تعرفون شيئًا. "و" ثانيها نحو: ""وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ١"" [التكوير: ٢٤] بالظاء المشالة، أي: بمتهم. "و" ثالثها: "تقول: رأى أبو حنيفة حل كذا، ورأى: الشافعي حرمته"، أي: ذهب أبو حنيفة إلى حل كذا، وذهب الشافعي إلى حرمته. "و" رابعها: نحو: "حجوت بيت الله" أي: نويته وقصدته. "وترد "وجد" بمعنى: حزن أو حقد، فلا يتعديان"، يقال: وجد زيد إذا حزن، أو حقد، ويختلفان في المصدر، فمصدر وجد بمعنى: حزن وجد، ومصدر وجد بمعنى: حقد موجدة.
"وتأتي هذه الأفعال" الخمسة "وبقية أفعال الباب لمعان أخر غير قلبية، فلا تتعدى لمفعولين"، فتأتي "علم" العلمية بضم العين، كعلم الرجل إذا كان مشقوق الشفة العليا، وتأتي "رأى" بمعنى: أبصر، نحو: رأيت زيدًا، أي: أبصرته، وبمعنى: أشار، نحو: رأى زيدٌ كذا، أي: أشار به، وبمعنى: ضرب، نحو: رأيت الصيد، أي: ضربت رئته، وتأتي "حجا" بمعنى: غلب في المحاجة، نحو: حجا زيد عمرًا، أي: غلبه في المحاجة، وبمعنى: رد، نحو: حجيت السائل إذا رددته، وبمعنى: ساق، نحو حجوت الإبل، أي: سقتها وبمعنى: كتم، وبمعنى: حفظ، نحو: حجوت الحديث، أي: كتمته أو حفظته، وبمعنى: أقام، نحو: حجا بمكة، أي: أقام بها، وبمعنى بخل يقال: حجا بماله أي: بخل به، وبمعنى: وقف، كقوله: [من الرجز]
_________________
(١) ١ الآية من شواهد شرح ابن الناظم ص١٥١، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٤٠، وشرح المفصل ٧/ ٨١، والرسم المصحفي: ﴿بِضَنِيْنٍ﴾، بها قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وابن عباس، وغيرهم. انظر الإتحاف ص٤٣٤، والنشر ٢/ ٣٩٨، ٣٩٩.
[ ١ / ٣٦٤ ]
٢٩٠-
فهن يعكفن به إذا حجا
أي: إذا وقف، وتأتي "وجد" بمعنى: أصاب، نحو: وجد زيد ضالته، أي: أصابها، وبمعنى: استغنى، يقال: وجد فلان، أي: استغنى، وتأتي "عد" بمعنى: حسب، بفتح السين نحو عددت المال، أي: حسبته أحسبه، وفي التنزيل: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وفي الحديث: $"الزعيم غارم"١، وبمعنى: رأس، بالهمزة وتركه، نحو: زعم زيد إذا رأس، ومنه: زعيم القوم هو فلان، أي: رئيسهم، وبمعنى: قال، كقول أبي زبيد الطائي: [من البسيط]
٢٩١-
يا لهف نفسي إن كان الذي زعموا حقا وماذا يرد القوم تلهيفي
أي: إن كان الذي قالوه حقا، نص عليه ابن بري٢، وبمعنى: سمن وهزل، يقال: زعمت الشاة بمعنى: سمنت وهزلت، وبمعنى: طمع، قاله في الصحاح٣. وفي حواشيه لابن بري قال ابن خالويه٤: يقال: زعم في غير مَزْعَم، أي: طمع في غير مطمع، وتأتي درى: بمعنى: خدع، نحو: درى الذئب الصيد إذا خدعه واستخفى له ليفترسه. وتأتي "حسب" بمعنى: احمر لونه وابيض، يقال: حسب الرجل إذا احمر لونه وابيض كالبرص.
وتأتي "خال" للعجب، يقال: خال الرجل تكبر وأعجب بنفسه، وبمعنى: ظلع، بالظاء المشالة، يقال: خال الفرس، أي: غمز في مشيه، وغير ذلك. قال الموضح: "وإنما لم نحترز عنها؛ لأنها لم يشملها قولنا أفعال القلوب".
التنبيه "الثاني" من التنبيهين: العرب "ألحقوا "رأى" الحلمية بـ"رأى" العلمية في التعدي لاثنين" بجامع إدراك الحس الباطن، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، فـ"أرى" عملت في ضميرين متصلين لمسمى
_________________
(١) الرجز للعجاج في ديوانه ٢/ ٢٤، ٢٥، ولسان العرب ١٤/ ١٦٦ "حجا"، وتاج العروس ٢٤/ ١٧٩، "عكف"، "حجا". ١ أخرجه ابن ماجه في كتاب الصدقات برقم ٢٣٩٨، وأحمد في المسند ٥/ ٢٧٦.
(٢) البيت لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص١٢٠، وخزانة الأدب ٩/ ١٣١، ولسان العرب ٤/ ٣٢، "أمر"، ٩/ ٣٢٤ "نجف"، وتاج العروس "زعم". ٢ انظر لسان العرب "غرم". ٣ الصحاح ٥/ ١٩٤٢ "غزم". ٤ لسان العرب "زعم".
[ ١ / ٣٦٥ ]
واحد، وأحدهما فاعل، وثانيهما مفعول أول، وجملة "أعصر خمرًا" المفعول الثاني١، "وكقوله" وهو عمرو بن أحمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام، فرآهم في منامه: [من الوافر]
٢٩٢-
"أراهم رفقتي حتى إذا ما" تجافى الليل وانخزل انخزالا
فالهاء والميم مفعول أول، و"رفقتي" بضم الراء وكسرها مفعول ثان، والرفقة: الجماعة ينزلون جملة ويرتحلون جملة، وسموا رفقة لاتفاق بعضهم ببعض، والرؤيا هنا حلمية بدليل قوله: حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل، أي: انطوى وانقطع، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٢١٥-
ولرأي الرؤيا انم ما لعلما طالب مفعولين من قبل انتمى
وذهب بعضهم إلى أن "رأى" الحلمية لا تنصب مفعولين، وأن ثاني المنصوبين حال. ورد بوقوعه كما هنا. واعترض بأن الرفقة الرفقاء، وهم: المخالطون والمرافقون، فهو بمعنى اسم الفاعل. فالإضافة فيه غير محضة، قاله الموضح في الحواشي، وفيه نوع مخالفة لما هنا.
و"رأى" الحلمية لا يدخلها إلغاء ولا تعليق، خلافًا للشاطبي. "ومصدرها الرؤيا، نحو" قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] "ولا تختص الرؤيا بمصدر الحلمية، بل قد تقع مصدرا للبصرية، خلافًا للحريري وابن مالك، بدليل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، "قال ابن عباس" ﵄: "هي رؤيا عين"، ولكن المشهور استعمالها في الحلمية.
"النوع الثاني" من أنواع هذا الباب الناصبة للمبتدأ والخبر مفعولين "أفعال التصيير"، وإنما قيل لها ذلك لدلالتها على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى، "كجعل ورد وترك واتخذ وتخذ وصير وهب"، وإليهما الإشارة بقول الناظم:
٢٠٨-
والتي كصيرا أيض بها انصب مبتدأ وخبرا
_________________
(١) ١ انظر شرح التسهيل ٢/ ٩٢، وهمع الهوامع ١/ ١٥٦.
(٢) البيت لابن أحمر في ديوانه ص١٢٩، والحماسة البصرية ١/ ٢٦٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٨٧، والكتاب ٢/ ٢٧٠، ولسان العرب ٦/ ٦٨٩ "حنش" والمقاصد النحوية ٢/ ٤٢١، وبلا نسبة في الأزمنة والامكنة ١/ ٢٤٠، والإنصاف ١/ ٣٥٤، وتخليص الشواهد ص٤٥٥، والخصائص ٢/ ٣٧٨، وشرح ابن الناظم ص١٥١، وشرح الأشموني ١/ ١٦٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٤١.
[ ١ / ٣٦٦ ]
"قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، فالهاء مفعوله الأول، و"هباء" مفعوله الثاني، و"منثورًا" نعت "هباء" وقال تعالى: " ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا " حَسَدًا﴾ [البقرة: ١٠٩] فالكاف والميم مفعول أول، و"كفارًا" مفعول ثان، "وحسدًا" مفعول لأجله، وقال تعالى: " ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ " [الكهف: ٩٩] فـ"بعضهم" مفعول أول، وجملة "يموج في بعض" في موضع المفعول الثاني، وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فـ"إبراهيم" مفعول أول، و"خليلًا" مفعول ثان، "وقال الشاعر" وهو أبو جندب ابن مرة الهذلي: [من الوافر]
٢٩٣-
تخذت غراز إثرهم دليلًا" وفروا في الحجاز ليعجزوني
فـ"غراز" بضم الغين المعجمة وتخفيف الراء وفي آخره زاي اسم واد، قاله العيني، وأنشده الموضح مختومًا بنون، وقال: إنه اسم جبل، وهو مفعول أول لا ينصرف على إرادة البقعة، و"دليلًا" مفعول ثان، و"إثرهم" منصوب على الظرفية، والضمير المضاف إليه فاعل، و"فروا" و"يعجزوني" راجع إلى بني لحيان في البيت قبله، "وفي" بمعنى: إلى، واللام في "ليعجزوني" للتعليل، "وقال" رؤبة: [من السريع]
٢٩٤-
ولعبت طير بهم أبابيل "فصيروا مثل كعصف مأكول"
وهو من السريع مستفعلن مفعولات، مرتين، والواو في "صيروا" نائب الفاعل، وهو المفعول الأول، و"مثل" المفعول الثاني، و"كعصف" مضاف إليه على زيادة الكاف بين المتضايفين.
_________________
(١) البيت لأبي جندب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ١/ ٣٥٤، والارتشاف ٣/ ٦١، ولسان العرب ٥/ ٣٧٠ "عجز" والمقاصد النحوية ٢/ ٤٠٠، وتاج العروس ١٥/ ٩٥، "حجز"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٥١، وشرح الأشموني ١/ ١٥٨، ولسان العرب ١٥/ ٣٣١ "حجز"، وشرح التسهيل ٢/ ٨٢، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٤٥٩.
(٢) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨١، وخزانة الأدب ١٠/ ١٦٨، ١٧٥، ١٨٤، ١٨٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٥٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٠٢، ولحميد الأرقط في الدرر ١/ ٣٣٦، والكتاب ١/ ٤٠٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٥٢، والجنى الداني ص٩٠، وخزانة الأدب ٧/ ٧٣، ورصف المباني ص٢٠١، وسر صناعة الإعراب ص٢٩٦، وشرح الأشموني ١/ ١٥٨، ولسان العرب ٩/ ٢٤٧ "عصف"، ومغني اللبيب ١/ ١٨٠، والمقتضب ٤/ ١٤١، ٣٥٠، وهمع الهوامع ١/ ١٥٠، وتاج العروس ٢٤/ ١٦١ "عصف".
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقال الدماميني: فينبغي أن تكون الكاف اسمًا أضيف إليه "مثل"، فيكون عمل كل من الكلمتين موفرًا عليها، أما إذا جعلت حرفًا زائدًا، وجعل "مثل" مضافًا إلى "عصف" لزم قطع الحرف الجار عن عمله بلا كاف له، اللهم إلا أن يقال نزل منزلة الجزء من المجرور١. ا. هـ.
وقيل: الكاف اسم بمعنى، "مثل"، و"مثل" الثانية توكيد لها، قاله في المغني في حرف الكاف٢.
والعصف: قال الحسن٣: زرع أكل حبه، وبقي تبنه، وقال الفراء٤ ورق الزرع.
"وقالوا" في الدعاء: "وهبني الله فداءك"، أي: صيرني، حكاه ابن الأعرابي٥ عن العرب وهو قليل. فياء المتكلم مفعوله الأول، و"فداءك" مفعوله الثاني، "و" وهب "هذا ملازم للمضي"؛ لأنه إنما سمع في مثل، والأمثال لا ينصرف فيها.
_________________
(١) ١ نقله الصبان في حاشيته ٢/ ٢٥ ولم ينسبه. ٢ مغني اللبيب ص٣٢٨. ٣ لسان العرب "عصف". ٤ في معاني القرآن ٣/ ١١٣، ٢٩٢: "العصف: أطراف الزرع قبل أن يدرك ويسنبل". ٥ انظر الارتشاف ٣/ ٦١، ولسان العرب "وهب".
[ ١ / ٣٦٨ ]
"فصل":
"لهذه الأفعال ثلاثة أحكام، أحدها: الإعمال، وهو الأصل، وهو واقع في" أفعال هذا الباب "الجميع"، الجامد منها والمتصرف والقلبي والتصييري ويختص الحكمان الباقيان بالقلبي المتصرف، "و" الحكم "الثاني: الإلغاء وهو إبطال العمل لفظًا ومحلا لضعف العامل بتوسطه" بين المبتدأ والخبر، "أو تأخره" عنهما، فالمتوسط "كـ: زيد ضننت قائم، و" المتأخر نحو: "زيد قائم ظننت، قال" منازل بن زمعة المنقري: [من البسيط]
٢٩٥-
أبالأراجيز يابن اللوم توعدني "وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور"
فوسط "خلت"، بين المبتدأ المؤخر وهو "اللؤم" والخبر المقدم وهو "في الأراجيز" جمع أرجوزة بمعنى: الرجز، وأراد: القصائد المرجزة الجارية على بحر الرجز، و" اللؤم" بضم اللام اجتماع الشح ومهانة النفس، ودناءة الآباء فهو من أذم ما يهجا به، وقد بالغ هذا الشاعر في هجو رؤبة، أو العجاج على ما قيل، حيث جعله ابنا للؤوم إشارة إلى أن ذلك غريزة فيه، و"الخور" بفتح الخاء المعجمة والواو، وفي آخره راء مهملة: الضعف، والمعنى: أتوعدني يابن اللؤم بالأراجيز وفيها اللؤم والخور.
"وقال" أبو أسيدة الدبيري: [من الطويل]
٢٩٦-
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا غنيين لا يجدي علينا غناهما
"هما سيدانا يزعمان وإنما" يسوداننا إن أيسرت غنماهما
_________________
(١) البيت لجرير في ملحق ديوانه ص١٠٢٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٠٧، ولسان العرب ١١/ ٢٢٦، "خيل"، وللعين المنقري في الدرر ١/ ٣٤٠، وتخليص الشواهد ص٤٤٥، وخزانة الأدب ١/ ٢٥٧، وشرح شواهد الإيضاح ص١٢٠، وشرح المفصل ٧/ ٨٤، ٨٥، والكتاب ١/ ١٢٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٠٤، وبلا نسبة في أمالي المرتضى ٢/ ١٨٤، وأوضح المسالك ٢/ ٨٥، وشرح ابن الناظم ص١٤٧، وشرح قطر الندى ص١٧٤، واللمع ص١٣٧.
(٢) البيتان لأبي أسيدة الدبيري في لسان العرب ٥/ ٢٩٦ "يسر"، وتاج العروس ١٤/ ٤٥٧ "يسر"، وبلا نسبة في الحيوان ٦/ ٦٥، والبيت الثاني له في تخليص الشواهد ٤٤٦، والدرر ١/ ٣٤٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٠٣، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٢٧١، وشرح التسهيل ٢/ ٨٦، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٥٩، وشرح ابن الناظم ص١٤٧، ولسان العرب ١٢/ ٤٤٥، "غنم" وهمع الهوامع ١/ ١٥٣.
[ ١ / ٣٦٩ ]
فأخر "يزعم" عن المبتدأ والخبر، و"إن" حرف شرط، حذف جوابها، والمعنى: هذان الشيخان يزعمان أنهما سيدانا، وإنما يكون كذلك إذا أيسرت غنماهما بأن كثرت ألبانها ونسلها، وأجرى علينا من ذلك، "وإلغاء" العامل "المتأخر" عن المبتدأ والخبر "أقوى من إعماله" بلا خلاف لضعفه بالتأخر،"و" العامل "المتوسط بالعكس" فالإعمال فيه أقوى من أهماله؛ لأن العمل اللفظي أقوى من الابتداء، "وقيل: هما"، أي: الإلغاء والإعمال "في المتوسط بين المفعولين سواء" لأن ضعف العامل بالتوسط سوغ مقاومة الابتداء له، فلكل منهما مرجح، قاله أبو حيان١.
"تنبيه":
هذا الإلغاء بالنسبة إلى المفعولين، وأما بالنسبة إلى الفعل ومرفوعه، نحو: قام ظننت زيد، فإنه يجوز عند البصريين، ويجب عند الكوفيين، ووجهه أنه إنما ينصب بـ"ظننت" ما كان مبتدأ قبل مجيئها، ولا يبتدأ بالاسم إذا تقدمه الفعل، قاله الخضراوي وأبو حيان٢، وشاهد الجواز قوله: [من الوافر]
٢٩٧-
شجاك أظن ربع الظاعنينا
يروى برفع "ربع" على الفاعلية، وبنصبه على أنه مفعول أول، و"شجاك" مفعوله الثاني، وفيه ضمير مستتر راجع إلى "ربع"، قاله في المغني٣، واعترض بأنا لا نسلم أن "شجاك" فعل ومفعول، بل مضاف ومضاف إليه، و"ربع الظاعنين" خبر عنه على تقدير رفعه، ومفعول أول مقدم و"ربع الظاعنين" مفعول ثان، و"أظن" عامل على تقدير نصبه.
والحكم "الثالث: التعليق، وهو إبطال العمل لفظًا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده" وسمي تعليقًا؛ لأنه إبطال في اللفظ مع تعلق العامل بالمحل، وتقديره إعماله والمانع من إعماله في اللفظ اعتراض ما له صدر الكلام، "وهو لام الابتداء نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ الآية؛ وتمامها ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]،
_________________
(١) ١ الارتشاف ٣/ ٦٣، ٦٤. ٢ الارتشاف ٣/ ٦٦.
(٢) عجز البيت: "فلم تعبأ بعذل العاذلينا" ، والبيت بلا نسبة في تخليص الشواهد ص٤٤٦، والدرر ١/ ٣٤٣، وشرح ابن الناظم ص١٤٨، وشرح الأشموني ١/ ١٦٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٠٧، ومغني اللبيب ١/ ٣٧٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٤١٩، وهمع الهوامع ١/ ١٥٣. ٣ مغني اللبيب ص٥٠٦.
[ ١ / ٣٧٠ ]
فـ"من" مبتدأ، وهو موصول اسمي، وجملة "اشتراه" صلة "من"، وعائدها فاعل "اشتراه" المستتر فيه، و"ما" نافية، و"له" و"في" متعلقان بالاستقرار خبر "خلاق" و"من" زائدة، وجملة "ما له في الآخرة من خلاق" خبر "من"، والرابط بينهما الضمير المجرور باللام، وجملة "من" وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء؛ لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل، وإنما تخطاها في باب "إن" فرفع الخبر؛ لأنها مؤخرة من تقديم لإصلاح اللفظ، وأصلها التقديم على "إن". "ولام القسم، كقوله" وهو لبيد على ما قيل: [من الكامل]
٢٩٨-
"ولقد علمت لتأتين منيتي" إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في "لتأتين" لام القسم وتسمى لام جواب القسم، والقسم وجوابه جملة١ في محل نصب معلق عنها٢ فاللام في "لتأتين" لام القسم وتسمى لام جواب القسم، والقسم وجوابه جملة في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل: إن جملة جواب القسم لا محل لها، وإن الجملة المعلق عنها العامل لها محل، فيتنافيان، ولهذا قال أبو حيان٣ وأكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات، وفي الغزة: ولام القسم لا تعلق، كقوله: [من المتقارب]
٢٩٩-
لقد علمت أسد أننا لهم يوم نصر لنعم النصر
بفتح "أن" فهذه لام القسم ولم تعلق، وتقول: علمت أن زيدًا ليقومن، ففتح "أن"، ا. هـ. وفي المغني٤: أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم، كقوله: [من الكامل]
_________________
(١) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص٣٠٨، وتخليص الشواهد ص٤٥٣، وخزانة الأدب ٩/ ١٥٩، ١٦١، والدرر ١/ ٣٤٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٢٨، والكتاب ٣/ ١١٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٠٥، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ٦٩، وأوضح المسالك ٢/ ٦١، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٣٤، وسر صناعة الإعراب ص٤٠٠، وشرح ابن الناظم ص١٤٩، وشرح الأشموني ١/ ١٦١، وشرح التسهيل ٢/ ٨٨، وشرح قطر الندى ص١٧٦، ومغني اللبيب ٢/ ٤٠١، ٤٠٧، وهمع الهوامع ١/ ١٥٤. ١ سقطت من "ب"، "ط". ٢ في "ب": "عنهما". ٣ الارتشاف ٣/ ٦٩.
(٢) البيت لأوس بن حجر في ديوانه ص٢٩، ولسان العرب ٨/ ٤٢٨ "رغغ" وتهذيب اللغة ١٦/ ٦٦. ٤ مغني اللبيب ١/ ٤٠٧.
[ ١ / ٣٧١ ]
٣٠٠-
ولقد علمت لتأتين منيتي
ا. هـ. فأخرج لام "لتأتين" عن كونها للقسم، "و"ما" النافية، نحو: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] فـ"ما" نافية، و"هؤلاء" مبتدأ، و"ينطقون" خبره، والجملة الاسمية في موضع نصب بـ"علمت"، وهي معلق عنها العامل في اللفظ بـ"ما" النافية. "و"لا" و"إن" النافيتان" الواقعتان "في جواب قسم ملفوظ به"، أي: بالقسم، "أو" قسم "مقدر" بالقسم الملفوظ به، "نحو: علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو" وعلمت والله إن زيد قائم، والقسم المقدر نحو: علمت لا زيد في الدار ولا عمرو، "وعلمت إن زيد قائم"، فهذه أربعة أمثلة لكل واحد من الحرفين مثالان، وجملة القسم وجوابه في الأمثلة الأربعة معلق عنها العامل فهي في محل نصب على المفعولية بـ"علمت".
"والاستفهام، وله صورتان:
إحداهما: أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة" بعده، "نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، فـ"قريب" مبتدأ، و"أم بعيد" معطوف عليه، و"ما" موصول اسمي في محل رفع خبر المبتدأ، وما عطف عليه، وجملة "توعدون" صلة الموصول، والعائد محذوف، وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بـ"أدري" المعلق بالهمزة.
والصورة "الثانية: أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان، نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢] فـ"أي" اسم استفهام مبتدأ، و"أحصى" خبره، وهو فعل ماض، وقيل: اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد، وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها "نعلم"؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ولا فرق في العمدة بين المبتدأ، كما مر، والخبر، نحو: علمت متى السفر، والمضاف إليه المبتدأ، نحو: علمت أبو من زيد، أو الخبر، نحو: علمت صبيحة أي يوم سفرك، "أو فضلة" بالنصب عطفًا على عمدة "نحو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، فـ"أي منقلب" مفعول مطلق منصبو بـ"ينقلبون" مقدم من تأخير، والأصل: ينقلبون أي انقلاب، وليست "أي" مفعولًا به لـ"يعلم"، كما قد يتوهم؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وجملة "ينقلبون" معلق عنها العامل، فهي
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ٢٩٨.
[ ١ / ٣٧٢ ]
في محل نصب، وإلى ذكر المعلقات أشار الناظم بقوله:
٢١٢-
والتزم التعليق قبل نفي ما
٢١٣-
وإن ولى لام ابتداء أو قسم كذا والاستفهام ذا له انحتم
"ولا يدخل الإلغاء ولا التعليق في شيء من أفعال التصيير" لقوتها، "ولا في قلبي جامد" لعدم تصرفه "وهو اثنان، هب وتعلّم، فإنهما يلزمان الأمر"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٠٩-
وخص بالتعليق والإلغاء ما من قبل هب والأمر هب قد ألزما
٢١٠-
كذا تعلّم
واعترض بأن "تعلّم" قد يكون بمعنى الماضي كما تقدم، "وما عداهما من أفعال" هذا "الباب متصرف إلا "وهب"" من أفعال التصيير فإنه ملازم للمضي، "كما مر" في آخر النوع الثاني. "ولتصاريفهن ما لهن" من الإعمال والتعليق، "تقول في الإعمال" للمضارع: "أظن زيدًا قائمًا، و" لاسم الفاعل، "أنا ظان زيدًا قائمًا، و" تقول "في الإلغاء للمضارع" مع التوسط: "زيد أظن قائم، و" مع التأخر له "زيد قائم أظن، و" مع التوسط للوصف: "زيد أنا ظان قائم"، فـ"زيد" مبتدأ، و"قائم" خبره، وجملة "أنا ظان" متوسطة بينهما، "و" مع المتأخر له: "زيد قائم أنا ظان"، فألغي الوصف فيهما مع اعتماده على المبتدأ، "و" تقول "في التعليق" بـ"ما": "أظن ما زيد قائم، وأنا ظان ما زيد قائم"، وقس على ذلك بقية التصاريف.
والمصدر في ذلك كالفعل فيما ذكر من الإعمال والإلغاء والتعليق، قاله أبو موسى الجزولي١، وذلك مأخوذ من قول الناظم:
٢١٠-
ولغير الماض من سواهما
يعني "هب" و"تعلم".
٢١٠-
اجعل كل ما له زكن
أي: علم.
"وقد تبين بما قدمناه" في حكمي الإلغاء والتعليق "أن الفرق بين الإلغاء والتعليق من وجهين: أحدهما: أن العامل الملغى لا عمل له البتة"، لا في اللفظ، ولا في المحل، "و" أن "العامل" المعلق له عمل في المحل"، لا في اللفظ، "فيجوز" على
_________________
(١) ١ انظر الجزولية ص٨١، ٨٢.
[ ١ / ٣٧٣ ]
اعتبار المحل: "علمت لزيد قائم، وغير ذلك من أموره بالنصب" لـ"غير" "عطفًا على المحل"، أي: محل جملة: زيد قائم، فإنها في محل نصب على المفعولية لـ"علمت"، ولولا ذلك لامتنع العطف على محلها بالنصب وفي هذ المثال فائدتان:
إحداهما: أنه من محل الخلاف، قال أبو حيان: "في الجملة المقرونة بمعلق غير الاستفهام ثلاثة مذاهب: أحدها لسيبويه والبصريين وابن كيسان: أنها في موضع نصب.
الثاني للكوفيين: لا موضع لها وأنه أضمر بين العامل والمعلق قسم، والجملة جواب له.
والثالث للمغاربة: لا موضع لها أيضًا، إلا أن الأفعال أنفسها ضمنت معنى فعل القسم، فصارت قاصرة لا تتعدى، وصارت الجملة جوابًا له، وصححه ابن عصفور في شرح الجمل". ا. هـ.
الفائدة الثانية: أنه إنما يعطف محل على الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة، فتقول: علمت لزيد قائم، وغير ذلك: من أموره: ولا تقول: علمت لزيد قائم وعمرو؛ لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به، وإلا فلا، "قال" كثير عزة: [من الطويل]
٣٠١-
"وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ولا موجعات القلب حتى تولت"
فعطف "موجعات" بالنصب بالكسرة على محل قوله: "ما البكا" الذي علق عن العمل فيه قوله: "أدري" هذا مراده هنا، وصرح بذلك في شرح القطر١، وقال في المغني٢: هكذا استدل به ابن عصفور، ولك أن تدعي أن "البكا" مفعول، وأن "ما" زائدة، وأن الأصل: ولا أدري موجعات القلب، فيكون من عطف الجمل، أو أن الواو للحال، و"موجعات" اسم "لا"، أي: وما كنت أدري قبل عزة والحال أنه لا موجعات للقلب موجودة ما البكا، ا. هـ.
وعلى الأول فالمعنى: وما كنت أدري أي شيء البكا، وصح عطف "موجعات" على محل الجملة؛ لأنه يؤدي معنى الجملة؛ لأن معنى: ولا موجعات القلب ولا موجعات قلبي، هو في معنى: قلبي له موجعات.
_________________
(١) البيت لكثير عزة في ديوانه ص٩٥، وخزانة الأدب ٩/ ١٤٤، وشرح شذور الذهب ص٣٦٨، وشرح شواهد المغني ص٨١٣، ٨٢٤، وشرح قطر الندى ص١٧٨، ومغني اللبيب ١/ ٤١٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٠٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٦٤، وشرح الأشموني ص١٦٢. ١ شرح قطر الندى ص١٩٧. ٢ مغني اللبيب ١/ ٤١٩.
[ ١ / ٣٧٤ ]
"و" الوجه "الثاني": من وجهي الفرق بين الإلغاء والتعليق "أن سبب التعليق موجب" للإهمال لفظًا "فلا يجوز" معه الإعمال نحو: "ظننت ما زيدًا قائمًا"، بنصبهما، "وسبب الإلغاء مجوز" للإعمال، والإهمال، "فيجوز: زيدًا ظننت قائمًا" بنصبهما مع المتوسط، و"زيدًا قائمًا ظننت"، بنصبهما مع المتأخر، "ولا يجوز إلغاء العامل المتقدم"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢١١-
وجوز الإلغاء لا في الابتدا
"خلافًا للكوفيين والأخفش"، فإنهم أجازوا الإلغاء مع التقدم١، نحو: ظننت زيدًا قائم برفعهما، "واستدلوا" على ذلك "بقوله" وهو بعض بني فزارة: [من البسيط]
٣٠٢-
كذلك أدبت حتى صار من خلقي "أني وجدت ملاك الشيمة الأدب"
برفع "ملاك" على الابتداء، و"الأدب" على الخبرية مع تقدم "وجدت" عليهما، وفي الحماسة٢، بنصبهما على الإعمال. "وقوله" وهو كعب بن زهير: [من البسيط]
٣٠٣-
أرجو وآمل أن تدنوا مودتها "وما إخال لدينا منك تنويل"
برفع "تنويل" على الابتدائية، وخبره المجرور قبله، مع تقدم "إخال" بكسر الهمزة، والقياس فتحها، كما مر محكي عن بني أسد خاصة. ووجه الدليل من هذين البيتين أن العامل ألغي فيهما مع تقدمه على المبتدأ والخبر. "وأجيب" عنهما "بأن ذلك محتمل لثلاثة أوجه:
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١١٩، ومعاني القرآن للأخفش ٢/ ٦٨٥، والارتشاف ٣/ ٦٤.
(٢) البيت لبعض الفزاريين في خزانة الأدب ٩/ ١٣٩، ١٠/ ٣٣٥، والدرر ١/ ٣٤١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٣٣، وأوضح المسالك ٢/ ٦٥، وتخليص الشواهد ص٤٤٩، وشرح ابن الناظم ص١٤٨، وشرح الأشموني ١/ ١٦٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٤٦، وشرح عمدة الحافظ ص٢٤٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٣٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٤١١، ٣/ ٨٩، والمقرب ١/ ١١٧، وهمع الهوامع ١/ ١٥٣. ٢ شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١١٤٦.
(٣) البيت لكعب بن زهير في ديوانه ص٦٢، وخزانة الأدب ١١/ ٣١١، والدرر ١/ ٨٠١، ٣٤٢، وشرح عمدة الحافظ ص٢٤٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٤١٢، وبلا نسبة في الارتشاف ١/ ٤٢٢، وأوضح المسالك ٢/ ٦٧، وشرح ابن الناظم ص١٤٨، وشرح الأشموني ١/ ١٦٠، وشرح التسهيل ١/ ٧٥، وهمع الهوامع ١/ ٥٣، ١٥٣.
[ ١ / ٣٧٥ ]
أحدها: أن يكون من التعليق بلام الابتداء المقدرة، والأصل: لملاك وللدنيا، ثم حذف اللام وبقي التعليق" بحاله كما كان مع وجود المعلق، وهذا مما نسخ لفظه، وبقي حكمه، قاله في المغني، وعلى هذا حمل سيبويه، قوله: [من الكامل]
٣٠٤-
وإخال إني لاحق مستتبع
بكسر "إن" على تقدير إني للاحق.
"و" الوجه "الثاني: أن يكون من الإلغاء؛ لأن التوسط المبيح للإلغاء ليس هو التوسط بين المعمولين فقط بل توسط العامل في الكلام مقتض أيضًا" للإلغاء، "نعم الإلغاء للتوسط بين المعمولين أقوى" من الإلغاء مع التقدم عليهما "والعامل هنا" وهو "وجدت" في البيت الأول، و"إخال" في البيت الثاني "قد سبق بـ"إني"، و" أما "إخال" فقد سبق "بـ"ما" النافية" فجاز إلغاؤهما لكونهما لم يتصدرا "ونظيره" في المسبوقية بالغير: "متى ظننت زيدًا قائمًا، فيجوز فيه الإلغاء" لعدم تصدره، والإعمال لتقدمه على المعمولين.
"و" الوجه "الثالث: أن يكون من الإعمال على أن المفعول الأول محذوف، وهو ضمير الشأن، والأصل:" إني "وجدته، و" ما "إخاله" فحذف ضمير الشأن منهما "كما حذف في قولهم"، أي: العرب: "إن بك زيد مأخوذ"، والأصل: إنه، وإلى الوجه الأول والثالث أشار الناظم بقوله:
٢١١-
وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا
٢١٢-
في موهم إلغاء ما تقدما
والوجه الأول أولى؛ لأن حذف اللام قد عهد في الجملة، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] والأصل: لقد أفلح، والوجهان الآخران ضعيفان، أما ضعف الإلغاء المذكور؛ فلأنهم نزلوا تقديم المسند إليه في الجملة، وهو الياء من "إني" بمنزلة تقديم المبتدأ المطلوب للعامل، ونزلوا تقديم النفي والاستفهام لكونهما داخلين على الخبر تقديرًا منزلة تقديم الخبر، أما إذا قدرا داخلين على العامل بطل الإلغاء، وأما ضعف الحذف فمن وجهين، ضعف حذف أحد المفعولين دون الآخر، وسيأتي بيانه، وضعف حذف ضمير الشأن؛ لأنه لا يستعمل في مواطن التفخيم، والحذف مناف لذلك.
_________________
(١) صدر البيت: "فغبرت بعدهم بعيش ناصب" ، والبيت لأبي ذؤيب الهذلي في تخليص الشواهد ص٤٤٨، والدرر وشرح أشعار الهذليين ١/ ٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٦٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩٤، والمنصف ١/ ٣٢٢، ولسان العرب ١/ ٧٥٨، "نصب" وللهذلي في مغني اللبيب ١/ ٢٣١، وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٤، وهمع الهوامع ١/ ١٥٣.
[ ١ / ٣٧٦ ]
"فصل":
"ويجوز بالإجماع حذف المفعولين" لأفعال القلوب. "اختصارًا، أي: لدليل" يدل عليهما، "نحو: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]، "وقوله" وهو الكميت يمدح أهل البيت: [من الطويل]
٣٠٥-
"بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عارًا علي وتحسب"
فحذف في الآية مفعولًا "تزعمون" وفي البيت مفعولًا "تحسب" لدليل ما قبلهما عليهما، "أي: تزعمونهم شركاء، وتحسبـ" ـه، أي: "حبهم عارًا علي"، وعدل عن تقدير تزعمون أنهم شركاء] ١ لأن الكلام في حذف المفعولين معًا لا في حذف ما يسد مسدهما.
"وأما حذفهما اقتصارًا، أي: لغير دليل، فعن سيبويه٢" فيما نقل ابن مالك٣ "و" عن "الأخفش" والجرمي وابن خروف وشيخه ابن طاهر والشلوبين "المنع مطلقًا"، سواء في ذلك أفعال الظن والعلم. "واختاره الناظم" وحجتهم في ذلك أن العرب تجري هذه الأفعال مجرى القسم، فتلقاها بما يتلقى به القسم، نحو: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]، [من الكامل]
٣٠٦-
ولقد علمت لتأتين منيتي
_________________
(١) البيت للكميت في خزانة الأدب ٩/ ١٣٧، والدرر ١/ ٣٣٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٦٩٢، والمحتسب ١/ ١٨٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٤١٣، ٣/ ١١٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٦٩، وشرح الأشموني ص١٦٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٤٣، وشرح التسهيل ٢/ ٧٣، وهمع الهوامع ١/ ١٥٢. ١ سقط من "أ" وهو ثابت في "ب"، "ط". ٢ الكتاب ١/ ٤٠. ٣ شرح الكافية الشافية ٢/ ٥٥٣.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٢٩٨.
[ ١ / ٣٧٧ ]
والجواب لا يحذف، فكذلك ما هو بمنزلته، ورد بأن تضمنها معنى القسم ليس بلازم. "وعن الأكثرين الإجازة مطلقًا" لمجيء ذلك في أفعال العلم؛ "كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ " [البقرة: ٢٣٢]، ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ " فَهُوَ يَرَى﴾ " [النجم: ٣٥] أي: يعلم، والأصل؛ والله أعلم١؛ يعلم الأشياء كائنة ويرى ما نعتقده حقا، أو نحو ذلك مما يعطيه معنى الكلام. وفي أفعال الظن، نحو: " ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ " [الفتح: ١٢] فـ"ظن السوء"، مفعول مطلق مفيد للنوع، "وقولهم" في المثل: "من يسمع يخل٢"، أي: يقع منه خيلة، قاله الموضح٣، وصاحب التقريب٤، والمعنى من يسمع خبرًا يحدث له ظن، ومن قاله معناه: يخل مسموعه صادقًا فقد جعله من الحذف الاقتصاري، وليس الكلام فيه. "وعن الأعلم" يوسف الشنتمري تفصيل، فقال٥: "يجوز في أفعال الظن" لكثرة السماع فيها "دون أفعال العلم". وعن أبي العلاء إدريس يجوز في "ظن وخال وخسب"؛ لأنه سمع فيها، ويمتنع في الباقي، ونسبه لسيبويه٦.
"ويمتنع بالإجماع حذف أحدهما اقتصارًا"، أي: لغير دليل؛ لأن المفعولين هنا أصلهما المبتدأ والخبر فكما لا يجوز أن يؤتى بمبتدأ دون خبر، ولا بخبر دون مبتدأ قبل دخول الناسخ فكذلك بعده، وإلى امتناع حذف المفعولين أو أحدهما اقتصارًا أشار بقوله:
٢١٦-
ولا تجز هنا بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول
"وأما" حذف أحدهما "اختصارًا"، أي: لدليل "فمنعه" أبو إسحاق "بن ملكون" من المغاربة وطائفة، وحجتهم أن المفعول في هذا الباب مطلوب من جهتين، من جهة العامل فيه، ومن جهة كونه أحد جزأي الجملة، فلما تكرر طلبه امتنع حذفه، كذا قالوا. وما قالوه منتقض بخبر "كان"، فإنه مطلوب من جهتين، ولا خلاف في جواز حذفه إذا دل عليه دليل، "وأجازه الجمهور٧"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِين
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ المثل في المستقصى ٢/ ٢٦٢، وفصل المقال ص٤١٢، ومجمع الأمثال ٢/ ٣٠٠، وجمهرة الأمثال ٢/ ٢٦٣. ٣ مغني اللبيب ص٧٩٧. ٤ المقرب ١/ ١١٦. ٥ الارتشاف ٢/ ٥٦. ٦ الارتشاف ٢/ ٥٦. ٧ انظر الارتشاف ٢/ ٥٦، والمقرب ١/ ١١٦.
[ ١ / ٣٧٨ ]
يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، تقديره: ولا يحسبن الذين يبلخون ما يبخلون به هو خيرًا لهم، فحذف المفعول الأول للدلالة عليه، "كقوله" وهو عنترة العبسي: [من الطويل]
٣٠٧-
"ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم"
تقديره: فلا تظني غيره مني واقعًا، فحذف المفعول الثاني، والتاء في "نزلت" مكسورة والحاء والراء من "المحب المكرم" مفتوحتان.
"فرع١":
إذا قلت: زيدًا ظننته قائمًا، فالتقدير عند الجمهور: ظننت زيدًا قائمًا، وعند ابن ملكون وموافقيه: اتهمت زيدًا ظننته قائمًا، أو لابست، قاله الموضح في الحواشي.
فائدة:
هذا الخلاف في الحذف وعدمه مجرد اصطلاح عند النحويين، وليس من الحذف في شيء عند البيانيين؛ لأن غرض المتكلم في إفادة المخاطب؛ لأنه تارة يقصد مجرد وقوع الحدث من غير تعلق بفاعل، فيسند الفعل إلى المصدر، فيقول: وقع ظن أو علم، وتارة يقصد نسبته إلى فاعله من غير تعلق بمفعول، فيقول٢: فلان يظن أو يعلم، فينزل الفعل في هاتين الحالتين منزلة القاصر، وحينئذ فلا يقال: إنه حذف منه شيء، كما يقال في القاصر: إنه حذف منه شيء، وأما إذا لم ينزل منزلة القاصر فلا بد من ذكرهما؛ لأن الغرض تعلق بإفادتهما.
_________________
(١) البيت لعنترة في ديوانه ص١٩١، وأدب الكاتب ص٦٠٣، والأشباه والنظائر ٢/ ٤٠٥، والاشتقاق ص٣٨، والأغاني ٩/ ٢١٢، وجمهرة اللغة ص٥٩١، وخزانة الأدب ٣/ ٢٢٧، ٩/ ١٣٦، والخصائص ٢/ ٢١٦، والدرر ١/ ٣٣٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٨٠، ولسان العرب ١/ ٢٨٩، "حبب"، والمقاصد النحوية ٢/ ٤١٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٧٠، وشرح الأشموني ١/ ١٦٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٤٤، والمقرب ١/ ١١٧، وهمع الهوامع ١/ ١٥٢. ١ في "ط": "فائدة". ٢ في "ب": "فيقع".
[ ١ / ٣٧٩ ]
"فصل":
"تحكى الجملة الفعلية بعد القول" عند جميع العرب، "وكذا الاسمية" عند بعضهم فلا يعمل القول في جزأيها شيئًا، كما يعمل لظن؛ لأن الظن يقتضي الجملة من جهة معناها، فجزآها معه كالمفعولين في باب "أعطيت" فصح أن ينصبهما، وأما القول فيقتضي الجملة من جهة لفظها، فلم يصح أن ينصب جزأيها مفعولين؛ لأنه لم يقتضها من جهة معناها فلم يشبه باب "أعطيت" ولا أن ينصبها مفعولًا واحدًا؛ لأن الجملة لا إعراب لها، فلم يبق إلا الحكاية، قاله ابن الناظم١.
"وسليم" بالتصغير قبيلة من قيس عيلان، وهو سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان، وسليم أيضًا قبيلة من جذام من اليمن، يجرون بالقول مجرى الظن، "ويعملونه فيها"، أي: في الجملة الاسمية "عمل "ظن"" فينصبون المبتدأ والخبر "مطلقًا" من غير شرط من الشروط الآتية، "وعليه يروى قوله" وهو امرؤ القيس بن حجر الكندي يصف فرسًا: [من الطويل]
٣٠٨-
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه "تقول هزيز الريح مرت بأثأب"
"بالنصب لـ"هزيز" على أنه مفعول أول لـ"تقول"، وجملة "مرت بأثأب" مفعول ثان، و"شأوين" تثنية شأو، بسكون الهمزة وهو: السبق، ونصبه على المفعولية المطلقة نيابة عن المصدر، "والعطف": "ألجانب، و"هزيز الريح": دويها عند هبوبها، و"الأثأب" بفتح الهمزتين وسكون التاء المثلثة وفي آخره باء موحدة جمع أثأبة وهي نوع من الشجر، "وقوله" وهو الحطيئة يصف جملا: [من الطويل]
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص١٥٠.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص٤٩، ولسان العرب ٥/ ٤٢٤ "هزز"، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٣١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٢٢٠، وأوضح المسالك ٢/ ٧١، وشرح التسهيل ٢/ ٩٥.
[ ١ / ٣٨٠ ]
٣٠٩-
"إذا قلت أني آيب أهل بلدة" وضعت بها عنه الولية بالهجر
"بالفتح" لـ"أني" على أنها مع معموليها سدت مسد مفعولي "قلت"، وآيب"، أي: راجع، و"أهل بلدة" مفعول "آيب"، والضمير في "عنه" يعود إلى "الجمل"، و"الولية" بفتح الواو وكسر اللام وتشديد الياء آخر الحروف: البرذعة التي توضع تحت الرحل، و"الهجر" بفتح الهاء وسكون الجيم ضرورة والأصل فتحها: نصف النهار عند اشتداد الحر، وإلى رأي سليم أشار الناظم بقوله:
٢١٩-
وأجري القول كظن مطلقًا عند سليم
"وغيرهم يشترط" في إعمال لفظ القول عمل "ظن" "شروطًا" ثلاثة، "وهي كونه" فعلا "مضارعًا"، فخرج المصدر والوصف والماضي والأمر، فلا يعمل شيء من ذلك عمل "ظن" لأنها لم تقو قوة المضارع في هذا الباب. "وسوى به السيرافي" بكسر السين. "قلت بالخطاب، و" سوى به "الكوفي قل"، فيجوز على قولهما إعمال الماضي المسند إلى تاء المخاطب، وفعل الأمر، نحو: أقلت زيدًا منطلقًا، بجامع الإسناد إلى ضمير المخاطب. "و" يشترط في المضارع "إسناده للمخاطب" لأن الإعمال إنما يكون مع فعل المخاطب إذا استفهمته عن ظن نفسه، فلا يجوز إعمال المضارع المسند إلى ضمير متكلم، ولا غائب، فلا تقل: أقول زيدًا منطلقًا، ولا: يقول زيد عمرًا منطلقًا لما مر، ولو قال: وإسناده للمخاطب، وسوى به السيرافي إلخ كان أبين للتسوية، "و" يشترط في زمن المضارع "كونه حالًا، قاله الناظم" في شرح التسهيل١، "ورد بقوله" وهو عمر بن أبي ربيعة: [من الطويل]
٣١٠-
أما الرحيل فدون بعد غد "فمتى تقول الدار تجمعنا"
أنشده سيبويه بنصب "الدار" على أنها مفعول أول و"تجمعنا" مفعول ثان٢
_________________
(١) البيت للحطيئة في ديوانه ص٢٢٥، وتخليص الشواهد ص٤٥٩، وخزانة الأدب ٢/ ٤٤٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٣٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٧٢، وشرح الأشموني ١/ ١٦٥. ١ شرح التسهيل ٢/ ٩٥.
(٢) البيت لعمرو بن أبي ربيعة في ديوانه ص٤٠٢، وخزانة الأدب ٢/ ٤٣٩، ٩/ ١٨٥، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٧٩، وشرح المفصل ٧/ ٧٨، ٨٠، والكتاب ١/ ١٢٤، ولسان العرب ١١/ ٥٧٥ "قول"، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٣٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٧٤، وتخليص الشواهد ص٤٥٧، ورصف المباني ص٨٩، ولسان العرب ١١/ ٢٧٩ "رحل"، ١٢/ ٢٢٦ "زعم"، والمقتضب ٢/ ٣٤٩. ٢ الكتاب ١/ ١٢٤.
[ ١ / ٣٨١ ]
قال أبو حيان١: وفيه رد على من اشترط الحال؛ لأنه لم يستفهمه عن ظنه في الحال أن الدار تجمعه وأحبابه، بل استفهمه عن وقوع ظنه في الحال. ا. هـ.
وهذا مبني على أن "متى" ظرف لـ"تقول"، "والحق أن "متى" ظرف لـ"تجمعنا" لا لتقول"، وفيه نظر؛ لأن "تقول" على هذا غير مستفهم عنه فلا يكون عاملا لعدم اعتماده على استفهام إلا على قول من لم يشترط الاعتماد عليه، ويشترط كونه مضارعًا لمخاطب فقط على ما حكاه ابن الخباز في شرح الجزولية، وليس التفريع عليه. "و" يشترط في المضارع المسند إلى ضمير المخاطب "كونه" واقعًا "بعد استفهام بحرف، أو باسم، سمع الكسائي" من العرب "أتقول للعميان عقلا"، فـ"عقلا" مفعول أول، و"للعميان" مفعول ثان على التقدير والتأخير. "وقال" عمرو بن معد يكرب المذحجي:" [من الطويل]
٣١١-
"علام تقول الرمح يثقل عاتقي" إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
فـ"علام" جار ومجرور، والجار والمجرور "ما" الاستفهامية، ولكن حذفت ألفها لدخول الجار عليها، و" الرمح" بالنصب مفعول أول، وجملة "يثقل عاتقي" في موضوع المفعول الثاني، و"أطعن" بضم العين، يقال: طعن يطعن، بالضم إذا كان بالرمح وغيره، وطعن يطعن بالفتح إذا كان في النسب، و"إذا" في الموضوعين داخلة على فعل محذوف يفسره المذكور، على حد ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] والتقدير: إذا لم أطعن أنا لم أطعن، وإذا كرت الخيل كرت.
"قال سيبويه والأخفش"٣ من البصريين "و" يشترط في الاستفهام والمضارع عند جمهور العرب "كونهما متصلين" من غير حاجز بينهما، "فلو قلت: أأنت تقول" زيد منطلق، "فالحكاية" واجبة، "وخولفا"، قال أبو حيان وخالفهما
_________________
(١) ١ الارتشاف ٣/ ٧٨.
(٢) البيت لعمرو بن معد يكرب في ديوانه ص٧٢، وخزانة الأدب ٢/ ٤٣٦، والدرر ١/ ٣٥١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٥٩، وشرح شواهد المغني ص٤١٨، واللسان ١١/ ٥٧٥ "قول"، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٣٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٧٦، وشرح الأشموني ١/ ١٦٤، ومغني اللبيب ص١٤٣، وهمع الهوامع ١/ ١٥٧. ٢ في الكتاب ١/ ١٢٣: "فإن قلت: أأنت تقول زيد منطلق، رفعت؛ لأنه فصل بينه وبين حرف الاستفهام، كما فصل في قولك: أأنت زيد مررت به فصارت بمنزلة أخواتها، وصارت على الأصل". ٣ انظر همع الهوامع ١/ ١٥٧.
[ ١ / ٣٨٢ ]
وخالفهما الكوفيون وسائر البصريين، فأجازوا النصب، ولم يعتدوا بالضمير فاصلا١، ووجه قولهم بأن الاستفهام يطلب الفعل، و"أنت" فاعل فعل مضمر، وذلك الفعل واقع على الاسمين فينصبهما.
ورد بأن الحكم إنما هو للمذكور، وأما المضمر فلا عمل له إلا في الاسم المشتغل عنه خاصة، والعمل فيما عداه لهذا الظاهر وهو لم يتصل بالاستفهام، نقله الموضح في حواشي التسهيل، ولم يتعقبه، ومن خطه نقلت.
وعلى هذا يشكل قوله هنا: "فإن قدرت الضمير" وهو "أنت" "فاعلا بمحذوف والنصب" للمفعولين "بذلك المحذوف جاز اتفاقا"، فليتأمل، "واغتفر الجميع الفصل" بين الاستفهام والفعل "بظرف زماني" أو مكاني "أو مجرور، أو معمول القول"، مفعولا كان أو حالا، أو غيرهما، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢١٧-
وكتظن اجعل تقول إن ولي مستفهمًا به ولم ينفصل
٢١٨-
بغير ظرف أو كظرف أو عمل وإن ببعض ذي فصلت يحتمل
فالفصل بالظرف الزماني، "كقوله": [من البسيط]
٣١٢-
"أبعد بُعد تقول الدار جامعة" شملي بهم أم تقول البعد محتوما
فالهمزة للاستفهام، و"بعد" بفتح الباء ظرف زمان، و"بعد" بضم الباء مضاف إليه، وبينهما جناس محرف، و"الدار" مفعول أول لـ"تقول"، و"جامعة" مفعوله الثاني، و"شملي" مفعول "جامعة" و"البعد" مفعول أول لـ"تقول"، و"محتومًا" مفعوله الآخر، فأعمل "تقول" مرتين، والأول منهما مفصول من الاستفهام بالظرف، والثاني متصل بالاستفهام بـ"أم"، والفصل بالظرف المكاني كقولك: أعندك تقول زيدًا جالسًا والفصل بالمجرور كقولك: أفي الدار تقول زيدًا مقيمًا.
"و" الفصل بالمعمول نحو "قوله" وهو الكميت بن زيد الأسدي: [من الوافر]
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٣/ ٧٩.
(٢) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٣٢، وأوضح المسالك ٢/ ٧٧، وتخليص الشواهد ٤٥٧، والدرر ١/ ٣٥١، وشرح الأشموني ١/ ١٦٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٦٩، ومغني اللبيب ٢/ ٦٩٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٣٨، وهمع الهوامع ١/ ١٥٧.
[ ١ / ٣٨٣ ]
٣١٣-
"أجهالا تقول بني لؤي" لعمر أبيك أم متجاهلينا
ففصل بين الاستفهام والمضارع بمفعوله الثاني، والأصل: أتقول بني لؤي جهالا، و"بني لؤي" مفعوله الأول، والمراد بهم قريش، و"الجهال" جمع جاهل، و"المتجاهل" هو الذي يظهر الجهل من نفسه، وليس بجاهل، والمعنى، أتظن بني لؤي جهالا، أم مظهرين الجهل بين استعملوا أهل اليمن على أعمالهم وقدموهم على بني مضر، مع فضلهم عليهم.
والفصل بالحال كقولك: أمسرعا تقول زيدًا منطلقًا؛ لأن المعمول المتقدم في نية التأخير.
"قال السهيلي: و" يشترط أيضًا في المضارع "أن لا يتعدى باللام، كـ: تقول لزيد عمرو منطلق"، برفعهما قال: لأنك إذا عديته باللام بعد عن معنى الظن، ولم يكن إلا قولا مسموعًا؛ لأن الظن من أفعال القلب، وذكر أنه يدل عليه أصول النحاة مع استقراء كلام العرب، نقله المرادي بتعليله في شرح التسهيل وأقره.
"وتجوز الحكاية مع استيفاء الشروط، نحو: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾، [البقرة: ١٤٠] بالتاء المثناة فوق، وكسر "إن" "في قراءة الخطاب" للأخوين وابن عامر وحفص، "وروي":
٣١٤-
"علام تقول الربح"
"بالرفع"، على الحكاية.
وإذا أعمل القول عمل "ظن" فهل يجرى مجراه في العمل خاصة، أم في العمل والمعنى معًا، مذهب الجمهور أنه لا يعمل عمل "ظن" حتى يتضمن معنى الظن في اللغة السليمية١، وغيرها. وزعم بعضهم أنه قد يجرى مجرى الظن في العمل ولا يتضمن معناه كقوله: [من الرجز]
_________________
(١) البيت للكميت بن زيد في خزانة الأدب ٩/ ١٨٣، ١٨٤، والدرر ١/ ٣٥٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٣٢، وشرح المفصل ٧/ ٧٩، ٨٧، والكتاب ١/ ١٢٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٢٩، وليس في ديوانه، وهو لابن أبي ربيعة في شرح ابن الناظم ص١٥٣، وبلا نسبة في أمالي المرتضى ١/ ٣٦٣، وأوضح المسالك ٢/ ٧٨، وتخليص الشواهد ص٤٥٧، وخزانة الأدب ٢/ ٤٣٩، وشرح الأشموني ١/ ١٦٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٤٨، والمقتضب ٢/ ٣٤٩، وهمع الهوامع ١/ ١٥٧.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٣١١. ١ في حاشية الصبان ٢/ ٣٧: "وممن اختار هذا المذهب ابن جني".
[ ١ / ٣٨٤ ]
٣١٥-
قالت وكنت رجلًا فطينا هاذا لعمر الله إسرائينا
فليس المعنى على "ظننت"؛ لأن هذه المرأة رأت عند هذا الشاعر ضبا فقالت، هذا إسرائين؛ لأنها تعتقد في الضباب أنها من مسخ بني إسرائيل، وإلى هذا ذهب الأعلم وابن خروف، واختاره صاحب البسيط١. قال ابن عصفور: ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون "هذا" مبتدأ، و"إسرائين" على تقدير مضاف، أي: مسخ بني إسرائيل، فحذف المضاف الذي هو الخبر، وبقي المضاف إليه على جره؛ لأنه غير منصرف للعلمية والعجمة؛ لأنه لغة في "إسرائيل". وإذا أجري القول مجرى الظن هل يجوز فيه ما جاز في الظن من الإلغاء والتعليق، وكون الفاعل والمفعول لمسمى واحد، قال في النهاية: نعم، وبحث الشاطبي المنع، ولا يبعد تخريجه على القولين السابقين، فمن قال: إنه يجري مجراه في المعنى والعمل قال بالجواز، ومن قال بالعمل فقط قال بالمنع قلته تفقهًا، ولم أره نصا.
_________________
(١) الرجز لأعرابي في المقاصد النحوية ٢/ ٤٢٥، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص٤٥٦، والدرر ١/ ٣٥٠، وسمط اللآلي ص٦٨١، وشرح ابن الناظم ص١٥٢، وشرح الأشموني ١/ ١٥٦، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٥٠، وشرح التسهيل ٢/ ٩٥، ولسان العرب ١٣/ ٣٢٣ "فطن"، ٤٥٩، ٤٦٠ "يمن"، والمعاني الكبير ٦٤٦، وهمع الهوامع ١/ ١٥٧، وجمهرة اللغة ص٢٩٣، وتاج العروس "فطن"، "بمن" "سرو" والمخصص ١٣/ ٢٨٢. ١ انظر حاشية الصبان ٢/ ٣٧.
[ ١ / ٣٨٥ ]
باب ما ينصب مفاعيل ثلاثة:
ثلاثة، بالنصب، بدلا من مفاعيل، ولم يقل "ثلاثة مفاعيل" بالإضافة؛ لأن إضافة العدد للصفة قليلة، أو ضرورة، قاله أبو حيان نقلًا عن شيخه ابن النحاس. ولا يجوز "ثلاثة مفعولين"، بجمع السلامة؛ لأن مفعولا اسم للفظ، وهو غير عاقل، قاله الموضح في الحواشي.
"وهي: أعلم وأرى، اللذان" كان "أصلهما" قبل دخول همزة النقل عليهما: "علم ورأى المتعديان لاثنين"، وإنما اقتصر عليهما وقوفًا مع السماع، وأما بقية أخواتهما وهي: ظننت وأخواتها فمنع من نقلها بالهمزة كثير من البصريين، وقصروا ذلك على السماع، ومنعوا أن يقال: أظننت زيدًا عمرًا قائمًا؛ لأنه لم ينقل عن العرب، فالزيادة عليه ابتداء لغة، وأجازه قوم منهم طردًا للباب، قاله أبو البقاء في شرح لمع ابن جني.
"وما ضمن معناهما من "نبأ""، بتشديد الموحدة، "وأنبأ، وخبر" بتشديد الموحدة، "وأخبر وحدث" بتشديد الدال، "نحو: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧] . "فيرى" بضم الياء مضارع أرى، والهاء والميم مفعول أول، و"الله" فاعل، و"أعمالهم" مفعول ثان، و"حسرات" مفعول ثالث، قاله الزمخشري١. وهو مبني على أن الأعمال لا تجسم فلا تدرك بحاسة البصر. قال الموضح في حواشيه: وهذا قول المعتزلة وأما أهل السنة فيعتقدون أن الأعمال تجسم وتوزن حقيقة، "فيرى" على هذا بصرية، و"حسرات" حال. والمعتزلة يقولون علمية، و"حسرات" مفعول ثالث، والذي أجازوه ممكن عندنا فإنهم إذا أبصروها حسرات فقد علموها كذلك.
والذي نقوله نحن ممتنع، ا. هـ.
وألحق بذلك رأي الحلمية سماعًا، "نحو: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ" كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣]، فالكاف فيهما مفعول أول، والهاء والميم مفعول ثان و"قليلا" في الأول، وكثيرا في الثاني مفعول ثالث وفي هذه الأمثلة رد على ابن الخباز حيث
_________________
(١) ١ الكشاف ١/ ٣٢٧.
[ ١ / ٣٨٦ ]
قال: لم أظفر بفعل متعد لثلاثة إلا وهو مبني للمفعول، كما في قول النابغة: [من الكامل]
٣١٦-
نبئت زرعة والسفاهة كاسمها تهدى إلى غرائب الأشعار
فالتاء نائب الفاعل، وهو المفعول الأول، و"زرعة" مفعول ثان، وجملة "تهدى إلي" مفعول ثالث، وما بينهما اعتراض، وقول الأعشى ميمون بن قيس: [من المتقارب]
٣١٧-
وأنبئت قيسًا ولم أبله كما زعموا خيرا أهل اليمن
فالتاء مفعوله الأول، و"قيسًا" الثاني، "وخير" الثالث، ومعنى أبله: أجربه، وقول العوام بن عقبة بن كعب بن زهير: [من الطويل]
٣١٨-
وخبرت سوداء الغميم مريضة فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
فالتاء المفعول الأول، و"سوداء" الثاني، و"مريضة" الثالث، و"الغميم" بالغين المعجمة موضع من بلاد غطفان، وقول رجل من بني كلاب: [من البسيط]
٣١٩-
وما عليك إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يومًا أن تعوديني
فالتاء المكسورة مفعول أول، وياء المتكلم الثاني، و"دنفا" الثالث، والدنف المريض، وقول الحارث بن حلزة اليشكري: [من الخفيف]
٣٢٠-
أومنعتم ما تسألون فمن حـ ـدثتموه له علينا العلاء
_________________
(١) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٥٤، وتخليص الشواهد ص٤٦٧، وخزانة الأدب ٦/ ٣١٥، ٣٣٣، ٣٣٤، وشرح ابن الناظم ص١٥٥، وشرح التسهيل ٢/ ١٠١، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٣٩، وأساس البلاغة "أبد"، وبلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص٢٥٢.
(٢) البيت للأعشى في ديوانه ص٧٥، وتخليص الشواهد ص٤٦٧، والدرر ١/ ٣٥٣، ومجالس ثعلب ٢/ ٤١٤، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٤٠، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص١٥٥، وشرح الأشموني ١/ ١٦٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٥٩، وشرح التسهيل ٢/ ١٠٢، وشرح عمدة الحافظ ٢٥١، وهمع الهوامع ١/ ١٥٩.
(٣) البيت للعوام بن عقبة "أو عتبة" في الدرر ١/ ٣٥٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٤٢، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص٤٦٧، وخزانة الأدب ١١/ ٣٦٩، وشرح ابن الناظم ص١٥٦، وشرح الأشموني ١/ ١٦٧، وشرح التسهيل ٢/ ١٠١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٤١٤ وشرح ابن عقيل ١/ ٤٥٩، وشرح عمدة الحافظ ص٢٥٢، وهمع الهوامع ١/ ١٥٩.
(٤) البيت لرجل من بني كلاب في الدرر ١/ ٣٥٤، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٤٣، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص٤٦٨، وشرح ابن الناظم ص١٥٦، وشرح الأشموني ١/ ١٦٧، وشرح التسهيل ٢/ ١٠١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٤٢٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٥٧.
(٥) البيت للحارث بن حلزة في ديوانه ص٢٧، وتخليص الشواهد ٤٦٨، والدرر ١/ ٣٥٤، وشرح ابن الناظم ص١٥٦، وشرح القصائد السبع ص٤٦٩، وشرح القصائد العشر ص٣٨٧، وشرح المعلقات السبع ص٢٢٥، وشرح المعلقات العشر ص١٢٢، وشرح المفصل ٧/ ٦٦، والمعاني الكبير ٢/ ١٠١١، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٤٥، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص٦٨٦، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٥٨، وشرح عمدة الحافظ ص٢٥٣، وهمع الهوامع ١/ ١٥٩.
[ ١ / ٣٨٧ ]
فالضمير المرفوع مفعول أول، والمنصوب مفعول ثان، والجملة بعده مفعول ثالث، والفعل في الجميع مبني للمفعول، [وإلى نصب هذه الأفعال مفاعيل ثلاثة] ١ أشار الناظم بقوله:
٢٢٠-
إلى ثلاثة رأى وعلما عدوا إذا صارا أرى وأعلما
ثم قال:
٢٢٤-
وكأرى السابق نبا أخبرا حدث أنبا كذلك خبرا
وقال الناظم في شرح التسهيل: إن أولى من ذلك، يعني من نصب نبأ وأخواته أن يحمل الثاني منها على نزع الخافض، كما في آية التحريم٢، وكما في قول بعض العرب، نبئت زيدًا مقتصرًا عليه، وكما قال سيبويه٣ في: [من الطويل]
٣٢١-
نبئت عبد الله
والثالث حال، ويرجح ذلك كونه حملا على ما ثبت، وهو التوسع، وأن في سلامة من التضمين الذي هو خلاف الأصل٤، ا. هـ.
"ويجوز عند الأكثرين حذف" المفعول "الأول" استغناء عنه، "كأعلمت كبشك سمينًا"، ولا تذكر من أعلمته، "و" يجوز "الاقتصار عليه كأعلمت زيدًا"، ولا تذكر من أعلمت به؛ لأن الفائدة لا تنعدم في الاستغناء عن الأول، ولا في الاقتصار عليه إذ يراد الإخبار بمجرد العلم به، أو بمجرد إعلام الشخص المذكور، هذا قول أبي العباس٥ وأبي بكر وابن كيسان وخطاب وابن أبي الربيع٦ وابن مالك٧ والأكثرين.
وذهب سيبويه٨ وابن الباذش وابن طاهر وابن خروف وابن عصفور٩ إلى أنه لا يجوز حذفه ولا الاقتصار عليه، كفاعل "علم" وهو قياس الأخفش لا بد من الثلاثة١٠.
_________________
(١) ١ سقط ما بينهما من "ب". ٢ وهي الآية رقم٣ من سورة التحريم: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ . ٣ الكتاب ١/ ٣٩.
(٢) البيت للفرزدق وتمامه: "نبئت عبد الله بالجو أصبحت كرامًا مواليها لئيما صميمها" وهو في الكتاب ١/ ٣٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٢٢، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٥٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢٦، وشرح الأشموني ١/ ١٨٦. ٤ شرح التسهيل ٢/ ١٠١. ٥ المقتضب ٣/ ١٢٢. ٦ البسيط ١/ ٤٥٠. ٧ شرح الكافية الشافية ٢/ ٥٧٤. ٨ الكتاب ١/ ٤١. ٩ المقرب ١/ ١٢٢. ١٠ الارتشاف ٣/ ٨٤.
[ ١ / ٣٨٨ ]
زعم الشلوبين أنه يجوز الاقتصار عليهما، [ومنع الاقتصار عليه] ١، وأما حذف الثلاثة جميعًا فقال ابن مالك٢: الصواب جواز حذف الثلاثة لدليل وغيره، وإن لم يجز في باب الظن الحذف لغير دليل، وذلك لأن قولك: علمت وظننت لا فائدة له؛ لأن الإنسان لا يخلو غالبًا عن علم أو ظن، وأما الإعلام فإنه يخلو منه. ا. هـ.
"وللثاني والثالث" من المفاعيل الثلاثة بعد النقل "من جواز حذف أحدهما اختصارًا"، أي: لدليل "ومنعه اقتصارًا"، أي: لغير دليل، "ومن الإلغاء والتعليق ما كان لهما" قبل النقل، وإلى ذلك الإشارة بقول الناظم:
٢٢١-
وما لمفعولي علمت مطلقًا للثان والثالث أيضًا حققا
"خلافًا لمن منع الإلغاء والتعليق مطلقًا٣"، أي: سواء أكان مبنيا للفاعل أم للمفعول، وهو أبو علي الشلوبين ونسبه إلى المحققين، "و" خلافًا "لمن منعهما في المبني للفاعل" وهو أبو موسى الجزولي٤، فإن فرق بين البناء للمفعول والبناء للفاعل، فقال يجوز في المبني للمفعول لمساواته في الحكم لباب علم لصيرورته بالبناء للمفعول، ورفع نائب الفاعل، كصورته في المتعدي لاثنين، ولا يجوز في المبني للفاعل؛ لأن الفعل إذ ذاك يكون معملا ملغى في حالة واحدة، وذلك تناقض.
وقال خطاب في الترشيح: لا تلغى أعلم وأخواتها؛ لأن منصوباتها لا ينعقد منها حينئذ مبتدأ وخبر، لبقاء الأول غير مرتبط فإن بنيتها للمفعول ووسطتها أو أخرتها جاز ذلك، إذ ليس لنا حينئذ إلا منصوبان ينعقد منهما مبتدأ وخبر، ولم يؤثر فيهما شيء. "ولنا" من الأدلة "على الإلغاء" في المبني للفاعل من النثر "قول بعضهم: البركة أعلمنا الله مع الأكابر"، "فالبركة" مبتدأ، "ومع الأكابر" خبره "وأعلم" ملغاة لتوسطها مبنية للفاعل بين المبتدأ وخبره. "و" من النظم "قوله:" [من الطويل]
٣٢٢-
"وأنت أراني الله أمنع عاصم" وأرأف مستكفى وأسمح واهب
فـ"فأنت" مبتدأ، "وأمنع" خبره، "وأرى" ملغاة لتوسطها مبنية للفاعل بين المبتدأ وخبره.
_________________
(١) ١ سقط ما بينهما من "ب". ٢ حاشية الصبان ٢/ ٣٩. ٣ في همع الهوامع ١/ ١٥٨: "ومنع قوم الإلغاء والتعليق هنا سواء ثبت للفاعل أم للمفعول، وعليه ابن النحاس وابن أبي الربيع؛ لأن مبنى الكلام عليهما". ٤ همع الهوامع ١/ ١٥٨، والجزولية ص٨٣.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٨٠، والدرر ١/ ٣٥٢، وشرح الأشموني ١/ ١٦٦، وشرح شواهد المغني ص٦٧٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٤٦، وهمع الهوامع ١/ ١٥٨.
[ ١ / ٣٨٩ ]
"و" لنا "على التعليق" من النثر الفصيح قوله تعالى: " ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ " [سبأ: ٧] فالكاف والميم مفعول أول، وجملة "إنكم لفي خلق جديد" في محل نصب، سدت مسد المفعول الثاني والثالث، والفعل معلق عن الجملة بأسرها باللام، ولذلك كسرت "إن" و"إذا" شرطية، وجوابها محذوف مدلول عليه بـ"جديد" والتقدير: إذا مزقتم تجددون، وجملة الشرط وجوابه معترضة بين المفعول الأول، وما سد مسد المفعولين ولا يصح أن تكون جملة "إن" وما بعدها جواب الشرط؛ لأن الحرف الناسخ لا يكون في أول الجواب إلا وهو مقرون بالفاء نحو: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]، "و" من النظم "قوله": [من الطويل]
٣٢٣-
"حذار فقد نبئت إنك للذي ستجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى"
فـ"حذار" بكسر الراء اسم فعل بمعنى: احذره: و"نبئت" بالبناء للمفعول فعل ماض، والتاء نائب الفاعل، وهو المفعول الأول، وجملة "إنك للذي" في موضع نصب سدت مسد المفعولين، والفعل معلق عنها باللام، ولذلك كسرت "إن".
"قال ابن مالك" في النظم وغيره١: "وإذا كانت: أرى، و: أعلم منقولتين من" "رأى" البصرية و"علم" العرفانية "المتعدي" كل منهما "لواحد تعديًا" بالهمزة "لاثنين، نحو:" أرأيتت زيدًا الهلال، أي: أبصرته إياه، وأعلمت زيدًا الخبر، أي: عرفته إياه، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [الأنفال: ٤٤]، فالكاف والميم مفعول أول، و"ما تحبون" مفعول ثان، وأما: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤] فـ"قليلا" حال لا مفعول ثالث، "و" هذان المفعولان "حكمهما حكم مفعولي "كسا" في الحذف"، لهما أو لأحدهما، "لدليل وغيره"، وفي كون الثاني منهما لا يكون جملة. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٢٢-
وإن تعديا لواحد بلا همز فلاثنين به توصلًا
٢٢٣-
والثاني منهما كثاني اثني كسا
ووجه الشبه بينهما أن الثاني منهما غير الأول، ألا ترى أن "الحكم" غير "زيد"، في قولك: أعلمت زيدًا الحكم، كما أن "الثوب" غير "زيد" في قولك: كسوت زيدًا ثوبًا، فتقول في حذف الأول: أعلمت الخبر ورأيت الهلال، كما تقول: كسوت
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٨١، والدرر١/ ٣٥٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٤٧، وهمع الهوامع ١/ ١٥٧. ١ شرح التسهيل ٢/ ١٠٠، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٥٦٩.
[ ١ / ٣٩٠ ]
ثوبًا، وفي حذف الثاني: أعلمت زيدًا، كما تقول: كسوت زيدًا، وفي حذفهما معًا أعلمت ورأيت كما تقول: كسوت.
"وفي منع الإلغاء والتعليق" في المفعولين معًا؛ لأنهما ليس أصلهما المبتدأ والخبر "قيل: وفيه نظر في موضعين. أحدهما أن "علم" بمعنى: عرف، إنما حفظ نقلها" إلى اثنين: "بالتضعيف لا بالهمزة"، نحو: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] . "و" الموضع "الثاني أن "أرى" البصرية سمع تعليقها بالاستفهام" عن المفعول الثاني، "نحو: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فـ"أرني" فعل دعاء، وياء المتكلم مفعوله الأول، و"كيف تحيي الموتى" جملة استفهامية في موضع نصب على أنها مفعوله الثاني، معلق عن لفظها بالاستفهام بـ"كيف"، وهذا النظر لأبي حيان١.
"وقد يجاب" عن الأول "بالتزام جواز نقل المتعدي لواحد بالهمزة قياسا" على المتعدي لاثنين كما قيس في "نحو: ألبست زيدًا جبة"، على: كسوته جبة، وظاهر كلام الشاطبي أنه سمع في "علم" نقلها بالهمزة إلى اثنين فإنه قال: وأما السماع في المتعدي فكثير، وذكر أمثلة منها: علم الشيء وأعلمته إياي، أي: عرفته إياه، هذا نصه، فسقط القول بأنه إنما حفظ نقلها بالتضعيف لا بالهمزة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ولا حاجة إلى دعوى القياس مع وجود السماع.
"و" قد يجاب عن النظر الثاني "بادعاء أن الرؤية هنا"، أي: في٢: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] "علمية" لا بصرية، كما قال الحوفي في: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] الرؤية رؤية القلب في هذا، ومخرجها مخرج رؤية العين، ويجوز في مثل هذا مع الرؤية، ولا يجوز مع العلم ا. هـ. ذكره في سورة النساء، ولك أن تقول ليس هذا من التعليق في شيء، بل جملة "كيف تحيي" في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: أرني كيفي إحيائك الموتى، كما قال الكوفيون وابن مالك في ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] أن التقدير: وتبين لكم كيفية فعلنا بهم، على أنا لا نسلم امتناع التعليق عن المفعول الثاني في باب "كسا" لجواز أن يقول: اكسني كيف شئت، كما تقول: أرني كيف تفعل؛ لأنه سؤال عن مفعول به. قلته بحثًا، ولم أره مسطورًا، فإن صح سقط النظر الثاني، وصح عموم قول الناظم:
٢٢٣-
والثان منهما كثاني اثني كسا فهو به في كل حكم ذو ائتسا
_________________
(١) ١ البحر المحيط ٢/ ٢٩٧. ٢ سقطت من "ط".
[ ١ / ٣٩١ ]
باب الفاعل:
"الفاعل" لغة من أوجد الفعل، واصطلاحًا "اسم" صريح ظاهر أو مضمر بارز أو مستتر "أو ما في تأويله" أي: الاسم "أسند إليه فعل" تام متصرف أو جامد، "أو ما في تأويله"، أي: الفعل، "مقدم"، أي: الفعل، وما في تأويله على المسند إليه، "أصلي المحل" في التقديم، "و" أصلي "الصيغة. فالاسم" الصريح الظاهر، "نحو: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، والمضمر نحو: تباركت يا الله، والمستتر نحو: أقوم وقم، "والمؤول به"، أي: بالاسم ما اقترن بسابك لفظًا أو تقديرًا، والسابك هنا أنّ وأنْ، وما دون لو وكي، "نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١]، أي: إنزالنا، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، و: [من الوافر]
٣٢٤-
يسر المرء ما ذهب الليالي
أي: ذهابها، ولا يقدر من هذه الأحرف إلا "أنْ" خاصة، نحو: وما راعني إلا يسير، ولا تقدر "أنّ" المشددة، ولا "ما" لعدم ثبوته، ولا يقدر فاعل مؤول بالاسم من غير سابك من هذه الأحرف الثلاثة عند البصريين، خلافًا للكوفيين، ولا حجة لهم في نحو: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]، حيث أولوا "ليسجننه" بالسجن، بفتح السين على أنه فاعل "بدا" لاحتمال أن يكون فاعل "بدا"
_________________
(١) عجز البيت: "وكان ذهابهن له ذهابا" ، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٣٧، والجنى الداني ص٣٣١، والدرر ١/ ١٤٢، وشرح التسهيل ١/ ٢٢٥، ٢/ ١٠٥، وشرح قطر الندى ص٤١، وشرح المفصل ٨/ ١٤٢، ١٤٣، وهمع الهوامع ١/ ٨١.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ضميرًا مستترًا فيه راجعًا إلى المصدر المفهوم منه، والتقدير: ثم بدا لهم بداء، كما جاء مصرحًا به في نحو قول الشاعر: [من الطويل]
٣٢٥-
بدا لي من تلك القلوص بداء
وإليه ذهب المبرد ومن وافقه. "والفعل كما مثلنا" من نحو: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١]، "ومنه" أي: من الفعل نحو: "أتى زيد ونعم الفتى، ولا فرق في ذلك بين المتصرف" كـ"أتى" "والجامد" كـ"نعم"، "والمؤول بالفعل" يشمل اسم الفاعل، "نحو: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ٦٩]، فـ"مختلف" في تأويل يختلف، و"ألوانه" فاعل، وصح إعماله لاعتماده على موصوف محذوف، والتقدير: صنف مختلف ألوانه، ولا فرق في اسم الفاعل بين السالم كما مثل، "و" غير السالم، "نحو: منيرًا وجهه، في قولك: أتى زيد منيرًا وجهه"، وهو المشار إليه في النظم بقوله:
٢٢٥-
الفاعل الذي كمرفوعي أتى زيد منيرًا وجهه نعم الفتى
فـ"أتى" فعل ماض، و"زيد" فاعل، و"منيرًا" حال من "زيد"، و"وجهه" فاعل "منيرًا"، وصح عمله فيه لاعتماده على صاحب الحال وهو "زيد"، وأمثلة المبالغة نحو، ضراب أو ضروب أو مضراب أو ضريب أو ضرب زيد. والصفة المشبهة نحو: زيد حسن الوجه.
واسم التفضيل نحو قوله: [من الخفيف]
٣٢٦-
ما رأيت امرأ أحب إليه الـ ـبذل منه إليك يابن سنان
والمصدر نحو قوله: [من الطويل]
٣٢٧-
ألا إن ظلم نفسه المرء بين
_________________
(١) صدر البيت: "لعلك والموعود حق لقاؤه" والبيت لمحمد بن بشير في ديوانه ص٢٩، والأغاني ١٦/ ٧٧، وخزانة الأدب ٩/ ٢١٣، ٢١٥، والدرر ١/ ٥١٩، وشرح شواهد المغني ص٨١٠، وللشماخ بن ضرار في ملحق ديوانه ص٤٢٧، ولسان العرب ١٤/ ٦٦ "بدا" وبلا نسبة في الخصائص ١/ ٣٤٠، وسمط اللآلي ص٧٠٥، وشرح شذور الذهب ص١٦٧، ومغني اللبيب ص٣٨٨، والهوامع ١/ ٢٤٧.
(٢) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ٣٣٦، وشرح شذور الذهب ص٤١٦، وشرح عمدة الحافظ ص٧٧٣، وشرح قطر الندى ص٢٨٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٢.
(٣) عجز البيت: "إذ لم يصنها عن هوى يغلب العقلا" وهو بلا نسبة في شرح قطر الندى ص٢٦٧.
[ ١ / ٣٩٣ ]
واسم المصدر نحو: عجبت من عطاء الدنانير زيد، واسم الفعل نحو: [من الطويل]
٣٢٨-
فهيهات هيهات العقيق
والظرف وعديله المعتمدين، نحو: "وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابُ" [الرعد: ٤٣]، و﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] قاله أبو حيان. أو اسم موضوع موضع الفعل نحو: إياك أنت وزيد أن تخرجا، ففي إياك ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية، ولذلك أكد بالمنفصل المرفوع وعطف عليه المرفوع، فـ"إياك" وضع موضع "احذر" ا. هـ.
وقولنا: تام مخرج للفعل الناقص، نحو: كان زيد قائمًا فإن "زيد" لا يسمى فاعلًا حقيقة في الاصطلاح. "وقوله: مقدم رافع لتوهم دخول" "زيد" من "نحو: زيد قام"، في حد الفاعل، خلافًا للكوفيين بل "زيد" مبتدأ، "وقام" متحمل لضميره، والجملة خبره، وينبغي أن يقيد ذلك بالاختيار، فقد حكى ابن مالك عن الأعلم وابن عصفور أنهما قالا في: [من الطويل]
٣٢٩-
وقلما وصال على طول الصدود يدوم
إن "وصال" فاعل "يدوم" المذكور، لا محذوف، وإن الذي سوغ ذلك الضرورة١، ا. هـ.
"و" قوله "أصلي المحل" قيد "مخرج لنحو: قائم زيد، فإن" "زيد" فاعلا؛ لأن المسند و"هو "قائم"" مقدم اللفظ. و"أصله التأخير؛ لأنه خبر"، و"زيد" مبتدأ، هذا قول جمهور البصريين، وذهب الأخفش والكوفيون إلى جواز كون "قائم" مبتدأ، وإن لم يعتمد على نفي أو استفهام، و"زيد" فاعل سد مسد الخبر، فعلى قولهم يجب إدخاله في الحد، ولا يحتاج إلى قوله: أصلي المحل، "وذكر" أصالة "الصيغة" قيد "مخرج لنحو: ضرب زيد، بضم أول الفعل وكسر ثانيه، فإنها" صيغة غير أصلية،
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ١٣٩.
(٢) صدر البيت: "صددت وأطولت الصدود وقلما" والبيت للمرار الفقعسي في ديوانه ص٤٨٠، والأزهية ص٩١، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣١، والدرر ٢/ ٢٦٣، ٥٧٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٠٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧١٧، ومغني اللبيب ١/ ٣٠٧، ٢/ ٥٨٢، ٥٩٠، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٤٤، وخزانة الأدب ١/ ١٤٥، والخصائص ١/ ١٤٣، ٢٥٧، وشرح المفصل ٧/ ١١٦، ٨/ ١٣٢، ١٠/ ٧٦، وضرائر الشعر ص٢٠١، والكتاب ١/ ٣١، ٣/ ١١٥، والتصريف ولسان العرب ١١/ ٤١٢ "طول"، ٥٦٤ "قلل"؛ والمحتسب ١/ ٩٦، والمقتضب ١/ ٨٤، والممتع في التصريف ٢/ ٤٨٢، والمنصف ١/ ١٩١، ٢/ ٦٩، وهمع الهوامع ٢/ ٨٣، ٢٢٤. ١ انظر ضرائر الشعر ص٢٠١، وشرح التسهيل ٢/ ١٠٩.
[ ١ / ٣٩٤ ]
لأنها "مفرعة عن "ضرب"، بفتحهما" على الصحيح عند جمهور البصريين، فـ"زيد" ليس فاعلا بل نائب عن الفاعل، وعلى القول بأنها صيغة أصلية تحتاج إلى قيد لإخراج نائب الفاعل، ومخرج لنحو: مضروب زيد، فإنها مفرعة عن ضارب، ومخرج لنحو: أعجبني قراءة في الجامع القرآن. فالمصدر هنا بمعنى المفعول١؛ لأنه واقع موقع فعل مبني للمفعول، فصيغته مفرعة عن صيغة المبني للفاعل تقديرًا، والقرآن نائب الفاعل به، والتقدير: يعجبني أن يقرأ في الجامع القرآن، وسم الحد بعد ذلك للفاعل.
"وله أحكام" سبعة: "أحدها: الرفع"؛ لأنه عمدة إذ لا يستغني الكلام عنه، ورافعه المسند وفاقًا لسيبويه٢ لا الإسناد خلافًا لخلف الأحمر٣، وقد ينصب شذوذا إذا فهم المعنى، سمع من كلامهم: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر، برفع أولهما، ونصب ثانيهما، وجعله ابن الطراوة قياسًا مطردًا، واستأنس له بعضهم بقراءة عبد الله بن كثير: "فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ" [البقرة: ٣٧]، بنصب "آدم"، ورفع "كلمات٤"، وفيه نظر، لإمكان حمله على الأصل؛ لأن من تلقى شيئًا فقد تلقاه الآخر.
"وقد يجر لفظًا بإضافة المصدر نحو: ﴿لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١] فـ"الله" فاعل، و"الناس" مفعول، والتقدير: ولولا أن يدفع الله الناس، "أو" يجر بإضافة "اسمه"، أي: المصدر، "نحو" قول عائشة ﵂: "من قبلة الرجل امرأته الوضوء"٥ فـ"الوضوء" مبتدأ مؤخر، و"من قبلة الرجل" خبر مقدم و"قبلة" بضم القاف اسم مصدر قبل، و"الرجل" فاعله، "وامرأته" مفعول، وسيأتي أن اسم المصدر غير العلم والميمي إنما يعمل عند الكوفيين والبغداديين، "أو" يجر "بـ"من" أو الباء الزائدتين". فالأول "نحو: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: ما جاءنا بشير. والثاني نحو: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] أي: كفى الله.
والثالث نحو: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، أي: هيهات ما توعدون.
_________________
(١) ١ في "ب": "مبني". ٢ الكتاب ١/ ٣٣، ٣٤. ٣ الارتشاف ٢/ ١٨٠، والمساعد ١/ ٣٨٦. ٤ وقرأها كذلك: ابن عباس ومجاهد، والرسم المصحفي برفع "آدم" ونصب "كلمات"، انظر الإتحاف ص١٣٤، والنشر ٢/ ٢١١. ٥ الموطأ ص٤٠.
[ ١ / ٣٩٥ ]
الحكم "الثاني: وقوعه بعد المسند" وهذا مستفاد من قوله في الحد مقدم، أي: على الفاعل، ولكن ذكره توطئه لقوله: "فإن وجد" في اللفظ "ما ظاهره أنه فاعل تقدم" على المسند" "وجب تقدير الفاعل ضمير مستترًا" في المسند، "وكون" المسند إليه "المقدم إما مبتدأ في نحو: زيد قام" ففي "قام" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية عائد على "زيد" و"زيد" مبتدأ، و"قام" وفاعله خبر "زيد"، "وإما فاعلًا" حال كونه "محذوف الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، فـ"أحد" مبتدأ، و"استجارك" خبره من غير حذف؛ "لأن أداة الشرط" موضوعة لتعليق فعل بفعل فهي "مختصة بالجمل الفعلية" على الأصح عند جمهور البصريين خلافًا للأخفش١ والكوفيين فيجوز عندهم أن يكون "أحد" مبتدأ، وسوغ الابتداء به تقدم الشرط عليه أو نعته بالمجرور بعده، و"استجارك" خبره "وجاز الأمران" الابتدائية والفاعلية "في نحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ " [التغابن: ٦] فـ"بشر" يجوز أن يكون مبتدأ، وسوغ الابتداء به تقدم الاستفهام عليه، وجملة "يهدوننا" خبره، ويجوز أن يكون فاعلًا بفعل محذوف يفسره "يهدوننا" والتقدير: أيهدينا بشر يهدوننا، والأرجح الفاعلية؛ لأن الغالب في الهمزة دخولها على الأفعال، "و" جاز الأمران في: " ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ " [الواقعة: ٥٩]، فـ"أنتم" يجوز أن يكون مبتدأ، و"تخلقونه" خبره، ويجوز أن يكون فاعل فعل محذوف يفسره المذكور، والأصل: أتخلقون تخلقونه، فحذف الفعل احترازًا عن العبث لوجود المفسر، ثم أبدل من الضمير المتصل به ضميرًا منفصلا على ما هو القانون عند حذف العامل، "والأرجح الفاعلية"؛ لأن الاستفهام بالفعل أولى منه بالاسم، وعورض بأن في الفعلية تخالفًا في عطف جملة٢ ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] عليه، وفي الابتدائية تناسبًا، والتناسب أولى من التخالف، ومن ثم قال الموضح٢، في المغنى٣: وتقدير الاسمية في "أأنتم تخلقونه" أرجح منه في "أبشر يهدوننا" لمعادلتها الاسمية وهي "أم نحن الخالقون".
وهذه الأرجحية وإن كانت بالنسبة إلى شيء خاص مطلوبة في الجملة لأجل المعادلة، وإذا تعارض المرجحان تساقطا، وبقي الوجهان على السواء، وما ذكره من
_________________
(١) ١ انظر معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٥٠، وشرح التسهيل ٢/ ١١٠. ٢ سقطت من "ب". ٣ مغني اللبيب ص٤٩٥.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وجوب تأخير الفاعل عن المسند وهو مذهب البصري "وعن الكوفي جواز تقديم الفاعل" عن المسند "تمسكًا بنحو قول الزباء" بفتح الزاي والباء الموحدة المشددتين والمد، ملكة الجزيرة، وتعد من ملوك الطوائف: [من الرجز]
٣٣٠-
"ما للجمال مشيها وئيدا" أجندلا يحملن أم حديدًا
وجه التمسك أن "مشيها" روي مرفوعًا، ولا جائز أن يكون مبتدأ إذ لا خبر له في اللفظ إلا "وئيدًا" وهو منصوب على الحال فتعين أن يكون فاعلًا بـ"وئيدًا" مقدمًا عليه فقد تقدم الفاعل على المسند وهو المدعي، و"وئيدًا" بفتح الواو وكسر الهمزة وبعدها ياء مثناة تحت فدال مهملة التؤدة، قاله الجوهري١ وفي القاموس٢: الوئيد الرزانة والتأني. "وهو عندنا" معشر البصريين "ضرورة" تبيح تقديم الفاعل على المسند كما تقدم، "أو "مشيها" مبتدأ حذف خبره" لسد الحال مسده، "أي: يظهر "وئيدًا"، كقولهم: حكمك مسمطًا٣" فـ"حكمك" مبتدأ حذف خبره لسد الحال مسده، "أي: حكمك لك مثبتًا قبل أو "مشيها" بدل من ضمير الظرف" المنتقل إليه بعد حذف الاستقرار. وذلك أن "ما" الاستفهامية في محل رفع على الابتداء، و"للجمال" خبره، وهو جار ومجرور، وفيه ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية عائد على "ما"، وهذه التخريجات ضعيفة، أما الضرورة فلا داعي إليها لتمكنها من النصب على المصدرية، أو الجر على البدلية من "الجمال" بدل شتمال، وأما الابتدائية فتخريج على شاذ، كما مر في بابه، وأما الإبدال من الضمير؛ فلأنه إما بدل أو اشتمال، وكلاهما لا بد فيه من ضمير يعود على المبدل منه لفظًا أو تقديرًا، وعلى تقدير تكلفه ففيه ضعف من وجه آخر، وهو أن الضمير المستتر في الظرف ضمير "ما" الاستفهامية، وإذا أبدل "مشيها"
_________________
(١) الرجز للزباء في لسان العرب ٣/ ٤٤٣، "وأد" ٣/ ١٩٣، "صرف" ١٠٠/ ١٤٨، "زهق" وأدب الكاتب ص٢٢٢، والأغاني ١٥/ ٢٥٦، وأوضح المسالك ٢/ ٨٦، وجمهرة اللغة ص٧٤٢، ١٢٣٧، وخزانة الأدب ٧/ ٢٩٥، والدرر ١/ ٣٥٥، وشرح الأشموني ١/ ١٦٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩١٢، وتاج العروس ٩/ ٢٤٨، "وأد"، ٢٤/ ١٧ "صرف"، وشرح عمدة الحافظ ص١٧٩، ومغني اللبيب ٢/ ٥٨١، وللزباء أو للخنساء في المقاصد النحوية ٢/ ٤٤٨، وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ١٥٩، ومقاييس اللغة ٦/ ٧٨، وكتاب العين ٧/ ١١١، وأساس البلاغة "وأد". ١ الصحاح "وأد". ٢ القاموس المحيط "وأد". ٣ المثل في مجمع الأمثال ١/ ٢١٢، وجمهرة الأمثال ١/ ٣٤١، ٣٧٤.
[ ١ / ٣٩٧ ]
منه وجب أن يقترن بهمزة الاستفهام؛ لأن حكم ضمير الاستفهام حكم ظاهر كما صرح به في المغني١.
فإن قلت: ما فائدة الخلاف بين أهل البلدين؟ قلت: فائدته تظهر في التثنية والجمع، فتقول على رأي الكوفيين الزيدان قام، والزيدون قام، بالإفراد فيهما، ولا يجوز ذلك على رأي البصريين، بل لا بد من الضمير المطابق في "قام"٢.
الحكم "الثالث" من أحكام الفاعل: "أنه" عمدة "لا بد منه" لأن المسند حكم، ولا بد للحكم من محكوم عليه "فإن ظهر" الفاعل "في اللفظ" بأن نطق به ظاهرًا كان أو مضمرًا "نحو: قام زيد والزيدان قاما، فذاك" واضح "وإلا" يظهر في اللفظ "فهو ضمير مستتر راجع إما لمذكور" متقدم على المسند "كزيد قام، كما مر" في الحكم الثاني، ففي "قام" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية راجع إلى "زيد" المذكور قبله "أو" راجع "لما دل عليه الفعل" المسند المستتر فيه الضمير، "كالحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" ٣.
ففي "يشرب" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية راجع إلى "الشارب" الدال عليه "يشرب" بالالتزام، "أي: ولا يشرب هو، أي: الشارب"؛ لأن "يشرب" يستلزم شاربًا، بالإلتزام، "أي: ولا يشرب هو، أي: الشارب"؛ لأن "يشرب" يستلزم شاربًا، وحسن ذلك تقدم نظيره وهو "لا يزني الزاني"، وليس براجع إلى "الزاني" لفساد المعنى، "أو" راجع "لما دل عليه الكلام، أو" دل عليه "الحال المشاهدة"، فالأول "نحو: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي﴾ [القيامة: ٢٦]، ففي "بلغت" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية راجع إلى "الروح" الدال عليها سياق الكلام، "أي: إذا بلغت" هي، أي: "الروح"، و"التراقي" أعالي الصدر. "و" الثاني: "نحو قولهم" أي: العرب "إذا كان غدا فأتني"، بنصب "غدًا"، و"قوله" وهو سوار بن المضرب حين هرب من الحجاج خوفا على نفسه: [من الطويل]
٣٣١-
"فإن كان لا يرضيك حتى تردني" إلى قطري لا إخالك راضيا
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٧٥٨. ٢ انظر شرح ابن عقيل ١/ ٤٥٦. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الحدود برقم ٦٤٠٠.
(٢) البيت لسوار بن المضرب في المقاصد النحوية ٢/ ٤٥١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٩٠، وخزانة الأدب ١٠/ ٤٧٩، والخصائص ٢/ ٤٣٣، وشرح الأشموني ١/ ١٦٩، وشرح المفصل ١/ ٨٠، والمحتسب ٢/ ١٩٢، وشرح التسهيل ٢/ ١٢٣، ٣/ ٢٦٤.
[ ١ / ٣٩٨ ]
ففي "كان" فيهما ضمير مستتر مرفوع بـ"كان" مدلول عليه بالحال المشاهدة فيهما، "أي: إذا كان هو، أي: ما نحن الآن عليه من سلامة" في غد، هذا في المثال، "و" في البيت، "فإن كان هو، أي: ما تشاهده مني" ففيه لف ونشر على الترتيب، ويجوز في "كان" فيهما أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة، فإن جعلتها ناقصة كان "غدًا" في المثال و"لا يرضيك" في البيت في موضع خبرها، وإن جعلتها تامة كان "غدًا" منصوبا على الظرفية متعلقًا بـ"كان"، و"لا يرضيك" في موضع الحال من فاعل "كان"، وحكى سيبويه١: إذا كان غد، بالرفع على أنه فاعل "كان" وقد قيل: إن النصب لغة تميم، والرفع لغة غيرهم، وقطري، بفتح القاف والطاء المهملة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف هو قطري بن الفجاءة الخارجي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٢٦-
وبعد فعل فاعل فإن ظهر فهو وإلا فضمير استتر
ففهم منه أنه لا يجوز حذف الفاعل.
"وعن الكسائي إجازة حذفه٢" وتبعه السهيلي "تمسكًا بنحو ما أولناه" من الآية والحديث والمثال والبيت.
ويطرد حذف الفاعل في أربعة مواضع في باب النائب عن الفاعل، نحو: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [يوسف: ٤١]، وفي الاستثناء المفرغ نحو: ما قام إلا هند، وفي "أفعل" بكسر العين في التعجب إذ دل عليه متقدم مثله، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]، وفي المصدر نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤، ١٥] .
الحكم "الرابع: أنه يصح حذف فعله" جوازًا "إن أجيب به نفي كقولك: بلى زيد" جوابًا "لمن قال: ما قام أحد"، فـ"زيد" فاعل فعل محذوف دل عليه مدخول النفي، والجملة فعلية، "أي: بلى قام زيد" ليطابق الجواب مدخول النفي في الفعلية، ولو جعل مبتدأ حذف خبره لم يطابق، "ومنه قوله:" [من الطويل]
٣٣٢-
"تجلدت حتى قيل لم يعر قلبه من الوجد شيء قلت بل أعظم الوجد"
فـ"أعظم الوجد" فاعل فعل محذوف، دل عليه مدخول النفي، والتقدير: بل عراه أعظم الوجد، و"تجلدت" من التجلد، وهو التصبر على الهموم ونحوها، "ولم يعر"
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٢٤. ٢ في شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٠٠: "أجاز الكسائي وحده حذف الفاعل إذ دل عليه دليل".
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٩٢، وتخليص الشواهد ص٤٧٨، وشرح الأشموني ١/ ١٧٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٥٣، وشرح التسهيل ٢/ ١٢٠.
[ ١ / ٣٩٩ ]
بالعين والراء المهملتين، من: عراه الأمر: إذا غشيه، و"قلبه" مفعول "يعر" و"شيء" فاعله، و"بل" للإضراب، و"أعظم الوجد" شدة الشوق.
"أو" أجيب به "استفهام محقق"، أي: ملفوظ به، "نحو: نعم زيد، جوابًا لمن قال: هل جاءك أحد؟ " فـ"زيد" فاعل فعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام، ولم يجعله مبتدأ حذف خبره لفوات مطابقة الجواب للسؤال، "ومنه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ " [الزخرف: ٨٧]، فـ"الله" فاعل بفعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام، والتقدير: خلقنا الله؛ لأن مثل هذا الكلام عند تحقق ما فرض من الشرط والجزاء يكون جوابًا عن سؤال محقق، قاله التفتازاني١، وهو متعين لأن القضية الشرطية لا تستدعي الوقوع ولا عدمه، ثم قال: والدليل على أن المرفوع فاعل فعل محذوف لا مبتدأ أنه جاء عند عدم الحذف كذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] ا. هـ.
وهو معارض بالمثل، فيقال: والدليل على أنه مبتدأ أنه قد جاء كذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]، إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٦٤] وما يقال: إنه قدم لإفادة الاختصاص ممنوع؛ لأن الفاعل لا يجوز تقديمه على عامله على الأصح، والأحسن أن يقال إن الجملة الفعلية في هذا الباب أكثر فالحمل عليها أولى وإن كانت لا تطابق جملة السؤال في الاسمية.
"أو" أجيب به استفهام "مقدر" يدل على تقديره لفظ الفعل المبني للمفعول، قاله السيد عبد الله، "كقراءة الشامي وأبي بكر٢: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ" [النور: ٣٦، ٣٧]، فـ"يسبح" مضارع مبني للمفعول، و"له" نائب الفاعل، وأوجبه الخفاف لخفاء الإعراب، وعدم القرينة.
وقال الموضح في الحواشي لا يجب، بل هو أولى مما بعده. و"الآصال" جمع أصل، بضمتين، و"أصل" جمع أصيل، ويجمع آصال على أصائل، و"رجال" فاعل فعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام المقدر، وكأنه لما قيل: يسبح له فيها بالغدو والآصال، قيل: من يسبحه، فقيل، يسبحه رجال، ثم حذف الفعل لإشعار "يسبح" المبني للمفعول به، ولا يصح إسناد "رجال" إلى الفعل المذكور المبني للمفعول لفساد المعنى؛ لأن الرجال ليسوا مسبحين، بفتح الباء، بل مسبحين بكسرها، فالوقف دونهم.
_________________
(١) ١ انظر المطول "شرح التلخيص" ٢/ ١٤. ٢ انظر القراءة في النشر ٢/ ٣٣٢.
[ ١ / ٤٠٠ ]
"وقوله": وهو ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد بن نهشل، كما قال التفتازاني١ والنيلي، وقال أبو عبيدة: وهو مهلهل، وقال العيني٢: هو نهشل، وقال بعضهم٣: هو الحارث بن نهيك النهشلي: [من الطويل]
٣٣٣-
"ليبك يزيد ضارع لخصومة" ومختبط مما تطيح الطوائح
فـ"ضارع" فاعل فعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام المقدر، كأنه قيل: من يبكيه: فقيل: ضارع، أي: يبكيه ضارع، ثم حذف الفعل. كما قيل: إن "رجال" فاعل فعل محذوف، "أي: يسبحه رجال، ويبكيه ضارع"، و"يزيد" نائب فاعل "يبك" المجزوم بلام الأمر، والضارع الفقير الذليل، والمختبط: الذي يأتي إليك للمعروف من غير وسيلة، وتطيح من الإطاحة، وهي: الإذهاب والإهلاك، والطوائح: جمع مطيحة على غير قياس، كلواقح جمع ملقحة، والقياس المطاوح والملاقح، و"من" تعليلية متعلقة بـ"مختبط"، و"ما" مصدرية، والمعنى: ليبك يزيد رجلان ذليل ومتوقع معروف لأجل إذهاب المنايا بيزيد، ويروى: ليبك: ببناء الفعل للفاعل، و"يزيد" مفعوله، و"ضارع" فاعله، وفي كل من الروايتين وجه حسن. أما الأولى فمن جهة جعل "يزيد" الذي هو ملاذ الضعفاء في صورة العمدة وأما الثانية فمن جهة عدم الحذف.
"وهو" أي: حذف فعل الفاعل كما في الآية والبيت "قياسي، وفاقًا للجرمي٤" بفتح الجيم، نسبة إلى بني جرم قبيلة مشهورة، واسمه صالح بن إسحاق، وكنيته أبو عمرو، "وابن جني٥"، بكسر الجيم وإسكان الياء ليس منسوبًا، وإنما هو معرب،
_________________
(١) ١ انظر المطول ٢/ ١٤. ٢ المقاصد النحوية ٢/ ٤٥٤. ٣ خزانة الأدب ١/ ٣٠٣.
(٢) البيت للحارث بن نهيك في خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، وشرح شواهد الإيضاح ص٩٤، وشرح المفصل ١/ ٨٠، والكتاب ١/ ٢٨٨، وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه ص٣٦٢، ولنهشل بن حري في خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، ولضرار بن نهشل في الدرر ١/ ٣٥٨، ومعاهد التنصيص ١/ ٢٠٢، وللحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه ١/ ١١٠، ولنهشل أو للحارث أو لضرار أو لمزرد بن ضرار أو للمهلهل في المقاصد النحوية ٢/ ٤٥٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٤٥، ٧/ ٢٤، وشرح ابن الناظم ص١٦١، وأمالي ابن الحاجب ص٤٤٧، ٧٨٩، وأوضح المسالك ٢/ ٩٣، وتخليص الشواهد ص٤٧٨، وخزانة الأدب ٨/ ١٣٩، والخصائص ٢/ ٣٥٣، ٤٢٤. ٤ الارتشاف ٢/ ١٨١. ٥ الخصائص ٢/ ٤٢٤، وانظر الارتشاف ٢/ ١٨١، ١٨٢.
[ ١ / ٤٠١ ]
كني، واسمه أبو الفتح، وهما من البصريين أجاز: أُكل الطعام زيد، وشرب الماء عمرو، بالبناء للمفعول فيهما، ومذهب الجمهور أنه لا ينقاس١، والمرفوع في الآية والبيت خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: المسبح له رجال، والباكي ضارع صرح بالتقدير الأول أبو حيان٢، وبالثاني صاحب البسيط.
"و" على القياس "لا يجوز في نحو: يوعظ" بالبناء للمفعول "في المسجد رجل" أن يجعل "رجل" فاعل فعل محذوف، "لاحتماله للمفعولية"، والرفع بالنيابة عن الفاعل، فيقع اللبس، فيجب أن يكون مرفوعًا على النيابة عن الفاعل، "بخلاف: يوعظ في المسجد رجال زيد"، فإنه يجوز أن يجعل "زيد" فاعل فعل محذوف لعدم احتماله للمفعولية؛ لأن الفعل المبني للمفعول رفع "رجال" على النيابة عن الفاعل ونائب الفاعل لا يكون إلا واحدا، كالفاعل، وكأنه لما قيل: من يعظهم قيل: زيد، أي: يعظهم زيد، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٢٩-
ويرفع الفاعل فعل أضمرا كمثل زيد في جواب من قرا
"واستلزمه"، أي: استلزم الفعل الرافع للفاعل "ما" ذكر "قبله" من فعل "كقوله" وهو الفرزدق: [من الطويل]
٣٣٤- "غداة أحلت لابن أصرح طعنة
حصين عبيطات السدائف والخمر"
فـ"الخمر" مرفوع بفعل محذوف يستلزمه "أحلت"، "أي: وحلت له الخمر؛ لأن: أحلت" المزيد "يستلزم: حلت" المجرد، وحكي أن الكسائي سئل بحضرة يونس بن حبيب عن توجيه رفع "الخمر" في هذا البيت فقال: بإضمار فعل، أي: وحلت الخمر، فقال يونس: ما أحسن والله ما وجهته غير أني سمعت الفرزدق: ينشده بنصب "طعنة"، ورفع "عبيطات" على جعل الفاعل مفعولًا، نقله محمد بن سلام، و"غداة" نصب على الظرفية، و"طعنة" فاعل "أحلت" و"حصين" بالجر بدل من "ابن أصرم"، أو عطف بيان عليه، "وعبيطات" مفعول "أحلت"، والعبيط، بالعين المهملة: الطري من اللحم، و"السدائف" بالسين المهملة والفاء آخره: سقف السنام، وغيره مما غلب
_________________
(١) ١ الارتشاف ٢/ ١٨١. ٢ الارتشاف ٢/ ١٨٢.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٢٥٤، وسمط اللآلي ص٣٦٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٥٦، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٨٧، وأوضح المسالك ٢/ ٩٦، وشرح المفصل ١/ ٣٢، ٨/ ٧٠، وشرح التسهيل ٢/ ١١٩، ٣/ ٢٥٤.
[ ١ / ٤٠٢ ]
عليه السمن، وكان حصين بن أصرم قد قتل له قريب فحرم على نفسه شرب الخمر، وأكل اللحم الطري حتى يقتل قاتل قريبه، فلما طعنه وقتله أحلت له الطعنة شرب الخمر وأكل اللحم الطري.
"أو فسره" أي: فسر الفعل الرافع للفاعل "ما بعده" من فعل نحو: " ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] فـ"أحد" فاعل فعل محذوف يفسره "استجارك" والتقدير: وإن استجارك أحد استجارك. "والحذف في هذه" الصورة الآخيرة "واجب"؛ لأن "استجارك" المذكور كالعوض من "استجارك" المحذوف ولا يجمع بين العوض والمعوض. وتقدم الخلاف فيهما.
والحكم "الخامس" من أحكام الفاعل "أن فعله" وما هو بمنزلته "يوحد مع تثنيته وجمعه، كما يوحد مع إفراده، فكما تقول: قام أخوك" وأقائم أخوك، "كذلك تقول: قام أخواك" وأقائم أخواك. "وقام إخوتك"، وأقائم إخوتك. "وقام نسوتك" وأقائم نسوتك، بتوحيد المسند في الجميع؛ لأنه لو قيل: قاما أخواك وقاموا إخوتك، وقمن نسوتك، لتوهم أن الاسم الظاهر مبتدأ مؤخر، وما قبله فعل وفاعل خبر مقدم، وكذا في تثنية الوصف وجمعه، فالتزم توحيد المسند دفعًا لهذا الإيهام، وهذا هو الفرق بين التثنية والجمع، وبين التأنيث حيث ألحقوا علامة للتأنيث دون علامتي التثنية والجمع؛ لأن علامة التأنيث ليست بعلامة إضمار فلا تلتبس بعلامة الإضمار، ولغة التوحيد هي الفصحى، وبها جاء التنزيل: "قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ [المائدة: ٢٣] ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ [الفرقان: ٨]، ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠] وإليها أشار الناظم بقوله:
٢٢٧-
وجرد الفعل إذا ما أسندا لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
"وحكى البصريون عن طيئ، و" حكى "بعضهم عن أزد شنوءة"، بفتح الهمزة وسكون الزاي أو السين، قال في الصحاح١: أزد: أبو حي من اليمن، وهو بالسين أفصح، يقال: أزد شنوءة وأزد عمان وأزد السراة. واختلف في تسميته أزدا وأسدا، فقيل: لأنه كثير العطاء، فقيل له ذلك لكثرة من يقول: أسدي إلى كذا، أو أزدي إلى كذا.
وقيل: لأنه كان كثير النكاح، والأزد والأسد: النكاح، وشنوءة بفتح الشين المعجمة وضم النون وفتح الهمزة، "نحو: ضربوني قومك وضربنني نسوتك وضرباني أخواك"، وفي
_________________
(١) ١ الصحاح "أزد".
[ ١ / ٤٠٣ ]
الحديث "أو مخرجي هم" ١ قاله -ﷺ- لما قال له ورقة بن نوفل: "وددت أن أكون معك إذ يخرجك قومك"، والأصل: أومخرجوي هم، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، "وقال" عمرو بن ملقط الجاهلي: [من السريع]
٣٣٥-
"ألفيتا عيناك عند القفا" أولى فأولى لك ذا واقيه
فـ"ألفيتا" بالبناء للمفعول فعل ماض، و"عيناك" نائب الفاعل، فألحق الفعل علامة التثنية مع إسناده إلى الظاهر، ونائب الفاعل كالفاعل، و"عند" ظرف بمعنى: قرب، متعلق بـ"ألفيتا" و"ذا واقيه" حال من مضاف إليه، وهو الكاف، و"واقيه" مصدر معناه الواقية كالكاذبة مصدر معناه الكذب: "وأولى فأولى لك" دعاء، أي: قاربك، وهذ البيت يصف به رجلا يهرب إذا اشتد الوطيس فهو يلتفت إلى ورائه مخافة يتبع فتلفى عيناه عند قفاه من شدة الالتفات، "وقال" أمية: [من المتقارب]
٣٣٦-
"يلومونني في اشتراء النخيـ ـل أهلي فكلهم ألوم"
فـ"أهلي" فاعل "يلومونني" فألحق الفعل علامة الجمع مع أنه مسند إلى الظاهر، و"اشتراء" مصدر مضاف إلى مفعوله، وحذف فاعله، ويروى: اشترائي النخيل بإضافة المصدر إلى فاعله، ونصب مفعوله، و"كلهم" مبتدأ، و"ألوم" بفتح الواو غير مهموز خبره، وهو اسم تفضيل من ليم، بالبناء للمفعول، كقيل، أي: وكلهم أكثر ملومية، واللوم: العذل، ويروى: وكلهم يعذل، وبعده٢:
وأهل الذي باع يلحونه كما لحي البائع الأول
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في بدء الوحي برقم ٣.
(٢) البيت لعمرو بن ملقط في تخليص الشواهد ص٤٧٤، وخزانة الأدب ٩/ ٢١، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٣١، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٥٨، ونوادر أبي زيد ص٦٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٩٨، ورصف المباني ص١٩، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٧١٨، وشرح المفصل ٣/ ٨٨، والصاحبي في فقه اللغة ص١٧٧، ومغني اللبيب ٢/ ٣٧١.
(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص٤٨، والدرر ١/ ٣٥٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٦٣، وأوضح المسالك ٢/ ١٠٠، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٢٩، وشرح الأشموني ١/ ٧٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٨٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٧٠، وشرح المفصل ٣/ ٨٧، ٧/ ٧، ومغني اللبيب ٢/ ٣٥٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٠، وهمع الهوامع ١/ ١٦٠. ٢ ورد هذا البيت في الدرر ١/ ٣٥٧.
[ ١ / ٤٠٤ ]
"وقال" آخر: [من الكامل]
٣٣٧-
"نتج الربيع محاسنًا ألقحنها غير السحائب"
فـ"غر" جمع غراء، ومؤنث أغر، بمعنى أبيض، فاعل ألقح، وألقحه علامة جمع المؤنث وهي النون، و"السحائب" جمع سحابة، والفعل والفاعل نعت "محاسنًا"، و"محاسن" جمع محسن كـ: مساوئ جمع مسوأ على غير قياس، والوصف في ذلك كالفعل، إلا أن الوصف إذا أسند إلى جماعة الإناث لحقه الألف والتاء دون النون، نحو: أقائمات الهندات.
"والصحيح" عند سيبويه١ ومتابعيه "أن الألف والواو والنون في ذلك" المسموع "أحرف"، وأن طيئًا وأزد شنوءة "دلوا بها على التثنية والجمع" تذكيرا وتأنيثًا، "كما دل الجميع" من العرب "بالتاء في "قامت" على التأنيث" بجامع الفرعية عن الغير، فالمثنى والجمع فرع الإفراد، كما أن المؤنث فرع المذكر. قال سيبويه٢: واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، فشبهوا هذا بالتاء التي يظهرونها في: قالت فلانة، فكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة كما جعلوا للمؤنث علامة، ثم قال: وهي لغة قليلة. وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٢٢٨-
وقد يقال سعدا وسعدوا والفعل للظاهر بعد مسند
"لا أنها ضمائر للفاعلين، وما بعدها" من الظواهر مبتدأ وهي ما قبلها خبر "على التقديم" للخبر، "والتأخير" للمبتدأ "أو" ما بعدها "تابع" لها "على الإبدال من الضمير" بدل كل من كل. "و" الصحيح أيضًا "أن هذه اللغة" وهي إلحاق العلامات "لا تمتنع من المفردين أو المفردات المتعاطفة" بغير "أو" خلافًا لزاعمي ذلك"، بكسر ميم الجمع، أي: خلافًا لمن زعم أن الظواهر مبتدآت، ولمن زعم أنها إبدال، ولمن زعم امتناع هذه اللغة مع المتعاطفات، وإنما كان الصحيح أنها أحرف لا ضمائر "لقول الأئمة" من أهل اللغة "إن ذلك لغة لقوم معينين، وتقديم الخبر" كما يقول به الأول "والإبدال" من الضمير كما يقول به الثاني يجيزهما جميع العرب "ولا يختصان بلغة قوم بأعيانهم"، قاله ابن مالك في شرح التسهيل٣، وإنما كان الصحيح أن هذه اللغة لا تمتنع
_________________
(١) البيت لأبي فراس الحمداني في ديوانه ص٢٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٠٢، والدرر ١/ ٣٥٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٠، وهمع الهوامع ١/ ١٦٠. ١ الكتاب ٢/ ٣٦. ٢ الكتاب ٢/ ٤٠. ٣ شرح التسهيل ٢/ ١١٧، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٥٨١.
[ ١ / ٤٠٥ ]
مع المتعاطفات "لمجيء قوله" وهو عبيد الله بن قيس الرقيات يرثي مصعب بن الزبير بن العوام ﵄: [من الطويل]
٣٣٨-
تولى قتال المارقين بنفسه "وقد أسلماه مبعد وحميم"
فألحق علامة التثنية وهي الألف في "أسلماه" مع المتعاطفين وهما "مبعد وحميم" و"المارقين"، الخوارج، من: مرق السهم مروقًا إذا خرج من الجانب الآخر، و"أسلماه": خذلاه، يقال: أسلمت فلانًا إذا لم تعنه ولم تنصره على عدوه، و"المبعد": اسم مفعول من الإبعاد، والمراد به الأجنبي من النسب، و"الحميم": القريب. "وقوله" وهو عروة بن الورد يمدح الغنى ويذم الفقر: [من الوافر]
٣٣٩-
ذريني للغنى أسعى فإني رأيت الناس شرهم الفقير
وأحقرهم وأهونهم عليه "وإن كانا له نسب وخير"
فألحق علامة التثنية وهي الألف في "كانا" مع المتعاطفين وهما "نسب وخير" بكسر الخاء المعجمة أي: الكرم، والمعنى: وإن كان للفقير نسب وكرم فهو أحقر الناس وأهونهم لأجل فقره، وبهذين البيتين رد أبو حيان على الخضراوي حيث قال: لا نعلم أحدًا يجيز: قاما زيد وعمرو، ولا قاموا زيد وعمرو وبكر، وقال الموضح في المغني١: وليس الرد بشيء؛ لأنه يمنع التخريج لا التركيب ا. هـ.
والحكم "السادس" من أحكام الفاعل: "أنه إن كان مؤنثًا أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي"، جامدًا كان أو متصرفًا، تاما كان أو ناقصًا، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٢٣٠-
وتاء تأنيث تلي الماضي إذا كان لأنثى
"وبتاء المضارعة في أول المضارع" ولم يتعرض له في النظم، "ويجب ذلك" التأنيث "في مسألتين: أحدهما: أن يكون" الفاعل "ضميرًا متصلًا" لغائية حقيقية التأنيث أو مجازيته، ونعني بحقيقي التأنيث ما له فرج، والمجازي خلافه فالحقيقة:
_________________
(١) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات في ديوانه ص١٩٦، وتخليص الشواهد ٤٧٣، والدرر ١/ ٣٥٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٨٤، ٧٩٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٠٦، والجنى الداني ص١٧٥، وجواهر الأدب ص١٠٩، وشرح ابن الناظم ص١٥٩، وشرح الأشموني ١/ ١٧٠، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٦٩، ومغني اللبيب ٢/ ٣٦٧، ٣٧١، وهمع الهوامع ١/ ١٦٠.
(٢) البيتان لعروة بن الورد في ديوانه ص٩١، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٢. ١ مغني اللبيب ص٤٨١.
[ ١ / ٤٠٦ ]
"كـ: هند قامت أو تقوم، و" المجازية نحو: " الشمس طلعت أو تطلع"، وإنما وجب تأنيث الفعل في ذلك لئلا يتوهم أن ثم فاعلًا مذكرًا منتظرًا إذ يجوز أن يقال، هند قام أبوها، والشمس طلع قرنها، "بخلاف" الضمير "المنفصل، نحو:" هند "ما قام" إلا هي، "أو ما يقوم إلا هي"، والشمس ما طلع إلا هي، أو ما يطلع إلا هي، فالتذكير واجب في النثر لعدم التوهم المذكور؛ لأن الفعل لا يكون له فاعلان، وبخلاف قول المرأة الحاضرة: قمت أو أقوم، فإنه لا يمكن تأنيثه، وإن كان ضميرًا متصلًا لمؤنث "و" تاء التأنيث "يجوز تركها في الشعر" مع اتصال الضمير:"إن كان التأنيث مجازيا"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٣٤-
ومع ضمير ذي المجاز في شعر وقع
"كقوله" وهو عامر بن جوين الطائي يصف سحابة وأرضا نافعتين١: [من المتقارب]
٣٤٠-
فلا مزنة ودقت ودقها "ولا أرض أبقل إبقالها"
وكان القياس "أبقلت"؛ لأن الفاعل ضمير مؤنث متصل، ولكنه حذف التاء للضرورة، وقال ابن كيسان: يجوز ترك التاء في الكلام النثر، يقال: الشمس طلع، كما يقال: طلع الشمس؛ لأن التأنيث مجازي ولا فرق بين المضمر والظاهر، واستدل على ذلك بأن الشاعر كان يمكنه أن يقول: أبقلت إبقالها، بالنقل، فلما عدل عن ذلك مع تمكنه منه دل على أنه مختار لا مضطر: وأجيب بأنه إنما يثبت ما ذكره بعد ثبوت أن هذ الشاعر ممن يخفف الهمز بالنقل وغيره، فإن من العرب من لا يجيز في الهمز إلا التحقيق، وقد يعارض بالمثل، فيقال: إنما تثبت دعوى الضرورة بعد ثبوت كونه ممن لا يخفف الهمز بالنقل، ويؤيد ما قاله ابن كيسان أن الأعلم حكى في شرح أبيات كتاب سيبويه أنه روى٢: أبقلت إبقالها
_________________
(١) ١ سقطت من "ب".
(٢) البيت لعامر بن جوين في تخليص الشواهد ص٤٨٣، وخزانة الأدب ١/ ٤٥، ٤٩، ٥٠، والدرر ٢/ ٥٤٠، وشرح شواهد الإيضاح ص٣٣٩، ٤٦٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٤٣، والكتاب ٢/ ٤٦، ولسان العرب ٧/ ١١١ "أرض"، ١١/ ٦٠ "بقل"، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٤، وتاج العروس "ودق" "بقل"، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٥٢، وأوضح المسالك ٢/ ١٠٨، وشرح ابن الناظم ص١٦٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٨٠، ومغني اللبيب ٢/ ٦٥٦، وشرح المفصل ٥/ ٩٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٧١. ٢ شرح أبيات سيبويه ١/ ٢٤٠.
[ ١ / ٤٠٧ ]
بتخفيف الهمزة، قال: ولا ضرورة فيه على هذا، إذ هذا دليل على أن قائله يجيز النقل، قال وعلى رواية تحقيق الهمزة إنما هو لتأويل الأرض بالمكان، فلا ضرورة ا. هـ.
وفي هذا التأويل نظر؛ لأن الهاء في "إبقالها" يأباه. "وقوله" وهو الأعشى ميمون بن قيس في قصيدة يمدح بها رهط قيس بن معد يكرب ويزيد بن عبد الدار الحارثي: [من المتقارب]
٣٤١-
فإما تريني ولي لمة "فإن الحوادث أودى بها"
وكان القياس "أودت"؛ لأن الفاعل ضمير متصل، ولكنه حذف التاء ضرورة، و"اللمة" بكسر اللام، وتشديد الميم: شعر الرأس دون الجمة، و"الحوادث" جمع حادثة، والجمع في معنى الجماعة والجماعة مؤنث مجازي، وقيل: المراد الحدثان الليل والنهار، و"أودى" بمعنى: هلك يتعدى بالباء.
"و" المسألة "الثانية" من وجوب التأنيث "أن يكون" الفاعل ظاهرًا "متصلا" بالفعل، "حقيقي التأنيث نحو: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] وإلى هاتين المسألتين أشار الناظم بقوله:
٢٣١-
وإنما تلزم فعل مضمر متصل أو مفهم ذات جر
"وشذ قول بعضهم: قال فلانة"، حكاه سيبويه عن بعض العرب١، "وهو رديء لا ينقاس"، فيقتصر فيه على السماع، وظاهر قول الناظم:
٢٣٤-
والحذف قد يأتي بلا فصل
أنه ينقاس على قلة، "وإنما جاز في" الكلام "الفصيح، نحو: نعم المرأة" في المدح، "وبئس المرأة" في الذم بترك التاء فيهما؛ "لأن المراد" بالمرأة فيهما "الجنس" وهو مؤنث مجازي، "وسيأتي أن الجنس" فيه معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، فلذلك "يجوز فيه ذلك" الترك، وإليه أشار الناظم قوله:
٢٣٦-
والحذف في نعم الفتاة استحسنوا لأن قصد الجنس فيه بين
_________________
(١) البيت للأعشى في ديوانه ص٢٢١، وخزانة الأدب ١١/ ٤٣١، ٤٣٢، ٤٣٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٧٧، وشرح شواهد الإيضاح ص٣٤٦، وشرح المفصل ٥/ ٩٥، ٩/ ٤١، والكتاب ٢/ ٤٦، ولسان العرب ٢/ ١٣٢ "حدث"، ١٥/ ٣٨٥ "ودي" والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٦، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٧٦٤، وأوضح المسالك ٢/ ١١٠، ورصف المباني ١٠٣، ٣١٦، وشرح ابن الناظم ص٥٤٠، وشرح الأشموني ١/ ١٧٥، وشرح المفصل ٩/ ٦، وأمالي ابن الشجرى ٢/ ٣٤٥. ١ الكتاب ٢/ ٣٨.
[ ١ / ٤٠٨ ]
"ويجوز الوجهان" التأنيث والتذكير "في مسألتين:
إحداهما:" المؤنث الحقيقي الظاهر "المنفصل" من الفعل بفاصل، "كقوله" وهو جرير بن الخطفى يهجو الأخطل: [من الوافر]
٣٤٢-
"لقد ولد الأخيطل أم سوء" على باب استها صلب وشام
فترك التاء من "ولدت" جائز لوجود الفصل بالمفعول وهو الأخيطل بالتصغير، والصلب: بضم الصاد المهملة واللام جمع صليب النصارى، والشام جمع شامة، "وقولهم" أي: العرب: "حضر القاضي اليوم امراة"، فامرأة فاعل "حضر" وترك التاء للفصل بالمفعول وذكر الظرف قصدًا لحكاية الشاهد بتمامه. وإنما لم يجب التأنيث مع الفصل؛ لأن الفعل بعد عن الفاعل المؤنث، وضعفت العناية به، وصار الفصل كالعوض من تاء التأنيث، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٣٢-
وقد يبيح الفصل ترك التاء في نحو أتى القاضي بنت الواقف
"والتأنيث أكثر" من التذكير لقوة جانبه، "إلا إن كان الفاصل" بين الفعل وفاعله المؤنث "إلا" الاستثنائية الإيجابية، "فالتأنيث خاص بالشعر، نص عليه الأخفش" وأوجب التذكير في الكلام، نحو: ما قام إلا هند؛ لأن ما بعد "إلا" ليس هو الفاعل في الحقيقة، وإنما هو بدل من فاعل مقدر قبل "إلا"، وذلك المقدر هو المستثنى منه وهو مذكر، ولذلك ذكر الفعل، والتقدير: ما
قام أحد إلا هند، "وأنشد" الأخفش "على التأنيث" في الشعر: [من الرجز]
٣٤٣-
"ما برئت من ريبة وذم في حربنا إلا بنات العم"
فـ"بنات العم" فاعل "برئت" وأنثه مع وجود الفصل بـ"إلا"، وجوزه ابن مالك في النثر" على قلة فقال١:
٢٣٣-
والحذف مع فصل بإلا فضلا كما زكا إلا فتاة ابن العلا
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ص٢٨٣، وشرح شواهد الإيضاح ص٣٣٨، ٤٠٥، وشرح المفصل ٥/ ٩٢، ولسان العرب ١/ ٥٢٩، "صلب" والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٨، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٧٥، وأوضح المسالك ٢/ ١١٢، وجواهر الأدب ص١١٣، والخصائص ٢/ ٤١٤، وشرح الأشموني ١/ ١٧٣، والمقتضب ٢/ ١٤٨، ٣/ ٣٤٩، والممتع في التصريف ١/ ٢١٨.
(٢) الرجز بلا نسبة في الدرر ٢/ ٥٤٣، وشرح الأشموني ١/ ١٧٤، وشرح شذور الذهب ص١٧٦، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٧١، وهمع الهوامع ٢/ ١٧١. ١ شرح التسهيل ٢/ ١١٤.
[ ١ / ٤٠٩ ]
"وقرئ: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ" [يس: ٢٩] بالرفع١، وقرأ مالك بن دينار والحسن وأبو رجاء وعاصم الجحدري بخلاف عنه، وجماعة من التابعين: "فَأَصْبَحُوا لَا تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ" [الأحقاف: ٢٥] بضم التاء من "ترى" ورفع "مساكنهم" على النيابة عن الفاعل، وقال ابن جني٢: إنها ضعيفة في العربية.
المسألة "الثانية" من جواز الوجهين: "المجازي التأنيث، نحو: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ " [القيامة: ٩]، ولو ورد: "وجمعت"، بالتاء، لم يمتنع، "ومنه" أي: من مجازي التأنيث "اسم الجنس" كشجر، "واسم الجمع" المعرب: كقوم ونسوة، "والجمع" المكسر "كإعراب، وهنود" "لأنهن في معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، فلذلك جاز التأنيث" في الفعل مع اسم الجمع، "نحو: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ " [ق: ١٢]، "و" مع الجمع المكسر نحو: " ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ " [الحجرات: ١٤] "و" مع اسم الجنس نحو: "أورقت الشجر، و" جاز "التذكير" في الفعل مع اسم الجنس "نحو: أورق الشجر، و" مع اسم الجمع المذكر نحو: " ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ " [الأنعام: ٦٦] "و" مع اسم جمع مؤنث نحو: " ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠]، "و" مع الجمع المكسر المذكر نحو: "قال الرجال، و" مع جمع التكسير المؤنث نحو: "جاء الهنود"، فأتى في جانب التذكير بالنشر مرتبًا على ترتيب اللف، وفي جانب التأنيث مختلطًا، كقوله: هو شمس وأسد وبحر جود وبهاء وشجاعة، وقيدنا اسم الجمع بالمعرب احترازًا من اسم الجمع المبني نحو: الذين، فإنه لا يقال فيه قالت الذين آمنوا، بالتأنيث، وإن قيل إنه جمع "الذي"، وإنما لم يجب التأنيث مع المؤنث المجازي لأمرين: أحدهما: أن التأنيث غير حقيقي، فتضعف العناية به. والثاني: أن هذا المؤنث في معنى المذكر فيحمل عليه كما حمل المذكر على المؤنث في: جاءتني كتاب زيد، أي: صحيفته، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٣٥-
والتاء مع جمع سوى السالم من لتاء مع إحدى اللبن
إلا أن سلامة نظم الواحد في جمعي التصحيح" المذكر والمؤنث "أوجبت التذكير" في الفعل "في نحو: قام الزيدون"، وفي التنزيل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، "و" أوجبت "التأنيث في" الفعل، "نحو: قامت الهندات" هذا مذهب سيبويه٣ وجمهور البصريين، "خلافًا للكوفيين فيهما"، فإنهم أجازوا في
_________________
(١) ١ قرأها بالرفع: أبو جعفر وشيبة ومعاذ والحارث، انظر الإتحاف ص٣٦٤، والنشر ٢/ ٣٥٣. ٢ المحتسب ٢/ ٢٦٦. ٣ الكتاب ٢/ ٣٨.
[ ١ / ٤١٠ ]
الفعل مع كل من جمعي التصحيح التذكير والتأنيث، "و" خلافًا "للفارسي" من البصريين "في" جمع تصحيح "المؤنث" فإنه انفرد عن أصحابه بجواز الأمرين، ووافق أصحابه في وجوب تذكير الفعل مع تصحيح المذكر، وتبعه الناظم فلم يستثنه، "واحتجوا بنحو: ﴿إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ " [يونس: ٩٠] فأنث الفعل مع جمع تصحيح المذكر، "و" بنحو: " ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ " [الممتحنة: ١٢] فذكر الفعل مع جمع تصحيح المؤنث، "و" بنحو "قوله": [من الكامل]
٣٤٤-
"فبكى بناتي شجوهن وزوجتي" والطامعون إلي ثم تصدعوا
فذكر الفعل مع إسناده إلى جمع تصحيح المؤنث، و"شجوهن" بمعنى: حزنهن مفعول لأجله، و"تصدعوا": انصرفوا. "وأجيب بأن "البنين"" في قوله: "بنو إسرائيل" "و"البنات"" في قوله: "بناتي" "لم يسلم فيهما لفظ الواحد"، إذ الأصل، بنو، فحذفت لامه، وزيد عليه واو ونون في التذكير وألف وتاء في التأنيث، فلما لم يسلم فيه بناء الواحد عومل معاملة جمع التكسير، وليس الكلام فيه. قال الشاطبي١: ومحل الخلاف في تصحيح الجمعين إذا لم يحصل تغيير فيهما، أما ما تغير منهما: كبنين وبنات فيجوز فيه الوجهان اتفاقًا ا. هـ. "وبأن التذكير في "جاءك" المؤمنات" "للفصل" بالمفعول وهو الكاف على حد قولهم: حضر القاضي امرأة، "أو لأن الأصل النساء المؤمنات" والنساء: اسم جمع، فحذف الموصوف وخلفته صفته، فعوملت معاملته "أو لأن: أل" في "المؤمنات" اسم موصول "مقدرة باللاتي، وهي" أي: اللاتي "اسم جمع" وتقدم أنه يجوز مع الفصل واسم الجمع التذكير والتأنيث، قيل: وفي هذه الأجوبة الثلاثة الأخيرة نظر. أما الأول فلان الفصل بغير "إلا " الأرجح فيه التأنيث وتركه مرجوح، وقد أجمعت السبعة هنا على تركه، فيلزم أن يكونوا قد أجمعوا على وجه مرجوح، وأما الثاني فلأنه يلزم منه حذف الفاعل، والبصري لا يقول به فلا يحسن منه ارتكابه، وفيه نظر؛ لأن الصفة قامت مقام الموصوف، وأما الثالث فلأن "أل" في نحو: المؤمن والكافر معرفة لكون الوصف للثبوت والدوام، لا للحدوث، والتجدد، وسكت الموضح تبعًا للناظم عن إسناد الفعل إلى المثنى، وحكمه حكم مفرده، فإن كان لمذكر وجب
_________________
(١) البيت لعبدة بن الطبيب في ديوانه ص٥٠، وشرح اختيارات المفضل ص٧٠١، ونوادر أبي زيد ص٢٣، ولأبي ذؤيب في المقاصد النحوية ٢/ ٤٧٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١١٦، والخصائص ٣/ ٢٩٥، وشرح الأشموني ١/ ١٧٥. ١ حاشية الصبان ٢/ ٥٤.
[ ١ / ٤١١ ]
تذكير الفعل نحو: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ [المائدة: ٢٣] وإن كان لمؤنث وجب تأنيث فعله، نحو قالت الهندات.
والحكم "السابع" من أحكام الفاعل: "أن الأصل فيه أن يتصل بفعله"؛ لأنه منزل منه منزلة جزئه، "ثم يجيء المفعول" بعدهما، "وقد يعكس" ذلك فيتصل المفعول بالفعل. ثم يجيء الفاعل بعدهما، "وقد" يتأخر الفعل والفاعل، و"يتقدمهما المفعول، وكل من ذلك" المذكور من تقديم الفاعل على المفعول وعكسه، وتقديم المفعول على الفعل والفاعل جميعًا "جائز وواجب" فهذه ست مسائل داخلة تحت قول الناظم:
٢٣٧-
والأصل في الفاعل أن يتصلا والأصل في المفعول أن ينفصلا
٢٣٨-
وقد يجاء بخلاف الأصل وقد يجيء المفعول قبل الفعل
"فأما جواز الأصل" وهو تقديم الفاعل على المفعول "فتحو: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ " [النمل: ١٦]، فـ"سليمان" فاعل و"داود" مفعول. "وأما وجوبه"، أي: الأصل "ففي مسألتين:
إحداهما أن يخشى اللبس" في الفاعل ولا قرينة تميز الفاعل من المفعول، "كـ: ضرب موسى عيسى" فـ"موسى" فاعل، و"عيسى" مفعول، ويمتنع هنا تقديم المفعول على الفاعل خشية التباس أحدهما بالآخر، وصور ذلك ست عشرة صورة، قامت من ضرب أربع في مثلها، وذلك بأن يكونا مقصورين أو إشارتين أو موصولين أو مضافين لياء المتكلم، وكلها داخلة تحت قول الناظم:
٢٣٩-
وأخر المفعول إن لبس حذر
فيتعين في هذه الصورة أن يكون الأول منهما فاعلًا، والثاني مفعولًا، "قاله أبو بكر" بن السراج١ "والمتأخرون كالجزولي٢ وابن عصفور٣ وابن مالك" في النظم وغيره٤، "وخالفهم" في ذلك "ابن الحاج" في نقده على المقرب لابن عصفور، فقال٥: لا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية، "محتجا بأن العرب تجيز تصغير عمرو وعمر" على عمير، مع وجود اللبس، "وبأن الإجمال من مقاصد
_________________
(١) ١ انظر الأصول ٢/ ٢٤٥. ٢ الجزولية ٥٠، ٥١. ٣ المقرب ١/ ٥٣. ٤ شرح الكافية الشافية ٢/ ٥٨٩. ٥ انظر الارتشاف ٢/ ١٩٩.
[ ١ / ٤١٢ ]
العقلاء" فإن لهم غرضًا في الإجمال، كما أن لهم غرضًا في البيان، "وبأنه يجوز" أن يقال: زيد وعمرو "ضرب أحدهما الآخر"، إذ لا يبعد أن يقصد قاصد ضرب أحدهما من غير تعيين، فيأتي باللفظ المحتمل، "وبأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز عقلا باتفاق" عند الأصوليين، ولغة عند النحويين، فلا يمتنع أن يتكلم بالمجمل ويتأخر البيان إلى وقت الحاجة، كـ: مختار ومنقاد، فإنهما مجملان لترددهما بين الفعل والمفعول بقلب عينهما المكسورة أو المفتوحة ألفًا، "و" جائز "شرعًا على الأصح" خلافًا للمعتزلة وكثير من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الظاهر، وأبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي؛ لأن المراد بالبيان حصول تمكن المكلف من امتثال الأمر، ولا حاجة لذلك إلا عند تعيين الامتثال، فأما قبل ذلك فلا، "وبأن الزجاج نقل" في معانيه "أنه لا خلاف" بين النحويين "في أنه يجوز في نحو: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] كون "تلك" اسمها"، أي: اسم "زال"، "و"دعواهم" الخبر، وبالعكس"، انتهى كلام ابن الحاج.
قال المرادي١: ولا يلزم من إجازة الزجاج الوجهين في الآية جواز مثل ذلك في ضرب موسى عيسى؛ لأن التباس الفاعل بالمفعول ليس كالتباس اسم "زال" بخبرها، وذلك واضح ا. هـ. وكذا يقال في الباقي، فلو زال الالتباس بقرينة لفظية نحو: ضربت موسى سعدى، أو معنوية كأكلت الكمثرى الحبلى جاز التقديم بلا خلاف.
المسألة "الثانية" من مسائل وجوب تقديم الفاعل على المفعول "أن يحصر المفعول بـ"إنما"، نحو: إنما ضرب زيد عمرا"، فيجب تقديم الفاعل على المفعول اتفاقًا؛ لأنه لو أخر انقلب المعنى؛ وذلك لأن معنى قولنا: إنما ضرب زيد عمرًا انحصار ضرب زيد في عمرو، مع جواز أن يكون عمرو مضروبًا لشخص آخر، فإذا أخر وقيل إنما ضرب عمرًا زيد جاز أن يكون زيد ضاربًا لشخص آخر، ولم يجز أن يكون عمرو مضروبًا لشخص آخر، "وكذا الحصر بـ"إلا" عند" أبي موسى "الجزولي٢ وجماعة" من المتأخرين فإنهم أوجبوا تأخير المفعول المحصور بـ"إلا" نحو: ما ضرب زيد إلا عمرًا، "وأجاز البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري" من الكوفيين "
تقديمه"، أي: المفعول مع "إلا" "على الفاعل٣ كقوله" وهو دعبل بن علي الخزاعي: [من الطويل]
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٢/ ١٧. ٢ الجزولية ص٥١. ٣ انظر شرح التسهيل ٢/ ١٣٤.
[ ١ / ٤١٣ ]
٣٤٥-
"ولما أبى إلا جماحًا فؤاده" ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
فقدم المفعول المحصور بـ"إلا" وهو "جماحا" على الفاعل وهو "فؤاده"، والجماح هنا الإسراع، والجموح من الرجال الذي يركب هواه فلا يرده شيء، وقوله وهو مجنون بني عامر: [من الطويل]
٣٤٦-
تزودت من ليلى بتكليم ساعة "فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها"
فقدم المفعول المحصور بـ"إلا" وهو "ضعيف" على الفاعل وهو كلامها، و"قوله" وهو زهير بن أبي سلمى بضم السين: [من الطويل]
٣٤٧-
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه "ويغرس إلا في منابتها النخل"
فقدم الجار والمجرور وهو بمثابة المفعول المحصور بـ"إلا" على نائب الفاعل، وهو "النخل" لأنه بمثابة الفاعل، "وينبت" بضم الياء مضارع أنبت، و"الخطي" بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء الرمح المنسوب إلى الخط، وهو سيف البحر عند عمان، بتخفيف الميم والبحرين مفعول مقدم، و"وشيجه"، بالشين المعجمة والجيم جمع وشيجة وهي عروق شجر الرماح فاعل مؤخر، "ويغرس" بالبناء للمفعول و"النخل" نائب الفاعل، والمانع لتقديم المفعول المحصور مع "إلا" على الفاعل يدعي تقدير عامل للمرفوع: قال في التسهيل١ وتبعه في المغني٢: ولا يعمل ما قبل "إلا" فيما بعدها إلا
_________________
(١) البيت لدعبل بن علي الجزاعي في ملحق ديوانه ص٣٤٩، والدرر ١/ ٣٦٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٨٠، وللحسن بن مطير في ديوانه ص١٨٢، وسمط اللآلي ص٥٠٢، ولابن الدمينة في ديوانه ص٩٤، وللمجنون في ديوانه ص١٨١، وبلا نسبة في أمالي القالي ١/ ٢٢٣، وأوضح المسالك ٢/ ١٢١، وتذكر النحاة ص٣٣٤، والحماسة البصرية ٢/ ١٧٣، والزهرة ص٨٧، وشرح الأشموني ١/ ١٧٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٢٩٢، وهمع الهوامع ١/ ١٦١.
(٢) البيت للمجنون في ديوانه ص١٩٤، والدرر ١/ ٢٥٩، وشرح ابن الناظم ص١٦٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٨١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٢٢، وتخليص الشواهد ص٤٨٦، والدرر ١/ ٤٩٦، وشرح الأشموني ١/ ١٧٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٩١، وشرح التسهيل ٢/ ١٣٤، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٥٩١، وهمع الهوامع ١/ ١٦١، ٢٣٠.
(٣) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص١١٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٨٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٢٣، وتذكرة النحاة ٣٣٤، ولسان العرب ٧/ ٢٩٠، "خطط" وشرح التسهيل ٢/ ١٣٤، ٣٠٥. ١ التسهيل ص٧٥. ٢ مغني اللبيب ص٩٨.
[ ١ / ٤١٤ ]
أن يكون مستثنى نحو: ما قام إلا زيد، أو مستثنى منه، نحو: ما قام إلا زيدًا أحد، أو تابعًا له نحو: ما قام أحد إلا زيدًا فاضل، وما ظن من غير هذه الثلاثة معمولا لما قبلها قدر له عامل، ا. هـ.
ولو قيل المرفوع في هذه الأبيات ليس واقعًا في مركزه الأصلي؛ لأنه مؤخر من تقديم فهو واقع قبل "إلا" تقديرًا لا بعدها لم يبعد، ولكنهم لم ينظروا إلى ذلك محتجين بأن الشيء إذا حل في موضعه لا ينوى مع غيره؛ وإلا لجاز ضرب غلامه زيدًا وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٢٤٠-
وما بإلا أو بإنما انحصر أخر وقد يسبق إن قصد ظهر
"وأما توسط المفعول" بين الفعل والفاعل "جوازًا، فنحو: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ " [القمر: ٤١] فـ"النذر" فاعل "جاء" و"آل فرعون" مفعول به متوسط بين الفعل والفاعل، "و" نحو "قولك: خاف ربه عمر"، فـ"عمر" فاعل و"ربه" مفعول. "قال" جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: [من البسيط]
٣٤٨-
جاء الخلافة إذ كانت له قدرًا "كما أتى ربه موسى على قدر"
فـ"موسى" فاعل و"ربه" مفعول متوسط بين الفعل وفاعله، ولا يضر اتصاله بضمير الفاعل المتأخر لتقدمه في الرتبة، وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٤١-
وشاعه نحو خاف ربه عمر
والمراد عمر بن الخطاب ﵁.
"وأما وجوبه" أي: وجوب توسط المفعول بين الفعل وفاعله "ففي مسألتين:
إحداهما أن يتصل بالفاعل ضمير المفعول نحو: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ " [البقرة: ١٢٤]، فـ"إبراهيم" مفعول مقدم، و"ربه" فاعل مؤخر وجوبًا، "و" نحو: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] فـ"معذرتهم" فاعل مؤخر، و"الظالمين" مفعول مقدم وجوبًا، وإنما وجب تقديم المفعول فيهما لئلا يعود ضمير على المفعول، وهو متأخر لفظا ورتبة، "و" لأجل ذلك "لا يجيز أكثر النحويين نحو: زان نوره الشجر" بتقديم الفاعل على المفعول، "لا في نثر ولا في شعر، وأجازه فيهما
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ٤١٦، والأزهية ١١٤، وخزانة الأدب ١١/ ٦٩، والدرر ٢/ ٤٣٩، وشرح شواهد المغني ١/ ١٩٦، ومغني اللبيب ١/ ٦٢، ٧٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٨٥، ٤/ ١٤٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٢٤، والجنى الداني ٢٣٠، وشرح ابن الناظم ص٤٧٩، وشرح الأشموني ١/ ١٧٨، وشرح قطر الندى ١٨٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٤.
[ ١ / ٤١٥ ]
الأخفش وابن جني١" من البصريين "و" أبو عبد الله "الطوال"، بضم الطاء، وتخفيف الواو من الكوفيين "وابن مالك" في التسهيل٢ في باب الضمير "احتجاجًا" في النثر بقولهم: ضربوني وضربت قومك، بإعمال الثاني، حكاه سيبويه٣، وأجازه البصريون، وضربته زيدًا، بإبدال "زيد" من الهاء بإجماع، حكاه ابن كيسان، وكلاهما فيه ما في: ضرب غلامه زيدًا من تقديم ضمير على مفسر مؤخر الرتبة وفي الشعر، "بنحو قوله" وهو النابغة أو أبو الأسود أو عبد الله بن همارق على اختلاف فيه: [من الطويل]
٣٤٩-
"جزى ربه عني عدي بن حاتم" جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
فـ"ربه" فاعل، وهو متصل بضمير عائد إلى "عدي" وهو مفعول، ورتبته التأخير، و"جزاء الكلاب" مفعول مطلق. واختلف في معنى "جزاء الكلاب" فقيل هو الضرب والرمي بالحجارة. وقال الأعلم ليس بشيء، وإنما هو دعاء عليه بالابنة إذ الكلاب تتعاوى عند طلب السفاد، وهذا من ألطف الهجو٤. "والصحيح جوازه في الشعر فقط" للضرورة، وهو الإنصاف؛ لأن ذلك إنما ورد في الشعر، فلا يقاس عليه، وأما الإعمال، والبدل فمستثنيان لمجيئهما على خلاف الأصل، إذ الأصل والكثير الشائع تقدم مفسر ضمير الغائب باعتراف ابن مالك وغيره، فمتى جاء ما يخالفه فلا يعول عليه في قياس ما ليس من بابه عليه، كما استثنى بيع العرايا بخرصها تمرًا إلى الجذاذ مما خارج عن القواعد، وإلى ذلك أشار الناظم فقال:
٢٤١-
وشذ نحو زان نوره الشجر
"و" المسألة "الثانية" من مسألتي وجوب توسط المفعول بين الفعل وفاعله
_________________
(١) ١ الخصائص ١/ ٢٩٣، ٢٩٤. ٢ التسهيل ص٢٨. ٣ الكتاب ٢/ ٤٠.
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٩١، والخصائص ١/ ٢٩٤، وله أو لأبي الدؤلي في خزانة الأدب ١/ ٢٧٧، ٢٧٨، ٢٨١، ٢٨٧، والدرر ١/ ١١٤، وللنابغة أو لأبي الأسود أو لعبد الله بن همارق في المقاصد النحوية ٢/ ٤٨٧، ولأبي الأسود الدؤلي في ملحق ديوانه ص٤٠١، وتخليص الشواهد ص٤٩٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٢٥، وشرح الأشموني ٢/ ٥٩، وشرح شذور الذهب ص١٣٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٩٦، ولسان العرب ١٥/ ١٠٨، "عوي" وهمع الهوامع ١/ ٦٦. ٤ ورد قول الأعلم في شرح الشواهد للعيني ٢/ ٥٩.
[ ١ / ٤١٦ ]
"أن يحصر الفاعل بـ"إنما"" باتفاق، "نحو ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ " [فاطر: ٢٨]، فـ"العلماء" فاعل محصور فيه الخشية، فوجب تأخيره فلزم توسط المفعول، والمعنى، ما يخشى الله من عباده إلا العلماء، "وكذا الحصر بـ"إلا" عند غير الكسائي" فإنه يجب تأخير الفاعل المحصور بـ"إلا" نحو: ما ضرب عمرًا إلا زيد، "واحتج" الكسائي على عدم وجوب تأخير الفاعل المحصور بـ"إلا" "بقوله" [من البسيط]
٣٥٠-
"ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم ولا جفا قط إلا جبأ بطلا"
فقدم الفاعل المحصور بـ"إلا" في الموضعين، والأصل: ما عاب فعل ذي كرم إلا لئيم، ولا جفا بطلًا إلا جبأ، وعاب بالعين المهملة من العيب، واللئيم هنا البخيل، مقابل الكريم، والجبأ بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة وفي آخره همزة غير ممدود: الجبان، ومقابله البطل وهو الشجاع، "وقوله": [من البسيط]
٣٥١-
نبئتهم عذبوا بالنار جارهم "وهل يعذب إلا الله بالنار"
فقدم الفاعل المحصور بـ"إلا" على المجرور بالباء، وطوى ذكر المفعول، و"هل" بمعنى "ما"، والأصل ما يعذب أحد أحدًا بالنار إلا الله، و"نبئتهم" مبني للمفعول، وضمير المتكلم مفعوله الأول قائم مقام الفاعل، وضمير الغائبين مفعوله الثاني، وجملة "عذبوا" في موضع المفعول الثالث، "وجارهم" مفعول "عذبوا" لا المفعول الثالث خلافًا للعيني "وقوله": [من الطويل]
٣٥٢-
"فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا" عشية إنآء الديار وشامها
فقدم الفاعل المحصور بـ"إلا" على المفعول وهو "ما هيجت"، والأصل: فلم يدر ما هيجت لنا إلا الله و"عشية" منصوب على الظرفية، والإنآء بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الهمزة الممدودة كالإبعاد وزنا ومعنى، والوشام، بكسر الواو جمع وشيمة: الكلام الشر والعداوة، والوشام أيضًا من الوشم. يقال وشم يده وشمًا إذا غرزها بالإبرة ثم ذر عليها النيلة، مرفوع على الفاعلية بـ"هيجت"، وغير الكسائي قدر
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٢٩، وتخليص الشواهد ص٤٨٧، وتذكرة النحاة ص٣٣٥، والدرر ١/ ٣٦١، وشرح الأشموني ١/ ١٧٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٩٠، وهمع الهوامع ١/ ١٦١.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٣٠، وتذكرة النحاة ٣٣٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٩٢.
(٣) البيت لذي الرمة في ديوانه ص٩٩٩، والدرر ١/ ٣٦٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٣١، وتخليص الشواهد ص٤٨٧، وشرح الأشموني ١/ ١٧٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٤٨٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٩٣، والمقرب ١/ ٥٥، وهمع الهوامع ١/ ١٦١.
[ ١ / ٤١٧ ]
للمنصوب والمجرور غير المحصورين في هذه الأبيات ونحوها عاملا، فقدر قبل: "فِعَلَ" ذي كرم عاب، وقيل: "بطلا" جفأ، وقبل "بالنار" يعذب، وقبل "ما هيجت" درى، بناء على أن ما قبل "إلا" لا يعمل فيما بعدها إلا في مستثنى أو مستثنى منه، أو تابع له، كما تقدم تمثيله وتقريره عليه جرى في التسهيل١، وخالف هنا فقال:
٢٤٠-
وما بإلا أو بإنما انحصر أخر وقد يسبق إن قصد ظهر
"وأما تقديم المفعول" على الفعل والفاعل "جوازا فنحو: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ " [البقرة: ٨٧]، فـ"فريقًا" فيهما مفعول مقدم للفعل الذي بعده، ويجوز في غير القرآن تأخيره.
"وأما وجوبًا" أي: وجوب تقديم المفعول على الفعل، والفاعل جميعًا "ففي مسألتين:
إحداهما أن يكون" المفعول "مما له الصدر" كأن يكون اسم استفهام، "نحو: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ " [غافر: ٨١]، "فأي" مفعول مقدم لـ"تنكرون"، أو اسم شرط، نحو: " ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ " [الإسراء: ١١٠] فـ"أيا" اسم شرط مفعول مقدم لـ"تدعوا"، و"ما" صلة، و"تدعوا" مجزوم بـ"أيا"، فكل منهما عامل في عامله من جهتين مختلفتين.
المسألة "الثانية:" من [مسألتي] ٢ وجوب تقديم المفعول على عامله "أن يقع عامله بعد الفاء" الجزائية في جواب "أما" ظاهرة أو مقدرة، "وليس له"، أي: العامل المفعول "منصوب غيره" أي: غير المفعول "مقدم" نعت منصوب "عليها" أي: على الفاء، مثال "أما" المقدرة: "نحو: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ " [المدثر: ٣] فتقديره: وأما ربك فكبر، "و" مثال "أما" الظاهرة "نحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ " [الضحى: ٩] وإنما وجب تقديم المفعول فيهما حذارًا من أن تلي الفاء "أما" الملفوظة أو المقدرة ففصل بينهما بالمفعول، فإن قيل ما بعد فاء الجزاء لا يعمل فيما قبلها، فكيف عمل ههنا في المفعول؟ فالجواب أنها إنما تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها إذا كانت في مركزها الأصلي، وهي ههنا ليست فيه؛ لأنها مؤخرة من تقديم، وكان حقها أن تدخل على المفعول المتقدم لطلبها المصدر ما أمكن، ولكنها زحلقت إلى الفعل حذرًا من إيلائها أما "
بخلاف" ما إذا كان للفعل منصوب غير المفعول به مقدم على الفاء فإنه يكتفي بالفصل بذلك
_________________
(١) ١ التسهيل ص٧٥. ٢ إضافة من "ب".
[ ١ / ٤١٨ ]
المنصوب فلا يجب تقديم المفعول نحو: "أما اليوم فاضرب زيدًا"، فالعامل، وهو فعل الأمر له منصوبان وهما الظرف والمفعول به، وتقدم الظرف وحصل الفصل به فاستغني عن تقديم المفعول.
"تنبيه":
يدرك بالتأمل فيما تقدم "إذا كان الفاعل والمفعول" به "ضميرين" متصلين "ولا حصر في أحدهما وجب تقديم الفاعل" على المفعول كما هو الأصل فيهما، "كضربته"، فالتاء فاعل، والهاء مفعول إذ لو قدم المفعول على الفاعل هنا تعذر الاتصال في الفاعل.
"وإذا كان المضمر" المتصل "أحدهما فإن كان" المضمر "مفعولا" والظاهر فاعلا "وجب" في المضمر "وصله" بالفعل "وتأخير الفاعل" الظاهر عن المفعول "كـ: ضربني" زيد"؛ لأنه لو قدم الفاعل والحالة هذه وجب أن يؤتى بالضمير مفصولا مع إمكان اتصاله.
"وإن كان" المضمر "فاعلا" والظاهر مفعولا "وجب" في المضمر "وصله" بالفعل "و" وجب إما "تأخير المفعول" الظاهر عن الفاعل "أو تقديمه" عليه "وعلى الفعل" معًا، "كـ: ضربت زيدًا وزيدًا ضربت" حذرًا من ارتكاب الانفصال مع التمكن من الاتصال.
"وكلام الناظم" في النظم "يوهم امتناع التقديم" للمفعول على الفعل كزيدًا ضربت؛ "لأنه سوى" في النظم "بين هذه المسألة" وهي مسألة: ضربت زيدًا "ومسألة: ضرب موسى عيسى"، في وجوب تأخير المفعول فيهما عن الفاعل فقال:
٢٣٩-
وأخر المفعول إن لبس حذر أو أضمر الفاعل غير منحصر
فاقتضى أنه لا يجوز: زيدًا ضربت، كما لا يجوز: عيسى ضرب موسى بتقديم المفعول على الفعل، "والصواب ما ذكرنا" من جواز نحو: زيدًا ضربت، إذ لا لبس، وامتناع نحو: عيسى ضرب موسى. لئلا يتوهم أن عيسى مبتدأ، وأن الفعل متحمل لضميره، وأن موسى مفعول.
وحاصل ما ذكره الموضح من أول الحكم السابع إلى هنا من أحكام الوجوب أنه يجب تقديم الفاعل على المفعول في ثلاثة مسائل: أن يخشى اللبس، وأن يكون المفعول محصورًا فيه، وأن يكون الفاعل والمفعول ضميرين متصلين، وأنه يجب توسط
[ ١ / ٤١٩ ]
المفعول في مسألتين: أن يكون الفاعل ملتبسًا بضمير المفعول، وأن يكون الفاعل محصورًا فيه، وأنه يجب تقديم المفعول على عامله في مسألتين: أن يكون له صدر الكلام، وأن يكون معمولا لما بعد الفاء بشرطه، وأنه يجب تأخير الفاعل في مسألة واحدة، وهي ما إذا كان المفعول ضميرًا متصلا والفاعل اسمًا ظاهرًا، وأنه يجب اتصال الفاعل بالفعل، ويخير في المفعول بين تقديمه على الفعل وتأخيره عن الفاعل في مسألة واحدة، وهي ما إذا كان الفاعل ضميرًا متصلا والمفعول اسما ظاهرًا، والجواز فيما عدا ذلك.
[ ١ / ٤٢٠ ]
باب النائب عن الفاعل
مدخل
باب النائب عن الفاعل:
"هذا باب النائب عن الفاعل":
قال أبو حيان١: لم أر مثل هذه الترجمة لغير ابن مالك٢، والمعروف باب المفعول الذي لم يسم فاعله.
"قد يحذف الفاعل للجهل به كـ: سرق المتاع"، إذا لم يعلم السارق من هو، "أو لغرض لفظي" كالإيجاز، نحو: قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وكإصلاح السجع، كقولهم: من طابت سريرته حمدت سيرته، فإنه لو قال: حمد الناس سيرته لاختلفت السجعة، قاله الموضح في شرح القطر٣ وغيره "وكتصحيح النظم" كما وقع للأعشى ميمون بن قيس في قوله في قنة كانت لرجل من آل عمرو بن مرثد: [من البسيط]
٣٥٣-
"علقتها عرضا وعلقت رجلا غيري وعلق أخرى ذلك الرجل"
فبنى "علق" في المواطن الثلاثة للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به وهو الله تعالى لتصحيح النظم إذ لو قال: علقني الله إياها، وعلقها الله رجلا غيري، وعلق الله أخرى ذلك الرجل لاختل النظم، والتعليق هنا المحبة، و"عرضًا" بالعين المهملة وفتح
_________________
(١) ١ الارتشاف ٢/ ١٨٤. ٢ شرح التسهيل ٢/ ١٢٤، والتسهيل ص٧٧. ٣ شرح قطر الندى ص١٨٧.
(٢) البيت للأعشى في ديوانه ص١٠٧، والأشباه والنظائر ٥/ ١٥٢، ولسان العرب ٧/ ١٨٥ "عرض"، ١٠/ ٢٦٢، "علق"، وتاج العروس "علق" والمقاصد النحوية ٢/ ٥٠٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٣٦.
[ ١ / ٤٢١ ]
الراء مفعول مطلق، أي: تعليقًا عرضًا من غير قصد. قال في الصحاح١: وقولهم علقها عرضًا إذا هوى امرأة، أي: اعترضت لي فعلقتها من غير قصد ا. هـ. واسم هذه القينة هريرة، كما صرح به في بيت أول القصيدة في قوله٢: [من البسيط]
ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وهريرة هذه عشقت رجلا غيره، وذلك الذي عشقته هريرة عشق امرأة غيرها.
"أو" لغرض "معنوي كأن لا يتعلق بذكرة غرض" أي: قصد "نحو: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ " [البقرة: ١٩٦] " ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ " [النساء: ٨٦] " ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾ " [المجادلة: ١١]، إذ ليس من الغرض من هذه الأفعال إسنادها إلى فاعل مخصوص بل إلى أي فاعل كان. وحيث حذف الفاعل "فينوب عنه في رفعه وعمديته ووجوب التأخير عن فعله واستحقاقه للاتصال به" وصيرورته كالجزء منه وعدم حذفه "وتأنيث الفعل لتأنيثه" إن كان مؤنثًا غير مجرور "واحد" فاعل ينوب "من أربعة" بيان لواحد.
"الأول" منها: "المفعول به" لأنه كالفاعل في كون الفعل حديثًا عنه وفي جواز إضافة المصدر إليه، ولا فرق في الفعل بين الصحيح كـ: ضرب زيد، والمعتل العين أو اللام "نحو: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤]، والأصل: غاض الله الماء وقضى الله الأمر، فحذف الفاعل للعلم به، وأنيب المفعول به منابه فصار مرفوعًا بعد أن كان منصوبًا، وعمدة بعد أن كان فضلة، وواجب التأخير [عن الفعل] ٣ بعد أن كان جائز التقديم عليه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٤٢-
ينوب مفعول به عن فاعل فيما له
"الثاني: المجرور" كما عبر عنه البصريون سواء أكان الفعل لازما للبناء للمفعول أم لا. فالأول "نحو: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ " [الأعراف: ١٤٩] "و" الثاني نحو: "قولك، سير بزيد"؛ لأن المجرور بالحرف مفعول به معنى فصح نيابته عن الفاعل، هذا مذهب الجمهور.
"وقال ابن درستويه والسهيلي وتلميذه" أبي علي "الرندي" بالراء المهملة والنون: "النائب ضمير المصدر" المفهوم من الفعل المستتر فيه، والتقدير: ولما سقط هو،
_________________
(١) ١ الصحاح "عرض". ٢ البيت للأعشى في ديوانه ص١٠٥، ولسان العرب ١٢/ ١١٢ "جهنم" ومقاييس اللغة ٤/ ١٢٦، وتاج العروس ٢٢/ ٢٩٦ "ودع". ٣ إضافة من "ط".
[ ١ / ٤٢٢ ]
أي: السقوط، وسير هو، أي: السير، "لا المجرور" بالحرف المعدى؛ "لأنه لا يتبع على المحل"، أي: محل المجرور إذا ناب عن الفاعل، "بالرفع" فلا يقال: مر بزيد الظريف، ولا ذهب إلى زيد وعمرو، برفع التابع فيهما ولو كان المجرور نائبًا عن الفاعل لجاز في تابعه الرفع كما جاز في تابع الفاعل المجرور بالمصدر الرفع، كقولهك [من الكامل]
٣٥٤-
طلب المعقب حقه المظلوم
برفع "المظلوم" على محل "المعقب" فلما لم يتبع على المحل علمنا أنه ليس هو النائب "ولأنه" أي: المجرور قد "يتقدم" على عامله "نحو: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ " [الإسراء: ٣٦]، فلو كان "عنه" هو النائب لما تقدم على عامله وهو "مسئولا"، والفاعل لا يتقدم على عامله، فنائبه كذلك إذ لا يتقدم الفرع إلا حيث يتقدم الأصل؛ "ولأنه" أي: المجرور، "إذا تقدم لم يكن مبتدأ، وكل شيء ينوب عن الفاعل فإنه إذا تقدم كان مبتدأ" نحو: الزيت كيل، ورمضان صيم، وضرب شديد ضرب، كما أن الفاعل إذا تقدم كان مبتدأ، نحو: زيد قام، وأجاز الكوفيون تقديم الفاعل ونائبه باقيين على حالهما؛ "ولأن الفعل لا يؤنث له" أي: للمجرور المؤنث إذا ناب عن الفاعل "في نحو: مر بهند" وكل مؤنث ينوب عن الفاعل فإن الفعل يؤنث له نحو: ضربت هند، فثبت بهذه العلل الربع أن المجرور لا ينوب عن الفاعل.
"و" قال الجمهور: "لنا" من الأدلة على نيابة المجرور في لسان العرب "قولهم: سير بزيد سيرًا" بالنصب، فأنابوا المجرور، ولم ينيبوا المصدر لإبهامه، بل أبقوه منصوبًا، ولو أنابوه لرفعوه، وإذا لم ينب المصدر الظاهر فضميره أولى بالمنع لكونه أشد إبهامًا منه، وأما كونه يرجع إلى معهود فالأصل عدمه، ولنا من الأجوبة "أنه إنما يراعى محل يظهر" إعرابه "في الفصيح" من الكلام وهو المجرور بحرف زائد أو غير زائد ومدخوله ظرف، فالأول "نحو: لست بقائم ولا قاعدًا" بالنصب اتباعًا لمحل "قائم" فإنه يظهر إعراب محله في فصيح الكلام، فيقال: لست قائمًا، والثاني نحو قوله: [من الطويل]
_________________
(١) صدر البيت: "حتى تهجر في الرواح وهاجها" والبيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص١٢٨، والإنصاف ١/ ٢٣٢، وخزانة الأدب ٢/ ٢٤٢، ٣٤٥، ٨/ ١٣٤، والدرر ٢/ ٤٨٥، وشرح شواهد الإيضاح ص١٣٣، وشرح المفصل ٦/ ٦٦، ولسان العرب ١/ ٧١٤، "عقب"، والمقاصد النحوية ٣/ ٥١٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢١٤، وخزانة الأدب ٨/ ١٣٤، وشرح ابن الناظم ص٢٩٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٠٤، وشرح المفصل ٢/ ٤٢، ٤٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٥.
[ ١ / ٤٢٣ ]
٥٥-
فإن لم تجد من دون عدنان والدًا ودون معد فلتزعك العواذل
بنصب "دون" الثانية اتباعًا لمحل "دون" الأولى، فإن إعرابها النصب بـ"تجد"، ويظهر في الفصيح نصبه، فيقال: فإن لم تجد دون عدنان، "بخلاف" المجرور بحرف أصلي معد، "نحو: مررت بزيد الفاضل" بالنصب، اتباعًا لمحل المجرور المنصوب على المفعولية، أو: مر بزيد الفاضل، بالرفع، اتباعًا لمحل المجرور المرفوع على النيابة عن الفاعل "فلا يجوزان" خلافًا لابن جني١؛ "لأنه لا يجوز" في الفصيح حذف الجار وتعدية الفعل إليه بنفسه مع دون أنّ وأنْ وكي، إلا شذوذا، فلا تقل: "مررت بزيد" بالنصب على المفعولية "ولا: مر زيد" بالرفع على النيابة عن الفاعل، وإذا لم يكن فصيحًا فلا يجوز مراعاته، وأما قوله: [من الرجز]
٣٥٦-
يسلكن في نجد وغورًا غائرًا
بالنصب فالفصيح أنه منصوب بفعل محذوف، أي: ويسلكن غورًا، لا بالعطف على محل "نجد" فسقط قولهم؛ لأنه لا يتبع على المحل بالرفع، وأما قولهم؛ ولأنه يتقدم نحو: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فـ"عنه" ليس هو النائب عن الفاعل، خلافًا لصاحب الكشاف٢، ولا ضمير المصدر كما قالوا "و" إنما "النائب في" هذه "الآية ضمير راجع إلى ما رجع إليه اسم "كان" وهو المكلف" المدلول عليه بالمعنى، والتقدير: مسئولا هو، أي: المكلف، وإنما لم يقدر ضمير "كان" راجعًا "لكل"، لئلا يخلو "مسئولا" عن ضمير، فيكون مسندًا إلى "عنه" وذلك لا يجوز كما تقدم، وأما قولهم ولأنه إذا تقدم لم
_________________
(١) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص٢٥٥، وأمالي المرتضى ١/ ١٧١، وخزانة الأدب ٢/ ٢٥٢، ٩/ ١١٣، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٣١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٢، وشرح شواهد المغني ١/ ١٥١، ٢/ ٨٦٦، والكتاب ١/ ٦٨١، والمعاني الكبير ص١٢١١، ورصف المباني ص٨٢، والمحتسب ٢/ ٤٣، ومغني اللبيب ٢/ ٤٧٢. ١ في المحتسب ٢/ ٤٣، بعد إنشاد البيت: "عطف "دون" الثانية على موضع "من دون" الاولى، ونظائره كثيرة جدا".
(٢) الرجز لرؤبة في ملحق ص١٩٠، وأساس البلاغة "فسق" وللعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٢٨٨، والكتاب ١/ ٩٤، وبلا نسبة في لسان العرب ١٠/ ٣٠٨، "فسق" والخصائص ٢/ ٤٣٢، وشرح شذور الذهب ص٣٣٢، والمحتسب ٢/ ٤٣. ٢ في الكشاف ٢/ ٤٤٩: "و"عنه" في موضع الرفع بالفاعلية، أي: كل واحد منها كان مسئولا عنها، فمسئول: مسند إلى الجار والمجرور، كالمغضوب في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ .
[ ١ / ٤٢٤ ]
يكن مبتدأ فذاك حيث لم يمنع مانع "وامتناع الابتداء" في المجرور بحرف أصلي "لعدم التجرد" من العوامل اللفظة غير المزيدة وشبهها، هكذا أجاب ابن عصفور، وأجاب الخفاف بأنه قد يتفق في بعض الفاعلين أنه لا يجوز أن يتقدم مبتدأ، فالنائب أحق وأجدر وذلك نحو: نعم امراة هند إذ لو قيل: هي نعم امرأة لم يجز؛ لأن المبتدأ حينئذ يصير عائدًا على شيء من الخبر مؤخر. ا. هـ.
"وقد" يتفق لبعض ما ينوب عن الفاعل أنه لا يجوز أن يتقدم بالكلية فضلًا عن أن يكون مبتدأ وذلك أنهم "أجازوا النيابة في: لم يضرب من أحد" اتفاقًا؛ لأن الجر بالحرف الزائد كلا جر "مع امتناع: من أحد لم يضرب" لأن "من" لا تزاد في الإيجاب لا لوقوع "أحد" في الإثبات لأن نفي ضميره مسوغ لذلك كقوله: [من الطويل]
٣٥٧-
إذا أحد لم يعنه شأن طارق
نص عليه ابن مالك في التسهيل١ في باب العدد، وحيث امتنع التقديم امتنع الابتداء، وأما قولهم ولأن الفعل لا يؤنث له في نحو: مر بهند؛ فلأنه لما لم يظهر تأثيره في رفعه لشغله بحرف الجر نزل منزلة الفضلة، فلم يؤنث الفعل له، فأما قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، بالتاء المثناة فوق في قراءة مجاهد٢، فقال ابن جني٣: محمولة على معنى: إن تسامح طائفة، بدليل ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَة﴾ [التوبة: ٦٦] ولئن سلمنا ذلك فلا نسلم وجوب التأنيث في الفعل المسند إلى المؤنث المجرور، بالحرف فقد٤ "قالوا في ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] إن المجرور فاعل مع امتناع: كفت بهند" بتأنيث الفعل مع أن الفاعل مجرور بحرف زائد، فما بالك إذا كان مجرورًا بحرف أصلي، هذا تقدير كلام الموضح، وهو معارض بنحو: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ [فصلت: ٤٧] بتأنيث الفعل مع أن فاعله مجرور بحرف زائد، واختلف في سبب امتناع كفت بهند، فقال الزجاج٥: لأنه كفى مضمن معنى اكتف، وفعل الأمر لا يؤنث لتأنيث فاعله. وقال ابن السراج: إن
_________________
(١) شطر بيت بلا نسبة في التسهيل ص١١٨، وحاشية الصبان ٣/ ٦٧. ١ التسهيل ص١١٨. ٢ انظر هذه القراءة في النشر ٢/ ٢٨٠. ٣ المحتسب ١/ ٢٩٨. ٤ سقطت من "ب". ٥ معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٢٧.
[ ١ / ٤٢٥ ]
فاعل كفى ضمير مستتر يعود على الاكتفاء، والباء متعلقة بالمضمر، أي: كفى الاكتفاء بهند، ورد بأن ضمير المصدر لا يعمل عند البصريين، وهو منهم، خلافًا للكوفيين.
"الثالث" مما ينون عن الفاعل: "مصدر" متصرف "مختص" بصفة أو غيرها "نحو: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةً وَاحِدَةً﴾ " [الحاقة: ١٣]، فـ"نفخة" نائب الفاعل وهو مصدر١ متصرف لكنه مرفوعا، ومختص لكونه موصوفًا بـ"واحدة" وغير المتصرف من المصادر ما لزم النصب على المصدرية، نحو: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [المؤمنون: ٩١] وغير المختص المبهم، نحو: سير فيمتنع سبحانه الله بالضم، على أن يكون نائب فاعل فعله المقدر على أن الأصل: يسبح سبحان الله لعدم تصرفه، "ويمتنع نحو: سير سير لعدم الفائدة" إذ المصدر المبهم مستفاد من الفعل فيتحد معنى المسند المسند إليه ولا بد من تغايرهما، بخلاف ما إذا كان مختصا فإن الفعل مطلق، ومدلول المصدر مقيد فيتغايران فتحصل الفائدة، وإذا امتنع سِيْرَ سَيْرٌ مع إظهار المصدر "فامتناع سير"، بالبناء للمفعول على "إضمار ضمير" المصدر " [السير] ٢ أحق" بالمنع؛ لأن ضمير المصدر المؤكد أكثر إبهامًا من ظاهره "خلافًا لمن أجازه" كالكسائي وهشام فيما نقل ابن السيد أنهما أجازا: جلس، بالبناء للمفعول، وفيه ضمير مجهول، قال ثعلب: أراد أن فيه ضمير المصدر، وتبعهما أبو حيان في النكت الحسان، فقال٣: ومضمر المصدر يجري مجرى مظهره فيجوز أن تقول: قيم وقعد، فتضمر المصدر كأنك قلت: قيم القيام، وقعد القعود، ا. هـ.
والصحيح المنع، "وأما قوله" وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٣٥٨-
"وقالت متى يبخل عليك ويعتلل يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب
"فـ" النائب عن الفاعل بـ"يعتلل" ضمير مصدر مختص بلام العهد، أو بصفة محذوفة، و"المعنى: ويعتلل" هو، أي: "الاعتلال المعهود، أو اعتلال، ثم خصصه بـ"عليك" أخرى" في موضع الحال من الضمير ليقيد بها فيفيد ما لم يفده الفعل؛ لأنه إنما يدل على مصدر نكرة محضة وهي حال "محذوفة للدليل" الدال عليهما
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ النكت الحسان ص٥٣.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص٤٢، وشرح شواهد المغني ص٩٢، ٨٨٣، ولعلقمة في ديوانه ص٨٣، ولأحدهما في المقاصد النحوية ٢/ ٥٠٦، وشرح الأشموني ١/ ١٨٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٤٢، ومغني اللبيب ٢/ ٥١٦.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وهو "عليك" المذكورة قبل الفعل، وحذفت "كما تحذف الصفات المخصصة" للموصوفات للدليل، كقوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: نافعًا؛ لأن أعمالهم توزن بدليل، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٩] الآية، قاله في المغني. وإضمار ضمير المصدر النوعي أجازه سيبويه١؛ لأن الفعل لا يدل عليه قاله ابن خروف في شرح كتاب سيبويه. و"يسؤك" من الإساءة جواب الشرط الأول، و"تدرب" بالدال المهملة من الدربة، وهي العادة جواب الشرط الثاني والاعتلال: الاعتذار، يقال: اعتل عليه بعلة اعتذر له عن قضاء غرضه بعذر، "وبذلك" التوجيه "يوجه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ " [سبأ: ٥٤]، بالنصب، فيكون المعنى: وحيل هو، أي: الحول المعهود، أو حول بينهم إلا أن الصفة هنا مذكورة، "و" بذلك يوجه أيضًا "قوله" وهو طرفة بن العبد: [من الطويل]
٣٥٩-
"فيا لك من ذي حاجة حيل دونها" وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
فيكون المعنى: حيل هو، أي: الحول المعهود، أوحول دونها، وليس النائب الظرف فيهما؛ لأنه غير متصرف عند جمهور البصريين، وعن الأخفش أنه أجاز في: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] أن يكون الظرف في موضع رفع مع فتحه، ثم قال أبو علي٢ وتلميذه ابن جني٣ فتحة إعراب، واستشكل، وقال غيرهما فتحة بناء، وهو المشهور، ولو قرئ: "وَحِيلَ بَيْنُهُمْ" [سبأ: ٥٤]، أو روي حيل دونها، بالرفع فيهما كما قرئ: "لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ"، بالرفع٤، وكما روي: [من الطويل]
٣٦٠-
وباشرت حد الموت والموت دونها
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٢٩.
(٢) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص٧٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٥١٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٤٤، وشرح الأشموني ١/ ١٨٣. ٢ انظر الحجة ٣/ ٣٦٠. ٣ المحتسب ٢/ ١٩٠. ٤ كذا قرأها ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وعاصم ومجاهد، انظر الإتحاف ص٢١٣، والنشر ٢/ ٢٦٠.
(٣) صدر البيت: "ألم تريا أني حميت حقيقتي" ، وهو لموسى بن جابر في الدرر ١/ ٤٦١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٣٧١، وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ص٨١، والارتشاف ٢/ ٢٦٢، وعمدة الحافظ "دون"، وهمع الهوامع ١/ ٢١٣.
[ ١ / ٤٢٧ ]
بالرفع أيضًا لجاز، ولم يحتج إلى هذا التوجيه، "و" بذلك أيضًا "قوله" وهو الفرزدق يمدح زين العابدين علي بن الحسين بن علي ﵃ أجمعين: [من البسيط]
٣٦١-
"يغضي حياء ويغضى من مهابته" فما يكلم إلا حين يبتسم
فيكون المعنى: يغضي الإغضاء المعهود، أو إغضاء من مهابته، "ولا يقال النائب المجرور" بـ"من" وهو "مهابته" "لكونه مفعولا له"، قاله ابن جني فيما كتب على الحماسة، وتبعه أبو البقاء في شرح لمع ابن جني فقال: والجمهور على نيابة المفعول له، خلافًا للأخفش وضعفه، قال الخفاف: وعلة المنع أن المفعول له مبني على سؤال مقدر، فكأنه من جملة أخرى ا. هـ. وبهذا يعلل منع نيابة الحال؛ لأنه مبني على سؤال مقدر ولا ينوب التمييز خلافًا للكسائي وهشام، ولا المفعول معه، ولا خبر "كان"، فلا يقال كين قائم، خلافًا للفراء.
"الرابع" مما ينوب عن الفاعل "ظرف" زماني أو مكاني "متصرف مختص" فالزماني "نحو: صيم رمضان، و" المكان نحو: "جلس أمام الأمير"، فـ"رمضان وأمام" ظرفان متصرفان؛ لأنهما يخرجان عن الظرفية إلى الفاعلية والمفعولية والإضافة وغيرها، ومختصان بالعلمية في الأول والإضافة في الثاني، "ويمتنع نيابة نحو عندك ومعك وثم" بفتح المثلثة، فلا يقال: جلس عندك ولا معك ولا ثم، "لامتناع رفعهن" وخصهن بالذكر؛ لأنهن لا يتصرفن تصرفًا كاملا؛ لأن "من" تدخل عليهن فما لا يتصرف بحال كـ"قط وعوض" أولى بالمنع، ويمتنع نيابة "نحو: مكانا وزمانًا إذا لم يقيدا" بقيد يخصصهما، فلا يقال: جلس مكان، ولا صيم زمان لعدم الفائدة؛ لأن الفعل يدل على مطلق المكان والزمان التزامًا في الأول ووضعًا في الثاني، فإن قيدا بوصف مثلا جاز نيابتهما نحو: جلس مكان حسن، وصيم زمان طويل، لحصول الفائدة بالاختصاص بالوصف؛ لأن الفعل لا يدل على خصوصية الوصف، وإلى جواز نيابة المجرور والمصدر، والظرف أشار الناظم بقوله:
٢٥٠-
وقابل من ظرف أو من مصدر أو حرف جر بنيابة حري
_________________
(١) البيت للحزين الكناني "عمرو بن عبد وهيب" في الأغاني ١٥/ ٢٦٣، ولسان العرب ١٣/ ١١٤، "حزن" والمؤتلف والمختلف ص٨٩، وللفرزدق في ديوانه ٢/ ١٧٩، وأمالي المرتضى ١/ ٦٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٦٢٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٣٢، ومغني اللبيب ١/ ٣٢٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٥١٣، ٣/ ٢٧٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٤٦، وشرح ابن الناظم ص٢٦٠، وشرح الأشموني ١/ ١٨٣، وشرح المفصل ٢/ ٥٣.
[ ١ / ٤٢٨ ]
"و" حيث وجد المفعول به وغيره من مصدر وظرف ومجرور "لا ينوب غير المفعول به مع وجوده" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٥١-
ولا ينوب بعض هذي إن وجد في اللفظ مفعول به
لأن غير المفعول به إنما ينوب بعد أن يقدر مفعولا به مجازا، فإذا وجد المفعول به حقيقة لم يقدم عليه غيره؛ لأن تقديم غيره عليه من تقديم الفرع على الأصل لغير موجب، "وأجازه الكوفي١" أي: أجاز الكوفيون٢، أن ينوب غير المفعول به مع وجوده "مطلقًا" أي: من غير شرط سواء تأخر النائب عن المفعول به أو تقدم عليه.
فالأول "كقراءة أبي جعفر: "لِيَجْزَى قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"" [الجاثية: ١٤]، فبنى "يجزى" للمفعول وأناب المجرور بالباء عن الفاعل مع وجود المفعول به وهو "قومًا" مقدمًا على النائب٣.
والثاني كضرب في الدار زيدًا، "و" أجازه "الأخفش بشرط تقديم النائب" على المفعول به٤ كالمثال الثاني، "وكقوله": [من الرجز]
٣٦٢-
وإنما يرضي المنيب ربه "ما دام معنيا بذكر قلبه"
فـ"معنيا" اسم مفعول من "عني بحاجتك"، أصله معنوي، كمضروب، أعل بقلب الواو ياء وإدغامها في الياء وقلب الضمة كسرة، ونائب فاعله هو المجرور بالباء وهو "ذكر" مع وجود المفعول به مؤخرًا وهو "قلبه"، "و" نحو "قوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٢٣، وشرح ابن الناظم ص١٧٠، ١٧١. ٢ في "ب": "الكوفي". ٣ الآية من شواهد ابن الناظم ص١٧٠، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٠٩، وأوضح المسالك ٢/ ١٤٩، وشرح المفصل ٧/ ٧٥، والقراءة المستشهد بها قرأها عاصم وشيبة والأعرج، انظر الإتحاف ص٣٩٠، والنشر ٢/ ٣٧٢. ٤ في شرح ابن الناظم ص١٧٠: "مذهب سيبويه أنه لا يجوز نيابة غير المفعول به مع وجوده، وأجازه الأخفش والكوفيون". وانظر شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٠٩، والخصائص ١/ ٣٩٧.
(٢) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٤٩، وشرح ابن الناظم ص١٧٠، وشرح التسهيل ٢/ ١٢٨، وشرح الأشموني ١/ ١٨٤، وشرح قطر الندى ص١٨٩، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦١٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٥١٩.
[ ١ / ٤٢٩ ]
٣٦٣-
"لم يعن بالعلياء إلا سيدًا" ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى
فـ"يعن" مضارع مبني للمفعول من "عني بكذا"، و"بالعلياء" نائب: الفاعل، "وسيدا" مفعول به مؤخر، واختاره الناظم في التسهيل١، وظاهر قول الناظم:
٢٥٠-
وقد يرد
يشمل مذهب الكوفيين والأخفش. وأجاب جمهور البصريين عن البيتين بأنهما ضرورة، وعن القراءة بأنها شاذة. قال الموضح في شرح القطر٢، ويحتمل أن يكون النائب عن الفاعل في الآية ضميرًا مستترًا في الفعل عائدا على "الغفران" المفهوم من قوله "يغفروا" أي: ليجزى الغفران قومًا، وإنما أقيم المفعول به غاية ما فيه أنه المفعول الثاني، وذلك جائز. ا. هـ.
وإن لم يوجد المفعول به فقال الجزولي٣: تساوت البقية. واختار ابن عصفور٤ إقامة المصدر، وأبو حيان ٥ ظرف المكان، وابن معط المجرور٦.
مسألة:
وغير النائب مما معناه متعلق بالرافع" للنائب عن الفاعل "واجب نصبه لفظًا إن كان غير جار ومجرور، كضرب زيد يوم الخميس أمامك ضربًا شديدًا" برفع "زيد" على النيابة عن الفاعل ونصب الظرفين والمصدر "ومن ثم" أي: من أجل أنه يجب نصب ما عدا النائب "نصب المفعول الذي لم ينب" عن الفاعل سواء كان الأول أم الثاني "في نحو: أعطي زيد دينارًا، وأعطي دينار زيدًا" ويسمى المفعول المنصوب من المفعولين خبر ما لم يسم فاعله. "أو" واجب نصبه "محلا إن كان" غير النائب "جارا ومجرورًا، نحو: "فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةً وَاحِدَةً"" [الحاقة: ١٣] فرفع "نفخة"
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧٣، والدرر ١/ ٣٦٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٢١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٥٠، وتخليص الشواهد ص٤٩٧، وشرح ابن الناظم ص١٧٠، وشرح الأشموني ١/ ١٨٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٥١٠، وشرح التسهيل ٢/ ١٢٨، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦٠٩، وهمع الهوامع ١/ ١٦٢. ١ التسهيل ص٧٧. ٢ شرح قطر الندى ص١٩٠. ٣ الجزولية ص١٤٢. ٤ المقرب ١/ ٨١. ٥ النكت الحسان ص٥٥. ٦ في المصدر السابق: "واختار ابن معط إقامة المجرور".
[ ١ / ٤٣٠ ]
على النيابة عن الفاعل، ونصب محل الجار والمجرور، وهو في "الصور"، "وعلة ذلك" النصب الواجب لفظا أو محلا لما عدا النائب "أن الفاعل لا يكون إلا واحدًا، فكذلك نائبه" لا يكون إلا واحدًا فينصب ما عداه، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٢٥٤-
وما سوى النائب مما علقا بالرافع النصب له محققا
هل نصبه بالرافع للنائب فيكون متجددًا، أو برافع الفاعل المحذوف فيكون مستصحبًا فيه مذهبان، أصحهما الأول، ويغزى لسيبويه١.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٢٨.
[ ١ / ٤٣١ ]
"فصل":
"وإذا تعدى الفعل لأكثر من مفعول" واحد "فنيابة الأول جائزة اتفاقًا ونيابة الثالث ممتنعة اتفاقًا، نقله" ابن هشام "الخضراوي١" وابن أبي الربيع "وابن الناظم" في شرح النظم٢، "والصواب أن بعضهم أجازه إن لم يلتبس" بغيره "نحو: أعلمت زيدًا كبشك سمينًا" فتقول: أعلم زيدا كبشك سمين، قاله أبو حيان في النكت الحسان٣. وقال الشاطبي: أجاز بعض المتأخرين إقامة الثالث لكن مع حذف الأول، وأجرى فيه الخلاف في الثاني، وألزم ابن الحاج من قال بإقامة الثاني أن يقول بإقامة الثالث إذ لا فرق بينهما. قال الشاطبي: وهو إلزام صحيح ا. هـ.
وإنما لم يذكر الناظم حكم الثالث؛ لأنه داخل في حكم الثاني، فيأتي فيه الخلاف الآتي فيه، ويكون الصحيح فيه الجواز إن لم يلبس، وهو قضية كلام التسهيل٤.
"وأما الثاني ففي باب "كسا"" وهو ما ليس خبرًا في الأصل عن الأول "إن ألبس، نحو: أعطيت زيدًا عمرًا، امتنع" نيابته "اتفاقًا" للإلباس تقدم أو تأخر؛ لأن كلا منهما يصلح أن يكون معطى، ولا يتبين المأخوذ من الآخذ إلا بالإعراب، فلو قيل: أعطي عمرو زيدً، أو أعطي زيدًا عمرو، لتوهم أن "عمرًا" آخذ، و"زيدًا" مأخوذ والغرض بالعكس.
وقال بعض المتأخرين ينبغي أن يستظهر على اللبس بحفظ الرتبة كما في: ضرب موسى عيسى، فيكون المقدم هو المسند إليه، "وإن لم يلبس نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، جاز" نيابته "مطلقًا" أي: سواء اعتقد القلب أم لا، وسواء كان الثاني نكرة والأول معرفة أم لا؛ لأن "زيدا" آخذ أبدا، و"درهما" مأخوذ أبدا. "وقيل: يمتنع مطلقا" طردًا للبس، فيتعين نيابة الأول؛ لأنه فاعل معنى.
_________________
(١) ١ انظر المقرب ١/ ٨١، والارتشاف ٢/ ١٨٨. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٦. ٣ النكت الحسان ص٥٦. ٤ انظر التسهيل ص٧٧، والارتشاف ٢/ ١٨٦-١٨٨.
[ ١ / ٤٣٢ ]
"وقيل" يمتنع نيابة الثاني "إن لم يعتقد القلب" في الإعراب وهو كون المرفوع منصوبا والمنصوب مرفوعًا، فإن اعتقد القلب جاز، والنائب في الحقيقة هو الأول؛ لأن نيابة الثاني مع اعتقاده القلب مجاز صوري، ورفعه مجاز، كما أن نصب الأول مجاز، فهو من إعطاء المرفوع إعراب المنصوب، وعكسه عند أمن اللبس كقولهم: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر، وهو من ملح كلامهم.
"وقيل:" يمتنع نيابة الثاني "إن كان نكرة والأول معرفة" قاله الفارسي، فلا يقال: أعطي درهم زيدًا، ويتعين: "أعطي زيد درهمًا"١؛ لأن المعرفة أحق بالإسناد إليها من النكرة "وحيث قيل بالجواز" في الثاني "فقال البصريون إقامة الأول أولى" لأنه فاعل معنى. "وقيل" عن الكوفيين أنهم قالوا: "إن كان" الثاني "نكرة" والأول معرفة "فإقامته قبيحة، وإن كان معرفتين استويا في الحسن قاله" المرادي نقلًا عن الكوفيين في شرح التسهيل.
وقال أبو حيان٢: محل الخلاف أنه إذا كان "درهمًا" منصوبًا بـ"أعطى"، أما من جعله منصوبًا بغير "أعطى" وقدر له فعلًا آخر تقديره: يأخذ درهمًا، فلا يصح على مذهبه إقامة "الدرهم" معمولا" لـ"أعطى" لأنه معمول لغيره. ا. هـ.
"و" المفعول الثاني "في باب "ظن"" وهو ما كان خبرًا في الأصل عن الأول.
"قال قوم" كثيرون "يمتنع" نيابته" مطلقًا" سواء ألبس أم لم يلبس، وسواء كان جملة أم لا، وسواء كان نكرة والأصل معرفة أم لا "للإلباس في النكرتين" نحو: ظن أفضل منك أفضل من زيد، إذا كان أفضل من زيد هو الأول، "و" في "المعرفتين" نحو: ظن صديقك زيدًا، إذا كان زيد هو الأول، "ولعود الضمير على المؤخر" من المفعولين "إن كان الثاني نكرة" والأول معرفة؛ "لأن الغالب" في الثاني "كونه مشتقا، وهو حينئذ" أي: حين إذ ناب عن الفاعل "شبيه بالفاعل؛ لأنه مسند إليه" الفعل المبني للمفعول، "فرتبته التقديم" نحو: ظن قائم زيدًا، ففي "قائم" ضمير مستتر يعود على "زيدًا" وهو متأخر لفظًا ورتبة؛ لأنه مفعول غير نائب عن الفاعل، "وقائم" متقدم الرتبة؛ لأنه نائب الفاعل، ولا يصح أن يعود من المرفوع ضمير على المنصوب إلا في الشعر، "و" هذا القول "اختاره" أبو موسى "الجزولي٣" وابن هشام "الخضراوي.
_________________
(١) ١ في "ب": "أعطي زيدًا درهم". ٢ النكت الحسان ص٥٦. ٣ الجزولية ص١٤٣.
[ ١ / ٤٣٣ ]
وقيل يجوز" نيابة الثاني في باب "ظن" "إن لم يلبس" نحو: ظن قائم زيدًا، ويمتنع إن ألبس، نحو: ظن عمرو زيدًا، إذا كان مفعولًا ثانيًا، "ولم يكن جملة" اسمية أو فعلية؛ لأن الفاعل ونائبه لا يكونان جملة على الأصح، "و" هذا القول "اختاره ابن طلحة" والسيرافي في الإقناع "وابن عصفور١ وابن مالك٢" وجماعة من المتأخرين.
"وقيل: يشترط" في إقامة الثاني "أن لا يكون نكرة والأول معرفة، فيمتنع: ظن قائم زيدًا" برفع "قائم" لأنه يؤدي إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة وذلك مرفوض في الكثير، وما سمع منه حمله جماعة على القلب، وقد نص على هذا المعنى سيبويه٣ في: كان رجل زيدًا، والبابان واحد، قاله الشاطبي.
"و" المفعول الثاني "في باب "أعلم" أجازه قوم" منهم الجزولي٤، والشلوبين في التوطئة، وتلميذه ابن الحاج في الرد على ابن عصفور في المقرب "إذا لم يلبس فيمتنع" أعلم زيد عمرو قائمًا، "ومنعه قوم ومنهم الخضراوي والأبدي" بضهم الهمزة وتشديد الموحدة، نسبة إلى أبدة بلد بالأندلس، "وابن عصفور٥ لأن" المفعول "الأول" واقع عليه الإعلام فهو "مفعول صحيح" لصحة إطلاق المفعولية عليه حقيقة؛ ولأن أصله الفاعلية فهو أحق بما كان ملتبسًا به، "و" أما المفعولان "الأخيران" "فأصلهما مبتدأ وخبر شبها" في نصبهما "بمفعولي "أعطى"" فإطلاق المفعولية عليهما مجاز؛ "ولأن السماع إنما جاء بإقامة الأول، قال" الفرزدق: [من الطويل]
٣٦٤-
"ونبئت عبد الله بالجو أصبحت كرامًا مواليها لئيما صميمها
فالتاء هي المفعول الأول نائبة عن الفاعل، و"عبد الله" علم قبيلة المفعول الثاني، وجملة "أصبحت" المفعول الثالث، واسم "أصبحت" ضمير مستتر فيها يعود إلى "عبد الله" وأنثها باعتبار القبيلة، و"كراما" خبر أصبحت، و"مواليها" فاعل "كراما" و"لئيمًا" خبر بعد خبر "وصميمها" فاعل "لئيمًا" و"الجو" بفتح الجيم، وتشديد الواو اليمامة، كانت تسمى جوا، و"الكريم": الشريف، و"اللئيم"
_________________
(١) ١ المقرب ١/ ٤١. ٢ التسهيل ص٧٧، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦١٠. ٣ الكتاب ١/ ٤٧. ٤ الجزولية ص١٤٣. ٥ المقرب ١/ ٨١.
(٢) تقديم تخريج البيت برقم ٣٢١.
[ ١ / ٤٣٤ ]
ضده "وصميم الشيء" خالصه، والمراد أعيان القبيلة ورؤساؤها، والمعنى: أخبرت أن القبيلة المدعوة بعبد الله الكائنة باليمامة مواليها كرام، ورؤساؤها لئام.
"وقد تبين" مما ذكر من جريان الخلاف في ثاني [مفعولي] ١ كسا، واشتراط كون الثاني في باب "ظن" ليس جملة، وجريان الخلاف في الثالث في باب "أعلم" "أن في النظم أمورًا" غير مناسبة، "وهي حكاية الإجماع على جواز إقامة الثاني من باب "كسا"، حيث لا لبس" فإنه٢ قال:
٢٥٢-
وباتفاق قد ينوب الثان من باب كسا فيما التباسه أمن
"وعدم اشتراط كون الثاني من باب "ظن" ليس جملة" حيث قال:
٢٥٣-
في باب ظن وأرى المنع اشتهر ولا أرى منعا إذا القصد ظهر
"وإيهام أن إقامة الثالث" من باب "أعلم" "غير جائزة بالاتفاق، إذ لم يذكره مع المتفق عليه" وهو إقامة الأول "ولا مع المختلف فيه" وهو إقامة الثاني "ولعل هذا" الصنيع الموهم "هو الذي غلط ولده" في شرح النظم٣، "حتى حكى الإجماع على الامتناع"، فهذه ثلاثة أمور، والأولان مسلمان، والثالث منظور فيه من وجهين. أحدهما: أن الناظم وإن لم يتعرض للثالث صريحًا فقد تعرض له التزامًا، وذلك لأن الثالث في باب "أعلم" هو الثاني في باب "علم، وقد ذكر الثاني، فلو ذكر الثالث لكان تصريحًا بما علم التزامًا ففيه شائبة تكرار، والثاني أن ابن الناظم مسبوق بحكاية الاتفاق على الامتناع وهي ثابتة كما نقله الموضح أول الفصل عن الخضراوي، فلا ينسب حاكيها إلى غلط، غاية ما في الباب أن حاكي الاتفاق لم يقف على الاختلاف.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب". ٢ سقطت من "ب". ٣ شرح ابن الناظم ص١٧١.
[ ١ / ٤٣٥ ]
"فصل":
"يضم أول فعل المفعول" الذي لم يسم فاعله "مطلقًا" سواء كان ماضيًا أم مضارعًا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٤٣-
فأول الفعل اضممن
و"يشركه" في الضم "ثاني الماضي المبدوء بتاء زائدة" معادة سواء أكانت للمطاوعة، أم لا، فالثاني "كتضارب، و" الأول نحو: "تعلم" وتدحرج، وقيدنا الزيادة بالمعتادة احترازًا من التاء في نحو قولهم: ترمس الشيء، بمعنى رمسه، فإنها زائدة، ولا يضم ثاني فعلها لكون زيادتها غير معتادة، قاله المرادي١، وإلى تاء المطاوعة، أشار الناظم بقوله:
٢٤٥-
والثاني التالي تا المطاوعه كالأول اجعله بلا منازعه
ويشركه "ثالث المبدوء بهمز الوصل" كان متعديًا أم لازمًا، فالثاني "كـ: انطلق، و" الأول نحو: "استخرج واستحلى" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٤٦-
وثالث الذي بهمز الوصل كالأول اجعلنه كاستحلي
وفي جمل الزجاجي٢ لا يجوز أن يبنى الفعل اللازم للمفعول عند أكثر النحويين ا. هـ.
وخصه أبو البقاء بما لا يتعدى بحرف جر، ومثله بـ"قام" و"جلس" وعلله بأنه لو بني للمفعول لبقي الفعل خبرًا بغير مخبر عنه، وذلك محال، "ويكسر ما قبل الآخر من الماضي" وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٤٣-
والمتصل بالآخر اكسر في مضي كوصل
ومن العرب من يسكنه كقوله: [من الرجز]
٣٦٥-
لو عصر بها البان والمسك انعصر
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٢/ ٢٣، ٢٤. ٢ الجمل ص٧٧.
(٢) الرجز لأبي النجم العجلي في ديوانه ص١٠٣، وأدب الكاتب ص٥٣٨، وإصلاح المنطق ص٣٦، واللكتاب ٤/ ١١٤، واللسان ٣/ ٣٣٦ "قصد"، ٤/ ٥٨١ "عصر" والمنصف ١/ ٢٤، والارتشاف ٢/ ١٩٥، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٢٤، واللامات ٣٦، والمنصف ٢/ ١٢٤، والمخصص ١٤٧/ ٢٢٠.
[ ١ / ٤٣٦ ]
واختاره قطرب، قال الخضراوي: وهي لغة بكر بن وائل وكثير من بني تميم، ومن العرب من يقلب الكسرة فتحة في المعتل اللام، فنقلب الياء ألفًا، فيقول في رؤي زيد: رؤى زيد، بفتح الهمزة، وهي لغة طيئ، فتحصل في معتل اللام ثلاث لغات، كسر ما قبل آخره وتسكينه، وفتحه "ويفتح" ما قبل الآخر "من المضارع" وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٤٤-
واجعله من مضارع منفتحا
هذا كله في صحيح العين السالم من التضعيف.
"و" أما "إذا اعتلت عين الماضي وهو ثلاثي كـ"قام"" من الواوي، "و"باع"" من اليائي. "أو" كان "على" وزن "افتعل وانفعل، كـ"اختار"" من البائي، "و"انقاد"" من الواوي "فلك" في العين "كسر ما قبلها بإخلاص أو إشمام الضم فتقلب" الألف "ياء فيهما" وإخلاص الكسر لغة قريش ومن جاورهم، وإشمام الكسر الضم لغة كثير من قيس، وأكثر بني أسد.
قال الشاطبي: وفي كيفية الإشمام ثلاثة مذاهب:
أحدها ضم الشفتين مع النطق بالفاء فتكون حركتها بين حركتي الضم والكسر، هذا هو المعروف المشهور المقروء به.
والثاني ضم الشفتين مع إخلاص كسرة الفاء.
والثالث ضم الشفتين قبيل النطق بها؛ لأن أول الكلمة مقابل لآخرها، فكما أن الإشمام في الأواخر بعد الفراغ من إسكان الحرف فكذلك يكون الإشمام في أولها قبيل النطق بكسر الحرف ا. هـ.
وقال المرادي١: الأقرب ما حرره بعض المتأخرين فقال: كيفية النطق به أن يلفظ على فاء الكلمة بحركة تامة مركبة من حركتين إفرادًا لا شيوعًا جزء الضمة مقدم وهو الأقل يليه جزء الكسرة وهو الأكثر، ومن ثم تمخضت الياء ا. هـ.
"ولك إخلاص الضم فتقلب" الألف "واوًا" وإلى فاء الثلاثي المعتل العين أشار الناظم بقوله:
٢٤٧-
واكسر أو اشمم فا ثلاثي أعل عينا وضم جا كبوع فاحتمل
وأشار إلى ما كان على وزن افتعل وانفعل بقوله:
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٢/ ٢٥.
[ ١ / ٤٣٧ ]
٢٤٩-
وما لفا باع لما العين تلي في اختار وانقاد وشبه ينجلي
"قال" رؤبة في الضم الخالص: [من الرجز]
٣٦٦-
"ليت وهل ينفع شيئًا ليت ليت شبابًا بوع فاشتريت"
فـ"بوع" مبني للمفعول وهو خبر "ليت" الأولى، و"شبابًا" اسمها، و"ليت" الأخيرة توكيد للأولى فلا اسم لها ولا خبر، وليت الوسطى فاعل "ينفع"، و"شيئًَا" مفعول مطلق، أي: نفعًا وفاقًا للموضح لا مفعول به خلافًا للعيني١، والجملة من الفعل والفاعل معترضة بين المؤكد والمؤكد، و"هل" للنفي بدليل أنه روى وما ينفع شيئًا ليت، والواو للاعتراض، "وقال" آخر: [من الرجز]
٣٦٧-
"حوكت على نيرين إذ تحاك" تختبط الشوك ولا تشاك
فـ"حوكت" من الحياكة وهي النسج، مبني للمفعول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه يرجع إلى الحلة، و"نيرين" تثنية نير بكسر النون وسكون الياء المثناة تحت، وفي آخره راء علم الثوب ولحمته أيضًا فإذا نسج على نيرين كان أصفق ولصفاقتها تختبط الشوك ولا يؤثر فيها شيئ، وهذه اللغة "وهي" الضم الخالص لغة "قليلة" موجودة في كلام هذيل "وتعزى لفقعس ودبير" الجميع، وهما من فصحاء بني أسد، قاله المرادي في شرح التسهيل.
وقال الشاطبي: حكيت عن بني ضبة، وقال الموضح٢: حكيت عن بعض تميم، "وادعى ابن عذرة" وطائفة من متأخري المغاربة "امتناعها في افتعل" كـ"اختار" "وانفعل" كـ"انقاد" مما زاد على الثلاثة، فلا يقال: اختور ولا انقود، "و" المشهور
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٧١، والدرر ١/ ٥٢٤، ٢/ ٥٣٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨١٩، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٢٤، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٩٢، وأوضح المسالك ٢/ ١٥٥، وتخليص الشواهد ص٥٩٤، وشرح ابن الناظم ص١٦٩، وشرح الأشموني ١/ ١٨١، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٠٣، وشرح التسهيل ٢/ ١٣١، ٣/ ٣٠٤، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦٠٥، ومغني اللبيب ٢/ ٦٣٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٨، ٢/ ١٦٥، وتهذيب اللغة ١٤/ ٣٢٠، وديوان الأدب ٣/ ٤٠٢. ١ المقاصد النحوية ٢/ ٥٢٥.
(٢) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٥٦، وتخليص الشواهد ص٤٩٥، والدرر ٢/ ٥٣٥، وشرح ابن الناظم ص١٦٨، وشرح الأشموني ١/ ١٨١، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٠٢، وشرح التسهيل ٢/ ١٣١، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦٠٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٣٦، والمنصف ١/ ٢٥٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٦٥، وتاج العروس ١٩/ ٢٣٧ "خبط". ٢ شرح بانت سعاد ص١٢٦.
[ ١ / ٤٣٨ ]
"الأول" وهو "قول ابن عصفور والأبدي وابن مالك" وينطق بالهمزة في نحو: اختار وانقد على حسب ما ينطق بالحرف الثالث، قاله ابن مالك١. "وأدعى ابن مالك امتناع ماألبس من كسر كـ"خفت وبعت" أو ضم كـ"عقت"" مبنيات للمفعول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٤٨-
وإن بشكل خيف لبس يجتنب
"وأصل المسألة" قبل بنائهن للمفعول "خافني زيد، وباعني لعمرو، وعاقني عن كذا"، فحذفت الفاعل، "ثم بنيتهن للمفعول" وأبدلت من ياء المتكلم تاء فوقانية لاشتراكهما في الدلالة على المتكلم، "فلو قلت: خفت وبعت فبالكسر" في الخاء والباء، "وعقت بالضم" في أوله "لتوهم أنهن فعل وفاعل وانعكس المعنى" المراد "فتعين أنه لا يجوز إلا الإشمام أو الضم في" خفت وبعت "الأولين، والكسر في" عقت "الثالث، و" تعين "أن يمتنع الوجه الملبس" وهو الكسر في الأولين والضم في الثالث، "وجعلته المغاربة مرجوحًا لا ممنوعا" فقالوا: إن العرب تختار الكسر في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مضمومة، وتختار الضم في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مكسورة فرقًا بينهما وهو ظاهر٢، "و" لهذا "لم يلتفت سيبويه" في ذلك "للإلباس٣" بل أجاز الأوجه الثلاثة مطلقًا اكتفاء بالفرق التقديري؛ لأن الإلباس غير مانع "لحصوله في" الاسم والفعل، فالاسم "نحو: مختار"، إذ يحتمل أن يكون وصفًا للفاعل أو المفعول، ومع ذلك أعلوه بقلب الياء ألفًا، واكتفوا فيه بالفرق التقديري فعلى تقدير كونه وصفًا للفاعل تكون الياء مكسورة، وعلى تقدير المفعول تكون مفتوحة، "و" الفعل نحو: " ﴿تُضَارَّ﴾ " [البقرة: ٢٣٣] إذ يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل وأن يكون مبنيا للمفعول ومع ذلك أدغم، فعلى تقدير البناء للفاعل تكون الراء الأولى مكسورة، وعلى تقدير البناء للمفعول تكون مفتوحة، "وأوجب٤ الجمهور ضم فاء الثلاثي المضعف" وهو ما كان عينه ولامه من جنس واحد، "نحو: شد ومد" بضم الفاء وتشديد الدال فيهما، "والحق قول بعض الكوفيين إن الكسر" في الفاء "جائز" ونص سيبويه على اطراده. فقال٥:
_________________
(١) ١ انظر شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٠٥. ٢ انظر الارتشاف ٢/ ١٩٦. ٣ الكتاب ٤/ ٤٢١. ٤ في "ب": "وأوجبه". ٥ الكتاب ٤/ ٤٢٢، ٤٢٣.
[ ١ / ٤٣٩ ]
واعلم أن لغة مطردة للعرب يجري فيها فعل من المضاعف الثلاثي مجرى فعل من المعتل فيكسر أوله، فيقال: رِدّ، كما يقال: قِيل، نقله الموضح عنه في الحواشي، ومن خطه نقلت.
"و" الكسر "هو لغة بني ضبة" بضاد معجمة مفتوحة فموحدة مشددة، فهاء تأنيث وهو ابن أد عم تميم بني مرة، قاله الدماميني١. وقال أبو محمد بن السيد البطليوسي٢: ضنة، بالضاد المعجمة والنون لا بالباء، وهو بطن من قضاعة ينسب إليها جماعة، كذا في مختصر الأنساب ا. هـ. ويمكن أن يكونا قبيلتين ضبط كل منهما واحدة، "و" لغة "بعض تميم، وقرأ علقمة" ويحيى بن وثاب: ""رِدَّتْ إِلَيْنَا""٣ [يوسف: ٦٥] و: ""وَلَوْ رِدُّوا""٤ [الأنعام: ٢٨]، "بالكسر" فيهما بنقل كسرة العين إلى الفاء حملًا له على المعتل، "وجواز ابن مالك الإشمام أيضًا" فقال في التسهيل٥: وقد تشم فاء المدغم، "وقال المهاباذي: من أشم" من العرب "في قيل وبيع" من المعتل "أشم هنا" يعني في المضعف فتحصل في فاء المضاعف ما ثبت في فاء المعتل من الكسر الخالص والإشمام والضم الخالص، كما أشار إليه الناظم بقوله:
٢٤٨-
وما لباع قد يرى لنحو حب
وعلى الكسر يلغز، فيقال: ما وجه رفع الماء في قولهم: إن الماء؛ بكسر الهمزة، ورفع الماء، وجوابه أن أصله إن زيد الماء في الحوض إذا صبه فحذف الفاعل، وأنيب عنه المفعول، وكسر الهمزة على حد "رِدَّتْ إِلَيْنَا" [يوسف: ٦٥] بكسر الراء، واستفدنا من تغيير الفعل إذا بني للمفعول أن صيغته مفرعة عن صيغة المبني للفاعل، وبه قال جمهور البصريين، وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنها صيغة أصلية مستقلة بنفسها غير مغيرة عن شيء، وسيأتي في التصريف توجيه كل من القولين.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل للدماميني ٤/ ٢٦٧. ٢ الكتاب مفقود، ورد قوله في شرح شواهد ابن الناظم ص٢٦٠. ٣ انظر القراءة في الإتحاف ص٢٦٦، والمحتسب ١/ ٣٤٥. ٤ انظر القراءة في الإتحاف ص٢٠٧، والبحر المحيط ٤/ ١٠٤. ٥ التسهيل ص٧٧.
[ ١ / ٤٤٠ ]
باب الاشتغال:
"هذا باب الاشتغال":
وحده أن يتقدم اسم، ويتأخر عنه فعل متصرف، أو اسم يشبهه ناصب لضميره، أو لملابس ضميره بواسطة أو غيرها، ويكون ذلك العامل بحيث لو فرّغ من ذلك المعمول، وسلط على الاسم المتقدم لنصبه، إذا تقرر ذلك فنقول: "إذا اشتغل فعل متأخر بنصبه محل ضمير اسم متقدم عن نصبه للفظ ذلك الاسم" المتقدم "كـ"زيدًا ضربته""، أو لمحله" أي: لمحل ذلك الاسم المتقدم؛ "كـ: هذا ضربته" وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٢٥٥-
إن مضمر اسم سابق فعلا شغل عنه بنصب لفظه أو المحل
وذهب جمهور الشارحين إلى أن نصب اللفظ أو المحل إنما هو للضمير المشتغل به العامل مدعين أن العامل إذا وصل إلى الضمير بنفسه ينصب لفظه، وإذا وصل إليه بحرف جر ينصب محله. والتحقيق أن نصب اللفظ أو المحل إنما هو للاسم المتقدم كما شرح الموضح، وأن الضمير لا ينصب له لفظ "فالأصل" جواب إذا "أن ذلك الاسم" المتقدم "يجوز فيه وجهان:
أحدهما راجع لسلامته من التقدير" للعامل، "وهو الرفع بالابتداء، فما بعده" من الجملة الفعلية "في موضع رفع على الخبرية" للمبتدأ، والرابط، بينهما الهاء المتصلة بالفعل، "وجملة الكلام" من المبتدأ والخبر "حينئذ" أي: حين إذ جعل الاسم المتقدم مبتدأ؛ جملة "اسمية" لتصديرها بالاسم.
"و" الوجه "الثاني" من الوجهين "مرجوح لاحتياجه إلى التقدير" للعامل، "وهو النصب فإنه بفعل موافق للفعل المذكور" فيما يلائمه "محذوف وجوبًا" لأن الفعل المذكور مفسر له، ولا يجمع بينهما، وأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] فتوكيد، خلافًا لمن أجاز الجمع بين المفسِّر والمفسَّر، "فما بعده" أي: الاسم المتقدم "لا محل له؛ لأنه مفسِّر" للفعل
[ ١ / ٤٤١ ]
المحذوف، والجملة المفسرة لا محل لها على الأصح، وقال في المغني١: إن جملة الاشتغال ليست من الجمل التي تسمى في الاصطلاح جملة تفسيرية، وإن حصل بها تفسير، ا. هـ.
"وجملة الكلام" من الفعل المحذوف وما بعده "حينئذ" أي: حين إذ جعل الاسم المتقدم منصوبًا بفعل محذوف جملة "فعلية" لتصديرها بالفعل المحذوف.
وهذا الوجه المرجوح مراتبه متخالفة، فالنصب في نحو: "زيدا ضربته" أقوى من النصب في نحو: "زيدًا ضربت أخاه" والنصب في "زيدًا ضربت أخاه" أحسن من النصب في
"زيدًا مررت به" والنصب في "زيدًا مررت به" أحسن من النصب في "زيدا مررت بأخيه"، قاله المرادي في تلخيص شرح أبي حيان على التسهيل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٥٦-
فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما مواق لما قد أظهرا
وزعم الكسائي أن نصب الاسم المتقدم بالفعل المتأخر، وألغى الضمير وزعم تلميذه الفراء أنهما منصوبان بالفعل المذكور؛ لأنهما في المعنى لشيء واحد٢. ويرد عليهما "أزيدًا مررت به؟ " و"أزيدًا هدمت داره؟ ".
"ثم قد يعرض لهذا الاسم" المتقدم "ما يوجب نصبه، وما يرجحه، وما يسوى" فيه "بين الرفع والنصب، ولم نذكر" نحن "من الأقسام ما يجب رفعه، كما ذكر الناظم" في النظم بقوله:
٢٥٨-
وإن تلا السابق ما بالابتدا يختص فالرفع التزمه أبدا
٢٥٩-
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد ما قبل معمولا لما بعد وجد
"لأن حد الاشتغال السابق" أو الباب "لا يصدق عليه"؛ لأنه يعتبر فيه أن يكون الاسم المتقدم بحيث لو فرغ الفعل من الضمير وسلط عليه لنصبه، وما يجب رفعه ليس بهذه الحيثية، "وسيتضح ذلك" في التنبيه الأول الآتي. "فيجب النصب إذا وقع الاسم بعد ما يختص بالفعل كأدوات التحضيض" بحاء مهملة وضادين معجمتين "نحو: هلا زيدًا أكرمته" وأهمله في الارتشاف.
"وأدوات الاستفهام غير الهمزة، نحو: هل زيدًا رأيته" فيجب نصب "زيد" بفعل محذوف يفسره المذكور، وهو "رأيت" ولا يجوز رفعه؛ لأن "هل" إذا جاء بعدها
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٥٢٦. ٢ الارتشاف ٣/ ١١٠، وهمع الهوامع ٢/ ١١٤.
[ ١ / ٤٤٢ ]
اسم وفعل لم يجز تقديم الاسم على الفعل، فلا يجوز "هل زيدًا رأيت" إلا في الشعر، هذا مذهب سيبويه١، وخالفه الكسائي في ذلك، فأجاز أن يليها الاسم الذي بعد فعل، ولم يخص ذلك بالشعر٢، فعلى قوله يجوز الاشتغال في النثر، ولا يجب النصب بل يترجح، وما تقدم في صدر الكتاب٣ من أن "هل" مشتركة بين الأسماء والأفعال مقيد عند غير الكسائي بما إذا لم يكن في حيزها فعل، نحو: "هل زيد أخوك" فإنها إذا لم يكن في حيزها فعل تسلت عنه، بخلاف ما إذا كان الفعل في حيزها، فلا تدخل إلا عليه، ولم ترض بافتراق الاسم بينهما، قاله التفتازاني٤ وغيره.
"و: متى عمرًا لقيته" فيجب النصب لما ذكر، وسيأتي الكلام على الهمزة في المسألة الثالثة. "وأدوات الشرط، نحو: حيثما زيدًا لقيته فأكرمه" فيجب النصب، لما ذكر من الاختصاص بالفعل. "إلا أن هذين النوعين" وهما أدوات الاستفهام غير الهمزة وأدوات الشرط "لا يقع الاشتغال بعدهما إلا في الشعر" عن سيبويه٥، "وأما في" نثر "الكلام فلا يليهما إلا صريح الفعل"، فلا يجوز في الكلام "متى عمرًا لقيته" و"حيثما زيدًا لقيته فأكرمه" "إلا إن كانت أداة الشرط "إذا" مطلقًا، سواء أكان الفعل ماضيًا أم لا "أو: إن" بكسر الهمزة وسكون النون "والفعل ماض" لفظًا أو معنى "إذا زيدًا "تلقاه فأكرمه""، لا فرق في ذلك بين الماضي والمضارع مع "إذا" "و" تقول في "إن" والفعل ماض لفظًا: "إن زيدًا لقيته فأكرمه" أو معنى فقط "إن زيدًا لم تلقه فانتظره". "ويمتنع" الاشتغال "في" نثر "الكلام" بعد "إن" الجازمة لفعل التفسير لفظًا نحو: "إن زيدًا تلقه" بحذف الألف "فأكرمه"؛ لأن "إن" لما جزمت الفعل قوي طلبها له، فلا يليها غيره، بخلاف ما إذا لم تجزمه لفظًا، إما لمضيه، وإما لجزمه بغيرها كما تقدم، فيضعف طلبها للفعل، فيليها غيره.
"ويجوز" الاشتغال "في الشعر" بعد "إن" الجازمة لفعل التفسير، نحو "إن" زيدًا تلقه فأكرمه". "وتسوية الناظم" في الناظم "بين "إن" و"حيثمًا" مردودة"،
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٩٩. ٢ انظر الكشاف ٣/ ١٠٧. ٣ انظر ما تقدم ص٣٧. ٤ مختصر التفتازاني ٢/ ٢٦٠، ٣٦١. ٥ الكتاب ١/ ١٠١.
[ ١ / ٤٤٣ ]
لأن الاشتغال بعد "حيثما" لا يقع إلا في الشعر، وأما بعد "إن" فإنه إن كان الفعل المشتغل ماضيًا لفظًا أو معنى يقع الاشتغال بعدها في الكلام والشعر، وإن كان مضارعًا مجزومًا بها فالاشتغال بعدها مختص بالشعر.
وجوابه إن الغرض من التسوية بينهما إنما هو في وجوب النصب حيث وقع الاشتغال بعدهما، وأما التسوية بينهما في جميع الوجود فليست بلازمة، وعبارة الناظم ناطقة بذلك، ونصبها:
٢٥٧-
والنصب حتم إن تلا السابق ما يختص بالفعل كإن وحيثما
"ويترجح النصب في ست مسائل:
إحداها أن يكون الفعل" المشتغل "طلبًا١، وهو الأمر والدعاء" بخير أو شر، "ولو" كان الدعاء "بصيغة الخبر" المقابل للإنشاء، "فالأمر نحو: زيدًا اضربه، و" الدعاء بصيغة الطلب، نحو: "اللهم عبدك ارحمه، و" الدعاء بصيغة الخبر، نحو: "زيدًا غفر الله له".
فالنصب فيهن بفعل محذوف من لفظ الأولين، ومن معنى الثالث لقصوره، والتقدير: اضرب زيدًا وارحم عبدك، وارحم زيدًا غفر الله له، وإنما ترجح النصب فيهن على الرفع؛ لأن الطلب إنما يكون بالفعل، فكان حمل الكلام عليه أولى؛ ولأن في الرفع الإخبار بالطلب، وحق الخبر أن يكون محتملا للصدق والكذب، قاله ابن الشجرى٢ ونوقش فيه٣.
وقال أبو علي٤: كنت أستبعد إجازة سيبويه الإخبار بجملتي الأمر والنهي٥ حتى مر بي قوله: [من البسيط]
٣٦٨-
إن الذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٣٧، ١٣٨، ١٤٢، وشرح ابن الناظم ص١٧٣، والارتشاف ٣/ ١٠٧. ٢ أمالي ابن الشجري ١/ ٣٣١. ٣ انظر الدرر اللوامع ١/ ١٨٣، ١٨٤، وهمع الهوامع ١/ ٩٦. ٤ أمالي ابن الشجري ١/ ٣٣١، ٣٣٢. ٥ الكتاب ١/ ١٣٨.
(٢) البيت لأبي مكعت أخي بني سعد بن مالك في خزانة الأدب ١/ ٢٤٧، ٢٤٩، ٢٥٠، والدرر ١/ ٢٨٥، وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/ ٩١٤، ومغني اللبيب ٢/ ٥٨٥، وهمع الهوامع ١/ ١٣٥، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٣٢، وشرح التسهيل ٢/ ١١.
[ ١ / ٤٤٤ ]
"وإنما وجب الرفع في نحو: "زيدًا أحسن به" لأن الضمير" المجرور بالباء "في محل رفع" على الفالية عند سيبويه، وزيدت الباء لإصلاح اللفظ، فليس من الاشتغال في شيء، وكذا إن قلنا: الضمير في محل نصب، لأن فعل التعجب جامد لا يعمل فيما قبله، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا.
"وإنما اتفق السبعة عليه" أي على الرفع "في نحو: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا" كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] "لأن" الفاء مانعة من حملة على الاشتغال، فإن "تقديره عند سيبويه١: مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني"، فحذف المضاف الذي هو "حكم"، وأقيم المضاف إليه مقامه وهو "الزانية والزاني"، وحذف الخبر وهو المجرور، "ثم" بعد تمام الجملة "استؤنف الحكم" وهو "فاجلدوا" فصارت جملة الطلب مستأنفة، فلم يزلم الإخبار بالجملة الطلبية وهي "فاجلدوا" عن المبتدأ وهو "الزانية والزاني"، ولم يستقم عمل فعل من جمل مستأنفة في مبتدأن مخبر عنه بغير ذلك الفعل من جملة أخرى، وهذا التقدير متعين عند سيبويه٢، "وذلك لأن الفاء لا تدخل عنده في الخبر في نحو هذا"ن المثال، فإنه يمنع زيادة الفاء في خبر المبتدأ، ما لم يكن المبتدأ موصولًا بفعل أو ظرف، وصلة "أل" غير ذلك، "ولذا" أي ولأجل منع سيبويه زيادة الفاء في خبر المبتدأ إذا لم يكن موصولًا بفعل أو ظرف "قال في قوله: [من الطويل]
٣٦٩-
وقائلة خولان فانكح فتاتهم" وأكرومة الحيين خلو كما هيا
"إن التقدير: هذه خولان"، هذا مقول قول سيبويه٣، فجعل "خولان" خبر مبتدأ محذوف، وجملة "فانكح فتانهم" مستأنفة هربًا من زياة الفاء في خبر المبتدأ غير
_________________
(١) ١ الكتاب ١٤٢، ١٤٣. ٢ الكتاب ١/ ١٣٩، ١٤٠.
(٢) البيت بلا نسبة في الأزهية ص٢٤٣، وأوضح المسالك ٢/ ١٦٣، والجني الداني ص٧١، وخزانة الأدب ١/ ٣١٥، ٤٥٥، ٤/ ٣٦٩، ٨/ ١٩، ١١/ ٣٦٧، والدرر ١/ ٢٠١، والرد على النحاة ص١٠٤، ورصف المباني ص٣٨٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤١٣، وشرح الأبيات المشكلة الإعراب ١/ ٢٧٩، ٢٩٤، وشرح الأشموني ١/ ١٨٩، وشرح التسهيل ١/ ٣٣١، وشرح شواهد الإيضاح ص٨٦، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٦٨، و٢/ ٨٧٣، وشرح المفصل ١/ ١٠٠، ٨/ ٩٥، والكتاب ١/ ١٣٩، ١٤٣، ومغني اللبي ١/ ١٦٥، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٢٩، وهمع الهوامع ١/ ١١٠، ومعاني القرآن للأخفش ١/ ٢٤٧/ ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/ ٤٠٧. ٣ الكتاب ١/ ١٣٨، ١٣٩.
[ ١ / ٤٤٥ ]
الموصول وأجاز الأخفش زيادتها مطلقًا١، ونقله ابن إياز في نتيجة المطارحة أيضًا عن الفارسي٢ وابن جني٣ وغيرهما من البصريين.
وقيد الفراء والأعلم وجماعة الجواز بكون الخبر أمرًا أو نهيًا٤، و"خولان" بفتح الخاء المعجمة: قبيلة من اليمن، "والنكاح": التزويج، و"الفتاة": الشابة، و"أكرومة" بضم الهمزة: من الكرم، كالأعجوبة من العجب، مبتدأ، و"الحيين": تثنية حي، والمراد حي أبيها، وحي أمها، يعني أن كرمها من جهتي نسبها، و"الخلو" بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام: الخالية من الأزواج، خبر "أكرومة"، و"كما": جار ومجرور، خبر بعد خبر "وما" المجرورة بالكاف: اسم موصول، وكلمة "هي" مبتدأ محذوف الخبر، والجملة صلة "ما" والعائدة محذوف، بمعنى "على"، والتقدير: على ما هي عليه.
"وقال المبرد٥: الفاء" في ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] "لمعنى الشرط"؛ لأن الموصول فيه معنى الشرط، فتدخل الفاء في خبره كما تدخل في جواب الشرط، والمعنى: إن زنيا فاجلدوهما، "ولا يعمل الجواب في الشرط، فكذلك ما أشبههما" مما هو منزل منزلة الشرط والجواب. فكما لا يعمل الجواب في الشرط لا يعمل الخبر المشبه للجواب في المبتدأ المشبه للشرط، "وما لا يعمل لا يفسر عاملا".
فعلى قولي سيبويه والمبرد ليست الآية من الاشتغال"، "فالرفع" على الابتداء "عندهما واجب" والخبر على قول سيبويه محذوف، وعلى قول المبرد مذكور وهو "فاجلدوا". وقال أبو علي
الفارسي٦: من جعل الفاء زائدة أجاز النصب في "زيد فاضربه" وأنشد ثعلب أحمد بن يحيى: [من الرجز]
٣٧٠-
يا رب موسى أظلمي وأظلمه فاصبب عليه ملكًا لا يرحمه
_________________
(١) ١ معاني القرآن للأخفش ١/ ٢٤٧، وانظر الدر ١/ ٢٠١. ٢ شرح الأبيات المشكلة الإعراب ١/ ٢٧٩، ٢٨٠، ٢٩٤، وفي الدرر ١/ ٢٠١: "قال أبو علي: من جعل الفاء زائدة أجاز في "خولان" الرفع والنصب". ٣ سر صناعة الإعراب ١/ ٢٦٠. ٤ الارتشاف ٢/ ٦٦، ٧٠. ٥ الكامل ص٨٢٢. ٦ الدرر اللوامع ١/ ٢٠١، وشرح الأبيات المشكلة الإعراب ١/ ٢٨٠.
(٢) الرجز بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٦٩، وخزانة الأدب ٤/ ٣٦٩، ٣٧٠، والدرر ١/ ٢٠٢، وشرح الأبيات المشكلة الإعراب ١/ ٢٩٤، وشرح عمدة الحافظ ص٦٥٣، وهمع الهوامع ١/ ١١٠.
[ ١ / ٤٤٦ ]
المعنى: أظلمنا١.
وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي عبلة "وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ" [المائدة: ٣٨] بالنصب٢، و"قال" أبو محمد، عبد الله بن محمد "ابن السيد"؛ بكسر السين، وسكون الياء آخر الحروف؛ البطليوسي، "و" أبو الحسن، طاهر بن أحمد "ابن بابشاذ"، بالتركيب، كلمة أعجمية يتضمن معناها الفرح والسرور "يختار الرفع في" الاسم المنظور فيه "إلى العموم" بالأمر، "كالآية" ونحوها كـ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] لشبهه بالشرط في العموم والإبهام، "و" يختار "النصب في" الاسم المنظور فيه إلى الخصوص" بالأمر، "كـ: زيدًا اضربه" لعدم مشابهته للشرط٣.
المسألة "الثانية:" مما يترجح فيه النصب "أن يكون الفعل" المشتغل "مقرونا باللام أو بلا الطلبيتين، نحو: "عمرًا ليضربه بكر" و"خالدًا لا تهنه"".
فإن قيل: كيف جاز ذلك، وقد فسر العامل ما لا يعمل؛ لأن "اللام" و"لا" الطلبيتين لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما قياسًا؟. قلت: أجاب ابن عصفور بأنهم أجروا الأمر بـ"اللام" مجرى الأمر بغيرها، وأجروا النهي بـ"لا" مجرى النفي بها.
ويشمل الطلب ما لفظه لفظ الخبر، "ومنه: زيدًا لا يعذبه الله" برفع "يعذب"؛ "لأنه نفي بمعنى الطلب"، فـ"زيدًا" منصوب بفعل محذوف، تقديره: رحم الله زيدًا؛ لأن عدم التعذيب رحمة. "ويجمع المسألتين" هذه والتي قبلها "قول الناظم":
٢٦٠-
واختير نصب "قبل ذي طلب"
"فإن ذلك" الفعل المصاحب للطلب "صادق" على شيئين: "على الفعل الذي هو طلب" كالأمر والدعاء، "وعلى الفعل المقرون بأداة طلب"، كالمقرون "باللام" و"لا" الطلبيتين.
المسألة "الثالثة: أن يكون الاسم" المشتغل عنه "واقعًا بعد شيء، الغالب" في ذلك الشيء "أن يليه فعل"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٦٠-
وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب
_________________
(١) ١ شرح الأبيات المشكلة الإعراب ١/ ٢٩٤. ٢ انظر هذه القراءة في البحر المحيط ٣/ ٤٧٦، والكشاف ١/ ٣٧٧، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ١٧٢. ٣ انظر رأي البطليوسي في كتابه الحلل ص١٥٤، ورأي ابن بابشاذ في همع الهوامع ٢/ ١١٣، وانظر الارتشاف ٣/ ١٠٧.
[ ١ / ٤٤٧ ]
"ولذلك أمثلة، منها همزة الاستفهام، نحو: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ " [القمر: ٢٤] فيترجح نصب، "بشرا" بفعل محذوف يفسره المذكور؛ لأن الغالب في الهمزة أن تدخل على الأفعال، وإنما لم يجب دخولها على الأفعال كباقي أخواتها؛ لأنها أم الباب، وهم يتوسعون في أمهات الأبواب ما لم يتوسعوا في غيرها. "فإن فصلت الهمزة" من الاسم المشتغل عنه "فالمختار الرفع نحو: أأنت زيد تضربه"؛ لأن الاستفهام حينئذ داخل على الاسم، لا على الفعل، هذا إن جعلت "أنت" مبتدأ، كما هو رأي سيبويه١، وإن جعلته فاعلا بفعل مقدر، وانفصل بعد حذفه كما هو رأي الأخفش فالمختار النصب٢؛ لأن الهمزة داخلة في التقدير، "إلا في نحو: أكل يوم زيدًا تضربه"، فيترجح النصب؛ "لأن الفصل بالظرف" وهو "كل يوم" بنصب "كل" "كلا فصل" وحرف الاستفهام داخل في الحكم على الفعل.
"وقال ابن الطراوة٣: إن كان الاستفهام عن الاسم فالرفع" واجب، "نحو: أزيد ضربته أم عمرو" لأن الضرب محقق، وإنما الشك في المفعول، فالاستفهام عن تعيينه "وحكم" ابن الطراوة "بشذوذ النصب في قوله" وهو جرير يمدح ثعلبة ورياحًا، ويذم طهية والخشاب: [من الوافر]
٣٧١-
أثعلبة الفوارس أم رياحا عدلت بهم طهية والخشابا
بنصب "ثعلبة" بفعل محذوف تقديره: أحقرت ثعلبة، ولا يجوز إضمار "عدلت" لتعديه بالياء، قاله الموضح في الحواشي.
و"ثعلبة" بتاء مثلثة وعين مهملة وباء موحدة و"الفوارس" نعته، وإن كان جمعًا، نظر إلى معنى أهل القبيلة، و"رياحًا" بمثناة من تحت، وحاء مهملة، "وطهية" بضم الطاء المهملة، وفتح الهاء وتشديد الياء آخر الحروف، و"الخشاب" بكسر الخاء المعجمة وبالشين المعجمة: كلها قبائل، قاله الموضح في الحواشي.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ١٠٤، وانظر الارتشاف ٣/ ١٠٦. ٢ شرح التسهيل ٢/ ١٤٤، والارتشاف ٣/ ١١٢. ٣ الارتشاف ٣/ ١٠٨.
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص٨١٤، والأزهية ص١١٤، وأمالي المرتضى ٢/ ٥٧، وجمهرة اللغة ص٢٩٠، وخزانة الأدب ١١/ ٦٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨٨، والكتاب ١/ ١٠٢، ٣/ ١٨٣، ولسان العرب ١/ ٣٥٥، "خشب" ١٥/ ١٧ "طها" والمقاصد النحوية ٢/ ٥٣٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٦٦، والرد على النحاة ص١٠٥، وشرح الأشموني ١/ ١٩٠.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وفي مثل الزجاجي١، قال المازني: سأل مروان الأخفش عن "أزيدًا ضربته أم عمرًا" فقال الأخفش: المختار النصب لأجل الألف. فقال: إنما المستفهم عنه هنا الاسم لا الفعل. وإنما ينبغي أن يختار الرفع. فقال: هذا هو القياس. قال المازني: وكذا القياس عندي، ولكن النحاة أجمعوا على اختيار النصب لما كان معه حرف الاستفهام الذي هو في الأصل للفعل. فظهر بهذا أن ما قاله ابن الطراوة شاذ، بدليل قول العرب: "أزيدًا ضربته أم عمرًا" بالنصب، ا. هـ.
"وقال الأخفش٢: أخوات الهمزة" في ترجيح النصب "كالهمزة" في ذلك "نحو: أيهم زيدًا ضربه"، فـ"أيهم": مبتدأ، و"زيدًا" منصوب بفعل محذوف يفسره "ضربه" والجملة خبر "أيهم" والتقدير: "أيهم ضرب زيدًا"، "ومن أمة الله ضربها" فـ"من" بفتح الميم: مبتدأ، و"أمة الله": منصوب بفعل محذوف، خبر "من" والتقدير: من ضرب أمة الله؟.
"ومنها" أي: من الأمثلة "النفي بـ"ما" أو "لا" أو "إن" نحو: ما زيدًا رأيته" أو: لا زيدًا رأيته، أو: إن زيدًا رأيته، فيترجح النصب؛ لأنهم شبهوا أحرف النفي بأحرف الاستفهام في أن الكلام معها غير موجب.
"وقيل: ظاهر مذهب سيبويه اختيار الرفع" في الاسم بعدها٣.
"وقال" أبو عبد الله٤ "ابن الباذش"؛ بباء موحدة وألف فذال وشين معجمتين، والذال مكسورة؛ "وابن خروف": لا يترجح النصب مع هذه الأحرف، وإنما الرفع والنصب "يستويان" معها لدخولها على الأسماء والأفعال، بخلاف غيرها من أحرف النفي وهي: "لم" و"لما" و"لن" فإنها مختصة بالأفعال، فحكها حكم "إن" الشرطية في وجوب النصب إن اضطر شاعر إلى ذلك. قاله ابن مالك في شرح الكافية٥.
"ومنها "حيث" نحو: حيث زيدًا تلقاه فأكرمه، قاله الناظم" في شرح الكافية ونصه٦: ومن مرجحات النصب تقدم" حيث" مجردة من "ما" نحو: حيث
_________________
(١) ١ أي: في مجالس العلماء ص٦١. ٢ انظر الارتشاف ٣/ ١٠٨. ٣ الكتاب ١/ ١٤٥، ١٤٦، وانظر الارتشاف ٣/ ١٠٨. ٤ كذا في "أ"، "ب"، "ط" والصواب: أبو الحسن، انظر بغية الوعاة ٢/ ١٤٢. ٥ شرح الكافية الشافية ٢/ ٦١٩، ٦٢٠. ٦ شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٢٠.
[ ١ / ٤٤٩ ]
زيدًا تلقاه فأكرمه؛ لأنها تشبه أدوات الشرط فلا يليها في الغالب إلا فعل، فإن اقترنت بـ"ما" صارت أداة شرط، واختصت بالفعل. ا. هـ. وهو في ذلك تابع لسيبويه، فإنه قال١: "إذا" و"حيث" مما يقبح بعده ابتداء الأسماء، وإذا أوقعت الفعل على شيء من سببه نصب في القياس، تقول: "إذا عبد الله تلقاه فأكرمه" و"حيث زيدًا تجده فأكرمه".
ونوزع سيبويه في "إذا" لأنها عنده مختصة بالأفعال، ولم ينازع في "حيث" فظن الموضح أن المنازعة في "حيث" فقال: "وفيه نظر"، والعجب منه أنه وافق النتاظم في المغني فقال٢: وإضافة "حيث" إلى الفعلية أكثر ومن ثم ترجح النصب في نحو: جلست حيث زيدًا أراه. ا. هـ.
ولعل وجه النظر في قوله: "فأكرمه"، فإنه يوهم أنه جواب "حيث"، و"حيث" المجردة من "ما" لا جواب لها عند البصريين، ومن جازى بها من الكوفيين أوجب النصب بعدها، فلا يكون راجحًا.
المسألة "الرابعة:" مما يترجح فيه النصب "أن يقع الاسم" المشتغل عنه "بعد عاطف غير مفصول" ذلك العاطف من الاسم "بـ: أما" المفتوحة الهمزة، المشددة الميم، "مسبوق" العاطف "بفعل غير مبني" ذلك الفعل "على اسم" قبله، والمراد ببنائه عليه أن يجعل الفعل خبرًا عن ذلك الاسم، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٦١- وبعد عاطف بلا فصل على
معمول فعل مستقر أولًا
ولا فرق في الفعل بين أن تكون رافعًا للفاعل أو ناصبًا للمفعول، فالأول "كـ: قام زيد وعمرا أكرمته"، "و" الثاني "نحو: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] بعد" قوله: " ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ " [النحل: ٤] وإنما ترجح نصب المعطوف فيهما؛ لأن المتكلم به عاطف جملة فعلية على جملة فعلية، والرافع عاطف جملة اسمية على جملة فعلية، وتشاكل الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى أحسن من تخالفهما، قاله في شرح الكافية٣. ما إذا فصل بين العاطف والاسم بـ"أما" "نحو: ضربت زيدًا وأما عمرو فأهنته، فالمختار الرفع"؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير.
وحكم الاسم الواقع بعد "أما" في الأحوال الخمسة حكم الاسم الواقع في ابتداء الكلام،
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ١٠٦، ١٠٧. ٢ مغني اللبيب ص١٧٧. ٣ شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٢٠، ٦٢١.
[ ١ / ٤٥٠ ]
"لأن "أما" تقطع ما بعدها عما قبلها" لكونها من الحروف التي يبتدأ بها الكلام، قاله الشاطبي: "وقرئ "وَأَمَّا ثَمُودًا فَهَدَيْنَاهُمْ" [فصلت: ١٧] بالنصب لـ"ثمود" منونا وغير منون، قاله الزمخشري في كشافه١، والبيضاوي في تفسيره٢، والتنوين باعتبار الحي، وعدمه باعتبار القبيلة، والنصب بلا تنوين قراءة الحسن البصري، وبالتنوين٣ قراءة ابن عباس، والنصب بفعل محذوف يفسره ما بعده، "على حد: زيدًا ضربته"، إلا أن الفعل المحذوف لا يقدر قبل "ثمود" كما يقدر قبل "زيد" في "زيدًا ضربته" لئلا يلزم الفصل بين "أما" و"الفاء" بجملة تامة، وذلك لا يجوز، فلا يقال: وأما هدينا ثمود فهديناهم، وإنما يقدر بعد الفاء من لفظ المذكور، والأصل: وأما ثمود فهدينا هديناهم، فلما حذف الفعل المفسر بالفتح؛ دخلت الفاء على مفسره فصار "وأما ثمود فهديناهم"، فإن قلت: ما بعد فاء الجزاء لا يعلم فيما قبله، وما لا يعمل لا يفسر عاملا، قلت: الفاء ليست هنا في مركزها الأصلي فلا تكون مانعة من العمل. وشمل قوله: العاطف "الواو" و"الفاء" و"ثم" و"أو"، قاله الشاطبي.
"و"حتى" و"لكن" و"بل" كالعطف نحو: ضربت القوم حتى زيدًا ضربته" و"ما رأيت زيدًا لكن عمرًا رأيت أباه" و"ما أكرمت زيدًا بل عمرًا أكرمته" وإنما قال: كالعاطف؛ لأن المعطوف بهذه الثلاثة يشترط كونه مفردًا، وهو هنا جملة، فجعلت هذه الأحرف منزلة منزلة العاطف في إعطاء حكمه.
المسألة "الخامسة": مما يترجح فيه النصب "أن يتوهم في الرفع أن الفعل المشتغل بالضمير "صفة" لما قبله، "نحو: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ " بِقَدَر﴾ [القمر: ٤٩]؛ لأنه إذا رفع "كل"٤ احتمل "خلقنا" أن يكون خبرا له، فيكون المعنى على عموم خلق كل الممكنات الموجودة بقدر خيرًا كانت أو شرا كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
واحتمل أن يكون "خلقنا" صفة لشيء، و"بقدر" خبر "كل"، والتخصيص باللغة يفهم أن ما لا يكون موصوفًا بها لا يكون بقدر، والصفة هي المخلوقية المنسوبة له، فالمخلوقية التي لا تكون منسوبة له لا تكون بقدر، فيوهم أن ثم مخلوقًا لغيره تعالى، وهو مذهب المعتزلة.
_________________
(١) ١ الكشاف ٣/ ٣٨٨. ٢ أي: في كتابه أنوار التنزيل ٤/ ١١٦. ٣ في "ب": "بالنصب". ٤ هي قراءة أبي السمال، انظر الكشاف ٤/ ٤١، والمحتسب ٢/ ٣٠٠.
[ ١ / ٤٥١ ]
"وإنما لم يتوهم ذلك مع النصب" لـ"كل" على أنه مفعول بفعل محذوف، يفسره "خلقنا"، ويمتنع جعله صفة لـ"كل شيء"؛ "لأن الصفة لا تعمل بالموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا".
"ومن ثم" بفتح المثلثة، أي: من أجل أن الصفة لا تعمل في الموصوف "وجب الرفع" لـ"كل" "إن كان الفعل" المتصل بالضمير "صفة" لـ"كل شيء" "نحو: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُر﴾ " [القمر: ٥٢] أي: الكتب، ولا يصح نصب "كل" لأن تقدير تسليط الفعل عليها إنما يكون على حسب المعنى المراد، وليس المعنى هنا أنهم فعلوا كل شيء في الزبر، حتى يصح تسليط "فعلوا" على "كل شيء" وإنما المعنى: وكل شيء مفعول لهم، ثابت في الزبر، وهو مخالف لذلك المعنى، فرفع "كل" واجب على الابتدائية، والفعل المتأخر صفة له أو لـ"شيء" و"في الزبر" خبر "كل".
"أو" إن كان الفعل "صلة" لموصول "نحو: زيد الذي ضربته، أو" إن كان الفعل "مضافًا إليه نحو: زيد يوم تراه تفرح" فـ"زيد" فيهما واجب الرفع بالابتدائية، ولا يجوز نصبه بفعل يفسره "ضربته" في الأول، و"تراه" في الثاني؛ لأن كلا منهما لا يعمل فيما قبله، أما الأول فلأنه صلة؛ والصلة لا تعمل فيما قبل الموصول؛ وأما الثاني فلأنه مضاف إليه "يوم" وهو شبيه الصلة في تتميم ما قبله، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا.
"أو" إن "وقع الاسم بعد ما يختص بالابتداء، كـ"إذا" الفجائية على الأصح" متعلق بـ"يختص" وفي المسألة ثلاثة أقوال، أصحها هذا مطلقًا والثاني: جواز دخولها على الفعلية مطلقًا، والثالث: التفرقة بين أن يقترن الفعل بـ"قد" فيحوز دخولها عليه، وألا يقترن فيمتنع حكاها في المغني١، وعلى الأصح فيجب الرفع "نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو"، ويجوز النصب على الثاني، ويمتنع على الثالث لفقدان "قد" وإليها أشار الناظم بقوله:
٢٦٢-
وإن تلا السابق ما بالابتدا يختص فالرفع التزمه أبدا
"أو" إن وقع الاسم "قبل ما لا يرد قبله معمولًا لما بعده" وإليها أشار الناظم بقوله:
٢٥٩-
كذا إن الفعل تلا ما لم يرد ما قبل معمولا لما بعد وجد
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص١٣٢، ٢٣٣.
[ ١ / ٤٥٢ ]
"نحو: زيد ما أحسنه، أو" زيد "إن رأيته فأكرمه، أو" زيد "هل رأيته، أو" زيد "هلا رأيته" أو ما زيد إلا يضربه عمرو، فيجب رفع "زيد" في هذه الأمثلة؛ لأن ما بعد "ما" التعجبية و"إن" الشرطية و"هل" الاستفهامية و"هلا" التخضيضية و"إلا" الاستثنائية، لا يعمل فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا، ويقاس على ذلك سائر أدوات الصدور.
"تنبيهان" اثنان: "الأول: ليس من أقسام مسائل الباب ما يجب فيه الرفع كما في مسألة "إذا" الفجائية" المتقدمة "لعدم صدق الضابط عليها" لأن من جملة الضابط المذكور أن يكون الفعل بحيث لو فرغ من الضمير لنصب الاسم السابق، وذلك ممتنع مع "إذا" الفجائية وما ذكر معها، "وكلام الناظم" في البيتين السابقين "يوهم ذلك"؛ لأنه جعله من جملة أقسام الباب، لكن ضرورة تتميم الأقسام ألجأته إلى ذلك. وهذا التنبيه تقدم التنبيه عليه فلا حاجة إلى ذكره.
التنبيه "الثاني: لم يعتبر سيبويه إيهام الصفة مرجحًا للنصب" كما فعل الناظم في شرح التسهيل حيث قال: ومن المرجحات للنصب أن يكون مخلصًا من إيهام غير الصواب، والرفع بخلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ثم علله بأخصر مما قدمناه. "بل جعل" سيبويه "النصب في الآية" المذكورة مرجوحًا "مثله في زيدًا ضربته" فإنه "قال" في أثناء كلام: فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فإنما جاء على حد قوله: "زيدًا ضربته" "وهو عربي كثير". انتهى كلام سيبويه١. فيكون الرفع أحسن من النصب.
قال ابن الشجري٢: أجمع البصريون في هذه الآية على أن الرفع أرجح لعدم تقدم ما يقتضي النصب. وقال الكوفيون: النصب فيها أجود؛ لأنه تقدم على كل عامل ينصب وهو "إن" فاقتضى ذلك إضمار "خلقنا" ا. هـ.
المسألة "السادسة:" مما يترجح نصبه "أن يكون الاسم" المشتغل عنه "جوابًا لاستفهام منصوب" لفظًا أو محلا بما يليه "كـ"زيدًا ضربته" جوابًا لمن قال: "أيهم ضربت" أو "من ضربت" فـ"زيدًا" يترجح نصبه لكونه جوابًا لاستفهام منصوب لفظًا في الأول، ومحلا في الثاني، ليطابق الجواب السؤال في الجملة الفعلية.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ١٤٨. ٢ أمالي ابن الشجري ١/ ٣٣٨، ٣٣٩.
[ ١ / ٤٥٣ ]
أما إذا كان الاستفهام مرفوعا نحو: "أيهم ضربته" برفع "أيهم" فإنك تجيب بالرفع فتقول: "زيد ضربته" برفع "زيد" راجحًا، ليطابب الجواب السؤال في الجملة الاسمية.
وجوز الأخفش مراعاة الصغرى والكبرى بعد "أيهم ضربته" كما يجيز الوجهين في "زيد ضربته وعمرًا أكرمته"، وأجرى الجواب مجرى العطف١، وإنما يجيز سيبويه ذلك في النصب على حده في "زيدا ضربته"٢. ويقال: "هل رأيت زيدًا" فتقول: "لا، ولكن عبد الله لقيته"، ينزل ذلك منزلة الجواب، وإن لم يكن جوابًا، عن المسئول عنه، وكذا لو عطفته فقلت: "لا، بل عمرًا لقيته"، أو: "وعمرًا لقيته"، قاله الموضوح في الحواشي، ومن خطه نقلت.
"و" الرفع والنصب "يستويان في مثل الصورة الرابعة"، على أن يقع الاسم بعد عاطف غير مفصول بـ"أما"، مسبوق بفعل "إذا بني الفعل" السابق "على اسم" بأن أخبر بالفعل عن اسم "غير "ما" التعجبية، وتضمنت الجملة الثانية" المعطوفة على الجملة المبني فعلها على مبتدئها "ضميره، أو كانت" الجملة الثانية "معطوفة بالفاء" المفيدة للسببية "لحصول المشاكلة" متعلق بيستويان وعلى أنه علة له "رفعت أو نصبت" الاسم المشتغل عنه بالضمير في الجملة الثانية، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٦٢-
وإن تلا المعطوف فعلا مخبرا به عن اسم فاعطفن مخيرا
"وذلك نحو: "زيد قام وعمرو أكرمته لأجله" أو "فعمرو أكرمته"" فيجوز في "عمرو" الرفع والنصب على السواء؛ وذلك لأن "زيد قام" جملة كبرى ذات وجهين، ومعنى قولنا: كبرى، أنها جملة في ضمنها جملة مبنية على مبتدئها. ومعنى قولنا: أنها ذات وجهين، أنها اسمية الصدر بالنظر إلى مبتدئها، فعلية العجز بالنظر إلى خبرها، فإن راعيت صدرها رفعت "عمرًا" وكنت قد عطفت جملة اسمية على جملة اسمية، وكلاهما لا محل له من الإعراب، وإن راعيت عجزها نصبته، وكنت قد عطفت جملة فعلية على جملة فعلية محلها الرفع على الخبرية، والرابط بين الجملة المعطوفة والمعطوف عليها إما الضمير من "لأجله" العائد على صدر الجملة الأولى، أو "الفاء" فالمناسبة حاصلة على كلا التقديرين، فاستوى الوجهان.
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٣/ ١٠٩. ٢ الكتاب ١/ ٩٣.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وقال في البسيط: إن أبا علي رجح افرفع، ا. هـ. وهو مقتضى قول ابن الشجري١: إن اعتبار الاسم الذي ضمنه فعل أولى من اعتبار الفعل.
وقال أبو حيان٢: قال بعض معاصرينا: لم يصرح سيبويه بأنهما على حد سواء، وإنما ذلك قول الجزولي٣. والأظهر ترجيح النصب؛ لأن الحمل على الصغرى أقرب وهم يراعون الجوار ما أمكن نحو: "هذا جحر ضب خرب"٤ وعورض بأن الرفع ترجح بعدم الإضمار، فلكل منهما مرجح، فتساويا "بخلاف" ما إذا بني الفعل على "ما" التعجبية نحو: "ما أحسن زيدًا، وعمرو أكرمته عنده، فلا أثر للعطف" على الجملة الفعلية، فرفع "عمرو" في هذا هو المختار، وذكر ذلك سيبويه٥؛ لأن فعل التعجب قد جرى مجرى الأسماء لجموده، ولذلك صغر٦. واعتقد الكوفيون اسميته، فكأنه ليس في الكلام فعل مبني على اسم، فيترجح الرفع لعدم الإضمار.
"فإن لم يكن في" الجملة "الثانية ضمير الأول، ولم يعطف بالفاء فالأخفش والسيرافي" بكسر السين "يمنعان النصب" بناء على العطف على الصغرى، "وهو المختار٧"؛ لأن المعطوف على الخبر خبر، ولا بد فيه من رابط، وهو مفقود، فالرفع عندهما واجب، وإن ورد النصب فهو على حده في "زيدًا ضربته" ابتداء، ويكون من عطف جملة فعلية على جملة اسمية، وهو جائز بلا خلاف، قال المرادي في التلخيص.
"والفارسي وجماعة" كثيرة من المتقدمين "يجيزونه" أي: النصب، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال٨: وقد ذكر المسألة: وذلك قولك: "عمرو لقيته وزيد كلمته" إن حملت الكلام على الأول، وإن حملته على الآخر قلت: "عمرو لقيته وزيدًا كلمته" ا. هـ. يعني بالنصب، فصرح
بأنك إن حملت على الآخر، نصبت، وليس في هذا المثال الذي ذكره ما يقتضي كون ما بعد العطف خبرًا.
_________________
(١) ١ أمالي ابن الشجري ١/ ٣٣٧. ٢ الارتشاف ٣/ ١١٠. ٣ الجزولية ص١٠١. ٤ انظر الكتاب ١/ ٤٣٦، ٤٣٧، والاقتضاب ص٢٤٧ "طبعة دار الجيل". ٥ الكتاب ١/ ٩٦. ٦ الكتاب ٣/ ٤٧٨. ٧ الارتشاف ٣/ ١١٠. ٨ الكتاب ١/ ٩١.
[ ١ / ٤٥٥ ]
ونقل ابن عصفور١ إن سيبويه وغيره لم يشترطوا ضميرا٢، واستدلوا لذلك بإجماع القراء على نصب: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧] وهي معطوفة على "يسجدان" في قوله تعالى: "وَالنَّجْمَ وَالشَّجَرَ يَسْجُدَانِ" [الرحمن: ٦] وليس فيها ضمير يعود على "النجم والشجر".
"وقال هشام" الضرير من الكوفيين٣: "الواو كالفاء" في حصول الربط؛ لأن الواو فيها معنى الجمعية، كما أن الفاء فيها معنى السببية، بدليل "هذان زيد وعمرو"، ورد بأن الواو إنما تكون للجمع في المفردات، ولهذا لا يجوز "هذان يقوم ويقعد"، وقال ابن خروف تبعًا لطائفة من المتقدمين: جميع حروف العطف يحصل بها الربط، واحتجوا ببيت أنشده ثعلب: [من الطويل]
٢٧٢-
فذرني أجول في البلاد لعلني أسر صديقا أو يساء حسود
وخرج على التقدير: أو يساء بي حسود. "وهذه أمور متممات لما تقدم"، وفي بعض النسخ تنبيهات.
"أحدها: أن" العامل "المشتغل عن الاسم السابق كما يكون فعلًا كذلك يكون اسمًا لكن بشروط ثلاثة:
أحدها: أن يكون واصفا"، فلا يكون اسم فعل ولا مصدرا.
"الثاني: أن يكون" الوصف "عاملًا" عمل الفعل، فلا يكون وصفًا غير عامل.
والشرط "الثالث: أن يكون" الوصف العامل "صالحًا للعمل فيما قبله"، فلا يكون وصفًا مقرونًا بـ"أل"، ولا صفة مشبهة، ولا اسم تفضيل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٦٥-
وسو في ذا الباب وصفا ذا عمل بالفعل إن لم يك مانع حصل
"وذلك" الاسم المستوفي للشروط الثلاثة يشمل اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة.
_________________
(١) ١ شرح الجمل ١/ ٣٦٧، ٣٦٨. ٢ شرح التسهيل ٢/ ١٤٤. ٣ الارتشاف ٣/ ١١٠.
(٢) البيت بلا نسبة في أمالي القالي ٢/ ١٣٦.
[ ١ / ٤٥٦ ]
فالأول "نحو: زيدًا أنا ضاربه"، والثاني نحو: "الدرهم أنت معطاه".
والثالث١ نحو: "العسل أنت شرّابه، و"النِّعم أنت مِنحارها". و"العبد أنت ضروبه" أو "ضربيه" و"القدر أنت حذره" "الآن، أو: غدًا" في الجميع، فالاسم السابق فيهن منصوب بوصف محذوف يفسره الوصف المذكور، والتقدير: أنا ضارب زيدًا، وأنت معطًى الدرهم، وأنت شراب العسل، وأنت منحار النعم، وأنت ضروب أو ضريب العبد، وأنت حذر القدر، "بخلاف "زيد عليكه" و"زيد ضربا إياه"" بالياء المثناة تحت، فلا يجوز نصب "زيد" فيهما "لأنهما" أي: "عليك" و"ضربًا" "غير صفة"؛ لأن الأول اسم فعل، والثاني مصدر، واسم الفعل والمصدر لا يعملان فيما قبلهما، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا، فـ"زيد" في المثالين واجب الرفع على الابتدائية، وخبره ما بعده من الفعل النائب عنه اسم الفعل والمصدر.
"نعم يجوز النصب" فيه "عند من جوز تقديم معمول اسم الفعل، وهو الكسائي٢، و" عند من جوز تقديم "معمول المصدر الذي لا ينحل بحرف مصدري" كـ"ضربًا" النائب عن فعله الطلبي، "وهو المبرد٣، والسيرافي"، وعند من جوز عمل اسم الفعل والمصدر محذوفين.
"وبخلاف "زيد أنا ضاربه أمس" لأنه غير عامل على الأصح"؛ لأنه بمعنى الماضي٤، نعم يجوز النصب عند من جوز عمل الوصف إذا كان بمعنى الماضي، وهو الكسائي٥.
"و"زيد أنا الضاربه" و"وجه الأب زيد حسنه"" فـ"زيد" في المثال الأول، و"وجه الأب" في المثال الثاني فرفعهما واجب على الابتدائية، وما بعدهما من الجملة الاسمية خبرهما، ولا يجوز نصبهما؛ "لأن الصلة" وهي "ضارب" "والصفة المشبهة" وهي "حسن" "لا يعملان فيما قبلهما"، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا، وبخلاف "زيد عمرو أكرم منه"؛ لأن اسم التفضيل لا يعمل في مفعول به اتفاقًا لا تقديمًا ولا تأخيرًا.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ الارتشاف ٣/ ١٠٤، ١٠٧. ٣ المقتضب ١/ ١٣، والارتشاف ٣/ ١٠٣. ٤ شرح ابن عقيل ١/ ٢٧٤. ٥ شرح التسهيل ٣/ ٧٥.
[ ١ / ٤٥٧ ]
الأمر "الثاني: لا بد في صحة الاشتغال من علقة" رابطة "بين العامل والاسم السابق"؛ لأن الأصل في ذلك المبتدأ والخبر، ودخل حكم الاشتغال عليه فهو فرعه، "وكما تحصل العلقة" الرابطة "بضميره" أي: ضمير الاسم السابق "المتصل بالعامل كـ"زيدًا ضربته"" فالعلقة الرابطة بين العامل وهو "ضربت" وبين الاسم وهو "زيد" الهاء المتصلة بـ"ضربت" "كذلك تحصل" العلقة "بضميره المنفصل من العامل بحرف جر" متعلق بالمنفصل "نحو: "زيدا مررت به""، فالهاء المجرورة بالباء هي الرابطة بين العامل والاسم السابق، وهي منفصلة من العامل بحرف جر وهو الباء.
"أو" المنفصل من العامل "باسم مضاف نحو: زيدا ضربت أخاه" فالهاء المجرورة بإضافة "الأخ" إليها هي الرابطة بين العامل والاسم السابق، وهي منفصلة من العامل بالاسم المضاف الذي هو "الأخ"١ وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٦٤-
وفصل مشغول بحرف جر أو بإضافة كوصل يجري
"أو" المنفصل من العامل "باسم أجنبي"، أتبع بتابع مشتمل" ذلك التابع "على ضمير الاسم" السابق، "بشرط أن يكون التابع" للأجنبي "نعتًا له" لأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد. قاله في المغني "نحو: زيدا ضربت رجلًا يحبه" فالهاء من "يحبه" هي الرابطة بين العامل والاسم السابق، وهي منفصلة من العامل بالأجنبي وهو "رجلًا"، وجملة "يحبه" نعت "رجلًا" وهو أجنبي من "زيد" لأنه ليس سببًا له. "أو" يكون التابع "عطفًا" على الأجنبي "بالواو" خاصة، لما فيها من معنى الجمع، فالاثنان معها أو الجمع بمنزلة اسم مثنى أو مجموع فيه ضمير، قاله الموضح في الحواشي، "نحو: زيدًا ضربت عمرًا وأخاه، أو" يكون التابع "عطف بيان" على الأجنبي؛ لأن عطف البيان كالنعت في الإيضاح والتخصيص "كـ: زيدا ضربت عمرًا أخاه" فالهاء في "أخاه" فيهما هي الرابطة بين العامل والاسم السابق، وهي منفصلة من العامل بالمعطوف، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٢٦٦-
وعلقة حاصلة بتابع كعلقة بنفس الاسم الواقع
مسألة عطف البيان زائدة على التسهيل، "فإن قدرت" الأخ" فيها "بدلًا" من "عمرًا" "بطلت" هذه "المسألة، نصبت الاسم" السابق "أو رفعت" لأن "الأخ" يصير من جملة ثانية؛ لأن البدل على نية تكرار العامل فتخلوا الجملة
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٣/ ١٠٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٧٣، وشرح ابن الناظم ص١٧٦.
[ ١ / ٤٥٨ ]
الأولى من ضمير يعود على المبتدأ إن رفعت، وعلى المشتغل عنه إن نصبت. قاله ابن عصفور١. اللهم "إلا إذا قلنا: عامل البدل والمبدل منه واحد صح الوجهان"، النصب والرفع لوجود الرابط فيهما، فإن قلت: ويمكن أن يصح الوجهان على القول الأول أيضًا، بأن يجعل العامل في "الأخ" خبرًا في الرفع، ومفسرًا في النصب، وجملة "ضربت عمرًا" معترضة بينهما، قلت: عامل البدل ليس كالملفوظ به من كل وجه حتى يصلح أن يكون خبرًا أو مفسِّرًا لغيره، وإنما هو على تقدير معنوي، وإلا لم يكن من بدل المفرد من المفرد بل هو من بدل الجملة من الجملة، وذلك باطل بالاتفاق، وبقي من التوابع التوكيد٢، ولا يصح مجيئه هنا؛ لأن الضمير المتصل به عائد على المؤكد أبدًا، فلا يصح عوده على الاسم السابق، قاله الشاطبي.
الأمر "الثالث: يجب كون المقدر في نحو: "زيدًا ضربته" من معنى العامل المذكور ولفظه" فيقدر: ضربت زيدًا ضربته. "وفي بقية الصور من معناه" أو لازمه، "دون لفظه، فيقدر" في نحو: "زيدًا مررت به" "جاوزت زيدًا مررت به"، ولا يقدر "مررت"؛ لأنه لا يصل إلى الاسم بنفسه، ويقدر في نحو: "زيدًا لست مثله": خالفت زيدًا لست مثله؛ لأن "خالفت" هو معنى "لست مثله"، قاله أبو البقاء. "و" يقدر في نحو: "زيدا ضربت أخاه" "أهنت زيدا ضربت أخاه"، ولا يقدر "ضربت" لأنك لم تضرب زيدًا، وإنما ضربت أخاه، ومن لازمه إهانة. "زيد" لأن من ضرب أخا شخص فقد أهان ذلك الشخص٣. وجميع ما يقدر في هذا الباب يقدر متقدمًا على الاسم المنصوب إلا أن يمنع مانع من حصر أو غيره، فيقدر متأخرًا عنه.
الأمر "الرابع": ما تقدم من الأوجه الخمسة فيما إذا نصب فعل ضمير اسم سابق أو ملابسًا لضميره يجري "إذا رفع فعل ضمير اسم سابق" لفظًا "نحو: زيد قام، أو" تقديرًا نحو: "زيد "غضب عليه""، فالهاء المجرورة بـ"على" في محل رفع على النيابة عن الفاعل بـ"غضب" "أو" رفع "ملابسًا لضميره نحو: "زيد قام أبوه"".
"فقد يكون ذلك الاسم" السابق "واجب الرفع بالابتداء كـ: خرجت فإذا زيد" قد "قام" لأن "إذا" الفجائية لا تدخل على الأفعال على الأصح السابق٤،
_________________
(١) ١ شرح الجمل ١/ ٣٦٢. ٢ بعده في "ط": "نحو: زيدًا ضربت عمرا نفسه". ٣ انظر شرح ابن الناظم ص٢٧٤، ٢٧٦، وشرح المفصل ٢/ ٣٠، ٣١. ٤ انظر شرح الكافية الشافية ٢/ ٦١٥، والارتشاف ٣/ ١٠٥.
[ ١ / ٤٥٩ ]
"و"ليتما عمرو قعد"، إذا قدرت "ما" كافة" لـ"ليت" عن العمل، فـ"عمرو": مبتدأ، و"قعد"، خبره، ولا يجوز أن يكون "عمرو" فاعلًا لمحذوف؛ لأنه لم يسمع "ليتما قعد عمرو" فإن قدرت "ما" زائدة غير كافة لم يكن الرفع واجبًا بل جائزًا، لما تقدم من أنها إذا اتصل بها "ما" الزائدة جاز إعمالها وإلغاؤها لعدم زوال اختصاصها بالجمل الاسمية، وإن قدرت "ما" مصدرية كان الرفع واجبًا، لكن على الفاعلية؛ لأن "ما" المصدرية يجب أن يليها فعل ظاهر أو مقدر.
"أو" واجب الرفع "بالفاعلية نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، و: هلا زيد قام" لأن أدوات الشرط والتحضيض بالأنفال خلافًا للكوفيين١ فيهما، قاله ابن عصفور٢ في شرح الإيضاح.
"وقد يكون" الاسم السابق" "راجح الابتدائية على الفاعلية نحو: "زيد قام" عند المبرد ومتابعيه"، فإنهم أجازوا رفعه بفعل محذوف من باب الاشتغال. ذكر ذلك الفارسي في التذكرة ونقله ابن الحاج عنه في النقد على مقرب ابن عصفور، فسقط ما قيل: إنه لا يعلم من أجاز رفعه على الفاعلية.
وعكس ابن العريف الترجيح، فرجح الفاعلية على الابتدائية، "وغيرهم" من البصريين "يوجبون ابتدائيته لعدم تقدم طالب الفعل" من نفي أو استفهام. وتقدم عن الكوفيين إجازة تقديم الفاعل في بابه.
"وقد يكون" الاسم السابق "راجح الفاعلية على الابتدائية نحو: زيد ليقم" لأن الرفع على الابتدائية يستلزم الإخبار بالجملة الطلبية عن المبتدأ، وهو خلاف القياس؛ لأنها لا تحتمل الصدق والكذب، والفاعلية سالمة من ذلك فترجحت، هذا تقرير كلامه، وفيه نظر؛ لأن رفع "زيد" على الفاعلية يستلزم أن يكون بفعل محذوف مقرون بلام الأمر كمفسره، وقد قال في باب التحذير من هذا الكتاب٣: إن اجتماع حذف الفعل ولام الأمر شاذ، فكيف يكون راجحًا مع كونه شاذا؟ "ونحو: قام زيد وعمرو قعد" فيترجح رفع "عمرو" على الفاعلية بفعل محذوف يفسره "قعد" لتناسب العطف على الجملة الفعلية.
"ونحو ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] و﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ " [الواقعة: ٥٩] فيرتجح رفع "بشر" و"أنتم" على الفاعلية بفعل محذوف؛ لأن الغالب في الهمزة دخولها
_________________
(١) ١ ومنهم الأخفش، انظر همع الهوامع ٢/ ١١٤. ٢ انظر المقرب ١/ ٢٦٠. ٣ أوضح المسالك ٢/ ٨٦.
[ ١ / ٤٦٠ ]
على الأفعال، وتقدم في باب الفاعل ما يغني هنا عن إعادته.
نعم الرفع على الفاعلية في "أبشر يهدوننا" أرجح في الرفع على الفاعلية في "أأنتم تخلقونه" وتقدير الاسمية في "أأنتم تخلقونه" أرجح منه في "أبشر يهدوننا" لمعادلتها الاسمية، وهي: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] صرح بذلك في المغني١.
"و" الابتدائية والفاعلية "قد يستويان" في "نحو: زيد قام وعمرو قعد عنده" ففي الفاعلية مراعاة الصغرى، ففيه عطف فعلية على فعلية. وفي الابتدائية مراعاة الكبرى، ففيه عطف اسمية على مثلها، فالتناسب حاصل على كلا التقديرين.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٦٢.
[ ١ / ٤٦١ ]
باب التعدي واللزوم
مدخل
باب التعدي واللزوم:
"هذا باب التعدي واللزوم":
في الأفعال "الفعل ثلاثة أنواع:
أحدها: ما لا يوصف بتعد ولا لزوم، وهو "كان" وأخواتها" في حال نقصانها١، فإن منصوبها خبر لها على قول البصريين، وحال أو شبيه به على قول الكوفيين، "وقد تقدمت" عقب باب المبتدأ.
"والثاني: المتعدي، وله علامتان، إحداهما: أن يصح أن تتصل به هاء ضمير غير المصدر" على وجه لا يكون خبرًا، وعلى هذه العلامة اقتصر الناظم بقوله:
٢٦٧-
علامة الفعل المعدى أن تصل ها غير مصدر به
العلامة "الثانية": أن يصح "أن يبنى منه اسم مفعول تام"، بأن يستغنى عن حرف جر كما قال في شرح الكافية٢.
وزاد في التسهيل٣: باطراد، "وذلك كـ: ضرب" بفتح الراء "ألا ترى أنك تقول "زيد ضربه عمرو" فتصل به" أي: بضرب "هاء ضمير غير المصدر وهو: زيد"، وخرج بقولنا: على وجه لا يكون خبرًا نحو: "الصديق كنته"، فإنه يصدق على "كان" أنه اتصل به هاء ضمير غير المصدر، ومع ذلك لا يكون متعديًا كما مر، "و" ألا ترى أنك "تقول: هو مضروب، فيكون" "مضروب" تاما غير مفتقر إلى حرف جر واحترز بالاطراد من نحو: [من الوافر]
_________________
(١) ١ في "ط": "نقصها". ٢ شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٢٩، وانظر شرح ابن الناظم ص١٧٧. ٣ التسهيل ص٨٣.
[ ١ / ٤٦٢ ]
٣٧٣-
تمرون الديار
فإنه يصح أن يبنى منه اسم مفعول تام، فتقول: الديار ممرورة، ولكنه ليس بمطرد، فلا يكون "مر" متعديًا.
"و" المتعدي "حكمه أن ينصب المفعول به كـ: ضربت زيدًا، وتدبرت الكتب" أي: تأملتها "إلا إن ناب" المفعول به "عن الفاعل" فإنه يرفع على النيابة عن الفاعل "كـ: ضربت زيد، وتدبرت الكتب" برفعهما، وبناء الفعلين للمفعول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٦٨-
فانصب به مفعوله إن لم ينب عن فاعل
وما ذكر من أن المفعول به منصوب بالفعل وحده هو قول البصريين، واختلف قول الكوفيين١ فقال هشام: الناصب له الفاعل، وقال الفراء: كلاهما. وقال خلف الأحمر: معنى المفعولية، ولكل حجة، فحجة البصريين أن أصل العمل للأفعال، وحجة هشام أن نصبه يدور مع الفاعل وجودًا وعدما، والدوران يفيد العلية، وحجة الفراء أن الفعل والفاعل كالشيء الواحد، ولا يعمل بعض الكلمة دون بعضها الآخر. وحجة خلف أن المفعولية صفة قائمة بذات المفعول، ولفظ الفعل غير قائم به، وإسناد الحكم إلى العلة القائمة بذات الشيء أولى من غيرها، ورد البصريون هذه الحجج بما يطول ذكره٢، وعلم من تخصيص الفعل المتعدي بنصب المفعول به، أن بقية المفاعيل ينصبها المتعدي واللازم، بخلاف المفعول به فإنه لا ينصبه إلا المتعدي.
النوع "الثالث: اللازم وله اثنتا عشرة علامة" اثنتان عدميتان، وعشر٣ وجودية، "وهي" مطردة.
_________________
(١) تمام البيت: "تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم علي إذن حرام" وهو لجرير في ديوانه ص٢٧٨، والاقتضاب ص٣٧٠، وتخليص الشواهد ص٥٠٣، وخزانة الأدب ٩/ ١١٨، ١١٩، ١٢١، والدرر٢/ ٢٦٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٣١١، ولسان العرب ٥/ ١٦٥، "مرر" والمقاصد النحوية ٢/ ٥٦٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/ ١٤٥، ٨/ ٢٥٢، وخزانة الأدب ٧/ ١٥٨، ورصف المباني ص٢٤٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٧٨، وشرح المفصل ٨/ ٨، ٩/ ١٠٣، ومغني اللبيب ١/ ١٠٠، والمقرب ١/ ١١٥، وهمع الهوامع، ٢/ ٨٣. ١ سقط من "ب": "واختلف قول الكوفيين". ٢ انظر آراء البصريين والكوفيين في الإنصاف ١/ ٧٨-٨٠، المسألة رقم ١١. ٣ في "أ"، "ب": "عشرة".
[ ١ / ٤٦٣ ]
فالأولى والثانية: "ألا يتصل به هاء ضمير غير المصدر، وألا يبنى منه اسم مفعول تام، وذلك كـ"خرج"، ألا ترى أنه لا يقال: زيد خرجه عمرو" فيتصل بـ"خرج" ضمير غير المصدر وهو "زيد"، "ولا: هو مخروج" فيبنى منه اسم مفعول تام، "وإنما يقال: الخروج خرجه عمرو" فيتصل به هاء ضمير المصدر، وهو الخروج. "وهو مخروج به أو إليه" بحسب المعنى، فيكون اسم المفعول ناقصًا لاحتياجه إلى حرف الجر.
"و" الثالثة: "أن يدل على سجية" بالسين المهملة؛ أي: الطبيعة والسليقة، "وهي" أي: السجية "ما ليس حركة جسم، من وصف ملازم" للذات غير منفك عنها، "نحو: "جَبُن" و"شَجُع" من الأفعال اللازمة الصادرة عن الطبيعة التي لا شعور لها بما يصدر منها، وضم عين الفعل لمناسبة انضمام الطبيعة إلى الذات، عند صدور هذه الأفعال منها، قاله شارح القصارى١، وإليه الإشارة بقوله:
٢٦٩-
وحتم لزوم أفعال السجايا
العلامة الرابعة: المذكورة في قوله: "أو" أن يدل "على عرض" بفتح العين والراء المهملتين "وهو" أي: العرض "ما ليس حركة جسم من وصف غير ثابت" دائمًا "كـ: مَرِض، و: كَسِل، و: نَهِم، إذا شبع" بكسر العين فيهن، بخلاف "نهم" إذا صار أكولًا، فليس لازمًا، وإليها الإشارة بقوله:
٢٧١-
أو عرضًا
والخامسة المذكورة في قوله، "أو" أن يدل "على نظافة كـ: نَظُف، وطهُر، وَضُؤ" بضم العين فيهن، ويجوز في "طهر" فتح العين.
السادسة المذكورة في قوله: "أو" أن يدل "على دنس نحو: بَخُس، وقذر" بالذال المعجمة كسرًا وضما فيهما، وإليهما الإشارة بقوله:
٢٧٠-
وما اقتضى نظافة أو دنسا
السابعة: المذكورة في قوله: "أو" أن يدل "على مطاوعة فاعله لفاعل فعل متعد لواحد نحو: كسرته فانكسر، و: مددته فامتد" وإليها الإشارة بقوله:
٢٧١-
أو طاوع المعدّى لواحد
_________________
(١) ١ هو حسن شاه بن شرف الدين البقالي العجمي المتوفى ٩٠٥، والقصارى، متن في التصريف لعلاء الدين أحمد الخجندي البرهاني، انظر كشف الظنون ١٣٢٧، وهدية العارفين ١/ ٢٨٨.
[ ١ / ٤٦٤ ]
والمطاوعة قبول الأثر، ففاعل الفعل اللازم قبل الأثر من فاعل الفعل المتعدي، "فلو طاوع ما يتعدى فعلة لاثنين تعدى" المطاوع بكسر الواو "لواحد كـ: علمته الحساب فتعلمه" ففاعل "تعلم" قبل التعليم من فاعل "علم".
الثامنة: المذكورة في قوله: "أو" أن "يكون موازنا للافْعَلَلّ" بفتح اللام الأولى وتشديد الثانية "كـ: "اقشعر" و"اشمأز" بمعجمتين؛ وهو بناء مقتضب، وقيل: ملحق بـ"احرنجم" وأصلهما "اقشعرر" و"اشمأزز" بسكون العين والهمزة، فكرهوا اجتماع مثلين متحركين فأسكنوا الأول، ونقلوا حركته إلى ما قبله، ثم أدغموا أحد المثلين في الآخر، قاله أبو البقاء. واعترض بأن حكم الملحق ألا يدغم، لئلا تفوت الموازنة، ولهذا وجب الفك في "اقعنسس" والاستناد إلى اتحاد المصدرين ممنوع.
والتاسعة المذكورة في قوله: "أو" يكون موازنًا "لما ألحق به" أي: بـ"افعلَلّ" "وهو افوَعَلّ" بسكون الفاء، وفتح الواو والعين، وتشديد اللام "كـ: اكوهد الفرخ إذا ارتعد".
والعاشرة المذكورة في قوله: "أو" يكون موازنًا "لـ: افعنلل" بسكون الفاء وفتح العين وسكون النون وفتح اللام الأولى، وهو ما كانت فيه النون زائدة بين حرفين قبلها، وحرفين بعدها أصليين "كـ: احرنجَمَ".
الحادية عشرة والثانية عشرة المذكورتان في قوله: "أو" أن يكون موازنا "لما ألحق به" أي: بـ"افْعَنْلَلَ"، بأصالة اللامين "وهو" ما كان فيه بعد النون الزائدة حرفان أحدهما زائد بالتضعيف، أو من حروف "سألتمونيها" فالأول نحو: "افْعَنْلَلَ؛ بزيادة ينقاد، و" الثاني نحو: "افْعَنْلَى" بفتح العين، وسكون النون، وزيادة الألف في آخره، وهي من حروف "سألتمونيها" "كـ: احرنبى الديك" بسكون الحاء المهملة، وفتح الراء، وسكون النون، وفتح الموحدة "إذا انتفش للقتال" فإن قلت: زعم ابن جني١ وأبو عبيدة أن "افْعَنْلَى" يتعدى، ولا يتعدى، ومن تعديه قول الراجز: [من الرجز]
٣٧٤-
قد جعل النعاس يغرنديني أدفعه عني ويسرنديني
_________________
(١) ١ المنصف ١/ ٨٦.
(٢) الرجز بلا نسبة في جمهرة اللغة ص١٢١٥، والخصائص ٢/ ٢٥٨، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٢٩٠، وشرح الأشموني ١/ ١٩٦، وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ١١٣، وشرح شواهد الشافية ص٤٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٨٥، ومغني اللبيب ٢/ ٥٢٠، والممتع في التصريف ١/ ١٨٥، والمنصف ١/ ٨٦، ٣/ ١١، ولسان العرب ٣/ ٢١٢ "سرد"، ٣٢٥ "غرند" وديوان الأدب ٢/ ٤٩٢، وتهذيب اللغة ٢/ ٢٤٠، ١٣/ ١٥٠، وكتاب العين ٧/ ٣٤١، ومقاييس اللغة ٤/ ٤٣٢، ومجمل اللغة ٤/ ٤٩.
[ ١ / ٤٦٥ ]
قال أبو عبيدة المغرندي والمسرندي: الذي يغلبك ويعلوك، قلت: أجيب عنه بأنه شاذ، والمعتمد إطلاق سيبويه بأنه غير متعد١، واقتصر الناظم على "افعَلَلّ" و"افْعَنْلَلَ" بقوله:
٢٧٠-
كذا افعلل والمضاهي اقعنسسا
"وحكم" الفعل "اللازم أن يتعدى بالجار" وذلك مستفاد من قول الناظم:
٢٧٢-
وعد لازمًا بحرف جر
ويختلف الجار باختلاف المعنى "كـ: "عجبت منه" و"مررت به" و"غضبت عليه" وقد يحذف" الجار "ويبقى الجر" بحاله "شذوذًا" لأن حرف الجر لا يعمل محذوفًا، "كقوله" وهو الفرزدق: [من الطويل]
٣٧٥-
إذا قيل أي الناس شر قبيلة "أشارت كليب بالأكف الأصابع"
فحذف الجار من "كليب" وأبقى عمله، والأصل: "إلى كليب" وهو كليب بن يربوع بن حنظلة٢ أبو قبيلة جرير، و"الأصابع": فاعل "أشارت"، و"بالأكف": حال منها، و"الباء" بمعنى "مع" أي: أشارت الأصابع في حال كونها مصاحبة للأكف، فالإشارة وقعت بالمجموع، وقيل: هذا مقلوب، والأصل أشارت الأكف بالأصابع.
"وقد يحذف" الجار فيتعدى الفعل بنفسه "وينصب المجرور" إن كان في موضع نصب "وهو ثلاثة أقسام":
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٧٦، ٧٧.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ص١/ ٤٢٠، وتخليص الشواهد ص٥٠٤، وخزانة الأدب ٩/ ١١٣، ١١٥، والدرر ٢/ ٩٢، وشرح شواهد الغني ١/ ١٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٤٢، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٤٧٢، ٣/ ٥٣، وأوضح المسالك ٢/ ١٧٨، وخزانة الأدب ١٠/ ٤١، والدرر ٢/ ٢٥٩، وشرح ابن الناظم ص١٨٠، وشرح الأشموني ١/ ١٩٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٩، وشرح التسهيل ٢/ ١٥١، ٢٤٤، ٣/ ١٩٣، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦٣٥، ومغني اللبيب ١/ ٦١، ٢/ ٦٣٤، وهمع الهوامع ٢/ ٣٦، ٨١. ٢ في "أ"، "ب"، "ط": "خطفة" وهو تحريف، والتصويب من جمهرة أنساب العرب ٢٢٤.
[ ١ / ٤٦٦ ]
أحدها "سماعي جائز في الكلام المنثور نحو: نصحته، و: شكرته" و: كلته، و: وزنته، "والأكثر ذكر اللام" الجار "نحو: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٩٧]، ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ [لقمان: ١٤]، و"كلت له"، و"وزنت له"؛، وقال التفتازاني: اللام زائدة؛ لأن معنى نصحت زيدًا، ونصحت له، مستويان. ا. هـ. وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] بغير ذكر اللام.
"و" الثاني "سماع خاص بالشعر، كقوله" وهو ساعدة بن جؤية: [من الكامل]
٣٧٦-
لدن بهز الكفن يعسل متنه فيه "كما عسل الطريق الثعلب"
فـ"لدن"؛ بفتح اللام، وسكون الدال المهملة؛ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو لدن، أي: لين، و"بهز" متعلق بـ"يعسل"؛ بالعين والسين المهملتين؛ أي: يضطرب بهز الكف، و"متنه": فاعل "يعسل" والمتن: الصدر، وضمير "فيه" يعود إلى الهز، و"في" للمصاحبة، يقول: هذا الرمح يضطرب صدره بسبب الهز معه، وذلك دليل على كثرة لينه: و"الثعلب": فاعل "عسل"، "وقوله" وهو المتلمس جرير بن عبد المسيح: [من البسيط]
٣٧٧-
"آليت حب العراق الدهر أطعمه" والحب يأكله في القرية السوس
"آليت": حلقت: يحتمل أن يكون إخبارًا عن نفسه، فتكون التاء مضمومة، وأن يكون خطابا لملك الحيرة، فتكون مفتوحة، وذلك أن شخصًا هجا ملك الحيرة، فبلغه
_________________
(١) البيت لساعدة بن جؤية الهذلي في الكتابخ ١/ ٣٦، ٢١٤، وتخليص الشواهد ٥٠٣، وخزانة الأدب ٣/ ٨٣، ٨٦، والدرر ٣/ ٨٦، وشرح أشعار الهذليين، ١١٢٠، وشرح شواهد الإيضاح ١٥٥، وشرح شواهد المغني ٨٨٥، ولسان العرب ٧/ ٤٢٨ "وسط"، ١١/ ٤٤٦ "عسل" والمقاصد النحوية ٢/ ٥٤٤، ونوادر أبي زيد ١٥ وبلا نسبة في أسرار العربية ١٨٠، وأمالي ابن الشجري ١/ ٤٢، ٢/ ٢٤٨، وشرح التسهيل ٢/ ٢٢٧، والارتشاف ٢/ ٢٥٤، وأوضح المسالك ٢/ ١٧٩، وجمهرة اللغة ٨٤٢، والخصائص ٣/ ٣١٩، وشرح ابن الناظم ص١٧٩، وشرح الأشموني ١/ ١٩٧، ومغني اللبيب ص١١، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٠.
(٢) البيت للمتلمس في ديوانه ص٩٥، وتخليص الشواهد ص٥٠٧، والجنى الداني ص٤٧٣، وخزانة الأدب ٦/ ٣٥١، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٩٤، والكتاب ١/ ٣٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٤٨، وبلا نسبة في أمالي ابن الشجري ١/ ٣٦٥، وأوضح المسالك ٢/ ١٨٠، وشرح ابن الناظم ص١٧٩، وشرح الأشموني ١/ ١٩٧، ومغني اللبيب ١/ ٩٩.
[ ١ / ٤٦٧ ]
ذلك، فحلف الملك أن لا يطعمه حب العراق، وهو القمح١. و"أطعمه" على تقدير: لا أطعمه؛ لأنه جواب القسم، ولذلك امتنع أن يكون "حب" منصوبًا على شريطة التفسير؛ لأن "لا" النافية في جواب القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا. و"السوس": بمهملتين؛ قمل القمح ونحوه، والشاهد في البيت الأول في حذف "في"، ونصب "الطريق"، والأصل ذكر "في"؛ لأن "الطريق" اسم مكان مختص كالبيت والدار "أي: في الطريق" وقول ابن الطراوة؛ إن الطريق ظرف، مردود بأنه غير مبهم، وقله إنه اسم لكل ما يقبل الاستطراق فهو مبهم لصلاحيته لكل موضع منازعن فيه، بل هو اسم لما هو مستطرق. قاله في المغني٢.
"و" الشاهد في البيت الثاني في حذفه "على" ونصب "حب" أي: "على حب العراق". وإلى هذين القسمين أشار الناظم بقول:
٢٧٢-
وإن حذف فالنصب للمنجر
٢٧٣-
نقلا
"و" الثالث "قياسي وذلك في "أنّ" و"أنْ"" بفتح الهمزة فيهما، وتشديد النون في الأولى، وسكونها في الثانية: "و: كي" لطولهن بالصلة "نحو: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] ونحو: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] ونحو: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧] أي: بأنه" لا إله إلا هو "ومن أن جاءكم، ولكيلا، وذلك إن قدرت "كي" مصدرية" لدخول اللام عليها تقديرًا، "وأهمل النحويين هنا ذكر: كي" مع تجويزهم في نحو: "جئت كي تكرمني" أن تكون "كي" مصدرية، واللام مقدرة قبلها، والمعنى: لكي تكرمني. قاله في المغني٣.
"واشترط ابن مالك في" النظم وغيره٤، في حذف الجار من ""أنّ" و"أنْ" أمن اللبس" فقال في النظم:
٢٧٣-
وفي أن وأن يطرد مع أمن لبس
"فمنع الحذف في نحو: رغبت في أن تفعل، أو "عن أن تفعل" لإشكال المراد بعد الحذف"، هل هو على معنى "في"، أو "عن"؟ لأن "رغب" يتعدى بكل
_________________
(١) ١ المقاصد النحوية ٢/ ٤٩٥-٥٥٠. ٢ مغني اللبيب ص٦٨١. ٣ مغني اللبيب ص٦٨١، ٦٨٢. ٤ شرح التسهيل ص٢/ ١٥٠.
[ ١ / ٤٦٨ ]
منهما، ومعناهما مختلف، "ويشكل عليه" قوله تعالى: " ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] فحذف الحرف" الجار "مع" أن اللبس موجود، بدليل "أن المفسرين اختلفوا في المراد" فبعضهم قدر "في أن"، وبعضهم قدر "عن أن"، واستدل كل على ما ذهب إليه، وأجيب عنه بجوابين، ذكرهما المرادي في شرح النظم:
أحدهما: أن يكون حذف الحرف اعتمادا على القرينة الرافعة للبس، وقد أشار إلى هذا في منهج السالك.
والآخر: أن يكون حذف لقصد الإبهام، ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهن ومالهن، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن، وقد أجاز بعض المفسرين التقديرين. ا. هـ.
وفي الكشاف١: "يحتمل في أن تنكحوهن لجمالهن، وعن أن تنكحوهن لدمامتهن"، وتبعه البيضاوي٢، والجواب الأول موافق لقول الموضح في المغني٣، وإنما حذف الجار في "أن تنكحوهن" لقرينة، وإنما اختلف العلماء في المقدر من الحرفين الآية، لاختلافهم في سبب نزولها، فالخلاف في الحقيقة في القرينة. ا. هـ.
وما ذهب إليه الموضح من أن محل "أنّ" و"أنْ" نصب بعد الحذف هو مذهب الخليل، وأما سيبويه فقال٤ بعدما أورد أمثلة من الحذف: ولو قال قائل: إن الموضع جر لكان قولًا قويا، وله نظائر نحو قولهم: "لاه أبوك". ثم نقل النصب عن الخليل، فظهر بهذا أن ما قاله ابن مالك٥ تبعًا لابن العلج من أن الخليل يقول: بالجر، سهو.
ولا يقاس على "أنّ" و"أنْ" غيرهما، فلا يقال: "بريت السكين القلم"، والأصل: بالسكين، خلافًا للأخفش الأصغر علي بن سليمان البغدادي، تلميذ ثعلب والمبرد، نشأ بعد الأخفش الصغير أبي الحسن سعيد بن مسعدة، تلميذ سيبويه، والأخفش الأكبر غيرهما، وهو أبو الخطاب شيخ سيبويه، والأخافشة أحد عشرة نحويًا٦ والسيبويهون أربعة٧.
_________________
(١) ١ الكشاف ١/ ٣٠١. ٢ أنوار التنزيل ١/ ١٢٠. ٣ مغني اللبيب ص٧٨٨. ٤ الكتاب ٣/ ١٢٨. ٥ شرح التسهيل ٢/ ١٥٠. ٦ بغية الرعاة ٢/ ٣٨٩. ٧ بغية الوعاة ٢/ ٣٩٠.
[ ١ / ٤٦٩ ]
"فصل":
"لبعض المفاعيل الأصالية في التقديم على بعض" آخر، وأصالة المفعول "إما بكونه مبتدأ في الأصل" والآخر خبر، كما في باب "ظن"، "أو" بكونه "فاعلا في المعنى"، والآخر مفعول معنى، كما في باب "أعطى"، "أو" بكونه "مسرحًا" أي: مطلقًا، لم يتقيد بجار "لفظًا أو تقديرًا، والآخر مقيد" بحرف جر "لفظًا أو تقديرًا"، كما في باب "اختار" فيتقدم كل من المبتدأ في الأصل والفاعل معنى والمسرح على غيره، و"ذلك كـ: "زيدًا" في "ظننت زيدًا قائمًا""، فتقدم "زيدًا" على "قائمًا" لأن "زيدًا" مبتدأ في الأصل، و"قائمًا" خبره، والمبتدأ مقدم على الخبر، "وأعطيت زيدًا درهمًا" فتقدم "زيدًا" على "درهما"؛ لأن "زيدًا" فاعل معنى؛ لأنه الآخذ والقابل للدرهم، ومن ثم جاز "أعطيت درهمه زيدًا"، فاعل معنى؛ لأنه الآخذ والقابل للدرهم، ومن ثم جاز "أعطيت درهمه زيدًا"، وامتنع "أعطيت صاحبه الدرهم" إلا على قول من أجاز "ضرب غلامه زيدًا" قاله ابن مالك في شرح التسهيل١.
"و: اخترت زيدًا القوم، أو: من القوم" فتقدم "زيدًا" لأنه مسرح غير مقيد بجار لفظًا وتقديرًا، و"القوم" مقيد تقديرًا، و"من القوم" مقيد لفظًا، والمسرح مقدم على المقيد "لأنه مسرح غير مقيد بجار لفظًا وتقديرًا"، و"القوم" مقيد تقديرًا، و"من القوم مقيد لفظًا، والمسرح مقدم على المقيد؛ لأن علقة ما يتعدى إليه العامل بنفسه أقوى من علقة ما قد يتعدى إليه بواسطة، ومن ثم يقال: "اخترت قومه عمرًا" ولا يقال: "اخترت أحدهم القوم" إلا على لغة من أجاز "ضرب غلامه زيدًا"، قاله ابن مالك في شرح التسهيل١ أيضًا، والتقديم في ذلك كله جائز، وإليه يشير قول الناظم:
٢٧٤-
والأصل سبق فاعل معنى
"ثم قد يجب الأصل" فيجب التقديم، كما أشار إليه الناظم بقوله:
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٢/ ١٥٢.
[ ١ / ٤٧٠ ]
٢٧٥-
ويلزم الأصل لموجب عرى
"كما إذا خيف اللبس" كـ"ظننت زيدًا عمرا"، و"كـ: أعطيتن زيدًا عمرًا"، وكـ: "اخترت الشجعان الجند"، ويأتي فيه البحث المتقدم في باب الفاعل عن ابن الحاج. "أو كان الثاني محصورًا" كـ"ما ظننت زيدًا إلا قائمًا"، أو "كـ: ما أعطيت زيدًا إلا درهما" و"ما اخترت زيدًا إلا القوم"، ويأتي فيه الخلاف المتقدم في باب الفاعل، "أو" كان المفعول الثاني اسمًا "ظاهرًا، و"، المفعول "الأول ضمير نحو": "العالم ظننته مجتهدًا"، أو " ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، و"الفرسان اخترتهم القوم"، ويأتي فيه ما ذكر من المناقشة مع ابن مالك في آخر باب الفاعل من أن الضمير يجب وصله بالفعل، وأنت بالخيار في الظاهر، إن شئت قدمته على الفعل والضمير، وإن شئت أخرته عنهما.
"وقد يمتنع" الأصل فيجب التأخير، وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٧٥-
وترك ذاك الأصل حتما قد يرى
"كما إذا اتصل" المفعول "الأول بضمير" المفعول "الثاني" كـ: "ظننت زيدًا غلامه" و"كـ"أعطيت المال مالكه"" و"اخترت قومه عمرًا". "أو كان" الأول "محصورًا" كـ"ما ظننت قائمًا إلا عمرًا"، و"كـ: ما أعطيت الدرهم إلا زيدًا"، و"ما اخترت القوم إلا بكرًا". "أو" كان الثاني "مضمرًا والأول ظاهرًا" كـ"الفاضل ظننته زيدًا"، و"كـ: "الدرهم أعطيته زيدًا""، و"القوم اخترتهم عمرًا". أما الامتناع في الأولى فلئلا يعود ضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وأما في الثانية؛ فلأن المحصور فيه واجب التأخير، وأما في الثالث فلأنه إذا أمكن الاتصال، لا يعدل عنه إلا الانفصال، إلا فيما يستثنى، وليس هذا منه١.
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٢٧٤.
[ ١ / ٤٧١ ]
"فصل":
"يجوز حذف المفعول لغرض إما لفظي، كتناسب الفواصل" جمع فاصلة، والمراد بها رءوس الآي، وذلك "في نحو:: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:.٣] والأصل: يخشاه؛ أي: القرآن؛ ويحتمل أن لا حذف، ومفعول "يخشى" هو قوله تعالى: ﴿تَنْزِيْلًا﴾ [طه: ٤]، والمعنى: لمن يخشى تنزيل الله. قال في الكشاف١: وهو معنى حسن وإعراب بين. ا. هـ.
"وكالإيجاز" والاختصار، وذلك "في نحو: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا" وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، والأصل: فإن لم تفعلوه، ولن تفعلوه، أي: الإتيان بسورة من مثله.
"وإما معنوي كاحتقاره نحو: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١] أي: الكافرين"، فحذف المفعول لاحتقاره. "أو لاستهجانه" أي: لاستقباح التصريح بذكره، "كقول عائشة ﵂: ما رأى مني ولا رأيت منه٢" تعني عورة رسول الله ﷺ، فحذفت المفعول لاستقباح ذكره، "أي: العورة٣. وقد يمتنع حذفه" أي: المفعول "كأن يكون محصورًا" فيه "نحو: "إنما ضربت زيدًا"؛ لأن الحذف ينافي الحصر، "أو" يكون "جوابًا" لسؤال "كـ: "ضربت زيدًا" جوابًا لمن قال: من ضربت؟ "؛ لأن المطلوب تعيينه لا يجوز حذفه، وذلك كله مستفاد من قول الناظم:
٢٧٦-
وحذف فضلة أجز إن لم يضر كحذف ما سيق جوابًا أو حصر
_________________
(١) ١ الكشاف ٢/ ٤٧٢. ٢ رواية الحديث في الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٤٧٩: "ما رأيت عورة رسول الله ﷺ قط"، وهذه الرواية لا شاهد فيها. ٣ انظر شرح التسهيل ٢/ ١٦١، والارتشاف ٢/ ٢٨٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٨١.
[ ١ / ٤٧٢ ]
"فصل":
"وقد يحذف ناصبه" أي: ناصب المفعول المعبر عنه في النظم بقوله:
٢٧٧-
ويحذف الناصبها "إن علما"
"كقولك لمن سدد" بالمهملة "سهمًا: "القرطاس"، ولمن تأهب لسفر: "مكة"، ولمن قال: من أضرب؟ " بالمضارع "شر الناس". فالقرطاس: منصوب "بإضمار "تصيب""، ودل عليه المشاهدة، "و" "مكة": منصوب بإضمار "تريد"، ودل عليه قرينة الحال، "و" "شر الناس": منصوب بإضمار "اضرب"، ودل عليه قرينة المقال، "وقد يجب ذلك" الحذف، كما أشار إليه الناظم بقوله:
٢٧٧-
وقد يكون حذفه ملتزمًا
وذلك "كما" تقدم "في" باب "الاشتغال كـ: "زيدا ضربته""؛ لأنه لا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، "و" باب "النداء" فيما سيأتي "كـ: يا عبد الله"؛ لأن "يا" عوض عن الناصب، ولا يجمع بين العوض والمعوض. "وفي الأمثال" العربية؛ وهي كل كلام مركب مشهور شبه مضربه بمورده "نحو: الكلاب على البقر١" فـ"الكلاب": منصوب بفعل محذوف وجوبًا "أي: أرسل"، ولا يجوز ذكره؛ لأن ذكره يغير المثل، والأمثال لا تغير؛ لأنا لما شبه مضربها بموردها، لزم أن يلتزم فيها أصلها كقولهم: "الصيف ضيعت اللبن"٢، يقال بكسر التاء لكل مخاطب، والمراد بالبقر في المثل المتقدم: بقر الوحش. "وفيما جرى مجرى الأمثال" في كثرة الاستعمال، وهو كل كلام اشتهر، فبسبب شهرته جرى مجرى المثل، فأعطي حكمه في أنه لا يغير، "نحو: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ " [النساء: ١٧١] فـ"خيرًا" مفعول بفعل محذوف وجوبًا "أي: وائتوا" خيرًا، ولا يجوز ذكره لما تقدم، وذهب بعضهم٣، إلى أن "خيرًا" خبر لـ"كان" محذوفة، والتقدير:
_________________
(١) ١ مجمع الأمثال ٢/ ١٤٢، وجمهرة الأمثال ٢/ ١٦٩، والمستقصى ١/ ٣٤١، وفصل المقال ص٤٠٠، وكتاب الأمثال لابن سلام ٢٨٤. ٢ جمهرة الأمثال ١/ ٥٧٥، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٢٤٧. ٣ مثل أبي عبيدة، انظر الارتشاف ٢/ ٢٧٩.
[ ١ / ٤٧٣ ]
"انتهوا يكن خيرًا لكم" وهو تخريج على قلة؛ لأن "كان" لا تحذف مع اسمها ويبقى خبرها كثيرًا إلا بعد "إن" و"لو" الشرطيتين "وفي التحذير بـ"إياك" وأخواتها" من ضمائر الخطاب المنفصلة، "نحو: إياك والأسد"، فـ"إياك" منصوب المحل بفعل محذوف وجوبًا، ويقدر متأخرًا عن "إياك" "أي: "إياك باعد" على أحد التقديرين الآتيين في باب التحذير، و"الأسد" منصوب بفعل محذوف وجوبًا، ويقدر متقدمًا على "الأسد" أي: "واحذر الأسد، والفرق أن "إياك" ضمير منفصل، فلو قدر العامل قبله لزم اتصاله، بخلاف "الأسد"، "وفي التحذير بغيرها" أي: بغير إياك وأخواتها "بشر عطف أو تكرار"، فالعطف "نحو: رأسك والسيف". فـ"رأسك" و"السيف" منصوبان بفعلين محذوفين وجوبًا، "أي: باعد" رأسك"، "واحذر" السيف.
"و" التكرار "نحو: الأسد الأسد" بتقدير "احذر". "وفي الإغراء بشرط أحدهما" وهو العطف أو التكرار، فالعطف "نحو: المروءة والنجدة، و" التكرار "نحو: السلاح السلاح بتقدير "الزم"" في المثالين، وإنما وجب حذف الفعل فيهما؛ لأن كلا من العطف والتكرار قائم مقام العمل، فالتزم حذفه لذلك.
[ ١ / ٤٧٤ ]
باب التنازع في العمل
مدخل
باب التنازع في العمل:
"هذا باب التنازع في العمل":
"ويسمى أيضًا باب الإعمال" بكسر الهمزة عند الكوفيين١، "وحقيقته: أن يتقدم فعلان" مذكوران "متصرفان، أو اسمان يشبهانهما" في التصرف، "أو فعل متصرف واسم يشبهه" في التصرف، ويتأخر عنهما؛ أي عن العاملين "معمول غير سببي مرفوع" وغير مرفوع، واقع بعد إلا، على الأصح فيهما، "وهو" أي: المعمول المتأخر عن العاملين "مطلوب لكل منهما من حيث المعنى" والطلب إما على جهة التوافق في الفاعلية أو المفعولية، أو مع التخالف فيهما، والعاملان إما فعلان أو اسمان أو مختلفان، وأمثلتها اثنا عشر مثالًا، مثال الفعلين في طلب المرفوع: "قام وقعد زيد"، ومثالهما في طلب المنصوب: "ضربت وأكرمت زيدًا"، ومثالهما في طلب أحدهما المرفوع والآخر المنصوب: "قام وضربت زيدًا" ومثالهما في طلب العكس: "ضربت وقام زيد"، ومثال الاسمين في طلب المرفوع: "أقائم وقاعد الزيدان"، ومثالهما في طلب المنصوب: "زيد ضارب وقائم عمرًا" ومثال اختلافهما في الصورتين: "زيد قائم وضارب أبويه"، وعكسه: "زيد ضارب وقائم أبواه"، ومثال الاسم والفعل في طلب المرفوع:
"أقائم وقعد زيد" ومثالهما في طلب المنصوب: "زيد ضارب ويكرم عمرًا" ومثال اختلافهما مع تقدم طالب المرفوع: "أقائم ويضرب عمرًا" وعكسه: "ضربت وأقائم زيد". والناظم اقتصر في التمثيل على طلب الفعلين المرفوع فقال:
٢٨١-
كيحسنان ويسيء ابناكا وقد بغى واعتديا عبداكا
والموضح اقتصر في الأنواع الثلاثة في التمثيل على طلب المنصوب فقال: "مثال
_________________
(١) ١ كذلك قال ابن عصفور في المقرب ١/ ٢٥٠.
[ ١ / ٤٧٥ ]
الفعلين ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] فـ"آتوني" يطلب "قطرًا" على أنه مفعول ثان له، و"أفرغ" يطلبه على أنه مفعوله، وعمل الثاني وهو "أفرغ": في "قطرًا"، وأعمل "آتوني" في ضميره، وحذفه؛ لأنه فضلة، والأصل: آتونيه، ولو أعمل الأول لقيل: أفرغه. "ومثال الاسمين قوله:" [من الطويل]
٣٧٨-
"عهدت مغيثًا مغنيا من أجرته" فلم اتخذ إلا فناءك موئلا
فـ"مغنيا" من الإغانة بالمثلثة، و"مغنيًا": من الإغناء ضد الإفقار، تنازعا "من" الموصولة، فكل منهما يطلبها من جهة المعنى على المفعولية، وأعمل الثاني لقربه، وأعمل الأول في ضميره، وحذفه، فالأصل: "مغيثه "وعهدت"، مبني للمفعول مسند إلى تاء المخاطب، و"مغيثًا" و"مغنيًا" حالان منهما، و"الفناء" الجوار والقرب، و"الموئل": الملجأ.
"ومثال المختلفين ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٠٩] فـ"ها" اسم فعل بمعنى "خذ" والميم حرف يدل على الجمع، و"اقرءوا" فعل أمر، تنازعا "كتابيه". وأعمل الثاني لقربه، وحذف من الأول ضمير المفعول، والأصل: هاؤموه، وأصل "هاؤم": هاكم، أبدل من الكاف الواو ثم أبدلت الواو همزة، وفي الجزاء الأول من شرح البحرين عن صفوان بن عسال أن النبي ﷺ ناداه رجل، قال ﷺ: "هاؤم". فقال: الرجل يحب القوم، ولما يلحق بهم، فقال: "المرء مع من أحب" حديث حسن، صحيح، رواه الشافعي في مسنده١، ومالك٢، وسفيان، وشعبة بن الحجاج، والحمادان، ومعنى "هاؤم": تعالوا. ا. هـ.
قال الموضح في الحواشي: فإن صح أنه يرد "قاصرًا" تعني "تعالوا" كما قيل في الحديث، فلا تنازع في الآية، ويخرج حينئذ عن استدلال البصريين، وهذا المعنى متعين، وظاهر في الآية، ولكن لا أستحضر الآن أحدًا قال به غير هذا الرجل في هذا الحديث ا. هـ. قلت: قال به الحوفي في الآية نفسها.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ١٨٩، وتخليص الشواهد ص٥١٣، وشرح ابن الناظم ص١٨٤، وشرح الأشموني ١/ ٢٠٢، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦٤٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٢. ١ انظر مسند الشافعي المجلد الأول ١/ ٤١، ٤٢، حديث رقم ١٢٢، أورده ابن قدامة في كتابه "المتحابين في الله" ص٨٨. ٢ لم أجد الحديث في الموطأ، ولا في المدونة الكبرى.
[ ١ / ٤٧٦ ]
وظاهر كلام الموضح أن التنازع يكون في جميع المعمولات، وفي النهاية لابن الخباز: لا يقع التنازع في المفعول له، ولا الحال، ولا التمييز، ويجوز في المفعول معه، تقول:"قمت وسرت زيدًا"، إن أعملت الثاني، و"قمت وسرت وإياه وزيدًا"، إن أعملت الأول. ا. هـ. وسيأتي الكلام في الواقع بعد "إلا".
واستفدنا من أمثلة الموضح أنه لا يشترط في التنازع أن يكون أحد العاملين معطوفًا على الآخر، خلافًا للجرمي.
وأصل التنازع أن يكون بين عاملين في معمول واحد، "وقد يتنازع ثلاثة. وقد يكون المتنازع فيه متعددًا، وفي الحديث "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" ١ فتنازع ثلاثة" وهي "تسبحون" و"تكبرون" و"تحمدون" "في اثنين: ظرف" وهو "دبر"، "و" نائب "مصدر" وهو "ثلاثة"، فأعمل الأخير لقربه، فنصب "دبر" على الظرفية، و"ثلاثًا" على المفعولية المطلقة، لنيابته عن المصدر، وأعمل الأولين في ضميريهما، وحذفهما لأنهما فضلتان، والأصل: تسبحون الله فيه إياه، وتكبرون الله فيه إياه، وما ذكره من جواز إعمال الأول والثاني والثالث حكى بعضهم فيه الإجماع، قال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه: استقرأت كلام العرب، فوجدت إعمال الثالث، وإلغاء ما عداه. قال ابن مالك٢: وهو كما قال. واعترض بأنه سمع من كلامهم إعمال الأول من الثلاثة، كقول أبي الأسود: [من الطويل]
٣٧٩-
كساك وإن لم تكسه فاشكرن له أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
قال المرادي: فدل على أن استقراءه غير تام، ولا يحفظ من كلامهم إعمال الثاني. ا. هـ.
"وقد علم مما ذكرته" في حقيقة التنازع، من أن المتنازعين لا بد أن يكونا فعلين، أو اسمين، أو مختلفي الاسمية والفعلية "أن التنازع لا يقع بين حرفين"؛ لأن الحروف لا دلالة لها على الحدث حتى تطلب المعمولات، وأجاز ابن العلج التنازع بين
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الدعوات برقم ٥٩٧٠. ٢ شرح التسهيل ٢/ ١٧٦، ١٧٧.
(٢) البيت لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص١٦٦، ٣٠٩، وإنباه الرواة ١/ ٥٨، والارتشاف ٣/ ٩٣، ودرة الغواص ص١٥٧، وحماسة البحتري ص١٤٩، وسمط اللآلي ص١٦٦، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٢٠٣.
[ ١ / ٤٧٧ ]
حرفين، مستدلا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فقال: تنازع "إن" و"لم" في "تفعلوا". ورد بأن "إن" تطلبن مثبتًا، و"لم" تطلب منفيا، وشرط التنازع الاتحاد في المعنى، ونقل الشاطبي عن الفارسي أنه أجاز في التذكرة التنازع في قوله: [من الرجز]
٣٨٠-
حتى تراها فكأن وكأن أعناقها مشددات بقرن
ومنع التوكيد للعطف بالواو، ا. هـ. وسيأتي الكلام عليه في باب التوكيد.
"ولا" يقع التنازع "بين حرف وغيره" من فعل واسم، ومن أجاز التنازع بين حرفين أجازه بين حرف وغيره، كما نقل ابن عمرون عن بعضهم أنه جوز تنازع "لعل" و"عسى"، نحو: "لعل وعسى زيد أن يخرج" على إعمال الثاني، و"لعل وعسى زيدًا خارج" على إعمال الأول، ورد بأن منصوب "عسى" لا يحذف١.
"و" علم من تقييد العاملين بالتصرف أنه "لا" يقع التنازع "بين" عاملين "جامدين" فعلين، أو اسمين، أو مختلفين؛ لأن التنازع يقع فيه الفصل بين العامل ومعموله، قال أحمد بن الخباز في النهاية. فإذا قلت: "سرني إكرامك وزيارتك عمرا" وجب نصب عمرا بالثاني، لا بالأول، للفصل بين المصدر ومعموله٢، ا. هـ.
"ولا" يقع التنازع "بين جامد وغيره" من فعل، أو اسم متصرف. "وعن المبرد" في كتابه المدخل "إجازته في فعلي التعجب" مع جمودهما، سواء كانا بلفظ الماضي، أو بلفظ الأمر، فالأول "نحو: ما أحسن وأجمل زيدًا" فتعمل الثاني في الاسم الظاهر، وتعمل الأول في ضميره، وتحذفه لأنه فضلة.
"و"الثاني نحو: "أحسن وأجمل بعمرو" فتعمل الثاني في الظاهر المجرور، وتعمل الأول في ضميره المجرور، ولا تحذفه لأنه فاعل، والفاعل لا يحذف عنده؛ لأنه بصري٣، ويحذف على القول بأن المجرور في محل نصب على المفعولية عند الفراء.
والجمهور على المنع فرارًا من الفصل بينه وبين معموله إذا أعمل الأول، وإذا لم يصح إعمال الأول بطل التنازع، إذ من شرطه جواز إعمال كل منهما٤.
_________________
(١) الرجز لخطام المجاشعي أو للأغلب العجلي في الدرر ٢/ ٣٩٤، والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ٢٥٣، وأوضح المسالك ٣/ ٣٤٢، وشرح ابن الناظم ص٣٦٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤١، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥. ١ ورد قول ابن عمرون في التذكرة لأبي حيان ص٣٦١. ٢ ورد قول ابن الخباز في الارتشاف ٣/ ٩٨. ٣ المقتضب ٤/ ١٨٤، والارتشاف ٣/ ٩٨. ٤ شرح التسهيل ٢/ ١٧٧.
[ ١ / ٤٧٨ ]
"و" علم من تقييد المعمول بالتأخير أنه "لا" يقع التنازع في "معمول مقدم، نحو: أيهم ضربت وأكرمت، أو: شتمته"؛ لأن الثاني لم يأت إلا بعد أن أخذ الأول معموله المتقدم عليه، وقوله: "شتمته" عديل مدخول الاستفهام. "خلافًا لبعضهم" في إجازة التنازع في المتقدم كما قال به بعض المغاربة١ مستدلا بقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، ولا حجة له؛ لأن الثاني لم يجئ حتى استوفاه الأول، ومعمول الثاني محذوف لدلالة معمول الأول عليه، وما قاله بعض المغاربة قال به الرضي، وعبارته٢: "قد يتنازع العاملان ما قبلهما إذا كان منصوبًا نحو: زيدا ضربت وقتلت، و: بك قمت وقعدت"، وتعقبه البدر الدماميني، فقال يلزم عليه عند إعمال الثاني تقدم ما في حيز حرف العطف عليه، وهو ممتنع، ثم اعترض على نفسه بأن الجمهور قد ارتكبوه في نحو: ﴿أَفَلَمْ يَسِيْرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، فجعلوا الهمزة واقعة في الأصل بعد العاطف، ولكنها قدمت عليه لفظًا، وأجاب بأن هذ الحكم ليس بمتعد إلى غير الهمزة، بل مقصور عليها عندهم. ا. هـ.
"ولا" يقع التنازع "في معمول متوسط نحو: ضربت زيدًا وأكرمت"؛ لأن الأول استقل به مجيء الثاني "خلافًا للفارسي" فإنه أجاز في قوله: [من البسيط]
٣٨١-
متى تصب أفقا من بارق تشم
أن تكون "من" زائدة، و"بارق" في موضع نصب بـ"تشم"، ومفعول "تصب" محذوف، وهو ضمير عائد على بارق.
ومال المرادي في شرح التسهيل إلى جواز التنازع في المتوسط والمتقدم، فقال٣: وأقول الذي يظهر أن تأخير المعمول ليس بشرط في التنازع، بل حيث تقدم المعمول، أو توسط
، جاز عمل كل من العاملين فيه. ا. هـ.
_________________
(١) ١ همع الهوامع ٢/ ١١٠. ٢ شرح الرضي ١/ ٢٠١.
(٢) صدر البيت: "قد أوبيت كل ماء فهي طاوية" ، وهو لساعدة بن جؤية في خزانة الأدب ٨/ ١٦٣، ١٦٦، والدرر ٢/ ١٧٩، وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١١٢٨، وشرح شواهد الإيضاح ص١٥٠، وشرح شواهد المغني ١/ ١٥٧، ٢/ ٧٤٣، ولسان العرب ١٤/ ٤ "أبي"، ٤٧٣، "صوي"، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ٢٦٢، وخزانة الأدب ٩/ ٢٦، ومغني اللبيب ١/ ٣٣٠، وهمع الهوامع ٢/ ٥٧، والمسائل العضديات ص١٥٧. ٣ انظر شرح المرادي ٢/ ٦٤.
[ ١ / ٤٧٩ ]
"و" علم من اشتراط كون المعمول مطلوبًا لكل من العاملين من جهة المعنى أن التنازع "لا" يقع "في نحو" قول جرير: [من الطويل]
٣٨٢-
"فهيهات هيهات العقيق ومن به" وهيهات خل بالعقيق نواصله
"خلافًا له" أي: الفارسي١ "وللجرجاني٢؛ لأن الطالب للمعمول" وهو العقيق "إنما هو" هيهات "الأول، وأما" "هيهات" "الثاني فلم يؤت به للإسناد" إلى العقيق، "بل لمجرد التقوية" والتوكيد لـ"هيهات" الأول، "فلا فاعل له" أصلًا، "ولهذا قال" الشاعر: [من الطويل]
٣٨٣-
فأين إلى أين النجاة ببغلتي "أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس"
فـ"اللاحقون" فاعل "أتاك" الأول، و"أتاك" الثاني لمجرد التقوية فلا فاعل له؛ لأنه ليس في التنازع، "ولو كان من التنازع لقال: أتاك أتوك" على إعمال الأول، "أو: أتوك أتاك" على إعمال الثاني، وليس بمتعين لجواز أن يضمر مفردًا في المهمل منهما ويستتر كما حكى سيبويه٣: "ضربني وضربت قومك" بالنصب، وقيل: المرفوع في البيتين فاعل بالعاملين؛ لأنهما بلفظ واحد ومعنى واحد، فكأنهما عامل واحد، فهذه الثلاثة أقوال أصحها عن ابن مالك٤ ما ذكره الموضح.
"و" علم من تقييد المعمول بكونه غير سببي مرفوع أنه "لا" تنازع "في نحو" قول كثير عزة: [من الطويل]
٣٨٤-
قضى كل ذي دين فوفى غريمه "وعزة ممطول معنى غريمها"
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ١٣٩. ١ المسائل الحلبيات ص٢٤١، والمسائل العضديات ص١٧٢. ٣ انظر الارتشاف ٣/ ٨٧.
(٢) البيت بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٦١٦، والأشباه والنظائر ٧/ ٢٦٧، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٤٣، وأوضح المسالك ٢/ ١٩٤، وخزانة الأدب ٥/ ١٥٨، والخصائص ٣/ ١٠٣، ١٠٩، والدرر ٢/ ٢٥٥، ٢/ ٣٩٠، وشرح ابن الناظم ص١٨٤، وشرح الأشموني ١/ ٢٠١، وشرح التسهيل ٢/ ١٦٥، ٣/ ٣٠٢، وشرح قطر الندى ص٢٩٠، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦٤٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٩، وهمع الهوامع ٢/ ١١١، ١٢٥. ٣ الكتاب ١/ ٧٩، ٨٠. ٤ شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٤٣.
(٣) البيت لكثير عزة في ديوانه ص١٤٣، وخزانة الأدب ٥/ ٢٢٣، وشرح شواهد الإيضاح ٩٠، وشرح المفصل ١/ ٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٣، وهمع الهوامع ٢/ ١١١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٢٨٢، ٧/ ٢٥٥، والإنصاف ١/ ٩٠، وأوضح المسالك ٢/ ١٩٥، وشرح الأشموني ١/ ٢٠٣، وشرح شذور الذهب ص٤٢١، ولسان العرب ١٤/ ٣٣٤ "ركا"، ومغني اللبيب ٢/ ٤١٧، وشرح التسهيل ٢/ ١٦٦، والارتشاف ٣/ ٨٨، وشرح الكافية الشافية ٣/ ٦٤٢.
[ ١ / ٤٨٠ ]
لأنه لو قصد فيه التنازع، لأسند أحدهما إلى السبي والآخر إلى ضميره، فيلزم عدم ارتباط رافع الضمير بالمبتدأ؛ لأنه لم يرفع ضميره، ولا ما التبس بضميره. قاله المرادي١ تبعًا لابن مالك في شرح التسهيل٢. قال بعضهم: وفيه نظر؛ لأن هذا يأتي فيما لو كان السبي منصوبًا نحو: "زيدًا ضربت وأكرمت أخاه"؛ لأن أحد العاملين يعمل في السببي، والآخر يعمل في ضميره، فيلزم عدم ارتباط ناصب الضمير بالمبتدأ، فلا معنى لتقييد السببي بالمرفوع، قال: ولعل الوجه ما ذكره أبو محمد بن السيد البطليوسي، من أن "غريمها" إن رفع بـ"معنى" يكون "ممطول" قد جرى على غير من هو له، فيلزم ظهور الضمير، وإن رفع بـ"ممطول" فهو خطأ؛ لأنه قد وصف بـ"معنى" والاسم الذي يعمل عمل الفعل، إذا وصف لا يعمل شيئًا، فلا يجوز: "مررت بضارب ظريف زيدًا". ا. هـ. وأقول: ما ذكره أبو محمد، يقال بمثله فيما إذا كان السببي منصوبًا، نحو: "غلام زيد ضارب مهين أخاه"، إذا كان الضارب والمهين زيدًا، فإن كان الناصب للسببي الثاني وجب إبراز الضمير الأول؛ لكونه جرى على غير من هو له. وإن كان الناصب له الأول فهو خطأ؛ لأنه قد وصف بمهين، والوصف إذا وصفا لا يعمل.
إذا تقرر هذا فتقول: "عزة" مبتدأ، وليس "ممطول" و"معنى" خبرين لها، "بل "غريمها" مبتدأ" ثان مؤخر عن خبره، "و"ممطول" و"معنى" خبران" لغريمها، خبر بعد خبر٣. "أو "ممطول "خبر" وحده، "و"معنى" صفة٤ له"؛ لأن الوصف يجوز وصفه على الأصح، وحجة المانع أن الوصف كالفعل، وهو لا يوصف. "أو حال من ضميره" المستتر فيه، المرفوع على النيابة عن الفاعل العائد إلى "غريمها" و"غريمها" وخبره خبر "عزة". والرابط بينهما الضمير المضاف إليه غريم.
"و" علم من تقييد السببي بالمرفوع أنه "لا يمتنع التنازع في" السببي المنصوب. "نحو: زيد ضرب وأكرم أخاه؛ لأن السببي" وهو "أخاه" "منصوب" بأحد العاملين، والرابط موجود بالضمير المستتر، أو بالمضاف إليه السببي.
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٢/ ٦٤. ٢ شرح التسهيل ٢/ ١٦٦. ٣ هذا الرأي لابن مالك، انظر شرح التسهيل ٢/ ١٦٦. ٤ هذا الرأي للبطليوسي، انظر الارتشاف ٣/ ٨٨.
[ ١ / ٤٨١ ]
ومنع الشاطبي التنازع في السببي المنصوب، وعلله بأنه لو أعملت الأول أو الثاني فلا بد من ضمير يعود على السببي، وضمير السببي لا يتقدم عندهم عليه. قال ابن خروف: لأنه لو تقدم كان عوضًا من اسمين مضاف ومضاف إليه، وهذا مما لا سبيل إليه. ا. هـ.
فالوجه امتناع التنازع في السببي مطلقًا، ولا يقع التنازع في الاسم المرفوع الواقع بعد "إلا" على الصحيح كقوله: [من البسيط]
٣٨٥-
ما صاب قلبي وأضناه وتيمه إلا كواعب من ذهل بن شيبانا
والمانع من كونه من التنازع، أنه لو كان منه لزم إخلاء الفعل الملغى من الإيجاب، ولزم في نحو: "ما قام وقعد إلا أنا" إعادة ضمير غائب على حاضر. قاله المرادي في شرح التسهيل. ا. هـ.
وحمله في التسهيل١ على الحذف، وقال في شرحه٢: على تأويل: ما قام أحد وقعد إلا أنا، فحذف "أحد" لفظًا، واكتفى بقصده، ودلالة المعنى، والاستثناء عليه.
وعلم من قولنا "مذكوران" أنه لا تنازع بين محذوفين، ولا بين محذوف ومذكور.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الجنى الداني ص٢٨٧، والدرر ٢/ ٣٥٣، وشرح التسهيل ٢/ ١٧٦، وهمع الهوامع ٢/ ١١٠. ١ التسهيل ص٨٦. ٢ شرح التسهيل ٢/ ١٧٥.
[ ١ / ٤٨٢ ]
"فصل":
"إذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت باتفاق" من البصريين والكوفيين١؛ لأن إعمال كل منهما مسموع من العرب، "و" الخلاف بينهم في المختار، هل هو من الأول، أو الثاني، أو هما على حد سواء أقوال: "اختار الكوفيون" منها "الأول لسبقه، واختار البصريون الأخير لقربه"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٧٨-
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل قبل فللواحد منهما العمل
٢٧٩-
والثاني أولى عند أهل البصره واختار عكسا غيرهم ذا أسره
وقيل: هما سيان؛ لأن لكل منهما مرجحًا، حكاه ابن العلج في البسيط.
إذا تنازع ثلاثة فالحكم كذلك بالنسبة إلى الأول والثالث، قاله المرادي٢.
وسكتوا عن المتوسط، فهل يلتحق بالأول لسبقه على الثاني٣، أو بالثاني لقربه من المعمول بالنسبة إلى الأول، أو يستوي فيه الأمران؟ لم أر في ذلك نقلًا.
"فإن" تنازع اثنان، و"أعملنا الأول في المتنازع فيه" على اختيار الكوفيين، "أعملنا الأخير في ضميره" مرفوعًا كان أو منصوبا أو مجرورًا، "نحو: "قام وقعدا" أخواك"، "أو" قام "وضربتهما" أخواك، "أو" قام "ومررت بهما أخواك، وبعضهم" كالسيرافي "يحيز حذف غير المرفوع" وهو المنصوب والمجرور "لأنه فضلة" وهو الذي يفهم من كلام التسهيل٤، "كقوله" وهو الشخص المسمى بعاتكة بنت عبد المطلب. [من م. الكامل]
_________________
(١) ١ الإنصاف ١/ ٨٣-٩٦، المسألة رقم ١٣. ٢ شرح المرادي ٢/ ٦٥. ٣ في "ب"، "ط": "الثالث"، وانظر الارتشاف ٣/ ٩٣. ٤ التسهيل ص٨٦.
[ ١ / ٤٨٣ ]
٣٨٦-
"بعكاظ يعشي الناظريـ ـن إذا هم لمحوا شعاعه"
فأعملت الأول وهو "يعشى"، فرفعت "شعاعه"، وأعملت "لمحوا" في ضميره، وحذفته، والتقدير: لمحوه و"عكاظ" بضم العين المهملة، وتخفيف الكاف وبالظاء المشالة: موضع بقرب مكة كان سوقًا في الجاهلية، و"يعشي" مضارع "أعشى" بالعين المهملة، وقيل بالمعجمة، و"شعاعه" بالشين المعجمة: ضوؤه، والضمير المضاف إليه للسلاح فيما قبله.
"ولنا" من الأدلة على امتناع حذف غير المرفوع "أن في حذفه تهيئة العامل"، وهو "لمحوا" "للعمل" في "شعاعه" "وقطعه عنه" برفعه بـ"يعشي" بغير معارض، قاله بعض المغاربة. "و" هذا "البيت ضرورة" عند الجمهور.
"وإن أعملنا الثاني" على اختيار البصريين "فإن احتاج الأول لمرفوع فالبصريون يضمرونه" ولا يحذفونه "لامتنع حذف العمدة" عندهم. "و" إن لزم منه الإضمار قبل الذكر، وهو عود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة؛ "لأن الإضمار قبل الذكر قد جاء" مصرحًا به "في غير هذا الباب، نحو: ربه رجلًا و: نعم رجلا" فـ"رجلا" فيهما تمييز للضمير المجرور بـ"رب" والمرفوع على الفاعلية بـ"نعم"، ورتبة التمييز التأخير، فقد عاد الضمير على التمييز، وهو متأخر لفظًا ورتبة، "و" جاء الإضمار قبل الذكر "في" هذا "الباب" الذي نحن فيه، وهو باب التنازع نثرًا وشعرًا "نحو" قول بعض العرب: ضربوني وضربت قومك" بالنصب "حكاه سيبويه١"، فقد أعمل الثاني. وأضمر في الأول ضمير الفاعل، وهو الواو العائدة على المتنازع فيه، وهو "قومك" المنصوب على المفعولية، والمفعول رتبته التأخير، فعد الضمير على متأخر لفظًا، ورتبة "وقال الشاعر": [من الطويل]
٣٨٧-
"جفوني ولم أجف الأخلاء إنني" لغير جميل من خليلي مهمل
_________________
(١) البيت لعاتكة بنت عبد المطلب في الدرر ٢/ ٣٥٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٧٤٣، والمقاصد النحوية ٣/ ١١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٣٨٤، وأوضح المسالك ٢/ ١٩٩، وشرح الأشموني ١/ ٢٠٦، وشرح شذور الذهب ص٤٢٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٨٥، ومغني اللبيب ٢/ ٦١١، والمقرب ١/ ٢٥١، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٩. ١ الكتاب ١/ ٧٩.
(٢) البيت بلا نسبة في الارتشاف ١/ ٤٨٤، والأشباه والنظائر ٣/ ٧٧، ٥/ ٢٨٢، وأوضح المسالك ٢/ ٢٠٠، وتخليص الشواهد ٥١٥، وتذكرة النحاة ص٣٥٩، والدرر ١/ ١١٥، ٢/ ٣٥٢، وشرح ابن الناظم ص١٨٧، وشرح الأشموني ١/ ١٧٩، ٢٠٤، وشرح التسهيل ١/ ١٦٣، ٢/ ١٧٠، وشرح قطر الندى ص١٩٧، ومغني اللبيب ٢/ ٤٨٩، والمقاصد النحوية ٣/ ١٤، وهمع الهوامع ١/ ٦٦، ٢/ ١٠٩.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فأعمل الثاني، ونصب "الأخلاء" المنصوب على المفعولية، و"الأخلاء": جمع خليل و"الجميل": الشيء الحسن، و"مهمل": اسم الفاعل من الإهمال، وهو الترك.
"والكسائي وهشام" الضرير "والسهيلي" والكوفيون "يوجبون الحذف" للضمير المرفوع على الفاعلية هربًا من الإضمار قبل الذكر١، "وتمسكًا بظاهر قوله"، وهو علقمة بن عبدة يمدح الحارث بن جبلة الغساني: [من الطويل]
٣٨٨-
"تعفق بالأرطى لها وأرادها رجال" فبذت نبلهم وكليب
"إذ لم يقل: تعفقوا" على تقدير إعمال الثاني، "ولا: أرادوه" على تقدير إعمال الأول، ويمكن أن يجاب عنه بأنه أعمل الثاني، ولم يقل "تعفقوا" على لفظ الجمع؛ لأنه يجوز أن ينوي مفردًا على مذهب البصريين باعتبار تأويله بالمذكور، ولهذا قال الموضح٢: "بظاهر قوله"، ولم يقل: "بقوله"، و"تعفق" بفتح العين المهملة وتشديد الفاء وبالقاف أي: استتر، و"الأرطى": شجر، و"بذت" بالباء الموحدة، والذال المعجمة المشددة أي: غلبت، و"نبلهم" بسكون الموحدة: سهامهم، فاعل "بذت"، و"كليب" بفتح الكاف وكسر اللام: جمع كلب، كعبيد جمع عبد.
والحاصل أن العمل لأحد العاملين في المتنازع فيه، وتعمل المهمل في ضميره سواء اتفق مطلوبهما أم اختلف.
"والفراء يقول: إن استوى العاملان في طلب المرفوع" وكان العطف بالواو؛ كما في المغني "فالعمل لهما" لأنهما لما كان مطلوبهما واحدًا كان كالعامل الواحد، "نحو: قام وقعد أخواك" فـ"أخواك" مرفوع عنده بـ"قام" و"قعد"، فيكون الاسم الواحد فاعلا لفعلين مختلفين لفظًا ومعنى، وهو مشكل، فإن النحويون يجعلون العوامل كالمؤثرات الحقيقية، واجتماع مؤثرين على أثر واحد ممنوع عند أهل الأصول. قاله الرضي، ثم قال: وجاز عند الفراء وجه آخر، وهو أن يأتي بفاعل الأول ضميرًا منفصلًا بعد المتنازع فيه، لتعذر المتصل بلزوم الإضمار قبل الذكر، هذا هو النقل الصحيح عن الفراء. ا. هـ.
"وإن اختلفا" أي: العاملان؛ في طلب المعمول فإن كان أولهما يطلب مرفوعًا
_________________
(١) ١ ذكر السيوطي في همع الهوامع ٢/ ١٠٩ أن هذا مذهب هشام والسهيلي وابن مضاء.
(٢) البيت لعلقمة الفحل في ديوانه ص٣٨، والرد على النحاة ص٩٥، واللسان ١٠/ ٢٥٤ "عفق" ١٤/ ٣٥٣ "زبي" والمقاصد النحوية ٣/ ١٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٠١، وتذكرة النحاة ص٣٥٧، وجمهرة اللغة ص٩٣٦، والمقرب ١/ ٢٥١، وشرح التسهيل ١/ ١٢٧، ٢/ ١٧٤. ٢ مغني اللبيب ص٦٣٥، ٦٣٦، وانظر شرح التسهيل ٢/ ١٦٦.
[ ١ / ٤٨٥ ]
"أضمرته مؤخرًا" وجوبًا "كـ: ضربني وضربت زيدًا هو"، انتهت مقالة الفراء١.
فهو فاعل "ضربني" وإنما أخر عن الظاهر هربا من الإضمار قبل الذكر، ولم يحذفه هربًا من حذف الفاعل، هذا كله إذا احتاج الأول لمرفوع من إعمال الثاني.
"وإن" أعملنا الثاني، و"احتاج الأول لمنصوب لفظًا" وهو ما يصل إليه العامل بنفسه "أو محلا" وهو ما يصل إليه العامل بواسطة حرف جر "فإن أوقع حذفه" أي: المنصوب "في لبس" ظاهر، "أو" لم يوقع في لبس، ولكن "كان العامل من باب "كان" أو من باب "ظن" وجب إضمار المعمول موخرا" عن المتنازع عنه في المسائل الثلاث:
فالأولى: "نحو: استعنت واستعان علي زيد به٢"، فالأول يطلب "زيدًا" مجرورًا بالباء، والثاني يطلبه فاعلا؛ لأنه استوفى معمول المجرور بـ"على"، فأعملنا الثاني، وأضمرنا ضمير "زيد" مجرورًا بالباء مؤخرًا وقلنا به، والذي حملنا على ذلك أنا لو أضمرناه مقدما قبل "استعان" لزم الإضمار قبل الذكر، ولو حذفناه أوقع في لبس، فلا يعلم هل "زيد" مستعان به أو عليه.
"و" الثانية: نحو: "كنت وكان زيد صديقًا إياه"، فـ"كنت"، و"كان" تنازعا "صديقا" على الخبرية لهما، فأعملنا الثاني فيه، وأعملنا الأول في ضميره مؤخرًا.
"و" الثالثة: "نحو: "ظنني وظننت زيدًا قائمًا إياه"، فـ"ظنني" يطلب "زيدًا قائمًا" فاعلًا ومفعولا ثانيا، "وظننت" يطلبهما مفعولين، فأعملنا الثاني، ونصبنا "زيدًا قائمًا" وبقي الأول يحتاج إلى فاعل ومفعول ثان، فأضمرنا الفاعل مقدمًا مستترًا، وأضمرنا المفعول الثاني مؤخرًا، وقلنا: "إياه"٣. ولم نحذف المنصوب في المسألة الثانية والثالثة؛ لأنه عمدة في الأصل؛ لأنه خبر مبتدأ. "وقيل في باب "ظن" و"كان" يضمر مقدمًا" كالمرفوع؛ لأنه مرفوع في الأصل فيقال: "ظنني إياه، وظننت زيدًا قائمًا" هكذا مثل أبو حيان في النكت الحسان٤ بالضمير منفصلًا، ولا يتعين، بل يجوز اتصاله نحو: "ظننيه" على ما تقدم من اختلاف الترجيح.
_________________
(١) ١ انظر شرح التسهيل ٢/ ١٧٤. ٢ شرح التسهيل ٢/ ١٧٣. ٣ المقتضب ٢/ ١١٣. ٤ النكت الحسان ص٩٤.
[ ١ / ٤٨٦ ]
وقول الشارح١ تبعًا لأبيه في شرح الكافية٢: "ولا يجوز تقديمه عند الجميع" مخالف لظاهر التسهيل٣، ولتصريح ابن عصفور٤، وابن خروف بذلك.
"وقيل": لا يضمر، ولا يحذف، بل "يظهر" كما في المسألة الآتية في تخالف صاحب الضمير ومفسره، فيقال: "ظنني قائمًا وظننت زيدًا قائمًا"، "وقيل": لا يضمر، ولا يظهر، بل "يحذف، وهو الصحيح؛ لأنه حذف لدليل"، فإن المفسر يدل عليه، قال ابن عصفور٥: وهذا المذهب أسد٦ المذاهب؛ لأن الإضمار قبل الذكر، والفصل بين العامل والمعمول، لم تدع ضرورة إليه، وحذف الاختصار في باب "ظن"، قد تقدم الدليل على جوازه ا. هـ.
وشرط الحذف أن يكون المحذوف مثل المثبت إفرادًا وتذكيرًا، وفروعهما فإن لم يكن مثله لم يجز حذفه، نحو: "علمني وعلمت الزيدين قائمين" فلا بد أن يقول: "إياه" متقدمًا أو متأخرًا، ولا يجوز حذفه. قاله أبو حيان في النكت الحسان٧.
"وإن كان العامل من غير بابي، كان، و: ظن" ولم يلبس "وجب حذف المنصوب" لفظًا أو محلا؛ لأنه فضلة مستغنى عنه، فلا حاجة لإضماره قبل الذكر "كـ: ضربت وضربني زيد"، و: مررت ومر بي زيد، "وقيل: يجوز إضماره كقوله": [من الطويل]
٣٨٩-
"إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب" جهارًا فكن في الغيب أحفظ للود
فأعمل الثاني، وأضمر في الأول ضمير المفعول، "وهذا" البيت "ضرورة عند الجمهور"،
_________________
(١) ١ أي: ابن الناظم في شرحه على الألفية ص١٨٨. ٢ شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٤٩. ٣ التسهيل ص٨٦. ٤ شرح الجمل ١/ ٦١٦. ٥ شرح الجمل ١/ ٦١٧. ٦ في "ط": "أحد". ٧ النكت الحسان ص٩٤.
(٢) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٢٨١، وأوضح المسالك ٢/ ٢٠٣، وتخليص الشواهد ص٥١٤، والدرر ٢/ ٣٥٢، وشرح ابن الناظم ص١٨٦، وشرح الأشموني ١/ ٢٥، وشرح شذور الذهب ص٤٢٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٤٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٥١، ومغني اللبيب ١/ ٣٣٣، والمقاصد النحوية ٢٧٣، وهمع الهوامع ٢/ ١١٠.
[ ١ / ٤٨٧ ]
ولم يوجب في التسهيل حذفه بل جعله أولى١. وإلى ما تقدم أشار الناظم بقوله:
٢٨٠-
وأعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه والتزم ما التزما
ثم قال:
٢٨٢-
ولا تجئ مع أول قد أهملا بمضمر لغير رفع أوهلا
٢٨٣-
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر وأخرنه إن يكن هو الخبر
"مسألة: إذا" اختلف المخبر عنه، ومفسر الضمير، و"احتاج العامل المهمل إلى ضمير، وكان ذلك الضمير" المحتاج إليه "خبرًا عن اسم، وكان ذلك الاسم" المخبر عنه "مخالفًا في الإفراد والتذكير أو غيرهما" من التأنيث والتثنية والجمع "للاسم المفسر له؛ وهو" الاسم "المتنازع فيه؛ وجب العدول" من الإضمار "إلى الإظهار"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٨٤-
وأظهر إن يكن ضمير خبرًا لغير ما يطابق المفسرا
"نحو: "أظن ويظناني أخا الزيدين أخوين"، وذلك لأن الأصل" قبل الإعمال "أظن ويظنني الزيدين أخوين" بالتثنية فيهما "فـ"أظن" يطلب "الزيدين أخوين" مفعولين، و"يظنني" يطلب "الزيدين" فاعلًا، و"أخوين" مفعولًا" ثانيًا؛ لأنه أخذ مفعوله الأول، وهو ياء المتكلم المتصلة به، "فأعملنا الأول" وهو "أظن"، "فنصبنا الاسمين، وهما "الزيدين أخوين" على أنهما مفعولان لـ"أظن"، و"أضمرنا في الثاني "وهو "يظنني" "ضمير "الزيدين" وهو الألف" في "يظناني"، فاستوفى فاعله ومفعوله الأول، "وبقي علينا المفعول الثاني" لـ"يظناني" "يحتاج إلى إضماره، وهو خبر" في الأصل "عن ياء المتكلم" المتصلة به التي هي الآن المفعول الأول بعد دخول "يظن"، "والياء المخالفة لـ"أخوين" الذي هو مفسر الضمير الذي يؤتى به، فإن الياء مفرد، و"الأخوين" تثنية، فدار الأمر بين إضماره مفردًا ليوافق المخبر عنه" وهو الياء، "وبين إضماره مثنى ليوافق المفسر" وهو "الأخوين"، "وفي كل منهما محذور" لا محيص منه " فوجب العدول إلى الإظهار، فقلنا: "أخا" فاتفق المخبر عنه" وهو الياء في الإفراد "ولم يضره مخالفته لـ"أخوين" لأنه" أي: "أخا" "اسم ظاهر لا يحتاج إلى ما يفسره، هذا تقرير ما قالوا" في هذه المسألة٢.
_________________
(١) ١ التسهيل ص٨٦. ٢ انظر هذه المسألة في شرح ابن الناظم ص١٨٨-١٨٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٨٦، ٢٨٧، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦٥١.
[ ١ / ٤٨٨ ]
قال الموضح تبعًا لجماعة على سبيل البحث: "و" الذي "يظهر لي فساد دعوى التنازع في "الأخوين" لأن "يظنني" لا يطلبه؛ لكونه مثنى، والمفعول الأول مفرد".
وجوابه أن المتنازع فيه مطلق الأخوة من غير نظر كونه مفردًا أو مثنى، قال صاحب المتوسط بمعناه، وفيه نظر؛ لأن التنازع لا يكون في مبهم "وعن الكوفيين أنهم أجازوا فيه وجهين: حذفه وإضماره" مقدمًا "على وفق المخبر عنه"، فيقولون على الحذف: "أظن ويظناني الزيدين أخوين"، ويحذفون "أخا" لدلالة أخوين عليه، ويقولون: على الإضمار: "أظن ويظناني إياه الزيدين أخوين"، كذا مثله في شرح الكافية١ مقدمًا؛ لأن العلة المقتضية لتأخيره؛ وهي تأخير المفسر: مفقودة هنا.
وإن أعملنا الثاني فالحكم فيه كما سبق من وجوب الإظهار، ومن إجراء الوجهين المحكيين عن الكوفيين، ولكن يضمر مؤخرا، قاله المرادي في شرح التسهيل، وفيه البحث السابق.
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٥١، ٦٥٢.
[ ١ / ٤٨٩ ]
باب المفعول المطلق
مدخل
باب المفعول المطلق:
"هذا باب المفعول المطلق":
"أي: الذي يصدق عليه قولنا: مفعول" بغير صلة "صدقا" منصوب بيصدق "غير مقيد" صفة "صدقًا" "بالجار" حرف أو اسم، متعلق بمقيد؛ بخلاف بقية المفاعيل فإن صدق المفعولية عليها مقيد بالجار كالمفعول به، والمفعول له، والمفعول فيه، والمفعول معه، وهذه التسمية للبصريين١.
وأما غيرهم٢ فلا يسمى مفعولًا إلا المفعول به خاصة، ويقول في غيره: مشبه بالمفعول، قال الموضح في الحواشي٣.
"و" المفعول المطلق: "هو اسم يؤكد عامله"، فيفيد ما أفاده العامل من الحدث من غير زيادة على ذلك. "أو يبين نوعه"، أي: نوع العامل، فيفيده زيادة على التوكيد "أو" يبين "عدده" أي:
عدد العامل، فيفيد عدد مرات العامل زيادة على التوكيد، "وليس" هو "خبرا" عن مبتدأ "ولا حالا" من غيره "نحو: ضربت ضربًا، أو" ضربت "ضرب الأمير، أو" ضربت "ضربتين"، فالأول مثال لما يؤكد عامله، والثاني مثال لما يبين نوعه، والثالث مثال لما يبين عدده "بخلاف نحو": "ضربك ضربتان" و"ضربك ضرب أليم" فإه وإن بين العدد في الأول، والنوع في الثاني لوصفه بـ"أليم" فهو خبر عن "ضربك" فلا يكون مفعولًا مطلقًا، "و" بخلاف "نحو: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ [النمل: ١٠] فإنه وإن كان توكيدًا لعامله فهو حال من الضمير المستتر في عامله فلا يكون مفعولًا مطلقًا.
وإلى أن المفعول المطلق يفيد المعاني الثلاثة أشار الناظم بقوله:
٢٨٨-
توكيدا أو نوعا يبين أو عدد
_________________
(١) ١ همع الهوامع ١/ ١٦٥. ٢ أي: الكوفيون، كما في همع الهوامع ١/ ١٦٥. ٣ انظر شرح شذور الذهب ص٢٦٦.
[ ١ / ٤٩٠ ]
"وأكثر ما يكون المفعول المطلق مصدرًا" كما تقدم من الأمثلة، "والمصدر" كما قال الناظم:
٢٨٦-
اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل
وهو "اسم الحدث الجاري على الفعل"، وليس علمًا ولا مبدوءًا بميم زائدة لغير المفاعلة كما قاله الموضح في باب إعمال المصدر١.
"وخرج بهذا القيد" وهو الجريان على الفعل "نحو" "غسلا" و"وضوءًا" و"عطاء" من قولك: ""اغتسل غسلًا" و"توضأ وضوءًا" و"أعطى عطاء" فإن هذه" الثلاثة "أسماء مصادر" وليست مصادر لعدم جريانها على أفعالها؛ لأن "اغتسل" قياس مصدره الجاري عليه "الاغتسال"، و"توضأ" قياس مصدره الجاري "التوضؤ"، و"أعطي" قياس مصدره الجاري عليه "الإعطاء".
وخرج بقولنا: وليس علما، نحو "حماد" علمًا للمحمدة، وبقولنا: ليس مبدوءًا بميم زائدة لغير المفاعلة نحو: "مقتل" بمعنى القتل فإنها من أسماء المصادر، والفرق بين المصدر واسمه أن المصدر يدل على الحدث بنفسه واسم المصدر يدل على الحدث بواسطة المصدر، فمدلول المصدر معنى، ومدلول اسم المصدر لفظ المصدر.
وسمي المصدر مصدرًا؛ لأن فعله صدر عنه؛ أي: أخذ منه، كمصدر الإبل للمكان الذي ترده ثم تصدر عنه٢.
"و" المصدر المنصوب على المفعولية المطلقة "عامله إما مصدر مثله" لفظًا ومعنى "نحو: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ " [الإسراء: ٦٣]، فـ"جزاء" مفعول مطلق، وعامله "جزاؤكم"، وهو مصدر مثله، أو لا معنى لا لفظًا نحو: "أعجبني إيمانك تصديقًا"، وقول الجرمي: لا يعمل المصدر في المصدر مردود بالآية ونحوها.
"أو ما اشتق" لفظه "منه من فعل" غير تعجبي ولا ناقص ولا ملغى عن العمل "نحو: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ " [النساء: ١٦٤]، وخرج عنه فعل التعجب، فلا يقال: "ما أحسن زيدًا حسنًا"، والأفعال الناقصة فلا يقال: "كان زيد قائمًا كونا"، والأفعال الملغاة فلا يقال: "زيد قائم ظننت ظنا".
"أو" من "وصف" اسم فاعل أو مفعول أو للمبالغة دون اسم التفضيل والصفة المشبهة، فاسم الفاعل "نحو: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١]، واسم المفعول
_________________
(١) ١ أوضح المسالك ٣/ ٢٠٠، ٢٠١. ٢ انظر الإنصاف ١/ ٢٣٥، المسألة رقم ٢٨.
[ ١ / ٤٩١ ]
نحو: "الخبز مأكول أكلا" وأمثله المبالغة نحو: "زيدًا ضراب ضربًا"، ولا يجوز: "زيد حسن وجهه حسنًا"، ولا "أقوم منك قياما"، وأما قوله: [من البسيط]
٣٩٠-
أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم لؤما وأبيضهم سربال طباخ
فـ"لؤما" منصوب محذوف، قاله صاحب البديع، وإلى ناصب المفعول المطلق أشار الناظم بقوله:
٢٨٧-
بمثله أو فعل أو وصف نصب
وما ذكره من أن الفعل والوصف مشتقان من المصدر هو الصحيح من مذهب البصريين، وإليه يرشد قوله الناظم:
٢٨٧-
وكونه أصلًا لهذين انتخب
"وزعم بعض البصريين" كالفارسي، واختاره الشيخ عبد القاهر "أن الفعل أصل للوصف" فيكون فرع الفرع.
"وزعم الكوفيون أن الفعل أصل لهما" أي: للمصدر والوصف.
وزعم ابن طلحة أن الفعل والمصدر أصلان، وليس أحدهما مشتقا من الآخر١.
والصحيح الأول؛ لأن الفرع لا بد فيه من معنى الأصل وزيادة، والفعل يدل على الحدث والزمان، والصفة تدل على الحدث والموصوف ولا دلالة لهما على الزمان المعين٢.
_________________
(١) البيت لصدره روايات مختلفة، وهو لطرفة بن العبد في ديوانه ص١٨، ولسان العرب ٧/ ١٢٤، "بيض"، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ١٣٩، وأمالي المرتضى ١/ ٩٢، والإنصاف ١/ ١٤٩، وخزانة الأدب ٨/ ٢٣٠، وشرح المفصل ٦/ ٩٣، واللسان ٧/ ١٢٣ "بيض"، ١٥/ ٩٦، "عمى"، والمقرب ١/ ٧٣، وأساس البلاغة "طبخ". ١ ورد هذا الرأي والذي قبله دون نسبة إلى قائل في الارتشاف ٢/ ٢٠٢، وهمع الهوامع ١/ ١٨٦. ٢ انظر الإنصاف ١/ ٢٣٥، المسألة رقم ٢٨.
[ ١ / ٤٩٢ ]
"فصل":
"ينوب عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق ما يدل على المصدر من صفة" له "كـ: سرت أحسن السير" والأصل سرت السير أحسن السير، فحذف الموصوف لدلالة إضافة صفته إلى مثله عليه، ونابت صفته منابه، وانتصبت انتصابه. "و: اشتمل الصماء"، والأصل الشملة الصماء، فحذف الموصوف ونابت صفته منابه. "و: ضربته١ ضرب الأمير اللص، إذ الأصل: ضربا مثل ضرب الأمير اللص، فحذف الموصوف" وهو "ضربًا" "ثم المضاف" وهو "مثل" وصح وقوعه نعتًا للنكرة وإن أضيف لمعرفة؛ لأنه لم يكتسب التعريف بالمضاف إليه لتوغله في الإبهام.
وقيد أبو البقاء المسألة بقوله: وكذلك صفة المصدر إذا أضيفت إليه نحو: "سرت أشد السير"؛ لأن الصفة هي الموصوف في المعنى وإنما قدمت لتدل على المبالغة. ا. هـ.
وما ذكره الموضح من إقامة الصفة مقام الموصوف في الانتصاب على المفعول المطلق تبع فيه ابن مالك في شرح التسهيل٢، وخالف ذلك في شرح القطر٣، فقال: وليس مما ينوب عن المصدر صفته نحو: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] خلافًا للمعربين. زعموا أن الأصل: أكلا رغدا، وأنه حذف الموصوف، ونابت صفته منابه، وانتصبت انتصابه٤.
ومذهب سيبويه٥ أن ذلك إنما هو حال من مصدر الفعل المفهوم منه، والتقدير: "فكلا" حال كون الأكل رغدًا، ويدل ذلك على أنهم يقولون: "سِيْرَ عليه طويلًا" فيقيمون الجار والمجرور مقام الفاعل، ولا يقولون: "طويل" بالرفع، فدل على أنه حال لا مصدر، وإلا جازت إقامته مقام الفاعل؛ لأن المصدر يقوم مقام الفاعل باتفاق٦. ا. هـ.
_________________
(١) ١ في "ط": "ضربت". ٢ شرح التسهيل ٢/ ١٨٢. ٣ شرح قطر الندى ص٢٢٦. ٤ منهم البيضاوي، انظر أنوار التنزيل ١/ ١٤٢. ٥ الكتاب ١/ ٢٢٨. ٦ شرح قطر الندى ص٢٢٦.
[ ١ / ٤٩٣ ]
"أو" من "ضميره" أي: ضمير المصدر "نحو: عبد الله" بالنصب "أظنه جالسًا" فـ"عبد الله" مفعول أول لـ"أظن"، و"جالسًا" مفعوله الثاني، و"الها" في "أظنه" ضمير المصدر نائبة عنه في الانتصاب على المفعولية المطلقة. وهل هي نائبة عن مصدر مؤكد فيكون التقدير: أظن ظنا، أو عن نوعي، فيكون التقدير: أظن ظني، كما قدره الشارح١ تبعًا للمفصل٢، فيه بحث.
قال الموضح في الحواشي: والذي يظهر أن الضمير إنما يقوم مقام المؤكد خاصة، وذلك كقوله: [من م. الكامل]
٣٩١-
من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه
وقوله: [من البسيط]
٣٩٢-
هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
أي: يدرس الدرس، وقد نلت النيل، ولو صرح بالظاهر لم يفد إلا التوكيد فكذلك ضميره.
"و" أما "نحو" ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا " لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا "﴾ [المائدة: ١١٥] فتقديره: لا أعذب هذا التعذيب الخاص، فالضمير هنا نائب عن المصدر النوعي فصار له حالتان.
انتهى كلامه في الحواشي، ومن خطه نقلت.
وينبغي أن يكون٣ "أل" في "النيل" و"الدرس" للجنس لا للعهد، وإلا لكان نوعيّا أيضًا.
"أو" من "إشارة إليه" أي: إلى المصدر؛ سواء أكان اسم الإشارة متبوعا بالمصدر أم لا. فالأول "كـ: ضربته ذلك الضرب" بالنصب، والثاني كـ"ضربته ذلك"،
_________________
(١) ١ أي: ابن الناظم في شرح الألفية ص١٩٢. ٢ المفصل ص٤٧.
(٢) البيت لزهير بن جناب في إصلاح المنطق ص٣١٦، والأغاني ١٨/ ٣٠٧، والشعر والشعراء ١/ ٣٨٦، ولسان العرب ١١/ ٤٦ "بجل" ١٤/ ٢١٦، "حيا" والمؤتلف والمختلف ص١٣٠، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٥/ ٢٩٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٠٠، ولسان العرب ١٤/ ٢١٧ "حيا".
(٣) البيت بلا نسبة في خزانة الأدب ٢/ ٣، ٥/ ٢٢٦، ٩/ ٤٨، ٦١، ٥٤٧، والدرر ٢/ ٧٨، ورصف المباني ص٢٤٧، ٣١٥، وشرح شواهد المغني ص٥٨٧ والكتاب ٣/ ٦٧، ولسان العرب ١٠/ ١٥٧، "سرق" والمقرب ١/ ١١٥، وهمع الهوامع ٢/ ٣٣. ٣ في "ب"، "ط": "تكون".
[ ١ / ٤٩٤ ]
فـ"ذلك" في المثالين مفعول مطلق نائب عن المصدر.
وذهب ابن مالك في شرح التسهيل١ إلى أنه لا بد من جعل المصدر تابعًا لاسم الإشارة المقصود به المصدرية. وذهب سيبويه٢ والجمهور إلى أن ذلك لا يشترط، ومن كلام العرب: "ظننت ذلك"، يشيرون به إلى الظن قاله المرادي في التلخيص.
"أو" من "مرادف له" معنى "نحو: شنئته بغضًا" فـ"بغضًا": مفعول مطلق نائب عن "شنء" فإن "الشنء" مصدر "شنئ"؛ بكسر النون مرادف للبغض، "و: أحببه مقة"، فـ"مقة" مفعول مطلق نائب عن المحبة، فإن المقة؛ بكسر الميم؛ مصدر "ومق" مرادف للمحبة، "و: فرحت جذلًا"، فـ"جذلا" مفعول مطلق نائب عن "فرحًا" فإن الجذل؛ بفتحتين "وهو بالذال المعجمة مصدر "جذِل" بالكسر" مرادف للفرح. وظاهر كلام الموضح تبعًا لابن مالك٣ أن المرادف منصوب بالفعل المذكور، وهو مذهب المازني، والمنقول عن الجمهور أن ناصبه فعل مقدر من لفظه، والتقدير عندهم في الأمثلة المذكورة: شنئته وبغضته بغضًا، وأحببته ومقته مقة، وفرحت وجذلت جذلا.
"أو" من "مشارك له" أي: للمصدر المحذوف "في مادته" وحروفه "وهو أقسام ثلاثة:
اسم مصدر" غير علم "كما تقدم" من نحو: "اعتسل غسلا" و"توضأ وضوءًا" و"أعطى عطاء". وفي شرح التسهيل٤: أن [اسم] ٥ المصدر العلم لا يستعمل مؤكدًا ولا مبينا.
"واسم عين ومصدر لفعل آخر"، فاسم العين "نحو: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ " [نوح: ١٧] فـ"نباتا": اسم عين للنبات، وهو ما ينبت من زرع أو غيره، ومنه زكاة النبات، وعن سيبويه٦: أان "نباتًا" في الآية مصدر جار على غير الفعل، وكأنه نائب عن "إنباتًا"، قاله الشاطبي، فعلى هذا "يكون من القسم الثالث؛ وهو ما كان مصدرًا لفعل آخر نحو: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] فـ"نباتًا" نائب
_________________
(١) ١شرح التسهيل ٢/ ١٨١. ٢ الكتاب ١/ ١٢٥. ٣ شرح التسهيل ٢/ ١٨٢. ٤ شرح التسهيل ٢/ ١٨٠. ٥ إضافة من المصدر السابق. ٦ الكتاب ٤/ ٨١.
[ ١ / ٤٩٥ ]
عن "إنباتا" و"تبتيلا" نائب عن "تبتلا"، "والأصل" في مصدر "أنبت" و"تبتل" "إنباتًا وتبتلا"؛ لأن قياس مصدر "أنبت" الإنبات لا النبات؛ لأنه مصدر "نبت". قال ابن القطاع: نبت البقل نباتًا، وقياس مصدر "تبتل" التبتل لا تبتيلا؛ لأن التبتيل مصدر "بتل" بالتشديد.
"أو" من لفظ "دال على نوع منه" أي: من المصدر "كـ: قعد القرفصاء" بالمد والقصر، "و: "رجع القهقرى" بالقصر فقط، فإن "القرفصاء" نوع من القعود، و"القهقرى" نوع من الرجوع، والأصل: قعد القعدة القرفصاء، ورجع الرجوع القهقرى، فحذف المصدر وأنيب عنه لفظ دال على نوع منه. فإن قلت: القرفصاء والقهقرى مصدران، فكيف يقال: نابا عن المصدر؟ قلت: أجيب بأنهما نابا عن المصدر الأصلي المحتمل للقليل والكثير. وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه يقتضي أن انتصاب النوعي فرع عن انتصاب المؤكد، ولا قائل به. قاله الموضح في الحواشي.
"أو" من لفظ ""دال على عدده" أي: المصدر "كـ: ضربته عشر ضربات" فـ"عشر" نائب عن المصدر، والأصل: ضربته ضربًا عشر ضربات، فحذف المصدر، وأنيب عنه عدده، ومثله: " ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ " [النور: ٤]، والأصل: فاجلدوهم جلدًا ثمانين، فحذف المصدر وأنيب عنه "ثمانين، و"جلدة" تمييز.
"أو" من لفظ دال "على آلته" أي: المصدر "كـ: ضربته سوطًا، أو عصا" والأصل: ضربته ضربًا بسوط أو عصا، ثم توسع في الكلام. فحذف المصدر، وأقيمت الآلة مقامه، وأعطيت ما له فمن إعراب وإفراد أو تثنية أو جمع، تقول: "ضربته سوطين" و"أسواطًا" والأصل: ضربتين بسوط، وضربات بسوط، قاله الشارح١.
وقال المرادي في التلخيص: أصل ضربته سوطًان ضربته ضربة٢ سوط، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه وذلك يطرد فلي كل آلة معهودة للفعل، فلو قلت: ضربته خشبة، لم يجز٣ لأنه لا٤ يعهد كون ذلك آلة لهذا الفعل. ا. هـ.
"أو" من "كل" وما معناها مضاف إلى المصدر "نحو: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] فـ"كل": مفعول مطلق نائب عن مصدر محذوف، والأصل: فلا
_________________
(١) ١ أي: ابن الناظم في شرح الألفية ص١٩٢. ٢ في "ط: "ضرب". ٣ في "ب": "يصح". ٤ في "ط": "لم".
[ ١ / ٤٩٦ ]
تميلوا ميلا كل الميل، "و" نحو "قوله" وهو قيس بن الملوح: [من الطويل]
٣٩٣-
وقد يجمع اله الشتيتين بعدما "يظنان كل الظن ألا تلاقيا"
والأصل: يظنان ظنا كل الظن، ونحو: ضربته جميع الضرب أو عامة١ الضرب.
"أو" من "بعض" وما في معناها مضافة إلى المصدر "كـ: ضربته بعض الضرب"، فـ"بعض": مفعول مطلق نائب عن مصدر محذوف، والأصل: ضربته بعض الضرب، وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤]، ونحو: "ضربته يسير الضرب"، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود: ٥٧] وحاصل ما ذكره الموضح أن النائب عن المصدر نوعان: نائب عن مؤكد، ونائب عن مبين. فالنائب عن المؤكد: المرادف والمشارك له في المادة بأقسامه الثلاثة، والنائب عن المبين: ما بقي وهو الوصف والضمير والإشارة والعدد والآلة وكل وبعض وذلك يدخل في قول الناظم:
٢٨٩-
وقد ينوب عنه ما عليه دل
"مسألة: المصدر المؤكد" لعامله "لا يثنى ولا يجمع باتفاق" فلا يقال:" ضربت "ضربين" بالتثنية، "ولا:" ضربت "ضروبًا" بالجمع؛ "لأنه" اسم جنس مبهم يحتمل القليل والكثير "كـ"ماء" و"عسل"" و"دقيق"؛ ولأنه بمنزلة تكرير الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع باتفاق، فكذلك ما كان بمنزلته.
"و" المصدر العددي، وهو "المختوم بتاء الوحدة كـ"ضربة" بعكسه" فيثنى ويجمع "باتفاق، فيقال:" ضربت "ضربتين، وضربات؛ لأنه" فرد لجنس "كـ"تمرة" و"كلمة". واختلف في" المصدر "النوعي، فالمشهور" من الخلاف في تثنيته وجمعه "الجواز" قياسًا. فيقال: "ضربت ضربتين ضربا عنيفًا وضربًا رقيقًا"، و"ضربت ضروبًا مختلفة" "وظاهر مذهب سيبويه المنع" وأنه لا يقال منه إلا ما سمع ٢، "واختاره" أي: المنع "الشلوبيين٣" واحتج المجيز بمجيئه في الفصيح كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] والألف مزيدة تشبيهًا للفواصل بالقوافي، وإلى المنع في المؤكد والجواز في غيره أشار الناظم بقوله:
٢٩٠-
وما لتوكيد فوحد أبدًا وثن واجمع غيره وأفردا
_________________
(١) البيت للمجنون في ديوانه ص٢٤٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢١٣، والخصائص ٢/ ٤٤٨، وشرح الأشموني ١/ ٢١٠ ولسان العرب ٢/ ٤٨، "شتت". ١ في "أ": "غاية". ٢ الكتاب ١/ ٣٥. ٣ انظر الارتشاف ٢/ ٢٠٥، وهمع الهوامع ١/ ١٨٦.
[ ١ / ٤٩٧ ]
"فصل":
النحاة "اتفقوا على أنه يجوز لدليل مقالي أو حالي حذف عامل المصدر غير المؤكد" وهو المبين للنوع أو العدد. والدليل المقالي: ما مرجعه إلى القول، "كأن يقال: "ما جلست". فيقال: "بلى جلوسًا طويلًا"، أو "بلى جلستين"" فـ"جلوسًا": مصدر نوعي لوصفه بالطول، حذف عامله جوازا لدليل مقالي، وهو قول القائل: ما جلست، والتقدير: بلى جلست طويلًا، و"جلستين": مصدر عددي حذف عامله لذلك، والتقدير: بلى جلست جلستين.
"و" الدليل الحالي: ما مرجعه إلى الحال من مشاهدة أو غيرها، "كقولك لمن قدم من سفر: قدومًا مباركًا"، ولمن تكرر منه إصابة الغرض: "إصابتين"، فـ"قدومًا": مصدر نوعي، و"إصابتين" مصدر عددي، حذف عاملهما جوازا لدليل حالي، وهو الحال المشاهدة، والتقدير: قدمت قدومًا مباركًا، وأصبت إصابتين.
"وأما" المصدر "المؤكد فزعم ابن مالك" في شرح الكافية١: "أنه لا يحذف عامله؛ لأنه إنما جيء به لتقويته وتقرير معناه والحذف مناف لهما"، فلم يجز حذفه، بخلاف المصدر المبين نوعًا أو عددًا، فإنه يدل على معنى زائد على معنى الفعل فأشبه المفعول به. فجاز حذف عامله كما جاز عامل المفعول به. انتهى كلامه في شرح الكافية وصرح بذلك في النظم فقال:
٢٩١-
وحذف عامل المؤكد امتنع وفي سواه لدليل متسع
"ورده ابنه٢" بأنه إن أراد أن المصدر المؤكد قد يقصد به تقوية عامله، وتقرير معناه دائما، فلا شك أن حذفه مناف لذلك القصد، ولكنه ممنوع، ولا دليل عليه، وإن أراد أن المصدر المؤكد قد يقصد به التقوية والتقرير، وقد يقصد به مجرد التقرير فمسلم،
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٥٧، ٦٥٨. ٢ بعده في "ب": "في شرح النظم"، وفي "ط": "في شرحه". وانظر شرح ابن الناظم ١٩٣.
[ ١ / ٤٩٨ ]
ولكن لا نسلم أن الحذف مناف لذلك القصد؛ لأنه إذا جاز أن يقرر معنى العامل المذكور بتوكيده بالمصدر؛ فلأن يجوز أن يقرر معنى العامل المحذوف لدلالة القرينة عليه أحق وأولى.
"وبأنه قد حذف جوازًا" إذا كان خبر اسم عين في غير تكرير ولا حصر "في نحو: "أنت سيرًا" ووجوبًا" مع التكرير أو الحصر في "أنت سَيْرًا سَيْرًا" و"ما أنت إلا سيرًا". "و" في غير ذلك "نحو: سقيا ورعيا" وحمدا وشكرًا لا كفرا، فمنع مثل هذا إما للسهو١ عن وروده، وإما للبناء على أن المسوغ لحذف العامل فيه نية التخصيص، وهو دعوى على خلاف الأصل، ولا يقتضيها فحوى الكلام، انتهى كلام ابنه في شرحه٢.
وأجاب الشاطبي بأن ما قاله ابن الناظم غير لازم؛ لأنه إذا أريد تقرير معنى العامل فقد قصد الإتيان بلفظ آخر يقرر معنى اللفظ الآخر ويؤكده، فحذفه مع هذا القصد نقض للغرض، وأما ما استدل به فلا دليل فيه؛ لأن تلك المصادر لم تأت للتأكيد أصلًا، وإنما هي مصادر جعلت بدلًا من أفعالها، وعوضت منها، ففائدتها النيابة عن أفعالها، وإعطاء معانيها، لا تأكيدها فلو كانت مؤكدة لها لكانت مؤكدة لنفسها، والشيء لا يؤكد نفسه. انتهى ملخصًا مع اعترافه بأن "أنت سيرًا" للتوكيد. حيث قال في شرح قول الناظم:
٢٩٤-
كذا مكرر
وتقول في المؤكد: "أنت تسير سيرًا" فيظهر أيضًا؛ يعني العامل؛ ولهذا لم يتعقب الموضح كلام ابن الناظم بل أقره عليه، لكن إقراره على نحو: "سقيا" و"رعيا" مشكل، بل قال ابن عقيل٣: إن ما قاله ابن الناظم ليس بصحيح، فإن جمع ما أتى به من الأمثلة ليست من المصدر المؤكد في شيء، وإنما هي من المصادر النائبة عن أفعالها. ا. هـ.
والحق أن المصدر النائب عن فعله من قسم المصدر المؤكد، وهو في معنى الاستثناء من قوله:
٢٩١-
وحذف عامل المؤكد امتنع
قاله الموضح في بعض حواشيه على الخلاصة.
"وقد يقام المصدر" المؤكد "مقام فعله" المستعمل أو المهمل "فيمتنع ذكره معه" أي: فيمتنع ذكر الفعل مع المصدر؛ لقيامه مقامه.
_________________
(١) ١ في "أ"، "ب": "لسهو". ٢ شرح ابن الناظم ص١٩٣. ٣ شرح ابن عقيل ١/ ٢٩١، ٢٩٢.
[ ١ / ٤٩٩ ]
"وهو نوعان، ما لا فعل له" أصلًا من لفظه "نحو: ويل زيد وويحه؛ و: [من الكامل]
٣٩٤-
بله الأكف"
بالإضافة إلى المفعول، "فيقدر له عامل من معناه، على حد: "قعدت جلوسًا"، بناء على قول المازني: إن جلوسًا منصوب بـ"قعدت"، فيقدر في نحو: "ويل زيد ويحه": أحزن الله زيدًا ويله، وأحزن الله زيدًا ويحه؛ لأن الويل والويح بمعنى الحزن، قاله أبو البقاء، وقيل: يقدر: "أهلك" لأنهما بمعنى الهلاك، وقيل: يقدر قبل "ويح" و"رحم" لأنها كلمة ترحم، وقبل١ "ويل" عذب لأنها كلمة عذاب.
وذهب بعض البغداديين إلى أن "ويحه" و"يله" و"يسه" منصوبة بأفعال من لفظها وأنشد: [من الهزج]
٣٩٥-
فما مال ولا واح ولا واس أبو هند
قال المرادي في شرح التسهيل: وهو مصنوع٢. ا. هـ.
ويقدر في "بله الأكف": اترك؛ لأن بله الشيء بمعنى تركه، و"الأكف": جمع كف. "وما له فعل" مستعمل من لفظه، "وهو نوعان":
نوع "واقع في الطلب وهو الوارد دعاء" بخير أو ضده، فالأول: "كـ: سقيا، ورعيا"، والثاني كـ: كيًّا "و: جدعا" والأصل: سقاك الله سقيا، ورعاك الله رعيا، وكواه الله كيًّا، وجدعه جدعا والجدع: قطع طرف الأنف أو الشفة أو الأذن أو غير ذلك.
"أو" الوارد "أمرًا أو نهيًا نحو: قيامًا لا قعودًا" أي: قم قياما لا تقعد قعودا،
_________________
(١) تمام البيت: "تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكف كانها لم تخلق" وهو لكعب بن مالك في ديوانه ص٢٤٥، وحزانة الأدب ٦/ ٢١١، ٢١٤، ٢١٧، والدرر ١/ ٥٠٨، وشرح شواهد المغني ص٣٥٣، ولسان العرب ٣/ ٤٧٨، "بله" وتاج العروس "بله"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢١٧، وتذكرة النحاة ص٥٠٠، والجنى الداني ٤٢٥، وخزانة الأدب٦/ ٢٣٢، وشرح ابن الناظم ص١٩٦، وشرح الأشموني ١/ ٢٥١، وشرح المفصل ٤/ ٤٨، ومغني اللبيب ص١١٥، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٦. ١ في "ب": "قيل".
(٢) البيت بلا نسبة في الممتع في التصريف ٢/ ٥٦٧، والمنصف ٢/ ١٩٨. ٢ الارتشاف ١/ ٩٠.
[ ١ / ٥٠٠ ]
"و" كذلك النوعي "نحو: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أي: فاضربوا ضرب الرقاب١، "و" نحو "قوله": [من الطويل]
٣٩٦-
على حين ألهى الناس جل أمورهم "فندلا زريق المال ندل الثعالب
أي: اندل يا زريق المال ندل الثعالب، أي: اختطفه بسرعة كاختطاف الثعالب.
و"زريق"؛ بزاي فراء؛ مصغر علم رجل، و"المال": مفعول به، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٩٢-
والحذف حتم مع آت بدلًا من فعله كندلا اللذ كاندلا
"كذا أطلق ابن مالك" القول بأن المصدر القائم مقام فعله في الطلب يجب معه الحذف، لم يقيده بالتكرار.
"وخص ابن عصفور الوجوب" للحذف "بالتكرار٢، كقوله" وهو قطري بن الفجاءة الخارجي: [من الوافر]
٣٩٧-
"فصبرا في مجال الموت صبرًا" فما نيل الخلود بمستطاع
أي: اصبر صبرًا، ووجهه أنه جعل تكرار المصدر قائما مقام العامل، وبذلك قال ابن الضائع: ونصه: واعلم أنه يجري مجرى هذا في التزام الإضمار٣ المصادر في الأمر المثناة كقولهم: الحذر الحذر، والنجاء النجاء، وضربا ضربًا. ا. هـ.
_________________
(١) ١ بعده في "ط": "ولا فرق في ذلك بين المفرد والمضاف، ولذلك فصله بقوله"، وفي "ب": "هذا من النوعي، ولذلك فصله بقوله".
(٢) البيت للأعشى همدان في الحماسة البصرية ٢/ ٢٦٢، ٢٦٣، ولشاعر من همدان في شرح أبيات سيبويه ١/ ٣٧١، ٣٧٢، ولأعشى همدان أو للأحوص أو لجرير في المقاصد النحوية ٣/ ٤٦، وهو في ملحق ديوان الأحوص ص٢١٥، وملحق ديوان جرير ص١٠٢١، وبلا نسبة في الإنصاف ص٢٩٣، وأوضح المسالك ٢/ ٢١٨، وجمهرة اللغة ص٦٨٢، والخصائص ١/ ١٢٠، وسر صناعة الإعراب ص٥٠٧ وشرح ابن الناظم ص١٩٤، وشرح الأشموني ١/ ٢٠٤، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٦٦، والكتاب ١/ ١١٥، ولسان العرب ١١/ ٦٥٣ "ندل". ٢ شرح الجمل ٢/ ٤٠٧.
(٣) البيت لقطري بن الفجاءة في تخليص الشواهد ص٢٩٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٥١، وشرح التسهيل ٢/ ١٨٧، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦٦٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٢٠، وشرح الأشموني ٢/ ٢١٢. ٣ في "ط": "إضمار".
[ ١ / ٥٠١ ]
قال الموضح في حاشية التسهيل: وأشار بقوله هذا إلى التحذير بغير "إيا"، وبمثل قوله قال ابن عصفور١، وكلاهما مخالف لإطلاق ابن مالك القول بأن المصدر الذي أقيم مقام عامله في الطلب يلتزم معه الحذف. انتهى كلام الموضح.
"أو" الوارد "مقرونا باستفهام توبيخي" وهو ثلاثة أقسام:
توبيخ متكلم لنفسه كقول عامر بن الطفيل يخاطب نفسه: أغدة كغدة البعير وموتا في بيت امرأة سلولية٢.
وتوبيخ لمخاطب "نحو: "أتوانيا وقد جد قرناؤك""، أي: أتتوانى توانيًا، "وقوله"؛ وهو جرير يهجو خالد بن يزيد الكندي: [من الوافر]
٣٩٨-
أعبدا حل في شعبى غريبًا "ألؤما لا أبا لك واغترابا"
أي: أتلؤم لؤما وتغترب اغترابًا، و"عبدًا": منادى بالهمزة: و"شعبى": بضم الشين المعجمة٣ وفتح العين والباء الموحدة؛ موضع.
والتوبيخ لغائب في حكم حاضر، كقولك لشيخ غائب وقعد أبلغك أنه يلعب: "ألعبا وقد علاك المشيب"، أي: أتلعب لعبًا.
"و" نوع "واقع في الخبر، وذلك في" خمس "مسائل:
إحداها: مصادر مسموعة كثر استعمالها، ودلت القرائن على عاملها"
المحذوف "كقولهم عند تذكر نعمة وشدة: حمدًا وشكرا لا كفرًا،" وهي من أمثلة سيبويه٤، وقدره:" أحمد الله حمدًا، وأشكره شكرًا لا أكفره كفرًا، كذا يتكلم بهذه الأمثلة مجتمعة.
_________________
(١) ١ شرح الجمل ٢/ ٤٠٧. ٢ من الأمثال في مجمع الأمثال ٢/ ٥٧، وفصل المقال ص٣٧٤، والمستقصى ١/ ٢٥٨، وجمهرة الأمثال ١/ ١٠٢.
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص٦٥٠، وإصلاح المنطق ٢٢١، والأغاني ٨/ ٢١، وجمهرة اللغة ص١١٨١، وخزانة الأدب ٢/ ١٨٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٩٨، والكتاب ١/ ٣٣٩، ٣٤٤ ولسان العرب ١/ ٥٠٣ "شعب"، ومعجم ما استعجم ص٧٩٩، ٨٦١، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩، ٤/ ٥٠٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٢١، ورصف المباني ص٥٢، وشرح ابن الناظم ص١٩٥، وشرح الأشموني ١/ ٢١٢. ٣ في "ط": "المهملة". ٤ الكتاب ١/ ٣١٨، ٣١٩.
[ ١ / ٥٠٢ ]
قال ابن عصفور١: لا يستعمل كفرًا إلا مع حمدا وشكرًا، ولا يقال: "حمدًا" وحده أو "شكرًا" إلا أن يظهر على الجواز ولا يلزم الإضمار إلا مع "لا٢ كفرًا"، فهذه الأمور جرت مجرى المثل، ينبغي أن يلتزم فيها ما التزمت العرب. ا. هـ.
"و: صبرًا لا جزعًا"، والتقدير: أصبر صبرًا، لا أجزع جزعًا، ولا يخفى ما في كلامه من اللف والنشر٣ المرتب، "و" كقولهم "عند ظهور أمر معجب: عجبًا" أي: أعجب عجبا، "وعند خطاب" شخص "مرضي عنه أو مغضوب عليه: أفعله" أنا "وكرامة ومسرة" أي: أفعل٤ ما تريد وأكرمك كرامة وأسرك مسرة، ولا تستعمل "مسرة" إلا بعد "كرامة" و"كرامة": اسم مصدر "أكرم"، "ولا أفعله ولا كيدًا ولا هما" أي: أكاد كيدًا، ولا أهم هما، هذا تقدير٥ سيبويه٦، واختلف في تقديره: "أكاد" فقال الأعلم: هي الناقصة، وقال ابن طاهر: هي التامة، والمعنى: ولا مقاربة٧، وقال ابن خروف: يحتمل الوجهين. "وهما" من هممت بالشيء. ولا يخفى ما في كلام الموضح من اللف والنشر المرتب، فالمثبت للمرضي عنه، والمنفي للمغضوب عليه.
المسألة "الثانية: أن يكون" المصدر "تفصيلًا لعاقبة ما قبله" من طلب أو خبر، فالأول "نحو: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ " [محمد: ٤] فـ"منا" و"فداء" ذكرا تفصيلًا لعاقبة الأمر بشد الوثاق، والتقدير: فإما أن تمنوا منا، وإما أن تفادوا فداء.
والثاني كقوله: [من البسيط]
٣٩٩-
لأجهدن فإما درء واقعة تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل
_________________
(١) ١ شرح الجمل ٢/ ٤٢١. ٢ سقطت "لا" من "أ". ٣ اللف والنشر: أن يذكر الناظم في أول البيت أسماء متعددة غير تامة المعنى، ثم يقابلها بأشياء يعددها على ترتيبها من غير الأضداد تتمم معناها؛ إما بالجمل، وإما بالألفاظ المفردة، كقول ابن حيوس: فعل المدام ولونها ومذاقها في مقلتيه ووجنتيه وريقه ٤ بعده في "ب": "أنا". ٥ بعده في "ط": "كلام". ٦ الكتاب ١/ ٣١٩. ٧ الارتشاف ٢/ ٢١٢، وهمع الهوامع ١/ ١٩١.
(٢) البيت بلا نسبة في الدرر ١/ ٤١٨، وهمع الهوامع ١/ ١٩٢، وشرح التسهيل ٢/ ١٨٨.
[ ١ / ٥٠٣ ]
فـ"درء" و"بلوغ" ذكر تفصيلًا لعاقبة الجهد أي: إما أدرأ وإما أبلغ. وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٢٩٣-
وما لتفصيل كإما منا عامله يحذف حيث عنا
المسألة "الثالثة: أن يكون" المصدر "مكررًا أو محصورًا أو مستفهمًا عنه، وعامله خبر عن اسم عين" في الأنواع الثلاثة: وشروطها أربعة أمور:
أحدها: التكرير أو الحصر أو العطف عليه أو الاستفهام عنه.
والثاني: كون المصدر مستمرا للحال لا منقطعًا عنه ولا مستقبلا، نص على ذلك سيبويه١.
والثالث: كون عامل المصدر خبرًا.
والرابع: كونت المخبر عنه اسم عين.
فالمكرر "نحو: "أنت سيرًا سيرًا""، والتقدير: أنت تسير سيرًا، فحذف "تسير" وجوبا لقيام التكرير مقامه٢.
"و" المحصور بـ"إلا" أو "إنما" نحو: ""ما أنت إلا سيرًا"، و"إنما أنت سير البريد""، والتقدير: ما أنت إلا تسير سيرًا، وإنما أنت تسير سير البريد، فحذف "تسير" لما في الحصر من التأكيد القائم مقام التكرير. والمعطوف عليه نحو: "أنت أكلا وشربًا"، والتقدير: أنت تأكل أكلًا، وتشرب شربًا؛ لأن العطف كالتكرار، نصوا عليه هنا وفي باب الإغراء والتحذير، ولكن يقدر هنا عاملان بخلاف ذلك الباب، والفرق أن العامل هنا يجب أن يكون من معنى المعمول، والمتعاطفان مختلفان في المعنى فلا ينصبهما عامل واحد، والعامل الثاني معطوف على الأول، وكلاهما خبر عن "أنت"، قاله الموضح في الحواشي.
"و" المستفهم عنه نحو: ""أأنت سيرًا"" والتقدير: أأنت تسير سيرًا، نص عليه سيبويه٣، ووجهه أن الفعل شديد المطلوبية للاستفهام، ومعنى الاستفهام الطالب للفعل قائم مقام التكرير، وجوز في المعنى أن يكون العامل المحذوف وصفًا وهو غير مناسب هنا؛ لأن الكلام في قيام المصدر مقام فعله، فليتأمل.
واقتصر الناظم على المكر والمحصور فقال:
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٣٣٦. ٢ شرح ابن الناظم ص١٩٥، والارتشاف ٢/ ٢١٤، والكتاب ١/ ٣٣٥-٣٤٠. ٣ الكتاب ١/ ٣٩٩.
[ ١ / ٥٠٤ ]
٢٩٤-
كذا مكرر وذو حصر ورد نائب فعل لاسم عين استند
فإن لم يكن المصدر مكررًا ولا محصورًا ولا مستفهما عنه ولا معطوفًا عليه لم يجب إضمار عامله نحو: "أنت تسير سيرًا" وإن شئت حذفته، فقلت: "أنت سيرًا"، ولو كان العامل خبرًا عن اسم معنى لم يحتج إلى إضمار فعل، بل يتعين رفع المصدر على الخبرية، نحو "إنما سيرك سير البريد" بخلاف كونه خبرا عن اسم عين كما تقدم فإن ذلك يؤمن معه اعتقاد الخبرية، إذ المعنى لا يخبر به عن العين إلا مجازًا كقوله: [من البسيط]
٤٠٠-
فإنما هي إقبال وإدبار
أي: ذات إقبال وإدبار، قاله في شرح الكافية١.
المسألة "الرابعة: أن يكون المصدر مؤكدًا لنفسه"، "أو" مؤكدا "لغيره، فالأول"؛ وهو المؤكد لنفسه، هو "الواقع" بعد جملة هي نص في معناه، نحو:
٢٩٦-
له علي ألف عرفا
أي: اعترافًا" فجملة "له علي ألف" نص في الاعتراف؛ لأنها لا تحتمل غيره: وسمي مؤكدا لنفسه؛ لأنه بمنزلة إعادة ما قبله، فكأن الذي قبله نفسه.
"والثاني"؛ وهو المؤكد لغيره؛ هو "الواقع بعد جملة تحتمل معناه وغيره"، ويقع منكرًا ومعرفًا، فالأول نحو: "زيد ابني حقا"، فجملة "زيد ابني" تحتمل الحقيقة والمجاز، ولكنها صارت نصا بالمصدر؛ لأن قولك: "حقا" يرفع المجاز ويثبت الحقيقة، وسمي مؤكدًا لغيره؛ لأنه يجعل ما قبله نصا بعد أن كان محتملًا، فهو مؤثر، والمؤكد به متأثر، والمؤثر غير المتأثر. "و" الثاني قسمان: ما هو جائز التعريف، وما هو واجبه، فالأول نحو: "هذا زيد الحق لا الباطل" فجملة "هذا زيد" تحتمل الصدق والكذب، فإذا قلت: "الحق"، فقد حققت أحد الاحتمالين، فرفعت الاحتمال الآخر، وكأنك قلت: أحق ذلك الحق أو حقا، فإن كان المخاطب يعتقد خلاف ما ذكرت، وأردت قصر القلب
_________________
(١) صدر البيت: "ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت" وهو للخنساء في ديوانها ص٣٨٣، والأشباه والنظائر ١/ ١٩٨، وخزانة الأدب ١/ ٤٣١، ٢/ ٣٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨٢، والشعر والشعراء ١/ ٣٥٤، والكتاب ١/ ٣٣٧، ولسان العرب ٧/ ٣٠٥، "رهط" ١١/ ٥٣٨ "قبل" ١٤/ ٤١٠ "سوا"، والمقتضب ٤/ ٣٠٥ والمنصف ١/ ١٩٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٨٧، ٤/ ٦٨، وشرح الأشموني ١/ ٢١٣، وشرح المفصل ١/ ١١٥، والمحتسب ٢/ ٤٣، وشرح التسهيل ١/ ٣٢٤. ١ شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٦٥، ٦٦٦.
[ ١ / ٥٠٥ ]
قلت: "لا الباطل" بالنصب عطفًا على "الحق". "و" الثاني: "لا أفعل كذا البتة"، فجملة "لا أفعل كذا" تحتمل استمرار النفي وانقطاعه، فإذا قلت: "البتة" حققت استمرار النفي، ورفعت انقطاعه. و"البت": القطع، يقال: "لا أفعله البتة" لكل أمر لا رجعة فيه، قاله في الصحاح، و"أل" في "البتة" لازمة الذكر، قاله الموضح في الحواشي. وفي حاشية العلامة عبد القادر المكي على هذا الكتاب يقال: لا أفعله بتة والبتة أي: بتتة بتة والبتة. وفي الباب١: لم يسمع في "ألبتة" إلا قطع الهمزة، والقياس وصلها، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٢٩٥-
ومنه ما يدعونه مؤكدا لنفسه أو غيره فالمبتدا
٢٩٦-
نحو له علي ألف عرفا والثاني كابني أنت حقا صرفا
المسألة "الخامسة: أن يكون" المصدر "فعلًا علاجيا تشبيهيا" واقعا "بعد جملة مشتملة عليه" أي: على اسم بمعناه؛ "و" مشتملة "على صاحبه" أي: المصدر؛ فهذه أربعة شروط، زاد المرادي شرطًا خامسًا، وهو: أن يكون ما اشتملت عليه الجملة غير صالح للعمل، "كـ: مررت فإذا له صوت صوت حمار٢"، و: إذا له "بكاء بكاء ذات داهية"، فالمصدر الثاني فيهما فعل علاجي٣، واقع بعد جملة، وهي: "له صوت" و"له بكاء"، وتلك الجملة مشتملة على اسم بمعناه، وهو المصدر الأول، ومشتملة أيضًا على صاحب المصدر، وهو: "الها" في "له" ولا صلاحية للمصدر الأول للعمل في المصدر الثاني؛ لأنه لا يحل محله فعل، لا مع حرف مصدري، ولا بدونه؛ لأن المعنى يأبى ذلك؛ لأن المراد: أنك مررت به في حال تصويت وبكاء، لا أنه أحدث التصويت والبكاء عند مرورك به، وإذا لم يصلح للعمل فيه تعين أن يكون منصوبًا بفعل محذوف وجوبًا، لتضمن الكلام معنى الفعل؛ لأن معنى "إذا له صوت": هو يصوت، فاتجه انتصاب ما بعده لصحة تقدير الفعل مكانه.
قال سيبويه٤: وإنما انتصب هذا؛ لأنك مررت به في حال تصويت، ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلًا منه، ولكنك لما قلت: "له صوت" علم أن ثم مصوتًا، فصار قولك: "له صوت"، بمنزلة قولك: "فإذا هو يصوت" فحمل المصدر الثاني على المعنى. ا. هـ.
_________________
(١) ١ اللباب في علم الإعراب للإسفرائيني ص٧٨. ٢ شرح ابن الناظم ص١٩٦. ٣ بعده في "ب": "لأنه من أفعال الجوارح". ٤ الكتاب ١/ ٣٥٦.
[ ١ / ٥٠٦ ]
ويجوز الرفع مع استيفاء الشروط على البدلية والصفة إن كان نكرة، ذكرهما سيبويه١، ويجوز أن يكون خبر المحذوف، وتمتنع الصفة إن كان معرفة، ولا يجوز إلا في الضرورة، قاله سيبويه١.
وقال الخليل٢: تجوز الصفة أيضًا على تقدير: "مثل"، وهل٣ الرفع والنصب متكافئان أو لا؟ فذهب ابن خروف إلى أن الرفع مرجوح؛ لأن الثاني ليس هو الأول، والنصب سالم من هذا المجاز، وذهب ابن عصفور إلى أنهما متكافئان؛ لأن في النصب التقدير، والأصل عدمه.
"ويجب الرفع في نحو" قولك: ""له ذكاء ذكاء الحكماء؛ لأنه"؛ أي: الذكاء؛ "فعل معنوي لا علاجي"، والمراد بالعلاجي: ما يحتاج في إحداثه إلى علاج بتحريك عضو من الأعضاء، كالضرب والشتم، والمعنوي بخلافه، كالعلم والذكاء وإنما وجب الرفع من غير العلاجي؛ لأنك إذا قلت: "له ذكاء"، فلست تريد أنه فعل شيئًا، بل أنه ذو ذكاء، فكان بمنزلة "له يد يد أسد"، فكما لا ينتصب "يد" فكذلك هذا.
ويجب الرفع أيضًا في نحو: "له صوت صوت حسن"؛ لأنه غير تشبيهي، "وفي نحو "صوته صوت حمار" لعدم تقدم الجملة"؛ لأن "صوته" مبتدأ، و"صوت حمار" خبره "وفي نحو: فإذا في الدار صوت صوت حمار، ونحو: فإذا عليه نوح نوح لحمام، لعدم تقدم صاحبه" فيهما، أما الأول؛ فلأن الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور للمصدر لا لصاحبه؛ وأما لثاني فلأن الضمير المجرور بـ"على" عليس عائدًا على صاحب النوح وإنما هو للمنوح عليه لا للنائح، فلم يتحقق فاعل الفعل المقدر الذي ينصب المصدر، "وربما نصب نحو هذين" المثالين، "لكن على الحال" من الضمير لا على المفعول المطلق؛ لأنه ليس منه.
"تنبيه: مثل: له صوت صوت حمار" في النصب على المفعول المطلق، "قوله"؛ وهو أبو كبير بالباء الموحدة المكسورة، واسمه عامر بن الحليس الهذلي يصف فرسًا: [من الكامل]
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٣٦١. ٢ الكتاب ١/ ٣٦١، والارتشاف ٢/ ٢١٧. ٣ في "ب": "هذا".
[ ١ / ٥٠٧ ]
٤٠١-
"ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق طي المحمل"
فـ"طي" مفعول مطلق، وناصبه محذوف تقديره: يطوي؛ "لأن ما قبله" هو:
ما إن يمس الأرض إلا منكب
"بمنزلة: له طي" فهي جملة مشتملة على المصدر وعلى صاحبه، "قال سيبويه" بمعناه، ونصه١: صار "ما إن يمس الأرض" بمنزلة "له طي"، ا. هـ.
و"ما": نافية و"إن": زائدة، و"حرف الساق"، مرفوع بالعطف على "منكب"، والمعنى: أن هذا الفرس مضمر، قد بلغ في التضمير إلى حد لا تصل بطنه الأرض إذا اضطجع، وإنما يمس الأرض منه منكب وحرف الساق، وأراد بـ"طي المحمل" أنه مدمج الخلق كطي المحمل، وأن له تجافيًا كتجافي المحمل؛ بكسر الميم الأولى وفتح الثانية وهو علاقة السيف. واقتصر في النظم على بعض شروط المسألة، وأحال بقية الشروط على المثال فقال:
٢٩٧-
كذاك ذو التشبيه بعد جمله كلي بكا بكاء ذات عضله
_________________
(١) البيت لأبي كبير الهذلي في شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٠٧٤، والاقتضاب ٣٤٠، وخزانة الأدب ٨/ ١٩٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٢٤، وشرح التسهيل ٢/ ١٩١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٩٠، وشرح شواهد الإيضاح ص١٤٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٢٧، والشعر والشعراء ٢/ ٦٧٦، والكتاب ١/ ٣٥٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٤، وللهذلي في الخصائص ٢/ ٣٠٩، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٢١٧، والأشباه والنظائر ١/ ٢٤٦، والإنصاف ١/ ٢٣٠، وأوضح المسالك ٢/ ٢٢٤، والمقتضب ٣/ ٢٠٣، ٢٣٢. ١ الكتاب ١/ ٣٦٠.
[ ١ / ٥٠٨ ]
باب المفعول له:
"هذا باب المعفول له":
"ويسمى المفعول لأجله و" المفعول "من أجله"، وهو ما فعل لأجله فعل، "مثاله: جئت رغبة فيك"، فـ"رغبة": اسم، فعل لأجله فعل وهو المجيء، وحكمه النصب بشروط، "وجميع ما اشترطوا له خمسة أمور":
الأول: "كونه مصدرًا"؛ لأن النصب١ يشعر بالعلية، والذات لا تكون عللًا فلأفعال غالبًا؛ لأن العلل أحداث، والمصدر اسم للحدث، "فلا يجوز: جئتك السمن والعسل" بالنصب؛ لأنه اسم عين لا مصدر، وهذا الشرط "قاله الجمهور. وأجاز يونس" بن حبيب٢: " أما العبيد" بالنصب "فذو عبيد" زاعما أن قومًا من العرب يقولون ذلك إذا وصف عندهم شخص شخصًا بعبيد وغيرهم، كالمنكرين عليه وصفه بغير العبيد، وتأول نصب "العبيد" على أنه مفعول له، وإن كان غير مصدر "بمعنى: مهما يذكر شخص لأجل العبيد فالمذكور ذو عبيد" لا غير، فـ"العبيد" علة للذكر "و" هذا النصب "أنكره سيبويه" وقبحه، وقال٣: إنه لغة خبيثة قليلة، وإنما يجوز على ضعفه، إذا لم يرد عبيدا بأعيانهم، وأوله الزجاج على تقدير: أما تملك العبيد، أي: مهما يذكر شخص من أجل تملك العبيد فذو عبيد، وهذا كله مراعاة للمصدر.
"و" الشرط الثاني: "كونه قلبيا" أي: من أفعال النفس الباطنة "كالرغبة"؛ لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل، والحامل على الشيء متقدم عليه، وأفعال الجوارح
_________________
(١) ١ في "ط": "المصدر". ٢ انظر الكتاب ١/ ٣٨٩، والارتشاف ٢/ ٢٢١. ٣ الكتاب ١/ ٣٨٩، ٣٩٠، وانظر الارتشاف ٢/ ٢٢١.
[ ١ / ٥٠٩ ]
ليست كذلك. "فلا يجوز: جئتك قراءة للعلم" من أفعال اللسان، "ولا: قتلًا للكافر" من أفعال اليد، وهذا الشرط "قاله ابن الخباز وغيره" كالرندي، ويجوز "إرادة قراءة العلم"، و"ابتغاء قتل الكافر"، وهذا الشرط مستغنى عنه بشرط اتحاد الزمان؛ لأن أفعال الجوارح لا تجتمع في الزمان مع الفعل المعلل١ قاله الشاطبي، "وأجاز الفارسي "جئتك ضرب زيد" أي: لتضرب زيدًا"، ويؤخذ منه أن الفارسي لا يشترط الاتحاد في الفاعل أيضًا؛ لأن فاعل المجيء غير فاعل الضرب، وهو مذهب ابن خروف كما سيأتي.
"و" الشرط الثالث: "كونه علة" لأنه الباعث على الفعل. واستشكل جعل العلية شرطًا؛ لأنها محل الشروط، ومحل الشروط لا يجعل شرطًا، وجوابه بأن هذه شروط لنصبه، لا لتحقيق ماهيته "عرضًا كان"؛ بفتح العين والراء المهملتين؛ وهو ما ليس حركة جسم من وصف غير ثابت، كما تقدم في باب التعدي واللزوم، فسقط ما قيل: إن الغرض؛ بالغين المعجمة؛ ما كان باعثًا على الفعل، ووجوده متأخرًا عنه، فلا يصح تمثيله بقوله: "كـ"رغبة"" بفتح الراء وسكون الغين المعجمة، وفتح الموحدة "أو غير عرض"، وهو ما كان جبليا من الأوصاف اللازمة. "كـ: قعد عن الحرب جبنا"، فإن الجبن وصف جبلي لازم.
"و" الشرط الرابع: "اتحاده بالمعلل به وقتا"، بأن يكون وقت الفعل المعلل؛ بفتح اللام الأولى؛ والمصدر المعلل؛ بكسرها واحدًا، وذلك صادق بأن يقع الحدث في بعض زمن المصدر كـ"جئتك رغبة" و"قعدت عن الحرب جبنًا" أو يكون أول زمان الحدث آخر زمان المصدر نحو: "جئتك٢ خوفًا من فرارك" أو بالعكس نحو "جئتك إصلاحًا لحالك"، فإن لم يتحدا وقتا امتنع النصب "فلا يجوز: تأهبت" اليوم "السفر" غدًا؛ لأن زمن التأهب غير زمن السفر. وهذا الشرط "قاله الأعلم" يوسف الشنتمري، "والمتأخرون" كالشلوبين، وقال تلميذه ابن الضائع؛ بإعجام الضاد وإهمال العين: لم يشترطه سيبويه، ولا أحد من المتقدمين، فعلى هذا يجوز "جئتك أمس طمعًا في معروفك الآن"٣.
_________________
(١) ١ في "ط": "المطلق". ٢ في "ب"، "ط": "حبستك". ٣ انظر الارتشاف ٢/ ٢٢١.
[ ١ / ٥١٠ ]
"و" الشرط الخامس: "اتحاده بالمعلل به فاعلا"، بأن يكون فاعل الفعل وفاعل المصدر واحدًا، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقر: ١٩] فـ"الحذر" مصدر، ذكر علة لجعل الأصابع في الآذان، وفاعل "الجعل" و"الحذر" واحد، وهم الكفار، فإن اختلف الفاعلان امتنع النصب "فلا يجوز: جئتك محبتك إياي"؛ لأن فاعل "المجيء" المتكلم، وفاعل "المحبة" المخاطب، وهذا الشرط "قاله المتأخرون أيضًا، وخالفهم ابن خروف" فأجاز النصب مع اختلاف الفاعل محتجا بنحو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] . ففاعل "الإراءة" هو الله تعالى، وفاعل "الخوف" و"الطمع" المخاطبون، وأجاب عنه ابن مالك في شرح التسهيل فقال: معنى يريكم يجعلكم ترون، ففاعل الرؤية على هذا هو فاعل الخوف والطمع، وقيل هو على حذف مضاف، أي: إراءة الخوف والطمع. وجعل الزمخشري الخوف والطمع حالين١، واقتصر في النظم على بعض الشروط، ووكل الباقي إلى المثال فقال:
٢٩٨-
ينصب مفعولًا له المصدر إن أبان تعليلًا كجد شكرا ودن
٢٩٩-
وهو بما يعمل فيه متحد وقتا وفاعلا
وبقي عليه شروط ماهية المفعول له، وقد ذكرها أبو البقاء في شرح اللمع لابن جني فقال: وللمفعول له شروط:
أحدها: أن يصلح في جواب "لِمَ".
الثاني: أن يصلح جعله خبرًا عن الفعل العامل فيه، كقولك: "زرتك طمعا في برك"، أي: الذي حملني على زيارتك الطمع، أو مبتدأ، كقولك: "الطمع حملني على زيارتي إياك".
الثالث: أن يصح تقديره باللام.
الرابع: أن يكون العامل فيه من غير لفظه، فلا يجوز أن تجعل زيارة في قولك: "زرتك زيارة" مفعولًا له؛ لأن المصدر هو الفعل في المعنى، والشيء لا يكون علة لوجود نفسه. ا. هـ.
"ومتى فقد المعلل" بكسر اللام الأولى؛ من شروط جواز النصب "شرطًا منها وجب عند من اعتبر ذلك الشرط أن يجره بحرف التعليل" وهو أربعة: "اللام، والباء
_________________
(١) ١ الكشاف ٢/ ٢٨٢.
[ ١ / ٥١١ ]
وفي، ومن" واقتصر في النظم على "اللام"؛ لأنها الأصل، فقال:
٢٩٩-
وإن شرط فقد
٣٠٠-
فاجرره بالحرف
"ففاقد" الشرط "الأول" وهو المصدرية "نحو: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَام﴾ " [الرحمن: ١٠] فـ"الأنام" علة "للوضع"، وليس مصدرًا، فلذلك جر باللام.
"و" فاقد الشرط "الثاني" وهو القلبية "نحو: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] فـ"إملاق" وهو الفقر علة للقتل، وهو ليس قلبيا، فلذلك خفض بـ"من" التعليلية، "بخلاف" ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ " خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ "﴾ [الإسراء: ٣١] فـ"الخشية" مصدر قلبي، فلذلك جاء منصوبًا.
وفاقد الشرط الثالث وهو كونه علة نحو: "قتلته صبرًا" فيمتنع جره؛ لأن الجر بحرف التعليل يفيد العلية، والغرض عدمها، فلذلك أسقطه.
"و" فاقد الشرط "الرابع" وهو الاتحاد في الوقت "نحو" قول امرئ القيس الكندي: [من الطويل]
٤٠٢-
"فجئت وقد نضت لنوم ثيابها" لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وقت النوم، فلما اختلفا في الوقت جر باللام، و"نضت" بتخفيف الضاد المعجمة من النضو، وهو الخلع، و"لبسة" بكسر اللام: هيئة من اللبس، و"المتفضل": هو الذي يبقى في ثوب واحد. والمعنى: جئت إليها في حال خلع ثيابها لأجل النوم، ولم يبق عليها إلا ثوب واحد تتوشح به.
"و" فاقد الشرط "الخامس" وهو الاتحاد في الفاعل، "نحو" قول أبي صخر الهذلي: [من الطويل]
٤٠٣-
"وإني لتعروني لذكراك هزة" كما انتفض العصفور بلله القطر
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٤، والارتشاف ٢/ ٢٢٣، ٣٦٩، والدرر ١/ ٤٢١، وشرح شذور الذهب ص٢٢٨، وشرح التسهيل ٢/ ١٩٦، ٣٧٤، وشرح عمدة الحافظ ص٤٥٣، ولسان العرب ١٥/ ٣٢٩ "نضا" وتاج العروس "فضل"، "نضا" وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٢٦، والدرر ١/ ٥١٨، ورصف المباني ص٢٢٣، وشرح الأشموني ١/ ٢٠٦، وشرح قطر الندى ص٢٢٧، والمقرب ١/ ١٦١، وهمع الهوامع ١/ ١٩٤، ٢٤٧.
(٢) البيت لأبي صخر الهذلي في الأغاني ٥/ ١٦٩، ١٧٠، والإنصاف ١/ ٢٥٣، وخزانة الأدب ٣/ ٢٥٤، ٢٥٧، ٢٦٠، والدرر ١/ ٤٢٢، وشرح أشعار الهذليين ٢/ ٩٥٧، واللسان ٢/ ١٥٥، "رمث" والمقاصد النحوية ٣/ ٦٧، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٢٢٢، والأشباه والنظائر ٧/ ٢٩، وأمالي ابن الحاجب ٢/ ٦٤٦، ٦٤٨، وأوضح المسالك ٢/ ٢٢٧، وشرح ابن الناظم ص٢٦٢، وشرح الأشموني ١/ ٢١٦ وشرح التسهيل ٢/ ١٩٦، ٣٧٢، وشرح شذور الذهب ص٢٢٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٠، وشرح قطر الندى ص٢٢٨، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٨٠٣، وشرح المفصل ٢/ ٦٧، والمقرب ١/ ١٦٢، وهمع الهوامع ١/ ١٩٤.
[ ١ / ٥١٢ ]
فالذكرى علة عرو الهزة، وفاعلها مختلف ففاعل العرو الهزة، وفاعل الذكرى هو المتكلم؛ لأن المعنى لذكري إياك، فلذلك جر باللام. و"الهزة" بالكسر: النشاط والارتياح.
"وقد انتفى الاتحادان" معا وهما اتحاد الوقت واتحاد الفاعل "في: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ " [الإسراء: ٧٨] ففاعل القيام المخاطب، وفاعل الدلوك هو الشمس، وزمنهما مختلف فزمن الإقامة متأخر عن زمن الدلوك فلذلك جر بلام التعليل.
وقال في المغني١: اللام في "لدلوك" بمعنى "بعد" فظاهره التخالف، والدلوك: الميل، يقال دلكت الشمس دلوكا إذا مالت عن وسط السماء.
"ويجوز جر المستوفي للشروط" وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٣٠٠-
وليس يمتنع مع الشروط
"بكثرة إن كان" مقرونا "بـ"أل" وبقلة إن كان مجردًا" منها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٠١-
وقل أن يصحبها المجرد والعكس في مصحوب أل
"وشاهد القليل فيهما" أي: في المقرون بـ"أل" والمجرد منها "قوله": [من الرجز]
٤٠٤-
"لا أقعد الجبن عن الهيجاء" ولو توالت زمر الأعداء
فـ"الجبن" مفعول له، وهو مقرون بـ"أل"، وجاء منصوبًا على قلة، والأكثر فيه أن يكون مجرورًا. "وقوله": [من الرجز]
٤٠٥-
"من أمكم لرغبة فيكم جبر" ومن تكونوا ناصريه ينتصر
فـ"رغبة" مفعول له وهو مجرد من "أل" وجاء مجرورًا، وفيه رد على الجزولي في منعه
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٢٨١.
(٢) الرجز بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٢٢٤، والدرر ١/ ٤٢٢، وشرح الأشموني ١/ ٢١٧، وشرح التسهيل ٢/ ١٩٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٢٩٨، ٢٩٩، وشرح عمدة الحافظ ص٣٩٨، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٦٧٢، وعمدة الحافظ "هيج"، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٧، وهمع الهوامع ١/ ١٩٥.
(٣) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٢٩، وشرح الأشموني ١/ ٢١٧، وشرح عمدة الحافظ ص٣٩٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٧٠.
[ ١ / ٥١٣ ]
الجر، والأكثر فيه أن يكون منصوبًا، وإنما كان جرا لمجرد قليلا بخلاف المقرون بـ"أل"؛ لأنه أشبه الحال لما فيه من البيان وكونه نكرة، وشاهد الكثير قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] .
"و" النصب والجر "يستويان في المضاف"، فالنصب "نحو: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] فـ"ابتغاء": مفعول له، هو مضاف منصوب "و" الجر "نحو: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] أي: لأجل خشية الله، فـ"خشية" مفعول له، وهو مضاف مجرور. "قيل ومثله" في جر المفعول له المضاف " ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ " [قريش: ١] فـ"إيلاف" مفعول له مضاف مجرور باللام وهي متعلقة بـ"يعبدوا" "أي: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣] لإيلافهم الرحلتين" رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، ودخلت "الفاء" لما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى: أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل إيلافهم رحلة الشتاء والصيف اللتين كانوا محترمين فيهما؛ لأنهم خدمة بيت الله، بخلاف غيرهم فإنهم يخاف عليهم من القطاع والمنتهبين.
"والحرف" الجار "في هذه الآية واجب عند من اشترط" في نصب المفعول له "اتحاد الزمان" وهو الأعلم والمتأخرون؛ لأن زمن الإيلاف١ سابق على زمن الأمر بالعبادة؛ ولأن زمن العبادة مستقبل، وزمن الإيلاف ثابت في الحال. وقال الكسائي والأخفش٢: "اللام" في "لإيلاف" متعلقة بـ"اعجبوا" مقدرًا، وقال الزجاج٣: متعلقة بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] فتكون السورتان سورة واحدة، ويرجحه أنهما في مصحف أبي سورة واحدة، ويضعفه أن جعلهم كعصف إنما كان لكفرهم أو جرأتهم على البيت، والله أعلم بكتابه.
واختلف في ناصب المفعول له، فقال جمهور البصريين: منصوب بالفعل على تقدير لام العلة، وخالفهم الزجاج والكوفيون فزعموا أنه مفعول مطلق، ثم اختلفوا فقال الزجاج: ناصبه فعل مقدر من لفظه، والتقدير: جئتك أكرمك إكراما، وقال الكوفيون: ناصبه الفعل المقدم عليه؛ لأنه ملاق له في المعنى، وإن خالفه في الاشتقاق، مثل "قعدت جلوسًا"٤.
_________________
(١) ١ في "أ"، "ب": "لائتلاف". ٢ البحر المحيط ٨/ ٥١٤. ٣ معاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣٦٥. ٤ انظر رأي البصريين والكوفيين في الارتشاف ٢/ ٢٢١، وهمع الهوامع ١/ ١٩٤، ١٩٥.
[ ١ / ٥١٤ ]
باب المفعول فيه
مدخل
باب المفعول فيه:
"هذا باب المفعول فيه": "وهو المسمى" عند البصريين "ظرفًا" دون الكوفيين؛ لأن الظرف في اللغة الوعاء، وهو متناهي الأقطار، كالجراب والعدل، والذي يسمونه ظرفًا من المكان ليس كذلك، وسماه الفراء محلا، والكسائي وأصحابه يسمون الظروف صفات، ولا مشاحة في الاصطلاح.
"الظرف ما ضمن معنى "في"" الظرفية "باطراد، من اسم وقت، أو" من "اسم مكان، أو" من "اسم عرضت دلالته على أحدهما، أو" من اسم "جار مجراه"، أي: مجرى أحدهما.
"فالمكان والزمان كـ"امكث هنا أزمنا""، فـ"هنا" اسم إشارة من أسماء المكان، و"أزمنا" جمع "زمن" من أسماء الزمان.
"و" الاسم "الذي عرضت دلالته على أحدهما" أي: الزمان أو المكان "أربعة":
أحدها: "أسماء العدد المميزة بهما" أي: بالزمان والمكان "كـ: سرت عشرين يوما ثلاثين فرسخا"، فـ"عشرين": مفعول فيه منصوب نصب ظرف الزمان؛ لأنه لما ميز بـ"يوما" وهو من أسماء الزمان؛ عرضت له اسمية الزمان، و"ثلاثين": مفعول فيه منصوب نصب ظرف المكان؛ لأنه لما ميز بـ"فرسخا" وهو من أسماء المكان؛ عرضت له اسمية المكان.
"و" الثاني: "ما أفيد به كلية أحدهما" أي: الزمان والمكان "أو جزئيته كـ: سرت جميع اليوم جميع الفرسخ، أو: كل اليوم كل الفرسخ"، فـ"جميع" و"كل" مفعول فيهما منصوبان نصب ظرف الزمان وظرف المكان؛ لأنهما لما أضيفا إلى
[ ١ / ٥١٥ ]
الزمان والمكان عرضت لهما اسمية الزمان والمكان، وصارا دالين على كليتهما؛ لأنهما من الألفاظ الدالة على العموم والإحاطة. "أو: بعض اليوم بعض الفرسخ، أو: نصف اليوم نصب الفرسخ"، فـ"بعض" و"نصف" مفعول فيهما منصوبان نصب ظرف الزمان وظرف المكان؛ لأنهما لما أضيفا إلى الزمان والمكان عرضت لهما اسمية الزمان والمكان، فصار دالين على جزئيتي الزمان والمكان؛ لأنهما من الألفاظ الدالة على الجزئية إلا أن "بعض" يدل على جزء مبهم، و"نصف" يدل على جزء معين من جهة المقدار.
"و" الثالث: "ما كان صفة لأحدهما" أي: الزمان والمكان "كـ: جلست طويلًا من الدهر شرقي الدار"، فـ"طويلًا" و"شرقي" مفعول فيهما منصوبان نصب ظرف الزمان والمكان؛ لأنهما لما وصف بهما الزمان والمكان عرضت لهما اسمية الزمان والمكان.
فـ"طويلا": صفة للزمان، و"من الدهر": بيان له، و"شرقي": صفة للمكان، وذكر "الدار" معين له، والأصل: زمنا طويلًا، ومكانا شرقيا.
"و" الرابع: "ما كان مخفوضا بإضافة أحدهما" أي: الزمان والمكان "ثم" حذف المضاف، "وأنيب عنه" المضاف إليه "بعد حذفه" أي: المضاف، "والغالب في هذا" المضاف إليه "النائب" عن المضاف المحذوف "أن يكون مصدرًا و" الغالب "في" المضاف المحذوف "المنوب عنه أن يكون زمانًا، ولا بد من كونه معينا لوقت أو لمقدار"، فالمعين للوقت نحو: "جئتك صلاة العصر" أو "قدوم الحاج" فـ"صلاة" و"قدوم": مفعول فيهما منصوبان نصب ظرف الزمان؛ لأنهما لما نابا عن الزمان عرضت لهما اسمية الزمان فانتصبا انتصابه. والأصل: وقت صلاة العصر، ووقت قدوم الحاج، فحذف المضاف؛ وهو وقت؛ المعين لوقت "المجيء" وأنيبت عنه المصدر وهو "صلاة" و"قدوم"، "و" المعين للمقدار نحو: "انتظرتك حلب ناقة، أو: نحر جزور" فـ"حلب" و"نحر" مفعول فيهما، والأصل: مقدار حلب ناقة، ومقدار نحر جزور، ففعل فيهما ما تقدم.
"وقد يكون النائب" عن الزمان "اسم عين، نحو" قولهم في المثل: "لا أكلمه القارظين١" بالتثنية، "والأصل: مدة غيبة القارظين" فحذف "مدة" وأنيب عنها "غيبة" ثم "غيبة" وأنيب عنها "القارظين" وهو تثنية "قارظ" بالقاف والظاء المشالة: وهو الذي يجني القرظ؛ بفتح القاف والراء؛ وهو يدفع به.
_________________
(١) ١ المثل في مجمع الأمثال ١/ ٢١١، والمستقصى ٢/ ٥٨، وكتاب الأمثال لمجهول ص٥٥.
[ ١ / ٥١٦ ]
قال الجوهري١: "لا آتيك أو يئوب القارظ العنزي، وهما قارظان كلاهما من عنزة، خرجا في طلب القرظ فلم يرجعا" وطالت غيبتهما.
"وقد يكون المنوب عنه مكانًا نحو: جلست قرب زيد، أي: مكان قربه"، فحذف المضاف وهو "مكان" وأنيب عنه المصدر وهو "قرب"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣١٠-
وقد ينوب عن مكان مصدر وذاك في ظرف الزمان يكثر
وإنما كان ذلك كثيرًا في ظروف الزمان، وقليلًا في ظروف المكان، لقرب ظروف الزمان من المصدر، وبعد ظروف المكان منه، ألا ترى أن الزمان يشارك المصدر في دلالة الفعل عليهما؛ لأن الفعل يدل على المصدر بحروفه، وعلى الزمان بصيغته، بخلاف ظرف المكان، فإن دلالة الفعل عليه بالالتزام الخارجي، إذ كل فعل لا بد له من مكان يقع فيه، فلم يقو في ذلك قوة ظرف الزمان، ولم يبلغ رتبته، فكانت إقامة المصدر مقام الزمان كثيرة، ومقام المكان قليلة.
"والجاري مجرى أحدهما" أي: الزمان والمكان "ألفاظ مسموعة، توسعوا فيها، فنصبوها على تضمين معنى "في" كقولهم: "أحقا أنك ذاهب"، فـ"أحقا" منصوبة على الظرفية المتعلقة بالاستقرار على أنها خبر مقدم، و"أنك ذاهب" في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء عند سيبويه٢ والجمهور على حد: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ [فصلت: ٣٩] "والأصل: أفي حق" ذهابك فحذفت "في" وانتصب "حقا" على الظرفية، "وقد نطقوا بذلك" الحرف الجار في قوله: [من الوافر]
٤٠٦-
أفي حق مواساتي أخاكم
و"قال" فائد؛ بالفاء؛ ابن المنذر القشيري: [من الطويل]
٤٠٧-
"أفي الحق أني مغرم بك هائم" وأنك لا خل هواك ولا خمر
_________________
(١) ١ الصحاح "قرظ". ٢ الكتاب ٣/ ١٣٤، ١٣٥.
(٢) عجز البيت: "بما لي ثم يظلمني السريس" وتقدم تخريجه برقم ٢٣٧.
(٣) البيت لفائد بن المنذر في المقاصد النحوية ٣/ ٨١ والحماسة البصرية ٢/ ٢٠٨، ولعابد بن المنذر في شرح شواهد المغني ١/ ١٧٢، ولمجنون ليلى في ديوانه ص١٢٧، ولأبي الطمحان القيني في محاضرات الأدباء ٣/ ٥٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٣٢، وتخليص الشواهد ص١٧٧، والتمثيل والمحاضرة ص٢٨١، وخزانة الأدب ١/ ٤٠١، ١٠/ ٢٧٤، والحماسة المغربية ص٩٦٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٢٦٧، ومغني اللبيب ١/ ٥٥.
[ ١ / ٥١٧ ]
فصرح بـ"في" وشبه هوى من هو مغرم بها؛ في كونه غير ثابت ولا مستقر على حاله؛ بماء العنب المتردد بين الخلية والخمرية، فلا هو خل صرف حتى يستعمل خلا، ولا هو خمر صرف حتى يستعمل خمرًا، فمن كان حال هواه بهذه المثابة، كيف يكون غرام من أغرم بها حقا؟
ولما كان قول الموضح: "والجاري مجرى أحدهما" شاملًا للزمان والمكان خصصه بقوله: "وهي جارية مجرى ظرف الزمان دون ظرف المكان، ولهذا يقع خبرًا عن المصادر" كما تقدم في "أحقا أنك ذاهب" "دون الجثث" فلا يقال: "أحقا زيد".
وذهب المبرد وتبعه ابن مالك١ إلى أن "حقا" مصدر بدل من اللفظ بفعله، وأن ما بعدها من أن ومعمولها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية على حد: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١] ورده أبو حيان٢. ومثله؛ أي: مثل "أحقا أنك ذاهب"؛ في الانتصاب على الظرفية المجازية" غير شك" أنك قائم، أو "جهد رأيي" أنك قائم، أو "ظنا مني أنك قائم"، فـ"غير شك" و"جهد رأيي"، و"ظنا مني" منصوبات على الظرفية الزمانية توسعا على إسقاط، "في"، والأصل: في غير شك، وفي جهد رأيي، وفي ظن مني، على وزان "أحقا"٣.
"وخرج عن الحد" المذكور في النظم بقوله:
٣٠٣-
الظرف وقت أو مكان ضمنا في باطراد
وتبعه الموضح "ثلاثة أمور:
أحدها: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] إذا قدر بـ"في""، فإنه يصدق عليه أنه اسم ضمن معنى "في"، إذ التقدير: وترغبون في نكاحهن، وهو ليس بظرف، "فإن النكاح ليس بواحد مما ذكرنا"؛ لأنه ليس باسم زمان ولا مكان، أما إذا قدر بـ"عن" فليس مما نحن فيه.
"و" الأمر "الثاني: نحو: ﴿يَخَافُوْنَ يَوْمًا﴾ [النور: ٣٧] من أسماء الزمان، "ونحو: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ " [الأنعام: ١٢٤] من أسماء المكان، فإن "يومًا" و"حيث" وإن كانا من أسماء الزمان والمكان فليسا ظرفين، "فإنهما ليس على معنى: في"
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٢/ ٢٣، ٢٤. ٢ الارتشاف ٢/ ٢٢٦. ٣ الارتشاف ٢/ ٢٢٥، ٢٢٦.
[ ١ / ٥١٨ ]
إذ ليس المراد أن الخوف واقع في ذلك اليوم، والعلم واقع في ذلك المكان، وإنما المراد أنهم يخافون نفس اليوم، وأن الله تعالى يعلم نفس المكان المستحق لوضع الرسالة، "فانتصابهما على المفعول به"؛ لأن الفعل واقع عليهما لا فيهما، وناصب لفظ "يوما": "يخافون"، "وناصب" محل "حيث" فعل مضارع منتزع من لفظ "أعلم" تقديره "يعلم" حال كونه "محذوفًا" لدلالة "أعلم" عليه لا "أعلم" المذكور الذي هو اسم تفضيل؛ "لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعًا"، هذا وقد قال الموضح في الحواشي ومن خطه نقلت: قال محمد بن مسعود بن الزكي في كتاب البديع: غلط من قال إن اسم التفضيل لا يعمل في المفعول به، لورود السماع بذلك، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤] وليس تمييزًا؛ لأنه ليس فاعلًا في المعنى كما هو في "زيد أحسن وجها" وقول العباس بن مرداس: [من الطويل]
٤٠٨-
وأضرب منا بالسيوف القوانسا
ا. هـ. وفي الارتشاف لأبي حيان١: وقال محمد بن مسعود الغزني: أفعل التفضيل ينصب المفعول به قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧] . ا. هـ. وفي جعل "حيث" مفعولًا بها نظر؛ لأن هذا ضرب من التصرف.
وفي التسهيل٢: إن تصرف "حيث" نادر. وشرحه المرادي بقوله: لم تجئ حيث فاعلا، ولا مفعولا بها، ولا مبتدأ، ا. هـ.
ولهذا قال الدماميني ٣: ولو قيل: إن المراد: يعلم الفضل الذي هو في محل الرسالة لم يبعد، وفيه إبقاء "حيث" على ما عهد لها من ظرفيتها والمعنى: أن الله تعالى لن يؤتيكم مثل ما أوتي رسله من الآيات؛ لأنه يعلم ما فيهم من الذكاء، والطهارة، والفضل، والصلاحية للإرسال، ولستم كذلك. ا. هـ.
_________________
(١) صدر البيت: "أكر وأحمى للحقيقة منهم" ، وهو للعباس بن مرداس في ديوانه ص٩٣، والأصمعيات ص٢٠٥، وحماسة البحتري ص٤٨، وخزانة الأدب ٨/ ٣١٩، ٣٢١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٤٤١، ١٧٠٠، ولسان العرب ٦/ ١٨٤، "قنس"، ونوادر أبي زيد ص٥٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٤٤، ٤/ ٧٩، وخزانة الأدب ٧/ ١٠، وشرح الأشموني ١/ ٢٩١، ومغني اللبيب ٢/ ٦١٨. ١ الارتشاف ٣/ ٢٢٥. ٢ التسهيل ص٩٦. ٣ انظر قول الدماميني في حاشية الصبان ٢/ ١٢٦.
[ ١ / ٥١٩ ]
"و" الأمر "الثالث: نحو: دخلت الدار، و: سكنت البيت، فانتصابهما" أي: "الدار"، و"البيت" "إنما هو على التوسع بإسقاط الخافض" وهو في الأصل: دخلت في الدار، وسكنت في البيت، فلما حذف الخافض نصبا على المفعول به توسعًا، كما حذف١ الجار ونصب٢ ما بعده كقوله: [من الوافر]
٤٠٩-
تمرون الديار
"لا" انتصابهما "على الظرفية، فإنه لا يطرد تعدي" سائر "الأفعال إلى: الدار، و: البيت، على معنى: في، لا تقول: صليت الدار، ولا: نمت البيت" لأن "الدار" و"البيت" من أسماء المكان٣ المختصة٤؛ لأن لها صورة وحدود محصورة، ولا يقبل النصب على الظرفية من أسماء المكان إلا المبهم، أو ما اتحدت مادته، ومادة عامله كما سيجيء.
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "يحذف". ٢ في "ب"، "ط": ينتصب".
(٢) تمام البيت: "تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم علي إذا حرام" ٣ في "ب": "الظروف"، بدل "أسماء المكان". ٤ انظر الكتاب ١/ ١٥٩، وشرح التسهيل ٢/ ٢٠٠.
[ ١ / ٥٢٠ ]
"فصل":
والظرف الزماني والمكاني "حكمه النصب، وناصبه اللفظ الدال على المعنى الواقع فيه"، سواء أكان اللفظ الدال فعلًا أم اسم فعل أم وصفًا أم مصدرًا، وهذا أشمل من قول الناظم:
٣٠٤-
فانصبه بالواقع فيه
"ولهذا اللفظ ثلاث حالات:
إحداها: أن يكون مذكورًا" وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٠٤-
"كامكث هنا أزمنا"
٣٠٥-
مظهرًا
"وهذا هو الأصل"؛ لأن الأصل في العامل أن يكون مذكورًا.
"و" الحالة "الثانية: أن يكون محذوفًا، جوازًا" لدليل مقالي، "وذلك كقولك: "فرسخين، أو يوم الجمعة" بنصب "فرسخين" من ظروف المكان و"يوم الجمعة" من ظروف الزمان، "جوابًا لمن قال: كم سرت؟ أو متى صمت؟ " أي: سرت فرسخين، وصمت يوم الجمعة، والفرق بين "كم" و"متى" في الاستفهام أن "كم" يطلب بها تعيين المعدود مطلقًا زمان أو مكانا أو نحوهما، و"متى" يطلب بها تعيين الزمان خاصة.
"و" الحالة "الثالثة: أن يكون محذوفًا وجوبًا، وذلك في ست مسائل: وهي أن يقع صفة كـ: مررت بطائر فوق غصن" فـ"فوق" صفة لـ"طائر". "أو صلة كـ: رأيت الذي عندك" فـ"عندك" صلة "الذي". أو حالًا كـ: رأيت الهلال بين السحاب" فـ"بين" حال من "الهلال". "أو خبرًا كـ: زيد عندك" فـ"عندك" خبر "زيد" والناصب في الجميع محذوف وجوبًا تقديره: "استقر" أو "مستقر" إلا في الصلة فيتعين "استقر"، وهذه الأمثلة الأربعة ظروف مكان.
[ ١ / ٥٢١ ]
ويستثنى من الظروف ما قطع عن الإضافة، ويبنى على الضم، فإنه لا يقع صفة، ولا صلة، ولا حالًا، ولا خبرًا، لا يقال: "مررت برجل أمام"، ولا "جاء الذي أمام"، ولا "رأيت الهلال أمام"، ولا "زيد أمام"؛ لئلا يجتمع عليها ثلاثة أشياء القطع والبناء ووقوعها موقع شيء آخر.
ومثل للزمان بمثالين، أحدهما قياسي، والآخر سماعي، فقال: "أو مشتغلًا عنه" العامل بنصبه لمحل ضميره، "كـ: يوم الخميس صمت فيه" فـ"يوم الخميس" منصوب بفعل محذوف وجوبًا يفسره "صمت" المذكور، والتقدير: صمت يوم الخميس فيه، ولم يقل: "صمته"؛ لأن ضمير الظرف لا ينصب على الظرفية، بل يجب جره بـ"في" كما مثل.
"أو مسموعًا بالحذف لا غير كقولهم" في المثل لمن ذكر أمرًا قد تقادم عهده: "حينئذ، الآن"١، فـ"حين" منصوبة لفظًا بفعل محذوف، وأضيفت إلى "إذ" إضافة بيان، أو إضافة أعم إلى أخص، و"الآن" منصوب محلا، وفتحته فتحة بناء؛ لأنه مبني لتضمنه معنى "أل"، و"أل" الموجودة فيه زائدة؛ لأنه علم على الزمان الحاضر كما تقدم، وناصبه فعل محذوف، "أي: كان ذلك حينئذ، واسمع الآن"، فهما جملتان، وأصلهما أن يقول المتكلم لمن يقول: كذا وكذا: "حينئذ الآن"، أي: كان ما تقول واقعًا حين إذ كان كذا، واسمع الآن ما أقول لك، فـ"حينئذ" مقتطع من جملة، و"الآن" مقتطع من جملة أخرى٢.
وكان ينبغي للموضح أن يقول: ليس غير؛ لأنه يرى أن قولهم: "لا غير" لحنا، كما صرح به في المغني٣، وبالغ في إنكاره في شرح شذوره٤، والحق جوازه لورود السماع به، كما أوضحته في باب الإضافة.
ويستثنى من حذف الناصب ما لا يعمل محذوفًا كالمصدر واسم الفعل، وما جرى مجراهما، وشمل مسألتي الحذف قول الناظم:
٣٠٤-
وإلا فانوه مقدرًا
فإن ذلك يعم الجائز والواجب.
_________________
(١) ١ المثل في شرح ابن الناظم ص٢٠١، والكتاب ١/ ٢٢٤، ٢٧٤، ٢/ ١٢٩، وشرح المفصل ٢/ ٤٧. ٢ انظر شرح ابن الناظم ص٢٠١، وشرح المفصل ٢/ ٤٧، وشرح المرادي ٢/ ٩١. ٣ مغني اللبيب ص٢٠٩. ٤ شرح شذور الذهب ص١٠٣.
[ ١ / ٥٢٢ ]
"فصل":
"أسماء الزمان كلها صالحة للانتصاب على الظرفية، سواء في ذلك مبهمها كـ: حين، و: مدة. ومختصها كـ: يوم الخميس، ومعدودها كـ: يومين، أو: أسبوع"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٠٥-
وكل وقت قابل ذاك
والمراد بالمختص ما يقع جوابًا لـ"متى" كـ: "يوم الخميس" كما مثل.
وبالمعدود ما يقع جوابًا لـ"كم" كـ: "يومين" و"أسبوع" كما مثل. والمبهم ما لا يقع جوابًا لشيء منهما كـ: "حين" و"مدة" كما مثل. تقول: "صمت مدة"، أو "يوم الخميس" أو "يومين". وبقي عليه ظرف الزمان المشتق نحو: "قعدت مقعد زيد"، تريد الزمان كما تفعل ذلك إذا أردت المكان، إذ لا فرق بينهما في صحة تقدير "في"، ونصبه على الظرفية١ قاله الشاطبي.
"والصالح لذلك" النصب على الظرفية "من أسماء المكان نوعان:
أحدهما: المبهم: وهو ما افتقر إلى غيره في بيان صورة مسماه، كأسماء الجهات" الست، فإنها مفتقرة في بيان صورة مسماها إلى غيرها، وهو ذكر المضاف إليها، وهذه العبارة أخذها من الشارح٢، والإضافة فيها بيانية؛ أي: صورة في مسماه؛ والمراد ما افتقر إلى غيره في بيان حقيقته. وينحل إلى قولنا: "ما لا تعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه" كـ: "مكان" فإنه لا تعرف حقيقته إلا بذكر المضاف إليه.
قال أبو البقاء في شرح لمع ابن جني: الإبهام يحصل في المكان من وجهين:
أحدهما: ألا يلزم مسماه، ألا ترى أن خلفك قدام لغيرك، وقد تتحول عن تلك الجهة، فيصير ما كان خلفك جهة أخرى لك؛ لأن الجهات تختلف باختلاف الكائن في المكان، فهي جهات له، وليس لكل واحدة منها٣ حقيقة منفردة بنفسها.
_________________
(١) ١ انظر حاشية الصبان ٢/ ١٢٨. ٢ أي: في شرح ابن الناظم ص٢٠١. ٣ في "أ": "منهما".
[ ١ / ٥٢٣ ]
والوجه الثاني: أن هذه الجهات لا أمد لها معلوم، فـ"خلفك" اسم لما وراء ظهرك إلى آخر الدنيا. ا. هـ.
والجهات الست "نحو: أمام، ووراء، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت"، تقول: "جلست أمامك، ووراءك، ويمينك، وشمالك، وفوقك، وتحتك"، وسميت الجهات الست باعتبار الكائن في المكان فإنه له ست جهات. "وشبهها في الشياع كـ: ناحية وجانب، ومكان"، تقول: "جلست ناحية عمرو، وجانب زيد، ومكان بكر".
واعترض "جانب" بأنه مما يتعين التصريح معه بـ"في". "وكأسماء المقادير كـ: ميل، وفرسخ، وبريد"، تقول "سرت ميلًا، وفرسخًا، وبريدًا"١.
النوع "الثاني: ما" اشتق من اسم الحدث الذي اشتق منه العامل، "واتحدت مادته ومادة عامله، كـ: ذهبت مذهب زيد، و: رميت مرمى عمرو"، لا فرق في ذلك بين الصحيح والمعتل، ولا بين المفرد؛ كما مثل؛ والجمع "نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ " [الجن: ٩] فـ"مذهب" و"مرمى" و"مقاعد" منصوبة على الظرفية، ومادتها ومادة عاملها متحدة، فإن عامل "مذهب" ذهب، "وعامل "مرمى" رمى، وعامل "مقاعد" نقعد، وقس على ذلك فعل الأمر نحو: "قم مقام زيد"، والوصف نحو: "أنا قائم مقامك"، والمصدر نحو: "عجبت من قيام زيد مقامك"٢.
وإلى هذين النوعين أشار الناظم بقوله:
٣٠٥-
وما يقبله المكان إلا مبهما
وأشار إلى مثاله بقوله:
٣٠٦-
نحو الجهات والمقادير وما صيغ من الفعل
وأشار إلى شرطه بقوله:
٣٠٧-
وشرط كون ذا مقيسا أن يقع ظرفا لما في أصله معه اجتمع
فلو اختلفت مادته ومادة عامله نحو: "رميت مذهب زيد" و"ذهبت مرمى عمرو" لم يجز في القياس أن يجعل ظرفًا بل يجب التصريح معه بـ"في" "وأما قولهم: هو مني مقعد القابلة، و: مزجر الكلب، و: مناط الثريا فشاذ" نصبه لمخالفة مادته مادة٢ عامله، "إذ التقدير: هو مني مستقر في مقعد القابلة"، وفي مزجر
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن الناظم ص٢٠١، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٨٣. ٢ في "ب"، "ط": "لمادة".
[ ١ / ٥٢٤ ]
الكلب، وفي مناط الثريا، "فعامله الاستقرار" المتعلق به "مني" الواقع خبرًا عن "هو" ومادة الاستقرار مخالفة لمادة "مقعد، ومزجر، ومناط"، والمعنى: هو مني في القرب مقعد القابلة من النفساء، وفي البعد مناط الثريا من الدبران، وفي التوسط مزجر الكلب من الزاجر، فـ"من" الأولى متعلقة بالاستقرار كما مر، و"من" الثانية الداخلة على النفساء والدبران والزاجر متعلقة باسم المكان نفسه؛ لأنه مشتق، "ولو أعمل في المقعد "قعد" وفي المزجر "زجر" وفي المناط "ناط" لم يكن شاذا"، لاتحاد المادة، ويصير المعنى هو مستقر مني قعد مقعد القابلة، وزجر مزجر الكلب، وناط مناط الثريا١.
وإنما استأثرت أسماء الزمان بصلاحية المبهم منها والمختص للظرفية عن أسماء المكان؛ لأن أصل العوامل الفعل ودلالته على الزمان أقوى من دلالته على المكان؛ لأنه يدل على الزمان تضمنا، وعلى المكان التزامًا.
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن الناظم ص٢٠٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٨٣.
[ ١ / ٥٢٥ ]
"فصل":
"الظرف" الزماني والمكاني "نوعان:
متصرف وهو ما يفارق الظرفية إلى حالة لا تشبهها، كأن يستعمل مبتدأ، أو خبرًا، أو فاعلًا، أو مفعولًا" به، "أو مضافًا إليه، كـ: اليوم" فإنه يستعمل مبتدأ وخبرًا، "تقول: اليوم يوم مبارك" برفعهما١، وفاعلا تقول: "أعجبني اليوم، و" مفعولًا، به تقول: "أحببت يوم قدومك"، ومضافًا إليه تقول: "سرت نصف اليوم١" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٠٨-
وما يرى ظرفًا وغير ظرف فذاك ذو تصرف في العرف
"وغير متصرف وهو نوعان:
ما لا يفارق الظرفية أصلًا كـ: قط" في استغراق الماضي، "و: عوض" في استغراق المستقبل لا يستعملان إلا بعد نفي. "تقول: ما فعلته قط، و: لا أفعله عوض"، والمعنى ما فعلته في الزمن الماضي، ولا أفعله في الزمن المستقبل، و"قط" مشتقة من قططت الشيء أي: قطعته، فمعنى "ما فعلته قط" ما فعلته فيما انقضى من عمري؛ لأن الماضي ينقطع عن الحال والاستقبال، وهي مبنية، وعلة بنائها تضمنها معنى حرفي ابتداء الغاية وانتهائها، إذ المعنى: ما فعلته مذ خلقني الله تعالى إلى الآن، وبنيت على حركة فرارًا من التقاء الساكنين، وكانت ضمة في بعض لغاتها حملًا على "قبل، وبعد".
و"عوض" مشتقة من العوض، وسمي الزمان "عوض" لأن الدهر كلما مضى منه جزء خلفه آخر، فكان عوضًا منه، ويبنى على الحركات الثالث إذا لم يكن مضافًا.
والنوع الثاني "ما لا يخرج عنها" أي: الظرفية "إلا بعد دخول الجار عليه"، وهو "من" خاصة، قال في درة الغواص٢: واختصت "من" بذلك لكونها أم الباب ولكن باب أم تمتاز بخاصة دون أخواتها "نحو: قبل، و: بعد" من أسماء الزمان،
_________________
(١) ١ سقط ما بين الرقمين من "ب". ٢ درة الغواص ص١٤.
[ ١ / ٥٢٦ ]
"و: لدن، و: عند" من أسماء المكان " فيحكم عليهن بعدم التصرف مع أن "من" تدخل عليهن" نحو: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] "إذ لم يخرجن عن الظرفية إلا إلى حالة شبيهة بها" أي: الظرفية "لأن الظرف والجار والمجرور أخوان" في التوسع فيهما، والتعلق بالاستقرار إذا وقعا صفة، أو صلة، أو خبرًا، أو حالًا، فإن جر شيء من الظروف بغير "من" كان متصرفًا نحو: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧] والفرق أن "من" لكونها أم الباب كثرت زيادتها فلم يعتد بها. قال ابن مالك١: إن "من" الداخلة على "قبل، وبعد" وأخواتها زائدة. وإلى هذين النوعين أشار الناظم بقوله:
٣٠٩-
وغير ذي التصرف الذي لزم ظرفية أو شبهها من الكلم
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٢/ ٢٠٢.
[ ١ / ٥٢٧ ]
المفعول معه
مدخل
باب المفعول معه:
"هذا باب المفعول معه":
"وهو اسم فضلة، تال لواو بمعنى مع، تالية لجملة ذات فعل، أو" ذات "اسم فيه معنى الفعل وحروفه" بالرفع، فذات الفعل "كـ: سرت والنيل" وذات الاسم الذي فيه معنى الفعل "و" حروفه نحو: "أنا سائر والنيل" فيصدق على "النيل" في المثالين أنه اسم لدخول "أل" عليه وأنه فضلة؛ لأنه منصوب، وأنه تال لـ"واو" بمعنى "مع"، والواو تالية لجملة ذات فعل، وهو "سرت" في المثال الأول، وذات اسم فيه معنى الفعل وحروفه وهو "سائر" في المثال الثاني، فإن معنى الفعل، وهو "أسير"، وفيه حروفه، وهي السين والياء والراء. وسمي "النيل" مفعولًا معه؛ لأنه فعل معه فعل، وهو "السير" الصادر من الفاعل.
"فخرج باللفظ الأول" وهو قوله: "اسم" "نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن" بنصب "تشرب" كما قيده الموضح بذلك في شرح اللمحة، "ونحو: سرت والشمس طالعة"، برفعهما "فإن الواو" وإن كانت بمعنى "مع" فيهما كما صرح به في شرح القطر١ إلا أنها "داخلة في" المثال "الأول" في اللفظ "على فعل"، وهو "تشرب" "و" داخلة "في" المثال "الثاني على جملة"، وهي "الشمس طالعة"، فليسا مفعولًا معه بناء على المؤول من أن والفعل لا يسمى مفعولًا معه. خلافًا لبعضهم وعلى أن جملة "الشمس طالعة" ليست مفعولًا معه خلافًا لصدر الأفاضل تلميذ الزمخشري، وكما نقله عنه في المغني٢.
_________________
(١) ١ شرح قطر الندى ص٢٣١. ٢ مغني اللبيب ص٦٠٦.
[ ١ / ٥٢٨ ]
"و" خرج "بـ" اللفظ "الثاني" وهو قوله: "فضلة" "نحو: اشترك زيد وعمرو"، فإنه عمدة.
"و" خرج "بـ" اللفظ. "الثالث" وهو في قوله: "تال لواو"، "نحو: جئت مع زيد" فإنه تال لنفس "مع" لا للواو التي بمعناها.
"و" خرج "بـ" اللفظ "الرابع" وهو قوله: "بمعنى: مع" "نحو: جاء زيد وعمرو قبله أو بعده" فإن التقييد بالقبلية أو البعدية ينافي المعية، ولو قال بدل جاء "رأيت" حتى يكون "عمرًا" منصوبًا كان أولى؛ لأن الرفع يخرج بقوله فضلة، ويمكن أن يقال خرج بقيدين.
"و" خرج "بـ"اللفظ "الخامس" وهو قوله: "تالية لجملة" "نحو: كل رجل وضيعته" بالرفع؛ عطفًا على "كل" "فلا يجوز فيه النصب" على المفعول معه، لعدم تقدم الجملة، "خلافًا للصيمري" بفتح الميم وضمها؛ فإنه يجيز نصب المفعول معه عن تمام الاسم كالتمييز١.
"و" خرج "بـ" اللفظ "السادس" وهو قوله: "ذات فعل أو اسم فيه معنى الفعل وحروفه" "نحو: هذا لك وأباك" بالموحدة "فلا يتكلم به".
قال سيبويه٢: وأما "هذا لك وأباك" فقبيح؛ لأنك لم تذكر فعلًا ولا اسما فيه معنى فعل.
قال ابن مالك٣: أرادج بالقبيح الممتنع، وقد كثر في كلامه التعبير بالقبيح عن عدم الجواز، وعلم من هذا أن اسم الإشارة، وحرف الجر المتضمن معنى الاستقرار٤، لا يعملان في المفعول معه، "خلافًا لأبي علي" الفارسي٥ فإنه أجاز في قوله: [من البسيط]
٤١٠-
هذا ردائي مطويا وسربالا
إعمال الإشارة وأجاز بعضهم إعمال الظرف وحرف الجر، انتهى كلام ابن مالك.
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٢٨٥، ٢٨٧، وشرح التسهيل ٢/ ٢٦٠، وشرح قطر الندى ص٢٣٢. ٢ الكتاب ١/ ٣١٠. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٢٦٢، ٢٦٣. ٤ في "ط": "الإقرار". ٥ انظر شرح الكافية الشافية ٢/ ٦٨٩، والارتشاف ٢/ ٢٨٥، وشرح ابن الناظم ص٢٠٥.
(٢) صدر البيت: "لا تحسبنك أثوابي فقد جمعت" ، وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ٧٦، والدرر ١/ ٤٨١، وشرح ابن الناظم ص٢٣٩، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٤، والمقاصد النحوية ٣/ ٨٦.
[ ١ / ٥٢٩ ]
ولم يستوف جميع الشروط في النظم اعتمادًا على المثال فقال:
٣١١-
ينصب تالي الواو مفعولا معه في نحو سيري والطريق مسرعة
"فإن قلت: فقد قالوا: ما أن وزيدًا؟ و: كيف أنت وزيدًا؟ " بنصب "زيدا" فيهما ولم يتقدم فعل ولا اسم فيه معنى الفعل وحروفه. "قلت: أكثرهم يرفع بالعطف على" "أنت" ولا إشكال فيه، "والذين نصبوا قدروا الضمير" وهو "أنت" "فاعلان بمحذوف لا مبتدأ"، واسم الاستفهام قبله خبره ويتعين ذلك في الثاني دون الأول "والأصل: ما تكون؟ وكيف تصنع؟ " ففي "تكون" و"تصنع" ضمير مستتر وجوبًا مرفوع على الفاعلية "فلما حذف الفعل وحده" وهو "تكون" و"تصنع" "برز ضميره وانفصل" لتعذر اتصاله.
وقدره سيبويه١ من لفظ الكون في المثالين وقدره بالمضارع مع "كيف" وبالماضي مع "ما"، فقال الأصل: كيف تكون وزيدًا؟ وما كنت وزيدًا؟.
واختلف في تقديره ذلك هل هو مقصود له أم غير مقصود؟.
فزعم السيرافي أنه غير مقصود ولو عكس لجاز٢.
وزعم ابن ولاد أنه لا يجوز إلا ما قدره سيبويه٣ قال: وذلك أن "ما" دخلها معنى التحقير والإنكار، وليست سؤالا عن مسألة مجهولة، ولو كانت لمجرد الاستفهام لجاز فيها الماضي والمضارع، واختلف في "كان" المقدرة، فنص الفارسي وغيره٤ على أنها التامة، وعلى هذا فتكون "كيف" في موضع نصب على الحال، وأما "ما" فلا تكون حالًا. وزعم بعضهم أنها مخرجة عن أصلها للسؤال عن الحال.
والصحيح "أن "كان" ناقصة، "وكيف" و"ما" في محل نصب خبرها، والتقدير: على أي حال تكون، أو كنت مع زيد؟ وهو مذهب ابن خروف. وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٣١٣-
وبعد ما استفهام أو كيف نصب بفعل كون مضمر بعض العرب
"والناصب للمفعول معه ما سبقه من فعل أو شبهه"، وبه قال جمهور البصريين٥
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٣٠٣. ٢ الارتشاف ٢/ ٢٨٩. ٣ الارتشاف ٢/ ٢٨٩، وهمع الهوامع ١/ ٢٢١. ٣ انظر المصدرين السابقين. ٥ انظر الإنصاف ١/ ١٢٤٨، المسألة رقم٣٠.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وطائفة من الكوفيين، ثم اختلفوا فقال سيبويه١ والفارسي٢ وجماعة ٣: إنه كالمفعول به في المعنى، فمعنى "سرت والنيل": سرت بالنيل. وزعم الأخفش، وجماعة من الكوفيين أنه نصب على الظرفية، والواو مهيئة للظرفية، ونظروه بمسألة النصب بعد "إلا" فانتصب الاسم بعد الواو، كما انتصب بعد "إلا"٤. "لا" النصاب له "الواو، خلافًا للجرجاني" عبد القاهر٥، ورد بأن الواو لو كانت عاملة لاتصل بها إذا كان ضميرًا، كما في سائر الحروف الناصبة٦. وإلى هذين المذهبين أشار الناظم بقوله:
٣١٢-
بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب لا بالواو في القول الأحق
"ولا" الناصب له "الخلاف" أي: المخالفة "خلافًا للكوفيين٧" أي: أكثرهم، كما صرح به الموضح في شرح اللمحة، فإنهم ذهبوا إلى أن الناصب للمفعول معه معنوي، وهو مخالفة ما بعد الواو لما قبلها، كما ذهبوا إليه في نصب الظرف إذا وقع خبرًا عن المبتدأ، نحو "زيد عندك"؛ لأن ما بعد الواو لم يصلح أن يجري على ما قبله كـ"قام زيد وعمرو"، فمخالفته له في المعنى انتصب على الخلاف، ورد بأن الخلاف لو كان يقتضي النصب لجاز "ما قام زيد بل عمرًا" بنصب "عمرو"، وذلك لا يجوز "ولا" الناصب له فعل "محذوف" بعد الواو، "والتقدير" في "سرت والنيل" "سرت ولابست النيل، فيكون حينئذ مفعولًا به خلافًا للزجاج٨" ورده السيرافي بما يطول ذكره، وإنما قدر فعل الملابسة؛ لأنها أعم الأفعال، إذ لا يتحقق بدونها٩، ويؤخذ من قوله: والناصب للمفعول معه ما سبقه من فعل، أو شبهه، أن المفعول معه لا يتقدم على عامله، لا يقال: "والنيل سرت"١٠، ولا يتوسط نحو: "سار والنيل زيد"؛ لأن الواو عندهم
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٩٧. ٢ الإيضاح العضدي ١/ ١٩٣. ٣ منهم ابن السراج، انظر كتابه الأصول ١/ ٢٠٩. ٤ انظر الارتشاف ٢/ ٢٨٦، وشرح المفصل ٢/ ٤٩. ٥ انظر شرح ابن الناظم ص٢٠٦، والتسهيل ص٩٩. ٦ انظر المصدرين السابقين. ٧ انظر شرح المفصل ٢/ ٤٩، والارتشاف ٢/ ٢٨٦، وهمع الهوامع ٢/ ٢٢٠. ٨ نظر شرح التسهيل ٢/ ٢٤٩، والارتشاف ٢/ ٢٨٦، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٠. ٩ انظر الإنصاف ١/ ٢٤٨، المسألة رقم ٣٠. ١٠ انظر الأصول ١/ ٢١١، وشرح التسهيل ٢/ ٢٥٢.
[ ١ / ٥٣١ ]
أصلها أن تكون عاطفة، فكما لا يجوز تقديم المعطوف، ولا توسطه بين العامل والمعطوف عليه فكذلك هذا، والأولى متفق عليها، والثانية طرقها خلاف أبي الفتح، ذهب في الخصائص١ إلى جواز التوسط مستدلا بنحو قوله: [من الطويل]
٤١١-
جمعت وفحشا غيبة ونميمة خصالا ثلاثا لست عنها بمرعوي
وهذا مخرج على أن "فحشا" معطوف على "غيبة" وقدم عليه للضرورة، كقوله: [من الوافر]
٤١٢-
ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام
والأصل: عليك السلام، ورحمة الله.
_________________
(١) ١ الخصائص ٢/ ٣٨٣، وشرح ابن الناظم ص٢٠٥.
(٢) البيت ليزيد بن الحكم في خزانة الأدب ٣/ ١٣٠، ١٣٤، والدرر ١/ ٤٨٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٩٧، وشرح عمدة الحافظ ص٦٣٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٨٦، ٢٦٢ وبلا نسبة في خزانة الأدب ٩/ ١٤١، والخصائص ٢/ ٣٨٣، وشرح ابن الناظم ص٢٠٥، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٠.
(٣) البيت للأحوص في ديوانه ص١٩٠ "الهامش"، وخزانة الأدب ٢/ ١٩٢، ٣/ ١٣١، والدرر ١/ ٣٧٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٧، ولسان العرب ٨/ ١٩١، "شيع"، ومجالس ثعلب ص٢٣٩، والمقاصد النحوية ١/ ٥٢٧، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٣٨٦، والدرر ٢/ ٤١٢، ٤٦٤، وشرح ديون الحماسة للمرزوقي ص٨٠٥، ومغني اللبيب ٢/ ٣٥٦، ٦٥٩، وهمع الهوامع ١/ ١٧٣، ٢٣٠، ٢/ ١٣٠، ١٤٠.
[ ١ / ٥٣٢ ]
"فصل":
"للاسم" الواقع "بعد الواو خمس حالات:"
إحداها: "وجوب العطف كما في" نحو: "كل رجل وضيعته، ونحو: اشترك زيد وعمرو، ونحو: جاء زيد وعمرو قبله أو بعده، لما بينا" من عدم تقدم جملة في الأول، ومن عدم الفضلية في الثاني؛ لأن الفعل لا يستغنى عنه؛ لأن الاشتراك لا يتأتى إلا بين اثنين، ومن عدم المصاحبة في الثالث.
"و" ثانيها: "رجحانه" أي: العطف؛ على المفعول معه "كـ: جاء زيد وعمرو"، فيترجح العطف؛ "لأنه الأصل وقد أمكن بلا ضعف"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣١٤-
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق
ويجوز النصب على المفعول معه.
"و" ثالثها: "وجوب المفعول معه، وذلك في نحو: ما لك وزيدًا، و: مات زيد وطلوع الشمس، لامتناع العطف في" المثال "الأول"، وهو "ما لك وزيدًا" "من جهة الصناعة"؛ لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور، وهو الكاف في "لك" إلا بعد إعادة الجار، نحو: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] وأجاز الكسائي فيه الجر١. قال الموضح في الحواشي: وبه أقول، لا على العطف بل على إضمار الجار لتقدم ذكره. ا. هـ. وفيه نظر؛ لأن الجار في الأمر العام المطرد إذا حذف زال عمله. فإن قلت:
كما ينبغي أن يمتنع "ما لك٢ وزيدًا"، كما امتنع "هذا لك وأباك" على الصحيح لعدم تقدم
فعل، أو اسم فيه معنى الفعل وحروفه، قلت: لما اشتمل "ما لك وزيدًا" على ما يشتد طلبه للفعل، وهو "ما" الاستفهامية الإنكارية، وقدروا عاملًا بعدها، لشدة طلبها للفعل، والتقدير: ما كان لك وزيدًا، وهو أحد الوجهين في التسهيل٣، وإلى هذا
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٢٨٨. ٢ في "ط": "كان"، مكان "لك". ٣ التسهيل ص٩٩.
[ ١ / ٥٣٣ ]
أشار الناظم بقوله:
٣١٥-
والنصب إن لم يجز العطف يجب
"و" لامتناع العطف "في" المثال "الثاني" وهو: مات زيد وطلوع الشمس، "من جهة المعنى"؛ لأن العطف يقتضي التشريك في المعنى وطلوع الشمس لا يقوم به الموت.
"و" رابعها: "رجحانه" أي: المفعول معه "وذلك في نحو قوله:" [من الوافر]
٤١٣-
"فكونوا أنتم وبني أبيكم" مكان الكليتين من الطحال
و"الكليتان" بضم الكاف: لحمتان حمراوان لازقتان بعظم القلب عند الخاصرتين، عليهما لحم محيط بهما كالغلاف لهما، و"الطحال" بكسر الطاء١، "ونحو: قمت زيدا، لضعف العطف في الأول"، وهو: فكونوا أنتم وبني أبيكم، "من جهة المعنى"؛ لأنك إذا قلت: "كن أنت وزيد كالأخ" وعطفت "زيدًا" على الضمير في "كن" لزم أن يكون "زيد" مأمورًا، وأنت لا تريد أن تأمره، وإنما تريد أن تأمر مخاطبك بأن يكون معه كالأخ، قاله الموضح في شرح القطر٢، وهو معنى قول ابن مالك٣: لأن المراد: كونوا لبني أبيكم، فالمخاطبون هم المأمورون بذلك، وإذا عطفت كان التقدير: كونوا لهم وليكونوا لكم، وذلك خلاف المقصود. ا. هـ.
وقال أبو البقاء: كان ينبغي أن النصب يجب، إذ ليس المعنى أنه أمر بني أبيهم بشيء، بل أمرهم بموافقة بني أبيهم، ويدل على ذلك أنه أكد الضمير بقوله: "أنتم"، ولو كان المانع من الرفع كون المعطوف عليه مضمرًا لجاز هنا. ا. هـ. وبقوله أقول.
"و" لضعف العطف "في الثاني" وهو: قمت وزيدًا، "من جهة الصناعة"؛ لأنه لا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بعد توكيده بضمير منفصل أو بأي
_________________
(١) البيت لشعبة بن قمير في نوادر أبي زيد ص١٤١، وللأقرع بن معاذ في سمط اللآلي ص٩١٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٤٣، والدرر ١/ ٤٨٠، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٢٦، ٢/ ٦٤٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢٩، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٥، وشرح التسهيل ٢/ ٢٦٠، وشرح قطر الندى ص٢٣٣، وشرح المفصل ٢/ ٤٨، والكتاب ١/ ١٩٨، واللمع ص١٤٣، ومجالس ثعلب ص١٢٥، والمقاصد النحوية ٣/ ١٠٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٠. ١ بعده في "ط": "الذي عليه مركز القلب، وهو الصلب". ٢ شرح قطر الندى ص٢٣٢، ٢٣٣. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٢٦٠.
[ ١ / ٥٣٤ ]
فاصل كان، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣١٤-
والنصب مختار لدى ضعف النسق
"و" خامسها: "امتناعهما" أي: العطف والمفعول معه "كقوله": [من الرجز]
٤١٤-
"علفتها تبنا وماء باردًا" حتى شتت همالة عيناها
"وقوله:" [من الوافر]
٤١٥-
إذا ما الغانيات برزن يومًا "وزججن الحواجب والعيونا"
"أما امتناع العطف" فيهما "فلانتفاء المشاركعة"؛ لأن الماء لا يشارك التبن في العلف، والعيون لا تشارك الحواجب في التزجيج؛ لأن تزجيج الحواجب تدقيقها وتطويلها، يقال: رجل أزج، وامرأة زجاء، إذا كان حاجباهما دقيقين طويلين.
"وأما امتناع المفعول معه" فيهما "فلانتفاء المعية في "البيت الأول؛ لأن الماء لا يصاحب التبن في العلف، "وانتفاء فائدة الإعلام بها" أي: بمصاحبة العيون للحواجب "في" البيت "الثاني"، إذ من المعلوم أن العيون مصاحبة للحواجب، فلا فائدة في الإعلام بذلك.
ويجب في ذلك إضمار فعل ناصب للاسم الواقع بعد الواو، وهو "ماء" في البيت الأول، و"العيون" في البيت الثاني "على أنه مفعول به"، والفعل المحذوف معطوف على الفعل المذكور، "أي" علفتها تبنا، و"سقيتها ماء"، وزججن الحواجب
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ٢/ ٢٨٧، "زجج"، ٣/ ٣٦٧، "قلد" ٩/ ٢٥٥ "علف"، والأشباه والنظائر ٢/ ١٠٨، ٧/ ٢٣٣، وأمالي المرتضى ٢/ ٢٥٩، والإنصاف ٢/ ٦١٢، وأوضح المسالك ٢/ ٢٤٥، والخصائص ٢/ ٤٣١، والدرر ٢/ ٤١٣، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١١٤٧، وشرح شذور الذهب ص٢٤٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٥٨، ٢/ ٩٢٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٠٨، ومغني اللبيب ٢/ ٦٣٢، والمقاصد النحوية ٣/ ١٠١، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٠، وتاج العروس ٢٤/ ١٨٢ "علف".
(٢) البيت للراعي النميري في ديوانه ص٢٦٩، والدرر ١/ ٤٨٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٥، ولسان العرب ٢/ ٢٧٨ "زجج" والمقاصد النحوية ٣/ ٩١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٢١٢، ٧/ ٢٣٣، والإنصاف ٢/ ٦١٠، وأوضح المسالك ٢/ ٤٣٢، وتذكرة النحاة ص٦١٧، وحاشية يس ١/ ٤٣٢، والخصائص ٢/ ٤٣٢، والدرر ٢/ ٤١٣، وشرح ابن الناظم ص٢٠٦، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٦، وشرح عمدة الحافظ ص٦٣٥، وكتاب الصناعتين ص١٨٢، ولسان العرب ١/ ٤٢٢، "رغب"، ومغني اللبيب ١/ ٣٥٧، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٢، ٢/ ١٣٠.
[ ١ / ٥٣٥ ]
"وكحلن العيون، هذا قول الفارسي والفراء ومن تبعهما١"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣١٥-
أو اعتقد إضمار عامل تصب
"وذهب الجرمي" بفتح الجيم، نسبة إلى بني جزم، ويلقب بالصياح٢؛ لكثرة مناظرته في النحو، وصياحه، قاله ابن درستويه. "والمازني" بكسر الزاي؛ نسبة إلى بني مازن "والمبرد" بفتح الراء، قال ابن جني: وسبب تسميته بذلك أن المازني سأله عن مسائل. فأجاب عنها وأحسن، فقال: أنت المبرد؛ بكسر الراء؛ أي: أنت المثبت للحق. قال المبرد: فغير الكوفيون اسمي فجعلوه بفتح الراء، "وأبو عبيدة" بضم العين "والأصمعي" بفتح الميم؛ نسبة إلى جده أصمع، "و" أبو محمد "اليزيدي" بفتح الياء المثناة تحت وكسر الزاي "إلى أنه لا حذف، وأن ما بعد الواو" في البيتين "معطوف" على ما قبله "وذلك على تأويل العامل المذكور" قبلهما "بعامل يصح انصبابه عليهما" معًا انصبابة٣ واحدة٤، "فيؤول: زججن بـ: حسن" بتشديد السين؛ لأن التحسين يصح تسليطه على العيون والحواجب، فيقال: حسن العيون والحواجب. "و" يؤول "علفتها بـ: أنلتها" لأن الإنالة يصح تسليطها على التبن والماء، فيقال: أنلتها تبنًا وماء، فهو من باب التضمين واحتج الأولون القائلون بالحذف أنه لو كان التضمين لجاز علفتها ماء وتبنًا، كما ساغ علفتها تبنًا وماء، وقالوا: وهو غير سائغ. وأجيب بأن ما منعوه مسموع من العرب، كقول طرفة: [من الطويل]
٤١٦-
لها سبب ترعى به الماء والشجر
واختلف في التضمين أهو قياسي أم سماعي؟ والأكثرون على أنه قياسي، وضابطه أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام، قاله المرادي في تلخيصه.
_________________
(١) ١ انظر قول الفارسي والفراء في الارتشاف ٢/ ٢٩٠. ٢ في "ب"، "ط": "النباح" كما في المزهر ٢/ ٤٢٨، عن ابن درستويه في شرح الفصيح. ٣ في "ب": "انتصابه". ٤ انظر ما قيل عن هؤلاء النحاة في الارتشاف ٢/ ٢٩٠، والمزهر ٢/ ٤٢٦-٤٢٨.
(٢) صدر البيت: "أعمر بن هند ما ترى رأي صرمة" ، وهو لطرفة بن العبد في ديوانه ص٤٧، وخزانة الأدب ٣/ ١٤٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٢٩، ومغني اللبيب ٢/ ٦٣٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٨١.
[ ١ / ٥٣٦ ]
باب المستثنى
مدخل
باب المستشنى:
"هذا باب المستثنى":
وهو المخرج تحقيقًا أو تقديرا من مذكور أو متروك بـ"إلا" أو ما في معناها بشرط الفائدة، قاله في التسهيل١. فقوله: "المخرج" جنس يشمل المخرج بالبدل، نحو: "أكلت الرغيف ثلثه" وبالصفة نحو: "أعتق رقبة مؤمنة" وبالشرط نحو: "اقتل الذمي إن حارب"، وبالغاية نحو: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وبالاستثناء نحو: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . وقوله: "تحقيقًا أو تقديرا" إشارة إلى قسمي المتصل والمنقطع. وقوله: "من مذكور أو متروك" إشارة إلى قسمي التام والمفرغ. وقوله: "بإلا" متعلق بالمخرج، وهو فصل يخرج به ما عدا المستثنى مما تقدم.
وقوله: "أو ما في معناها" يشمل جميع أدوات الاستثناء. وقوله: "بشرط الفائدة" احتراز عن نحو: "جاءني ناس إلا زيدًا"، و"جاءني القوم إلا رجلًا" فإنه لا يفيد٢.
قال٣ الشاطبي: ومعنى إخراجه ذكره بعد "إلا" مبين أنه لم يرد دخوله فيما تقدم، فبين ذلك للسامع بتلك القرينة، لا أنه كان مرادًا للمتكلم، ثم أخرجه، هذا حقيقة الإخراج عند أئمة اللسان سيبويه٤ وغيره، وهو الذي لا يصح غيره. ا. هـ. وبه يتضح الحال، ويزول الإشكال.
"للاستثناء أدوات ثمان"، وهي أربعة أقسام:
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٠١. ٢ سقطت من "ط". ٣ في "أ"، "ط": "قاله". ٤ الكتاب ٢/ ٣١٠، ٣٣٠.
[ ١ / ٥٣٧ ]
الأول: "حرفان، وهما "إلا" عند الجميع" من النحويين، "وحاشا؛ عند سيبويه١" وأكثر البصريين٢. وذهب الجرمي والمازني والمبرد٣ والزجاج والأخفش وأبو زيد والفراء وأبو عمرو الشيباني إلى أنها تستعمل كثيرًا حرفًا جارا، وقليلًا فعلا متعديا جامدا لتضمنه معنى "إلا"٤. وذهب جمهور الكوفيين٥ إلى أنها فعل دائما "ويقال فيها: حاش" بحذف الألف الأخيرة "و: حشا" بحذف الألف الأولى، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٣٣١-
وقيل حاش وحشا فاحفظهما
واعترض بأن "حاشا" الحرفية الاستثنائية لا يتصرف فيها بالحذف، وإنما ذلك في "حاشا" التنزيهية نحو: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٣١] وهذه عند المبرد وابن جني والكوفيين فعل، قالوا٦: لتصرفهم فيها بالحذف، ولإدخالهم إياها على الحرف، وهذان الدليلان ينفيان الحرفية. قاله في المغني٧.
"و" الثاني "فعلان وهما: ليس" عند الجمهور، وذهب الفارسي٨ وتبعه أبو بكر بن شقير إلى حرفيتها مطلقًا٩، وذهب بعضهم١٠ إلى أنها في باب الاستثناء تكون حرفا ناصبًا للمستثنى بمعنى "إلا" "و: لا يكون" واعترض بأن المركب من حرف وفعل لا يكون فعلا، ويجاب بأنهما لما ركبا غلب الفعل الحرف لشرف الفعل، فسمي الجميع فعلًا.
"و" الثالث "مترددان بين الحرفية والفعلية" تستعملان تارة حرفين وتارة فعلين، "وهما "خلا" عند الجميع" من النحويين، "و"عدا" عند غير سيبويه"، فإنه لم يحفظ فيها إلا الفعلية١١.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٣٠٩، ٣٤٩. ٢ الارتشاف ٢/ ٣١٧، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٢. ٣ المقتضب ٤/ ٣٩١، ٤٢٦. ٤ انظر شرح ابن عقيل ١/ ٣٢٣، ٣٢٤. ٥ همع الهوامع ١/ ٢٣٢. ٦ الإنصاف ١/ ٢٧٨، المسألة رقم ٣٧. ٧ مغني اللبيب ص١٦٤، ١٦٥. ٨ شرح الأبيات المشكلة الإعراب ١/ ٩، والإيضاح العضدي ١/ ٢١٠. ٩ انظر الجنى الداني ص٤٩٤. ١٠ منهم المرادي، انظر الجنى الداني ص٤٩٥. ١١ الكتاب ٢/ ٣٤٨، ٣٤٩.
[ ١ / ٥٣٨ ]
"و" الرابع "اسمان وهما "غير" و"سوى" بلغاتها، فإنه يقال" فيها: "سوى" بكسر السين والقصر "كـ: رضي، و: سوى" بضم السين والقصر، كـ"هدى، و: سواء" بفتح السين والمد، كـ"سَمَاء، و: سِواء" بكسر السين والمد، كـ"بناء، و" هذه الأخيرة "هي أغربها" وقل من ذكرها، وممن نص عليها الفارسي في الحجة١، وتبعه ابن الخباز في النهاية، ومنه أخذ ابن إياز، والحاصل أنها تمد مع الفتح، وتقصر مع الضم، ويجوز الكسر مع الوجهان، قاله في المغني٢.
"فإذا استثني بـ"إلا" وكان الكلام" قبلها "غير تام؛ وهو الذي لم يذكر معه المستثنى منه؛ فلا عمل لـ"إلا"، بل يكون الحكم عند وجودها" بالنسبة إلى العمل "مثله عند فقدها"، فإن كان ما قبلها يطلب مرفوعًا رفع ما بعدها، وإن كان يطلب منصوبًا لفظًا نصب، وإن كان يطلب منصوبًا محلا جر بجار يتعلق به، نحو: "ما قام إلا زيد، وما رأيت إلا زيد، وما مررت إلا بزيد"، ويسمى استثناء مفرغًا" لأن ما قبل "إلا" تفرغ لطلب ما بعدها، ولم يشتغل عنه بالعمل في غيره، والاستثناء في الحقيقة من عام محذوف، وما بعد "إلا" بدل من ذلك المحذوف، والتقدير: ما قام أحد إلا زيدًا، وما رأيت أحدا إلا زيدًا، وما مررت بأحد إلا بزيد، إلا أنهم حذفوا المستثنى منه، وأشغلوا العامل بالمستثنى، وسموه استثناء مفرغًا، "وشرطه" عندهم "كون الكلام غير إيجاب" وهو أن يتقدم عليه ما يخرجه عن الإيجاب. "وهو النفي نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فما قبل "إلا" وهو "محمد" مبتدأ. والمبتدأ يطلب الخبر، فرفع ما بعد "إلا" وهو "رسول" على الخبرية. "والنهي نحو: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] فما قبل "إلا" وهو "تقولوا" يطلب مفعولًا صريحًا فنصب ما بعد "إلا" وهو "الحق" على المفعولية، وتقدير المستثنى منه: ولا تقولوا على الله شيئًا إلا الحق. ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فما قبل "إلا" وهو "تجادلوا" يطلب مجرورًا بالباء فجر بها ما بعد "إلا" وهو "التي" وتقدير المستثنى منه: ولا تجادلوا أهل الكتاب بشيء إلا بالتي هي أحسن. "والاستفهام الإنكاري" لما فيه من معنى النفي "نحو: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ " [الأحقاف: ٣٥] فما قبل "إلا" وهو "يهلك" المبني للمفعول يطلب مرفوعًا نائبًا عن
_________________
(١) ١ الحجة ١/ ٢٤٨. ٢ مغني اللبيب ص١٨٨.
[ ١ / ٥٣٩ ]
الفاعل، فرفع ما بعد "إلا" وهو "القوم" على النيابة عن الفاعل، وتقدير المستثنى منه: فهل يهلك أحد إلا القوم الفاسقون، والمعنى: ما يهلك إلا القوم الفاسقون. ولا يتأتى التفريغ في الإيجاب؛ لأنه يؤدي إلى الاستبعاد، لا نقول: رأيت إلا زيدًا؛ لأنه يلزم منك أنك رأيت جميع الناس إلا زيدًا، وذلك محال عادة، "فأما قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] فحمل "يأبى"" في إفادة النفي "على "لا يريد" لأنهما" أي: لأن "يأبى" و"لا يريد" معناهما النفي فهما "بمعنى" واحد، والمعنى: لا يريد الله إلا إتمام نوره، فلا فرق في النفي بين أن يكون في اللفظ أو في المعنى. وإلى مسألة التفريغ أشار الناظم بقوله:
٣١٩-
وإن يفرغ سابق إلا لما بعد يكن كما لو إلا عدما
"وإن كان الكلام تاما"، وهو الذي يذكر فيه المستثنى منه، ففيه تفصيل، "فإن كان الكلام موجبًا" بفتح الجيم، وهو الذي لم يتقدم عليه نفي ولا شبهه "وجب نصب المستثنى" بـ"إلا" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣١٦-
ما استثنت إلا مع تمام ينتصب
"نحو: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٢٤٩] فما قبل "إلا" وهو "شربوا" كلام تام؛ لأن المستثنى منه مذكور، وهو الواو في "شربوا"، وموجب لأنه لم يتقدم عليه نفي ولا شبهه، وما بعد "إلا" وهو "قليلا" واجب النصب على الاستثناء، ولا يجوز رفعه إلا بتأويل كما سيجيء، فأما قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] بالرفع؛ فـ"إلا" فيه ليست للاستثناء، وإنما هي بمعنى "غير" فهي صفة لـ"آلهة"، ولكن نقل الإعراب منها لما بعدها لكونها على صورة الحرف، "وأما قوله" وهو الأخطل: [من البسيط]
٤١٧-
وبالصريمة منهم منزل خلق "عاف تغير إلا النؤي والوتد"
برفع "النؤي" و"الوتد" على الإبدال من الضمير المستتر في "تغير"، والقياس نصبهما؛ لأن الكلام موجب. "فحمل "تغير"" في إفادة النفي "على "لم يبق على حاله"؛ لأنهما" أي: لأن تغير ولم يبق معناهما النفي فهما "بمعنى" واحد. و"الصريمة"
_________________
(١) البيت للأخطل في ديوانه ص١١٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٧٠، وشرح عمدة الحافظ ص٣٨٠، والمقاصد النحوية ٣/ ١٠٣، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٣١٣، وأوضح المسالك ٢/ ٢٥٥، وشرح ابن الناظم ص٢١٧، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٨، وشرح التسهيل ٢/ ٢٨١، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٠٩، ومغني اللبيب ١/ ٢٧٦.
[ ١ / ٥٤٠ ]
بالصاد والراء المهملتين: كل رملة انصرمت من معظم الجبل. و"خلق" بفتحتين: بمعنى بال. و"عاف" بمعنى دارس، يقال: عفا المنزل إذا درس، وعفته الريح: درسته، يتعدى ولا يتعدى. و"النؤي" بنون مضمومة فهمزة ساكنة بوزن "قفل": حفيرة حول الخباء، تصنع لئلا يدخله المطر. و"الوتد" بكسر التاء: الخازوق، يدق في الأرض.
واختلف في ناصب المستثنى بـ"إلا" على ثمانية أقوال١:
أحدها: أنه نفس "إلا" وحدها، وإليه ذهب ابن مالك٢، وزعم أنه مذهب سيبويه٣ والمبرد٤.
والثاني: تمام الكلام، كما انتصب درهما بعد عشرين٥.
والثالث: الفعل المتقدم بواسطة "إلا"، وإليه ذهب السيرافي٦ والفارسي٧ وابن الباذش٨.
والرابع: الفعل المتقدم بغير واسطة "إلا"، وإليه ذهب ابن خروف٩.
والخامس: فعل محذوف من معنى "إلا" تقديره أستثني زيدا، وإليه ذهب الزجاج١٠.
والسادس: المخالفة، وحكي عن الكسائي١١.
والسابع: "أن" بفتح الهمزة وتشديد النون محذوفة هي وخبرها، والتقدير: إلا زيدًا لم يقم، حكاه السيرافي عن الكسائي١٢.
_________________
(١) ١ الإنصاف ١/ ٢٦٠، المسألة رقم ٣٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٤. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٢٧١-٢٧٧. ٣ الكتاب ٢/ ٣١٠، ٣١٩. ٤ المقتضب ٤/ ٣٩٠. ٥ الارتشاف ٢/ ٣٢٢. ٦ شرح التسهيل ٢/ ٢٧٧، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٤. ٧ الإيضاح العضدي ١/ ٢٠٥. ٨ همع الهوامع ١/ ٢٢٤. ٩ شرح التسهيل ٢/ ٢٧٧، والارتشاف ٢/ ٣٠٠. ١٠ شرح التسهيل ٢/ ٢٧٨، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٤. ١١ الارتشاف ٢/ ٣٠٠. ١٢ شرح التسهيل ٢/ ٢٧٩.
[ ١ / ٥٤١ ]
والثامن: أن "إلا" مركبة من "إن" و"لا" ثم خففت "إن"، وأدغمت في اللام؛ حكاه السيرافي عن الفراء١.
وزاد ابن عصفور٢: فإذا انتصب ما بعدها فعلى تغليب حكم "إن" وإذا لم ينتصب فعلى تغليب حكم "لا"؛ لأنها عاطفة.
"وإن كان الكلام" التام "غير موجب" ففيه تفصيل، "فإن كان الاستثناء متصلًا"، وهو ما يكون فيه المستثنى بعض المستثنى منه، وكان غير مردود به كلام تضمن معنى الاستثناء، وهو غير متراخ المستثنى من المستثنى منه، ولا متقدم عليه "فالأرجح اتباع المستثنى للمستثنى منه" في إعرابه للمشاكلة "بدل بعض" من كل "عند البصريين، وعطف نسق عند الكوفيين"؛ لأن "إلا" عندهم من حروف العطف في باب الاستثناء خاصة. قاله أبو حيان٣. وهي عندهم بمنزلة "لا" العاطفة في أن ما بعدها مخالف لما قبلها.
قاله في المغني٤.
ورد ثعلب كلا الوجهين من المذهبين. فقال٥ في الرد على البصريين: كيف يكون بدلًا وهو موجب ومتبوعه منفي، والبدل لا بد أن يكون على وفق المبدل منه في المعنى. وأجاب الأبدي: بأن بدل البعض يكون الثاني فيه مخالفًا للأول في المعنى٦، ألا ترى أنك إذا قلت: "رأيت القوم بعضهم" فيكون قولك أولا: "رأيت القوم" مجازا ثم بينت بعد ذلك من رأيت منهم، وكما جاز في النعت المخالفة نحو: "مررت برجل لا كريم ولا شجاع" جاز في البدل. وقال في الرد على الكوفيين: بأن "إلا" لو كانت عاطفة لم تباشر العامل في نحو: "ما قام إلا زيد" وليس شيء من أحرف العطف يباشر العوامل. قال في المغني٧: وقد يجاب بأنه ليس تاليها في التقدير، إذ الأصل: ما قام أحد إلا زيد، ا. هـ. وإلى ترجيح الاتباع أشار الناظم بقوله:
٣١٦-
وبعد نفي أو كنفي انتخب
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٢/ ٢٧٩. ٢ شرح الجمل ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤. ٣ الارتشاف ٢/ ٢٩٤، ٢٩٥، والنكت الحسان ص١٠٦، ١٠٧. ٤ مغني اللبيب ص٩٨. ٥ شرح التسهيل ٢/ ٢٨٢، وشرح ابن الناظم ص٢١٦. ٦ كذلك يرى السيرافي، انظر شرح ابن الناظم ص٢١٦. ٧ مغني اللبيب ص٩٩.
[ ١ / ٥٤٢ ]
٣١٧-
إتباع ما اتصل
مثال النفي "نحو: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ " [النساء: ٦٦] بالرفع في قراءة السبعة غير ابن عامر١، فـ"قليل"٢ بدل من الواو في "فعلوه" بدل بعض من كل عند البصريين، وهو في نية تكرير العامل، والتقدير: ما فعلوه إلا قليل منهم، وعطف نسق عند الكوفيين. وشبه النفي النهي والاستفهام، مثال النهي ""وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ"" [هود: ٨١] بالرفع٣ في قراءة أبي عمرو وابن كثير، فـ"امرأتك" بدل من "أحد"، بدل بعض من كل، ولم يصرح معه بضمير؛ لأن قوة تعلق المستثنى بالمستثنى منه تغني عن الضمير غالبًا، ومثال الاستفهام " ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ " [الحجر: ٥٦] بالرفع في قراءة الجميع، فـ"الضالون" بدل من الضمير المستتر في "يقنط" بدل بعض من كل، ولم يؤت معه بضمير لما قلنا.
"والنصب عربي جيد وقد قرئ به في السبع في: قليل" من قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] "وفي: امرأتك" من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود: ٨١] ولا يتأتى الإتباع في الموجب. فأما قراءة بعضهم: "فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ" [البقرة: ٢٤٩] بالرفع محمولة على أن "شربوا" في معنى: لم يكونوا٤ منه، بدليل ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] قاله في المغني٥.
وخرج بالمتصل المنقطع وسيأتي، وبغير المردود نحو: "ما قام القوم إلا زيدًا" بالنصب وجوبًا؛ ردا على من قال: "قام القوم إلا زيدًا" قصدًا للتطابق بين الكلامين، ولم يجز الإبدال، نقله المرادي عن السراج٦، ورده ابن عصفور: وخرج بغير المتراخي "ما جاءني أحد حين كنت جالسًا هنا إلا زيدا" فإن البدل فيه غير مختار؛ لأن البدل إنما كان مختارًا لقصد التطابق بينه وبين المستثنى منه، ومع التراخي لا يظهر التطابق
_________________
(١) ١ قرأها ابن عامر "قليلا" بالنصب، وكذلك قرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق وأبي وأنس. انظر الإتحاف ص١٩٢، والنشر ٢/ ٢٥٠، وشرح ابن الناظم ص١١٧. ٢ في "ط": "فقيل". ٣ الرسم المصحفي: ﴿امْرَأَتَكَ﴾ بالنصب، وقرأها بالرفع أبو عمرو وابن كثير، انظر الإتحاف ص٢٥٩، والنشر ٢/ ٢٩٠. ٤ بعده في "ط": "شربوا". ٥ مغني اللبيب ص٨٨٧. ٦ الأصول ١/ ٢٨٣.
[ ١ / ٥٤٣ ]
قاله الرضي١ وغيره٢. وخرج بقيد التقدم "ما جاء إلا زيدًا القوم" فإنه لا يجوز الإبدال كما سيجيء.
"وإذا تعذر الإبدال على اللفظ" لمانع "أبدل على الموضع، نحو: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥]، ونحو: "ما فيها من أحد إلا زيد" برفعهما، و"ليس زيد بشيء إلا شيئًا لا يعبأ به" بالنصب". قال ابن مالك في شرح التسهيل٣: رفعت٤ البدل يعني الجلالة من اسم "لا"؛ لأنه في موضع رفع بالابتداء، ولم تحمله على اللفظ فتنصبه؛ "لأن "لا"، الجنسية لا تعمل في معرفة ولا في موجب".
وتبعه على ذلك أبو حيان والمرادي وناظر الجيش والسمين، وهو مشكل، فإن اعتبار محل اسم "لا" على أنه مبتدأ قبل دخول "لا" قد زال بدخول الناسخ، كما قال الموضح في باب "إن"٥ واعتبار محل "لا" مع اسمها على أنهما في محل مبتدأ عند سيبويه٦ لا يتوجه عليه تقدير دخول "لا" على الجلالة. والمختار عند أبي حيان٧ أن الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف العائد على اسم "لا"، و"زيد" في المثال الثاني مرفوع على البدلية من محل "أحد"؛ لأنه في موضع رفع بالابتداء، و"شيئًا" في المثال الثالث منصوب على البدلية من محل "شيء"؛ لأنه في موضع نصب على الخبرية لـ"ليس".
ولم يجز خفضهما حملًا على اللفظ؛ لأنهما موجبان بدخول "إلا" عليهما، "و" لأن ""من" و"الباء" الزائدتين" بعد نفي أو شبهه لا يعملان في موجب "كذلك".
فإن قلت: مقتضى قوله: "فالأرجح الاتباع" أن النصب على الاستثناء في هذه الأمثلة، مرجوح. قلت أما الأخيران فواضح ذلك فيهما، ويجوز فيهما الجر على الصفة، أنشد الكسائي: [من الكامل]
_________________
(١) ١ شرح الرضي ٢/ ٩٦. ٢ منهم ابن مالك في شرح التسهيل ٢/ ٢٨٢، وسيبويه في الكتاب ٢/ ٣١٩، وابن الناظم في شرحه ٢١٦. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٢٨٥. ٤ بعده في "ب": "على". ٥ أوضح المسالك ١/ ٣٥٨. ٦ الكتاب ٢/ ٣١٧. ٧ الارتشاف ٢/ ٣٠٢.
[ ١ / ٥٤٤ ]
٤١٨-
أبني لبينى لستما بيد إلا يد ليست لها عضد
بالخفض، وأما الأول فقد قال أبو القاسم السهيلي في أماليه. لا يجوز في نحو: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] من نصب المستثنى ما جاز في نحو: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦]، كما لم يجز في: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] إلا بالرفع، وذلك لنكتة بديعة لم ينبه عليها من حذاق النحويين إلا القليل، وهو أن النصب إنما حقه الإيجاب، فإذا دخل النفي على كلام قائم١، بنفسه جاز لك من النصب ما جاز قبل دخول النافي، وإذا دخل على كلام لا يستقيم تقديره عريا عنه تعين اعتبار حكم النفي، وامتنع اعتبار حكم الإيجاب. ا. هـ.
"فإن قلت: "لا إله إلا الله واحد" فالرفع أيضًا" في "إله واحد" على البدل من المحل، ولا يجوز النصب حملًا على اللفظ، وإن كان البدل نكرة موصوفة "لأنها" موجبة لوقوعها بعد "إلا" و"لا" الجنسية "لا تعمل في موجب".
"ولا يترجح النصب على الاتباع لتأخر صفة المستثنى منه عن المستثنى نحو: "ما فيها رجل إلا أخوك صالح" خلافًا للمازني" فإنه قال٢: إذا تأخرت صفة المستثنى منه عن المستثنى فإنه يختار النصب. فتقول "ما فيها رجل إلا أخاك صالح"، فـ"رجل" مبتدأ تقدم خبره في المجرور قبله، و"صالح" نعت رجل المستثنى منه، و"أخاك" منصوب على الاستثناء، مقدم على صفة المستثنى منه، والأصل: ما فيها رجل صالح إلا أخاك.
ونقل عن ابن الخباز في النهاية عن المازني أنه يوجب النصب، وأنه ينزل التقديم على الصفة منزلة التقديم على الموصوف؛ لأن المبدل منه يلغى في بعض الوجوه، والموصوف مرعي الجانب فتدافعا. والصواب ما نقله الموضح عنه، فقد قال أبو حيان٣: إن ما نقله صاحب النهاية عن المازني غلط. وقال ابن مالك في شرح الكافية٤: إذا تقدم المستثنى على صفة المستثنى منه ففيه مذهبان:
_________________
(١) البيت لأوس بن حجر في ديوانه ص٢١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٨، ولطرفة بن العبد في ديوانه ص٤٥، وشرح المفصل ٢/ ٩٠، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٤٤١، والكتاب ٢/ ٣١٧، والمقتضب ٤/ ٤٢١، وشرح التسهيل ٢/ ٢٨٥، والارتشاف ٢/ ٣٠٣، ٦١٩. ١ في "ب"، "ط": "تام ". ٢ المقتضب ٤/ ٣٩٩، وشرح التسهيل ٢/ ٢٨٤. ٣ الارتشاف ٢/ ٣٠٢. ٤ شرح الكافية الشافية ٢/ ٧٠٦، ٧٠٧.
[ ١ / ٥٤٥ ]
أحدهما: ألا يكترث بالصفة، بل يكون البدل كما يكون إذا لم تذكر الصفة، وذلك كقولك: "ما فيها رجل إلا أبوك صالح" كأنك لم تذكر صالحًا، هذا رأي سيبويه١.
والثاني: ألا يكترث بتقديم الموصوف. بل يقدر المستثنى مقدما بالكلية على المستثنى منه، فيكون نصبه راجحًا، وهذا اختيار المبرد٢.
وعندي أن النصب والبدل عند ذلك مستويان؛ لأن لكل واحد منهم مرجحًا فتكافآ. ا. هـ. فلو أوقعت المستثنى بين صفتي المستثنى منه، نحو: "ما مررت بأحد خير من زيد٣ إلا ابنك بر بوالديه" فظاهر٤ أن الخلاف قائم فليتأمل٥.
"وإن كان الاستثناء منقطعا" وهو ما لا يكون المستثنى بعض المستثنى منه بشرط ألا يكون ما قبل "إلا" دالا على ما يستثنى، فيجوز: "قام القوم إلا حمارًا"، ويمتنع: "قام القوم إلا ثعبانًا"، وفي ذلك تفصيل؛ فإنه تارة يمكن تسليط العامل على المستثنى، وتارة لا يمكن، "فإن لم يكن تسليط العامل على المستثنى وجب النصب" في المستثنى "اتفاقًا" من الحجازيين والتميميين٦، "نحو: ما زاد هذا المال إلا ما نقص"، فـ"ما" مصدرية، و"نقص" صلتها، وموضعهما نصب على الاستثناء. ولا يجوز رفعه على الإبدال من الفاعل؛ لأنه لا يصح تسليط العامل عليه. "إذ لا يقال: زاد النقص، ومثله" في القياس "ما نفع زيد إلا ما ضر، إذ لا يقال: نفع الضر".
وزعم السيرافي ومبرمان في حواشيه أن المصدر المنسبك من "ما" والفعل هنا في موضع رفع على الابتداء وخبره محذوف، تقديره: ما زاد هذا المال لكن النقصان شأنه، وما نفع زيد ولكن الضر شأنه. وزعم الشلوبين أن المصدر هنا مفعول به حقيقة تقديره: ما زاد المال شيئا إلا النقصان، ثم فرغه له، وجعله متصلًا. ورد بأنه لا نسبة بين النقصان والزيادة. وزعم ابن الطراوة أن "ما" زائدة واستغني عن الواو، كما في قولك: "ما قام زيد إلا وقعد عمرو"٧.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٣٣٦. ٢ في المقتضب ٤/ ٤٠٠: "والقياس عندي قول سيبويه" وهذا الرأي يخالف ما نسبه المؤلف هنا. ٣ سقطت من "ب". ٤ في "ب"، "ط": "فالظاهر". ٥ بعده في "ط": "قاله الموضح في الحواشي". ٦ انظر الارتشاف ٢/ ٣٠٣، ٣٠٤. ٧ انظر ما زعمه السيرافي ومبرمان والشلوبين وابن الطراوة في الارتشاف ٢/ ٣٠٤.
[ ١ / ٥٤٦ ]
"وأن أمكن تسليطه" أي: العامل؛ على المستثنى نحو: "ما قام القوم إلا حمارًا" إذ يصح أن يقال: "قام حمار" فالحجازيون يوجبون النصب١" لأنه لا يصح فيه الإبدال حقيقة من جهة أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، "و" النصب "عليه قراءة السبعة: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ " [النساء: ١٥٧] بنصب "اتباع"، "وتميم ترجحه، وتجيز الاتباع" ويقرءون: "إِلَّا اتِّبَاعُ الظَّنِّ" بالرفع٢ على أنه بدل من العلم باعتبار الموضع، ولا يجوز أن يقرأ بالخفض على الإبدال منه باعتبار اللفظ؛ لما تقدم من أنه معرفة موجبة، و"من" الزائدة التي لا تعمل فيها، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٣١٧-
وانصب ما انقطع وعن تميم فيه إبدال وقع
"كقوله" وهو جران العود عامر بن الحارث: [من الرجز]
٤١٩-
"وبلدة ليس بها أنيس" إلا اليعافير وإلا العيس
فأبدل اليعافير والعيس من أنيس، و"إلا" الثانية مؤكدة للأولى، "واليعافير" جمع يعفور، وهو ولد البقرة الوحشية و"العيس" بكسر العين: جمع عيساء، كـ"البيض": جمع بيضاء، وهي الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة، وذكر سيبويه في توجيه الرفع وجهين٣:
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٣٢٣، وشرح التسهيل ٢/ ٢٨٧. ٢ انظر شرح ابن الناظم ص٢١٦، وشرح التسهيل ٢/ ٢٨٦، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٠٣، والكتاب ٢/ ٣٢٣، والمقتضب ٤/ ٤١٣.
(٢) الرجز لجران العود في ديوانه ص٩٧، وخزانة الأدب ١٠/ ١٥، ١٨، والدرر ١/ ٤٨٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٤٠، وشرح المفصل ٢/ ١١٧، ٣/ ٢٧، ٧/ ٢١، والمقاصد النحوية ٣/ ١٠٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٩١، والإنصاف ١/ ٢٨١، وأوضح المسالك ٢/ ٢٦١، والجنى الداني ص١٦٤، وجواهر الأدب ص١٦٥، وخزانة الأدب ٤/ ١٢١، ١٢٣، ١٢٤، ٧/ ٣٦٣، ٩/ ٢٥٨، ٣١٤، ورصف المباني ص٤١٧، وشرح ابن الناظم ص٢١٧، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٩، وشرح التسهيل ٢/ ٢٨٦، وشرح شذور الذهب ص٢٦٥، وشرح الكافية الشافية ١/ ٥١٤، وشرح المفصل ٢/ ٨٠، والكتاب ١/ ٢٦٣، ٢/ ٣٢٢، ولسان العرب ٦/ ١٩٨، "كنس"، ١٥/ ٤٣٣ "ألا"، ومجالس ثعلب ص٤٥٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٥، وتهذيب اللغة ١٥/ ٤٢٦، وتاج العروس ١٦/ ٤٥٥، "كنس"، "ألا"، و"الواو". ٣ الكتاب ٢/ ٣١٩، ٣٢٠.
[ ١ / ٥٤٧ ]
أحدهما: أنهم حملوا ذلك على المعنى؛ لأن المقصود هو المستثنى، فالقائل: "ما في الدار أحد إلا حمار" المعنى فيه: ما في الدار إلا حمار، وصار ذكر "أحد" توكيدًا، ليعلم أنه ليس ثم آدمي، ثم أبدل من "أحد" ما كان مقصوده من ذكر الحمار.
والوجه الثاني: أنه جعل الحمار إنسان الدار، أي: الذي يقوم مقامه في الأنس، كقوله: [من الوافر]
٤٢٠-
تحية بينهم ضرب وجيع
جعلوا الضرب تحيتهم؛ لأنه الذي يقوم مقام التحية عندهم.
"وحمل عليه" أي: على اتباع المنقطع "الزمخشري١" قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] فـ"من" في محل رفع على الفاعلية بـ"يعلم"، و"الغيب": مفعول به، و"الله" مرفوع على البدلية من "من" على لغة تميم، وهو استثناء منقطع؛ لعدم اندراجه في مدلول لفظه٢ "من" لأنه تعالى لا يحويه مكان. وجوز السفاقسي٣ أن يكون متصلًا، والظرفية في حقه تعالى مجازية، وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز في الظرفية، وعلى هذا فيرتفع على البدل أو عطف البيان. وكلاهما ضعيف، قال ابن مالك٤: والمخلص من هذين المحذورين أن يقدر: قل لا يعمل من يذكر في السموات والأرض. ا. هـ. وفي الآية وجه آخر ذكره في المغني٥ وهو: أن يقدر "من" مفعولًا به، و"الغيب" بدل اشتمال، و"الله" فاعل، والاستثناء مفرغ. ا. هـ.
_________________
(١) صدر البيت: "وخيل قد دلفت لها بخيل" ، وهو لعمرو بن معد يكرب في ديوانه ص١٤٩، وخزانة الأدب ٩/ ٢٥٢، ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٠٠، والكتاب ٣/ ٥٠، ونوادر أبي زيد ص١٥٠، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٤٥، والخصائص ١/ ٣٦٨، وشرح المفصل ٢/ ٨٠، والكتاب ٢/ ٣٢٣، والمقتضب ٢/ ٢٠، ٤/ ٤١٣. ١ الكشاف ٣/ ١٤٩. ٢ في "ب"، "ط": "لفظ". ٣ انظر كتابه: غيث النفع في القراءات السبع ص٣١٤. ٤ شرح التسهيل ٢/ ٢٨٨. ٥ مغني اللبيب ص٥٨٧.
[ ١ / ٥٤٨ ]
"فصل":
"وإذا تقدم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه" عند البصريين "مطلقًا"، سواء أكان متصلًا أو منقطعا، وامتنع اتباعه؛ لأن التابع لا يتقدم على المتبوع، "كقوله" وهو الكميت يمدح بني هاشم: [من الطويل]
٤٢١-
"وما لي إلا آل أحمد شيعة وما لي إلا مشعب الحق مشعب".
والأصل: ما لي شيعة إلا آلا أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب الحق، فلما قدم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه، وأراد بـ"أحمد" النبي ﷺ، "وبعضهم" وهم الكوفيون والبغداديون "يجيز" في المستثنى إذا تقدم على المستثنى منه "غير النصب"، وهو الاتباع "في المسبوق بالنفي، فتقول: ما قام إلا زيد أحد". قال سيبويه١: "سمع يونس" بعض العرب الموثوق بهم يقول: "ما لي إلا أبوك ناصر"، بالرفع "وقال" حسان ﵁: [من الطويل]
٤٢٢-
لأنهم يرجون منه شفاعة "إذا لم يكن إلا النبيون شافع"
بالرفع، "ووجهه أن العامل" وهو الابتداء في المثال، و"يكن" التامة في البيت "فرغ لما بعد "إلا"" وهو "أبوك" في المثال، و"النبيون" في البيت "وأن المؤخر" وهو "ناصر" في المثال، و"شافع" في البيت "عام" لوقوعه في سياق النفي "أريد به خاص،
_________________
(١) البيت للكميت في شرح هاشميات الكميت ص٥٠، والإنصاف ص٢٧٥، وتخليص الشواهد ص٨٢، وخزانة الأدب ٤/ ٣١٤، ٣١٩، ٩/ ١٣٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٣٥، وشرح قطر الندى ص٢٤٦، ولسان العرب ١/ ٥٠٢ "شعب"، واللمع في العربية ص١٥٢، والمقاصد النحوية ٣/ ١١١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٦٦، وشرح الأشموني ١/ ٢٣٠، وشرح ابن عقيل ١/ ٣١١، ومجالس ثعلب ص٦٢، والمقتضب ٤/ ٣٩٨. ١ الكتاب ٢/ ٣٣٧، وانظر شرح ابن الناظم ص٢١٦.
(٢) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص٢٤١، والدرر ١/ ٤٨٨، وشرح ابن الناظم ص٢١٨، وشرح التسهيل ٢/ ٢٩٠، والمقاصد النحوية ٣/ ١١٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٦٨، وشرح الأشموني ١/ ٢٩٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٠٢، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٤٠٥، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٥.
[ ١ / ٥٤٩ ]
فصح إبداله من المستثنى" منه، "لكنه بدل كل" من كل لا بدل بعض.
"ونظيره في أن المتبوع أخر" من تقديم، "وصار تابعًا" بعدما كان متبوعًا: "ما مررت بمثلك أحد" بالجر، والأصل: ما مررت بأحد مثلك، فـ"مثلك" تابع لـ"أحد" على أنه نعت له، فما قدم النعت على المنعوت أعرب النعت بحسب العامل، وأعرب المنعوت بدلًا من النعت، كقوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢] في قراءة الجر١، وإنما ألجأهم إلى دعوى أن المؤخر عام أريد به خاص، ولم يبقوه على عمومه؛ لأن الأعم لا يبدل من الأخص. قال ابن الضائع٢: الوجه أن يقال هو بدل من الاسم مع "إلا" مجموعين، فيكون بدل شيء من شيء لعين واحدة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣١٨-
وغير نصب سابق في النفي قد يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
_________________
(١) ١ كما في الرسم المصحفي، وقرأها "الله" بالرفع: نافع وابن عامر وأبو جعفر والحسن، انظر الإتحاف ص٢٧١، والكشاف ٢/ ٣٦٥، والنشر ٢/ ٣٩٨. ٢ في "ط": "الصائغ"، وانظر قول ابن الضائع في الارتشاف ٢/ ٣٠٧.
[ ١ / ٥٥٠ ]
"فصل":
"وإذا تكررت "إلا" فإن كان التكرار للتوكيد، وذلك إذا تلت" واوً "عاطفًا، أو تلاها اسم مماثل لما قبلها". أو بعضه، أو مشتمل عليه، أو مضرب إليه عنه "ألغيت" جواب الشرط الثاني؛ وهو جوابه جواب الشرط الأول؛ ويشملها قول الناظم: ٣٢٠-
وألغ إلا ذات توكيد
"فالأول": وهو العطف، "نحوم: ما جاءني إلا زيد وإلا عمرو، فما بعد "إلا" الثانية" وهو "عمرو" "معطوف بالواو على ما قبلها" وهو "زيد" عطف نسق، "و"إلا" الثانية زائدة للتوكيد"، والأصل: ما جاءني إلا زيد وعمرو.
"والثاني": هو البدل بأقسامه الأربعة: فبدل المماثل؛ وهو بدل الكل من الكل؛ "كقوله" أي الناظم:
٣٢٠-
لا "تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا"
"بالمد، "فـ"الفتى" مستثنى من الضمير المجرور بالباء" وهو الهاء والميم "فالأرجح" في "الفتى" "كونه تابعًا له في جره"، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. "ويجوز" على مرجوح "كونه" أي: الفتى "منصوبًا" بـ"إلا" "على الاستثناء". وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. "و"العلا" بدل من "الفتى" بدل كل من كل؛ لأنهما لمسمى واحد. و"إلا" الثانية" زائدة "مؤكدة" لـ"إلا" الأولى.
وبدل البعض من كله نحو: "ما أعجبني أحد إلا زيد إلا وجهه"، فـ"زيد" مستثنى من "أحد" فالأرجح في كونه تابعًا له، ويجوز نصبه على الاستثناء. و"وجهه": بدل من "زيد" بدل بعض من كل. وبدل الاشتمال نحو: "ما أعجبني شيء إلا زيد إلا علمه"، فـ"زيد" مستثنى من "شيء" ففيه الوجهان. و"علمه" بدل من "زيد" بدل اشتمال. وبدل الإضراب نحو: "ما أعجبني أحد إلا زيد إلا عمرو"، فـ"زيد"
[ ١ / ٥٥١ ]
مستثنى من "أحد"، و"عمرو" بدل من "زيد" بدل الإضراب، والمعنى: بل عمرو.
"وقد اجتمع العطف والبدل في قوله": [من الرجز]
٤٢٣-
"ما لك من شيخك إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله"
فـ"رسيمه" بفتح الراء وكسر السين المهملتين "بدل" من "عمله" بدل بعض من كل عند السيرافي١. "و"رمله"" بفتح الراء والميم "معطوف" على "رسيمه".
وذهب ابن خروف٢ إلى أن "رسيمه" و"رمله" بدل تفصيل من "عمله"، وهما كل العمل، "و"إلا" المقترنة بكل منهما" زائدة مؤكدة. و"الرسيم" و" الرمل": ضربان من السير، والرسيم في السعي: الركض، والرمل في الطواف: الإسراع.
"وإن كان التكرار لغير توكيد" وهو التأسيس "وذلك في غير بابي العطف والبدل؛ فإن كان العامل الذي قبل "إلا" مفرغًا" بأن لم يشتغل بمعمول قبل "إلا" "تركته يؤثر في واحد من المستثنيات" على ما يقتضيه من رفع أو نصب أو جر، "ونصبت" وجوبًا على الاستثناء "ما عدا ذلك الواحد" الذي أثر فيه العامل، "نحو: ما قام إلا زيد إلا عمرًا إلا بكرًا، رفعت الأول" وهو زيد٣ "بالفعل" وهو قام "على أنه فاعل" له، "ونصبت الباقي" من المستثنيات؛ وهو "عمرو" و"بكر"؛ على الاستثناء. "ولا يتعين" المستثنى "الأول لتأثير العامل" فيه، "بل يترجح"، لقربه من العامل. "وتقول: "ما رأيت إلا زيدًا إلا عمرا إلا بكرًا" فتنصب واحدا منها بالفعل على أنه مفعول به، وتنصب الباقي" من المستثنيات "بـ"إلا" على الاستثناء"، ولا يتعين المستثنى الأول لتأثير العامل، بل يترجح، فما كان منصوبًا بالفعل لا يطرقه الخلاف المتقدم في ناصب المستثنى، وما كان منصوبًا على الاستثناء يطرقه الخلاف المتقدم، وتقول: "ما مررت إلا بزيد إلا عمرًا إلا بكرًا"، فتخفض واحدا منها بـ"الباء" وتعلقها بالفعل، وتنصب الباقي، ولا يتعين الأول للجر، بل يترجح٤، وذلك مستفاد من قول الناظم:
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٧٢، والدرر ١/ ٤٩٢، ورصف المباني ص٨٩، وشرح الأشموني ١/ ٢٣٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٠٦، وشرح التسهيل ٢/ ٢٩٦، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧١٢، والكتاب ٢/ ٣٤١، والمقاصد النحوية ٣/ ١١٧، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٧. ١ انظر حاشية الصبان ٢/ ١٥١. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٢٩٥، ٢٩٦، وشرح ابن عقيل ١/ ٣١٤. ٣ بعده في "أ": "على الاستثناء". ٤ الكتاب ٢/ ٣٣٨، والارتشاف ٢/ ٣١٠.
[ ١ / ٥٥٢ ]
٣٢١-
وإن تكرر لا لتوكيد فمع تفريغ التأثير بالعامل دع
٣٢٢-
في واحد مما بإلا استثني وليس عن نصب سواه مغني
وإن "كان العامل غير مفرغ" بأن اشتغل بما يقتضيه قبل "إلا" فإن تقدمت المستثنيات" كلها "على المستثنى منه نصبت كلها" على الاستثناء وجوبًا، "نحو: ما قام إلا زيدا إلا عمرًا إلا بكرًا أحد"، فـ"أحد" فاعل" قام"، وهو المستثنى منه. وتقدم عليه جميع المستثنيات، ولا يجوز في شيء منها الاتباع، لما مر من أن التابع لا يتقدم على المتبوع، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٢٣-
ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم
"وإن تأخرت" المستثنيات كلها عن المستثنى منه "فإن كان الكلام إيجابًا نصبت أيضًا كلها" وجوبًا "نحو: قاموا إلا زيدا إلا عمرًا إلا بكرًا"، لما مر من أن جواز الاتباع مختص بغير الإيجاب، "وإن كان" الكلام "غير إيجاب أعطي واحد منها" أي: من المستثنيات "ما يعطاه لو انفرد" من نصب واتباع، "ونصب ما عداه" وجوبًا "نحو: "ما قاموا إلا زيد١ إلا عمرًا إلا بكرًا"، لك في واحد منها الرفع راجحًا والنصب مرجوحًا، ويتعين في الباقي" من المستثنيات "النصب، ولا يتعين الأول لجواز الوجهين بل يترجح"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٢٤-
وانصب لتأخير وجئ بواحد منها كما لو كان دون زائد
وأجاز الأبدي رفع الجميع على الإبدال٢.
"هذا حكم المستثنيات المكررة بالنظر إلى اللفظ" من حيث الإعراب. "وأما بالنظر إلى المعنى" من حيث المفهوم "فهي نوعان: ما لا يمكن استثناء بعضه من بعض كـ: زيد، و: عمرو، و: بكر" في الأمثلة السابقة، فإن كل واحد منها لا يدخل فيه غيره، فلا يستثنى منه شيء، "وما يمكن" استثناء بعضه من بعض كالأعداد، "نحو: له عندي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحدًا" فإن كل واحد من هذه الأعداد يدخل فيه غيره، فيستثنى منه.
"ففي النوع الأول" وهو ما لا يمكن استثناء بعضه من بعض "إن كان المستثنى الأول داخلًا" في الحكم "وذلك إذا كان مستثنى من غير موجب فما بعده"
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "زيدًا". ٢ الارتشاف ٢/ ٣١١، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٨.
[ ١ / ٥٥٣ ]
من المستثنيات "داخل" في الحكم كذلك، نحو: "ما قام أحدا إلا زيدا إلا عمرًا إلا بكرًا" فـ"زيد" هو المستثنى الأول، وهو داخل في إثبات القيام له؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، و"عمرو" و"بكر" داخلان كذلك. "وإن كان" المستثنى الأول "خارجًا" عن الحكم "وذلك إذا كان مستثنى من موجب؛ فما بعده خارج" نحو: "قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا" فـ"زيد" هو المستثنى الأول، وهو خارج عن الحكم؛ لأن القيام منفي عنه؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي "وعمرو" و"بكر" خارجان كذلك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٢٥-
وحكمها في القصد حكم الأول
"وفي النوع الثاني": وهو ما يمكن استثناء بعضه من بعض، النحاة "اختلفوا" على ثلاثة أقوال: "فقيل: الحكم كذلك" وهو إن كان الأول داخلًا فما بعده داخل، وإن كان خارجًا فما بعده خارج "وإن الجميع" من المستثنيات" "مستثنى من أصل العدد"، وهو قول الصيمري، وتبعه القاضي أبو يوسف، ويمكن إدراجه في قول الناظم:
٣٢٥-
وحكمها في القصد حكم الأول
"وقال البصريون والكسائي١: كل من الأعداد" المستثنيات "مستثنى مما يليه"، أي: من الذي قبله، والذي قبله مستثنى من الذي قبله، وهكذا حتى ينتهي الأول، "و" هذا القول "هو الصحيح؛ لأن الحمل على الأقرب متعين على التردد".
"وقيل: المذهبان" المتقدمان "محتملان" أي: يحتمل عود المستثنيات كلها إلى الأول، وأن الجميع مستثنى من أصل العدد. ويحتمل عود كل منهما إلى ما يليه حتى تنتهي إلى الأول، وصححه بعض المغاربة، وقال: إلا أن الأظهر فيه أن يكون استثناء من استثناء "وعلى هذا" الخلاف "فالمقر به في المثال" المذكور؛ وهو "له عني عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحدا" "ثلاثة على القول الأول" وهو أن الجميع مستثنى من أصل العدد؛ فتكون الأربعة والاثنان والواحد؛ ومجموعها سبعة مخرجة من أصل العدد، وهو عشرة، يبقى ثلاثة. "وسبعة على القول الثاني" وهو أن كلا من الأعداد مستثنى مما يليه؛ فإذا استثني واحد من اثنين يبقى واحد، وإذا استثني الباقي من الأربعة يبقى ثلاثة، وإذا استثني الثلاثة الباقية من العشرة يبقى سبعة. "ومحتمل لهما" أي: للثلاثة، والسبعة "على" القول "الثالث"، وتوجيهه يعرف مما تقدم. "ولك في معرفة
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٣١٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٨، وشرح ابن الناظم ص٢٢١.
[ ١ / ٥٥٤ ]
المتحصل على القول الثاني" للبصريين والكسائي "طريقتان١:
إحداهما: أن تسقط" المستثنى "الأول، وتجبر الباقي" بالمستثنى "الثاني" أي: تزيده عليه "وتسقط" المستثنى "الثالث، وإن كان معك" مستثنى "رابع فإنك تجبر به" الثالث، "وهكذا" تفعل إلى أن تنتهي "إلى" المستثنى "الأخير". فالمستثنى الأول في المثال المذكور "أربعة" فأسقطها من العشرة يبقى ستة، فأجبرها بالمستثنى الثاني؛ وهو اثنان؛ تصير ثمانية، فأسقط منها الثالث؛ وهو واحد؛ يبقى سبعة.
"و" الطريق "الثانية" من الطريقتين "أن تَحُطّ" المستثنى "الآخر مما يليه ثم باقيه مما يليه، وهكذا" تفعل حتى تنتهي "إلى الأول" فما تحصل فهو الباقي، ففي المثال المذكور تحط واحدا من اثنين، يبقى واحد، تحطه من الأربعة، يبقى ثلاثة تحطها من العشرة، يبقى سبعة.
وبقي طريق ثالث، وهو أن تجعل كل وتر خارجا وكل شفع داخلا، وما اجتمع فهو الحاصل، ففي المثال المتقدم أخرج أبعة وواحدًا، وأدخل اثنين، يبقى سبعة، وإيضاحه أن تقول له: عندي مائة إلا خمسين إلا عشرين إلا خمسة، أخرج المستثنى الأول والثالث وما أشبههما في الوترية، وأدخل الثاني والرابع وما أشبههما في الشفعية، فالباقي بعد الاستثناء بالعمل المذكور خمسة وستون، وذلك لأنا أخرجنا من المائة "خمسين"؛ لأنها أول المستثنيات، فهي إذن وتر، وأدخلنا "العشرين" لأنها ثاني المستثيات، فهي إذن وتر، فصار الباقي ستين، ثم أدخلنا خمسة؛ لأنها رابع المستثنيات، فهي إذن شفع، فصار الباقي خمسة وستين، وما زاد من المستثنيات عومل بهذه المعاملة. قاله ابن مالك في شرح التسهيل٢.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٢٢١. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٢٩٦، ٢٩٧.
[ ١ / ٥٥٥ ]
"فصل":
"وأصل "غير" أن يوصف بها" لما فيها من معنى اسم الفاعل ألا ترى أن قولك: "زيد غير عمرو"، معناه: "مغاير لـ"عمرو"، والموصوف بها "إما نكرة" محضة "نحو: ﴿صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ " [فاطر: ٣٧] فـ"غير" وصف "صالحًا"، ولا أثر لإضافتها إلى الموصول؛ لأنها لا تتعرف بالإضافة. "أو" يوصف بها "معرفة" لفظًا "كالنكرة" معنى "نحو": ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ " غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ "﴾ [الفاتحة: ٧] على القول: بأن "غير المغضوب" صفة لـ"الذين أنعمت عليهم"، "فإن موصوفها "الذين" وهم جنس" مبهم "لا قوم بأعيانهم".
وذهب السيرافي إلى أن "غير" تتعرف بالإضافة إذا وقعت بين شيئين متضادين، كما في قولهم: "الحركة غير السكون"، فعلى قوله "غير" في الآيتين بدل لا صفة.
"وقد تخرج" "غير" "عن الصفة، وتتضمن معنى "إلا" فيستثنى بها اسم مجرور بإضافتها إليه"، كما تخرج "إلا" من الاستثناء، وتتضمن معنى "غير" فيوصف بها جمع منكر قبلها، نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: غير الله، فلما حملت "إلا" على "غير" انتقل إعراب "غير" إلى الاسم الذي بعد "إلا"، كما انتقل إعراب الاسم الذي بعد "إلا" إلى "غير" في الاستثناء، فيعرب الاسم الذي بعد "إلا" بما يستحقه، "وتعرب هي" أي: "غير" نفسها "بما يستحقه المستثنى بـ"إلا" في ذلك الكلام فيجب نصبها" في أربع مسائل:
الأولى: إذا كان الكلام تاما موجبًا كما "في نحو: قاموا غير زيد".
"و" الثانية: إذا كان الاستثناء منقطعًا ولم يمكن١ تسليط العامل على المستثنى كما في نحو: ""ما نفع هذا المال غير الضرر"، عند الجميع" في المسألتين.
_________________
(١) ١ في "ب": "أمكن".
[ ١ / ٥٥٦ ]
"و" الثالثة: إذا كان الاستثناء منقطعًا، وأمكن تسليط العامل على المستثنى كما "في نحو: "ما فيها أحد غير حمار"، عند الحجازيين".
"و" الرابعة: إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه "عند الأكثر في نحو: ما فيها غير زيد أحد".
"ويترجح" نصبها في مسألتين:
إحداهما: "عند قوم" من الكوفيين والبغداديين "في نحو هذا المثال" المتقدم، وهو "ما فيها غير زيد أحد".
"و" الثانية: "عند تميم" في الاستثناء المنقطع الذي يمكن فيه تسليط العامل على المستثنى، "نحو: ما فيها أحد غير حمار".
"ويضعف" نصبها "في" مسألة واحدة، وهي ما إذا كان الكلام تاما غير موجب، "نحو: ما قاموا غير زيد". وحيث نصبت فناصبها ما قبلها من العوامل على الحال، وفيها معنى الاستثناء، وهو ظاهر مذهب سيبويه١، وإليه ذهب الفارسي في التذكرة٢.
"ويمتنع" نصبها "في" مسألة واحدة، وهي إذا ما كان العامل٣ مفرغًا، "نحو: ما قام غير زيد". وفي الصحاح٤: قال الفراء: بعض بني أسد وقضاعة ينصبون "غيرا" إذا كانت في معنى "إلا" تم الكلام قبلها أم لم يتم، يقولون: "ما جاءني غيرك"، و"ما جاءني أحد غيرك". انتهى بلفظه.
وإذا كان الفراء نقل ذلك عن العرب فكيف يسوغ منعه؟ قاله الموضح في الحواشي. وأقول: لا شاهد في تمثيله، لجواز أن تكن الفتحة في "غيرك" فتحة بناء لإضافتها إلى المبني، وإلى مسألة "غير" أشار الناظم بقوله:
٣٢٦-
واستثن مجرورًا بغير معربا بما لمستثنى بإلا نسبا
وتفارق "غير" "إلا" في خمس مسائل إحداها:
أن "إلا" تقع بعدها الجمل دون "غير".
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٣٤٣. ٢ وهو رأي ابن مالك أيضًا، انظر شرح التسهيل ٢/ ٢٧٨. ٣ في "ب": "الكلام". ٤ الصحاح "غير".
[ ١ / ٥٥٧ ]
الثانية: أنه يجوز أن يقال: "عندي درهم غير جيد" على الصفة، ويمتنع "عندي درهم إلا جيد".
الثالثة: أنه يجوز أن يقال: "قام غير زيد" ولا يجوز "قام إلا زيد".
الرابعة: أنه يجوز أن يقال: "ما قام القوم غير زيد وعمرو"، بجر "عمرو" على لفظ "زيد"، ورفعه حملًا على المعنى؛ لأن المعنى: ما قام إلا زيد وعمرو، ومع "إلا" لا يجوز إلا مراعاة اللفظ.
الخامسة: أنه يجوز "ما جئتك إلا ابتغاء معروفك" بالنصب، ولا يجوز مع "غير" إلا بالجر نحو: "ما جئتك لغير ابتغاء معروفك".
[ ١ / ٥٥٨ ]
"فصل":
"والمستثنى بـ"سوى"" بلغاتها "كالمستثنى بـ"غير" في وجوب الخفض"، ولم يذكر سيبويه الاستثناء بها، قاله١ أبو حيان٢، "ثم قال" أبو القاسم "الزجاجي٣" في الجمل٤، "وابن مالك٥: سوى كـ"غير" معنى وإعرابًا"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٢٧-
ولسوى سوى سواء اجعلا على الأصح ما لغير جعلا
"ويؤيدهما حكاية الفراء٦: أتاني سواك"، وقوله: [من الكامل]
٤٢٤-
فسواك بائعها وأنت المشتري
"وقال سيبويه٧ والجمهور: هي ظرف" للمكان بمعنى "وسط"، غير متصرف "بدليل وصل الموصول بها كـ: جاء الذي سواك" فليست هنا بمعنى "غير"؛
_________________
(١) ١ في "ط": "قال". ٢ النكت الحسان ص١٠٥. ٣ في جميع النسخ "الزجاج" وهو تحريف. ٤ الجمل ص٢٣٠-٢٣٢. ٥ شرح التسهيل ٢/ ٣١٤، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧١٦. ٦ شرح ابن الناظم ص٢٢٣، وشرح التسهيل ٢/ ٣١٥.
(٢) صدر البيت: "وإذا تباع كريمة أو تشترى" ، وهو لابن المولى محمد بن عبد الله في الدرر ١/ ٤٣٢، والحماسة البصرية ١/ ١٨٤، والحماسة المغربية ص٣١٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٧٦١، ومعجم الشعراء ص٣٤٢، والمقاصد النحوية ٣/ ١٢٥، وبلا نسبة في الأغاني ١٠/ ١٤٥، وشرح ابن الناظم ص٢٢٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٦١٣، وشرح التسهيل ٢/ ٣١٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧١٨، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٢. ٧ الكتاب ١/ ٤٠٧، ٢/ ٣٥٠.
[ ١ / ٥٥٩ ]
لأن "غيرًا" لا تدخل ههنا إلا والضمير قبلها، يقولون: "جاء الذي هو غيرك"، فلما وصلوا "سوى" بغير ضمير ادعى أنها ظرف، والتقدير: جاء الذي استقر مكانك.
"قالوا: ولا تخرج عن النصب على الظرفية إلا في الشعر، كقوله" وهو شهل؛ بالمعجمة؛ ابن سنان: [من الهزج]
٤٢٥-
"ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا"
فجعلها فاعلا في الشعر. "والعدوان" بضم العين المهلة: الظلم الصريح. و"دناهم" بكسر الدال: جازيناهم. و"دانوا": جازوا. ومنه: "كما تدين تدان١".
وقال الكوفيون: تستعمل "سوى" اسمًا وظرفا، فيجيزون في السعة: "أتاني سواك"، قاله المطرزي.
"وقال الرماني و" أبو البقاء "العكبري: تسعمل ظرفًا غالبا، وكـ"غير" قليلا٢".
قال الموضح: وإلى هذا المذهب أذهب؛ لأنه أخلص٣.
_________________
(١) البيت للفند الزماني "شهل بن شيبان" في أمالي القالي ١/ ٢٦٠، وحماسة البحتري ص٥٦، وخزانة الأدب ٣/ ٤٣١، والدرر ١/ ٤٣٣، وسمط اللآلي ص٩٤٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٣٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٤٥، والمقاصد النحوية ٣/ ١٢٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٢٨١، وشرح ابن الناظم ص٢٢٣، وشرح الأشموني ١/ ٢٣٦، وشرح ابن عقيل ١/ ٦١٣، وشرح التسهيل ٢/ ٣١٥، ٣/ ٢٨٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧١٩، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٢. ١ مجمع الأمثال ٢/ ١٥٥، ١٦٢، وجمهرة الأمثال ٢/ ١٣٦، ١٦٨، والمستقصى ٢/ ٢٣١. ٢ الارتشاف ٢/ ٣٢٦. ٣ الإنصاف ١/ ٢٩٤ المسألة رقم ٣٩.
[ ١ / ٥٦٠ ]
"فصل":
"والمستثنى بـ"ليس" و"لا يكون" واجب النصب؛ لأنه خبرهما، وفي الحديث: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا"؛ أي: كلوا ما ذكر اسم الله عليه "ليس السن والظفر" ١" بنصبهما؛ لأنهما مستثنيان من فاعل "أنهر" المستتر فيه، وما بينهما اعتراض، و"الإنهار": الإسالة، شبه خروج الدم يجري الماء في النهر. "وتقول: أتوني لا يكون زيدًا" بالنصب، فـ"السن" في الحديث، و"زيدًا" في المثال خبران لـ"ليس" و"لا يكون"، "واسمهمها ضمير مستتر" فيهما "عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق" عند سيبويه٢، كا قاله الموضح في الحواشي. "أو" عائد على "البعض المدلول عليه بكله السابق" عند جمهور البصريين٣، أو عائد على المصدر المدلول عليه بالفعل تضمنا عند الكوفيين٤ "فتقدير: قاموا ليس زيدًا": ليس هو، أي: "ليس القائم" زيدًا على القول الأول، ورد بأنه غير مطرد لتخلفه في نحو: "القوم إخوتك ليس زيدا"،"أو" ليس هو، أي: "ليس بعضهم" زيدًا على القول الثاني، وفيه بعد
لإطلاقهم حينئذ البعض على الجميع إلا واحدًا، قال الموضح في شرح اللمحة على الكلام على "عدا" و"خلا". أو ليس هون أي: ليس قيامهم قيام زيد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه على القول الثالث، ورد بما٥ رد به الأول. وبأن فيه تقدير محذوف لم يلفظ به قط. "وعلى" القول "الثاني" وهو كونه ضميرًا يعود على بعض المدلول عليه بالكل "فهو نظير ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ [النساء: ١١] بعد تقدم ذكر الأولاد" الشامل للذكور والإناث، فالنون في "كن" اسمها وهو عائد على الإناث
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الشركة برقم ٢٣٥٦. ٢ الكتاب ٢/ ٣٤٧. ٣ منهم سيبويه في الكتاب ٢/ ٣٤٧، والمبرد في المقتضب ٤/ ٤٢٨. ٤ الارتشاف ٢/ ٣٢٠. ٥ في "ط": "ربما" مكان "رد بما".
[ ١ / ٥٦١ ]
اللاتي هن بعض الاولاد المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فإنه في قوة أولادكم الذكور والإناث. و"نساء" خبر "كن". فإن قلت: لا فائدة في قول القائل: فإن كن الإناث نساء. قلت: الفائدة حصلت بوصفه بالظرف بعده.
فإن قلت: إذا كان محط الفائدة هو الظرف فما فائدة ذكر نساء؟ قلت: فائدته التوطئة للوصف بعده، وباب التوطئة يجري في الصفة والخبر والحال.
"وجملتا الاستثناء" من "ليس زيدا" و"لا يكون زيدًا" "في موضع نصب على الحال من" المستثنى منه. فإن قلت: كيف حكم على جملة "ليس" بأنها حال، والفعل الماضي لا يقع حالًا إلا مع "قد" ظاهرة أو مقدرة؟ قلت هذه مستثناة كما قال أبو حيان في النكت الحسان١ بحثًا.
"أو مستأنفتان فلا موضع لهما" من الإعراب، فإن قلت: دعوى الاستئناف تخل بالمقصود، قلت: لا يعنون بالاستئناف عدم تعلقها بما قبلها في المعنى بل في الإعراب فقط؛ وذلك لأن هذه الجملة وقعت موقع "إلا زيدًا" فكما أن "إلا زيدًا" لا موضع له من الإعراب مع تعلقه بما قبله فكذلك هذه، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٣٢٨-
واستثن ناصبًا بليس
ثم قال:
٣٢٨-
ويبكون بعد لا
_________________
(١) ١ النكت الحسان ص١٠٤.
[ ١ / ٥٦٢ ]
"فصل":
"وفي المستثنى بـ"خلا" و"عدا" وجهان:
أحدهما: الجر على أنهما حرفا جر"، وإليهما الإشارة بقول الناظم:
٣٢٩-
واجرر بسابقي يكون إن ترد
"وهو قليل، و" لقلته "لم يحفظه في سيبويه في "عدا" ومن شواهده قوله": [من الوافر]
٤٢٦-
تركنا في الحضيض بنات عوج عواكف قد خضعن إلى النسور
"أبحنا حيهم قتلا وأسرا عدا الشمطاء والطفل الصغير"
والقوافي مجرورة، فـ"الشمطاء" مجرورة بـ"عدا"،وهي أنثى الأشمط: وهو الذي يخالط سواد شعره بياض. و"حيهم" بالياء المثناة تحت: مفعول "أبحنا" من الإباحة، و"قتلا" تمييز محول عن المفعول. وقول الآخر: [من الطويل]
٤٢٧-
خلا الله لا أرجو سواك وإنما أعد عيالي شعبة من عيالكا
بجر الجلالة، و"خلا" و"عدا" موضعهما" جارين "نصب"، ثم اختلف "فقيل: هو نصب عن تمام الكلام"، فيكون الناصب لموضعها هو الجملة المتقدمة عليهما التي انتصبا عن تمامها، كما قيل به في التمييز الرافع لإبهام النسبة "إن العامل فيه هو الجملة
_________________
(١) البيتان بلا نسبة في أوضح لمسالك ٢/ ٢٨٥، والدرر ١/ ٥٠٠، وشرح ابن عقيل ١/ ٦١٩، وشرح ابن الناظم ص٢٢٦، وشرح التسهيل ٢/ ٣١٠، والمقاصد النحوية ٣/ ١٣٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٢، وعمدة الحافظ "حشي".
(٢) البيت للأعشى في خزانة الأدب ٣/ ٣١٤، ولم أقع عليه في ديوانه، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص٣٨٢، وحاشية يس ١/ ٣٥٥، والدرر ١/ ٤٩٠، ٥٠٠، وشرح التسهيل ٢/ ٢٩١، ٣١٠، وشرح الأشموني ١/ ٢٣٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٢١، ولسان العرب ١٤/ ٢٤٢، "خلا" والمقاصد النحوية ٣/ ١٣٧، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٦، ٢٣٢.
[ ١ / ٥٦٣ ]
التي انتصب عن تمامها" حكاه المرادي في باب التمييز عن قوم١. "وقيل: لأنهما متعلقان بالفعل" أو شبهه "المذكور" قبلهما٢ على قاعدة أحرف الجر، فيكونان في موضع المفعول به، كـ"مررت بزيد" إلا أن تعديتهما على جهة السلب، قاله الجرجاني. قال الموضح في المغني٣: والصواب عندي الأول، وعلله بأمرين. ورد.
"و" الوجه "الثاني: النصب على أنهما فعلان" ماضيان "جامدان، لوقوعهما موقع "إلا""؛ لأن الفعل إذا وقع موقع الحرف يصير جامدا، كما أن الاسم إذا وقع موقع الحرف يصير مبنيا، قال الموضح في شرح اللمحة: هذا يعني انصب إن صح في "عدا" لكونها كانت متعدية قبل الاستثناء، كقولك: "عدا فلان طوره"، أي: تجاوزه، ولم يصح في "خلا" لكونها قاصرة، فكيف تنصب المفعول به؟ قلت: ضمنوها في الاستثناء معنى "جاوز"، وحسن ذلك؛ لأن كل من خلا من شيء قد جاوزه. ا. هـ.
"وفاعلهما ضمير مستتر" فيهما. "وفي مفسره وفي موضع الجملة" منهما "البحث السابق" في "ليس" و"لا يكون"، فيكون فاعلهما المضمر إما عائدًا على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، فإذا قلت: "قاموا عدا زيدً" فالتقدير: عدا هو، أي٤: القائم زيدًا، وإما على مصدر الفعل، أي: عدا القيام زيدًا، وإما على البعض المدلول عليه بكله السابق، أي: عدا هو، أي: بعضهم زيدًا، وفيه نظرًا؛ لأن المقصود من قولك: "قام القوم عدا زيدًا" أن زيدا لم يكون معهم أصلا، ولا يلزم من خلو بعض القوم منه، ومجاوزة بعضهم إياه خلو الكل، ولا مجاوزة الكل، بخلاف قولك: "قاموا ليس زيدًا"؛ لأن البعض هنا في سياق النفي، فيشمل كل بعض من القوم، فحصل المقصود من الاستثناء بخلافه، وجملتا الاستثناء في موضع نصب على الحال أو مستأنفتان، فلا موضع لهما.
"وتدخل عليهما" أي: على "خلا" و"عدا" ""ما" المصدرية"، وهو مشكل على ما تقدم من أن "خلا" و"عدا" جامدان، و"ما" المصدرية لا توصل بفعل
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٢/ ١٧٦. ٢ بعده في "ب": "شبهه". ٣ مغني اللبيب ص١٧٨. ٤ سقطت من "ب".
[ ١ / ٥٦٤ ]
جامد، كما نص عليه في التسهيل١. وعلى القول بجواز دخول "ما" عليهما "فيتعين النصب" في المستثنى عند الجمهور٢، "لتعين الفعلية حينئذ". وإليه الإشارة بقوله:
٣٢٩-
وبعد ما انصب
"كقوله" وهو لبيد: [من الطويل]
٤٢٨-
"ألا كل شيء ما خلا الله باطل"
أي: ذاهب وفان، أخذا من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] جملة "ما خلا الله" استثنائية، ويحتمل أن تكون صفة للمضاف أو المضاف إليه، و"ما" زائدة، والتقدير: كل شيء غير الله باطل، وعلى هذا فلا استثناء، قاله الشيخ طاهر.
"وقوله": [من الطويل]
٤٢٩-
"تمل الندامى ما عداني فإنني" بكل الذي يهوى نديمي مولع
فـ"عدا" فعل ماض، "ولهذا دخلت" عليه "نون الوقاية"، و"ما" موصول حرفي، و"عدا" صلته، "وموضوع الموصول وصلته نصب" بلا خلاف، "إما على الظرفية" الزمانية "على حذف مضاف أو على الحالية على التأويل باسم الفاعل"، وتلك الحال فيها معنى الاستثناء، "فمعنى "قاموا ما عدا زيدًا": قاموا وقت مجاوزتهم زيدًا" على الأول، "أو مجاوزين زيدًا" على الثاني وبه قال السيرافي، أوعلى الاستثناء كانتصاب "غير" في "قاموا غير زيدًا"، وإليه ذهب ابن خروف٣. والذي ينبغي أن يعتمد عليه هو الأول، فإن كثيرًا ما يحذف اسم الزمان، وينوب عنه المصدر كما تقدم في بابه.
"وقد يجران على تقدير "ما" زائدة"، وبه قال الجرمي والربعي والكسائي والفارسي وابن جني٤، وأشار الناظم إليه بقوله:
_________________
(١) ١ التسهيل ص٣٧. ٢ شرح المرادي ٢/ ١٢٣.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٤.
(٣) تقدم تخريج البيت برقم ٦٧. ٣ انظر ما ذهب إليه ابن السيرافي وابن خروف في الارتشاف ٢/ ٣١٨، وشرح التسهيل ٢/ ٢٧٨. ٤ انظر ما ذهبوا إليه في همع الهوامع ١/ ٢٣٣.
[ ١ / ٥٦٥ ]
٣٢٩-
وانحرار قد يرد
قال في المغني١: فإن قالوا بالزيادة قياسًا ففاسد؛ لأن "ما" لا تزاد قبل الجار والمجرور بل بعده نحو: ﴿عَمَّا قَلِيْلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، وإن قالوا ذلك سماعًا فهو من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه انتهى. وهو مخالف لما هنا.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص١٧٩.
[ ١ / ٥٦٦ ]
"فصل":
"والمستثنى بـ"حاشا" عند سيبويه مجرور١ لا غير" بالبناء على الضم مع لا، وفي المغني أن ذلك لحن، وأن صوابه: ليس غير، واختار ابن مالك عدم التفرقة، ونقله عن العرب، وأنشد عليه: [من الطويل]
٤٣٠-
لا غير
"وسمع غيره" أي: غير سيبويه "النصب" رواه الأخفش وغيره٢ "كقوله: اللهم اغفر لي ولمن يسمع حاشا الشيطان وأبا الأصبغ٣" بنصب "الشيطان"، و"أبا الأصبغ" بفتح الهمزة وإهمال الصاد وإعجام الغين وليس بمنظوم كما قد يتوهم، فإن قلت: المغفرة أمر حسن لا يتنزه أحد عنه فلم استثنى "حاشا"؟ قلت: تنبيها على أن الشيطان لشدة حساسته وإفراطه في قبح الحال وسوء الصنيع تنزه المفغرة عنه، ويعظم شأنها أن تتعلق به. وجعل "أبا الأصبغ" قرينا للشيطان تنبيها على التحاقه به في خساسة القدر وقبح الفعل مبالغة في الذم، قاله الدماميني، وقد ثبت النصب بنقل أبي زيد والفراء، والأخفش، والشيباني وابن خروف، وأجازه الجرمي والمازني والمبرد والزجاج والناظم٤ حيث قال:
٣٣١-
وكخلا حاشا
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٣٤٩.
(٢) تمام البيت: "جوابا به تنجو اعتمد فوربنا لعن عمل اسلفت لا غير تسأل" وهو بلا نسبة في الدرر ١/ ٤٥٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢١، وشرح التسهيل ٣/ ٢٠٩، وهمع الهوامع ١/ ٢١٠. ٢ انظر شرح التسهيل ٢/ ٣٠٦، ٣٠٧، وشرح المفصل ٢/ ٨٥، وفيهما أن المازني وأبا عمرو الشيباني روياه بالنصب. ٣ أوضح المسالك ٢/ ٢٩٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٢١، وشرح ابن الناظم ص٢٢٦. ٤ انظر آراءهم في شرح المرادي ٢/ ١٢٧.
[ ١ / ٥٦٧ ]
"والكلام في موضعها"؛ حال كونها "جارة وناصبة؛ وفي فاعلها كالكلام في أختيها" "عدا" و"خلا" وتقدم مشروحًا.
"ولا يجوز دخول "ما" عليها" كما أفاده الناظم بقوله:
٣٣١-
ولا تصحب ما
"خلافًا لبعضهم"، واستدل له ابن مالك بقوله ﷺ: "أسامة أحب الناس إلي ما حاشا فاطمة" ١ بناء على أن "ما حاشا فاطمة" من الحديث٢، وليس بمدرج، ورده في المغني٣ بأن:"ما نافية لا مصدرية، والمعنى أنه ﷺ لم يستثن فاطمة" وأن "ما حاشا فاطمة" مدرج من كلام الراوي، ويؤيده في معجم الطبراني٤ "ما حاشا فاطمة ولا غيرها". وأما قول الأخطل: [من الوافر]
٤٣١-
رأيت الناس ما حاشا قريشا فإنا نحن أفضلهم فعالًا
فنادر.
قال الموضح في شرح اللمحة: ويحتمل أن يكون "حاشا" فيه فعلا متعديا متصرفا من حاشيته بمعنى استثنيته، واشتقاقه من الحاشية، كأن المراد أنك أخرجته منه، وعزلته عنه٥. ا. هـ.
"ولا" يجوز "دخول "إلا"" على "حاشا" "خلافًا للكسائي" في إجازته ذلك إذا جرت نحو: "قام القوم إلا حاشا زيد"، ومنعه إذا نصبت، وحكاه أيضًا أبو الحسن عن العرب، ومنعه البصريون مطلقًا، وحملوا ما ورد من ذلك على الشذوذ، قاله المرادي في شرح التسهيل، ووجه بعضهم قول الكسائي بأن "حاشا" ضعفت في الاستثناء فقويت بـ"إلا" كما قويت "لكن" العاطفة بـ"الواو" لوقوعها غير عاطفة، وكما قويت "هل" بـ"أم" في الاستفهام نحو: أم هل؟.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند ٨/ ٨١، ٨٢ برقم ٥٧٠٧، وهو من شواهد شرح ابن الناظم ص٢٢٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٢٢. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٣٠٨. ٣ مغني اللبيب ص١٦٤. ٤ في معجم الطبراني الكبير ١/ ١٥٩، حديث رقم ٣٧٢: "أسامة أحب الناس إلي".
(٢) البيت للأخطل في خزانة الأدب ٣/ ٣٨٧، والدر ١/ ٥٠٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٦٨، والمقاصد النحوية ٣/ ١٣٦، وبلا نسبة في الجنى الداني ص٥٦٥، وشرح الأشموني ١/ ٢٣٩، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٢٤، وشرح المرادي ٢/ ١٢٨، ومغني اللبيب ١/ ١٢١، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٣. ٥ نقله الشنقيطي في الدرر ١/ ٥٠٢.
[ ١ / ٥٦٨ ]
باب الحال
مدخل
باب الحال:
"هذا باب الحال":
وألفها منقلبة عن واو، لقولهم في جمعها أحوال، وفي تصغيرها حويلة، واشتقاقها من التحول وهو التنقل، ويجوز فيها التذكير والتأنيث لفظًا ومعنى، والمذكور في هذا الباب حدها ثم صفاتها ثم تخصيص صاحبها ثم الترتيب بينها وبين صاحبها ثم بينها وبين عاملها ثم تعددها ثم توكيدها ثم انقسامها إلى مفرد وظرف وجملة ثم حذف حاملها.
"الحال نوعان: مؤكدة" هي التي يستفاد معناها بدون ذكر ما، "وستأتي ومؤسسة"، ويقال لها: المبينة، "وهي" التي لا يستفاد معناها بدون ذكرها، وحدها: "وصف، فضلة، مذكورة لبيان الهيئة" للفاعل أو المفعول أو لهما معًا، فالأول: "كـ"جئت راكبًا"" فـ"راكبًا" مبين لهيئة الفاعل، وهو التاء. "و" الثاني: نحو: "زيد "ضربته مكتوفًا"" فـ"مكتوفًا" مبين لهيئة المفعول، وهو الهاء، "و" الثالث: نحو: "زيد "لقيته راكبين"" فـ"راكبين" مبين لهيئة الفاعل، وهو تاء المتكلم، ولهيئة المفعول، وهو هاء الغائب، ولا يكون لغير الفاعل والمفعول، وما خالف ذلك يؤول بهما نحو: "زيد في الدار جالسًا"، فـ"جالسًا" حال من ضمير الظرف المستتر فيه وهو فاعل معنى لا من المبتدأ على الأصح، و: ﴿هَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] فـ"شيخا" حال من "بعلي"، وهو مفعول معنى تقديره: أنبه على بعلي أو أشير إلى بعلي، قاله في المتوسط١.
_________________
(١) ١ المتوسط ص١٥٣.
[ ١ / ٥٦٩ ]
"وخرج بذكر الوصف نحو: "القهقرى" في "رجعت القهقرى""، فإنه وإن كان مبينًا لهيئة الفاعل إلا أنه مصدر لا وصف، والمراد بالوصف ما كان صريحًا أو مؤولا به لتدخل الجملة وشبهها من الظرف والجار والمجرور إذا وقعت حالًا فإنها في تأويل الوصف.
"و" خرج "بذكر الفضلة الخبر في نحو: "زيد ضاحك" فإن "ضاحك" وإن كان مبينا للهيئة فهو عمدة لا فضلة، والمراد بالفضلة هنا ما يأتي بعد تمام الجملة، لا ما يستغني الكلام عنه، ليدخل نحو: "كسالى" من قوله تعالى: ﴿قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، فإن "كسالى" حال، ولا يستغني الكلام عنه.
"و" خرج "بالباقي" وهو قوله: مذكورة لبيان الهيئة "التمييز في نحو: "لله دره فارسًا" والنعت في نحو: "جاءني رجل راكب"، فإن" "فارسًا" و"راكب" وإن حصل بهما بيان الهيئة فليسا مذكورين لذلك؛ لأن "ذكر التمييز لبيان جنس المتعجب منه" وهو الفروسية "وذكر النعت لتخصيص المنعوت" وهو رجل؛ بالنعت "وإنما وقع بيان الهيئة بهما ضمنا لا قصدًا"، ورب شيء يقصد لمعنى خاص وإن لزم منه معنى آخر، "وقال الناظم" في النظم:
٣٣٢-
"الحال وصف فضلة منتصب مفهم في حال كذا"
بزيادة: "كذا" لبيان المراد. "فالوصف جنس يشمل الخبر والنعت والحال، وفضلة" فصل أول "مخرج للخبر" في نحو: "زيد ضاحك"، فإنه عمدة. "ومنتصب" فصل ثان "مخرج لنعتي المرفوع والمجرور، كـ: "جاء رجل راكب" و"مررت برجل راكب"" فإنهما وإن قيدا المنعوت فليسا بمنصوبين. "ومفهم في حال كذا" فصل ثالث "مخرج لنعت المنصوب كـ: "رأيت رجلًا راكبًا" فإنه" أي: النعت "إنما سيق" بكسر السين وسكون الياء المثناة تحت "لتقييد المنعوت" به "فهو لا يفهم في حال كذا بطريق القصد، وإنما أفهمه بطريق اللزوم"؛ لأن المقصود بالذات
التقييد بالنعت، وإن لزم منه بيان الهيئة بالعرض.
"وفي هذا الحد" الذي ذكره الناظم "نظر؛ لأن" المقصود من الحد تصور ماهية المحدود، وهي لا تتصور إلا بجميع أجزاء الحد، وقد جعل "النصب" جزءًا من الحد مع أنه "حكم" من أحكام المحدود. "والحكم فرع التصور" إذ لا يحكم على شيء إلا بعد تصوره. "والتصور" لماهية المحدود "موقوف على" جميع أجزاء "الحد".
[ ١ / ٥٧٠ ]
ومن جملتها النصب وهو حكم، "فجاء الدور" وهو توقف الشيء على ما يوقف عليه، إما بمرتبة كتوقف "أ" على "ب" و"ب" على "أ"، أو بمراتب كتوقف "أ" على "ب" و"ب" على "ج" و"ج" على "أ" والدور مبطل للحد، وأجيب باختلاف الجهة، فإن الحكم ليس موقوفًا على التصور بكنه الحقيقة المتوقفة على الحد حى يلزم البطلان. وإنما هو متوقف على التصور بوجه ما، وذلك لا يتوقف على الحد، فلا يلزم البطلان. وفيه نظر؛ لأن الغرض من الحد معرفة المحدود بكنه حقيقته ليحكم عليه، والتصور: وجه ما لا يكفي في ذلك.
[ ١ / ٥٧١ ]
"فصل":
"للحال" من حيث هي "أربعة أوصاف:
أحدها: أن تكون متنقلة"، وهو الأصل فيها؛ لأنها مأخوذة من التحول، وهو التنقل، قاله أبو البقاء لا ثابتة دائمًا، والمراد أنها تنقسم باعتبار انتقال معناها ولزومه إلى قسمين:
منتقلة: "وذلك" الانتقال "غالب" فيها "لا لازم كـ: جاء زيد ضاحكًا"، ألا ترى أن الضحك يزايل زيدًا ويفارقه.
وثابتة: وذلك قليل، فلذلك قال: "وتقع وصفًا ثابتًا في ثلاث مسائل:
إحداها: أن تكون مؤكدة" لمضمون جملة قبلها "نحو: زيد أبوك عطوفًا" أو لعاملها نحو: " ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ " [مريم: ٣٣]، أو لصاحبها نحو: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] فإن الأبوة من شأنها العطف، والبعث من لازمه الحياة، والعموم من مقتضياته الجمعية١.
المسألة "الثانية: أن يدل عاملها على تجدد" ذات "صاحبها" وحدوثه، أو تجدد صفة له، فالأول "نحو: خلق الله الزرافة" بفتح الزاي أفصح من ضمها "يديها أطول من رجليها فـ: يديها" بدل من "الزرافة" "بدل بعض" من كل، "وأطول: حال ملازمة" من "يديها"، و"من رجليها" متعلق بـ"أطول"؛ لأنه اسم تفضيل، وعامل الحال "خلق"، وهو يدل على تجدد المخلوق. قال أبو البقاء: وبعضهم يقول: "يداها أطول" بالرفع، فـ"يداها": مبتدأ، و"أطول" خبره، والجملة حالية، ا. هـ.
ولا تتعين الحالية لجواز الوصفية؛ لأن الزرافة معرفة٢ بـ"أل" الجنسية.
والثاني نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤] فـ"الكتاب" قديم، والإنزال حادث، وهو أحد ما فسر به الحدوث في قوله تعالى:
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٢٢٨. ٢ في "أ": "معرف".
[ ١ / ٥٧٢ ]
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] قاله الموضح في شرح اللمحة، فجعله مما له ضابط، وسيأتي له ما يخالفه.
المسألة "الثالثة": أن يكون مرجعها إلى السماع "نحو: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ " من قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] إذا أعرب "قائمًا" حالًا من فاعل "شهد"، وهو الله تعالى. واعتذر الزمخشري عن إفراده بالحال دون المعطوفين عليه؛ وإن كان مثل "جاء زيد وعمرو راكبًا" لا يجوز؛ بأن هذا إنما جاء لعدم الإلباس. وسكت عن بيان جهة تأخيره عن المعطوفين١.
قال التفتازاني٢: كأنها للدلالة على علو مرتبتهما. "ونحو: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ " [الأنعام: ١١٤]، أي: مبينا فيه الحق والباطل، بحيث نفى التخليط والإلباس، "ولا ضابط لذلك بل هو موقوف على السماع"، فلا يقاس عليه.
"ووهم ابن الناظم" في شرح النظم، "فمثل بـ"مفصلًا" في الآية" المذكورة "للحال التي تجدد صاحبها٣". قال في المغني٤: وهذا سهو منه، فإن القرآن قديم. ا. هـ. وقال الدماميني في شرحه٥: والسهو إنما هو منه؛ أي: من لموضح؛ فإن الإنزال يقتضي الانتقال، والقديم لا يقبله ا. هـ. وقال الشمني: الجواب عن هذا أن "أنزل"؛ الذي هو عامل في الحال؛ يدل على تجد مفعوله الذي هو صاحب الحال، ولا يلزم من دلالته على تجددِه تجددُه، لقيام الدليل القاطع على قدمه، وعلى صرف هذه الدلالة عن ظاهرها، على أن الذي يمتنع تجدده هو الكلام القائم بذاته تعالى. لا العبارة الدالة عليه، والمتصف بالنزول هو الثاني لا الأول، ا. هـ.
والوصف "الثاني: أن تكون مشتقة" من المصدر "لا جامدة، وذلك أيضًا غالب لا لازم" كـ: "جاء زيد ضاحكًا" فإن "ضاحكًا" مشتق من الضحك، وإلى هذين الوصفين أشار الناظم بقوله:
٣٣٣-
وكونه منتقلا مشتقا يغلب
"وتقع جامدة مؤولة بالمشتق في ثلاث مسائل:
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ١٧٩. ٢ حاشية الصبان ٢/ ١٧٠. ٣ شرح ابن الناظم ص٢٢٨. ٤ مغني اللبيب ص٦٠٥. ٥ في "ب"، "ط": "شرحيه".
[ ١ / ٥٧٣ ]
إحداها: أن تدل على تشبيه نحو: كر زيد أسدًا، و: بدت الجارية قمرًا وتثنت غصنا" فـ"أسدا": حال من "زيد"، و"قمرًا": حال من الجارية،"وغصنا": حال من فاعل "تثنت" المستتر فيه، وهي أحوال جامدة مؤولة بمشتق، فـ"أسدا": مؤول بشجاعة، و"قمرًا": مؤول بمضيئة، و"غصنا": مؤول بمعتدلة، "أي: شجاعًا ومضيئة ومعتدلة". والمعنى فيهن على التشبيه. "وقالوا" في المثل: "وقع المصطرعان عدلي عير١" فـ"عدلي" بالتثنية: حال جامدة من "المصطرعان"، و"عير" بفتح العين المهملة: الحمار وحشيا كان أم أهليا، مضاف إليه، "وعدلي": مؤول بمصطحبين على تقدير مضاف "أي: مصطحبين اصطحاب عدلي حمار حين سقوطهما"، وقيل هذه الأمثلة ونحوها على حذف مضاف، والتقدير: مثل أسد، ومثل قمر، ومثل غصن، ومثل عدلي عير، وإليه يرشد قوله في النظم:
٣٣٥-
وكر زيد أسدًا أي كأسد
أي: مثل أسد، وصرح بذلك في التسهيل فقال٢: أو تقدير مضاف قبله، وهو أصرح في الدلالة على التشبيه؛ لأنها إذا أولت بالمشتق خفي فيها الدلالة على التشبيه.
المسألة "الثانية" من الثلاث: "أن يدل على مفاعلة" من الجانبين "نحو:" "البر "بعته" زيدًا "يدا بيد"، فـ"زيدًا": حال من الفاعل والمفعول، و"بيد": بيان. قال سيبويه٣: كما كان لك في "سقيا لك" بيانًا أيضًا، فيتعلق بمحذوف استؤنف للتبيين. قال في المغني٤: وفيه معنى المفاعلة، "أي: متقابضين". "و" "زيد "كلمته فاه إلى في"" بالتشديد، فـ"فاه": حال من الفاعل والمفعول، و"إلى في": بيان وفيه معنى المفاعلة. "أي: متشافهين" وما ذهب إليه الموضح من أن "فاه" منصوب على الحال لكونه، واقعًا موقع مشافها ومؤديا معناه هو مذهب سيبويه٥، وجرى عليه في التسهيل٦.
_________________
(١) ١ المثل من شواهد أوضح المسالك ٢/ ٢٩٨، وشرح ابن الناظم ص٢٢٩، وهو برواية: "وقعا كعكمي عير" في مجمع الأمثال ٢/ ٣٦٤، وفصل المقال ص١٩٨، وجمهرة الأمثال ٢/ ٣٢٨، ٣٣٦. ٢ التسهيل ص١٠٨. ٣ الكتاب ١/ ٣٩٤. ٤ مغني اللبيب ص٦٠٤. ٥ الكتاب ١/ ٣٩١. ٦ التسهيل ص١٠٨.
[ ١ / ٥٧٤ ]
وزعم الفارسي أن "فاه" حال نائبة مناب جاعل، ثم حذف وصار العامل كلمته.
وذهب السيرافي إلى أنه اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، والأصل: كلمته متشافهة، فوضع "فاه" موضع مشافهة، ومشافهة موضع مشافها.
وذهب الأخفش إلى أن الأصل: من فيه إلى في، فحذف حرف الجر، وانتصب "فاه" ورده المبرد بأنه تقدير لا يعقل؛ لأن الإنسان لا يتكلم من في غيره، وأجاب أبو علي بأنه إنما يقال ذلك في معنى كلمني وكلمته فهو من المفاعلة.
وذهب الكوفيون إلى أن أصله: جاعلًا فاه إلى في، فهو مفعول به، ورده السيرافي بامتناع كلمته وجهه إلى وجهي، وعينه إلى عيني، وهذا المثال لا يقاس عليه؛ لأن فيه إيقاع جامد موقع مشتق، ومعرفة موقع نكرة، ومركب موقع مفرد، والوارد منه قليل١.
المسألة "الثالثة" من الثلاث:"أن تدل على ترتيب كـ"ادخلوا رجلًا رجلًا" ورجلين رجلين٢ ورجالًا رجالًا". وضابطه أن يأتي التفصيل بعد ذكر المجموع بجزئه مكررًا. قاله الرضي٣.
وفي النصب الجزء الثاني خلاف، ذهب الزجاج٤ إلى أنه توكيد، وهذ ابن جني إلى أنه صفة للأول، وذهب الفارسي إلى أنه منصوب بالأول؛ لأنه لما وقع موقع الحال جاز أن يعمل.
قال المرادي: والمختار أنه وما قبله منصوبان بالعامل الأول؛ لأن مجموعهما هو الحال، ونظيره في الخبر "هذا حلو حامض" ولو ذهب إلى أن نصبه بالعطف على تقدير حذف الفاء والمعنى: رجلًا فرجلًا لكان مذهبا حسنا، ونص أبو الحسن على أنه لا يجوز أن يدخل حرف عطف في شيء من المكررات إلا الفاء خاصة. ا. هـ.
قال الرضي: أو "ثم" نحو: "مضوا كبكبة ثم كبكبة" "أي: مترتبين٥".
"وتقع" لحال "جامدة غير مؤولة بالمشتق في سبع مسائل، وهي أن تكون موصوفة" بمشتق أو شبهه.
_________________
(١) ١ انظر الآراء السابقة والردود عليها في الارتشاف ٢/ ٣٢٥، وشرح التسهيل ٢/ ٣٢٤. ٢ سقطت من "ط". ٣ شرح الرضي ٢/ ٣٤. ٤ انظر همع الهوامع ١/ ٢٣٨، وفي "أ": "الزجاجي". ٥ شرح الرضي ٢/ ٣٤، أي: مترتبين هذا الترتيب المعين.
[ ١ / ٥٧٥ ]
فالأول "نحو: ﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ " [الزمر: ٢٨]، فـ"قرآنا" حال من القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الزمر: ٢٨] والاعتماد فيها على الصفة، وهي "عربيا" " ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ " [مريم: ١٧] فـ"بشرًا" حال من فاعل تمثل، وهو الملك، والاعتماد فيه على الصفة، وهي "سويا".
والثاني نحو: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤، ٥] قاله١ أبو حيان٢. "وتسمى٣" الحال الجامدة الموصوفة "حالًا موطئة" بكسر الطاء؛ لأنها ذكرت توطئة للنعت بالمشتق أو شبهه هذا مقتضى كلامه، وبه صرح في المغني، فقال٤: فإنما ذكر "بشرًا" توطئة لذكر سويا". ا. هـ.
وقال ابن بابشاذ٥ في: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢] "لسان": حال؛ لأنه لما نعت اللسان بعربي؛ والصفة والموصوف كالشيء الواحد؛ صارت الحال شبيهة بالمشتق، وصار "عربيا" هو الموطئة لكون اللسان حالًا، وليس حقيقة اللسان أن يكون [حالًا لكونه] ٦ جامدًا لولا ما ذكر من الصفة. ا. هـ. فمقتضاه أن الموطئة هي الصفة الحال لا الحال الموصوفة، والموطئة لغة: المهيئة.
"أو دالة على سعر" بكسر السين المهملة "نحو:" "هذا البر "بعته مدا بكذار"" فـ"مدا": حال من الهاء فـ"بكذا": بيان لـ"مدا".
"أو" دالة على "عدد نحو: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ " [الأعراف: ١٤٢] فـ"أربعين": حال من "ميقات"، و"ليلة": تمييز.
"أو" دالة على "طور" بفتح الطاء المهملة وسكون الواو؛ أي: حال، قاله ابن الأنباري؛ "واقع فيه تفضيل" بالضاد المعجمة "نحو: هذا بسرًا" بضم الموحدة وسكون المهملة "أطيب منه رطبًا" بضم الراء وفتح الطاء؛ فـ"بسرًا" حال من فاعل "أطيب"، المستتر فيه، و"رطبًا": حال من الضمير المجرور بـ"من"، والمعنى: هذا في حال كونه بسرًا أطيب من نفسه في حال كونه رطبًا، وسيأتي بأوسع من هذا.
_________________
(١) ١ في "ط": "قال". ٢ الارتشاف٢/ ٣٣٤. ٣ في "أ": "سمي". ٤ مغني اللبيب ص٦٠٥. ٥ شرح المقدمة المحسبة ٢/ ٣١١. ٦ إضافة ضرورية من المصدر السابق.
[ ١ / ٥٧٦ ]
"أو تكون نوعًا لصاحبها نحو: هذا مالك ذهبًا"، فـ"ذهبًا": حال من "مالك"، وهو نوع منه، فإن الذهب نوع من المال.
"أو فرعًا" له أي: لصاحبها "نحو: هذا حديدك خاتمًا"، فـ"خاتمًا": حال من حديدك، وهو فرع له، فإن الخاتم فرع الحديد، "و: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ " [الأعراف: ٧٤] فـ"بيوتًا": حال من "الجبال"، والبيوت فرع للجبال، وفي غالب النسخ: من الجبال بيوتًا، وهو سهو فإن "بيوتًا" على هذا مفعول به لا حال.
"أو أصلًا له" أي: لصاحبها "نحو: هذا خاتمك حديدًا"، فـ"حديدًا" حال من "خاتمك"، وهو أصل له، فإن الحديد أصل للخاتم، "و: ﴿أأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ " [الإسراء: ٦١] فـ"طينًا": حال، إما من الضمير المحذوف العائد على الموصول بناء على جواز حذف صاحب الحال، أو من الموصول١ المجرور باللام، وعلى التقديرين فالطين أصل للمخلوق، وهذا أحسن من جعل "طينًا" منصوبا بنزع الخافض، فإنه موقوف على السماع في غير "أن" و"إن" و"كي".
وهذه المسائل العشر٢؛ غير مسألة العدد؛ مأخوذة من التسهيل، ونصه٣: ويغني عن اشتقاقه وصفه، أو تقدير مضاف قبله، أو دلالته على مفاعلة، أو سعر، أو ترتيب، أو أصالة، أو تفريع، أو تنويع، أو طور واقع فيه تفضيل.
"تنبيه: أكثر هذه الأنواع" العشرة "وقوعًا مسألة السعر، والمسائل الثلاث الأول" جمع أولى، وهي ما دل على تشبيه أو مفاعلة أو ترتيب، "وإلى ذلك يشير قوله" في النظم:
٣٣٤-
"ويكثر الجمود في سعر وفي مبدي تأول بلا تكلف"
"ويفهم منه أنها تقع جامدة بقلة في مواضع أخر، وأنها لا تؤول بالمشتق٤، كما لا تؤول الواقعة في التسعير. وقد بينتها كلها" بقولي أولًا: وتقع جامدة مؤولة بالمشتق في ثلاث مسائل، وبقولي ثانيًا: وتقع جامدة غير مؤولة بالمشتق في سبع مسائل إلى قولي٥ في التنبيه: وإلى ذلك يشير.
_________________
(١) ١ في "ط": "الوصوف". ٢ في "أ"، "ب": "العشرة". ٣ التسهيل ص١٠٨. ٤ في "ط": "بالمستثنى". ٥ في "ب": "قوله".
[ ١ / ٥٧٧ ]
"وزعم" بدر الدين "ابنه" أي: ابن الناظم في شرح النظم١ "أن" المسائل العشر "الجميع تؤول بالمشتق، وهذا تكلف" منه، "وإنما قلنا" نحن "به" أي: بالتأويل "في" المسائل "الثلاث الأول" وهي ما دل على تشبيه أو مفاعلة أو ترتيب "لأن اللفظ فيها مراد به غير معناه الحقيقي، فالتأويل فيها واجب"، وقد تقدم كيفيته وأما٢ كيفية تأويل السبع الباقية على القول به فإن الأولى على معنى سويا في صفة البشر، والثانية على معنى مسعرًا، والثالثة على معنى معدودًا، والرابعة على معنى مطورًا، والخامسة على معنى منوعًا، والسادسة على معنى مفرعًا٣ والسابعة على معنى متأصلًا٤ أو مصنوعًا.
الوصف "الثالث" من أوصاف الحال: "أن تكون نكرة لا معرفة، وذلك لازم"؛ لأن الغالب كونها مشتقة، وصاحبها معرفة، فالتزم تنكيرها لئلا يتوهم كونها نعتًا إذا كان صاحبها منصوبًا وحمل غيره عليه، "فإن وردت بلفظ المعرفة أولت بنكرة" محافظة على ما استقر لها من لزوم التنكير. وعدل عن قول التسهيل٥: "وقد يجيء معرفًا" إلى قوله: "بلفظ المعرفة"؛ لأنه ليس بمعرفة عند الجمهور، وإنما هو على صورة المعرفة، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٣٣٦-
والحال إن عرف لفظًا فاعتقد تنكيره معنى
وذلك أن العرب "قالوا: جاء وحده": فـ"وحده" حال من فاعل "جاء" المستتر فيه، وهو معرفة بالإضافة إلى الضمير، فيؤول بنكرة من لفظه أو من معناه "أي" متوحدًا أو "منفردًا٦. و" قالوا: "رجع عوده على بدئه٧" فـ"عوده" بفتح العين: حال من فاعل "رجع" المستتر وهو معرفة بالإضافة إلى الضمير، فيؤول بنكرة من لفظه أو من معناه "أي: عائدًا" أو راجعا، و"على بدئه": بيان، والمعنى: رجع آخره على أوله، قاله الجرمي، وقال أبو البقاء، معناه: رجع عائدًا في الحال. وقال الشاطبي: معناه راجعًا على
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٢٢٩، ٢٣٠. ٢ سقطت من "أ". ٣ في "ب"، "ط": "مصوغا". ٤ في "ب": "مفاضلا". ٥ التسهيل ص١٠٨. ٦ شرح ابن الناظم ص٢٣١، وشرح التسهيل ٢/ ٣٢٦. ٧ مجمع الأمثال ١/ ١٦٢.
[ ١ / ٥٧٨ ]
طريقه. "و" قالوا "ادخلوا الأول فالأول" فـ"الأول" المبتدأ به: حالًا من الواو في "ادخلوا"، و"الأول" الثاني: معطوف بالفاء، وهما بلفظ المعرف بـ"أل" فيؤولان بنكرة، "أي: مترتبين" واحدًا فواحدًا. "و" قالوا "جاءوا١ الجماء الغفير٢" فـ"الجماء": حال من الواو في "جاءوا"، وهي بلفظ المعرف بـ"أل" فتؤول بنكرة "أي: جميعًا"، و"الغفير" بفتح الغين المعجمة وكسر الفاء: من الغفر بمعنى الستر والتغطية، فعيل بمعنى فاعل نعت الجماء، "والجماء" بالجيم والمد: تأنيث الجم، وهو الكثير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] وكان القياس أن يقولوا: الجم الغفير أو الجماء الغفيرة، ولكنهم أنثوا الموصوف على معنى الجماعة، وذكروا الوصف حملًا للفعيل٣ بمعنى الفاعل على الفعيل بمعنى المفعول، أي: الجماعة الكثيرة الساترة لوجه الأرض لكثرتها. "و" قالوا في الإبل: "أرسلها العراك" فـ"العراك" بكسر العين المهملة: حال من الهاء في "أرسلها"، هي بلفظ العرف بـ"أل" فيؤول بنكرة، "أي: معتركة"، قال لبيد: [من الوافر]
٤٣٢-
فأرسلها العراك ولم يذدها ولم يشفق على نغص الدخال
"والنغص" بفتح النون والغين المعجمة وبالصاد المهملة: مصدر، نغص الرجل إذا لم يتم مراده، "والدخال" بكسر الدال المهملة والخاء المعجمة: من المداخلة، و"العراك: مصدر عارك معاركة وعراكًا، أي: ازدحم، وصف إبلًا أوردها الماء مزدحمة. وخرجها والتي قبلها في شرح الشذور٤ على زيادة "أل"، وما هنا أولى، ليكون التأويل في الجميع على نسق واحد الوصف.
"الرابع" من أوصاف الحال: "أن تكون نفس صاحبها في المعنى"؛ لأنها وصف له وخبر عنه، والوصف نفس الموصوف، والخبر نفس المخبر عنه، "فلذلك"
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "جاء". ٢ شرح ابن الناظم ص٢٣٠، وشرح التسهيل ٢/ ٣٢٦. ٣ في "ط": "الفعل".
(٢) البيت للبيد في ديوانه ص٨٦، وأساس البلاغة "نغص" وخزانة الأدب ٣/ ١٩٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٠، وشرح المفصل ٢/ ٦٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٦٠، والكتاب ١/ ٣٧٢، ولسان العرب ٧/ ٩٩، "نغص" ١٠/ ٤٦٥، "عرك" ١١/ ٢٤٣، "دخل" والمقاصد النحوية ٣/ ٢١٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/ ٨٥، والإنصاف ٢/ ٨٢٢، وشرح ابن الناظم ص٢٣٠، والمقتضب ٣/ ٢٣٧، وأوضح المسالك ٢/ ٣٠٤. ٤ شرح شذور الذهب ص٢٥٠.
[ ١ / ٥٧٩ ]
الاتحاد "جاز: جاء زيد ضاحكًا"؛ لأن الضاحك هو "زيد" في المعنى، "وامتنع" أن يقال: "جاء زيد ضحكا"؛ لأن الضحك مصدر وزيد ذات، والمصدر يباين١ الذات، "وقد جاءت مصادر أحوالًا بقلة في المعارف كـ: جاء وحده، و: أرسلها العراك".
وفيها شذوذان: المصدرية والتعريف بالإضافة في الأول والأداة٢ في الثاني.
وزعم سيبويه٣ أن الذي جوز تعريفها أنها شبهت بالمصادر المنتصبة بأفعالها كـ: "الحمد لله"، و"العجب لزيد"، حيث كانت مصادر مثلها، وكانت غير الأول، وغير ما هي له صفات. ا. هـ.
وقال ابن الشجري٤: الأصل: تعترك العراك، ثم أقيم المصدر مقام فعله المنتصب على الحال، وكذا التقدير في "جاء وحده" فهذه واقعة موقع الأحوال لا أحوال. ا. هـ.
وحكى الأصمعي٥: "وحد يحد" كـ: "وعد يعد" فعلى هذا يقال: "وحد وحدة" مصدران لفعل مستعمل وهو "وحد" كما يقال: "وعدة وعدة" مصدران لـ"وعد".
وأجاز يونس والبغداديون أن يأتي الحال معرفة، وقاسوا على ذلك نحو: "ادخلوا الأول فالأول"٦.
وأجاز الكوفيون مجيئها على صورة المعرفة إذا كان فيها معنى الشرط نحو: "عبد الله المحسن أفضل منه المسيء"، فـ: المحسن" و"المسيء" حالان، وصح مجيئهما بلفظ المعرفة لتأويلهما بالشرط، والتقدير: عبد الله إذا أحسن أحسن منه إذا أساء، فإن لم يتقدر بالشرط لم يصح تعريفها لفظًا، فلا يقال عندهم: "جاء عبد الله المحسن"، إذ لا يصح: جاء عبد الله إن أحسن٦.
"و" جاءت مصادر أحوالًا "بكثرة في النكرات"، وفيها شذوذ واحد وهو المصدرية، وكان الأصل ألا تقع أحوالًا؛ لأنها غير صاحبها في المعنى، لكنهم لما كانوا
_________________
(١) ١ في "أ": "بيان". ٢ في "ب": "الأدوات". ٣ الكتاب ١/ ٣٧٢. ٤ أمالي ابن الشجري ٢/ ٢٨٤. ٥ الارتشاف ٣٤٠. ٦ الارتشاف ٢/ ٣٧٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٨٨، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٩.
[ ١ / ٥٨٠ ]
يخبرون بالمصادر عن الذوات كثيرًا واتساعًا نحو: "زيد عدل" فعلوا مثل ذلك في الحال١؛ لأنها خبر من الأخبار، وإلى ذلك الإشارة بقول الناظم:
٣٣٧-
ومصدر منكر حالًا يقع بكثرة
"كـ: "طلع" زيد "بغته"": حال من فاعل "طلع"، "وجاء ركضًا"، فـ"ركضًا" حال من فاعل "جاء"، و"قتلته صبرًا" وهو [أن يحبس حيا ثم يرمى حتى يقتل] ٢؛ فـ"صبرًا": حال من مفعول "قتلته" "وذلك" كله مع كثرته "على التأويل بالوصف"، فيؤول "بغتة" بوصف من "باغت"٣، "أي: مباغتًا"، وقدره ابن عقيل٤ "باغتًا" من بغت، يقال: بغته، أي: فجأه، والبغت: الفجأة، قال الشاعر٥: [من الطويل]
ولكنهم كانوا ولم أدر بغتة وأعظم شيء حين يفجؤك البغت
"و" يؤول "ركضًا" بوصف الفاعل من ركض، أي: "راكضًا"، والركض في الأصل: تحريك الرجل، ومنه ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، ثم كثر حتى قيل: "ركض الفرس" إذا عدا، وليس بالأصل. "و" يؤول "صبرًا" بوصف المفعول من صبر، أي: "مصبورًا، أي: محبوسًا". ووقوع المصدر النكرة حالًا كثير. "ومع كثرة ذلك فقال" سيبويه و"الجمهور٦: لا ينقاس مطلقًا" سواء أكان نوعًا من العالم أم لا، كما لا ينقاس المصدر الواقع نعتًا أو خبرًا بجامع الصفة المعنوية. "وقاسه المبرد فيما كان نوعا من العامل" فيه؛ لأنه حينئذ يدل على الهيئة، بنفسه "فأجاز" قياسًا "جاء زيد سرعة"؛ لأن السرعة نوع من المجيء، "ومنع جاء ضحكًا"؛ لأن الضحك ليس نوعًا من المجيء، قال الموضح في الحواشي: وإنما قاسه المبرد، ولم يقسه سيبويه؛ لأن سيبويه يرى أنه حال على التأويل، ووضع المصدر موضع الوصف لا ينقاس، كما أن عكسه لا ينقاس، والمبرد يرى
_________________
(١) ١ سقط من "ط". ٢ ما بين المعقوفين سقط من "ب". ٣ بعده في "ط": "لأنها بمعنى مفاجأة". ٤ شرح ابن عقيل ١/ ٣٢٨. ٥ البيت ليزيد بن ضبة الثقفي في لسان العرب ٢/ ١١ "بغت" والتنبيه والإيضاح ١/ ١٥٧، وتاج العروس ٤/ ٤٤٥، "بغت" وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٨/ ٨٢، وجمهرة اللغة ص٢٥٥، ١٠٤٣ ومجمل اللغة ١/ ٢٧٩، ومقاييس اللغة ١/ ٢٧٢. ٦ الكتاب ١/ ٣٧٠، وشرح التسهيل ٢/ ٣٢٨.
[ ١ / ٥٨١ ]
أنه مفعول مطلق حذف عامله لدليل، فهو عنده مقيس كما يحذف عامل سائر المفاعيل لدليل، فهذا الخلاف مبني على الخلاف في أنه حال مفعول مطلق. ا. هـ. ومن خطه نقلت.
وظاهر كلامه هنا أنه عند المبرد حال، وهو لا يقول بذلك "وقاسه الناظم" في التسهيل١، "وابنه" في شرح النظم٢ "بعد "أما"" بفتح الهمزة وتشديد الميم "نحو: أما علما فعالم"، والأصل في هذا: أن رجلا وصف عنده شخص بعلم وغيره فقال للواصف: "أما علما فعالم"، "أي: مهما يذكر شخص في حال علم، فالمذكور عالم"، كأنه منكر ما وصف به من غير العلم، فصاحب الحال على هذا التقدير نائب الفاعل، "ويذكر" ناصب الحال، لما تقرر أن العام في صاحب الحال هو العامل في الحال، ويجوز أن يكون ناصب الحال ما بعد الفاء إذا كان صالحًا للعمل فيما قبلها وصاحبها ما فيه من ضمير، والحال على هذا مؤكدة، والتقدير: مهما يكن من شيء فالمذكور عالم في حال علم، فلو كان ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها تعين أن يكون منصوبًا بفعل الشرط المقدر بعد "أما" نحو: "أما علمًا فلا علم له"، و"أما علمًا فإن له علمًا"، و"أما علمًا فهو ذو علم"؛ لأن المصدر لا يعمل في متقدم، فلو كان المصدر التالي "أما" معرفًا بـ"أل" فهو عند سيبويه مفعول له٣، وذهب الأخفش إلى أن المعرف بـ"أل" والمنكر كليهما بعد "أما" مفعول مطلق٤. وذهب الكوفيون إلى أنهما مفعول به بفعل مقدر، والتقدير: مهما تذكر علمًا فالذي وصفت عالم٥. قال ابن مالك في شرح التسهيل٦: وهذا القول عندي أولى بالصواب، وأحق ما اعتمد عليه في الجواب.
"و" قاساه٧ أيضًا "بعد خبر شبه به مبتدؤه كـ: زيد زهير شعرًا" فـ"زهير" بالتصغير: خبر شبه به مبتدؤه، وهو "زيد" والتقدير: زيد مثل زهير في الشعر، وإنما حذف "مثل" ليزول لفظ التشبيه، فيكون الكلام أبلغ، "وشعرًا": حال في تقدير
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٠٩. ٢ شرح ابن الناظم ص٢٣٢. ٣ الكتاب ١/ ٣٨٥، وشرح ابن الناظم ص٢٣٢. ٤ شرح ابن الناظم ص٢٣٢، والارتشاف ٢/ ٣٢٩. ٥ الارتشاف ٢/ ٣٤٤. ٦ شرح التسهيل ٢/ ٣٣٠. ٧ أي: ابن مالك في شرح التسهيل ٢/ ٣٢٨، ٣٢٩، وابن الناظم في شرحه ص٢٣٢.
[ ١ / ٥٨٢ ]
الصفة، أي: شاعرًا، والعامل فيها ما في "زهير" من معنى الفعل، إذ معناه: مجيد، وصاحب الحال ضمير مستتر في "زهير"، لما تقرر من أن الجامد المؤول بالمشتق يتحمل الضمير، ويجوز أن يكون "شعرًا" تمييزًا لما انبهم في "مثل" المحذوفة، وهي العاملة فيه، قاله الخصاف في الإيضاح، واستظهره أبو حيان في الارتشاف١، والموضح في المغني٢.
"أو قرن هو" أي: الخبر "بـ"أل" الدالة على الكمال نحو: أنت الرجل علمًا"، فـ"علمًا": حال، والعامل فيها ما في "الرجل" من معنى الفعل، إذ معناه الكامل، وفي الخاطريات لابن جني: "أنت الرجل فهمًا وأدبًا"، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون في قولك: "أنت الرجل" معنى الفعل، أي: أنت الكامل فهمًا وأدبًا.
والثاني: أن يكون على معنى: تفهم فهمًا، وتأدب أدبًا. ا. هـ. قال في الارتشاف٣: يحتمل عندي أن يكون تمييزًا، كأنه قال: أنت الكامل أدبًا، أي: أدبه، فهو محول عن الفاعل. ا. هـ. فيتحصل فيه ثلاثة آراء، حال، مفعول مطلق، تمييز.
ويتحصل من الخلاف في المصدر المنصوب أقوال: مذهب سيبويه أن المصدر هو الحال٤. ومذهب المبرد والأخفش أنه مفعول مطلق غير منصوب بالفعل قبله٥، وإنما عامله محذوف من لفظه، وذلك المحذوف هو الحال، ومذهب الكوفيين أنه مفعول مطلق٦، وعامله الفعل المذكور، وليس في موضع الحال، وذهب جماعة إلى أنه مصدر على حذف مضاف، وتقديره "جاء ركضًا": جاء ذا ركضٍ، وكذا باقيها.
وعلى القول بالحالية فمذهب سيبويه عدم القياس، وذهب المبرد إلى قياسه فيما كان نوعًا من عامله، وقاسه الناظم وابنه٧ في ثلاث مسائل بعد "أما"، وبعد خبر شبه به مبتدؤه، وفيما إذا كان الخبر مقرونًا بـ"أل" الدالة على الكمال.
_________________
(١) ١ الارتشاف ٢/ ٣٤٤. ٢ مغني اللبيب ص٥٧٤. ٣ الارتشاف ٢/ ٣٤٣. ٤ الكتاب ١/ ٣٧٠. ٥ شرح التسهيل ٢/ ٣٢٨، والارتشاف ٢/ ٣٤٢، وشرح ابن الناظم ٢٣٢. ٦ الارتشاف ٢/ ٣٤٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٨. ٧ شرح ابن الناظم ص٢٣٢.
[ ١ / ٥٨٣ ]
"فصل":
"وأصل صاحب الحال التعريف"؛ لأنه محكوم عليه بالحال، وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة؛ لأن الحكم على مجهول لا يفيد غالبًا، "ويقع" صاحب الحال "نكرة بمسوغ" يقربه من المعرفة، "كأن يتقدم عليه الحال نحو: "في الدار جالسًا رجل"، وقوله" وهو كثير عزة: [من م. الوافر]
٤٣٣-
"لمية موحشًا طلل"
وتمامه عند الأعلم:
يلوح كأنه خلل
وروي١: [من الوافر]
لمية موحشًا طلل قديم عفاه كل أسحم مستديم
فـ"جالسًا" في المثال: حال من "رجل"، و"موحشًا" في البيت: حال من "طلل" وسوغ مجيء الحال من النكرة تقدم الحال على صاحبها.
وفي المغني٢ أن تقديم النكرة عليها ليس لأجل تسويغ مجيء الحال منها، بل لئلا يلتبس الحال بالصفة حال كون صاحبها منصوبًا، وفي الرضي٣ ما يوافقه، وعلى هذا
_________________
(١) البيت لكثير عزة في ديوانه ص٥٠٦، وخزانة الأدب ٣/ ٢١١، وشرح التسهيل ٢/ ٣٥٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٤٩، والكتاب ٢/ ١٢٣، ولسان العرب ٦/ ٣٨٦، "وحش"، والمقاصد النحوية ٣/ ١٦٣، وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٤٧، وأوضح المسالك ٢/ ٣١٠، وخزانة الأدب ٦/ ٤٣، والخصائص ٢/ ٤٩٢، وشرح الأشموني ١/ ٢٤٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٦٦٤، ١٨٢٥، وشرح شذور الذهب ص٢٤، ٢٥٣، وشرح قطر الندى ص٢٣٦، ولسان العرب ١١/ ٢٢٠ "خلل"، ومغني اللبيب ١/ ٨٥، ٢/ ٤٣٦، ٦٥٩. ١ البيت لكثير عزة في ملحق ديوانه ص٥٣٦، وشرح المفصل ٢/ ٦٢، ٥٦٤، وله أو لذي الرمة في خزانة الأدب ٣/ ٢٠٩، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٠٠. ٢ مغني اللبيب ص٤٧٧. ٣ شرح الرضي ٢/ ٢٣.
[ ١ / ٥٨٤ ]
فالمسوغ في المثال تقديم الخبر، وفي البيت هو أو الوصف، وما ذكر من أنه حال من النكرة هو ظاهر كلام سيبويه١، وقيل٢: من الضمير المستكن في الظرف، وهذان القولان مبنيان على جواز الاختلاف بين عاملي الحال وصاحبها، والصحيح المنع؛ لأنه يجب أن يكون عاملهما واحدًا، وصحح ابن مالك في شرح التسهيل٣ قول سيبويه، وعلله بأن الحال خبر، فجعلها لأظهر الاسمين أولى من جعلها لأغمضهما، قلنا: نعم لو تساويا، ولكن التعريف أولى بالترجيح به، وزعم ابن خروف٤ أن الخبر إذا كان ظرفًا أو مجرورًا لا ضمير فيه عند سيبويه والفراء إلا إذا تأخر، ولا ضمير فيه إذا تقدم، ولهذا لا يؤكد، ولا يعطف عليه ولا يبدل منه، وتعقب منع العطف بقول ابن جني٥ في: [من الوافر]
٤٣٤-
عليك ورحمة الله السلام
إن العطف على الضمير في الظرف، "والطلل" بفتح الطاء المهملة واللام الأولى: ما شخص من آثار الديار، و"الموحش": هو القفر الذي لا أنيس فيه، و"خلل" بكسر الخاء المعجمة: جمع خلة؛ بكسر الخاء؛ وهي بطانة يغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب.
"أو يكون" صاحبها "مخصوصا إما بوصف كقراءة بعضهم"، وهو إبراهيم بن أبي عبلة: ""وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقًا""٦ [البقرة: ٨٩] فـ"مصدقًا" حال من "كتاب" لتخصيصه بالوصف بالجار والمجرور بعده، وهذا لا دليل فيه لجواز كون "مصدقًا" حال من الضمير في الجار والمجرور الذي انتقل إليه بعد حذف الاستقرار على ما صححه في باب المبتدأ، "وقول الشاعر": [من البسيط]
٤٣٥-
"نجيت يا رب نوحًا واستجبت له في فلك ماخر في اليم مشحونًا"
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ١٢٢-١٢٤. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٣٣٣، والارتشاف ٢/ ٣٤٧. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٣٣٢. ٤ الارتشاف ٢/ ٣٤٧، وشرح التسهيل ٢/ ٣٣٢. ٥ الخصائص ٢/ ٣٨٦.
(٢) صدر البيت: "ألا يا نخلة من ذات عرق" وهو للأحوص، وتقدم برقم ٤١٢. ٦ في الرسم المصحقي: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ بالرفع، وانظر قراءة ابن أبي عبلة في البحر المحيط ١/ ٣٠٣ ومختصر ابن خالويه ص٨.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣١٢، وشرح ابن الناظم ص٢٣٣، وشرح الأشموني ١/ ٢٤٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٣٦، وشرح التسهيل ٢/ ٣٣١، والمقاصد النحوية ٣/ ١٤٩.
[ ١ / ٥٨٥ ]
فـ"مشحونا": حال من "فلك" بوصفه بـ"ماخر"، ويحتمل أن يكون حالًا من الضمير المستتر في "ماخر"، وهو؛ بالخاء المعجمة؛ الذي يشق الماء شقا، و"الميم" بفتح الياء المثناة تحت وتشديد الميم: البحر، و"المشحون" بالشين المعجمة والحاء المهملة: المملوء.
"وليس منه" أي: من المختص بالوصف قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا﴾ [الدخان: ٤، ٥] "خلافًا للناظم" في شرح التسهيل١، "وابنه" في شرح النظم٢، فإنهما أعربا "أمرًا" المنصوب حالًا من "أمر" المجرور بالإضافة، لكونه مختصا بالوصف بـ"حكيم" مع قولهما: إنه لا تأتي لحال من المضاف إليه إلا بشرط أن يكون المضاف بعض المضاف إليه، أو كبعضه، أو عاملًا في الحال، وذلك مفقود هنا، وخالف الناظم ذلك في شرح الكافية٣، فجعله من التخصيص بالإضافة.
وفي نصب "أمرًا" أوجه:
أحدها: أنه على الاختصاص.
الثاني: على المفعول له.
الثالث: على المصدر من معنى "يفرق".
الرابع: على الحال من "كل" أو من ضمير الفاعل في "أنزلنا"، أي: آمرين، أو من ضمير المفعول، وهو الهاء في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الدخان: ٣]، أو من الضمير المستتر في "حكيم".
الخامس: أنه مفعول "منذرين".
"أو" مخصوصًا "بإضافة نحو: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً" لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] فـ"سواء" حال من "أربعة"، لاختصاصها بالإضافة إلى "أيام".
"أو" مخصوصًا "بمعمول" غير مضاف إليه "نحو: عجبت من ضرب أخوك شديدًا"، فـ"شديدًا" حال من "ضرب" لاختصاصه بالعمل في الفاعل، وهو "أخوك".
أو مخصوصًا بعطف نحو: "هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين"، قاله الناظم في شرح العمدة٤.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٢/ ٣٣١. ٢ شرح ابن الناظم ص٢٣٣. ٣ شرح الكافية الشافية ٢/ ٧٣٧. ٤ شرح العمدة ١/ ٣٠٧.
[ ١ / ٥٨٦ ]
"أو مسبوقًا بنفي نحو: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ " [الحجر: ٤] فجملة: "ولها كتاب معلوم" حال من "قرية"، لكونها مسبوقة بالنفي، وزعم الزمخشري أنها صفة لقرية، وإنما توسطت الواو بينهما لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وتابعه صاحب البديع وابن هشام الخضراوي، ورده ابن مالك من خمسة أوجه يطول ذكرها١. فإن قلت: فقد ذكر المرادي أن من المسوغات كون الحال جملة مقترنة بواو الحال٢ قلت: إنما يحتاج إلى ذلك في الإيجاب نحو: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] أما في النفي فلا؛ [لأن الواو رفعت توهم كون الجملة نعتًا، قلت: لا يمتنع أن يكون للشيء مسوغات] ٣.
"أو بنهي نحو" قول الناظم:
٣٣٩-
"لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلًا".
فـ"مستسهلًا" حال من "امرئ" الأول لكونه مسبوقًا بالنهي، والبغي: التعدي، والاستسهال: الاستخفاف، والمعنى: لا يتعد امرؤ٤ على امرئ مستخفا به، "وقوله" وهو قطري بن الفجاءة الخارجي كما قال ابن مالك في شرح العمدة٥، لا الطرماح خلافًا لابن الناظم٦: [من الكامل]
٤٣٦-
"لا يركنن أحد إلى الإحجام يوم الوغى متخوفا لحمام"
فـ"متخوفًا" حال من "أحد"، لكونه مسبوقًا بالنهي، و"الإحجام" بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة وبالجيم: النكوص والتأخر، و"الوغى" بالمعجمة: الحرب، و"الحمام" بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم: الموت.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٢/ ٣٠٢، ٣٠٣. ٢ شرح المرادي ٢/ ١٤٦. ٣ سقط ما بين المعقوفين من "ط". ٤ في "أ": "لا يتعدى امرئ". ٥ شرح العمدة ص٤٢٣. ٦ شرح ابن الناظم ص٢٣٤.
(٢) البيت لقطري بن الفجاءة في ديوانه ١٧١، وخزانة الأدب ١٠/ ١٦٣، والدرر ١/ ٥١٠، وشرح التسهيل ٢/ ٩٢، ٣٠٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٣٦، وشرح عمدة الحافظ ٤٢٣، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٣٣ وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٣٩، والمقاصد النحوية ٣/ ١٥٠، وللطرماح في شرح ابن الناظم ٢٣٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣١٤، وشرح الأشموني ١/ ٢٤٧، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٠.
[ ١ / ٥٨٧ ]
"أو استفهام، كقوله" وهو رجل من بني طيئ كما قال ابن مالك١: [من البسيط]
٤٣٧-
"يا صاح هل حم عيش باقيا فترى" لنفسك العذر في إبعادها الأملا
فـ"باقيًا" حال من "عيش" لكونه مسبوقًا بالاستفهام بـ"هل"، و"صاح": مرخم صاحب على غير قياس، "وحم" بضم الحاء المهملة: بمعنى قدر، "والإبعاد" بكسر الهمزة: مصدر أبعد، والأمل: مفعوله. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٣٨-
ولم ينكر غالبًا ذو الحال إن لم يتأخر أو يخصص أو يبن
٣٣٩-
من بعد نفي أو مضاهيه
"وقد يقع" صاحب الحال "نكرة بلا مسوغ، كقولهم: عليه مائة بيضًا"، فـ"بيضًا" بلفظ الجمع: حال من "مائة"، وليس تمييزًا خلافًا لأبي العباس؛ لأن تمييز المائة لا يكون جمعًا منصوبا ولا مجرورًا، وهو من أمثلة سيبويه٢ والدليل على أنه حال أنه لو رفع كان صفة للمائة، والمائة مبهمة الوصف.
"وفي الحديث": صلى رسول الله ﷺ قاعدًا "وصلى وراءه رجال قيامًا" رواه مالك في الموطأ٣، فـ"قيامًا" حال من رجال. وهو نكرة بلا مسوغ، لا يقال: التخصيص بالحكم كاف؛ لأنا نقول: لو كان كذلك لما احتيج إلى مسوغ أصلًا، وذهب بعضهم إلى عدم الاستدلال بالحديث لاحتمال كونه مرويا بالمعنى.
وإذا ثبت مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ هل يقاس أو لا؟ ذهب سيبويه٤ إلى الجواز والخليل ويونس إلى المنع٥.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٢/ ٣٣٢.
(٢) البيت لرجل من طيئ في الدرر اللوامع ١/ ٥١١، وشرح عمدة الحافظ ص٤٢٣، والمقاصد النحوية ٣/ ١٥٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣١٦، وشرح ابن الناظم ص٢٣٤، وشرح الأشموني ١/ ٢٤٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٣٨، وشرح التسهيل ٢/ ٣٣٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٠. ٢ الكتاب ٢/ ١١٢. ٣ الموطأ ١/ ١٣٤، رقم ٣٤٠، وأخرجه البخاري في الجماعة والإمامة برقم ٦٥٦، وهو من شواهد أوضح المسالك ٢/ ٣١٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٤٠، وشرح ابن الناظم ص٢٣٤. ٤ الكتاب ٢/ ١١٢-١١٤. ٥ الارتشاف ٢/ ٣٤٦.
[ ١ / ٥٨٨ ]
"فصل":
"وللحال" المؤسسة "مع صاحبها ثلاث حالات"، كما أن للخبر مع المبتدأ ثلاث حالات:
"إحداها وهي الأصل: أن يجوز فيها أن تتأخر عنه، وأن تتقدم عليه" فاعلًا كان، أو مفعولًا كـ: ""جاء زيد ضاحكا"، و"ضربت اللص مكتوفًا"، فلك في "ضاحكًا" و"مكتوفًا" أن تقدمهما على المرفوع" في الأول وهو "زيد"، "و" على "المنصوب" في الثاني وهو "اللص" فتقول: "جاء ضاحكًا زيد" و"ضربت مكتوفًا اللص"، هذا مذهب البصريين، ومنع الكوفيون تقديمها على المرفوع الظاهر: ثم قيل: عنهم مطلقًا، وقيل: إن تقدمت على رافعه، ومنعوا تقديمها على المنصوب الظاهر أيضًا، ثم قيل: عنهم مطلقًا، وقيل: إن لم يكن فعلًا.
الحالة "الثانية: أن تتأخر عنه وجوبًا، وذلك كأن تكون محصورة نحو: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ " [الأنعام: ٤٨] فـ"مبشرين، و"منذرين"، حالان من "المرسلين"، ولا يجوز تقديمهما على "المرسلين" لكونها محصورة، والمحصور يجب تأخيره، ويمكن أن يجيء فيه خلاف الكسائي السابق فيما إذا تقدم المحصور مع "إلا".
"أو يكون صاحبها مجرورًا إما بحرف غير زائد كـ: مررت بهند جالسة". فـ"جالسة" حال من "هند"، ولا يجوز تقديمها عليها. لا تقول: مررت جالسة بهند، هذا مذهب الجمهور، وعللوا منع ذلك بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين، فجعلوا عوضًا عن الاشتراك في الواسطة التزام التأخير، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٣٤٠-
وسبق حال ما بحرف جر قد أبوا
"وخالف في هذه" المسألة الأخيرة "الفارسي وابن جني وابن كيسان" وابن
[ ١ / ٥٨٩ ]
برهان وابن ملكون وبعض الكوفيين١، "فأجازوا التقديم"، لضعف دليل المنع، "قال الناظم" في النظم:
٣٤٠-
"ولا أمنعه فقد ورد"
وقال في شرح التسهيل٢: "و" التقديم "هو الصحيح، لوروده" في الفصيح "كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ " [سبأ: ٢٨] فـ"كافة" حال من المجرور، وهو "الناس"، وقد تقدم على صاحبه المجرور باللام "و" نحو "قول الشاعر": [من الطويل]
٤٣٨-
"تسليت طرا عنكم بعد بينكم" بذكراكم حتى كأنكم عندي
فـ"طرا" بمعنى جميعًا، حال من الكاف والميم، وقد تقدم على صاحبه المجرور بـ"عن".
"والحق أن" هذا "البيت" ونحوه "ضرورة"، أو "طرًّا" حال من "عنكم" محذوفة مدلولا عليها بـ"عنكم" المذكورة، "وأن: كافة" في الآية "حال من الكاف" في "أرسلناك"، "و" أن "التاء للمبالغة لا للتأنيث" قاله الزجاج٣، ورده ابن مالك٤ بأن إلحاق التاء للمبالغة مقصور على السماع، ولا يتأتى غالبًا إلا في أبنية المبالغة كـ: "علامة"، و"كافة" بخلاف ذلك، فإن حمل على "راوية" فهو حمل على شاذ، نقله الموضح عنه في الحواشي ولم يتعقبه. وقول الزمخشري: "إلا رسالة كافة" مصادم لنقل ابن برهان أن "كافة" لا تستعمل إلا حالًا. وأن الصفة لا تنوب عن الموصوف إلا إذا كان معتادًا ذكرها معه.
"و" قول ابن مالك وغيره إن "كافة" حال من "الناس"، "يلزمه تقديم الحال المحصورة" بـ"إلا" على صاحبها "و" يلزمه "تعدي "أرسل" باللام"، والأكثر تعديه بـ"إلى"، "والأول" وهو تقديم الحال"المحصورة" على صاحبها "ممتنع كما تقدم، "والثاني" وهو تعدي" أرسل" باللام "خلاف الأكثر" ويدفع الأول بأن
_________________
(١) ١ انظر شرح التسهيل ٢/ ٣٣٧، والارتشاف ٢/ ٣٤٨، وهمع الهوامع ١/ ٢٤١. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٣٣٦.
(٢) البيت بلا نسبة في المسالك ٢/ ٣٢١، وشرح ابن الناظم ص٢٣٦، وشرح الأشموني ١/ ٢٤٨، وشرح التسهيل ٢/ ٣٢٨، وشرح عمدة الحافظ ص٤٢٦، والمقاصد النحوية ٣/ ١٦٠. ٣ معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٥٤. ٤ شرح التسهيل ٢/ ٣٣٧.
[ ١ / ٥٩٠ ]
تقديم المحصور بـ"إلا" ليس ممتنعًا عند الجميع، كيف وقد قال الموضح في باب الفاعل في المحصور بـ"إلا": وأجاز البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري تقديمه على الفاعل، وأي فرق بين الحال والمفعول؛ لأن الاقتران بـ"إلا" يدل على المقصود، ويدفع الثاني بأن مخالفة الأكثر لا تضر، فإن تعدي "أرسل" باللام كثير، فصيح، واقع في التنزيل كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] وفصل الكوفيون فأجازوا تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف إن كان مضمرًا كـ"مررت ضاحكة بك" أو اسمين أحدهما مجرور نحو: "مررت مسرعين بزيد وعمرو"، أو كان الحال فعلًا نحو: "مررت تضحك بهند"، ومنعوه إذا لم يكن كذلك. واحترز بقوله أولًا: "بحرف غير زائد" من الزائد، فإنه يجوز تقديم الحال على صاحبها المجرور به اتفاقًا، كما يجوز التقديم على الفاعل والمفعول نحو: "ما جاءني راكبًا من أحد"، و"ما رأيت راكبًا من أحد".
"وإما" مجرورًا "بإضافة" بمعنى مضاف، من إطلاق المصدر على اسم المفعول "كـ: أعجبني وجهها مسفرة"، و" هذا شارب السويق ملتوتا"، فلا يجوز تقديم الحال على صاحبها واقعة بعد المضاف لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه، ولا قبله؛ لأن نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول، فكما لا يتقدم ما يتعلق بالصلة على الموصول كذلك لا يتقدم ما يتعلق بالصلة على الموصول كذلك لا يتقدم ما يتعلق بالمضاف إليه على المضاف. قاله ابن الناظم١، وفصل والده في شرح التسهيل فقال٢: إن كانت الإضافة غير محضة جاز التقديم على المضاف نحو: "هذا ملتوتًا شارب٣ السويق" بالخفض؛ لأن الإضافة فيه في نية الانفصال، فلا يعتد بها، وإن كانت محضة لم تجز بإجماع، ونازعه أبو حيان في القسمين٤، ورد عليه الموضح ذلك في الحواشي، والاشتغال بذلك خروج عن المقصود.
"وإنما يجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف بعضه كهذا٥ المثال" المتقدم وهو:
أعجبني وجهها مسفرة. "وكقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ " [الحجر: ٤٧] فـ"إخوانا": حال من المضاف إليه، وهو الهاء والميم، والصدور: بعضه وكقوله تعالى: " ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ " [الحجرات: ١٢] فـ"ميتًا":
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٢٣٧. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٣٣٥. ٣ في جميع النسخ: "شارب ملتوتًا" والتصويب من الارتشاف ٢/ ٣٤٨. ٤ الارتشاف ٢/ ٣٤٨. ٥ في جميع النسخ: "هكذا"، والتصويب من أوضح المسالك ٢/ ٣٢٤.
[ ١ / ٥٩١ ]
حال من الأخ المضاف إليه اللحم، واللحم بعض الأخ "أو كبعضه نحو": ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ " [النحل: ١٢٣] فـ"حنيفا" حال من إبراهيم، المضاف إليه الملة، والملة: كبعضه في حصة حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما يصح ذلك في البعض الحقيقي، ألا ترى أنه لو قيل: "ونزعنا ما فيهم من غل"، و"يأكل أخاه"، و"اتبع إبراهيم" لكان صحيحًا١.
"أو" كان المضاف "عاملًا في الحال" كأن يكون مصدرًا أو وصفًا، فالأول "نحو: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] فـ"جميعًا": حال من الكاف والميم المضاف إليه "مرجع"، و"مرجع": مصدر ميمي عامل في لحال النصب. "و" نحو: "أعجبني انطلاقك منفردًا"، فـ"منفردًا": حال من الكاف المضاف إليها "انطلاق"، و"انطلاق":مصدر غير ميمي عامل في الحال النصب. "و" الثاني: نحو: "هذا شارب السويق ملتوتًا" الآن أو غدًا، فـ"ملتوتًا" حال من "السويق" المضاف إليه شارب، و"شارب": اسم فاعل عامل في الحال النصب؛ لأنه بمعنى الحال أو الاستقبال، واعتماده على المخبر عنه. وإلى ذلك الإشارة بقول الناظم:
٣٤١-
ولا تجز حالًا من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله
٣٤٢-
أو كان جزء ما له أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا
وإنما اشترطوا أحد هذه الشروط الثلاثة لئلا تنخرم قاعدته، وهي أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، وصاحبها إذا كان مضافًا إليه يكون معمولًا للمضاف، والمضاف لا يعمل في الحال إذا لم يشبه الفعل، فإذا كان المضاف مصدرًا أو صفة فالقاعدة موفاة؛ لأن الحال وصاحبها معمولان لشيء واحد، وإذا كان المضاف كأنه جزءًا من المضاف إليه أو كجزئه فلشدة اتصال الجزء بكله أو بما نزل منزلته صار المضاف كأنه صاحب الحال، فيكون العامل فيه هو العامل في الحال، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، فإنه لا سبيل إلى جعله صاحب حال. إذ لو قلت: "ضربت غلام هند جالسة"، أو نحو ذلك لم يجز، قال ابن مالك٢: بلا خلاف. ونقل غيره عن بعض البصريين إجازة ذلك٣، قال أبو حيان٤: والذي تختاره أن المجرور بالإضافة إذا لم يكن في موضع رفع ولا نصب لا يجوز ورود الحال منه
_________________
(١) ١ في "أ": "في صدورهم" مكان "فيهم". ٢ شرح التسهيل ٢/ ٣٤٢. ٣ نقل ذلك ابن الشجري في أماليه ١/ ١٥٧، ٢/ ٣٢٧، ٣٢٨. ٤ الارتشاف ٢/ ٣٤٨.
[ ١ / ٥٩٢ ]
سواء أكان المضاف١ جزأه أو كجزئه أو لم يكن، لما تقرر من أنه لا بد من اتحاد الحال وصاحبها في العامل، وأما "ميتًا" فيحتمل أن يكون حالًا من "لحم" و"إخوانًا" يحتمل أن يكون منصوبًا على المدح، "وحنيفًا" يحتمل أن يكن حالًا من "الملة" وذكر لأن الملة والدين بمعنى، أو من الضمير في اتبع:" انتهى بمعناه.
الحالة "الثالثة" من الحالات الثلاث: "أن تتقدم" الحال "عليه" أي: على صاحبها "وجوبًا، كما إذا كان صاحبها محصورًا" فيه "نحو: ما جاء راكبًا إلا زيد"، وفيه البحث السابق.
_________________
(١) ١ بعده في "أ"، "ط": "إليه".
[ ١ / ٥٩٣ ]
"فصل":
"وللحال مع عاملها ثلاث حالات أيضًا:
إحداها وهي الأصل: أنه يجوز فيها أن تتأخر عنه"، كـ: "جاء زيد راكبا"، "وأن تتقدم عليه" كـ: "راكبًا جاء زيد"، "وإنما يكون ذلك إذا كان العامل" فيها "فعلًا متصرفًا"، وتصرفه يكون بتنقله في الأزمنة الثلاثة١، أي: يكون ماضيًا ومستقبلًا وحالًا، قاله أبو البقاء، فالماضي "كـ: جاء زيد راكبًا"، والمستقبل كـ: "قم مسرعًا" والحال كـ: "يوم زيد مسرعًا الآن".
"أو صفة تشبه الفعل المتصرف" في تضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علاماته الفرعية، وهي علامة التأنيث والتثنية والجمع، وسواء في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة "كـ: "زيد منطلق مسرعًا"، فـ"مسرعًا" حال من فاعل "منطلق" المستتر فيه، "فلك في "راكبًا"" في "جاء زيد راكبًا" في المثال الأول، "و" في "مسرعًا" في "زيد منطلق مسرعًا" في المثال الثاني "أن تقدمهما على "جاء" وعلى "منطلق""، فتقول: راكبًا جاء زيد، ومسرعًا زيد منطلق أو زيد مسرعًا منطلق، هذا مذهب البصريين إلا الجرمي، فإنه لا يجيز تقديم الحال على عاملها، والأخفش فإنه لا يجيز تقديمها على الفعل في نحو: راكبًا زيد جاء، لبعدها عن العامل. ورد جمهور البصريين على الأخفش والجرمي بالسماع في الفصيح "كما قال الله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر: ٧] فـ"خاشعًا" حال من الواو في "يخرجون"، وقد تقدم على عامله الفعل، وأجيب بأن هذا لا يتعين لجواز أن يكون "خاشعًا" صفة مفعول محذوف، والتقدير: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] قومًا خاشعا أبصارهم، وقد صرح به غير واحد من المعربين، ويجاب بأن الأصل عدم الحذف، "وقالت العرب: شتى تئوب الحلبة٢"، فـ"شتى": جمع شتيت، حال من الحلبة، وهم اسم
_________________
(١) ١ في "ط": "الثلاث". ٢ المثل في مجمع الأمثال ١/ ٣٥٨، وجمهرة الأمثال ١/ ٥٤١، والمستقصى ٢/ ١٢٧، وكتاب الأمثال لابن سلام ص١٣٣، وهو من شواهد أوضح المسالك ٢/ ٣٧٢، وشرح ابن الناظم ص٢٣٨.
[ ١ / ٥٩٤ ]
ظاهر، وتقدمت فيه على عاملها، و"الحلبة": جمع حالب، و"تئوب": معنى ترجع "أي: متفرقين يرجع الحالبون"، وفيه رد على الكوفيين في منعهم تقديم حال الاسم الظاهر على عامله، وحكي أن ثعلبًا نوظر في هذه المسألة، وأنه انقطع بقولهم: "شتى تئوب الحرب"، أي: متفرقة١، ترجع الحرب، أي: إلى تفرق الكلمة ترجع الحرب. "وقال الشاعر" وهو يزيد بن مفرغ الحميري يخاطب بغلته: [من الطويل]
٤٣٩-
عدس ما لعباد عليك إمارة "أمنت وهذا تحملين طليق"
"فـ: تحملين": جملة "في موضع نصب على الحال" من فاعل "طليق" المستتر فيه، "وعاملها "طليق"، وهو صفة مشبهة"، وقد قدمت عليه. فإن قلت: معمول الصفة المشبهة لا يكون سببيا مؤخرًا، فكيف جاز تقديمه وكونه غير سببي؟ قلت: المراد بالمعمول المذكور ما عملها فيه بحق الشبه، وأما عملها في الحال فبما فيها من معنى الفعل، كما صرح به الموضح في بابها٢، واستفدنا من تمثيله أنه لا فرق في ذلك بين كون الحال مفردًا أو جملة، ومنع الفراء وبعض المغاربة تقديم الجملة الحالية المصدرة بالواو فلا يقال: "والشمس طالعة جاء زيد"، والجمهور على الجواز.
والحق أن هذا البيت لا ينهض في الرد على الكوفيين٣؛ لأنهم يقولون: بأن "هذا" اسم موصول، و"تحملين" صلته وعائده محذوف، والتقدير: والذي تحملينه طليق، كما مر في باب الموصول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٤٣-
والحال إن ينصب بفعل صرفا أو صفة أشبهت المصرفا
فجائز تقديمه.
الحالة "الثانية: أن تتقدم" الحال "عليه" أي: على عاملها "وجوبًا، كما إذا كان لها صدر الكلام نحو: كيف جاء زيد؟ " فـ"كيف" في موضع الحال من "زيد"، وهل هي ظرف أو اسم؟ قولان:
أحدهما: إنها ظرف شبيهة باسم المكان، كما أن "سواك" كذلك، ويعزى إلى سيبويه٤.
_________________
(١) ١ في "ط": "متفرقين".
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ١١١. ٢ أوضح المسالك ٣/ ٢٤٩. ٣ في "ب": "على رأي" مكان "في الرد على". ٤ الكتاب ٢/ ٣٥٠.
[ ١ / ٥٩٥ ]
والثاني أنها ليست ظرفًا، وإنما هي اسم، ويعزى إلى الأخفش.
وعلى القولين يستفهم بها عن الأحوال، فعلى الأول يكون معناها في المثال المذكور، في أي حال جاء زيد؟ وعلى الثني: على أي حال جاء زيد؟ وعلى القول بالظرفية لا يفتقر إلى الاستقرار، بخلاف "أين" و"متى"، قاله أحمد بن الخباز في النهاية.
الحالة "الثالثة: أن تتأخر" الحال "عنه" أي: عن عاملها "وجوبا، وذلك في ست مسائل، وهي أن يكون العامل فعلًا جامدًا نحو: ما أحسنه مقبلًا"، فـ"مقبلا" حال من "الها"، وهي واجبة التأخير عن عاملها، لكونه فعلًا جامدًا لا يتصرف في نفسه فلا يتصرف في معموله بالتقديم عليه.
"أو" يكون العامل "صفة تشبه الفعل الجامد" في عدم قبول العلامات الفرعية، "وهو اسم التفضيل" فإنه لما لم يقبل علامة التأنيث والتثنية والجمع انحط عن درجة اسمي الفاعل والمفعول والصفة المشبهة فجعل موافقًا للجامد "نحو: هذا أفصح الناس خطيبًا"، فـ"خطيبًا" حال من فاعل "أفصح" المستتر فيه، ولا يجوز أن يتقدم على "أفصح"، لما تقدم.
"أو" يكون العامل "مصدرًا مقدرًا بالفعل وحرف مصدري نحو: يعجبني اعتكاف أخيك١ صائمًا"، فـ"صائمًا" حال من "أخيك"١، والعامل فيه المصدر المقدر بـ"أن" والفعل، ومعمول المصدر المقدر من "أن" والفعل لا يتقدم عليه.
"أو" يكون العامل "اسم فعل نحو: نزال مسرعا" فـ"مسرعا" حال من فاعل "نزال" المستتر فيه، ومعمول اسم الفعل لا يتقدم عليه.
"أو" يكون العامل "لفظًا مضمنا معنى الفعل" دون حروفه كاسم الإشارة "نحو: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ " [النمل: ٥٢] فـ"خاوية": حال من "بيوتهم"، والعامل فيه اسم الإشارة، وهو "تلك"، وفيها معنى الفعل، وهو "أشير" دون حروفه، فإن قلت: العامل في الحال وصاحبها يجب أن يكون واحدًا عند الجمهور، وهنا قد اختلف، فإن العامل في الحال معنى الإشارة، والعالم في صاحبها المبتدأ، قلت: العامل في الحال حقيقة إنما هو الفعل المدلول عليه باسم الإشارة تقديره: أشير إليها خاوية، والضمير المجرور هو صاحب الحال، والعالم فيه وفي الحال واحد. وذهب السهيلي إلى أن اسم الإشارة لا يعمل، وإنما العامل فعل محذوف تقديره: انظر إليها خاوية.
_________________
(١) ١ في "ط": "أخوك".
[ ١ / ٥٩٦ ]
"و" حرف التشبيه نحو "قوله" وهو امرؤ القيس: [من الطويل]
٤٤٠-
"كأن قلوب الطير رطبا ويابسًا" لدى وكرها العناب والحشف البالي
فـ"رطبًا" و"يابسًا" حالان من "قلوب"، والعامل فيهما "كأن" لما فيه من معنى "أشبه"، وليس فيه حروفه. فإن قلت: كيف يصح أن يكون "رطبًا" و"يابسًا" حالين من قلوب؟ قلت: على معنى قسمًا رطبًا، وقسمًا يابسًا وليس المراد بالرطب ولا باليابس الفرد، قاله الدماميني والضمير في "وكرها" يعود على العقاب، وصفها بأنها لا تأكل قلوب الطير، وشبه الرطب بالعناب، واليابس بالحشف البالي، وهو أرذل التمر اليابس، وهو تشبيه ملفوف، وهو أن يأتي بالمشبهين ثم بالمشبه بهما.
"و" حرف التمني نحو: "ليت هندًا مقيمة عندنا"، فـ"مقيمة" حال من "هند"، والعامل فيها "ليت"، لما فيها من معنى "أتمنى" دون حروفه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٤٥-
وعامل ضمن معنى الفعل لا حروفه مؤخرًا لن يعملا
٣٤٦-
كتلك ليت وكأن
"أو" يكون العامل "عاملا آخر" غير ما تقدم "عرض له مانع" يمنع ما بعده أن يعمل فيما قبله، "نحو: لأصبر محتسبًا"، فـ"محتسبًا": حال من فاعل "أصبر" المستتر فيه، "و: لأعتكفن صائمًا"، فـ"صائما": حال من فاعل "أعتكف" المستتر فيه، ولا يجوز في "محتسبًا" و"صائمًا" أن يتقدما على عاملهما، "فإن ما في حيز لام الابتداء"، وهو "محتسبًا"، "و" ما في حيز "لام القسم"، وهو "صائمًا" "لا يتقدم عليهما"، أي: على لام الابتداء ولام القسم؛ لأنهما من أدوات الصدور١ فلو فصلت اللام جاز التقديم نحو: "لعن زيد محتسبًا أصبر".
"ويستثنى من "أفعل" التفضيل ما" إذا كان عاملًا في حالين لاسمين متحدي المعنى أو مختلفيه، وإحداهما مفضلة على الأخرى، فإنه يجب تقديم الحال الفاضلة" خوف اللبس، فالأول: كـ: "هذا بسرًا أطيب منه رطبًا". قال ابن خروف:
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص٣٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤٢، ٢/ ٥٩٥، ٨١٩، والصاحبي في فقه اللغة ص٢٤٤، ولسان العرب ١/ ٢٠٦، "أدب" والمقاصد النحوية ٣/ ٢١٦، والمنصف ٢/ ١١٧، وتاج العروس "بال" وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ٦٤، وأوضح المسالك ٢/ ٣٢٩، ومغني اللبيب ١/ ٢١٨، ٢/ ٣٩٢، ٤٣٩. ١ الارتشاف ٢/ ٣٥٠.
[ ١ / ٥٩٧ ]
انتصب "بسرًا" عند سيبويه١ على الحال من الضمير في "أطيب"، وانتصب "رطبًا" على الحال أيضًا من الضمير المجرور بـ"من" والعامل فيهما "أطيب" بما تضمنته من معنى المفاضلة بين شيئين، كأنه قال: هذا في حال كونه بسرًا أطيب من نفسه في حال كونه رطبًا، يريد أن يفضل البسر على الرطب، قال: و"أطيب" ناب مناب عاملين؛ لأن التقدير: يزيد طيبه في حال كونه بسرًا على طيبه في حال كونه رطبًا، وأشار بذلك إلى التمر، والمعنى: بسره أطيب من رطبه. ا. هـ. وفي ذلك تصريح بأن اسم التفضيل عامل في حالين معًا وبه قال المازني في أظهر قوليه، والفارسي في تذكرته، وابن كيسان وابن جني٢. وزعم المبرد٣ والزجاج وابن السراج٤ والسيرافي٥ والفارسي في حلبياته٦ أن الناصب "كان" محذوفة تامة صلة لـ"إذ" أو "إذا"، فإن قلت ذلك وهو بلح فالمقدر "إذا"، أو هو تمر فالمقدر "إذ"، والصاحبان المضمران في "كان". لا المضمر في "أطيب" والمجرور بـ"من" وقدم الظرف على "أطيب" لاتساعهم في الظروف، ولهذا جاز "أكل يوم لك ثوب" بالاتفاق، ولم يجز "زيد جالسًا في الدار" عند الجمهور: وحكى أبو حيان عن بعض أصحابه: أنه يجوز تقدير "كان" ناقصة بدليل "زيد المحسن أفضل من المسيء". فجاءا معرفتين، وإنما تتعدد الحال مع "أفعل" إذا كانتا فاضلتين، فإن كان الفاضل واحدًا رفعًا نحو: "هذا بسر أطيب منه عنب"، قاله الموضح في الحواشي. ونقل صاحب المتوسط٧ عن الفارسي أن العامل في "بسرًا" هو "هذا"، أي: اسم الإشارة أو حرف التنبيه٨.
"و" الثاني نحو: "قولك: زيد مفردًا أنفع من عمرو معانًا" فـ"مفردًا": حال من الضمير المستتر في "أنفع" الراجع إلى "زيد" و"معانًا": حال من عمرو، والعامل في الحالين "أنفع" أو "كان" المحذوفة على القولين السابقين، وفي هذا المثال رد
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٤٠٠. ٢ الارتشاف ٢/ ٣٥٣، وشرح التسهيل ٢/ ٣٤٥، وشرح ابن الناظم ص٢٤١. ٣ المقتضب ٣/ ٢٥٠، ٢٥١. ٤ الأصول ٢/ ٣٥٩. ٥ شرح التسهيل ٣/ ٣٤٤، وشرح ابن الناظم ص٢٤١. ٦ المسائل الحلبيات ص١٧٩، ١٨٠، وانظر رأي المبرد والزجاج وابن السراج والسيرافي والفارسي في الارتشاف ٢/ ٣٥٣. ٧ المتوسط ص١٥٨. ٨ نقله ابن يعيش في شرح المفصل ٢/ ٦٠.
[ ١ / ٥٩٨ ]
على من زعم أن العامل في المثال الأول إما "ها" التنبيه أو اسم الإشارة، لتخلفه هنا، وكان القياس وجوب تأخير الحالين في المثالين عن "أفعل" كما في الحال الواحدة، ولكن اغتفر تقدم الحال الفاضل١ فرقًا بين المفضل والمفضل عليه، إذ لو أخرا لالتبسا٢، فإن قيل: اجعل أحدهما تاليًا لـ"أفعل" ولا لبس، قلنا: يؤدي إلى فصل "أفعل" من "من" ومجرورها، وهما كالموصول والصلة. فإن قيل: قد فصل بالظرف وعديله والتمييز.
قلنا: ذاك فصل جائز، وهذا فصل واجب في نوع خاص إذا لم يجز تقديمه، قاله في الحواشي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٤٧-
ونحو زيد مفردًا أنفع من عمرو معانا مستجاز لن يهن
"ويستثنى من المضمن معنى الفعل دون حروفه أن يكون" العامل "ظرفًا أو مجرورًا مخبرًا بهما" متأخرين عن المخبر عنه، "فيجوز بقلة توسط الحال بين المخبر عنه والمخبر به كقوله": [من الطويل]
٤٤١-
"بنا عاذ عوف وهو بادئ ذلة لديكم" فلم يعدم ولاء ولا نصرًا
فوسط الحال؛ وهو: بادئ ذلة؛ بين المخبر عنه؛ وهو: الضمير المنفصل؛ والمخبر به، وهو لديكم، والأصل: وهو لديكم بادئ ذلة؛ وصاحب الحال الضمير المنتقل إلى الظرف، و"عوف": فاعل "عاذ" بالذال المعجمة، وقيدنا الظرف والمجرور بالتأخير لبيان محل الخلاف إذ لو تقدما على المخبر عنه نحو: "في الدار، أو عندك جالسًا زيد" جاز التوسط بلا خلاف؛ لأن الحال لم تتقدم على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه، وذلك ظاهر. والخلاف المتقدم جار في الحال المفردة، والجملة المصدرة بالواو وغيرها، والظرف، والجار والمجرور ولا فرق في المفردة بين المضافة؛ كما تقدم في البيت؛ "و" غير المضافة "كقراءة بعضهم: "مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةً لِذُكُورِنَا"" [الأنعام: ١٣٩] بنصب "خالصة"٣ على الحال المتوسطة بين المخبر عنه؛ وهو "ما" الموصولة؛ والمخبر به، وهو "لذكورنا"، والأصل؛ والله أعلم: ما في بطون هذه الأنعام لذكورنا خالصة، و"ما"
_________________
(١) ١ في "ط": "الفاضلة". ٢ في "أ": "النساء".
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٣٢، وشرح ابن الناظم ص٢٤٠، وشرح الأشموني ١/ ٢٥٢، والمقاصد النحوية ٣/ ١٧٢. ٣ الرسح المصحفي: ﴿خَالِصَةٌ﴾ بالرفع، وقرأها بالنصب ابن عباس والأعرج وقتادة وابن جبير، وانظر البحر المحيط ٤/ ٢٣١، والمحتسب ١/ ٢٣٢، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣٥٨.
[ ١ / ٥٩٩ ]
واقعة على الأجنة. وصاحب الحال الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور بعد حذف الاستقرار، "وكقراءة الحسن" البصري ""وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ"" [الزمر: ٦٧]، بنصب "مطويات"١ على الحال المتوسطة بين المخبر عنه وهو "السماوات" والمخبر به وهو "بيمينه" والأصل؛ والله أعلم: والسماوات بيمينه مطويات، وصاحب الحال الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور، ففي هذه الأدلة على جواز تقديم الحال على عاملها الظرف والجار والمجرور. "وهو قول الأخفش٢"وسبقه إلى ذلك الفراء٣، "وتبعه الناظم" في التسهيل وشرحه٤. وأشار إليه في النظم بقوله:
٣٤٦-
وندر نحو سعيد مستقرا في هجر
"والحق" المنع، وهو قول جمهور البصريين٥، "وأن البيت" المتقدم "ضرورة وأن: خالصة" في الآية الأولى، "ومطويات" في الثانية "معمولان لصلة: ما"، وهي في "بطون"، "ولـ: قبضته"، فـ"خالصة" معمولة للجار والمجرور قبلها على أنها حال من الضمير الذي في الصلة: و"مطويات"، معمولة لـ"قبضته" على أنها حال من الضمير المستتر فيها والتاء في "خالصة" للتأنيث باعتبار ما وقعت عليه من الأجنة. وقول البيضاوي٦: التاء فيها للمبالغة كما في رواية ٧، أو مصدر كـ: "العاقبة"
وقع موقع الخالص؛ فيه نظر؛ لأن تاء المبالغة في غير أبنية المبالغة، والمصدر الآتي على وزن فاعلة موقوفان على السماع، "فلا يقاس عليهما، "و" الحق "أن السماوات عطف على ضمير مستتر في "قبضته"" لتأويلها بالمشتق "لأنها بمعنى مقبوضة"، والمصدر إذا كان بمعنى المشتق يتحمل الضمير،"لا" "السماوات" "مبتدأ، و"بيمينه"" خبره، كما قال الأخفش، بل "بيمينه" "معمول الحال" لتعلقه بها، "لا عاملها"، أي: لا عامل الحال.
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ بالرفع، وقرأها بالنصب عيسى والجحدري: انظر البحر المحيط ٧/ ٤٤٠، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٤٢٥. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٣٤٦، والارتشاف ٢/ ٣٥٥، وشرح ابن الناظم ص٢٤٠. ٣ الارتشاف ٢/ ٣٥٦. ٤ التسهيل ص١١١، وشرح التسهيل ٢/ ٣٤٦. ٥ الارتشاف ٢/ ٣٥٥. ٦ أنوار التنزيل ٢/ ٢١٠. ٧ في "ط": "رواية".
[ ١ / ٦٠٠ ]
"فصل":
"ولشبه الحال بالخبر" في المعنى "والنعت" في التقيد "جاز أن يتعدد لمفرد وغيره"، كما يتعدد الخبر والنعت، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٤٨-
والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد
"فالأول" وهو أن تتعدد للمفرد "كقوله": [من الطويل]
٤٤٢-
"علي إذا ما جئت ليلى بخفية زيادة بيت الله رجلان حافيا"
فـ"رجلان حافيًا" حالان من فاعل "الزيارة" المحذوفة، والتقدير: علي زيارتي بيت الله حال كون رجلًا حافيًا، أي: ماشيا غير منتعل، ويحتمل أن يكونا حالين من ياء المتكلم المجرورة بـ"علي"، و"رجلان": بسكون الجيم وفي آخره نون، وقد صحفه بعض الأعجميين، فقرأه رجلاي بالإضافة إلى ياء المتكلم، وأعربه فاعلًا بـ"زيارة"، و"حافيًا" حالًا من ضمير المتكلم في رجلاي، نبه عليه الموضح في الحواشي. وهو موافق لما في شرح المفتاح للسيد الجرجاني، فإنه قال فيه: وقد صحف جماعة "رجلان" برجلاي إلى آخره.
"وليس منه" أي: من تعدد الحال لمفرد "نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] لأن من شروط التعدد عدم الاقتران بالعاطف عند الموضح.
"والثاني" وهو أن يتعدد لمتعدد، وفيه تفصيل، فينظر في الحال المتعدد "إن اتحد لفظه ومعناه ثني أو جمع"، فالتثنية "نحو: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ " [إبراهيم: ٣٣] فـ"دائبين" حال مؤسسة بمعنى: دائمين "والأصل: دائبة ودائبًا"، فلما اتفقا لفظًا ومعنى ثنيا، ولا يضر اختلافهما في التذكير والتأنيث، وأصل
_________________
(١) البيت لمجنون ليلى في ديوانه ص٢٣٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٣٥، وشرح الأشموني ١/ ٢٥٤، وشرح المغني ٢/ ٨٥٩، ولسان العرب ١١/ ٢٦٨، "رجل"، ومغني اللبيب ٢/ ٤٦١.
[ ١ / ٦٠١ ]
الدءوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه. "و" الجمع "نحو: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ " بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢] فـ"مسخرات" حال مؤكدة لعاملها لفظًا ومعنى، صرح بذلك ابن مالك في شرح العمدة١، وولده في شرح النظم٢، والأصل: مسخرًا ومسخرا ومسخرة ومسخرًا ومسخرة، فلما اتحدت لفظًا ومعنى جمعت.
"وإذا اختلف" لفظه ومعناه "فرق بغير عطف كـ: "لقيته مصعدًا منحدرًا" ويقدر" الحال "الأول" من الحالين "للثاني" من الاسمين، "وبالعكس" فيقدر الثاني من الحالين للأول من الاسمين، ليتصل أحد الحالين بصاحبه، ولا يعدل عنه إلا لقرينة. فإن قلت: فما بال علماء البيان جوزوا في اللف والنشر جعل الأول من أوصاف النشر راجعًا إلى الأول من الأمور الملفوفة، والثاني للثاني، وهو أحسن عندهم من عدم الترتيب؟ قلت: أجيب بأنه إنما يجوز النشر عند الوثوق بفهم المعنى، وأن السامع يرد كل واحد من الأمور المتعددة إليه، فإذا اتصل أحد الحالين بصاحبه كان أعون على ذلك، فـ"مصعدًا" حال من "الها"، و"منحدرًا" حال من "التاء" على غير الترتيب "قال": [من الوافر]
٤٤٣-
"عهدت سعاد ذات هوى معنى" فزدت وعاد سلوانا هواها
فـ"ذات هوى": حال من "سعاد"، و"معنى": حال من "التاء" في "عهدت"، وقرينة التذكير والتأنيث أرشدت إلى ذلك، والمعنى: إني كنت أنا وسعاد متحابين، فأما أنا فصرت إلى ازدياد المحبة، وأما هي فاد هواها سلوانا.
"وقد تأتي" الحال المتعددة "على الترتيب"، فيقدر الأول للأول، والثاني للثاني "إن أمن اللبس، كقوله" وهو امرؤ القيس: [من الطويل]
٤٤٤-
"خرجت بها أمشي تجر وراءنا" على أثرينا ذيل مرط مرحل
_________________
(١) ١ شرح عمدة الحافظ ١/ ٣٢٧. ٢ شرح ابن الناظم ص٢٤٢.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٣٧، وشرح ابن الناظم ص٢٤٢، وشرح التسهيل ٢/ ٣٥٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٩٠١، ومغني اللبيب ٢/ ٥٦٥، والمقاصد النحوية ٣/ ١٨٠.
(٣) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٤، وخزانة الأدب ١١/ ٤٢٧، والدرر ١/ ٥١٣، والارتشاف ٢/ ٣٥٩، وشرح التسهيل ٢/ ٣٥٠، وشرح شواهد الشافية ص٢٨٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥٢، ٩٠١، وشرح عمدة الحافظ ص٤٦٢، ولسان العرب ٥/ ٢٤٦ "نير" وتاج العروس "رجل" "رحل"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٣٩، ورصف المباني ص٣٣٠، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٣٣٨، ومغني اللبيب ٢/ ٥٦٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٤.
[ ١ / ٦٠٢ ]
فجملة "أمشي" حال من "التاء" في "خرجت"، وجملة "تجر" حال من "الها" المجرورة بالباء، والمعنى: أخرجتها من خدرها حال كوني ماشيًا، وحال كونها جارة على أثري قدمي وقدمها ذيل مرطها لتخفي الأثر عن القافة قصدًا للستر، "والمرط" بكسر الميم وسكون الراء: كساء من خز أو صوف، و"المرحل" بالحاء المهملة: ما فيه علم.
"ومنع الفارسي١ وجماعة٢ النوع الأول" وهو تعدد الحال لمفرد؛ قائلين بأن صحاب الحال إذا كان واحدًا فلا يقتضي العامل إلا حالًا واحدة. "فقدروا نحو قوله: حافيًا" في البيت "صفة" لـ"رجلان"، "أو حالًا من ضمير: رجلان"، فتكون حالًا متداخلة لا مترادفة، "وسلموا الجواز إذا كان العامل اسم التفضيل٣"، واتحد صاحب الحال "نحو: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا"، وتقدم الكلام فيه.
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٣٥٨، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٤. ٢ منهم ابن عصفور، انظر شرح ابن الناظم ص٢٤٢، وشرح التسهيل ٢/ ٣٤٩، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٤. ٣ في "ط": "تفضيل".
[ ١ / ٦٠٣ ]
"فصل":
الحال بالنسبة إلى الزمان ثلاثة أقسام: مقارنة: وهو الغالب نحو: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] . ومقدرة: وهي المستقبلية نحو: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ومحكية: وهي الماضية نحو: "جاء زيد أمس راكبًا"١.
_________________
(١) ١ انظر همع الهوامع ١/ ٢٤٥.
[ ١ / ٦٠٤ ]
"فصل":
"الحال ضربان:
مؤسسة": وتسمى مبينة أيضًا؛ لأنها تبين هيئة صاحبها، "وهي التي لا يستفاد معناها بدونها" أي: بدون ذكرها "كـ: جاء زيد راكبًا"، فلا يستفاد معنى الركوب إلا بذكر راكبًا، "وقد مضت" أول الباب.
ومؤكدة: وهو التي يستفاد معناها بدون ذكرها، وذهب الفراء١ والمبرد٢ والسهيلي٣ إلى إنكار المؤكدة، وما ورد من ذلك ردوه إلى المبينة، والصحيح الأول وهو قول الجمهور.
"والمؤكدة" ثلاثة أقسم؛ لأنها "إما" مؤكدة٤ "لعاملها لفظًا ومعنى نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ " [النساء: ٧٩] فـ"رسولًا" حال من الكاف وهي مؤكدة لعاملها، وهو "أرسلنا" لفظًا ومعنى لتوافقهما في اللفظ والمعنى، "وقوله": [من البسيط]
٤٤٥-
"أصخ مصيخا لمن أبدى نصيحته" والزم توقي خلط الجد باللعب
فـ"مصيخًا" حال من فاعل "أصخ" المستتر فيه، وهي مؤكدة لعاملها لفظًا ومعنى لتوافقهما في اللفظ٥ وأصخ٦؛ بالصاد المهملة والخاء المعجمة؛ من الإصخاء وهو
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٣٣٧، ٣٦٢. ٢ المقتضب ٤/ ٣١٠، ٣١١. ٣ انظر الارتشاف ٢/ ٣٣٧، ٣٦٢. ٤ سقطت من "ب".
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٤٢، وشرح ابن الناظم ص٢٤٤، وشرح الأشموني ١/ ٢٥٥، وشرح التسهيل ٢/ ٣٥٧، وشرح عمدة الحافظ ص٤٤٠، والمقاصد النحوية ٣/ ١٨٥. ٥ بعده في "ط": والمعنى: وذلك لأن الحدث المستفاد من الوصف مؤكد للحدث المستفاد من الفعل. ٦ سقطت من "ب".
[ ١ / ٦٠٥ ]
الإصغاء والاستماع، والمعنى أصخ حال كونك مصغيًا لمن أظهر نصيحته، وتحفظ من خلط الجد بالهزل.
"أو" مؤكدة لعاملها "معنى فقط" واللفظ مختلف نحو: " ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ " [النمل: ١٩] فـ"ضاحكًا" حال من فاعل "تبسم" وهي مؤكدة لعاملها معنى فقط؛ لأن التبسم نوع من الضحك، ولفظها مختلف، ومثله " ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ " [القصص: ٣١]، فإن الإدبار نوع من التولي، ويجمع هذين النوعين قول الناظم:
٣٤٩-
وعامل الحال بها قد أكدا
"وإما" مؤكدة "لصاحبها نحو: ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] فـ"جميعًا" حال من فاعل "آمن"، وهو "من" الموصولة مؤكدة لها١، وهذا القسم من استدراكات الموضح قال في المغني٢ وغيره٣: وأهمل النحويون٤ ذكر المؤكدة لصاحبها.
"وإما" مؤكدة "لمضمون جملة" قبلها" معقودة" ومركبة "من اسمين معرفتين جامدين"، والتوكيد بها إما لبيان يقين: كـ: "هو زيد معلومًا"، أو فخر: كـ: "أنا فلان بطلًا"، أو تعظيم: كـ: "هو فلان جليلًا مهابًا"، أو تحقير: كـ: "هو فلان مأخوذًا مقهورًا"، أو تصاغر كـ: "أنا عبدك٥ فقيرًا إليك"، أو وعيدًا كـ: "أنا فلان متمكنًا منك"، أو لمعنى غير ذلك: "كـ: زيد أبوك عطوفًا" قاله ابن الناظم في شرح النظم٦. زاد أبوه في التسهيل٧: "جمودًا محضًا" احترازًا من أن يكون أحد الاسمين٨ في حكم المشتق، فإن الحال لا تكون حينئذ مؤكدة للجملة، ولا يحتاج إلى تقدير عامل، ولذلك جعل ابن مالك "زيد أبوك عطوفًا" من المؤكدة لعاملها على تأويل "الأب" بمشتق، فالعامل "الأب" لما فيه من معنى الاشتقاق، وخالفه الموضح٩ في هذا تبعًا للشارح.
_________________
(١) ١ بعده في "ط": "لأن جميعًا يدل على الإحاطة، فهي مؤكدة للعموم الذي في من الموصولة". ٢ مغني اللبيب ص٦٠٦. ٣ شرح شذور الذهب ص٢٤٧. ٤ منهم ابن الناظم في شرحه ص٢٤٣، وابن مالك في شرح التسهيل ٢/ ٣٥٥. ٥ في "ب": "عبيدك". ٦ شرح ابن الناظم ص٢٤٦. ٧ التسهيل ص١١٢. ٨ بعده في "ب": "مشتقا أو". ٩ مغني اللبيب ص٦٠٦.
[ ١ / ٦٠٦ ]
"وهذه الحال" المؤكدة١ لمضمون جملة قبلها "واجبة التأخير عن الجملة المؤكدة١"؛ لأنها مؤكدة لها، وحق المؤكد أن يتأخر عن المؤكد، "وهي معمولة" عند سيبويه٢ "لمحذوف وجوبًا" مقدر بعد الخبر، "تقديره: أحقه، ونحوه" كـ: "اعرفه" إن كان المبتدأ غير "أنا"، وإن كان "أنا" فالتقدير: أحقني أو اعرفني. وقال الزجاج٣: العامل هو الخبر لتأويله بمسمى، وقال ابن خروف٤: العامل هو المبتدأ لتضمنه معنى "تنبه٥".وكلا القولين ضعيف، لاستلزام الأول المجاز، والثاني جواز تقديم الحال على الخبر، وهو ممتنع لعدم تمام الجملة، فالعامل إذن محذوف وجوبًا. لتنزل الجملة المذكورة منزلة البدل من اللفظ، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٠-
وإن تؤكد جملة فمضمر عاملها ولفظها يؤخر
_________________
(١) ١ في "ب": "المذدور". ٢ الكتاب ٢/ ٧٨، ٧٩. ٣ انظر قول الزجاج في شرح ابن الناظم ص٢٤٤، وشرح التسهيل ٢/ ٣٥٨، والارتشاف ٢/ ٢٦٣. ٤ انظر قول ابن خروف في شرح ابن الناظم ٢٤٤، وشرح التسهيل ٢/ ٣٥٨، والارتشاف ٢/ ٢٦٣. ٥ في "ب"، "ط": "انتبه".
[ ١ / ٦٠٧ ]
"فصل":
"تقع الحال اسمًا مفردًا" عن الجملة وشبهها "كما مضى" من نحو: "جئت راكبًا"، و"ضربت اللص مكتوفًا".
"و" تقع "ظرفًا كـ: رأيت الهلال بين السحاب"، فـ"بين": ظرف مكان من موضع الحال من "الهلال".
"وجارا ومجرورًا نحو: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ " [القصص: ٧٩] فـ"في زينته" جار ومجرور في موضع الحال من فاعل "خرج" المستتر فيه، العائد إلى "قارون"، "و" إذا وقع الظرف وعديله حالا فإنهما "يتعلقان بمستقر" إن قدرا في موضع المفرد، "أو استقر" إن قدرا في موضع الجملة، وعليه الأكثرون حال كون مستقرا أو استقر "محذوفين وجوبًا" لكونهما كونًا مطلقًا، وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل: ٤٠] فمحمول على عدم التزلزل والانتقال. لا أنه١ كون مطلق. وشرط الظرف والمجرور أن يكونا تامين كما تقدم، فلو كانا ناقصين لم يجز أن يكون حالين، فلا يقال: هذا زيد اليوم، ولا فيك، قاله أبو حيان٢.
"و" تقع الحال" جملة" اسمية أو فعلية، وذلك مفهوم من إطلاق قول الناظم:
٣٥١-
"و" موضع الحال يجيء "جملة"
"بثلاثة شروط:
أحدها: كونها خبرية"، وهي المحتملة للصدق والكذب، وهذا الشرط مجمع عليه؛ لأن الحال بمثابة النعت، وهو لا يكون بجملة إنشائية، فإن قلت: قد تقدم أن الحال لها شبه بالخبر والنعت، والخبر يكون بالإنشائية، فلم غلبتم شبه النعت على شبه الخبر؟
_________________
(١) ١ في "ب": "لأنه" مكان "لا أنه". ٢ الارتشاف ٢/ ٣٥٧.
[ ١ / ٦٠٨ ]
قلنا: الحال وإن كان كخبر المبتدأ في المعنى إلا أنها قيد. والقيود تكون ثابتة مع ما قيد بها، والإنشاء لا١ خارج له بل يظهر مع اللفظ، ويزول بزواله، فلا يصلح للقيد، ولهذا لم يقع الإنشاء شرطًا ولا نعتًا، هذا حاصل جواب الحديثي. "وغلط من قال" وهو الأمين المحلي في كتابه المفتاح ومن خطه نقلت "في قوله" وهو بعض المولدين: [من السريع]
٤٤٦-
"اطلب ولا تضجر من مطلب" فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى الحبل بتكراره في الصخرة الصماء قد أثرا
"إن "لا" ناهية، و" إن "الواو للحال"، قال في المغني٢: وهذا خطأ، "والصواب" في الواو "أنها عاطفة" إما مصدرًا يسبك من "أن" والفعل على مصدر متوهم من الأمر السابق، أي: ليكن منكم طلب وعدم ضجر. أو جملة على جملة، وعلى الأول ففتحة "تضجر" إعراب و"لا" نافية، والعطف مثل قولك: "ائتني ولا أجفوك" بالنصب.
وعلى الثاني فالفتحة بناء للتركيب، والأصل: ولا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة فحذفت للضرورة، و"لا" ناهية، والعطف "مثل ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ " [النساء: ٣٦] . انتهى كلامه في المغني قبيل الجملة المفسرة ثم أعاد المسألة في النوع الثامن من الجهة السادسة فقال: ثم الأصح أن الفتحة؛ يعني فتحة "تضجر"؛ إعراب مثلها في "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" لا بناء لأجل نون توكيد محذوفة. ا. هـ.
الشرط "الثاني: أن تكون" الجملة "غير مصدرة بدليل استقبال"؛ لأن الغرض من الحال تخصيص وقوع مضمون عاملها بوقت حصول مضمون الحال، وذلك ينافي الاستقبال، واعترض بأن الحال بالمعنى الذي نحن بصدده تجامع كلا من الأزمنة الثلاثة على السواء، ولا يناسب الحال معنى الزمان الحاضر المقابل للاستقبال إلا في إطلاق لفظ الحال على كل منهما اشتراكًا لفظيا، وذلك لأن يقتضي امتناع تصدير الحال بعلم الاستقبال. وأجيب بأن الأفعال إذا وقعت قيودًا لما له اختصاص بأحد الأزمنة فهم منها استقباليتها وحاليتها وماضويتها بالنظر إلى ذلك المقيد، لا بالنظر إلى زمن التكلم كما في معانيها الحقيقية، وحينئذ يظهر صحة كلامهم في اشتراط التجريد من علامة الاستقبال. إذ
_________________
(١) ١ سقطت من "ب".
(٢) البيتان لبعض المولدين في الدرر ١/ ٥١٥، والبيت الأول في المقاصد النحوية ٣/ ٢١٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٤٧، وشرح الأشموني ١/ ٢٥٦، ومغني اللبيب ٢/ ٣٩٨، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٦. ٢ مغني اللبيب ٢/ ٣٩٨.
[ ١ / ٦٠٩ ]
لو صدرت بها لفهم كونها مستقبلة بالنظر إلى عاملها. "وغَلِطَ من أعرب"، كالحوفي، "سيهدين؛ من قوله تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] حالًا١" مفعول أعرب، وبيان غلطه من جهة الصناعة ظاهر، وأما من جهة المعنى؛ فلأنه صير معنى الآية: سأذهب مهديا٢، فصرف التنفيس إلى الذهاب، وهو في الآية للهداية، وأجيب بأن "مهديا" وقع بعد الذهاب الذي فيه تنفيس، فيلزم أن يكون أيضًا فيه تنفيس كالمقيد قاله الدماميني. وأما قولهم: "لأضربنه إن ذهب وإن مكث"، فإنما جاز وقوع الشرطية فيه حالًا وإن كانت مصدرة بدليل استقبال وهو "إن"؛ لأن المعنى لأضربنه على كل حال، إذ لا يصح اشتراط وجود الشيء وعدمه لشيء واحد. قاله في المغني٣.
وقال المطرزي٤: طريق جعل الشرطية حالًا أن تجعلها خبرًا لمن الحال له تقول في: "جاء زيد إن تسأله يعطك": جاء زيد وهو إن تسأله يعطك، وتكون الحال حينئذ هي الجملة الاسمية.
الشرط "الثالث: أن تكون" الجملة "مرتبطة إما بالواو والضمير" معًا لتقوية الربط "نحو:" ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ "خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ" حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] فجملة "هم ألوف" حال من الواو في "خرجوا" وهي مرتبطة بالواو والضمير وهو "هم"، "أو بالضمير فقط" دون الواو، و"نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ " [البقرة: ٣٦] فـ"بعضكم": مبتدأ، و"عدو": خبره، و"لبعض" يتعلق بـ"عدو" والجملة حال من الواو في "اهبطوا"، "أي: متعادين" يضل بعضكم بعضًا، وهي مرتبطة بالضمير فقط، وهو الكاف والميم، والخطاب لآدم وحواء بدليل: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] وجمع ضميرهما؛ لأنهما أصل البشر فكأنهما جمع الجنس، وقيل الضمير لهما ولإبليس والحية، وصحح الزمخشري الأول٥.
"أو" مرتبطة "بالواو فقط" دون الضمير "نحو: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ " [يوسف: ١٤] فجملة "ونحن عصبة" حال من "الذئب" مرتبطة بالواو فقط، ولا دخل لـ"نحن" في الربط؛ لأنها لم ترجع إلى صاحب الحال، وإنما جعلت الواو في باب الحال
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ٢/ ٣٩٨. ٢ في "ب": "مذهبا". ٣ مغني اللبيب ٢/ ٣٩٩. ٤ انظر قول المطرزي في الارتشاف ٢/ ٣٦٣، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٦. ٥ الكشاف ١/ ٦٣.
[ ١ / ٦١٠ ]
رابطة؛ لأنها تدل على الجمع١، والغرض اجتماع جملة الحال مع عامل صاحبها.
"وتجب الواو" في موضعين:
أحدهما: أن يفقد الضمير نحو: "جاء زيد وما طلعت الشمس".
والثاني: "قبل "قد"" حال كونها "داخلة على مضارع" مثبت "نحو: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ" أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] فجملة "تعلمون" حال من الواو في تؤذونني، وهي حال مقررة٢ للإنكار، فإن "قد" لتحقيق العلم، والعلم بنبوته يوجب تعظيمه، ويمنع من إيذائه قاله البيضاوي٣.
"وتمتنع" الواو "في سبع صور:
إحداها: الواقعة بعد عاطف" حالًا على حال كما قاله٤ المرادي٥ "نحو: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ " [الأعراف: ٤] فجملة "هم قائلون" من القيلولة؛ حال معطوفة على "بياتًا" وهو مصدر في موضع الحال، والمعنى: جاءها عذابنا حال كونهم بائتين أو قائلين نصف النهار، ولا يقال: أو وهم قائلون، كراهة اجتماع حرفي عطف٦.
الصورة "الثانية": الحال "المؤكدة لمضمون الجملة" قبلها "نحو: هو الحق لا شك فيه، و: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] فكل من جملتي "لا شك فيه" و"لا ريب فيه" حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها، وكما لا تدخل الواو في التوكيد في نحو: جاء زيد نفسه لا تدخل هنا؛ لأن المؤكد نفس المؤكد في المعنى، فلو دخلت الواو في التوكيد في صورة عطف الشيء على نفسه.
الصورة "الثالثة: الماضي التالي "إلا"" الإيجابية "نحو:" ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ " إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ "﴾ [الحجر: ١١] فجملة "كانوا به يسهزئون" حال من الهاء والميم في "يأتيهم"، ولا تقترن بالواو عند ابن مالك٧، وصرح شارح اللب٨ بجواز
_________________
(١) ١ في "ط": "الجملة". ٢ في "أ"، "ب": "مقدرة". ٣ أنوار التنزيل ٤/ ١٠٢. ٤ في "ب"، "ط": "قال". ٥ انظر شرح المرادي ٢/ ١٦٧. ٦ بعده في "ط": "صورة". ٧ شرح التسهيل ٢/ ٣٦١. ٨ العباب في شرح اللباب لعبد الله العجمي ٢/ ٨٤.
[ ١ / ٦١١ ]
الواو وتركها فيما إذا كان الماضي تاليًا "إلا" كقوله: [من البسيط]
٤٤٧-
نعم امرأ هرم لم تعر نائبة إلا وكان لمرتاع بها وزرا
الصورة "الرابعة: الماضي المتلو بـ"أو"، نحو: لأضربنه ذهب أو مكث"، فجملة "ذهب" حال من الهاء، وهي متلوة بـ"أو" فلا تقترن بالواو؛ لأنها في تقدير شرط، أي: إن ذهب وإن مكث، وفعل الشرط لا يقترن بالواو، فكذلك ما كان في تقديره.
الصورة "الخامسة: المضارع المنفي بـ"لا" نحو: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ " [المائدة: ٨٤] فجملة
"نؤمن بالله" حال من الضمير المجرور باللام. ولم تقترن بالواو؛ لأن المضارع المنفي بـ"لا" بمنزلة اسم الفاعل المضاف إليه "غير"، فجرى مجراه في الاستغناء عن الواو، ألا ترى أن معناه: ما لنا غير
مؤمنين، فكما لا يقال: ما لنا وغير مؤمنين لا يقال: ما لنا ولا نؤمن. قاله ابن مالك في شرح الكافية. وجعل ابن الناظم ترك الواو قبل "لا" أكثريا، وأنشد على مجيء الواو قول مالك بن رقية: [من الوافر]
٤٤٨-
وكنت ولا ينهنهني الوعيد
وقول مسكين الدارمي: [من الرمل]
٤٤٩-
أكسبته الورق البيض أبا ولقد كان ولا يدعى لأب
الصورة "السادسة: المضارع المنفي بـ"ما" كقوله": [من الطويل]
٤٥٠-
"عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة" فما لك بعد الشيب صبا متيما
أنشده ابن مالك في شرح التسهيل١، فجملة "تصبو": حال من الكاف في "عهدتك"، ولم تقترن بالواو لما تقدم في "لا" و"صبا" حال، والمعنى: كنت حالة الصبا غير لاه، وصرت في حال الشيخوخة لاهيا، وكان مقتضى الحال عكس ذلك.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٧٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٧٤، وشرح التسهيل ١/ ١٦٣، ٢/ ١٦٩.
(٢) صدر البيت: "تفانى مصعب وبنو أبيه" ، وهو لمالك بن رقية في أمالي القالي ٣/ ١٢٧، والمقاصد النحوية ٣/ ١٩٢، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٢٤٦، وشرح الأشموني ١/ ٢٥٧.
(٣) البيت لمسكين الدارمي في ديوانه ص٢٢، وسمط اللآلي ص٣٥٢، والمقاصد النحوية ٣/ ١٩٣، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٢٤٦، وشرح الأشموني ١/ ٢٥٧.
(٤) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٥٤، والدرر ١/ ٥١٦، وشرح الأشموني ١/ ٢٥٧، وشرح التسهيل ٢/ ٣٦٠، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٦. ١ شرح التسهيل ٢/ ٣٦٠.
[ ١ / ٦١٢ ]
الصورة "السابعة: المضارع المثبت" المجرد من "قد" "كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ " [المدثر: ٦] فجملة "تستكثر" حال من فاعل "تمنن" المستتر فيه، ولم تقترن بالواو؛ لأنه يشبه اسم الفاعل في الزنة والمعنى، والواو لا تدخل اسم الفاعل فكذلك ما أشبهه، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٥٢-
وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضميرا ومن الواو خلت
"وأما نحو قوله" وهو عنترة العبسي: [من الكامل]
٤٥١-
"علقتها عرضًا وأقتل قومها" زعما لعمر أبيك ليس بمزعم
فجملة "وأقتل قومها" حال من "التاء" في "علقتها"، وهي مقترنة بالواو مع المضارع المثبت، واختلف في تخريجها "فقيل: ضرورة. وقيل: الواو عاطفة" لا واو الحال، "والمضارع مؤول بالماضي"، والتقدير: وقتلت قومها، فعدل عن لفظ الماضي إلى لفظ المضارع قصدًا لحكاية الحال الماضية، ومعناها أن يفرض ما كان في الزمان الماضي واقعًا في هذا الزمان، فيعبر عنه بلفظ المضارع، وهذا القول منسوب في التلخيص البياني واقعًا في هذا الزمان، فيعبر عنه بلفظ المضارع، وهذا القول منسوب في التلخيص البياني إلى الشيخ عبد القاهر. "وقيل:" هي "واو الحال، والمضارع خبر لمبتدأ محذوف، أي: وأنا أقتل" قومها، والجملة من المبتدأ والخبر هي الحال، وعليه اقتصر في الناظم فقال:
٣٥٣-
وذات واو بعدها انو مبتدا له المضارع اجعلن مسندًا
و"علقتها": مبني للمفعول، "وعرضًا" بفتح العين المهملة والراء، و"زعمًا" بفتح الزاي والعين المهملة: مصدر زعم؛ بكسر العين: يزعم؛ بفتحها: زعمًا؛ بفتحتين: أي: طمع يطمع طمعًا كـ: فرح يفرح فرحًا، والمزعم: المطمع.
_________________
(١) البيت لعنترة في ديوانه ص١٩١، وجمهرة اللغة ص٨١٦، وخزانة الأدب ٦/ ١٣١، ولسان العرب ١٢/ ٢٦٧ "زعم"، والمقاصد النحوية ٣/ ١٨٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٥٦، وشرح ابن الناظم ص٢٤٥، وشرح الأشموني ١/ ٢٥٦، وشرح التسهيل ٢/ ٣٦٧، ومجالس ثعلب ١/ ٢٤١.
[ ١ / ٦١٣ ]
"فصل":
"وقد يحذف عامل الحال" إذا كان فعلًا "جوازًا لدليل حالي كقولك لقاصد السفر: "راشدًا"، و" قولك "للقادم من حج: "مأجورًا". أو" لدليل "مقالي"، كأن تقع في جواب استفهام كقولك: "راكبًا"، لمن قال لك كيف جئت؟ أو جواب نفي "نحو: ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: ٤]، أو جواب شرط نحو: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] فهذه أحوال منصوبة بعامل محذوف جوازًا، فـ"راشدًا": منصوب "بإضمار "تسافر"، و" "مأجورًا": منصوب بإضمار "رجعت، و" "قادرين" منصوب بإضمار "نجمعها، و" "رجالًا": منصوب بإضمار "صلوا"، ولو قيل: تسافر راشدًا١، ورجعت مأجورًا، ونجمعها٢ قادرين، وصلوا رجالا، لجاز، ولكن القراءة سنة متبعة.
"و" يحذف٣ "وجوبًا قياسًا في أربع" صور:
إحداها: السادة مسد الخبر "نحو: ضربني زيدًا قائمًا". والأصل: حاصل إذا كان قائمًا. أو ضربه قائمًا على الخلاف في تقديره، ولا يجوز ذكره لما فيه من الجمع بين العوض والمعوض.
"و" الثانية: الحال المؤكدة لمضمون جملة قبلها "نحو: زيد أبوك عطوفًا"، والأصل: أحقه، ولا يجوز ذكره لتنزل الجملة قبله٤ منزلة البدل من اللفظ، "و" هاتان الصورتان "قد مضتا"، فالأولى في باب المبتدأ، والثانية قريبًا هنا.
_________________
(١) ١ في "ط": "راشد". ٢ في "ط": "نجمعهما". ٣ سقطت من "ط". ٤ في "ب": "فيه".
[ ١ / ٦١٤ ]
"و" الصورة الثالثة: هي "التي يبين بها ازدياد" في المقدار "أو نقص" فيه "بتدريج" فيهما، فالأول "كـ: تصدق بدينار فصاعدًا، و" الثاني نحو: "اشتره بدينار فسافلا"، فـ"صاعدًا" و"سافلًا" حالان، والفاء الداخلة عليهما عطفت عاملًا قد حذف وبقي معموله من عطف الإخبار عن الإنشاء، والأصل: تصدق بدينار فذهب المتصدق به صاعدًا، واشتره بدينار فانحط المشترى به سافلًا، قال أبو البقاء: ولا يجوز هنا من حروف العطف إلا الفاء.
"و" الصورة الرابعة: "ما ذكر" بدلا من اللفظ بالفعل "لتوبيخ نحو: أقائمًا وقد قعد الناس، و" لمن لا يثبت على حال: "أتميميا مرة وقيسيا أخرى"، فـ"قائمًا": حال منصوبة بفعل محذوف وجوبًا "أي: أتوجد"، و"تميميا، وقيسيا": حالان منصوبان بفعل محذوف وجوبًا أي: "أتتحول. و" يحذف "سماعًا في غير ذلك نحو: هنيئا لك"، فـ"هنيئًا لك" حال محتملة للتأسيس والتأكيد، منصوبة بفعل محذوف. "أي: ثبت لك الخبر هنيئًا"، على التأسيس. "أو هنأك" ذلك "هنيئًا"، على التأكيد، وهذا التقدير مأخوذ من قول سيبويه١: وإنما نصب "هنيئًا" لأنه ذكر أن خبرًا أصابه إنسان. فقلت: "هنيئًَا" كأنك قلت: ثبت لك هنيئًا أو هنأك ذلك هنيئًا.
ا. هـ. فحذف الفعل وقامت الحال مقامه قاله ابن الشجري. "وهنأ" بتخفيف النون وبالهمز، يقال: هنئ يهنأن كـ: "علم يعلم" وهنؤ يهنؤ، كـ: "ظرف يظرف". وإلى حذف عامل الحال أشار الناظم بقوله:
٣٥٥- والحال قد يحذف ما فيها عمل وبعض ما يحذف ذكره حظل أي: منع.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٣١٧.
[ ١ / ٦١٥ ]
باب التمييز
مدخل
باب التمييز:
"هذا باب التمييز":
وهو في الأصل مصدر "ميز": إذا خلص شيئًا من شيء، وفرق بين متشابهين.
وقولهم في الاسم المميز: "تمييز" مجاز من إطلاق المصدر على اسم الفاعل كـ: "الطلع" و"النجم"، بمعنى الطالع والناجم، قاله أبو البقاء.
و"التمييز" في الاصطلاح "اسم نكرة، بمعنى "من"، مبين لإبهام اسم أو" إبهام "نسبة"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٦-
اسم بمعنى من مبين نكره
"فخرد بالفصل الأول" وهو نكرة، المشبه بالمفعول به "نحو: زيد حسن وجهه" بالنصب، فإن فيه ما في "حسن وجهًا" إلا التنكير، فلا يكون تمييزًا لعدم تنكيره، "وقد مضى" في باب المعرف بالأداة "أن قوله" وهو رشيد اليشكري: [من الطويل]
٤٥٢-
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا "صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو"
"محمول على زيادة: أل" عند البصريين١ كما زيدت في: [من الرجز]
٤٥٣-
باعد أم العمرو عن أسيرها
خالف في ذلك الكوفيون وابن الطراوة٢، فأجازوا تعريف التمييز متمكسين بنحو ما أولناه.
"و" خرج بالفصل "الثاني" وهو بمعنى "من" "الحال" نحو: "جاء زيد راكبًا" "فإنه بمعنى: في حال كذا، لا بمعنى: من٣".
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ١٣١. ١ انظر الارتشاف ٢/ ٣٨٤.
(٢) تقدم تخريج الرجز برقم ٥١. ٢ الارتشاف ٢/ ٣٨٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٢. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٣٧٩.
[ ١ / ٦١٦ ]
"و" خرج بالفصل "الثالث" وهو مبين لإبهام اسم أو نسبة اسم "لا" التبرئة "نحو: "لا رجل"، و" ثاني مفعولي "أستغفر" "نحو:" [من البسيط]
٤٥٤-
"أستغفر الله ذنبا لست محصيه" رب العباد إليه الوجه والعمل
"فإنهما" أي: "رجل" و"ذنبا" "وإن كانا على معنى: من" بدليل صحة اقترانهما بها نحو: "لا من رجل"، و"أستغفر الله من ذنب" "لكنها" أي: "من" "ليست" فيهما "للبيان" فلا يكونان مبينين، "بل هي في الأول" وهو "لا رجل" "للاستغراق" للجنس، ولذلك بني اسم "لا" معها، "وفي الثاني" وهو أستغفر الله ذنبًا "للابتداء"، كأنه لما أراد الاستغفار ابتدأ منه بالجانب المتناهي، وهو الأول، وترك الجانب الأعلى الذي لا يتناهى، لكونه غير محدود، فكأنه قال: أستغفر الله مبتدئًا من أول الذنوب إلى ما لا يتناهى.
قال الموضح في الحواشي: وليس المراد بقولهم في التمييز: بمعنى "من" أن تكون "من" مقدرة قبله، لئلا يخرج عنه المحول عن الفاعل والمفعول والمبتدأ وتمييز العدد، وإنما المراد أن الاسم جيء به لتبيين الجنس كما يجاء بـ"من" المبينة للجنس، لا أن ثم "من" مقدرة. ا. هـ.
"وحكم التمييز النصب"؛ لأنه من الفضلات. "والناصب لمبين الاسم هو ذلك الاسم المبهم"، واختلف في صحة إعماله مع أنه جامد، فقيل: شبهه باسم الفاعل؛ لأنه طالب له في المعنى "كـ: عشرين درهمًا"، فإنه شبيه بـ"ضاربين زيدًا"، و"رطل زيتًا"، فإنه شبيه بـ"ضارب عمرًا" في الاسمية والطلب المعنوي ووجود ما به التمام وهو التنوين والنون.
وقيل: شبهه بـ"أفعل من"، وذلك في خامس مرتبة، فإن الفعل أصل لاسم الفاعل؛ لأنه يعمل معتمدًا وغير معتمد، واسم الفاعل لا يعمل إلا معتمدًا، وهو أصل للصفة المشبهة؛ لأنه يعمل في السببي والأجنبي، وهي لا تعمل إلا في السببي دون الأجنبي
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أدب الكاتب ص٥٢٤، والأشباه والنظائر ٤/ ١٦، والأصول ١/ ١٧٨، وأوضح المسالك ٢/ ٢٨٣، وتخليص الشواهد ص٤٠٥، وخزانة الأدب ٣/ ١١، ٩/ ١٢٤، والدرر ٢/ ٢٦٠، وشرح ابن الناظم ص٢٥٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢٠، وشرح التسهيل ٢/ ٣٧٩، وشرح شذور الذهب ص٣٧١، وشرح المرادي ٢/ ١٧٤، وشرح المفصل ٧/ ٦٣، ٨/ ٥١، والصاحبي في فقه اللغة ص١٨١، والكتاب ١/ ٣٧، ولسان العرب ٥/ ٢٦ "غفر"، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٢٦، والمتقضب ٢/ ٣٢١، وهمع الهوامع ٢/ ٨٢.
[ ١ / ٦١٧ ]
وهو أصل لـ"أفعل من"؛ لأنها ترفع الظاهر، وهو لا يرفعه إلا في مسألة واحدة، وهو أصل المقادير؛ لأنه يتحمل الضمير، وهي لا تتحمله، وصحح هذا القول؛ لأن حمل الشيء على ما هو به أشبه أولى.
"والناصب لمبين النسبة" عند سيبويه والمازني والمبرد ومتابعيهم١ "المسند من فعل أو شبهه"، فالفعل "كـ: طاب" زيد "نفسًا" فـ"نفسا" منصوب بـ"طاب"، "و" شبه الفعل نحو: "هو طيب أبوة"، فـ"أبوة" منصوب بـ"طيب"، هو صفة مشبهة "وعلم بهذا" التقدير والتفصيل "بطلان عموم قوله" في النظم:
٣٥٦-
"ينصب تمييزًا بما قد فسره"
فإنه يقتضي أن التمييز ينضب بما قد فسره، سواء أكان مفسرًا لإبهام اسم أو لنسبة، وليس كذلك، وأجاب عنه المرادي: بأن التمييز لما رفع إبهام نسبة الفعل إلى فاعله أو مفعوله فكأنه رفع الإبهام عنه، فاندرج بهذا الاعتبار تحت قوله: "بما قد فسره"، وذهب قوم إلى أن العامل في مميز النسبة هو الجملة التي انتصب عن تمامها لا الفعل ولا ما أشبهه، واختاره ابن عصفور٢،ونسبه إلى المحققين، ولولا أن الناظم صرح في غير هذا الموضع وفي آخر الباب بأن ناصبه الفعل لحملت كلامه هنا على ما اختاره ابن عصفور.
_________________
(١) ١ مثل الفارسي، انظر الإيضاح ١/ ٢٠٣، والارتشاف ٢/ ٣٧٧، وشرح المرادي ٢/ ١٧٥. ٢ الارتشاف ٢/ ٣٧٧.
[ ١ / ٦١٨ ]
"فصل":
"والاسم المبهم أربعة أنواع:
أحدها: العدد"، وهو قسمان: صريح وكناية: فالصريح "كـ: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤]، والكناية كـ: "كم" الاستفهامية، نحو: "كم عبدًا ملكت؟ " وقدم الاسم على النسبة؛ لأن المفرد مقدم على المركب، وقدم العدد؛ لأنه أولى بالتمييز لوجهين: أحدهما: أنه يميز بالمقادير، نحو: أحد عشرًا رطلا أو شبرا أو قفيزًا، ولا يعكس.
والثاني: أنه واجب النصب، ذكرهما في شرح الكافية١، وأفرد العدد عن المقادير بناء على أنه ليس من جملتها، وهو قول المحققين؛ لأن المراد بالمقدار ما لم ترد حقيقته بل مقداره، حتى إنه يصح إضافة المقدار إليه، والعدد ليس كذلك، ألا ترى أنك تقول: "عندي مقدار رطل زيتًا" ولا تقول "عندي مقدار عشرين رجلًا" قاله الموضح في شرح القطر٢.
"و" النوع "الثاني: المقدار، وهو" ما يعرف به قدر الشيء، وينقسم ثلاثة أقسام؛ لأنه "إما مساحة كـ: شبر أرضا" و"ذراع نسيجا" "أو كيل كـ: قفيز برا"، ووقع في شرح لمع ابن جني لأبي البقاء: ومن الممسوح عندي "قفيزان شعيرا"؛ لأن القفيز عبارة عن ضرب قصبة في عشر قصبات في عرف الحساب، وهو عشر الجريب. ا. هـ.
ولم أراه لغيره "أو وزن كـ: منوين عسلًا" وتمرًا، "وهو تثنية: منا" بتخفيف النون والقصر، كـ: "عصا"، والمنا: آلة الوزن، يعرف بها مقادير الموزونات، فيقال في تثنيته: "منوان"، كما يقال في تثنية "عصا": "عصوان"، "ويقال فيه "من" بالتشديد" كـ: "ضب"، "وتثنيته: منان" بالتشديد، كما يقال في تثنية "ضب": "ضبان".
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٢/ ٧٦٩. ٢ شرح قطر الندى ص٣٢٩.
[ ١ / ٦١٩ ]
"و" النوع "الثالث: ما يشبه المقدار" في الوزن والكيل والمساحة، فالأول "نحو: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ [الزلزلة: ٧] فـ"مثقال الذرة" شبيه بما يوزن به، وليس اسمًا لشيء يوزن به عرفًا. "و" الثاني: نحو: "نحي سمنا" فـ"النحي" بكسر النون وإسكان الحاء المهملة وبعدها ياء: اسم لوعاء السمن، وهو مما يشبه الكيل، وليس بكيل حقيقة، ويكون كبيرا وصغيرا. "و" الثالث نحو: " ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ " [الكهف: ١٠٩] فـ"مثل" شبيه بالمساحة، وليست مساحة حقيقية، وإنما هو دال على المماثلة من غير ضبط بحد، "وحمل على هذا" في الدلالة على المماثلة ما يفيد المغايرة، نحو: "إن لنا غيرها إبلًا" ووجه حمله عليه أنه غيره، وهم يحملون الغير على المثل ما يحملون المثل على المثل، ولم يحمل على غيره؛ لأنه لا وجه لإلحاقه بالمقدار إلا بأن يحمل على ما ألحق به، وهو المثل.
"و" النوع "الرابع: ما كان فرعًا للتمييز نحو": هذا "خاتم حديدًا، فإن "الخاتم" فرع "الحديد"" من جهة أنه مصنوع منه، فيكون الحديد هو الأصل، والخاتم مشتق منه، فهو فرعه بهذا الاعتبار، وضابطه: كل فرع حصل له بالتفريع اسم خاص يليه أصله، ويكون مما يصح إطلاق الاسم عليه. "ومثله" أي: مثل "خاتم حديدًا" في ذلك "باب ساجا"، فإن "الباب" فرع "الساج" والساج نوع من الخشب، "و: جبة خزا" فإن الجبة فرع الخز، والخز نوع من الحرير، "وقيل" في المنصوب بعد "الخاتم" وبعد "الباب" وبعد "الجبة": "إنه حال".
وينبني عليهما الخلاف في الاتباع، فمن خرج النصب على التمييز قال: إن التابع عطف بيان١. ومن خرجه على الحال، قال: إنه نعت٢. والأول أولى؛ لأنه جامد جمودًا محضًا، فلا يحسن كونه حالًا ولا نعتًا.
"والنسبة المبهمة نوعان: نسبة الفعل للفاعل نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ " [مريم: ٤] فإن نسبة "اشتعل" إلى "الرأس" مبهمة، و"شيبًا" مبين لذلك الإبهام، وهذا التمييز محول عن الفاعل، والأصل: واشتعل شيب الرأس، فحول الإسناد من المضاف؛ وهو شيب؛ إلى المضاف إليه؛ وهو الرأس؛ فارتفع، ثم جيء بذلك المضاف الذي حول عنه الإسناد فضلة وتمييزًا.
_________________
(١) ١ قال بذلك المبرد، انظر المقتضب ٣/ ٢٥٩. ٢ قال بذلك سيبويه، انظر الكتاب ٢/ ١١٧، ١١٨.
[ ١ / ٦٢٠ ]
"ونسبته للمفعول نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ " [القمر: ١٢] فإن نسبة "فجرنا" إلى "الأرض" مبهمة، و"عيونًا" مبين لذلك الإبهام، والأصل: وفجرنا عيون الأرض. فحول المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجيء بالمضاف تمييزًا، هذا مذهب الجزولي١ وابن عصفور٢ وابن مالك٣ وأكثر المتأخرين٤، وأنكره الشلوبين٥، وحجته أن سيبويه لم يمثل بالمنقول عن المفعول، وتبعه تلميذه الأبدي٦ وابن أبي الربيع٧، وتأول الشلوبين "عيونا" في الآية على أنها حال مقدرة؛ لأنها حال التفجر لم تكن عيونًا، وإنما صارت عيونًا بعد ذلك. وأولها ابن أبي الربيع على وجهين: أحدهما: أن يكون بدل بعض من كل، على حذف الضمير، أي: عيونها، مثل: أكلت الرغيف ثلثًا، أي: ثلثه.
والثاني أن يكون مفعولًا على إسقاط الجار، أي: بعيون. ورده الموضح في شرح اللمحة.
"ولك في مميز الاسم" المفرد "أن تجره بإضافة الاسم" إليه إن حذف ما به تمامه من تنوين ظاهر أو مقدر أو نون تشبهه٨ "كـ: شبر أرض" من الممسوحات "و: قفيز بر" من المكيلات، "و: منوي عسل" من الموزونات، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٨-
وبعد ذي وشبهها اجرره إذا أضفتها كمد حنطة غذا
"إلا إذا كان الاسم عددًا" من أحد عشر إلى تسعة وتسعين، فإن تمييزه واجب النصب لما سيأتي، بخلاف ثلاثة عشرة وما بينها، ومائة وما فوقها، فتمييزه واجب الجر بالإضافة إلا ما شذ كـ: "خمسة أثوابًا" و"مائتين عامًا"، فلا يدخل الجواز شيئًا من واجب النصب وواجب الجر، فلا اعتراض عليه في الإطلاق، وإنما وجب النصب فيما كان "كـ: عشرين درهمًا" وامتنع جره؛ لأنه يضاف إلى غير التمييز نحو: "عشري رجل"، فلو أضيف إلى التمييز لزم الالتباس، فلا يعلم هل هو تمييز أو لا؟ ولم يعكس الأمر دفعًا
_________________
(١) ١ الجزولية ص٢٢٢. ٢ شرح الجمل ٢/ ٢٨٤. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٣٨٤. ٤ منهم ابن عقيل في شرحه ١/ ٣٤٧. ٥ الارتشاف ٢/ ٣٧٨. ٦ همع الهوامع ١/ ٢٥١، والارتشاف ٢/ ٣٧٨. ٧ الارتشاف ٢/ ٣٧٨. ٨ في "ب": "تثنية".
[ ١ / ٦٢١ ]
لإضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن العدد هو التمييز في المعنى، قاله في المتوسط، وزعم أنه الصواب. "أو مضافًا نحو:" ﴿وَلَوْ جِئْنَا "بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ " [الكهف: ١٠٩] "و﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ " [آل عمران: ٩١] فـ"مددًا تمييز لـ"مثل"، و"ذهبًا" تمييز لـ"ملء"، ولا يجوز جرهما بالإضافة؛ لأن "مثل" و"ملء" مضافان مرة فامتنع إضافتهما مرة أخرى، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٩-
والنصب بد ما أضيف وجبا إن كان مثل ملء الارض ذهبا
[ ١ / ٦٢٢ ]
"فصل":
"مم مميز النسبة" التمييز "الواقع بعد ما يفيد التعجب" إما بصيغته الموضوعة له أو لا، فالأول "نحو:" أبو بكر "أكرم به أبًا وما أشجعه رجلًا. و" الثاني نحو: "لله دره فارسًا"، فـ"أبا" و"رجلا" و"فارسًا" تمييز لبيان جنس المتعجب منه المبهم في النسبة، والدر؛ بفتح الدال المهملة وتشديد الراء؛ في الأصل مصدر در اللبن يدر ويدر؛ بكسر الدال وضمها؛ درا ودرورًا كثر، ويسمى اللبن نفسه درا، وهو هنا كناية عن فعل الممدوح الصادر عنه، وإنما أضيف١ فعله إلى الله تعالى قصدًا لإظهار التعجب منه؛ لأنه تعالى منشئ العجائب. فمعنى قولهم: "لله دره فارسًا" ما أعجب فعله، ويحتمل أن يكون التعجب من لبنه الذي ارتضعه من ثدي أمه، أي: ما أعجب هذا اللبن الذي نزل به مثل هذا الولد الكامل في هذه الصفة، وكون "فارسًا من مميز النسبة إنما يتمشى إذا كان الضمير المضاف إليه "الدر" معلوم المرجع، أما إذا كان مجهوله كان من مميز الاسم لا من مميز النسبة؛ لأن الضمير مبهم، فيحتاج إلى ما يميزه، قاله في الحواشي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٦١-
وبد كل ما اقتضى تعجبا ميز
"و" من مميز النسبة التمييز "الواقع بعد اسم التفضيل"، وله حالتان: تارة يكون منصوبًا، وتارة يكون مجرورًا، "وشرط نصب هذا" الواقع بعد اسم التفضيل "كونه" سببيا، وذلك إذا كان "فاعلا معنى، نحو: زيد أكثر مالًا" وعلامة ذلك أن تجعل مكان اسم التفضيل فعلا من لفظه ومعناه، ويرفع التمييز به مع صحة المعنى، فتقول في مثالنا: "زيد كثر ماله"، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٣٦٠-
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلا
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط" "أضاف".
[ ١ / ٦٢٣ ]
"بخلاف" ما إذا لم يكن فاعلًا معنى، وهو ما كان اسم الفضيل بعضه "نحو: "مال زيد أكثر مال"، بالخفض، وعلامة أن يحسن وضع "بعض" موضع اسم التفضيل، ويضاف إلى جمع قائم مقام النكرة، فنقول في مثالنا: "مال زيد بعض الأموال"، ولا يستقيم في هذا المثال أن يكون "مال" فاعلًا معنى لفساد المعنى، فلا يقال: "مال زيد كثر ماله"؛ لأنه يؤدي إلى أن المال له مال.
وإنما وجب نصبه في الأولى وجره في الثانية؛ لأن اسم التفضيل مضاف إلى ما هو بعضه دون الأولى، "وإنما جاز: هو أكرم الناس رجلًا" بالنصب مع تخلف شرطه؛ وهو أن "رجلًا" لا يصح أن يكون فاعلًا في المعنى: إذ لا يقال:"هو كرم رجل" فتخبر عن "هو" بقولك: "كرم رجل" وإذا بطل شرط النصب كان حقه الجر، وإنما نصب "لتعذر إضافة "أفعل" مرتين"؛ لأنه أضيف أولًا إلى "الناس"، فلو أضيف ثانيًا إلى "رجل" لزم إضافته مرتين، وذلك ممتنع؛ لأن المضاف إلى شيء يمتنع إضافته إلى غيره.
[ ١ / ٦٢٤ ]
"فصل":
"ويجوز جر التمييز بـ"من" كـ: "رطل من زيت"". واختلف في معنى "من" التي يصرح بها مع التمييز، فقيل: للتبعيض، ولذلك لم تدخل في "طاب نفسًا" لأن "نفسا" ليست أعم من المبهم الذي انطوت عليه الجملة. وقال الشلوبين١: زائدة عند سيبويه٢ لمعنى التبعيض. قال في الارتشاف٣: ويدل على صحته أنه عطف على موضعها نصبًا، قال الحطيئة: [من البسيط]
٤٥٥-
طافت أمامة بالركبان آونة يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
وبحث الموضح في الحواشي أنها لبيان الجنس، وهو ظاهر؛ لأن المشهور من مذاهب النحويين ما عد الأخفش أن "من" لا تزاد إلا في غير الإيجاب.
ولا٤ يمتنع جر التمييز بـ"من" "إلا٥ في ثلاث مسائل:
إحداها: تمييز العدد. كـ: عشرين درهمًا" لما سيأتي.
"الثانية: التمييز المحول عن المفعول، كـ: غرست الأرض شجرًا، ومنه" أي: من المحول عن المفعول "ما أحسن زيدًا أدبًا" فإنه محول عن المفعول، وأصله: ما أحسن أدب زيدٍ، "بخلاف: ما أحسنه" أي: زيدًا" "رجُلا" فإنه ليس محولًا عن المفعول، إذ لا يصح "ما أحسن رجل زيد" مع أن المراد بالرجل نفس زيد.
_________________
(١) ١ الارتشاف ٢/ ٣٨٤. ٢ الكتاب ٤/ ٢٢٥. ٣ الارتشاف ٢/ ٣٨٤.
(٢) البيت للحطيئة في ديوانه ص١١، والارتشاف ٢/ ٣٨٤، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٧٦، وخزانة الأدب ٣/ ٢٧٠، ٢٨٩، والدرر ١/ ٥٣٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٤٢، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٤٣٢، وشرح الأشموني ١/ ٢٦٥، وهمع الهوامع ١/ ٢٥١. ٤ سقط من "ط". ٥ سقط من "ط".
[ ١ / ٦٢٥ ]
و"الثالثة: ما كان فاعلا في المعنى إن كان محولًا عن الفاعل صناعة كـ: طاب زيد نفسًا"، إذ أصله: طابت نفس زيد، "أو" محولا "عن مضاف غيره"، كأن يكون مبتدأ، "نحو: زيد أكثر مالًا"، فـ"مالا" محول عن مبتدأ، "إذ أصله: مال زيد أكثر"، فحول المضاف، وجعل تمييزًا، وأقيم المضاف إليه مقامه، فارتفع على الابتداء مكانه، "بخلاف" ما كان فاعلًا في المعنى، ولم يكن محولًا "نحو: لله دره فارسًا، و: أبرحت جارًا" بكسر التاء خطابًا للمؤنثة، أخذا من قول الأعشى: [من المتقارب]
٤٥٦-
أقول لها حين جد الرحيـ ـل أبرحت ربا وأبرحت جارًا
"فإنهما" أي: فارسًا وجارًا "وإن كانا فاعلين معنى؛ إذ المعنى عظمت فارسا وعظمت جارًا، إلا أنهما غير محولين" عن الفاعل صناعة، "فيجوز دخول "من" عليهما"، فتقول: "من فارس" و"من جار" كقوله: [من السريع]
٤٥٧-
يا سيدا ما أنت من سيد موطأ الأكناف رحب الذراع
"ومن ذلك" الفاعل في المعنى الغير محول: "نعم رجلًا زيد١"، فـ"رجلًا" وإن كان فاعلًا معنى؛ إذ المعنى نعم الرجل زيد؛ إلا أنه غير محول، فلذلك "يجوز" دخول "من" عليه، فتقول: "نعم من رجل، قال" أبو بكر بن الأسود: [من الوافر]
٤٥٨-
تخيره فلم يعدل سواه "فنعم المرء من رجل تهامي"
بفتح التاء كـ: "يمان". واقتصر في النظم على استثناء مسألتين فقال:
٣٦٢-
واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى
_________________
(١) البيت للأعشى في ديوانه ص٩٩، والارتشاف ٢/ ٣٨٢، وجمهرة اللغة ص٥٦، ٢٧٥، وخزانة الأدب ٢/ ٣٠٢، ٣٠٥، ٣٠٦، وسمط اللآلي ص٣٣٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٢٦٣، والكتاب ٢/ ١٧٥، ولسان العرب ٢/ ٤١١ "برح"، ونوادر أبي زيد ص٥٥، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٦٧، ٤٠٤، وأوضح المسلك ٢/ ٣٦٧، والفاخر ص٢٨٠.
(٢) البيت للسفاح بن بكير في خزانة الأدب ٦/ ٩٥، ٩٦، ٩٨، والدرر ١/ ٣٧٨، وشرح اختيارات المفضل ص١٣٦٣، وشرح شواهد الإيضاح ص١٩٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٨٥، وخزانة الأدب ٢/ ٣٠٨، والدرر ٢/ ٢٩٢، وشرح شذور الذهب ص٢٥٨، وشرح قطر الندى ص٣٢٠ والمقرب ١/ ١٦٥، وهمع الهوامع ١/ ١٧٣، ٢/ ٩٠. ١ في "أ"، "ب": "زيدًا".
(٣) البيت لأبي بكر بن الأسود المعروف بابن شعوب الليثي في الدرر ٢/ ٢٧٦، وشرح المفصل ٧/ ١٣٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٢٧، ٤/ ١٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٦٩، وخزانة الأدب ٩/ ٣٩٥، وشرح ابن الناظم ص٢٥٣، وشرح الأشموني ١/ ٢٦٥، والمقرب ١/ ٦٩، وهمع الهوامع ٢/ ٨٦.
[ ١ / ٦٢٦ ]
وإنما امتنع دخول "من" في المسائل الثلاث المتقدمة؛ لأن وضع "من" المبينة أن يفسر بها وبمصحوبها اسم جنس سابق صالح لحمل ما بعدها عليه، نحو: ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] . وامتنع ذلك في العدد لعدم صحة الحمل، لكون العدد دالا على متعدد. والتمييز مفرد، وفي المحول عن الفاعل والمفعول؛ لأن التمييز مفسر للنسبة لا للفظ المذكور، وجاز دخولها في غير ذلك؛ لأن التمييز نفس المميز في المعنى.
وفي كلامه هنا أمور منها: أنه قيد الفاعل المعنوي بأن يكون محولًا صناعة، ولم أقف عليه لغيره. ومنها أنه تبع الشارح١ في جعل "لله دره فارسًا" و"نعم المرء من رجل" من تمييز الجملة، واعترضه المرادي بأنه تمييز مفرد لا تمييز جملة٢. ومنها أنه حكم على "أبرحت جارًا" أنه غير٣ محول، والمنقول عن الأعلم أنه مما انتصب عن تمام الكلام، وأنه منقول عن فاعل، وتقديره: أبرح جارك، فأسند الفعل إلى غيره ثم نصبه تفسيرًا، وذهب ابن خروف٤ إلى أنه مما انتصب عن تمام الاسم، فالقول بأنه تمييز عن تمام الجملة وليس محولًا قول ثالث. ومنها أنه خالف كلامه في "نعم رجلًا زيد". فقال هنا: يجوز "نعم من رجل"، ومنع ذلك في شرح اللمحة فقال٥: ولا تدخل "من" على ما كان منقولا أو مشبها بالمنقول أو بعد عدد، وقدم قبل ذلك أن المشبه بالمنقول قولهم: "نعم رجلًا زيد"، ووجه شبهه بالمنقول أن المعنى: نعم الرجل زيد، فكان هذا هو الأصل، ثم حول الإسناد عن الظاهر إلى المضمر، وجعل المرفوع تمييزًا لذلك الضمير. ا. هـ. فجعله محولًا، ومنع دخول "من" عليه. ومنها أن قوله: إذ المعنى عظمت فارسًا وعظمت جارًا، ليس فيه بيان أن "فارسًا" و"جارًا" فاعلان معنى، وكان حقه أن يرفعهما، ويقول: إذ المعنى عظمت فروسيتك وعظم جوارك، فيسند الفعل إلى أصل التمييز أو إلى التمييز، فتقول: عظم فارس وعظم جار.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٢٥٢. ٢ شرح المرادي ٢/ ١٨٣. ٣ سقطت من "ب". ٤ الارتشاف ٢/ ٣٨١. ٥ انظر قوله في همع الهوامع ١/ ٢٥١.
[ ١ / ٦٢٧ ]
"فصل":
"لا يتقدم التمييز على عامله إذا كان اسمًا" جامدًا "كـ: رطل زيتًا، أو فعلًا جامدًا نحو: ما أحسنه رجلًا"؛ لأن الجامد لا يتصرف في نفسه فلا يتصرف في معموله بتقديمه عليه. "وندر تقدمه على" الفعل "المتصرف كقوله" وهو رجل من بني طيئ: [من المتقارب]
٤٥٩-
"أنفسنا تطيب بنيل المنى" وداعي المنون ينادي جهارًا
فـ"نفسًا" تمييز مقدم على عامله؛ وهو تطيب؛ لأنه فعل متصرف "وقاس على ذلك المازني والمبرد والكسائي١"، قال الناظم في شرح العمدة٢: بقولهم أقول قياسًا على سائر الفضلات المنصوبة بفعل متصرف، وجعله في النظم قليلًا فقال:
٣٦٣-
وعامل التمييز قدم مطلقًا والفعل ذو التصريف نزرًا سبقا
ولم يجز سيبويه٣ والجمهور ذلك؛ لأن الغالب في التمييز المنصوب بفعل متصرف أن يكون فاعلًا في الأصل، وقد حول الإسناد عنه إلى غيره لقصد المبالغة، فلا يغير عما كان مستحقه٤ من وجوب التأخير لما فيه من الإخلال بالأصل.
_________________
(١) البيت لرجل من طيئ في شرح عمدة الحافظ ص٤٧٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/ ٣٧٢، وشرح الأشموني ١/ ٢٩٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٦٢، وشرح التسهيل ٢/ ٣٨٩، وشرح المرادي ٢/ ١٨٦، ومغني اللبيب ٢/ ٤٦٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٤١. ١ انظر هذه الآراء في التسهيل ص١١٥، وشرح التسهيل ٢/ ٣٨٩، وشرح ابن الناظم ص٢٥٣، والارتشاف ٢/ ٣٨٥. ٢ شرح عمدة الحافظ ١/ ٣٥٩. ٣ الكتاب ١/ ٢٠٥. ٤ في "ب"، "ط": "يستحقه".
[ ١ / ٦٢٨ ]
وقيل لأن التمييز كالنعت في الإيضاح، والنعت لا يتقدم على عامله، فكذلك ما أشبهه، قاله الفارسي، واستحسنه ابن خروف، والبيت ونحوه ضرورة. كما قال في المغني١، ويحتمل أن يكون "نفسًا" منصوبة بفعل محذوف دل عليه المذكور، فالتقدير:
أتطيب نفسًا تطيب.
وأما إذا كان العامل وصفًا فقياس من أجاز التقديم في الفعل أن يجيزه مع الوصف إلا مع اسم التفضيل، واتفق الجميع على جواز تقديم التمييز على المميز إذا كان العامل متقدمًا نحو: "طاب نفسا زيد"، قاله ابن الضائع، وهذا يرد قول الفارسي: إن التمييز كالنعت؛ لأن النعت لا يتقدم على المنعوت. قاله ابن عصفور٢.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٦٠٣. ٢ شرح الجمل ٢/ ٢٨٤.
[ ١ / ٦٢٩ ]
باب حروف الجر
مدخل
باب حروف الجر:
"هذا باب حروف الجر":
ويسميها الكوفيون حروف الإضافة؛ لأنها تضيف الفعل إلى الاسم، أي: تربط بينهما، وحروف الصفات؛ لأنها تحدث صفة في الاسم من ظرفية أو غيرها. "وهي عشرون حرفًا" كما في النظم "ثلاث مضت في" باب "الاستثناء، وهي: خلا وعدا وحاشا" الجارات فلا حاجة لإعادتها، "وثلاثة شاذة" في عمل الجر:
"أحدها: "متى" في لغة هذيل" بالتصغير "وهي" عندهم "بمعنى "من" الابتدائية"، حكى يعقوب ذلك عنهم، و"سمع من بعضهم١: أخرجها متى كمه" أي: من كمه، "وقال" شاعرهم أبو ذؤيب الهذلي في وصفه السحاب: [من الطويل]
٤٦٠-
شربن بماء البحر ثم ترفعت "متى لجج خضر لهن نئيج
أي: من لجج، واللجج: جمع لجة؛ بضم اللام؛ وهي معظم الماء، والنئيج، بفتح النون وكسر
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٢٥٧، وشرح التسهيل ٣/ ١٨٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٤.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي ص٢٠١، والأشباه والنظائر ٤/ ٢٨٧، وجواهر الأدب ص٩٩، وخزانة الأدب ٧/ ٩٧، ٩٩، والخصائص ٢/ ٨٥، والدرر ٢/ ٣٣، وسر صناعة الإعراب ص١٣٥، وشرح أشعار الهذليين ١/ ١٢٩، وشرح شواهد المغني ص٢١٨، ولسان العرب ١/ ٤٨٧، "شرب" ٥/ ١٦٢ "مخر"، ١٥/ ٤٧٤ "متى"، والمحتسب ٢/ ١١٤، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٤٩، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص٥١٥، والأزهية ص٢٨٤، وأوضح المسالك ٣/ ٦، والجنى الداني ص٤٣، ٥٠٥، وجواهر الأدب ص٤٧، ٣٧٨، ورصف المباني ص١٥١، وشرح ابن الناظم ص٢٥٧، وشرح الأشموني ص٢٨٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ٦، وشرح التسهيل /١٥٣، ١٨٦، وشرح عمدة الحافظ ص٢٦٨، وشرح قطر الندى ص٢٥٠، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٨٤، ٨٠٧، والصاحبي في فقه اللغة ص١٥٧، ومغني اللبيب ص١٠٥، وهمع الهوامع ٢/ ٣٤.
[ ١ / ٦٣٠ ]
الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وبالجيم: المر السريع مع الصوت، يقال: إن السحاب في بعض الأماكن يدنو من البحر الملح، فيمتد منها خراطيم عظيمة تشرب من مائه، فيكون لها صوت عظيم مزعج، ثم تذهب صاعدة إلى الجو، فيلطف ذلك الماء ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها وترفعها. ثم يمطر حيث يشاء الله تعالى.
"والثاني: "لعل" في لغة عقيل" بالتصغير "قال" شاعرهم: [من الوافر]
٤٦١-
"لعل الله فضلكم علينا" بشيء أن أمكم شريم
بجر الجلالة بـ"لعل"، وشريم: بفتح الشين المعجمة: المرأة المفضاة، "ولهم في لامها الأولى الإثبات" كما مر، "والحذف" كقوله: [من الرجز]
٤٦٢-
عل صروف الدهر أو دولاتها
أنشده الفراء بجر صروف، "و" لهم "في" لامها "الثانية الفتح والكسر". وأنشدوا عليهما: [من الوافر]
٤٦٣-
لعل الله يمكنني عليها جهارًا من زهير أو أسيد
فهذه أربع لغات، ولا يجوز الجر في بقية لغات "لعل".
"والثالث: "كي"" ولا تجر معربًا ولا اسمًا صريحًا. "وإنما تجر ثلاثة" لا رابع لها، "أحدها: "ما" الاستفهامية، يقول إذا سألوا عن علة الشيء: "كيمه""، والأصل: "كيما" فحذفت ألف "ما" وجوبا، وجيء بهاء السكت وقفًا حفظًا للفتحة
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٧، والجنى الداني ص٥٨٤، وجواهر الأدب ص٤٠٣، وخزانة الأدب ١٠/ ٤٢٢، ٤٢٣، ٤٣٠، ورصف المباني ص٣٧٥، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥، وشرح ابن الناظم ص٢٥٦، وشرح قطر الندى ص٢٤٩، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٨٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٤٧، والمقرب ١/ ١٩٣.
(٢) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ٤/ ٣٢٥، "زفر"، ١١/ ٤٧٣ "علل"، ١٢/ ٥٥٠ "لمم"، والخصائص ١/ ٣١٦، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٠، ٦٦٨، وشرح ابن الناظم ص٤٨٨، ٥٤٥، وشرح التسهيل ٤/ ٣٤، وشرح شواهد الشافية ١٢٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٥٤، وشرح عمدة الحافظ ٣٩٩، والإنصاف ١/ ٢٢٠، والجنى الداني ٥٨٤، ورصف المباني ص٢٤٩، وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٠٧، واللامات ص١٣٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٦، وتاج العروس "لمم".
(٣) البيت لخالد بن جعفر في الأغاني ١١/ ٧٩، وأمالي المرتضى ١/ ٢١٢، وخزانة الأدب ١٠/ ٤٢٦، ٤٣٨، ٤٣٩، ٤٤١، وبلا نسبة في الجنى الداني ص٥٨٣، وسر صناعة الإعراب ص٤٠٧، وشرح عمدة الحافظ ص٢٦٩، ولسان العرب ١١/ ٤٧٣ "علل"، وشرح التسهيل ٢/ ٤٧، ٣/ ١٨٦، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٨٣.
[ ١ / ٦٣١ ]
الدالة على الألف المحذوفة، "والأكثر" عندهم "أن يقولوا: "لِمَهْ"" باللام؛ والمعنى: لأي شيء كان كذا؟ "الثاني "ما" المصدرية وصلتها"، فإنهما في تأويل الاسم، "كقوله" وهو النابغة: [من الطويل]
٤٦٤-
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما "يراد الفتى كيما يضر وينفع"
فـ"كي" جارة لمصدر مؤول من "ما" وصلتها، وهي حرف النفع بمنزلة اللام، "أي" إنما يراد الفتى "للضر والنفع"، أي: لضر من يستحق الضر ونفع من يستحق النفع، ويروى: "يرجى الفتى"، وكون "ما"١ فيه مصدرية، "قاله الأخفش٢"، وهو قليل، "وقيل "ما"" فيه "كافة" لـ
"كي" عن عمل الجر مثلها في "ربما"، وقول قريب الموضح في حاشيته: وأن المصدرية مضمرة بعدها، سهو. "الثالث: "أن" المصدرية" المضمرة "وصلتها نحو: "جئت كي تكرمني" إذا قدرت "أن" بعدها"، والأصل: كي أن تكرمني، فحذفت "أن" استغناء عنها بنيتها "بدليل ظهورها في الضرورة كقوله:" وهو جميل بن عبد الله: [من الطويل]
٤٦٥-
فقالت أكل الناس أصبحت مانحا "لسانك كيما أن تغر وتخدعا"
فـ"تغر" و"تخدعا" مبنيان للفاعل، و"المنح": الإعطاء متعد لاثنين أولهما "أكل
_________________
(١) البيت للنابعة الجعدي في ملحق ديوانه ص٢٤٦، وله أو للنابغة الذبياني في شرح شواهد المغني ١/ ٥٠٧، وللنابغة الجعدي أو للنابغة الذبياني أو لقيس بن الخطيم في خزانة الأدب ٨/ ٤٩٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٥، ولقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ص٢٣٥، وكتاب الصناعتين ص٣١٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٩، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٣٩٤، وأوضح المسالك ٣/ ١٠، وتذكرة النحاة ص٦٠٩، والجنى الداني ص٢٦٢، والحيوان ٣/ ٧٦، وخزانة الأدب ٧/ ١٠٥،وشرح ابن الناظم ص٢٥٦، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٣، وشرح التسهيل ٣/ ١٤٩، ٤/ ١٦، وشرح عمدة الحافظ ص٢٦٦، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٨٢، ٣/ ١٥٣٢، ومغني اللبيب ١/ ١٨٢، وهمع الهوامع ١/ ٥، ٣١. ١ في "أ": "لما". ٢ معاني القرآن للأخفش ١/ ٣٠٦.
(٢) البيت لجميل بثينة في ديوانه ص١٠٨، وخزانة الأدب ٨/ ٤٨١، ٤٨٢، ٤٨٣، ٤٨٨، والدرر ٢/ ٩، وشرح المفصل ٩/ ١٤، ١٦، وله أو لحسان بن ثابت في شرح شواهد المغني ١/ ٥٠٨، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ٢٨٢، وأوضح المسالك ٣/ ١١، وخزانة الأدب ص١٢٥، والجنى الداني ص٢٦٢، ورصف المباني ص٢١٧، وشرح ابن الناظم ص٢٥٦، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٣، وشرح التسهيل ١/ ٢٤٤، ٣/ ١٤٨، ٤/ ١٦، وشرح شذور الذهب ص٢٨٩، وشرح عمدة الحافظ ص٢٦٧، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٨٢، ومغني اللبيب ١/ ١٨٣، وهمع الهوامع ٢/ ٥.
[ ١ / ٦٣٢ ]
الناس" وثانيهما "لسانك" على حذف مضاف، والمعنى: أصبحت مانحًا كل الناس حلاوة لسانك، والغرور: الخداع، فهو عطف تفسيري، وهو إرادة المكروه بالإنسان من حيث لا يعلم.
وجعل ابن مالك في التسهيل١ إظهار "أن" بعد "كي" قليلًا، ولم يجعله ضرورة كما فعل الموضح، "والأولى" فيما إذا لم يذكر "أن" بعد "كي" "أن تقدر "كي" مصدرية"، ناصبة للمضارع بنفسها، "فتقدر اللام قبلها" استغناء عنها بنيتها "بدليل كثرة ظهورها معها نحو: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] . فهذه ستة أحرف.
"والأربعة عشر الباقية" من العشرين "قسمان:
سبعة تجر الظاهر والمضمر، وهي: من، وإلى، وعن، وعلى، وفي والباء، واللام" وهي بالنسبة إلى الوضع ثلاثة أقسام: ما هو موضوع على حرف واحد، وهو اثنان: "الباء" و"اللام". وما هو موضوع على حرفين وهو ثلاثة: "من" و"عن" و"في". وما هو موضوع على ثلاثة أحرف وهو اثنان: "إلى" و"على".
وبدأ منها بـ"من"؛ لأنها أم حروف الجر، قاله صاحب درة الغواص وغيره.
مثال: جرها المضمر والظاهر "نحو: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ " [الأحزاب: ٧] .
ومثال "إلى": " ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ " [الأنعام: ٦٠] .
ومثال "عن": " ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] ﴿﵃﴾ [المائدة: ١١٩] .
ومثال "على": " ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ " [غافر: ٨٠] .
ومثال "في": " ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَات " لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
ومثال "الباء": " ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٧٥] ﴿آمَنُوا بِهِ﴾ " [الأعراف: ١٥٧] .
ومثال اللام: " ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ﴿لَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ " وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] .
"وسبعة تختص بالظاهر" وهي المشار إليها بقوله في النظم:
٣٦٦-
بالظاهر اخصص منذ مذ وحتى والكاف والواو ورب والتا
وهي بالنسبة إلى الوضع أربعة أقسام: ما وضع على حرف واحد، وهو ثلاثة: الكاف
_________________
(١) ١ التسهيل ص٢٢٩.
[ ١ / ٦٣٣ ]
والواو والتاء. وما وضع على حرفين وهو "مذ" خاصة. وما وضع على ثلاثة أحرف وهو: "منذ" و"رب" وما وضع على أربعة أحرف وهو: "حتى" خاصة.
"وتنقسم" بالنسبة إلى عملها في الظاهر "أربعة أقسام" أيضًا:
"ما لا يختص بظاهر بعينه" وهو" ثلاثة: "حتى" و"الكاف" و"الواو"، نحو: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] . ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] . "وقد تدخل "حتى" و"الكاف في الضرورة على الضمير"، فالأول كقوله: [من؟؟؟؟]
٤٦٦-
أتت حتاك تقصد كل فج ترجي منك أنها لا تخيب
والكوفيون والفراء لا يخصون ذلك بالضرورة قاله في المغني١.
والثاني "كقول العجاج" يصف حمارًا وحشيا: [من الرجز]
٤٦٧-
خلى الذنابات شمالًا كثبا "وأم أوعال كها أو أقربا"
فأدخل الكاف على الهاء العائدة على الذنابات؛ بفتح الذال المعجمة والنون وبعد الألف باء موحدة؛ جمع ذنابي، وهي في الأصل شبه المخاط يقع من أنوف الأبل، وهنا اسم موضع بعينه، وأم أوعال: اسم هضبة بعينها، وهي في الأصل جبل منبسط على وجه الأرض. وشمالا: ظرف، وكثبًا؛ بفتح الكاف والثاء المثلثة؛ صفته، ومعناه: قريبًا و"أو": حرف عطف، والمعنى: أن هذا الحمار الوحشي ترك الذنابات ناحية شماله قريبًا منه، وترك أم أوعال كالذنابات أو أقرب منها. "وقول الآخر" وهو رؤبة يصف حمارًا وحشيا وأتنا وحشيات: [من الرجز]
٤٦٨-
فلا ترى بعلا ولا حلائلا "كه ولا كهن إلا حاظلا"
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ٣٩، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٧، وشرح شواهد المغني ص٣٧٠، ومغني اللبيب ١/ ١٢٣، وهمع الهوامع ٢/ ٢٣. ١ مغني اللبيب ١/ ١٢٣.
(٢) البيت للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٢٦٩، وأوضح المسالك ٣/ ١٦، وتاج العروس "وعل"، وجمهرة اللغة ص٦١، وخزانة الأدب ١٠/ ١٩٥، ١٩٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٩٥، وشرح شواهد الشافية ص٣٤٥، والكتاب ٢/ ٣٨٤، ومعجم ما استعجم ص٢١٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٥٣، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٤٣٦، وشرح ابن الناظم ص٢٥٧، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٣، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٩٣، وشرح المفصل ٨/ ١٦، ٤٢، ٤٤.
(٣) الرجز لرؤبة في ديوانه ص١٢٨، وخزانة الأدب ١٠/ ١٩٥، ١٩٦، والدرر ٢/ ٦٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٥٦، وللعجاج في الكتاب ٢/ ٣٨٤، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٨، وجواهر الأدب ص١٢٤، ورصف المباني ص٢٠٤، وشرح ابن الناظم ص٢٥٨، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٤، وشرح التسهيل ٣/ ١٦٩، وشرح عمدة الحافظ ص٢٦٩، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٧٩١، ٧٩٣، وهمع الهوامع ٢/ ٣٠.
[ ١ / ٦٣٤ ]
فأدخل الكاف في الأول على ضمير الحمار الوحشي، وفي الثاني على ضمير الإناث الوحشيات، والبعل: الزوج، والحلائل: جمع حليلة الرجل، وهي امرأته، الحاظل؛ بالحاء المهملة والظاء المشالة: المانع من التزويج كالعاضل، والمعنى: لا ترى بعلا مثل الحمار الوحشي، ولا زوجات مثل الأتن الوحشيات إلا مانعا.
"وما يختص بالزمان وهو "مذ" و"منذ"" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٦٧-
واخصص بمذ ومنذ وقتا
"فأما قولهم: ما رأيته مذ أن الله خلقه" بفتح الهمزة على أنها مصدرية، وهي وصلتها في تأويل مصدر مجرور بـ"مذ" في الصورة الظاهرة "فتقديره: مذ زمن أن الله خلقه"، فـ"مذ" في الحقيقة إنما جرت زمانًا محذوفًا مضافا إلى المصدر لا المصدر، "أي: مذ زمن خلق الله إياه"، فاندفع بهذا التقدير السؤال، وأما على رواية من كسر الهمزة فـ"مذ" فيه اسم لدخولها على الجملة. "وما يختص بالنكرات وهو: رب" بضم الراء، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٣٦٧-
وبرب منكرًا
نحو: "رب جل كريم لقيته"، "وقد تدخل في الكلام" النثر "على ضمير غيبة ملازم للإفراد والتذكير، والتفسير بتمييز بعده مطابق للمعنى" من إفراد وتذكير وفروعهما كقولك: "ربه رجلا"، و"ربه رجلين"، و"ربه رجلالا١"، و"ربه امرأة"، و"ربه امرأتين"، و"ربه نساء"، كل ذلك بإفراد الضمير استغناء بمطابقة التمييز للمعنى المراد، "قال" الشاعر: [من الخفيف]
٤٦٩-
"ربه فتية دعوت إلى ما" يورث الحمد دائبًا فأجابوا
فأتي بالضمير مفردًا، مفسرا بتمييز مجموع مطابق للمعنى، وهو فتية، هذا مذهب البصريين٢.
_________________
(١) ١ سقطت الجملة من "أ".
(٢) البيت بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٤٦٣، وأوضح المسالك ٣/ ١٩، والدرر ٢/ ٥٠، وشرح الأشموني ١/ ١٨٧، وشرح التسهيل ٣/ ١٨٤، وشرح شذور الذهب ص١٣٣، وشرح شواهد المغني ص٨٧٤، ومغني اللبيب ص٤٩١، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٥٩، وهمع الهوامع ٢/ ٢٧. ٢ انظر مذهب البصريين في الارتشاف ٢/ ٤٦٢، والأزهية ص٢٦١.
[ ١ / ٦٣٥ ]
وحكى الكوفيون١ جواز مطابقته لفظًا٢ نحو: "ربها امرأة"، و"ربهما رجلين"، و"ربهم رجالا"، و"ربهن نساء".
واختلف في الضمير المجرور بـ"رب" فقيل معرفة، وإليه ذهب الفارسي٣ وكثيرون. وقيل نكرة، واختاره الزمخشري٤ وابن عصفور٥؛ لأنه عائد على واجب التنكير، وجعل الناظم دخول "رب" والكاف على الضمير نادرًا فقال:
٣٦٨-
وما رووا من نحو ربه فتى نزر كذاكها ونحوه أتى
"وما يختص بالله ورب" بفتح الراء، حال كونه "مضافًا للكعبة أو لياء المتكلم وهو التاء" في القسم، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٦٧-
والتاء لله، ورب
"نحو: ﴿تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، "و: "ترب الكعبة". و"تربي لأفعلن""، حكاه الأخفش٦، وندر "تالرحمن" و"تحياتك" حكاه سيبويه٧.
_________________
(١) ١ انظر مذهب الكوفيين في الارتشاف ٢/ ٤٦٣، والأزهية ص٢٦١. ٢ سقطت من "ط". ٣ الإيضاح العضدي ١/ ٢٥٣. ٤ الارتشاف ٢/ ٤٦٢. ٥ المقرب ١/ ٢٠٠. ٦ شرح ابن الناظم ص٢٥٩. ٧ الكتاب ١/ ٥٩.
[ ١ / ٦٣٦ ]
"فصل":
"في ذكر معاني الحروف" الجارة: والصحيح عند البصريين أن حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض بقياس كما لا تنوب أحرف الجزم وأحرف النصب، وما أوهم ذلك فهو عندهم إما مؤول تأويلًا يقبله اللفظ. وإما على تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف. وإما على شذوذ إنابة كلمة عن أخرى، وهذا الأخير هو مجمل الباب كله عند الكوفيين وبعض المتأخرين، ولا يجعلون ذلك شاذا، ومذهبهم أقل تعسفًا. قاله في المغني١.
"لـ"من" سبعة معان:
"أحدها: التبعيض" عند الفارسي٢ والجمهور، وصححه ابن عصفور٣، وعلامته جواز الاستغناء عنها بـ"بعض" "نحو: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ " حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ "﴾ [آل عمران: ٩٢]، أي: بعض ما تحبون، "ولهذا قرئ: بعض ما تحبون" قرأ ذلك ابن مسعود٤.
"و" المعنى "الثاني: بيان الجنس" عند جماعة من المتقدمين والمتأخرين وعلامتها صحة وقوع موصول موضعها إذا بينت معرفة نحو: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] أي: الذي هو الأوثان، فإن بينت نكرة فهي ومجرورها في موضع جملة "نحو:" ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا " مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ "﴾ [الكهف: ٣١] فـ"من ذهب" بيان لـ"أساور" أي: هي ذهب، و"من" الأولى للابتداء عند الجمهور، أو زائدة على رأي الأخفش٥ ويدل له قوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ﴾ [الإنسان: ٢١] .
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص١٥٠، ١٥١. ٢ الإيضاح العضدي ١/ ٢٥١. ٣ المقرب ١/ ١٩٨. ٤ انظر هذه القراءة في البحر المحيط ٢/ ٥٢٤، والكشاف ١/ ٢٠٢، وتفسير الرازي ٢/ ٥٠١. ٥ معاني القرآن للأخفش ١/ ٢٧٢، ٢٧٣.
[ ١ / ٦٣٧ ]
"و" المعنى "الثالث: ابتداء الغاية المكانية باتفاق" من البصريين والكوفيين بدليل انتهاء الغاية بعدها "نحو": ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا " مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] . "و" ابتداء الغاية "الزمانية" وفاقًا للكوفيين والأخفش والمبرد وابن درستويه، و"خلافًا لأكثر البصريين" في منعهم ذلك، "و" يدل "لنا" الكتاب العزيز وهو "قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ" أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، "والحديث" وهو قول أنس ﵁: "فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة" رواه البخاري١ من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس رضي لله عنه، وقول بعض العرب: "من الآن إلى الغد"، كما حكاه الأخفش في المعاني٢، "وقول الشاعر" النابغة الذبياني يصف السيوف: [من الطويل]
٤٧٠-
"تخيرن من أزمان يوم حليمة" إلى اليوم قد جربن كل التجارب
فـ"من أزمان" لابتداء الغاية الزمانية، وتخيرن وجربن: مبنيان للمفعول، والنون المتصلة بهما نائب الفاعل، وهي راجعة إلى السيوف المحدث عنها في بيت قبله٣، وتخيرن٤: اصطفين: وجربن: اختبرن، ويوم حليمة، يوم مشهور من أيام العرب، وهو اليوم الذي سار فيه المنذر بن المنذر لقتال الأعرج الغساني، وحليمة هي بنت الحارث٥ بن أبي شمر، والتجارب: جمع تجربة. وحمل المانعون هذه الأدلة على حذف مضاف، والتقدير: في الآية: من تأسيس أول يوم، وفي الحديث من صلاة الجمعة، وفي البيت: من استمرار أزمان، وكذلك ما أشبهها، وأجيب بأن الأصل عدم الحذف.
وقد يكون ابتداء الغاية في غير المكان والزمان نحو: "من محمد رسول الله هرقل عظيم الروم"٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الاستسقاء برقم ٩٧١. ٢ معاني القرآن للأخفش ١/ ١٥٨.
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٤٥، وخزانة الأدب ٣/ ٣٣١، وشرح شواهد المغني ص٣٤٩، ٧٣١، ولسان العرب ١/ ٢٦١، "جرب"، ١٢/ ١٤٩، "حلم" ومغني اللبيب ص٣١٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٧٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٢، وشرح ابن الناظم ص٢٥٩، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٦. ٣ وهو قوله: "ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب" ٤ في "أ": "خيرن". ٥ في "ط": " الحرب". ٦ أخرجه البخاري في بدء الوحي برقم ٧.
[ ١ / ٦٣٨ ]
"و" المعنى "الرابع: التنصيص على العموم أو لتوكيد١ التنصيص عليه، وهي الزائدة"، فالأول الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي نحو: "ما جاءني من رجل"، فهي للتنصيص على العموم، ألا ترى أنه قبل دخول "من" يحتمل نفي الواحد٢ ونفي الجنس على سبيل العموم، ولهذا يصح أن يقال: "بل رجلان"، وبعد دخولها يصير نصا في نفي الجنس على سبيل العموم، فيمتنع أن يقال: "بل رجلان". والثاني الداخلة على نكرة مختصة بالنفي وشبهه نحو: "ما جاءني من أحد" فهي لتأكيد التنصيص على العموم؛ لأن النكرة الملازمة للنفي تدل على العموم أيضًا، فزيادة "من" إنما أفادت مجرد التوكيد؛ "لأن "ما جاء أحد" و"ما جاء من أحد" سيان في إفهام العموم دون احتمال.
فإن قلت: إذا كانت "من" تفيد التنصيص فكيف تكون زائدة؟ أجيب بأن المراد من زيادتها كونها تأتي في موضع يطلبه العامل بدونها، فتصير مقحمة بين طالب ومطلوب، وإن كان سقوطها٣ مخلا بالمعنى المراد، كما قالوا في "لا": إنها زائدة في قولهم: "جئت بلا زاد" مع أن سقوطها يخل بالمعنى.
"و" "من" الزائدة "لها ثلاثة شروط" عند الجمهور:
أحدها: "أن يسبقها نفي" بأي أداة كانت، "أو نهي" بـ"لا"، "أو استفهام بـ"هل"" خاصة، وفي إلحاق الهمزة بها نظر، وفي الارتشاف٤: لو قلت كيف تضرب من رجل؟ أو متى تضرب من رجل؟ لم يجز. ا. هـ. ولعل الفرق أن "هل" لطلب التصديق دائمًا.
"و" الثاني: "أن يكون مجرورها نكرة" كما مر.
"و" الثالث: "أن يكون" مجرورها المنكر "إما فاعلا نحو: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر﴾ " [الأنبياء: ٢] فذكر فاعل "يأتيهم"، "أو مفعولًا" به "نحو: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ " [مريم: ٩٨] فـ"أحد" مفعول "تحس"، "أو مبتدأ نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ " [فاطر: ٣] فـ"خالق" مبتدأ، و"غير الله" نعته على المحل، والخبر محذوف، تقديره: لكم، وليس "يرزقكم" الخبر؛ لأن "هل" لا تدخل على مبتدأ مخبر عنه بفعل على الأصح.
_________________
(١) ١ في "ط": "توكيد". ٢ في "أ"، "ط": "الوحدة". ٣ في "ب": "استعمالها". ٤ الارتشاف ٢/ ٤٤٥.
[ ١ / ٦٣٩ ]
وأجاز بعضهم١ زيادتها بشرط تنكير مجرورها فقط نحو: "قد كان من مطر"، وأجازها الأخفش والكسائي وهشام بلا شرط٢، ووافقهم الناظم في التسهيل٣، وعلله في "شرحه٤ بثبوت السماع بذلك نثرًا ونظمًا.
"الخامس معنى البدل نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ " [التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة، وأنكر قوم مجيء "من" للبدل، وقالوا: التقدير: أرضيتم بالحياة الدنيا بدلا من الآخرة، فالمفيد للبدلية متعلقها المحذوف وأما هي فللابتداء، نقله في المغني٥ وأقره.
المعنى "السادس: الظرفية" عند الكوفيين مكانية أو زمانية، فالأول "نحو: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ " [فاطر: ٤٠] أي: في الأرض، والظاهر أنها لبيان الجنس مثلها في ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] قاله في المغني٦. "و" الثاني نحو: " ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ " [الجمعة: ٩] أي: في يوم الجمعة.
"السابع: التعليل" عند جماعة "كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " [نوح: ٢٥] أي: أغرقوا لأجل خطاياهم، فقدمت العلة على المعلول للاختصاص. "وقال الفرزدق" يمدح زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: [من البسيط]
٤٧١-
"يغضي حياء ويغضي من مهابته" فما يكلم إلا حين يبتسم
أي: يغضي منه لأجل مهابته. والإغضاء: بالغين والضد المعجمتين: إرخاء الجفون. واقتصر
_________________
(١) ١ منهم ابن جني، انظر الخصائص ٣/ ١٠٦. ٢ معاني القرآن للأخفش ١/ ٢٧٢، وشرح التسهيل ٣/ ١٣٨، وشرح ابن الناظم ص٢٦٠. ٣ التسهيل ص١٤٤. ٤ شرح التسهيل ٣/ ١٣٨، ١٣٩. ٥ مغني اللبيب ص٤٢٣. ٦ مغني اللبيب ص٤٢٤.
(٢) البيت للحزين الكناني "عمرو بن عبد وهيب" في الأغاني ١٥/ ٢٦٣، ولسان العرب ١٣/ ١١٤ "حزن" والمؤتلف والمختلف ص٨٩، وللفرزدق في ديوانه ٢/ ١٧٩، وأمالي المرتضى ١/ ٦٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٦٢٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٣٢، ومغني اللبيب ١/ ٣٢٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٥١٣، ٣/ ٢٧٣، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٩٣، وأوضح المسالك ٢/ ١٤٦، وشرح ابن الناظم ص٢٦٠، وشرح الأشموني ١/ ١٨٣، وشرح المفصل ٢/ ٥٣.
[ ١ / ٦٤٠ ]
في النظم على قوله:
٣٦٩-
بعِّض وبيّن وابتدئ في الأمكنه بمن وقد تأتي لبدء الأزمنه
٣٧٠-
وزيد في نفي وشبهه فجر نكرة
وزاد في المغني١ ثامنًا: وهو المجاوزة نحو: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] أي: عن ذكر الله.
وتاسعًا: هو الانتهاء كقولك: "قربت منه" فإنه مساو لقولك: "قربت إليه"، قاله ابن مالك٢.
وعاشرًا: وهو الاستعلاء عند الأخفش٣ والكوفيين نحو: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أي: عليهم، وخرجها المانعون على التضمين، أي: منعناه بالنصر من القوم.
وحادي عشر: وهو الفصل؛ بالصاد المهملة؛ وهي الداخلة على ثاني المتضادين ونحوهما، نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ونحو: "لا تعرف زيدًا من عمرو".
وثاني عشر: موافقة الباء عند بعض البصريين، وقيل بعض الكوفيين، نحو: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] أي: بطرف، نقله الأخفش عن يونس٤.
وثالث عشر: موافقة "عند" نحو: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] قاله أبو عبيدة٥.
ورابع عشر: مرادفة "ربما" كقوله: [من الطويل]
٤٧٢-
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٤٢٣. ٢ شرح التسهيل ٣/ ١٣٦. ٣ معاني القرآن للأخفش ١/ ٢٠٥. ٤ معاني القرآن للأخفش ٢/ ٦٨٧، وشرح التسهيل ٣/ ١٣٧. ٥ مغني اللبيب ص٤٢٤.
(٢) عجز البيت: "على رأسه تلقى اللسان من الفم" وهو لأبي حية النميري في ديوانه ص١٧٤، والأزهية ص٩١، وخزانة الأدب ١٠/ ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧، والدرر ٢/ ٨٥، وشرح شواهد المغني ص٧٢، ٧٣٨، والكتاب ٣/ ١٥٦، ومغني اللبيب ص٣١١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٢٦٠، والجنى الداني ص٣١٥، وشرح شواهد الإيضاح ص٢١٩، ومغني اللبيب ص٣٢٢، ٥١٣، والمقتضب ٤/ ١٧٤، وهمع الهوامع ٢/ ٣٥، ٣٨.
[ ١ / ٦٤١ ]
قاله السيرافي وابن خروف وابن طاهر والأعلم١.
والخامس عشر: الغاية، قاله سيبويه٢: تقول: "رأيته من ذلك الموضع" فجعلته غاية لرؤيتك، وأسقطها هنا لما في بعضها من الرد له.
"وللام اثنا عشر معنى أحدها:
الملك نحو: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [لقمان: ٢٦] .
المعنى "الثاني: شبه الملك، ويعبر عنه بالاختصاص" والاستحقاق، فالأول "نحو: السرج للدابة"، والثاني نحو: "العمارة للدار" لأن "الدابة" و"الدار" لا يتصور منهما الملك، والفرق بينهما أن التي للاستحقاق هي الواقعة بين معنى وذات، والتي للاختصاص بخلاف ذلك.
"و" المعنى "الثالث: التعدية" إلى المفعول به "نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو" لأن ضرب متعد في الأصل، ولكن لما بني منه فعل التعجب نقل إلى فعل؛ بضم العين؛ فصار قاصرًا، فتعدى بالهمزة إلى زيد، وباللام إلى عمرو، هذا مذهب البصريين. وذهب الكوفيون إلى٣ أن الفعل باق على تعديته ولم ينقل، وأن اللام ليست للتعدية، وإنما هي مقوية للعامل لما ضعف باستعماله في التعجب. وهذا الخلاف مبني على أن فعل التعجب إذا صيغ من متعد هل يبقى على تعديته، أو لا؟ ذهب الكوفيون إلى الأول والبصريون إلى الثاني. ومثل الناظم للتعدية في شرح الكافية٤ بقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] . وتبعه ابنه٥. قال الموضح في المغني٦: والأولى عندي أن يمثل للتعدية بنحو: "ما أضرب زيدًا لعمرو" كما مثل هنا، ووجه الأولوية أن ابن مالك مثل بالآية لشبه التمليك في شرح التسهيل٧ فصار المثال محتملا، وقد علمت أم مثال الموضح ليس متفقًا عليه فكيف يكون أولى؟ ولم أقف لهذا المعنى على مثال سالم من الطعن، فالأولى إسقاطه كما أسقطه في التسهيل وشرحه.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٤٢٤. ٢ الكتاب ٤/ ٢٢٥. ٣ سقطت من "ط". ٤ شرح الكافية الشافية ٢/ ٨٠٢. ٥ شرح ابن الناظم ص٢٦٢. ٦ مغني اللبيب ص٢٨٤. ٧ شرح التسهيل ٣/ ١٤٤، ولم يذكر الآية التي وردت في المتن، بل بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] .
[ ١ / ٦٤٢ ]
المعنى "الرابع: التعليل، كقوله" وهو أبو صخر الهذلي: [من الطويل]
٤٧٣-
"وإني لتعروني لذكراك هزة" كما انتفض العصفور بلله القطر
أي: لأجل ذكري إياك.
المعنى "الخامس: التوكيد، وهي الزائد"، وهي أنواع منها المعترضة بين الفعل المتعدي ومفعوله، "نحو قوله" وهو ابن ميادة الرماح يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان: [من الكامل]
٤٧٤-
وملكت ما بين العراق ويثرب "ملكًا أجار لمسلم ومعاهد"
أي: أجار مسلمًا، وهم بالجيم. قال الدماميني: لا تتعين الزيادة فيه لاحتمال أن يكون "أجار" بمعنى: فعل الإجارة، واللام صلة له. ا. هـ. "وأما: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] فالظاهر أنه"؛ أي: ردف؛ "ضمن معنى "اقترب"" فاللام صلة له لا زائدة، وبه جزم في المغني فقال١: وليس منه "ردف لكم" خلافًا للمبرد٢ ومن وافقه٣، بل ضمن ردف معنى "اقترب"، "فهو مثل ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ " [الأنبياء: ١] ا. هـ. ومنها المعترضة بين المتضايفتين كقولهم: [من م. الكامل]
٤٧٥-
يا بؤس للحرب
والأصل يا بؤس الحرب، فأقحمت اللام تقوية للاختصاص. وهل انجرار ما بعدها بها أو
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ٤٠٣.
(٢) البيت لابن ميادة في الارتشاف ٣/ ٢٨٥، والدرر ٢/ ٧٨، ٥٢٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٨٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٧٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٩، والجنى الداني ص١٠٧ وشرح الأشموني ٢/ ٢٩١، ومغني اللبيب ١/ ٢٥١، وهمع الهوامع ٢/ ٣٢، ١٥٧. ١ مغني اللبيب ١/ ٢١٥. ٢ المقتضب ٢/ ٣٧. ٣ منهم ابن مالك في شرح التسهيل ٣/ ١٤٨.
(٣) تمام البيت: "يا بؤس للحرب للتي وضعت أراهط فاستراحوا". وهو لسعد بن مالك في خزانة الأدب ١/ ٤٦٨، ٤٧٣، وشرح شواهد المغني ص٥٨٢، ٦٥٧، والكتاب ٢/ ٢٠٧، والمؤتلف والمختلف ص١٣٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٣٠٧، وأمالي ابن الحاجب ص٣٢٦، والجنى الداني ص١٠٧، وجواهر الأدب ص٢٤٣، والخصائص ٣/ ١٠٢، ورصف المباني ص٢٤٤، وشرح المفصل ٢/ ١٠، ١٠٥، ٤/ ٣٦، ٥/ ٧٢، وكتاب اللامات ص١٠٨، ولسان العرب ٧/ ٣٠٥ "رهط"، والمحتسب ٢/ ٩٣، ومغني اللبيب ١/ ٢١٦.
[ ١ / ٦٤٣ ]
بالمضاف؟ قولان، قال في المغني: أرجحهما الأول؛ لأن اللام أقرب؛ ولأن الجار لا يعلق١.
ا. هـ. وهو مشكل؛ لأن من شأن المضاف أن يجر المضاف إليه، وإلا فلا إضافة. ومنها لام المستغاث، فإنها زائدة عند المبرد، واختاره ابن خروف بدليل صحة إسقاطها٢.
المعنى "السادس: تقوية العامل الذي ضعف إما بكونه فرعًا في العمل" كالمصدر واسمي الفاعل والمفعول وأمثلة المبالغة نحو: "عجبت من ضرب زيد لعمرو"، و"نحو: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ " [البقرة: ٩١]، ونحو: "زيد معط٣ للدراهم"، "و" نحو: " ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ " [هود: ١٠٧] . ومنع ابن مالك٤ زيادتها مع عامل يتعدى لمفعولين، ورد بقوله: [من الطويل]
٤٧٦-
ولا الله يعطي للعصاة مناها
"وإما بتأخره عن المعمول" مع أصالته في العمل "نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُون﴾ " [يوسف: ٤٣] والأصل، والله أعلم: إن كنتم تعبرون الرؤيا، فلما أخر الفعل وتقدم٥ معموله عليه ضعف عمله فقوي باللام، "وليست" اللام "المقوية زائدة محضة" لما تخيل في العامل من الضعف الذي نزله منزلة اللازم، "ولا معدية" محضة لاطراد صحة إسقاطها، "بل هي بينهما" فلها منزلة بين منزلتين، وهو مشكل، فإن الزائدة المحضة لا تتعلق بشيء، وغير الزائدة تتعلق بالعامل الذي قوته عند الموضح، فتكون متعلقة غير متعلقة في آن واحد، وهو ممتنع لأدائه إلى الجمع بين متنافيين.
المعنى "السابع: انتهاء الغاية، نحو: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ " [الرعد: ٢] أي: إلى أجل.
المعنى "الثامن: القسم" ويختض بالجلالة؛ لأنها خلف عن التاء "نحو: لله ما يؤخر الأجل"، أي: تالله.
المعنى "التاسع: التعجب، نحو: لله درك" أي: ما أكثر درك، بالدال المهملة.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ٢١٥. ٢ مغني اللبيب ١/ ٢١٧. ٣ في "ط": "معطي". ٤ شرح التسهيل ٣/ ١٤٨، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٨٠٣.
(٢) صدر البيت: "أحجاج لا تعط العصاة مناهم" وهو لليلى الأخيلية في ديوانها ص١٢٢، والدرر ٢/ ٨٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٨٨، ومغني اللبيب ١/ ٢١٨، وهمع الهوامع ٢/ ٣٣. ٥ في "ط": "قدم".
[ ١ / ٦٤٤ ]
المعنى "العاشر: الصيرورة" عند الأخفش، وتسمى أيضًا لام العاقبة ولام المآل "نحو:" [من الوافر]
٤٧٧-
"لدوا للموت وابنوا للخراب" فكلكم يصير إلى ذهاب
فإن الموت ليس علة الولد، والخراب ليس علة للبناء، ولكن صار عاقبتهما ومآلهما إلى ذلك. ومن منع الصيرورة في اللام ردها إلى التعليل بحذف السبب وإقامة المسبب مقامه.
المعنى "الحادي عشر: البعدية" بالباء الموحدة؛ فتكون مرادفة لـ"بعد" "نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: بعده" وجعلها في باب المفعول له لام التعليل. وتقدم فيه معنى الدلوك.
المعنى "الثاني عشر: الاستعلاء" حقيقة "نحو: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ " [الإسراء: ١٠٩] جمع ذقن، "أي: عليها". ومجازًا نحو: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: عليها، قاله في المغني١.
وتأتي للنسب نحو: "لزيد عم هو لعمرو خال". وللتبليغ نحو: ﴿قُلْ لِعِبَادِي﴾ [إبراهيم: ٣١] قاله ابن مالك٢. وللتبيين نحو: "سقيا لك"، قاله سيبويه٣. وللظرفية نحو: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: فيه. وبمعنى "عند" كقراءة الجحدري: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥] بكسر اللام وتخفيف الميم: أي "عند مجيئه إياهم" قاله أبو الفتح٤. وبمعنى "من" نحو: [من الطويل]
٤٧٨-
ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي: نحن أفضل منكم يوم القيامة. وبمعى "عن" إذا استعملت مع القول نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
_________________
(١) البيت لأبي العتاهية في ديوانه ص٣٣، وللإمام علي بن أبي طالب في خزانة الأدب ٩/ ٥٢٩، ٥٣١، والدرر ٢/ ٧٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٣ والجنى الداني ص٩٨. ١ مغني اللبيب ص٢٨٠. ٢ شرح التسهيل ٣/ ١٤٥. ٣ الكتاب ١/ ٣١٨. ٤ المحتسب ٢/ ٢٨٢.
(٢) صدر البيت: "لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم" وهو لجرير في ديوانه ص١٤٣، والجنى الداني ص١٠٢، وجواهر الأدب ص٧٥، وخزانة الأدب ٩/ ٤٨٠، والدرر ٢/ ٧٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٧، ولسان العرب ٢/ ٢٤، "حتت" ومغني اللبيب ١/ ٢١٣، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص٧٥، وشرح الاشموني ٢/ ٢٩١.
[ ١ / ٦٤٥ ]
كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢] أي: عن الذين آمنوا قاله ابن الحاجب١. وللتمليك وشبهه نحو: "وهبت لزيد دينارًا" ونحو: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] قاله ابن مالك في التسهيل٢، وتبعه الموضح في المغني٣، واقتصر في النظم على قوله:
٣٧٢-
واللام للملك وشبهه وفي تعدية أيضًا وتعليل قفي
٣٧٣-
وزيد
"وللباء" الموحدة "اثنا عشر معنى أيضًا:
أحدها: الاستعانة" وهي الداخلة على آلة الفعل حقيقة "نحو: كتبت بالقلم"، و"نجرت بالقدوم". أو مجازًا نحو: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]؛ لأن الفعل لا يتأتى على هذ الوجه الأكمل إلا بها. حكاه في المغني٤. وهو أحد قولي الزمخشري٥ في البسملة، والقول الثاني: إنها للمصاحبة، وهو الأظهر عنده.
المعنى "الثاني: التعدية" بالتاء المثناة فوق؛ وتسمى باء النقل، وهي المعاقبة للهمزة في تصيير الفاعل مفعولًا، وأكثر ما تعدى الفعل القاصر "نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] أي: أذهبه"، وقرئ "أذهب الله نورهم"٦، وبهذه الآية رد على المبرد والسهيلي حيث زعما أن بين التعديتين فرقًا، وأنك إذا قلت: "ذهبت بزيد"، كنت مصاحبًا له في الذهاب. قاله في المغني٧.
المعنى "الثالث: التعويض"، ويسمى بالمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض والأثمان حسا "كـ: "بعتك هذا" الثوب "بهذا" العبد" فمدخول الباء هو الثمن. أو معنى نحو: "كأفات إحسانه بضعف" فمدخول الباء هو العوض. قال في المغني٨: ومنه ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وإنما لم نقدرها٩ باء السببية كما قال
_________________
(١) ١ الكافية ص١٩، وانظر همع الهوامع ٢/ ٣٢. ٢ شرح التسهيل ٣/ ١٤٤. ٣ مغني اللبيب ص٢٧٥. ٤ مغني اللبيب ص١٣٩. ٥ الكشاف ١/ ٤. ٦ هي قراءة اليماني، انظر البحر المحيط ١/ ٨٠، والكشاف ١/ ٣٩. ٧ مغني اللبيب ص١٣٨. ٨ مغني اللبيب ص١٤١. ٩ في "أ"، "ب": "يقدرها" والتصويب من المصدر السابق.
[ ١ / ٦٤٦ ]
المعتزلة وكما قال الجميع؛ يعني من أهل السنة، في: $"لن يدخل أحدكم الجنة بعمله"١؛ لأن المعطى بعوض قد يعطى مجانًا، وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب. وبهذا تبين أنه لا تعارض بين الحديث والآية لاختلاف محملي الباءين جمعًا بين الأدلة. ا. هـ.
المعنى "الرابع: الإلصاق"، هو أصل معانيها قال سيبويه٢: وإنما هي للإلصاق والاختلاط، ثم قال: وما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله. قال في المغني٣: ثم الإلصاق حقيقي "نحو: أمسكت بزيد"، أي: قبضت على شيء من جسمه أوعلى ما يحبسه من ثوب أو نحوه، ولو قلت: "أمسكته" احتمل ذلك، وأن تكون منعته من التصرف. ومجازي نحو: "مررت بزيد"، أي: ألصقت مروري بمكان يقرب من زيد. ا. هـ.
فجعل الالتصاق بما يقرب منه كالالتصاق به. ثم الحقيقي نوعان: ما لا يصل الفعل إلا بحرفه كـ: "سطوت٤ بزيد". وما يصل الفعل بدونه نحو: "أمسكت بزيد"، فإن الباء أفادت أن إمساكك لزيد كان بمباشرة منك له بخلاف "أمسكت زيدًا" فإنما يفيد منعه من التصرف
بوجه ما.
المعنى "الخامس: التبعيض"، أثبته الأصمعي والفارسي والقتيبي وابن مالك٥، قيل: والكوفيون، وجعلوا منه "نحو: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] أي: منها"، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وعليه بنى الشافعي مذهبه في مسح بعض الرأس في الوضوء لما قام عنده من الأدلة.
المعنى "السادس: المصاحبة"، وهي التي يصلح في موضعها "مع" أو يغني عنها وعن مصحوبها الحال "نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٦١] أي: معه" أو كافرين.
المعنى "السابع: المجاوزة"، وهي التي يحسن في مكانها "عن"، قيل: وتختص بالسؤال "نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي: عنه" بدليل ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقيل: لا يختص بالسؤال بدليل ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أي: عنه، وزعم البصريون أنها لا تكون بمعنى "عن" أصلًا، وتأولوا ما ورد من ذلك.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في المرضى برقم ٥٣٤٩، وأعاده في الرقاق برقم ٦٠٩٩. ٢ الكتاب ٤/ ٢١٧. ٣ مغني اللبيب ص١٣٧. ٤ في "ط": "كسوط". ٥ شرح التسهيل ٣/ ١٥٢، ١٥٣.
[ ١ / ٦٤٧ ]
المعنى "الثامن: الظرفية"، وهي التي يحسن في مكانها "في"، ثم الظرفية مكانية وزمانية، فالمكانية، "نحو: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] أي: فيه"، "و" الزمانية " ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ " [القمر: ٣٤] أي: فيه.
المعنى "التاسع: البدل"، وهي التي يحسن في مكانها "بدل" "كقول بعضهم:" وهو رافع بن خديج الصحابي ﵁: "ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة١. أي: بدلها".
المعنى "العاشر: الاستعلاء"، وهي التي يحسن في موضعها "على" "نحو": ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: على قنطار"، قاله الأخفش٢، ويدل له: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] ونحو: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] أي: مروا عليهم بدليل ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] .
المعنى "الحادي عشر: السببية"، وهي الداخلة على سبب الفعل "نحو: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] أي: لعناهم بسبب نقضهم ميثاقهم، كما أن باء الاستعانة هي الداخلة على آلة الفعل، كما تقدم، فلا يندرج أحدهما في الآخر خلافًا لابن مالك٣، فإنه أدرج باء الاستعانة في باء السببية، وعد من مفرداته.
المعنى "الثاني عشر: التوكيد وهي الزائدة"، وتزاد مع الفاعل "نحو: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ " [الرعد: ٤٣]، "و" مع المفعول "نحو: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ " [البقرة: ١٩٥]، "و" مع المبتدأ "نحو: بحسبك درهم، و" مع خبر "ليس" "نحو: ليس زيد بقائم".
وتأتي الباء للقسم، وهي أصل أحرفه، وتستعمل في القسم الاستعطافي، هو المؤكد لجملة طلبية نحو: "بالله هل قام زيد" أي: أسألك بالله مستخلفًا، وغير الاستعطافي، وهو المؤكد لجملة خبرية نحو: "بالله لتفعلن".
وللغاية نحو: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: إلي، وقيل ضمن أحسن معنى لطف.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ١٥١. ٢ معاني القرآن للأخفش ١/ ٢٠٥. ٣ شرح التسهيل ٣/ ١٥٠.
[ ١ / ٦٤٨ ]
وللتفدية١ نحو: "بأبي أنت وأمي" أي: فداؤك أبي وأمي. واقتصر الناظم على قوله:
٣٧٣-
والظرفية استبن ببا وفي وقد يبينان السببا
٣٧٤-
بالباء استعن وعد عوض ألصق ومثل مع ومن وعن بها انطق
"ولـ"في" ستة٢ معان:"
أحدها: "الظرفية حقيقة مكانية أو زمانية"، فالأولى "نحو: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ " [الروم: ٣]، "و" الثانية "نحو: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ " [الروم: ٤] فـ"أدنى"، و"بضع" اكتسبا الظرفية من المضاف إليهما، فإن "أدنى" اسم تفضيل من الدنو، و"بضع" اسم لما بين الثلاث إلى التسع. "أو مجازية" إما بكون الظرف والمظروف معنيين نحو: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] أو الظرف معنى، والمظروف ذاتا نحو: "أصحاب الجنة في رحمة الله"، أو بالعكس "نحو: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ" حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وفي بعض النسخ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧] الآية.
"و" الثاني: "للسببية نحو: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ " [النور: ١٤] أي: لمسكم عذاب عظيم بسبب ما أفضتم، أي: خضتم فيه.
"و" الثالث: "المصاحبة" عند الكوفيين والقتيبي٣ وهي التي يحسن موضعها "مع" "نحو: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ " [الأعراف: ٣٨] أي: مع أمم.
"و" الرابع: "الاستعلاء" عند الكوفيين والقتيبي، وهي التي يحسن موضعها "على" "نحو: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ " [طه: ٧١] أي: عليها، وقيل: إن "في" هنا ليست بمعنى "على"، ولكن شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحال في الشيء كالقبر للمقبور.
"و" الخامس: "المقايسة"، وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق، "نحو: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ " [التوبة: ٣٨]، أي: بالقياس إلى الآخرة.
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "للتعدية". ٢ في "أ": "ست". ٣ سقطت "والقتبي" من "ط، ب، ج".
[ ١ / ٦٤٩ ]
"و" السادس: "بمعنى الباء" عند الكوفيين والقتيبي "كقوله": [من الطويل]
٤٧٩-
ويركب يوم الروع منا فوارس "بصيرون في طعن الأباهر والكلى"
أي بصيرون بطعن، وهو؛ بالباء الموحدة وكسر الضاد المهملة؛ جمع بصير، نعت فوارس و"الأباهر": جمع الأبهر، وهو عرق إذا قطع مات صاحبه، و"الكلى": جمع كلوة.
وتأتي "في" بمعنى "من" نحو: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: منها قاله الحوفي.
وللتعويض وهي الزائدة عوضًا من أخرى محذوفة كقولك: "ضربت فيمن رغبت"، أصله: ضربت من رغبت فيه، أجاره ابن مالك وحده١، وفيه نظر للموضح في المغني٢.
وللتوكيد وهي الزائدة لغير تعويض، وأجازه الفارسي في الضرورة٣، وأجازه بعضهم في الكلام، وجعل منه ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١] أي: اركبوها. واقتصر الناظم على الظرفية والسببية كما يؤخذ من قوله:
٣٧٣-
والظرفية استبن ببا وفي وقد يبينان السببا
"ولـ"على" أربعة معان:
أحدها: الاستعلاء" على مجرورها،، وهو الغالب "نحو: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢]، أو على ما يقرب منه نحو: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] .
"والثاني: الظرفية" كـ: "في" قاله الكوفيون "نحو": ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ "عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: ١٥] أي: في حين غفلة".
"والثالث: المجاوزة" كـ: "عن" "كقوله" وهو قحيف العامري: [من الوافر]
_________________
(١) البيت لزيد الخيل في لسان العرب ١٥/ ١٦٧ "فيا" والمخصص ١٤/ ٦٦، وتاج العروس "فيا"، وشرح التسهيل ٣/ ١٥٨، والارتشاف ٢/ ٤٤٦، ٣/ ٣٢٥، والجنى الداني ص٢٥١، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٨٤، ٤٨٥، وخزانة الأدب ٦/ ٢٥٤، ٩/ ٣٩٣. ١ شرح التسهيل ٣/ ١٦٢. ٢ مغني اللبيب ص٢٢٥، والعبارة في "أ"، "ط": "قال في المغني: وفيه نظر". ٣ همع الهوامع ٢/ ٣٠.
[ ١ / ٦٥٠ ]
٤٨٠-
"إذا رضيت علي بنو قشير" لعمر الله أعجبني رضاها
"أي": إذا رضيت "عني"، وبنو قشير؛ بضم القاف وفتح الشين المعجمة؛ اسم قبيلة. ولذلك أعاد الضمير عليها مؤنثًا، ويحتمل أن يكون "رضي" ضمن معنى عطف. قاله في المغني١. وقال الكسائي. حمل على نقيضه وهو سخط. وقال أبو عبيدة: إنما ساغ هذا؛ لأن معناه: أقبلت علي.
"الرابع: المصاحبة" كـ: "مع" عند الكوفيين "نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] أي: مع ظلمهم"، وتأتي بمعنى اللام نحو: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لهدايته إياكم.
وبمعنى "عند" نحو: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] أي: عندي.
وموافقة الباء نحو: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أي: بألا أقول، وبذلك قرأ أبي٢.
وزائدة للتعويض وغيره، فالأول: [من الرجز]
٤٨١-
إن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يومًا على من يتكل
_________________
(١) البيت للقحيف العقيلي في أدب الكاتب ص٥٠٧، وأمالي ابن الشجري ٣/ ٢٦٩، والاقتضاب ص٤٣٢، وشرح الجواليقي ص٣٥٣، والأزهية ص٢٧٧، وخزانة الأدب ١٠/ ١٣٢، والدرر ٢/ ٥٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٤١٦، ولسان العرب ١٤/ ٣٢٣ "رضي" والمقاصد النحوية ٣/ ٢٨٢، ونوادر أبي زيد ص١٧٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١١٨، والإنصاف ٢/ ٦٣٠، وأوضح المسالك ٣/ ٤١، وجمهرة اللغة ص١٣١٤، والجنى الداني ص٤٧، والخصائص ٢/ ٣١١، ٣٨٩، وشرح ابن الناظم ص٢٦٤، وشرح التسهيل ٣/ ١٦٠، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٨٠٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٥٤، وشرح المفصل ١/ ١٢٠، ولسان العرب ١٥/ ٤٤٤ "يا" والمحتسب ١/ ٥٢، ٣٤٨، ومغني اللبيب ٢/ ١٤٣، والمقتضب ٢/ ٣٢٠، وهمع الهوامع ٢/ ٢٨، والكامل ١٠٠١. ١ مغني اللبيب ص١٩١. ٢ انظر القراءة في البحر المحيط ٤/ ٣٥٦، والكشاف ٢/ ٧٩، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٦.
(٢) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ١١/ ٤٧٥، "عمل" والارتشاف ٢/ ٤٥٤، والأشباه والنظائر ١/ ٢٩٢، والجنى الداني ص٤٧٨، وخزانة الأدب ١٠/ ١٤٦، والخصائص ٢/ ٣٠٥، والدرر ٢/ ٣٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٠٥، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٤، وشرح التسهيل ٣/ ١٦١، وشرح شواهد المغني ص٤١٩، والكتاب ٣/ ٨١، والمحتسب ١/ ٢٨١، وهمع الهوامع ٢/ ٢٢، وكتاب العين ٢/ ١٥٣، ومقاييس اللغة ١/ ١٤٥، وديوان الأدب ٢/ ٤١٦، وأساس البلاغة "عمل" "وجد" وتاج العروس "عمل" "علا".
[ ١ / ٦٥١ ]
أي: عليه. فحذف "عليه" وزاد "على" قبل الموصول تعويضًا. قاله ابن مالك١.
والثاني: كقول حميد بن ثور: [من الطويل]
٤٨٢-
أبى الله إلا أن سرحة مالك لى كل أفنان العضاة تروق
"زاد "على" لأن راق متعدية بنفسها، تقول: راقني حسن الجارية. ونص سيبويه على أن "على" لا تزاد٢، ولا حجة في البيت لاحتمال تضمين "تروق" تشرق.
وللاستدراك كقولك: "فلان لا يدخل الجنة لسوء صنيعه على أنه لا ييأس من رحمة الله"، أي: ولكنه. واقتصر الناظم على قوله:
٣٧٥-
على للاستعلاء ومعنى في وعن
"ولـ"عن" أربعة معان أيضا:
أحدها: المجاوزة" ولم يذكر البصريون سواه. "نحو: سرت عن البلد، ورميت عن القوس"، والمثال الأول متفق عليه، والثاني مختلف فيه. فقال ابن مالك٣: هي فيه للاستعانة بمعنى الباء؛ لأنهم يقولون: رميت بالقوس وعن القوس، حكاه الفراء. وفيه رد على الحريري في إنكاره أن يقال ذلك إلا إذا كانت القوس هي المرمية، وحكى أيضًا: "رميت على القوس"، قاله في المغني٤.
"الثاني: البعدية" بالباء الموحدة "نحو": ﴿لَتَرْكَبُنَّ "طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] أي: حالًا بعد حال"، ويحتمل أن تكون "عن"، على بابها، والتقدير: طبقًا متباعدًا في الشدة عن طبق آخر دونه، فيكون كل طبق أعظم في الشدة مما قبله، قاله الدماميني.
"الثالث: الاستعلاء كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨] أي: عليها" ويحتمل التضمين، والمعنى: فإنما يبعد الخير عن نفسه بالبخل، قاله
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ١٦١.
(٢) البيت لحميد بن ثور في ديوانه ص٤١، وأدب الكاتب ص٥٢٣، وأساس البلاغة "روق" والجنى الداني ٤٧٩، والدرر ٢/ ٥٦، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٢٠، ولسان العرب ٢/ ٤٧٩ "سرح"، ومغني اللبيب ١/ ١٤٤، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص٣٧٧، وخزانة الأدب ٢/ ١٩٤، ١٠/ ١٤٤، ١٤٥، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٤، وشرح التسهيل ٣/ ١٦٥، والارتشاف ٢/ ٤٥٤، وهمع الهوامع ٢/ ٢٩. ٢ الكتاب ٣/ ٨١، ٨٢. ٣ شرح التسهيل ٣/ ١٦٠. ٤ مغني اللبيب ص١٩٨.
[ ١ / ٦٥٢ ]
الدماميني، "وكقول الشاعر" وهو ذو الأصبع العدواني واسمه الحرثان بن الحارث بن مجرب: [من البسيط]
٤٨٣-
"لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني" ولا أنت دياني فتخزوني
أي: علي؛ لأن المعروف أن يقال أفضلت عليه. قاله في المغني١، و"لاه" أصله: لله، فحذفت اللامان الجارة والأخرى شذوذًا، والحسب؛ بفتح السين؛ الدين وما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، والديان: الملك، وتخزوني: تسوسني، والمعنى: لله در ابن عمك لا أفضلت في حسب علي ولا أنت مالكي فتسوسني.
"الرابع: التعليل نحو: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] أي: لأجله"، قال في المغني٢: ويجوز أن يكون حالًا من ضمير "تاركي" أي: ما نتركها صادرين عن قولك، وهذا رأي الزمخشري. ا. هـ.
وتكون "عن" مرادفة "من" نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] أي: منهم.
ومرادفة الباء نحو: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] أي: به.
وللاستعانة نحو: "رميت عن القوس" أي: به كما تقدم عن ابن مالك.
والبدل نحو: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: بدل نفس، وفي الحديث "صومي عن أمك" أي: بدل أمك٣.
والظرفية كقوله: [من الطويل]
_________________
(١) البيت لذي الأصبع العدواني في أدب الكاتب ص٥١٣، والأزهية ص٢٧٩، والاقتضاب ص٢٤٩، ٤٤١، وإصلاح المنطق ص٣٧٣، وخزانة الأدب ٧/ ١٧٣، ١٧٧، ١٨٤، ١٨٦، والدرر ٢/ ٥٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٠، ولسان العرب ١١/ ٥٢٥، "فضل" ١٣/ ١٦٧ "دين"، ٢٩٥، ٢٩٦، "عنن"، ٥٣٩ "لوه" ١٤/ ٢٢٦ "خزي"، ومغني اللبيب ١/ ١٤٧، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٨٦، ولكعب الغنوي في الأزهية ص٩٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٢٦٣، ٢/ ١٢١، ٣٠٣، والإنصاف ١/ ٣٩٤، وأوضح المسالك ٣/ ٤٣، والجنى الداني ص٢٤٦، والخصائص ٢/ ٢٨٨، شرح ابن الناظم ص٢٦٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٣، وشرح المفصل ٨/ ٥٣، وهمع الهوامع ٢/ ٢٩. ١ مغني اللبيب ص١٩٦. ٢ مغني اللبيب ص١٩٧. ٣ أخرجه الترمذي في سننه ٣/ ٢٨، حديث رقم ٦٦٧.
[ ١ / ٦٥٣ ]
٤٨٤-
ولا تك عن حمل الرباعة وانيا
أي: في حمل، بدليل ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] . وزائدة للتعويض من أخرى محذوفة كقوله: [من الطويل]
٤٨٥-
أتجزع إن نفس أتاها حمامها فهلا التي عن بين جنبيك تدفع
قال ابن جني: أراد فهلا تدفع عن التي بين جنبيك، فحذف "عن" من أول الموصول، وزيدت بعده، واقتصر في النظم على قوله:
٣٧٥-
بعن تجاوزا عنى من قد فطن
٣٧٦-
وقد تجي موضع بعد وعلى
"وللكاف أربعة معان أيضًا:
أحدها: التشبيه نحو" قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ "وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ " [الرحمن: ٣٧] .
"والثاني: التعليل" أثبته قوم ونفاه الأكثرون "نحو: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ " [البقرة: ١٩٨] فالكاف تعليلية و"ما" مصدرية "أي: لهدايته إياكم". وأجاب الأكثرون بأنه من وضع الخاص موضع العام إذا الذكر والهداية يشتركان في أمر وهو الإحسان. فهذا في الأصل بمنزلة: "وأحسن كما أحسن الله إليك"، والكاف للتشبيه ثم عدل عن ذلك للإعلام بخصوصية المطلوب.
"والثالث: الاستعلاء" ذكره الأخفش والكوفيون١، "قيل لبعضهم" وهو رؤبة: "كيف أصبحت؟ قال: كخير. أي: على خير" وقيل المعنى: بخير، ولم يثبت مجيء الكاف بمعنى الباء وقيل هي للتشبيه على حذف مضاف أي: كصاحب خير. "وجعل منه" أي: من الاستعلاء "الاخفش قولهم: "كن كما أنت" أي: على ما أنت عليه"،
_________________
(١) صدر البيت: "وآسى سراة الحي حيث لقيتهم" وهو للأعشى في ديوانه ص٣٧٩، والارتشاف ٢/ ٤٤٨، والدرر ٢/ ٦١، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٤، وبلا نسبة في الجنى الداني ص٢٤٧، وجواهر الأدب ص٣٢٤، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٥، ومغني اللبيب ١/ ١٤٨، وهمع الهوامع ٢/ ٣٠. وتاج العروس "عنن"، وشرح التسهيل ٣/ ١٦١.
(٢) البيت لزيد بن رزين في جواهر الأدب ص٣٢٥، والارتشاف ٢/ ٤٤٨، ٣/ ٣١٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٦، وله أو لرجل من محارب في ذيل أمالي القالي ص١٠٥، وذيل سمط اللآلي ص٤٩، وبلا نسبة في الجني الداني ص٢٤٨، وخزانة الأدب ١٠/ ١٤٤، وتاج العروس "عنن"، والدرر ٢/ ٣٧، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٥، وشرح التسهيل ٢/ ١٤٠، ٣/ ١٦١، وشرح الكافية الشافية ١/ ٣١٣، والمحتسب ١/ ٢٨١، ومغني اللبيب ١/ ١٤٩، وهمع الهوامع ٢/ ٢٢. ١ الارتشاف ٢/ ٤٣٧، وشرح التسهيل ٣/ ١٧٠.
[ ١ / ٦٥٤ ]
فالكاف بمعنى "على"، و"ما" موصولة١، و"أنت": مبتدأ حذف خبره، هذا أحد الأعاريب. والثاني: أن "ما" موصولة، و"أنت": خبر حذف مبتدؤه أي: كالذي٢ هو أنت. والثالث: أن "ما" زائدة ملغاة، والكاف جارة، "وأنت": ضمير مرفوع أنيب عن المجرور. والمعنى: كن فيما يستقبل مماثلًا لنفسك فيما مضى. الرابع: أن "ما" كافة، و"أنت": مبتدأ حذف خبره، أي: عليه أو كائن. والخامس: أن "ما" كافة أيضًا، و"أنت": فاعل. والأصل: كما كنت ثم حذف "كان" فانفصل الضمير، والسادس: أن "ما" زائدة وشبه الشيء بنفسه في حالتين.
المعنى "الرابع" من معاني الكاف "التوكيد، وهي الزائدة نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي: ليس شيء مثه"، كذا قدره الأكثرون، إذ لو لم يقدروه كذلك صار المعنى: ليس شيء مثل مثله. فيلزم المحال، وهو إثبات المثل، وإنما زيدت الكاف لتوكيد نفي المثل؛ لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيًا، قاله ابن جني. وقيل: الكاف هنا غير زائدة ثم اختلفوا، فقيل: الزائد "مثل"، كما زيدت في: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] قالوا: وإنما زيدت هنا لتفصل الكاف من الضمير. قال في المغني٣: والقول بزيادة الحرف أولى من القول بزيادة الاسم، بل زيادة الاسم لم تثبت. وقيل: الكاف و"مثل" لا زائد منهما، ثم اختلف فقيل: "مثل" بمعنى الذات، والمعنى ليس كذاته شيء، وقيل بمعنى الصفة؛ لأن المثل والمثيل بمعنى كالشبه والشبيه.
والمعنى: ليس كصفته شيء. وقيل: الكاف اسم مؤكد "مثل"، كما عكس ذلك من قال: [من الرجز]
٤٨٦-
فصيروا مثل كعصف مأكول
زاد في المغني٤ في معاني الكاف المبادرة، وذلك إذا اتصلت بـ"ما" في نحو: "سلم كما تدخل"، و"صل كما يدخل الوقت"، ذكره ابن الخباز في النهاية وأبو سعيد السيرافي وغيرهما، وهو غريب جدا. ا. هـ. واقتصر الناظم على قوله:
٣٧٧-
شبه بكاف وبه التعليل قد يعنى وزائدا لتوكيد ورد
_________________
(١) ١ في "ب": "مصدرية". ٢ في "ب": "فالذي". ٣ مغني اللبيب ص٢٣٨.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٢٩٤. ٤ مغني اللبيب ص٢٣٧.
[ ١ / ٦٥٥ ]
"ومعنى "إلى" و"حتى" انتهاء الغاية مكانية أو زمانية"، مثال "إلى" في المكان "نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ " [الإسراء: ١]، "و" مثالها في الزمان "نحو": ﴿ثُمَّ "أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ " [البقرة: ١٨٧] . "و" مثال "حتى" في المكان "نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، و" مثالها في الزمان، "نحو: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ " [القدر: ٥] وتقدم أن معاني اللام الانتهاء. ولذلك جمعها الناظم بقوله:
٣٧١-
للانتها حتى ولام وإلى
"وإنما يجر بـ"حتى" في الغالب آخر" نحو: "حتى رأسها"، "أو متصل بآخر"، نحو: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] "كما مثلنا"، وإذا ثبت أنها لا تجر إلا آخرًا أو متصلًا به "فلا يقال: سهرت البارحة حتى نصفها"؛ لأن النصف ليس آخرا ولا متصلًا بالآخر، قالته المغاربة. قال في المغني١: وتوهم ابن مالك أن ذلك لم يقل به إلا الزمخشري وحده، واعترض
عليه بقوله: [من الخفيف]
٤٨٧-
عينت ليلة فما زلت حتى نصفها راجيا فعدت يئوسًا
وهذا ليس محل الاشتراط إذ لم يقل: "فما زلت في تلك الليلة حتى نصفها"، وإن كان المعنى عليه، ولكنه لم يصرح به. ا. هـ. وناقشه الدماميني بأنها في حكم الملفوظ بها، ولا أثر لخصوصية النطق بها في ذلك.
"ومعنى "كي" التعليل" نحو: "جئت كي أقرأ" أي: للقراءة.
"ومعنى الواو والتاء" المثناة فوق "القسم" نحو: والله، وتالله.
"ومعنى مذ ومنذ ابتداء الغاية" في الزمان، فيكونان بمعنى "من" "إن كان الزمان ماضيًا كقوله" وهو زهير بن أبي سلمى، بضم السين: [من الكامل]
٤٨٨-
لمن الديار بقنة الحجر "أقوين مذ حجج ومذ دهر"
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص١٦٧.
(٢) البيت بلا نسبة في الجنى الداني ص٥٤٤، والارتشاف ٢/ ٤٦٨، والدرر ٢/ ٣٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٠، ومغني اللبيب ١/ ١٢٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٦٧، وهمع الهوامع ٢/ ٢٣، وشرح التسهيل ٣/ ١٦٨، وشرح المرادي ٢/ ٢٠٥.
(٣) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص٨٦، والأزهية ص٢٨٣، وأسرار العربية ص٢٧٣، والأغاني ٦/ ٨٦، والإنصاف ١/ ٣٧١، وخزانة الأدب ٩/ ٤٣٩، ٤٤٠، والدرر ١/ ٤٧١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٥٠، وشرح عمدة الحافظ ص٢٦٤، وشرح المفصل ٤/ ٩٣، ٨/ ١١، والشعر والشعر ١/ ١٤٥، ولسان العرب ٤/ ١٧٠، "حجر" ١٣/ ٤٢١ "قنن"، والمقاصد النحوية ٣/ ٣١٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٤٨، وجواهر الأدب ص٢٧٠، ورصف المباني ص٣٢٠، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٧، ومغني اللبيب ١/ ٣٣٥، وهمع الهوامع ١/ ٢١٧.
(٤) البيت لامرئ القيس في ديوانه ٨٩، والدرر ١/ ٤٧٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٤، ٢/ ٧٥٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٤٩، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٧، ومغني اللبيب ١/ ٣٣٥، وهمع الهوامع ١/ ٢١٧.
[ ١ / ٦٥٦ ]
أي: من حجج ومن دهر، "والحجج" بكسر الحاء: جمع حجة؛ بكسرها أيضًا؛ وهي السنة.
و"الدهر": الزمان"، و"الديار": مبتدأ، تقدم خبره في الجار والمجرور قبله "وقنة": بضم القاف وتشديد النون: أعلى الجبل، و"الحجر" بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم: حجر ثمود، ومنازلهم بناحية الشام عند وادي القرى. و"أقوين" بسكون القاف وفتح الواو: خلون من سكانهن. "وقوله" وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٤٨٩-
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان "وربع عفت آثاره منذ أزمان"
أي: من أزمان. وقفا: أمر للواحد لفظ الاثنين على حد ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٣] أو بلفظ الواحد والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف، وأصله: قفن. وعرفان: بكسر العين: مصدر عرف معرفة وعرفانا. والربع: المنزل. وعفت: درست وانمحت. وآثاره: جمع أثر. "و" معنى "مذ" و"منذ" "الظرفية" فيكونان بمعنى "في" "إن كان" الزمان "حاضرًا نحو": ما رأيته مذ أو "منذ يومنا" أي: في يومنا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٨٠-
وإن يجرا في مضي فكمن هما وفي الحضور معنى في استبن
"و" يكونان "بمعنى: "من" و"إلى" معًا" فيدلان على ابتداء الغاية وانتهائها معًا، فيدخلان على الزمان الذي وقع فيه ابتداء الفعل وانتهاؤه. "إن كان" الزمان معدودًا نكرة "نحو": ما رأيته "مذ" أو منذ "يومين" أي: من ابتداء هذه المدة إلى انتهائها.
"ورب" ليست للتقليل دائمًا خلافًا للأكثرين ولا للتكثير دائمًا خلافًا لابن درستويه وجماعة. بل ترد "للتكثير كثيرًا، وللتقليل قليلًا". قاله في المغني١.
"فالأول": كقوله تعالى: ﴿رُبَمَا ٢ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] و"كقوله ﷺ: "يا رُبّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" ٣، وقول بعض
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ١٣٥. ٢ الرسم المصحفي: "ربما". ٣ أخرجه البخاري في كتاب العلم برقم ١١٥.
[ ١ / ٦٥٧ ]
العرب عند انقضاء رمضان: "يا رب صائمه لن يصومه، وقائمه لن يقومه"" بإضافة صائم وقائم إلى ضمير رمضان: وهو مما تمسك به الكسائي على إعمال اسم الفاعل المجرد بمعنى الماضي، وقول الشاعر: [من الطويل]
٤٩٠-
ويا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال
ووجه الدليل أن الآية والحديث والمثال مسوقات للتخويف، والبيت مسوق للافتخار، ولا يناسب واحدًا منهما التقليل. قاله في المغني١.
"والثاني": وهو التقليل "كقوله" وهو رجل من أزد السراة: [من الطويل]
٤٩١-
"ألا رب مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان"
وذي شامة سوداء في حر وجهه مجللة لا تنجلي لزمان
ويكمل في تسع وخمس شبابه ويهرم في سبع مضت وثمان
وعن الفارسي أن عمر الجنبي٢ سأل امرأ القيس عن مراد الشاعر فقال: "يريد بذلك عيسى وآدم عليهما الصلاة والسلام" والقمر، ويلده بسكون اللام وفتح الدال أو ضمها، وأصله: لم يلده بكسر اللام وسكون الدال، فسكن اللام تشبيهًا لها بتاء "كتف" فالتقى ساكنان، فحركت الدال بالفح اتباعًا لفتحة الياء أو بالضم اتباعًا لضمة الهاء. والشامة: الخال، وهي النكتة السوداء في الجسم المخالف للونها. وفي رواية "شامة غراء" وهو ضمير مناسب للشامة إذا الغراء البيضاء. والشامة سوداء. والحر من الوجه: ما بدا من الوجنة وهو ما ارتفع من الخد، قاله الدماميني. ومجللة: أي: ذات عز وجلال، وروي "مجلحة" بتقديم الجيم على الخاء: أي: منكسة، ويهرم أي: يشيب، قاله الحلبي.
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ٢٩، وخزانة الأدب ١/ ٦٤، والدرر ٢/ ٤٤، وشرح شواهد الإيضاح ٢١٦، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤١، ٣٩٣، وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ١٣٥، والمقرب ١/ ١٩٩. ١ مغني اللبيب ١/ ١٣٥.
(٢) الأبيات لرجل من أزد السراة في شرح شواهد الإيضاح ص٢٥٧، وشرح شواهد الشافية ص٢٢، والكتاب ٢/ ٢٢٦، ٤/ ١١٥، وله أو لعمرو الجنبي في خزانة الأدب ٢/ ٣٨١، والدرر ١/ ٨١، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٩٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٥٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ١٩، وأوضح المسالك ٣/ ٥١، والجنى الداني ص٤٤١، والخصائص ٢/ ٣٣٣، والدرر ٢/ ٤٥، ورصف المباني ص١٨٩، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٨، وشرح المفصل ٤/ ٤٨، ٩/ ١٢٦، والمقرب ١/ ١٩٩، ومغني اللبيب ١/ ١٣٥، وهمع الهوامع ١/ ٥٤، ٢/ ٢٦. ٢ في "ط": "الخشني".
[ ١ / ٦٥٨ ]
"فصل":
"من هذه الحروف ما لفظه مشترك بين الحرفية والاسمية وهو خمسة:
"أحدها: الكاف"، وهل اسميتها في النثر والشعر معًا أو في الشعر فقط؟ قولان، "والأصح" منهما "أن اسميتها مخصوصة بالشعر كقوله" وهو العجاج يصف نسوة: [من الرجز]
٤٩٢-
بيض ثلاث كنعاج جم "يضحكن عن كالبرد المنهم"
فالكاف هنا اسم بمعنى "مثل"؛ لأن حروف الجر مختصة بالأسماء، وبيض: جمع بيضاء، والنعاج: جمع نعجة، وهي هنا البقرة الوحشية. ولا يقال لغير البقر من الوحش نعاج.
والجم؛ بضم الجيم: جمع جماء. وهي التي لا قرن لها، وبالفتح الكثير. ويضحكن: خبر بيض.
والبرد؛ بفتحتين: مطر منعقد. المنهم؛ بضم الميم الأولى وتشديد الثانية وسكون النون:
الذائب يعني أن النسوة يضحكن عن أسنان مثل البرد الذائب لطافة ونظافة.
ومقابل الأصح أنه لا يختص بالشعر وهو ظاهر إطلاق قول الناظم:
٣٧٨-
واستعمل اسمًا
"والثاني والثالث "عن" و"على"" يستعملان اسمين "وذلك إذا دخلت عليهما "من"" فتكون "عن" بمعنى "جانب" و"على" بمعنى "فوق" فالأول "كقوله" وهو قطري الخارجي: [من الكامل]
_________________
(١) الرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣٢٨، وخزانة الأدب ١٠/ ١٦٦، ١٦٨، والدرر ٢/ ٦٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٠٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٩٤، وبلا نسبة في أسرار العربية ٢٥٨، وأوضح المسالك ٣/ ٥٤، والجنى الداني ٧٩، وشرح ابن الناظم ص٢٦٦، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٦، وشرح المفصل ٨/ ٤٢، ٤٤، ومغني اللبيب ١/ ١٨٠، وهمع الهوامع ٢/ ٣١، ولسان العرب ١٢/ ٦٢٠، "همم"، وتاج العروس ٢٤/ ٣٤٥ "كوف"، "همم"، والمخصص ٩/ ١١٩، وكتاب العين ٤/ ٤٦١.
[ ١ / ٦٥٩ ]
٤٩٣-
فلقد أراني للرماح دريئة "من عن يميني مرة وأمامي"
فـ"عن" هنا اسم بمعنى "جانب"؛ لأن حروف الجر مختصة بالأسماء، ودريئة،؛ بفتح الدال المهملة وكسر الراء وفتح الهمزة: وهي الحلقة التي يتعلم فيها الطعن، والرمي.
ومرة: مصدر مر. "و" الثاني كـ: "قوله" وهو مزاحم بن الحارث العقيلي يصف القطا: [من الطويل]
٤٩٤-
"غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها" تصل وعن قيض بزيزاء مجهل
فـ"على" هنا اسم بمعنى "فوق" لدخول "من" عليها، وكونها بمعنى "فوق" هو قول الأصمعي، وقال أبو عبيدة: بمعنى "عند"، والضمير المجرور بها يعود إلى فرخها. وغدت؛ بالمعجمة: من أخوات كان، واسمها مستتر فيها يعود إلى القطا. وتصل: خبرها، وهو بفتح حرف المضارعة وكسر الصاد المهملة، أي: تصوت١ من جوفها من شدة العطش.
قال أبو حاتم: قلت للأصمعي كيف قال: "غدت"، والقطا إنما تذهب إلى الماء ليلًا؟ فقال لم يرد الغدوة وإنما هذا مثل للتعجيل. والعرب تقول: "بكر إلى العشية"، ولا بكور هناك. قاله ابن السيد٢.
_________________
(١) البيت لقطري بن الفجاءة في ديوانه ص١٧١، وخزانة الأدب ١٠/ ١٥٨، ١٦٠، والدرر ١/ ٣٤٨، ٢/ ٨٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٣٦، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٨، والمقاصد النحوية ٣/ ١٥٠، ٣٠٥، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٥٥، والأشباه والنظائر ٣/ ١٣، وأوضح المسالك ٣/ ٥٧، وجواهر الأدب ص٣٢٢، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٠، وشرح التسهيل ٢/ ٩٣، وشرح المفصل ٨/ ٤٠، ومغني اللبيب ١/ ١٤٩، وهمع الهوامع ١/ ١٥٦، ٢/ ٣٦.
(٢) البيت لمزاحم في ديوانه ص١١، وأدب الكاتب ص٥٠٤، والاقتضاب ص٤٢٨، والأزهية ١٩٤، وخزانة الأدب ١٠/ ١٤٧، ١٥٠، والدرر ٢/ ٨٩، وشرح شواهد الإيضاح ص٢٣٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٢٥، وشرح المفصل ٨/ ٣٨، ولسان العرب ١١/ ٣٨٣ "صلل" ١٥/ ٨٨ "علا" والمقاصد النحوية ٣/ ١٠٣، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٤٤٤، ٣/ ٣٣٧، والأشباه والنظائر ٣/ ١٢، وأوضح المسالك ٣/ ٥٨، وشرح ابن الناظم ص٢٦٦، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٨، وشرح التسهيل ٣/ ١٤٠، والكتاب ٤/ ٢٣١، ومغني اللبيب ١/ ١٤٦، والمقتضب ٣/ ٥٣، وهمع الهوامع ٢/ ٣٦. ١ في "ب": "تصورت". ٢ الاقتضاب ص٦٩٧.
[ ١ / ٦٦٠ ]
وتم بفتح المثناة فوق أي: كمل، وظمؤها؛ بكسر الظاء المشالة وسكون الميم وبهمزة بعدها؛ قال الدماميني: ما بين الوردين، تستعمل في الإبل، ولكنه استعاره للقطا،
وقال ابن السيد١: مدة صبرها عن الماء، وهو ما بين الشرب إلى الشرب، ولا تنافي بينهما.
والقيض؛ بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وبالضاد المعجمة؛ قال الدماميني: القشر الأعلى من البيض، وقال العيني٢: أراد به الفرخ ههنا، وزيزاء؛ بزاءين معجمتين مكسور أولهما بينهما ياء مثناة تحت وبالمد: الغليظة من الأرض، ويروى: "بيداء" بالمد، المهلكة "والمجهل": القفر الذي ليس فيه أعلام يهتدى بها، وهو مجرور بإضافة زيزاء إليه، ولا يجوز أن يكون نعتًا لـ"زيزاء" عند البصريين، قاله ابن السيد في شرح أبيات الجمل.
وإلى استعمال "عن" و"على" اسمين أشار الناظم بقوله:
٣٧٨-
وكذا عن وعلى من أجل ذا عليهما من دخلا
وقد تكون "على" فعلًا ماضيًا، تقول: علا يعلوا علوا، وعلى يعلي علاء، قاله ابن خالويه في الطارقية، وقد تكون "إلى" اسمًا واحد آلاء الله، وهي نعمه، تقول: "إلى" و"آلاء"، قاله أبو البقاء في شرح لمع ابن جني.
"والرابع والخامس" مما يستعمل اسمًا "مذ، و: منذ، وذلك في موضعين" أشار إليهما الناظم بقوله:
٣٧٩-
ومذ ومنذ اسمان حيث رفعا أو أوليا الفعل
"أحدهما: أن يدخلا على اسم مرفوع" نكرة أو معرفة معدودًا أو لا "نحو: ما رأيته منذ يومان"، فـ"يومان" منكر معدود "أو: منذ يوم الجمعة"، فـ"يوم الجمعة" معرف غير معدود، "وهما حينئذ" أي: حين إذ رفع ما بعدهما "مبتدآن وما بعدهما خبر" عنهما واجب التأخير إجراء للرفع مجرى الجر وهو مذهب المبرد وابن السراج والفارسي من البصريين وطائفة من الكوفيين، واختاره ابن الحاجب، ومعناهما: الأمد إن كان الزمان حاضرًا أو معدودًا، وأول المدة إن كان ماضيًا، قاله في المغني٣.
"وقيل بالعكس" فيكونان ظرفين خبرين مقدمين وما بعدهما مبتدأ، وهو مذهب الأخفش وأبي إسحاق الزجاج وأبي القاسم الزجاجي، ومعناهما "بين وبين"
_________________
(١) ١ الاقتضاب ص٦٩٧. ٢ المقاصد النحوية ٣/ ٣٠٣. ٣ مغني اللبيب ص٤٤٢.
[ ١ / ٦٦١ ]
مضافين، فمعنى "ما لقيته مذ يومان": بيني وبين لقائه يومان، قاله في المغني١، ولا يخلى ما فيه من التعسف، "وقيل: ظرفان وما بعدهما فاعل بـ"كان" تامة محذوفة"، والتقدير: مذ كان يومان أو يوم الجمعة، وهذا مذهب جمهور الكوفيين، واختاره ابن مالك وابن مضاء والسهيلي٢.
وقيل ظرفان ما بعدهما خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: من الزمان الذي هو يومان، وهو قول لبعض الكوفيين، وهو مبني على أن "منذ" مركبة من "من" الجارة و"ذو" الطائية أو منها ومن "إذ"، وذكر ابن الخباز في النهاية ذلك بعبارة مختصرة فقال: في نحو "ما لقيته منذ يومان" أربعة أقوال، فللبصريين قولان، قال الفارسي: التقدير: أمد ذلك يومان، فـ"منذ"٣ مبتدأ، و"يومان" خبره، وقال ابن جني٤ "بين وبين لقائه يومان"، فـ"منذ"٣، خبر، "ويومان": مبتدأ، وللكوفيين قولان أحدهما: أن "من" حرف و"ذو" موصولة و"هو يومان": مبتدأ وخبر، والجملة صلة، فحذفت الواو والمبتدأ، وضمت الميم اتباعًا، والثاني: أن الأصل: من إذ مضى يومان، فـ"يومان" فاعل بفعل محذوف، ا. هـ.
"و" الموضع "الثاني: أن يدخلا على الجملة فعلية كانت؛ وهو الغالب؛ كقوله" وهو الفرزدق يرثي يزيد بن المهلب: [من الكامل]
٤٩٥-
"ما زال مذ عقدت يداه إزاره" فسما فأدرك خمسة الأشبار
فأدخل "مذ" على الجملة الفعلية، وهي "عقدت"، وخبر "زال": يدني في البيت بعده٥.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٤٤٢. ٢ الارتشاف ٢/ ٢٤٣. ٣ في "أ"، "ب": "مذ". ٤ اللمع ص١٢٠.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٣٠٥، والأشباه والنظائر ٥/ ١٢٣، وخزانة الأدب ١/ ٢١٢، والدرر ١/ ٤٦٩، وشرح ابن الناظم ص٢٦٧، وشرح شواهد الإيضاح ص٣١٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٥٥، وشرح المفصل ٢/ ١٢١، ٦/ ٣٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٢١، والمقتضب ٢/ ١٧٦، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٢٤٢، وأوضح المسالك ٣/ ٦١، والدرر ٢/ ٤٩٥، وشرح الأشموني ١/ ٨٧، وشرح التسهيل ٢/ ٢١٧، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٨١٥، ولسان العرب ٦/ ٦٧، "خمس"، ومغني اللبيب ١/ ٣٣٦، وهمع الهوامع ١/ ٢١٦، ٢/ ١٥٠. ٣ هو قوله: "يدني خوافق من خوافق تلتقي في كل معتبط الغبار مثار".
[ ١ / ٦٦٢ ]
"وسما" ارتفع، و"أدرك": لحق، والمراد بخمسة الأشبار: ارتفاع قامته أو موضع قبره، قاله الدماميني، "أو اسمية كقوله" وهو ميمون الأعشى: [من الطويل]
٤٩٦-
"وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع" وليدا وكهلًا حين شبت وأمردا
فأدخل "مذ": على الجملة الاسمية، واليافع؛ بالياء التحتية: الغلام الذي راهق العشرين سنة، يقال: يفع وأيفع يافع، ولا يقال: موفع، قاله في القاموس١.
والوليد: الصبي، والكهل: ما بعد الثلاثين، وقيل: بعد الأربعين إلى الخمسين أو الستين.
والأمرد: الذي ليس على وجهه شيء من الشعر، ولم يجاوز حد الإنبات، فإن جاوزه ولم ينبت فهو الثط بالمثلثة والمهملة المشددة، قاله الزركشي.
"وهما حينئذ" أي: حين إذ دخلا على الجملتين "ظرفان باتفاق" مضافان، فقيل: إلى الجملة، وقيل: إلى زمن مضاف إلى الجملة، وقيل: مبتدآن، فيجب تقدير زمن مضاف إلى الجملة يكون هو الخبر، قاله في المغني٢، وهو مصرح بخلاف في المسألة فلا تحسن دعوى الاتفاق السابقة منه.
وأصل "مذ" "منذ" فحذفت النون بدليل رجوعهم إلى ضم الذال عند ملاقاة الساكن نحو: "مذ اليوم" ولولا أن الأصل الضم لكسروا، ولو قيل بالعكس وزيدت النون كان مذهبًا كما قالوا في "ابنم" أصله "ابن" فزيدت الميم، وقال ابن ملكون: هما أصلان؛ لأنه لا تصرف في الحرف ولا شبهه، ويرده تخفيفهم "إنّ" و"كأنّ"، قاله في المغني٣.
وقال المالقي٤: إذا كانت "مذ" اسمًا فأصلها "منذ"، وإذا كانت حرفًا فهي أصل نظرًا إلى أن الحرف لا يتصرف فيه، وفيه الرد السابق، وقد تكسر ميمها عند عكل.
وسكون ذال "مذ" قبل متحرك أعرف من ضمها، وضمها قبل ساكن أعرف من كسرها؛ لأن القريب أولى من الغريب، والمألوف خير من المنكور، وضم ذال "مذ" لقغة بني غني.
_________________
(١) البيت للأعشى في ديوانه ص١٨٥، وتذكرة النحاة ص٥٨٩، ٦٣٢، والدرر ١/ ٤٦٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٧٧، ٧٥٧، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٠. ١ القاموس المحيط "يفع". ٢ مغني اللبيب ص٤٤٢. ٣ مغني اللبيب ص٤٤٢، ٤٤٣. ٤ رصف المباني ص٣٨٧.
[ ١ / ٦٦٣ ]
وبنو غني حي من غطفان، قاله في الصحاح١، ووجه الضم أنهم قدروا النون محذوفة لفظًا لا نية على حد قوله: [من الطويل]
٤٩٧-
ومن قبل نادى
وبالكسر بلا تنوين.
_________________
(١) ١ الصحاح "غني".
(٢) تمام البيت: "ومن قبل نادى كل مولى قرابة فما عطفت مولى عليه العواطف" وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٥٤، والدرر ١/ ٤٨٨، وشرح ابن الناظم ص٢٨٥، ٢٨٨، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٢، وشرح التسهيل ٣/ ٢٤٨، وشرح قطر الندى ص٢٠ وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٦٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٣٤، وهمع الهوامع ١/ ٢١٠.
[ ١ / ٦٦٤ ]
"فصل":
"تزاد كلمة "ما" بعد "من" و"عن" و"الباء" كثيرًا، وبعد "اللام" قليلًا، "فلا تكفهن عن عمل الجر"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٨١-
وبعد من وعن وباء زيد ما فلم تعق عن عمل قد علما
فـ"من"، "نحو: ﴿مِمَّا " خَطَايَاهُمْ﴾ [نوح: ٢٥] وقرئ "خطيئاتهم"١ وهو أظهر في الاستشهاد لظهور الإعراب فيه. وبه مثل في المغني٢.
"و" عن، نحو: " ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ " [المؤمنون: ٤٠] .
"و" الباء نحو: " ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ " [النساء: ١٥٥] .
واللام. كقول الأعشى: [من المتقارب]
٤٩٨-
إلى ملك خير أربابه فإن لما كل شيء قرارا
يريد فإن لكل شيء.
وإذا دخل شيء من هذه الأحرف المقترنة بـ"ما" على فعل أو جملة اسمية أولت "ما" بأنها موصول حرفي، والجملة صلتها.
"و" تزاد "ما" "بعد "رب" و"الكاف" فيبقى العمل قليلًا"، وتكفهما كثيرًا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٨٢-
وزيد بعد رب والكاف فكف وقد يليهما وجر لم يكف
فالعمل "كقوله" وهو عدي بن الرعلاء٣ الغساني: [من الخفيف]
_________________
(١) ١ كذا في الرسم المصحفي، وقد قرئت "خطاياهم" وهي قراءة أبي عمرو والحسن والأعرج. انظر الإتحاف ص٤٢٥، والنشر ٢/ ٣٩١، وقرأ أبو رجاء: "خطياتهم"، انظر الكشاف ٤/ ١٦٥. ٢ مغني اللبيب ص٤١١.
(٢) البيت للأعشى في ديوانه ص١٠١. ٣ في "أ": "الدغفاء"، وفي "ب": "الرعناء".
[ ١ / ٦٦٥ ]
٤٩٩-
"ربما ضربة بسيف صقيل" بين بصرى وطعنة نجلاء
فجر بـ"رب" ضربة، مع اقترانها بـ"ما"، و"طعنة"، مجرور بالعطف على "ضربة، ونجلاء" بالجيم والمد: الواسعة، البينة الاتساع، صفة طعنة، وأضيفت "بين" إلى "بصرى" لاشتمالها على "أماكن" أو على تقدير مضاف أي: أماكن بصرى، وهي؛ بضم الباء؛ بلدة بالشام كرسي حوران، "وقوله" وهو عمرو بن البراقة النهمي بكسر النون: [من الطويل]
٥٠٠-
وننصر مولانا ونعلم أنه "كما الناس مجروم عليه وجارم"
فجر الناس بالكاف المقترنة بـ"ما" الزائدة، والمجروم؛ بالجيم: من الجرم، ويروى: "مظلوم عليه وظالم".
"والغالب" في "ما" إذا زيدت بعد "رب" و"الكاف" "أن تكفهما عن العمل فيدخلان حينئذ على الجمل"، قال سيبويه١: جعلوهما مع "ما" بمنزلة كلمة واحدة "كقوله" وهو نهشل بن حري يرثي أخاه: [من الطويل]
٥٠١-
أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد "كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه"
فـ"سيف": مبتدأ، و"لم تخنه": خبره، والكاف مكفوفة بـ"ما" الزائدة، وأراد بـ"يوم مشهد" يوم صفين لما قتل أخوه مالك بها مع علي ﵁، وأراد بـ"عمرو"
_________________
(١) البيت لعدي بن الرعلاء في الأزهية ص٨٢، ٩٤، والارتشاف ٢/ ٤٦٣، والاشتقاق ٤٨٦، والأصمعيات ص١٥٢، والحماسة الشجرية ١/ ١٩٤، وخزانة الأدب ٩/ ٥٨٢، ٥٨٥، والدرر ٢/ ١٠٢، وشرح شواهد المغني ص٧٢٥، ومعجم الشعراء ص٢٥٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٤٢، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص٤٩٢، وجوهر الأدب ٣٦٩، وأوضح المسالك ٣/ ٦٥، والجنى الداني ص٤٥٦، ورصف المباني ص١٩٤، ٣١٦، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٩، ومغني اللبيب ص١٣٧، وهمع الهوامع ٢/ ٣٨.
(٢) البيت لعمرو بن براقة في أمالي القالي ٢/ ١٢٢، والدرر ٢/ ١٠٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠٢، ٥٠٠، ٢/ ٧٢٥، ٧٧٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٣٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٣، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٠٧، والدرر ٢/ ٤١٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥، وشرح ابن الناظم ص٢٦٩، وشرح التسهيل ٣/ ١٧١، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٨١٧، ومغني اللبيب ١/ ٦٥، وهمع الهوامع ٢/ ٣٨، ١٣٠. ١ الكتاب ٣/ ١١٥، ١١٦.
(٣) البيت لنهشل بن حري في الدرر ٢/ ١٠٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٨٧٢، وشرح شواهد المغني ص٥٠٢، ٧٢٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٣٤، وبلا نسبة أوضح المسالك ٣/ ٦٨، وشرح ابن الناظم ص٢٦٨، وهمع الهوامع ٢/ ٣٨.
[ ١ / ٦٦٦ ]
عمرو بن معدي كرب، وسيفه هو الصمصامة، و"المشهد": مصدر ميمي، و"مضاربه": جمع مضرب بكسر الراء، ومضرب السيف نحو شبر من طرفه، وجمعه على حد "شابت مفارقة".وإنما للإنسان مفرق واحد، والعرب يقدرون تسمية الجزء باسم الكل، فيوقعون الجمع موقع الواحد، "وقوله" وهو جذيمة الأبرش: [من المدير]
٥٠٢-
"ربما أوفيت في علم" ترفعن ثوبي شمالات
فكف "رب" عن الجر، وأدخلها على الجملة الفعلية وهي "أوفيت" أي: نزلت، و"علم" أي: جبل، و"شمالات" بفتح الشين: جمع شمال، ريح تهب من ناحية القطب، فاعل "ترفعن".
"والغالب على "رب" المكفوفة أن تدخل على فعل ماض كهذا البيت" لأن التكثير والتقليل إنما يكونان فيما عرف حده، والمستقبل مجهول، "وقد تدخل على مضارع منزل منزلة الماضي لتحقق وقوعه نحو: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا " لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] قال الرماني: إنما جاز ذلك لأن المستقبل معلوم عند الله كالماضي، وقيل: هو على حكاية حال ماضية مجازا، وقيل التقدير: ربما كان يود، و"كان" شأنية.
ورده في المغني١.
"وندر دخولها على الجملة الاسمية" خلافًا للفارسي في المنع من الدخول "كقوله" وهو أبو داود الإيادي بدالين مهملتين أولهما مضمومة بعدها واو فألف: [من الخفيف]
٥٠٣-
"ربما الجامل المؤبل فيهم" وعناجيج بينهن المهار
_________________
(١) البيت لجذيمة الأبرش في الأزهية ٩٤، ٢٦٥، والأغاني ١٥/ ٢٧٥، وخزانة الأدب ١١/ ٤٠٤، والدرر ٢/ ١٠١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٨١، وشرح شواهد الإيضاح ٢١٩، وشرح شواهد المغني ٣٩٣، والكتاب ٣/ ٥١٨، ولسان العرب ٣/ ٣٢، "شيخ"، ١١/ ٣٦٦، "شمل"، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٤٤، ٤/ ٣٢٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٧٠، والدرر ٢/ ٢٤٣، ورصف المباني ص٣٣٥، وشرح ابن الناظم ص٥٤٢، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٩، وشرح المفصل ٩/ ٤٠، وكتاب اللامات ص١١١، ومغني اللبيب ١٣٥، ١٣٧، ٣٠٩، والمقتضب ٣/ ١٥، والمقرب ٢/ ٧٤، وهمع الهوامع ٢/ ٣٨، ٧٨. ١ مغني اللبيب ص٤٠٨.
(٢) البيت لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه ص٣١٦، والأزهية ٩٤، ٢٦٦، وخزانة الأدب ٩/ ٥٨٦، ٥٨٨، والدرر ٢/ ٤٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٠٥، وشرح المفصل ٨/ ٢٩، ٣٠، ومغني اللبيب ١/ ١٣٧، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٢٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٧١، والجنى الداني ص٤٤٨، ٤٥٥، والدرر ٢/ ١٠٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٣، وشرح ابن الناظم ص٢٦٨، وشرح التسهيل٣/ ١٧٢، ١٧٤، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٨١٩، وهمع الهوامع ٢/ ٢٦.
[ ١ / ٦٦٧ ]
فأدخل "رب" المكفوفة بـ"ما" على الجملة الاسمية، فإن "الجامل": مبتدأ، و"المؤبل": نعته، و"فيهم": خبره، و"الجامل" بالجيم: القطيع من الإبل مع راعيها، وقيل: اسم جمع الإبل لا واحد له من لفظه، و"المؤبل" بضم الميم وفتح الهمزة والباء الموحدة المشددة: المعد للقنية، و"العناجيج" بعين مهملة فنون فألف فجيمين بينهما مثناة تحتية: جياد الخيل واحدها عنجوج كـ"عصفور "، وهي الخيل الطويلة الأعناق، و"المهار" بكسر الميم: جمع مهر؛ بضمها؛ وهو ولد الفرس، والأنثى مهرة.
ودخول "رب" المكفوفة بـ"ما" على الجملة الاسمية نادر جدا "حتى قال" أبو علي "الفارسي: يجب أن تقدر "ما" اسمًا" نكرة "مجرورة بـ"رب" بمعنى شيء" "و" يقدر "الجامل خبرًا لضمير محذوف، والجملة صفة لـ: ما"، و"فيهم" متعلق بحال محذوفة، "أي: رب شيء هو الجامل المؤبل" كائنا فيهم، وإنما قدر الفارسي ضميرا محذوفًا ولم يجعل الجملة على حالها صفة لـ"ما" ليحصل الربط بين الصفة والموصوف.
[ ١ / ٦٦٨ ]
"فصل":
"تحذف "رب" ويبقى عملها بعد الفاء كثيرًا كقوله": وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٥٠٤-
"فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع" فألهيتها عن ذي تمائم محول
فجر مثل بـ"رب" المحذوفة بعد الفاء، ومعنى "طرقت": أتيتها ليلًا، و"ألهيتها": شغلتها، و"التمائم": التعاويذ واحدها تميمة، وهي العوذة التي تعلق على الصبي وقاية من العين أو السحر، و"محول" من أحول الصبي فهو محول إذا تم له حول أو سنة، وإنما خص الحبلى والمرضع بذلك؛ لأنهما أزهد النساء في الرجال، وأقلهن شغفا بهم.
"وبعد الواو أكثر" لأن لعرب تبدل من رب الواو، وتبدل من الواو الفاء لاشتراكهما في العطف "كقوله" وهو امرؤ القيس أيضًا: [من الطويل]
٥٠٥-
"وليل كموج البحر أرخى سدوله" علي بأنواع الهموم ليبتلي
فجر ليل بـ"رب" المحذوفة بعد الواو، وشبه ظلام الليل في هوله وصعوبته ونكادة أمره بموج البحر، واستعار له سدولًا وهي الستور واحدها سدل لما يحول منه بين البصر وبين
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٢، والأزهية ص٢٤٤، وخزانة الأدب ١/ ٣٣٤، والدرر ٢/ ٩٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٥٠، وشرح شذور الذهب ص٣٢٢، وشرح شواهد المغني ص٤٠٢، ٤٦٣، والكتاب ٢/ ١٦٣، واللسان ٨/ ١٢٦ "رضع"، ١١/ ٥١١، "غيل" والمقاصد النحوية ٣/ ٣٣٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٧٣، ورصف المباني ٣٨٧، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٦، وشرح ابن الناظم ص٢٦٩، وشرح التسهيل ٣/ ١٨٨، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٨٢١، ومغني اللبيب ١/ ١٣٦، ١٦١، وهمع الهوامع ٢/ ٣٦.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٨، وخزانة الأدب ٢/ ٢٦٢، ٣/ ٢٧١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٧٤، ٧٨٢، وشرحج عمدة الحافظ ص٢٧٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٣٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٧٥، وشرح ابن الناظم ص٢٧٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٠، وشرح التسهيل ٣/ ١٨٧، وشرح شذور الذهب ص٣٢١، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٨٢١.
[ ١ / ٦٦٩ ]
إدراك المبصرات، و"علي": متعلق بـ"أرخى"، والباء في "بأنواع" للمصاحبة.
"ويبتلي": يختبر، يقول: رب ليل بهذه الصفة أرخى علي ستور ظلامه مع أنواع الأحزان ليختبرني أأصبر على الشدائد أم أجزع منها، "وبعد "بل" قليلًا" من الواو "كقوله" وهو رؤبة أو العجاج: [من الرجز] .
٥٠٦-
"بل مهمه قطعت بعد مهمه"
فجر "مهمه" بـ"رب" المحذوفة بعد "بل"، و"المهمه": المفازة البعيدة الأطراف.
وإلى حذف "رب" وإبقاء جرها بعد هذه الأحرف الثلاثة أشار الناظم بقوله:
٣٨٣-
وحذفت رب فجرت بعد بل والفاء وبعد الواو شاع ذا عمل
"وبدونهن أقل كقوله" وهو جميل بن معمر: [من الخفيف]
٥٠٧-
"رسم دار وقفت في طلله" كدت أقضي الحياة من جلله
فـ"رسم" مجرور بـ"رب" محذوفة، و"رسم الدار": ما كان لاصقًا من آثارها بالأرض كالرماد ونحوه، و"الطلل": ما شخص من آثار الدار، و"أقضي": أموت، ويروى بدل الحياة "الغداة" وقيل: وهي ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، و"من جلله" بفتح الجيم؛ فقيل: من أجله، وقيل: من عظم أمره في عيني، و"الجليل": العظيم.
"وقد يحذف" حرف الجر "غير "رب" ويبقى عمله"، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٣٨٤-
وقد يجر بسوى رب لدى حذف
"وهو ضربان:
سماعي كقول رؤبة" بضم الراء وسكون الهمزة؛ ابن العجاج بن رؤبة: "خير"
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ديوانه ص١٦٦، ولسان العرب ١١/ ٧٠ "بلل" ١٣/ ٥١٩ "عمه"، وخزانة الأدب ٧/ ٥٤٩، وشرح شواهد الإيضاح ص٣٩٨، وتهذيب اللغة ١/ ١٥٠، وديوان الأدب ٢/ ٢٥٤، وتاج العروس "عمه"، وشرح شواهد الشافية ص٢٠٢، وله أو للعجاج في المقاصد النحوية ٣/ ٣٤٥، وبلا نسبة في لسان العرب ١٤/ ٨٨، "بلا"، وأوضح المسالك ٣/ ٧٧، وتاج العروس "بلل".
(٢) البيت لجميل بثينة في ديوانه ص١٨٩، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٠، والدرر ١/ ٥٣٩، ٢/ ٩٧، ٢١٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٩٥، ٤٠٣، ومغني اللبيب ص١٢١، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٣٩، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٣٧٨، وأوضح المسالك ٣/ ٧٧، والخصائص ١/ ٢٨٥، ٣/ ١٥٠، وشرح ابن الناظم ص٢٧٠، وشرح الأشموني، ٢/ ٣٠٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٨، وشرح التسهيل ٣/ ١٨٩، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٨٢٢، وشرح المفصل ٣/ ٨٢، ٨/ ٥٢، وهمع الهوامع ٢/ ٣٧.
[ ١ / ٦٧٠ ]
بالجر "والحمد لله. جوابًا لمن قال له: كيف أصبحت١؟ " والأصل: بخير أو على خير، فحذف الجار وأبقى عمله. ورؤبة هذا من فصحاء العرب. قال الزمخشري: وهو من أمضغ العرب للشيح والقيصوم، يريد بذلك تحقيق أنه بدوي لا حقيقة المضغ؛ لأن هذين النبتين لا يمضغهما الآدميون، ومن قراءته: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةٌ" [البقرة: ٢٦] . برفع بعوضة.
"وقياسي" وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٨٤-
وبعضه يرى مطردًا
"كقولك: بكم درهم اشتريت ثوبك؟ " فـ"درهم" مجرور بـ"من" مقدرة عند الجمهور أي: "بكم من درهم، خلافًا للزجاج في تقديره الجر بالإضافة٢".
واحتج بوجهين أحدهما: أن "كم" الاستفهامية لا يصلح أن تعمل الجر؛ لأنها قائمة مقام عدد مركب، والعدد المركب لا يعمل الجر فكذا ما قام مقامه. والثاني: أن الجر بعد "كم" الاستفهامية لو كان بالإضافة لم يشترط دخول حرف الجر على "كم"، فاشتراط ذلك دليل على أن الجر بـ"من" مضمرة لكون حرف الجر الداخل على "كم" عوضًا من اللفظ بـ"من" بخلاف "كم" الخبرية فإنه لما لم يشترط دخول حرف الجر عليها كان تمييزها مجرورًا بالإضافة لا بـ"من" مضمرة خلافًا للفراء٣.
"وكقولهم: إن في الدار زيد والحجرة عمرًا"، فـ"الحجرة": مجرورة بحرف جر محذوف "أي: وفي الحجرة" عمرًا، إذ لو عطفت على المجرور بـ"في" لزم العطف على معمولي عاملين مختلفين وذلك ممتنع عند سيبويه٤ ومتابعيه، لضعف العاطف عن أن يقوم مقام عاملين مختلفين "خلافًا للأخفش٥ إذ قدر العطف على معمولي عاملين"، فجعل "الحجرة" معطوفة على "الدار" و"عمرًا" معطوفًا على "زيد"، و"زيد" معمولان لعاملين مختلفين. فإن العامل في الدار حرف الجر، والعامل في زيد "إن".
"و" كـ: "قولهم: مررت برجل صالح إلا صالح فطالح، حكاه يونس٦".
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٢٧٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٩، وشرح المفصل ٨/ ٥٢، ٥٣. ٢ شرح ابن الناظم ص٢٧١، وشرح التسهيل ٢/ ٤١٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٩. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٤٢٠. ٤ الكتاب ١/ ٦٣. ٥ مغني اللبيب ص٦٣٢. ٦ الكتاب ١/ ٢٦٢، وشرح ابن الناظم ص٢٧١، وشرح التسهيل ٣/ ١٩٢.
[ ١ / ٦٧١ ]
بجر "صالح" و"طالح" بحرف جر محذوف. "وتقديره: إلا أمر" أنا "بصالح فقد مررت بطالح"، هذا تقدير ابن مالك١. وقدره سيبويه: إلا أكن مررت بصالح فبطالح. قيل: وتقدير سيبويه٢ هو الصواب. قال البطليوسي في شرح كتاب سيبويه: إذا قلت: "إلا أمر" نقضت المعنى، فإنك قد قلت: "مررت بصالح"، ثم تقول: "إلا أمر بصالح" فيما يستقبل، وإنما المرور واقع فلا بد من إضمار الكون، فتقول: "إلا أكن فيما يستقبل موصوفًا يكون مررت بصالح فأنا قد مررت بطالح"، نقله المرادي في شرح التسهيل عنه في باب "كان" وأقره.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ١٩٢. ٢ الكتاب ١/ ٢٦٢.
[ ١ / ٦٧٢ ]
باب الإضافة
مدخل
باب الإضافة:
هي لغة مطلق الإسناد، قال امرؤ القيس: [من الطويل]
٥٠٨-
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا إلى كل حاري جديد مشطب
يريد لما دخلنا هذا البيت أسندنا ظهورنا إلى كل رجل منسوب إلى الحيرة، مخطط فيه طرائق. واصطلاحًا إسناد اسم إلى غيره على تنزيل الثاني من الأول منزلة تنوينه أو يقوم مقام تنوينه. قاله الموضح في شرح الشذور١.
"تحذف" أنت "من الاسم الذي تريد إضافته ما فيه من تنوين ظاهر".
كتنوين "ثوب" أو تنوين مقدر كتنوين "دراهم"؛ لأن غير المنصرف فيه تنوين مقدر، منع من ظهوره مشابهة الفعل. والذي يدل على أن فيه تنوينًا مقدرًا نصب التمييز في نحو: "هو أحسن وجهًا"، إذ لا ينصب نحو هذا إلا عن تمام الاسم بالتنوين "كقولك في ثوب ودراهم: ثوب زيد ودراهمه". فتحذف من "ثوب" تنوينه الظهر ومن "دراهم": تنوينه المقدر؛ لأن التنوين يدل على الانفصال. والإضافة تدل على الاتصال. فلا يجمع بينهما.
"و" تحذف ما فيه "من نون تلي علامة الإعراب وهي" أربعة:
الأول والثاني: "نون التثنية وشبهها". فالأول "نحو: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ " [المسد: ١] فـ"يدا" تثنية. يد، والأصل: يدان فحذفت نون التثنية للإضافة؛ لأنها
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص٥٣، وجمهرة اللغة ص٩٠٩، وخزانة الأدب ٧/ ٤١٨، ولسان العرب ٩/ ٢١٠ "ضيف"، وبلا نسبة في لسان العرب ٤/ ٢٢٥ "حير". ١ شرح شذور الذهب ص٣٢٥.
[ ١ / ٦٧٣ ]
تلي علامة الإعراب وهي الألف. "و" الثاني نحو: "هذان اثنا زيد" فـ"اثنا" شبيه بالتثنية في الإعراب بالحروف. وليست تثنية حقيقة إذ لا يقال في مفردها: اثن، والأصل: اثنان فحذفت النون للإضافة لما ذكرنا.
"و" الثالث والرابع: "نون جمع المذكر السالم وشبهه"، فالأول: "نحو: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ " [الحج: ٣٥] فـ"المقيمي" جمع مقيم جمع مذكر سالم، والأصل: والمقيمين فحذفت نون الجمع للإضافة؛ لأنها تلي علامة الإعراب وهي الياء. "و" الثاني: نحو: "عشرو عمرو" فـ"عشرو" شبيه بجمع المذكر السالم في إعرابه بالحروف وليس بجمع حقيقة؛ لأنه لا مفرد له، وإنما حذفت نون التثنية والجمع وشبههما؛ لأنها أشبهت التنوين في كونها تلي علامة الإعراب كما أن التنوين يلي علامة الإعراب، "و" لهذا "لا تحذف النون التي تليها علامة الإعراب نحو: "بساتين زيش" و﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ﴾ " [الأنعام: ١١٢]؛ لأنها لا تشبه التنوين فيما ذكر؛ لأن النون في هذين المثالين تليها علامة الإعراب وهي الحركة بناء على أن الإعراب واقع بعد آخر الكلمة من غير فاصل فتكون الحركة فيهما بعد النون. وهذا أحد قولين في المسألة. والقول الثاني: إن الإعراب مقارن لآخر المعرب لا بعده، وإلى حذف النون والتنوين من المضاف أشار الناظم بقوله:
٣٨٥-
نونًا تلي الإعراب أو تنوينًا مما تضيف احذف
"ويجر المضاف إليه بالمضاف وفاقًا لسيبويه١"، وهو الأصح لاتصال الضمير به، والضمير لا يتصل إلا بعامله. "لا بمعنى اللام خلافًا للزجاج٢"، ولا بالإضافة خلافًا للسهيلي٣ وأبي حيان في النكت الحسان٤، ولا بحرف مقدر ناب عنه المضاف خلافًا لابن الباذش.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٤١٩، ٤٢٠. ٢ الارتشاف ٢/ ٥٠١. ٣ أمال السهيلي ص٢٠. ٤ النكت الحسان ص١١٧.
[ ١ / ٦٧٤ ]
"فصل":
"وتكون الإضافة على معنى "اللام" بأكثرية"؛ لأنها الأصل ولذلك اقتصر عليها الزجاج. "وعلى معنى "بمن" بكثرة، وعلى معنى "في" بقلة". ولهذا لم يذكره إلا ابن مالك١ تبعًا لطائفة قليلة.
"وضابط" الإضافة "التي" تكون "بمعنى "في" أن يكون الثاني" وهو المضاف إليه "ظرفًا للأول" وهو المضاف سواء أكان زمانًا أو مكانا، فالزمان "نحو: ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ " [سبأ: ٣٣] و﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] . "و" المكان نحو: " ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ " [يوسف: ٤١] و"شهيد الدار" فالليل ظرف للمكر، والسجن ظرف للصاحبين، والتقدير: مكر في الليل، ويا صاحبان في السجن.
"و" ضابط الإضافة "التي" تكون "بمعنى "من" أن يكون" الأول؛ وهو المضاف؛ بعض" الثاني؛ وهو "المضاف إليه؛ و" أن يكون المضاف إليه "صالحًا للإخبار به عنه" أي: عن المضاف "كـ: "خاتم فضة"، ألا ترى أن الخاتم" الذي هو المضاف "بعض جنس الفضة" المضاف إليها، وأنه" يصح الإخبار بالمضاف إليه عن المضاف. فإنه "يقال: هذا الخاتم فضة"، فتخبر بالفضة عن الخاتم؛ لأن الإخبار عن الموصوف إخبار عن صفته.
"فإن انتفى" شرط القسم الأول "والشرطان معًا" في القسم الثاني نحو: ثوب زيد، و: غلامه" مما الإضافة فيه تفيد الملك، "و: حصير المسجد، وقنديله" مما الإضافة فيه تفيد الاختصاص فإن المضاف في هذه الأمثلة الأربعة ليس بعض المضاف إليه، ولا يصح الإخبار فيها بالمضاف إليه عن المضاف، ولا المضاف إليه٢ فيها ظرف للمضاف.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ٢٢١-٢٢٣. ٢ في "ط": "إليها".
[ ١ / ٦٧٥ ]
"أو انتفى" الشرط "الأول" من شرطي القسم الثاني" فقط نحو: يوم الخميس"، فإن اليوم وإن كان يصح أن يخبر عنه بالخميس فيقال: "هذا يوم الخميس"١ لكن اليوم ليس بعض الخميس، فإضافته من إضافة المسمى إلى الاسم "أو" انتفى الشرط "الثاني" من الشرطين "فقط نحو: يد زيد"، فإن اليد وإن كانت بعض زيد لكنها لا يصح أن يخبر عنها بزيد، فلا يقال: "هذه اليد زيد"، وإضافتها من إضافة الجزء إلى كله.
وإذا انتفى أن تكون الإضافة بمعنى "من" أو "في" "فالإضافة بمعنى: لام الملك" كما في "ثوب زيد" و"غلامه"، "أو" لام "الاختصاص" كما في بقية الأمثلة، ويدخل في ذلك الإضافة اللفظية كـ: "ضارب زيد"، فإنها بمعنى اللام كما صرح به ابن جني٢ والشلوبين. وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٣٨٦-
والثاني اجرر وانو من أو في إذا لم يصلح إلا ذاك واللام خذا
٣٨٧-
لما سوى ذينك
فعلم منه أن كل إضافة امتنع فيها أن تكون بمعنى "من" أو "في" فهي بمعنى "اللام" تحقيقًا حيث يمكن النطق بها كـ: "غلام زيد"، أو تقديرا حيث لا يمكن النطق بها نحو: "ذي مال" و"عند زيد" و"مع عمرو"، وامتحان هذا بأن تأتي مكان المضاف بما يرادفه أو يقاربه نحو: "صاحب"، و"مكان" و"مصاحب".
وذهب الجمهور إلى أن الإضافة قسمان: بمعنى "اللام" وبمعنى "من" ولا ثالث لهما، وما أوهم معنى "في" فهو على معنى اللام مجازًا، قاله الشارح٣.
وذهب أبو الحسن بن الضائع٤ إلى أن الإضافة لا تكون إلا بمعنى "اللام" على كل حال. وكان يقدر في "ثوب خز" ونحوه ويقول: الثوب مستحق للخز بما هو أصله. وذهب أبو حيان إلى أن الإضافة ليست على تقدير حرف مما ذكروه ولا على نيته.
_________________
(١) ١ في "ط": "اليوم". ٢ الخصائص ٣/ ٢٦. ٣ شرح ابن الناظم ص٢٧٢. ٤ في "ط": "الصائغ". انظر مذهبه في الارتشاف ٢/ ٥٠٢.
[ ١ / ٦٧٦ ]
"فصل":
"والإضافة على ثلاثة أنواع:
نوع يفيد تعريف المضاف بالمضاف إليه إن كان" المضاف إليه "معرفة كـ: غلام زيد"، فغلام قبل الإضافة نكرة فلما أضيف إلى المعرفة اكتسب التعريف منها، "وتخصيصه به" أي: تخصيص المضاف بالمضاف إليه "إن كان" المضاف إليه "نكرة كـ: غلام امرأة"، فغلام قبل الإضافة نكرة خالية عن التخصيص فما أضيف إلى النكرة تخصص بها. والمراد بالتخصيص ما لا يبلغ درجة التعريف فإن غلام امرأة أخص من "غلام"، ولكنه لم يتميز بعينه كما تميز "غلام زيد" به. قاله في المغني١. وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٣٨٧-
واخصص أولًا أو أعطه التعريف بالذي تلا
"وهذا النوع هو الغالب" ولذلك صدر به الكلام، فكل من المتضايفين مؤثر في الآخر، فالأول يؤثر في الثاني الجر٢، والثاني يؤثر في الأول التعريف أو التخصيص.
"ونوع: يفيد تخصيص المضاف دون تعريفه"، وذلك قسمان: قسم يقبل التعريف ولكن يجب تأويله بنكرة، وقسم لا يقبله أصلًا، فالأول ضابطه أن يقع موقع ما لا يكون معرفة كقوله: [من الوافر]
٥٠٩-
أبا لموت الذي لا بد أني ملاق لا أباك تخوفيني
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٦٦٣. ٢ سقط من بداية باب الإضافة إلى هنا من "ب".
(٢) البيت لأبي حية النميري في ديوانه ص١٧٧، وخزانة الأدب ٤/ ١٠٠، ١٠٥، ١٠٧، والدرر ١/ ٣١٦، وشرح شواهد الإيضاح ص٢١١، ولسان العرب ١١/ ٢١٠ "خعل" ١٤/ ١٢ "أبي"، ١٥/ ٦٣، "فلا" وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٣٢، والخصائص ١/ ٣٤٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٥٠١، وشرح شذور الذهب ص٣٢٨، والهوامع ١/ ١٤٥، وشرح التسهيل ٢/ ٦٠، ٦٣، ٣/ ٢٢٦ وشرح الكافية الشافية ١/ ٥٢٨.
[ ١ / ٦٧٧ ]
ونحو: "رب رجل وأخيه" و"كم ناقة وفصيلها" و"جاء وحده" فهذه المضافات إلى المعرفة يجب تأويلها؛ لأن "لا" لا تعمل في المعارف، و"رب" و"كم" لا يجران المعارف، والحال لا يكون معرفة، فالإضافة هذه ونحوها تفيد التخصيص دون التعريف.
"و" الثاني "ضابطه أن يكون المضاف متوغلا" أي: شديد الدخول "في الإبهام"، يقال: وغل في الشيء إذا دخل فيه دخولًا بينا، "كـ: "غير" و"مثل" إذا أريد بهما مطلق المماثلة والمغايرة لا كمالهما" من كل وجه، قال أبو البقاء١: إذا أريد بـ"غير" المغايرة من كل وجه تعرفت بالإضافة كقولك: "هذه الحركة غير السكون"، وإن أريد بها غير ذلك لم تتعرف؛ لأن المغايرة بين الشيئين لا تخص وجهًا بعينه، ا. هـ.
فجعل المقتضي للتعريف وقوعًا بين متضادين، وبه قال السيرافي، وجعل المانع من التعريف شدة الإبهام، وبه قال ابن السراج٢، وراتضاه الشلوبين٣، وبيان الإبهام فيها أنك إذا قلت: "غير زيد" فكل شيء إلا زيدًا غيره، وكل ما صدق وصفه بالمغايرة صدق وصفة بالمماثلة إذا كان الجنس واحد، واشتركا في وصف من الأوصاف، ولا تكاد جهات المماثلة تنحصر، وذهب سيبويه٤ والمبرد٥ إلى أن سبب تنكيرها أن إضافتهما للتخفيف لمشابهتهما اسم الفاعل بمعنى الحال ألا ترى أن "غيرك" و"مثلك" بمنزلة "مغايرك" و"مماثلك"، واختاره أبو حيان في النكت الحسان٦، وهذا النوع مرجعه السماع ومنه "شبهك" وخدنك" وضربك" و"تربك" و"نحوك" و"ندك" و"حسبك" و"شرعك"، وأمها٧ "مثلك" و"غيرك" فإذا أريد بها مطلق المماثلة والمغايرة لا يتعرفان بالإضافة، "ولذلك صح وصف النكرة بهما في نحو: مررت برجل مثلك، أو غيرك"، والنكرة لا توصف بالمعرفة "وتسمى الإضافة في هذين النوعين" وهما ما يفيد تعريف المضاف أو تخصيصه، وما يفيد تخصيص المضاف دون تعريفه؛ "معنوية؛ لأنها أفادت أمرًا معنويا"، وهو تعريف المضاف أو تخصيصه، "و" تسمى
_________________
(١) ١ التبيان في إعراب القرآن ١/ ١٠. ٢ الأصول ٢/ ٥. ٣ شرح التسهيل ٣/ ٢٢٧. ٤ الكتاب ٢/ ١١٠، ١١١. ٥ المقتضب ٤/ ٢٨٩. ٦ النكت الحسان ص١١٨. ٧ في "ط": "وأما".
[ ١ / ٦٧٨ ]
أيضًا "محضة أي: خالصة من تقدير الانفصال"، إذ ليس قولنا: "غلام زيد مثلك" في تقدير "غلام لزيد مثل لك".
"ونوع لا يفيد شيئًا من ذلك" التعريف أو التخصيص، "وضابطه أن يكون المضاف صفة تشبه المضارع في كونها مرادا بها الحال أو الاستقبال"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٨٨-
وإن يشابه المضاف يفعل وصفا فعن تنكيره لا يعزل
فخرج بالصفة المصدر المقدر بـ"أن" والفعل، فإن إضافته محضة خلافًا لابن طاهر وابن برهان وابن الطراوة١ بدليل نعته بالمعرفة نحو قوله: [من الخفيف]
٥١٠-
إن وجدي بك الشديد أراني عاذرًا فيك من عهدت عذولًا
فوصف وجدي؛ وهو مصدر مضاف إلى ياء المتكلم؛ بالتشديد، ومثله المصدر الواقع مفعولًا له نحو: "جئت إكرامك"، فإن إضافته محضة خلافًا للرياشي٢، وخرج بتشبيه المضارع إلى آخره اسم التفضيل نحو: "أفضل القوم" فإن إضافته محضة عند الأكثرين خلافًا لابن السراج٣ والفارسي٤ وأبي البقاء والكوفيين وجماعة من المتأخرين كالجزولي٥ وابن أبي الربيع٦ وابن عصفور ونسبه إلى سيبويه٧ وقال: إنه الصحيح بدليل قولهم: "مررت برجل أفضل القوم"، ولو كانت إضافته محضة لزم وصف النكرة بالمعرفة، وإن المخالف خرج ذلك على البد، فيكون من بدل المعرفة من النكرة، قال: وذلك باطل؛ لأن البدل بالمشتق يقل. انتهى كلام ابن عصفور في شرح الجمل٨، وهذا الذي حكاه سيبويه واختاره إنما حكاه ابن مالك عن الفارسي، واختار خلافه، وزعم أن ذلك قول
_________________
(١) ١ الارتشاف ٢/ ٥٠٥، وشرح المرادي ٢/ ٢٤٥.
(٢) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ١٣٨، ٣٠٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٦، وشرح قطر الندى ص٢٦٤، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٣٦، وهمع الهوامع ٢/ ٤٨، ٩٣. ٢ النكت الحسان ص١١٩. ٣ الأصول ٢/ ٨، والارتشاف ٢/ ٥٠٥. ٤ الإيضاح العضدي ١/ ٢٦٩، والارتشاف ٢/ ٥٠٥. ٥ المقدمة الجزولية ص١٣١. ٦ البسيط ١/ ٣١٢. ٧ الكتاب ١/ ٢٠٤. ٨ شرح الجمل ٢/ ٧١.
[ ١ / ٦٧٩ ]
سيبويه١، وخرج أيضًا الصفة التي بمعنى الماضي نحو: "ضارب زيد أمس"، فإن إضافته محضة على الصحيح خلافًا للكسائي، وخرج أيضًا الصفة التي لم تعمل نحو: "كاتب القاضي"، و"كاسب عياله"، فإن إضافتها محضة.
"وهذه الصفة" الشبيهة للمضارع في إرادة الحال أو الاستقبال "ثلاثة أنواع" كما يؤخذ من أمثلة الناظم:
"اسم الفاعل": المضاف لمعموله الظاهر أو المضمر، فالأول "كـ: ضارب زيد" الآن أو غدًا، "و" الثاني نحو: "راجينا" الآن أو غدًا، ومنه أمثلة المبالغة كـ: "شراب العسل".
"واسم المفعول" المضاف لمعموله سواء أكان من ثلاثي أم لا، فالأول "كـ: مضروب العبد" الآن أو غدًا، "و" الثاني نحو: "مروع القلب" بفتح الواو المشددة.
"والصفة المشبهة" باسم الفاعل المضافة لمعمولها مجردة كانت أو لا، فالأول "كـ: حسن الوجه"، الآن، "و: عظيم الأمل" الآن، "و: قليل الحيل" الآن، والثاني: كـ: "مستقيم القامة" و"معتدل الطبيعة الآن"٢.
فاسم الفاعل مضاف إلى منصوبه معنى، واسم المفعول والصفة المشبهة مضافان إلى مرفوعهما معنى، فإضافة هذه الصفات إلى معمولها المعرفة لا تفيدها تعريفًا، "والدليل على أن هذه الإضافة لا تفيد المضاف تعريفًا وصف النكرة به" أي: بالوصف المضاف "في نحو: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ " [المائدة: ٩٥]
فـ"هديا" نكرة منصوبة على الحال، و"بالغ الكعبة": نعتها، ولا توصف النكرة بالمعرفة، "ووقوعه حالًا في نحو: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] فـ"ثاني" حال من الضمير المستتر في "يجادل" من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٨]، والحال واجب التنكير، والأصل عدم التأويل، وقوله" وهو أبو كبير الهذلي يمدح تأبط شرا وكان زوج أمه: [من الكامل]
٥١١-
"فأنت به حوش الفؤاد مبطنا" سهدًا إذا ما نام ليل الهوجل
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ٢٢٨. ٢ سقطت من "ب"، "ط".
(٢) البيت لأبي كبير الهذلي في جمهرة اللغة ص٣٦٠، وخزانة الأدب ٨/ ١٩٤، ٢٠٣، وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١٠٧٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٨٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٢٧، والشعر والشعراء ٢/ ٦٧٥، ولسان العرب ٣/ ٢٢٤ "سهد"، ٦/ ٢٩٠ "حوش" ١١/ ٦٩٠ "هجل" ومغني اللبيب ٢/ ٥١١، وتاج العروس "هجل" وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٨٩، وجمهرة اللغة ١١٧٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٨٠، واللسان ١٤/ ٢١٤، "جيا"، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩١٢.
[ ١ / ٦٨٠ ]
فـ"حوش" بضم الحاء المهملة وسكون الواو وبالشين المعجمة: صفة مشبهة حال من الهاء المجرورة بالباء العائدة إلى تأبط شرا، ومعناه: حديد الفؤاد، و"المبطن": الضامر البطن، وهو وصف محمود في الذكور، و"السهد" بضم السين المهملة والهاء: القليل النوم، و"الهوجل" الأحمق، "ودخول "رب" عليه في قوله"؛ وهو جرير يهجو الأخطل: [من البسيط]
٥١٢-
"يا رب غابطنا لو كان يطلبكم" لاقى مباعدة منكم وحرمانا
فأدخل "رب" على غابطنا، ولو كان معرفة لما صح ذلك، وهو من الغبطة وهي١ أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه، عكس الحسد، "والدليل على أنها"؛ أي: هذه الإضافة وهي إضافة الصفة لمعمولها؛ "لا تفيد تخصيصًا أن أصل قولك: ضارب زيد" بالخفض "ضارب زيدًا" بالنصب "فالاختصاص" بالمعمول "موجود قبل الإضافة"، فلم تحدث الإضافة تخصيصًا، وفي ذلك رد على ابن مالك حيث رد على ابن الحاجب في قوله٢: "ولا تفيد إلا تخفيفًا" فقال "بل تفيد أيضًا التخصيص فإن ضارب زيد أخص من ضارب" قال في المغني٣: وهذا سهو فإن " ضارب زيد" أصله: "ضارب زيدًا" بالنصب، وليس أصله "ضاربًا" فقط، فالتخصيص حاصل بالمعمول قبل أن يأتي بالإضافة، ا. هـ.
وما قاله ابن مالك تبع فيه ابن الضائع في اعتراضه على ابن عصفور حيث قال٤: "وأما قوله: "ولا تخصيص" فغير صحيح؛ لأنك إذا قلت: "هذا ضارب امرأة" فقد خصصت المضاف بالمضاف إليه مع كون الإضافة غير محضة، ا. هـ.
"وإنما تفيد هذه الإضافة التخفيف"؛ لأن الأصل في الصفة أن تعمل النصب،
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ١٦٣، والدرر ٢/ ١٣٧، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٥٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٤٠؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧١٢، ٨٨٠، والكتاب ١/ ٤٢٧، ومغني اللبيب ١/ ٥١١، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٦٤، والمقتضب ٤/ ١٥٠، وهمع الهوامع ٢/ ٤٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٩٠، وشرح ابن الناظم ص٢٧٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٥، وشرح التسهيل ٣/ ١٧٩، ٢٢٨، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩١١، والمقتضب ٣/ ٢٢٧، ٤/ ٢٨٩. ١ في "ب"، "ط": "هو". ٢ الكافية ص٩. ٣ مغني اللبيب ص٦٦٤. ٤ المقرب ١/ ٢٠٩، وشرح الجمل ٢/ ٧٠.
[ ١ / ٦٨١ ]
ولكن الخفض أخف منه إذ لا تنوين معه ولا نون، قاله في المغني١، "أو" تفيد "رفع القبح"، "أما التخفيف فبحذف التنوين الظاهر" من المضاف "كما في: ضارب زيد، و: ضاربات عمرو" و"مضروب العبد" "و: حسن الوجه"، ففي هذه الصفات تنوين ظاهر حذف للإضافة، "أو" بحذف التنوين "المقدر كما في: ضوارب زيد، و: حواج بيت الله"، ففي "ضوارب" و"حواج" تنوين مقدر حذف للإضافة بدليل نصبهما المفعول، قاله الموضح في الحواشي، "أو" بحذف "نون التثنية كما في: ضاربًا زيد، أو" نون "الجمع" السالم "كما في: ضاربو زيد" ففي التثنية والجمع نون حذفت للإضافة، "وأما رفع القبح ففي نحو: مررت بالرجل الحسن الوجه" بالجر، "فإن في رفع "الوجه"" على الفاعلية "قبح خلو الصفة" المشبهة "عن ضمير يعود على الموصوف" لفظًا كما في المغني٢، "وفي نصبه" على التثنية بالمفعول به "قبح إجراء وصف" الفعل "القاصر"؛ وهو حسن؛ "مجرى" بضم الميم؛ "وصف" الفعل "المتعدي" في نصبه المفعول به، ففي رفع "الوجه" قبح، وفي نصبه قبح، "وفي الجر تخلص منهما" معًا؛ لأن الصفة لا تضاف لمرفوعها حتى يقدر تحويل إسنادها عنه إلى ضمير موصوفها، فيصير في الصفة ضمير يعود على الموصوف، "ومن ثم امتنع: الحسن وجهه" بالجر "لانتفاء قبح الرفع" على الفاعلية لوجود الضمير المضاف إليه "الوجه" لفظًا، فإنه يعود على الموصوف، "و" امتنع "نحو: الحسن وجه" بالجر أيضًا "لانتفاء قبح النصب؛ لأن النكرة تنصب على التمييز" بخلاف المعرفة، وسيأتي أن الصفة المفردة المقرونة بـ"أل" لا تضاف إلى الخالي منها ومن الإضافة إلى تاليها "وتسمى الإضافة في هذا النوع" وهو إضافة الوصف لمعموله "لفظية؛ لأنها أفادت أمرًا لفظيا"، وهو حذف التنوين ونون التثنية والجمع، ورفع القبح، ومرجعها إلى اللفظ، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٩٠-
وذي الإضافة اسمها لفظيه
"و" تسمى أيضًا "غير محضة؛ لأنها في تقدير الانفصال"؛ لأن نحو: "ضارب زيد" مثلا في تقدير: ضارب هو زيد٣، فالضمير المستتر في الصفة فاصل بينها وبين مجرورها تقديرًا.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٦٦٣. ٢ مغني اللبيب ص٦٦٥ ٣ في "أ": "زيدا".
[ ١ / ٦٨٢ ]
"فصل":
"تختص الإضافة اللفظية" لكونها غير محضة "بجواز دخول "أل" على المضاف في خمس مسائل:
إحداها: أن يكون المضاف إليه" مقرونًا "بـ: أل" وإليه١ أشار الناظم بقوله:
٣٩١-
ووصل أل بذا المضاف مغتفر إن وصلت بالثان كالجعد الشعر
فـ"الجعد": صفة مشبهة من جعد شعره جعودة ضد سبط سبوطة، والشعر؛ بفتح العين؛ مضاف إليه، "وقوله" وهو الفرزدق: [من الطويل]
٥١٣-
أبأنا بها قتلى وما في دمائها "شفاء وهن الشافيات الحوائم"
بجر "الحوائم" بإضافة الشافيات، و"أبأنا" بفتح الهمزة الأولى والموحدة وسكون الهمزة الثانية: قتلنا، والضمير في "بها" و"هن" للسيوف، وفي "دمائها" للقتلى، و"الحوائم": العطاش التي تحوم حول الماء جمع حائمة؛ بالحاء المهملة؛ من الحوم وهو الطواف حول الماء وغيره، و"الشافيات": جمع شافية اسم فاعل من الشفاء، والمعنى: قتلنا بالسيوف وليس في دماء القتلى التي تهريقها السيوف شفاء، وإنما السيوف هي الشافيات؛ لأنها آلة السفك، ولولاها ما حصل السفك.
المسألة "الثانية: أن يكون" المضاف إليه "مضافا لما فيه "أل""، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٩٢-
أو بالذي له أضيف الثاني "كـ" زيد "الضارب رأس الجاني"
فـ"الضارب" صفة مقرونة بـ"أل" مضافة إلى "رأس" و"رأس"، مضاف إلى "الجاني" المقرون بـ"أل" "و" نحو "قوله": [من الطويل]
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "إليها".
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٤٣.
[ ١ / ٦٨٣ ]
٥١٤- "لقد ظفر الزوار أقفية العدى" بما جاوز الآمال ملأسر والقتل
فـ"الزوار" جمع زائر صفة مقرونة بـ"أل" مضاف إلى "أقفية": جمع قفا، و"أقفية" مضاف إلى "العدى" المقرونة بـ"أل" و"الآمال" بالمد: جمع أمل، وهو الرجاء.
و"ملأسر": أصله: من الأسر فحذفت نون "من" على لغة زبيد وبني خثعم من قبائل اليمن.
المسألة "الثالثة: أن يكون" المضاف إليه "مضافًا إلى ضمير ما فيه "أل" كقوله": [من الكامل]
٥١٥-
"الود أنت المستحقة صفوه" مني وإن لم أرج منك نوالا
فـ"المستحقة": صفة مفردة مقرونة بـ"أل" مضافة إلى "صفو"، و"صفو": مضاف إلى ضمير ما فيه "أل" وهو الود بضم الواو، و"النوال": العطاء، ومنع المبرد هذه الأخيرة لما سيأتي، ولم يتعرض لها في النظم.
المسألة: "الرابعة: أن يكون" الوصف "المضاف مثنى كقوله": [من البسيط]
٥١٦-
"إن يغنيا عني المستوطنا عدن" فإنني لست يومًا عنهما بغني
فـ"المستوطنا": صفة مثناة مضافة إلى "عدن" ولذلك حذفت النون منها.
و"يغنيا": مضارع غني بكسر النون في الماضي، وفتحها في المضارع، والألف فيه علامة التثنية على لغة أكلوني البراغيث، و" المستوطنا": فاعله، وهي جملة شرطية، وجوابها "فإنني لست"، والمعنى إن يستغن عني المستوطنا عدن فإني لست غنيا عنهما يومًا من الأيام.
المسألة "الخامسة: أن يكون" الوصف المضاف "جمعًا اتبع سبيل المثنى" وطريقه "وهو جمع المذكر السالم، فإنه يعرب بحرفين، ويسلم فيه بناء الواحد" من تغيير الحركات، "ويختم بنون زائدة" بعد علامة الإعراب "تحذف للإضافة كما أن المثنى كذلك كقوله": [من البسيط]
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٩٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٩١.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٩٥، والدرر ٢/ ١٣٩، وشرح الأشموني ١/ ٣٠٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٩٢، وهمع الهوامع ٢/ ٤٨، وشرح التسهيل ٣/ ٨٦.
(٣) البيت بلا نسبة أوضح المسالك ٣/ ٩٦، والدرر ٢/ ١٣٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٩، وشرح التسهيل ٣/ ٨٥، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٩٣، وهمع الهوامع ٢/ ٤٨.
[ ١ / ٦٨٤ ]
٥١٧-
"ليس الأخلاء بالمصغي مسامعهم" إلى الوشاة ولو كانوا ذوي رحم
فـ"المصغي": صفة مجموعة جمع المذكر السالم مضافة إلى مسامعهم، ولذلك حذفت النون منها، و"الأخلاء": الأصدقاء، و"الوشاة"، جمع واش، وهو النمام بين الأخلاء، و"الرحم": القرابة.
وإلى مسألتي المثنى والمجموع أشار الناظم بقوله:
٣٩٣-
وكونها في الوصف كاف وإن وقع مثنى أو جمعًا سبيله اتبع
فهذه المسائل الخمس يجوز فيها الجمع بين "أل" والإضافة.
أما المسألة الأولى؛ وهي مسألة الصفة المشبهة؛ فإنها الأصل في ذلك، وذلك لأن التخفيف فيها بحذف الضمير أو حذف الجار والمجرور؛ لأن الأصل في "الجعد الشعر": الجعد شعره أو شعره منه، فلما أضيفت حذف الجار والمجرور بالإضافة١ أو بالحرف٢ فحصل التخفيف بذلك إذ لا تنوين مع وجود "أل"، وقرن المضاف إليه بـ"أل" عوضًا عما فاته من الضمير أو من التنوين؛ لأن التنوين و"أل" يتعاقبان على الاسم، فولي المضاف "أل" كما يليه التنوين، وحمل على الصفة المشبهة نحو:"الضارب الرجل" لمشابهته لها من حيث إن المضاف في الصورتين صفة مقرونة بـ"أل" والمضاف إليه مقرون بها.
وأما المسألة الثانية فلأن "أل" إذا كانت في المضاف إليه الثاني كانت قريبة من كونها في المضاف؛ لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد، ولذلك يمتنع إذا كان بينهما أكثر من مضاف واحد، فلا يجوز: "الضارب ابن أخت القوم" كما جاز: "نعم ابن أخت القوم".
وأما الثالثة: فاختلف فيها، ومدرك الخلاف هل ينزل الضمير العائد إلى ما فيه "أل" منزلة الاسم المقرون بـ"أل" أم لا؟ فالجمهور على الجواز، والمبرد على المنع.
وأما الرابعة والخامسة فلأن النون فيهما لم تحذف للإضافة بل لطول الصلة، كما حذفت من الصلة لغير إضافة، كقوله: [من المنسرح]
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٩٧، والدرر ٢/ ١٣٩، وشرح التسهيل ٣/ ٨٥، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٩٤، وهمع الهوامع ٢/ ٤٨. ١ بعده في "ط": "على الأول". ٢ بعده في "ط": "على الثاني".
[ ١ / ٦٨٥ ]
٥١٨-
الحافظو عورة العشيرة
في رواية من نصب "عورة"، فلذلك لم يشترط في المضاف إليه شيء مما تقدم، قاله الشاطبي بمعناه، وحكم جمع التكسير وجمع المؤنث١ حكم المفرد.
"وجوز الفراء٢ إضافة الوصف المحلى بـ"أل" إلى المعارف كلها" سواء كان تعريفها بالعلمية أم بالإشارة أم غيرهما، "كـ: الضارب زيد، و: الضارب هذا" و"الضارب الذي" و"الضاربك" و"الضارب غلامك" إجراء لسائر المعارف مجرى المعرف بـ"أل" "بخلاف" المضاف إلى المنكر نحو: "الضارب رجل" لامتناع إضافة إلى النكرة.
"وقال المبرد٣ والرماني في "الضاربك" و"ضاربك"" مما الوصف فيه مقرون بـ"أل" أو مجرد منها: "موضع الضمير خفض"؛ لأن الضمير نائب عن الظاهر، وإذا حذفت التنوين من الوصف كان الظاهر مخفوضًا بالوصف فكذلك نائبه.
"وقال الأخفش" وهشام٤: موضع الضمير "نصب"؛ لأن موجب النصب المفعولية، وهي محققة، وموجب الخفض الإضافة وهي غير محققة، ولا دليل عليها إلا حذف التنوين، ولحذفه سبب آخر غير الإضافة،
وهو صون الضمير المتصل عن وقوعه منفصلًا، وضعفه ابن مالك٥.
_________________
(١) تمام البيت: "الحافظو عورة العشيرة لا يأتيهم من ورائنا وكف" وهو لعمرو بن امرئ القيس في خزانة الأدب ٤/ ٢٧٢، ٢٧٤، ٢٧٦، والدرر ١/ ٦٠، وشرح التسهيل ١/ ٧٣، وشرح شواهد الإيضاح ص١٢٧، ولقيس بن الخطيم في ديوانه ص١١٥، ٢٣٨، والاقتضاب ص٥٧٨، ولعمرو بن امرئ القيس أو لقيس بن الخطيم في اللسان ٩/ ٣٦٣ "وكف"، ولشريح بن عمران أو لمالك بن عجلان في شرح أبيات سيبويه ١/ ٢٠٥، ولرجل من الأنصار في خزانة الأدب ٦/ ٦، والكتاب ١/ ١٨٦، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص٣٢٤، وإصلاح المنطق ص٦٣، وجواهر الأدب ص١٥٥، وخزنة الأدب ٥/ ١٢٢، ٤٦٩، ٨/ ٢٩، ٢٠٩، ورصف المباني ٣٤١، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٣٨، والكتاب ١/ ٢٠٢، والمحتسب ٢/ ٨٠، والمقتضب ٤/ ١٤٥، والمنصف ١/ ٦٧، وهمع الهوامع ١/ ٤٩، وعمدة الحفاظ "عور". ١ بعده في "ط": "السالم". ٢ شرح ابن الناظم ص٢٩٦. ٣ بعده في "ط": "والمازني"، مع أنها لم ترد في أوضح المسالك ٣/ ٩٩، وانظر قول المبرد في المقتضب ٤/ ١٥٢، وشرح ابن الناظم ص٢٧٦. ٤ شرح التسهيل ٣/ ٨٣. ٥ شرح التسهيل ٣/ ٨٣، ٨٤.
[ ١ / ٦٨٦ ]
"وقال سيبويه١: الضمير كـ" الاسم "الظاهر، فهو منصوب في: الضاربك"؛ لأن الوصف المقرون بـ"أل" لا يضاف عنده إلا لما فيه "أل"، أو إلى مضاف لما فيه "أل"، أو إلى مضاف إلى ضمير ما فيه "أل" والضمير ليس واحدا منها، "مخفوض في: ضاربك"؛ لأن "حذف التنوين دليل الإضافة ولا مانع منها إلا اقتران٢ الوصف بـ"أل" وهو مجرد عنها، "ويجوز في "الضاربك" و"الضاربوك" الوجهان" الخفض والنصب؛ لأنه يحتمل أن يكون حذف النون للإضافة، فيكون الضمير
في محل خفض، وأن يكون للتخفيف وتقصير الصلة، فيكون في محل نصب، وذهب الجرمي والمازني والمبرد وغيرهم إلى أن الضمير فيهما في محل خفض لا غير؛ لأن حذف النون للإضافة هو الأصل، وحذفها للطول لا ضرورة تدعو إليه مع الضمير بخلاف الظاهر فإن ما ظهر فيه النصب أحوج إلى ذلك، قاله المرادي في التلخيص في باب اسم الفاعل، وفيه ورد على ابن مالك حيث قال٣" وأما الضمير في نحو: "جاء الزائراك والمكرموك" فجائز فيه الوجهان بإجماع؛ لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه، ا. هـ.
"مسألة: قد يكتسب المضاف المذكر من المضاف إليه المؤنث تأنيثه، وبالعكس" فيكتسب المضاف المؤنث من المضاف إليه المذكر تذكيره، "وشرط ذلك في الصورتين صلاحية المضاف للاستغناء عنه" عند سقوطه "بالمضاف إليه" مع صحة المعنى في الجملة.
"فمن" التصوير "الأول قولهم: قطعت بعض أصابعه"، فـ"بعض": نائب فاعل قطعت، وأنث الفعل المسند إليه لكونه اكتسب التأنيث من المضاف إليه وهي "الأصابع" لصلاحية الاستغناء عنه بالمضاف إليه، فيقال: "قطعت أصابعه" تعبيرًا عن الجزء بالكل مجازًا، "وقراءة بعضهم" وهو الحسن البصري ""تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ"" [يوسف: ١٠] بتأنيث "تلتقطه"٤ بالتاء المثناة فوق، "وقوله" وهو الأغلب العجلي وهو من المعمرين: [من الرجز]
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ١٩٣. ٢ في "ط": "لاقتران" مكان "إلا اقتران". ٣ شرح التسهيل ٣/ ٨٦. ٤ الرسم المصحفي ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ بالياء، وانظر القراءة المستشهد بها في الإتحاف ص٢٦٢، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦.
[ ١ / ٦٨٧ ]
٥١٩-
"طول الليالي أسرعت في نقضي" نقضن كلي ونقضن بعضي
فأنث "أسرعت" مع أنه خبر عن مذكر، وهو "طول" لأنه اكتسب التأنيث من "الليالي"، و"نقضي" و"نقضن" في الموضعين بقاف وضاد معجمة.
وحاصل ما ذكره الموضح ثلاثة أنواع، الأول: ما كان المضاف بعضًا وهو مؤنث.
والثاني: ما كان بعضًا وهو مذكر، والثالث: ما كان وصفًا للمؤنث، وبقي عليه ما كان كلا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [آل عمران: ٣٠] ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [آل عمران: ٢٥]، وما لم يكن شيئًا من ذلك كقولهم: "اجتمعت أهل اليمامة" ومن الغريب أن المضاف إليه قد يكتسب التأنيث من المضاف كقوله: [من الكامل]
٥٢٠-
فإلى ابن أم أناس أرحل ناقتي
فمنع صرف "أناس" لكونه سرى إليه معنى التأنيث من الأم، ولا يبعد حمله على الضرورة، قاله في الحواشي، "ومن" التصوير "الثاني" وهو أن يكتسب المضاف المؤنث من المضاف إليه المذكر تذكيره، "قوله": [من البسيط]
٥٢١-
رإنارة العقل مكسوف بطوع هوى" وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرًا
فذكر "مكسوف" مع أنه خبر عن مؤنث وهو "إنارة" إلا أنها اكتسبت التذكير من إضافتها إلى "العقل" "ويحتمله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ويبعده: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] فذكر "قريب" حيث لا إضافة،
_________________
(١) الرجز للأغلب العجلي في الأغاني ٢١/ ٣٠، وخزانة الأدب ٤/ ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٢٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٦٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٩٥، وله أو للعجاج في شرح شواهد المغني ٢/ ٨٨١، وللعجاج في الكتاب ١/ ٥٣، ولم أقع عليه في ديوانه، والمخصص ١٧/ ٧٨، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٠٦، وأوضح المسالك ٣/ ١٠٣، والخصائص ٢/ ٤١٨، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٠، والصاحبي في فقه اللغة ص٢٥٢، ومغني اللبيب ٢/ ٥١٢، والمقتضب ٤/ ١٩٩، ٢٠٠.
(٢) عجز البيت: "عمرو ستنجع حاجتي أو تزحف" ، وهو لبشر بن أبي خازم في ديوانه ص١٥٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٤ ولسان العرب ٩/ ١٣٠، "زحف"، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٩٦، والدرر ٢/ ٤٠٥، والكتاب ٢/ ٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٧.
(٣) البيت لبعض المولدين في المقاصد النحوية ٣/ ٣٩٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٢٦٣، وأوضح لمسالك ٣/ ١٠٥، وخزانة الأدب ٤/ ٢٢٧، ٥/ ١٠٦، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٠، ومغني اللبيب ٢/ ٥١٢، وشرح التسهيل ٣/ ٢٣٨.
[ ١ / ٦٨٨ ]
وذكر الفراء١ أنهم التزموا تذكير "قريب" إذا لم يرد قرب النسب قصدًا للفرق، هذا نقله في المغني٢، ونقل غيره عن الفراء: إذا كان القرب في النسب كان التأنيث واجبًا بلا خلاف، تقول "هذه قريبة فلان"، ولا تقول "هذه قريب فلان"، وإذا كان القرب في المسافة التذكير والتأنيث، وقيل التذكير في الآية على المعنى؛ لأن الرحمة بمعنى الغفران والعفو، واختاره الزجاج٣، وقيل بمعنى المطر قاله الأخفش٤، وإياك أن تظن أن التذكير لكون التأنيث مجازيا؛ لأن ذلك وهم لوجوب التأنيث في نحو: "الشمس طالعة" وإنما يفترق حكم المجازي والحقيقي الظاهري لا المضمرين، قاله في المغني٥ ردًا على الجوهري.
"ولا يجوز: قامت غلام هند" بتأنيث الفعل، "ولا: قام امرأة زيد" بتذكيره "لعدم صلاحية المضاف فيهما للاستغناء عنه بالمضاف إليه"، فلا يقال: "قامت هند" إذا كان القائم غلامها، ولا "قام زيد" إذا كان القائم امرأته، ومن ثم رد ابن مالك في التوضيح على الجامع الصحيح قول أبي الفتح٦ في توجيهه قراءة أبي العالية: "لَا تَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا" [الأنعام: ١٥٨] بتأنيث الفعل: إنه من باب "قطعت بعض أصابعه"؛ لأن المضاف لو سقط هنا لقيل: "نفسًا لا تنفع" بتقديم المفعول ليرجع إليه الضمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعلية، ويلزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره نحو قولك: "زيدًا ظلم"٧، تريد أنه ظلم نفسه، وذلك لا يجوز، واقتصر الناظم على التصوير الأول فقال:
٣٩٤-
وربما أكسب ثان أولًا تأنيثا إن كان لحذف موهلا
مسألة: ذهب البصريون إلى أنه "لا يضاف اسم لمرادفه كـ: ليث أسد، ولا" يضاف "موصوف إلى صفته كـ: رجل فاضل، ولا" تضاف "صفة لموصوفها كـ: فاضل رجل"، وشمل ذلك قول الناظم:
٣٩٥-
ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى
_________________
(١) ١ معاني القرآن ١/ ٣٨٠. ٢ مغني اللبيب ص٦٦٦. ٣ معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٤٤. ٤ معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥١٩. ٥ مغني اللبيب ص٦٦٦. ٦ المحتسب ١/ ٢٣٦. ٧ في "ط": "أظلم".
[ ١ / ٦٨٩ ]
لأن الغرض من الإضافة التعريف أو التخصيص، والشيء لا يتعرف بنفسه، ولا يتخصص بها، "فإن سمع ما يوهم شيئًا من ذلك يؤول"، هذا معنى قول الناظم:
٣٩٥-
وأول موهما إذا ورد
"فمن" ورود "الأول" وهو إضافة الاسم لمرادفه "قولهم: جاءني سعيد كرز"، فـ"سعيد" و"كرز" مترادفان لكونهما لمسمى واحد، وأضيف أحدهما إلى الآخر، "وتأويله أن يراد بالأول" وهو المضاف "المسمى، وبالثاني" وهو المضاف إليه "الاسم"، أي: اللفظ الدال على المسمى، "أي: جاءني مسمى هذا الاسم"، وتوجيهه أن الاسم قبل اللقب في الوضع، فقدم عليه في اللفظ، وقصد بالمقدم المسمى لتعرضه إلى ما لا يليق بمجرد اللفظ من نداء أو إسناد، فلزم أن يقصد بالثاني مجرد اللفظ لتحصل بذلك مغايرة ما، حتى كأن قائل: "جاءني سعيد كرز" قال: جاءني مسمى كرز، هذا إذا نسب إلى الأول ما ينسب إلى الذوات، أما إذا نسب إليه ما ينسب إلى الألفاظ فإنه يجب تأويل الثاني بالمسمى، والأول بالاسم كما إذا قلت: "كتبت: سعد كرز" فإنه يتعين أن تقول: كتبت اسم هذا المسمى، قاله قريب المرضح.
"ومن" ورود "الثاني" وهو إضافة الموصوف إلى صفته "قولهم: حبة الحمقاء" بالمد، وإنما وصفوها بالحمق؛ لأنها تنبت في مجاري السيول فيمر السيل بها فيقطعها فتطؤها الأقدام، قاله الرضي١.
"و" قولهم: "صلاة الأولى، و" قولهم: "مسجد الجامع، وتأويله أن يقدر موصوف" أضيف إليه المضاف المذكور، فيقدر في الأول اسم عين، وفي الثاني اسم زمان، وفي الثالث اسم مكان، "أي: حبة البقلة الحمقاء، وصلاة الساعة الأولى، ومسجد المكان الجامع"، وعدل عن تقدير الرضي: مسجد الوقت الجامع لما ذكرنا.
"ومن" ورود "الثالث" وهو إضافة الصفة إلى موصوفها "قولهم: جرد قطيفة" بفتح الجيم وسكون الراء وفتح القاف وكسر الطاء، "وسحق عمامة" بفتح السين وسكون الحاء المهملتين، وكسر العين، "وتأويله أن يقدر موصوف أيضًا، و" يقدر "إضافة الصفة إلى جنسها"، ويجر جنسها بـ"من"؛ لأن الإضافة فيهما بمعنى "من" لأن المضاف إليه جنس للمضاف لا موصوف به إذ الموصوف محذوف، "أي: شيء جرد من جنس القطفية، وشيء سحق من جنس العمامة"، و"شيء" موصوف،
_________________
(١) ١ شرح الرضي ٢/ ٢٤٤.
[ ١ / ٦٩٠ ]
و"جرد" أو "سحق" صفته، والصفة فيهما مضافة إلى جنسها معنى، وصرح بـ"من" معها لبيان معنى الإضافة.
وذهب الكوفيون١ إلى جواز الإضافة في جميع ذلك إذا اختلف اللفظان من غير تأويل محتجين بنحو قوله تعالى: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القص: ٤٤] وغير ذلك.
_________________
(١) ١ الإنصاف ٢/ ٤٣٨، المسألة رقم ٦١.
[ ١ / ٦٩١ ]
"فصل":
"الغالب على الأسماء أن تكون صالحة للإضافة والإفراد" عنها "كـ: غلام" من العقلاء "و: ثوب" من غيرهم، فتارة يضافان إلى الظاهر والمضمر فتقول: "غلام زيد وثوبه"، وتارة لا يضافان فيقال: "غلام وثوب" "ومنها ما يمتنع إضافته" لملازمته التعريف "كالمضمرات" خلافا للخليل في نحو: "أياك" فإنه يقول: إنهما ضميران أضيف أحدهما إلى الآخر، وتبعه الناظم١، "والإشارات" وأما "ذلك" وأخواته فالكاف حرف خطاب لا اسم مضاف إليه، "وكغير "أي" من الموصولات" النصة والمشتركة، "و" "كغير "أي" "من أسماء الشرط"، وكغير "أي" من أسماء "الاستفهام"، وإنما لم تضف هذه المذكورات لشبهها بالحرف، والحرف لا يضاف، وإنما أضيفت " أي" في الجميع لضعف الشبه بما عارضه من شدة افتقارها إلى مفرد تضاف إليه.
"ومنها ما هو واجب الإضافة إلى المفرد، وهو نوعان":
الأول: "ما يجوز قطعه عن الإضافة في اللفظ" فينون وهو المشار إليه في النظم بقوله:
٣٩٦-
وبعض ذا قد يأتي لفظًا مفردًا
"نحو: كل" إذا لم يقع نعتًا ولا توكيدًا، "وبعض، وأي، قال الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] و: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ " [البقرة: ٢٥٣] وهل هما والحالة هذه معرفتان أو نكرتان؟ ذهب سيبويه والجمهور إلى أنهما معرفتان بنية الإضافة، ولذلك يأتي الحال منهما كقولهم: مررت بكل قائما وببعض جالسًا، وأصل صاحب الحال: التعريف، وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان، وألزم من قال بتعريفهما أن يقول: إن نصفا وسدسا وثلثًا وربعًا ونحوها معارف؛ لأنها في المعنى مضافات، هي نكرات بإجماع.
ورد بأن العرب تحذف المضاف إليه وتريده، وقد لا تريده، ودل مجيء الحال بعد "كل"
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ١٤٤.
[ ١ / ٦٩٢ ]
و"بعض" على إرادته: " ﴿أَيًّا مَا تَدْعُو﴾ " [الإسراء: ١١٠] فـ"أيا": اسم شرط مفعول مقدم، و"ما" صلة.
"و" النوع الثاني: "ما يلزم الإضافة لفظًا"، وهو المشار إليه بقول الناظم:
٣٩٦-
وبعض الأسماء يضاف أبدًا
"وهو ثلاثة أنواع":
الأول: "ما يضاف للظاهر"، مرة "وللمضمر" أخرى، "نحو: كلا" الرجلين وكلاهما، "وكلتا" المرأتين وكلتاهما، "وعند" زيد وعندك، "ولدى" الباب ولديك، "وقصارى" الأمر وقصاراه؛ بضم القاف؛ أي: غايته، "وسوى" زيد وسواك.
"و" الثاني: "ما يختص بالظاهر" دون المضمر "كـ: أولي" بمعنى "أصحاب"، "و: أولات" بمعنى "صاحبات"، "و: ذي" بمعنى "صاحب"، "و: ذات" بمعنى صاحبة، "قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ " [النمل: ٣٣] أي: أصحاب قوة، "و: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ " [الطلاق: ٤] أي: صاحبات الأحمال، "و﴿وَذَا النُّونِ﴾ " [الأنبياء: ٨٧] أي: صاحب الحوت، "و﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ " [النمل: ٦٠] أي صاحبة بهجة.
"و" الثالث: "ما يختص بالمضمر" دون الظاهر، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٩٧-
وبعض ما يضاف حتمًا امتنع إيلاؤه اسمًا ظاهرًا حيث وقع
"وهو نوعان":
أحدهما: "ما يضاف لكل مضمر" متكلم أو مخاطب أو غائب، مفردًا كان أو مثنى أو مجموعًا، مذكرًا أو مؤنثًا، "وهو: وحد" وهو مصدر ملازم للإفراد والتذكير على المشهور، فمن إضافته إلى ضمير الغيبة "نحو: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ " [غافر: ١٢] .
"و" من إضافته إلى ضمير الخطاب نحو "قوله" وهو عبد الله بن عبد الأعلى القرشي: [من الرجز]
٥٢٢-
"وكنت إذ كنت إلهي وحدكا" لم يك شيء يا إلهي قبلكا
_________________
(١) الرجز لعبد الله بن عبد الأعلى القرشي في الدرر ٢/ ١٤٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٩، وشرح التسهيل ٤/ ٦٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٨١، وشرح المفصل ٢/ ١١، والكتاب ٢/ ٢١٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٩٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١١٢، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٤١، ومغني اللبيب ١/ ١٧٩، والمقتضب ٤/ ٢٧٤، والمنصف ٢/ ٢٣٢، وهمع الهوامع ٢/ ٥٠، وشرح الكافية الشافية ١/ ٤٠٩، و٣/ ١٥٧٣.
[ ١ / ٦٩٣ ]
و"إلهي" الأول: منادى سقط منه حرف النداء لدلالة الثاني عليه، "و" من إضافته إلى ضمير المتكلم نحو "قوله" وهو الربيع بن ضبع الفزاري: [من المنسرح]
٥٢٣-
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرًا
"والذئب أخشاه إن مررت به وحدي" وأخشى الرياح والمطرا
قال ذلك لكبر سنه، وقد عاش ثلاثمائة وأربعين سنة على ما قيل.
"و" النوع الثاني من النوعين: "ما يختص بضمير المخاطب، وهو مصادر مثناة لفظًا، ومعناها التكرار"؛ لأنهم لما قصدوا بها التكثير١ جعلوا التثنية علمًا على ذلك؛ لأنها أول تضعيف العدد وتكثيره، "وهي: لبيك" بفتح اللام وتشديد الموحدة "بمعنى: إقامة على إجابتك بعد إقامة، و"سعديك" بمعنى: إسعادًا لك بعد إسعاد، ولا تستعمل" "سعديك" "إلا بعد: لبيك"؛ لأن "لبيك" هي الأصل في الإجابة.
و"سعديك" كالتوكيد لها٢، قال المرادي٣: أراد سيبويه بقوله: "لبيك" و"سعديك" إجابة بعد إجابة، ا. هـ. "و: حنانيك" بفتح المهملة والنون "بمعنى: تحننا عليك بعد تحنن"، قاله طرفة بن العبد: [من الطويل]
٥٢٤-
حناني بعض الشر أهون من بعض
أنشده سيبويه٤.
"و: دواليك" بفتح الدال المهملة "بمعنى: تداولًا بعد تداول"، وهذا أنسب من قول ابن الناظم٥: إدالة بعد إدالة؛ لأن الإدالة الغلبة، يقال: اللهم أدلني على
_________________
(١) البيتان للربيع بن ضبع الفزاري في أمالي المرتضى ١/ ٢٥٦، والارتشاف ٢/ ٣٤٠، وحماسة البحتري ص٢٠١، وخزانة الأدب ٧/ ٣٨٤، والدرر ٢/ ١٤٦، والكتاب ١/ ٩٠، ولسان العرب ١٣/ ٢٥٩، "ضمن"، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٩٧، ونوادر أبي زيد ص١٥٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ١٣٧، وأوضح المسالك ٣/ ١١٤، والرد على النحاة ص١١٥، والمحتسب ٢/ ٩٩. ١ في "ب": "التكرير". ٢ سقطت من "ط". ٣ شرح المرادي ٢/ ٢٥٩.
(٢) صدر البيت: "أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا" ، وهو لطرفة بن العبد في ديوانه ص٦٦، والدرر ١/ ٤١٢، والكتاب ١/ ٣٤٨، ولسان العرب ١٣/ ١٣٠ "حنن"، وهمع الهوامع ١/ ١٩٠، وتاج العروس "حنن"، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص١٢٧٣، وشرح المفصل ١/ ١١٨، والمقتضب ٣/ ٢٢٤. ٤ الكتاب ١/ ٣٤٨. ٥ شرح ابن الناظم ص٢٧٨.
[ ١ / ٦٩٤ ]
فلان وانصرني عليه، "و: هذاذيك؛ بذالين معجمتين بمعنى: إسراعًا لك بعد إسراع، قال" العجاج: [من الرجز]
٥٢٥-
"ضربا هذاذيك وطعنا وخضا"
والمعنى: أضرب ضربًا يهذ هذّا١ بعد هذ على التكرير، وأطعن طعنا جائفًا، و"الهذ": السرعة في القطع وغيره، و"الوخض" بالخاء والضاد المعجمتين: الطعن الجائف، وهو؛ بفتح الواو وسكون الخاء؛ نعت للطعن.
"وعامله" أي: هذاذيك "وعامل لبيك من معناهما" على حد "قعدت جلوسًا"، والتقدير: أسرع وأجيب، "و" عامل "البواقي" من الأمثلة "من لفظها"، والتقدير: أسعد وأتحنن وأتداول.
"وتجويز سيبويه٢" مبتدأ ومضاف إليه "في "هذاذيك" في البيت" السابق للعجاج "وفي: دواليك، من قوله" وهو سحيم بن الحسحاس: [من الطويل]
٥٢٦-
إذا شق برد شق بالبرد مثله "دواليك حتى كلنا غير لابس"
"الحالية" مفعول تجويز "بتقدير: نفعله متداولين وهاذين أي: مسرعين، ضعيف" خبر تجويز "للتعريف" بالإضافة إلى الضمير، والحال واجبة التنكير، وجوابه أنه مؤول بنكرة كما في "جاء زيد وحده"٣ "ولأن المصدر الموضوع للتكثير٤ لم يثبت فيه غير كونه
_________________
(١) الرجز للعجاج في ديوانه ١/ ١٤٠، وخزانة الأدب ٢/ ١٠٦، والدرر ١/ ٤١١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣١٥، وشرح المفصل ١/ ١١٩، والمحتسب ٢/ ٢٧٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٩٩، وتهذيب اللغة ٥/ ٣٦٠، وأساس البلاغة "هذذ"، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص١٥٨، وأوضح المسالك ٣/ ١١٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٣، والكتاب ١/ ٣٥٠، ولسان العرب ٣/ ٥١٧، "هذذ" ومجالس ثعلب ١/ ١٥٧، وهمع الهوامع ١/ ١٨٩، وجمهرة اللغة ص٦١٥، ١٢٧٣. ١ سقط من "ب": "بعد "هذ". ٢ الكتاب ١/ ٣٥٠، ٣٥١.
(٢) البيت لسحيم عبد بني الحسحاس في ديوانه ص١٦، وجمهرة اللغة ص٤٣٨، وخزانة الأدب ٢/ ٩٩، والدرر ١/ ٤١، وشرح المفصل ١/ ١١٩، والكتاب ١/ ٣٥٠، ولسان العرب ٣/ ٥١٧، "هذذ" ١١/ ٢٥٣، "دلول" والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠١، وتاج العروس "دول"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١١٨، وجمهرة اللغة ص١٢٧٢، والخصائص ٣/ ٤٥، ورصف المباني ص١٨١، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٣، ومجالس ثعلب ١/ ١٥٧، والمحتسب ٢/ ٢٧٩، وهمع الهوامع ١/ ١٨٩. ٣ في "ط": "جاء في" مكان "في جاء". ٤ في "ط": "للتنكير".
[ ١ / ٦٩٥ ]
مفعولًا مطلقًا" لا حالًا، وجوابه أن ذلك يحتاج إلى استقراء تام، وفيه عسر، و"سحيم" بالتصغير وبمهملتين، و"الحسحاس" بمهملات أربع.
قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا أراد تأكيد المودة بينه وبين من يحبه شق كل منهما برد صاحبه يرى أن ذلك أبقى للمودة بينهما١.
"وتجويز الأعلم" وهو يوسف الشنتمري، لقب بالأعلم؛ لأنه كان مشقوق الشفة العليا "في "هذاذيك" في البيت" السابق للعجاج "الوصفية" لـ"ضربًا"٢ "مردود" خبر تجويز "لذلك"، وهو التعريف؛ لأن "ضربًا" نكرة فلا توصف بمعرفة، ولأن المصدر الموضوع للتكثير لم يثبت فيه غير كونه مفعولًا مطلقًا، والجواب عن التعريف أن الأعلم لا يقول: بأن الكاف اسم مضاف إليه بل حرف خطاب كما سيصرح به.
والجواب عن الثاني يعرف مما تقدم.
"وقوله" أي: الأعلم؛ مبتدأ ومضاف إليه "فيه" أي: في "هذاذيك" "وفي أخواته" وهو "لبيك" و"سعديك" و"حنانيك" و"دواليك": "إن الكاف" المتصلة بها حرف "لمجرد الخطاب مثلها" أي: الكاف "في "ذلك" مردود" خبر قوله "أيضًا لقولهم": بلام التعليل متعلق بمردود "حنانيه" بإضافته إلى ضمير الغيبة "و: "لبى زيد" بإضافته إلى الظاهر، فتعين أن تكون الكاف في "لبيك" وأخواته اسمًا لقيام الاسم مقامها؛ لأن الاسم إنما يقوم مقامه مثله، "ولحذفهم النون لأجلها، ولم يحذفوها في: ذانك" و"تانك" ففي ذلك دليل على أنها اسم مضاف إليه "وبأنها" أي: الكاف الحرفية "لا تلحق الأسماء التي لا تشبه الحرف"، وكل ما لا يشبه الحرف لا تلحقه الكاف الحرفية، فالكاف الحرفية لا تلحق "لبيك"، وأخواته؛ لأنها لا تشبه الحرف، فهذه ثلاث علل للرد على الأعلم، علتان وجوديتان، وعلة عدمية، فاستعمل مع الوجودي اللام لأنها الأصل في التعليل، واستعمل مع العدمي الباء تغايرًا بينهما وتفننا في التعبير.
والجواب عن الأولى أن "حنانيه" و"لبى زيد" شاذان وخارجان عن القياس كما سيأتي فلا يصلحان للرد، وقول أبي حيان في الارتشاف: ودعوى الشذوذ فيهما باطلة؛ ضعيف.
_________________
(١) ١ نقل الصبان هذا القول من شرح التصريح منسوبًا إلى أبي عبيدة "٢/ ٢٥٢"، وورد هذا القول بلا نسبة في خزانة الأدب ٢/ ١٠٠، والدرر ١/ ٤١١، وشرح الأعلم ١/ ٢٧١، وفي خزانة الأدب أن أبا عبيدة قال: "كان من شأن العرب إذا تجالسوا مع الفتيات للتغزل أن يتعابثوا بشق الثياب لشدة المعالجة عن إبداء المحاسن". ٢ شرح الأعلم ١/ ٢٧١.
[ ١ / ٦٩٦ ]
وعن الثانية أن النون يجوز حذفها لشبه الإضافة كما صرح به الأعلم في نفس المسألة، وكما في "اثني عشر"، وإنما لم تحذف في "ذانك و"تانك" للإلباس بالمفرد.
"وشذت إضافة "لبى" إلى ضمير الغائب في نحو قوله": [من الرجز]
٥٢٧-
إنك لو دعوتني ودوني زوراء ذات مترع بيون
"لقلت لبيه لمن يدعوني"
فـ"دوني زوراء" بالزي ثم الراء: جملة حالية من ياء المتكلم، والزوراء: الأرض البعيدة و"ذات مترع" صفتها، والمترع من قولهم: "حوض ترع" بفتح التاء المثناة فوق والراء أي: ممتلئ، و"بيون" بفتح الباء الموحدة وضم الياء المثناة تحت أي: واسعة بعيدة الأطراف، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: "لبيك" ولكنه التفت من الخطاب إلى الغيبة مثل: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] .
"و" شذت إضافة لبى "إلى الظاهر في قوله" وهو أعرابي من بني أسد: [من المتقارب]
٥٢٨-
دعوت لما نابني مسورا "فلبى فلبى يدي مسور"
وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٩٨-
وشذ إيلاء يدي للبى
وفي شرح المواقف أن "يدي" في البيت زائدة، ا. هـ.
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ١/ ٧٣١ "لبب"، ١٣/ ٦٤ "بين"، وأوضح المسالك ٣/ ١٢٢، وخزانة الأدب ٢/ ٩٣، والدرر ١/ ٤١٣، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٧٤٦، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩١٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٣، ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٨٣، وهمع الهوامع ١/ ١٩٠، وتاج العروس ٤/ ١٨٤، "لبب"، "بين"، والمخصص ١٠/ ٣٦، ١٦/ ١٤٧، وأساس البلاغة "بين"، وتهذيب اللغة ١٥/ ٥٠١، وشرح التسهيل ٢/ ١٨٦، وشرح المرادي ٢/ ٢٦١.
(٢) البيت لرجل من بني أسد في الدرر ١/ ٤١٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩١٠، ولسان العرب ١٥/ ٢٣٩، "لبى"، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٨١، وبلا نسبة في أساس البلاغة "لبى"، وأوضح المسالك ٣/ ١٢٣، وخزانة الأدب ٢/ ٩٢، ٩٣، وشرح ابن الناظم ص٢٧٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٧٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٣، وشرح التسهيل ١/ ١٤٧، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٣٢، وشرح المرادي ٢/ ٢٦٠، والكتاب ١/ ٣٥٢، والمحتسب ١/ ٧٨، ٢/ ٢٣، ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٨، وهمع الهوامع ١/ ١٩٠.
[ ١ / ٦٩٧ ]
"ومسورًا": علم منصوب على المفعولية بـ"دعوت"، و"لما" بكسر اللام وتخفيف الميم متعلق بـ"دعوت"، و"نابني" بمعنى أصابني صلة "ما"، وجملة "فلبى" معطوفة على جملة "دعوت"، والأصل فلباني، أي: قال لي: لبيك، فحذف المفعول، والمعنى: دعوت مسورًا للأمر الذي نابني من نوائب الدنيا فلباني، وأصل هذا أن رجلًا دعا رجلا اسمه مسور ليغرم عنه دية لزمته فأجابه إلى ذلك، وخص يديه بالذكر؛ لأنهما اللتان أعطتاه المال حتى تخلص من نائبته، وقيل: كانت عادة العرب ذلك مطلقًا، فجاء النهي عن ذلك، روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دعا أحدكم أخاه فقال: لبيك، فلا يقولن: لبى يديك ١، وليقل: أجابك الله بما تحب" قاله الشاطبي.
"و" قال سيبويه٢: هذا البيت "فيه رد على يونس في زعمه أنه" أي: لبى "مفرد وأصله: لبى" بألف بعد الموحدة٣ على وزن فعلى بسكون العين، "فقلت ألفه ياء لأجل الضمير كما" قلبت "في" "لدى" و"على" لاتصال الضمير بهما إذ يقال فيهما: "لديك، و: عليك"، ووجه الرد من البيت أن الياء قد وجدت مع الظاهر، ولو كانت ألفه كألف "لدى" و"على" لاتصال الضمير بهما إذ يقال فيهما: "لديك، و: عليك"، ووجه الرد من البيت أن الياء قد وجدت مع الظاهر، ولو كانت ألفه كألف "لدى" و"على" لم تقلب من الظاهر إذ يقال: "لدى لباب"، و"على زيد" ببقاء الألف على حالها.
"وقول ابن الناظم" في شرح النظم٤: "إن خلاف يونس" جار "في: لبيك وأخواته وهم" بفتح الهاء أي: غلط، وإنما هو خاص بـ"لبيك"، "ومنها ما هو واجب الإضافة إلى الجمل" مطلقًا "اسمية كانت أو فعلية وهو: إذ" من أسماء الزمان "و: حيث" خاصة من أسماء المكان، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٣٩٩-
وألزموا إضافة إلى الجمل حيث وإذ
"فأما: إذ، فنحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ " [الأنفال: ٢٦] بإضافة٥ "إذ" إلى الجملة الاسمية، "و﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ " [الأعراف: ٨٦] بإضافة "إذ" إلى الجملة الفعلية، و"إذ" في هذين المثالين مفعول به لـ"اذكر"، وزعم الجمهور أنها ظرف
_________________
(١) ١ في النهاية ٤/ ٢٢٢ "لبب": "وقال الزمخشري: فمعنى لبي يديك: أي: أطيعك، وأتصرف بإرادتك، وأكون كالشيء الذي تصرفه بيديك كيفن شئت". ٢ الكتاب ١/ ٣٥١، ٣٥٢. ٣ في "ب": "بفتح الموحدة" مكان "بألف بعد الموحدة". ٤ شرح ابن الناظم ص٢٧٨. ٥ في "ب": "فأضاف".
[ ١ / ٦٩٨ ]
لمفعول محذوف، أي: واذكروا نعمة الله عليكم إذ أنتم قليل وإذ كنتم قليلًا.
وشرط الاسمية ألا يكون خبر المبتدأ فيها فعلًا ماضيًا، نص على ذلك سيبويه١.
وشرط الفعلية أن يكون فعلها ماضيًا لفظًا كما مثل، ومعنى لا لفظًا نحو: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وقد اجتمع إضافتها للاسمية والفعلية بقسميها في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: ٤٠] .
"وقد يحذف ما أضيفت" "إذ" "إليه" من الجملة بأسرها "للعلم به، فيجاء بالتنوين عوضًا منه" أي: من المضاف إليه "كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ"، بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤، ٥] أي: يوم إذ غلبت الروم يفرح المؤمنون، فحذف٢ جملة ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] وعوض منها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، و"إذ" باقية على بنائها على الأصح، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٩٩-
وإن ينون يحتمل
٤٠٠-
إفراد إذ
"وأما: حيث، فنحو: جلست٣ حيث جلس زيد" بإضافة "حيث" إلى الجملة الفعلية "و: حيث زيد جالس" بإضافة "حيث" إلى الجملة الاسمية، ولما كان إضافتها إلى الجملة الفعلية أكثر قدم مثال الفعلية على الاسمية، وشرط الاسمية ألا يكون الخبر فيها فعلًا، نص على ذلك سيبويه٤، "وربما أضيفت" "حيث" "إلى المفرد" كـ"عند" "كقوله": [من الطويل]
٥٢٩-
ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم "ببيض المواضي حيث لي العمائم"
فأضاف "حيث" إلى "لي" وهو مصدر مفرد، "ولا يقاس عليه خلافًا للكسائي".
فإنه قاس عليه، و"نطعنهم" بضم العين، يقال: طعنه بالرمح يطعنه بالضم، وطعن في نسبه يطعن بالفتح هذا هو الصواب، و"الحبا" بضم لحاء المهملة وتخفيف الموحدة: جمع حبوة بكسر الحاء، والمراد أوساطهم، و"بيض المواضي": السيوف القواطع، و"لي
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ١٠٧. ٢ في "ط": "فحذفت". ٣ سقط من "ط": "حيث فنحو: جلست". ٤ الكتاب ١/ ١٠٧.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ١٧.
[ ١ / ٦٩٩ ]
العمائم": شدها على الرءوس.
"ومنها ما يختص بالجمل الفعلية وهو: لما" الوجودية "عند من قال باسميتها" كابن السراج١ وتبعه الفارسي٢ وتبعهما ابن جني٣ وتبعهم الشيخ عبد القاهر وجماعة فقال: إنها اسم وهي ظرف بمعنى "حين"، وقال ابن مالك: بمعنى "إذ"، واستحسنه في المغني٤؛ لأنها مختصة بالماضي "نحو: لما جاءني أكرمته"، والصحيح عند سيبويه أنها حرف وجود لوجود٥، واستدل له الموضح في شرح القطر٦ بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ﴾ [سبأ: ١٤]، وجه الدليل منه أنها لو كانت ظرفًا لاحتاجت إلى عامل يعمل في محلها النصب، وذلك العامل إما "قضينا" أو "دلهم" إذ ليس معنا سواهما، وكون العامل "قضينا" مردود بأن القائلين بأنها اسم يزعمون أنها مضافة إلى ما يليها، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وكون العامل "دلهم" مردود بأن "ما" النافية لا ما بعدها فيما قبلها، وإذا بطل أن يكون لها هنا٧ عامل تعين أنه لا موضع لها من الإعراب، وذلك يقتضي الحرفية، ا. هـ.
ويجاب بأن العامل "قضينا" وكونه مضافًا إليه ممنوع بأن القائلين باسميتها لا يقولون بإضافتها إلى ما بعدها، وقد صرح في المغني بذلك في "إذ" على قول المحققين: إن العامل فيها شرطها، فقال٨: لأن "إذا" عند هؤلاء غير مضافة كما يقول٩ الجميع فيها إذا جزمت، ا. هـ.
"و"إذا" عند غير١٠ الأخفش والكوفيين١١" فإنها تختص بالجملة١٢ الفعلية،
_________________
(١) ١ الأصول ٢/ ١٥٧. ٢ الإيضاح العضدي ١/ ٣١٩. ٣ الارتشاف ٢/ ٥٧٠. ٤ مغني اللبيب ص٣٦٩. ٥ الكتاب ٤/ ٢٣٤. ٦ شرح قطر الندى ص٤٣. ٧ سقطت من "ط". ٨ مغني اللبيب ص١٣٠. ٩ في "ب": "يقولون". ١٠ سقطت من "ط". ١١ انظر رأيه في الارتشاف ٢/ ٢٣٩، وشرح ابن الناظم ص٢٨٢. ١٢ في "ب"، "ط": "بالجمل".
[ ١ / ٧٠٠ ]
وإليها١ أشار الناظم بقوله:
٤٠٣-
وألزموا إذا إضافة إلى جمل الأفعال
ويقع شرطها وجوابها ماضيين نحو: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ﴾ [الإسراء: ٨٣] ومضارعين نحو: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، ومختلفين نحو: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ٨٣] الآية، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا﴾ [مريم: ٥٨]، وماضيًا وأمرًا، "نحو: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ " فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] .
"وأما نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] مما استند إليه الأخفش والكوفيون من جواز٢ دخول "إذا" على الجملة الاسمية "فمثل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ " [التوبة: ٦] في التأويل، فـ"السماء": فاعل بفعل محذوف يفسره المذكور، والأصل: إذا انشقت السماء انشقت، كما أن "أحد" فاعل بفعل محذوف يفسره "استجارك"، والأصل: وإن استجارك أحد لا أن٣ "السماء" مبتدأ والفعل الذي بعدها خبره، وفي هذا القياس نظر؛ لأن شرط المقيس عليه أن يكون متفقًا عليه عند الخصمين، وليس هو هنا كذلك؛ لأن الأخفش والكوفيين لم يوافقوا على أن "أحد" في الآية يتعين أن يكون فاعلًا بفعل محذوف بل يجيزون ابتدائيته؛ لأن "إن" الشرطية لا تختص عندهم بالأفعال، كما قاله الموضح٤ وغيره، فلا فرق عندهم بين "إذا" و"إن"٥ في عدم الاختصاص بالجمل الفعلية، "وأما قوله" وهو الفررذق: [من الطويل]
٥٣٠-
"إذا باهلي تحته حنظلية" له ولد منها فذاك المدرع
مما ليس بعد المرفوع فعل يصلح للتفسير "فعلى إضمار: كان" و"باهلي" مرفوع بها،
_________________
(١) ١ في "ط": "إليهما". ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب": "لأن". ٤ مغني اللبيب ص٧٥٧. ٥ في "ب": "إن وإذ".
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ص٤١٦، والدرر ١/ ٤٤١، وشرح شواهد المغني ص٢٧٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٤١٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٢٧، وشرح ابن الناظم ص٢٨٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٦، وشرح التسهيل ٢/ ٢١٣، ولسان العرب ٨/ ٩٣، "ذرع" ومغني اللبيب ص٩٧، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٧.
[ ١ / ٧٠١ ]
والجملة بعده خبرها، والتقدير: إذا كان باهلي تحته حنظلية، وقيل: "حنظلية" فاعل بـ"استقر" محذوفًا، و"باهلي": فاعل بمحذوف يفسره العامل في "حنظلية"، ورد بأن فيه حذف المفسر ومفسره جميعًا، ويسهله أن الظرف يدل على المفسر فكأنه لم يحذف، و"الباهلي": منسوب إلى باهلة قبيلة من قيس عيلان بالعين المهملة.
و"الحنظلية": منسوبة إلى حنظلة، وهي أكرم قبيلة من تميم، و"المدرع": الذي يكسي الدرع بالدال المهملة، ويعني أنه إذا ولد للرجل الباهلي من امرأة حنظلية ولد فلذلك الولد النجيب الشجاع الذي يتأهل للبس الدرع لشرف أبويه، وقال الدماميني: والظاهر أنه المذرع بالذال المعجمة، وهو الذي أمه أشر من أبيه، وقد اشتهر أن حنظلة أشرف من باهلة، ا. هـ.
والقول بإضمار "كان" معهود "كما أضمرت هي وضمير الشأن في قوله" وهو قيس بن الملوح أو الصمة القشيري أو ابن الدمينة: [من الطويل]
٥٣١-
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة إلي "فهلا نفس ليلى شفيعها"
فـ"نفس ليلى"، خبر مقدم، و"شفيعها": مبتدأ مؤخر على حد: [من الطويل]
٥٣٢-
ولكن ملء عين حبيبها
والخبر هنا واجب التقديم لئلا يعود ضمير من المبتدأ على الخبر المؤخر لفظًا ورتبة، والجملة خبر "كان" المحذوفة هي واسمها ضمير الشأن، والتقدير: فهلا كان هو أي: الشأن، وقيل: التقدير: فهلا شفعت نفس ليلى؛ لأن الإضمار من جنس المذكور أقيس، و"شفيعها" على هذا: خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي شفيعها، قلت: ويرجح من وجه آخر، وهو أن ضمير الشأن موضوع لتقوية الكلام فلا يناسبه الحذف، ويجاب عنه بأنه حذف تبعًا للفعل فاغتفر.
_________________
(١) البيت للمجنون في ديوانه ١٥٤، ولإبراهيم الصولي في ديوانه ١٨٥، ولابن الدمينة في ملحق ديوانه ٢٠٦، وللمجنون أو لابن الدمينة أو للصمة بن عبد الله القشيري في شرح شواهد المغني ١/ ٢٢١، والمقاصد النحوية ٣/ ٤١٦، ولأحد هؤلاء أو لإبراهيم الصولي في خزانة الأدب ٣/ ٦٠، وللمجنون أو للصمة القشيري في الدرر ٢/ ٢٠٤، وللمجنون أو لغيره في المقاصد النحوية ٤/ ٤٥٧، وبلا نسبة في الأغاني ١١٤/ ٣١٤، وأوضح المسالك ٣/ ١٢٩، وتخليص الشواهد ٣٢٠، وجواهر الأدب ص٣٩٤، والجنى الداني ٥٠٩، ٦١٣، وخزانة الأدب ٨/ ٣١٥، ١٠/ ٢٢٩، ١١/ ٢٤٥، ٣١٣، ورصف المباني ٤٠٨، والزهرة ١٩٣، وشرح ابن الناظم ص٥٠٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٦، ٢٦٣، وشرح التسهيل ٤/ ١١٤، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٦٥٤، ومغني اللبيب ١/ ٧٤، وهمع الهوامع ٢/ ٦٧.
(٢) صدر البيت: "إجلالًا وما بك ودرة" وتقدم تخريجه برقم ١٤٩.
[ ١ / ٧٠٢ ]
"فصل":
"وما كان" من أسماء الزمان "بمنزلة "إذ" أو "إذا" في كونه اسم زمان مبهم لما مضى" كما أن "إذ" كذلك، "أو لما يأتي" كما أن "إذا" كذلك، "فإنه بمنزلتهما فيما يضافان إليه"، فما كان بمنزلة "إذ" جاز أن يضاف للجملتين الاسمية والفعلية، وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٠٠-
وما كإذ معنى كإذ أضف جوازًا
"فلذلك تقول: جئتك١ زمن الحجاج أمير" بالرفع على الابتداء والخبر، "أو: زمن كان الحجاج أميرا؛ لأنه" أي: لأن زمن "بمنزلة: إذ" في إفادة معنى المضي، والناصب له "جئت"؛ لأنه بمعنى الماضي، فلا يعمل فيه إلا ماض، "و" ما كان بمنزلة "إذا" جاز أن يضاف إلى الجملة٢ الفعلية دون الاسمية، فلذلك تقول: "آتيك زمن يقدم الحاج٣"، فـ"زمن" مضاف إلى الجملة الفعلية، والناصب له "آتيك"؛ لأنه مستقبل ولا يعمل في المستقبل إلا مستقبل، "ويمتنع" آتيك "زمن الحاج٤ قادم" على الابتدا والخبر، "لأنه" أي: لأن زمن "بمنزلة: إذا"، و"إذا" لا تضاف إلى الجملة الاسمية٥، فكذا٦ ما كان معناها، "هذا قول سيبويه" في مشبه "إذ" و"إذا"٧، "ووافقه الناظم في مشبه: إذ" واقتصر عليه في النظم "دون مشبه: "إذا" محتجا بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ " [الذاريات: ١٣] فأضيف "يوم"؛ وهو مشبه "إذا في
_________________
(١) ١ في "ط": "جئت". ٢ في "ط": "الجمل". ٣ في "أ"، "ب"، "ط": "الحجاج". ٤ في "ب": "الحجاج". ٥ في "ط": "الجمل". ٦ في "ب"، "ط" "فكذلك". ٧ الكتاب ٣/ ١١٩.
[ ١ / ٧٠٣ ]
الاستقبال إلى الجملة الاسمية، و"إذا" لا تضاف إليها. "وقوله" وهو سواد بن قارب: [من الطويل]
٥٣٣-
"وكن لي شفيعا يولم لا ذو شفاعة" بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
فأضاف "يوم" وهو مستقبل إلى الجملة الاسمية، و"إذا" لا تضاف إليها، و"هذا" المذكور من الآية والبيت "ونحوه" عند سيبويه١ "مما نزل فيه المستقبل لتحقق وقوعه بمنزلة٢ ما قد وقع ومضى"، فـ"يوم" فيه مشبه "إذ" لا مشبه "إذا" فلذلك أضيف إلى الجملة الاسمية، ولو كان الزمان محدودًا كأسبوع ويومين وشهر لم يضف إلى الجمل٣ خلافًا لبعض المغاربة.
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ٢٠٣. ١ الكتاب ٣/ ١١٩. ٢ في "ط": "منزلة". ٣ في "ب": "الجملة".
[ ١ / ٧٠٤ ]
"فصل":
"ويجوز في الزمان المحمول على: إذ، أو: إذا" إذا أضيف إلى جملة "الإعراب على الأصل" في الأسماء، "والبناء" على الفتح، "حملًا عليهما"، أي: على "إذ" و"إذا"؛ لأنهما مبنيان لشبه الحرف في الافتقار المتأصل إلى جملة، واقتصر في النظم على مشبه "إذ" فقال:
٤٠١-
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا
"فإن كان ما وليه فعلًا مبنيا" بناء أصليا أو عارضًا "فالبناء أرجح"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٠١-
واختر بنا متلو فعل بنيا
واختلف في علته، فقال البصريون: "للتناسب".
وقال ابن مالك١ بل لشبه الظرف حينئذ بحرف الشرط في جعل الجملة التي تليه مفتقرة إليه وإلى غيره، وذلك أن "قمت" من قولك: "حين قمت قمت" كان كلامًا تاما قبل دخول "حين" عليه، وبعد دخولها حدث له افتقار شبه "حين" وأمثاله بـ"إن"، فالبناء الأصلي "كقوله" وهو النابغة الذبياني: [من الطويل]
٥٣٤-
"على حين عاتبت المشيب على الصبا" وقلت ألما أصح والشيب وازع
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ٢٥٧.
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٣٢، والأضداد ص١٥١، وجمهرة اللغة ص١٣١٥، وخزانة الأدب ٢/ ٤٥٦، ٣/ ٤٠٧، ٦/ ٥٥٠، ٥٥٣، والدرر ١/ ٤٧٢، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٠٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٣.، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨١٦، ٨٨٣، والكتاب ٢/ ٣٣٠، ولسان العرب ٨/ ٣٩٠ "وزع" ٩/ ٧٠، "خشف" والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠٦، ٤/ ٣٥٧، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٥٢٠، ٢/ ٥٢٢، والأشباه والنظائر ٢/ ١١١، والإنصاف ١/ ٢٩٢، وأوضح المسالك ٣/ ١٣٣، ورصف المباني ص٣٤٩، وشرح ابن الناظم ص٢٨١، ٤٦٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٥، ٣/ ٥٧٨، وشرح شذور الذهب ص٧٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٩، وشرح التسهيل ٣/ ٢٥٥، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٨٠، وشرح المفصل ٣/ ١٦، ٤/ ٥٩١، ٨/ ١٣٧، ومغني اللبيب ص٥٧١، والمقرب ١/ ٢٩٠، ٢/ ٥١٦، والمنصف ١/ ٥٨، وهمع الهوامع ١/ ٢١٨، وأمالي ابن الشجري ١/ ٤٦، ٢/ ١٣٢.
[ ١ / ٧٠٥ ]
يروى "على حين" بالخفض على الإعراب، و"على حين" بالفتح على البناء، وهو الأرجح لكونه مضاف إلى مبني أصالة، وهو "عاتبت".
"و" البناء العارض نحو "قوله": [من الطويل]
٥٣٥-
لأجتذبن منهن قلبي تحلما "على حين يستصبين كل حليم"
يروى بخفض "حين" على الإعراب له، وفتحه على البناء لكونه مضافًا إلى مبني، وهو "يستصبين"، فإنه مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، وماضيه "استصبيت فلانًا" إذ عددته صبيا أي: جعلته في عداد الصبيان.
"وإن كان" ما وليه "فعلًا" مضارعًا "معربًا أو جملة اسمية فالإعراب أرجح" من البناء "عند الكوفيين" والأخفش "وواجب عند" جمهور "البصريين" لعدم التناسب، "واعترض عليهم" في دعوى الوجوب "بقراءة نافع: "هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ" [المائدة: ١١٩] بالفتح١" على البناء لا على الإعراب؛ لأن الإشارة إلى "اليوم" كما في قراءة الرفع، فلا يكون ظرفًا، والتوفيق بين القراءتين أليق، وأجاب جمهور البصريين بأن الفتحة فيه إعراب مثلها في "صمت يوم الخميس"، والتزموا لأجل ذلك أن تكون الإشارة ليست لليوم، وإلا لزم كون الشيء ظرفًا لنفسه "و" اعترض عليهم أيضًا بنحو "قوله": [من الوافر]
٥٣٦-
تذكر ما تذكر من سليمى "على حين التواصل غير دان"
يروى بفتح "حين" على البناء، والكسر على الإعراب أرجح عند الكوفيين، ومال إلى مذهبهم أبو علي الفارسي من البصريين، وتبعه ابن مالك فقال بعد قوله في الظلم.
٤٠٢-
وقبل فعل معرب أو مبتدا أعرب ومن بني فلن يفندا
أي: لن يغلط.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٥٢٢، وأوضح المسلك ٣/ ١٣٥، وخزانة الأدب ٣/ ٣٠٧، والدرر ١/ ٤٧٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٥، وشرح التسهيل ٣/ ٢٥٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٣، ومغني اللبيب ٢/ ٥١٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٤١٠، وهمع الهوامع ١/ ٢١٨. ١ الرسم المصحفي: ﴿يَوْمُ﴾ بالرفع، والقراءة المستشهد بها هي لنافع وابن محيصن، انظر البحر المحيط ٤/ ٦٣، والنشر ٢/ ٢٥٦، والآية مع القراءة المستشهد بها من شواهد أوضح المسالك ٣/ ١٣٦، وشرح ابن الناظم ص٢٨١، والأمالي الشجرية ١/ ٤٤، ومغني اللبيب ٢/ ١١٥، وحاشية يس ١/ ٥٢.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٣٦، والارتشاف ٢/ ٥٢١، والدرر ١/ ٤٧٥، وشرج التسهيل ٣/ ٢٥٦، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٥، وشرح شذور الذهب ص٨٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٤١١، وهمع الهوامع ١/ ٢١٨.
[ ١ / ٧٠٦ ]
"فصل":
"مما يلزم الإضافة" لفظًا ومعنى "كلا، و: كلتا"، فإنهما يضافان للظاهر والمضمر كما تقدم، "ولا يضافان إلا لما استكمل ثلاثة شروط:
أحدهما: التعريف"، فلا يضافان لنكرة مطلقًا، "فلا يجوز: كلا رجلين، ولا: كلتا امرأتين" عند البصريين، "خلافًا للكوفيين" فإنهم أجازوا إضافتهما إلى النكرة المختصة نحو: "كلا رجلين عندك محسنان" فإن "رجلين" قد تخصصا بوصفهما بالظرف، وحكوا: "كلتا جاريتين عندك مقطوعة يدها"، أي: تاركة للغزل، قاله في المغني١، وهو مقيد لما أطلقه هنا:
"و" الشرط "الثاني: الدلالة على اثنين إما بالنص" مضمرًا كان أو مظهرًا، فالأول "نحو: كلاهما" و"كلتاهما"، والثاني نحو: "كلا البستانين" "و﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٣]، أو بالاشتراك" بين المثنى الجمع "نحو قوله": [من الطويل]
٥٣٧-
"كلانا غني عن أخيه حياته" ونحن إذا متنا أشد تغانيا
"فإن كلمة "نا": مشتركة بين الاثنين والجماعة"، فلذلك صح إضافة "كلا" إليها، "وإنما صح قوله": [من الرمل]
٥٣٨-
"إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل"
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ص٢٦٩.
(٢) البيت للأبيرد الرياحي في الأغاني ١٣/ ١٢٧، ولعبد الله بن معاوية بن جعفر في ديوانه ٩٠، والحماسة الشجرية ١/ ٢٥٣، وللمغيرة بن حبناء التيمي في اللسان ١٥/ ١٣٧ "غنا"، ولعبد الله بن معاوية أو للأبيرد الرياحي في شرح شواهد المغني ٢/ ٥٥٥، وبلا نسبة في أمالي المرتضى ١/ ٣١، وأوضح المسالك ٣/ ١٣٨، وتخليص الشواهد ص٦٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٦، ومغني اللبيب ١/ ٢٠٤، وهمع الهوامع ٢/ ٥٠.
(٣) البيت لعبد الله بن الزبعرى في ديوانه ص٤١، والمقاصد النحوية ٣/ ٤١٨، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٥١١، وأوضح المسالك ٣/ ١٣٩، وشرح ابن الناظم ص٢٨٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ٦٢، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٣٠، ومغني اللبيب ١/ ٢٠٣، وهمع الهوامع ٢/ ٥٠.
[ ١ / ٧٠٧ ]
"لأن: ذا" وإن كانت حقيقة في الواحد إلا أنها "مثناة في المعنى"، لأنها مشار بها إلى اثنين، وهما الخير والشرن "مثلها في قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: بين الفارض والبكر، فالإشارة بـ "إذا" في الموضعين تعود إلى ما ذكر، "أي: وكلا ما ذكر" من الخير والشر، "وبين ما ذكر" من الفارض والبكر.
والبيت قاله عبد الله بن الزبعري يوم أحد قبل إسلامه. و"المدى" بفتح الميم وبالدال المهملة: الغاية. و"الوجه" بفتح الواو وسكون الجيم: مستقبل كل شيء.
و"القبل" بفتح القاف والباء الموحدة: يطلق١ على أمور منها المحجة٢ الواضحة، ذكر ذلك بمعناه في القاموس٣. يقول إن للخير وللشر غاية ينتهيان إليها، ويقفان عندها، وكلاهما أمر يستقبله الإنسان ويعرفه. وضبط بعضهم القبل في البيت بكسر القاف وفتح الباء على أنه جمع قبلة، بمعنى أن كليهما بمثابة القبلة التي يتوجه إليها المصلي.
"و" الشرط "الثالث: أن يكون" المضاف إليه "كلا" و"كلتا" "كلمة واحدة"، فلا يضافان إلى كلمتين متفرقتين، "فلا يجوز: كلا زيد وعمرو". وإلى هذه الشروط الثلاثة أشار الناظم بقوله:
٤٠٤-
لمفهم اثنين معرف بلا تفرق أضيف كلتا وكلا
"فأما قوله": [من البسيط]
٥٣٩-
"كلا أخي وخليلي واجدي عضدا" في النائبات وإلمام الملمات
بإضافة "كلا" إلى متفرق، وهما "أخي" و"خليلي" فمن نوادر الضرورات"٤.
و"الخليل" من الخلة، وهي كما قال أبو بكر بن فورك: صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل٥ الأسرار. وقال غيره: أصل الخلة المحبة. و"العضد" والساعد بمعنى،
_________________
(١) ١ في "ب": "مطلق". ٢ في "أ": "الجهة"، وفي "ب": "الحجة"، وفي "ط": "الجملة"، والتصويب من القاموس المحيط "قبل"، ولسان العرب ١١/ ٥٤٢ "قبل". ٣ القاموس المحيط "قبل".
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٤٠، والدرر ٢/ ١٤٩، وشرح ابن الناظم ص٢٨٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٥٢. وشرح ابن عقيل ٢/ ٦٣، ومغني اللبيب ص٢٠٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٤١٩، وهمع الهوامع ٢/ ٥٠. ٤ في "ب": "الضرورة". ٥ في "ب": "بتخليل".
[ ١ / ٧٠٨ ]
وهو من المرفق إلى الكتف، وكنى به عن الإعانة والتقوية، فإن العضد قوام اليد وبشدتها تشتد١. و"النائبات": المصائب: و"الإلمام". و"الملمات": جمع ملمة، وهي نوازل الدهر. و"كلا": مبتدأ، و"اجدي" بكسر الدال: مفرد مضاف إلى مفعوله الأول٢، وهو ياء المتكلم، خير المبتدأ. و"عضدًا": مفعوله الثاني. وأجاز ابن الأنباري إضافتها إلى المفرد بشرط تكررها نحو: "كلاي وكلك محسنان". ويجوز مراعاة لفظ "كلا" و"كلتا" في الإفرد نحو: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ﴾ [الكهف: ٣٣]، ومراعاة معناهما وهو قليل، وقد اجتمعا في قول الفرزدق: [من البسيط]
٥٤٠-
كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
فألحق "أقلعا" ضمير التثنية مراعاة للمعنى، وأفرد "رابي"، مراعاة للفظ.
"ومنها أي:" بفتح الهمزة وتشديد الياء، و"تضاف للنكرة مطلقًا" سواء أكانت النكرة مفردة أم مثناة أم مجموعة "نحو: أي رجل؟ و: أي رجلين؟ و: أي رجال؟، و" تضاف "للمعرفة إذا كانت" المعرفة "مثناة نحو: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ﴾ [الأنعام: ٨١] أو" كانت المعرفة "مجموعة نحو: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] ولا تضاف" "أي" "إليها" أي: إلى المعرفة؛ حال كونها "مفردة" عن التثنية والجمع. "إلا إن٣ كان بينهما" أي: بين "أي" والمعرفة المفردة "جمع مقدر، نحو: أي زيد أحسن؟ إذ المعنى": أي أجزاء زيد أحسن". فبين "أي" و"زيد" لفظ مقدر يدل على الجمع، وهو "أجزاء". "أو عطفت٤ مثلها عليها بالواو كقوله": [من الكامل]
_________________
(١) ١ في "ب": "تشد". ٢ سقطت من "ب".
(٢) البيت للفرزدق في أسرار العربية ص٢٨٧، والارتشاف ٢/ ٥١٢، وتخليص الشواهد ص٦٦، والخصائص ٣/ ٣١٤، والدرر ١/ ٤٢، وشرح شواهد المغني ص٥٥٢، ونوادر أبي زيد ص١٦٢، ولم أقع عليه في ديوانه، وهو للفرزدق أو لجرير في لسان العرب ٩/ ١٥٦ "سكف"، وبلا نسبة في الإنصاف ص٤٤٧، وخزانة الأدب ١/ ١٣١، ٤/ ٢٩٩، والخصائص ٢/ ٤٢١، وشرح الأشموني ١/ ٣٣، وشرح شواهد الإيضاح ص١٧١، وشرح المفصل ١/ ٥٤، ومغني اللبيب ص٢٠٤، وهمع الهوامع ١/ ٤١، وشرح التسهيل ١/ ٦٧، ٣/ ٢٤٥. ٣ في "ب": "إذا". ٤ في "ب"، "ط": "عطف".
[ ١ / ٧٠٩ ]
٥٤١-
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن "أيي وأيك فارس الأحزاب"
"إذ المعنى: أينا" فارس الأجزاب، وإلى هذين الشرطين أشار الناظم بقوله:
٤٠٥-
ولا تضف لمفرد معرف أيا وإن كررتها فأضف
٤٠٦-
أو تنو الأجزاء
والسر في ذلك كله١ أن "أيا" الاستفهامية٢ اسم عام لجميع الأوصاف، فلا يخلو إما أن يراد بها تعميم أوصاف بعض الأجناس أو تعميم أوصاف بعض ما هو مشخص بأحد طرق التعريف، فإن كان المراد بها الأول أضيفت إلى منكر، وطابقته في المعنى، وكانت معه بمنزلة "كل" لصحة دلالة المنكر على العموم مفردًا أو مثنى أو مجموعا بحسب ما يراد من العموم، فيقال: "أي رجل؟ " و"أي رجلين؟ " و"أي رجال؟ " على معنى واحد من الرجال، وأي اثنين منهم، وأي جماعة منهم، وإن كان الثاني أضيفت إلى معرف، وامتنع أن تطابقه في المعنى، وكانت معه بمنزلة "بعض" لعدم صحة دلالة المعرف على العموم، ولذلك وجب كونه إما مثنى أو مجموعًا وإما مكررًا مع "أي" بالواو؛ لأن المفردين مع الواو في حكم المثنى لكونها لمطلق الجمع، وأما على تقدير مضاف دال على الجمع.
"ولا تضاف "أي" الموصولة إلا لمعرفة نحو: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ " [مريم: ٦٩] لأن معناها معنى "الذي" وهو معرفة، ولا يجوز أن تضاف إلى نكرة، لا تقول٣: "اضرب أي رجل هو أفضل"، "خلافًا لابن عصفور" في إجازته ذلك٤.
"ولا" تضاف "أي: المنعوت بها والواقعة حالًا إلا لنكرة"، فالأولى، "كـ: مررت بفارس أي فارس" بخفض "أي" نعتًا لـ"فارس" "و" الثانية: كـ: مررت "بزيد أي فارس" بنصب "أي" على الحالية من "زيد"، وإنما وجب إضافتها إلى النكرة فيهما؛ لأن نعت النكرة والحال يجب أن يكونا أن نكرتين، ومعنى "أي فارس"، كامل في الفروسية، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٤٠٦-
واخصص بالمعرفه موصولة أيا وبالعكس الصفه
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٤٢، والمحتسب ١/ ٢٥٤، ومغني اللبيب ص١٤١. ١ سقطت من "ب". ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب": "يقال". ٤ شرح المرادي ٢/ ٣٧٣.
[ ١ / ٧١٠ ]
"وأما" "أي" "الاستفهامية والشرطية فيضافان إليهما" أي: إلى المعرفة والنكرة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٠٧-
وإن تكن شرطًا أو استفهامًا فمطلقا كمل بها الكلاما
لأن معنى الاستفهام والشرط يؤدي بالمعرفة والنكرة، ولهما أربعة أمثلة، مثال الاستفهامية المضافة إلى معرفة: "نحو: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ " [النمل: ٣٨] "و" مثال الشرطية المضافة إلى المعرفة: " ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ " فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨]، "و" مثال الاستفهامية المضافة إلى نكرة: " ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ " [الأعراف: ١٨٥]، "و" مثال الشرطية المضافة إلى نكرة "قولك: أي رجل جاءك فأكرمه".
والحاصل أن أقسام "أي" خمسة، وهي: ضربان: ما لا يجوز قطعه عن الإضافة في اللفظ، وهو اثنان المنعوت بها، والواقعة حالًا، وما يجوز، وهو ثلاثة الموصولة والاستفهامية والشرطية، فالأولى١ نحو: "اضرب أيا أفضل"، والثانية نحو٢: قلت: ثم أي؟ والثالثة نحو٣: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠] .
"ومنها: لَدُن" وهي "بمعنى: عند"، فتكون اسمًا لمكان الحضور، وزمانه كما أن "عند" كذلك، وإليها أشار الناظم بقوله:
٤٠٨-
وألزموا إضافة لدن فجر
"إلا أنها" أي: "لدن" "تختص" عن "عند" "بستة أمور:
أحدها: أنها ملازمة لمبدأ الغايات" الزمانية والمكانية؛ جمع غاية وهي المسافة؛ و"عند" غير ملازمة لمبدأ الغايات، "فمن ثم" أي: من أجل أن "لدن" وعند يكونان لمبدأ الغايات وإن اختلفا في اللزوم وعدمه "يتعاقبان" أي: يتداولان؛ على شيء واحد "في نحو: جئت من عنده ومن لدنه، و" قد اجتمعا "في التنزيل"، قال الله تعالى في حق الخضر: " ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ " [الكهف: ٦٥]، فلو جيء بـ"عند" فيهما أو بـ"لدن" لصح ذلك، ولكن ترك دفعًا لتكرار اللفظ "بخلاف نحو: "جلست عنده" فلا يجوز فيه "جلست لدنه" لعدم معنى الابتداء هنا"؛ لأن حرف الابتداء وهو "من" غير موجود هنا.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ سقط من "ب": "والثانية نحو". ٣ سقط من "ب": "أي: والثالثة نحو".
[ ١ / ٧١١ ]
"و" الأمر "الثاني أن الغالب" في "لدن" "استعمالها مجرورة بـ: من"، ونصبها قليل حتى إنها لم تأت في التنزيل منصوبة، وجر "عند" بـ"من" دون جر "لدن" في الكثرة.
والأمر "الثالث أنها مبنية" على السكون، وعلة بنائها شبهها بالحرف في لزوم استعمال واحد وهو الظرفية، وعدم التصرف "إلا في لغة قيس"، فإنها معربة عندهم تشبيها١ بـ"عند"، و"بلغتهم قرئ": "لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا "مِنْ لَدنْهِ"" [الكهف: ٢] بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر النون والهاء ووصلها بياء في الوصل، وهي قراءة أبي بكر بن عاصم٢، وفي أمالي ابن الشجري٣: "قال أبو علي: فأما ما روي عن عاصم من قراءته "من٤ لدنه"؛ بكسر النون؛ فإن ذلك لالتقاء الساكنين من٥ حيث سكنت الدال إسكان الباء من سبع، وليست كسرة إعراب"، ا. هـ. فظهر بهذا أن "لدن" مبنية دائمًا بخلاف "عند" فإنها معربة دائمًا.
والأمر "الرابع: جواز إضافتها إلى الجمل كقوله" وهو القطامي: [من الطويل]
٥٤٢-
صريع غوان راقهن ورقنه "لدن شب حتى شاب سود الذوائب"
فأضاف "لدن" إلى جملة "شب"، و"الصريع": المصروع، وهو المطروح على الأرض غلبة، و"غوان"؛ بغين عجمة مفتوحة: جمع غانية، وهي الجارية التي غنيت، أي: استغنت
_________________
(١) ١ في "ب": "لشبهها". ٢ الرسم المصحفي: ﴿لَدُنْهُ﴾ وقرأ عاصم وشعبة: "لدنهي" بإسكان الدال مع إشمامها الضم وكسر النون والهاء مع وصلها بياء، انظر الإتحاف ص٢٨٨، والبحر المحيط ٦/ ٩٦، والنشر ٢/ ٣١٠، وشرح ابن الناظم ص٢٨٤، وحاشية يس ١/ ٤٩. ٣ أمالي ابن الشجري ١/ ٢٢٣. ٤ سقطت من "ط". ٥ سقطت من "ب".
(٢) البيت للقطامي في ديوانه ص٤٤، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٢٣، والارتشاف ٢/ ٢٦٦، وخزانة الأدب ٧/ ٦٧، والدرر ١/ ٤٦٦، وسمط اللآلي ص١٣٢، وشرح شواهد المغني ص٤٥٥، ومعاهد التنصيص ١/ ١٨١، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٢٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٤٧، وأوضح المسالك ٣/ ١٤٥، وتخليص الشواهد ص٢٦٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٨، وشرح التسهيل ٢/ ٢٣٧، ومغني اللبيب ص١٥٧ وهمع الهوامع ١/ ٢١٥.
[ ١ / ٧١٢ ]
بحسنها عن الحلي، و"راقهن ورقنه": أعجبهن وأعجبنه، و"الذوائب": جمع ذؤابة من الشعر، بهمزة بعد الذال المعجمة في المفرد، وكان حقها أن تثبت في الجمع، لكنهم استثقلوا وقوع ألف بين همزتين فأبدلت الأولى واوًا، وهذا البيت لا دليل فيه، إذ يحتمل أن يكون على إضمار "أن" بدليل أنها تظهر بعدها أحيانًا، قاله ابن الشجري١، ويؤيده تقدير سيبويه٢ في "لَدُ شَولًا"٣: أن كانت شولًا، ورد بأن فيه حذف الموصول الحرفي وبقاء صلته.
الأمر "الخامس جواز إفرادها" عن الإضافة "قبل: غدوة" كقوله: [من الطويل]
٥٤٣-
وما زال مهري مزجر الكلب فيهم لدن غدوة حتى دنت لغروب
بنصب "غدوة"، "فتنصبها" "لدن"٤، "على التميز"؛ لأن "لدن" في آخرها نون ساكنة وقبلها دال تفتح وتضم وتكسر كما هو معروف في لغاته العشر، وقد تحذف نونها فشابهت حركات الدال حركات الإعراب من جهة تبدلها، وشابهت النون التنوين من جهة جواز حذفها، فصارت "لدن غدوة" في اللفظ كـ: "راقود خلا"، فنصب "غدوة" على التمييز بـ"لدن" كنصب "خلا" بـ"راقود"، "أو على التشبيه بالمفعول به" في نحو: "ضارب زيدًا"، فإن نونها تثبت تارة وتحذف أخرى كما في اسم الفاعل، فعملت عمله، بل قال أبو علي٥: النون في "لدن" زائدة، نقل ذلك عنه ابن الشجري٦، وبه يتضح تشبيه "لدن" بـ"ضارب" منونًا حتى نصبت بعدها "غدوة" وإليهما يشير قول الناظم:
٤٠٨-
ونصب غدوة بها
_________________
(١) ١ أمالي ابن الشجري ١/ ٢٢٣. ٢ الكتاب ١/ ٢٦٥. ٣ تمام الشاهد: "من لد شولًا فإلى إتلائها" ، وتقدم برقم ١٥٢، ١٨١.
(٢) البيت لأبي سفيان بن حرب في الحيوان ١/ ٣١٨، والدرر ١/ ٤٦٧، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص١٢٨، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٨، وشرح التسهيل ٢/ ٢٣٨، ولسان العرب ١٣/ ٣٨٤، "لدن"، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٢٩، وهمع الهوامع ١/ ٢١٥. ٤ بعده في "ط": "إما". ٥ المسائل الحلبيات ص٢٢٣. ٦ أمالي ابن الشجري ١/ ٢٢٣.
[ ١ / ٧١٣ ]
"أو" تنصبها أنت "على إضمار "كان" واسمها" وإبقاء خبرها، والأصل: لدن كان الوقت غدوة، والذي دل على الوقت كلمة "لدن"، قاله ابن مالك، وقال١: هذا حسن؛ لأن فيه إبقاء "لدن" على ما ثبت لها من الإضافة، ويؤيده "من لد شولًا"، فالنصب على هذا ليس بـ"لدن"، وإنما هو بـ"كان" المحذوفة، فلا يصح عطفه على ما قبله بدون تقدير، "وحكى الكوفيون" في "غدوة": رفعها" بعدها؛ أي: بعد "لدن"؛ "على إضمار "كان" تامة"، أي: لدن كانت غدوة، وقال ابن جني: لشبهه بالفاعل فرفع، قال المرادي٢: وظاهره أنها مرفوعة بـ"لدن"، و"الجر القياس" كما تجر سائر الظروف، "و" هو "الغالب في الاستعمال"، ولا تكون "غدوة" بعد "لدن" إلا منونة وإن كانت معرفة، ولا تنصب "غدوة" إلا مع وجود في النون في "لدن" دون حذفها، و"عند" لا ينصب شيء من المفردات بعدها.
الأمر "السادس: أنها" أي: "لدن" "لا تقع إلا فضلة" بخلاف "عند فإنها قد تكون عمدة، "تقول: السفر من عند الصرة"، فتجعل "عند" خبرًا عن السفر، والخبر عمدة، وهذا مخالف لتصحيحه في باب المبتدأ: أن الخبر متعلقها المحذوف إلا أن يقال: لما سد مسده أعطي ما له من العمدية، "ولا تقول": السفر "من لدن البصرة"؛ لأن ذلك يخرجها عما استقر لها من ملازمة الفضلية.
"ومنها: مع" والغالب استعمالها مضافة، فتكون ظرفًا، "وهي" حينئذ "اسم لمكان الاجتماع"، ولهذا يخبر بها عن الذوات نحو: "زيد معك" ولزمان الاجتماع نحو: "جئتك مع العصر"، ولمرادفة "عند"٣ فتجر بـ"من" كقراءة بعضهم: "هَذَا ذِكْرُ مِنْ مَعِيَ" [الأنبياء: ٢٤] بكسر ميم "من"، وحكاية٤ سيبويه٥: "ذهبت من معه" بالجرن وهي اسم بدليل جرها بـ"من"، وتنوينها عند إفرادها٦ عن الإضافة نحو: "جاءا معًا" "معرب" لأنه ثلاثي الأصل "إلا في لغة ربيعة" بن نزار بن معد بن عدنان أبو قبيلة، "وغنم"، بفتح الغين المعجمة وسكون النون؛ ابن ثعلب بن
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٢/ ٢٣٨. ٢ شرح المرادي ٢/ ٢٧٦. ٣ في "أ": "مرادفة لعند"، وفي "ب": "مرادفة عند". ٤ في "ط": "وحكى"، وفي "ب": "وحكاه". ٥ الكتاب ١/ ٤٢٠. ٦ في "ط": "تجردها".
[ ١ / ٧١٤ ]
وائل أبو حي، "فتبنى على السكون" لتضمنها معنى حرف المصاحبة وضع أم لم يوضع، قاله الشاطبي، "كقوله" وهو الراعي كما قال الشاطبي أو جرير كما قال العيني: [من الوافر]
٥٤٣-
"فريشي منكم وهواي معكم" وإن كانت زيارتكم لماما
الرواية بتسكين عين "معكم"، ولم يثبت سيبويه ذلك لغة بل حكم عليه بالضرورة١، وخالفه المتأخرون٢ محتجين بأن ذلك ورد في الكلام، ونقل عن الكسائي أن ربيعة تقول:"ذهبت مع أخيك" و"جئت مع أبيك" بالسكون، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، و"الريش": اللباس الفاخر أو المال ونحوه، و"لمامًا"؛ بكسر اللام وتخفيف الميم؛ وقتًا بعد وقت، "وإذا لقي" "مع" "الساكنة" العين "ساكن" آخر "جاز كسرها" على أصل التقاء الساكنين، "وفتحا" استصحابًا للأصل أو اتباعًا "نحو: مع القوم" بكسر العين وفتحها، وعبارة التسهيل٣: وتسكين عينها قبل حركة وكسرها قبل سكون لغة ربيعة، فأفاد ما لم يفده الموضح، وهو أن عينها تسكن قبل حركة نحو: "جئت معك"، وتكسر قبل سكون نحو: "جئت مع الرجل"، ولكن الموضح حاول شرح قول الناظم:
٤٠٩-
ومعه مع فيها قليل ونقل فتح وكسر لسكون يتصل
"وقد تفرد" "مع" عن الإضافة فتنون وتصير "بمعنى: "جميعًا"، فتنصب على الحال" من الاثنين "نحو: جاءا معًا" قال: [من الطويل]
٥٤٤-
فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اشتياق لم نبت ليلة معا
_________________
(١) البيت للراعي النميري في الكتاب ٢/ ٢٨٧، وملحق ديوانه ص٣٣١، ولجرير في ديوانه ص٢٢٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٩١، وأساس البلاغة "ريش"، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٣٢، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٢٦٧، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٤٥، وأوضح المسالك ٣/ ١٤٩، وشرح ابن الناظم ص٢٨٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٧٠، وشرح التسهيل ٢/ ٢٤١، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٥١، وشرح المفصل ٢/ ١٢٨، ٥/ ١٣٨. ١ الكتاب ٣/ ٢٨٧، وانظر الارتشاف ٢/ ٢٦٧، حيث نقل أبو حيان مذهب سيبويه. ٢ منهم ابن مالك في شرح التسهيل ٢/ ٢٤١. ٣ التسهيل ص٩٨.
(٢) البيت لمتمم بن نويرة في ديوانه ص١٢٢، وتاج العروس "فرق"، وأدب الكاتب ص٥١٩، والأزهية ص٢٨٩، والأغاني ١٥/ ٢٣٨، وجمهرة اللغة ص١٣١٦، وخزانة الأدب ٨/ ٢٧٢، والدرر ٢/ ٧٧، وشرح اختيارات المفضل ص١١٧٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٦٥، والشعر والشعراء ١/ ٣٤٥، وبلا نسبة في الجنى الداني ص١٠٢، ورصف المباني ص٢٢٣، وشرح الأشموني ٢/ ٢١٩، ولسان العرب ١٢/ ٥٦٤ "لوم"، ومغني اللبيب ١/ ٢١٢، وهمع الهوامع ٢/ ٣٢، وتاج العروس "لوم".
[ ١ / ٧١٥ ]
أو من الجماعة المذكرين والمؤنثات، فالاول الخنساء: [من المتقارب]
٥٤٥-
وأفنى رجالي فبادوا معا فأصبح قلبي بهم مستفزا
بفتح الفاء وبالزاي اسم مفعول من استفزه الخوف إذا أزعجه، والثاني كقول متمم بن نويرة: [من الطويل]
٥٤٦-
إذا حنت الأولى سجعن لها معا
أي: إذا صوتت الحمامة الأولى هدرن جميعًا لأجل تصويتها.
واخلتف في حركة "معًا" إذا نونت فذهب الخليل وسيبويه١ إلى أنها فتحة إعراب، والكلمة ثنائية في حال الإفراد كما كانت في حال الإضافة، وذهب يونس والأخفش٢ إلى أن الفتحة فيها كفتحة تاء "فتى"، تاما في الإفراد، ولكن حذفت ألفها في الوصل للساكنين الألف والتنوين كما حذفت ألف "فتى" لذلك، قال ابن مالك٣: وهذا هو الصحيح، لقولهم: "الزيدان معًا" و"الزيدون معًا"، فيوقعون "معًا" في موضع رفع كما توقع الأسماء المقصورة نحو: "هم عدى"، ولو كان باقيًا على النقص لقيل: "الزيدون مع" كما قيل: "هم يد واحدة على من سواهم".
واعترض بأن "معًا" ظرف في موضع الخبر فلا يلزم ما قاله.
"ومنها "غير" وهو اسم دال على مخالفة ما قبله لحقيقة ما بعده" إما بالذت
_________________
(١) البيت للخنساء في ديوانها ص٢٧٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٥٢، ٢/ ٧٤٨، ومغني اللبيب ١/ ٣٣٤، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٣٢٠.
(٢) صدر البيت: "يذكرن ذا البث الحزين ببثه" ، وهو لمتمم بن نويرة في ديوانه ص١١٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٦٧، ٧٤٧، والشعر والشعراء، ١/ ٣٤٥، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص٧٤، ٧٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٠، والمحتسب ١/ ١٥١، ومغني اللبيب ١/ ٣٣٤. ١ الكتاب ٣/ ٢٨٦، وانظر شرح التسهيل ٢/ ٢٣٩. ٢ انظر شرح التسهيل ٢/ ٢٣٩. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٢٣٩، ٢٤٠.
[ ١ / ٧١٦ ]
نحو: "مررت برجل غيرك"، أو بالصفات كقولك لشخص: "دخلت بوجه غير الذي خرجت به"، وليس المراد بالحقيقة هنا الماهية وإلا لانتقض بنحو: "زيد غير عمرو"، فإن ماهيتهما واحدة، وهي الحيوان الناطق، والتركيب صحيح، "وإذا وقع" "غير" "بعد "ليس" وعلم المضاف إليه جاز ذكره كـ: قبضت عشرة ليس غيرها"١ برفع "غير" على أنها اسم "ليس" وخبرها محذوف، والتقدير: "ليس غيرها مقبوضًا"، وبنصبها على أنها خبر "ليس"، واسمها محذوف، والتقدير: ليس المقبوض غيرها، "وجاز حذفه لفظًا فيضم" "غير" بالتنوين٢ "بغير تنوين، ثم اختلف" في ضمته "فقال المبرد٣" والجرمي وأكثر المتأخرين: "ضمة بناء؛ لأنها" أي: "غيرًا" "كـ: قبل" و"بعد" "في الإبهام" والقطع عن الإضافة ونية المضاف إليه، ونسب إلى سيبويه٤، "فهي اسم" لـ"ليس" "أو خبر" لهاء، والجزء الآخر محذوف، فعلى تقدير الاسمية فهي في محل رفع، وعلامة رفعها ضمة مقدرة في محلها إلا هذه الضمة الموجودة؛ لأنها ضمة بناء، وعلى الخبرية فهي في موضع نصب، والتقدير على الرفع: ليس غيرها مقبوضًا، وعلى النصب: ليس المقبوض غيرها، فحذف من الأول الخبر ومن الثاني الاسم، وإلى بناء "غير" على الضم أشار الناظم بقوله:
٤١٠-
واضمم بناء غيرا إن عدمت ما له أضيف ناويًا ما عدما
"وقال الأخفش": ضمة "غير" ضمة "إعراب٥"، وحذف التنوين للإضافة تقديرًا؛ لأن المضاف إليه ثابت في التقدير عنده، "لأنها اسم كـ: كل و: بعض" في جواز القطع عن الإضافة لفظًا، "لا ظرف" للزمان "كـ: قبل و: بعد"، ولا للمكان كـ"فوق" و"تحت"، وعلى هذا "فهي اسم" لـ"ليس"، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، "لا خبر" لأن خبر "ليس" لا يرفع، "و" هذان القولان في الضمة "جوزهما ابن خروف٦"، فعلى البناء هي اسم أو خبر، وعلى الإعراب هي اسم لا خبر٧.
_________________
(١) ١ في "ط": "غير". ٢ سقطت من "ط". ٣ المقتضب ٤/ ٣٢٩. ٤ الكتاب ٢/ ٣٤٤،٣٤٥. ٥ شرح الكافية الشافية ٢/ ٩٧٧، ومغني اللبيب ص٢٠٩. ٦ مغني اللبيب ص٢١٠. ٧ في "أ": "غير".
[ ١ / ٧١٧ ]
"ويجوز قليلًا الفتح مع التنوين" لقطعها عن الإضافة لفظًا ومعنى، "ودونه" لنية لفظ المضاف إليه، "فهي خبر" لأنه منصوب، واسم "ليس" محذوف، والتقدير: ليس المقبوض غيرًا أو غير، "والحركة" على هذا "إعراب باتفاق"، واعترض بأن "غيرًا" يجوز بناؤها على الفتح١ إذا أضيفت إلى مبني، فيحتمل أنها بنيت حال الإضافة ثم حذفت المضاف إليه وبقي البناء على حاله، وعلى هذا فيحتمل أن يكون اسمًا، وأن يكون خبرًا، نعم الفتح مع التنوين "كالضم مع التنوين" فالحركة إعراب باتفاق؛ لأن التنوين إما للتمكين فهو خاص بالمعرب، أو للتعويض فكأن المضاف إليه مذكور،
وقيد حذف ما يضاف إليه "غير" بقوله: "بعد ليس"، بناء على أنه لا يجوز بعد "لا" النافية، كما صرح في المغني، وقال: إنه لحن، وبالغ في الإنكار على مرتكبه في شرح الشذور، ورد بأن أبا العباس كان يقول: "لا غير" بالبناء على الضم كـ: "قبل" و"بعد"، وكذا قال الزمخشري وابن الحاجب وابن مالك وأنشد عليه في باب القسم من شرح التسهيل٢: [من الطويل]
٥٤٧-
جوابًا به تنجو اعتمد فوربنا لعن عمل أسلفت لا غير تسأل
وتبعهم صاحب القاموس٣.
"ومنها "قبل" و"بعد"، ويجب إعرابهما" نصبًا على الظرفية أو خفضًا بـ"من" فقط "في ثلاث صور:
إحداها: أن يصرح بالمضاف إليه كـ: جئتك بعد الظهور وقبل العصر، و: من قبله ومن بعده"، ولا يختصان بالزمان، فقد يكونان للمكان كقولك: "داري قبل دارك أو بعدها" ولهذا سهل دخول "من" عليهما عند البصريين، قاله الدماميني.
الصورة "الثانية: أن يحذف المضاف إليه، وينوى ثبوت لفظه، فيبقى الإعراب وترك التنوين" على حالهما "كما لو ذكر المضاف إليه كقوله": [من الطويل]
٥٤٨-
"ومن قبل نادى كل مولى قرابة" فما عطفت مولى عليه العواطف
_________________
(١) ١ في "ط": "الضم". ٢ شرح التسهيل ٣/ ٢٠٩.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٤٣٠. ٣ القاموس المحيط "غير".
(٣) تقدم تخريج البيت برقم ٤٩٧.
[ ١ / ٧١٨ ]
بخفض "قبل" بلا تنوين على نية لفظ المضاف إليه، "أي: ومن قبل ذلك"، فحذف "ذلك" من اللفظ وقدره ثابتًا، "وقرئ" في الشواذ: ""لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلِ وَمِنْ بَعْدِ" [الروم: ٤] بالخفض من غير تنوين١، أي: من قبل الغلب ومن بعده"، وهي قراءة الجحدري والعقيلي.
الصورة "الثالثة: أن يحذف" المضاف إليه "ولا ينوى شيء" لا لفظه ولا معناه، "فيبقى الإعراب" المذكور بحاله من النصب على الظرفية أو الخفض بـ"من"، "ولكن يرجع التنوين" الذي كان حذف للإضافة "لزوال ما يعارضه" من الإضافة "في اللفظ والتقدير، كقراءة بعضهم": "لِلَّهِ الْأَمْرُ "مِنْ قَبْلٍ وَمِنْ بَعْدٍ"" [الروم: ٤] "بالجبر والتنوين٢، وقوله" وهو عبد لله بن يعرب: [من الوافر]
٥٤٩-
"فساغ لي الشراب وكنت قبلًا" أكاد أغص بالماء الفرات
بنصب "قبلًا" على الظرفية، والرواية المشهورة "بالماء الحميم"، والذي رواه الثعالبي "بالماء الفرات"٣، قال الموضح: وهو الأنسب؛ لأنه العذب، والحميم: الحار، ومنه اشتقاق الحمام، وقيل: الحميم: البارد، فهو من الأضداد، "وقوله": [من الطويل]
٥٥٠-
ونحن قتلنا الأسد أسد خفية "فما شربوا بعدًا على لذة خمرًا"
_________________
(١) ١ انظر هذه القراءة في أوضح المسالك ٣/ ١٥٦، وشرح ابن الناظم ص٢٨٥، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٢٠، ومغني اللبيب ١/ ١٣٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٧٢. ٢ قرأها بالتنوين: أبو السمال والجحدري وعون، انظر البحر المحيط ٧/ ١٦٢، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٢٠.
(٢) البيت ليزيد بن الصعق في خزانة الأدب ١/ ٤٢٦، ٤٢٩، ولعبد الله بن يعرب في الدرر ١/ ٤٤٧، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٣٥، وبلا نسبة في أوضح المسلك ٣/ ١٥٦، وتذكرة النحاة ص٥٢٧، وخزانة الأدب ٦/ ٥٠٥، ٥١٠، وشرح ابن الناظم ص٢٨٦، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٧٣، وشرح التسهيل ٣/ ٢٤٧، والارتشاف ٢/ ٥١٤، وشرح المرادي ٢/ ٥٧٨، وشرح قطر الندى ص٢١، وشرح المفصل ٤/ ٨٨، ولسان العرب ١٢/ ١٥٤، "حمم"، وهمع الهوامع ١/ ٢١٠. ٣ انظر شرح شذور الذهب ص١٠٤، وخزانة الأدب ١/ ٤٢٩.
(٣) البيت بلا نسبة في إصلاح المنطق ص١٤٦، وأوضح المسالك ٣/ ١٥٨، وخزانة الأدب ٦/ ٥٠١، والدرر ١/ ٤٤٦، وشرح ابن الناظم ص٢٨٦، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٢، وشرح شذور الذهب ص١٠٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٦٥، ولسان العرب ٣/ ٩٣ "بعد"، ١٤/ ٢٣٧ "خفا" والمقاصد النحوية ٣/ ٤٣٦، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٩، ٢١٠.
[ ١ / ٧١٩ ]
بنصب "بعد" على الظرفية، ويحتمل أن يكون التنوين فيه وفي البيت قبله للضرورة، وهي المسألة المشهورة، قال المرادي: مسألة: إذا نونت الغايات للاضطرار فمختار سيبويه وأصحابه تنوينه مرفوعًا وعلى قوله:
فما شربوا بعد على لذة خمرًا
ومختار الخليل وأصحابه تنوينه منصوبًا كقوله:
فساغ لي الشراب وكنت قبلًا
ا. هـ.
"وهما نكرتان في هذا الوجه لعدم الإضافة لفظًا وتقديرًا، ولذلك نونا" كما تنون سائر الأسماء النكرات تنوين التمكين، وقال بعضهم: هما معرفتان بنية الإضافة وتنوينهما تنوين عوض، قال ابن مالك في شرح الكافية١: وهذا القول عندي حسن.
"وهما معرفتان في الوجهين قبله "بالإضافة لفظًا في الأول، وتقديرًا في الثاني، "فإن نوي معنى المضاف إليه دون لفظه بنيا" لافتقارهما إلى المضاف إليهما٢ معنى كافتقار الحروف لغيرها، وبنيا على حركة٣ فرارًا من التقاء الساكنين، "وعلى الضم" لتخالف حركة البناء حركة الإعراب "نحو: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ " [الروم: ٤] "في قراءة الجماعة" السبعة بالضم بغير تنوين، وهما في هذه الحالة معرفتان بالإضافة إلى معرفة منوية، والأصل؛ والله أعلم "لله الأمر من قبل الغلب ومن بعده"، وقال الحوفي: إنما يبنيان على الضم إذا كان المضاف إليه معرفة، وأما إذا كان نكرة فإنهما معربان٤ سواء نويت معناه أو لا، ا. هـ. وإذا بنيت الظروف على الضم تسمى غايات؛ لأن الأصل فيها أن تكون مضافة، وغاية الكلمة المضافة ونهايتها آخر المضاف إليه؛ لأنه تتمته إذا به تعريفه، فإذا حذف المضاف إليه وتضمنه المضاف صار آخر المضاف٥ غايته، قاله الدماميني.
"ومنها: أول" مقابل "آخر" "و: دون، وأسماء الجهات" الست "كـ: يمين، و: شمال، و: وراء، و: أمام، و: فوق، و: تحت، وهي على٦ التفصيل المذكور
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٢/ ٩٦٦. ٢ في "أ": "إليه". ٣ في جميع النسخ: "حركتي". ٤ في "ط": "يعربان". ٥ بعده "في "ب": "إليه". ٦ سقطت من "ب".
[ ١ / ٧٢٠ ]
في: قبل، و: بعد" من أنها إذا أضيفت لفظًا أعربت نصبًا على الظرفية أو خفضًا بـ"من"، وإذا لم تضف لا لفظًا ولا تقديرًا أعربت الإعراب المذكور ونونت، وإذا حذف١ المضاف إليها٢ فإن نوي لفظه أعرب الإعراب المذكور ولم تنون، وإن نوي معناه بنيت على الضم، "تقول: جاء القوم وأخوك خلف أو أمام" بالضم فيهما، "تريد خلفهم أو أمامهم"، ولكنك حذفت المضاف إليهما٣، ونويت معناه: وبنيتهما على الضم، "قال" رجل من بني تميم: [من الكامل]
٥٥١-
لعن الإله تعلة بن مسافر "لعنا يشن عليه من قدام"
بالضم، والأصل: من قدامه، فحذف المضاف إليه، ونوى معناه، فبناه٤ على الضم.
و"تعلة" بفتح التاء المثناة فوق وكسر العين المهملة وتشديد اللام؛ علم رجل، ويروى ابن مزاحم، و"يشن"؛ بضم الياء المثناة تحت وفتح الشين المعجمة؛ يصب، "وقال" معن بن أوس: [من الطويل]
٥٥٢-
لعمرك ما أدري وإني لأوجل "على أينا تعدو المنية أول"
بالضم، والأصل: أول الوقتين، وذلك لأن لكل منهما وقتا يموت فيه، ويقدر أحدهما سابقًا، ولا يعرف عدو المنية في أول الوقتين لهما على أي الرجلين، و"المنية": الموت، "وحكى أبو علي" الفارسي: "أبدأ بذا من أول؛ بالضم على نية معنى المضاف إليه"، والأصل: من أول الأمر، "وبالخفض على نية لفظه، وبالفتح على نية تركهما، ومنعه
_________________
(١) ١ في "ط": "حذفت". ٢ في "أ": "إليه". ٣ في "ط": "إليه".
(٢) البيت لرجل من بني تميم في الدرر ١/ ٤٤٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٣٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٦٠، وتذكرة النحاة ص٢٧٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٢، وهمع الهوامع ١/ ٢١٠، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٢٩، ٢/ ٢٦٤. ٤ في "ط": "فبناؤه".
(٣) البيت لمعن بن أوس في ديوانه ٣٩، وخزانة الأدب ٨/ ٢٤٤، ٢٤٥، ٢٨٩، ٢٩٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١١٢٦، ولسان العرب ٥/ ١٢٧، "كبر"، ١١/ ٧٢٢ "وجل" والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩٣، وتاج العروس "وجل"، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ١٤٠، وأوضح المسالك ٣/ ١٦١، وجمهرة اللغة ص٤٩٣، وخزانة الأدب ٦/ ٥٠٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٢، وشرح شذور الذهب ص١٠٣، وشرح قطر الندى ص٢٣، وشرح المفصل ٤/ ٨٧، ٦/ ٩٨، واللسان ٩/ ٢٦١ "عنف"، ١٣/ ٤٣٨ "هون" والمقتضب ٣/ ٢٤٦، والمنصف ٣/ ٣٥، وتاج العروس ٢٤/ ٩٠ "عنف" "هون".
[ ١ / ٧٢١ ]
من الصرف للوزن والوصف"؛ لأنه اسم تفضيل بمعنى الأسبق، واستفيد من حكاية أبي علي أن "أول" له استعمالان: أحدهما: أن يكون ظرفًا١ كـ: "قبل" والثاني: أن يكون صفة كـ: "
الأسبق" وقال آخر: [من الطويل]
٥٥٣-
إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء
بالضم، وأنشد سيبويه: [من الرجز]
٥٥٤-
لا يحمل الفارس إلا الملبون المحض من أمامه ومن دون
بالسكون، والقافية ههنا٢ لو كانت مطلقة الروي لكان مبنيا على الضم؛ لأنه في نية الإضافة، قاله الشاطبي، وتقول: "جلست يمين وشمال وفوق وتحت" بالضم فيهن، والأصل: يمينك وشمالك وفوقك وتحتك.
"ومنها: حسب" بسكون السين، "ولها" في العربية "استعمالان:
أحدهما: أن تكون بمعنى كاف" اسم فاعل كفى "فتستعمل" مضافة "استعمال الصفات" المشتقة "فتكون نعتًا لنكرة"؛ لأنها لم تتعرف بالإضافة حملًا على ما هي بمعناه، "كـ: مررت برجل حسبك من رجل، أي: كاف لك من غيره وحالًا لمعرفة كـ: هذا عبد الله حسبك من رجل"، بنصب "حسب" على الحال من عبد الله، أي: كافيا لك من غيره، "و" تستعمل "استعمال الأسماء" الجامدة فترتفع على الابتداء "نحو: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [المجادلة: ٨] فـ"حسبهم": مبتدأ، وسوغ الابتداء به الاختصاص بالإضافة، و"جهنم": خبره، ويجوز العكس، وهو أولى لأن "جهنم" معرفة بالعلمية، "وحسب" نكرة، "و" تنصب اسمًا لـ"إن" نحو: " ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ " [الأنفال: ٦٢] فـ"حسبك": اسم "إن" و"الله" خبرها، وهذا يؤيد الإعراب٣ الأول.
"و" يجر بالحرف نحو "بحسبك درهم" فـ"حسبك": مبتدأ، و"درهم" خبره، ولا يجوز
_________________
(١) ١ في "ط": "اسمًا".
(٢) البيت لعتي بن مالك في لسان العرب ١٥/ ٣٩٠ "ورى"، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٦/ ٥٠٤، والدرر ١/ ٤٤٨، وشرح شذور الذهب ص١٠٣، وشرح المفصل ٤/ ٨٧، ولسان العرب ٣/ ٩٢، "بعد"، وهمع الهوامع ١/ ٢١٠.
(٣) الرجز بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢٩٠، ولسان العرب ٣/ ١٦٤، "دون" ٣٧٤، "لبن" وتهذيب اللغة ١٥/ ٣٦٤، وتاج العروس "دون"، "لبن". ٢ في "ب"، "ط": "هنا". ٣ سقطت من "ب".
[ ١ / ٧٢٢ ]
العكس لأن "حسبك" نكرة مختصة، و"درهم" غير مختص "وبهذا" الاستعمال الثاني "يرد على من زعم أنها اسم فعل" بمعنى يكفي، "فإن العوامل اللفظية" نحو: "إن" و"الباء" في المثالين الأخيرين١ "لا تدخل على أسماء الأفعال باتفاق"، ولا العوامل المعنوية على الأصح.
"و" الاستعمال "الثاني" من أصل التقسيم: "أن تكون" حسب" "بمنزلة "لا غير" في المعنى، فتستعمل مفردة" عن الإضافة في اللفظ وينوى لفظ المضاف إليه، "و" "حسب" "هذه هي "حسب" المتقدمة" في الاستعمالين السابقين "ولكنها عند قطعها عن الإضافة لها إشرابها هذا المعنى" الدال على النفي، "و" تجدد لها "ملازمتها للوصفية أو الحالية أو الابتداء وبناؤها على الضم" بعد أن كانت معربة٢ بحسب العوامل، "تقول" في الوصفية: "رأيت رجلًا حسب، و" في٣ الحالية: "رأيت زيدًا حسب"، فحذف المضاف إليه منهما٤ ونوى معناه فبنيت على الضم.
"قال الجوهري٥: كأنك قلت: حسبي أو حسبك فأضمرت ذلك ولم تنون، ا. هـ"، وعنى بالإضمار الحذف فكأنه قال: فحذفت المضاف إليه منهما وأضمرته في نفسك ولم تنون؛ لأنك نويت معنى المضاف إليه فبنيتهما على الضم كـ: "قبل" و"بعد"، "وتقول" في الابتداء: "قبضت عشرة فحسب"، فحسب: مبتدأ حذف خبره، "أي: فحسبي ذلك"، والمعنى: رأيت رجلًا لا غير، ورأيت زيدًا لا غير، وقبضت عشرة لا غير، ودخلت الفاء في الأخير تزيينا للفظ كما تدخل على "قط" في قولك "قبضت عشرة فقط"، "واقتضى كلام ابن مالك" في قوله في النظم:
٤١١-
قبل كغير بعد حسب أول ودون والجهات أيضًا وعل
٤١٢-
وأعربوا نصبا إذا ما نكرا قبلًا وما من بعده قد ذكرا
"إنها" أي: حسب "تعرب نصبا إذا نكرت كـ: "قبل" و"بعد"، قال أبو حيان٦:
ولا وجه لنصبها؛ لأنها غير ظرف"، وقد ذكرها مع الظروف "إلا أن نقل عنهم٧ نصبها
_________________
(١) ١ في "ط": "الآخرين". ٢ في "ب": "معرفة". ٣ سقطت من "ب". ٤ سقطت من "ب". ٥ الصحاح "حسب". ٦ انظر الارتشاف ٢/ ٥٠٣. ٧ في "ب": "عندهم".
[ ١ / ٧٢٣ ]
حالًا إذا كانت نكرة، انتهى" كلامه، "فإن أرد" أبو حيان "بكونها نكرة قطعها عن الإضافة" لفظًا "اقتضى أن استعمالها حينئذ" أي: حين إذا قطعت عن الإضافة "منصوبة شائع" في كلامهم، "و" اقتضى "أنها كانت مع الإضافة معرفة" بالإضافة، "و" هذان الاقتضاءان "كلاهما ممنوع"، أما الأول فلأنها إذا قطعت عن الإضافة وجب بناؤها على الضم، وأما الثاني فلأنها نكرة دائمًا أضيفت أو١ لم تضف، "وإن أراد" أبو حيان "تنكيرها مع الإضافة٢ فلا وجه لاشتراط التنكير حينئذ" أي: حين إذ كانت مضافة "لأنها لم ترد" في كلامهم "إلا" نكرة "كذلك" لأن إضافتها لا تفيد التعريف، وإنما هي في تقدير الانفصال كما صرح به ابن مالك في شرح العمدة٣، "وأيضًا فلا وجه لتوقفه" أي: لتوقف أبي حيان "في تجويز انتصابها على الحال حينئذ" أي: حين إذ كانت مضافة "فإنه" أي: فإن نصبها على الحال "مشهور" في غالب الكتب "حتى إنه مذكور في كتاب الصحاح" للجوهري مع كثرة تداول الأيدي له قديمًا وحديثًا، "قال" صاحب الصحاح٤ فيه: "تقول: هذا رجل حسبك من رجل، وتقول في المعرفة، هذا عبد الله حسبك من رجل، فتنصب "حسبك" على الحال، انتهى" نصه.
فـ"حسبك" في الأول وقعت بعد نكرة فرفعت على أنها نعت لها، وفي الثاني وقعت بعد معرفة فنصبت على أنها حال منها، وهي في الصورتين نكرة وإن كانت مضافة لمعرفة لما تقدم من أن إضافتها لا تفيد التعريف، "وأيضًا فلا وجه للاعتذار عن ابن مالك بذلك"؛ أي: بنصبها على الحال؛ إذا تنزلنا وقلنا: إن لها حالة تعريف وحالة تنكير؛ "لأن مراده" بقوله:
٤١٢-
وأعربوا نصبًا إذا ما نكرا
"التنكير الذي ذكره في "قبل" و"بعد"، وهو أن يقطع عن الإضافة لفظًا وتقديرًا" وينصب على الظرفية بحيث يقال: "رأيت زيدًا حسبًا" أو "فحسبًا" ولم يسمع ذلك؟ لا مطلق التنكير كما توهمه أبو حيان، وما ذكره الموضح من أن مراد الناظم٥ ذلك لا يدفع الانتقاد٦، فالصواب أن يحمل عموم قوله:
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "وأم". ٢ انظر الارتشاف ٢/ ٥٠٣. ٣ شرح عمدة الحافظ ١/ ٣٧٢. ٤ الصحاح "حسب". ٥ في "ب"، "ط": "ابن مالك". ٦ في "ب": "الإيراد".
[ ١ / ٧٢٤ ]
٤١٢-
وما من بعده قد ذكرا
على المجموع لا على كل فرد فرد حتى لا يرد عليه "حسب" و"عل" الآتية.
"وأما "عل" فإنها توافق "فوق" في" إفادة "معناها" وهو العلو، "وفي بنائها على الضم إذا كانت معرفة" فيما إذا أريد بها علو معين كقولك: "أخذت الشيء الفلاني من أسفل الدار والشيء الفلاني من عل"، أي: من فوق الدار و"كقوله"؛ وهو الفرزدق يهجو جريرًا: [من الكامل]
٥٥٥-
ولقد سددت عليك كل ثنية "وأتيت نحو بني كليب من عل"
"أي: من فوقهم"، و"الثنية": طريق١ العقبة، "و" توافق "فوق" أيضًا "في إعرابها إذا كانت نكرة" فيما إذا أريد بها علو مجهول "كقوله"؛ وهو امرؤ القيس الكندي يصف فرسًا: [من الطويل]
٥٥٦-
مكر مفر مقبل مدبر معا "كجلمود صخر حطه السيل من عل"
بكسر اللام، "أي: من شيء عال وتخالفها" أي: وتخالف "عل، فوق" "في أمرين": أحدهما: "أنها"؛ أي: عل؛ "لا تستعمل إلا مجرورة بـ: من" دائمًا، "و" الثاني "أنها لا تستعمل مضافة" بخلاف "فوق"، فيهما، "كذا قال جماعة منهم ابن أبي الربيع، وهو الحق، وظاهر ذكر ابن مالك لها في عداد هذه الألفاظ أنها٢ تجوز إضافتها وقد صرح الجوهري بذلك" في الصحاح "فقال٣ يقال: أتيته من عل الدار؛ بكسر اللام؛
_________________
(١) البيت للفرزدق في ديوانه ٢/ ١٦١، وتذكرة النحاة ص٨٥، والدرر ١/ ٤٤٩، وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ص١٠٧، وشرح المفصل ٤/ ٨٩، وهمع الهوامع ١/ ٢١٠.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٩، ولسان العرب ١٥/ ٨٤ "علا"، وجمهرة اللغة ص١٢٦، وتاج العروس ١٣/ ٣١٨، "فرر"، "علا"، وكتاب العين ٧/ ١٧٤، وإصلاح المنطق ص٢٥، وخزانة الأدب ٢/ ٣٩٧، ٣/ ٢٤٢، ٢٤٣، والدرر ١/ ٤٥٠، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٣٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٥١، والشعر والشعراء ١/ ١١٦، والكتاب ٤/ ٢٢٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٤٩، وبلا نسبة في لسان العرب ٧/ ٢٧٤ "حطط"، وتهذيب اللغة ١٤/ ٢٥، والمخصص ١٣/ ٢٠٢، وتاج العروس ١٩/ ١٩٨ "حطط"، وأوضح المسالك ٣/ ١٦٥، ورصف المباني ص٣٢٨، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٣، وشرح شذور الذهب ص١٠٧، ومغني اللبيب ١/ ١٥٤، والمقرب ١/ ٢١٥، وهمع الهوامع ١/ ٢١٠. ١ في "أ"، "ب": "طريقة". ٢ في "ط": "أنه". ٣ الصحاح "علا".
[ ١ / ٧٢٥ ]
أي: من عال"، وهو سهو، قاله في شرح الشذور١، "ومقتضى قوله" في النظم:
٤١٢-
"وأعربوا نصبًا إذا ما نكرا قبلًا وما من بعده قد ذكرا"
"أنها يجوز انتصابها على الظرفية أو غيرها" كالحالية، "وما أظن شيئًا من" هذين "الأمرين" وهما جواز إضافتها وجواز نصبها على الظرفية أو غيرها "موجودًا" في كلامهم، "وإنما بسطت القول قليلًا في شرح هاتين اللفظتين" وهما "حسب" و"عل" "لأني لم أر أحدًا" من الشراح "وفّاهما حقهما من الشرح وفيما ذكرته كفاية" لمن تدبره. "والحمد لله" على تيسير ذلك.
_________________
(١) ١ شرح شذور الذهب ص١٠٧.
[ ١ / ٧٢٦ ]
"فصل":
"يجوز أن يحذف ما علم من مضاف ومضاف إليه، فإن كان المحذوف" هو "المضاف فالغالب أن يخلفه في إعرابه المضاف إليه"، وهو في ذلك على قسمين، سماعي وقياسي.
فالسماعي: ما يصح استبداد القائم مقام المضاف بالإعراب في المعنى كقول عمر بن أبي ربيعة: [من الخفيف]
٥٥٧-
لا تلمني عتيق حسبي الذي بي إن بي يا عتيق ما قد كفاني
أراد يابن أبي عتيق.
والقياسي ما لا يصح١ فيه ذلك، وهو إما فاعل "نحو: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ " [الفجر: ٢٢] "أي: أمر ربك"، أو نائب عن الفاعل نحو: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] أي: نزول الملائكة، قاله ابن جني، وفيه نظر، أو مبتدأ نحو: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: بر من آمن بالله، قاله الشاطبي، وفيه نظر، أو خبر عن المبتدأ نحو: [من الطويل]
٥٥٨-
شر المنايا ميت بين أهله
أي: منية ميت، أو مفعول به نحو: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أي: حب العجل، أو مفعول مطلق كقول الأعشى ميمون: [من الطويل]
٥٥٩-
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدًا
_________________
(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص٢٩١، والارتشاف ٢/ ٥٢٩، وشرح التسهيل ٣/ ٢٦٧. ١ في "ط": "يصلح".
(٢) عجز البيت: "كهلك الفتاة أيقظ الحي حاضره" ، وهو للحطيئة في أمالي المرتضى ١/ ٤٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٨٦، والكتاب ١/ ٢١٥، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٦١.
(٣) عجز البيت: "وعادك ما عاد السليم المسهدا" ، وهو للأعشى في ديوانه ص١٨٥، وخزانة الأدب ٦/ ١٦٣، والخصائص ٣/ ٣٢٢، والدرر ١/ ٤٠٨، وشرح المفصل ١٠/ ١٠٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٧٦، والمحتسب ٢/ ١٢١، ومغني اللبيب ٢/ ٦٢٤، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٧، والمنصف ٣/ ٨، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٢١١، وشرح التسهيل ٢/ ١٨٢، ٣/ ٢٦٨، وهمع الهوامع ١/ ١٨٨.
[ ١ / ٧٢٧ ]
أي: اغتماض ليلة أرمد، أو مفعول فيه نحو قولهم: "أتينا طلوع الشمس"، أي: وقت طلوع الشمس، أو مفعول له نحو: "جئت زيدا فضله"، أي: ابتغاء فضله، قاله ابن الخباز أو مفعول معه نحو: "جاء زيد والشمس"، أي: وطلوع الشمس، أو حال نحو: "تفرقوا أيادي سبأ"١، أي: مثل أيادي سبأ، أو مجرور بالحرف نحو: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، أو بالإضافة نحو: [من البسيط]
٥٦٠-
ولا يحول عطاء اليوم دون غد
أي: دون عطاء غد.
ثم تارة يكون المحذوف مطرحًا وهو الأكثر، وتارة يكون ملتفتا إليه، ويعرف ذلك بعود الضمير ونحوه، فالأول: "نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة" الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] "أي: أهل القرية"، فأهل مطرح، ولو التفت إليه هنا لقيل: الذي كنا فيه.
والثاني نحو: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] أي: كذي ظلمات بالإفراد، فحذف والتفت إليه فذكر الضمير في "يغشاه"، ولو كان مطرحًا لقيل٢: يغشاها، وشمل ذلك في قول الناظم:
٤١٣-
وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الإعراب إذا ما حذفا
"و" من غير الغالب أن المضاف إليه لا يخلف المضاف في إعراب بل "قد يبقى على جره، وشرط ذلك في الغالب أن يكون" المضاف "المحذوف معطوفًا على مضاف بمعناه كقولهم: ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك"، فأبقوا "أخيه" على جره مع أنه مضاف إليه "مثل" محذوفًا، و"مثل" المحذوف معطوف على "مثل" المذكور، "أي: ولا مثل أخيه بدليل قولهم: يقولان؛ بالتثنية" نظرًا إلى المذكور والمحذوف، ولو كان "أخيه" معطوفًا على "عبد الله" لكان العامل فيهما واحدًا وهو "مثل"، وكان يجب أن يقولوا: "يقول"؛ بالإفراد؛ لأنه خبر اسم "ما" وهو مفرد.
_________________
(١) ١ مجمع الأمثال ١/ ٢٧٥، والمستقصى ٢/ ٨٨.
(٢) صدر البيت: "يومًا بأطيب منه سيب نافلة" ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ٢٧، ولسان العرب ٤/ ٥٢٩، "عبر"، ١١/ ١٨٨ "حول"، وتهذيب اللغة ٥/ ٢٤٢، وتاج العروس ١٢/ ٥٠٢ "عير". ٢ في "ط": "لقال".
[ ١ / ٧٢٨ ]
"وقوله" وهو أبو دؤاد حارثة بن الحجاج: [من المتقارب]
٥٦١-
"أكل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد في الليل نارا"
فأبقى "نار"على جره مع أنه مضاف إليه "كل" محذوفة معطوفة على "كل"١ المذكورة٢، "أي: وكل نار"، وإنما قدرناه مجرورًا بـ"كل" محذوفة ولم نجعله مجرورًا بالعطف على "امرئ" المجرور بإضافة "كل" إليه "لئلا يلزم العطف" على معمولي عاطفين مختلفين؛ لأن "امرئ" المجرور معمول لـ"كل"، و"امرأ" المنصوب معمول لـ"تحسبين" على أنه مفعول ثان له، ومفعوله الأول "كل امرئ" مقدم عليه، فلو عطفنا "نار"٣ المجرورة على "امرئ" المضاف إليه "كل"، و"عطفنا "نارًا" المنصوبة على "امرأ" المنصوب لزم أن نعطف بحرف واحد شيئين "على معمولي عاملين" مختلفين، وذلك ممتنع لأن العاطف نائب عن العامل، وعامل واحد لا يعمل جرا ونصبا ولا يقوى أن ينوب مناب عاملين، هذا مذهب سيبويه والمبرد وابن السراج وهشام٤، وذهب الأخفش والكسائي والفراء والزجاج إلى الجواز٥، والتقدير: أتحسبين كل امرئ امرأ، وكل نار نارًا، فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره، واختير الحذف دون العطف؛ لأن حذف ما دل٦ عليه دليل مجمع على جوازه، والعطف على معمولي عاملين مختلف فيه كما قدمنا٧، والحمل على المتفق عليه أولى من الحمل على المختلف فيه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤١٤-
وربما جروا الذي أبقوا كما قد كان قبل حذف ما تقدما
_________________
(١) البيت بلا نسبة في إصلاح المنطق ص١٤٦، وأوضح المسالك ٣/ ١٥٨، وخزانة الأدب ٦/ ٥٠١، والدرر ١/ ٤٤٦، وشرح ابن الناظم ص٢٨٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٢، وشرح التسهيل ١/ ٣٨٨، وشرح شذور الذهب ص١٣٧، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٧٤، ولسان العرب ٣/ ٩٣ "بعد"، ١٤٧/ ٢٣٧ "خفا" والمقاصد النحوية ٣/ ٤٣٦، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٩، ٢١٠. ١ سقطت من "أ". ٢ في "أ": "المذكور". ٣ في "ط": "نارا". ٤ انظر مغني اللبيب ص٦٣٢. ٥ انظر ما ذهب إليه الأخفش والكسائي والفراء والزجاج في مغني اللبيب ص٦٣٢. ٦ في "ط": "يدل". ٧ في "ط": "قدمناه".
[ ١ / ٧٢٩ ]
٤١٥-
لكن بشرط أن يكون ما حذف مماثلا لما عليه قد عطف
وهذا الشرط أغلبي كما تقدم.
"ومن غير الغالب قراءة ابن جماز" بالجيم والزاي: "تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا "وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةِ" [الأنفال: ٦٧] بجر "الآخرة" على حذف مضاف، "أي: عمل الآخرة، فإن المضاف" المحذوف وهو "عمل" "ليس معطوفًا" على حدته "بل المعطوف جملة" من مبتدأ وخبر "فيها المضاف" وهو "عمل" على جملة فعلية فيها مضاف غير مماثل للمحذوف، والأصل والله أعلم؛ تريدون عرض الدنيا والله يريد عمل الآخرة، ومن قدر "عرض الآخرة" فقد تجوز١.
"وإن كان المحذوف المضاف إليه" وهو الجزء الثاني "فهو على ثلاثة أقسام؛ لأنه تارة يزال من المضاف" وهو الجزء الأول "ما يستحقه من إعراب وتنوين ويبنى على الضم نحو": قبضت عشرة "ليس غير" مما هو شبيه بالغايات، "ونحو: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ " [الروم: ٤] مما هو غايات "كما مر" في الفصل قبله، "وتارة يبقى إعرابه ويرد إليه تنوينه وهو الغالب نحو: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ " [الفرقان: ٣٩] من ألفاظ الإحاطة، "و" نحو: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ " [الإسراء: ١١٠] من أسماء الشرط، "وتارة يبقى إعرابه ويترك تنوينه كما كان في الإضافة، وشرط ذلك في الغالب أن يعطف عليه" أي: على المضاف "اسم عامل في مثل" المضاف إليه "المحذوف، وهذا العامل إما مضاف كقولهم: خذ ربع ونصف ما حصل"، والأصل: خذ ربع ما حصل ونصف ما حصل٢، فحذفوا "ما حصل" الأول المضاف إليه "ربع" لدلالة "ما حصل" الثاني المضاف إليه "نصف"، وأبقوا المضاف الأول وهو "ربع"، على حاله فلم ينون؛ لأن المضاف إليه منوي لفظه، وعطف عليه "نصف"، وهو اسم مضاف عامل في "ما حصل" الجر بالإضافة إليه، و"ما حصل" المذكور مثل "ما حصل"، المحذوف لفظًا ومعنى، وهذه المسألة لها شبه بباب التنازع، فإن ربع "ونصف" يتنازعان "ما حصل"، فأعمل الثاني لقربه، وحذف معمول الأول لأنه فضلة٣، وذهب سيبويه إلى أنها من باب الفصل بين المضاف والمضاف إليه [والأصل: خذ ربع ما حصل ونصفه ثم أقحم "ونصفه" بين المضاف والمضاف إليه] ٤، فصار: ربع ونصفه ما حصل ثم حذفت الهاء إصلاحًا للفظ
_________________
(١) ١ منهم ابن مالك في شرح التسهيل ٣/ ٢٧١. ٢ سقط من "ط": "ما حصل". ٣ سقط من "ب": "لأنه فضلة". ٤ سقط ما بين المعقوفين من "ب".
[ ١ / ٧٣٠ ]
فصار: ربع ونصف ما حصل، ومثل هذا عند سيبويه والجمهور لا يجوز إلا في الشعر١، واختار الناظم أنه من الحذف من الأول لدلالة الثاني، فلا فصل فهي عنده جائزة قياسًا وسماعًا٢، وإليها أشار بقوله في النظم:
٤١٦-
ويحذف الثاني ويبقى الأول كحاله إذا به يتصل
٤١٧-
بشرط عطف وإضافة إلى مثل الذي له أضفت الأولا
"أو غيره" بالرفع؛ أي: غير مضاف، وهو عامل في "مثل" المحذوف "كقوله": [من الرجز]
٥٦٢-
علقت آمالي فعمت النعم "بمثل أو أنفع من وبل الديم"
فـ"مثل" مضاف إلى محذوف دل عليه المذكور، والأصل: بمثل وبل الديم٣ فحذف "وبل الديم" من الأول لدلالة الثاني عليه، والعامل "أنفع" وهو غير مضاف، وهو مجرور بالعطف على "مثل" المجرور بالباء المتعلقة بـ"علقت" و"الوبل" بسكون الباء الموحدة: المطر الشديد، و"الديم" بكسر الدال: جمع ديمة، وهي المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق.
"ومن غير الغالب قولهم" فيما حكاه أبو علي: "ابدأ بذا من أول، بالخفض من غير تنوين" على نية لفظ المضاف إليه، أي: من أول الأمر، "وقراءة بعضهم" وهو ابن محيصن: ""فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِم"" [البقرة: ٣٨] بالرفع من غير تنوين على الإهمال، "أي: فلا خوف شيء عليهم"، وأما قراءة يعقوب "لا خوفَ" بالفتح من غير تنوين فعلى الإعمال٤.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ١٧٦، ٢/ ٢٨٠. ٢ شرخ التسهيل ٣/ ٢٦٥، ومغني اللبيب ص٨١١.
(٢) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٧٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٥١، والارتشاف ٢/ ٧١٥. ٣ بعدها في "ب": "أو أنفع من وبل الديم". ٤ انظر هذه القراءة في الإتحاف ص١٣٤، والنشر ٢/ ٢١١.
[ ١ / ٧٣١ ]
"فصل":
"زعم كثير من النحويين أنه لا يفصل بين المتضايفين إلا في الشعر١"؛ لأن المضاف إليه منزل من المضاف منزلة جزئية؛ لأنه واقع موقع تنوينه، فكما لا يفصل بين أجزاء الاسم لا يفصل بينه وبين ما نزل منزلة الجزء منه، وهو قول البصريين، "والحق" عند الكوفيين "أن مسائل الفصل سبع منها ثلاث جائزة في السعة" بفتح السين؛ وهي النثر، وضابطها أن يكون المضاف إما اسما يشبه الفعل، وأن يكون الفاصل بينهما معمولًا للمضاف، وأن يكون منصوبًا أو اسما لا يشبه الفعل، والفاصل القسم.
"إحداها: أن يكون المضاف مصدرًا، والمضاف إليه فاعله، والفاعل إما مفعول كقراءة ابن عامر٢": "وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "قَتْلُ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَائِهِمْ" [الأنعام: ١٣٧] برفع "قتل" على النيابة عن الفاعل بـ"زين" المبني للمفعول، ونصب "أولادهم"، وجر "شركائهم"، فـ"قتل" مصدر مضاف، و"شركائهم" مضاف إليه٣ من إضافة المصدر إلى فاعله، و"أولادهم" مفعوله، وفصل به٤ بين المضاف والمضاف إليه، وحسن ذلك ثلاثة أمور: كون الفاصل فضلة، فإن ذلك مسوغ لعدم الاعتداد به، وكونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف، وكونه مقدر التأخير من أجل أن المضاف إليه مقدر التقديم بمقتضى الفاعلية المعنوية، فسقط بذلك قول الزمخشري في الكشاف٥: وأما قراءة ابن عامر فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان٦ سمجًا مردودًا فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته.
ا. هـ. "وقول الشاعر": [من الطويل]
_________________
(١) ١ بعده في "ب"، "ط": "خاصة". ٢ انظر قراءته في الإتحاف ص٢١٧، ٢/ ٢٦٣، وهي من شواهد شرح ابن الناظم ص٢٨٩. ٣ في "أ": "إليهم". ٤ سقطت من "ط". ٥ الكشاف ٢/ ٤٢. ٦ في جميع النسخ: "كان"، والتصويب من الكشاف.
[ ١ / ٧٣٢ ]
٥٦٣-
عتوا إذ أجبناهم إلى السلم رأفة "فسقناهم سوق البغاث الأجادل"
فـ"سوق" مصدر مضاف، و"الأجادل" مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، و"البغاث" مفعوله، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، والأصل: سوق الأجادل البغاث، و"السلم" بكسر السين: الصلح، و"البغاث"؛ بتثليث الموحدة أوله١ وبثاء مثلثة آخره، فأوله مثلث الضبط، وآخره مثلث النقط٢، وبينهما غين معجمة: طائر ضعيف يصاد ولا يصطاد، و"الأجادل": جمع الأجدل وهو الصقر.
"وإما ظرفه" عطف على قوله وإما مفعوله؛ أي: والفاصل إما مفعول المضاف كما تقدم، وإما ظرفه؛ "كقول بعضهم: ترك يومًا نفسك وهواها" سعي لها في رداها، فـ"ترك" مصدر مضاف، و"نفسك" مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله محذوف، و"يومًا" ظرف للمصدر بمعنى أنه متعلق به، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، و"هواها" مفعول معه، والتقدير: ترك نفسك شأنها يومًا مع هواها سعي في رداها، ويحتمل أن يكون الأصل: تركك نفسك، فيكون من الإضافة إلى المفعول بعد حذف الفاعل.
المسألة "الثانية" من الثلاث: "أن يكون المضاف وصفًا" بمعنى الحال أو الاستقبال، "والمضاف إليه إما مفعوله الأول والفاصل مفعوله الثاني كقراءة بعضهم: "فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهَ"" [إبراهيم: ٤٧] بنصب "وعده" وجر "رسله"٣ فـ"مخلف" اسم فاعل متعد لاثنين وهو مضاف، و"رسله" مضاف إليه من إضافة الوصف إلى مفعوله الأول، و"وعده" مفعوله الثاني، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، والأصل: ولا تحسبن الله مخلف رسله وعده، "وقول الشاعر": [من الكامل]
٥٦٤-
ما زال يوقن من يؤمك بالغنى "وسواك مانع فضله المحتاج"
_________________
(١) البيت لبعض الطائيين في شرح عمدة الحافظ ص٤٩١، وبلا نسبة في أوضح المسلك ٣/ ١٨٠، وشرح ابن الناظم ص٢٩٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٧. ١ سقطت من "ب". ٢ سقطت من "ط". ٣ لم تنسب هذه القراءة إلى أحد، وهي في البحر المحيط ٥/ ٤٣٩، ومعاني القرآن للفراء.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٨٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٧، وشرح عمدة الحافظ ص٤٩٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩٦.
[ ١ / ٧٣٣ ]
فـ"سواك" مبتدأ، و"مانع" خبره، وهو اسم فاعل مضاف إلى مفعوله الأول وهو "المحتاج"، و"فضله" مفعوله الثاني، وفصل به١ بين المضاف والمضاف إليه، والأصل: وسواك١ مانع المحتاج فضله.
"أو ظرفه" عطف على مفعوله الأول أي والفاصل إما مفعوله الأول كما تقدم أو ظرفه؛ وذلك صادق بالجار والمجرور "كقوله ﷺ: "هل أنتم تاركو لي صاحبي" ٢فـ"تاركو" جمع تارك اسم فاعل ترك مضاف إلى مفعوله وهو "صاحبي" بدليل حذف النون، و"لي" جار ومجرور ظرف "تاركو"، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، والأصل: هل أنتم تاركو صحابي لي، "وقول الشاعر": [من الطويل]
٥٦٥-
فرشني بخير لا أكونن ومدحتي "كناحت يومًا صخرة بعسيل"
فـ"ناحت" اسم فاعل مضاف، و"صخرة"، مضاف إليه من إضافة الوصف إلى مفعوله، و"يومًا" ظرف "ناحت" بمعنى أنه متعلق به، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه و"رشني": أمر من رشت السهم إذا ألزقت عليه الريش، والمعنى: أصلح حالي بخير، و"مدحتي" مفعول معه، و"بعسيل" متعلق بـ"ناحت"، وهو؛ بفتح العين والسين المهملتين؛ مكنسة العطار التي يجمع بها العطر، وهو٣ كناية عن كون سعيه مما لا فائدة فيه مع حصول التعب والكد.
المسألة "الثالثة": أن يكون المضاف لا يشبه الفعل، و"أن يكون الفاصل قسمًا كقولهم: هذا غلام؛ والله، زيد٤" بحر "زيد" بإضافة الغلام إليه، وفصل بينهما بالقسم، حكاه الكسائي، وحكى ابن الأنباري "هذا غلام؛ إن شاء الله؛ ابن٥ أخيك" بجر "ابن" بإضافة الغلام إليه، والفصل بينهما بالشرط، وهو "إن شاء الله" وزاد ابن مالك الفصل بـ"إما"٦ كقول تأبط شرا: [من الطويل]
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة برقم ٣٤٦١.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٨٤، وتاج العروس "عسل"، والدرر ٢/ ١٦٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٨، وشرح التسهيل ٣/ ٢٧٣، وشرح عمدة الحافظ ص٣٢٨، ولسان العرب ١١/ ٤٤٧،"عسل" والمقاصد النحوية ٣/ ٤٨١، وهمع الهوامع ٢/ ٥٢. ٣ في "ط": "هي". ٤ شرح ابن الناظم ص٢٩١، والإنصاف ٢/ ٤٣٥، المسألة رقم ٦٠، والارتشاف ٢/ ٥٣٥. ٥ سقطت من "ط". ٦ شرح الكافية الشافية ٢/ ٩٤٤.
[ ١ / ٧٣٤ ]
٥٦٦-
هما خطتا إما إسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر
في رواية الجر، و"الإسار" بكسر الهمزة: الأسر.
"و" المسائل "الأربع الباقية" مع السبع١ "تختص بالشعر" لفقد الضابط المذكور.
"إحداها: الفصل٢ بالأجنبي ونعني به معمول غير المضاف" وإن كان عاملهما٣، واحدًا "فاعلًا كان" الأجنبي "كقوله" وهو الأعشى ميمون بن قيس: [من المنسرح]
٥٦٧-
"أنجب أيام والداه به إذ نجلاه فنعم ما نجلا"
فـ"أنجب" فعل ماض، و"والداه" فاعله، و"به" متعلق بـ"أنجب"، و"أيام" ظرف زمان متعلق بـ"أنجب" وهو مضاف، و"إذ" مضاف إليه، و"والداه" فاصل بين المضاف والمضاف إليه، وهو أجنبي من المضاف؛ لأنه معمول لغيره، أي: أنجب والداه به أيام إذ نجلاه، يقال: أنجب الرجل إذا ولد نجيبًا، و"نجلاه" بالنون والجيم: نسلاه، أو مفعولًا معطوف على فاعلًا، أي: فاعلًا كان؛ كما مر؛ "أو مفعولًا، كقوله" وهو جرير [من البسيط]
٥٦٨-
"تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها" كما تضمن ماء المزنة الرصف
_________________
(١) البيت لتأبط شرا في ديوانه ص٨٩، وجواهر الأدب ص١٥٤، وخزانة الأدب ٧/ ٤٩٩، ٥٠٠، ٥٠٣، والدرر ١/ ٥٨، ٢/ ١٦٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٧٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٧٥، ولسان العرب ٧/ ٢٨٩ "خطط" والمقاصد النحوية ٣/ ٤٨٦، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٤٠٥، ورصف المباني ص٣٤٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٨، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٤٤، ومغني اللبيب ٢/ ٦٤٣، والممتع في التصريف ٢/ ٥٢٦، وهمع الهوامع ١/ ٤٩، ٢/ ٥٢. ١ في "ط": "السبعة". ٢ في "أ": "الفاصل". ٣ في "ط": "عاملها".
(٢) البيت للأعشى في ديوانه ص٢٨٥، والدرر ٢/ ١٦٤، ولسان العرب ١١/ ٦٤٦ "نجل"، والمحتسب ١/ ١٥٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٧٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٨٦، وشرح ابن الناظم ص٢٩٢، وشرح الأشموني ١/ ٣٢٨، وشرح التسهيل ٣/ ٢٧٤، وشرح عمدة الحافظ ص٤٩٤، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٩١، وهمع الهوامع ٢/ ٥٣.
(٣) البيت لجرير في ديوانه ص١/ ١٧١، والدرر ٢/ ١٦٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٧٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٨٧، وشرح ابن الناظم ص٢٩٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٨، وشرح التسهيل ٣/ ٢٧٤، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٨٩، وهمع الهوامع ٢/ ٥٢.
[ ١ / ٧٣٥ ]
فـ"تسقي" مضارع سقى متعد لاثنين، وفاعله ضمير يرجع إلى "أم عمرو" في البيت قبله١، و"ندى" مفعوله الأول وهو مضاف، و"ريقتها" مضاف إليه، و"المسواك"، مفعوله الثاني، فصل به بين المضاف والمضاف إليه، "أي: تسقي ندى ريقتها المسواك"، والمسواك أجنبي من "ندى"؛ لأنه ليس معمولًا له وإن كان عاملهما واحدًا وهو "تسقي"، والامتياح:؛ بمثناة فوقية فتحتانية فحاء مهملة؛ الاستياك، و"المزنة": السحابة، "والرصف" بفتحتين: جمع رصفة، وهي حجارة مرصوف بعضها إلى بعض، وماء الرصف أرق وأصفى، "أو ظرفًا كقوله" وهو أبو حية النميري: [من الوافر]
٥٦٩-
"كما خط الكتاب بكف يومًا يهودي يقارب أو يزيل"
فأضاف "كف" إلى "يهودي"، وفصل بينهما بالظرف، وهو أجنبي من المضاف؛ لأنه ليس معمولًا له، و"خط" مبني للمفعول، و"بكف" متعلق به، ويقارب أو تزيل: نعتان ليهودي.
المسألة: "الثانية" من الأربع: "الفصل بفاعل المضاف كقوله": [من الرجز]
٥٧٠-
ما إن وجدنا للهوى من طب "ولا عدمنا قهر وجد صب"
فأضاف "قهر" إلى مفعوله، وهو "صب"، وفصل بينهما بفاعل المصدر، وهو "وجد"، والأصل: ما وجدنا للهوى طبا، ولا عدمنا قهر صب وجد، و"الصب": العاشق.
"ويحتمل أن يكون منه"؛ أي: من الفصل بالفاعل "أو من الفصل بالمفعول؛ قوله" وهو الأحوص: [من الوافر]
_________________
(١) ١ البيت المقصود هو: "ما استوصف الناس عن شيء يروقهم إلا أرى أم عمرو فوق ما وصفوا".
(٢) البيت لأبي حية النميري في ديوانه ص١٦٣، والإنصاف٢/ ٤٣٢، وخزانة الأدب ٤/ ٢١٩، والدرر ٢/ ١٦١، والكتاب ١/ ١٧٩، ولسان العرب ١٢/ ٣٩٠ "عجم" والمقاصد النحوية ٣/ ٤٧٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٨٩، والخصائص ٢/ ٤٠٥، وشرح ابن الناظم ص٢٩١، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٨٣، وشرح التسهيل ١/ ٣٦٨، ٣/ ٢٧٣، وشرح المفصل ١/ ١٠٣، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٧٩، وهمع الهوامع ٢/ ٥٢، والوساطة ص٤٦٤.
(٣) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٩٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٩، وشرح التسهيل ٣/ ٢٧٤، والدرر ٢/ ١٦٤، وشرح عمدة الحافظ ص٤٩٣، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٩٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٨٣، وهمع الهوامع ٢/ ٥٣.
[ ١ / ٧٣٦ ]
٥٧١-
لئن كان النكاح أحل شيء "فإن نكاحها مطر حرام"
في رواية الخفض لـ"مطر" بإضافة النكاح إليه والفصل بالهاء، وهي محتملة للفاعلية والمفعولية بدليل أنه يروى بنصب "مطر"، وبرفعه، فإن كان بالرفع فالتقدير: فإن نكاح مطر إياها، فهو من الفصل بالمفعول وإن كان بالنصب فالتقدير: فإن نكاح مطر هي، فهو من الفصل بالفاعل، والحاصل أن الهاء المتصلة بالنكاح إما أن تكون مفعولة فتكون في تقدير: "إياها" أو فاعلة فتكون في تقدير "هي"، فعلى الأول فاعل النكاح "مطر"، وعلى الثاني المرأة، فإنه يقال نَكَحَتْهُ ونَكَحَهَا، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وعلى التقديرين فالهاء مجرورة بإضافة المصدر إليها، وعلى هذا فيشكل خفض "مطر" بإضافة المصدر إليه؛ لأن المضاف١ لا يضاف لشيئين، وسبب قول الأحوص ذلك أن مطرًا كان أقبح الناس منظرًا٢، وكان تحته امرأة من أجمل النساء، وكانت تريد فراقه، وهو يأبى ذلك.
"و" المسألة "الثالثة: الفصل بنعت المضاف كقوله" وهو معاوية بن أبي سفيان لما اتفق ثلاثة من الخوارج أن يقتل كل واحد منهم واحدًا من علي بن أبي طالب وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ﵃، فقتل علي وسلم عمرو ومعاوية: [من الطويل]
٥٧٢-
نجوت وقد بل المرادي سيفه "من ابن أبي شيخ الأباطح طالب"
ففصل بين المتضايفين؛ وهما أبي وطالب؛ بنعت المضاف وهو شيخ الأباطح، أي: من أبي طالب شيخ الأباطح، وتجوز في جعل "شيخ الأباطح" نعتًا للمضاف وهو "أبي" دون المضاف إليه، وإنما هو نعت للمضاف والمضاف إليه معًا، والمرادي هو عبد الرحمن ابن عمرو، الشهير بابن ملجم؛ بضم الميم وفتح الجيم على صيغة اسم المفعول، كما في
_________________
(١) البيت للأحوص في ديوانه ص١٨٩، وأمالي الزجاجي ص٨١، وخزانة الأدب ٢/ ١٥١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٧، ٩٥٢، والعقد الفريد ٦/ ٨١، والمقاصد النحوية ١/ ١٠٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٩٢، وشرح ابن الناظم ص٢٩٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٩، وشرح التسهيل ٣/ ٩٣، ٢٧٨، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٨٦، ومغني اللبيب ٢/ ٦٧٢. ١ في "ب": "المصدر". ٢ سقطت من "ب".
(٢) البيت لمعاوية بن أبي سفيان في الدرر ٢/ ١٦٢، وشرح ابن الناظم ص٢٩٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٧٨، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٢٥٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٨٤، وشرح التسهيل ٣/ ٢٧٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٩٠، وهمع الهوامع ٢/ ٥٢.
[ ١ / ٧٣٧ ]
تهذيب الأسماء، وهو قاتل علي بن أبي طالب ﵁، "والأباطح": جمع بطحاء، والمراد بها مكة؛ لأن أبا طالب١ كان شيخ مكة ومن أعيان أهلها وأشرافها.
المسألة "الرابعة: الفصل بالنداء" بمعنى المنادى "كقوله": [من الرجز]
٥٧٣-
"كأن برذون أبا عصام زيد حمار دق باللجام"
فأضاف برذون إلى زيد، وفصل بينهما بالمنادى الساقط حرفه، و"حمار" خبر "كأن"، "أي: كأن برذون زيد" حمار "يا أبا عصام".
وبقيت خامسة: وهي الفصل بفعل ملغى كقوله: [من الوافر]
٥٧٤-
بأي تراهم الأرضين حلوا
أراد: بأي الأرضين تراهم.
وسادسة: وهي الفصل بالمفعول لأجله كقوله: [من الوافر]
٥٧٥-
معاود جرأة وقت الهوادي
أراد: معاود وقت الهوادي جرأة، وإلى هذا الفصل أشار الناظم بقوله:
٤١٨-
فصل مضاف شبه فعل ما نصب مفعولًا أو ظرفًا أجز ولم يعب
٤١٩-
فصل يمين واضطرارًا وجدا بأجنبي أو بنعت أو ندا
_________________
(١) ١ سقط من "ط".
(٢) الرجز بلا نسبة في الخصائص ٢/ ٤٠٤، والدرر ٢/ ١٦٣، وشرح ابن الناظم ص٢٩٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٨٦، وشرح التسهيل ٣/ ٢٧٥، وشرح عمدة الحافظ ص٤٩٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ٩٩٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٨٠، وهمع الهوامع ٢/ ٥٣.
(٣) عجز البيت: "أألدبران أم عسفوا الكفارا" وهو بلا نسبة في الدرر٢/ ١٦٤، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩٠، وهمع الهوامع ٢/ ٥٣.
(٤) عجز البيت: "أشم كأنه رجل عبوس" وهو بلا نسبة في المقاصد النحوية ٣/ ٤٩٢، والمقتضب ٤/ ٣٧٧، وهمع الهوامع ٢/ ٥٣.
[ ١ / ٧٣٨ ]
"فصل":
"في أحكام المضاف للياء" الدالة على المتكلم: "يجب كسر آخره"؛ أي: المضاف، لمناسبة الياء سواء أكان صحيحًا "كـ: غلامي" و"عبدي" أو شبيهًا بالصحيح كـ"دلوي" و"ظبيي"، "ويجوز فتح الياء وإسكانها"، واختلف في أيهما أصل، فقيل: الفتح، وقيل: الإسكان، ويجمع بينهما بأن الإسكان هو الأصل الأول؛ لأنه أصل كل مبني والياء مبنية، والفتح أصل ثان؛ لأنه أصل ما يبنى وهو على حرف واحد، وعلى القولين الإسكان أكثر.
"ويستثنى من هذه الحكمين" وهو وجوب كسر آخر المضاف، وجواز فتح الياء وإسكانها "أربع مسائل" لا يأتي فيها ذلك "وهي المقصور كـ: فتى، وقذى" بالذال المعجمة "والمنقوص كـ: رام، و: قاض، والمثنى" وشبهه "كـ: ابنين" بالموحدة١ "و: غلامين"، و"اثنين" بالمثلثة، "وجمع المذكر السالم" وشبهه "كـ: زيدين، و: مسلمين" و"عشرين"، "فهذه الأربعة آخرها واجب السكون"؛ لأن آخر المقصور والمثنى المرفوع ألف، وآخر المنقوص والمثنى المجرور والمنصوب وجمع المذكر السالم مطلقًا ياء مدغمة في ياء المتكلم، وليس شيء من الألف والحرف المدغم قابلًا للتحرك، "والياء معها واجبة الفتح" للخفة والتحرك لالتقاء الساكنين، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٢٠-
آخر ما يضاف لليا اكسر إذا لم يك معتلا كرام وقذى
٤٢١-
أو يك كابنين وزيدين فذي جميعها اليا بعد فتحها احتذي
"وندر إسكانها بعد الألف في قراءة "وَمَحْيَايْ" وَمَمَاتِي" [الأنعام: ١٦٢] في الوصل بسكون ياء "محياي"٢، ولبيان أن ذلك في الوصل عطف عليه "ومماتي" وإلا فلا
_________________
(١) ١ في "ط": "الموحدة". ٢ وكذلك قرأها ورش وقالون وأبو جعفر، انظر الإتحاف ٢٢١، والنشر ٢/ ٢٦٧، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٢.
[ ١ / ٧٣٩ ]
حاجة لذكره، "و" ندر "كسرها بعدها" أي: بعد الألف "في قراءة الأعمش والحسن" البصري "قَالَ "هِيَ عَصَايِ"" [طه: ١٨] بكسر الياء١ على أصل التقاء الساكنين، "وهو" أي: الكسر "مطرد في لغة بني يربوع في الياء المضاف إليها جمع المذكر السالم وعليه قراءة حمزة" والأعمش ويحيى بن وثاب: "وَمَا أَنْتُمْ "بِمُصْرِخِيِّ إِنِّي"" [إبراهيم: ٢٢] بكسر الياء في الوصل٢، ولذلك عقبه بـ"إني"، وهذه اللغة حكاها الفراء٣ وقطرب، فأجازها أبو عمرو بن العلاء، قاله الشاطبي، وبذلك سقط ما قاله المعري في رسالته٤: أجمع أصحاب العربية على كراهة قراءة حمزة: "وما أنتم بمصرخيِّ" بالكسر.
قال الموضح في الحواشي: والمعري له قصد في الطعن على علماء الإسلام، ولعل الذين كسروا لغتهم إسكان ياء الإضافة فالتقى معهم ساكنان، ونظيره الكسر في "شد" وفي "مع القوم" وإن كان الكسر في الياء أثقل، ا. هـ.
"وتدغم ياء المنقوص والمثنى" في حالتي الجر والنصب "و" ياء "المجموع" جمع السلامة "في ياء الإضافة" لاجتماع المثلين "كـ: قاضي" رفعًا ونصبًا وجرا، "و: رأيت ابني" بفتح النون؛ "وزيدي" بكسر الدال و"مررت بابني وزيدي".
"وتقلب واو الجمع" السالم في حالة الرفع "ياء"؛ لأن الواو والياء إذا اجتمعتا وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء تقدمت أو تأخرت "ثم تدغم" الياء المنقلبة عن الواو في ياء المتكلم لاجتماع المثلين "كقوله" وهو أبو ذؤيب يرثي بنيه الخمسة حين هلكوا جميعًا في طاعون واحد: [من الكامل]
٥٧٦-
"أودى بني وأعقبوني حسرة" عند الرقاد وعبرة لا تقلع
فـ"أودى": معناه هلك، "وبني" فاعله، وهو جمع "ابن" مضاف إلي ياء المتكلم، وأصله: "بَنَوْيَ" عمل فيه ما تقدم.
_________________
(١) ١ هي قراءة أبي عمرو والحسن وابن أبي إسحاق، انظر البحر المحيط ٦/ ٢٣٤، والمحتسب ٢/ ٤٨. ٢ انظر هذه القراءة في الإتحاف ص٢٧٢، والنشر ٢/ ٢٩٨. ٣ معاني القرآن ٢/ ٧٥. ٤ انظر رسالة الغفران ص٤٤٧.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في خزانة الأدب ١/ ٤٢٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٦٢، ولسان العرب ١/ ٦١٣، "عقب"، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩٨، وبلا نسبة في المسالك ٣/ ١٩٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣١، وشرح التسهيل ١/ ٢٣.
[ ١ / ٧٤٠ ]
"وإن كان" الواو "قبلها ضمة قلبت" الضمة "كسرة كما في" أودى "بني" وجاء "مسلمي" و"عشري"، وظاهر سياقه أنه يبدأ بقلب الواو على قلب الضمة كسرة، وهو في ذلك تابع للترتيب الذكري في قول الناظم:
٤٢٢-
وتدغم اليا فيه والواو وإن ما قبل واو ضم فاكسره يهن
واختار ابن جني أن يبدأ بقلب الضمة على قلب الواو كما في "أجر" جمع "جرو"، وأصله: أجرو فإنهم قلبوا الضمة كسرة أولًا؛ لأنها أضعف، ثم تدرجوا إلى قلب الواو ياء لأجلها، فلم يقدموا على الحرف الأقوى إلا بعد أن أقدموا١ على الحركة الضعيفة، ولو عكسوا لكان إقدامًا على الأقوى من غير تدرج، قلت: لا يمكنهم العكس في "أجر": لأنه يؤدي إلى قلب الواو ياء٢ لغير موجب بخلافه في "مسلمي"، فإن موجب قلب الواو ياء اجتماع الواو والياء وسبق إحداها بالسكون، وإنما قدم قلب الضمة كسرة٣ في "أجر" والواو ياء٣ في "مسلمي" ناشئ عن قلب الواو ياء.
"أو" كان قبل الواو "فتحة أبقيت" لتدل على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين "كـ: مصطفى" بفتح الفاء: جمع "مصطفى" بالقصر، وأما "مصطفِي" بكسر الفاء: فإنه جمع "مصطف" بالنقص، "وتسلم ألف التثنية" من القلب ياء اتفاقًا كـ"مسلماي" إذ لا موجب لقلبها ياء، وأطلق الناظم فقال:
٤٢٣-
وألفا سلم
"وأجازت هذيل في ألف المقصور قلبها ياء" عوضًا عن كسرة الحرف التي يستحقها ما قبل الياء، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٢٣-
عن هذيل انقلابها ياء حسن
"كقوله" وهو أبو ذؤيب الهذلي: [من الكامل]
٥٧٧-
"سبقوا هوي وأعتقوا لهواهم" فتخرموا ولكل جنب مصرع
_________________
(١) ١ في "ط": "قدموا". ٢ سقطت من "ب". ٣ سقطت من "ط"، "ب".
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ١/ ٧، وإنباه الرواة ١/ ٥٢، والدرر ٢/ ١٦٥، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٧٠٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٦٢، وشرح قطر الندى ص١٩١، وشرح المفصل ٣/ ٣٣، وكتاب اللامات ص٩٨، ولسان العرب ١٥/ ٣٧٢، "هوا" والمحتسب ١/ ٧٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩٣، وهمع الهوامع ٢/ ٥٣، وتاج العروس "هوي"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٩٩، وشرح ابن الناظم ص٢٩٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٩٠، وشرح التسهيل ٣/ ٢٨٣، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٠٤.
[ ١ / ٧٤١ ]
فـ"هَوِيَّ" أصله "هَواي" فقلب الألف ياء وأدغمها في ياء المتكلم، والواو في "سبقوا" تعود إلى بنيه الخمسة في قوله: "أودى بني"، و"أعتقوا": تبع بعضهم بعضًا في الموت، و"تخرموا" بالخاء المعجمة والراء؛ مبني للمفعول، أي: خرمتهم المنية واحدًا بعد واحد.
وهذيل بالتصغير، قال ابن السيد: يجوز أن يكون تصغير "هذلول"، وهو المرتفع من الأرض ويجوز أن يكون تصغير "مهذول" وهو المضطرب، من تصغير الترخيم فيهما.
ا. هـ. وهذيل حي من مضر وهو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر أخو خزيمة بن مدركة١ أمهما هند بنت وبرة أخت كلب بن وبرة.
ولا يختص قلب ألف المقصور ياء بلغة هذيل بل حكاها عيسى بن عمرو بن قريش وحكاها الواحدي في البسيط عن طيئ في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ [طه: ١٢٣] وبها قرأ أبو عاصم الجحدري وابن [أبي] ٢ إسحاق وعيسى بن عمر "هدي" و"هي عصيّ" ورويت٣ عن النبي ﷺ قاله الشاطبي.
"واتفق الجميع" من العرب "على ذلك" وهو قلب الألف ياء مع ياء المتكلم "في: علي، و: لدي" الظرفيتين كما قيده المرادي وهو ظاهر، فإن الكلام في المضاف إلى ياء المتكلم وعلى الحرفية لا تضاف، وفي دعواه الاتفاق نظر، فإن بعض العرب لا يقلب فيقول: "لداي" و"علاي" قاله المرادي في شرح التسهيل.
"ولا يختص" قلب الألف ياء "بياء المتكلم بل هو عام في كل ضمير نحو: "عليه" و"لديه" و"علينا" و"لدينا" وكذا الحكم في" "إلى" نحو: "إلي"، وظاهر كلام المرادي السابق أن من يقول "لداي" يقول: إلاي، فإنه قال؛ بعد أن قال ذلك: وكذلك "إلي"، ا. هـ.
وأفرد "إلى" عن أخواتها؛ لأنها تستعمل ظرفًا وإن كانت تقع اسمًا لواحد الآلاء وهي النعم، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، والحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده، وهذا آخر النصف الأول من شرح التوضيح للشيخ خالد ﵀ ونفعنا ببركاته في الدنيا والآخرة آمين، تم.
_________________
(١) ١ جمهرة أنساب العرب ص١١. ٢ سقطت من جميع النسخ، والتصويب من مختصر ابن خالويه ص٥، ومعجم القراءات ٣/ ٢٤٠. ٣ مختصر ابن خالويه ص٥.
[ ١ / ٧٤٢ ]
فهرس المحتويات:
٣ مقدمة المحقق
٣ مقدمة المؤلف
٦ شرح خطبة الكتاب
١٥ باب الكلام وما يتألف منه
٤١ باب شرح المعرب والمبني
٩٣ باب النكرة والمعرفة
١٢٣ باب العلم
١٤٢ باب أسماء الإشارة
١٤٨ باب الموصول
١٧٩ باب المعرف بالأداة
١٨٩ باب المبتدأ والخبر
٢٣٣ باب الأفعال الداخلة على المبتدأ
٢٧٧ باب أفعال المقاربة
٢٩٣ باب الأحرف الثمانية
٣٣٦ باب لا العاملة عمل إن المشددة
٣٥٨ باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر بعد استيفاء فاعلها
٣٨٥ باب ما ينصب مفاعيل ثلاثة
[ ١ / ٧٤٣ ]
٣٩٢ باب الفاعل
٤٢١ باب النائب عن الفاعل
٤٤١ باب الاشتغال
٤٦٢ باب التعدي واللزوم
٤٧٥ باب التنازع في العمل
٤٩٠ باب المفعول المطلق
٥٠٩ باب المفعول له
٥١٥ باب المفعول فيه
٥٢٨ باب المفعول معه
٥٣٧ باب المستثنى
٥٦٩ باب الحال
٦١٦ باب التمييز
٦٣٠ باب حروف الجر
٦٧٣ باب الإضافة
٧٤٣ فهرس المحتويات
[ ١ / ٧٤٤ ]