باب إعمال المصدر وإعمال اسمه
بسم الله الرحمن الرحيم ١
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم
"هذا باب إعمال المصدر و" إعمال "اسمه":
ومدلوهما مختلف؛ فمدلول المصدر الحديث. ومدلول اسم المصدر لفظ المصدر الدال على الحديث. فدلالة اسم المصدر على الحدث إنما هي بواسطة دلالته على المصدر.
وتحقيق ماهيتهما أن يقال: "الاسم الدال على مجرد الحدث" من غير تعرض لزمان؛ "إن كان علمًا" موضوعًا على معنى، "كـ: فجار وحماد"، علمين "لـ: الفجرة"، بسكون الجيم، "والمحمدة"، بفتح الميم الأولى وكسر الثانية، "أو" كان "مبدوءًا بميم زائدة لغير المفاعلة، كـ: مضرب ومقتل"، بفتح أولهما وثالثهما، "أو" كان "متجاوزًا فعله الثلاثة، وهو بزنة اسم حدث الثلاثي كـ: غسل ووضوء"، بضم أولهما "في قولك: اعتسل غسلا، وتوضأ وضوءًا؛ فإنهما"، أي: فإن الغسل "بزنة القرب، و" الوضوء بزنة "الدخول في" قولك: قرب قربًا ودخل دخولا، فهو اسم مصدر"، جواب الشرط، وهو "إن كان" والشرط وجوابه خبر المبتدأ. وهو قوله أولا: "الاسم الدال".
_________________
(١) ١ البسملة وما بعدها سقطت من "ب"، و"ط".
[ ٢ / ٣ ]
والأجود في مثل هذا التركيب؛ كما قال الموضح في الحواشي؛ حذف الفاء وجعل ما بعدها خبر المبتدأ، والشرط معترض بينهما، وجوابه محذوف على حد قول الناظم:
١٤-
والأمر إن لم يك للنون محل فيه هو اسم
وما ذكره هنا من أن المبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة اسم مصدر تبع فيه ابن الناظم١.
وقال في شرح الشذور٢: إنه مصدر: يسمى المصدر اليممي، وإنما سموه أحيانًا اسم مصدر تجوزًا. انتهى. "وإلا" يكن٣ كذلك "فمصدر".
"ويعمل المصدر عمل فعله" في التعدي واللزوم "إن كان يحل محله فعل، إما مع: أن" المصدرية والزمان ماض أو مستقبل؛ فالأول: "كـ: عجبت من ضربك زيدًا أمس، و" الثاني نحو: "يعجبني ضربك زيدًا غدًا"، فالمصدر في هذين المثالين يحل محله "أن" وفعل ماض في الأول؛ "أي: أن ضربته" أمس، "و" "أن" وفعل مضارع في الثاني؛ أي: "أن تضربه" غدًا.
"وإما مع: ما" المصدرية والزمان حال فقط، "كـ: يعجبني ضربك زيدًا الآن؛ أي: ما تضربه" الآن، "ولا يجوز في نحو: ضربت ضربًا زيدًا"، من المصدر المؤكد لعامله، "كون "زيدًا" منصوبًا بالمصدر؛ لانتفاء هذا الشرط"؛ لأنه لا يحل محله فعل مع "أن" أو "ما" وإنما هو منصوب بـ: ضربت، اتفاقًا؛ لأن المصدر المؤكد لا يعمل.
وأما المصدر النائب عن فعله نحو: ضربًا زيدًا، ففيه خلاف، فذهب ابن مالك؛ في التسهيل٤؛ إلى جواز إعماله، وصحح الموضح؛ في شرح القطر٥؛ المنع، وعلله: بأن المصدر هنا إنما يحل الفعل وحده بدون "أن" و"ما". انتهى. فـ: زيدًا، في المثال منصوب بالمصدر عند ابن مالك، وبالفعل المحذوف النائب عنه المصدر عند الموضح. وإلى إعمال المصدر عمل فعله أشار الناظم بقوله:
٤٢٤-
بفعله المصدر الحق في العمل
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٢٩٦. ٢ شرح شذور الذهب ص٤١٠-٤١١. ٣ في "ب": "يك". ٤ التهسيل ص٨٨. ٥ شرح قطر الندى ص٢٦١.
[ ٢ / ٤ ]
٤٢٥-
إن كان فعل مع أن أو ما يحل محله
وبقي من شروط إعمال المصدر شروطه العدمية١، فهي أن لا يكون مصغرًا، فلا يجوز: أعجبني ضريبك زيدًا، ولا مضمرًا؛ فلا يجوز: ضربي زيدًا حسن وهو عمرًا قبيح، خلافًا للكوفيين، ولا محدودًا؛ فلا يجوز: أعجبتني ضربتك زيدًا، ولا موصوفًا، قبل العمل؛ فلا يجوز: أعجبني ضربك الشديد زيدًا، ولا محذوفًا؛ فلا يقال: إن باء البسملة متعلقة بمصدر محذوف تقديره: ابتدائي٢، خلافًا لقوم.
ولا مفصولا من معموله بأجنبي فلا يقال: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] معمول لـ: ﴿رَجْعِهِ﴾ [الطارق: ٨] لأنه قد فصل بينهما بالخبر، ولا مؤخرًا عن معموله؛ فلا يجوز: أعجبني زيدًا ضربك، قاله في شرح القطر٣ أحدًا من التسهيل٤.
"وعمل المصدر مضافًا أكثر" من عمله غير مضاف، وهو متفق عليه٥، ويضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى؛ فالأول "نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ " [البقرة: ٢٥١]، والثاني كقوله: [من الطويل] .
٥٧٨-
ألا إن ظلم نفسه المرء بين إذا لم يصنها عن هوى يغلب العقلا
"و" عمله "منونًا أقيس" من عمله مضافًا؛ لأن يشبه الفعل بالتنكير٦ "نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤، ١٥] فـ: إطعام، مصدر وفاعله محذوف، ويتيمًا مفعوله، والتقدير: أو إطعامه يتيمًا. والمسغبة: المجاعة، من سغب: إذا جاع. ومنع الكوفيون إعمال المصدر المنون، وحملوا ما بعده من مرفوع ومنصوب على إضمار فعل.
"و" عمله معرفًا "بـ"أل" قليل" في السماع، "ضعيف" في القياس؛ لبعده
_________________
(١) ١ سقط من "ب": "شروطه العدمية". ٢ في "ب": "ابتداء". ٣ شرح قطر الندى ص٢٦٦. ٤ التسهيل ص١٤٢. ٥ في شرح الناظم ص٢٩٧: "وإذا كان في المصدر شرط العمل فأكثر ما يعمل مضافًا"، وانظر الارتشاف ٣/ ١٧٧، وهمع الهوامع ٢/ ٩٣.
(٢) البيت بلا نسبة في شرح قطر الندى ص٢٦٧، وتقدم برقم ٣٢٧. ٦ في شرح ابن الناظم ص٢٩٧: "وإعمال المصدر مضافًا أكثر، ومنونًا أقيس، وقد يعمل مع الألف واللام"، وانظر الارتشاف ٣/ ١٧٧، وهمع الهوامع ٢/ ٩٣.
[ ٢ / ٥ ]
من مشابهة الفعل بدخول "أل" عليه "كقوله": [من المتقارب]
٥٧٩-
ضعيف النكاية أعداءه يخال الفرار يراخي الأجل
فـ: النكاية: مصدر مقرون بـ"أل" وفاعله محذوف، وأعداءه: مفعوله.
والمعنى: ضعيف نكايته أعداءه، يظن أن الفرار من الموت يباعد الأجل. وفي التنزيل: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] . واختلف في المصدر المقرون بـ"أل" على أربعة أقوال؛ فسيبويه يعمله١، والكوفي لا يعمله، كما لا يعمل المنون٢ وجوزه الفارسي على قبح٣، وابن طلحة إن كانت "أل" فيه معاقبة للضمير، كما في البيت، ومنع: عجبت من الضرب زيد عمرًا، ووافقه أبو حيان٤، ويرد عليهما قوله: [من الطويل]
٥٨٠-
عجبت من الرزق المسيء إلهه وللترك بعض الصالحيين فقيرا
أي: عجبت من أن رزق المسيء إلهه، ومن أن ترك بعض الصاحلين فقيرًا. وإلى إعمال المصدر في أحوال الثلاثة أشار الناظم بقوله:
٤٢٤-
مضافًا أو مجردًا أو مع أل
"واسم المصدر إن كان علمًا لم يعمل اتفاقًا" لتعريفه٥ بالعلمية، والأعلام لا تعمل، "وإن كان ميميًّا فكالمصدر" في العمل "اتفاقًا" لأنه مصدر حقيقة، كما "٦٤" تقدم عن شرح الشذور٦ "كقوله"؛ وهو الحارث بن خالد المخزومي، ونسبه
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٠٨؛ وخزانة الأدب ٨/ ١٢٧، والدرر ٢/ ٣٠٤، وشرح ابن الناظم ص٢٩٧؛ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٩٤، وشرح الأشموني ١/ ٣٣٣، وشرح التسهيل ٣/ ١١٦، وشرح شذور الذهب ص٣٨٤، وشرح شواهد الإيضاح ص١٣٦؛ وابن عقيل ٢/ ٩٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠١٣"؛ وشرح المفصل ٦/ ٥٩، ٦٤، والكتاب ١/ ١٩٢، والمقرب ١/ ١٣١، والمنصف ٣/ ٧١، وهمع الهوامع ٢/ ٩٣. ١ الكتاب ١/ ٣١٩، وانظر الدرر ٢/ ٣٠٥. ٢ الدرر ٢/ ٣٠٥. ٣ الإيضاح العضدي ٣/ ١٦٠. ٤ الارتشاف ٣/ ١٧٧.
(٢) البيت بلا نسبة في شرح قطر الندى ص٢٦٩. ٥ في "أ": "لتعرفه". ٦ شرح شذور الذهب ص٤١٠-٤١١.
[ ٢ / ٦ ]
الموضح في المغني١ للعرجي تبعًا للحريري: [من الكامل]
٥٨١-
أظلوم إن مصابكم رجلا أهدى السلام تحية ظلم
فـ"مصاب" مصدر ميمي مضاف إلى فاعله، ورجلا: مفعول، وجملة "أهدى السلام": نعت رجلا، وتحية: مفعول مطلق، على حد: قعدت جلوسًا، وظلم: خبر "إن"، وظلوم: منادى بالهمزة.
"وإن كان" اسم المصدر "غيرهما" أي غير العلم والميمي، وهو ما جاوز فعله الثلاثة وهو بزنة حدث٢ الثلاثي، "لم يعمل عند البصريين"؛ لأن أصل وضعه لغير المصدر؛ فـ: الغسل موضوع لما يغتسل به، والوضوء لما يتوضأ به، ثم استعمل في الحدث، "ويعمل عند الكوفيين والبغداديين"؛ لأنه الآن دال على الحدث، "وعليه قوله"؛ وهو القطامي: [من الوافر]
٥٨٢-
أكفرًا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا
فـ"عطائك" اسم مصدر مضاف إلى فاعله، والمائة: مفعوله الثاني، وحذف الأول؛ أي عطائك إياي المائة، على حد: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] أي: يعطوكم الجزية.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ٢/ ٥٣٨.
(٢) البيت للحارث بن خالد المخزومي في ديوانه ص٩١، والاشتقاق ص٥١، ٩٩، وخزانة الأدب ١/ ٤٥٤، والدرر ٢/ ٣٠٩، ومعجم ما استعجم ص٥٠٤ "الخطم"، وللعرجي في ديوانه ص١٩٣، ودرة الغواص ص٩٦، ومغني اللبيب ٢/ ٥٣٨، وللحارث أو للعرجي في إنباه الرواة ١/ ٢٨٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٩٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٠٢، ولأبي دهبل الجمحي في ديوانه ص٦٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/ ٢٢٦، وأوضح المسالك ٣/ ٢١٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٦، وشرح شذور الذهب ص٤١١، وشرح عمدة الحافظ ص٧٣١، ومجالس ثعلب ص٢٧٠، ومراتب النحويين ص١٢٧، وهمع الهوامع ٢/ ٩٤. ٢ في "ب": "حد".
(٣) البيت للقطامي في ديوانه ص٣٧، وتذكرة النحاة ص٤٥٦، وخزانة الأدب ٨/ ١٣٦، ١٣٧، والدرر ١/ ٤٠٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٩، وشرح عمدة الحافظ ص٦٩٥، ولسان العرب ٩/ ١٤١ "رهف"، ١٥/ ٦٩ "عطا"، ومعاهد التنصيص ١/ ١٧٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٠٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٤١١، وأوضح المسالك ٣/ ٢١١، والدرر ٢/ ٢١٣، وشرح ابن الناظم ص٢٩٨، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٦، وشرح شذور الذهب ص٤١٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٩٩، ولسان العرب ٨/ ١٦٣ "سمع"، ١٥/ ١٣٨ "غنا"، وهمع الهوامع ١/ ١٨٨، ٢/ ٩٥.
[ ٢ / ٧ ]
والرتاع، بكسر الراء: جمع راتعة، وهي الإبل التي ترتع١: نعت "مائة".
والخطاب لزفر بن الحارث الكلابي، وكان من خبره أن القطامي أسر، فخلصه؛ زفر ورد عليه ماله، وأعطاه مائة بعير من غنائم القوم الذين أسروه. وما ذكره الموضح من التفصيل والخلاف في عمل اسم المصدر لا ينافيه قول الناظم:
٤٢٥-
ولاسم مصدر عمل
بالتنكير؛ لأن ذلك صادق عليه.
"ويكثر أن يضاف إلى فاعله" لشدة اتصاله به. "ثم يأتي مفعوله" منصوبًا "نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١] فـ"دفع" مصدر مضاف إلى فاعله وهو "الله" و"الناس" مفعوله، والمعنى: ولولا أن دفع الله الناس بعضهم ببعض لغلب المفسدون، وتعطلت المصالح.
"ويقل عكسه"، وهو أن يضاف إلى المصدر إلى مفعوله، ثم يأتي فاعله مرفوعًا، "كقوله" وهو الأقيشر الأسدي: [من البسيط]
٥٨٣-
أفنى بلادي وما جمعت من نشب قرع القواقيز أفواه الأباريق
فـ"قرع"، بالقاف والعين المهملة، مرفوع على الفاعلية بـ"أفنى"، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، وهو"القواقيز"؛ بقافين وزاي معجمة٢: أقداح يشرب بها الخمر، واحدتها قاقوزة، وأما قازوزة؛ بزاءين معجمتين؛ فجمعها "قوازيز" كـ: قوارير، بمهملتين، جمع "قارورة"، وأفواه: فاعل المصدر، وهو جمع "فم" وأصله: فوه؛ فلذلك ردت في الجمع. والأباريق: جمع إبريق، وروي بنصب الأفواه، فيكون من القسم الأول. وتلادي، بكسر التاء المثناة فوق: المال القديم، من تراث وغيره، "وجمعت" بتشديد الميم، و"النشب" بفتح النون والشين المعجمة: اسم يقع على الضياع والدور والأمول الثابتة التي لا يقدر الإنسان أن يرتحل بها.
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "ترتعي".
(٢) البيت للأقيشر الأسدي في ديوانه ص٦٠، والأغاني ١١/ ٢٥٩، وخزانة الأدب ٤/ ٤٩١، والدرر ٢/ ٣٠٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٩١، والشعر والشعراء ص٥٦٥، واللسان ٥/ ٣٩٦ "قفز"، والمؤتلف والمختلف ٥٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٠٨، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ٣٣٨، والإنصاف ١/ ٢٣٣، وأوضح المسالك ٣/ ٢١٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٧، وشرح شذور الذهب ص٣٨٣، واللمع ٢٧١، ومغني اللبيب ٢/ ٥٣٦، والمقتضب ١/ ٢١، والمقرب ١/ ١٣٠، وهمع الهوامع ٢/ ٩٤. ٢ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٨ ]
وقيل: "تختص" إضافة المصدر إلى مفعوله "بالشعر"، كهذا البيت، ورد بالحديث وهو قوله -ﷺ: "وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" ١ فـ"حج"، مصدر يحل محله "أن" والفعل، وهو مضاف إلى مفعوله، وهو "البيت" و"من" الموصولة: فاعله، "أي: وأن يحج البيت المستطيع". وللمانع أن يجيب بأن الحديث يحتمل أن يكون مرويًا بالمعنى فلا دليل فيه.
"وأما إضافته إلى الفاعل ثم لا يذكر المفعول" في اللفظ، "وبالعكس" وهو أن يضاف إلى المفعول ثم لا يذكر الفاعل في اللفظ، "فكثير فيهما "فالأول: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ " [إبراهيم: ٤٠] .
"و" الثاني "نحو: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ " [فصلت: ٤٩] فـ"دعائي" مصدر مضاف إلى الفاعل، وهو ياء المتكلم، و"دعاء الخير" مصدر مضاف إلى المفعول وهو "الخير" فحذف من الأول المفعول، ومن الثاني الفاعل. "ولو ذكر١ لقيل: دعائي إياك، ومن دعائه الخير". وهو أحد المواطن الأربعة التي يطرد فيها حذف الفاعل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٢٦-
وبعد جره الذي أضيف له كمل بنصب أو برفع عمله
"وتابع المجرور" فاعلا كان المجرور أو مفعولا "يجر على اللفط، أو يحمل على المحل، فيرفع" إن كان المجرور فاعلا، "كقوله"؛ وهو لبيد العامري؛ يصف حمارًا وأتانًا وحشيين: [من الكامل]
٥٨٤-
حتى تهجر في الرواح وهاجها طلب المعقب حقه المظلوم
فـ"طلب" بالنصب: مصدر مفعول مطلق نوعي مضاف إلى فاعله، وهو "المعقب" بكسر القاف: وهو الغريم، لأنه يأتي عقب غريمه، و"حقه" مفعول المصدر، و"المظلوم" بالرفع، نعت لـ"المعقب"،على محله؛ أي: كما يطلب المعقب المظلوم حقه. "وينصب" إن كان المجرور مفعولا، "كقوله" وهو زياد العنبري٣ لا رؤبة:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في المسند ٢/ ٢٦، ٩٣، ٤/ ٣٦٣. ٢ في "ب"، "ط": "ذكرًا".
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٣٥٤. ٣ في "ط": "العنتري".
[ ٢ / ٩ ]
[من الرجز]
٥٨٥-
قد كنت دانيت بها حسانا مخافة الإفلاس والليانا
فـ"مخافة" مفعول لأجله، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، والفاعل محذوف، أي: مخافتي الإفلاس، و"الليان" بكسر السلام وفتحها، وهو الأكثر: المطل بالدين؛ معطوف بالنصب على محل الإفلاس، وإلى ذلك إشار الناظم بقوله:
٤٢٧-
وجر ما يتبع ما جر ومن راعي في الإتباع المحل فحسن
هذا مذهب الكوفيين وبعض البصرين، ومذهب سيبويه١ والجمهور منع الإتباع على المحل وما جاء من ذلك مؤول.
قال المرادي٢: والظاهر الجواز لكثرة الشواهد على ذلك، والتأويل على خلاف الظاهر.
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٧، والكتاب ١/ ١٩١، ١٩٢، ولزياد العنبري في شرح المفصل ٦/ ٦٥، وله أو لرؤبة في الدرر ٢/ ٤٨٦، وشرح شواهد الإيضاح ص١٣١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٦٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٢٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢١٥، وخزانة الأدب ٥/ ١٠٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٠٥، وشرح الناظم ص٣٠٠، وشرح المفصل ٦/ ٦٩، ومغني اللبيب ٢/ ٤٧٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٥. ١ الكتاب ١/ ١٩١. ٢ شرح المرادي ٣/ ١٣.
[ ٢ / ١٠ ]
باب إعمال اسم الفاعل
مدخل
باب إعمال اسم الفاعل:
عمل فعله في التعدي واللزوم:
"وهو ما دل على الحدث والحدوث١ وفاعله"، فالدال على الحدث بمنزلة الجنس يشمل جميع الأوصاف والأفعال. "فخرج بـ" ذكر٢ "الحدوث٣" اسم التفضيل "نحو: أفضل و" الصفة المشبهة "نحو: حسن، فإنهما" لا يدلان على الحدوث، "وإنما يدلان على الثبوت، وخرج بذكر: فاعله" اسم مفعول "نحو: "مضروب، و" الفعل نحو: "قام" فإن اسم المفعول إنما يدل على المفعول لا على الفاعل، والفعل إنما يدل على الحدث والزمان بالوضع، لا على الفاعل، وإنما دل عليه بالالتزام.
وفي غالب النسخ تقديم الحدوث على الحدث، والصواب خلافه؛ لأن الفصل لا يتقدم على الجنس في اصطلاح أهل الميزان "فإن كان" اسم الفاعل "صلة لـ"أل" عمل" عمل فعله "مطلقًا"، ماضيًا كان أو غيره، معتمدًا أو غير معتمد، تقول: جاء الضارب زيدًا أمس أو الآن أو غدًا، وذلك لأن "أل" هذه موصولة "وضارب" حال محل "ضرب" إن أريد المضي، أو "يضرب" إن أريد غيره، والفعل في جميع الحالات، فكذا ما حل محله، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٣١-
وإن يكن صلة أل ففي المضي وغيره إعماله قد ارتضي
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب": "بالحدث".
[ ٢ / ١١ ]
"وإن لم يكن " اسم الفاعل صلة لـ"أل" "عمل" عمل فعله "بشرطين" عدميين، وبشرطين وجوديين: فالعدميان: أحدهما: أن لا يوصف، والثاني: أن لا يصغر، خلافًا للكسائي فيهما. والوجوديان:
"أحدهما: كونه للحال أو للاستقبال"؛ لأنه إنما عمل حملا على المضارع؛ لما بينهما من الشبه اللفظي والمعنوي؛ "لا للماضي"؛ لأنه لم يشبه لفظ الفعل الذي هو بمعناه، "خلافًا للكسائي" في إجازة عمله بمعنى الماضي، وتبعه على ذلك هشام وأبو جعفر وجماعة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] وجه الدلالة منه أن "باسط" بمعنى الماضي وعمل في "ذراعيه" النصب. "وقال" المانعون: "لا حجة له ولهم في "باسط ذراعيه" لأنه على" إرادة "حكاية الحال" الماضية، "فالمعنى: يبسط ذراعيه"، فيصح وقوع المضارع موقعه "بدليل" أن الواو في "وكلبهم" واو الحال؛ إذ يحسن أن يقال: جاء زيد وأبوه يضحك، ولا يحسن: وأبوه ضحك؛ "و" لذا قال ﷾: ﴿وَنُقَلِّبُهُم﴾ [الكهف: ١٨] بالمضارع الدال على الحال. "ولم يقل: وقلبناهم"، بالماضي، ومحل الخلاف في رفعه الظاهر ونصبه المفعول به، أما رفع الوصف الماضي الضمير المستتر فجائز اتفاقًا.
"و" الشرط الثاني: "اعتماده على استفهام أو نفي أو مخبر عنه أو موصوف" أو ذي حال؛ فالاستفهام والنفي "نحو: أضارب زيد عمرًا، وما ضارب زيد عمرًا، و" المخبر عنه نحو: "زيد ضارب أبوه عمرًا، و" الموصوف نحو: "مررت برجل ضارب أبوه عمرا" وذي الحال نحو: جاء زيد راكبا أبوه فرسًا.
"والاعتماد على المقدر" من الاستفهام والنفي والمخبر عنه والموصوف وذي الحال. "كالاعتماد على الملفوظ به" من ذلك "نحو: مهين زيد عمر أم مكرمه" فـ"مهين" رفع زيدا ونصب عما اعتمادًا على الاستفهام المقدر "أي: أمهين، ونحو: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ٦٩] فـ"مختلف" رفع "ألوانه" اعتمادا على الموصوف المقدر "أي: صنف مختلف ألوانه، وقوله"؛ وهو الأعشى ميمون: "من البسيط"
٥٨٦-
كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
_________________
(١) البيت للأعشى في ديوانه ص١١١، وتاج العروس "وعل"، وشرح ابن الناظم ص٣٠٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٢٩، وبلا نسبة في الأغاني ٩/ ١٤٩، وأوضح المسالك ٣/ ٢١٨، والرد على النحاة، ٧٤، وشرح الأشموني ٢/ ٣٤١، وشرح شذور الذهب ص٣٩٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٠٩، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٣٠.
[ ٢ / ١٢ ]
فـ"ناطح" نصب "صخرة" اعتمادًا على الموصوف المقدر؛ أي: كوعل ناطح.
والوعل، بفتح الواو مع فتح العين المهملة أو كسرها، كـ: فرس أو كتف، وقد يقال بضم الواو وكسر العين، كـ: دئل، وهو نادر، والمراد به هنا: تيس الجبل، بجيم وموحدة مفتوحتين، ويقال له الأيل، بفتح الهمزة وتشديد الياء المثناة آخر الحروف المكسورة. ويوهنها: يزعزعها.
"ومنه" أي: من الاعتماد على الموصوف المقدر: "يا طالعًا جبلا" فـ"طالعًا" نصب "جبلا" لاعتماده على الموصوف المقدر أي: يا رجلا طالعًا، وقول ابن مالك في النظم:
٤٢٩-
او حرف ندا أو نفيًا او جا صفه أو مسندا
تصريح منه "أنه اعتمد على حرف النداء"، وذلك "سهو" لأن المعتمد عليه ما يقرب الوصف من الفعل، وحرف النداء لا يصلح لذلك "لأنه مختص بالاسم" لكونه من علاماته، فكيف يكون مقربًا من الفعل؟ " قاله ابن الناظم بمعناه١، وإلى هذين الشرطين أشار الناظم بقوله:
٤٢٨-
كفعله اسم فاعل في العمل إن كان عن مضيه بمعزل
٤٢٩-
وولي استفهامًا او حرف ندا أو نفيًا او جا صفه أو مسندا
وأشار إلى الاعتماد على المقدر بقوله:
وفي المغني٢: أن اشتراط الاعتماد وكون الوصف بمعنى الحال أو الاستقبال إنما هو للعمل في المنصوب لا لمطلق العمل بدليلين: أحدهما: أنه يصح: زيد قائم أبوه أمس، والثاني: إنهم لم يشترطوا لصحة نحو: أقائم الزيدان، كون الوصف بمعنى الحال أو الاستقبال، انتهى. وذهب الأخفش إلى أنه يعمل وإن لم يعتمد على شيء من ذلك، واستدل بنحو قوله: [من الطويل] .
٥٨٧-
خبير بنو لهب
البيت وتقدم في باب المبتدأ أنه محمول على التقديم والتأخير.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٣٠١. ٢ مغني اللبيب ٢/ ٤٧٠.
(٢) تقدم تخريجه برقم ١٣٨ وتمامه: خبير بنو لهب فلا تك ملغيًا مقالة اللهبي إذا الطير مرت
[ ٢ / ١٣ ]
فصل:
"تحول١ صيغة فاعل للمبالغة" في الفعل "والتكثير" فيه "إلى" خمسة أوزان: "فعال"، بفتح الفاء وتشديد العين، كـ: ضراب، "أو فعول"، بفتح الفاء، كـ: ضروب، "أو: مفعال"، بكسر الميم، كـ: مضراب، "بكثرة"، وإليها أشار الناظم بقوله:
٤٣٢-
فعال أو مفعال أو فعول في كثرة عن فاعل بديل
"وإلى: فعيل" بفتح الفاء وكسر العين وبعدها ياء كـ: ضريب، "أو: فعل" بفتح الفاء وكسر العين من غير ياء، كـ: ضرب، "بقلة"، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٤٣٣-
وفي فعيل قل ذا وفعل
وتسمى هذه الخمسة أمثلة المبالغة، "فيعملن عمله بشروطه" المتقدمة، وإلى ذلك يشير قول الناظم.
٤٣٣-
فيستحق ما له من عمل
"قال" القلاخ بالقاف المضمومة وبالخاء المعجمة: [من الطويل]
٥٨٨-
أخا الحرب لباسا إليها جلالها وليس بولاج الخوالف أعقلا
فنصب "جلالها" بـ: لباس، لاعتماده على صاحب الحال، وذلك لأن "أخا الحرب" و"لباس" حالان تقدم صاحبهما في البيت قبله٢، وأراد بـ: الجلال؛ بالجيم؛ ما
_________________
(١) ١ في "ب": "تحويل".
(٢) البيت للقلاخ بن حزن في خزانة الأدب ٨/ ١٥٧، والدرر ٢/ ٣١٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٦٣، وشرح المفصل ٦/ ٧٩، ٨٠، والكتاب ١/ ١١١، ولسان العرب ١١/ ٨٣ "ثعل"، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٣٥، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣١٩، وأوضح المسالك ٣/ ٢٢٠، وشرح ابن الناظم ص٣٠٣، وشرح الأشموني ١/ ٣٤٢، وشرح التسهيل ٣/ ٧٩، وشرح شذور الذهب ص٣٩٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ١١٢، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٣٢، والمقتضب ٢/ ١١٣، وهمع الهوامع ٢/ ٩٦. ٢ البيت هو: فإن تك فاتتك السماء فإنني بأرفع ما حولي من الأرض أطولا انظر المقاصد النحوية ٣/ ٥٣٥.
[ ٢ / ١٤ ]
يلبس في الحرب من الدروع والجواشن، والولاج: مبالغة في "والج" من الولوج: وهو الدخول، والخوالف؛ بالخاء المعجمة: جمع خالفة، وهي في الأصل عماد البيت، وأراد بها البيت نفسه. وأعقلا؛ بالعين المهملة وبالقاف: من العقل، يقال: أعقل الرجل، إذا اضطربت رجلاه من الفزع، ونصبه على الحال أو على الخيرية لـ: ليس، إن لم يمنع تعداد خبرها. والمراد أنه ثابت القدم في الحرب. وبينه وبينها مؤاخاة؛ وإذا قامت الحرب لا يلج البيت ولا يستتر فيه، بل يظهر ويحارب.
"وقال" أبو طالب عم النبي -ﷺ- في مرثية ختنه أبي أمية بن المغيرة المخزومي: [من الطويل] .
٥٨٩-
ضروب بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنك عاقر
فنصب "سوق" جمع "ساق" بـ: ضروب؛ لاعتماده على ذي خبر محذوف؛ أي: هو ضروب، أو: أنت ضروب. ونصل السيف: شفرته؛ ولذلك أضافه إلى السيف، وقد يسمى السيف كله نصلا. والمراد: أنه كان يعرقب الإبل السمان للضيفان عند عدم الزاد.
"وحكى سيبويه" بمعناه: "إنه لمنحار بوائكها١"، فنصب "بوائكها" جمع "بائكة" وهي السمينة الحسناء من النوق؛ بـ: منحار؛ بالحاء المهملة، مبالغة في "ناحر" لاعتماده على مخبر عنه وهو اسم "إن". "وقال" عبيد الله بن قيس الرقيات: [من الطويل]
٥٩٠-
فتاتان أما منهما فشبيهة هلالا وأخرى منهما تشبه البدرا
فنصب "هلالا" بـ: شبيهة، مبالغة في "مشبهة" لاعتمادها على ذي خبر محذوف، تقديره: أما فتاة منهما فشبيهة هلالا. "وقال" زيد الخيل؛ سمي بذلك لأنه كان له
_________________
(١) البيت لأبي طالب بن عبد المطلب في خزانة الأدب ٤/ ٢٤٢، ٢٤٥، ٨/ ١٤٦، ١٤٧، ١٥٧، والدرر ٢/ ٣١٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٧٠، وشرح شذور الذهب ص٣٩٣، وشرح المفصل ٦/ ٧٠، والكتاب ١/ ١١١، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٣٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٢١، وشرح الأشموني ٢/ ٣٤٢، وشرح قطر الندى ص٢٧٥، والمقتضب ٢/ ١١٤، وهمع الهوامع ٢/ ٩٧. ١ الكتاب ١/ ١١٢، وهو من شواهد شرح ابن الناظم ص٣٠٣، وشرح ابن عقيل ٢/ ١١٣.
(٢) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات في ديوانه ص٣٤، وفيه: "الشمسا" مكان "البدرا" وشرح التسهيل ٣/ ٨١، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٣٧، وشرح ابن الناظم ص٣٠٤، وشرح عمدة الحافظ ص٦٨٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٤٢.
[ ٢ / ١٥ ]
خمسة أفراس مشهورة فأضيف إليها، وسماه رسول الله -ﷺ- زيد الخير؛ بالراء: [من الوافر]
٥٩١-
أتاني أنهم مزقون عرضي جحاش الكرملين لها فديد
فنصب "عرضي" بـ: مزقون، جمع "مزق" بالزاي، مبالغة في "مازق" لاعتماده على اسم "أن المفتوحة على الفاعلية لـ: أتاني.
وعرض الرجل: جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه، والجحاش، بجيم ثم حاء مهملة وآخره شين معجمة، جمع جحش؛ وهو الصغير من الحمير؛ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم جحاش، والكرملين؛ بكسر الكاف وفتح اللام: اسم ماء في جبل طيئ، والفديد؛ بالفاء، الصياح والتصويت.
يقول: إن هؤلاء القوم عندي بمنزلة جحوش هذا الموضع الذي يصوت عنده. وإعمال أمثلة المبالغة قول سيبويه وأصحابه، وحجتهم في ذلك السماع والحمل على أصلها، وهو اسم الفاعل؛ لأنها متحولة عنه لقصد المبالغة، ولم يجز الكوفيون إعمال شيء منها لمخالفتها لأوزان المضارع ولمعناه، وحملوا المنصوب بعدها على تقدير فعل، ومنعوا تقديمه عليها، ويرد عليهم قول العرب: أما العسل فأنا شراب١.
ولم يجز بعض البصريين إعمال فعيل وفعل، وأجاز الجرمي إعمال فعل دون فعيل؛ لأنه على وزن الفعل، كـ: علم وفهم وفطن.
_________________
(١) البيت لزيد الخيل في ديوانه ص١٧٦، وخزانة الأدب ٨/ ١٦٩، والدرر ٢/ ٣١٩، وشرح ابن الناظم ص٣٠٥، وشرح شذور الذهب ص٣٩٤، وشرح عمدة الحافظ ص٦٨٠، وشرح المفصل ٦/ ٧٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٤٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٢٤، وشرح الأشموني ٢/ ٣٤٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ١١٥، وشرح قطر الندى ص٢٧٥، والمقرب ١/ ١٢٨. ١ الكتاب ١/ ١١١، وشرح ابن عقيل ٢/ ١١١، وشرح ابن الناظم ص٣٠٣.
[ ٢ / ١٦ ]
فصل:
"تثنية اسم الفاعل وجمعه" تصحيحًا وتكسيرًا وتذكيرًا وتأنيثًا، "وتثنية أمثلة المبالغة وجمعها كمفردهن في العمل والشروط"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٣٤-
وما سوى المفرد مثله جعل في الحكم والشروط حيثما عمل
"قال الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ﴾ " [الأحزاب: ٣٥] فـ: الذاكرين: جمع ذاكر، وفاعله مستتر فيه، والجلالة: منصوبة به، ولا يحتاج إلى شرط لاقترانه بـ"أل".
"وقال الله تعالى: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ " [الزمر: ٣٨] فـ: كاشفات: جمع كاشفة، وفاعلها مستتر فيها، وضره: مفعولها، وهي معتمدة على المخبر عنه وهو: هن.
"وقال" تعالى: " ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ " [القمر: ٧] فـ: خشعًا؛ جمع خاشع؛ جمع تكسير في قراءة غير أبي عمرو وحمزة والكسائي١، وأبصارهم: فاعل به لاعتماده على صاحب الحال.
"وقال" عنترة العبسي: [من الكامل]
٥٩٢-
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إلا لم القهما دمي
فـ"دمي": منصوب بـ: الناذرين، هما تثنية "ناذر" بالذال المعجمة، وأراد بهما ابني ضمضم؛ حصينا ومرة، وأراد بـ"دمي": قتلي. والمعنى أنهما ينذران على أنفسهما في الخلاء أنهما إذا لقياه قتلاه، فإذا لقياه أمسكا عنه هيبة له وجبنا منهما. "وقال" طرفة بن العبد: [من الرمل]
_________________
(١) ١ هي قراءة الأعرج وقتادة والجمهور، أما أبو عمرو وحمزة والكسائي فقرءوا: "خاشعًا" بالإفراد. انظر المحيط ٨/ ١٧٥، والنشر ٢/ ٣٨٠.
(٢) البيت لعنترة في ديوانه ٢٢٢، والأغاني ٩/ ٢١٢، والشعر والشعراء ١/ ٢٥٩، ومعاني القرآن للأخفش ١/ ٣٨٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٥١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٢٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٩.
[ ٢ / ١٧ ]
٥٩٣-
ثم زادوا أنهم في قومهم غفر ذنبهم غير فخر
"غفر١" بضم الغين والفاء: "جمع: غفور" من أمثلة المبالغة، وفاعله مستتر فيه، "وذنبهم: مفعوله"، واعتماده على اسم "أن" المفتوحة على تقدير الباء، وفخر؛ بالخاء المعجمة: جمع "فخور" من الافتخار. ومعناه: أنهم زادوا على غيرهم بأنهم لا يفخرون بشرفهم، ولا يعجبون بنفوسهم، ولكنهم يتواضعون للناس. ويروى "فجر" بالجيم، جمع "فجور" من الفجور، وهو الكثير الفسق، ويقع على القليل والكثير يقال: فجر الرجل: إذا كذب. ومعناه: أنهم لا يفسقون ولا يكذبون. قاله ابن السيد في شرح أبيات الجمل.
_________________
(١) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص٥٥، وخزانة الأدب ٨/ ١٨٨، والدرر ٢/ ٣٢١، وشرح ابن الناظم ص٣٠٥، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٦٨، وشرح التسهيل ٣/ ٨٠، وشرح عمدة الحافظ ص٦٨٢، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٤١، وشرح المفصل ٦/ ٧٤، ٧٥، والكتاب ١/ ١١٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٤٨، ونوادر أبي زيد ص١٠، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٣٥٧، وأوضح المسالك ٣/ ٢٢٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣٤٣، وشرح ابن عقيل "٢/ ١١٧، وهمع الهوامع ٢/ ٩٧. ١ سقطت من "ب".
[ ٢ / ١٨ ]
فصل:
"يجوز في الاسم الفضلة الذي يتلو الوصف العامل أن ينتصب به" أي: بالوصف، "وأن ينخفض بإضافته إليه" للتخفيف، مفردًا كان الوصف أو جمعًا، "وقد قرئ" في السبع: " ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] و: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨]؛ بالوجهين" النصب والخفض؛ فالنصب على المفعولية، والخفض بالإضافة، فالآية الأولى قرأها حفص بالخفض١، والباقون بالنصب٢، والثانية قرأها غير أبي عمرو بالخفض١، وأبو عمرو وحده بالنصب٣، وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٣٥-
وانصب بذي الإعمال تلوا واخفض
"وأما ما عد التالي" للوصف "فيجب نصبه" لتعذر الإضافة بالفصل بالتالي، وإليه يشير قول الناظم:
٥٤٣-
وهو لنصب ما سواه مقتضي
"نحو: خليفة، من قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ " [البقرة: ٣٠] وفي بعض النسخ: "وسكنا" من: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] والصواب حذفها؛ لأن الوصف فيها غير عامل كما يأتي على الأثر، وإذا أتبع المجرور بالوصف بأحد التوابع الخمسة "فالوجه جر التابع على اللفظ، فتقول: هذا ضارب زيد وعمرو"، بالخفض عطفًا على لفظ زيد، "ويجوز نصبه بإضمار وصف منون، أو فعل اتفاقًا" أي: وضارب عمرًا، أو يضرب عمرًا، "و" يجوز نصبه "بالعطف على المحل عند بعضهم"، وهم الكوفيون
_________________
(١) ١ أي كما في الرسم المصحفي. ٢ قرأها بالنصب: نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف. انظر الإتحاف ص٤١٨، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ١٦٣، والنشر ٢/ ٢٨٨. ٣ ليس أبو عمرو وحده قرأها بالنصب، فقد قرأها مثله: عاصم والكسائي والحسن وابن محيصن وشيبة وشعبة ويعقوب والأعرج ويحيى بن وثاب. انظر الإتحاف ص٣٧٦، والبحر ٧/، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٤٢٠، والنشر ٢/ ٣٦٣.
[ ٢ / ١٩ ]
وطائفة من البصريين، خلافًا لسيبويه وجمهور البصريين، ويحتمل المذهبين قول الناظم:
٤٣٦-
واجرر أو انصب تابع الذي انخفض كمبتغي جاه ومالا من نهض
"ويتعين إضمار الفعل إن كان الوصف غير عامل" بأن١ كان بمعنى الماضي، "فينصب: الشمس في: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ﴾ [الأنعام: ٩٦] بإضمار: جعل" أي: بإضمار فعل مناسب لمعنى الوصف "لا غير"؛ أي: لا غير الفعل يجوز إضماره، فليس لك أن تجعلها منصوبة بإضمار وصف منون، ولا بالعطف على المحل؛ لأن الوصف المذكور غير عامل؛ لكونه بمعنى الماضي، "إلا إن قدر "جاعل" على حكاية الحال"، فيجوز نصبها بإضمار وصف منون، أو بالعطف على محل "الليل" لأن "جاعل" على هذا عامل لكونه بمعنى "يجعل".
وأما إذا كان اسم الفاعل بمعنى الاستمرار في جميع الأزمنة ففي إضافته اعتباران: أحدهما: أنها محضة، باعتبار معنى المضي فيه، وبهذا الاعتبار يقع صفة للمعرفة ولا يعمل.
وثانيهما: أنها غير محضة باعتبار معنى الحال أو الاستقبال، وبهذا الاعتبار يقع صفة للنكرة، ويعمل فيما أضيف إليه. قال اليمني في شرح الكشاف٢.
فعلى هذا يجوز أن تكون "الشمس" معطوفة على محل "الليل" باعتبار عمل "جاعل" فيه لصدقه على الحال والاستقبال، وأن تكون منصوبة بإضمار فعل ماض، باعتبار عدم عمله فيه، لصدقه على الماضي، وعلى هذا يحمل تجويز الزمخشري كون "الشمس" معطوفة على محل "الليل".
تنبيه: إذا قصد باسم الفاعل معنى الثبوت عومل معاملة الصفة المشبهة في رفع السببي؛ ونصبه على التشبيه بالمفعول به، إذا كان معرفة، وعلى التمييز إن كان نكرة، وجره بالإضافة، وهو في ذلك على ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يجوز ذلك فيه اتفاقًا، وهو ما أخذ من فعل قاصر كـ: طاهر القلب.
والثاني: ما يمتنع ذلك فيه اتفاقًا، وهو ما يتعدى لأكثر من واحد.
والثالث: ما اختلف فيه، وهو ما يتعدى لواحد؛ فقال الأخفش بالجواز مطلقًا، وبعضهم بالمنع مطلقًا، وقال ابن عصفور وابن أبي الربيع: إن حذف مفعوله
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ كشف غوامض الكشاف ص١٤٠.
[ ٢ / ٢٠ ]
اقتصارًا جاز، وإلا امتنع، وهو الصحيح الذي يشهد به القياس والاستعمال. وشرط ابن مالك فيه أمن اللبس١، كقولك: فلان ظالم العبيد، أي أن عبيده ظالمون، وذلك إذا قتله مثلا بعد قول القائل: ليس عبيد فلان ظالمين، فحينئذ يجوز: ظالم العبيد، بالرفع، وظالم العبيد، بالنصب، وظالم العبيد، بالجر، كما في: الحسن الوجه، برفع الوجه ونصبه وخفضه، وشاهده من اللازم قول عبد الله بن رواحة: [من الطويل]
٥٩٤-
تباركت أني من عذابك خائف وأني إليك تائب النفس باخع
وشاهده من المتعدي لواحد قول الآخر: [من البسيط]
٥٩٥-
ما الراحم القلب ظلامًا وإن ظلما ولا الكريم بمناع وإن حرما
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٤١.
(٢) البيت لعبد الله بن رواحة في شرح التسهيل ٣/ ٩١، ١٠٤، وبلا نسبة في الدرر ٢/ ٣٣٤، وهمع الهوامع ٢/ ٩٩، ١٠١.
(٣) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ٣٣٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٤٦، وشرح التسهيل ٣/ ١٠٤، والمقاصد النحوية ٣/ ٦١٨، وهمع الهوامع ٢/ ١٠١.
[ ٢ / ٢١ ]
باب إعمال اسم المفعول:
"وهو ما دل على حدث ومفعوله"، فخرج بقوله: "ومفعوله" ما عدا اسم المفعول من الصفات والمصادر والأفعال الدالة على الأحداث، ويكون من الثلاثي المجرد، "كـ: مضروب، و" من المزيد فيه نحو: "مكرم"، بفتح الراء، ومن الرباعي المجرد كـ: مدحرج، ومن المزيد فيه: كـ: متدحرج.
"ويعمل عمل فعل المفعول" أي: الفعل المبني للمفعول، [وهو كاسم الفاعل في أنه إن كان" مقرونًا "بـ"أل" عمل مطلقًا"، لما تقدم من أنه واقع موقع الفعل لكونه صلة "أل"١ والفعل يعمل مطلقًا] ٢.
"وإن كان مجردًا" من "أل" عمل "بشرط الاعتماد" على الاستفهام أو النفي أو المميز عنه أو الموصوف أو ذي الحال، "و" بشرط "كونه للحال أو للاستقبال"، لا للماضي، كما مر في اسم الفاعل حرفًا بحرف، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٣٧-
وكل ما قرر لاسم فاعل يعطى اسم مفعول بلا تفاضل
٤٣٨-
فهو كفعل صيغ للمفعول في معناه
"تقول" في المجرد من "أل" المعتمد على المخبر عنه: "زيد معطى أبوه درهما الآن أو غدًا". فـ: زيد: مبتدأ، ومعطى: خبره، وهو اسم مفعول متعد لاثنين، وأبوه: نائب الفاعل به، وهو مفعوله الأول، ودرهمًا: مفعوله الثاني، "كما تقول" في الفعل المبني للمفعول: "زيد يعطى أبوه درهمًا"، بلا فرق.
_________________
(١) ١ سقطت من "أ". ٢ ما بين المعكوفين سقط من "ب".
[ ٢ / ٢٢ ]
"و" تقول في المقرون بـ"أل":
٤٣٨-
المعطى كفافًا يكتفي
كما مثل الناظم، وهو يحتمل الأزمنة الثلاثة، "كما تقول: الذي يعطى"، إن أردت الحال أو الاستقبال، "أو: أعطي"، إن أردت الماضي، "فـ: المعطى: مبتدأ"، وهو متعد لاثنين، "ومفعوله الأول" القائم مقام الفاعل ضمير "مستتر" فيه "عائد إلى: إل" الموصولة به، "وكفافًا: مفعول ثان، و" جملة "يكتفي" من الفعل والفاعل: "خبر" المبتدأ.
"وينفرد اسم المفعول" المتعدي إلى واحد إذا أريد به معنى الثبوت عن اسم المفعول. المراد به الحدوث، كما انفرد به١ اسم الفاعل المراد به الثبوت "عن اسم الفاعل" المراد به الحدوث٢ "بجواز" معاملته معاملة الصفة المشبهة.
قال في التسهيل٣ في آخر باب الصفة المشبهة: وإن قصد ثبوت معنى٤ اسم الفاعل عومل معاملة الصفة المشبهة. والأصح أن يجعل اسم مفعول المتعدي إلى واحد من هذا الباب. انتهى.
يعني: باب الصفة المشبهة، وتقدم الكلام على اسم الفاعل مستوفى قبيل هذا الباب.
وأما اسم المفعول إذا جرى مجرى الصفة المشبهة فإنه يرفع السببي على الفاعلية على ما يقتضيه حال الصفة المشبهة، لا على النيابة عن الفاعل، كما يقتضيه حال اسم المفعول. قال الموضح في الحواشي، ومن خطه نقلت، وعقبه بقوله: ويسأل هنا فيقال: هلا قيل: إن الرفع ليس على أن الصفة مشبهة، بل على ما يقتضيه حال اسم المفعول؟ انتهى. ويجاب بأن حال اسم المفعول إنما يراعى إذا أريد به معنى الحدوث، أما إذا أريد به معنى الثبوت فإنه يرفع السببي على الفاعلية، وينصبه٥ على التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة، وعلى التمييز إن كان نكرة، ويجره بالإضافة، وعلى ذلك جاءت الشواهد؛ فمن شواهد الرفع قوله: [من الطويل]
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ سقط من "ط" قوله: "عن اسم الفاعل المراد به الحدوث". ٣ التسهيل ص١٤١. ٤ سقطت من "ب". ٥ في "ب": "وينصب السببي".
[ ٢ / ٢٣ ]
٥٩٦-
بثوب ودينار وشاة ودرهم فهل أنت مرفوع بما ههنا راس
ومن شواهد النصب قوله: [من الكامل]
٥٩٧-
لو صنت طرفك لم ترع بصفاتها لما بدت مجلوة وجناتها
ومن شواهد الجر: [من الطويل] .
٥٩٨-
تمنى لقائي الجون مغرور نفسه فلما رآني ارتاع ثمت عردا
"فجواز إضافته إلى ما هو مرفوع به في المعنى" مسبوق بالنصب، "ذلك بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير راجع للموصوف" باسم المفعول١، ونصب الاسم المرفوع به "على التشبيه" بالمفعول به، إذا لا يصح إضافة الوصف لمرفوعه؛ لأنه عينه في المعنى، فيلزم إضافة الشيء إلى نفسه، ولا يصح حذفه لعدم الاستغناء عنه٢، فلم يبق طريق إلى إضافته لمرفوعه٣ إلا بأن يحول الإسناد عنه إلى ضمير يعود إلى صاحب الوصف، ثم ينصب المرفوع المحول عنه الإسناد؛ لأنه بعد تحويل الإسناد عنه أشبه الفضلة لاستغناء الوصف عنه بضمير الموصوف، فينصب انتصابها، ثم يجر بالإضافة فرارًا من قبح إجراء وصف المتعدي لواحد مجرى وصف المتعدي لاثنين، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٤٣٩-
وقد يضاف ذا إلى اسم مرتفع معنى كمحمود المقاصد الورع
والأصل أنك "تقول: الورع محمودة مقاصده" بالرفع "ثم" تحول الإسناد عن المرفوع إلى الضمير المضاف إليه وهو الهاء، فيستتر في "محمود" ويعوض منه "أل" على رأي الكوفيين، فتنصبه و"تقول: الورع محمود المقاصد، بالنصب، ثم" بعد أن تنصب "المقاصد" تجرها و"تقول: الورع محمود المقاصد" بالجر، بعد ثلاثة أعمال، وقد تبين أن هذه الأوجه٤ أصلها الرفع وهو دونها في المعنى، ويتفرع عنه النصب، ويتفرع عن النصب الجر.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ٣٢٨، ٣٢٩، وشرح التسهيل ٣/ ١٠٥، وهمع الهوامع ٢/ ٩٩، ١٠١.
(٢) البيت لعمر بن لحاء التميمي في الدرر ٢/ ٣٣٠، وبلا نسبة في شرح التسهيل ٣/ ١٠٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٠١.
(٣) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ٣٣٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٠١. ١ في "ب": "للموصوف به اسم المفعول". ٢ في "ب": "به". ٣ في "ب": "لإضافته إلى مرفوعه". ٤ في "ب": "أن أوجه المعمول الثلاثة".
[ ٢ / ٢٤ ]
هذا باب أبنية مصادر الفعل "الثلاثي" المجرد:
"اعلم أن للفعل الثلاثي" المجرد١ "ثلاثة أوزان"، لا رابع لها:
"فَعَلَ، بالفتح" في عينه "ويكون متعديًا كـ: ضربه"، فإنه متعد إلى الهاء المتصلة به١، "وقاصرًا كـ: قعد. وفَعِلَ، بالكسر" في عينه "ويكون قاصرًا كـ: سَلِمَ"، بكسر اللام، "ومتعديًا كـ: علمه"، فإنه متعد إلى الهاء، ولو مثل بـ: فَهِمَه، كان أولى، لما سيأتي، وقدم الغالب في المفتوح والمكسور على غير الغالب فيهما، "وفعُل، بالضم" في عينه، "ولا يكون إلا قاصرًا"، ولا يتعدى إلا بتضمين أو تحويل، "كـ: ظرُف"، بضم الراء.
"فأما فعَل" المفتوح العين، "وفعِل" المكسور العين "المتعديان فقياس مصدرهما الفَعْل" بفتح الفاء وسكون العين، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٤٠-
فعل قياس مصدر المعدي من ذي ثلاثة
والمراد بـ"القياس" هنا أنه إذا ورد شيء ولم تعلم كيف تكلموا بمصدره فإنك تقيسه على هذا، إلا أنك تقيس مع وجود السماع. قال ذلك سيبويه والأخفش والجمهور٢.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ في شرح ابن عقيل ٢/ ١٢٣: "الفعل الثلاثي المتعدي يجيء مصدره على "فعل" قياسًا مطردًا، نص على ذلك سيبويه في مواضع؛ فتقول: رد ردًا، وضرب ضربًا، وفهم فهمًا، وزعم بعضهم أنه لا يقاس، وهو غير سديد".
[ ٢ / ٢٥ ]
"فالأول" وهو فعل المفتوح العين المتعدي يشمل الصحيح والمعتل بالفاء أو العين أو اللام والمضاعف والمهموز "كـ: الأكل"، مصدر "أكل" "و" الصحيح نحو: "الضرب" مصدر "ضرب" "و" المضاعف نحو: "الرد"، مصدر "رد" ومعتل الفاء كـ: الوعد مصدر وعد، ومعتل العين كـ: البيع، مصدر "باع"، ومعتل اللام كـ: الرمي، مصدر "رمى".
"والثاني": وهو "فعل" المكسور العين المتعدي كذلك؛ فالصحيح "كـ: الفهم"، مصدر فهم، واللثم: مصدر "لثم" "و" مهموز الفاء نحو: "الأمن"، مصدر "أمن"، والمضاعف نحو: المس، ومعتل الفاء كـ: الوطء، ومعتل العين نحو: الخوف، ومعتل اللام نحو: الفني، يقال: فني حياءه فنيا: لزمه، وأطلق ذلك تبعًا لسيبويه والأخفش، وقيده ابن مالك في التسهيل١ بأن يفهم عملا بالفم نحو: شرب شربًا، ولقم لقمًا.
"وأما فعل" المكسور العين "القاصر فقياس مصدره: الفعل" بفتح الفاء والعين، وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٤١-
وفعِل اللازم بابه فعلْ
ويكون في الصحيح والمهموز والمعتل بأنواعه والمضاعف.
فالصحيح "كـ: الفرح"، مصدر "فرح" "و" المهموز نحو: "الأشر٢"، مصدر "أشر"٣ ومعتل الفاء كـ: الوجع، ومعتل العين كـ: العور، "و" معتل اللام نحو: "الجوى، و" المضاعف نحو: "الشلل"، مصدر "شلل" "إلا أن دل" "فعل" القاصر "على حرفة أو ولاية فقياسه الفعالة"، بكسر الفاء "كـ: ولي عليهم ولاية"، وعداه بـ"على" لتصحيح التمثيل، أما إذا تعدى بنفسه نحو: ولي أمرهم، فلا؛ لأن الكلام في القاصم لا في المتعدي٤.
ولم يمثل للحرفة استغناء بتمثيل "الولاية" لأن الولايات في معنى الحرف لكنه لم يكتف بذلك في "فعل" المفتوح بل مثل لها، كما سيأتي.
_________________
(١) ١ التسهيل ص٢٠٥. ٢ في "ب": "الأسر". ٣ في "ب": "أسر". ٤ في "ب": "فلأن كان الكلام في القاصر لا في المتعدي".
[ ٢ / ٢٦ ]
وبقي عليه أن يقول: وإلا إن دل على لون فقياسه "فُعْلة" كـ: الحمرة والسمرة والأدمة.
وقال ابن الحاج١: إن كان علاجًا٢ ووصفه على فاعل فقياس مصدره الفعول نحو: القدوم والأزوف والعسول والصعود، مصادر: قدم من السفر وأزف الشيء، وعسل بالشيء: أي: لزمه ولصق به، وصعد في الجبل. قال: وهذا مقتضى قول سيبويه٣، وقد غفل عنه أكثرهم. انتهى.
"وأما فَعَل" المفتوح العين القاصر "فقياس مصدره: الفعول" بضم الفاء والعين، "كـ: القعود والجلوس والخروج" والدخول، وفي انقياسه ثلاثة مذاهب، ثالثها: أنه ينقاس فيما لم يسمع، وهو الصحيح، وإليه يشير قول الناظم:
٤٤٢-
وفعل اللازم مثل قعدا له فعول باطراد
وقال بن الحاج: "يقل في معتل العين كـ: غار وسار وغاب وآب، وإنما يفرون من ذلك إلى "الفَعْل" كـ: الصوم والعود والأوب والخيم، وهو الجبن٤، والحيض والغيم"٥. انتهى.
"إلا إن دل على امتناع فقياس مصدره: الفعال" بكسر الفاء "كـ: الإباء": مصدر "أبى" و"النفار": مصدر "نفر" "والجماح": مصدر "جمح" "والإباق" مصدر: "أبق". واعترض الإباء بأنه متعد، أبيت الشيء: إذا كرهته، والكلام في اللازم.
"أو" دل "على تقلب" واهتزاز "فقياس مصدره: الفعلان" بفتح الفاء والعين، "كـ: الجولان": مصدر "جال" و"الغليان": مصدر "غلى".
"أو" دل "على سير فقياسه: الفعيل" بفتح الفاء، "كـ: الرحيل": مصدر "رحل" و"الذميل": مصدر "ذمل".
_________________
(١) ١ في "ب": "ابن الحجاج". ٢ في "ب": "علاجيًّا". ٣ الكتاب ٤/ ٥٠. ٤ في "ب": "الحس". ٥ انظر قول ابن الحجاج في الارتشاف ١/ ٢٢٤.
[ ٢ / ٢٧ ]
"أو" دل "على صوت فقياسه: الفُعَال" بضم الفاء، "أو: الفعيل" بفتح الفاء؛ فالأول "كـ: الصراخ": مصدر "صرخ" "والعواء" بالمد: مصدر "عوى". "و" الثاني نحو: "الصهيل": مصدر "صهل الفرس" "والنهيق": مصدر "نهق الحمار" "والزئير١" بزاي فهمزة مكسورة مصدر "زار الأسد" وإلى هذه المستثنيات أشار الناظم بقوله:
٤٤٣-
ما لم يكن مستوجبا فعالا
الأبيات الثلاثة٢.
"أو" دل "على حرفة أو ولاية فقياسه: الفعالة" بكسر الفاء؛ فالحرفة "كـ: تجر" في المال "تجارة" بالمثناة الفوقانية أوله، وليس منه: نجر الخشب بالقدوم، نجارة، بكسر النون، "وخاط" الثوب "خياطة" لأنهما متعديان، والكلام في القاصر والولاية نحو: أمر عليهم إمارة: إذا حكم، "وسفر بينهم سفارة: إذا أصلح"، وعرف على القوم عرافة: إذا تكلم عليهم، وأبل إبالة: إذا قام بمصالح الإبل، وذكر ابن عصفور أن "فعالة" مقيس في الولايات والصنائع.
والحاصل أن "فعل" القاصر يطرد في مصدره "فعول" إلا في هذه المعاني السبعة وهي: الامتناع والتقلب والداء والصوت والسير والحرفة والولاية.
والغالب في الامتناع أن "فَعَال" وفي التقلب "فَعَلان" وفي الداء "فَعَال" وفي الصوت "فُعَال" أو "فَعِيل" وقد يجتمعان نحو: نعق نعاقًا ونعيقًا، وقد ينفرد "فُعَال" نحو: بغم بغامًا، وقد ينفرد "فعيل" نحو: صهل صهيلا، واطراد انفراد "فُعَال" في الرغاء٣، و"فعيل" في السير، واطرد في الولايات والحرف "فِعَالة".
"وأما "فَعُلَ" بالضم" في عينه "فقياس مصدره: الفُعُولة" بضم الفاء ["كـ: الصهوبة": مصدر "صهُب الشعر يصهُبُ" إذا احمر حمرة صافية، والصعوبة: مصدر "صعُبَ" ضد "سهُلَ"] ٤ "والسهولة": مصدر "سهُل الأمر" "والعُذُوبة":
_________________
(١) ١ وفي "ب": "والأزير". ٢ الأبيات الثلاثة هي:
(٢) أو فعلانا فادْرِ أو فُعَالا
(٣) فأول لذي امتناع كأبى والثاني للذي اقتضى تقلُّبَا
(٤) للِدّا فُعَال أو لصوت وشملْ سيرًا وصوتًا الفَعِيلُ كصَهَلْ ٣ في "ب": "رعاء". ٤ ما بين المعكوفين سقط من "ب"، "ط".
[ ٢ / ٢٨ ]
مصدر "عذُبَ الماء" و"الملوحة": مصدر "مَلُح". "والفَعَالة" بفتح الفاء "كـ: البلاغة": مصدر "بَلَغ" "والفصاحة": مصدر "فصح" "والصراحة" بمهملتين: مصدر "صرح"، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٤٤٦-
فُعُولة فَعَالة لِفَعُلا
وما جاء مخالفًا لما ذكرناه من المصادر القياسية فبابه السماع، وهو معنى قول الناظم:
٤٤٧-
وما أتى مخالفًا لما مضى فبابه النقل
وأراد بذلك أنه ينقل ولا يقاس عليه، "كقولهم في: فَعَل" المفتوح العين "المتعدي: جحده جحودًا وشكره شكورًا١ وشكرانًا"، والقياس: جحدا وشكرًا، "وقالوا: جحدًا على القياس" ولم يقولوا: شكرًا٢.
"و" كقولهم "في: فَعَلَ" المفتوح العين "القاصر: مات موتًا، وفاز فوزًا، وحكم حكمًا، وشاخ شيخوخة، ونم نميمة، وذهب ذَهابًا"، بفتح الذال المعجمة، والقياس فيها "فُعُول".
"و" كقولهم "في: فَعِل" المكسور العين المتعدي: عَلِم عِلما، بكسر العين والقياس فتحها، وكقولهم في "فَعِل" المكسور العين "القاصر: رَغِب رَغَبُوتًا٣"، بزيادة الواو والتاء والقياس "رَغَبًا" بفتحتين٤، "ورضِيَ رِضًا"، بكسر الراء، "وبخل بخلا، وسخط سخطًا، بضم أولهما ويكون ثانيهما"، والقياس فيهن٥ فتح الأول والثاني، "وأما البخل والسخط؛ بفتحتين؛ فعلى القياس، كـ: الرَّغَب"، بفتح الراء والغين المعجمة.
"و" كقولهم "في: فَعُلَ" المضموم العين "نحو: حسُنَ حُسْنًا وقبُح قُبْحًا" بضم أولهما وسكون ثانيهما، وقياسهما الفُعُولة أو الفَعَالة٦.
_________________
(١) ١ في "ب": "شكرًا". ٢ سقط من "ب"، "ط": "ولم يقولوا شكرًا". ٣ في "أ": "رغوبًا"، وفي "ط" وأوضح المسالك ٣/ ٢٣٧، "رغوبة"، وكلاهما تصحيف، انظر لسان العرب ١/ ٤٢٢، "رغب". ٤ سقطت من "ب"، "ط". ٥ في "ب": "فيهما". ٦ سقطت من "ط".
[ ٢ / ٢٩ ]
"وذكر الزجاجي وابن عصفور أن: الفُعْل١" بضم الفاء وسكون العين "قياس في مصدر: فَعُلَ" المضموم، "وهو خلاف ما قاله سيبويه٢".
فهذه نُبذة من المصادر وهي كثيرة لا تكاد تنضبط، وذكر في التسهيل٣ منها تسعة وتسعين مصدرًا، منها أحد وعشرون٤، تنقسم ثلاث، كل ثلاثة متوازية فيما عدا حركة الفاء، وقد ذكرتُ أمثلتها في شرحي على التسهيل، فلينظر ثمة٤.
_________________
(١) ١ في "ط": "الفعلة". ٢ قال سيبويه في الكتاب ٤/ ٢٨: "وأما الفُعْل من هذه المصادر فنحو: الحسن والقبح، والفعالة أكثر". ٣ التسهيل ص٢٠٤-٢٠٥. ٤ في "ب": "تركت ذلك خوف الإطالة" مكان "فلينظر ثمة".
[ ٢ / ٣٠ ]
باب مصادر غير الثلاثي:
وهي مصادر الرباعي المجرد والمزيد فيه والمزيد من الثلاثي.
اعلم أنه "لا بد لكل فعل" ماض "غير ثلاثي من مصدر مقيس؛ فقياس" مصدر "فَعَّلَ؛ بالتشديد" من مزيد الثلاثي "إذا كان صحيح اللام "التَّفْعِيل" كـ: "التسليم": مصدر "سَلَّم" "والتكليم": مصدر "كلم" "والتطهير": مصدر "طهر" والتوحيد والتيسير والتحويل والتصيير، وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٤٨-
وغير ذي ثلاثة مقيس مصدره كقدس التقديس
"ومعتلها" أي: معتل اللام، فقياسه "التفعيل" "كذلك" أي كقياس صحيح اللام في التقدير، "ولكن تحذف ياء التفعيل" التي بعد العين وجوبًا، "وتعوض منها التاء" الدالة على التأنيث لكونها أقوى على قبول الحركات من حروف العلة١، "فيصير" بعد الحذف والتعويض "وزنه: التفْعِلة: كـ: التوصية" بالصاد المهملة: مصدر "وصى على أولاده" والتسمية": مصدر "سمى" والتزكية": مصدر "زكى ماله" وإليه الإشارة بقول الناظم:
٤٤٩-
وزكه تزكية
وقد يُفعل مثل ذلك في صحيح اللام نحو: ذكر تذكرة وجرب تجربة.
وقد يستغنون غالبًا من التفعيل بـ: تفعِلَة، فيما لامه همزة نحو: خطأ تخطئة، وهنأ تهنئة، وجزأ تجزئة، ووجهوه بأن مثل "تخطيئًا" يجوز فيه إبدال الهمزة ياء قياسًا مطردًا، لأنها همزة محركة٢ بعد ياء زائدة كـ: خطيئة، فلما اطرد الإبدال المذكور صارت
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ في "ط": "متحركة".
[ ٢ / ٣١ ]
اللام كأنها وضعت ياء، فالتحق بباب التعزية، ومن غير الغالب: تخطيئًَا وتهنيئًَا وتجزيئًا. حكاه غير سيبويه.
وحكى سيبويه: نبأ تنبيئًا. وزعم أبو زيد أن "التفعيل" فيه أكثر من "التفعلة" في كلام العرب، وظاهر كلام سيبويه أنه لا يجوز فيه إلا ما سُمِع، وبهذا أخذ الشلوبين فيما حكى ابن عصفور.
"وقياس: أفْعَلَ؛ إذا كان صحيح العين؛ الإِفْعَال" بكسر الهمزة "كـ: الإكرام": مصدر "أكرم"، "والإحسان": مصدر "أحسن"، والإيعاد: مصدر "أوعد"، والإيلاء: مصدر "آلى من زوجته"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٤٩-
وأجملا إجمال
"ومعتلها" أي: ومعتل العين قياسه "الإفعال" "كذلك" أي: كقياس صحيح العين، "ولكن تنقل حركتها" أي: حركة العين إلى الفاء الساكنة قبلها، "فتقلب" العين "ألفًا" لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فيلتقي ساكنان، وهما الألف المنقلبة عن العين وألف المصدر، "ثم تحذف الألف الثانية" عند الخليل وسيبويه١.
وذهب الأخفش والفراء إلى أن المحذوف إنما هي الألف الأولى٢؛ لأنها بمنزلة: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] ومذهب سيبويه أولى لزيادتها وقربها من الطرف.
"و" على القولين: "تعوض عنها التاء كـ: أقام إقامة، وأعان إعانة"،، وأصلها، إقوامًا وإعوانًا، فأُعِلا بالنقل والحذف والتعويض، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٤٥٠-
ثم أقم إقامة وغالبًا ذا التام لزم
"وقد تحذف التاء" للإضافة عند ابن مالك: "نحو: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٧] وفي الحديث: "كاستنار البدر" والأصل: وإقامة الصلاة، واستنارة البدر، فحذف التاء لسد المضاف إليه مسدها، وقد تحذف في غير الإضافة، حكى الأخفش: أجاب إجابًا٣.
"وقياس ما أوله همزة وصل" من الفعل الماضي الخماسي والسداسي "أن تكسر" أنت "ثالثه، وتزيد قبل آخره ألفا فينقلب مصدرًا، نحو: اقتدر اقتدارًا
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٣٥٤. ٢ انظر الممتع في التصريف ١/ ٤٧٩-٤٨٠. ٣ في شرح ابن الناظم ص٣١١: "ومنه ما حكاه الأخفش من قول بعضهم: أراه إراءً".
[ ٢ / ٣٢ ]
واصطفى اصطفاء١"، وهما من باب الافتعال، سلمت التاء في الأول وقلبت طاء في الثاني، لما سيجيء، "وانطلق انطلاقًا"، وهو من باب الانفعال٢، "واستخرج استخراجًا"، وهو من باب الاستفعال، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٥١-
وما يلي الآخر مد وافتحا مع كسر تلو الثان مما افتتحا
بهمزة وصل.
ولا بد من تقييد ما أوله همزة وصل، بأن لا يكون أصله تَفَاعل كـ: تطاير، ولا "تَفعَّل" كـ: تطير، إذا أدغم التاء في الطاء، واجتلبت همزة وصل، فإن مصدر ذلك لا يكسر ثالثه، ولا تزاد ألف قبل آخره، بل يضم الحرف التالية الأخير نظيرًا إلى الأصل٣، نحو: اطَّايَرَ يُطَّايَرُ اطَّايُرًا، واطَّيَّرَ يَطَيَّرُ٤ اطَّيُّرًا.
وجملة الأفعال الماضية التي أولهما همزة وصل؛ وفاقًا وخلافًا؛ خمسة وعشرون بناء، ولا تكون إلا خماسية أو سداسية، "فإن كان استفعل معتل العين عمل فيه ما" عمل "في مصدر أفعل المعتل العين" من نقل حركة العين إلى الفاء الساكنة قبلها، وقلب العين ألفًا، وحذفها لالتقاء الساكنين، وتعويض تاء التأنيث عنها، "فتقول: استقام استقامة، واستعاذ استعاذة"، والأصل، استقوامًا واستعواذًا، ففُعِلَ فيهما ما قررنا، وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٥٠-
واستعذ استعاذة
وجاء تنبيها على الأصل: أغيمت السماء إغيامًا، واستحوذ الشيطان استحواذًا، بالتصحيح.
"وقياس: تَفَعْلَلَ" مما أوله التاء "وما كان على وزنه٥" في الحركات والسكنات وعدد الأحرف، وإن لم يكن من بابه، "أن يضم رابعه، فيصير مصدرًا"، وإليه أشار النظام بقوله:
٤٥٢-
وضم ما يَرْبَعُ في أمثال قد تلملما
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن عقيل ٢/ ١٣٠. ٢ انظر الكتاب ٤/ ٧٩. ٣ في "ب" "إلى أن الأصل" بزيادة "أن". ٤ سقطت من "رب". ٥ في "ب": "وزانه".
[ ٢ / ٣٣ ]
ومجموع ذلك عشرة أبنية: تفَعْلَلَ وتَفَعَّلَ وتَفَيْعَلَ وتَمَفْعَلَ وتَفَعْلَيَ وتَفَاعَلَ وتُفُوعِلَ وَتفَعْنَلَ وتَفَعْوَلَ وتَفَعْلَتَ. "كـ: تدحرج تدحرجا، وتجمل تجملا، وتشيطن تشيطنا، وتمسكن تمسكنا"، وتَقَلْسَيَ تقلسيًا، وتغافل تغافلا، وتجورب تجوربًا، وتقلنس تقلنسا، وترهوك ترهوكا، وتعفرت تعفرتا.
"ويجب إبدال الضمة كسرة إن كانت اللام ياء نحو: التواني والتوالي"، والأصل: التوانُيْ والتوالُيْ، بضم ما قبل الياء، فقلبت الضمة كسرة لتسلم الياء من قبلها واوًا، فيؤدي إلى وقوع واو قبلها ضمة في آخر اسم معرب، وذلك مرفوض في الأسماء؛ لأن الأسماء عرضة لأن تضاف لياء المتكلم، وياء المتكلم إذا أضيف إليها اسم في آخره واو قبلها ضمة، وجب قلب الضمة كسرة والواو ياء، وإدغامُها في ياء المتكلم، كـ: مسلمي، رفعًا.
"وقياس" مصدر "فَعْلَلَ١؛ وما الحق به فَعْلَلَة؛ كـ: دحرج دحرجة، وزلزل زلزلة". والملحق بـ: فعلل، ستة أبنية "وهي: بيطر بيطرة، وحوقل حوقلة"، وجلبب جلببة، وجهور جهورة، وسلقي سلقية، وقلنس قلنسة، وزاد بعضهم: سنبل، وشريف الزرع: طال ورقه، وعذيط، وتأبل، ويرنأ لحيته، خضبها باليرناء، وهو الحناء.
"وفِعْلال، بالكسر" للفاء "إن كان١ مضاعفًا" وهو ما كان فاؤه ولامه الأولى من جنس واحد، وعينه ولامه الثانية من جنس واحد٢، "كـ: زلزال ووسواس"، بسينين مهملتين، ووشواش، بشينين معجمتين: وهو كلام فيه اختلاط.
"وهو" أي: فِعْلال "في غير المضاعف سماعي، كـ: سَرْهَفَ سرهافًا"، يقال: سرهفت الصبي: إذا أحسنت غذاءه، ولم يسمع في دحرج دحراجًا، نص على ذلك الصيمري وغيره، ولا في الملحق بـ: فعلل، إلا حِيقَال: مصدر "حَوْقل" وبذلك يقيد قول الناظم:
٤٥٣-
فعلال او فعللة لفعللا واجعل مقيسا ثانيا لا أولا
"ويجوز فتح أول المضاعف" تخفيفًا للثقل الحاصل بالتضعيف، "والأكثر أن يعنى بالمفتوح" أوله "اسم الفاعل" لا المصدر "نحو: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ " [الناس: ٤] أي: الموسوس: ولهذا وصف بالخناس، وما بعده، وهما من صفات الذوات.
_________________
(١) ١ بعده في "ب": "فَعْلل". ٢ سقط من "ب": "وعينه ولامه الثانية من جنس واحد".
[ ٢ / ٣٤ ]
"وقياس: فاعَلَ" بفتح العين، "كـ: ضَارَبَ وخاصَمَ وقاتَلَ: الفِعَال" بكسر الفاء، "والمفاعلة" نحو: الضراب والمضاربة، والخصام والمخاصمة، والقتال والمقاتلة، ولا فرق بين أن يكون فاعل للمشاركة، كما تقدم، أو لا، نحو: نادى نداء ومناداة، وإلى ذلك الإشارة بقول الناظم:
٤٥٤-
لِفَاعَلَ الفَعَال والمفَاعَلَه
واللازم عند سيبويه "المفاعلة"١ لأنهم قد يتركون "الفِعَال" ولا يتركون "المفاعلة" قالوا: جالس مجالسة، ولم يقولوا: جِلاسًا.
وأصل "الفِعَال" هنا "الفِيْعَال" وقد نطقوا بذلك فقالوا: ضارب ضيرابًا وقاتل قيتالا. "ويمتنع "الفعال" فيما فاؤه ياء نحو: ياسَرَ ويامَنَ"، فلا يقال: ياسره يِسَارًا، ولا يامنه يِمَانًا، لاستثقال الكسرة على الياء حتى قال بعضهم: إنه لم يوجد منه إلا اليِسَار٢ لغة في اليَسَار، وإلا اليِعَار٣: جمع يَعْرٍ، وهو الجدي، وإنما يقال: مياسرة وميامنة، "وشذ: ياومه يِوَامًا". حكاه ابن سيده، وحكى: مياومة على القياس٤، "وما خرج عما ذكرناه فشاذ"، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٤٥٤-
وغير ما مر السماع عادله
"كقولهم: كذب كِذابًا"، بالتشديد والتخفيف٥ فيهما، والقياس: تكذيبًا، "وقوله": [من الرجز]
٥٩٩-
وهي تنزي دلوها تنزيا كما تنزي شهلة صبيا
والقياس: تنزيه، ولكنه حمله على ما هو بمعناه، أي: تحرك دلوها تحريكًا. والشهلة، بفتح المعجمة: العجوز، شبه يديها إذا أخذت الدلو بهما لتخرجه من البئر بيدي امرأة ترقص صبيًّا، وخص الشهلة بالذكر لأنها أضعف من الشابة.
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٨٠. ٢ في "ط": "الييسار". ٣ في "ط": "الييعار". ٤ لم أجد قول ابن سيده في كتبه، غير أن ابن الناظم ذكره في شرحه ص٣١٢. ٥ سقطت من "ط".
(٢) الرجز بلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٢٨٨، وأوضح المسالك ٣/ ٢٤٠، والخصائص ٢/ ٣٠٢، وشرح ابن الناظم ص٣١٢، وشرح الكافية الشافية ٤/ ٢٢٣٨، وشرح المفصل ٦/ ٥٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٧١، والمنصف ٢/ ١٩٥، وديوان الأدب ٢/ ٣٨٠.
[ ٢ / ٣٥ ]
"وقولهم: تحمل تِحِمَّالا" بكسر التاء والحاء المهملة وتشديد الميم، والقياس: تحملا، "وترامى القوم رِمِّيًّا" بكسر الراء والميم المشددة، والقياس: تراميًا، "وحوقل حيقالا": وهو الفتور عن الجماع للكبر. والقياس: حوقلة وأشذ منه: حوقالا، بالفتح، لأنه مخصوص بالمضاعف.
"واقشعر" جلده "قشعريرة". بضم القاف وفتح الشين، "والقياس" في مصدر "فَعَّل" بالتشديد، إذا كان صحيح اللام نحو: كَذَّبَ "تكذيبًا، و" في مصدر معتلها: "تنزيه، و" في مصدر "تفعل" نحو: تحمل تحملًا، وفي مصدر "تفاعل" المعتل اللام نحو: ترامى "تراميًا، و" في مصدر "فوعل" نحو: حوقل "حوقلة، و" في مصدر "فعلل" نحو: اقشعر "اقشعرارا". ولا يخفى ما في كلامه من اللف والنشر على الترتيب١.
_________________
(١) ١ في شرح الكافية البديعية للحلي ص٧٦: واللف والنشر: أن يذكر الناظم في أول البيت أسماء متعددة غير تامة المعنى، ثم يقابلها بأشياء على ترتيبها من غير الأضداد تتمم معناها؛ إما بالجمل، وإما بالألفاظ المفردة، كقول ابن حيوس: فعل المدام ولونها ومذاقها في مقلتيه ووجنتيه وريقه
[ ٢ / ٣٦ ]
فصل:
"ويدل على المرة من مصدر الفعل الثلاثي" المتصرف التام "بـ: فَعْلَة، بالفتح" في الفاء، كما في فعلها "كـ: جلس جلسة ولبس لبسة".
ونبه بهذين المثالثين على أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون١ في مصدره زيادة على حروف الفعل كـ: جلس جلوسًا، أو لا، كـ: لبس لبسًا، فإن لم يكن زيادة فواضح أنك تقتصر على زيادة التاء مع فتح أوله، وإن كان ثم زيادة فإنك تطرحها فرقًا بين مصدر الثلاثي وغيره، وشذ: لقيته لقاءة واحدة، وأتيته إتيانة واحدة، حكاهما سيبويه٢.
وإذا طرحت الزيادة فإنك تبني "فَعْلَة" من الباقي وتختمها بالتاء فرقا٣ بين الواحد والجنس، لأن منزلة الجلسة من الجلوس منزلة التمرة من التمر، والأصل في٤ الجنس وواحده أن يفرق بينهما بالتاء.
"إلا إذا كان بناء المصدر العام" أي المطلق الصادق على القليل والكثير "عليها" أي على فَعْلَة بالتاء، "فيدل على المرة منه" أي من المصدر العام المبني على فَعْلَة، "بالوصف" بالوحدة وشبهها "كـ: رحم رحمة واحدة"، أو فردة.
"ويدل على الهيئة" وهي الحالة التي يكون عليها الفاعل عند الفعل "بـ: فِعْلَة: بالكسر" في الفاء، فرقًا بينها وبين المرة، "كـ: الجلسة والركبة والقتلة بكسر أولها، وفيها العمل المتقدم.
"إلا إن كان بناء المصدر العام عليها" أي على فِعْلَة؛ بكسر الفاء؛ "فيدل٥ على الهيئة" منه "بالصفة ونحوها كـ: نشد الضالة نشدة عظيمة"، أو نشدة الملهوف.
_________________
(١) ١ في "ب": "ما" مكان "أن يكون". ٢ الكتاب ٤/ ٤٥. ٣ في "ب": "بينها بين". ٤ في "ط": "من". ٥ في "ب": "فإنه يدل".
[ ٢ / ٣٧ ]
"و" يدل على المرة "من غير الثلاثي"، رباعيًّا كان أو غيره، "بزيادة التاء على مصدره القياسي كـ: انطلاقة واستخراجة، فإن كان بناء المصدر العام" أي المطلق "على التاء دل على المرة منه بالوصف" بالوحدة "كـ: إقامة واحدة، واستقامة واحدة" ودحرجة واحدة، ولا يقال: لأنه غير قياسي، بل قيل: غير مسموع، كما تقدم عن الصيمري.
والحاصل أن الفعل إذا كان له مصدران: قياسي وسماعي، لحقت القياسي دون السماعي، فإن كان له مصدران قياسيان أو سماعيان لحقت الأغلب منهما. قاله الشاطبي.
["ولا يبنى من غير الثلاثي مصدر للهيئة"، لأن الفِعْلَة لا يتأتى فيه، إذ يلزم من ذلك هدم بنية الكلمة بحذف ما قصد إثباته فيها] ١، فاجتنب ذلك، واستغني عنه بنفس المصدر الأصلي، "إلا ما شذ من قولهم: واختمرت" المرأة "خمرة" بالمعجمة والراء: غطت رأسها بالخمار، "وانتقبت نقبة" أي٢: غطت وجهها بالنقاب، "وتعمم" الرجل "عمة" غطى رأسه بالعمامة، "وتقمص قمصة": غطى جسده بالقميص، وكان القياس عدم الحذف إلا أنهم هدموا بنية٣ المصدر وبنوا الفِعْلَة حرصًا على البيان، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٥٥-
وفعلة لمرة كجلسه وفعلة لهيئة كجلسه
٤٥٦-
في غير ذي الثلاث بالتا المره وشذ فيه هيئة كالخمره
_________________
(١) ١ ما بين المعكوفين سقط من "ب". ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب": "أبنية".
[ ٢ / ٣٨ ]
باب كيفية أبنية أسماء الفاعلين:
تقدم أن هذا الجمع غير سائغ "والصفات المشبهة بها يأتي وصف الفاعل من" مضارع١ "الفعل الثلاثي" المجرد من الزوائد "على" وزن "فاعل" بكسر العين وزيادة ألف بعد الفاء بعد إسقاط حرف المضارعة "بكثرة٢ في "فَعَلَ" بالفتح"، حال كونه "متعديًا" إلى المفعول "كـ: ضربه" فهو ضارب، "وقتله" فهو قاتل، "أو لازمًا" للفاعل "كـ: ذهب" فهو ذاهب، "وغذا؛ بالغين والذال المعجمتين، بمعنى سال" فهو غاذ، يقال: غذا الماء، إذا سال، وغذا العرق، إذا سال دمًا، وغذا البول: إذا انقطع وغذا الشيب: إذا أسرع، ويستعمل متعديًا، يقال: غذا الطعام الصبي وغذوته أنا باللبن، فيكون من قسم المتعدي.
"وفي "فَعِل" بالكسر"، حال كونه "متعديًا" إلى المفعول "كـ: أمنه" فهو آمن، "وشربه" فهو شارب، "وركبه" فهو راكب، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٤٥٧-
كفاعل صغ اسم فاعل إذا من ذي ثلاثة يكون
"ويقل" فاعل٣ "في" فَعِل" بالكسر "القاصر" على الفاعل "كـ: سلم" فهو سالم، "وفي: فعل؛ بالضم؛ كـ: فره" بمعنى، حذق، فهو فاره أي حاذق، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٥٨-
وهو قليل في فعلت وفعل غير معدّى
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ في "ط": "بكسرة". ٣ سقطت من "ط".
[ ٢ / ٣٩ ]
"وإنما قياس الوصف من: فَعِلَ" المكسور العين "اللازم: فَعِلٌُ" بفتح الفاء وكسر العين "في الأعراض": جمع عرض، بفتح العين المهملة والراء، "كـ: فرح وأشر"، بالتنوين فيهما، والأشر: الذي لا يحمد النعمة والعافية.
"و: أفعَلُ؛ في الألوان والخِلَق"، فاللون "كـ: أخضر وأسود وأكحل"، أي: أسود العينين من غير اكتحال، "وألمى": أي أسود حمرة الشفتين، "و" الخلقة، نحو: "أعور وأعمى" وأجهر: وهو الذي لا يبصر في الشمس.
"وفَعْلان" بفتح الفاء وسكون العين، "فيما دل على الامتلاء وحرارة الباطن"، فالأول "كـ: شبعان وريان، و" الثاني نحو: "عطشان" وصديان بمعنى عطشان، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٤٥٨-
بل قياسه فعل
٤٥٩-
وأفعل فعلان نحو أشر ونحو صديان ونحو الأجهر
"وقياس الوصف من "فعُل" بالضم: فَعِيل كـ: ظريف وشريف، ودونه" أي: دون فعيل "فعْلٌ" بفتح الفاء وسكون العين "كـ: شهم" بالشين المعجمة من الشهامة بمعنى الضخامة، "وضخم" بالضاد والخاء المعجمتين، من ضخم الشيء إذا غلظ.
"ودونهما" أي: دون فعيل وفَعْل "أفعل كـ: أخظب" بالخاء والظاء المعجمتين، يقال: أخظب اللون: "إذا كان أحمر إلى الكدرة، وفَعَل" بفتحتين، "كـ: بطل وحسن، وفَعَال، بالفتح" في الفاء "كـ: جبان١، وفُعَال، بالضم كـ: شجاع، وفُعُل" بضمتين "كـ: جنب" بضم الجيم والنون، "وفِعْل" بكسر الفاء وسكون العين "كـ: عفر" بالعين المهملة والفاء "أي: شجاع ما كر"، وفي القاموس: أنه الخبيث الماكر٢، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٤٦٠-
وفعل اولى وفعيل بفعل
٤٦١-
وافعل فيه قليل وفعل كالضخم والجميل والفعل جمل
"وقد يستغنون عن صيغة فاعل من "فَعَل" بالفتح بغيرها٣ من الصيغ فيتركون القياس المطرد ويستعملون غيره "كـ: شيخ وأشيب وطيب وعفيف"،
_________________
(١) ١ في "ط": "جبال". ٢ القاموس المحيط "عفر". ٣ في "ط": "بغيرهما".
[ ٢ / ٤٠ ]
ولم يقولوا: شائخ وشائب١ وطائب وعاف، بالتشديد، كما استغنوا بـ: ترك وتارك عن وذر وواذر وودع ووادع، وإليه يشير قول الناظم:
٤٦١-
وبسوى الفاعل قد يغنى فعل
ومحل الاستغناء ما لم يستعمل له قياس، أما ما استعمل له قياس٢ وسمع غيره فليس موضع الاستغناء نحو: مال يميل فهو مائل وأميل، قاله الشاطبي.
"تنبيه: جميع هذه الصفات" المتقدمة الدالة على الثبوت "صفات مشبهة" باسم الفاعل إلا إذا قصد بها الحدوث فهي أسماء فاعلين، "إلا فاعلا كـ: ضارب"، من المتعدي، "وقائم" من اللازم، "فإنه" في الاصطلاح "اسم فاعل، إلا إذا أضيف فاعل "إلى مرفوعه" في المعنى، "وذلك فيما دل على الثبوت كـ: طاهر القلب، وشاحط الدار"، بالشين المعجمة والحاء والطاء المهملتين، "أي: بعيدِها"، والأصل٣: طاهر قلبه وشاحطة٤ داره، "فصفة مشبهة أيضًا"، وقد أشبعنا الكلام فيه في باب إعماله، وكان ينبغي أن يؤخر هذا التنبيه إلى آخر الباب لئلا يوهم٥ أن وصف الفاعل من غير الثلاثي المجرد لا يكون صفة مشبهة وليس كذلك، من أمثلة الموضح في باب الصفة المشبهة: مستقيم الرأين ومعتدل القامة.
_________________
(١) ١ في "ب": "وشاب". ٢ سقط من "ب": "أما ما استعمل له قياس". ٣ في "أ": "وأصل". ٤ في "ب": "وشاحط". ٥ في "ط": "يتوهم".
[ ٢ / ٤١ ]
فصل:
"ويأتي وصف الفاعل من غير" الفعل "الثلاثي المجرد بلفظ" حروف "مضارعه، بشرط الإتيان بميم مضمومة مكان حرف١ المضارعة"، وشذ كسرها في "مِعِين" من أعان، و"مِغِير" من أغار، و"مِبِين" من أبان، بكسر الميم فيهن إتباعًا لحركة ما بعدها، "و" بشرط "كسر ما قبل الآخر" تشبيهًا باسم الفاعل من الثلاثي٢، وشذ "مُسْهَب" من أسهب٣، و"مُحْصَن" من أحصن، و"ملقح" من ألقح، بفتح ما قبل الآخر فيهن "مطلقًا، سواء كان مكسورًا في المضارع كـ: منطلق ومستخرج"، فكسره حال كونه اسم فاعل غير كسره حال كونه مضارعًا، أو مفتوحًا في المضارع "كـ: متعلم ومتدحرج".
وأما نحو: مختار ومنقاد ومتحاب، بالإدغام، فكسر ما قبل الآخر فيهن مقدر إذا كن اسم فاعل، وإلى بناء اسم الفاعل من غير الثلاثي أشار الناظم بقوله:
٤٦٢-
وزنة المضارع اسم فاعل من غير ذي الثلاث كالمواصل
٤٦٣-
مع كسر متلو الأخير مطلقا وضم ميم زائد قد سبقا
واختيرت الميم للزيادة زيادة أحرف العلة، لأن الواو لا تزاد أولا، والياء والألف يوقعان في التباس اسم الفاعل بالمضارع، ولكون مخرج الميم قريبًا من مخرج الواو لأنهما من الشفتين، وحركت بالضم دون الفتح والكسر لأن الفتح يؤدي إلى التباسه باسم الموضوع من الثلاثي ولو في بعض الصور نحو: مكرم٤، والكسر يؤدي إلى التباسه باسم الموضع من الثلاثي ولو في الصور نحو: مكرم٤، والكسر يؤدي إلى الالتباس باسم الآلة منه.
_________________
(١) ١ في "ب": "حروف". ٢ في "ب": "فاعل الثلاثي". ٣ في "ب": "مشهب من أشهب". ٤ سقط من "ب": "ولو في بعض الصور نحو: مكرم".
[ ٢ / ٤٢ ]
باب كيفية أبنية أسماء المفعولين:
تقدم أن هذا الجمع غير سائغ. "يأتي وصف المفعول من" مضارع الفعل "الثلاثي المجرد" التام المتصرف "على زنة مفعول" من المتعدي "كـ: مضروب، ومقصود"، ومعلوم، "و" من اللازم كـ: مدخول عليه، و"ممرور به"، زيدت١ الميم لما في اسم الفاعل، وفتحت للخفة وضم ما قبل الآخر خوفًا من المكان٢، ثم أشبعت الضمة، فتولد منها الواو، لئلا يلزم وقوع مفعل في كلامهم٣.
"ومنه"٤ أي: من اسم المفعول الثلاثي الآتي على زنة مفعول: "مبيع ومقول ومرمي" ومدعو، "إلا أنها غيرت" عن صيغة مفعول في اللفظ، فأصل "مبيع" مبيوع، نقلت حركة الياء إلى الساكن قبلها ثم قلبت الضمة كسرة لتسليم الياء ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، وخصت بالحذف لزيادتها وقربها من الطرف.
[وأصل مقول: مقوول بواوين، نقلت حركة الواو الأولى إلى الساكن قبلها ثم حذفت الواو الثانية لالتقاء الساكنين، وخصت بالحذف لزيادتها وقربها من الطرف] ٥، هذا مذهب سيبويه في مبيع ومقول٦.
_________________
(١) ١ في "ب": "زدت". ٢ بعده في "ب": "والآلة". ٣ في حاشية يس ٢/ ٧٩-٨٠: وقال بعضهم: إنه جاء من ذلك خمسة ألفاظ: مكرم ومعون ومالك بمعنى رسالة، وميسر، كما قرئ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، قال: ولا دليل في ذلك كله لاحتمال أن يكون أصل هذه الألفاظ "مفعلة"؛ وقد سمع فيها ضم العين ثم حذفت التاء، وذلك ظاهر في قراءة: ميسرة. ٤ في "ط": "ومنه من أي". ٥ ما بين المعكوفين سقط من "ب". ٦ الكتاب ٤/ ٣٤٨.
[ ٢ / ٤٣ ]
وذهب الأخفش إلى أن المحذوف منهما عين الفعل، وأن الضمة في "مبيع" قلبت كسرة لتنقلب الواو ياء لئلا يلتبس بالواوي١.
وأصل مرمي: مرموي، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو، ياء والضمة التي قبلها كسرة، وأدغمت الياء في الياء.
وأصل مدعو: مدعوو بواوين، أدغمت الأولى في الثانية لاجتماع المثلين. وإلى بناء اسم المفعول من الثلاثي أشار الناظم بقوله:
٤٦٥-
وفي اسم مفعول الثلاثي اطرد زنة مفعول كآت من قصد
"و" يأتي وصف المفعول من غيره، أي: "من غير الثلاثي" المجرد "بلفظ مضارعه بشرط الإتيان بميم مضمومة مكان حرف المضارعة"، لما مر في اسم الفاعل، وفتح ما قبل آخره٢، "وإن شئت قلت٣: بلفظ اسم فاعله بشرط فتح ما قبل الآخر"، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٤٦٤-
وإن فتحت منه ما كان انكسر صار اسم مفعول كمثل المنتظر
ويأتي من المتعدي فلا يحتاج إلى صلة "نحو: المال مستخرج، و" من اللازم فيحتاج إلى صلة نحو: "زيد منطلق به".
"وقد ينوب فَعِيل عن مفعول كـ: دهين": بمعنى مدهون، "وكحيل" بمعنى مكحول، "وجريح" بمعنى مجروح، "وطريح" بمعنى مطروح. قال ابن مالك: "ومرجعه السماع" وإن كان كثيرًا، وإليه أشار الناظم٤ بقوله:
٤٦٦-
وناب نقلا عنه ذو فعيل
وقيل: ينقاس فيما ليس له فعيل بمعنى فاعل، كـ: قتيل، لا فيما له فعيل بمعنى فاعل، نحو قدر، بفتح الدال، ورحم بكسر الحاء، كقولهم: قدير ورحيم بمعنى قادر وراحم.
وقد ينوب فعيل عن مفعل نحو: عقدت العسل فهو عقيد، وأعله المرض فهو عليل، أي: معقد ومعل.
_________________
(١) ١ انظر المنصف ١/ ٢٨٧. ٢ سقط حرف الهاء من الأصل. ٣ سقط من "ب". ٤ في "ب": "أشار في النظم".
[ ٢ / ٤٤ ]
باب إعمال الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي إلى واحد
مدخل
باب إعمال الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي إلى واحد:
ووجه الشبه بينهما أنها تؤنث وتثنى وتجمع، في "حسن": حسنة وحسنان وحسنتان وحسنون وحسنات، كما تقول في "ضارب": ضاربة وضاربان وضاربتان وضاربون وضاربات، فلذلك عملت النصب كما يعمله اسم الفاعل، واقتصرت على واحد، لأنه أقل درجات المتعدي، وكان أصلها أن لا تعمل النصب، لمباينتها الفعل بدلالتها على الثبوت، ولكونها مأخوذة من فعل قاصر، ولكنها لما أشبهت اسم الفاعل المتعدي لواحد عملت عمله.
"وهي الصفة" المصوغة١ لغير تفضيل، لإفادة نسبة الحدث إلى موصوفها دون إفادة الحدوث. وخاصيتها أنها "التي استحسن فيها أن تضاف لما هو فاعل" بها "في المعنى". سواء أكانت وصفًا لازمًا لا يمكن انفكاكه، كـ: طويل الأنف، وعريض الحواجب، وواسع الفم، أم يكن انفكاكه "كـ: حسن الوجه ونقي الثغر، وطاهر العرض"، فإن الحسن والنقاية والطهارة مما يوجد ويفقد.
"فخرج" باستحسان الإضافة إلى الفاعل في المعنى اسم الفاعل المتعدي "نحو: زيد٢ ضارب أبوه، فإن إضافة الوصف" وهو "ضارب" فيه، أي في هذا التركيب "إلى الفاعل" وهو "أبوه" ممتنعة، إذ لا يقال: ضارب أبيه، "لئلا توهم" الإضافة فيه٢ "الإضافة إلى المفعول"، وأن الأصل: زيد ضارب أباه.
_________________
(١) ١ في "ب": "الموضوعة". ٢ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٤٥ ]
"و" خرج باسم الفاعل القاصر "نحو: زيد كاتب أبوه، فإن إضافة الوصف" وهو "كاتب" "فيه" إلى الفاعل وهو "أبوه" "وإن كانت لا تمتنع" على قلة، "لعدم اللبس" بالإضافة إلى المفعول، لكون الكتابة لا تقع على الذوات، "لكنها" على قلتها "لا تحسن، لأن الصفة" الدالة على الثبوت "لا تضاف لمرفوعها حتى يقدر تحويل إسنادها عنه" أي عن مرفوعها "إلى ضمير موصوفها" فيستتر في الصفة "بدليلين:
أحدهما: أنه لم يقدر" الأمر "كذلك لزم إضافة الشيء إلى نفسه"، لأن الصفة نفس مرفوعها في المعنى، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
"و" الدليل "الثاني: أنهم يؤنثون الصفة١" بالتاء "في نحو: هند حسنة الوجه"، فلو لم تكن الصفة مسندة إلى ضمير هند لذكرت كما تذكر مع المرفوع. قاله ابن عصفور: "فلهذا" التحويل "حسن أن يقال" في "زيد حسن وجهه" بالرفع: "زيد حسن الوجه" بالإضافة، فالحسن مسند إلى ضمير زيد، فيكون مسندًا إلى جملته بعد أن كان مسندًا إلى وجهه، وذلك حسن، "لأن من حسن وجهه حسن أن يسند الحسن إلى" جميع "جملتها مجازًا"، عن الإسناد إلى الجزء منه، فهو من الإسناد إلى الكل وإرادة البعض، فهو مجاز قريب، والباعث على ارتكابه غرض التخفيف.
قال ابن أبي الربيع٢: إذا قلت: مررت برجل حسن وجهه، حصل عدة أمور، كل اثنين منها بمنزلة شيء واحد، لأن الجار والمجرور كالشيء الواحد، وكذلك الصفة والموصوف، والفاعل والفعل، والمضاف والمضاف إليه، فلما أرادوا التخفيف لم يمكنهم أن يزيلوا من اللفظ إلا الضمير، فنقلوه وجعلوه فاعلا بالصفة فاستتر فيها، لأن الصفة حينئذ كأنها جارية على من هي له حيث رفعت ضميره، فحسن أن يقال ذلك "وقبح أن يقال" في "زيدٌ كاتبٌ أبوه": "زيدٌ كاتبُ الأب، لأن من كتب أبوه لا يحسن أن تسند الكتابة إليه إلا بمجاز بعيد" سرى من المضاف، إليه إرادة المضاف.
ووجه قرب الأول ويعد هذا أن الجزء بعض الكل، فيصح إطلاق كل منهما وإرادة الآخر، بخلاف الأبوة والبنوة، "وقد تبين" مما شرحناه "أن العلم بحسن٣ الإضافة" في٤
_________________
(١) ١ في "أ": "يؤنثون للصفة"، والتصويب من "ب"، "ط". ٢ البسيط ٢/ ١٠٧٨. ٣ في "أ": "يحسن" والتصويب من "ب"، "ط"، وأوضح المسالك ٣/ ٢٤٧. ٤ في "ب": "من".
[ ٢ / ٤٦ ]
الصفة إلى مرفوعها "موقوف على النظر في معناها"، وهو نسبة الحدث إلى موصوفها على سبيل الثبوت، فما جاز من الصفات أن يسند إلى ضمير موصوفه فإضافته إلى مرفوعه حسنة١، وما لا فلا، "لا" موقوف٢ "على معرفة كونها صفة مشبهة، وحينئذ فلا دور في التعريف المذكور" في قول الناظم:
٤٦٧-
صفة استحسن جر فاعل معنى بها المشبهة اسم الفاعل
"كما توهمه٣ ابن الناظم" حين قال في الشرح٤: "وهذه الخاصة لا تصلح لتعريف الصفة المشبهة وتمييزها عما عداها، لأن العلم باستحسان الإضافة إلى الفاعل موقوف على العلم بكون الصفة مشبهة، فهو متأخر عنه، وأنت تعلم أن العلم بالمعرف يجب تقديمه على العلم بالمعرف" انتهى.
وتقرير الدور منه أن العلم بالصفة المشبهة متوقف على استحسان إضافتها إلى الفاعل، واستحسان إضافتها إلى الفاعل موقوف على العلم بكونها صفة مشبهة فجاء الدور٥.
ودفعه الموضح بانفكاك الجهة، وتقريره أن الصفة المشبهة وإن كانت موقوفة على استحسان الإضافة إلى الفاعل، لكن استحسان الإضافة إلى الفاعل ليس موقوفًا على معرفة كونها صفة مشبهة، وإنما هو موقوف على النظر في معناها الثابت لفاعلها بحيث لو حول إسنادها عنه إلى ضميره لا يكون فيه لبس ولا قبح، فيحسن حينئذ الإضافة إلى الفاعل.
_________________
(١) ١ في "أ": "حسنًا"، والتصويب من "ب"، "ط". ٢ في "ب": "موقوفة". ٣ ف "أ": توهمه، وأثبت ما في "ب"، "ط": وأوضح المسالك ٣/ ٢٤٧. ٤ شرح ابن الناظم ص٣١٨. ٥ في "ب": "في الدرر".
[ ٢ / ٤٧ ]
فصل:
وتشارك الصفة المشبهة اسم الفاعل في الدلالة على الحدث وفاعله، والتذكير والتأنيث والتثنية والجمع، وشرط١ الاعتماد إذا تجرد٣ من "أل".
"وتختص هذه الصفة" المشبهة "عن اسم الفاعل بخمسة أمور" على ما هنا:
"أحدهما: أنها تصاغ من" الفعل "اللازم" وضعًا أو قصدًا "دون" الفعل المتعدي" الذي لم يرد بالوصف منه الثبوت، فالمصوغة من اللازم وضعًا "كـ: حسن وجميل"، فإنها مصوغان من حسن وجمل، وهما لازمان وضعًا، والمصوغة من اللازم قصدًا كـ: ضارب الأب ومضروب العبد، فإن اسمي الفاعل والمفعول إذا قصد بهما الثبوت جَرَيَا مجرى الصفة المشبهة، كما قال: في "التسهيل" في آخر هذا الباب٣.
"وهو" أي اسم الفاعل المراد به الحدوث "يصاغ منهما" أي: من اللازم والمتعدي، فمن اللازم "كـ: قائم، و" من المتعدي نحو: "ضارب".
الأمر "الثاني: أنها" تكون "للزمن" الماضي المتصل بالزمن "الحاضر الدائم" كـ: حسن الوجه الآن، "دون الماضي المنقطع والمستقبل"، فلا يقال: حسن الوجه أمس ولا غدًا، "وهو" أي اسم الفاعل "يكون لأحد الأزمنة الثلاثة"، نحو: حاسن أمس أو الآن أو غدًا، والحاصل من هذه المادة أنك إذا أردت ثبوت الوصف قلت: حسن ولا تقول: حاسن، وإن أردت حدوثه قلت: حاسن، ولا تقول: حسن. قاله الشاطبي وغيره، وإلى هذين الأمرين أشار الناظم بقوله:
٤٦٨-
وصوغها من لازم لحاضر
كطاهر القلب جميل الظاهر
_________________
(١) ١ في "ب": "وبشرط". ٢ في "ب": "تجردا". ٣ في التسهيل ص١٤٢: "وإن قصد ثبوت معنى اسم الفاعل عومل معاملة الصفة المشبهة، ولو كان من متعد، إن أمن اللبس، وفاقًا للفارسي، والأصح أن يجعل اسم المفعول المتعدي إلى واحد من هذا الباب مطلقًا".
[ ٢ / ٤٨ ]
الأمر "الثالث: أنها تكون مجارية للمضارع في تحركه وسكونه"، والمراد تقابل حركة بحركة، وسكون بسكون، لا تقابل حركة بعينها، إذا لا يشترط التوافق في أعيان الحركات، ولهذا قال ابن الخشاب١: وهو وزن عروضي لا تصريفي، سواء أكانت مصوغة من ثلاثي أو من٢ غيره، فالثلاثي "كـ: طاهر القلب، وضامر البطن"، وغير الثلاثي [نحو: مدحرج الحجر، "و] ٣ مستقيم الرأي، ومعتدل القامة"، فإنها مجارية لـ: "يطهر ويضمر [ويدحرج] ٣ ويستقيم ويعتدل، "وغير مجارية له"، أي للمضارع "وهو الغالب في المبنية من الثلاثي كـ: حسن وجميل وضخم وملآن"، فإنها ليست مجارية لـ: يحسن ويضخم ويملأ. وقول الزمخشري وابن الحاجب وابن العلج وجماعة: إنها لا تكون إلا غير مجارية، مردود باتفاقهم على أن منها قوله: [من المديد]
٦٠٠-
من صديق أو أخي ثقة أو عدو شاحط دارا
بالشين المعجمة والحاء والطاء المهملتين، بمعنى بعيد، صفة مشبهة، وهي مجارية لـ: يشحط، وجوابه ممكن، إذ لهم أن يقولوا: ما ورد من ذلك اسم فاعل أجري مجرى الصفة المشبهة في الحكم، لا أنه صفة مشبهة حقيقة.
ولا يكون اسم الفاعل إلا مجاريًا له، أي للمضارع، كـ: ضارب ويضرب، ومنه: قائم ويقوم، لأن الأصل: يقْوُمُ، يسكون القاف وضم الواو، ثم نقلوا، وداخل يدخل، لأن توافق أعيان الحركات غير معتبر كما تقدم.
الأمر "الرابع: أن منصوبها لا يتقدم عليها" لأنها فرع اسم الفاعل في العمل، فلا يجوز: زيد وجهه حسن، "بخلاف منصوبه"، فإن يجوز تقديمه عليه، تقول: زيدٌ عمرًا ضاربٌ، "ومن ثم" بفتح المثلثة، أي: ومن أجل جواز تقديم منصوب اسم الفاعل عليه، "صح النصب": أي نصب الاسم المتقدم على اسم الفاعل المشتغل عنه بضميره، باسم فاعل محذوف "في نحو: زيدًا أنا ضاربه"، لأن ما يعمل في المتقدم عليه يصح أن يفسر عاملا فيه.
_________________
(١) ١ ورد قوله في مغني اللبيب ٢/ ٤٥٨. ٢ سقطت من "ب"، "ط". ٣ إضافة ضرورية من "ب" فقط.
(٢) البيت لعدي بن زيد في ديوانه ص١٠١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٣١، ٢١٧، وشرح المغني ٢/ ٨٥٨، والكتاب ١/ ١٩٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٢١، وبلا نسبة في مغني اللبيب ٢/ ٤٥٩.
[ ٢ / ٤٩ ]
"وامتنع" نصب السبي المتقدم على الصفة المشبهة المشتغلة عنه بنصب سببه١، بصفة مشبهة محذوفة "في نحو: زيد أبوه حسن وجهه"، [فلا يجوز نصب الأب بصفة محذوفة معتمدة على زيد، تفسرها الصفة المذكورة المشتغلة عنه بنصب وجهه، لأن الصفة المشبهة لا تعمل في متقدم، وما لا يعمل لا يفسر عاملا، فوجب رفعه على أنه مبتدأ ثان، وحسن: خبره والجملة خبر "زيد" كما امتنع أن يقال: وجه٢ الأب زيد حسنة بنصب الوجه.
الأمر "الخامس: أنه يلزم كون معمولها سببيا، أي" اسمًا ظاهرًا "متصلا بضمير موصوفها إما لفظًا نحو: زيد حسن وجهه"] ٣، فـ: وجهه: معمول "حسن" وهو سببي لأنه اسم ظاهر متصل بضمير الموصوف وهو زيد: "وإما متصل بضمير موصوفها "معنى نحو: زيد حسن الوجه". فـ: الوجه معمول "حسن" وهو سببي لأنه اسم ظاهر متصل بضمير الموصوف معنى، أي: الوجه "منه"، أي: من زيد، هذا رأي البصريين، "وقيل": لا حذف، و"إن: أل" في الوجه "خلف عن" الضمير "المضاف إليه"، وهو رأي الكوفيين، ويرده٤ التصريح بالضمير مع "أل" كقوله: [من الطويل]
٦٠١-
رحيب قطاب الجيب منها رقيقة بجس الندامى بضة المتجرد
"وقول ابن الناظم" في شرح النظم٥؛ ما معناه: "إن جاز نحو: زيد بك فرح"، بتقديم المعمول وهو "بك" مع أنه غير سببي، على أن الصفة وهي "فرح" "مبطل لعموم قوله" يعني الناظم٦: "إن المعمول" للصفة المشبهة "لا يكون إلا سببيًا" ولا يكون إلا "مؤخرًا، مردود" خبر قول ابن الناظم، "لأن المراد بالمعمول" في قول الناظم:
_________________
(١) ١ في "أ"، "ط": "سببيه"، والتصويب من "ب". ٢ في "أ": "وجهه"، والتصويب من "ب"، "ط". ٣ ما بين المعكوفين سقط من "ب". ٤ في "ب": "ويؤيده".
(٢) البيت لطرفة في ديوانه ص٣٠، وخزانة الأدب ٤/ ٣٠٣، ٨/ ٢٢٨، والمحتسب ١/ ١٨٣، وشرح التسهيل ١/ ٢٦٣. ٥ شرح ابن الناظم ص٣١٩. ٦ التسهيل ص١٤١.
[ ٢ / ٥٠ ]
٤٧٠-
وسبق ما تعمل فيه مجتنب وكونه ذا سببية وجب
"ما عملها فيه بحق الشبه" باسم الفاعل، كما أفهمه قول الناظم:
٤٦٩-
وعمل اسم فاعل المعدى لها على الحد الذي قد حدا
"وإنما عملها في الظرف" [وعديله] ١ وهو "بك" "مما فيها من معنى الفعل"، لأن الظرف [وعديله] ١ مما يكتفي برائحة الفعل، كما قاله التفتازاني، "وكذا عملها في الحال"، نحو: زيد حسن وجهه طلعة، "و" في "التمييز" نحو: زيد حسن وجهًا، "ونحو ذلك" من الفضلات التي ينصبها القاصر، والمتعدي، "بخلاف اسم الفاعل" فإنه قوي الشبه بالفعل، فيعمل في متأخذر ومتقدم، وفي سببي وأجنبي.
وتختص أيضًا بأمور منها: أنه لا يراعى لمعمولها محل بالعطف وغيره، ومنها: أن لا تعمل محذوفة، ومنها، أنها تؤنث بالألف، ومنها: أن تخالف فعلها فتنصب مع قصوره، ومنها: دلالتها على الثبوت الاستمراري من غير تخلل، كـ: حسن الوجه، ومع التخلل نحو: متقلب الخاطر، ومنها: استحسان إضافتها إلى فاعلها معنى من غير ضعف ولا قلة في الكلام، ومنها: إنه يقبح حذف موصوفها وإضافتها إلى مضاف إلى ضمير موصوفها، نحو: مررت بحسن وجهه.
ومنها: أنه لا يجوز أن يفصل بينها وبين معمولها بظرف أو عديله عند الجمهور، ويجوز في اسم الفاعل بالاتفاق، ومنها: أنها لا تتعرف بالإضافة مطلقًا بخلاف اسم الفاعل، فإنه يتعرف بالإضافة إذا كان بمعنى الماضي، أو أريد به الاستمرار، ومنها: أن منصوبها٢ [المعرفة] ٣ مشبه بالمفعول به، ومنصوب٤ اسم الفاعل مفعول به، ومنها: أن "أل" الداخلة عليها حرف تعريف، والداخلة عليه اسم موصول على الأصح فيهما.
_________________
(١) ١ إضافة ضرورية من "ب". ٢ في "ب": "معمولها". ٣ سقطت من "ب". ٤ في "ب": "ومفعول".
[ ٢ / ٥١ ]
فصل:
"لمعمول هذه الصفة" المشبهة "ثلاث حالات:
الرفع على الفاعلية" للصفة. "قال الفارسي١: أو على الإبدال من ضمير مستتر في الصفة" بدل بعض من كل. ويرده حكاية الفراء: مررت بامرأة حسن الوجه، إذ لو كان الوجه بدلا من الصفة لوجب تأنيثها؛ لأن الصفة إذا رفعت ضميرًا وجب تأنيثها، وحكاية الكوفيين: بامرأة قويم الأنف، وأنه يجوز: برجل مضروب الأب، بالرفع، وليس هذا البدل كلا ولا بعضا ولا اشتمالا.
"والخفض بالأضافة" أي بإضافة الصفة إليه، "والنصب على التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة" كـ: الوجه، وعليه، "أو على التمييز إن كان نكرة"، كـ: وجهًا.
"والصفة مع كل من الثلاثة" وهي: الرفع والنصب والخفض، "إما نكرة أو معرفة" مقرونة بـ"أل"، "وكل من هذه الستة" الحاصلة من ضرب وجوه الإعراب الثلاثة في حالتي تنكير الصفة وتعريفها "للمعمول معه ست حالات، لأنه"؛ أي المعمول؛ "إما بـ: أل، كـ: الوجه، أو مضاف لما فيه "أل" كـ: وجه الأب، أو مضاف للضمير، كـ: وجهه، أو مضاف لمضاف للضمير كـ: وجه أبيه، أو مجرد" من "أل" والإضافة كـ: وجه، "أو مضاف إلى المجرد" من "أل" والإضافة "كـ: وجه أب، فالصور ست وثلاثون" صورة حاصلة من ضرب ست في مثلها.
وهي ضربان: جائز وممتنع، فالجائز اثنان وثلاثون صورة، "الممتنع منها أربع وهي: أن تكون الصفة بـ" أل" والمعمول مجردًا منها ومن الإضافة إلى تاليها، وهو" أي المعمول: "مخفوض، كـ: الحسن وجهه، أو" الحسن "وجه أبيه، أو" الحسن "وجه، أو" الحسن "وجه أب"، لأن الإضافة في هذه الصور الأربع لم تفد تعريفًا، كما في نحو غلام زيد، ولا تخصيصًا في نحو: غلام رجل، ولا تخفيفًا كما في: نحو حسن الوجه، ولا تخلصا من قبح حذف الرابط أو التجوز في العمل، كما في الحسن الوجه.
_________________
(١) ١ الإيضاح العضدي ١/ ١٥٣.
[ ٢ / ٥٢ ]
وينقسم الجائز إلى قبيح وضعيف وحسن، فأما القبيح فهو رفع الصفة مجردة كانت، أو مع "أل" المجرد١ منها، ومن الضمير والمضاف إلى المجرد، وذلك أربع صور، وهو: حسن وجه، وحسن وجه أب، والحسن وجه، والحسن وجه أب.
ووجه قبحها خلو الصفة من ضمير يعود على الموصوف لفظًا، وعلى قبحها فهي جائزة في الاستعمال لوجود الضمير تقديرًا.
وأما الضعيف فهو نصب الصفة المجردة٢ من "أل" المعرف بـ"أل" والمضاف إلى المعرف بها، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، ووجه ضعفه٣ أنه من إجراء وصف القاصر مجرى وصف المتعدي.
وجر الصفة المضاف إلى ضمير الموصوف أو إلى المضاف إلى ضميره، وذلك ست صور وهي: حسن الوجه، وحسن وجه الأب، وحسن وجهه وحسن وجه أبيه، بالنصب فيهن، وحسن وجهه وحسن وجه أبيه، بالجر فيهما.
وهو؛ أي الجر؛ عند سيبويه من الضرورات٤، وأجازه الكوفيون في السعة٥، وهو الصحيح لوروده في الحديث كقوله في وصف النبي -ﷺ: "شثن أصابعه"٦، وفي حديث أم زرع: "صفر وشاحها"٧، وفي حديث الدجال: "أعور عينه اليمنى"٨. ومع جوازه ففيه ضعف، لأنه يشبه إضافة الشيء إلى نفسه.
وأما الحسن فهو رفع الصفة المجردة من "أل" المعرف بها والمضاف إلى المعرف بها، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، ونصب الصفة المجرد من
_________________
(١) ١ في "ب": "المجردة". ٢ في "ب": "المتجردة". ٣ أي: ضعف النسب، كما في "ب". ٤ في "ب": "وعند سيبويه أنه من الضرورة". ٥ انظر شرح التسهيل ٣/ ٩٦، والارتشاف ٣/ ٢٤٦. ٦ أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الجعد، برقم ٥٥٦٨: "عن أنس: كان النبي -ﷺ- شثن القدمين والكفين". ٧ من حديث أم زرع، أخرجه مسلم في فضائل الصحابة برقم ٢٤٤٨، وانظره في فتح الباري ٩/ ٢٥٤، والنهاية ٣/ ٣٦، وفيه: "أي أنها ضامرة البطن، فكأن رداءها صفر: أي خال، والرداء ينتهي إلى البطن فيقع عليه". ٨ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء برقم ٣٢٥٧، ومسلم في الإيمان، باب ذكر الدجال برقم ١٦٩.
[ ٢ / ٥٣ ]
"أل" والإضافة والمضاف إلى المجرد منهما، وجر الصفة المعرفة بـ"أل" والمضاف إلى المعرف بها، والمجرد من "أل" والإضافة، والمضاف إلى المجرد منهما، ورفع الصفة مع "أل" المعرف بها، والمضاف إلى المعرف بها أو إلى الضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، ونصب الصفة المعرف بـ"أل"والمضاف إلى المعرف بها، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، والمجرد من "أل" والإضافة، والمضاف إلى المجرد منهما، وجر الصفة المعرف بـ"أل" والمضاف إل المعرف بـ"أل".
فهذه اثنتان وعشرون صورة وهي: حسنٌ الوجهُ، وحسنٌ وجهُ الأبِ، وحسنٌ وجهُهُ، وحسنٌ وجهُ أبيه، وحسنٌ وجهًا، وحسنٌ وجهَ أبٍ، وحسنٌ الوجهَ، وحسنٌ وجهَ الأبِ، وحسنُ وجهٍ، وحسنُ وجهِ أبٍ، والحسنُ الوجهِ، والحسنُ وجهِ الأبِ، والحسنُ وجهُهُ، والحسنُ وجهُ أبيهِ، والحسنُ الوجهُ، والحسنُ وجهُ الأبِ، والحسنُ وجهَهُ، والحسنُ وجهَ أبيهِ، والحسنُ وجهًا، والحسنُ وجهَ أبٍ، والحسنُ الوجهِ، والحسنُ وجهِ الأبِ، وذلك كله مستفاد من قول الناظم:
٤٧١-
فارفع بها وانصب وجر مع أل ودون أل مصحوب أل وما اتصل
٤٧٢-
بها مضافًا أو مجردًا ولا تجرر بها مع أل سُمًا من أل خلا
٤٧٣-
ومن إضافة لتاليها وما لم يخل فهو بالجواز وسما
وأوصل١ بعض المتأخرين الصور الحاصلة من الصفة ومعمولها إلى أربع عشرة ألف صورة ومائتين وست وخمسين صورة، وذلك أنه جعل الصفة إما بـ"أل" أو لا، فهذه حالتان، ومعمولها إما بـ"أل" أو مضاف أو مجرد. والمقرون بـ"أل" نوع واحد كـ: الحسنِ الوجهِ٢، والمضاف٣ ثمانية أنواع:
الأول: مضاف إلى ضمير الموصوف نحو: حسنُ وجههِ.
والثاني: مضاف إلى مضاف إلى ضميره نحو: حسنُ وجهِ أبيهِ.
والثالث: مضاف إلى المعرف بـ: أل، نحو: حسنُ وجهُ الأبِ.
والرابع: مضاف إلى مجرد نحو: وجهُ أبٍ.
والخامس: مضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف نحو: جميلة أنفه، من قولك: مررت بامرأةٍ حسنِ وجهِ جاريَتِهَا جميلةِ أنفِهِ.
_________________
(١) ١ في "ب": "واصل". ٢ سقط من "ب": "والمقرون حسن الوجه". ٣ في "ب": "وجعل المضاف".
[ ٢ / ٥٤ ]
والسادس: مضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى نحو: جميل خالها، من قولك: مررت برجل حسن الوجنة جميل خالها.
والسابع: مضاف إلى موصول نحو: "الطيبي كل ما التاثت به الأزر" من قوله: [من البسيط]
٦٠٢-
فعج بها قبل الأخيار منزلة والطيبي كل ما التاثت به الأزر
والثامن: مضاف إلى موصوف بجملة، نحو: رأيت رجلا حديد سنان رمح يطعن به.
والمجرد من الإضافة و"أل" يشمل ثلاثة أنواع: الموصول نحو قوله: [من الطويل]
٦٠٣-
أسيلات أبدان رقاق خصورها وثيرات ما التفت عليها لمآزر
والموصوف نحو: "جما نوال أعده" من قوله: [من الطويل]
٦٠٤-
تزور امرأ جما نواعل أعده لمن أمه مستكفيًا أزمة الدهر
وغيرهما نحو: مررت برجلٍ حسنِ وجهٍ.
هذه اثنتا عشرة صورة مضروبة في حالتي تنكير الصفة وتعريفها، تصير أربعًا وعشرين، وكل من هذه الأربع والعشرين مضروبة في ثلاثة أحوال الإعراب تبلغ اثنتين وسبعين صورة، ويُضم إليها صور ما إذا كان معمول الصفة ضميرًا، وهي١ ثلاثة:
الأولى: أن يكون مجرورًا، وذلك إذا باشرته الصفة المجردة من "أل" نحو قولك: مررت برجل حسنِ الوجهِ جميلِهِ.
الثانية: أن تُفصل الصفة من الضمير وهي مجردة من "أل" نحو: قريش نجباء الناس ذريةً وكِرَامُهُمُوهَا.
_________________
(١) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ١٨٣، والارتشاف ٣/ ٢٤٥، وشرح التسهيل ٣/ ٩١، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٢٥، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٣٥٧.
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة في المقاصد النحوية ٣/ ٦٢٩، ولم أقع عليه في ديوانه، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٣٥٧، وشرح التسهيل ٣/ ٩١.
(٣) البيت بلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٣٥٧، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٣١، وشرح التسهيل ٣/ ٩١، وشرح المرادي ٣/ ٥١. ١ في "ب": "وهو".
[ ٢ / ٥٥ ]
الثالثة: أن تتصل به ولكن تكون الصفة بـ"أل" نحو: زيدٌ الحسنُ الوجهَ الجميلَهُ. والضمير في هاتين الصورتين منصوب، فصارت خمسة وسبعين.
والصفة إما أن تكون لمفرد مذكر أو لمثناه أو لمجموعه١ جمع سلامة أو جمع تكسير، أو لمفرد مؤنث أو لمثناه أو لمجموعه٢ جمع سلامة أو جمع تكسير، وهذا ثمان في خمس وسبعين تصير ستمائة.
وإذا نوعت نفس الصفة إلى مرفوعة ومنصوب ومجرورة، وضربتها في الستمائة تصير ألفًا وثمانمائة، وإذا نوعت نفس الصفة أيضًا من وجه آخر إلى مفرد مذكر ومثناه ومجموعه، إلى مفرد مؤنث ومجموعه، كانت ثمانيًا، فلا ضربت فيها الألف والثمانمائة تصير أربع عشرة ألفًا وأربعمائة.
قال: ويستثنى من هذه الصور الضمير، فإنه لا يكون مجموعًا جمع تكسير ولا جمع سلامة، وجملة صوره مائة وأربع وأربعون، فالباقي أربع عشرة ألفًا ومائتان وست وخمسون، بعضها جائز وبعضها ممتنع، فيخرج منها الممتنع على ما تقدم. انتهى.
_________________
(١) ١ في "ب": "أو لمجموع". ٢ في "ط": "أو لمجموع".
[ ٢ / ٥٦ ]
باب التعجب
مدخل
باب التعجب:
وهو استعظام زيادة في وصف الفاعل خفي سببها، وخرج بها المتعجب منه عن نظائره، أو قل نظيره، قاله ابن عصفور١.
فخرج بـ: "وصف الفاعل" وصف المفعول، فلا يقال: ما أضرب زيدًا، تعجبًا من الضرب الواقع على زيد، وبـ: "خفي سببها" الأمور الظاهرة الأسباب، فلا يتعجب في شيء منها لقولهم: "إذا ظهر السبب بطل العجب" وبـ: "قلة النظائر والخروج عنها" ما تكثر نظائره في٢ الوجود ولا يستعظم، فلا يتعجب منه٣.
"و" التعجب٤ "له عبارات" كثيرة واردة في الكتاب والسنة ولسان العرب، فمن الكتاب "نحو" قوله تعالى: " ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ " [البقرة: ٢٨] "و" من السنة قوله -ﷺ- لأبي هريرة -﵁: $"سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس"٥. "و" من كلام العرب قولهم٦: "لله دره فارسًا". وإنما لم يبوب لها في النحو لأنها لم تدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة.
"والمبوب له منها٦ في النحو" صيغتان "اثنتان" موضوعتان له:
_________________
(١) ١ المقرب ١/ ٧١. ٢ في "أ": "من"، والتصويب من "ب"، "ط". ٣ انظر المقرب ١/ ٧١. ٤ سقطت من "ب". ٥ أخرجه البخاري في كتاب الغسل برقم ٢٨١، ومسلم في الحيض برقم ٣٧١. ٦ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٥٧ ]
"إحداهما: ما أفعله، نحو: ما أحسن زيدًا"، وإليها أشار الناظم بقوله:
٤٧٤-
بأفعل انطق بعد ما تعجبا
والكلام فيها في شيئين، في "ما"١ و"أفْعَلَ"، "فأما: ما" التعجبية "فأجمعوا على اسميتها، لأن في "أحسن" ضميرًا يعود عليها" اتفاقًا، والضمير لا يعود إلا على الأسماء، و"أجمعوا" أيضًا "على أنها مبتدأ لأنها مجردة" عن العوامل اللفظية "للإسناد إليها"، وأما ما روي عن الكسائي أنها لا موضع لها من الإعراب، فشاذ لا يقدح في الإجماع. "ثم" بعد الاتفاق على أنها سم مبتدأ، اختلفوا في معناها، "قال سيبويه" وجمهور البصريين: "هي نكرة تامة بمعنى شيء، وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب٢"، كما قالوا في قول١ الشاعر: [من الكامل]
٦٠٥-
عجب لتلك قضية وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب
"وما بعدها" من الجملة الفعلية "خبر، فموضعه رفع٣.
وقال الأخفش٤: هي" أي: ما "معرفة ناقصة" أي موصولة "بمعنى "الذي" وما بعدها" من الجملة الفعلية "صلة" لها فلا موضوع له" من الإعراب. "أو نكرة ناقصة"؛ أي نكرة موصوفة بمعنى "شيء" "وما بعدها" من الجملة الفعلية "صفة" لها، "فمحله رفع" تبعًا لمحل "ما".
"وعليهما" أي على قول الأخفش من التعريف والتنكير الناقصين؛ "فالخبر" أي خبر المبتدأ الذي هو "ما" التعجبية "محذوف وجوبًا، أي": الذي، أو شيء أحسن زيدًا "شيء عظيم"، ورد بأنه يستلزم مخالفة النظائر من وجهين:
أحدهما: تقديم الإفهام بالصلة أو الصفة وتأخير الإبهام بالتزام حذف الخبر، والمعتاد فيما تضمن من الكلام إفهامًا وإبهامًا تقدم الإبهام٥.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ انظر الكتاب ١/ ٣٢٨-٣٢٩، وشرح ابن الناظم ص٣٢٦، وشرح قطر الندى ص٣٢١.
(٢) البيت لضمرة بن جابر في الدرر ١/ ٤١٦، ولهني بن أحمر في الكتاب ١/ ٣١٩، ولسان العرب ٦/ ٦١ "حيس"، ولهمام بن مرة في الحماسة الشجرية ١/ ٢٥٦، ولرؤبة في شرح المفصل ١/ ١٤، وبلا نسبة في سمط اللآلي ص٢٨٨، وشرح الأشموني ١/ ٩٧، وشرح قطر الندى ص٣٢١، وهمع الهوامع ١/ ١٩١. ٣ انظر شرح المفصل ٧/ ٤٩، والكتاب ١/ ٧٢. ٤ انظر المفصل ٧/ ١٤٩، والارتشاف ٣/ ٣٣. ٥ في "أ": "ما تقدم"؛ بزيادة "ما".
[ ٢ / ٥٨ ]
والثاني: التزام حذف الخبر دون شيء يسد مسده.
وروي عن الأخفش قول ثالث موافق لقول سيبويه والجمهور، وذهب الفراء وابن درستويه إلى أن "ما" استفهامية، ونقله في شرح التسهيل١ عن الكوفيين، وهو موافق لقولهم باسمية "أفْعَلَ" فإن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه إلا الأسماء نحو: ﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] .
والأصح ما ذهب إليه سيبويه وأصحابه، لأن قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي٢، وسبب الاختصاص بها خفي فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتتح بنكرة غير مختصة ليحصل بذلك إبهام متلو بإفهام، ولا شك أن الإفهام حاصل بإيقاع "أفعل" على المتعجب منه، إذ لا يكن إلا مختصًا، فتعين كون الباقي وهو "ما" مقتضيًا للإبهام.
"وأما: أفْعَلَ" بفتح العين "كـ: أحْسَنَ" ففيه خلاف، "فقال البصريون والكسائي" وهشام: "فعل" ماض "للزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية، نحو: ما أفقرني إلى ﵀"، وما أحسنني إن اتقيت الله، "ففتحته" التي في آخره "بناء" لا إعراب، "كالفتحة في "ضرب" من" قولك: "زيد ضرب عمرًا، وما بعده" من الاسم المنصوب "مفعول به"، كما أن بعد "ضرب" من الاسم المنصوب مفعول به، فإعراب: ما أحسن زيدًا، مثل٣ إعراب: زيد ضرب عمرًا، حرفًا بحرف.
"وقال بقية الكوفيين" غير الكسائي وهشام: "أفْعَلَ" "اسم لقولهم" أي العرب "ما أحيسنه" وما أميلحه، بالتصغير، ولم يصغروا غيرهما، والتصغير من خصائص٤ الأسماء، "ففتحته" التي في آخره "إعراب" لا بناء "كالفتحة في" "عندك" من قولك: "زيد عندك، وذلك لأن مخالفة الخبر للمبتدأ" في المعنى "تقتضي عندهم نصبه" أي: نصب الخبر، بخلاف ما إذا كان الخبر هو المبتدأ في المعنى كـ: ﴿اللَّهِ رَبِّنَا﴾ [الشورى: ١٥] أو مشبهًا به نحو: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فإنه يرتفع ارتفاعه. ولما كان مخالفًا له بحيث لا يحمل عليه حقيقة ولا حكمًا خالفه في الإعراب.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ٣٢. ٢ بعدها في "أ": "خبر". ٣ سقطت من "ب". ٤ في "أ"، "ب": "خواص"، وأثبت ما في "ط".
[ ٢ / ٥٩ ]
والناصب له عندهم معنوي، وهو معنى المخالفة التي اتصف بها، ولا يحتاج إلى شيء يتعلق به الخبر، "و: أحْسَنَ؛ إنما هو في المعنَى وصف لـ: زيد، لا لضمير: ما" فلذلك نَصَبَ. "و: زيدًا؛ عندهم مشبه بالمفعول به"، لأن ناصبه وصف قاصر١، فأشبه نصبَ الوجهِ في قولك: "زيدٌ حسنٌ الوجه". وأجيب بأن التصغير في "أفعل" شاذ، ووجه تصغيره أنه أشبه الأسماء عمومًا لجموده، وأنه لا مصدر له. أو أنهم٢ ذهبوا بتصغيره إلى معنى المصدر حيث لزم صيغة واحدة. قاله أبو البقاء٣. وأشبه أفعل التفضيل خصوصًا بكونه على وزنه، وبدلالته على الزيادة، وبكونهما لا يبنيان إلا مما استكمل شروطًا، يأتي ذكرها.
وندر حذف همزة "أفعل" سمع: ما خيره وما شره، بمعنى: ما أخيره وأما أشره، ولما حذفوا همزة "أخير" حركوا الخاء بحركة الياء، ومنهم من لم يحركها ويحذف ألف "ما" ويقول: مخيره، وسمع الكسائي: مخبثه.
"الصيغة الثانية" من صيغتي التعجب: "أفعل به" بكسر العين، "نحو أحسن بزيد" وإليها الإشارة بقول الناظم:
٤٧٤-
أو جيء بأفعل قبل مجرور ببا
"وأجمعوا على فعلية: أفعل" لأنه على صيغة لا تكون إلا للفعل، فأما أصبع بفتح الهمزة، لغة في إصبع فنادر، وفي كلام ابن الأنباري ما يدل على أن "أفعل" اسم. قال المرادي٤: ولا وجه له.
"ثم" بعد اتفاقهم على فعليته اختلفوا في حقيقه، "قال البصريون"؛ جمهورهم: "لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر" فمدلوله ومدلول "أحسن" في: ما أحسن زيدًا من حيث التعجب واحد، "وهو في الأصل فعل ماض" صيغته "على صيغة: أفْعَلَ" بفتح العين، وهمزته للصيرورة "بمعنى صار ذا كذا"، فأصل: "أحسن يزيد" أحسن زيد، أي صار ذا حسن، "كـ: أغد البعير، أي صار ذا غدة"، وأبقلت الأرض: أي صارت ذات بقل، "ثم غيرت الصيغة" الماضوية، إلى الصيغة الأمرية، فصار: أحسن زيد، بالرفع، "فقبح إسناد" لفظ "صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر"، لأن صيغة
_________________
(١) ١ في "ب": "فعل". ٢ في "ب": "أو لأنهم". ٣ ورد قوله في كتابه التبيين ص٢٩٠-٢٩١. ٤ شرح المرادي ٣/ ٦٣.
[ ٢ / ٦٠ ]
الأمر لا ترفع الاسم الظاهر، "فزيدت الباء في الفاعل ليصير على صورة المفعول به" المجرور بالباء. "كـ: امرر بزيد: ولذلك" القبح "التزمت" زيادتها صونًا للفظ عن الاستقباح، "بخلافها" أي: بخلاف زيادة الباء "في" فاعل الفعل الماضي نحو: " ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ " [الرعد: ٤٣] "فيجوز تركها" المجرور لعدم الاستقباح "كقوله"؛ وهو سحيم؛ بمهملتين؛ عبد بني الحسحاس؛ بمهملات أربع: [من الطويل]
٦٠٦-
عميرة ودع إن تجهزت غاديًا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا
فحذف الباء من فاعل "كفى".
"وقال الفراء والزجاج والزمخشري وابن كيسان وابن خروف": أفعل؛ بكسر العين في التعجب: "لفظه ومعناه الأمر" حقيقة، "وفيه ضمير" مستتر مرفوع على الفاعلية، "والباء للتعدية" داخلة على المفعول به لا زائدة١.
"ثم" اختلفوا في مرجع الضمير المستتر في "أفعل"، "قال ابن كيسان" من الكوفيين: "الضمير" المستتر في أفعل٢ للحسن المدلول عليه بـ: أحسن، كأنه قيل: أحسن يا حسن بزيد، أي: دم به والزمه، ولذلك كان الضمير مفردًا على كل حال، لأن ضمير المصدر كالمصدر لا يثنى ولا يجمع، واستحسنه ابن طلحة.
"وقال غيره" أي غير ابن كيسان من المتقدم ذكرهم، وهم: الفراء من الكوفيين، والزجاج من البصريين، وابن خروف والزمخشري من المتأخرين: الضمير المستتر في "أفعل" "للمخاطب" المستدعي منه التعجب، وكان القياس أن يقال في التأنيث: أحسني، وفي التثنية: أحسنا. وفي الجمع: أحسنوا أو أحسنَّ، "وإنما التزم إفراده" وتذكيره واستتاره، "لأنه" أي: أفعل المستتر فيه الضمير "كلام جرى مجرى المثل"، والأمثال لا تغير عن حالها.
_________________
(١) البيت لسحيم عبد بني الحسحاس في الإنصاف ١/ ١٦٨، وخزانة الأدب ١/ ٢٦٧، ٢/ ١٠٢، ١٠٣، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٤١، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٢٥، والكتاب ٢/ ٢٦، ٤/ ٢٢٥، ولسان العرب ١٥/ ٢٢٦ "كفى"، ومغني اللبيب ١/ ١٠٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٦٥، وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٤٤، وأوضح المسالك ٣/ ٢٥٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣٦٤، وشرح عمدة الحافظ ص٤٢٥، وشرح قطر الندى ص١٣٢٣، وشرح المفصل ٢/ ١١٥، ٧/ ٨٤، ١٤٨، ٨/ ٢٤، ٩٣، ١٣٨، ولسان العرب ١٥/ ٣٤٤، "نهى"، وشرح التسهيل ٣/ ٢٤. ١ انظر الارتشاف ٣/ ٣٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٧٨. ٢ سقط من "ب": "المستتر في أفعل".
[ ٢ / ٦١ ]
وضعف مذهب جمهور البصريين بثلاثة أوجه: أحدها: استعمال الأمر بمعنى الماضين وهو ما لم يعهد والمعهود عكسه. والثاني: استعمال أفعل بمعنى "صار" وهو قليل، والثالث: زيادة الباء في الفاعل.
ورد ابن مالك قول الفراء وموافقيه بأربعة أوجه١:
أحدها: أنه لو كان أمرًا لزم إبراز ضميره.
الثاني: أنه لو كان أمرًا لم يكن الناطق به متعجبًا، كما لا يكون الأمر بالخلف ونحوه حالفًا، ولا خلاف في كونه متعجبًا.
الثالث: أنه لو كان مسندًا إلى ضمير المخاطب لم يلِهِ ضمير المخاطب في نحو: أحسن بك.
الرابع: أنه لو كان أمرًا لوجب له من الإعلال ما وجب لـ: أقم وأبن.
ويجوز حذف الباء إذا كان المتعجب منه "أن" المصدرية وصلتها كقوله "من الطويل"
٦٠٧-
وأحبب إلينا أن يكون المقدما
أي: بأن يكون، دون "أن" المشددة وصلتها لعدم السماع، فهذا حكم اختصت٢ به "أن" عن "أن" ونظيره: عسى أن يقوم. قاله الموضح في الحواشي٣.
وزاد بعضهم في التعجب صيغة ثالثة، وهي "فعل" بضم العين، نحو: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ [الكهف: ٥]، وزاد الكوفيون رابعة وهي: أفعل بغير "ما" فأجازوا تحويل الثلاثي إلى صيغة أفعل، وقالوا: أحسنت رجلا، وأكرمت رجلا بمعنى٤: ما أحسنك وما أكرمك. وزاد بعضهم اسم التفضيل متمسكًا بقول سيبويه٥: إن أفعل وما أفعله وأفعل به في معنى واحد.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ٣٣-٣٤.
(٢) صدر البيت: "وقال نبي المسلمين تقدموا"، وهو لعباس بن مرادس في ديوانه ص١٠٢، والدرر ٢/ ٢٩٢، ٢٩٧، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٥٦، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ٣٤، والجنب الداني ص٤٩، والدرر ٢/ ٥٨٠، وشرح ابن الناظم ص٣٣٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٦٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٥٧، وشرح التسهيل ٣/ ٣٥، ولسان العرب ١/ ٢٩٢ "حبب"، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٩٣، وهمع الهوامع ٢/ ٩٠، ٩١، ٢٢٧. ٢ في "ب": "اختص". ٣ انظر التسهيل ص١٣٠. ٤ في "ب": "يعني". ٥ الكتاب ٤/ ٩٧.
[ ٢ / ٦٢ ]
"مسألة": لا يتعجب إلا من معرفة أو نكرة مختصة١ نحو: ما أحسن زيدًا، وما أسعد رجلا اتقى الله، لأن المتعجب منه مخبر عنه في المعنى، فلا يقال: ما أسعد رجلا من الناس، لأنه لا فائدة في ذلك.
"ويجوز حذف المتعجب منه" إذا كان ضميرًا، كما "في مثل: ما أحسنه"، و"إن دل عليه دليل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٧٦-
وحذف ما منه تعجبت استبح إن كان عند الحذف معناه يضح
"كقوله"؛ وهو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: [من الطويل]
٦٠٨-
جزى الله عني والجزاء بفضله ربيعة خيرًا ما أعف وأكرما
أي: ما أعفها وأكرمها.
"وفي" مثل "أفعل به؛ إن كان؛ أفعل"؛ بكسر العين؛ "معطوفًا على آخر مذكور معه مثل ذلك المحذوف نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] أي: بهم وقوله: [من الرجز]
٦٠٩-
أعزز بنا واكتف إن دعينا يوما إلى نصرة من يلينا
أي: واكتف بنا. وإنما حذف للدليل مع كونه فاعلا، لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلية، خلافًا للفارسي وجماعة ذهبوا إلى أنه لم يحذف، ولكنه استتر في الفعل حين حذفت الباء، كما في قولك: زيد كفى به كاتبًا. زيد كفى كاتبًا.
ورده ابن مالك بوجهين٢:
أحدهما: لزوم إبرازه حينئذ في التثنية والجمع، والثاني: أن من الضمائر ما لا يقبل الاستتار، كـ:"نا" من: أكرم بنا، فإن لم يدل عليه دليل لم يجز حذفه.
أما في "ما أفعله" فلعروه إذا ذاك عن الفائدة، فإنك لو قلت: ما أحسن أو ما أجمل، لم يكن كلامًا، لأن معناه أن٣ شيئًا صير الحسن واقعًا على مجهول، وهذا مما لا
_________________
(١) ١ سقطت من "ب".
(٢) البيت للإمام علي بن أبي طالب في ديوانه ص٤٩١، والدرر ٢/ ٢٩٦، وشرح ابن الناظم ص٣٢٨، والعقد الفريد ٥/ ٢٨٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٤٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٥٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٦٤، وهمع الهوامع ٢/ ٩١.
(٣) الرجز بلا نسبة في الدرر ٢/ ٣٢٨، وشرح التسهيل ٣/ ٣٧. ٢ شرح التسهيل ٣/ ٣٧. ٣ في "ب": "ما".
[ ٢ / ٦٣ ]
ينكر وجوده، ولا يفيد التحدث به. وأما نحو "أفعل به" فلا يحذف منه المتعجب منه لغير دليل؛ لأنه فاعل، "وأما قوله" وهو عروة بن الورد: [من الطويل]
٦١٠-
فذلك إن يلق المنية يلقها حميدًا وإن يستغن يومًا فأجدر
فحذف المتعجب منه، ولم يكن معطوفًا على مثله، "أي": فأجدر "به" حميدًا، "فشاذ" أو قليل.
"مسألة: وكل من هذين الفعلين وهم: ما أفعله وأفعل به، ممنوع التصرف" اتفاقًا. قاله ابن مالك١، وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٧٧-
وفي كلا الفعلين قدمًا لزما منع تصرف بحكم حتما
وأجاز هشام أن يؤتى بمضارع "ما أفعله" فتقول: ما يحسن زيدًا، وهو قياس، ولم يسمع، فلا يقدح في الإجماع.
وليس "أفعل" أمرًا من "أفعل" لاختلاف مدلولي٢ الهمزة عند الجمهور، لأنها في التعجب للصيرورة، وفي غيره للنقل، "فالأول" وهو: ما أفعله "نظير: تبارك وعسى وليس" في الجمود وفي ملازمة المضي. "والثاني" وهو أفعل به "نظير "هب" بمعنى: اعتقد، و"تعلم" بمعنى: اعلم" في الجمود وفي ملازمة صيغة الأمر.
"وعلة جمودها تضمنهما معنى حرف التعجب الذي كان يستحق الوضع"
ولم يوضع.
"مسألة: ولعدم تصرف هذين الفعلين" الدالين على التعجب "امتنع أن يتقدم عليهما معمولهما، و" امتنع "أن يفصل بينهما" وبين معموليهما٣ "بغير ظرف أو مجرور، لا تقول: ما زيدًا أحسن"، بتقدم معمول "أحسن" عليه "ولا" تقول:
_________________
(١) البيت لعروة بن الورد في ديوانه ص١٥، والأصمعيات ص٤٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٤٢٤، وشرح عمدة الحافظ ص٧٥٥، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٥٠، وله أو لحاتم الطائي في الأغاني ٦/ ٣٠٣، وخزانة الأدب ١/ ٩، ١٠/ ١٣، ولحاتم الطائي في الدرر ٢/ ١٠٣، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في الأغاني ٦/ ٢٩٦، وأوضح المسالك ٣/ ٢٦٠، وشرح ابن الناظم ص٣٢٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٦٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٥٢، وشرح التسهيل ٣/ ٣٧، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٧٩، وهمع الهوامع ٢/ ٣٨. ١ شرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٨٠. ٢ في "ب": "مدلول". ٣ في "ب": "ومعمولهما".
[ ٢ / ٦٤ ]
"يزيد أحسن"، بتقديم معمول "أحسن" عليه، "وإن قيل: إن "بزيد" مفعول" به، كما يقول به الفراء وأصحابه، لعدم التصرف، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٨٣-
وفعل هذا الباب لن يقدما معموله
"وكذلك لا تقول: ما أحسن؛ يا عبد الله؛ زيدًا". بالفصل بالمنادى بين "أحسن" ومعموله، بلا خلاف، كما يؤخذ من كلام الشارح١، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٨٣-
ووصله بما الزما
وفي الكلام الفصيح ما يدل على جوازه، كقول على -﵁- لما رأى عمار بن ياسر مقتولا: "أعزز علي؛ أبا اليقظان؛ أن أراك صريعًا مجدلا" أي مرميا على الجدالة، بفتح الجيم، وهي الأرض. قال ابن مالك٢: وهذا مصحح للفصل بالمنادى.
"ولا" تقول "أحسن؛ لولا بخله؛ بزيد"، بالفصل بـ"لولا" الامتناعية ومصحوبها، وأجاز ذلك ابن كيسان٣، قال المرادي٤: ولا حجة له على ذلك.
وأجاز الجرمي الفصل بالمصدر نحو: ما أحسن؛ إحسانًا؛ زيدًا، ومنعه الجمهور لمنعهم أن يكون له مصدر، وأجاز الجرمي وهشام الفصل بالحال نحو: ما أحسن؛ راكبًا؛ زيدًا، وأحسن؛ راكبًا؛ بزيد٥.
"واختلفوا في الفصل بظرف أو مجرور" حال كونهما "متعلقين بالفعل" الدال على التعجب، "والصحيح الجواز" للتوسع فيهما، وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٨٤-
وفصله بظرف أو بحرف جر مستعمل والخلف في ذاك استقر
فذهب الأخفش والمبرد وأكثر البصريين إلى المنع٦، وذهب الفراء والجرمي
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٣٣١: "لا خلاف في امتناع تقديم معمول فعل التعجب عليه، ولا في امتناع الفصل بينه وبين المتعجب منه بغير الظرف، والجار والمجرور، كالحال والمنادى". ٢ شرح التسهيل ٣/ ٤١. ٣ الارتشاف ٣/ ٤١. ٤ شرح المرادي ٣/ ٧٢. ٥ انظر الارتشاف ٣/ ٣٧، وشرح ابن الناظم ص٣٣٢. ٦ شرح ابن الناظم ص٣٣٢، وشرح المفصل ٧/ ١٥٠.
[ ٢ / ٦٥ ]
والمازني والزجاج والفارسي وابن خروف والشلوبين إلى الجواز١، "كقولهم: ما أحسن بالرجل أن يصدق، وما أقبح به أن يكذب، وقوله"؛ وهو أوس بن حجر: [من الطويل]
٦١١-
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها وأحر إذا حالت بأن أتحولا
ففصل بـ"إذا" الظرفية بين "أحر" ومعموله، وهو "أن" وصلتها، وليس لسيبويه في ذلك نص٢.
"ولو تعلق الظرف والمجرور بمعمول فعل التعجب لم يجز الفصل به اتفاقًا"، كما قال ابن مالك في شرح التسهيل٣ "نحو: ما أحسن معتكفًا في المسجد، وأحسن بجالس عندك"، فلا يقال فيهما: ما أحسن في المسجد معتكفا، وأحسن عندك بجالس، لئلا يلزم الفصل بين العامل ومعموله بمعمول معموله.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٣٣١.
(٢) البيت لأوس بن حجر في ديوانه ص٨٣، وتذكرة النحاة ص٢٩٢، وحماسة البحتري ص١٢٠، وشرح عمدة الحافظ ص٧٤٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٥٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٦٣، وشرح ابن الناظم ص٣٣٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٦٩، وشرح التسهيل ٣/ ٤١، وشرح الشافية ٢/ ١٠٩٦. ٢ انظر شرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٨٩، وفي شرح ابن الناظم ٣٣١: "حكى الصيمري أن مذهب سيبويه منع الفصل بالظرف بين فعل التعجب ومعموله، والصواب أن ذلك جائز، وهو المشهور والمتصور". ٣ شرح التسهيل ٣/ ٤٠.
[ ٢ / ٦٦ ]
فصل:
"وإنما يبنى هذا الفعلان مما اجتمعت١ في ثمانية شروط:
أحدها: أن يكون فعلا، فلا يبنيان من" الاسم، نحو "الجلف" بالجيم، وهو في الأصل الدن الفارغ، "و" في القاموس٢: "الجلف" بالكسر: الرجل الجافي، وقد جلف جلف: كـ"فرح" جلفا وجلافة. انتهى. فأثبت له فعلا، فيبنى من فعله.
"والحمار": وهو الحيوان المعروف، "فلا يقال: ما أجلفه" أي: أجفاه، وفيه ما تقدم عن القاموس. "ولا" يقال: "ما أحمره" أي: أبلده، "وشذ: ما أذرع المرأة، أي: ما أخف يدها في الغزل، بنوه من قولهم: امرأة ذراع"، بفتح أوله.
قال في القاموس٣: والذراع: كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل، ويكسر، واقتصر في "الضياء" على الفتح.
وقال ابن القطاع في الأفعال٤: ذرعت المرأة: خفت يدها في العمل، فهي ذراع.
وعلى هذا لا شذوذ في قولهم: ما أذرع المرأة.
"ومثله" في الشذوذ: "ما أقمنه" بكذا، "وما أجدره بكذا"، فالأول بنوه من قولهم: هو قمن بكذا، والثاني من قولهم: هو جدير بكذا، والمعنى فيهما: ما أحقه بكذا، ولا فعل لهما٥.
الشرط "الثاني: أن يكون" الفعل "ثلاثيًّا فلا يبنيان من" رباعي مجرد ولا من مزيد فيه، ولا ثلاثي مزيد حرفًا أو حرفين أو ثلاثة، نحو: "دحرج" وتدحرج،
_________________
(١) ١ في "ب": "اجتمع". ٢ القاموس المحيط "جلف". ٣ القاموس المحيط "ذرع". ٤ كتاب الأفعال ١/ ٣٨٦ ٥ انظر شرح ابن الناظم ص٣٣١.
[ ٢ / ٦٧ ]
"وضارب" وانطلق "واستخرج"، لأن بناءهما من ذلك يفوت الدلالة على المعنى المتعجب منه.
أما ما أصوله أربعة فلأنه يؤدي إلى حذف بعض الأصول، ولا خفاء في إخلاله بالدلالة، وأما المزيد يؤدي إلى حذف الزيادة الدالة على معنى مقصود، ألا ترى أنك لو بنيت "أفعَلَ" من ضارب وانطلق واستخرج، فقلت: ما أضربه وأطلقه وأخرجه، لفاتت الدلالة على معنى المشاركة والمطاوعة والطلب، "إلا "أفْعَلَ" فقيل: يجوز" بناؤهما منه قياسًا "مطلقًا"، سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا، وهو مذهب سيبويه والمحققين من أصحابه١، واختاره في التسهيل وشرحه٢.
"وقيل: يمتنع مطلقًا" إلا أن يشذ منه شيء فيحفظ ولا يقاس عليه، وهو مذهب المازني والأخفش والمبرد وابن السراج والفارسي، ومن وافقهم٣.
"وقيل: يجوز إن كانت الهمزة لغير النقل، نحو: ما أظلم الليل، وما أقفر هذا" المكان، ويمتنع إن كانت للنقل، نحو: ما أذهب نوره، وإليه ذهب ابن عصفور٤.
قال الشاطبي: وهذه التفرقة لم يقل بها أحد، ولا ذهب إليها نحوي، ويكفيه في الرد مخالفته للإجماع بناء على أن إحداث قول خرق للإجماع، ثم أطال في الرد عليه.
"وشذ على هذين القولين" وهما: المنع مطلقًا والمنع في أحد شقي التفصيل: "ما أعطاه للدراهم٥ وما أولاه للمعروف"، مما الهمزة فيه للنقل من المتعدي لواحد إلى المتعدي إلى اثنين قبل التعجب، فإذا تعجبت كان لك ثلاثة أوجه:
أحدهما: الاقتصار على الذي كان فاعلا، فتقول: ما أعطى زيدًا وما أولاه.
والثاني: أن تزيد عليه أحد المفعولين مجرورًا باللام، فتقول: ما أعطاه للدراهم.
وما أولاه للمعروف.
والثالث: أن تزيد عليهما المفعول الآخر منصوبًا بمحذوف عند البصريين وبالمذكور عند الكوفيين٦، فتقول: ما أعطى زيدًا للفقراء الدراهم. وما أولاه للفقراء
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٣/ ٤٢. ٢ التسهيل ص١٣٢، وشرح التسهيل ٣/ ٤٦. ٣ الارتشاف ٣/ ٤٢، والإيضاح العضدي ١/ ٩٣. ٤ المقرب ١/ ٧٣. ٥ في "ب": "للدرهم". ٦ انظر شرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٩٥.
[ ٢ / ٦٨ ]
المعروف، وإن شئت نصبت الثلاثة إذا لم يكن لبس، فتقول: ما أعطى زيدًا الفقراء الدراهم وما أولاه الفقراء المعروف. وتقدير المحذوف١ عند البصريين: أعطاهم الدراهم وأولاهم المعروف.
واختلف في بناء فعلي٢ التعجب من الثلاثي المزيد إذا أجرى مجرى الثلاثي، نحو: اتقى وامتلأ وافتقر واستغنى، فذهب ابن السراج وطائفة إلى الجواز٣، لأنهم أجروه مجرى الثلاثي المجرد من الزوائد لا مجرى المزيد، بدليل قولهم في الوصف منه: تقي ومليء وفقير وغني.
وذهب ابن خروف وجماعة إلى المنع، لأن العلة التي من أجلها امتنع بناؤهما من المزيد غير الجاري مجرى المجرد موجودة هنا، وهي هدم٤ البنية وحذف زوائدها لغير موجب مع وجود الغنى عن ذلك بـ: أشد وأشدد، ونحوهما.
"و" شذ "على كل قول" من أقوال المانعين: "ما أتقاه" لله٥ "وما أملأ القربة، لأنهما من اتقى" بتشديد التاء، "وامتلأت"، وما أفقرني إلى عفو الله، وما أغناني عن الناس إن قنعت، لأنهما من افتقر واستغنى، وإن كان قد سمع تقي بمعنى خاف، وملؤ بمعنى امتلأ، وفقر، بضم القاف وكسرها، بمعنى افتقر، وغني بمعنى استغنى لندوره.
"و" شذ "ما أخصره لأنه من اختصر، وفيه شذوذ آخر، سيأتي"، وهو أنه مبني للمفعول.
الشرط "الثالث: أن يكون" الفعل "متصرفا"، لأن التصرف فيما لا٦ يتصرف نقض لوضعه، وعدم التصرف على وجهين.
أحدهما: يكون بخروج الفعل عن طريقة الأفعال من الدلالة على الحدث والزمان كـ: نعم وبئس.
_________________
(١) ١ في "ب": "والتقدير" مكان "وتقدير المحذوف". ٢ في "ب": "فعل". ٣ انظر المقتضب ٤/ ١٧٩، والأصول ١/ ٩٩-١٠٠. ٤ في "ب": "عدم". ٥ في "ب": "له". ٦ في "أ": "لم".
[ ٢ / ٦٩ ]
والثاني: يكون بمجرد الاستغناء عن تصرفه غيره، وإن كان باقيًا على أصله من الدلالة على الحدث والزمان، كـ: يذر ويدع، حيث استغني عن ماضيهما بماضي "يترك". وكلا القسمين مراد هنا، فلا يبنيان من: نعم وبئس ويذر ويدع، فلا يقال: ما أنعمه وأبأسه، وأنعم به وأبئس به، وهما باقيان على معناهما من إنشاء المدح والذم، ولا ما أوذره، ولا ما أودعه، وشذ ما أعساه أو أعس به١.
الشرط "الرابع: أن يكون معناه قابلا للتفاضل" في الصفات الإضافية التي تختلف بها أحوال الناس، سواء كانت بالنسبة إلى شخص واحد في حالين، كـ: العلم الجهل، أو شخصين، كـ: الحسن والقبح، فتقول: ما أعلمه يوم الخميس، وما أجهله يوم الأربعاء، وما أحسنه وما أقبحه، بخلاف ما لا يقبل التفاضل ويشترك فيه الجميع "فلا يبنيان من نحو: فني ومات" لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه.
الشرط "الخامس: أن لا يكون" الفعل "مبنيًّا للمفعول" تحويلا أو تأصيلا، "فلا يبنيان من نحو: ضرب" زيد بضم أوله وكسر ما قبل آخره، فلا يقال: ما أضرب زيدًا، وأنت تريد التعجب من الضرب الذي وقع على زيد، لئلا يلتبس التعجب منه بالتعجب من فعل الفاعل، "وشذ: ما أخصره، من وجهين": الزيادة على الثلاثة والبناء للمفعول٢، "وبعضهم يستثني" من الفعل المبني للمفعول "ما كان ملازمًا لصيغة: فُعِلَ" بضم أوله وكسر ثانيه، "نحو: عُنِيتُ بحاجتك، وزُهِيَ علينا" بمعنى تكبر "بضم أولهما وكسر ما قبل آخرهما"٣ فيجيز التعجب منه لعدم اللبس، فتقول: "ما أعناه بحاجتك، وما أزهاه علينا"، وجرى على ذلك ابن مالك٤ وولده٥ بناء على أن علة المنع خوف الالتباس، وأما من جعل علة المنع التشبيه بأفعال الخلق بجامع أن كلا منهما لا كسب للمفعول فيه، فينبغي أن لا يستثني شيئًا، ويؤول ما ورد من ذلك، على أن التعجب فيه من فعل مفعول في معنى فعل فاعل لم ينطق به٦.
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن الناظم ص٣٣، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٨٢. ٢ شرح ابن الناظم ص٣٣١، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٨٢. ٣ إضافة من "ب". ٤ شرح الكافية الشافية ٢/ ١٠٨٦. ٥ شرح ابن الناظم ص٣٣١. ٦ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٧٠ ]
الشرط "السادس: أن يكون" للفعل "تامًّا، فلا يبنيان من نحو: كان وظل وبات وصار وكاد"، لأنهن نواقص، فلا يقال: من أكون زيدًا قائمًا، بنصب الخبر، ولا يجره باللام لتغير المعنى. هذا مذهب البصريين. وذهب الكوفيون إلى جواز: ما أكون زيدًا لأخيك، دون: ما أكون زيدًا لقائم، وحكى ابن السراج والزجاج عنهم: ما أكون زيدًا قائمًا، وهو مبني على أصلهم من أن المنصوب بعد كان حال١، فسهل الأمر عليهم، ولم يأت بذلك سماع.
الشرط "السابع: أن يكون" الفعل "مثبتًا، فلا يبنيان من" فعل "منفي، سواء كان ملازمًا للنفي نحو: ما عاج بالدواء، أي: ما انتفع به" ومضارعه "يعيج" ملازم للنفي أيضًا. قاله ابن مالك في شرح التسهيل٢، واعترض بأنه قد جاء في الإثبات، قال أبو علي القالي في نوادره٣: أنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي: [من الطويل]
٦١٢-
ولم أر شيئًا بعد ليلى ألده ولا مشربا أروى به فأعيج
أي: أنتفع به. وأما "عاج يعوج" بمعنى "مال يميل" فإن العرب استعملته مثبتًاومنفيًّا.
"أم غير ملازم" للنفي. "كـ: ما قام زيد"، وما عاج، أي: مال، فلا يقال: ما أقومه وما أعوجه، لئلا يلتبس المنفي بالمثبت.
الشرط "الثامن: أن لا يكون اسم فاعله على" وزن "أفعل فعلاء، فلا يبنيان من نحو: عرج" فهو أعرج، من العيوب، "وشهل" فهو أشهل، من المحاسن، وهو بالشين المعجمة، "وخضر الزرع" فهو أخضر، من الألوان، ولمي فهو ألمى من الحلى.
واختلف في المنع من ذلك فقيل٤: لأن حق صيغة التعجب أن تبنى من الثلاثي المحض، وأكثر أفعال الألوان والخلق إنما تجيء على "افْعَلَّ" بتسكين الفاء وبزيادة مثل اللام نحو: اخضر، فلم يبين فعلا التعجب في الغالب مما كان منها ثلاثيًّا إجراء للأقل مجرى الأكثر.
_________________
(١) ١ في "ب": "يكون منصوبًا على الحال" مكان "بعد كان حال". ٢ شرح التسهيل ٣/ ٤٤. ٣ أمالي القالي ٢/ ١٦٨.
(٢) البيت بلا نسبة في لسان العرب ٢/ ٣٣٦ "عيج"، وأمالي القالي ٢/ ١٦٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٧١، وشرح المرادي ٣/ ٦٨. ٤ هذا مذهب البصريين، انظر الإنصاف ١/ ١٥١، المسألة رقم ١٦، وشرح ابن يعيش ٧/ ١٤٤.
[ ٢ / ٧١ ]
وقيل١: لأن الألوان والعيون الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كـ: اليد والرجل وسائر الأعضاء في عدم التعجب منها.
وقيل: لأن بناء الوصف من٢ هذا النوع على أفعل، ولم يُبْنَ منه أفعل تفضيل لئلا يلتبس أحدهما بالآخر، ولما امتنع صوغ أفعل التفضيل منه امتنع صوغ فعلي التعجب منه لجريانهما مجرى واحدًا في أمور كثيرة، وتساويهما في الوزن والمعنى، وهذا الشرط مستفادة من قول الناظم:
٤٧٨-
وصغهما من ذي ثلاث صرفا قابل فضل ثم غير ذي انتفا
٤٧٩-
وغير ذي وصف يضاهي أشهلا وغير سالك سبيل فعلا
فهذه سبعة شروط، ويؤخذ الثامن من قوله:
٤٧٨-
ذي ثلاث
وبقي شرط تاسع لم يذكراه، وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره، نحو قال من القائلة٣، فإنهم لا يقولون: ما أقيله، استغناء بقولهم: ما أكثر قائلته. ذكره سيبويه٤.
ونحو: سكر وقعد وجلس، ضد "أقام" فإنهم لا يقولون: ما أسكره وأقعده وأجلسه، استغناء بقولهم: ما أشد سكره، وأكثر قعوده وجلوسه. وذكره ابن برهان، وزاد ابن عصفور٥: "قام وغضب ونام" وفي عد "نام" منها نظر، فقد حكى سيبويه٦: ما أنومه، وقد قالت العرب: هو أنوم من فهد٧.
_________________
(١) ١ هذا رأي الخليل كما في الكتاب ٤/ ٩٨، وانظر المقتضب ٤/ ١٨١. ٢ سقط من "ب": "الوصف من". ٣ في "ب": "المقايلة". ٤ الكتاب ٤/ ٩٩. ٥ المقرب ١/ ٧٤. ٦ الكتاب ٤/ ٩٩. ٧ المثل في مجمع الأمثال ١/ ١٥٨، ٢/ ٣٥٥، والدرر الفاخرة ٢/ ٤٠٠، وجمهرة الأمثال ٢/ ٣١٨، والمستقصى ١/ ٤٢٦، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٣٦١.
[ ٢ / ٧٢ ]
فصل:
"ويتوصل إلى التعجب من الزائد على ثلاثة، ومما وصفه على أفعل فعلاء بـ: ما أشد، ونحوه" كـ: ما أقوى وما أضعف، وما أكثر وما أقل، وما أعظم، وما أحقر، وما أكبر، وما أصغر، وما أحسن، وما أشبه ذلك.
"وينصب مصدرهما" أي مصدر ما زاد على الثلاثة ما وصفه على أفعل فعلاء "بعده" أي بعد أشد ونحوه "وبأشدد ونحوه" كـ: أضعف وأكثر وأكبر وأقلل وأعظم وأكبر وأصغر وأحسن وأقبح، وما أشبه ذلك.
"ويجر مصدرهما بعده" أي بعد أشدد ونحوه "بالباء" لزومًا، "فتقول" على الأول: "ما أشد أو أعظم دحرجته أو انطلاقه" في الزائد على الثلاث، "أو حمرته" أو عرجه، مما الوصف منه على أفعل فعلاء. "و" تقول على الثاني: "أشدد أو أعظم بهما"١ أي: بدحرجته وانطلاقه وحمرته وعرجه، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٤٨٠-
وأشدد او أشد أو شبههما يخلف ما بعض الشروط عدما
٤٨١-
ومصدر العادم بعد ينتصب وبعد أفعل جره بالبا يجب
"وكذا المنفي والمبني للمفعول" يتوصل إلى التعجب منهما بـ: أشد ونحوه٢، أو بـ: أشدد ونحوه، "إلا أن مصدرهما"؛ أي مصدر الفعل المنفي والفعل المبني للمفعول "يكون مؤولا" بـ"أن" والفعل المنفي، و"ما" والفعل المبني للمفعول، "لا صريحا نحو: ما أكثر أن لا يقوم، وما أعظم ما ضرب" بالنباء للمفعول، "وأشدد بهما" أي: بأن لا يقوم، وبـ: ما ضرب، فتأتي بالمصدر المؤول دون المصدر٣ الصريح، أما في المنفي فليتمكن من أن يستعمل معه النفي، وأن يعمل فيه الفعل الذي يتعجب بسببه، وأما
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "بها". ٢ في "ب": "منها". ٣ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٧٣ ]
المبني للمفعول فليبقى لفظ النفي١ ولفظ الفعل المبني للمفعول، لئلا يلتبس مصدره بمصدر المبني للفاعل "ولو أمن اللبس جاز إيلاؤه المصدر الصريح، نحو: ما أسرع نفاس هند، وأسرع بنفاسها" قاله الشارح٢.
"وأما الفعل الناقص فإن قلنا: له مصدر"؛ وهو الصحيح؛ "فمن النوع الأول"، فيؤتى له بمصدر صريح، "وإلا" نقل: له مصدر، "فمن" النوع "الثاني"، فيؤتى له بمصدر مؤول، "تقول" على الأول: "ما أشد كونه جميلا، أو" تقول على الثاني: "ما أكثر ما كان محسنًا، وأشدد وأكثر بذلك" أي: بكونه جميلا، وبما كان محسنًا.
"وأما الجامد" نحو: نعم وبئس ويدع ويذر، "والذي لا يتفاوت معناه" نحو: مات وفني، "فلا يتعجب منهما البتة"، فلا يتوصل إلى التعجب منهما بشيء، أما الجامد فلأنه لا مصدر له فينصب أو يجر، وأما الذي لا يتفاوت معناه فإنه وإن كان له مصدر فليس قابلا للتفاضل إلا إذا أريد٣ وصف زائد عليه، فيقال في نحو: مات زيد: ما أفجع موته، وأفجع بموته، كما يرشد إليه كلام الشارح٤.
ولا يختص التوصل بـ: أشد، مما فقد بعض الشروط، بل يجوز فيما استوفى الشروط، فتقول: ما أشد ضرب زيد لعمرو، وما ورد من بناء فعلي التعجب من غير استيفاء الشروط فنادر لا يقاس عليه، وتقدمت أمثلته في كلام الموضح وحكم عليها بالشذوذ، ونبه عليها في النظم بقوله:
٤٨٢-
وبالندور احكم لغير ما ذكر ولا تقس على الذي منه أثر
_________________
(١) ١ في "ب": "المنفي". ٢ شرح ابن الناظم ص٣٣١. ٣ في "ب"، "ط": "إن". ٤ شرح ابن الناظم ص٣٣٠.
[ ٢ / ٧٤ ]
باب نعم وبئس
مدخل
باب نعم وبئس:
"وهما" لإنشاء المدح والذم على سبيل المبالغة، وهي كيفية حكاية الخلاف في حقيقتها طريقان:
إحداهما١: أنهما "فعلان عند" جميع "البصريين والكسائي" من الكوفيين "بدليل" اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما عند جميع العرب، وفي الحديث: "من توضأ يوم الجمعة " فبها ونعمت"، ومن اغتسل فالغسل أفضل"٢، وتقول: بئست المرأة حمالة الحطب، "واسمان عند باقي الكوفيين بدليل" دخول حرف الجر عليهما في قول بعض العرب وقد بشر ببنت: "والله "ما هي بنعم الولد"، نصرها بكاء وبرها سرقة"٣. وقول آخر وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء السير: "نعم السير على بئس العير"٤. وأجيب٥: بأن الأصل: ما هي بولد مقول فيه نعم الولد، ونعم السير على عير مقول فيه بئس العير٦، فحذف الموصوف وصفته، وأقيم معمول الصفة مقامهما٧، فحرف الجر في الحقيقة إنما دخل على اسم محذوف.
_________________
(١) ١ انظر الإنصاف ١/ ٩٧، المسألة رقم ١٤. ٢ أخرجه البخاري في سننه ١/ ٥٢٢، وابن ماجه في سننه ١/ ١٨٠، والدرامي في سننه ١/ ٣٦٢. ٣ هذا القول من شواهد شرح ابن عقيل ٢/ ١٦١، وشرح ابن الناظم ٣٣٣، والإنصاف ١/ ٩٩، ١١٢. ٤ هذا القول من شواهد شرح ابن عقيل ٢/ ١٦٠، وشرح ابن الناظم ٣٣٣، والإنصاف ١/ ٩٩، ١١٢. ٥ انظر الإنصاف ١/ ١١٢-١١٣. ٦ سقط من "ب" قوله: "وأجيب بئس العير". ٧ في "ط": "مقامها".
[ ٢ / ٧٥ ]
الطريقة الثانية: وهي التي حررها ابن عصفور في تصانيفه المتأخرة، فقال١: لم يختلف أحد من البصريين والكوفيين أن نعم وبئس فعلان، وإنما الخلاف بين البصريين والكوفيين فيهما بعد إسنادهما إلى الفاعل، فذهب البصريون إلى أن "نعم الرجل" جملة فعلية، وكذلك "بئس الرجل" وذهب الكسائي إلى أن قولك: نعم الرجل وبئس الرجل، اسمان محكيان بمنزلة "تأبط شرًّا" فـ: نعم الرجل، عنده اسم للمدوح، وبئس الرجل: اسم للمذموم، وهما في الأصل جملتان محكيتان٢ نقلتا عن أصلهما، وسمي بهما.
وذهب الفراء إلى أن الأصل في "نعم الرجل زيد وبئس الرجل عمرو": رجل نعم الرجل زيد، ورجل بئس الرجل عمرو، فحذف الموصوف الذي هو "رجل" فأقيمت الصفة التي٣ هي الجملة من "نعم وبئس" وفاعلهما مقامه، فحكم لها بحكمه، فـ: نعم الرجل وبئس الرجل، عندهما رافعان لـ: زيد وعمرو، كما لو قلت: ممدوح زيد ومذموم عمرو.
ويرد قول الكسائي والفراء أنهم لا يقولون: إن نعم الرجل قائم، ولا: ظننت نعم الرجل قائمًا.
والطريق الأولى هي المشهورة وأصحها أن نعم وبئس فعلان جامدان، وعلى ذلك جرى الناظم فقال:
٤٨٥-
فعلان غير متصرفين نعم وبئس رافعان اسمين
وإنما لم يتصرفا للزومهما إنشاء المدح والذم على سبيل المبالغة، فنقلتا عما وضعتا له من الدلالة على المضي وصارتا للإنشاء، فـ"نعم" منقولة من قولك: نعم الرجل، إذا أصاب نعمة، و"بئس" منقولة من قولك: بئس الرجال، إذا أصاب بؤسًا.
ويجوز فيهما أربع لغات: فتح الأول وكسر الثاني على الأصل المنقول عنه، وفتح الأوصل أو كسره مع سكون الثاني وكسرهما عند بني تميم، ولا يجيز الحجازيون فيهما إلا٢ الأصل.
قال الخضراوي في أول شرح الإيضاح: "رافعان لفاعلين" عند البصريين
_________________
(١) ١ لم أجد ابن عصفور فيما عدت إليه من كتبه، وقد ذكره المرادي في شرحه ٣/ ٧٩. ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب": "الذي".
[ ٢ / ٧٦ ]
والكسائي، وأما عند جمهور الكوفيين القائلين باسمتيهما فقال [ابن العلج] ١ في البسيط: ينبغي أن يكون المرفوع بعدهما تابعًا عندهم لـ: نعم، إما بدلا أو عطف بيان، ونعم اسم يراد به الممدوح، فكأنك قلت: الممدوح الرجل زيد، [هذا على الطريق الأولى أما على الثانية فواضح] ١.
"معرفين بـ"أل" الجنسية" على أحد القولين، أو العهدية على القول الآخر، ثم اختلف القائلون بالجنسية على قولين:
أحدهما: أنها للجنس حقيقة، فالجنس كله ممدوح أو مذموم، والمخصوص مندرج تحته، لأنه فرد من أفراده، ثم نص عليه الخاص بعد العام الشامل له ولغيره، ونسب إلى سيبويه٢، ورد بأدائه إلى التكاذب في نحو قولك: نعم الرجل زيد وبئس الرجل عمرو.
والثاني أنها للجنس مجازًا لأنك لم تقصد إلا مدح معين، ولكنك جعلته جميع الجنس مبالغة.
واختلف القائلون بالعهد على قولين أيضًا:
أحدهما: أنها لمعهود ذهني، فهي مشار بها إلى ما في الأذهان من حقيقة رجل، كما تقول: اشتر اللحم، ولا تريد الجنس ولا معهودًا تقدم.
والثاني: أنها للعهد في الشخص الممدوح، كأنك قلت: زيد نعم هو: قاله ابن ملكون والجواليقي، ومثالهما٣ نحو: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤] "و: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٣٠] . "أو" معرفين "بالإضافة إلى ما قارنها" أي "أل" "نحو: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠] "و: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] .
"أو" معرفين بالإضافة "إلى مضاف لما قارنها، كقوله" وهو أبو طالب عم النبي -ﷺ: [من الطويل]
٦١٣-
فنعم ابن أخت القوم غير مكذب زهير حسام مفرد من حمائل
_________________
(١) ١ إضافة من "ب". ٢ شرح التسهيل ٣/ ١٢١. ٣ سقطت من "ب".
(٢) البيت لأبي طالب في خزانة الأدب ٢/ ٧٢، والدرر ٢/ ٢٦٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٥، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٦، وأوضح المسالك ٣/ ٢٧٢، وشرح ابن الناظم ص٣٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٧١، وشرح التسهيل ٣/ ٩، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١١٠٥، وهمع الهوامع ٢/ ٨٥.
[ ٢ / ٧٧ ]
فـ:غير:حال، وزهير: مخصوص بالمدح مرفوع على الابتداء، وخبره ما قبله، أو خبر لمبتدأ محذوف، وحسام مفرد: خبر إن لمبتدأ محذوف؛ أي: هو حسام مفرد، لا نعتان لـ"زهير" لأن المعرفة لا تنعت بالنكرة، واقتصر الناظم على قوله:
٤٨٥-
رافعان اسمين
٤٨٦-
مقارني أل أو مضافين لما قارنها
"أو" رافعان لفاعلين "مضمرين مستترين" وجوبًا في نعم وبئس "مفسرين بتمييز" لكل منهما، مطابق لهما في المعنى، قابل "أل" مذكور غالبًا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٨٧-
ويرفعان مضمرًا يفسره مميز
"نحو: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ " [الكهف: ٥٠] ففي "بئس" ضمير مستتر فيها، مرفوع على الفاعلية، بدلا: تمييز مفسر [له] ١، والتقدير: بئس هو، أي: البدل. "وقوله" في مدح هرم بن سنان: [من البسيط]
٦١٤-
نعم امرأ هرم لم تعر نائبة إلا وكان لمرتاع لها وزرًا
ففي "نعم ضمير مستتر فيها مرفوع على الفاعلية، وامرأ: تمييز مفسر له، والتقدير: نعم هو، أي: المراد، وهرم: مخصوص بالمدح.
ومن غير الغالب قولهم: إن فعلتَ كذا فبها ونعمت. قال ابن عصفور٢: "التقدير: نعمت فعلة فعلتك، فحذف التمييز والمخصوص". وقال في تفسير الحديث٣: فبالرخصة أخذ ونعمت رخصة الوضوء.
وفي البسيط: لا يحذف التمييز لبقاء الإبهام، ولعدم مفسر الضمير حينئذ، ولأنه كالعوض من الفاعل: إلا أن يعوض منه شيء كالتاء في الحديث. انتهى. وأراد بالحديث قوله ﷺ: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" ويدل على أن التمييز كالعوض من الفاعل الظاهر أنه لا بد أن يكون مما يقبل "أل" فلا يكون "مثلا" و"غيرًا" و"أفعل من" ولا كلمة "ما" خلافًا للفراء والزمخشري ومن وافقهما.
_________________
(١) ١ غضافة من "ب"، "ط".
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٤٤٧. ٢ المقرب ١/ ٦٦-٦٧. ٣ هو قوله -ﷺ: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت".
[ ٢ / ٧٨ ]
ولا يكاد يجمع بينهما، "وأجاز المبرد وابن السراج والفارسي أن يجمع بين التمييز والفاعل الظاهر" توكيدًا "كقوله": [من البسيط]
٦١٥-
نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت رد التحية نطقا أو بإيماء
"ومنعه سيبويه والسيرافي مطلقًا"، سواء أفاد معنى زائدًا على الفاعل أم لا، وحجتهما أن التمييز لرفع الإبهام ولا إبهام مع ظهور الفاعل، ونقضه ابن مالك بأمرين١: الإجماع على جواز: له من الدراهم عشرون درهمًا، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] . وقال أبو طالب: [من الكامل]
٦١٦-
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
والثاني: أنه قد جاء في الباب، كقول جرير يهجو الأخطل: [من البسيط]
٦١٧-
والتغلبيون بئس الفحل فحلهم فحلا وأمهم زلاء منطيق
وما قاله سيبويه متعين، ولا حجة فيما أورده عليه في الوجه الأول، لأنه من التمييز المؤكد، وليس الكلام فيه٢، وما جاء في الباب من التمييز بل من الحال المؤكدة.
"وقيل: إن أفاد" التمييز "معنى زائدًا" على الفاعل الظاهر "جاز" الجمع بينهما، "وإلا فلا" يجوز، وصححه ابن عصفور٣، فالأول "كقوله"وهو أبو بكر بن
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٧٧، والارتشاف ٣/ ٢٢، وخزانة الأدب ٩/ ٣٩٨، والدرر ٢/ ٣٧٥، وشرح الأشموني ١/ ٢٦٧، وشرح شواهد المغني ص٨٦٢، وشرح المرادي ٣/ ٩٣، ومغني اللبيب ص٤٦٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢، وهمع الهوامع ٢/ ٨٦. ١ شرح التسهيل ٣/ ١٤-١٥.
(٢) البيت لأبي طالب في خزانة الأدب ٢/ ٧٦، ٩/ ٣٩٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٨٧، وشرح عمدة الحافظ ص٧٨٨، وشرح قطر الندى ص٢٤٢، ولسان العرب ٥/ ١٤٤ "كفر"، والمقاصد النحوية ٤/ ٨، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٣٣٦، وشرح الأشموني ٢/ ٣٧٦، وشرح التسهيل ٣/ ١٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١١٠٧، وشرح المرادي ٣/ ٩٠.
(٣) البيت لجرير في ديوانه ص١٩٢، والدرر ٢/ ٢٧٥، وشرح عمدة الحافظ ص٧٨٧، ولسان العرب ١٠/ ٣٥٥ "نطق"، والمقاصد النحوية ٤/ ٧، وتاج العروس "نطق"، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٣٣٦، وشرح الأشموني ٢/ ٣٨٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٦٤، وشرح التسهيل ٣/ ١٤-١٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١١٠٧، وشرح المرادي ٣/ ٩٢، وهمع الهوامع ٢/ ٨٦. ٢ سقط من "ب": قوله: "لأنه من التمييز المؤكد وليس الكلام فيه". ٣ المقرب ١/ ٦٨.
[ ٢ / ٧٩ ]
الأسود المعروف بابن شعوب: [من الوافر]
٦١٨-
تخيره فلم يعدل سوها فنعم المرء من رجل تهامي
فجمع بين الفاعل والظاهر وهو "المرء" والتمييز وهو "رجل" المجرور بـ"من" وقد أفاد التمييز معنى زائدًا على الفاعل، تهاميًّا، نسبة إلى "تهامة" بكسر التاء، وهي اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، وفي النسبة إليها لغتان: تهامي، بكسر التاء، وتهامي، بفتحها، فإن كسرت شددت ياء النسب، وإن فتحت لم تشددها.
والثاني كقوله: [من البسيط]
٥١٩-
نعم الفتاة فتاة
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٨٨-
وجميع تمييز وفاعل ظهر فيه خلاف عنهم قد اشتهر
"واختلف في كلمة" "ما" بعد: "نعم وبئس" إذا وقع بعدها جملة فعلية أو اسم مفرد على قولين: "فقيل" هي "فاعل" فيهما١، فإن وقع بعدها جملة فعلية "فهي معرفة ناقصة، أي موصولة" والفعل بعدها صلتها، والمخصوص محذوف كما "في نحو: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] أي: نعم الذي يعظكم به، وهو منقول عن الفارسي٢.
"و" إن وقع بعدها مفرد "فهي معرفة" تامة كما "في نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: فنعم الشيء هي"، فكلمة "هي" هي المخصوص، وهو منقول عن سيبويه٣، والأصل: فنعم الشيء إبداؤها، لأن الكلام في الإبداء لا في الصدقات، ثم حذف المضاف وأنيب عنه المضاف إليه، فانفصل وارتفع.
"وقيل": هي "تمييز" فيهما، "فهي نكرة موصوفة" بالجملة الفعلية "في" المثال "الأول"، وهو مذهب الأخفش، "و" نكرة "تامة في" المثال "الثاني"، وهو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] لعدم الجملة، وإلى الخلاف في المتلوة بجملة فعلية أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ٤٥٨.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٦١٥. ١ في "ب": "منهما". ٢ شرح المرادي ٣/ ٩٧. ٣ النقل عن سيبويه زعمه ابن خروف، انظر شرح ابن الناظم ص٣٣٦، والكتاب ١/ ٧٣.
[ ٢ / ٨٠ ]
٤٨٩-
وما مميز وقيل فاعل في نحو نعم ما يقول الفاضل
وبسط القول في ذلك أن يقال: اعلم أن "ما" هذه على ثلاثة أقسام: مفردة، أي غير متلوة بشيء، ومتلوة بمفرد، ومتلوة بجملة فعلية، فالأولى: نحو: دققته دقا نعما، وفيها قولان: معرفة تامة فاعل، نكرة تامة تمييز، وعليهما، فالخصوص محذوف، أي: نعم الشيء الدق، أو نعم شيئًا الدق.
والثانية: المتلوة بمفرد، نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] و"بئسما تزويج ولا مهر" وفيهما ثلاثة أقوال: معرفة١ تامة فاعل، نكرة تامة تمييز، مركبة مع الفعل قبلها تركيب "ذا" مع "حب" فلا موضع لها وما بعدها فاعل، وهو قول الفراء٢ وموافقيه.
والثالثة: المتلوة بجملة فعلية نحو: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]، ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِه﴾ [البقرة: ٩٠]، وفيها عشرة أقوال، ومرجعها إلى أربعة:
أحدها: أنها٣ نكرة في موضع نصب على التمييز.
والثانية: أنها في موضع رفع على الفاعلية. وإليهما أشار الناظم بقوله:
٤٨٩-
وما مميز وقيل فاعل في نحو نعم ما يقول الفاضل٤
والثالث: أنها المخصوص.
والرابع: أنها الكافة.
فأما القائلون: إنها في موضع نصب على التمييز، فاختلفوا على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها نكرة موصوفة بالفعل بعدها، والمخصوص محذوف، وهو مذهب الأخفش والزجاج والفارسي في أحد قوليه والزمخشري، وكثير من المتأخرين.
والثاني: أنها نكرة غير موصوفة، والفعل بعدها صفة لمخصوص محذوف.
والثالث: أنها تمييز والمخصوص "ما" أخرى موصولة، والفعل صلة لـ"ما" الموصولة المحذوفة، وهو قول الفراء٥. قال المرادي٦: "ونقل عن الكسائي".
وأما القائلون: إنها في موضوع رفع على الفاعلية، فاختلفوا على خمسة أقوال:
_________________
(١) ١ في "ب": "مفردة". ٢ معاني القرآن للفراء ١/ ٥٨. ٣ سقطت من "ب". ٤ سقط من "ب"، "ط": "وإليهما أشار الناظم بقوله" مع بيت الألفية. ٥ معاني القرآن ١/ ٥٧. ٦ شرح المرادي ٣/ ٩٧.
[ ٢ / ٨١ ]
الأول: أنها اسم معرفة تام، أي غير مفتقر إلى صلة، والفعل بعدها صفة لموصوف محذوف، نقله في التسهيل١ عن سيبويه، وقال به ابن خروف٢.
والثاني: أنها موصولة، والفعل صلتها والمخصوص محذوف، ونقل عن الفارسي٣.
والثالث: أنها موصولة، والفعل صلتها مكتف بها وبصلتها عن المخصوص، نقله ابن مالك في شرح التسهيل٤ عن الفراء والفارسي.
والرابع: أنها مصدرية سادة بصلتها؛ لاشتمالها على المسند والمسند إليه؛ مسد الفاعل والاسم المخصوص جميعًا.
والخامس: أنها نكرة موصوفة والمخصوص محذوف.
وأما القائل: أنها المخصوص فقال: إنها موصولة والفاعل مستتر، و"ما" أخرى محذوفة هي التمييز، وهو قول الكسائي، ونقله المرادي عن الفراء٥.
وأما القائل: إنها كافة، فقال٦: إن "ما" كفت "نعم" عن العمل٧، كما كفت قال وطال عنه، فصارت تدخل على الجملة الفعلية.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٢٦، وشرح التسهيل ٣/ ٩. ٢ شرح ابن الناظم ص٣٣٦. ٣ الارتشاف ٣/ ١٨. ٤ شرح التسهيل ٣/ ٩. ٥ شرح المرادي ٣/ ٩٨، ومعاني القرآن ١/ ٧٥. ٦ شرح المرادي ٣/ ٩٨. ٧ في "ب": "الفاعل".
[ ٢ / ٨٢ ]
فصل:
"ويذكر المخصوص" وهو المقصود "بالمدح أو الذم، بعد فاعل نعم وبئس" الظاهر، أو بعد التمييز، "فيقال: نعم الرجل"؛ أو رجلا؛ "أبو بكر، وبئس الرجل"؛ أو رجلا؛ "أبو لهب".
هذا هو الغالب، وسره أنه لما كان نعم وبئس للمدح العام والذم العام الشائعين في كل خصلة محمودة أو مذمومة، المستبعد تحقيقها، سلكوا بهما في الأمر العام طريقي الإجمال والتفصيل لقصد مزيد، التقرير، فجاءوا بعد الفعل١ بما يدل على المخصوص بالمدح أو الذم حتى يتوجه المدح والذم إلى المخصوص٢ به أولا٣ على سبيل التفصيل، فيحصل من تقوي الحكم ومزيد التقرير ما يزيل ذلك الاستبعاد.
"و" اختلف في رفع المخصوص فقيل: "هو مبتدأ والجملة قبله خبره"، ولا يجوز غير ذلك عند سيبويه وابن خروف وابن الباذش٤، وقيل: يجوز هذا ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ واجب الحذف، "أي: الممدوح وأبو بكر والمذموم أبو لهب"، وهو مذهب الجمهور، ومنهم الجرمي المبرد وابن السراج والفارسي وابن جني وغيرهم٥.
وقيل: يتعين الثاني، وقيل: مبتدأ حذف خبره، وإليه ذهب ابن عصفور٦.
وقيل: بدل من الفاعل، وإليه ذهب ابن كيسان٧، واقتصر في النظم على القولين الأولين فقال:
_________________
(١) ١ في "أ": "الفاعل"، والتصويب من "ب"، "ط". ٢ في "ب": "والمخصص". ٣ في "ب": "أولى". ٤ شرح التسهيل ٣/ ١١٦. ٥ انظر شرح التسهيل ٣/ ١١٦-١١٧، وشرح ابن يعيش ٧/ ١٣٧. ٦ المقرب ١/ ٦٩. ٧ شرح المرادي ٣/ ١٠٠-١٠١.
[ ٢ / ٨٣ ]
٤٩٠-
ويذكر المخصوص بعد مبتدا أو خبر اسم ليس يبدو أبدا
"و" من غير الغالب أنه "قد يتقدم المخصوص" على نعم وبئس، "فيتعين كونه مبتدأ" على القول بفعليتهما، والجملة بعده خبره، "نحو: زيد نعم الرجل"، وعمرو بئس الرجل، وجوزوا على القول باسميتهما أن يكونا مبتدأين، والمخصوص الخبر، وبالعكس.
"وقد يتقدم" في الكلام "ما" أي شيء "يشعر به" أي المخصوص بالمدح أو الذم، "فيحذف" المخصوص جوازًا للعلم به "نحو: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] أي هو١ أيوب فحذف المخصوص بالمدح وهو ضمير "أيوب" لتقدم ذكر "أيوب" في قوله [تعالى] ٢: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١]، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩١-
وإن يقدم مشعر به
"وليس منه" أي: من حذف المخصوص؛ قول الناظم:
٤٩١-
العلم نعم المقتنى والمقتفى
"وإنما ذلك من التقديم" لا من حذفه، هذا إذا رفعنا "العلم" على الابتداء.
أما إذا جعلناه خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هذا العلم، على حد: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١] أي: هذه سورة، أو مفعولا لفعل محذوف تقديره: الزم العلم، ونحوه، فيكون من الحذف، لا من التقديم، كما ذكر الناظم.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ إضافة من "ب".
[ ٢ / ٨٤ ]
فصل:
"وكل فعل ثلاثي" متصرف تام مثبت قابل للتفاضل مبني للفاعل ليس الوصف منه على أفعل فعلاء، "صالح للتعجب منه، فإنه يجوز استعماله على "فَعُلَ" بضم العين، إما بالأصالة كـ: ظَرُف وشَرُف، أو بالتحويل" بأن يكون في الأصل مفتوح العين "كـ: ضرَب" وقتَل، أو مكسورها كـ: علُم "وفهُم"، بضم العين فيهن، وإنما حولت لتلتحق بالغرائز والتصير قاصرة كـ: نِعْمَ.
وحكم المضاعف أن يدغم، نحو: حبَّ، ويجوز النقل؛ كما سيأتي؛ وحكم معتل العين واللام، إن كان من باب قوة؛ قلب الضمة كسرة، فتقلب الواو الثانية ياء، نحو: قَوِيَ، أو من باب شَوَيْتُ، قلب الياء واوًا للضمة قبلها، ثم يفعل فيه ما فعل في قوة ويجوز فيهما الإسكان نحو: قوْيَ وشوْيَ، ولا يدغم لعروض الإسكان. والأجوف يقدر فيه الضم نحو: طال وباع، والناقص المضموم العين نحو: سرو، يجوز تسكينه، والمفتوح والمكسور فقيل: لا يغير، وقيل بل يغير، وقال ابن عقيل١: لا يجوز تحويل علِمَ وجهِلَ وسمِعَ إلى فَعُلَ، بضم العين، لعدم السماع.
"ثم" بعد ضم العين أصالة أو تحويلا قال الفارسي والأكثرون "يجري حينئذ مجرى نعم وبئس في إفادة المدح والذم، وفي حكم الفاعل" الظاهر والمضمر، "وحكم المخصوص" من وجوب الرفع، وجواز حذفه إذا تقدم ما يشعر به، وجواز تقديمه، "تقول في المدح: فهُمَ الرجلُ زيدٌ"، وفهُم رجلا زيدٌ، "وفي الذم: خَبُثَ الرجلُ عمرٌو"، وخبُث رجلا عمرٌو، والمعنى: نعم الفاهم زيد، وبئس الخبيث عمرو، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٢-
واجعل فَعُلا من ذي ثلاثة كنعم مسجَلا
_________________
(١) ١ شرح ابن عقيل ٢/ ١٦٨.
[ ٢ / ٨٥ ]
"ومن أمثلته: ساء" بالمد، وهو المنبه عليه في النظم بقوله:
٤٩٢-
واجعل كبئس ساء
"فإنه في الأصل: سوأ، بالفتح" من السوء: ضد السرور، من ساءه الأمر يسوؤه إذا أحزنه، فهو متعد متصرف، "فحول إلى فعل، بالضم، فصار قاصرًا، ثم ضمن معنى" "بئس" فصار جامدًا قاصرًا محكومًا له ولفاعله بما ذكرنا" في "بئس".
تقول في الفاعل المقرون بـ"أل" ساء الرجل١ أبو جهل، وفي المضاف إلى المقرون بـ "أل": ساء حطب النار أبو لهب، وفي المضمر المفسر بالتمييز: ساء رجلا، "وفي التنزيل: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] ففي "ساء"٢ ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية يعود إلى النار، ومرتفقًا: تمييز على حذف مضاف، أي: نار مرتفق، لأن التمييز لا بد٣ وأن يكون عين الممييز في المعنى، والمرتفق المتكأ.
"و" فيما يحتمل الفاعلية والتمييز: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤] فيجري في "ما" الخلاف المتقدم، فإن جعلناها فاعلا فيه معرفة ناقصة، أي: ساء الذي يحكمونه، إن جعلناها تمييزًا فهي نكرة موصوفة، أي: ساء شيئًا يحكمون٤، وعليهما: فالمخصوص بالذم محذوف.
وقال الأخفش والمبرد٥: يجري فعل المضموم العين في المدح والذم مجرى فعل الدال على التعجب، فلا يلزم فاعله "أل" أو الأضمار، وهو الصحيح.
"و" على هذا يجوز "لك في فاعل فَعُلَ المذكور أن تأتي به اسمًا ظاهرًا مجردًا من "أل" وأن تجره بالباء" الزائدة تشبيهًا بفاعل أفعل في التعجب. "وأن تأتي به ضميرًا مطابقًا" لما قبله فالظاهر المجرد من "أل" "نحو: فهم زيد"، حملا على "ما أفهم زيدًا"، والمجرور بالباء، وهو الأكثر، نحو: حسن بزيد، حملا على "أحسن بزيد" "وسمع" من العرب: "مررت بأبيات جاد بهن أبياتا وجدن أبياتًا"٦ حكاه الكسائي بزيادة الباء في الفاعل أولا، وتجرده منها ثانيًا.
_________________
(١) ١ في "ب": "الرجال". ٢ في "ب": "ساءت". ٣ سقطت من "ب". ٤ في "ب"، "ط": "يحكمونه". ٥ انظر المقتضب ٢/ ١٤٩، والارتشاف ٣/ ٢٨. ٦ ورد هذا القول في مجالس ثعلب ١/ ٣٣٠، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٦٨.
[ ٢ / ٨٦ ]
وأصل "جاد بهن أبياتًا وجدن أبياتًا" من جاد الشيء جودة إذا صار جيدًا، وأصل "جاد" جود؛ بفتح العين؛ فحول إلى فعل؛ بضم العين١؛ لقصد المبالغة والتعجب، زيدت الباء في الفاعل وعوض من ضمير الرفع ضمير الجر فقيل: بهن، وأبياتًا: تمييز، و"جدن أبياتًا" على الأًل من عدم زيادة الباء. فلذلك ثبت ضمير الرفع، وأبياتًا: تمييز، وفي كل منهما الجمع بين الفاعل والتمييز. "وقال" الطرماح: [من المديد]
٦٢٠-
حب بالزور الذي لا يرى منه إلا صفحة أو لمام
"أصله: حَبُبَ الزَّور" بفتح الزاي، بمعنى الزائر "فزاد الباء" في الفاعل حملا على "أحبب بالزور" "وضم الحاء؛ لأن فعُلَ المذكور يجوز فيه أن تسكن عينه، وأن تنقل حركتها إلى فائه"، ولو كانت الفاء غير حلقية، خلافًا لظاهر التسهيل٢، "فتقول: ضرب الرجل"، بفتح الضاد وسكون الراء. "و: ضُرْبُ" الرجل، بضم الضاد وسكون الراء. وصفحة كل شيء: جانبه، واللمام: بكسر اللام: جمع لمة، وهو الشعر يجاوز شحمة الأذن، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٥-
وما سوى ذا ارفع بحب أو فجر بالبا
ومثال الضمير المطابق ما قبله: الزيدان كرما رجلين، والزيدون كرموا رجالا٣، حملا على: ما أكرمهما رجلين، وما أكرمهم رجالا.
_________________
(١) ١ في "أ"، "ط": "بضمها".
(٢) البيت للطرماح بن حكيم في ديوانه ص٣٩٣، والدرر ٢/ ٢٩٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٨١، وجواهر الأدب ص٥٤، وشرح الأشموني ٢/ ٣٨٠، ولسان العرب ٤/ ٣٣٥ "زور"، والمقرب ١/ ٧٨، وهمع الهوامع ٢/ ٨٩. ٢ في التسهيل ص١٢٩: "وقد تفرد "حب" فيجوز نقل ضمة عينها إلى فائها، وكذا كل فعل حلقي الفاء، مراد به مدح أو تعجب". ٣ في "ب": "رجلا".
[ ٢ / ٨٧ ]
فصل:
"ويقال في المدح: حبذا، وفي الذم: لا حبذا. قال" الشاعر: [من المتقارب]
٦٢١-
ألا حبذا عاذري في الهوى ولا حبذا الجاهل العاذل
فجمع بين المدح والذم، ومثله قول الآخر: [من الطويل]
٦٢٢-
ألا حبذا أهل الملا غير أنه إذا ذكرت مي فلا حبذا هِيَا
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٣-
ومثل نعم حبذا
ثم قال:
٤٩٣-
وإن ترد ذما فقل لا حبذا
ودخول "لا في الذم على "حبذا" لا يخلو من إشكال، لأن "لا" لا تدخل على فعل ماض جامد، ولا تعمل في اسم إذا لم يكن جنسًا، ولا تكون غير مكررة إذا لم تعمل في الاسم الذي دخلت عليه إلا على قول أبي الحسن، وأبي العباس وهو ضعيف.
"ومذهب سيبويه أن "حَبَّ" فعل" ماض، "و"ذا" فاعل". وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٩٣-
الفاعل ذا
"وأنهما باقيان على أصلهما" من كونهما جملة فعلية ماضوية، لأن الأصل عدم التغيير، ولاقتصارهم على "حَبَّ" إذا عطف على "حبذا" كقوله١؛ وهو عبد الله
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٨٣، والدرر ٢/ ٢٨٧، وشرح التسهيل ٣/ ٢٦، وشرح عمدة الحافظ ص٨٠٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٦، وهمع الهوامع ٢/ ٨٩.
(٢) البيت لذي الرمة في ملحق ديوانه ص١٩٢٠، والدرر ٢/ ٢٨٧، ولكنزة أم شملة في ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٥٤٢، ولذي الرمة أو لكنزة أم شملة في المقاصد النحوية ٤/ ١٢، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٣٣٨، وشرح الأشموني ٢/ ٣٨١، وشرح التسهيل ٣/ ٢٢، وهمع الهوامع ٢/ ٦٩. ١ في "ب": "لقوله".
[ ٢ / ٨٨ ]
ابن رواحة الأنصاري ﵁: [من الرجز]
٦٢٣-
فحبذا ربا وحب دينا
أي: وحبذا دينًا١، فحذف "ذا" ولم يتغير المعنى، ولا يُفعل ذلك بنحو "إذ ما" وأخواته من المركبات التي تغير حكمها بالترتيب، وهو قول ابن درستويه وابن برهان وابن خروف وابن كيسان وابن مالك٢.
قيل: ولا يصح نسبته لظاهر كلام سيبويه والخليل، لأن سيبويه قال٣ حكاية عن الخليل: ولكن "ذا" و"حب" بمنزلة كلمة واحدة نحو: "لولا" وهو اسم مرفوع، ألا ترى أنك لا تقول لا للمؤنث: حبذه. انتهى.
والمخصوص على هذا المذهب مبتدأ، والجملة من الفعل والفاعل خبره، والرابط بينهما اسم الإشارة، وقيل: مبتدأ محذوف الخبر، وقيل: عكسه، وقيل: عطف بيان، وقيل: بدل، "وقيل: ركبا، وغلبت الفعلية لتقدم الفعل، فصار الجميع فعلا" ماضيًا، "وما بعده" من المخصوص "فاعل"، والجملة فعلية، "وقيل: ركبا، وغلبت الاسمية لشرف الاسم فصار الجميع اسمًا مبتدأ وما بعده" من المخصوص "خبره"، والجملة اسمية.
وأصل الخلاف قولان: التركيب وعدمه، وينشأ عن التركيب قولان: فعلية٤ الجميع أو اسميته، ولكل دليل على مدعاه، فاستدل مدعي التركيب بإفراد الإشارة وبلزوم الإفراد والتذكير وبامتناع الفصل٥، ثم استدل مدعي غلبة الفعلية؛ وهو الأخفش وخطاب؛ بتغليب الجزء الأول وتغليب الأكثر حروفًا، وسلامة مدعيها مما٦ لزم مدعي
_________________
(١) الرجز لابن رواحة في ديوانه ص١٠٧، ولسان العرب ١٤/ ٦٧ "بدا"، والدرر ٢/ ٢٨٣، ٢٨٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨، ولبعض الأنصار في شرح عمدة الحافظ ص٨٠٢، وتاج العروس ١/ ١٣٨ "بدأ"، "بدى"، وجمهرة اللغة ص١٠١٩، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ٣١، وجمهرة اللغة ص١٢٦٧، وشرح ابن الناظم ص٣٤٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٨٢، وشرح التسهيل ٣/ ٢٤، والمخصص ١٠/ ٤٢، وهمع الهوامع ٢/ ٨٨، ٨٩. ١ قال ابن الناظم في شرحه ٣٤٠: أي حبَّ عبادته دينًا. وذكر ضمير العبادة لتأولها بالدين والتعظيم. ٢ انظر الارتشاف ٣/ ٢٩-٣١. ٣ الكتاب ٢/ ١٨٠. ٤ في "ب": "بفعلية". ٥ انظر شرح التسهيل ٣/ ٢٣. ٦ في "ب": "ما".
[ ٢ / ٨٩ ]
الاسمية من شذوذ تخالف الخبر والمخبر عنه، ومن تمييز ما ليس بمبهم وهو الممدوح، وبقولهم لا تحبذه، فجاءوا لها بمضارع١.
واستدل مدعي غلبة الاسمية وهو المبرد في مقتضبه٢ وابن السراج في أصوله٣ والسيرافي في "شرح الكتاب" بأن الاسم أشرف، ويستقل به الكلام، ويقع فيه التركيب كثيرًا، وأما "تحبذه" فمضارع "حبذه" إذا قال له: حبذا.
"و" اختلف القائلون بعدم التركيب في علة كونه "لا يتغير "ذتا" عن الإفراد والتذكير، بل يقال": حبذا هند أو "حبذا الزيدان"، في تثنية المذكر، "أو الهندان" في تثنية المؤنث"، "أو" حبذا "الزيدون"، في جمع الذكور: "أو الهندات" في جمع الإناث، على ثلاثة أقوال: فقال ابن مالك٤: "لأن ذلك كلام جرى مجرى المثل السائر" الذي لا يغير عن حالته في الاستعمال الأول. "ما في قولهم: الصيف ضيعت اللبن٥. يقال لكل أحد"، مذكرًا كان أو مؤنثًا، مفردًا أو مثنى أو مجموعًا، "بكسر التاء وإفرادها"، لأنه في الأصل خطاب لامرأة كانت تحت رجل موسر، فكرهته لكبر سنه فطلقها، فتزوجها رجل شاب فقير، فبعثت إلى زوجها الأول تسترفده فقال لها هذا. والصيف: منصوب على الظرفية. قاله الجوهري. والمثَلُ، بفتح المثلثة: قول مركب مشهور، شبه مضربه بمورده.
"وقال ابن كيسان: لأن المشار إليه" مصدر "مضاف" إلى المخصوص، "محذوف، أي: حبذا حُسْنُ هند"، وكذلك الباقي٦، ورده ابن العلج بأنه لم ينطق به في وقت٧.
وقال الفارسي في البغداديات٨: لأن "ذا" جنس شائع، فالتزم فيه الإفراد كفاعل نعم وبئس المضمر، ولهذا يجامع التمييز فيقال: حبذا زيد رجلا.
_________________
(١) ١ الارتشاف ٣/ ٢٩. ٢ المقتضب ٢/ ١٤٥. ٣ الأصول ١/ ١١٥. ٤ شرح الكافية الشافية ٢/ ١١١٧. ٥ المثل في مجمع الأمثال ٢/ ٦٨، والفاخر ١١١، وجمهرة الأمثال ١/ ٣٢٤، ٥٦٧، ٥٧٥، والمستقصى ١/ ٣٢٩، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٢٤٧. ٦ سقط من "ب": "وكذلك الباقي". ٧ شرح المرادي ٣/ ١١٠. ٨ البغداديات ص٤٩.
[ ٢ / ٩٠ ]
"ولا يتقدم المخصوص على: حبذا" فلا يقال: زيد حبذا، كما يقال: زيد نعم الرجل، "لما ذكرنا من أنه كلام جرى مجرى المثل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٤-
وأول ذا المخصوص أيا كان لا تعدل بذا فهو يضاهي المثلا
"وقال ابن بابشاذ١": إنما امتنع تقديم المخصوص على "حبذا" "لئلا يتوهم أن في "حب" ضميرًا" مرفوعًا على الفاعلية يعود على المخصوص، "وأن "ذا" مفعول" به قال ابن مالك٢: وتوهم هذا بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله. ثم علله بجريانه مجرى المثل، كما تقدم.
"تنبيه: إذا قلت: حب الرجل زيد، فـ: حب، هذه من باب: فعُلَ" المضموم العين "المتقدم ذكره" في الفصل قبله، "ويجوز في حائه٣ الفتح" مع التخفيف٤ وعدمه، "والضم" بنقل حركة العين إليها٥ "كما تقدم" من أنه يجوز أن تسكن عينه، وأن تنقل حركته إلى فائه، وإن لم تكن الفاء حلقية، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٥-
وما سوى ذا ارفع بحب أو فجر بالبا
"فإن قلت: حبذا، ففتح الحاء واجب" للتركيب، "إن جعلتهما كالكلمة الواحدة"، وإلا فجائز.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ شرح التسهيل ٣/ ٢٧. ٣ في "ب": "فائه". ٤ في "ب": "الإدغام" مكان "التخفيف". ٥ في "ب": "الحركة" مكان "حركة العين إليها".
[ ٢ / ٩١ ]
باب أفعَلِ التفضيل:
وهو الوصف المبني على أفعل لزيادة صاحبة على غيره في أصل الفعل، وأما خير وشر، في التفضيل، فأصلهما: أخير وأشر، فحذفت الهمزة بدليل ثبوتها في قراءة أبي قلابة: "مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشَرُّ" [القمر: ٢٦] بفتح الشين وتشديد الراء١، وقول الشاعر: [من الرجز]
٦٢٤-
بلال خير الناس وابن الأخير
واختلف في سبب حذف الهمزة منهما، فقيل٢: لكثرة الاستعمال، وقال الأخفش: لأنهما لما لم يشتقا من فعل خولف لفظهما، فعلى هذا فيهما شذوذان: حذف الهمزة، وكونهما لا فعل لهما، وأما قوله: [من البسيط]
٦٢٥-
وزادني كلفا في الحب أن منعت وحب شيء إلى الإنسان ما منعا
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي: ﴿الْأَشِرُ﴾، والقراءة المستشهد بها قرأها أيضًا قتادة وأبو حيوة. انظر البحر المحيط ٨/ ١٠٨، والكشاف ٤/ ٣٩، والمحتسب ٢/ ٢٩٩.
(٢) الرجز بلا نسبة في الدرر ٢/ ٥٣٧، وشرح عمدة الحافظ ص٧٧٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٦٦. ٢ انظر الإنصاف ٢/ ٤٩١، المسألة رقم ٦٩، والمسائل العضديات ص٢٦٤، المسألة رقم ١٠٩.
(٣) البيت للأحوص في ديوانه ص١٥٣، والارتشاف ٣/ ٢٢٠، والأغاني ٤/ ٣٠١، وتذكرة النحاة ص٤٨، ٦٠٤، والحماسة الشجرية ١/ ٥٢١، وشرح عمدة الحافظ ص٧٧٠، والعقد الفريد ٣/ ٣٠٦، ولمجنون ليلى في ديوانه ص١٥٨، وبلا نسبة في الدرر ٢/ ٥٣٨، وشرح الأشموني ٢/ ٣٨٣، وشرح التسهيل ٣/ ٥٣، وعيون الأخبار ٢/ ٥، ولسان العرب ١/ ٢٩٢ "حبب"، ونوادر أبي زيد ص٢٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٦٦.
[ ٢ / ٩٢ ]
فضرورة، "إنما يصاغ التفضيل مما صيغ منه فعلا التعجيب"، وهو كل فعل ثلاثي متصرف تام مثبت قابل للتفاضل، مبني للفاعل، ليس الوصف منه على أفعل فعلاء. "فيقال" من باب "ضرب يضبب": "هو أضرب، و" من باب "علم يعلم": "أعلم، و" من باب فضل يفضل: هو "أفضل، كما يقال" في التعجب منها: "ما أضربه، و" ما "أعلمه، و" ما "أفضله"، وأعلم به وأفضل به، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٦-
صغ من مصوغ منه للتعجيب أفعل للتفضيل وأب اللذ أبي
"وشذ بناؤه من" اسم عين نحو: هو أحنك البعيرين، بنوه من الحنك، وهو اسم عين، والمعنى: آكلهما، أي: أشدهما أكلا، "ومن وصف لا فعل له كـ: هو أقمن به، أي: أحق"، بنوه من قولهم: هوم قمن، أي: حقيق، "و" هو "ألص من شظاظ"١ بنوه من قولهم: هو لص، بكسر اللام، أي: سارق. وشظاظ، بكسر الشين وبظاءين معجمتين٢: اسم لص معروف من بني ضبة٣، ونقل ابن القطاع له فعلا فقال٤: يقال: لص، إذا أخذ المال خفية، فعلى هذا لا شذوذ.
"و" شذ بناؤه "مما زاد على ثلاثة كـ: هذا الكلام أخصر من غيره"، بنوه من "اختصر" فقيه شذوذان: كونه مبنيًّا للمفعول، وكونه زائدًا على الثلاثة، كما تقدم في التعجب [منه] ٥.
"وفي" بنائه من الفعل الماضي الذي على وزن "أفعل؛ المذاهب الثلاثة" المتقدمة في التعجب، فقيل: يجوز مطلقا، وقيل: يمتنع مطلقًا، وقيل، يجوز إن كانت الهمزة لغير النقل.
["وسُمع" شذوذًا على القول بالمنع مطلقًا، وعلى المنع في أحد شقي التفضيل: "هو أعطاهم للدراهم، وأولاهم للمعروف] ٦، و" سُمع شذوذًا على الثاني: "هذا المكان أقفر٧ من غيره".
_________________
(١) ١ المثل في مجمع الأمثال ٢/ ٢٥٧، وجمهرة الأمثال ٢/ ١٨٠، والدرة الفاخرة ٢/ ٣٦٩، والمستقصى ١/ ٣٢٨، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٣٦٦، وشرح ابن الناظم ص٣٤١. ٢ سقط من "ب": "وبظاءين معجمتين". ٣ في "ب": "ضمية". ٤ كتاب الأفعال ٣/ ١٤٤. ٥ إضافة من "ط". ٦ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٧ في "ب": "أفقر".
[ ٢ / ٩٣ ]
"و" سمع بناؤه "من فعل المفعول كـ: هو أزهى من ديك١" بنوه من "زهي" بمعنى "تكبر". قال في الصحاح٢: لا تتكلم به العرب إلا مبنيا للمفعول، وإن كان بمعنى الفاعل. وحكى ابن دريد٣: "زها يزهو: أي: تكبر"، فعلى ما حكاه ابن دريد لا شذوذ فيه، لأنه من المبني للفاعل.
"و" سمع: "هو٤ "أشغل من ذات النحيين"٥ بنوه من "شغل" بالبناء للمفعول، والنحيين: تثنية نحي، بكسر النون وسكون الحاء المهملة: زق السمن، وذات النحيين: امرأة من بني تميم اللات بن ثعلبة، كانت تبيع السمن في الجاهلية، فأتى خوات بن جبير الأنصاري قبل إسلامه فساومها، فحلت نحيا منهما مملوءًا، فقال لها: أمسكيه حتى أنظر إلى غيره، ثم حل الآخر وقال: أمسكيه، فلما شغل يديها حاورها حتى قضى منها ما أراد وهرب، ثم أسلم خوات فشهد بدرًا ﵁.
"و" سمع: هو "أعني بحاجتك"٦، بنوه من "عني" بالبناء للمفعول، وسمع فيه "عني" كـ: رضي، بالبناء للفاعل، فعلى هذا لا شذوذ فيه.
"وما توصل به إلى التعجب مما لا يتعجب منه بلفظه يتوصل به إلى التفضيل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٧-
وما به إلى تعجب وصل لمانع به إلى التفضيل صل
"ويجاء بعده بمصدر ذلك الفعل تمييزًا٧: فيقال: هو أشد استخراجًا وحمرة"، ويستثنى من ذلك فاقد الصوغ٨ للفاعل، والفاقد للإثبات، فإن أشد يأتي هناك ولا يأتي هنا، وذلك مستفاد من قول الموضح: ويجاء بمصدر ذلك الفعل تمييزًا، لأن المؤول بالمصدر معرفة والتمييز واجب التنكير، كما نبه عليه الموضح في الحواشي.
_________________
(١) ١ المثل في مجمع الأمثال ١/ ٣٢٧، والمستقصى ١/ ١٥١، والدرة الفاخرة ١/ ٢١٣، وشرح ابن الناظم ٣٤٢. ٢ الصحاح "زهي". ٣ جمهرة اللغة ٣/ ٢٢. ٤ في "ب": "سمع بناؤه من شغل بالبناء للمفعول نحو:". ٥ المثل في مجمع الأمثال ١/ ٣٧٦، وجمهرة الأمثال ١/ ٥٣٨، ٥٦٤، والدرة الفاخرة ١/ ٢٣٦، والمستقصى ١/ ١٩٦، وفصل المقال ص٥٠٣، وشرح ابن الناظم ص٣٤٢. ٦ شرح ابن الناظم ص٣٤٢. ٧ سقطت من"ب". ٨ في "ب": المصوغ".
[ ٢ / ٩٤ ]
فصل:
"ولاسم التفضيل ثلاث حالات:
إحداها: إن يكون مجردًا من "أل" والإضافة، فيجب له حكمان:
أحدهما" في نفسه، وهو "أن يكون مفردًا مذكرًا دائمًا"، ولو كان مسندًا إلى مؤنث أو مثنى أو مجموع نحو قولك: زيد أفضل من عمرو، وهند أفضل من عمرو، والزيدان أفضل من عمرو١، والهندان أفضل من عمرو، والزيدون أفضل من عمرو، والهندات أفضل من عمرو، و"نحو" قوله تعالى: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: ٨] "ونحو" قوله تعالى: " ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ﴾ الآية"، إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] فأفرد في الآية الأولى مع الاثنين، وفي الآية الثانية مع الجماعة.
"ومن ثم" أي ومن أجل أن أفعل التفضيل إذا تجرد من "أل" والإضافة لزمه٢ التذكير والإفراد٣ "قيل في أُخَرَ"، بضم الهمزة، جمع أخرى أنثى آخر، بالفتح، ["إنه معدول عن آخر" الموازن لأفعل التفضيل، وليس من باب "أفعل التفضيل" حقيقة، لأنه لا يدل على] ٤ مشاركة وزيادة، ولذلك لم يجعله ابن مالك من باب "أفعل" ولا ملحقا به، بل ملحقًا بالملحق به٥، وهو "أول" لأنه به أنسب، لأنه أشبهه في الوزن، وكون معناه نسبيًّا، وكونه لا يدل على زيادة، وعلى الإلحاق به فهو يخالف باب "أفعل" في ثلاثة أمور:
_________________
(١) ١ سقط من "ب": "أفضل من عمرو". ٢ في "ط": "لزم". ٣ في "ب"، "ط": "الإفراد والتذكير". ٤ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٥ شرح التسهيل ٣/ ٦٤.
[ ٢ / ٩٥ ]
أحدهما: أنه يطابق، ولو كان نكرة.
الثاني: أنه لا يليه "مِنْ" لا لفظًا ولا تقديرًا.
الثالث: أنه لا يضاف.
"و" من ثم؛ أيضًا؛ قيل "في قول" أبي نواس الحسن "ابن هانئ" الحكمي يصف الخمرة: [من البسيط]
٦٢٦-
كأن صغرى وكبرى من فقاقعها حصباء در على أرض من الذهب
"إنه لحن"، حيث أنث١ "صغرى وكبرى" وكان حقه أن يقول: كأن أصغر وأكبر، بالتذكير. وأجيب "عنه"٢ بأنه لم يقصد حقيقة المفاضلة، فهو كقول العروضيين، فاصلة صغرى، وفاصلة كبرى، وقول الفرزدق: [من الطويل]
٦٢٧-
إذا غاب عنكم أسود الليل كنتم كرامًا وأنتم ما أقام ألائم
أي: لئام. والفقاقع، بفتح الفاء والقاف، وبعد الألف قاف مكسورة وفي آخره عين مهملة: النفاخات التي تعلو وجه الخمرة.
وسبب تلقيبه بأبي نواس؛ بنون مضمومة بعدها واو لا همزة؛ أنه كان له ذؤابتان تنوسان: أي تتحركان٣ على عاتقه.
"و" الحكم "الثاني" فيما بعد "أفْعَلَ" "أن يؤتى بعده بـ"من" جارة للمفضول" كما تقدم من الأمثلة وهي عند المبرد وسيبويه لابتداء الارتفاع في نحو: "أفْضَلَ منه" وابتداء الانحطاط في نحو "شر منه".
_________________
(١) البيت لأبي نواس في ديوانه ص٧٢، وخزانة الأدب ٨/ ٢٧٧، ٣١٥، ٣١٨، وشرح قطر الندى ص٣١٦، وشرح المفضل ٦/ ١٠٢، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٣٨٦، وشرح التسهيل ٣/ ٦٢، ومغني اللبيب ٢/ ٣٨٠. ١ بعده في "ب": "إنه". ٢ إضافة من "ط".
(٢) البيت للفرزدق في الارتشاف ٣/ ٢٢٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٧٥، وليس في ديوانه، وتاج العروس "عين"، وبلا نسبة في أمالي القالي ١/ ١٧١، ٢/ ٤٧، وجمهرة اللغة ص٦٥٠، وخزانة الأدب ٨/ ٢٧٧، وسمط اللآلي ص٤٣٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٨٨، ولسان العرب ١/ ٢٣١ "سود"، ١٢/ ٣٨١ "عتم"، ومعجم البلدان ١/ ١٩٣ "أسود العين"، ومغني اللبيب ٢/ ٣٨١. ٣ سقط من "ب": "أي تتحركان".
[ ٢ / ٩٦ ]
واعترضه ابن مالك بأنها لا تقع بعدها "إلى" واختار أنها للمجاوزة، فإن معنى "زيدُ أفضلُ من عَمْرو" جاوز زيدٌ عمرًا في الفضل١.
واعترضه في المغني٢ بأنها لو كانت للمجاوزة لصح في موضعها "عن" ودُفع بأن صحة وقوع المُرادف موقع مرادفه إنما هو إذا لم منع مانع من ذلك٣، وههنا منع مانع وهو الاستعمال، فإن اسم التفضيل لا يصاحب من حروف الجر إلا "مِنْ" خاصة.
"وقد تحذف "مِنْ"٤ مع مجرورها" للعلم بها "نحو: ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ " [الأعلى: ١٧] أي: من الحياة الدنيا. "وقد جاء الإثبات والحذف في: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] أي: منك"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٨-
وأفعل التفضيل صله أبدا تقديرا او لفظا بمن إن جردا
"وأكثر٥ ما تحذف "من"" مع المفضول "إذا كان "أفعَلُ"٦ خبرا" في الحال، أو في الأصل، فيشمل خبر المبتدأ وخبر "كان" و"إن" وثاني مفعولي "ظن" وثالث مفاعيل "أَعْلَمَ" نحو: زيد أفضل، وكان زيد أفضل، وإن زيدا أفضل، وظننت زيدا أفضل، وأعلمت زيدا عمرا٧ أفضل. "ويقل" الحذف "إذا كان" أفعل "حالا، كقوله": [من الطويل] .
٦٢٨-
دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا فظل فؤادي في هواك مضللا
فـ "أجمل" حال من تاء المخاطبة في "دنوت"، و"كالبدر" مفعول ثان لـ: خلناك، "أي: "دنوت أجمل من البدر" وقد خلناك مثله". قاله ابن مالك٨ في شرح التسهيل٩.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل: ٥/ ١٣٥-١٣٦. ٢ مغني اللبيب: ١/ ٣٢١. ٣ في "ب"، "ط": "إذا لم يمنع من ذلك مانع". ٤ سقطت من "ب". ٥ في "ط": "وكثر". ٦ في "ب": "الفعل". ٧ سقطت من "ب".
(٢) البيت بلا نسبة في الارتشاف ٣/ ٢٢٩، وأوضح المسالك: ٣/ ٢٩٠، ٣٨٩، وشرح الأشموني: ١/ ٣٨٥، وشرح التفصيل: ٣/ ٥٧، وشرح ابن عقيل: ٢/ ١٧٧، والمقاصد النحوية: ٤/ ٥٠. ٨ في "ب": "قال". ٩ شرح التسهيل: ٣/ ٥٧.
[ ٢ / ٩٧ ]
"أو" إذا كان أفْعَلُ١ "صفة، كقوله" وهو أحيحة بن الجلاح: [من الرجز]
٦٢٩-
تروحي أجدر أن تقيلي غدًا بجنبي بارد ظليل
فـ"أجدر" صفة لمحذوف هو وعامله المعطوف على "تروحي" "أي: تروحي وائتي مكانًا أجدر من غيره، بأن تقيلي فيه" غدًا، قاله ابن مالك في شرح الكافية٢، وفيه إشارة إلى أن الخطاب لناقته، وهو من "التروح" بمعنى الرواح وقت العشي، و"أجدر" بالجيم: أي أحق، وتقيلي: من القيلولة، وهو النوم وقت الظهيرة.
وقال العيني٣: إن الخطاب للفسيل، وهي صغار النخل، من تروح النبت، إذا طال، وأنه كنى بالقيلولة عن نموها وزهوها، وادعى أن السوابق واللواحق تشهد لذلك، وجنبي: تثنية جنب، مضاف إلى "بارد" و"ظليل" وهما وصفان لموصوفين محذوفين، والأصل: بجنبي ماء بارد ظليل، وحذف العاطف.
"ويجب تقديم "من" ومجرورها عليه" أي: على أفعل، "إن كان المجرور" بـ"من" "استفهامًا"، لأن الاستفهام له صدر الكلام، "نحو: أنت ممن أفضل؟ " فالأصل: أنت أفضل ممن؟ ٤ فقدم "ممن" على عامله، وهو "أفضل" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠٢-
وإن تكن بتلو من مستفهما فلهما كن أبدًا مقدما
وتمثيل الموضح أحسن من تمثيل الناظم بقوله:
٥٠٣-
كمثل ممن أنت خير
لما فيها من الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، لأن المبتدأ أجنبي من الخبر، بمعنى أنه ليس معمولا له على الصحيح، وسيأتي أنه لا يفصل بين أفعل و"من" بالمبتدأ، لأنهما بمنزلة المضاف والمضاف إليه. ولا يلزم من تمثيل الموضح تأخير ما له صدر الكلام عن صدريته، لأن ذلك إنما يمتنع بالنسبة إلى العامل فيه فقط، لا مطلقًا.
_________________
(١) ١ في "ب": "أفعل منه".
(٢) الرجز لأحيحة بن الجلاح في المقاصد النحوية ٤/ ٣٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٩١، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٤٣، وخزانة الأدب ٥/ ٧٥، وشرح ابن الناظم ص٣٤٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣٨٥، وشرح التسهيل ٣/ ٧٥، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١١٣٠. ٢ شرح الكافية الشافية ٢/ ١١٣٠. ٣ المقاصد النحوية ٤/ ٣٧. ٤ في "ب": "من".
[ ٢ / ٩٨ ]
"أو" كان المجرور بـ"من" "مضافًا إلى الاستفهام نحو: أنت من غلام من أفضل؟ " والأصل: أنت من غلام من؟ فقدمت "من" ومجرورها على "أفضل" لأن ما أضيف إلى ما له الصدر يستحق التصدير، وما أحسن قول الأمين المحلي في المفتاح: [من الطويل]
عليك بأرباب الصدور فمن غدا مضافًا لأرباب الصدور تصدرا١
"وقد تتقدم٢" من٣ مع مجرورها على أفعل "في٤ غير الاستفهام"، وهو الإخبار، "كقوله" وهو جرير: [من الطويل]
٦٣٠-
إذا سايرت أسماء يومًا ظعينة فأسماء من تلك الظعينة أملح
فالأصل: فأسماء أملح من تلك الظعينة، فقدم "من" ومجرورها على "أملح" وهو ضرورة عند الجمهور، ونادر عند الناظم حيث قال:
٥٠٣-
ولدى إخبار التقديم نزرًا وردا
وذلك لأن أفعل عامل غير متصرف في نفسه، فلم يكن له أن يتصرف في معموله بالتقدم٥ عليه كسائر العوامل غير المتصرفة.
"الحالة الثانية: أن يكون" أفعل مقرونًا "بـ"أل" فيجب له حكمان:
أحدهما: أن يكون مطابقًا لموصوفه" في التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع، وإلى ذلك٦ أشار الناظم بقوله:
٥٠٠-
وتلو ال طبق
"نحو: زيد الأفضل وهند الفضلى والزيدان الأفضلان" والهندان الفضليان "والزيدون الأفضلون" أو الأفاضل "والهندات الفضليات أو الفضل" بضم الفاء وفتح
_________________
(١) ١ البيت في مغني اللبيب ٢/ ٥١٥، وخزانة الأدب ٥/ ١٠٤. ٢ في "ب"، "ط": "تقدم". ٣ سقطت من "ب". ٤ في "ط": "إن".
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص٨٣٥، وتذكرة النحاة ص٤٧، وشرح عمدة الحافظ ص٧٦٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٩٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣٨٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٨٦. ٥ في "أ"، "ط": "بالتقديم"، وأثبت ما في "ب". ٦ بعده في "ب": "وإليه".
[ ٢ / ٩٩ ]
الضاد المخففة كـ: الكُبَرُ، فيطابق موصوفه لزومًا، لأنه نقص شبهه بأفعل١ المتعجب به٢ لاقترانه بـ"أل" ومع ذلك لا بد من ملاحظة السماع.
قال أبو سعيد علي بن مسعود في كتابه٣ المستوفى٤ ما ملخصه: ولا يستغنى في الجمع والتأنيث عن السماع، فإن الأشرف والأظرف لم يقل فيهما: الأشارف والشرفى والأظارف والظرفى، كما قيل ذلك في الأفضل والأطول، وكذلك الأكرم والأمجد، قيل فيهما: الأكارم والأماجد، ولم يسمع فيهما: الكرمى والمجدى. انتهى.
"و" الحكم "الثاني: أن لا يؤتى معه بـ: من" لأن "من" و"أل" يتعاقبان، فلا يجتمعان كـ"أل" والإضافة: "فأما قول" ميمون "الأعشى": [من السريع]
٦٣١-
ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
"فخرج" جمعه بين "أل" و"من" "على زيادة: أل" في "الأكثر" "أو على أنها"؛ أي: "من" ليست متعلقة بالأكثر المعرف بـ"أل" وإنما هي "متعلقة بـ"أكثر" نكرة"، حال كونه "محذوفًا مبدلا من "أكثر" المذكور" بدل نكرة من معرفة، والأصل: بالأكثر أكثر منهم، أو على أن "من" بمعنى "في" أي: فيهم، أو لبيان الجنس، أي: من بينهم، أو متعلقة بـ: ليس، لما فيه من رائحة قولك، انتفي واغتفر الفصل بين "أفعل" وتمييزه للضرورة. وحصى: تمييز، أي: عددًا، والكاثر: بمعنى الكثير.
الحالة "الثالثة: أن يكون" أفعَلُ٥ "مضافًا: فإن كانت إضافته إلى نكرة لزمه أمران٦: التذكير والتوحيد، كما يلزمان المجرد" من "أل" والإضافة "لاستوائهما
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ في "ب": "منه". ٣ في "أ"، "ط": "كفاية"، والتصويب من "ب". ٤ ورد مثل ذلك في الارتشاف ٣/ ٢٢٠.
(٢) البيت للأعشى في ديوانه ١٩٣، وأوضح المسالك ٣/ ٢٩٥، وخزانة الأدب ١/ ١٨٥، ٣/ ٤٠٠، ٨/ ٢٥٠، ٢٥٤، والخصائص ١/ ١٨٥، ٣/ ٢٣٦، وشرح شواهد الإيضاح ص٣٥١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٠٢، وشرح المفصل ٦/ ١٠٠، ١٠٣، ولسان العرب ٥/ ١٣٢ "كثر"، ٩/ ١٤٧ "سدف"، ١٤/ ١٨٣ "حصى"، ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨، ونوادر أبي زيد ص٢٥، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٢/ ١١، وشرح ابن الناظم ص٣٤٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣٨٦، وشرح التسهيل ٣/ ٥٨، وشرح الكافية الشافية ٢/ ١١٣٥، وشرح المفصل ٣/ ٦. ٥ في "ب": "لفعل". ٦ الكتاب ١/ ٢٠٣.
[ ٢ / ١٠٠ ]
في التنكير"، ولكونهما على معنى "من" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٩-
وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيرًا وأن يوحدا
"ويلزم في١ المضاف إليه أن يطابق" الموصوف "نحو": زيد أفضل رجل، و"الزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال، وهند أفضل امرأة"، والهندان أفضل امرأتين، والهندات أفضل نساء، إذ قصد ثبوت المزية للأول على جنس المضاف إليه، واحدًا واحدًا، أو اثنين اثنين، أو جماعة جماعة.
والمعنى: زيد أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجلا رجلا، والزيدان أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجلين٢ رجلين، والزيدان أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجالا رجالا، وهند أفضل من جميع النساء إذا فضلن [امرأة امرأة، والهندان أفضل من جميع النساء إذا فضلن امرأتين امرأتين، والهندات أفضل من جميع النساء إذا فضلن] ٣ نساء نسًاء.
فإن قلت: النكرة في سياق الإثبات لا تعم، فمن أين جاء العموم؟ قلت: أجيب عنه بأن العموم فيه باعتبار أصله إذ أصل "زيد أفضل رجل": زيد أفضل الناس إذا عدوا رجلا رجلا، وكذا الباقي. ولذلك صحت الإضافة، لأن أفعل لا يضاف إلا لما هو بعضه٤.
"فأما" قوله تعالى: " ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ " [البقرة: ٤١] بالإفراد، ومقتضى القاعدة "كافرين" بالجمع، ليطابق الواو في "تكونوا" فالجواب ما قاله المبرد: إنه على حذف الموصوف، "والتقدير: أول فريق كافر به".
وقال الفراء٥: إنما وحد لأنه في معنى الفعل: أي: أول من كفر: ولو أريد به الاسم لم يجز إلا الجمع.
وقال محمد بن مسعود بن الزكي في كتاب "البديع": إن النكرة المضاف إليها اسم التفضيل يجب إفرادها، نحو، أنت أفضل رجل، وأنتما أفضل رجل، وأنتم أفضل رجل منه، ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] وذلك هو القياس، لأن النكرة تمييز له،
_________________
(١) ١ سقطت من "ط". ٢ في "ب": "رجل لا رجالا". ٣ سقط ما بين المعكوفين من "أ"، واستدرك من "ب"، "ط". ٤ انظر شرح المرادي ٣/ ١٢٥. ٥ معاني القرآن للفراء ١/ ٣٢-٣٣.
[ ٢ / ١٠١ ]
وقد خفضت بالإضافة، فأشبه مائة رجل، وقد أجازوا قياسًا لا سماعًا أن تثنى وأن تجمع نحو: أنتما أفضل رجلين وأنتم أفضل رجال. انتهى. والمشهور ما عليه الجماعة من وجوب المطابقة في الإضافة إلى النكرة.
"وإن كانت الإضافة إلى معرفة" فهو ثلاثة أقسام:
قسم تقصد زيادته على ما أضيف إليه، وقسم يقصد به زيادة١ مطلقة، وقسم يؤول بما لا تفضيل فيه، "فإن أول أفعل بما لا تفضيل فيه"، أو قصد به زيادة مطلقة "وجبت المطابقة" للموصوف به تشبيهًا بالمعرف بـ"أل" في الأخلاء عن لفظ "من" ومعناها.
وقد يتواردان على مثال٢ واحد "كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان٣"، فيحتمل "أعدلا" أن يؤول لما لا تفضيل فيه "أي: عادلاهم"، لأنهما لم يشاركهما أحد من بني مروان في العدل، ويحتمل أن يراد به زيادة مطلقة. والناقص: هو يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك من مروان، لقب بذلك لأنه نقص أرزاق الجند. والأشج. بالشين المعجمة والجيم: هو عمر بن عبد العزيز ﵁، لقب بذلك لأن بجبينه٤ أثر شجة من دابة ضربته. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠١-
وإن لم تنو فهو طبق ما به قرن
"وإن كان أفعل على أصله من إفادة المفاضلة" على ما أضيف٥ إليه "جازت المطابقة" لشبهه بالمعرف بـ"أل" "كقوله تعالى": ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ " أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا "﴾ [الأنعام: ١٢٣] فـ: أكابر مفعول أول٦ لـ"جعلنا"، و"في كل قرية" في موضوع المفعول الثاني، ومجرميها: مضاف إليه "أكابر"، ولو لم يطابق لقيل: أكبر مجرميها، "و" في بعض النسخ: " ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ " [هود: ٣٧] ولو لم يطابق لقيل: "أرذُلنا".
_________________
(١) ١ في "ب": "زيادته". ٢ في "ب": "محل". ٣ من شواهد شرح ابن الناظم ص٣٤٥، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٨١. ٤ في "ب": "بجنبيه". ٥ في "أ": "وما أضيفت"، والتصويب من "ب"، "ط". ٦ سقطت من "ب".
[ ٢ / ١٠٢ ]
"و" جاز تركها" أي ترك المطابقة١؛ لشبهه بالمجرد لنية معنى "من" "كقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ " [البقرة: ٩٦] فـ"أحرص" مفعول ثان لـ"تجد"، ولو طابق لقيل: أحرصي، بالياء، "وهذا" الوجه وهو؛ ترك المطابقة؛ "هو الغالب" في الاستعمال، "وابن السراج يوجبه" ويجعل أفعل فيه كالمجرد ويلزم الإفراد والتذكير، ويرده: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] "فإن قدر "أكابر" مفعولا ثانيًا" لـ"جعلنا"، "و"مجرميها" مفعولا أول"؛ كما قال ابن عطية؛ "فيلزمه المطابقة في المجرد" من "أل" والإضافة، كما قال أبو حيان٢، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠٢-
وما لمعرفه أضيف ذو وجهين عن ذي معرفه
هذا إذا نويت معنى "من".
وذكر صحب "الأمثال السائرة" أن أفعل يأتي في اللغة لنفي المعنى عن الشيئين، نحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] أي: لا خير في الفريقين. انتهى.
"مسألة": يتعلق بأفعل التفضيل حروف الجر على نحو تعلقها بـ"أفعل" التعجب، وأما الخفض به فيجوز إن كان المخفوض كلا وأفعل بعضه، وعكسه٣، وأما النصب به فيمتنع منه المفعول به ومعه٣ والمطلق مطلقًا٣، والتمييز إن لم يكن فاعلا معنى، إلا إن كان أفعل مضافًا إلى غيره، ويجوز الباقي.
وأما الرفع به "فإنه يرفع أفعَلُ التفضيل الضمير المستتر في كل لغة، نحو: زيدٌ أفضل"، ففي "أفضل" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية يعود إلى "زيد" "و" يرفع "الضمير المنفصل والاسم الظاهر في لغة قليلة" حكاها سيبويه٤، وأشار إليها الناظم بقوله:
٥٠٤-
ورفعه الظاهر نزر
"كـ: مررت برجل أفضل منه أبوه، أو" أفضل منه "أنت"، بخفض أفضل بالفتحة
_________________
(١) ١ سقط من "ب" قوله: "الوجه؛ وهو ترك المطابقة". ٢ الارتشاف ٣/ ٢٢٤. ٣ سقطت من "ب". ٤ الكتاب ٢/ ٢٦.
[ ٢ / ١٠٣ ]
على أنه صفة لـ"رجل" ويرفع الأب أو "أنت" على الفاعلية بـ"أفضل" على معنى فاقه في الفضل أبوه أو "أنت" وأكثر العرب يوجب رفع أفضل في ذلك على أنه خبر مقدم، وأبوه أو "أنت" مبتدأ مؤخر، وفاعل أفضل١: ضمير مستتر فيه عائد على المبتدأ، والجملة من المتبدأ والخبر في موضع خفض نعت لـ: رجل، ورابطها الضمير المجرور بـ"من".
"ويطرد ذلك" الرفع للظاهر "إذا حَلَّ" أفعل التفضيل "محل الفعل" مع موافقة المعنى، والفعل يرفع الظاهر، فكذلك ما حل محله، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠٤-
ومتى عاقب فعلا فكثيرًا ثبتا
"وذلك إذا٢ كان أفعل صفة لاسم جنس، و"سبقه نفي، وكان مرفوعه أجنبيًّا"، وهو ما ليس ملتبسًا٣ بضمير الموصوف به، "مفضلا" ذلك الأجنبي "على نفسه باعتبارين" مختلفين، "نحو" قول العرب: "ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد٤"، فـ "أحسن" أفعل تفضيل، وهو صفة لـ"رجلا" وهو٥ اسم جنس مسبوق بنفي، ومرفوعه "الكحل" وهو أجنبي من المصوف لكونه لم يتصل بضميره، والكحل مفضل على نفسه باعتبار محلين مختلفين، فباعتبار كونه في عين زيد فاضلا، وباعتبار كونه في عين غيره مفضولا.
والمعنى أن الكحل في عين زيد أحسن من نفسه في عين غيره٦ من الرجال. ونظيره قول الأصوليين: الواحد بالشخص يكون له جهتان كالصلاة في الدار المغصوبة.
والسبب في اطراد رفع [أفعل التفضيل الاسم الظاهر في مثل] ٧ هذا المثال، تهيئته بالقرائن التي قارنته لمعاقبة٨ الفعل على وجه لا يكون بدونها، "فإنه يجوز أن يقال: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد"، فيؤتى بالفعل، وهو
_________________
(١) ١ في "ب": "أفعل". ٢ في "ب": "أنه إذا". ٣ في "أ"، "ب": "متلبسًا"، والتصويب من "ط". ٤ انظر مثل ذلك في شرح ابن الناظم ص٣٤٦-٣٤٧. ٥ في "ب": "ورجل". ٦ في "ب": "غير زيد". ٧ ما بين المعكوفين سقط من "ب". ٨ في "ب": "لمعاقبته".
[ ٢ / ١٠٤ ]
"يحسن" مكان أفعل التفضيل، وهو "أحسن" ولا يتغير المعنى، قاله ابن مالك١، وناقشه أبو حيان في ذلك٢.
"والأصل أن يقع هذا" الاسم "الظاهر" المرفوع بأفعل التفضيل "بين ضميرين: أولهما للموصوف" بأفعل التفضيل، وهو الهاء في "عينه"، و"ثانيهما للظاهر"، وهو الهاء في "منه" فيكون المفضول مذكورًا، كما مثلنا.
وقد يحذف الضمير الأول العائد إلى الموصوف للعلم به، نحو: ما رأيت رجلا أحسن الكحل منه في عين زيد، والمقدر كالملفوظ، "وقد يحذف الضمير الثاني" العائد إلى "الكحل" فيكون المفضول مقدرًا.
"وتدخل: من" الجارة للمفضول "إما على الاسم الظاهر"، وهو "الكحل" في مثالنا، "أو" تدخل "على محله"، أي محل الكحل وهو العين، "أو" تدخل "على ذي المحل" وهو زيد، "فتقول": ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل "من كحل عين زيد"، بدخول "من" على الاسم الظاهر، وهو الكحل، "أو": ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل "من عين زيد"، بدخول "من" على محل الكحل، وهو العين، "أو": ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل "من زيد" بدخول "من" على ذي المحل، وهو زيد "فتحذف مضافًا" إذا أدخلت "من" على المحل، وهو العين "أو مضافين" إذا أدخلت "من" على ذي المحل وهو زيد.
"وقد لا يؤتى" بعد الاسم الظاهر "المرفوع بشيء" أصلا، وذلك إذا تقدم المفضل على أفعل التفضيل، فيستغنى عما بعد المرفوع، "فتقول: ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل"، فتحذف ضمير "الكحل" ومحله وصاحب محله اختصارًا.
وربما أدخلوا "من" على غير المفضول لفظًا، "وقالوا: ما أحد أحسن به الجميل من زيد، والأصل: ما أحد أحسن به الجميل من حسن الجميل بزيد"، فـ"الجميل الثاني" هو المفضول، وهو "الجميل الأول"، "ثم [إنهم] ٣ أضافوا الجميل إلى زيد لملابسته إياه" في المعنى، فصار التقدير: من جميل زيد، "ثم حذفوا المضاف"، وهو "جميل" وأقاموا المضاف إليه، وهو "زيد" مقامه، فصار: من زيد، "ومثله" قول الناظم:
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ٦٧. ٢ الارتشاف ٣/ ٢٣٥، وانظر شرح ابن الناظم ص٣٤٨. ٣ إضافة من "ب"، "ط".
[ ٢ / ١٠٥ ]
٥٠٥-
كلن ترى في الناس من رفيق أولى به الفضل من الصديق
"والأصل: من ولاية الفضل١ بالصديق"، فـ: الفضل الثاني هو المفضول، وهو الفضل الأول. "ثم" إنهم أضافوا الفضل إلى الصديق لملابسته له في المعنى، فصار التقدير: "من فضل الصديق"، ثم حذفوا المضاف، وهو الفضل٢ الثاني٣، وأقاموا المضاف إليه وهو "الصديق" مقامه فصار: "من الصديق".
وهذا المثال داخل تحت القاعدة، فإن الاسم الظاهر وهو الفضل أجنبي مسبوق بنفي بـ"لن"، مكتنف بضميرين: أولهما ضمير الموصوف، وهو الهاء من "به".
والثاني ضمير الاسم الظاهر، وقد حذف، والأصل: أولى٤ به الفضل منه بالصديق.
والحاصل أن الضميرين تارة يكونان مذكورين: وتارة يكونان محذوفين، وتارة يذكر أحدهما ويحذف الآخر، وإذا حذف ضمير المفضول لم يلزم حذف ضمير الموصوف وبالعكس.
ولما لم يمكنهم أن يجعلوا الاسم الظاهر مبتدأ لئلا يفصلوا به بين أفعل التفضيل و"من" وذلك لا يجوز، رفعوه٥ على الفاعلية، وشرطوا تقدم النفي عليه، وقاس عليه ابن مالك في شرح التسهيل٦ النهي والاستفهام، وتبعه الموضح في شرح القطر٧ ولم يرد به سماع، فالأولى الاقتصار على ما قالته العرب.
_________________
(١) ١ في "ط": "ولايته للفضل". ٢ في "ط": "وهو فضل". ٣ سقطت من "ب"، "ط". ٤ في "ب": "والأولى". ٥ في "ب": "رفعه". ٦ شرح التسهيل ٣/ ٦٨. ٧ شرح قطر الندى ص٢٨٣.
[ ٢ / ١٠٦ ]
باب النعت
مدخل
باب النعت:
ويرادفه الصفة والوصف.
"الأشياء التي تتبع ما قبلها في الإعراب" لفظًا أو تقديرًا أو محلا "خمسة: النعت والتوكيد وعطف البيان والنسق والبدل". ويشكل عليه: قام قام زيد١، ونعم نعم، ولا لا، فإنها مشتملة على التوكيد، ولا تبعية في شيء منها.
ودليل الحصر في الخمسة أن التابع إما أن يتبع بواسطة حرف أو لا، الأول عطف النسق، والثاني إما أن يكون على نية تكرار العامل أو لا، الأول البدل، والثاني: إما أن يكون بألفاظ مخصوصة أو لا، الأول التوكيد، والثاني إما أن يكون بالمشتق أول لا، الأول النعت، والثاني عطف البيان، ولها أبواب، وإذا اجتمعت يبدأ بالنعت ثم بالبيان ثم بالتوكيد ثم بالبدل ثم بالنسق، قاله في التسهيل٢.
واختلف في عامل التابع، فأما النعت والتوكيد والبيان فقال الجمهور: العامل فيها هو العامل في المتبوع، ونسب إلى سيبويه٣. وقيل: العامل فيها تبعيتها لما جرت عليه، وهو قول الخليل والأخفش٤.
وأما البدل فقيل: عامله محذوف، وهو قول الجمهور. ويدل لهم٥ ظهوره جارًا
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ التسهيل ص١٧٣. ٣ لم أجد ما نسب إلى سيبويه في الكتاب، وهو في الارتشاف ٢/ ٥٩٢. ٤ وهو أيضًا قول سيبويه والجرمي، انظر همع الهوامع ٢/ ١١٥. ٥ في "ب": "له".
[ ٢ / ١٠٧ ]
جوازًا مع الظاهر ووجوبًا مع المضمر، نحو: بزيد به. وقال قوم منهم المبرد١: عامله عامل متبوعه. [وهو ظاهر مذهب سيبويه٢، واختاره ابن مالك٣ وابن خروف. وقال ابن عصفور٤: عامله عامل متبوعه على أنه نائب عن العامل المحذوف لا أنه عامل بالأصالة. وأما النسق فقال الجمهور] ٥: عامله عامل متبوعه بواسطة الحرف، وقيل: الحرف، وقيل: محذوف، وإلى ذلك أشار في النظم بقوله:
٥٠٦-
يتبع في الإعراب الأسماء الأول نعت وتوكيد وعطف وبدل
"فالنعت عند الناظم" المشار إليه بقوله في النظم:
٥٠٧-
فالنعت تابع متم ما سبق بوسمه أو وسم ما به اعتلق
"هو التابع الذي يكمل متبوعه بدلالته على معنى فيه، أو فيما يتعلق به. فخرج بقيد التكميل النسق والبدل"، فإنهما لا يكملان متبوعهما لأنهما لم يوضعا لقصد الإيضاح والتخصيص، ومجيء البدل للإيضاح في بعض الصور عرضي، "و" خرج "بقيد الدلالة المذكورة البيان والتوكيد" فإنهما لا يدلان على معنى في متبوعهما، ولا فيما يتعلق به، أما البيان فلأن ثاني الاسمين هو عين الأول، وأما التوكيد فلأن نفس الشيء. هو الشيء لا معنى فيه. قاله ابن مالك في شرح العمدة. "والمراد بالمكمل الموضح للمعرفة، كـ: جاءني زيد التاجر"، في النعت الحقيقي، أو التاجر أبوه، في النعت السببي، "والمخصص للنكرة كـ: جاء رجل تاجر"، في الحقيقي "أو: تاجر أبوه" في السببي.
واختلف في معنى الإيضاح والتخصيص، فقيل: الإيضاح رفع الاشتراك اللفظي الواقع في المعارف على سبيل الاتفاق، فهو يجري مجرى بيان الجمل، والتخصيص رفع الاشتراك المعنوي الواقع في النكرات على سبيل الوضع، فهو يجري مجرى تقييد المطلق بالصفة، وقيل: الإيضاح رفع الاحتمال في المعارف، والتخصيص تقليل الاشتراك في النكرات.
"وهذا الحد" ليس بجامع لأنه "غير شامل لأنواع النعت، فإن النعت" قد لا
_________________
(١) ١ المقتضب ٤/ ٢٩٥، ٣٩٩. ٢ لم أجد ما نسب إلى سيبويه في الكتاب، وهو في شرح المرادي ٣/ ١٣٢. ٣ شرح التسهيل ٣/ ٣٣٠. ٤ المقرب ١/ ٢٤٢. ٥ سقط من بين القوسين من "أ"، واستدركته من "ب"، "ط".
[ ٢ / ١٠٨ ]
يكون للإيضاح والتخصيص بل "قد يكون لمجرد المدح كـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ " [الفاتحة: ٢] "أو لمجرد الذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، أو للتعميم نحو: إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين، أو للتفصيل نحو: مررت برجلين عربي وأعجمي، أو للإبهام نحو: تصدق بصدقة قليلة أو كثيرة، "أو للترحم، نحو: اللهم أنا عبدك المسكين، أو للتوكيد نحو:" ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ " نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ "﴾ [الحاقة: ١٣] .
وجوابه أن الأصل في النعت أن يكون للإيضاح أو للتخصيص، وكونه لغيرهما إنما هو بطريق العرض مجازًا عن استعمال الشيء في غير ما وضع له.
[ ٢ / ١٠٩ ]
فصل:
"ويجب موافقة النعت لما قبله فيما هو موجود فيه من أوجه الإعراب الثلاثة": الرفع والنصب والجر، "ومن التعريف والتنكير، تقول" في التعريف: "جاءني زيد الفاضل" برفعهما "ورأيت زيدًا الفاضل" بنصبهما "ومررت بزيد الفاضل" يجرهما "و" تقول في التنكير: "جاءني رجل فاضل"، ورأيت رجلا فاضلا، ومررت برجل فاضل.
"كذلك" فلا يجوز تخالفهما في الإعراب، لأن ذلك يخل بالتبعية، ولا تخالفهما في التعريف والتنكير، لأن التعريف يقتضي كون ذلك المعين مدلولا عليه بحسب تعيينه، والتنكير يقتضي كون ذلك المعين غير مدلول عليه بحسب تعيينه، فالجمع بينهما جمع بين النفي والإثبات، وهو محال. قاله الفخر الرازي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠٨-
وليعط التعريف والتنكير ما تلا كامرر بقوم كرما
"وأما الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فإن رفع الوصف" الحقيقي أو المجازي "ضمير الموصوف المستتر وافقه فيها" أيضًا. ونعني بالوصف الحقيقي أن يجري على من هو له، "كـ: جاءتني امرأة كريمة"، ورجل كريم، "ورجلان كريمان، ورجال كرام"، ففي الوصف في الجميع ضمير مستتر يعود على الموصوف باعتبار حاله في التذكير والتأنيث والتثنية والجمع. "وكذلك" تقول في التعريف: جاءتني المرأة الكريمة والرجلان الكريمان والرجال الكرام.
ونعني بالوصف المجازي أن يجري على غير من هو له إذا حول الإسناد عن الظاهر إلى ضمير الموصوف، وجر الظاهر بالإضافة إن كان معرفة، ونصب على التمييز إن كان نكرة نحو: "جاءتني امرأة كريمة الأب" بالإضافة "أو كريمة أبا" بالتمييز، "وجاءني رجلان كريما الأب"؛ بالإضافة؛ "أو كريمان أبًا"؛ بالتمييز، "وجاءني رجال كرام الأب" بالإضافة "أو كرام أبًا" بالتمييز، فيوافق النعت منعوته في الإفراد والتثنية
[ ٢ / ١١٠ ]
والجمع، والتذكير والتأنيث، مع موافقته له في أوجه الإعراب الثلاثة، وفي التعريف والتنكير. وتكمل له الموافقة في أربعة من عشرة١، "لأن الوصف في ذلك كله رافع لضمير الموصوف المستتر" أصالة أو تحويلا، ويستثنى من ذلك شيئان:
أحدهما: الوصف باسم التفضيل إذا استعمل بـ"من" أو أضيف إلى نكرة، فإنه٢ يلزمه الإفراد والتذكير، ولم يوافق في التأنيث والتثنية والجمع، نحو: مررت برجل أفضل من زيد، وبرجلين أفضل من زيد، وبرجال أفضل من زيد، وبامرأة أفضل من زيد، وبامرأتين أفضل من زيد، وبنساء أفضل من زيد، وكذلك: مررت برجل أفضل شخص، وبرجلين أفضل شخصين، وبرجال أفضل شخوص إلى آخر المثل٣.
والثاني: الوصف بما يستوي فيه المذكر والمؤنث من الأوصاف الآتية على وزن فعول بمعنى فاعل وفعيل بمعنى مفعول، إذا كان جاريًا على موصوفه نحو: رجل صبور، وامرأة صبور، ورجل قتيل، وامرأة قتيل.
"وإن رفع" الوصف الاسم "الظاهر أو" رفع "الضمير البارز أعطي" الوصف "حكم الفعل، ولم يعتبر حال الموصوف" في الإفراد والتذكير، والتأنيث والتثنية والجمع، "تقول" في الوصف إذا رفع الظاهر: "مررت برجل قائمة أمه"، بتأنيث قائمة، لأنها مسندة إلى الأم، وإن كان الموصوف مذكرًا، "وبامرأة قائم أبوها" بتذكير قائم، لأنه مسند إلى الأب، وإن كان الموصوف مؤنثًا، "كما تقول" في الفعل: "قامت أمه" في المثال الأول، "وقام أبوها" في المثال الثاني، "و" تقول: "مررت برجلين قائم أبواهما٤" بإفراد قائم، وإن كان المنعوت مثنى، "كما تقول" [في الفعل] ٥: "قام أبواهما" بإفراد الفعل.
"ومن قال" من العرب كطيئ وأزد شنوءة: "قاما أبواهما" بإلحاق علامة التثنية في الفعل المسند إلى المثنى الظاهر، "قال" في الوصف إذا أسنده إلى المثنى الظاهر:
_________________
(١) ١ في شرح ابن عقيل ٢/ ١٩٤: أن النعت يطابق منعوته في أربع من عشرة إذا رفع ضميرًا، وفي اثنين من خمسة إذا رفع ظاهرًا. ٢ سقطت من "ب". ٣ انظر شرح ابن الناظم ص٣٥٢. ٤ في "ب": "أبواها". ٥ إضافة من "ب".
[ ٢ / ١١١ ]
"قائمين أبواهما١" بتثنية الوصف.
"وتقول" في جمع التذكير: "مررت برجال قائم آباؤهم" بإفراد قائم، وإن كان الموصوف جمعًا، "كما تقول" في الفعل: "قام آباؤهم" بإفراد الفعل عن علامة الجمع.
"ومن قال" من العرب المتقدم ذكرهم: "قاموا آباؤهم" بإلحاق علامة الجمع في الفعل المسند إلى الجمع الظاهر كما في "أكلوني البراغيث"، "قال" في الوصف إذا أسند إلى الجمع الظاهر: "قائمين آباؤهم" بجمع الوصف جمع السلامة٢. "و" لكنهم خالفوا حكم الفعل إذا كان الاسم المرفوع بالوصف جمعًا، فأجازوا تكسير الوصف ثم قال سيبويه٣ والمبرد وأبو موسى: "جمع التكسير" في الوصف "أفصح من الإفراد كـ: قيام آباؤهم٤".
وقال الأبدي والشلوبين وطائفة: إفراد الوصف من تكسيره٥، وفصل آخرون فقالوا: إن كان النعت تابعًا لجمع كـ: مررت برجال قيام آباؤهم، فالتكسير أفصح، وإن كان لمفرد أو مثنى كـ: مررت برجل قاعد غلمانه، وبرجلين قاعد غلمانهما، فالإفراد، أفصح. واتفق الجميع على أن الإفراد أفصح من جمع السلامة.
وتقول في الوصف إذا رفع الضمير البارز: جاءني غلام امرأة ضاربته هي، وأمة رجل ضاربها هو، كما تقول: ضربته هي وضربها هو، وجاءني غلام رجلين ضاربه هما، كما تقول: ضربه هما، ومن قال: ضرباه هما قال: ضارباه هما.
وتقول: جاءني غلام رجال ضاربه هم، كما تقول: ضربه هم، ومن قال: ضربوه، هم قال: ضاربوه هم، وجمع التكسير كـ: ضواربه هم، أفصح من الإفراد، كما تقدم حرفًا بحرف، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٥٠٩-
وهو لدى التوحيد والتذكير أو سواهما كالفعل
_________________
(١) ١ في "ب": "قاما أبواهما؛ بتثنية الفعل؛ قال: قائمين أبواهما" وهي على لغة أكلوني البراغيث، انظر شرح ابن الناظم ص٣٥٢. ٢ انظر شرح ابن الناظم ص٣٥٢، والارتشاف ٣/ ٢٤٩. ٣ الكتاب ٢/ ٤٣. ٤ انظر الارتشاف ٣/ ٢٠٥. ٥ وهو مذهب الجمهور، انظر الارتشاف ٣/ ٢٥٠.
[ ٢ / ١١٢ ]
فصل:
"والأشياء التي ينعت بها أربعة" كما في النظم:
"أحدها: المشتق" وهو المشار إليه في النظم بقوله:
٥١٠-
وانعت بمشتق
وهو في الأصل ما أخذ من لفظ المصدر للدلالة على معنى منسوب إلى المصدر١، "والمراد به" هنا "ما دل على حدث وصاحبه" ممن قام به الفعل أو وقع عليه، "كـ: ضارب" من أسماء الفاعلين "ومضروب" من أسماء المفعولين، وما كان بمعناهما.
فمما هو بمعنى اسم الفاعل أمثلة المبالغة، كـ: ضراب، "و" الصفة المشبهة نحو: "حسن، و" اسم التفضيل المبني من فعل الفاعل نحو: "أفضل"، ومما هو٢ بمعنى اسم المفعول كـ: قتيل بمعنى مقتول، واسم التفضيل المبني من فعل المفعول نحو: أجن. من عمرو، وخرج من ذلك ما اشتق لزمان أو مكان أو آلة، فإنه لا ينعت به، فلا يرد نقضًا.
"الثاني": مما ينعت به "الجامد المشبه للمشتق في المعنى"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥١٠-
وشبهه
وهو ما يفيد من المعنى ما يفيده المشتق "كـ: اسم الإشارة" غير المكانية، "وذي بمعنى صاحب" وفروعها، "وأسماء النسب" وهي المنبه عليها في الناظم بقوله:
٥١٠-
كذا وذي والمنتسب
فاسم الإشارة تنعت به المعارف، "تقول: مررت بزيد هذا، و" "ذو" بمعنى صاحب ينعت بها النكرات، تقول: مررت "برجل ذي مال، و" أسماء النسب ينعت بها
_________________
(١) ١ كذا قال ابن النظام في شرحه ص٣٥٢، وابن عقيل في شرحه ٢/ ١٩٥، وهو مذهب البصريين، ويرى الكوفيون أن أصل الاشتقاق هو الفعل. انظر الإنصاف ١/ ٢٣٥، المسألة رقم ٢٨. ٢ في "ب": "هي".
[ ٢ / ١١٣ ]
النكرات والمعارف، تقول: مررت "برجل دمشقي"، وبالرجل الدمشقي، بفتح الميم ويجوز الكسر١.
وإنما قلنا: إن هذه الأنواع الثلاثة أفادت من المعنى ما يفيده المشتق، "لأن" لفظة "هذا" "معناها الحاضر"، ولفظة "ذي مال" معناها "صاحب مال، و" لفظة "دمشقي" معناها: "منسوب إلى دمشق"، فلما أفادت ما يفيده المشتق من المعنى صح النعت بها. ويقاس على هذه الأمثلة ما أشبهها، فيقاس على اسم الإشارة جميع الموصولات إلا "من" و"ما" وعلى ذي الصاحبية ذو٢ الطائية وفروعها، وعلى المنسوب بالياء نحو: تمار وتامر وتمر، مما هو منسوب إلى التمر فيهن. وأما الأسماء المكانية نحو: مررت برجل هنا أو هناك أو "ثم" فمتعلقة بمحذوف صفة لـ: رجل، لأنها ظروف وليس صفات.
"الثالث": مما ينعت به "الجمل"، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٥١١-
ونعتوا بجملة منكرًا
"وللنعت بها ثلاثة شروط:
شرط في المنعوت: وهو أن يكون نكرة إما لفظًا ومعنى نحو ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فجملة "ترجعون" في موضع نصب نعت لـ: يومًا، وهو نكرة لفظًا ومعنى، والرابط بينهما الضمير المجرور بـ: "في".
"أو" نكرة "معنى لا لفظًا: وهو" الاسم "المعرف بـ"أل" الجنسية، كقوله"؛ وهو رجل من بني سلول: [من الكامل]
٦٣٢-
ولقد أمر على اللئيم يسبني فأعف ثم أقول لا يعنيني
_________________
(١) ١ سقط من "ب"، "ط": "ويجوز الكسر". ٢ في "ب": "و" مكان "ذو".
(٢) البيت لرجل من بني سلول في الدرر ١/ ١٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٣١٠، والكتاب ٣/ ٢٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨، ولشمر بن عمرو الحنفي في الأصمعيات ص١٢٦، ولعميرة ص١٢٦، ولعميرة بن جابر الحنفي في حماسة البحتري ١٧١، وبلا نسبة في الأزهية ٢٦٣، والأشباه والنظائر ٣/ ٩٠، وأوضح المسالك ٣/ ٢٠٦، وخزانة الأدب ١/ ٣٧٥، ٣٥٨، ٣/ ٢٠١، ٤/ ٢٠٧، ٢٠٨، ٥/ ٢٣، ٥٠٣، ٧/ ١٩٧، ٩/ ١١٩، ٣٨٣، والخصائص ٢/ ٣٣٨، ٣/ ٣٣٠، والدرر ٢/ ٤٦٢، وشرح ابن الناظم ص٣٥١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤١، ومغني اللبيب ١/ ١٠٢، ٢/ ٤٢٩، ٦٤٥، وهمع الهوامع ١/ ٩، ٢/ ١٤٠.
[ ٢ / ١١٤ ]
فجملة "يسبني" في موضع جر نعت لـ"اللئيم"١ وهو الدنيء الأصل الشحيح النفس، وصح نعته بالجملة نظرًا إلى معناه، فإن المعرف بـ"أل" الجنسية لفظه معرفة ومعناه نكرة. قاله ابن مالك في شرح التسهيل٢.
وقال أبو حيان في الارتشاف٣: ولا ينعت بالجملة٤ المعرف بـ"أل" الجنسية، خلافًا لمن أجاز ذلك. انتهى. ويجوز أن تكون الجملة حالا نظرًا إلى لفظه.
وبقي شرط آخر في المنعوت بالجملة، وهو أن يكون مذكورًا إذا لم يكن بعض اسم متقدم مجرور بـ: من أو في، كما سيأتي.
"وشرطان في الجملة:
أحدهما: أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف، إما ملفوظ به، كما تقدم" في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] . "أو مقدرًا" أما مرفوع كقوله: [من الكامل] .
٦٣٢-
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارًا عليك ورب قتل عار
أي: هو عار. أو منصوب كقوله: [من الوافر]
٦٣٤-
وما شيء حميت بمستباح
أي: حميته. أو مجرور بـ: في، إذا كان المنعوت بالجملة اسم زمان "كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا تجزي فيه".
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٣٥١: "يسبني: صفة؛ لا حال، لأن المعنى: ولقد أمر على لئيم من اللئيم". ٢ شرح التسهيل ٣/ ٣١١. ٣ الارتشاف ٢/ ٥٨٤. ٤ في "ب": "بها الجملة".
(٢) البيت لثابت بن قطنة في ديوانه ص٤٩، والحماسة الشجرية ١/ ٣٣٠، وخزانة الأدب ٩/ ٥٦٥، ٥٧٦، ٥٧٧، والدرر ٢/ ٤٣، وشرح شواهد المغني ١/ ٨٩، ٣٩٣، والشعر والشعراء ٢/ ٦٣٥، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٥٨٥، والأزهية ص٢٦٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣٠١، وتخليص الشواهد ص١٦٠، والجنى الداني ص٤٣٩، وجواهر الأدب ص٢٠٥، ٣٦٥٤، وخزانة الأدب ٧/ ٧٩، وشرح التسهيل ٣/ ١٧٥، والمقتضب ٣/ ٦٦، والمقرب ١/ ٢٢٠، وهمع الهوامع ١/ ٩٧.
(٣) صدر البيت: "أبحت حمى تهامة بعد نجد"، وهو لجرير في ديوانه ١/ ٨٩، والكتاب ١/ ٨٧، ١٣٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٧٥، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٦/ ٤٢، وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٠٢، وشرح التسهيل ٣/ ٣١٢، ومغني اللبيب ٢/ ٥٠٢، ٣١٢، ٦٣٣.
[ ٢ / ١١٥ ]
وهل حذف الجار والمجرور معًا، أو حذف الجار وحده، فانتصب الضمير واتصل بالفعل ثم حذف منصوبًا؟ قولان: الأول عن سيبويه١، والثاني عن الأخفش٢. أو مجرور بـ"من" عائد على ظرف أو غيره: فالأول نحو: شهر صمت يومًا مباركًا، أي: منه، والثاني نحو: عندي بر كر بدرهم، أي: منه.
"و" الشرط "الثاني: أن تكون الجملة خبرية، أيك محتملة للصدق والكذب"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥١١-
فأعطيت ما أعطيته خبرا
"فلا يجوز" النعت بالجملة الطلبية والإنشائية فلا يقال: "مررت برجل اضربه، ولا: مررت بعبد بعتكه، قاصدًا لإنشاء البيع" لا الأخبار بذلك، لأن الطلب والإنشاء لا خارجي لهما يعرفه المخاطب فيتخصص به المنعوت، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥١٢-
وامنع هنا إيقاع ذات الطلب
"فإن جاء" من لسان العرب "ما ظاهره ذلك يؤول على إضمار القول"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥١٢-
وإن أتت فالقول أضمر تصب
لأن القول كثر إضماره في الكلام، "كقوله" وهو العجاج؛ على ما قيل؛ يذكر أن قومًا أضافوه فأطالوا عليه حتى دخل الليل، ثم جاءوا بلبن مخلوط بالماء حتى صار لونه في العشية يشبه لون الذئب: [من الرجز]
٦٣٥-
حتى إذا جن الظلام واختلط جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٣٨٦. ٢ في شرح التسهيل ٣/ ٣١٢: "فهذا عند سيبويه حذف اعتباطًا، لأن الظرف يجوز معه ما لا يجوز مع غيره، وعند الأخفش على حذف وتعدي الفعل وحذف الضمير".
(٢) الرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣٠٤، وخزانة الأدب ٢/ ١٠٩، والدرر ٢/ ٣٦٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٦١، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ١١٥، وأوضح المسالك ٣/ ٣١٠، وخزانة الأدب ٣/ ٣٠، ٥/ ٢٤، ٤٦٨، ٦/ ١٣٨، وشرح ابن الناظم ص٣٥٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٩٩، وشرح التسهيل ٣/ ٣١١، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١١٥٩، وشرح المفصل ٣/ ٥٢، ٥٣، ولسان العرب ٤/ ٢٤٨ "خضر". ١٠/ ٣٤٠ "مذق" والمحتسب ٢/ ١٦٥، ومغني اللبيب ١/ ٢٤٦، ٢/ ٥٨٥، وهمع الهوامع ٢/ ١١٧.
[ ٢ / ١١٦ ]
فظاهره أن جملة الاستفهام وهي: هل رأيت الذئب قط١: نعت لـ: مذق، فوجب تأويلها على أن الصفة قول محذوف، وجملة الاستفهام معمول الصفة، "أي: جاءوا بلبن مخلوط بالماء مقول عند٢ رؤيته": هل رأيت الذئب٣ قط؟
وقال ابن عمرون: "الأصل: بمذق مثل لون الذئب، هل رأيت الذين٤ يقولون: مررت برجل مثل كذا، هل رأيت كذا٥. وفي الحديث: "كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "فإنهما مثل شوك السعدان" ٦. ثم حذف "مثل لون الذئب" وبقي: هل رأيت الذئب؟ فتأولوه بمقول عند رؤيته "هذا الكلام"، فـ: "مقول" هو الصفة وجملة الاستفهام معمول لها". انتهى.
والمذق، بفتح الميم وسكون الذال المعجمة: مصدر قولك: مذقت اللبن، إذا مزجته بالماء، والمراد به هنا الممذوق مبالغة، والمعنى: جاءوا بلبن سمار فيها لون الورقة٧ التي هي لون الذئب. والسمار: اللبن الرقيق، والورقة: بياض يضرب إلى سواد.
"الرابع": مما ينعت به "المصدر" سماعًا بشروط: أحدها: أن لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. الثاني: أن يكون مصدر ثلاثي أو بزنة مصدر٨ ثلاثي. الثالث: أن لا يكون ميميًّا. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥١٣-
ونعتوا بمصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا
"قالوا: هذا رجل عدل" بفتح العين٩ "ورضا" بكسر الراء "وزور" بفتح الزاي "وفطر" بكسر الفاء.
والثلاثة الأولى١٠ مصادر حقيقة، والرابع اسم مصدر، فإن فعله أفطر، "و" هو كثير، ومع كثرته يقتصر فيه على السماع.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب": "الذئب قط"، وسقط من "ط": "قط". ٢ في "ب": "عندهم". ٣ في "ب": "الظبي". ٤ في "ب": "الذئب". ٥ سقط من "ب": "هل رأيت كذا". ٦ أخرجه البخاري في صفة الصلاة برقم ٧٧٣، وأخرجه مسلم في المساجد برقم ٦٧٥. ٧ في "ب": "الزرقة". ٨ سقطت من "ب". ٩ في "ب": "الميم". ١٠ في "ب"، "ط": "الأول".
[ ٢ / ١١٧ ]
فإن قلت: كيف صح أن يكون اسم المعنى نعتًا للذات؟ قلت: صح "ذلك عند الكوفيين على التأويل بالمشتق"، اسم فاعل أو مفعول "أي: عادل" اسم فاعل عدل، "ومرضي": مفعول رضي، وزائر: اسم فاعل زار، "ومفطر": اسم فاعل أفطر، ويدل لها ما جاء من ذلك مضافًا إلى إضافة غير معنوية نحو: مررت برجل هدك١ وشرعك وحسبك، فدل على لحظ معنى الصفة.
"وعند البصريين: على تقدير مضاف، أي: ذو كذا، ولهذا التزم إفراده وتذكيره، كما يلتزمان لو صرح بـ: ذو" وفروعه، فيقال٢: هذا رجل عدل، وامرأة عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل ونساء عدل، كما يقال: هذا رجل ذو عدل، وامرأة ذات عدل، ورجلان ذوا عدل، ورجال ذوو عدل، ونساء ذوات عدل. وقيل: لا تأويل ولا حذف مضاف، بل على جعل العين نفس المعنى مبالغة مجازًا وادعاء.
وإنما التزم إفراده وتذكيره على القوم الأول والأخير. لأن المصدر من حيث هو مصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فأخبره على أصله، وأما قول العرب: رجل ضيف ورجال أضياف وضيوف وضيفان، وامرأة ضيفة، فقليل.
_________________
(١) ١ في "ب": "عدل". ٢ انظر الارتشاف ٢/ ٥٨٤-٥٨٨.
[ ٢ / ١١٨ ]
فصل:
"وإن تعددت النعوت" فتارة تكون لواحد وتارة تكون لغيره، فإن كانت لواحد فسيأتي الكلام١ عليها في فصل يخصها، وإن كانت لغير واحد فهي على ضربين: أحدهما: أن يكون المنعوت مثنى أو مجموعًا من غير تفريق. والثاني: أن يكون مفرقًا، وتفريقه إما لكون التثنية والجمع لا يتأتيان فيه، فيقوم العطف مقامهما، وإما لتعدد عامل المنعوت.
"فإن" كان المنعوت مثنى أو مجموعًا من غير تفريق "واتحد معنى النعت"٢ ولفظه، "استغني بالتثنية والجمع٣ عن تفريقه" بالعطف "نحو: جاءني رجلان فاضلان، ورجال فضلاء".
"وإن اختلف" معنى النعت ولفظه كـ: العاقل والكريم، أو لفظه دون معناه كـ: الذاهب والمنطلق، أو معناه دون لفظه كـ: الضارب، من الضرب بالعصا ونحوها، والضارب من الضرب، في الأرض، أي السير فيها، "وجب التفريق [فيها] ٤ بالعطف"، لأنه أصل التثنية والجمع، "بالواو" خاصة، لأنها الأصل في ذلك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥١٤-
ونعت غير واحد إذا اختلف فعاطفا فرقه لا إذا ائتلف
"كقوله": [من الوافر]
٦٣٦-
بكيت وما بكا رجل حزين على ربعين مسلوب وبال
_________________
(١) ١ في "ب": "عليهما". ٢ في "ب": "المنعوت". ٣ في "ب": "من". ٤ إضافة من "ط".
(٢) البيت لابن ميادة في ديوانه ص٢١٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٦٠٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٤، ولرجل من باهلة في الكتاب ١/ ٤٣١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٢١١، وأوضح المسالك ٣/ ٣١٣، ومغني اللبيب ٢/ ٢٥٦، والمقتضب ٢/ ٢٩١، والمقرب ١/ ٢٢٥.
[ ٢ / ١١٩ ]
فـ: مسلوب وبال: نعتان لـ: ربعين، وعطف أحدهما على الآخر بالواو. والمسلوب: هو الذاهب بالكلية بحيث لم يبق له عين ولا أثر. والبالي: هو الذي ذهب١ عينه وبقي شيء من آثاره، وبكا: مقصور.
"وقولك: مررت برجل شاعر وكاتب وفقيه"، فهذه الثلاثة المتعاطفة بالواو نعوت٢ لـ: رجال٣. والشاعر: هو الذي يأتي بالكلام منظومًا، والكاتب: هو الذي يأتي به منثورًا، والفقيه، من "فقه" بالضم هو الذي صار الفقه له سحية٤.
ويستثنى نعت الإشارة فلا يتأتى فيه التفريق، لا يجوز: مررت بهذين الطويل والقصير، على النعت. قال سيبويه والمبرد والزجاج والزيادي٥، وهو مقتضى القياس، لأن نعت الإشارة لا يكون إلا طبقها في اللفظ، لأنهم جعلوا التطابق في الجامد عوضًا عن الضمير، وحمل المشتق عليه.
قال الزيادي٦: وإن قدرته بدلا أو بيانًا جاز، وقد أجاز سيبويه٧: هذان زيد وعمرو، على البيان، والبيان هنا مخالف للنعت. نقله الموضح في الحواشي.
"وإذا تعددت النعوت٨" مع تفريق المنعوت، "فإن كان" العامل فيها واحدًا، فإن اتحد العامل فالإتباع، نحو: مررت بزيد وعمرو العاقلين، ومررت بشيخ وطفل وعجوز وجلوس، لأن العطف بمثابة التثنية والجمع، وإن اختلف واختلف نسبة العامل إليهما، نحو: ضرب زيد عمرًا الظريفين، فالقطع.
وإن اتحدت، نحو: خاصم زيد عمرًا الكريمان، فالقطع عند البصريين، وإتباع الأخير عند الفراء، وإتباع الأول عند الكسائي، وإتباع أيهما شئت عد ابن سعدان٩.
_________________
(١) ١ في "ب": "هو الذاهب". ٢ في "ب": "نعت". ٣ انظر شرح ابن الناظم ص٣٥٤. ٤ في "ب": "ط": "سجية له". ٥ انظر الكتاب ٢/ ٨ والارتشاف ٢/ ٥٨٩. ٦ شرح المرادي ٣/ ١٤٥. ٧ الكتاب ٢/ ٨١. ٨ في "ب": "تعدد المنعوت". ٩ همع الهوامع ٢/ ١١٩.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وإن كان العامل متعددًا و"اتحد لفظ النعت، فإن اتحد معنى العامل وعمله" ولفظه أو جنسه "جاز الإتباع مطلقًا" سواء كان المتبوعان مرفوعين بفعلين أو خبري مبتدأين أو منصوبين أو مخفوضين. فمثال ما اتحد عمله ومعناه ولفظه: ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان، وهذا زيد وهذا عمرو الفاضلان، ورأيت زيدًا، ورأيت عمرًا الظريفين ومررت بزيد ومررت بعمرو الكريمين.
ومثال ما اتحد معناه وعمله وجنسه "كـ: جاء زيد وأتى عمرو الظريفان، وهذا زيد وذاك عمرو العاقلان ورأيت زيدًا" بعيني "وأبصرت خالدًا الشاعرين"، وسقت النفع إلى خالد وسيق لزيد الكاتبين.
ومنع ابن السراج الإتباع في النوع الثاني، وفصل في الأول١ فقال: إن قدر الثاني عاملًا فالقطع، أو توكيدًا والأول هو العامل جاز الإتباع.
"وخصص بعضهم جواز الإتباع بكون المتبوعين فاعلي فعلين" كـ: جاء زيد وأتى عمرو الظريفان، أو خبري مبتدأين كـ: هذا زيد وذاك عمرو العاقلان، أخذا من كلام سيبويه٢، فإنه تكلم بالنص على ذلك فأوهم الاختصاص. قاله ابن مالك في شرح التسهيل. ثم قال٣: "والظاهر تعميم الحكم، إذا لا فرق في القياس بين قولك: ذهب زيد وانطلق عمرو العاقلان، وقولك: أحببت زيدًا وودت عمرًا العاقلين، وقولك: مررت بزيد ومررت بعمرو العاقلين، فإذا جاز الأول جاز هذا".انتهى. وجزم به في النظم فقال:
٥١٥-
ونعت معمولي وحيدي معنى وعمل أتبع بغير استثنا
"وإن اختلفا في المعنى والعمل" واللفظ، "كـ: جاء زيد ورأيت عمرًا الفاضلين"، أو اختلفا في المعنى والجنس واللفظ كـ: هذا ناصر زيد ويخذل عمرًا العاقلين٤، "أو اختلف المعنى فقط كـ: جاء زيد ومضى عمرو الكاتبان٥، أو" اختلف "العمل فقط: كـ: هذا مؤلم زيد"؛ بالجر؛ "وموجع عمرًا"؛ بالنصب؛ "الشاعران، وجب القطع" عن المتبوع إما بالرفع على إضمار مبتدأ، أو بالنصب على إضمار فعل.
_________________
(١) ١ الأصول ٢/ ٤٢. ٢ الكتاب ٢/ ٦٠. ٣ شرح التسهيل ٣/ ٣١٧. ٤ في "ب": "العاقلان". ٥ في "ب": الكاتبين".
[ ٢ / ١٢١ ]
ويمتنع الإتباع لأنه يؤدي إلى تسليط عاملين مختلفي المعنى أو العمل على معمول واحد من جهة واحدة، بناء على أن العامل في المنعوت هو العامل في النعت، وهو الصحيح١. وأما إذا اتحد العاملان معنى وعملا فلا محذور في الإتباع، لأن العاملين من جهة المعنى شيء واحد، فنزلا منزلة العامل الواحد عند الجمهور. وقال ابن السراج٢ إذا اتفقا لفظًا كان الثاني توكيدًا للأول. والحاصل أن صور العاملين أربع:
إحداها: أن يختلف العاملان في المعنى والعمل كـ: رأيت زيدًا ومررت بعمرو.
الصورة الثانية: أن يختلف العمل قط كـ: مررت بزيد ولقيت عمرًا، وفيهما أربعة أقوال: فالجمهور على منع الإتباع فيهما، وابن الطراوة على جواز الإتباع فيهما للثاني دون الأول، والكسائي والفراء على منع الإتباع في الأولى وجوازه في الثانية، لكن الكسائي يتبع الثاني فيها دون الأول والفراء يعكس ذلك٣.
الصورة الثالثة: أن يختلف المعنى فقط كـ: وجد زيد على عمرو، ووجد عمرو الضالة، أجاز قوم فيها الإتباع، وهم القائلون: إن العامل التبعية٤، ومنعه قوم وهم القائلون: إن عامل المنعوت والنعت واحد٥.
الصورة الرابعة: أن يتحدا معنى وعملا وتحته صورتان:
أن يتحدا لفظًا أو لا، فالأولى٦ نحو: جاء زيد وجاء عمرو العاقلان فيجوز فيها الإتباع، وقيده ابن السراج بأن يقدر الثاني توكيدًا٧. والثانية نحو: جاء زيد وأتى عمرو الظريفان، فأجاز الجمهور فيها الإتباع٨، ومنعه ابن السراج مطلقًا٢. هذا كله مع اتحاد جنس العاملين، فإن اختلفا كـ: هذا زيد وجاء عمرو الظريفان، ومررت بزيد وهذا عمرو الظريفان، ولقيت زيدًا وإن عمرًا في الدار القائمان، فذهب الجمهور إلى منع الإتباع والأخفش والجرمي إلى جوازه٩.
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن الناظم ص٣٥٤. ٢ الأصول ٢/ ٤٢. ٣ انظر همع الهوامع ٢/ ١١٩. ٤ في همع الهوامع ٢/ ١١٥، القائلين بالتبعية هم الخليل وسيبويه والأخفش والجرمي. ٥ انظر همع الهوامع ٢/ ١١٥. ٦ في "ط": "فالأول". ٧ الأصول ٢/ ٤٢. ٨ انظر شرح التسهيل ٣/ ٣١٧. ٩ انظر شرح المرادي ٣/ ١٥٠، والارتشاف ٢/ ٥٩٠.
[ ٢ / ١٢٢ ]
فصل:
إذا لم تتكرر النعوت وكان المنعوت معلومًا بدون النعت حقيقة أو ادعاء، جاز إتباعه وقطعه ما لم يكن لمجرد١ التوكيد نحو: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، أو ملتزم الذكر نحو: الجماء الغفير، أو جاريًا على مشار إليه نحو: بهذا الرجل، فلا يجوز القطع في شيء منها.
"وإذا تكررت النعوت لواحد، فإن تعين مسماه بدونها جاز إتباعها كلها وقطعها" كلها "والجمع بينهما"أي: بين القطع والإتباع، "بشرط تقديم" النعت "المتبع" على النعت المقطوع، "وذلك كقولك خرنق"، بكسر الخاء المعجمة والنون بينهما راء ساكنة، بنت هفان القيسية أخت طرفة بن العبد لأمه، ترثي زوجها بشر بن عمرو بن مرثد، ومن قتل معه من بنيه وقومه: [من الكامل]
٦٣٧-
لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر
النازلون بكل معترك والطيبون معاقد الأزر
فـ "قومي": فاعل "يبعدن" بفتح الياء والعين، وهو دعاء خرج مخرج النهي، أي: لا يهلكن، وهو من بَعِدَ الرجل يبعَدُ بعدًا؛ كفرح يفرح فرحًا؛ إذا هلك، وفي التنزيل: ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] فإن قيل: كيف دعت لقومها بأن لا يهلكوا وهم قد هلكوا؟
_________________
(١) ١ في "ب": "مجرد".
(٢) البيتان للخرنق بنت بدر بن هفان في ديوانها ص٤٣، والأشباه والنظائر ٦/ ٢٣١، وأمالي المرتضى ١/ ٢٠٥، والإنصاف ٢/ ٤٦٨، وأوضح المسالك ٣/ ٣١٤، والحماسة البصرية ١/ ٢٧٧، وحماسة القرشي ص٣٦٧، وخزانة الأدب ٥/ ٤١، ٤٢، ٤٤، والدرر ٢/ ٣٦٨، والسمط ص٥٤٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦، والكتاب ١/ ٢٠٢، ٢/ ٥٧، ٥٨، ٦٤، ولسان العرب ٥/ ٢١٤ "نضر"، والمحتسب ٢/ ١٩٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٠٢، ٤/ ٧٢، وأساس البلاغة "أزر"، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٣٢٣، وشرح الأشموني ٢/ ٣٩٩، والمزهر ١/ ٤٥.
[ ٢ / ١٢٣ ]
أجيب بأن العرب قد جرت على عادتها في استعمال هذه اللفظة في الدعاء، ولهم في ذلك غرضان:
إحدهما: أنهم يريدون بذلك استعظام موت الرجل الجليل، وكأنهم لا يصدقون بموته. والثاني: أنهم يريدون الدعاء له بأن يبقى ذكره ولا يذهب، لأن بقاء ذكر الإنسان بعد موته بمنزلة حياته.
والعداة: جمع عاد، وهو العدو بعينه، ولا يجوز أن يكون جمع عدو، لأن فعولا لا يجمع على فعلة. والجزر: جمع جزور، وهي الناقة التي تتخذ للنحر، والمعترك: موضع القتال، ومعاقد: جمع معقد، والأزر: جمع إزار.
والمعنى: لا يهلكن قومي الذين هم سم على أعدائهم وآفة لإبلهم، لأنهم كانوا ينحرونها لأضيافهم.
والنزول في الحرب على ضربين: أحدهما في أول الحرب، وهو أن ينزلوا عن إبلهم ويركبوا خيلهم، والثاني: في آخرها، وهو أن ينزلوا عن خيلهم ويقاتلوا على أقدامهم إذا كان القتال في موضع وعر لا مجال فيه للخيل.
والطيبون معاقد الأزر: كناية عن عفة الفرج، تريد: أنهم لا يعقدون مآزرهم على فرج زانية. كانت العرب إذا وصفوا الرجل بطهارة الإزار والذيل أرادوا أنه لا يزني، وإذا وصفوه بطهارة الكم أرادوا أنه لا يخون ولا يسرق، وإذا وصفوه بطهارة الجيب أرادوا أن قلبه لا ينطوي على غش ولا مكر.
"و" المقصود من البيت أنه "يجوز فيه رفع "النازلين والطيبين" على الإتباع لـ: قومي، أو على القطع بإضمار مبتدأ" تقديره: "هم، و" يجوز "نصبهما" على القطع أيضًا "بإضمار" فعل تقديره: هم، ويجوز نصبهما على القطع أيضًا بإضمار فعل تقديره: "أمدح أو أذكر، و" يجوز "رفع الأول" وهو "النازلون" على الإتباع لقومي، أو على القطع بإضمار"هم" "و" يجوز "نصب الثاني" وهو "الطيبون" على القطع بإضمار "أمدح" أو "أذكر" على ما ذكرنا.
"و" يجوز "عكسه" وهو نصب الأول ورفع الثاني "على القطع فيها" لا على الإتباع في الثاني، لأنه مسبوق بنعت مقطوع، والإتباع بعد القطع لا يجوز لما فيه من الفصل بين النعت والمنعوت بجملة أجنبية، ولما فيه من الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، أو لما فيه من القصور بعد الكمال، لأن القطع أبلغ في المعنى المراد من الإتباع اعتبارًا
[ ٢ / ١٢٤ ]
بتكثير الجمل، وسكت عن النعت الأول، وهو الموصول، لخفاء إعرابه، فيتبع إن أتبعت الجميع، ويقطع إن قطعت الجميع.
فإن أتبعت بعضًا وقطعت بعضًا فليس فيه إلا الإتباع، لأن القطع في البعض والإتباع في البعض مشروط بتقدم المتبع، وإلى جواز القطع والإتباع أشار الناظم بقوله:
٥١٧-
واقطع أو اتبع إن يكن معينا بدونها
"وإن لم يعرف" مسمى المنعوت "إلا بمجموعها وجب إتباعها كلها" للمنعوت "لتنزيلها منه منزلة الشيء الواحد"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥١٦-
وإن نعوت كثرت وقد تلت مفتقرًا لذكرهن أتبعت
"وذلك كقولك: مررت بزيد التاجر الفقيه الكاتب إذا كان" زيد "هذا الموصوف" بهذه الصفات "يشاركه في اسمه ثلاثة" من الناس، اسم كال واحد منهم زيد، و"أحدهم تاجر كاتب، والآخر تاجر فقيه، والآخر فقيه كاتب" فلا يتعين زيد الأول من الآخرين إلا بالنعوت الثلاثة، فيجب إتباعها كلها، "وإن تعين ببعضها جاز فيما عدا ذلك البعض" الذي تعين به "الأوجه الثلاثة": الإتباع والقطع إلى الرفع أو إلى النصب أو الجمع بينهما بشرط تقديم المتبع على الأصح، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٥١٧-
أو بعضها اقطع معلنا
"وإذا كان المنعوت نكرة تعين في الأول من نعوته الإتباع" لأجل التخصيص، بخلاف ما إذا كان معرفة فإنه غني عن التخصيص، "وجاز في الباقي" من نعوته "القطع" عن المتبوع، سواء تعين مسماه بدونها أم١ لا، لأن المقصود من النعت التخصيص، وقد حصل بتبعية الأول، "كقوله" وهو أمية بن أبي عائذ الهذلي يصف صائدًا: [من المتقارب]
٦٣٨-
ويأوي إلى نسوة عطل وشعثا مراضيع مثل السعالي
_________________
(١) ١ في "أ"، "ط": "أو" مكان "أم".
(٢) البيت لأمية بن أبي عائد الهذلي في خزانة الأدب ٢/ ٤٢، ٤٣٢، ٥/ ٤٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٤٦، وشرح أشعار الهذليين ٢/ ٥٠٧، والكتاب ١/ ٣٩٩، ٢/ ٦٦، وتاج العروس "سعل"؛ ولأبي أمية في المقاصد النحوية ٤/ ٦٣، وللهذلي في شرح المفصل ٢/ ١٨، ولسان العرب ٨/ ١٢٧، "رضع"، وبلا نسبة في أمالي الحاجب ١/ ٣٢٢، وأوضح المسالك ٣/ ٣١٧، ورصف المباني ص٤١٦، وشرح ابن الناظم ص٣٥٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٠٠، وشرح التسهيل ٣/ ٣١٨، والمقرب ١/ ٢٢٥.
[ ٢ / ١٢٥ ]
فأتبع النعت الأول وهو "عطل" بضم العين وتشديد الطاء المهملتين، يقال: عطلت المرأة: إذا خلا جيدها من القلائد، وقطع الثاني وهو "شعثًا" بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة في آخره مثلثة: جمع شعثاء، بالمد، وهي المغبرة الرأس، وهو منصوب بفعل محذوف تقديره: أخص شعثًا، ونحوه، والمراضيع: جمع "مرضع"، السعالي: جمع سلعاة، وهي أخبث الغيلان، فإن لم يتقدم نعت آخر لم يجز القطع إلا في الشعر١. "وحقيقة القطع أن يجعل النعت خبرًا لمبتدأ٢ أو مفعول لفعل: فإن كان النعت المقطوع لمجرد مدح أو ذم أو ترحم وجب حذف المبتدأ" إن رفعت النعت وقدرت "هو"، و"الفعل" إن نصبت النعت وقدرت في المدح: أمدح، وفي الذم: أذم، وفي الترحم: أرحم، وعلى ذلك يحمل قول الناظم:
٥١٨-
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا مبتدأ أو ناصبًا لن يظهرا
"كقولهم" في المدح: "الحمد لله الحميد، بالرفع، بإضمار: هو" فـ"هو": مبتدأ، والحميد: خبره، "وقوله تعالى" في الذم: " ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] بالنصب" لـ"حمالة" "بإضمار: أذم"، فـ"امرأته"، مرفوع بالعطف على فاعل "يصلي" المستتر فيه، وكقولك: "مررت بعبدك المسكين"، برفع المسكين ونصبه، وجملة النعت المقطوع مستأنفة. قال الشاطبي٣: "لأن الصفة مع المقدر تصير جملة مستقلة لا موضوع لها من الإعراب"، انتهى.
ووجوب حذف الرافع والناصب أنهم لما قصدوا إنشاء المدح أو الذم أو الترحم جعلوا إضمار العامل أمارة على ذلك كما فعلوا في النداء، إذ لو أظهروا العامل وقالوا: أدعو عبد الله، مثلا: لخفي معنى الإنشاء، وتوهم كونه خبرًا مستأنفًا.
"وإن كان" النعت المقطوع "لغير ذلك"؛ أي لغير المدح والذم والترحم، "جاز ذكره" أي ذكر العامل، وهو المتبدأ أو الفعل، "تقول: مررت بزيد التاجر، بالأوجه الثلاثة" بالجر على الإتباع، والرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، والنصب على المفعولية بفعل محذوف، "ولك أن" تظهر كلا من المبتدأ والفعل و"تقول: هو٤ التاجر وأعني التاجر"، كأنه على تقدير سؤال سائل يقول: من هو؟ أو: من تعني؟
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٥٩، والكتاب ٢/ ٦٦. ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب": "قال بعضهم". ٤ في "أ": "هذا".
[ ٢ / ١٢٦ ]
فصل:
"ويجوز بكثرة حذف المنعوت إن علم، وكان النعت إما" مفردًا "صالحا لمباشرة العامل"، إما باختصاص النعت بالمنعوت كـ: مررت برجل راكب صاهلا، أي: فرسًا صاهلا، أو بمصاحبة ما يعينه "نحو": ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، " أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ " [سبأ: ١٠-١١] "أي": اعمل "دروعًا سابغات"، فحذف المنعوت للعلم به مع أن النعت لا يختص بالمنعوت، ولكن تقدم ذكر الحديد أشعر به، وحيث حذف الموصوف أقيمت صفته مقامه، لكونها صالحة لمباشرة ما كان المنعوت مباشرة، فإن لم يصلح لمباشرة١ العامل امتنع حذفه غالبًا، ومن غير الغالب: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] أي: نبأ من نبأ المرسلين، بناء على أن "من" لا تزاد في الإيجاب ولا تدخل على معرفة.
"أو" كأن النعت جملة أو شبهها وكان المنعوت مرفوعًا، كما قال الفارسي: وكان "بعض اسم مقدم مخفوض بـ: من، أو: في.
فالأول كقولهم: منا ظعن"؛ أي سافر؛ "ومنا أقام"، فـ"ظعن" و"أقام" جملتان في موضع رفع، نعتان لمنعوتين محذوفين مرفوعين على الابتداء، "أي: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام"، والمنعوتان بعض اسم مقدم، وهو الضمير المجرور بـ"من".
هذا تقدير البصريين، وقدر الكوفيون المحذوف موصولا، أي: الذي ظعن والذي أقام، وما قدره البصريون أقيس، لأن اتصال الموصول بصلته أشد من اتصال الموصوف بصفته لتلازمهما.
"والثاني" كقولهم: ما في الناس إلا شكر أو كفر، أي: إلا رجل شكر أو رجل كفر، والمنعوتان بعض اسم مقدم مجرور بـ"في" وهو "الناس"، و"كقوله"؛ وهو أبو الأسود الحماني يصف امرأة: [من الرجز]
_________________
(١) ١ في "ب": "بمباشرة".
[ ٢ / ١٢٧ ]
٦٣٩-
لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسم
ففيه حذف وتغيير وتقديم١ وتأخير، و"أصله: لو قلت ما في قومها أحد [يفضلها] ٢ لم تأثم" في مقالتك، "فحذف الموصوف" بجملة "يفضلها" "وهو: أحد" وهو بعض اسم مقدم مجرور بـ"في"، وهو "قومها" "وكسر حرف المضارعة من: تلثم" على لغة غير الحجازيين٣. "وأبدل الهمزة ياء" لوقوعها ساكنة بعد كسرة تشبيها بالألف، "وقدم جواب: لو" وهو: لم تيثم، على جملة النعت وهي "يفضلها" حال كون الجواب "فاصلا بين الخبر المقدم وهو": في قومها، الذي هو "الجار والمجرور والمبتدأ المؤخر وهو: أحد، المحذوف"، وإنما قدر متأخرًا، لأن النكرة المخبر عنها بظرف أو جار ومجرور مختص، يجب تقديم خبرها عليها. والحسب: بفتح الحاء والسين المهملتين: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، والميسم: الجمال، وأصله: موسم، قلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة.
ومثال شبه الجملة: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] أي: فريق دون ذلك، وقولهم: ما في بني تميم إلا فوق ما تريد، أي: إلا رجل فوق ما تريد، وقولك: ما منا إلا على أهبة، أو: ما فينا إلا على أهبة، أي: رجل على أهبة.
فإن لم يكن المنعوت بالجملة بعض اسم مقدم٤ مخفوض بـ"من" أو "في" لم يحذف٥ إلا في ضرورة، كقوله: [من الرجز]
_________________
(١) الرجز لأبي الأسود الحماني في شرح المفصل ٣/ ٥٩، ٦١، والمقاصد النحوية ٤/ ٧١، ولحكيم بن معية في خزانة الأدب ٥/ ٦٢، ٦٣، وله أو لحميد الأرقط في الدرر ٢/ ٣٧٢ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٢٠، والخصائص ٢/ ٣٧٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٠٠، وشرح عمدة الحافظ ص٥٤٧، والكتاب ٢/ ٣٤٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٠، والمخصص ١٤/ ٣٠، وتاج العروس "أثم"، وشرح التسهيل ٣/ ٣٢٣، وشرح المرادي ٣/ ١٥٦. ١ سقطت من "ب". ٢ إضافة من "ب"، "ط". ٣ في "ب": "الحجازية". ٤ سقطت من "ب". ٥ في "ب": "لم يجز حذفه".
[ ٢ / ١٢٨ ]
٦٤٠-
يرمي بكفي كان من أرمى البشر
أي: بكفي رجل كان.
"ويجوز حذف النعت إن علم، كقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ " [الكهف: ٧٩] فحذف النعت وبقي المنعوت "أي: كل سفينة صالحة"، بدليل أنه قرئ كذلك١، فإن تعييبها لا يخرجها عن كونها سفينة، فلا فائدة فيه حينئذ. قال في المغني٢.
"وقول الشاعر" وهو عباس بن مرداس: [من المتقارب] .
٦٤١-
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ فلم أعط شيئًا ولم أمنع
فحذف النعت وأبقى المنعوت، "أي: شيئًا طائلا". والذي أحوج إلى تقدير هذا النعت تحري الصدق، فإن الواقع أنه أعطى شيئًا، بدليل قوله: "ولم أمنع"، ولكنه لم يرتضه، فيحتاج إلى تقدير صفة يكتسي بها الكلام جلباب الصدق، ويتحلى بزينة الحق. وعلله في المغني بدفع التناقض٣، واعترض بأن عدم الإعطاء لا يناقض عدم المنع.
وسبب قول العباس هذا البيت أن النبي -ﷺ- حين أعطى المؤلفة قلوبهم من نفل حنين مائة مائة أعطاه أباعر فسخطها٤ وقال٥: [من المتقارب]
أتجعل نهبي ونهب العبيـ ـد بين عيينة والأقرع
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في الإنصاف ١/ ١١٤، ١١٥، وتاج العروس "كون"، "منن"، وخزانة الأدب ٥/ ٦٥، والخصائص ٢/ ٣٦٧، والدرر ٢/ ٣٧٤، وشرح ابن الناظم ص٣٥٦، وشرح الأشموني ٢/ ٤٠١، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٦١، وشرح عمدة الحافظ ص٥٥٠، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١١٦٥، وشرح المفصل ٣/ ٦٢، ولسان العرب ١٣/ ٣٧٠ "كون"، ٤٢١، "منن"، ومجالس ثعلب ٢/ ٥١٣، والمحتسب ٢/ ٢٢٧، ومغني اللبيب ١/ ١٦٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٦٦، والمقتضب ٢/ ١٣٩، والمقرب ١/ ٢٢٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٠. ١ هي قراءة أبي وعبد الله بن مسعود وابن عباس وابن جبير، انظر البحر المحيط ٦/ ١٥٤، والكشاف ٢/ ٤٩٥. ٢ مغني اللبيب ٢/ ٦٢٧.
(٢) البيت للعباس بن مرادس في ديوانه ص٨٤، والدرر ٢/ ٣٧٦، وشرح ابن الناظم ص٣٥٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٢٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٩٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٢٢، وشرح الأشموني ١/ ٤٠١، ومغني اللبيب ٢/ ٦٢٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٠. ٣ مغني اللبيب ٢/ ٦٢٧. ٤ في "ب": "فشحطها". ٥ ديوانه ص٨٤.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وقد كنت في الحرب ذا تدرا فلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهم ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال النبي -ﷺ: "اقطعوا لسانه عني"، فزادوه حتى رضي١.
والعبيد، بالتصغير: اسم فرسه، ويعني عيينة بن حصن والأقرع بن حابس.
والتدرأ، بضم التاء الفوقانية المثناة وإسكان الدال المهملة وفتح الراء سابقة على همزة القوة والعدة.
"وقوله" ومن المرقش الأكبر: [من الوافر] .
٦٤٢-
ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة لها فرع وجيد
فحذف النعت فيهما وأبقى المنعوت "أي: فرع فاحم وجيد طويل"، بدليل أن التبيت للمدح، وهو لا يحصل بإثبات الفرع والجيد مطلقين، بل بإثباتهما موصوفين بصفتين محبوبتين. والفرع، بالفاء والعين: الشعر، والفاحم، بالفاء والحاء المهملة: الأسود، والجيد، بكسر الجيم وإسكان الياء مخففة: العنق، فكأنه قال: لها شعر أسود وعنق طويل. وإلى جواز حذف كل من المنعوت والنعت أشار الناظم بقوله:
٥١٩-
وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل
_________________
(١) ١ انظر الخبر في الدرر ١/ ٣٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٢٥-٩٢٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٦٩-٧٠.
(٢) البيت للمرقش الأكبر في شرح اختيارات المفضل ٩٩٨، وشرح عمدة الحافظ ص٥٥٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٧٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٢٥، والارتشاف ٢/ ٦٥، وشرح التسهيل ٣/ ٣٢٤.
[ ٢ / ١٣٠ ]
فصل:
ويجوز عطف بعض النعوت على بعض بجميع حروف العطف إلا أم وحتى. قاله ابن خروف١، وصوبه الموضح في الحواشي.
وإذا تقدم النعت على المنعوت، فإن كانا معرفتين وكان النعت صالحًا لمباشرة العامل، جعل المنعوت بدلا من النعت، نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١-٢] في قراءة الجر٢، وإن كانا نكرتين نصب النعت على الحال نحو: [من م. الوافر]
٦٤٣-
لمية موحشا طلل
وإذا نعت بمفرد وظرف وجملة قدم المفرد على الظرف والظرف على الجملة غالبًا فيهن.
_________________
(١) ١ ورد قوله في همع الهوامع ٢/ ١١٩-١٢٠. ٢ كذا في الرسم المصحفي، وقرئت "الله" بالرفع، وهي قراءة نافع وابن عامر والحسن وأبي جعفر. انظر الإتحاف ص٢٧١، والكشاف ٢/ ٣٦٥، ومعاني الفراء ٢/ ٦٧.
(٢) عجز البيت: "يلوح كأنه خلل"، وتقدم تخريجه برقم ٤٣٣.
[ ٢ / ١٣١ ]
باب التوكيد
مدخل
باب التوكيد:
والتأكيد أيضًا لغة فيه، ولم ينفرد أحدهما بتصرف فيجعل أصلا، يقال: وكد توكيدًا وأكد١ تأكيدًا، والواو أكثر، ولذلك شاع استعماله بالواو وعند النحاة.
والمراد به التابع.
"وهو ضربان: لفظي، وسيأتي" آخر الباب، "ومعنوي": وهو تابع بألفاظ مخصوصة٢، ولذلك استغنى به عن حده، "وله سبعة ألفاظ" محصورة، وغيرها كالتابع لها، اللفظ "الأول والثاني٣: النفس والعين، ويؤكد بهما لرفع المجاز عن الذات"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٠-
بالنفس أو بالعين الاسم أكدا
"تقول: جاء الخليفة، فيحتمل" أنه على تقدير مضاف، و"أن الجائي خبره، أو ثقله"، بكسر المثلثة وسكون القاف: واحد الأثقال، وبفتحهما: متاع المسافر وحشمه٤.
"فإذا أكدت بالنفس" فقط "أو بالعين" فقط، "أو بهما" معًا بشرط تقديم النفس، فقلت: جاء الخليفة نفسه، أو عينه أو نفسه عينه، "ارتفع ذلك الاحتمال" عن الذات، وصار الكلام نصا على ما هو الظاهر منه، وارتفع المجاز الحقيقة. ونص ابن عصفور على أن التوكيد يضعف احتمال المجاز٤، ولا يرفع احتماله البتة.
_________________
(١) ١ سقط من "ب": "وأكد تأكيدًا". ٢ في شرح ابن الناظم ص٣٥٧: "أما المعنوي فهو: التابع الرافع احتمال تقدير إضافة إلى المتبوع، أو إرادة الخصوص بما ظاهره العموم". ٣ بعده "ب": "من ألفاظه". ٤ سقطت من "ب".
[ ٢ / ١٣٢ ]
"ويجب في النفس والعين "اتصالهما" لفظًا "بضمير مطابق للمؤكد" بفتح الكاف، ليرتبط به، "و" يجب "أن يكون لفظهما طبقه في الإفراد والجمع"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٠-
مع ضمير طابق المؤكدا
تقول: جاءني زيد نفسه عينه، وهند نفسها عينها، والزيدون أنفسهم أعينهم، والهندات أنفسهن أعينهن، ولا يجوز: نفوسهم ولا عيونهم ولا أعيانهم، في التوكيد "وأما في التثنية فالأفصح" في النفس والعين "جمعهما" جمع قلة "على: أفعل"، بضم العين، بالإفراد، ونفساهما عيناهما، بالتثنية عند ابن كيسان سماعًا١، وأجاز ذلك ابن إياز في "شرح الفصول" تبعًا لابن معط، ووافقهم الرضي٢، واقتصر في النظم على الجمع فقال:
٥٢١-
واجمعهما بأفعل إن تبعا ما ليس واحدًا
وإنما ترك الأصل في المثنى كراهة اجتماع تثنيتين، وعدل إلى الجمع، لأن التثنية جمع في المعنى. "ويترجح إفرادهما على تثنيتهما عند الناظم"، كما يؤخذ من عموم قوله في التسهيل في باب "كيفية التثنية وجمعي التصحيح"٣: ويختار في المتضايفين لفظًا أو معنى إلى متضمنيهما لفظ الإفراد على لفظ التثنية، ولفظ الجمع على لفظ الإفراد.
انتهى كلام الناظم٤.
"وغيره يعكس ذلك" فيرجع التثنية على الإفراد، ولم أقف عليه فهو نقل غريب، فكيف وقد قيل: إن التثنية لم ترد إلا في الشعر.
"والألفاظ الباقية" من السبعة: "كلا وكلتا للمثنى" نحو: جاء الزيدان كلاهما والمرأتان كلتاهما. "وكل وجميع وعامة، لغيره" أي لغير المثنى، وهو الجمع مطلقًا
_________________
(١) ١ شرح الرضي ٢/ ٣٦٩-٣٧٠، وشرح المرادي ٣/ ١٦٠. ٢ شرح الرضي ٢/ ٣٦٩. ٣ التسهيل ص١٩. ٤ في "أ": "ابن الناظم"، وهو خطأ، انظر المصدر السابق، وفي شرح ابن الناظم ص٣٥٧: "ويجوز فيهما أيضًا الإفراد والتثنية، وكذا كل مثنى في المعنى مضاف إلى متضمنه يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد، ولفظ الإفراد على لفظ التثنية". وانظر الارتشاف ٢/ ٦٠٨.
[ ٢ / ١٣٣ ]
والمفرد بشرط أن يتجزأ بنفسه أو١ بعامله نحو: جاء القوم كلهم، أو جميعهم، أو عامتهم، والهندات كلهن أو جميعهن أو عامتهن، واشتريت العبد كله أو جميعه أو عامته.
"ويجب اتصالهن بضمير المؤكد" لفظًا ليحصل الربط بين التابع والمتبوع، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٢-
وكلا اذكر في الشمول وكلا كلتا جميعا بالضمير موصلا
"فليس منه" أي؛ من التوكيد: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] لعدم الضمير، "خلافًا لمن وهم" وهو٢ ابن عقيل فإنه قال: إن "جميعًا" توكيد لـ"ما" الموصولة الواقعة مفعولا لـ: خلق، ولو كان كذلك لقيل: جميعه، ثم التوكيد بجميع قليل، فلا يحمل عليه التنزيل، قاله في المغني٣.
"ولا قراءة بعضهم: "إِنَّا كُلًاّ فِيها" [غافر: ٤٨] لعدم الضمير٤، "خلافًا للفراء والزمخشري" في قولهم: إن "كلا" توكيد لاسم "إن"٥ "بل" الصواب أن "جميعًا" في الآية الأولى "حال" من "ما" الموصولة، "وكلا" في الآية الثانية "بدل" من اسم "إن"، وإبدال الظاهر من ضمير الحاضر بدل كل جائز، إذا كان مفيدًا للإحاطة نحو: قمتم ثلاثتكم، وبدل الكل لا يحتاج إلى ضمير٦، ويجوز في "كل" أن تلي العوامل إذا لم تتصل بالضمير، نحو: جاءني كل القوم، ويجوز مجيئها بدلا بخلاف: جاءني كلهم، فلا يجوز إلا في الضرورة. قاله في المغني٦.
قال ابن مالك٧: "ويجوز كونه" أي: كلا "حالا من ضمير" الاستقرار المنتقل إلى "الظرف" يعني "فيها"، وفيه ضعفان، تنكير "كل" بقطعها عن الإضافة لفظًا ومعنى، وتقديم الحال على عاملها الظرفي. قاله في المغني٦.
_________________
(١) ١ سقط من "ب": "بنفسه أو". ٢ في "ب": "ممن عاصر الموضح، يعني" مكان "هو". ٣ مغني اللبيب ٢/ ٥١٠. ٤ الرسم المصحفي: "كل" بالرفع، وقرأها بالنصب: ابن السميفع وعيسى بن عمر. انظر البحر المحيط ٧/ ٤٦٩، والكشاف ٣/ ٤٣٠. ٥ انظر الارتشاف ٢/ ٦١٠، وشرح التسهيل ٣/ ٢٩٢. ٦ مغني الليب ٢/ ٥١٠. ٧ شرح التسهيل ٣/ ٢٩٣.
[ ٢ / ١٣٤ ]
"و" كلا وكلتا وكل وجميع وعامة "يؤكد بهن لرفع احتمال تقدير بعض مضاف إلى متبوعهن، فمن ثم"؛ أي: من أجل الاحتمال المذكور "جاز" أن يقال: "جاءني الزيدان كلاهما، والمرأتان كلتاهما، لجواز أن يكون الأصل: جاء أحد الزيدين أو إحدى المرأتين"، وأنه أطلق المثنى وأريد به واحد، "كما قال" الله "تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] بتقدير: يخرج من أحدهما" وهو البحر الملح، واللؤلؤ: كبار الدر، والمرجان: صغاره.
"وامتنع على الأصح" أن يقال: "اختصم الزيدان كلاهما والهندان كلتاهما، لامتناع التقدير المذكور١"، لأن الاختصام لا يكون إلا بين اثنين، ويدل على امتناع٢ ذلك إطباقهم على منه: جاء زيد كله، لعدم الفائدة. هذا قول الأخفش وهشام والفراء وأبي علي٣. وذهب الجمهور إلى إجازته٤، وتبعهم ابن مالك في التسهيل٥.
واحتج المجيز بأن العرب قد تأتي بالتوكيد حيث لا احتمال نحو: جاء القوم كلهم أجمعون أكتعون. "وجاز" أن يقال: "جاء القوم كلهم، واشتريت العبد كله" لرفع الاحتمال المذكور، "وامتنع" أن يقال: "جاء زيد كله"، لعدم الفائدة، إذ يستحيل نسبة المجيء إلى جزئه المتصل به دون البعض الآخر.
"والتوكيد بـ"جميع" غريب٦، ومنه قول امرأة" من العرب وهي ترقص ولدها: [من الهزج]
٦٤٤-
فداك حي خولان جميعهم وهمدان
وكل آل قحطان والأكرمون عدنان
_________________
(١) ١ في "ب": "حينئذ" مكان "المذكور". ٢ سقطت من "ب". ٣ الارتشاف ٢/ ٦٠٩. ٤ ومنهم المبرد، انظر الارتشاف ٢/ ٦٠٨. ٥ التسهيل ص١٦٤. ٦ في شرح ابن الناظم ص٣٥٩: "وأغفل أكثر النحويين التنبيه على التوكيد بهذين الاسمين "جميع وعامة"، ونبه عليهما سيبويه". وانظر الكتاب ١/ ٣٧٦-٣٧٧، ٢/ ١١٦، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١١٧١، وشرح التسهيل ٣/ ٢٩٩.
(٢) الرجز لامرأة من العرب ترقص ابنها في المقاصد النحوية ٤/ ٩١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٣٠، والدرر ٢/ ٣٨٢، وشرح ابن الناظم ص٣٥٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٣.
[ ٢ / ١٣٥ ]
فـ: جميعهم: توكيد لـ: "حي خولان" وفداك: من التفدية، بالدال المهملة، ويجوز في الفاء الكسر، فيكون مبتدأ، وحي: خبره، ويجوز فتحها فيكون فعلا ماضيًا، وحي: فاعله. وخولان: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وهمدان، بفتح الهاء وسكون الميم وبإهمال الدال: قبيلتان من اليمن، وقحطان: أبو اليمن، وعدنان: أبو معد، وهو عطف بيان على "الأكرمون". وقد تكون جميع بمعنى مجتمع ضد مفترق، فلا تفيد توكيدًا كقوله: [من الطويل]
٦٤٥-
فإنني نهيتك عن هذا وأنت جميع
"وكذلك التوكيد بـ: عامة" غريب، ولذلك١ أغفله أكثر المصنفين٢، "والتاء فيها" لازمة "بمنزلتها" في اللزوم "في النافلة، فتصلح مع المؤنث والمذكر، فتقول: اشتريت" الأمة عامتها، و"العبد عامته"، بالتاء مع المذكر، "كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] بالتاء، وفي ذلك تعريف بالرد على الشارح حيث حمل٣ قول والده في النظم:
٥٢٣-
وستعملوا أيضًا ككل فاعله من عم في التوكيد مثل النافله
على الزيادة على ما ذكره النحويون في هذا الباب، فإن أكثرهم أغفله، ثم قال٤: وليس هو في حقيقة الأمر نافلة على ما ذكره، فإن من أجلهم سيبويه، ولم يغفله. انتهى.
وفي "الإفصاح" أن المبرد خالف سيبويه، فزعم أن عامتهم بمعنى أكثرهم، فعنده يكون من بدل البعض عكس معنى التوكيد، فإنه تخصيص والتوكيد تعميم.
_________________
(١) صدر البيت: "عدمتك من نفس شعاع فإنني"، وهو لقيس بن ذريح في ديوانه ص١٠٥، وتاج العروس ٢٠/ ٤٥٢ "جمع"، ٢١/ ٢٧٥ "شعع"، ولسان العرب ٨/ ١٨١ "شعع"، ولقيس بن معاذ "مجنون ليلى" في ديوانه ص١٥١، ولسان العرب ٨/ ٥٤، "جمع"، والأغاني ٢/ ٢٥، ٨/ ١٢٦، ٩/ ٢٠٦، ولقيس أو للضحاك بن عمارة في سمط اللآلي ص١٣٣، ولجميل بثينة في ديوانه ص١١٤، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٣/ ١٦٧، ومجمل اللغة ٣/ ١٤٦، وأساس البلاغة "شعع"، والزهرة ١/ ٢٥٦. ١ في "ب": "ولهذا". ٢ في شرح ابن الناظم ص٣٥٩: "وأغفل أكثر النحويين التنبيه على التوكيد بهذين الاسمين "جميع وعامة"، ونبه عليهما سيبويه". وانظر الكتاب ١/ ٣٧٦-٣٧٧، ٢/ ١١٦، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١١٧١، ونبه عليهما سيبويه". وانظر الكتاب ١/ ٣٧٦-٣٧٧، ٢/ ١١٦، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١١٧١، وشرح التسهيل ٣/ ٢٩٩. ٣ في "ب": "جعل". ٤ شرح ابن الناظم ص٣٥٩.
[ ٢ / ١٣٦ ]
فصل:
"ويجوز إذا أريد تقوية التوكيد أن يتبع كله بأجمع، وكلها بجمعاء، وكلهم بأجمعين، وكلهن بجمع"، فتقول: جاء الجيش كله أجمع، والقبيلة كلها جمعاء، والقوم كلهم أجمعون، والنساء كلهن جمع. "قال الله سبحانه: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص: ٧٣] وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٤-
وبعد كل أكدوا بأجمعا جمعاء أجمعين ثم جمعا
"وقد يؤكد بهن" استقلالا١ و"إن لم يتقدم" عليهن"كل، نحو" قولك: جاء الجيش أجمع، والقبيلة جمعاء والقوم أجمعون والنساء جمع. قال الله تعالى: " ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ " [الحجر: ٣٩] ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ " لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِين َ"﴾ [الحجر: ٤٣]، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٢٥-
ودون كل قد يجيء أجمع جمعاء أجمعون ثم جمع
"ولا يجوز تثنية أجمع ولا جمعاء" عند جمهور البصريين "استغناء بكلا وكلتا" عن تثنية أجمع وجمعاء، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٧-
وأغن بكلتا في مثنى وكلا عن وزن فعلاء ووزن أفعلا
"كما استغنوا" غالبًا" بتثنية: سي" بكسر السين المهملة وتشديد الياء "عن تثنية سواء" بالمد، فقالوا: سيان، ولم يقولوا: سواءان، إلا نادرًا. "وأجاز الأخفش والكوفيون ذلك" أي تثنية أجمع وجمعاء، "فتقول" على رأيهم: "جاء الزيدان أجمعان" بتثنية أجمع "والهندان جمعاوان" بتثنية جمعاء. قال ابن خروف٢: ومن منع تثنيتهما فقد تكلف وادعى ما لا دليل عليه. وهذا الخلاف جار فيما وازنهما نحو: أكتع وكتعاء.
_________________
(١) ١ في "ب": "استثقالا". ٢ شرح المرادي ٣/ ١٦٨.
[ ٢ / ١٣٧ ]
"وإذا لم يفد توكيد النكرة لم يجز باتفاق" لأن الغرض من التوكيد إزالة اللبس، وفي شرح التسهيل١ لابن مالك أن بعض الكوفيين أجاز توكيد النكرة مطلقًا، فيقدح في دعوى الاتفاق. "وإن أفاد جاز عند" الأخفش والكوفيين، "وهو الصحيح" لورود السماع به، ومنعه جمهور البصريين مطلقًا٢، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٦-
وإن يفد توكيد منكور قبل وعن نحاة البصرة المنع شمل
"وتحصل الفائدة بأن يكون" المنكر "المؤكد" زمنًا "محدودًا"، وهو ما كان موضوعًا لمدة لها ابتداء وانتهاء كـ: يوم وأسبوع وشهر وحول.
"و" يكون "التوكيد من ألفاظ الإحاطة" والشمول، كقوله: [من الرجز]
٦٤٦-
قد صرت البكرة يومًا أجمعًا
و"كـ: اعتكف أسبوعًا كله، وقوله": [من البسيط]
٦٤٧-
لكنه شاقه أن قيل ذا رجب يا ليت عدة حول كله رجب
"ومن أنشد" كالناظم وابنه "شهر" مكان "حول" فقد حرفه٣، من التحريف، وهو التغير، لأن المعنى يفسد عليه، لأن الشاعر تمنى أن يكون٤ عدة الحول من أوله إلى آخره رجبًا، لما رأى فيه من الخيرات، ولا يصح أن يتمنى أن عدة شهر كله رجب، لأن الشهر الواحد لا يكون بعضه وبعضه غير رجب حتى يتمنى أن يكون كله رجبًا.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ٢٩٦. وانظر الإنصاف ٢/ ٤٥١، والمسألة رقم ٦٣. ٢ انظر الإنصاف ٢/ ٤٥١، المسألة رقم ٦٣.
(٢) الرجز بلا نسبة في أسرار العربية ص٢٩١، والإنصاف ٢/ ٤٥٥، وخزانة الأدب ١/ ١٨١، ٥/ ١٦٩، والدرر ٢/ ٣٨٦، وشرح ابن الناظم ص٣٦١، وشرح الأشموني ٢/ ٤٠٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢١١، وشرح التسهيل ٣/ ٢٩٧، وشرح المفصل ٣/ ٤٤، ٤٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٩٥، والمقرب ١/ ٢٤٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٤.
(٣) البيت لعبد الله بن مسلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين ٢/ ٩١٠، ومجالس ثعلب ٢/ ٤٠٧، وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٩٠، والإنصاف ص٤٥٠، وأوضح المسالك ٣/ ٣٣٢، وتذكرة النحاة ص٦٤٠، وجمهرة اللغة ص٥٢٥، وخزانة الأدب ٥/ ١٧٠، وشرح ابن الناظم ص٣٦١، وشرح الأشموني ٢/ ٤٠٧، وشرح شذور الذهب ص٤٢٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٩٦. ٣ رواه ابن الناظم في شرحه ص٣٦١: "حول"، ولم أجد البيت في مؤلفات ابن مالك. ٤ سقطت من "ب".
[ ٢ / ١٣٨ ]
"ولا يجوز: صمت زمنا كله" لأن النكرة غير محدودة، فإن الزمن يصلح للقليل والكثير. "ولا" صمت "شهرًا نفسه" لأن التوكيد ليس من ألفاظ الإحاطة. ولا فائدة في ذلك. ولا يجوز: هذا أسد نفسه عند ابن عصفور١، خلافًا لابن مالك: إذ ليس من فوائد التوكيد المعنوي رفع توهم استعمال اللفظ في معناه المجازي، إلا بالنسبة إلى الشمول خاصة، وقد اعترف ابن مالك٢ بذلك. وأما "جاء زيد نفسه" ففائدته رفع المجاز العقلي لا اللغوي، بخلاف: جاء أسد نفسه، فإنه لرفع المجاز اللغوي، قاله الموضح في الحواشي.
_________________
(١) ١ المقرب ١/ ٢٣٩. ٢ شرح التسهيل ٣/ ٢٩٦.
[ ٢ / ١٣٩ ]
فصل:
"وإذا أكد ضمير مرفوع متصل بالنفس أو بالعين وجب توكيده أولا بالضمير المنفصل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٨-
وإن تؤكد الضمير المتصل بالنفس والعين فبعد المنفصل
٥٢٩-
عنيت ذا الرفع
"نحو": قمت أنت نفسك، وقوما أنتما أنفسكما، وقاما هما أنفسهما، و"قوموا أنتم أنفسكم"، وقاموا هم أنفسهم، وقمن هن أنفسهن، وقمتن أنتن أنفسكن، كراهة إبهام الفاعلية عن استتار الضمير المؤنث، إذ لو قيل: المرأة خرجت عينها، توهمت الباصرة، أو: نفسها، توهمت نفس الحياة.
وحملوا ما لا لبس فيه على ما ألبس، كما في مسألة إبراز الضمير والتفريق بين إعراب الفاعل والمفعول. وما ذكرناه من التعليل يبطل قول الصفار: إن الفصل كالتوكيد، وإنما ذلك في العطف، "بخلاف: قام الزيدون أنفسهم، فيمتنع الضمير" المنفصل، لأن الضمير لا يؤكد الظاهر، لكون الضمير أقوى من الظاهر بالأعرفية، فيمتنع أن يكون تكملة لما هو أضعف منه.
"وبخلاف: ضربتهم أنفسهم، ومررت بهم أنفسهم، وقاموا كلهم، فا" لتوكيد با" لضمير" المنفصل فيهن "جائز لا واجب"، أما الأولان فلأن الضمير المؤكد غير مرفوع، وأما الثالث فلأن التوكيد بغير النفس، والعين، ولا لبس، لأن "كلهم" المتصل بالضمير لا يلي العوامل اللفظية في الاختيار، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٠-
وأكدوا بما سواهما والقيد لن يلتزما
[ ٢ / ١٤٠ ]
فصل:
"وأما التوكيد اللفظي فهو اللفظ المكرر به ما قبله" من لفظه، زاد في التسهيل١: أو تقويته بموافقه معنى. وكل منهما يكون في الاسم والفعل والحرف والجملة، ولا يزيد على ثلاث مرات، فالأول كـ: جاء زيد زيد، وقام قام زيد، ونعم نعم، وقمت قمت. والثاني: كتأكيد اسم بمرادفه نحو: حقيق جدير، وصمت سكت [زيد] ٢، وأجل جير، وقعدت جلست٣. أو فعل باسم فعل نحو: أنزل نزال، أو ضمير متصل بضمير منفصل نحو: قمت أنا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٠-
وما من التوكيد لفظي يجي مكررًا
"فإن كان" المؤكد "جملة" اسمية أو فعلية "فالأكثر اقترانها بالعطف" وهو "ثم" خاصة، كما صرح به في الارتشاف٤ "نحو: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ " [التكاثر: ٣] الآية، أي: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] . ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧-١٨] . "ونحو: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ " [القيامة: ٣٤] أي: " ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ " [القيامة: ٣٥] . فأرشد بقوله الآية إلى أن المؤكد ما بعد "ثم"، وفي ذلك تعريض بالشارح حيث مثل بـ: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، ولم يزد، فأوهم أن المؤكد الجملة المقرونة بالفاء. "وتأتي" الجملة المؤكدة "بدونه" أي: بدون العاطف، "نحو قوله -ﷺ: "والله لأغزون قريشا"، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا"٥ كررها "ثلاث مرات".
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٦٦. ٢ إضافة من "ب"، "ط". ٣ في "ب": "جلسا". ٤ الارتشاف ٢/ ٦١٧. ٥ أخرجه أبو داود في سننه ٣/ ٥٨٩، كتاب الأيمان والنذور.
[ ٢ / ١٤١ ]
"ويجب الترك" للعاطف١ "عند" اللبس و"إيهام التعدد، نحو: ضربت زيدًا ضربت زيدًا"، إذ لو قيل: ثم ضربت زيدًا، لتوهم أن الضرب تكرر منك مرتين تراخت إحداهما عن الأخرى، والغرض أنه لم يقع الضرب منك إلا مرة واحدة.
"وإن كان" المؤكد "اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا منفصلا منصوبًا فواضح" أمره أنه يتكرر بحسب الإرادة من غير شرط، "نحو" قوله -ﷺ: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير ولي " فنكاحها باطل باطل باطل " " ٢. كرر الاسم الظاهر ثلاث مرات. "وقوله": [من الطويل]
٦٤٨-
فإياك إياك المراء فإنه إلى الشر دعاء وللشر جالب
فكرر الضمير المنصوب المنفصل مرتين. والمراء، بكسر الميم والمد٣: المجادلة: منصوب على التحذير. ودعاء بتشديد العين: من أمثلة المبالغة.
"وإن كان" المؤكد "ضميرًا منفصلا مرفوعًا جاز أن يؤكد به كل ضمير متصل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٣-
ومضمر الرفع الذي قد انفصل أكد به كل ضمير اتصل
"نحو: قمت أنت وأكرمتك أنت ومررت بك أنت"، فيقع ضمير الرفع توكيدًا لجميع الضمائر المتصلة، وإن اختلف الوضع.
ووجه ذلك أن الضمير المنفصل٤ أصله للمرفوع دون المنصوب والمجرور٣، لأن أول أحوال الاسم الابتداء، وعامل الابتداء ليس بلفظ، فلم يكن بد من انفصال ضميره.
وأما المنصوب والمجرور فلا بد لهما من لفظ يعمل فيهما فيتصلا به، [فإذا احتجنا إلى توكيدهما لتحقيق الفعل الثابت للشيء بعينه دون من يقوم مقامه أو يشبهه] ٥.
_________________
(١) ١ في "ب": "للعطف". ٢ أخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٣١٦٥، والدارمي في سننه ٢/ ١٣٧.
(٢) البيت للفضل بن عبد الرحمن في إنباه الرواة ٤/ ٧٦، وخزانة الأدب ٣/ ٦٣، ومعجم الشعراء ٣١٠، وله أو للعرزمي في حماسة البحتري ص٢٥٣، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٢٨٦، وأوضح المسالك ٣/ ٣٣٦، والخصائص ٣/ ١٠٢، ورصف المباني ١٣٧، وشرح ابن الناظم ص٤٣٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٠٩، وشرح المفصل ٢/ ٢٥، والكتاب ١/ ٢٧٩، وكتاب اللامات ص٧٠، واللسان ١٤/ ٤٤٠ "أيا"، ومغني اللبيب ٦٧٩، والمقاصد النحوية ٤/ ١١٣، ٣٠٨ والمقتضب ٣/ ٢١٣. ٣ سقطت من "ب". ٤ في "ب"، "ط"، "المتصل". ٥ ما بين المعكوفين سقط من "ب".
[ ٢ / ١٤٢ ]
احتجاجًا إلى ضمير منفصل ولا ضمير منفصل في الأصل إلا ضمير الرفع فاستعملناه في الجميع، كما اشترك الجميع في "نا" في نحو: قمنا، وأكرمنا، وهو القياس، لأن أصل الضمائر أن تأتي على لفظ واحد كالأسماء الظاهرة. هذا تعليل السيرافي.
وبقي عليه أن يقول: واستعير المرفوع للمنصوب والمخفوض في حالة التبعية، إذ المرفوع لا يتبع المنصوب ولا المخفوض.
"وإن كان" المؤكد "ضميرًا متصلا وصل بما وصل به المؤكد"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣١-
ولا تعد لفظ ضميرمتصل إلا مع اللفظ الذي به وصل
"نحو": جعلت جعلت، وأكرمك أكرمك، "وعجب منك منك"، لأن إعادته مجردًا عما وصل به تخرجه من الاتصال إلى الانفصال، والغرض أنه متصل.
"وإن كان" المؤكد "فعلا أو حرفًا جوابيًّا" يؤتى به في جواب نفي أو إثبات، "فواضح" أمرهما، فيكرر الفعل [والحرف] ١ بغير شرط، "كقولك: قام قام زيد"، وبلى بلى، ونعم نعم، "وقوله"؛ وهو جميل بن عبد الله: [من الكامل]:
٦٤٩-
لا لا أبوح بحب بثنة إنها أخذت علي مواثقا وعهودا
فكرر حرف الجواب وهو "لا" مرتين. وبثنة، بفتح الباء الموحدة وسكون المثلثة وفي آخر هاء التأنيث: اسم محبوبته، وتصغيرها بثينة، وبه اشتهرت. ومواثق: جمع موثق بمعنى ميثاق، وأصله: مواثيق كـ: مصابيح، حذفت ياؤه ضرورة.
"وإن كان" المؤكد حرفًا "غير جوابي٢ وجب أمران: أن يفصل بينهما" أي: بين الحرفين: المؤكد والمؤكد، "وأن يعاد مع التوكيد ما اتصل بالمؤكد، إن كان" ما اتصل بالحرف المؤكد "مضمرًا" لكونه كالجزء منه. وإلى الأمر الثاني أشار الناظم بقوله:
٥٣٢-
كذا الحروف غير ما تحصلا به جواب
"نحو" قوله تعالى: " ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ " [المؤمنون: ٣٥] فـ"أن" المفتوحة الثانية مؤكدة لـ"أن" المفتوحة الأولى
_________________
(١) ١ سقطت من "أ"، واستدركت من "ب"، "ط".
(٢) البيت لجميل في ديوانه ص٥٨، والارتشاف ٢/ ٦١٦، وخزانة الأدب ٥/ ١٥٩، والدرر ٢/ ٣٩٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٣٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤١١، وشرح قطر الندى ص٢٩١، والمقاصد النحوية ٤/ ١١٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥. ٢ في "ط": "جواب".
[ ٢ / ١٤٣ ]
الواقعة مفعولا ثانيًا لـ"يعد" وفصل بينهما بالظرف وما بعده، وأعيد مع "أن" الثانية الضمير المتصلة١ به "أن" الأولى، وهو الكاف والميم، "و" وجب "أن يعاد هو"؛ أي لفظ المتصل بالحرف المؤكد؛ "أو ضميره" أي ضمير المتصل بالحرف المؤكد، "إن كان" ما اتصل الحرف المؤكد اسمًا "ظاهرًا نحو: إن زيدًا إن زيدًا فاضل"، فـ"إن" الثانية مؤكدة لـ "إن"٢ الأولى، وأعيد مع "إن" الثانية ما اتصل بـ" إن" الأولى، وهو لفظ زيد. "أو: إن زيدًا إنه فاضل" فـ"إن" الثانية مؤكده للأولى، وأعيد مع "إن" الثانية ضمير الظاهر الذي اتصل بـ"إن" الأولى. "و" عود ضميره "هو الأولى" من إعادته بلفظه. وبه جاء التنزيل، قال الله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] فـ"في" الثانية توكيد لـ"في" الأولى، وأعيد مع "في" الثانية ضمير "رحمة".
ولا يكون الجار والمجرور توكيدًا للجار والمجرور، لأن الضمير لا يؤكد الظاهر، لأن الظاهر أقوى منه، ولا يكون المجرور بدلا بإعادة الجار، لأن العرب لم تبدل مضمرًا من مظهر، لا يقولون: قم زيد هو، وإنما جوز ذلك بعضهم بالقياس. قاله في المغني٣.
وكذا إن أعيد ظاهر مضاف لظاهر، فإنه يختار إضافة التوكيد لضميره، نحو: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩]، ولا يعاد الحرف المؤكد وحده: نص على ذلك ابن السراج٤.
ويؤخذ من كلام التسهيل٥ أن الفصل بين الحرفين قائم مقام إعادة ما اتصل به، وظاهر كلام الموضح خلافه، "وشذ اتصال الحرفين" المؤكد والمؤكد من غير فصل "كقوله": [من الخفيف]
٥٦٠-
إن إن الكريم يحلم ما لم يرين من أجاره قد ضيما
_________________
(١) ١ في "ط"، "ب": "لضمير المتصل". ٢ سقطت من "ب"، "ط". ٣ مغني اللبيب ٢/ ٤٦٦. ٤ الأصول ٢/ ١٩-٢٠. ٥ التسهيل ص١٦٦.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٤٠، والدرر ٢/ ٣٩٦، وشرح التسهيل ٣/ ٣٠٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤١٠، والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥.
[ ٢ / ١٤٤ ]
فأكد "إن" الأولى بـ"أن" الثانية من غير١ فصل بينهما، وأجازه الزمخشري اختيارًا٢. قال ابن مالك في شرح التسهيل٣: وقوله؛ يعني الزمخشري؛ مردود، لعدم إمام يستند إليه وسماع يعول عليه، ولا حجه له في هذا البيت، فإنه من الضرورات.
"وأسهل منه" أي من هذا البيت، في اتصال الحرفين "قوله"؛ وهو خطام المجاشعي، وقيل: الأغلب العجلي: [من الرجز]
٦٥١-
حتى تراها وكأن وكأن أعناقها مشددات بقرن
"لأن المؤكد حرفان" وهما "الواو" و"كأن" "فلم يتصل لفظ بمثله" بل بغيره، لأن التوكيد الأول، وهو الواو الثانية، مفصول بالمؤكد الثاني، وهو "كأن" والتوكيد الثاني مفصول بالتوكيد الأول، والمؤكد الثاني. قاله الموضح في الحواشي. وخفف "كأن" الثانية للقافية.
وقال الفارسي في "التذكرة" في هذا البيت: ولا يجوز أن يكون على الزيادة يعني التوكيد؛ لمكان العطف بالواو، لأن هذا العطف لم يرد في موضع. نقله الشاطبي عنه في باب "التنازع" وأقره. والضمير في "تراها" و"أعناقها" يرجع إلى المطي المذكورة قبله. والقرن، بفتحتين: حبل يقرن به البعير.
"وأشذ منه" أي من البيت الأول "قوله" وهو رجل من بني أسد: [من الوافر]
٦٥٢-
فلا والله لا يلفى لما بي ولا للما بهم أبدا دواء
لكون الحرف المؤكد؛ وهو اللام؛ موضوعًا "على حرف واحد"، فاتصل لفظه بمثله.
_________________
(١) ١ بعده في "ب": "إعادة". ٢ انظر المفصل ص١١٢، وشرح المفصل ٣/ ٤٢-٤٣. ٣ شرح التسهيل ٣/ ٣٠٤.
(٢) تقدم تخريج الرجز برقم ٣٨٠.
(٣) البيت لمسلم بن معبد الوالبي في خزانة الأدب ٢/ ٣٠٨، ٣١٢، ٥/ ١٥٧، ٩/ ٥٢٨، ٥٣٤، ١٠/ ١٩١، ١١/ ٢٦٧، ٢٨٧، ٣٣٠، والدرر ٢/ ٣٦، ٦٢، ٣٩٥، ٥٣١، وشرح شواهد المغني ص٧٧٣، وبلا نسبة في الإنصاف ص٥٧١، وأوضح المسالك ٣/ ٣٤٣، والجنى الداني ص٨٠، ٣٤٥، والخصائص ٢/ ٢٨٢، وشرح ابن الناظم ص٣٦٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤١٠، وشرح التسهيل ٣/ ٣٠٤، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١١٨٨، ومغني اللبيب ص١٨١، والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٥، ١٥٨.
[ ٢ / ١٤٥ ]
"وأسهل من هذا" البيت "قوله" وهو الأسود بن يعفر: [من الطويل]
٦٥٣-
فأصبح لا يسألنه عن بما به أصعد في علو الهوى أم تصوبا
"لأن المؤكد" بفتح الكاف؛ وهو "عن" "على حرفين" والمؤكد وهو الباء، على حرف واحد، "ولاختلاف اللفظين" وهما "عن" و"الباء". وصح توكيد "عن" بـ"الباء" لأنهما بمعناها، فهو توكيد بالمرادف، وله مسهلان:
أحدهما: أن "عن" على حرفين.
والثاني: أن لفظ المؤكد مخالف للفظ المؤكد، بخلاف "للما بهم" قاله في شرح الكافية١.
_________________
(١) البيت للأسود بن يعفر في ديوانه ص٢١، والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٤٥، وخزانة الأدب ٩/ ٥٢٧، ٥٢٨، ٥٢٩، ١١/ ١٤٢، والدرر ٢/ ٣٥، ٦٢، ٢٣٣، ٥٣١ وشرح ابن الناظم ص٣٦٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤١١، وشرح التسهيل ٣/ ١٧٣، وشرح شواهد المغني ص٧٧٤، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١١٨٨، ومغني اللبيب ص٣٥٤، وهمع الهوامع ٢/ ٢٢، ٣٠، ٧٨، ١٥٨. ١ شرح الكافية الشافية ٣/ ١١٨٩.
[ ٢ / ١٤٦ ]
باب العطف:
وهو في الأصل مصدر "عطفت الشيء" إذا ثنيته، وعطف الفارس على قرنه، إذا التفت إليه. "وهو" في الاصطلاح ضربان: "عطف نسق" بحرف، "وسيأتي" في باب يلي هذا، "وعطف بيان" بغير حرف، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٥٣٤-
العطف إما ذو بيان أو نسق
والكلام الآن في عطف البيان، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٤-
والغرض الآن بيان ما سبق
وسمي بيان لأنه تكرار للأول بمرادفه لزيادة البيان، فكأنك عطفته على نفسه. "وهو التابع المشبه للصفة في توضيح متبوعه إن كان معرفة، وتخصيصه إن كان نكرة". هذا معنى قول الناظم:
٥٣٥-
فذو البيان تابع شبه الصفه حقيقة القصد به منكشفه
فخرج بـ"المشبه للصفة" النعت؛ لأن المشبه للشيء، غير ذلك الشيء، فكأنه قال: تابع غير صفة، وخرج بذكر "الإيضاح والتخصيص" التوكيد والنسق والبدل.
"والأول" وهو إيضاح المعرفة "متفق عليه" عند البصريين والكوفيين، "كقوله": [من الرجز]
٦٥٤-
أقسم بالله أبو حفص عمر ما إن بها من نقب ولا دبر
_________________
(١) تقدم تخريج الرجز برقم ٨٢.
[ ٢ / ١٤٧ ]
فـ: عمر: عطف بيان على "أبو حفص" للإيضاح، وتقدم في باب "العلم" شرح هذا البيت، وسبب إنشاده، وقصة قائله مع سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه١.
"والثاني": وهو تخصيص النكرة، نفاه جمهور البصريين و"أثبته الكوفيون وجماعة" من البصريين منهم: الفارسي وابن جني، وجماعة من المتأخرين منهم: الزمخشري٢ وابن عصفور وابن مالك٣ وولده٤، وأشار إليه في النظم بقوله:
٥٣٧-
فقد يكونان منكرين كما يكونان معرفين
"وجوزوا أن يكون منه" أي من عطف البيان للنكرة: " ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ " [المائدة: ٩٥] "فيمن نون: كفارة٥" فـ: طعام مساكين، عطف بيان على "كفارة"٦. "ونحو: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ " [إبراهيم: ١٦] فـ"صديد" عطف بيان على "ماء". "والباقون" من البصريين وغيرهم "يوجبون في ذلك البدلية" بدل كل من كل، "ويخصون عطف البيان بالمعارف"، محتجين بأن البيان بيان كاسمه، والنكرة مجهولة، والمجهول لا يبين المجهول. ودفع بأن بعض النكرات قد يكون أخص من بعض، والأخص يبين غير الأخص.
"و" عطف البيان كالنعت "يوافق متبوعه في أربعة من عشرة: أوجه الإعراب الثلاثة" وهي: الرفع والنصب والجر، و"الإفراد والتذكير والتنكير وفروعهن". ففرع الإفراد التثنية والجمع، وفرع التذكير التأنيث، وفرع التنكير التعريف، تقول: جاءني محمد أبو سهل، فـ"أبو سهل" مرفوع، والرفع واحد من ثلاثة وهي: الرفع والنصب والجر. ومفرد، والإفراد واحد من ثلاثة أيضًا وهي: الإفراد والتثنية والجمع، ومذكر، والتذكير واحد من اثنين هما: التذكير، والتأنيث. ومعرف، والتعريف٧
_________________
(١) ١ تقدم الخبر مع البيت رقم ٨٢. ٢ المفصل ص١٢٢. ٣ شرح التسهيل ٣/ ٣٢٦. ٤ شرح ابن الناظم ص٣٦٦. ٥ هي قراءة الجمهور، وقرأها ابن عامر ونافع وأبو جعفر "كفارة". انظر الإتحاف ص٢٠٣، والكشاف ١/ ٣٦٥، والنشر ٢/ ٢٥٥. ٦ في شرح ابن الناظم ص٣٦٧: "وأجاز أبو علي في التذكرة في "طعام" العطف والبدل". ٧ في "أ"، "ط": "ومنكر التنكير" مكان "ومعرف التعريف"، وأشار إلى ذلك الشيخ ياسين في حاشيته ٢/ ١٣١.
[ ٢ / ١٤٨ ]
واحد من اثنين أيضًا، وهما: التنكير والتعريف١، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٦-
فأولينه من وفاق الأول ما من وفاق الأول النعت ولي
"وقول الزمخشري٢: إن ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] عطف" بيان "على ﴿آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] مخالف لإجماعهم"، لأن البصريين والكوفيين أجمعوا على أن النكرة لا تبين بالمعرفة. وجمع المؤنث لا يبين بالمفرد المذكر. ولا يجوز أن يكون بدلا، لأنهم نصوا على أن المبدل منه إذا كان متعددًا وكان البدل غير واف بالعدة تعين القطع، وإنما التقدير: منها مقامُ إبراهيمَ، أو: بعضها مقامُ إبراهيمَ، فهو مبتدأ أو خبر مبتدأ.
"وقوله" أي الزمخشري "وقول الجرجاني: يشترط" في عطف البيان "كونه أوضح" وأخص "من متبوعه، مخالف لقول سيبويه في: "يا هذا ذا الجمة" إن "ذا الجمة" عطف بيان" على "هذا" "مع أن الإشارة أوضح" وأخص "من المضاف إلى ذي الأداة"، لأن تخصيص الإشارة زائد على تخصيص ذي الأداة. ومخالف للقياس أيضًا٣ لأن عطف البيان في الجامد بمنزلة النعت في المشتق، ولا يلزم زيادة تخصيص النعت باتفاق، فلا يلزم تخصيص عطف البيان. قاله الشارح٤. نعم لو قيل: يشترط في عطف البيان أن يكون أجلى من المعطوف عليه، لكان مذهبًا، لأن الجلي يبين الخفي.
"ويصح في عطف البيان" إذا قصد به ما يقصد بالبدل، أن يعرب بدل كل من كل، لما فيه٥ من البيان، "إلا إن امتنع الاستغناء عنه" فيمتنع أن يكون بدلا "نحو: هند قام زيد أخوها" فـ"أخوها" يتعين كونه عطف بيان على "زيد" ولا يجوز أن يكون بدلا منه، لأنه لا يصح الاسغناء عنه لاشتماله على ضمير رابط للجملة الواقعة خبرًا لـ"هند"، إذ الجملة الواقعة خبرًا لا بد لها من رابط يربطها بالمخبر عنه، والرابط هنا هو الضمير المضاف إليه الأخ الذي هو تابع لـ"زيد"، فلو أسقط لم يصح الكلام، فوجب أن يعرب "أخوها" بيانًا لا بدلا لأن البدل على نية تكرار العامل، فكأنه من جملة أخرى، فتخلوا الجملة المخبر بها عن رابط.
_________________
(١) ١ انظر شرح التسهيل ٣/ ٣٢٥، وشرح المفصل ٣/ ٧١، وشرح ابن الناظم ص٣٦٧. ٢ الكشاف ١/ ٢٠٤. ٣ في "ب": "أو مخالف القياس أيضًا". ٤ شرح ابن الناظم ص٣٦٨. ٥ سقطت من "ب".
[ ٢ / ١٤٩ ]
"أو" امتنع "إحلاله محل الأول نحو: يا زيد الحارث" فـ"الحارث" يتعين كونه عطف بيان على "زيد" ولا يجوز أن يكون بدلا منه، لامتناع إحلاله محل الأول، إذ لو قيل: يا الحارث، لم يجز، لأن "يا" و"أل" لا يجتمعان هنا. "وقوله" وهو طالب بن أبي طالب: [من الطويل] .
٦٥٥-
أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
فـ"عبد شمس ونوفلا" يتعين كونهما معطوفين عطف بيان على "أخوينا" ويمتنع فيهما البدلية، لأنهما على تقدير البدلية يحلان١ محل "أخوينا" فيكون التقدير: يا عبد شمس ونوفلا، بالنصب، وذلك لا يجوز لأن المنادى إذا عطف عليه اسم مجرد من "أل" وجب أن يعطى ما يستحقه لو كان منادى، و"نوفل" لو كان منادى لقيل فيه: يا نوفل، بالضم، لا: يا نوفلا، بالنصب.
"وقوله" وهو المراد الأسدي: [من الوافر] .
٦٥٦-
أنا ابن التارك البكري بشر عليه الطير ترقبه وقوعا
فـ"بشر": يتعين كونه عطف بيان على "البكري" ولا يجوز أن يكون بدلا منه، لأن البدل في نية إحلاله محل الأول، ولا يجوز أن يقال: أنا ابن التارك بشر، لأن الصفة المقرونة بـ"أل" كـ: التارك، لا تضاف إلا لما فيه "أل" كـ: البكري. "ويجوز البدلية في هذا" البيت "عند الفراء٢، لإجازته" إضافة الصفة المقرونة بـ"أل" إلى جميع المعارف نحو: "الضارب زيد، وليس" مذهبه "بمرضي" عند الجمهور، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) البيت لطالب بن أبي طالب في الحماسة الشجرية ١/ ٦١، والدرر ٢/ ٣٨٧، والمقاصد النحوية ٤/ ١١٩ وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٦٠٧، وأوضح المسالك ٣/ ٣٥٠، وشرح ابن الناظم ٣٦٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤١٤، وشرح قطر الندى ص٣٠٠، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١١٧٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٢١. ١ في "ب": "بخلاف".
(٢) البيت للمرار الأسدي في ديوانه ٤٦٥، وخزانة الأدب ٤/ ٢٨٤، ٥/ ١٨٣، ٢٢٥، والدرر ٢/ ٣٧٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٦، وشرح المفصل ٣/ ٧٢، ٧٣، والكتاب ١/ ١٨٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٢١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٤٤١، وأوضح المسالك ٣/ ٣٥١، وشرح ابن الناظم ص٣٦٩، وشرح الأشموني ٢/ ٤١٤، وشرح التسهيل ٣/ ١١٩٦، وشرح شذور الذهب ص٤٣٦، وشرح قطر الندى ٢٩٩، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١١٩٦، وشرح المرادي ٣/ ١٨٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٢. ٢ شرح ابن الناظم ص٣٦٩، وشرح شذور الذهب ص٤٣٦، وفي شرح ابن عقيل ٢/ ٢٢٣: "الفراء والفارسي".
[ ٢ / ١٥٠ ]
٥٣٨-
وصالحا لبدلية يرى في غير نحو يا غلام يعمرا
٥٣٩-
ونحو بشر تابع البكري وليس أن يبدل بالمرضي
ومن المستثنيات أن يضاف اسم التفضيل إلى عام، ويتبع بقسميه نحو: زيد أفضل الناس: الرجال والنساء، لأنه لو نوي إحلال الرجال محل الناس لنوي إحلال ما عطف عليه، وهو "النساء" محل "الناس" فيكون التقدير: زيد أفضل النساء، وذلك لا يجوز، لأن اسم التفضيل إذا قصد به الزيادة على ما أضيف له يشترط فيه أن يكون منهم، ومن ثم خطئ من قال: أنا أشعر الإنس والجن.
ومنها: أن تتبع صفة "أي" بمضاف نحو: يا أيها الرجل غلام زيد، بنصب الغلام، لأن الغلام لو نوي إحلاله محل الرجل لرفع، لأن الرجل في هذا التركيب واجب الرفع لأنه صفة "أي".
ومنها: أن يتبع مجرور "أي" بمفصل نحو: بأي الرجلين: زيد وعمرو، مررت؟ لأنه لو نوي إحلال زيد مع ما عطف عليه، وهو "عمرو" محل الرجلين، لزم إضافة أي إلى المعرفة المفردة، وهي لا تضاف إليها إلا إذا كان بينهما جمع مقدر نحو: أي زيد أحسن؟ بمعنى أي أجزائه أحسن؟ أو عطف على "أي" مثلها نحو: [من الكامل]
٦٥٧-
أيي وأيك فارس الأحزاب
ومنها: أن يتبع مجرور "كلا" بمفصل، نحو: كلا أخويك زيد وعمرو عندي. لأنه لو نوي إحلال زيد مع ما عطف عليه وهو "عمرو" محل "أخويك" لزم إضافة "كلا" إلى مفرق، وهي إنما تضاف إلى مثنى غير مفرق، وشذ: كلا أخي وخليلي.
قال الموضح في الحواشي: وهذه المسائل المستثناة مبنية على أن البدل لا بد وأن يكون صالحًا للإحلال محل الأول، وفيه نظر لأنهم يغتفرون في الثواني ولا يغتفرون في الأوائل، وقد جوزوا في: إنك أنت، كون "أنت" توكيدًا، وكونه بدلا مع أنه لا يجوز: إن أنت١.
وقال أبو سعيد علي بن مسعود في كتابه المستوفى: أولى٢ ما يقال في "نعم الرجل زيد": إن "زيد" بدل من "الرجل" ولا يلزم أن يحوز: نعم زيد. انتهى.
_________________
(١) صدر البيت: "فلئن لقيتك خاليين لتعلمن"، وتقدم تخريج البيت برقم ٥٤١. ١ انظر همع الهوامع ٢/ ١٢٢. ٢ في "ب": "أول".
[ ٢ / ١٥١ ]
وقال الفخر الرازي: وهذا الاستثناء مبني على أن المبدل منه في حكم الطرح، والمبدل هو المعتبر، ومذهب سيبويه أن المبدل منه ليس مهدرًا بالكلية؛ لأنه قد يحتاج إليه لغرض آخر، كقولك: زيدًا رأيت غلامه رجلا صالحًا، فلو ذهبت تهدر١ الأول لم يصح كلامك. انتهى.
ويفترق البيان من البدل بوجوه منها٢:
أن البيان لا يقع ضميرًا ولا تابعًا لضمير.
ومنها: أنه لا يخالف متبوعه في التعريف والتنكير.
ومنها: أنه لا يقع جملة ولا تابعًا لجملة، ولا فعلا، ولا تابعًا لفعل.
ومنها: أنه ليس في نية إحلاله محل الأول، وليس من جملة أخرى، وليس متبوعه في حكم الطرح، بخلاف البدل في الجميع.
_________________
(١) ١ في "ب": "بزيد". ٢ انظر هذه الفروق في مغني اللبيب ٢/ ٤٥٥.
[ ٢ / ١٥٢ ]
باب عطف النسق
مدخل
باب عطف النسق:
بفتح السين، بمعنى المنسوق، من نسقت الشيء نسقًا، بالتسكين، إذا أتيت به متتابعًا، وكثيرًا ما يسميه سيبويه١: باب الشركة. "وهو تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد الأحرف الآتي ذكره". وهو٢ معنى قول الناظم.
٥٤٠-
تال بحر متبع عطف النسق
فخرج بالتوسط المذكور ما عدا المحدود وبتقييد الحرف بالآتي ذكره ما بعد "أي" التفسيرية من نحو قولك: مررت بغضنفر، أي: "أسد" تابع لـ"غضنفر" بتوسط حرف التفسير، وهو "أي" وليس من الأحرف الآتي ذكرها، فليس هو عطف نسق، وإنما هو عطف بيان بالأجلى على الأخفى، وليس لنا عطف بيان بتوسط٣ حرف إلا هذا، وذهب الكوفيون إلى أن "أي" عاطفة. "وهي" أي الأحرف الموعود بها "نوعان":
أحدهما: "ما يقتضي التشريك في اللفظ" بوجوه الإعراب، "و" في "المعنى، إما مطلقًا" من غير قيد، "وهو" أربعة: "الواو والفاء وثم وحتى"٤. تقول: جاء القوم وزيد: أو فزيد، أو ثم زيد، أو: حتى زيد. فـ"زيد" شارك القوم في اللفظ بالضمة وفي المعنى وهو المجيء، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٤٤١. ٢ في "ب": "وهذا". ٣ في "ب": "بشرط". ٤ في شرح ابن الناظم ص٣٧٠: "أحدهما ما يعطف مطلقًا، أي يشرك في الإعراب والمعنى وهو: الواو، وثم، والفاء، وأم، وأو". وانظر مثل ذلك في شرح ابن عقيل ٢/ ٢٢٥.
[ ٢ / ١٥٣ ]
٥٤١-
فالعطف مطلقًا بواو ثم فا حتى أم
"وإما مقيدًا" بقيد "وهو" اثنان: "أو، وأم، فشرطهما" في اقتضاء التشريك لفظًا ومعنى "أن لا يقتضيا إضرابًا"، لأن القائل: أزيد في الدار أم عمرو، عالم بأن الذي في الدار هو أحد المذكورين وغير عالم بتعيينه. فالذي بعد "أم" مساو للذي قبلها في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه، وحصول المساواة إنما هو بواسطة "أم" فقد شركتهما١ في المعنى كما شركتهما٢ في اللفظ، وكذلك "أو" مشركة ما بعدها لما قبلها فيما يجاء بها لأجله من شك أو تخيير أو غيرهما٣. فإن اقتضيا إضرابًا كانا مشركين في اللفظ لا في المعنى، كما ذكر في التسهيل٤، وسيأتي بيان ذلك.
وذهب الجمهور إلى أن "أو" و"أم" مشركان في اللفظ لا في المعنى دائمًا" والصحيح عند ابن مالك الأول.
"و" الثاني: "ما يقتضي التشريك في اللفظ دون المعنى، إما لكونه يثبت لما بعده انتفى عما قبله، وهو "بل" عند الجميع" من النحويين، نحو: ما قام زيد بل عمرو، "و"لكن" عند سيبويه٥ وموافقيه٦"، نحو: ما قام زيد لكن عمرو٧.
ثم اختلف هؤلاء القائلون: إن "لكن" من حروف العطف، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تكون عاطفة إلا إذا لم تدخل عليها الواو، وهو مذهب الفارسي٨.
_________________
(١) ١ في "ب": "شركتها". ٢ في شرح ابن الناظم ص٣٧٠-٣٧١: "وأكثر المصنفين لا يعدون "أو" فيما يشرك في الإعراب والمعنى؛ لأن المعطوف بها يدخله الشك أو التخيير بعد ما مضى أول الكلام على اليقين والقطع، وإنما عدها الشيخ في هذا القسم؛ لأن ذكره يشعر السامع بمشاركة ما قبلها لما بعدها فيما سيقت لأجله وإن كان مساق ما قبلها صورة على غير مساق ما بعدها". ٣ التسهيل ص١٧٤. ٤ انظر شرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٠٣. ٥ الكتاب ١/ ٤٣٤-٤٣٥. ٦ في شرح التسهيل ٣/ ٣٤٨: "عند غير يونس". ٧ في شرح ابن الناظم ص٣٧١: "الضرب الثاني: ما يعطف لفظًا فحسب، أي يشرك في الإعراب وحده، وهو: بل، ولا، ولكن". ٨ المسائل المنثورة ص١٨٧.
[ ٢ / ١٥٤ ]
والثاني: أنها عاطفة، ولا تستعمل إلا بالواو الزائدة قبلها لزومًا، وصححه ابن عصفور، وزعم أن كلام سيبويه محمول عليه.
والثالث: أنها عاطفة تقدمتها الواو أو لا، وهو مذهب ابن كيسان١، وذهب يونس إلى أنها حرف استدراك، وليست بعاطفة.
"وإما لكونه بالعكس" وهو أن ينفي عما بعده ما ثبت لما٢ قبله، "وهو "لا" عند" النحاة "الجميع" نحو: جاء زيد لا عمرو، "و"ليس" عند البغداديين"، كما نقله ابن عصفور، ونقله أبو جعفر النحاس وابن بابشاذ عن الكوفيين، وجرى عليه في التسهيل٣ "كقوله" وهو لبيد: [من الرمل]
٦٥٨-
وإذا أقرضت قرضًا فاجزه إنما يجزي الفتى ليس الجمل
برفع الجمل عطفًا على الفتى. وخرجه المانعون على حذف خبر "ليس" للعلم به، والأصل: ليسه الجمل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٢-
واتبعت لفظًا بل ولا لكن
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٦٢٩. ٢ في "ب": "لا". ٣ التسهيل ص١٧٤.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ١٧٣.
[ ٢ / ١٥٥ ]
فصل:
في كيفية استعمال حروف العطف وبيان معانيها:
"أما الواو فلمطلق الجمع" بين المتعاطفين من غير دلالة على ترتيب وعدمه على الصحيح. خلافًا للفراء وهشام وثعلب١ من الكوفيين وقطرب من البصريين في زعمهم أنها تفيد الترتيب٢. والتعبير بمطلق الجمع مساو للتعبير بالجمع المطلق من حيث المعنى، ولا التفات لمن غاير بينهما بالإطلاق والتقييد، وقد أطال الناس في الاختلاف٣ في المعنى، ولا التفات لمن غاير بينهما بالإطلاق والتقييد، وقد أطال الناس في الاختلاف٣ في ذلك حتى أفردوه بالتصنيف.
وإذا ثبت أنها لمطلق٤ الجمع في الحكم، "فتعطف متأخرًا في الحكم" على متقدم عليه "نحو: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ " [الحديد: ٢٦] فـ"إبراهيم" معطوف على نوح عطف متأخر على متقدم. "و" تعطف "متقدمًا" في الحكم على متأخر "نحو: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ " اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] فـ"الذين" معطوف على الكاف مع إعادة الجار عطف متقدم على متأخر.
"و" تعطف "مصاحبًا" للمعطوف عليه في الحكم نحو: " ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَة﴾ " [العنكبوت: ١٥] . فـ: أصحاب السفينة: معطوف على الهاء عطف مصاحب، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٣-
فاعطف بواو لاحقًا أو سابقا في الحكم أو مصاحبًا موافقا
_________________
(١) ١ في "ب": "تغلب". ٢ شرح ابن الناظم ٣٧١-٣٧٢، وشرح التسهيل ٣/ ٣٤٩-٣٥٠، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٦. ٣ في "ب": "الإطلاق". ٤ في جميع النسخ: "الاجتماع"، والتصويب من حاشية يس ٢/ ١٣٥ حيث قال: "قوله لمطلق الجمع، قال الدنوشري: محل كونها لمطلق الجمع ما لم تقع قبل إما الثانية".
[ ٢ / ١٥٦ ]
فهذه ثلاث مراتب، وهي مختلفة في الكثرة والقلة، فمجيئها للمصاحبة أكثر، وللترتيب كثير، ولعكس الترتيب قليل، فتكون عد الاحتمال والتجرد من القرائن للمعية بأرجحية وللتأخر برجحان وللتقدم بمرجوحية. هذا مراد التسهيل١ وهو تحقيق للواقع لا قول ثالث٢.
"وتنفرد الواو" من بين سائر حروف العطف "بأنها" تختص بأحد وعشرين حكمًا:
الأول: أنها "تعطف اسمًا على اسم لا يكتفي الكلام به" أي بالاسم المعطوف عليه "كـ: اختصم زيد وعمرو، وتضارب زيد وعمرو، واصطف زيد وعمرو"، وسواء زيد وعمرو، وجلست بين زيد وعمرو. فالمعطوف عليه٣ في هذه الأمثلة، وهو زيد، لا يكتفى به، فلا يقال: اختصم زيد، وتضارب زيد، واصطف زيد، وسواء زيد، وجلست بين زيد، "إذ الاختصام والتضارب والاصطفاف والمساواة٤ والبينية من المعاني النسبية التي لا تقوم إلا باثنين فصاعدًا"، والواو لمطلق الجمع، فلذلك اختصت بها، بخلاف غيرها من حروف العطف، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٥٤٤-
واخصص بها عطف الذي لا يغني متبوعه
"ومن هنا" أي: من هذا المكان وهو اختصاص الواو بذلك "قال الأصمعي"، بفتح الميم، في قول امرئ القيس: [من الطويل]
٦٥٩-
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
بالفاء في إحدى الروايتين: "الصواب أن يقال: بين الدخول وحومل، بالواو"، على
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٧٤. ٢ في حاشية يس ٢/ ١٣٥: "قوله "وهو تحقيق للواقع لا قول ثالث"، تعريض بأبي حيان حيث قال: وهذا ليس مذهب البصريين ولا الكوفيين، بل هو قول ثالث خارج عن القولين يجب اطراحه". ٣ في "ب": "من". ٤ سقطت من "ب".
(٢) صدر البيت: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٨، والأزهية ص٢٤٤، ٢٤٥، وخزانة الأدب ١/ ٣٣٢، ٣/ ٢٢٤، والدرر ٢/ ٤٠٨، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٠١، وشرح ابن الناظم ص٣٧٣، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٦٣، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٠٧، والكتاب ٤/ ٢٠٥، ومجالس ثعلب ص١٢٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٩، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٦٥٦، وأوضح المسالك ٣/ ٣٥٩، والدرر ٢/ ٤١٤-٤١٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤١٧، وشرح قطر الندى ٨٠، ومغني اللبيب ١/ ١٦١، ٢٦٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٣١.
[ ٢ / ١٥٧ ]
الرواية المشهورة، وهي القياس، لأن البينية لا يعطف فيها بالفاء، لأنها تدل على الترتيب. "وحجة الجماعة" السماع، واختلفوا في التخريج فقال يعقوب بن السكيت: إنه على حذف مضاف، وإن التقدير: بين أهل الدخول فحومل. وقال خطاب المادري: إنه على اعتبار التعدد حكمًا، لأن الدخول مكان يجوز أن يشتمل على أمكنة متعددة، كما تقول: قعدت بين الكوفة، تريد: بين دورها وأماكنها، و"أن التقدير: بين أماكن الدخول فأماكن حومل، فهو بمنزلة: اختصم الزيدون فالعمرون"، إذا كان كل فريق منهم خصمًا لصاحبه. قال: وهذا عندي أصح من أن يجعل شاذًّا إذا ثبتت الرواية. انتهى. والدخول، بفتح الدال، وحومل، بفتح الحاء: موضعان: وسقط، بكسر السين المهملة، ما تساقط من الرمل، واللوى، بكسر اللام والقصر: رمل يعوج ويلتوي. فإن قلت: قدمت١ أن المساواة من المعاني النسبية التي لا يعطف فيها إلا بالواو٢، وقد جاء العطف فيها بـ"أم" كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] . قلت: أجيب عنه بأن هذا الكلام منظور فيه إلى حالته الأصلية، إذ٣ الأصل: سواء عليهم الإنذار وعدمه، فالعطف بطريق الأصالة إنما هو الواو، قاله الموضح في الحواشي.
الثاني: مما تنفرد به الواو عطف سببي على أجنبي في الاشتغال ونحوه، نحو: زيدًا ضربت عمرًا وأخاه، وزيد مررت بقومك وقومه.
والثالث: عطف ما تضمنه الأول إذا كان المعطوف ذا مزية، نحو: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] .
الرابع: عطف الشيء على مرادفه نحو: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
الخامس: عطف عامل قد حذف وبقي معموله، نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] .
السادس: جواز فصلها من معطوفها بظرف أو عديله، نحو ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] .
السابع: جواز تقديمها وتقديم معطوفها في الضرورة، نحو قوله: [من الطويل]
٦٦٠-
جمعت وفحشا غيبة ونميمة خصالا ثلاثًا لست عنها بمرعوي
_________________
(١) ١ في "ب": "قد قدمت". ٢ سقط من "ب": "التي لا يعطف فيها إلا بالواو". ٣ في "ب": "إذا".
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٤١١.
[ ٢ / ١٥٨ ]
وقيل: لا تختص "الواو" بذلك بل: "الفاء، وثم، وأو، ولا"، كذلك قاله التفتازاني.
الثامن: جواز العطف على الجوار في الجر خاصة، نحو: "وَأَرْجُلِكُمْ" [المائدة: ٦] في قراءة أبي عمرو وأبي بكر وابن كثير وحمزة١.
التاسع: جواز حذفها إن أمن اللبس كقوله: [من الخفيف]
٦٦١-
كيف أصبحت كيف أمسيت
العاشر: إيلاؤها٢ "لا" إذا عطفت مفردًا بعد نهي، نحو: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢] . أو نفي نحو: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . أو مؤول بنفي: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] .
الحادي عشر: إيلاؤها "إما" مسبوقة بمثلها غالبًا إذا عطفت مفردًا، نحو ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥] .
الثاني عشر: عطف العقد على النيف نحو: أحد وعشرون.
الثالث عشر: عطف النعوت المفرقة مع اجتماع منعوتها، كقوله: [من الوافر]
٦٢٢-
بكيت وما بكا رجل حزين على ربعين مسلوب وبال
الرابع عشر: عطف ما حقه التثنية والجمع، كقول الفرزدق: [من الكامل]
٦٦٣-
إن الرزية لا رزية مثلها فقدان مثل محمد ومحمد
الخامس عشر: عطف العام على الخاص نحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] . وأما عكسه نحو: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي: "وَأَرْجُلُكُمْ"؛ بالرفع؛ وقرأها بالجر أيضًا: أنس وعكرمة وابن عباس والشعبي وقتادة وعلقمة والضحاك ومجاهد وأبو جعفر. انظر البحر المحيط ٣/ ٤٣٧، والنشر ٢/ ٢٥٤.
(٢) تمام البيت: كيف أصبحت كيف أمسيت مما يغرس الود في فؤاد الكريم وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ١٣٤، والخصائص ١/ ٢٩٠، ٢/ ٢٨٠، والدرر ٢/ ٤٦٣، وديوان المعاني ٢/ ٢٢٥، ورصف المباني ص٤١٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٣١، وشرح عمدة الحافظ ص٦٤١، وشرح التسهيل ٣/ ٣٨٠، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٦٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٠. ٢ في "ب": "إتلاؤها".
(٣) تقدم تخريج البيت برقم ٦٣٦.
(٤) البيت للفرزدق في ديوانه ص١/ ١٦١، والدرر ٢/ ٤٠٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٥، ومغني اللبيب ٢/ ٣٥٦، والمقرب ٢/ ٤٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٢١١. وسقط من "ب": "الرابع عشر " مع البيت.
[ ٢ / ١٥٩ ]
مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] فتشاركها فيها "حتى" نحو: مات الناس حتى الأنبياء، فإنها عاطفة خاصًّا على عام. قاله في المغني١.
السادس عشر: اقترانها بـ"لكن" نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
السابع عشر: امتناع الحكاية معها، فلا يقال: ومن زيدًا؟ بالنصب حكاية لمن قال: أرأيت زيدًا؟
الثامن عشر: العطف التلقيني، نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦] .
التاسع عشر: العطف في التحذير والإغراء نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] ونحو: المروءة والنجدة.
العشرون: عطف السابق على اللاحق نحو: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ [الشورى/ ٣] .
الحادي والعشرون: عطف "أي" على مثلها كقوله: [من الكامل]
٦٦٤-
أيي وأيك فارس الأحزاب
"وأما الفاء فللترتيب المعنوي"، وهو أن يكون المعطوف بها لاحقًا كقوله تعالى: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار: ٧] . وقد تكون للترتيب الذكري، والمراد به أن يكون وقوع المعطوف به بعد المعطوف عليه٢ بحسب الذكر لفظًا، لا أن معنى الثاني وقع بعد زمان وقوع الأول، وأكثر ما يكون ذلك في عطف مفصل على مجمل نحو: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] . "والتعقيب": وهو٣ أن يكون المعطوف بها متصلا بلا مهملة نحو: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] . وتعقيب كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن كانت مدته متطاولة، ودخل البصرة فبغداد، إذا لم يقم في البصرة ولا بين البلدين. "وكثيرًا ما تقتضي" الفاء "أيضًا٣ التسبب"، وهو أن يكون المعطوف بها٣ متسببًا عن المعطوف عليه، "إن كان المعطوف" بها "جملة" أو صفة، فالأول "نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] . والثاني نحو: ﴿لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٢، ٥٣، ٥٤] .
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ٢/ ٣٥٧.
(٢) صدر البيت: "فلئن لقيتك خاليين لتعلمن"، وتقدم تخريج البيت برقم ٥٤١، ٦٥٧. ٢ بعده في "ب": "إنما هو". ٣ سقطت من "ب".
[ ٢ / ١٦٠ ]
"واعترض على" المعنى "الأول"، وهو الترتيب المعنوي، "بقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ " [الأعراف: ٤] فإن الهلاك متأخر عن مجيء البأس في المعنى وهو متقدم في التلاوة، وذلك ينافي الترتيب الذي في الفاء. قاله الفراء١.
"و" اعترض أيضًا "بنحو: "توضأ فغسل وجهه ويديه" ومسح رأسه ورجليه"٢ "الحديث". فإن غسل الأعضاء الأربعة متقدم في المعنى ومتأخر في الحديث، فلو كانت الفاء للترتيب لما حسن ذلك. "والجواب" من وجهين:
أحدهما: "أن المعنى" على إضمار الإرادة، والتقدير: "أردنا إهلاكها" فجاءها بأسنا، فمجيء البأس مترتب على الإرادة، "وأراد الوضوء" فغسل وجهه إلى آخره، فغسل الأعضاء الأربعة مترتب٣ على إرادة الوضوء.
الوجه الثاني: أن الفاء فيهما للترتيب الذكري لا المعنوي.
والحاصل أن الجمهور يقولون بإفادتها الترتيب مطلقًا، والفراء يمنع ذلك مطلقًا، وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الإمطار، بدليل: [من الطويل]
بين الدخول فحومل٤
وقولهم: "مطرنا مكان كذا، فمكان كذا" إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد.
"و" اعترض "على" المعنى "الثاني" وهو التعقيب. "بقوله تعالى": ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، " فَجَعَلَهُ غُثَاءً " أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤-٥] فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى، أي: يابسًا أسود. "والجواب" من وجهين:
أحدهما: أن جملة "فجعله غثاء" معطوفة على جملة محذوفة، و"أن التقدير: فمضت مدة فجعله غثاء".
"و" الثاني: "بأن الفاء نابت٥ عن: ثم"، والمعنى: ثم جعله غثاء، "كما
_________________
(١) ١ معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧١. ٢ في صحيح البخاري، كتاب الوضوء، ٤٥: باب الوضوء من النور، حديث رقم ١٩٦: "حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبي -ﷺ- يتوضأ؟ فدعا بتور من ماء فكفأ على يديه فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أخذ بيده فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل، ثم غسل رجليه". وانظر الحديث في صحيح البخاري برقم ١٨٣-١٨٤. ٣ في "ب": "مرتب". ٤ تقدم تخريج البيت برقم ٦٥٩. ٥ في "ب": "نائب".
[ ٢ / ١٦١ ]
جاء عكسه" وهو نيابة "ثم" عن "الفاء" كقوله: [من المتقارب]
٦٦٥-
جرى في الأنابيب ثم اضطرب
أي: فاضطرب، "وسيأتي" قريبًا، وإلى إفادة الفاء الترتيب والتعقيب أشار الناظم بقوله:
٥٤٥-
والفاء للترتيب باتصال
"وتختص الفاء بأنها تعطف على الصلة ما١ لا يصح كونه صلة لخلوه٢ من العائد" على الموصول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٦-
واخصص بفاء عطف ما ليس صله على الذي استقر أنه الصله
"نحو: اللذان يقومان فيغضب زيد أخواك" فـ"اللذان" مبتدأ، وهو اسم موصول، وجملة "يقومان" صلته، وجملة "يغضب زيد" معطوفة على جملة٣ "يقومان" الواقعة صلة. وكان القياس أن لا يصح العطف لخلوها عن ضمير يعود على الموصول، لأنها رفعت الظاهر، وهو زيد، ولكنها لما عطفت بالفاء صح ذلك، لأن ما في الفاء من معنى السببية أغنى عن الضمير، لأن الفاء تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة. لإشعارها بالسببية، فكأنك قلت: اللذان إن يقوما٤ فيغضب زيد أخواك، و"أخواك": خبر اللذان. "وعكسه" وهو أن الفاء تعطف ما يصح أن يكون صلة على ما لا يصلح أن يكون صلة، "نحو: الذي يقوم أخواك فيغضب هو زيد" فـ"الذي": متبدأ، و"يقوم أخواك": جملة فعلية، صلة "الذي"، وهي لا تصلح أن تكون صلة لخلوها عن ضمير عائد على الموصول، والذي سوغ ذلك عطف جملة "يغضب هو" عليها، لاشتمالها على العائد إلى الموصول، وهو الضمير المرفوع بـ"يغضب"، وإنما أبرز [الضمير] ٥ لأن الفعل كالوصف إذا جرى على غير من هو له ورفع٦ ضميرًا وجب إبرازه، وزيد: خبر الذي.
_________________
(١) قبل هذا البيت: "كهز الرديني تحت العجاج"، وهو لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه ص٢٩٢، والدرر ٢/ ٤٢٤، وشرح شواهد المغني ٣٥٨، والمقاصد النحوية ٤/ ١٣١، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٦٣٨، وأوضح المسالك ٣/ ٣٦٣، والجنى الداني ٤٢٧، وشرح ابن الناظم ص٣٧٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤١٧، وشرح التسهيل ٣/ ٣٥٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٣١. ١ في "ب": "بما". ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب": "جملته". ٤ في "ط": "يقومان". ٥ إضافة من "ب". ٦ في "ب": "ووقع".
[ ٢ / ١٦٢ ]
"ومثل ذلك جار في الخبر والصفة والحال"، فيعطف على جملة الخبر ما لا يصلح كونه خبرًا لخلوه من عائد على المبتدأ، وعكسه، فالأول "نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] فجملة "تصبح الأرض" بالرفع: معطوفة على جملة "أنزل" الواقعة خبر "أن". وكان القياس أن لا يصح العطف لخلوها من ضمير يعود على اسم "أن" إذ المعطوف على الخبر خبر، ولكنها لما قرنت بالفاء ساغ ذلك.
"و" الثاني نحو "قوله"، وهو ذو الرمة غيلان: [من الطويل]
٦٦٦-
وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو وتارات يجم فيغرق
فـ"إنسان عيني": مبتدأ ومضاف إليه، و"يحسر الماء"، بالرفع: خبر المتبدأ، وهو لا يصلح كونه١ خبرًا، لخلوه من عائد يعود على المبتدأ لرفعه الظاهر، وهو "الماء" ولكن سوغ ذلك عطف "فيبدو" عليه، فإنه مشتمل على ضمير مستتر فيه يعود على المبتدأ. هذ قول ابن عصفور٢. وقال المرادي في باب المبتدأ٣: التحقيق أن الجملتين إذا عطفت إحداهما على الأخرى بالفاء التي للسببية تنزلتا منزلة الشرط والجزاء، فاكتفي بضمير واحد من إحداهما كما يكتفى بضمير واحد في جملة الشرط والجزاء، فإذا قلت: زيد جاء عمرو فأكرمه، فالارتباط وقع بالضمير الذي في الثانية: نص على ذلك ابن أبي الربيع، قال: لأنهما تنزلتا منزلة: زيد لما جاء عمرو أكرمه. فالإخبار إذن إنما هو بمجموعهما، والرابط إنما هو الضمير. انتهى كلام المرادي.
وقال الموضح في المغني٤: كذا قالوا: والبيت يحتمل أن يكون أصله: يحسر الماء عنه: أي: ينكشف عنه. ونقل المكودي٥ في باب الإضافة عن بعض النحاة أنه أجاز حذف "إن" الشرطية، وأنها حذفت ارتفع المضارع، واستشهد له بهذا البيت.
_________________
(١) البيت لذي الرمة في ديوانه ص٤٦٠، وخزانة الأدب ٢/ ١٩٢، والدرر ١/ ١٨٩، والمقاصد النحوية ١/ ٥٧٨، ٤/ ٤٤٩، ولكثير في المحتسب ١/ ١٥٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٠٣، ٧/ ٢٥٧، وأوضح المسالك ٣/ ٣٦٢، وتذكرة النحاة ص٦٦٨، وشرح الأشموني ١/ ٩٢، ومجالس ثعلب ص٦١٢، ومغني اللبيب ٢/ ٥٠١، والمقرب ١/ ٨٣، وهمع الهوامع ١/ ٩٨. ١ سقطت من "ب". ٢ المقرب ١/ ٨٣. ٣ شرح المرادي ١/ ٢٧٦. ٤ مغني اللبيب ٢/ ٥٠١. ٥ شرح المكودي ١/ ٤٦٣.
[ ٢ / ١٦٣ ]
و"إنسان العين": هو المثال الذي يرى في السواد، و"يحسر" بالحاء المهملة: يغور، من قولهم: حسر البحر، إذا غار، و"يجم" بالجيم: من الجموم، وهو الكثرة، و"يغرق": معطوف على "يجم". والمعنى أن الماء إذا غار ظهر إنسان العين، وإذا كثر غرق واستتر.
وتعطف على الصفة ما لا يصلح كونه صلة لخلوه من١ عائد على الموصوف، وعكسه، فالأول نحو: مررت برجل يبكي فيضحك عمرو، والثاني نحو: مررت برجل يبكي عمرو فيضحك هو.
وتعطف على الحال ما لا يصلح كونه حالا لخلوه من عائد يعود على صاحب الحال، وعكسه، فالأول نحو: عهدت زيدًا يغضب فيطير الذباب. والثاني نحو: عهدته يطير الذباب فيغضب٢ هو. هذا وقد قال في المغني٣: ويجب أن يدعى أن الفاء في ذلك كله قد أخلصت لمعنى السببية، وأخرجت عن العطف، كما أن الفاء كذلك في جواب الشرط. انتهى.
"وأما "ثم" فللترتيب والتراخي" على الأصح فيهما، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٥-
وثم للترتيب بانفصال
"نحو: ﴿فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ " [عبس: ٢١-٢٢] . وزعم٤ قوم أنها لا تفيد الترتيب تمسكًا بنحو قوله "تعالى"٥: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ في الزمر. [الزمر: ٦] .
وأجيب بأن "ثم" فيها بمعنى الواو بدليل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] بالواو، في الأعراف، والقصة واحدة.
وزعم الأخفش أن "ثم" قد تتخلف عن التراخي بدليل قولك: أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب، لأن "ثم" في ذلك لترتيب الإخبار، ولا تراخي بين الإخبارين.
_________________
(١) ١ في "ب": "عن". ٢ انظر شرح ابن الناظم ص٣٧٣، وشرح التسهيل ٣/ ٣٥٤. ٣ مغني اللبيب ٢/ ٤٢٥. ٤ أي الفراء والأخفش وقطرب، انظر الارتشاف ٢/ ٦٣٨. ٥ إضافة من "ب".
[ ٢ / ١٦٤ ]
وجعل منه ابن مالك: ﴿ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] الآية. قال في المغني١: والظاهر أن "ثم" فيه واقعة موقع الفاء. "وقد توضع" ثم "موضع الفاء كقوله" وهو أبو دؤاد٢ جارية٣ بن الحجاج: [من المتقارب]
٦٦٧-
كهز الرديني تحت العجاج جرى في الأنابيب ثم اضطرب
إذ الهز متى جرى في أنابيب الرمح يعقبه الاضطراب ولم يتراخ عنه. قاله في المغني٤. واعترضه قريبه فقال: والظاهر أنه ليس كذلك بل الاضطراب والجري في زمن واحد. وجوابه أن الترتيب يحصل في لحظات لطيفة.
و"الرديني": صفة للرمح٥، يقال: رمح رديني وقناة ردينية. قال الجوهري٦: زعموا أنه منسوب إلى امرأة تسمى ردينة. كانت تقوم القناة بخط هجر. و"العجاج" بفتح العين: الغبار، والأنابيب: جمع أنبوبة، وهي ما بين كل عقدتين من القصب.
"وأما "حتى" فالعطف بها قليل" عند البصريين، "والكوفيون ينكرونه" بالكلية، ويحملون نحو: جاء القوم حتى أبوك، ورأيت القوم حختى أباك، ومررت بالقوم حتى أبيك، على أن "حتى" فيه ابتدائية، وأن ما بعدها على إضمار عامل. "و" العطف بـ"حتى" "شرطه أربعة أمور:
أحدها: كون المعطوف اسما" لا فعلا، لأنها منقولة من "حتى" الجارة. وهي لا تدخل على الأفعال؛ فلا يجوز على العطف: أكرمت زيدًا بكل ما أقدر عليه حتى أقمت نفسي خادمًا له، وبخل علي زيد بكل شيء حتى منعني دانقًا، وأجازه ابن السيد٧.
"والثاني: كونه ظاهرًا" لا مضمرًا، كما كان ذلك شرط مجرورها، "فلا يحوز: قام الناس حتى أنا"، ولا: ضربت القوم حتى إياك، وهذا الشرط "ذكره" ابن هشام "الخضراوي"، قال في المغني٨: ولم أقف عليه لغيره.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ١١٨-١١٩. ٢ في "ب"، "ط": "أبو داود". ٣ في جميع النسخ: "حارثة"، والتصويب من الدرر ٢/ ٤٢٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٥٨.
(٢) تقدم تخريجه البيت برقم ٦٦٥. ٤ مغني اللبيب ١/ ١١٨-١١٩. ٥ في "ب": "الرمح". ٦ الصحاح "ردن". ٧ الحلل ص١٩٧. ٨ مغني اللبيب ١/ ١٢٧.
[ ٢ / ١٦٥ ]
"والثالث: كونه بعضًا من المعطوف عليه، إما بالتحقيق" بأن يكون جزءًا من كل، "نحو: أكلت السمكة حتى رأسها"، أو فردًا من جمع نحو: قدم الحجاج حتى المشاة، أو نوعًا من جنس نحو: أعجبني التمر حتى البرني١. "أو" بعضًا "بالتأويل، كقوله"؛ وهو أبو مروان النحوي في قصة المتلمس حين حرب من عمرو بن هند لما أراد قتله: [من الطويل]
٦٦٨-
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها
"فيمن نصب نعله، فإن ما قبلها"؛ وهو "ألقى الصحيفة" و"الزاد"؛ "في تأويل" ألقى ما يثقله"، ونعله بعض ما يثقله. قال أبو البقاء، فيكون معطوفًا على "الصحيفة" ويحتمل أن يكون منصوبًا بفعل محذوف يفسره "ألقاها" فـ"ألقاها": على الأول توكيد، وعلى الثاني تفسير. وأما من رفع نعله فعلى الابتداء، وألقاها: خبره، وأما من جرها فعلى أن "حتى" جارة، وألقاها: توكيد.
وكان من قصة المتلمس أنه وطرفة هجيا عمرو بن هند ثم مدحاه بعد ذلك فكتب لكل منهما صحيفة إلى عامله بالحيرة، وأمره فيها بقتلهما، وختمها وأوهمهما أنه كتب لهما بصلة، فلما دخلا الحيرة فتح المتلمس الصحيفة وفهم ما فيها، فألقاها في نهر الحيرة وفر إلى الشام، وأما طرفة فأبى أن يفتحها، ودفعها إلى العامل فقتله٢.
"أو شبيهًا بالبعض" في شدة الاتصال "كقولك٣: أعجبتني الجارية حتى كلامها، ويمتنع" أن يقال: أعجبتني الجارية "حتى ولدها"، لأن ولدها ليس جزءًا منها "ولا شبيهًا به، بخلاف كلامها فإنه لشدة اتصاله بها صار كجزئها.
_________________
(١) ١ في "ب": "البري". والبرني: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء عذب اللحاء. انظر لسان العرب ١٣/ ٥٠ "برن".
(٢) البيت للمتلمس في ملحق ديوانه ٣٢٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٠، ولأبي "أو لابن" مروان النحوي في خزانة الأدب ٣/ ٢١، ٢٤، والدرر ٢/ ٤١، والكتاب ١/ ٩٧، والمقاصد النحوية ٤/ ١٣٤، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٦٤٧، وأوضح المسالك ٣/ ٣٦٥، وخزانة الأدب ٩/ ٤٧٢، والدرر ٢/ ٤٥٣، وشرح ابن الناظم ص٣٧٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤١١، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٩، وشرح التسهيل ٣/ ٣٥٨، وشرح قطر الندى ٣٠٤، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢١١، وشرح المرادي ٣/ ٢٠١، وشرح المفصل ٨/ ١٩، ومغني اللبيب ١/ ٢٤، وهمع الهوامع ٢/ ٢٤، ١٣٦. ٢ انظر الخبر في الدرر ٢/ ٤١-٤٢، ومجمع الأمثال ١/ ٣٩٩. ٣ في "ب"، "ط": "كقوله".
[ ٢ / ١٦٦ ]
"وضابط ذلك أنه إن١ حسن الاستثناء" المتصل "حسن دخول: حتى"، وإن لم يحسن امتنع، ألا ترى أنه يحسن أن تقول: أعجبتني الجارية إلا كلامها، تنزيلا لكلامها منزلة بعضها، ويمتنع أن يقال: أعجبتني الجارية إلا ولدها، على إرادة الاتصال، لأن اسم الجارية يتناول ولدها، لأن شرط الاستثناء المتصل أن يتناول ما قبل أداته ما بعدها نصًّا، و[هذا] ٢ ليس كذلك، فلا يحسن استثناؤه، فلا يصح عطفه بـ"حتى".
"والرابع: كونه غاية" لما قبلها "في زيادة حسية" مرجعها إلى الحس والمشاهدة "نحو: فلان يهب الأعداد الكثيرة حتى الألوف" فإن الألوف غاية الأعداد في الزيادة الحسية.
"أو" في زيادة "معنوية" مرجعها إلى المعنى "نحو: مات الناس حتى الأنبياء أو الملوك"، فإن الأنبياء والملوك غاية الناس في الزيادة المعنوية، وهي الاتصاف بالنبوة والملك. "أو في نقص" حسي أو معنوي كذلك، فالأول نحو: المؤمن يجزى بالحسنات حتى مثقال الذرة، فإن مثقال الذرة غاية في النقص الحسي.
"و" الثاني "نحو: غلبك الناس حتى الصبيان أو النساء"، فإن الصبيان والنساء في غاية النقص المعنوي، وهو الاتصاف بالصبا والأنوثة. والتحقيق؛ كما قال في المطول؛ أن المعتبر في ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنًا من الأضعف إلى الأقوى، أو بالعكس، ولا يعتبر الترتيب الخارجي لجواز أن يكون ملابسة الفعل لما بعدها قبل ملابسة٣ الأجزاء الأخر٤ نحو: مات كل أب لي حتى آدم، وفي أثنائها نحو: مات الناس حتى الأنبياء، وفي زمان واحد نحو: جاءني القوم حتى زيد، إذا جاءوك معًا وزيد أضعفهم. وعلم من كلام الموضح أنه لو لم يكن ما بعد "حتى" من جنس ما قبلها تحقيقًا أو تأويلا أو تشبيهًا، أو كان كذلك ولكنه لم يكن غاية له، أو كان غاية ولم يكن يدل على زيادة أو نقص حسيين أو معنويين، امتنع العطف بـ: حتى؛ فلا يجوز: كلمت العرب حتى العجم، لاختلاف الجنس، ولا: خرج الفرسان حتى بنو فلان، وهم من وسط الفرسان، لفقد الغاية، لأن
_________________
(١) ١ في "ب": "أن إن". ٢ إضافة من "ب"، "ط". ٣ في "ب": "ملابسته". ٤ سقطت من "ب".
[ ٢ / ١٦٧ ]
الغاية لا تكون إلا في الأطراف العالية أو السافلة، ولا: جاء القوم حتى زيد، إذا لم يتصف١ بزيادة ولا نقص من رفعة أو وضعة، إلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٧-
بعضًا بحتى اعطف على كل ولا يكون إلا غاية الذي تلا
وبقي عليهما شرط آخر، وهو أن يكون شريكًا في العامل، فلا يجوز: صمت الأيام حتى يوم الفطر. قاله الموضح في الحواشي.
"وأما "أم" فضربان: منقطعة؛ وستأتي؛ ومتصلة، وهي المسبوقة إما بهمزة التسوية"، سواء وجدت لفظة "سواء" أو لا، "و" "المسبوقة بهمزة التسوية"٢ "هي الداخلة على جملة" بحيث تكون الهمزة مع الجملة "في محل المصدر"، وتكون الجملة المسبوقة بهمزة التسوية "هي" والجملة "المعطوفة عليها فعليتين نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الآية"، أي " ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] أي: سواء عليهم الإنذار وعدمه. "أو اسميتين كقوله": [من الطويل] .
٦٦٩-
ولست أبالي بعد فقدي مالكا أموتي ناء أم هو الآن واقع
أي: لست أبالي بُعْدَ موتي أم وقوعه الآن. "أو مختلفتين" بأن تكون المعطوفة عليها فعلية والمعطوفة اسمية "نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ " [الأعراف: ١٩٣] أي: سواء عليكم دعاؤكم إياهم أم صمتكم. أو بالعكس نحو: ما أبالي أزيد قاعد أم قام، أي: مال أبالي بقعوده أم قيامه.
"وإما" مسبوقة "بهمزة يطلب بها وبـ"أم" التعيين" لأحد الشيئين بحكم معلوم الثبوت، فإذا قيل: أزيد عندك أم عمرو؟ قيل في الجواب: زيد، أو قيل: عمرو، ولا يقال: لا، ولا: نعم، لعدم التعيين.
"وتقع" "أم" المسبوقة بهمزة التعيين "بين مفردين متوسط بينهما ما لا يسأل عنه نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: ٢٧] أو متأخر عنهما" ما لا يسأل عنه "نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] .
_________________
(١) ١ في "ب": "لم يكن يتصف". ٢ إضافة من "ب".
(٢) البيت لمتمم بن نويرة في ديوانه ١٠٥، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٦٥٣، والأشباه والنظائر ٧/ ٥١، وأوضح المسالك ٣/ ٣٦٨، والدرر ٢/ ٤٢٤، وشرح ابن الناظم ص٣٧٥، وشرح شواهد المغني ١/ ١٣٤، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢١٤، ومغني اللبيب ١/ ٤١، والمقاصد النحوية ٤/ ١٣٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٢.
[ ٢ / ١٦٨ ]
فالسؤال في الآية الأولى وقع عن المسند إليه ولم يسأل عن المسند، وفي الثانية بالعكس، فوسط ما لا يسأل عنه في الأولى وهو "أشد خلقًا" وأخر في الثانية وهو "ما توعدون" وذلك لأن شرط الهمزة المعادلة لـ"أم" أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما، ويلي "أم" المعادل١ الآخر ليفهم السامع من أول الأمر الشيء المطلوب تعيينه.
تقول إذا استفهمت عن تعيين المبتدأ دون الخبر: أزيد قائم أم عمرو؟ وإن شئت قلت: أزيد أم عمرو قائم؟ فتوسط الخبر أو تؤخره، لأنه غير مسؤول عنه.
وتقول إذا استفهمت عن تعيين الخبر دون المبتدأ: أقائم زيد أم قاعدًا؟ وإن شئت قلت: أقائم أم قاعد زيد؟ فتوسط المبتدأ أو تؤخره، لأنه غير مسؤول عنه.
"و" تقع "بين" جملتين "فعليتين" ليستا في تأويل المفردين "كقوله"؛ وهو زياد بن حمل بفتح [الحاء] ٢ المهملة والميم: [من البسيط]
٦٧٠-
فقمت للطيف مرتاعا فأرقني فقلت أهي سرت أم دعاني حلم
"لأن الأرجح كون: هي" الواقعة بعد الهمزة "فاعلا بفعل محذوف" يفسره "سرت"، لأن همزة الاستفهام بالفعل أولى من حيث إن الاستفهام عما يشك فيه، وهو الأحوال، لأنها متجددة، وأما عن الذوات فقليل، من ثم رجح النصب في باب الاشتغال نحو: أزيدًا ضربته؟
والمراد بالطيف هنا: خيال المحبوبة الذي رآه في النوم، والمرتاع: الخائف، وأرقني: أسهرني، وأهي: بسكون الهاء بعد الهمزة، وسرت: سارت ليلا، وعادني: جاءني بعد إعراضه عني، والحلم، بضمتين: رؤيا النوم.
قال ابن الحاجب٣: يريد: أني قمت من أجل الطيف منتبهًا مذعورًا للقائه، وأرقني لما لم يحصل اجتماع محقق، ثم ارتبت: هل كان الاجتماع على التحقيق، أو كان في المنام؟
_________________
(١) ١ في "ب": "العادل". ٢ إضافة من "ب".
(٢) البيت لزياد من منقذ في خزانة الأدب ٥/ ٢٤٤، ٢٤٥، ١/ ٩٥، وشرح شواهد المغني ١/ ١٣٤، والمقاصد النحوية ١/ ٢٥٩، ٤/ ١٣٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٢٧، وأوضح المسالك ٣/ ٣٧٠، والخصائص ١/ ٣٠٥، ٢/ ٣٣٠، والدرر ٢/ ٤٢٥، شرح ابن الناظم ص٣٧٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٨، وشرح المفصل ٩/ ١٣٩، ومغني اللبيب ١/ ٤١، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٢. ٣ أمالي ابن الحاجب ١/ ٤٧.
[ ٢ / ١٦٩ ]
"واسميتين كقوله"، وهو الأسود بن يعفر التميمي: [من الطويل]
٦٧١-
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر
فـ"شعيث" في الموضعين، بالتصغير، أوله شين معجمة وآخره ثاء مثلثة: اسم قبيلة، وهو مبتدأ، وابن: خبره، ولهذا يكتب بالألف، والجملة في موضع النصب بـ: أدري، وهو معلق عنها بالاستفهام، و"الأصل: أشعيث"١ بالهمزة في أوله والتنوين في آخره، "فحذفت الهمزة والتنوين منهما" للضرورة، بناء على أنه مصروف نظرًا إلى الحي، بدليل الإخبار عنه بـ: ابن، ويحتمل أن يكون ممنوع الصرف نظرًا إلى القبيلة، والإخبار بـ: ابن لا يمنع من ذلك لجواز رعاية٢ التذكير وضده باعتبارين، قال السيرافي: لأنه يهجو هذه القبيلة فيقول: لم تستقر على أب، لأن بعضًا يعزوها منقر، وبعضًا٣ يعزوها، إلى سهم. انتهى.
والمعنى: لا أدري أي النسبين هو الصحيح، نسب شعيث بن سهم أم نسب شعيث بن منقر، وسهم، بفتح المهملة وسكون الهاء، ومنقر، بكسر الميم وسكون النون وكسر القاف، وبالراء: قبيلتان.
واستغنى الموضح بحذف الهمزة في هذا البيت عن شرح قول الناظم:
٥٤٩-
وربما أسقطت الهمزة إن كان خفا المعنى بحذفها أمن
ومختلفتين نحو: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] لأن الأرجح كون "أنتم" فاعلا بفعل محذوف يفسره المذكور. قاله في المغني٤.
والحاصل أن "أم" المتصلة منحصرة في نوعين، لأنها إما أن تتقدم عليها همزة التسوية، أو همزة يطلب بها وبـ"أم" التعيين وإنما سميت في هذين النوعين متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
_________________
(١) البيت للأسود بن يعفر في ديوانه ٣٧، وخزانة الأدب ١١/ ١٢٢، وشرح شواهد المغني ص١٣٨، والكتاب ٣/ ١٧٥، والمقاصد النحوية ٤/ ١٣٨، ولأوس بن حجر في ديوانه ٤٩، وخزانة الأدب ١١/ ١٢٨٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٧٢، وشرح ابن الناظم ص٣٧٦، والمحتسب ١/ ٥٠، ومغني اللبيب ١/ ٤٢، والمقتضب ٣/ ٢٤٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٢. ١ في "ب": "أشعث". ٢ في "ب": "وغاية". ٣ في "ب": "وبعضها". ٤ مغني اللبيب ١/ ٤٢.
[ ٢ / ١٧٠ ]
وقيل: لأنها اتصلت بالهمزة حتى صارتا في إفادة الاستفهام بمثابة كلمة واحدة، لأنهما جميعًا بمعنى "أي". ورجح هذا على الأول بأن اعتبار هذا المعنى راجح إليها نفسها لا إلى أمر خارج عنها، بخلاف الأول، فإن الاتصال فيه إنما هو بين السابق واللاحق، فإطلاق الاتصال عليها إنما هو باعتبار متعاطفيها المتصلين، فتسميتها بذلك إنما هو لأمر خارج عنها.
وعورض بأن الوجه الثاني إنما يأتي في المسبوقة بهمزة الاستفهام لا بهمزة التسوية، فيترجح الأول لشموله النوعين، وعليه اقتصر في المغني١. وتسمى أيضًا في النوعين معادلة لمعادلة الهمزة في إفادة التسوية في النوع الأول والاستفهام في النوع الثاني، ويفترق النوعان من أربعة أوجه:
أولها وثانيها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابًا، لأن المعنى معها ليس على الاستفهام، وأن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب، لأنه خبر.
وثالثها ورابعها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تقع إلا بين جملتين وأن الجملتين لا يكونان معها إلا في تأويل المفردين كما مر، وليست كذلك. وإلى نوعي الاتصال أشار الناظم بقوله:
٥٤٨-
وأم بها اعطف بعد همز التسويه أو همزة عن لفظ أي مغنيه
"و" أم "المنقطعة هي الخالية من ذلك" المذكور في المتصلة، فلا تتقدم عليها همزة التسوية ولا همزة يطلب بها وبـ"أم" التعيين. وسميت منقطعة لوقوعها بين جملتين مستقلتين، "فلا يفارقها معنى الإضراب" عند الجمهور، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٥٠-
وبانقطاع وبمعنى بل وفت إن تك مما قيدت به خلت
"وقد تقتضي مع ذلك" الإضراب "استفهامًا حقيقيًّا" وهو الطلبي، "نحو" قول العرب: "إنها لإبل أم شاء" بالمد. والإبل: اسم جنس، والشاء: ليس جمع شاة في اللفظ ولكنه جمع لا واحد له من لفظه، قاله أبو عثمان. وشاء: خبر لمبتدأ محذوف "أي: بل أهي٢ شاء" فالهمزة٣ داخلة على جملة. "وإنما قدرنا بعدها مبتدأ، لأنها لا تدخل على المفرد"، لأنها بمعنى "بل" الابتدائية، وحرف الابتداء لا يدخل إلا على جملة، ومن
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ٤١. ٢ في "ب": "هي". ٣ في "ب": "فأم".
[ ٢ / ١٧١ ]
ثم كانت غير عاطفة عند الجمهور، خلافًا لابن جني١. وادعى ابن مالك أنها قد تدخل على المفرد، وحمل قولهم: إنها لإبل أم شاء، على ظاهره دون تقديره مبتدأ، واستدل بأنه قد سمع أن هناك: إبلا أم شاء، بالنصب، وهذا لا يعرف إلا من جهته٢، وإن سلم فالتأويل٣ ممكن بأن تكون متصلة وحذفت الهمزة، أو منقطعة وانتصب "شاء" بمحذوف أي: أم أرى شاء.
"أو" استفهامًا "إنكاريًّا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ" وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] "أي" بل "أله البنات"، إذ لو قدرت الإضراب المحض لزم المحال، وهو الإخبار بنسبة البنات إليه، تعالى عن ذلك. "وقد لا تقتضيه" أي لا تقتضي "أم" المنقطعة الاستفهام "البتة"، لا حقيقيًّا ولا إنكاريًّا "نحو": ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ " أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ "﴾ [الرعد: ١٦] "أي: بل" هل "تستوي"، ولا يقدر: بل أهل، "إذ لا يدخل استفهام على استفهام، وقول الشاعر": [من الطويل]
٦٧٢-
فليت سليمى في المنام ضجيعتي هنالك أم في جنة أم جهنم
أي: بل في جهنم، "إذ لا معنى للاستفهام" هنا، لأنه للتمني، ونقل ابن الشجري٤ عن جميع البصريين أن "أم" أبدًا بمعنى "بل" والهمزة جميعًا، وأن الكوفيين خالفوهم في ذلك. انتهى. وهذه الآية والبيت يشهدان للكوفيين، فإن "أم" فيهما بمعنى "بل" خاصة كما أنها بمعنى الاستفهام خاصة في قول الأخطل: [من الكامل]
٦٧٣-
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خَيَالا
_________________
(١) ١ في الارتشاف ٢/ ٦٥٦: "وقدره الفارسي وابن جني وأصحابنا: بل أهي شاء". ٢ شرح التسهيل ٢/ ٣٦٢. ٣ في "ب": "فالتوكيد".
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ملحق ديوانه ص٥٠١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٧٦، وشرح ابن الناظم ص٣٧٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤٢٢، وشرح عمدة الحافظ ص٦٢٠، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢١٩، والمقاصد النحوية ٤/ ١٤٣. ٤ أمالي ابن الشجري ٢/ ٣٣٥.
(٣) البيت للأخطل في ديوانه ص٣٨٥، والأزهية ص١٢٩، وخزانة الأدب ٦/ ٩، ١٠، ١٢، ١٩٥، ١١/ ١٢٢، ١٣١، ١٣٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٧٦، وشرح شواهد المغني ١/ ١٤٣، والكتاب ٣/ ١٧٤، ولسان العرب ١/ ٧٠٦، ٧٠٩ "كذب"، ٦/ ١٥٦، "غلس"، ١٢/ ٣٨ "أمم"، ومغني اللبيب ١/ ٤٥، وتاج العروس ١٦/ ٣١٠ "غلس"، "أمم"، والمقتضب ٣/ ٢٩٥، وبلا نسبة في الأغاني ٧/ ٧٩، والصاحبي في فقه اللغة ص١٢٥.
[ ٢ / ١٧٢ ]
قال أبو عبيدة: [إن] ١ المعنى: هل رأيت.
"وأما "أو" فإنها بعد الطلب للتخيير" بين المتعاطفين "نحو: تزوج زينب أو أختها، أو للإباحة كـ: جالس العلماء أو الزهاد. والفرق [بينهما" أي] ١ بين التخيير والإباحة "امتناع الجمع بين المتعاطفين في التخيير"، فلا يجوز أن يجمع بين زينب وأختها في التزويج، لامتناع الجمع بين الأختين، "وجوازه"؛ أي الجمع بين المتعاطفين؛ "في الإباحة"، فيجوز أن يجمع بين العلماء والزهاد في المجالسة٢.
"وبعد الخبر"، وهو مقابل الطلب، أي الكلام الخبري الذي من شأنه أن يحتمل التصديق والتكذيب "للشك" من المتكلم "نحو: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم﴾ " [الكهف: ١٩] فـ"لبثنا" كلام خبري، و"أو" للشك من القائلين ذلك.
"أو للإبهام" على المخاطب "نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ " [سبأ: ٢٤] فـ"إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى": كلام خبري. و"أو في ضلال مبين": للإبهام، فيكون الشاهد في الثانية. وقال في المغني٣: "الشاهد في الأولى".
وقال الدماميني: "الشاهد في الأولى والثانية"، والمعنى أن أحد الفريقين منا ومنكم ثابت له أحد الأمرين: كونه على هدى أو كونه في ضلال مبين، أخرج الكلام في صورة الاحتمال مع العلم بأن من وحد الله وعبده فهو على هدى، وأن من عبد غير الله من جماد أو غيره فهو في ضلال مبين. انتهى.
"وللتفصيل"؛ بالصاد المهملة؛ بعد الإجمال "نحو: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ " [البقرة: ١٣٥] فـ"قالوا" كلام خبري، وهو مشتمل على الواو العائدة على اليهود والنصارى، فذكر الفريقين على الإجمال بالضمير العائد إليهما، ثم فصل ما قاله كل فريق، أي: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، فـ"أو" لتفصيل الإجمال في فاعل "قالوا" وهو الواو.
"أو للتقسيم نحو: الكلمة اسم أو فعل أو حرف". قاله ابن مالك في الخلاصة وأصلها، وعدل عنه في التسهيل٤ وشرحه٥ إلى التفريق المجرد.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ انظر مغني اللبيب ١/ ٦٣-٦٤، شرح التسهيل ٣/ ٣٦٤. ٣ مغني اللبيب ١/ ٦١، وسقط من "ب": "في المغني". ٤ التسهيل ص١٧٦. ٥ شرح التسهيل ٢/ ٣٦٢.
[ ٢ / ١٧٣ ]
"وللإضراب" كـ"بل" مطلقًا "عند الكوفيين وأبي علي" الفارسي وابن برهان، نحو: أنا أخرج، ثم تقول: أو أقيم، أضربت عن الخروج ثم أثبت الإقامة، فكأنك قلت: لا، بل أقيم. "حكى الفراء: اذهب إلى زيد أو دع ذلك فلا تبرح اليوم". نقله عنه في شرح الكافية١. ونقل ابن عصفور عن سيبويه أنه أثبت "لا" والإضراب بشرطين: تقدم نفي أو نهي، وتكرير العامل، نحو: لست زيدًا أو لست عمرًا، ولا تضرب زيدًا أو لا تضرب عمرًا.
"و" تكون "أو" "بمعنى الواو عند الكوفيين" والأخفش والجرمي٢، "وذلك عند أمن اللبس، كقوله"، وهو حميد ين ثور الهلالي: [من الكامل]
٦٧٤-
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ما بين ملجم مهره أو سافع
أي: وسافع، لأن البينية من المعاني النسبية التي لا يعطف فيها إلا بالواو كما تقدم.
ويحتمل أن تكون "أو" لأحد الأمرين على بابها، والمراد: بين فريق ملجم أو فريق سافع، على حد: اجلس بين العلماء أو الزهاد، والصريخ: صوت المستصرخ، والملجم: هو جاعل اللجام في محله من الفرس، والسافع، بالسين المهملة: هو الآخذ بناصية فرسه، ومنه: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] وإلى معاني "أو" أشار الناظم بقوله:
٥٥١-
خير أبح قسم بأو وأبهم واشك وإضراب بها أيضًا نمي
٥٥٢-
وربما عاقبت الواو إذا لم يلف ذو النطق للبس منفذا
"وزعم كثير من النحويين٣ أن "إما" الثانية في الطلب والخبر"، فالأول "نحو: تزوج إما هندا وإما٤ أختها، و" الثاني نحو: "جاءني إما زيد وإما عمرو، بمنزلة "أو" في العطف والمعنى"، فتكون بعد الطلب للتمييز والإباحة، وبعد الخبر للشك
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٢١. ٢ في الارتشاف ٢/ ٦٤١: "الأخفش والجرمي وجماعة من الكوفيين والأزهري".
(٢) البيت لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ص٢٠٦، ولحميد بن ثور في ديوانه ص١١١، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠٠، والمقاصد النحوية ٤/ ١٤٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ٢١٨، وأوضح المسالك ٣/ ٣٧٩، وشرح ابن الناظم ص٣٨٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٢٤، وشرح التسهيل ٣/ ٣٦٤، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٢٢، ومغني اللبيب ١/ ٦٣، وأساس البلاغة "سفع"، "صرخ". ٣ في "ب": "وزعم أكثر الكوفيين". ٤ في "ب": "أو إما".
[ ٢ / ١٧٤ ]
والإبهام وللتفصيل، نحو: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] فانتصابهما على هذا على الحال المقدرة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٥٣-
ومثل أو في القصد إما الثانيه
"وقال أبو علي وابن كيسان وابن برهان" بفتح الباء والمنع من الصرف: "هي مثلها في المعنى فقط" لا في العطف، وإنما ذكروها في باب العطف لمصاحبتها لحرفه.
قال ابن عصفور١: "ويؤيده قوزلهم إنها مجامعة للواو" العاطفة "لزومًا، والعاطف لا يدخل على العاطف. وأما قوله"؛ وهو سعد بن قرط، لا الأحوص، خلافًا للجوهري: [من البسيط]
٦٧٥-
يا ليتما أمنا شالت نعامتها أيما إلى جنة أيما إلى نار
"فشاذ" حذف الواو، "وكذلك فتح همزتها وإبدال ميمها الأولى" ياء شاذان أيضًا على سبيل الاجتماع، وإلا ففتح همزتها لغة تميمية وقيسية وأسدية. وشالت نعامها: كناية عن موتها، فإن النعامة باطن القدم، وشالت: ارتفعت، ومن مات ارتفعت رجلاه وانتكس رأسه وظهرت نعامة قدمه. ولا خلاف في أن "إما" الأولى غير عاطفة لاعتراضها بين العامل والمعمول نحو: قام إما زيد وإما عمرو، ونحو: رأيت إما زيدًا وإما عمرًا.
"وأما "لكن" فعاطفة خلافًا ليونس"، وتبعه ابن مالك في التسهيل٢، "وإنما تعطف بشروط" ثلاثة: "إفراد معطوفها"، وأن تسبق بنفي أو نهي" عند البصريين، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٥٤-
وأول لكن نفيًا أو نهيًا
"وأن لا تقترن بالواو" عند الفارسي والأكثرين٣. فالنفي "نحو: ما مررت
_________________
(١) ١ المقرب ١/ ٢٢٩.
(٢) البيت للأحوص في ملحق ديوانه ٢٢١، ولسان العرب ١٤/ ٤٦ "أما"، ولسعد بن قرط في خزانة الأدب ١١/ ٨٦، ٨٧، ٨٨، ٩٠، ٩٢، والدرر ٢/ ٤٤١، وشرح شواهد المغني ١/ ١٨٦، وشرح عمدة الحافظ ٦٤٣، والمحتسب ١/ ٢٨٤، ٢/ ٣١٤، والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٨٢، وتذكرة النحاة ١٢٠، وشرح ابن الناظم ص٣٨٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٢٥، وشرح التسهيل ٣/ ٣٦٦، وشرح المرادي ٣/ ٢١٦، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٢٩، وشرح المفصل ٦/ ٧٥، ومغني اللبيب ١/ ٥٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٥. ٢ التسهيل ص١٧٤. ٣ انظر شرح ابن الناظم ص٣٨٢، والكتاب ١/ ٢٦٢، ٢٦٧، ومغني اللبيب ١/ ٢٩٣.
[ ٢ / ١٧٥ ]
برجل صالح لكن طالح"، بالجر سماعًا، فقيل: عطف على صالح، وقيل: بجار مقدر، أي: لكن مررت بطالح، وجاز إبقاء عمل الجار بعد حذفه لقوة الدلالة عليه بتقدم ذكره.
"و" النهي "نحو: لا يقم زيد لكن عمرو". "وهي حرف ابتداء" جيء به لمجرد إفادة الاستدراك، وليست عاطفة "إن تلتها جملة" لعدم إفراد معطوفها، "كقوله"؛ وهو زهير ابن أبي سلمى؛ بضم السين: [من البسيط]
٦٧٦-
إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره لكن وقائعه في الحرب تنتظر
فـ"وقائعه" مبتدأ، و"تنتظر": خبره و"لكن" الداخلة على هذه الجملة حرف ابتداء، و"ابن ورقاء" بالمد: هو الحارث الصيداوي، و"ورقاء": أبوه، والبوادر: جمع بادرة، وهي الحدة.
"أو تلت" لكن "واوًا" فهي حرف ابتداء أيضًا وليست بعاطفة، لأن من شرط عطفها أن لا تقترن بالواو، "نحو": ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ " وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ "﴾ [الأحزاب: ٤٠] فـ"لكن" حرف ابتداء، و"رسول الله": خبر لـ"كان" المحذوفة، "أي: ولكن كان رسول الله.
وليس "رسول الله" المنصوب معطوفًا بالواو" الداخلة على "لكن" على "أبا أحد" من عطف مفرد على مفرد، كما هو مذهب يونس من كون "لكن" حرف استدراك، والعاطف الواو، "لأن متعاطفي الواو المفردين لا يختلفان بالسلب والإيجاب" لأن المعطوف عليه هنا منفي، والمعطوف موجب، بخلاف الجملتين المتعاطفتين بالواو، فيجوز تخالفهما إيجابًا وسلبًا، نحو: ما قام زيد وقام عمرو، أو: قام زيد ولم يقم عمرو١.
وزعم ابن أبي الربيع أن "لكن" حين اقترانها بالواو عاطفة جملة على جملة٢، وأنه ظاهر قول٣ سيبويه٤. "أو سبقت بإيجاب، نحو: قام زيد لكن عمرو لم يقم" فـ"لكن": حرف ابتداء واستدراك، وعمرو: مبتدأ، و"لم يقم": خبره. "ولا يجوز:
_________________
(١) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص٣٠٦، والجنى الداني ص٥٨٩، والدرر ٢/ ٤٥٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٠٣، واللمع ص١٨٠، ومغني اللبيب ١/ ٢٩٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٧٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٨٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٧٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٧. ١ نقله المؤلف عن مغني اللبيب ١/ ٢٩٣. ٢ انظر الارتشاف ٢/ ٦٤٦، ومغني اللبيب ١/ ٢٩٢. ٣ في "ب": "كلام". ٤ الكتاب ١/ ٢٦٢، ٢٦٧، وشرح ابن الناظم ص٣٨٢.
[ ٢ / ١٧٦ ]
لكن عمرو" بالإفراد "على أنه معطوف" على زيد، لفوات شرطه١، وهو النفي أو النهي، "خلافًا للكوفيين" في إجازتهم ذلك، وليس بمسموع.
"وأما "بل" فيعطف بها بشرطين: إفراد معطوفها، وأن تسبق بإيجاب٢ أو أمر أو نفي أو نهي، ومعناها بعد الأولين"؛ وهما الإيجاب والأمر؛ "سلب الحكم عما قبلها" حتى كأنه مسكوت عنه، ولم يحكم عليه بشيء، "وجعله لما بعدها، كـ: قام زيد بل عمرو، و: ليقم زيد بل عمرو"، فالقيام في المثالين ثابت لعمرو ومسلوب عن زيد.
"و" معناها "بعد الأخيرين" وهما النفي والنهي "تقرير حطم ما قبلها" من نفي أو نهي على حاله، "وجعل ضده لما بعدها، كما أن "لكن" كذلك، كقولك: ما كنت في منزل ربيع بل أرض لا يهتدى بها"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٥٥-
وبل كلكن بعد مصحوبيها كلم أكن في مربع بل تيها
فتقرر نفي الكون في منزل الربيع٣ عن نفسك وتثبت لها الكون في أرض لا يهتدى بها، "ولا يقم زيد بل عمرو"، فتقرر نهي زيد عن القيام وتأمر عمرًا بالقيام.
"وأجاز المبرد" وعبد الوارث مع هذا "كونها ناقلة معنى النفي والنهي لما بعدها٤، فيجوز على قوله" وقول عبد الوارث: "ما زيد قائمًا بل قاعدًا" بالنصب "على معنى: بل ما هو قاعدًا". واستعمال العرب على خلاف ما أجازاه، ويلزمهما أن لا تعمل "ما" في "قائمًا" شيئًا؛ لأن شرط عملها بقاء النفي في المعمول، وقد انتقل عنه "ومذهب الجمهور أنها لا تفيد نقل حكم ما قبلها لما بعدها إلا بعد الإيجاب والأمر"٥ وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٥٦-
وانقل بها للثان حكم الأول في الخبر المثبت والأمر الجلي
"نحو: قام زيد بل عمرو واضرب زيدًا بل عمرًا". قال المرادي٦ تبعًا للشارح: فهي في ذلك لإزالة الحكم عما قبلها حتى كأنه مسكوت عنه، وجعله لما بعدها. انتهى.
_________________
(١) ١ في "ب": "شرط". ٢ انظر مغني اللبيب ١/ ٢٩٢. ٣ في "ب": "المربع". ٤ انظر شرح ابن الناظم ص٣٨٤. ٥ انظر شرح التسهيل ٣/ ٣٦٨، ومغني اللبيب ١/ ١١٢. ٦ شرح المرادي ٣/ ٢٢٤.
[ ٢ / ١٧٧ ]
فالقائم عمرو دون زيد، والمأمور بضربه عمرو دون زيد. وتزاد "لا" قبل "بل"١ لتوكيد الإضراب بعد الإيجاب، ولتوكيد تقرير ما قبلها بعد النفي، فالأول كقوله: [من الخفيف]
٦٧٧-
وجهك البدر لا بل الشمس لو لم يقض للشمس كسفة أو أفول
والثاني كقوله: [من البسيط]
٦٧٨-
وما هجرتك لا بل زادني شغفا هجر وبعد تراخي لا إلى أجل
"وأما "لا" فيعطف بها بشروط ثلاثة: إفراد معطوفها، وأن تسبق بإيجاب أو أمر اتفاقًا"، فالأول "كـ: هذا زيد لا عمرو، و" الثاني نحو: "اضرب زيدًا لا عمرًا". زاد سيبويه٢: "أو نداء، خلافا لابن سعدان" بفتح السين، في منعه ذلك، وزعمه أنه ليس من كلام العرب، "نحو: يابن أخي لا ابن عمي، وأن لا يصدق أحد متعاطفيها على الآخر. نص عليه السهيلي" في "نتائج الفكر" فقال٣: وشرط "لا" أن يكون الكلام الذي قبلها يتضمن بمفهوم الخطاب نفي ما بعدها. ونص عليه ايضًا الأبدي في "شرح الجزولية" وزاد: فيكون الأول لا يتناول الثاني. وتبعهما أبو حيان٤. قال الموضح: "وهو حق، فلا يجوز: جاءني رجل لا زيد"، لأن الرجل يصدق على زيد، "ويجوز٥: جاءني رجل لا امرأة" إذ لا يصدق أحدهما على الآخر. قال البدر الدماميني: ما ذكره السهيلي والأبدي مبني على صحة مفهوم اللقب، وقد تقرر في الأصول أنه غير معتبر على الصحيح، مع أن بعض المتأخرين استشكل منع مثل: قام [رجل لا زيد، فإنه مثل] ٦: قام رجل وزيد، في صحة التركيب، فإن امتنع: قام رجل وزيد،
_________________
(١) ١ سقطت من "ب".
(٢) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ٤٥٠، وشرح التسهيل ٣/ ٣٧٠، ومغني اللبيب ٢/ ١١٣، وهمع الهوامع ٢/١ ١٣٦، والمقتضب ٤/ ٢٩٨.
(٣) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ٤٥٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٢٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤٨، ومغني اللبيب ١/ ١١٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٦. ٢ الكتاب ٢/ ١٨٦. ٣ نتائج الفكر ص٢٠٢-٢٠٣. ٤ الارتشاف ٢/ ٦٤٥. ٥ في "ب": "ونحو". ٦ ما بين المعكوفين ورد مكانه في "ب": "قام زيد لا عمرو، فإنه في مثل".
[ ٢ / ١٧٨ ]
ففي غاية البعد لأنك إن أردت بالرجل الأول زيدًا كعطف الشيء على نفسه تأكيدًا، فلا مانع منه إذا قصد الإطناب، وإن أردت بالرجل غير زيد كان كعطف الشيء على غيره، ولا مانع منه، ويصير على هذا التقدير مثل: قام رجل لا زيد، في صحة التركيب، وإن كان معنياهما١ متعاكسين، وللبحث فيه مجال. انتهى.
قال الزجاجي في كتاب معاني الحروف٢: وأن لا يكون المعطوف عليه معمول فعل ماض، فلا يجوز عنده، جاءني زيد لا عمرو. قال: لأن العامل يقدر بعد العاطف، ولا يقال: لا جاء عمرو، إلا على الدعاء، ويرده أنه: لو توقفت صحة العطف على صحة تقدير العامل بعد العاطف لامتنع: ليس زيد قائمًا ولا قاعدًا. قاله في المغني٣.
وجوابه أن علة المنع عنده ترجع إلى إلباس الخبر بالطلب، وهو الدعاء، وذلك لا يتأتى في مسألة "ليس". والحق أنه لا يشترط تقدير العامل بعد العاطف بدليل جواز: اختصم٤ زيد وعمرو، ورأيت ابني زيد وعمرو، وإن زيدًا لا عمرًا قائمان. والدليل على صحة ما قلناه قول العرب: "جدك لا كدك"٥ قيل في تفسيره: نفعك جدك٦. و"قوله"؛ وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل] .
٦٧٩-
كأن دثارا حلقت بلبونه عقاب تنوفي لا عقاب القواعل
فعطف "عقاب العواقل" على "عقاب تنوفى" وهو فاعل فعل ماض، وهو "حلقت" ودثار، بالمثلثة: اسم راع، وحلقت: ذهبت، و"لبونه" بالإضافة: الإبل ذات اللبن، وعقاب: واحدة العقبان طائر معروف، وتنوفى: بفتح التاء المثناة فوق والفاء، كـ: جلولا،
_________________
(١) ١ في "ب": "معنياها". ٢ حروف المعاني ص٣١، وانظر شرح ابن الناظم ص٣٨٣. ٣ مغني اللبيب ١/ ٢٤٢. ٤ في "ب": "اختصما". ٥ من الأمثال في مجمع الأمثال ١/ ١٧٢، وجمهرة الأمثال ١/ ٢٩٧، ٣٠٢، وكتاب الأمثال لابن سلام ١٩٣. ٦ في شرح ابن الناظم ص٣٨٣: "قيل في تفسيره: نفعك جدك لا كدك".
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص٩٤، وجمهرة اللغة ص٩٤٩، والجنى الداني ص٢٩٥، وخزانة الأدب ١١/ ١٧٧-١٧٨، ١٨١، ١٨٤، والخصائص ٣/ ١٩١، وشرح ابن الناظم ص٣٨٣، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٤١، ٢/ ٦١٦، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٣٢، ومغني اللبيب ١/ ٢٤٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٥٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٨٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤٢٧، ومجالس ثعلب ٤٦٦ والممتع في التصريف ١/ ١٠٤.
[ ٢ / ١٧٩ ]
مقصور للضرورة: ثنية١ مشرفة قرب القواعل. قاله في القاموس٢. وقال في المغني٣: إنه جبل عال، والقواعل، بالقاف وكسر العين المهملة: جبال صغار.
والمعنى: كأن هذا الراعي ذهبت بإبله، التي يرعاها عقاب من عقبان تنوفى، فطارت بها وارتفعت، فهو لا يستطيع ردها ولا يطمع فيها؛ لإعقاب هذه الجبال الصغار، لعدم ارتفاعها. واقتصر الناظم على قوله:
٥٥٤-
ولا نداء او أمرًا أو اثباتًا تلا
فـ"نداء وما عطف عليه: مفعول مقدم بـ"تلا"، و"تلا": خبر "لا"، والتقدير: ولا تلا نداء أو أمرًا أو إثباتًا. وإياك أن تظن أن "لا" معطوف على "لكن" كما ظن المرادي٤، فتزل، هذا إذا لم تقترن بعاطف ولم يكن مدخولها مفردًا صفة لموصوف مذكور، أو خبرًا، أو حالا، فإن اقترنت بعاطف نحو: جاء زيد لا بل عمرو، فالعاطف "بل" و"لا" رد لما قبلها، وليست عاطفة، قاله في المغني٣. وإن كان مدخولها مفردًا صفة لسابق، أو خبرًا، أو حالا، فليست عاطفة، ووجب تكرارها، نحو: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْر﴾ [البقرة: ٦٨] . ونحو: زيد لا شاعر ولا كاتب، وجاء زيد لا ضاحكًا ولا باكيًا. قاله في المغني٥.
_________________
(١) ١ في "ب": "تثنية". ٢ القاموس المحيط "جلو". ٣ مغني اللبيب ١/ ٢٤٢. ٣ شرح المرادي ٣/ ٢٢٢. ٥ مغني اللبيب ١/ ٢٤٤.
[ ٢ / ١٨٠ ]
فصل:
"يعطف عل الظاهر والضمير المنفصل" مرفوعًا كان أو منصوبًا، "والضمير المتصل المنصوب بلا شرط"، فالعطف على الظاهر "كـ: قم زيد وعمرو"، والعطف على الضمير المنفصل المرفوع، نحو: أنا وأنت قائمان، "و" المنصوب نحو: "إياك والأسد"، وعلى الضمير المتصل المنصوب "نحو: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] فـ"الأولين": معطوف عل الكاف والميم. "ولا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل، بارزًا كان أم مستترًا إلا بعد توكيده" بتوكيد لفظي مرادف له، بأن يكون "بضمير منفصل، نحو: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾ " [الأنبياء: ٥٤] ونحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] في أحد الوجهين، أو بتوكيد معنوي، كقوله: [من الوافر]
٦٨٠-
ذعرتم أجمعون ومن يليكم برؤيتنا وكنا الظافرينا
"أو" بعد "وجود فاصل أي فاصل كان بين المتبوع"، وهو المعطوف عليه، "والتابع"، وهو المعطوف، نحو: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ " [الرعد: ٢٣] فـ"من صلح": معطوف على الواو في "يدخلونها" والفاصل بينهما الهاء. "أو" وجود "فصل بـ: لا" النافية "بين العاطف"، وهو حرف العطف، "والمعطوف"، فيكتفى بذلك عن الفصل بين المتعاطفين، "نحو: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ " [الأنعام: ١٤٨] فـ"آباؤنا" معطوف على "نا" و"لا" فاصلة بين العاطف، وهو الواو، والمعطوف، وهو "آباؤنا". "وقد اجتمع الفصلان" الفصل بالتوكيد بين التابع والمتبوع، والفصل بـ"لا" بين العاطف والمعطوف "في نحو: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ﴾ " [الأنعام: ٩١] فـ"آباؤكم" معطوف على الواو في "تعلموا" وفصل بينهما بالتوكيد بـ"أنتم".
والفصل بـ"لا" بين الواو و"آباؤكم" مقو لذلك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) البيت بلا نسبة في شرح التسهيل ٣/ ٣٧٣.
[ ٢ / ١٨١ ]
٥٥٧-
وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل
٥٥٨-
أو فاصل ما
"ويضعف" العطف على الضمير المرفوع المتصل "بدون ذلك"، لأنه يوهم العطف على عامل الضمير، لأن الضمير المرفوع المتصل ينزل من عامله منزلة الجزء، "كـ: مررت برجل سواء والعدم"، بالرفع عطفًا على الضمير المستتر في "سواء" لأنه مؤول بمشتق، "أي: مستو هو والعدم"، وليس بينهما فصل، "وهو فاش في الشعر"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٥٨-
وبلا فصل يرد في النظم فاشيا
"كقوله"؛ وهو جرير في هجو الأخطل: [من الكامل]
٦٨١-
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ما لم يكن وأب له لينالا
فعطف "أب" على الضمير المستتر في "يكن" ولم يكن بينهما فاصل.
وأما ما رواه البخاري في صحيحه من قوله -ﷺ: "كنت وأبو بكر وعمر"، "وفعلت وأبو بكر وعمر"، "وانطلقت وأبو بكر وعمر" ١ من غير فصل، فيحتمل أنه مروي بالمعنى، "ولا يكثر العطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض"٢، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٥٩-
وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازما قد جعلا
"حرفا كان" الخافض "أو اسما"، سواء كان مخفوض الاسم مرفوع المحل كـ: قيامك، أو منصوبه، كـ: ضربك، إذا قدرت الكاف مفعولا به، أو كان لا محل له من رفع أو نصب كـ: غلامك. فالحرف "نحو: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ﴾ " [فصلت: ١١] فـ"الأرض" معطوف٣ على الهاء المخفوضة باللام، "و" أعيدت مع المعطوف والاسم، نحو: " ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ﴾ " [البقرة: ١٣٣] فـ"آبائك" معطوف على الكاف المخفوضة
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ٥٠٧، والدرر ٢/ ٤٥٩، وشرح ابن الناظم ص٣٨٥، وشرح التسهيل ٣/ ٣٧٤، والمقاصد النحوية ٤/ ١٦٠، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٧٦، وأوضح المسالك ٣/ ٣٩٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٢، والمقرب ١/ ٢٣٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٨. ١ أخرجه البخاري في فضائل الصحابة برقم ٣٤٧. ٢ في شرح ابن عقيل ٢/ ٢٣٩ أنه مذهب الجمهور، وفي شرح ابن الناظم ص٤٨٧، أنه مذهب الأكثرين، وفي الإنصاف ٢/ ٤٦٦، أنه مذهب البصريين. ٣ في "ب"، "ط": "معطوفة".
[ ٢ / ١٨٢ ]
بإضافة "إله" إليها، وأعيد المضاف وهو "إله"١ مع المعطوف، والأصل: فقال لها والأرض، ونعبد إلهك وآبائك. وإنما أعيد الخافض فيهما؛ لأن الضمير المخفوض كالتنوين في شدة اللزوم، قاله الحوفي.
وكما لا يعطف على التنوين لشدة لزومه لا يعطف على ما أشبهه. "وليس" عود الخافض "بلازم وفاقًا ليونس والأخفش والكوفيين"، وتبعهم الناظم فقال:
٥٦٠-
وليس عندي لازما إذ قد أتى في النثر والنظم الصحيح مثبتا
"بدليل قراءة ابن عباس والحسن" البصري "وغيرهما"، كحمزة: "تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" [النساء: ١] بالخفض٢ عطفا على الهاء المخفوضة بالباء، "وحكاية قطرب" عن العرب: "ما فيها غيره وفرسه"٣، بالخفض عطفًا على الهاء المخفوضة بإضافة "غير" إليها، وليس في القراءة، والحكاية إعادة خافض، لا حرف في الأولى ولا مضاف في الثانية. "قيل: و" يحتمل أن يكون "منه"؛ أي من العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة خافض: " ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ " [البقرة: ٢١٧] . فـ"المسجد الحرام" عطف على الهاء المخفوضة بالباء، ولو اعيدت لقيل: وبالمسجد الحرام، "إذ ليس العطف على: سبيل" المخفوض بـ"عن" خلافًا للزمخشري٤. "لأنه صلة المصدر" وهو "صد" فإنه متعلق به، "وقد عطف عليه"؛ أي على المصدر "كفر، و" القاعدة أنه "لا يعطف على المصدر حتى تكمل معمولاته".
فلو عطف "المسجد الحرام" على السبيل لكان من جملة معمولات "صد" لأن المعطوف على معمول المصدر من جملة معمولاته، ومتى كان للمصدر معمولات لا يعطف عليه إلا بعد تمامها، فلما عطف عليه علمنا أنه ليس من جملة معمولاته، وأنه معطوف على الهاء من "به" إذ ليس معنا سواهما، وقد انتفى أحدهما فتعين الآخر. لا يقال:
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ الرسم المصحفي: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب، والقراءة المستشهد بها قرأها أيضًا المطوعي والأعمش انظر الإتحاف ص١٨٥، والبحر المحيط ٣/ ١٥٧، والنشر ٢/ ٢٤٧، والقراءة من شواهد أوضح المسالك ٣/ ٣٩٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٤٠، وشرح ابن الناظم ص٣٨٦، وشرح المفصل ٨/ ٥٣، والخصائص ١/ ٢٨٥، والإنصاف ٢/ ٤٦٣. ٣ ورد هذا القول في شرح ابن الناظم ص٣٨٦. ٤ في الكشاف ١/ ١٣١ أن "المسجد الحرام" عطف على "سبيل الله"، ولا يجوز أن يعطف على الهاء في "به". وانظر شرح ابن الناظم ص٣٨٧.
[ ٢ / ١٨٣ ]
الحصر ممنوع؛ لجواز أن يكون معمولا لمصدر محذوف، والتقدير: وصد عن المسجد الحرام، لأنا نقول: المصدر لا يعمل محذوفًا عند المحققين، وإن كان بعضهم نقله عن سيبويه.
وقال في المغني١: والصواب أن خفض المسجد بباء محذوفة لدلالة ما قبلها عليها لا بالعطف، ومجموع الجار والمجرور عطف على "به" انتهى.
"ويعطف الفعل على الفعل بشرط اتحاد زمانيهما" في المضي والاستقبال، "سواء اتحد نوعاهما" في الفعلية، كأن يكونا مضارعين أو ماضيين، ولا يشترط اتحادهما في المادة، "نحو: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾ " [الفرقان: ٤٩] فـ"نسقيه": معطوف على "نحيي" بدليل ظهور النصب في لفظه نحو: " ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ " [محمد: ٣٦] فعطف "تتقوا" على "تؤمنوا" و"يسألكم" على "يؤتكم" من عطف الشرط على الشرط، والجواب على الجواب، بدليل ظهور الجزم فيهما. ونحو: قام وقعد أخوك. "أم اختلفا نوعًا". فيعطف الماضي على المضارع، وعكسه، فالأول "نحو: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ " [هود: ٩٨] فـ"أورد" معطوف على "يقدم" وزمانهما مستقبل، "و" الثاني "نحو: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾ الآية" وتمامها: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] فعطف "يجعل" وهو مضارع على "جعل" وهو ماض لاتحاد زمانيهما في الاستقبال، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٦٣-
وعطفك الفعل على الفعل يصح
"ويعطف الفعل" الماضي أو المضارع٢ "على الاسم المشبه له في المعنى، نحو: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ﴾ " [العاديات: ٣-٤]، "ونحو: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ " [الملك: ١٩] فعطف في الأولى "أثرن" وهو ماض على "المغيرات" وهو اسم فاعل مشبه للفعل في المعنى لأنه في تأويل "واللاتي أغرن"، وعطف في الثانية "يقبضن" وهو مضارع على صافات" لأنها في معنى "يصففن". قيل: والذي حسن ذلك تأويل "يقبضن" بـ"قابضات" و"أثرن" بـ"مثيرات". "ويجوز العكس"، وهو عطف الاسم المشبه للفعل في المعنى على الفعل الماضي أو المضارع "كقوله": [من الرجز]
٦٨٢-
يا رب بيضاء من العواهج أم صبي قد حبا أو دارج
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ٢/ ٥٤١. ٢ في "ب": "ماضيا كان أو مضارعًا".
(٢) تقدم تخريج الرجز برقم ١١٧.
[ ٢ / ١٨٤ ]
فعطف "دارج" على "حبا" لتأويل "دارج" بـ"درج" أو "حبا" بـ"حاب". والعواهج: جمع عوهج، وهي في الأصل الطويلة العنق من الظباء والنوق. والمراد بها هنا المرأة التامة الخلق.
ويجوز في "أم" الجر على البدلية من "بيضاء"، والرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف. ولا يجوز نصبها إلا على القطع، وقول العيني١: "أم صبي" بالنصب: عطف بيان لـ"بيضاء" سهو، لأن بيضاء مجرورة بـ"رب"، لا منصوبة، وفتحتها نائبة عن الكسرة، لأنها غير منصرفة لألف التأنيث الممدودة.
"وجعل منه" أي "الناظم" في شرح التسهيل٢ من عطف الاسم على الفعل: " ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ " [الأنعام: ٩٥] فقدر "مخرج" معطوفًا على "يخرج" لتأول "مخرج" بـ"يخرج". "وقدر الزمخشري عطف: مخرج، على: فالق" فيكون من عطف الاسم على الاسم٣. ولكل منهما مرجحان:
فيرجح الأول سلامته من الفصل بين المتعاطفين بجملة، وذكر الشيء مقابله، ويرجح الثاني عدم التأويل، والتوافق بين نوعي المتعاطفين، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٦٤-
واعطف على اسم شبه فعل فعلا وعكسه استعمل تجده سهلا
_________________
(١) ١ المقاصد النحوية ٤/ ١٧٤. ٢ شرح التسهيل ٣/ ٣٨٣. ٣ الكشاف ٢/ ٢٨.
[ ٢ / ١٨٥ ]
فصل:
"تختص الفاء والواو بجواز حذفهما مع معطوفهما للدليل"، وتشاركهما في ذلك "أم" المتصلة، "مثاله في الفاء: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ " [الأعراف: ١٦٠] أي فضرب فانبجست، وهذا الفعل المحذوف معطوف على "أوحينا" من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ و"انبجست" معطوف على "ضرب" المحذوف ووقع في بعض النسخ مكان "فانبجست": فانفجرت. "أي فضرب فانفجرت، وهذا الفعل المحذوف معطوف على: أوحينا"، وهو سهو، لأن "انفجرت" في البقرة، وليس في آيتها "أن" ولا "أوحينا"، وتلاوتها: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وتسمى الفاء١ العاطفة على مقدر فصيحة. "ومثاله في الواو قوله" وهو النابغة الذبياني: [من الطويل]
٦٨٣-
فما كان بين الخير لو جاء سالما أبو حجر إلا ليال قلائل
فحذف الواو ومعطوفها "أي: بين لخير وبيني". وأبو حجر. بضم الحاء المهملة١ والجيم: كنية النعمان بن الحارث الغساني.
"وقولهم: راكب الناقة طليحان" فـ"طليحان" خبر المبتدأ وما عطف عليه في التقدير؛ "أي": راكب الناقة "والناقة" طليحان، فحذف المعطوف مع العاطف بدليل تثنية الخبر، وإلا لأفراد. ويحتمال أن يكون الأصل: أحد طليحين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما قاله الموضح في شرح بانت سعاد٢ فلا دليل فيه. والطليح، بفتح الطاء المهملة وكسر اللام وآخره حاء مهملة، من قولهم: طلح البعير، إذا أعيا.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب".
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٢٠، وشرح ابن الناظم ص٣٨٩، وشرح عمدة الحافظ ص٦٤٨، والمقاصد النحوية ٤/ ١٦٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٩٦، وشرح الأشموني ٢/ ٤٣٠. ٢ إضافة من "ب".
[ ٢ / ١٨٦ ]
ومثاله في "أم" قول أبي ذؤيب: [من الطويل]
٦٨٤-
فما أدري أشكلكم شكلي
قال أبو الفتح: أي: فما أدري أطريقكم طريقي أم غيره، فحذف، واقتصر الموضح على ذكر الفاء والواو تبعًا لقول الناظم:
٥٦١-
والفاء قد تحذف مع ما عطفت والواو إذ لا لبس
"وتختص الواو بجواز عطفها عاملا قد حذف وبقي معموله، مرفوعًا كان نحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ " [البقرة: ٣٥] فـ"زوجك" فاعل بفعل محذوف معطوف على "اسكن" "أي: وليسكن زوجك"، فهو من عطف الأمر على الأمر. "أو منصوبًا نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ " [الحشر: ٩] فـ"الإيمان" مفعول بفعل محذوف معطوف على تبوءوا "أي: وألفوا الإيمان" فهو من عطف جملة على جملة. "أو مجرورًا نحو: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة"١ فـ"بيضاء" مجرور بمضاف محذوف معطوف على "كل" أي: ولا كل بيضاء.
"وإنما لم يجعل العطف فيهن" أي في الأمثلة الثلاثة "على الموجود في الكلام بدون حذف، "لئلا يلزم في" المثال "الأول" وهو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] "رفع فعل الأمر" وهو "اسكن" "للاسم الظاهر" وهو "زوجك".
بيان الملازمة أنه لو جعل "زوجك" معطوفًا على فاعل "اسكن" المستتر فيه لكان [شريكه في عامله، والأمر بالصيغة لا يرفع ظاهرًا، فلا يعطف على فاعله ظاهر.
وقد يقال: يغتفر في الثواني] ٢ ما لا يغتفر في الأوائل، "ورب شيء يصح تبعًا ولا يصح استقلالا، كالحاج عن غيره، يصلي عنه ركعتي الطواف، ولو صلى أحد عن غيره ابتداء لم يصح على الصحيح"، كما قاله في المغني٣. وفي التسهيل٤: لا يشترط في صحة العطف وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه. انتهى. ولو سلم فاجتماع حذف الفعل وحذف حرف
_________________
(١) تتمة البيت: وقال صحابي قد غبنت وخلتني غبنت وهو في ديوان الهذليين ١/ ٣٦. ١ المثل في الفاخر ص١٩٥، وجمهرة الأمثال ٢/ ٢٦٦، ٢٨٧/ والمستقصى ٢/ ٣٢٨، ومجمع الأمثال ١/ ٢٨١، وهو من شواهد الكتاب ١/ ٦٥، وأوضح المسالك ١/ ٣٩٧، وشرح ابن الناظم ص٣٨٧. ٢ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٣ مغني اللبيب ١/ ٥٦. ٤ التسهيل ص١٧٧.
[ ٢ / ١٨٧ ]
الأمر شاذ، كما سيأتي١ له في باب التحذير، فلا يحسن تخريج التنزيل عليه. "و" لئلا يلزم "في" المثال "الثاني" وهو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] "كون الإيمان متبوأ".
بيان الملازمة أنه لو جعل الإيمان معطوفًا على "الدار" لكان معمولًا لـ"تبوؤوا" لأن المعطوف يشارك المعطوف عليه في عامله، وهو فاسد من جهة المعنى، لأن الإيمان لا يتبوأ "وإنما يتبوأ المنزل"، إذ التبوؤ: التهيؤ، يقال: بوأت له منزلا، أي: هيأته له.
وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران: يقال: تبوأ فلان الدار، إذا لزمها. انتهى. فعلى هذا يصح العطف ولا يحتاج إلى تقدير عامل آخر. "و" لئلا يلزم "في" المثال "الثالث" وهو "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة" "العطف على معمولي عاملين مختلفين".
بيان الملازمة أن "سوداء" معمول "كل" وتمرة: معمول "ما"، فلو عطف "بيضاء" على "سوداء" و"شحمة" على "تمرة" لزم العطف على معمولي عاملين، وذلك لا يجوز على الأصح عند سيبويه والأكثرين٢، وأجاز الأخفش العطف على معمولي عاملين إن كان أحدهما جار أو اتصل المعطوف بالعطف، أو انفصل بـ"لا" كهذا المثال.
وقيل: يجوز مطلقًا. حكاه الفارسي وابن الحاجب عن الفراء٣، والأصح في التسهيل٤ المنع مطلقًا، لأن العاطف حرف ضعيف لا ينوب عن عاملين. قال في المغني٥: والحق جواز العطف على معمولي عاملين في نحو: في الدار زيد، والحجرة عمرو. انتهى.
واتفقوا على أنه لا يجوز العطف على معمولي عاملين مختلفين إن تأخر المجرور عن المرفوع أو المنصوب، فلا يقال: دخل زيد إلى عمرو وبكر خالد، وإن زيدًا في الدار وعمرًا الحجرة، للفصل بين نائب الجار؛ وهو العاطف؛ والمجرور٦. قاله السيد عبد الله.
"ولا يجوز في" المثال "الثاني كون الإيمان مفعولا معه، لعدم الفائدة في تقييد" الأنصار المعطوفين على "المهاجرين بمصاحبة الإيمان، إذ هو أمر معلوم"، وإلى
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ الكتاب ١/ ٦٥-٦٦، وانظر مغني اللبيب ٢/ ٤٨٦. ٣ في مغني اللبيب ٢/ ٤٨٦: نقله الفارسي عن جماعة، منهم الأخفش. وفي شرح الرضي ٢/ ٣٤٤: "قال ابن الحاجب: وإذا عطف على عاملين لم يجز، خلافًا للفراء". ٤ التسهيل ص١٧٨. ٥ مغني اللبيب ٢/ ٤٨٨. ٦ انظر شرح الرضي ٢/ ٣٤٤-٣٤٥ حيث ورد المثلان السابقان.
[ ٢ / ١٨٨ ]
هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٥٦١-
وهي انفردت
٥٦٢-
بعطف عامل مزال قد بقي معموله دفعًا لوهم اتقي
"ويجوز حذف المعطوف عليه بالواو والفاء" و"أم" المتصلة.
"فالأول": وهو حذف المعطوف عليه بالواو. "كقول بعضهم: "وبك وأهلا وسهلا" جوابا لمن قال له: "مرحبًا" بك"١. الواو الأولى لعطف جميع الكلام على كلام المتكلم الأول، والواو الثانية عاطفة على "مرحبًا" المقدرة، فهي لعطف المفردات وهي محل الاستشهاد. قاله في الحواشي. "والتقدير: ومرحبًا بك وأهلا". فـ"بك" متعلق بـ"مرحبًا"، و"أهلا" معطوف على "مرحبًا".
"والثاني": وهو حذف المعطوف عليه بالفاء، وهو خاص بالجمل، "نحو: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] فجملة "نضرب" معطوفة على جملة محذوفة "أي: أنهملكم"؛ بتقديم الهاء على الميم؛ "فنضرب، ونحو: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [سبأ: ٩] فجملة "لم يروا" معطوفة على جملة محذوفة؛ "أي: أعموا فلم يروا". وظاهره أن الفاء عطفت على جملة مقدرة بينها وبين الهمزة، وأن الهمزة في محلها الأصلي، وهو قول الزمخشري وطائفة. ومذهب سيبويه والجمهور أن الهمزة قدمت من تأخير تنبيها على أصالتها في التصدير، ومحلها الأصلي بعد الفاء، والأصل: فأنضرب، فألم يروا.
والثالث: وهو حذف المعطوف عليه بـ"أم" المتصلة نحو: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] أي: أعلمتم أن الجنة حفت بالمكاره أم حسبتم وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٦٣-
وحذف متبوع بدا هنا استبح
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٣٩٠، وشرح التسهيل ٣/ ٣٨١.
[ ٢ / ١٨٩ ]
باب البدل
مدخل
باب البدل:
هذه التسمية للبصريين، واختلف في تسميته عن الكوفيين فقال الأخفش: يسمونه الترجمة والتبيين. وقال ابن كيسان: يسمونه التكرير١. والغرض منه٢ أن يذكر الاسم مقصودًا بالنسبة بعد التوطئة لذكره بالتصريح بتلك النسبة إلى ما قبله لإفادة توكيد الحكم وتقريره، ولذلك يقولون: البدل في حكم تكرير العامل.
وقولهم: المبدل منه في حكم الطرح، إنما يعنون به من جهة المعنى غالبًا دون اللفظ بدليل جواز: ضربت زيدًا يده، إذ لو لم يعتد بزيد أصلا لما كان للضمير ما يعود عليه.
والبدل لغة العوض، "و" اصطلاحًا: "هو التابع المقصود بالحكم" المنسوب إلى متبوعه نفيًا أو إثباتًا بلا واسطة. هذا معنى قول الناظم:
٥٦٥-
المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلا
"فخرج بالفصل الأول" وهو المقصود بالحكم، ثلاثة توابع: "النعت والبيان والتوكيد، فإنها مكملات للمقصود بالحكم" وهو متبوعها، وليست مقصودات بالحكم.
"وأما النسق فثلاثة أنواع:
[أحدها] ٣: ما ليس مقصودًا بالحكم" أصلا، وهو المعطوف بـ"لا" بعد الإيجاب وبـ"بل" و"لكن" بعد النفي "كـ: جاء زيد لا عمرو، و: ما جاء زيد بل
_________________
(١) ١ في الارتشاف ٢/ ٦١٩ أن الكوفيين يسمونه بالترجمة والتبيين والتكرير. ٢ الغرض من البدل هنا، نقله الشارح من شرح ابن الناظم ص٣٩٣. ٣ إضافة من "ب"، "ط".
[ ٢ / ١٩٠ ]
عمرو، أو: لكن عمرو". "أما الأول" وهو المعطوف بـ"لا" "فواضح" أمره، "لأن الحكم السابق" وهو إثبات المجيء لزيد "منفي عنه" بـ"لا" "وأما الآخران" وهما المعطوف بـ"بل" والمعطوف بـ"لكن" بعد النفي "فلأن الحكم السابق هو نفي المجيء، والمقصود به إنما هو الأول" دون الثاني.
"النوع الثاني: ما هو مقصود بالحكم هو وما قبله فيصدق عليه أنه مقصود بالحكم لا أنه" هو "المقصود" وحده، "وذلك كالمعطوف بالواو" إثباتًا أو نفيًا "نحو: جاء زيد وعمرو، وما جاء زيد ولا عمرو. وهذان النوعان" وهما الأول والثاني "خارجان بما خرج به النعت والتوكيد والبيان"، أما الأول فلأن المقصود بالحكم إنما هو المتبوع، وأما الثاني فلأن التابع ليس هو المقصود بالحكم وحده.
و"النوع الثالث: ما هو مقصود بالحكم دون ما قبله، وهذا هو المعطوف بـ"بل"١ بعد الإثبات، نحو: جاءني زيد بل عمرو"٢. وفي بعض النسخ ذكر "لكن" بعد "بل" وهو إنما يتمشى على قول الكوفيين. "وهذا النوع خارج بقولنا: بلا واسطة، وسلم الجد بذلك للبدل.
وإذا تأملت ما ذكرته في تفسير هذا الحد، وما ذكره الناظم٣ وابنه٤ ومن قلدهما" من شراح النظم٥ وغيره٦ "علمت أنهم عن إصابة الغرض بمعزل. وأقسام البدل أربعة"٧: أشار إليها الناظم بقوله:
٥٦٦-
مطابقًا أو بعضا أو ما يشتمل عليه يلفى أو كمعطوف ببل
"الأول: بدل كل من كل: وهو بدل الشيء٨ مما هو طبق معناه،
_________________
(١) ١ بعده "ب": "ولكن". ٢ بعده في "ب": "أو: لكن عمرو". ٣ شرح التسهيل ٣/ ٢٣١. ٤ شرح ابن الناظم ص٣٨٢-٣٨٣. ٥ مثل ابن عقيل في شرح الألفية ٢/ ٢٤٧. ٦ مثل أبي حيان في الارتشاف ٢/ ٦١٩. ٧ كذلك قال ابن الناظم في شرحه ص٣٩٣، وفي حاشية يس ١/ ١٥٥: "زاد بعضهم خامسًا وهو بدل كل من بعض. قال السيوطي: وقد وجدت له شاهدًا في التنزيل وهو قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ "، وذكر أبو حيان هذا القسم الخامس وقال: "إن الجمهور على نفيه. انظر الارتشاف ٢/ ٦٢٥. ٨ بعده في "ب": "ومن الشيء".
[ ٢ / ١٩١ ]
نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦-٧] فـ"صرط الذين": بدل من "الصراط المستقيم" بدل كل من كل، "وسماه الناظم" في النظم "البدل المطابق"، وخالف الجماعة في تسميته بدل كل من كل، "لوقوعه في اسم الله تعالى، نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١-٢] فيمن قرأ بالجر"١، فـ"الله" بدل من "العزيز" بدل مطابق. ولا يقال فيه: بدل كل من كل، "وإنما" لم يقل ذلك، لأن كلا إنما "يطلق" على ما يقبل التجزيء، فعند الإطلاق تدل "كل، على ذي أجزاء، وذلك ممتنع هنا"، لأن الله تعالى منزه عن ذلك، ولا يحتاج البدل المطابق إلى ضمير يربطه بالمبدل منه، لأنه نفس المبدل منه في المعنى، كما أن الجملة التي هي نفس المبتدأ في المعنى لا تحتاج لرابط.
"والثاني: بدل بعض من كل: وهو بدل الجزء من كله، قليلا كان ذلك الجزء" بالنسبة إلى الباقي من المبدل منه، "أو مساويًا" له "أو أكثر" منه "كـ: أكلت الرغيف ثلثه"، فالثلث أقل من الباقي، وهو الثلثان، "أو نصفه"، فالنصف مساو للنصف الثاني، "أو ثلثيه"، فالثلثان أكثر من الثلث الباقي.
وذهب الكسائي وهشام إلى أن [بدل] ٢ البعض لا يقع إلا على ما دون النصف فلا يسمى: أكلت الرغيف نصفه أو ثلثيه أو أكثره، بدل بعض عندهما. "ولا بد" في بدل البعض "من اتصاله بضمير يرجع إلى المبدل منه" ليربط البعض بكله. "مذكور" ذلك الضمير، متصل بالبدل أو بغيره، فالأول "كالأمثلة المذكورة" في قوله: ثلثه أو نصفه أو ثلثيه. "و" الثاني "كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ " [المائدة: ٧١] فـ"كثير" بدل من الواو الأولى فقط، والواو الثانية عائدة على "كثير" لأنه مقدم رتبة، والأصل؛ والله أعلم: ثم عموا كثير منهم وصموا. والذي حملنا على ذلك أنا لو جعلناه بدلا من الواوين معًا لزم توارد عاملين على معمول واحد، وإن جعلناه بدلا من أحدهما، وبدل من الآخر محذوف، فهو متوقف على إجازة حذف البدل، وإن جعلناه بدلا من الواو الثانية فقط بقيت الأولى بلا مفسر، وإن جعلناه مبتدأ، والجملة قبله٣ خبره، فقال البيضاوي٤: إنه ضعيف، لأن تقديم الخبر في مثله ممتنع. ا. هـ.
_________________
(١) ١ وهي قراءة الجمهرو، وقرأ "اللهُ"؛ بالرفع: نافع وابن عامر وأبو جعفر والحسن. انظر الإتحاف ص٢٧١، والنشر ٢/ ٢٩٨. ٢ إضافة من "ط". ٣ في "ب": "بعده". ٤ أنوار التنزيل ٢/ ١٦٢.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وأن جعلناه فاعلًا لأحد الفعلين على سبيل التنازع ففيه ضعف من وجهين: أحدهما: أنه يخرج على لغة أكلوني البراغيث. والثاني: أنه يجب أن يقدر في العامل المهمل ضمير مستتر راجع إلى "كثير" ووجوب استتار الضمير في فعل الغائبين من غرائب العربية، كما قاله في المغني١. وإن جعلناه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: العمي والصم كثير منهم، فهو تكلف.
"أو مقدر كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ " [آل عمران: ٩٧] . فـ: "من استطاع": بدل من "الناس" بدل بعض من كل، والضمير العائد على المبدل منه مقدر؛ "أي: منهم". قال ابن إياز: قال النحويون: "من استطاع": بدل بعض٢. وقال ابن برهان: بدل كل، واحتج بأن المراد بالناس المستطيع، فهو عام أريد به خاص، لأن الله ﷿ لا يكلف الحج من لا يستطيع. ا. هـ.
قال الموضح في الحواشي: والجماعة يقولون: عام مخصوص، ولا ضير٣، لأن الكلام بآخره ومقصوده وليس بظاهره المحض من غير نظر إلى مقصوده، والحق أنهما محتملان. ا. هـ. وقال الكسائي: من: شرطية وجوابها محذوف، والتقدير: من استطاع فليحج. ورد بأن لا حاجة إلى الحذف مع إمكان تمام الكلام، وقال ابن السيد: مَنْ: فاعل "حج" والمصدر مضاف إلى مفعوله. ورد بأنه: يقتضي أنه يجب على جميع الناس أن مستطيعهم يحج، وذلك باطل٤.
"والثالث: بدل الاشتمال". واختلف في المشتمل في بدل الاشتمال فقال الرماني: هو الأول. واختاره في التسهيل٥، وعلله الجزولي بأن الثاني إما صفة للأول كـ: أعجبتني الجارية حسنها، أو مكتسب منه صفة نحو: سلب زيد ماله، فإن الأول اكتسب من الثاني كونه مالكًا. ورد بأنه يلزم منه أن يجيز: ضربت زيدًا عبده، على الاشتمال وهم قد منعوا ذلك. قاله أبو حيان في التذكرة٦. وقال الفارسي في الحجة: المشتمل هو الثاني. قال: بدليل: سُرِق زيدٌ ثوبُهُ، ورد بـ: سرِقَ زيدٌ فرسُهُ.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ٢/ ٣٦٧. ٢ بعده في "ب": "من كل". ٣ في "ب": "ولا ضير". ٤ انظر شرح قطر الندى ص٣٠٩. ٥ التسهيل ص١٧٣. ٦ تذكرة النحاة ص١٨٦.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وقيل: لا اشتمال لأحدهما على الآخر، وإنما المشتمل المسند إلى الأول على معنى أن الإسناد إلى الأول لا يكتفى به من جهة المعنى، وإنما أسند إليه على قصد غيره مما يتعلق به، ويكون المعنى مختصًا بغير الأول. وهذا القول أفصح عنه السيرافي وأبو العباس١، ولهذا لا يجوز: ضُرِبَ زيدٌ عبدُهُ، على الاشتمال، لاكتفاء المسند بالأول.
وهذا المذهب قيل: إنه التحقيق، وإنه الذي نصره الأستاذ أبو إسحاق بن ملكون وقال٢: إن النحويين؛ يعني أكثرهم؛ لم يفصحوا عنه كل الإفصاح، ولم يوضحوه كل الإيضاح، فلذلك اختاره الموضح وقال: "وهو بدل شيء من شيء يشتمل عامله على معناه اشتمالا بطريق الإجمال".
وقال في الحواشي: هذا هو الذي يظهر وبه قال المبرد والسيرافي وابن جني وابن الباذش وابن الأبرش وابن أبي العافية وابن ملكون، "وذلك كـ: أعجبني زيد علمه أو حسنه أو كلامه". ألا ترى أن الإعجاب مشتمل على زيد بطريق المجاز، وعلى علمه وحسنه وكلامه بطريق الحقيقة. "و" كذلك: "سرِقَ زيدٌُ ثوبُهُ أو فرسُهُ"، فإن زيدًا مسروق مجازًا والثوب والفرس مسروقان حقيقة، وهذا مطرد.
فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]؟ قلت: كلمة "عن" دالة على المجاوزة والسؤال متجاوز فاعله إلى الشهر وإلى القتال بطريقي الحقيقة والمجاز، كما بينا، فلا إشكال فيها. ا. هـ. ومع ذلك يرد عليه: زيد ماله كثير، إذا أعرب "ماله" بدلا من "زيد" إلا أن يقول: إن الابتداء مشتمل٣ على زيد مجازًا وعلى ماله حقيقة. وأفاد بهذه الأمثلة أن بدل الاشتمال تارة يكون مصدرًا وتارة يكون غيره، وإذا كان مصدرًا فتارة يكون مكتسبًا كالعلم، وتارة يكون غير مكتسب، وغير المكتسب تارة يكون لازمًا كالحسن، وتارة يكون مفارقًا كالكلام، وغير المصدر تارة يكون مشتملا اشتمال الظرف على المظروف كالثوب، وتارة لا يكون كذلك، كالفرس، وبدأ بالمصدر لأنه الأكثر. "و" بدل الاشتمال "أمره في الضمير" الرابط له بالمبدل منه "كأمر بدل البعض"، ثم تارة يكون مذكورًا وتارة يكون مقدرًا.
"فمثال المذكور" المتصل بالبدل "ما تقدم من الأمثلة، و" مثال المتصل بغير البدل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فـ"قتال"
_________________
(١) ١ المقتضب ١/ ٢٧. ٢ انظر قول ابن ملكون في تذكرة النحاة ص١٨٧. ٣ في "ب": "اشتمل".
[ ٢ / ١٩٤ ]
بدل اشتمال من "الشهر" والرابط بينهما الهاء المجرورة بـ"في"١.
"ومثال" الضمير "المقدر: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ [البروج: ٤، ٥] "أي: النار فيه"، وهو قول البصريين. "وقيل": لا تقدير، و"الأصل: ناره، ثم نابت "أل" عن الضمير"، وهو قول الكوفيين، والأخدود: شق في الأرض، وأصحابه ثلاثة: أنطيانوس الرومي بالشام، وبختنصر بفارس، ويوسف ذو نواس بنجران، شق كل واحد منهم شقًّا عظيمًا [في الأرض] ٢، طوله أربعون ذراعًا، وعرضه اثنا عشر ذراعًا، وهو الأخدود، وملئوه نارًا، وقالوا: من لم يكفر، وإلا ألقي فيه، ومن كفر ترك. قاله الكواشي. وهذه الأبدال الثلاثة مسموعة، وزعم السهيلي أن بدل البعض والاشتمال من بدل الكل، قال: وذلك أن العرب تحذف المضاف، فإذا قالوا: أكلت الرغيف ثلثه، وأعجبني زيد علمه، فالمعنى: أكلت بعض الرغيف وأعجبني وصف زيد، ثم أبدل من البعض والوصف، ثم حذفا للدليل عليهما.
"والرابع: البدل المباين" للمبدل منه، "وهو ثلاثة أقسام، لأنه لا بد أن يكون مقصودًا" بالحكم "كما تقدم في الحد، ثم الأول" وهو المبدل منه، "إن لم يكن مقصودًا البتة ولكن سبق٣ إليه اللسان فهو بدل الغلط، أي بدل عن اللفظ الذي هو غلط، لا أن البدل نفسه هو الغلط، كما قد يتوهم" من ظاهر اللفظ، "وإن كان" الأول "مقصودًا، فإن تبين بعد ذكره فساد قصده فبدل نسيان، أي بدل شيء ذكر نسيانًا.
وقد ظهر" من هذا٤ التقرير "أن الغلط متعلق باللسان والنسيان متعلق بالجنان" وهو القلب، "والناظم" في قوله في النظم:
٥٦٧-
ودون قصد غلط به سلب
"وكثير من النحويين لم يفرقوا بينهما، فسموا النوعين بدل غلط"٥، قال ابن
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٣٩٤: "لأن القتال في الشهر الحرام يستلزم معنى فيه، وهو ترك تعظيمه". ٢ إضافة من "ط". ٣ في "أ": "سبق". ٤ سقطت من "ب". ٥ منهم أبو حيان في الارتشاف ٢/ ٦٢٥، وابن عقيل في شرحه ٢/ ٢٤٩، وابن الناظم في شرحه ٣٩٥، والمرادي في شرحه ٣/ ٢٥٣.
[ ٢ / ١٩٥ ]
عصفور١: وهذان النوعان جائزان قياسًا، ولم يرد بهما سماع. "وإن كان قصد كل واحد٢ منهما صحيحًا فبدل إضراب"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٦٧-
وذا للإضراب اعز إن قصدا صحب
"ويسمى أيضًا بدل بداء"، بالدل المهملة والمد. قال ابن عصفور: وهذا النوع مختلف فيه، فقيل: بدل بداء، وقيل: معطوف حذف عاطفه٣. قال في الحواشي: وهو الواو لا بل؛ لأنه لم يثبت حذفها. "وقول الناظم" في النظم:
٥٦٨-
وخذ نبلا مدى
"يحتمل الثلاثة" وهي الغلط والنسيان والبداء، "وذلك باختلاف التقادير" بحسب الإرادات، "وذلك لأن النبل اسم جمع للسهم، والمدى" بالقصر "جمع مدية، وهي السكين، فإن كان المتكلم" بقوله: "خذ نبلا مدى" "إنما أراد الأمر بأخذ المدى فسبقه لسانه إلى النبل، فبدل غلط٤، وإن كان أراد الأمر بأخذ النبل"، ابتداء، "ثم تبين له فساد تلك الإرادة وأن الصواب الأمر بأخذ المدى، فبدل نسيان، وإن كان أراد الأول"؛ وهو الأمر بأخذ النبل، "ثم أضرب عنه إلى الأمر بأخذ المدى، وجعل الأول"٥؛ وهو الأمر بأخذ النبل؛ "في حكم المتروك، فبدل إضراب وبداء"، لأنه أضرب٦ عن الأمر الأول حين بدا له الأمر الثاني.
"والأحسن فيهن أن يؤتى٧ بـ: بل" لئلا يتوهم إرادة الصفة، أي: نبلا حادة كما تقول: رأيت رجلا حمارًا، تريد جاهلا أو٨ بليدًا.
_________________
(١) ١ المقرب ١/ ٢٤٣. ٢ سقطت من "ب". ٣ في المقرب ١/ ٢٤٣: "وهو أن تبدل لفظًا تريده من لفظ أردته أولا ثم أضربت عنه". ٤ في "ب": "الغلط". ٥ في "ب": "الأولان". ٦ في "أ": "إضراب"، والتصويب من "ب"، "ط". ٧ في "ط": "يؤول". ٨ سقطت من "ب".
[ ٢ / ١٩٦ ]
فصل:
"يبدل الظاهر من الظاهر، كما تقدم، و" ذهب ابن مالك في التسهيل١ إلى أنه "لا يبدل المضمر من المضمر" وقوفًا من السماع، "ونحو: قمت أنت"، ورأيتك أنت، "ومررت بك أنت، توكيد اتفاقًا" من البصريين والكوفيين، "وكذلك نحو: رأيتك إياك"، توكيد "عند الكوفيين والناظم" لا بدل، خلافًا للبصريين.
قال الناظم في شرح التسهيل٢: وقول الكوفيين عندي أصح؛ لأن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل نحو: فعلت أنت، والموفوع توكيد بإجماع، فيلكن المنصوب توكيدًا، فإن الفرق بينهما تحكم بلا دليل.
قال الشاطبي: والظاهر مذهب البصريين لما ثبت عن العرب أنها إذا أرادت التوكيد أتت بالضمير المرفوع المنفصل فقالت: جئت أنت ورأيتك أنت ومررت بك أنت وإذا أرادت البدل وفقت بين التابع والمتبوع فقالت: جئت أنت ورأيتك إياك ومررت به به، فيتحد لفظ التوكيد والبدل في الموفوع، ويختلف في غيره، هكذا نقل سيبويه عن العرب٣ وتلقاه منه غيره بالقبول، وهم المؤتمنون على ما ينقلون، لأنهم شافهوا العرب وعرفوا مقاصدهم، فلا يعارض هذا بقياس، بأن يقال: فإن نسبة المنفصل إلى المتصل إلى آخره مقالة ابن مالك السابقة.
"و" ذهب أيضًا في التسهيل٤ إلى أنه "لا يبدل مضمر من ظاهر". وقال في شرحه٥: "و" الصحيح عندي أن يكون "نحو: رأيت زيدًا إياه، من وضع النحويين
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٧٢. ٢ شرح التسهيل ٣/ ٣٠٥. ٣ الكتاب ٢/ ٣٩٥-٣٨٦. ٤ التسهيل ص١٧٢. ٥ شرح التسهيل ٣/ ٣٣٢.
[ ٢ / ١٩٧ ]
وليس بمسموع" من كلام العرب لا نثرا ولا شعرا، ولو سمع كان توكيدًا. "ويجوز عكسه"، وهو إبدال الظاهر من الضمير "مطلقًا" في جميع البدل، سواء كان كلا أم بعضًا أم اشتمالا أم أضرابًا، "إن كان الضمير" المبدل منه "لغائب نحو: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ " [الأنبياء: ٣] فـ: "الذين ظلموا": بدل من الواو في "أسروا"١ بدل كل من كل "في أحد الأوجه الثلاثة". وقيل "الذين ظلموا": مبتدأ مؤخر، و"أسروا النجوى": خبر مقدم. وقيل: "الذين ظلموا": فاعل "أسروا" والواو حرف دال على الجمع لا ضمير، كما تقدم في باب الفاعل.
"وكذا" يجوز إبدال الظاهر من المضمر "إن كان" الضمير المبدل منه "لحاضر" متكلم أو مخاطب، "بشرط أن يكون" الظاهر "بدل بعض" من كل، كقوله: [من الرجز]
٥٨٦-
أوعدني بالسجن والأداهم رجلي فرجلي شثنة المناسم
فـ"رجلي" الأولى: بدل من ياء المتكلم بدل بعض من كل.
و"كـ: أعجبتني وجهك"، فوجهك: مرفوع على البدلية من تاء المخاطب بدل بعض من كل، "وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ﴾ " [الأحزاب: ٢١] فـ"من" الموصولة المجرورة باللام بدل من ضمير المخاطبين المجرور باللام، وأعيدت اللام مع البدل للفصل.
"أو" يكون "بدل اشتمال كـ: أعجبتني كلامك" فكلامك، بالرفع: بدل اشتمال من تاء المخاطب، "وقول الشاعر" وهو النابغة الجعدي: [من الطويل] .
٨٦٨-
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٣٩٧.
(٢) الرجز للعديل بن الفرخ في خزانة الأدب ٥/ ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠، والدرر ٢/ ٤٠٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٩٠، وتاج العروس "دهم"، وبلا نسبة في ديوان الأدب ٣/ ٢٦٦، وإصلاح المنطق ص٢٢٦، ٢٩٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٢٤، وشرح ابن الناظم ص٣٩٧، وشرح الأشموني ٢/ ٤٣٩، وشرح شذور الذهب ص٤٤٢، وشرح ابن عقيل٢/ ٢٥١، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٨٢، وشرح المفصل ٣/ ٧٠، وتاج العروس ٩/ ٣٠٧، "وعد"، ومقاييس اللغة ٦/ ١٢٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٧، وتهذيب اللغة ٣/ ١٣٤، ومجمل اللغة ٤/ ٥٣٩، والمخصص ١٢/ ٢٢١.
(٣) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه ص٦٨، وخزانة الأدب ٣/ ١٦٩، ٧/ ٤١٩، واللسان ٤/ ٥٢٣، ٥٢٩ "ظهر"، والمقاصد النحوية ٤/ ١٩٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٤٠٦، وشرح ابن الناظم ص٣٩٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤٣٩، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٨٣.
[ ٢ / ١٩٨ ]
فـ"مجدنا وسناؤنا": بدل اشتمال من ضمير المتكلم وهو "نا".
"أو" يكون "بدل كل مفيدًا للإحاطة" والشمول كالتوكيد "نحو": ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، فـ"أولنا وآخرنا" بدل كل من الضمير المجرور باللام، ولذلك أعيدت اللام مع البدل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٦٩-
ومن ضمير الحاضر الظاهر لا تبدله إلا ما إحاطة جلا
٥٧٠-
أو اقتضى بعضًا أو اشتمالا كإنك ابتهاجك استمالا
"ويمتنع" إبدل الظاهر من الضمير بدل كل "إن لم يفدها"، أي الإحاطة، "خلافًا للأخفش فإنه أجاز" تبعًا للكوفيين: "رأيتك زيدًا"، على أن زيدًا بدل من الكاف، "ورأيتني عمرًا"، على أن عمرًا بدل من الياء، وسمع الكسائي: إلى أبي عبد الله، وقال الشاعر: [من البسيط]
٦٨٧-
بكم قريش كفينا كل معضلة وأم نهج الهدى من كان ضليلا
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٦٢٢، وشرح شذور الذهب ص٤٤٣، وشرح التسهيل ٣/ ٣٣٥، وشرح المرادي ٣/ ٢٦٠.
[ ٢ / ١٩٩ ]
فصل:
"يبدل كل من الاسم والفعل والجملة١ من مثله، فالاسم كما تقدم" في الأقسام الأربعة، "والفعل" كذلك عند الشاطبي، إذا أفاد زيادة بيان للأول.
فبدل الكل "كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ﴾ " [الفرقان: ٦٨-٦٩] فـ"يضاعف" بدل من "يلحق" بدل كل، قال الخليل٢: لأن مضاعفة العذاب هي لقي الآثام.
وبدل البعض نحو: إن تصل تسجد لله يرحمك، فـ: تسجد: بدل من "تصل" بدل بعض من كل.
وبدل الاشتمال كقوله: [من الرجز]
٦٨٨-
إن علي الله أن تبايعا تؤخذ كرها أو تجيء طائعا
لأن الأخذ كرها٣ والمجيء طائعًا من صفات المبايعة.
وبدل الإضراب٤ والغلط نحو: إن تطعم زيدًا تكسه أكرمك. ا. هـ. كلام الشاطبي ملخصًا، وذلك داخل تحت إطلاق قول الناظم:
٥٧٢-
ويبذل الفعل من الفعل
"والجملة" كذلك إلا في بدل الكل نحو: قعدت جلست في دار زيد، فإنه لا يعتد به، لأنه
_________________
(١) ١ في "ب": "والحرف". ٢ الكتاب ٣/ ٨٧.
(٢) الرجز بلا نسبة في خزانة الأدب ٥/ ٢٠٣، ٢٠٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٠٢، وشرح ابن الناظم ص٣٩٩، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٥٣، وشرح التسهيل ٣/ ٣٤١، وشرح عمدة الحافظ ص٥٩١، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٨٧، والكتاب ١/ ١٥٦، والمقاصد النحوية ٤/ ١٩٩، والمقتضب ٢/ ٦٣. ٣ في "ب": "كارهًا". ٤ في "ب": "الاضطراب".
[ ٢ / ٢٠٠ ]
إنما يتميز عن التوكيد بمغايرة اللفظين وكون المقصود هو الثاني، وهو لا يتحقق في الجمل لا سيما التي لا محل لها من الإعراب. قال التفتازاني في شرح التلخيص.
وبدل البعض "كقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ"، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٢-١٣٤] فجملة "أمدكم" الثانية أخص من الأولى، باعتبار متعلقيها، فتكون داخلة في الأولى. لأن "ما تعلمون" يشمل الأنعام وغيرها.
وبدل الاشتمال كقوله: [من الطويل]
٦٨٩-
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا وإلا فكن في السر والجهر مسلما
فـ"لا تقيمن عندنا": بدل اشتمال من "ارحل" لما بينهما من المناسبة اللزومية. وليس توكيدًا له لاختلاف لفظيهما، ولا بدل بعض لعدم دخوله في الأول، ولا بدل كل لعدم الاعتداد به، كما تقدم، ولا غلط لوقوعه في الفصيح.
وبدل الغلط كـ: قم اقعد.
والفرق بين بدل الفعل وحده والجملة أن الفعل يتبع ما قبله في إعرابه لفظًا أو تقديرًا، والجملة تتبع ما قبلها محلا إن كان له محل، وإلا فإطلاق التبعية عليها١ مجاز٢، إذ التابع كل ثان أعرب بإعراب سابقه الحاصل والمتجدد. وسكتوا عن اشتراط الضمير في بدل البعض والاشتمال في الأفعال والجمل، لتعذر عود الضمير عليها.
"وقد تبدل الجملة من المفرد" [بدل كل] ٣ "كقوله"، وهو الفرزدق: [من الطويل]
٦٩٠-
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام أخرى كيف يلتقيان
_________________
(١) البيت بلا نسبة في خزانة الأدب ٥/ ٢٠٧، ٨/ ٤٦٣، وشرح ابن الناظم ص٤٠٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٩، وشرح المرادي ٣/ ٢٦٣، ومجالس ثعلب ص٩٦، ومعاهد التنصيص ١/ ٢٧٨، ومغني اللبيب ٢/ ٤٢٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠٠. ١ في "أ": "عليهما"، والتصويب من "ب"، "ط". ٢ في "ب": "مجازًا". ٣ إضافة من "ب"، "ط".
(٢) البيت للفرزدق في خزانة الأدب ٥/ ٢٠٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٧٧، وشرح المرادي ٣/ ٢٦٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠١، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٤٠٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٠، وشرح التسهيل ٣/ ٣٤٠ والمحتسب ٢/ ١٦٥، ومغني اللبيب ١/ ٢٧، ٤٢٦، والمقتضب ٢/ ٣٢٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٨.
[ ٢ / ٢٠١ ]
أبدل جملة "كيف يلتقيان" من "حاجة" و"أخرى" وهما مفردان. قاله ابن جني١. وإنما صح ذلك لرجوع الجملة إلى التقدير بمفرد. "أي: إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما"، فـ: تعذر: مصدر مضاف إلى فاعله، وهو بدل من "هاتين" قال الدماميني: ويحتمل أن يكون "كيف يلتقيان" جملة مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى، وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين. والشام: بلاد سميت بشام بن نوح، فإنه بالشين المعجمة بالسريانية، أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود، وعلى هذا لا يهمز، وقد يذكر. كذا في القاموس٢.
_________________
(١) ١ نقله ابن مالك في شرح التسهيل ٣/ ٣٤٠. ٢ القاموس المحيط "شأم".
[ ٢ / ٢٠٢ ]
فصل:
"وإذا أبدل اسم من اسم مضمن معنى حرف الاستفهام"؛ وهو الهمزة؛ "أو حرف شرط"؛ وهو "إن"؛ بدل تفصيل، "ذكر ذلك الحرف" المفيد للاستفهام أو الشرط "مع البدل" ليوافق المبدل منه في تأدية المعنى.
"فالأول": وهو الاستفهام، ويكون عن معرفة٢ الكميات وعن تعيين الذوات وعن بيان المعاني. فالأول "كقولك: كم مالك أعشرون أم ثلاثون" فعشرون وما عطف عليها بدل من "كم" بدل تفصيل. "و" الثاني كقولك: "من رأيت أزيدًا أم عمرا" فـ"زيدا" وما عطف عليه بدل من "من" بدل تفصيل، "و" الثالث كقولك: "ما صنعت أخيرًا أم شرًّا" فـ"خيرًا" وما عطف عليه بدل من "ما" بدل تفصيل، وقرن بالهمزة في الجميع لتضمن المبدل منه معنى الاستفهام.
"والثاني": وهو الشرط، ويكون للعاقل وغيره وللزمان والمكان، فالأول "نحو من يقم إن زيد وإن عمرو أقم معه"، فـ"زيد وعمرو" بدل من "مَنْ" بدل تفصيل، "و" الثاني نحو: "ما تصنع إن خيرًا وإن شرًّا تجز به" فـ"خيرًا وشرًّا" بدل من "ما" الشرطية٢ بدل تفصيل. "و" الثالث نحو: "متى تسافر إن غدًا وإن بعد غدٍ أسافر مَعَك"، فـ"غدًا" و"بعد غد": بدل من "متى" بدل تفصيل. والرابع: حيثما تجلس إن يمين المحراب وإن يساره أجلس معك. وقرن بـ"إن" في الجميع لتضمن المبدل منه معنى الشرط. وقد يتخلف كل من التفصيل وإعادة حرف الشرط، ففي الكشاف٣ أن "يومئذ" بدل من "إذا" في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] وكذا قال أبو البقاء٤، ولهذا اقتصر في الناظم على الاستفهام فقال:
_________________
(١) ١ بعده في "ب": "البدل". ٢ سقطت من "ب". ٣ الكشاف ٤/ ٢٢٧. ٤ البيان ص١٢٩٩.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
٥٧١-
وبدل المضمن الهمزيلي همزًا
وكذا فعل١ في التسهيل٢ مع كثرة جمعه فيه على أن مسألة الشرط لا تخلو عن إشكال، لأنك إذا قلت: من يقم إن زيد وإن عمرو، كأن اسم الشرط، مرفوعًا بالابتداء، فيكون البدل مرفوعًا، بالابتداء ضرورة٣، سواء قلنا: البدل على نية تكرير٤ العامل أم لا، فيلزم دخول "إن" الشرطية على المبتدأ، وهو غير جائز على الأصح.
وإن جعلنا ما بعد "إن" مرفوعًا على الفاعلية امتنعت المسألة لتخالف العامل، ولأن "إن" لا يضمر الفعل بعدها إلا إذا كان هناك ما يفسره نحو: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨] .
وجوابه أن "إن" إنما جيء بها لبيان المعنى لا للعمل، فلا يلزم المحذور.
_________________
(١) ١ في "ب": "نقل". ٢ التسهيل ص١٧٣. ٣ سقطت من "ب". ٤ في "أ"، "ب": "تكرار".
[ ٢ / ٢٠٤ ]
باب النداء
الفصل الأول في ذكر الأحرف التي ينبه بها المنادى إذا دعي
باب النداء:
بالمد وبكسر النون ويجوز ضمها، وهو الدعاء بأحرف مخصوصة. "وفيه فصول" أربعة:
الفصل الأول في ذكر الأحرف التي ينبه بها المنادى إذا دعي:
"و" في ذكر "أحكامها":
"وهذه الأحرف" وفاقًا وخلافًا "ثمانية١: الهمزة" وحدها "و: أي" بفتح الهمزة، وسكون الياء، حال كون الهمزة و"أي" "مقصورتين وممدودتين"، فتقول: أزيد وأي زيد، بقصر الهمزة فيهما، وأزيد وآي زيد، بمد الهمزة فيهما، "و: يا، و: أيا، و: هيا، و: وا".
وأما أحكامها "فالهمزة المقصورة للقريب" المسافة، وليس مثلها في ذلك الهمزة الممدودة، خلافًا لصاحب المقرب٢، ولا "أي"٣ خلافًا لجماعة من المتأخرين، "إلا أن ينزل" القريب "منزلة البعيد"كالساهي "فله بقية الأحرف، كما أنها"، أي بقية الأحرف،
_________________
(١) ١ وهو مذهب الكوفيين، فقد أضافوا: "آ، آي". انظر شرح ابن الناظم ص٤٠١، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٨٩. ٢ في المقرب ١/ ١٧٥، أن الهمزة للقريب خاصة. ٣ في "ب": "بي".
[ ٢ / ٢٠٥ ]
"للبعيد الحقيقي"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٧٣- وللمنادى الناء أو كالناء يا
وأي وآ كذا أيا ثم هيا
٥٧٤- والهمز للداني
وذهب المبرد١ إلى أن "أيا وهيا" للبعيد، و"أي والهمزة" للقريب، و"يا" لهما، وذهب ابن برهان إلى أن "أيا وهيا" للبعيد، و"الهمزة" للقريب و"أي" للمتوسط و"يا" للجميع، وأجمعوا على جواز نداء القريب بما للبعيد توكيدًا، وعلى منع العكس. قاله الشارح٢.
"وأعمها: يا" لأنها أم الباب، "فإنها تدخل في كل نداء" خالص من الندبة والاستغاثة، أو مصحوب بهما، و"تتعين" "يا" وحدها "في نداء اسم الله تعالى" نحو: يا الله، "وتتعين" أيضًا "في باب الاستغاثة نحو: يا لله للمسلمين، وتتعين هي أو: وا" دون غيرهما "في باب الندبة"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٧٤-
ووا لمن ندب أو يا
"و"وا" أكثر استعمالا منها في ذلك الباب"، لأنها الأصل فيه، "وإنما تدخل: يا" في باب الندبة "إذا أمن اللبس"بالمنادى، "كقوله"، هو جرير يندب عمر بن عبد العزيز: [من البسيط]
٦٩١-
حملت أمرًا عظيمًا فاططبرت له وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
فثبوت ألف الندبة دليل على أنه مندوب، إذ لو كان منادى لقال: يا عمر بالضم، لأنه منادى مفرد، وهذا مفهوم من قول الناظم:
٥٧٤-
وغير وا لدى اللبس اجتنب
"ويجوز حذف الحرف" المنادى به وهو "يا" خاصة، سواء كان المنادى مفردًا أو جاريًا مجراه أو مضافًا، فالأول "نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ " [يوسف: ٢٩] أي: يا يوسف. والثاني نحو: " ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ " [الرحمن: ٣١] أي: يا أيها الثقلان. والثالث نحو: " ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ " [الدخان: ١٨] أي: يا عباد الله، على
_________________
(١) ١ المقتضب ٤/ ٢٣٥. ٢ شرح ابن الناظم ص٤٠١.
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص٧٣٦، والدرر ١/ ٣٩٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٢، وشرح عمدة الحافظ ص٢٨٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩، وشرح ابن الناظم ص٤٢١، وشرح الاشموني ٢/ ٤٤٢، ومغني اللبيب ٢/ ٣٧٢، وهمع الهوامع ١/ ١٨٠.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
أحد الوجهين. "إلا في ثمان مسائل" فإنه يمتنع فيها حذف حرف النداء:
إحداها: "المندوب نحو: يا عمرا".
"و" الثانية: "المستغاث نحو: يا لله"، ومنه المتعجب منه نحو: يا للماء وللعشب، إذا تعجبوا من كثرتها.
"و" الثالثة: "المنادى البعيد" نحو: يا زيد، إذا كان بعيدًا منك. وإنما لم يحذف حرف النداء في هذه المسائل الثلاث، "لأن المراد فيهن إطالة الصوت" بحرف النداء، "والحذف ينافيه".
"و" الرابعة: "اسم الجنس غير المعين كقول الأعمى: يا رجلا خذ بيدي". قاله ابن مالك في الكافية وشرحها١. وأجاز بعضهم الحذف وليس بشيء، لأن حذف حرف النداء لا يجوز إلا إذا كان المنادي مقبلا على المنادى. ومتهيئًا لما يقول له، وهذا إنما يكون في المعرفة دون النكرة.
"و" الخامسة: "المضمر" المخاطب، لأن الحذف معه يفوت الدلالة على النداء. "و" المضمر "نداؤه شاذ"، وظاهر ذكر الناظم له في عداد هذه الكلمات أنه مطرد٢، وقصره ابن عصفور على الشعر٣، واختار أبو حيان أنه لا ينادى البتة٤، فالأقوال حينئذ ثلاثة ومحل الخلاف ضمير٥ المخاطب، "ويأتي على صيغتي المنصوب والمرفوع"، فالأول "كقول بعضهم: يا إياك قد كفيتك، و" الثاني نحو "قول الآخر" وهو الأحوص: [من الرجز]
٦٩٢-
يا أبجر بن أبجر يا أنتا أنت الذي طلقت عام جعتا
قد أحسن الله وقد أسأتا
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٩٠. ٢ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٩٠. ٣ المقرب ١/ ١٧٦. ٤ الارتشاف ٣/ ١١٩. ٥ في "ب": "في ضمير".
(٢) الرجز للأحوص في ملحق ديوانه ص٢١٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٣٢، ولسالم بن دارة في خزانة الأدب ٢/ ١٣٩، ١٤٣، ١٤٦، ونوادر أبي زيد ص١٦٣، والدرر ١/ ٣٨٢، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٣٢٥، وأوضح المسالك ٤/ ١١، وتذكرة النحاة ص٥٠٦، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٩٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٣، وشرح التسهيل ٣/ ٣٨٧، وشرح عمدة الحافظ ص٣٠١، وشرح المرادي ٣/ ٢٧٠، وشرح المفصل ١/ ١٢٧، ١٣٠. والمقرب ١/ ١٧٦، وهمع الهوامع ١/ ١٧٤.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
فـ"أبجر" بسكون الموحدة وفتح الجيم: منادى، و"أنت" الأول منادى، وكان القياس أن يقول: يا إياك، لأنه مفعول حذف عامله، ولكنه أناب ضمير الرفع عن ضمير النصب، أو لأنه لما اطرد مجيئه بلفظ المرفوع جاز مجيئه بلفظ ضمير الرفع. وأجاب المانع عن المثال والبيت بأن "يا" فيهما للتنبيه لا للنداء، و"إياك" في المثال من باب الاشتغال، و"أنت" الأول في البيت مبتدأ، والثاني كذلك، أو توكيد، أو بدل، أو فصل، والموصول خبر. واتفقوا على أن ضمير المتكلم والغائب لا يجوز نداؤهما فلا يقال: يا أنا، ولا: يا إياي، ولا: يا هو، ولا: يا إياه.
"و" السادسة: "اسم الله تعالى" نحو: يا الله، "إذا لم يعوض في آخره الميم المشددة" عن حرف النداء، لأن نداء اسم الله تعالى على خلاف القياس، فلو حذف حرف النداء لم يدل عليه دليل، والحذف إنما يكون للدليل، "وأجازه بعضهم، وعليه قول أمية ابن أبي الصلت" الثقفي: [من الطويل]
٦٩٣-
رضيت بك اللهم ربا فلن أرى أدين إلها غيرك الله راضيا
أي: يا الله، وأرى: من الرأي في الأمور، وأدين: مضارع دان بالشيء إذا اتخذه دينًا وديدنًا، أي عادة، والأصل: أن أدين، فحذفت "أن" فارتفع المضارع بعدها على حد قولهم: "تسمع بالمعيدي"١. وإلهًا: مفعوله. وراضيًا: منصوب بـ"رضيت" إما على الحالية من فاعله أو على المفعولية المطلقة على حد قولهم: قم قائمًا، أي: قيامًا، وعلى الوجهين فهو مؤكد له ما بينهما اعتراض، وربا: مفعول "رضيت". والمعنى: رضيت رضا بك ربا يا الله، فلن أرى أن أتخذ إلها غيرك يا الله.
"و" السابعة والثامنة: "اسم الإشارة واسم الجنس لمعين"، لأن حرف النداء في اسم٢ الجنس كالعوض من أداة التعريف فحقه أن لا يحذف كما لا تحذف الأداة، واسم٣ الإشارة في معنى الجنس فجرى مجراه. قاله الشارح٤. "خلافًا للكوفيين فيهما،
_________________
(١) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص٧٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٣، وبلا نسب في أوضح المسالك ٤/ ١٢، وفيه "ثانيا" مكان "راضيا". ١ تمام المثل: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". انظر في مجمع الأمثال ١/ ١٢٩، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٩٧-٩٨، وجمهرة الأمثال ١/ ٢٦٦، والمستقصى ١/ ٣٧٠، وفصل المقال ص١٣٥. ٢ في "ب": "حرف". ٣ بعده في "ب": "الجنس". ٤ شرح ابن الناظم ص٤٠٢.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
احتجوا" بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، أي: يا هؤلاء و"بقوله" وهو ذو الرمة: [من الطويل]
٦٩٤-
إذا هملت عيني لها قال صاحبي بمثلك هذا لوعة وغرام
يريد: يا هذا. ولوعة: مبتدأ، وتقدم خبره في المجرور قبله. "وقولهم: أطرق كرا"، إن النعام في القرى١ وهو مثل يضرب لمن تكبر وقد تواضع من هو أشرف منه، أي: طأطئ يا كروان رأسك واخفض عنقك للصيد، فإن أكبر منك، وأطول عنقًا، هي النعام، قد صيدت وحملت من البدو إلى القرى.
"و: افتد مخنوق"٢ وهو مثل يضرب لكل مضطر وقع في شدة وهو يبخل بافتدائه نفسه بماله.
"و: أصبح ليل"٣ وهو مثل يضرب لمن يظهر الكراهة للشيء. وأصله أن امرأة وقع عليها امرؤ القيس وكانت تكرهه فقالت له: أصبحت أصبحت يا فتى. فلم يلتفت إليها، فرجعت إلى خطاب الليل كأنها تستعطفه. أي: صر صبحًا يا ليل، كقوله: [من الطويل]
٦٩٥-
نور صبح والليل عاتم
_________________
(١) البيت لذي الرمة في ديوانه ص١٥٩٢، والدرر ١/ ٣٨٠، وشرح عمدة الحافظ ص٢٩٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٣٥، وهمع الهوامع ١/ ١٧٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٣، ومغني اللبيب ٢/ ٦٤١، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٩١، وشرح المرادي ٣/ ٢٧٢. ١ المثل من شواهد الكتاب ٢/ ٢٣١، ٣/ ٦١٧، وأوضح المسالك ٤/ ١٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٥٧، وشرح ابن الناظم ص٤٠٢، وشرح المفصل ٢/ ١٦، وهو من الأمثال في مجمع الأمثال ١/ ٤٣١، والدرة الفاخرة ١/ ١٥٥، وجمهرة الأمثال ١/ ١١، ١٩٤، ٣٩٥، والمستقصى ١/ ٢٢١. ٢ المثل من شواهد الكتاب ٢/ ٢٣١، وأوضح المسالك ٤/ ١٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٥٧، وشرح ابن الناظم ص٤٠٢، وشرح المفصل ٢/ ١٦، وهو من الأمثال في مجمع الأمثال ٢/ ٧٨، والمستقصى ١/ ٢٦٥. ٣ المثل من شواهد الكتاب ٢/ ٢٣١، وأوضح المسالك ٤/ ١٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٥٧، وشرح ابن الناظم ص٤٠٢، وشرح المفصل ٢/ ١٦، وهو من الأمثال في مجمع الأمثال ١/ ٤٢٧، والدرة الفاخرة ١/ ٢٧٨، وجمهرة الأمثال ٢/ ٤، والمستقصى ١/ ٢١٨.
(٢) تتمة البيت: وحتى يبيت القوم في الصيف ليلة يقولون وهو للأعشى في ديوانه ص١٢٧، ولسان العرب ١/ ٥٩٧، "نوم"؛ وبلا نسبة في لسان العرب ٥/ ٢٤٠ "نور"، وتاج العروس ١٤/ ٣٠٣" نور".
[ ٢ / ٢٠٩ ]
والأصل فيها: أطرق يا كروان، فرخم على لغة من لا ينتظر، فقلبت الواو ألفًا.
وافتد يا مخنوق، وأصبح يا ليل، ونور يا صبح، "وذلك عند البصريين ضرورة" في النظم، "وشذوذ" في النثر١. قال المرادي في شرح النظم٢: "والإنصاف القياس على اسم الجنس لكثرته نظمًا ونثرًا. وقصر اسم الإشارة على السماع، إذ لم يرد٣ إلا في الشعر". وأما نحو: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] فمتأول٤ على أن "أنتم"٥ مبتدأ، وهؤلاء: خبره، أو بالعكس، وجملة "تقتلون" حال، واقتصر في النظم على قوله:
٥٧٥-
وغير مندوب ومضمر وما جا مستغاثا قد يعرى فاعلما
٥٧٦-
وذاك في اسم الجنس والمشار له قل ومن يمنعه فانصر عاذله
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٤٠٣، "وعند الكوفيين أن حذف حرف النداء من اسم الجنس والمشار إليه قياس مطرد، والبصريون يقصرونه على السماع"، وانظر شرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٩١، وشرح المرادي ٣/ ٢٧١. ٢ شرح المرادي ٣/ ٢٧١. ٣ في "ط": "يوجد". ٤ في "ب": "فمتناول". ٥ في "ط": "كنتم".
[ ٢ / ٢١٠ ]
الفصل الثاني في أقسام المنادى بفتح الدال:
"و" ذكر "أحكامه":
المنادى على أربعة أقسام:
أحدها: ما يجب فيه أن يبنى على ما يرفع به" من حركة أو حرف، "لو كان معربًا" على سبيل الفرض، "وهو ما اجتمع فيه أمران: أحدهما التعريف، سواء كان ذلك التعريف سابقًا على النداء نحو": زيد، في قولك: "يا زيد"، فزيد معرفة بالعلمية قبل النداء واستصحب ذلك التعريف بعد النداء، وهو مذهب ابن السراج١ وتبعه الناظم٢.
وقيل: سلب تعريف العلمية وتعرف بالإقبال، وهو مذهب المبرد٣ والفارسي٤، وورد بنداء اسم الله تعالى واسم الإشارة٥، فإنهما لا يمكن سلب تعريفهما لكونهما لا يقبلان التنكير. "أو" كان التعريف "عارضًا في النداء بسبب القصد والإقبال نحو: يا رجل، تريد به معينًا"، وإليه ذهب الناظم٦. وقيل: تعريفه بـ"أل" محذوفة ونابت "يا" عنها.
"و" الأمر "الثاني: الإفراد، ونعني به أن لا يكون مضافًا ولا شبيهًا به، فيدخل في ذلك المركب المزجي والمثنى والمجموع" على حده وغيره تذكيرًا وتأنيثًا.
_________________
(١) ١ الأصول ١/ ٣٢٩. ٢ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٤٩. ٣ المقتضب ٤/ ٢٠٥. ٤ الإيضاح العضدي ٤/ ٢٠٥. ٥ الإنصاف ١/ ٣٣٨، المسألة رقم ٤٦. ٦ في "ط": "ابن الناظم" مع أن ابن الناظم لم يقل هذا، وإنما هذا القول لوالده في شرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٤٩.
[ ٢ / ٢١١ ]
فالمزجي "نحو: يا معد يكرب"، ومعناه فيما قال أحمد بن يحيى: عداه الكرب، أي: تجاوزه. حكى ذلك أبو الفتح١ عن الفارسي. "و" المثنى نحو: "يا زيدان، و" الجمع على حده، وهو جمع المذكر السالم نحو: "يا زيدون، و" تثنية٢ المنكر وجمعه السالم نحو: "يا رجلان ويا مسلمون"، والجمع المكسر في التذكير نحو: يا زيود، "و" جمع السالم في التأنيث نحو: "يا هندات"، وجمع تكسيره٣ نحو: يا هنود.
"وما كان مبنيًّا قبل النداء"، سواء كان علم مذكر أم علم مؤنث. فالأول: "كـ: سيبويه"، في لغة من بناه، "و" الثاني نحو: "حذام، في لغة أهل الحجاز"، أم غير علم نحو: هؤلاء: في لغة الضم، وهذا وأنت وكيف. فما كان معربًا صحيح الآخر غير مثنى ولا مجموع على حده أظهرت فيه الضمة. وما كان مثنى أو مجموعا على حده بنيته على نائب الضمة، وهو الألف في المثنى والواو في الجمع اتفاقًا. وما كان معتلا كـ: فتى وقاض، أو مبنيًّا قبل النداء "قدرت فيه الضمة" ففي نحو: يا سيبويه ويا هؤلاء، ويا هذا ويا أنت، ضمة مقدرة في آخر مجددة للنداء.
"ويظهر أثر ذلك" التقدير "في تابعه فتقول: يا سيبويه العالمُ، برفع العالم" مراعاة لضمة مقدرة في آخره، "ونصبه" مراعاة لمحله، فإن محله منصوب على المفعولية، "كما تفعل في تابع ما تجدد بناؤه نحو: يا زيد الفاضل"، برفع الفاضل مراعاة لضمة زيد لفظًا، ونصبه مراعاة لمحله.
"و" العلم المركب الإسنادي "المحكي"، ما كان عليه قبل العلمية "كالمبني" في تقدير الضم في آخره، "تقول١: يا تأبط شرا المقدام"، بالرفع مراعاة لتقدير الضم في آخره، "والمقدام"، بالنصب مراعاة لمحله. ومقتضى التشبيه أن المحكي ليس مبنيا، والمنقول أنه مبني، وهذه النعوت مقصودة٤، فإن "سيبويه" يناسبه العلم، و"زيد" يناسبه الفضل، و"تأبط شرًّا" يناسبه الإقدام، ومعناه: جعل السلاح تحت إبطه.
_________________
(١) ١ انظر المبهج ص٢٠، وفي مقدمة ديوان عمرو بن معدي كرب ص٢٠: "قال بن جني: ومعدي كرب فسره أحمد بن يحيى، فيما حكاه لنا أبو علي أنه من عداه الكرب أي تجاوزه وانصرف عنه"، وأضاف محقق الديوان أن عبد الرحمن السهيلي قال في الروض الأنف ١/ ٣٩: "ومعدي كرب؛ بالحميرية: وجه الفلاح. المعدي: هو الوجه بلغتهم، والكرب: هو الفلاح". ٢ بعده في "ب": "مذكر". ٣ في "ب": "تكبيره". ٤ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٢١٢ ]
واحترز بقوله: "المحكي" من لغة من أعربه إعراب المتضايفين، فإنه ينصب الأول ويجر الثاني بالإضافة، ويصير من قسم المضاف.
وفي الرضي١ في باب العلم: "إذا نقلت الكلمة المبنية وجعلتها علمًا لغير ذلك اللفظ فالواجب الإعراب". ا. هـ. فعلى هذا تقول في كيف وهؤلاء وكم ومنذ أعلامًا: يا كيف ويا هؤلاء ويا كم ويا منذ، بضمة ظاهرة متجددة للنداء، وإلى هذا القسم أشار الناظم بقوله:
٥٧٧-
وابن المعرف المنادى المفردا
البيتين٢
"و" القسم "الثاني" من أقسام المنادى؛ "ما يجب نصبه وهو ثلاثة أنواع":
أحدها: "النكرة غير المقصودة"، جامدة كانت أو مشتقة في نثر أو شعر، "كقول الواعظ: يا غافلا والموت يطلبه، وقول الأعمى: يا رجلا خذ بيدي، وقول الشاعر"، وهو عبد يغوث بن وقاص الحارثي: [من الطويل]
٦٩٦-
أيا راكبًا إما عرضت فبلغن نداماي من نجران أن لا تلاقيا
لأن الواعظ والأعمى والشاعر لم يقصدوا واحدًا٣ بعينه، "و" إنما كرر الشواهد ردًّا لما نقل "عن المازني أنه أحال وجود هذا القسم" مدعيًا أن نداء غير المعين لا يمكن، وأن التنوين في ذلك شاذ أو ضرورة، وعرضت: أي أتيت العروض، وهو مكة والمدينة وما حولهما، ونجران: بلد باليمن.
_________________
(١) ١ شرح الكافية للرضي ٣/ ٢٦٨. ٢ البيتان هما: وابن المعرف المنادى المفردا على الذي في رفه قد عهدا وانو انضمام ما بنوا قبل الندا وليجر مجرى ذي بناء جددا
(٢) البيت لعبد يغوث بن وقاص في الأشباه والنظائر ٦/ ٢٤٣، وخزانة الأدب ٢/ ١٩٤، ١٩٥، ١٩٧، وشرح اختيارات المفضل ص٧٦٧، وشرح المفصل ١/ ١٢٨، والعقد الفريد ٥/ ٢٢٩، والكتاب ٢/ ٢٠٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠٦، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ٤١٣، ٩/ ٢٢٣، ورصف المباني ص١٣٧، وشرح الناظم ص٤٠٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٥، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٦٠، وشرح التسهيل ٣/ ٣٩٧، وشرح شذور الذهب ص١١١، وشرح الكافية الشافية ١/ ١٣٥، وشرح المرادي ٣/ ٢٨٠، والمقتضب ٤/ ٢٠٤. ٣ في "ط": "أحدًا".
[ ٢ / ٢١٣ ]
النوع "الثاني": مما يجب نصبه "المضاف، سواء كانت الإضافة محضة" وهي الخاصة من شائبة الانفصال "نحو: ربنا اغفر لنا" أي: يا ربنا، "أو غير محضة"، وهي إضافة الصفة لمعمولها "نحو: يا حسن الوجه، و" نقل "عن ثعلب"١ وهو أحمد بن يحيى "إجازة الضم في غير المحضة"، فيجيز: يا حسن الوجه، بضم الصفة، لأن إضافتها في تقدير الانفصال٢. ولنا أن البناء ناشئ عن مشابهة الضمير وهي مفقودة هنا، وأنه لا سماع يقتضي ذلك، فإن ادعى أن نحو: "يا حسن الوجه" في قوة "يا حسن" فباطل، بل في قوة: يا حسنًا الوجه، وهذه الشبهة عرضت لمن قال: إن هذه الإضافة تفيد التخصيص نظرًا إلى أن حسن الوجه أخص من "حسن".
النوع "الثالث: الشبيه بالمضاف، وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه" إما بعمل أو عطف قبل النداء.
والعمل إما في فاعل أو مفعول أو مجرور، فالأول "نحو: يا حسنا وجهه" فـ"وجهه" مرفوع على الفاعلية بـ"حسن". "و" الثاني نحو: "يا طالعا جبلا" فـ"جبلا" منصوب على المفعولية بـ"طالعًا". "و" الثالث نحو: "يا رفيقًا بالعباد" فـ"العباد" متعلق بـ"رفيقًا".
"و" المعطوف نحو: "يا ثلاثة وثلاثين، فيمن سميته بذلك" أي بالمعطوف والمعطوف عليه معًا، فيجب نصبهما للطول بلا خلاف، أما نصب ثلاثة فلأنه شبيه بالمضاف من حيث إن الثاني من تمام الأول، التسمية وقعت بالكلمتين مع حرف العطف، ولما كان حرف العطف يقتضي معطوفًا ومعطوفًا عليه، هو بمنزلة العامل صار كأنه بعض اسم عمل في آخر، فأشبه ضاربًا زيدًا. وأما نصب "ثلاثين" فبالعطف على "ثلاثة". "ويمتنع إدخال" "يا" على "ثلاثين" لأنه الجزء الثاني من العلم، فأشبه "شمس" من عبد شمس، و"يا" لا تدخل عليه، "خلافًا لبعضهم" في إجازة ذلك، لتخلف المشبه في بعض الأحكام عن المشبه به.
"وإن ناديت جماعة، هذه" العدة "عدتها" فلا يخلو إما أن تكون معينة أو لا. فإن كانت غير معينة "نصبتها أيضًا"، أما الأول فلأنه اسم نكرة غير مقصودة، وأما الثاني فلأنه معطوف على منصوب.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ انظر شرح التسهيل ٣/ ٣٩٣، وشرح الكافية الشافية ١/ ١٣٦.
[ ٢ / ٢١٤ ]
"وإن كانت معينة ضممت الأول" لأنه نكرة مقصودة معرفة بالقصد والإقبال، "وعرفت الثاني بـ: أل" وجوبًا، لأنه اسم جنس أريد به معين فوجب إدخال أداة التعريف عليه وهي "أل" "ونصبته أو رفعته" بالعطف على المحل أو اللفظ، كما في قولك: يا زيد الضحاك. قاله الفارسي.
"إلا إن أعدت معه "يا" فيجب ضمه"، لأنه نكرة مقصودة، "و" يجب حينئذ "تجريده من: أل" لأن "يا" لا تدخل على ما فيه "أل" وإنما جاز دخول "يا" عليه لأنه ليس جزء١ علم والحالة هذه. "ومنع ابن خروف" مبتدأ "إعادة "يا" وتخييره٢ في إلحاق "أل" مردود" خبر "منع"، ووجه رده أن الثاني ليس بجزء علم، وأنه ليس جنس أريد به معين.
وينبغي أن ينتظم في سلك الشبيه٣ بالمضاف النعت والمنعوت، إذا كان المنعوت مفردًا نكرة مقصودة، فإن العرب تؤثر نصبها على ضمها، حكى الفراء: يا رجلا كريمًا أقبل. ووجهه أن يحتمل أن يكون نقل إلى النداء موصوفًا فبقي على ما كان عليه حين صارت الصفة كالمعمول للعامل وكالمعطوف في التسمية، وتعريف القصد لا يقدح في هذا، فإنه إنما ورد على الصفة وموصوفها معًا، لا على الموصوف وحده.
فإن عورض بأنه لو جاز ذلك لجاز النصب في المعرفة الموصولة نحو: يا زيد العاقل. أجيب بأن حاجة النكرة إلى الصفة أشد من حاجة المعرفة إليها٤.
فإن قيل: لو كان من قبيل الشبيه بالمضاف كان النصب واجبًا لا راجحًا. أجيب بأن النداء تارة يرد على الموصوف وصفته، وعند ذلك لا بد من النصب، وتارة يرد على الاسم غير موصوف، فلابد من البناء على الضم، لأن الصفة إنما ترد على المنادى وحده فهو مفرد مقصود، ثم يرد الوصف، فلما اختلف المدركان جاز الوجهان.
فإن قيل: إذا كانت النكرة مقصودة فهي معرفة، فكيف توصف بالنكرة، وإنما توصف بالمعرفة٥، حكى يونس عن العرب: يا فاسق الخبيث، وأخبر سيبويه بذلك؟ ٦
_________________
(١) ١ في "ب": "بحزء". ٢ في "ط": "وتأخيره". ٣ في "ب": "النسبة". ٤ في "أ": "إليهما". ٥ في "ط": "المعرفة". ٦ الكتاب ٢/ ١٩٩.
[ ٢ / ٢١٥ ]
أجيب بأنه يغتفر في المعرفة الطارئة ما لا يغتفر في الأصلية، ويحتمل أن يكون المنادي محذوفًا، و"رجلا": حال موطئة منه، والتقدير: يا زيد رجلا كريمًا أقبل.
وأما "يا عظيمًا يرجى لكل عظيم، ويا لطيفًا لم يزل، ويا حليما لا يعجل"١ فقال الموضح [في الحواشي] ٢: ليست الجملة نعتا لما قبلها وإنما هي في موضع الحال من الضمير المستتر في الوصف، وهو المخاطب بالنداء، وعامل الحال هو عامل صاحبها، والمنادى منصوب كما في: يا طالعًا جبلا، ولك في حرف المضارعة الياء والتاء على حد: يا تميم كلهم أو كلكم. ا. هـ. فهو من الشبيه بالمضاف، وفيه رد على ابن مالك حيث جعل الجملة نعتًا٣. وإلى هذا القسم أشار الناظم بقوله:
٥٧٩-
والمفرد المنكور والمضافا وشبهه انصب
"و" القسم "الثالث" من أقسام المنادى: "ما يجوز ضمه وفتحه، وهو نوعان:
أحدهما أن يكون" المنادى "علمًا مفردًا موصوفًا بابن متصل به" أي بالعلم "مضاف" الابن "إلى علم" آخر "نحو: يا زيد بن سعيد" بضم زيد على الأصل، وفتحه إما على الإتباع لفتحة ابن، إذ الحاجز بينهما ساكن فهو غير حصين، وعليه اقتصر في التسهيل٤، أو على تركيب الصفة مع الموصوف وجعلهما شيئًا واحدًا، كـ: خمسة عشر، وعليه اقتصر الفخر الرازي تبعًا للشيخ عبد القاهر، وإما على إقحام الابن وإضافة زيد إلى سعيد، لأن ابن الشخص يجوز إضافته إليه، لأنه يلابسه. حكاه في البسيط مع الوجهين السابقين، فعلى الوجه الأول فتحة زيد فتحة إتباع، وعلى الثاني فتحة٥ بناء، وعلى الثالث فتحة إعراب، وفتحة ابن على الأول فتحة إعراب وعلى الثاني بناء وعلى الثالث غيرهما.
"والمختار عند البصريين غير المبرد الفتح لخفته"٦، فإن كان على الإتباع فهو نظير امرئ وابنم، وإن كان على التركيب فهو نظير: لا رجل ظريف، فيمن فتحهما، وإن
_________________
(١) ١ في شرح التسهيل ٣/ ٣٩٣، أن هذا القول مروي عن النبي -ﷺ. ٢ إضافة من "ب"، "ط". ٣ شرح التسهيل ٣/ ٣٩٣. ٤ التسهيل ص١٨٠. ٥ سقطت من "ب". ٦ شرح ابن الناظم ص٤١١.
[ ٢ / ٢١٦ ]
كان الإقحام فهو نظير: [من الرجز]
٦٩٧-
يا زيد زيد اليعملات
إذا فتحت الأول على قول سيبويه١. وذهب المبرد إلى أن الضم أجود، وهو القياس٢، وزعم ابن كيسان أن الفتح أكثر٣، "ومنه قوله" وهو رؤبة عند الجوهري٤، أو رجل من بني الحرماز عند العيني٥، وزعم أنه الصواب: [من الرجز]
٦٩٨-
يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك ممدود
بفتح "حكم" وقال المبرد: إنه لو قال: يا حكم، بالضم، لكان أولى لأنه الأصل٦.
ويتعين الضم إذا كان الابن غير صفة، بأن كان بدلا أو بيانًا أو منادى سقط منه حرف النداء، أو مفعولا بفعل محذوف تقديره: أعني، ونحوه.
"ويتعين الضم" أيضًا إذا كان المنادى غير علم، أو كان الابن مضافا لغير علم، كما "في نحو: يا رجل ابن عمرو، ويا زيد ابن أخينا، لانتفاء علمية المنادى" وهو رجل "في" الصورة "الأولى، و" انتفاء "علمية المضاف إليه في" الصورة "الثانية".
_________________
(١) تمام الرجز: يا زيد زيد اليعملات الذبل تطاول الليل عليك فانزل وهو لعبد الله بن رواحة في ديوانه ص٩٩، وخزانة الأدب ٢/ ٣٠٢، ٣٠٤، والدرر ٢/ ٣٧٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٣، ٢/ ٨٥٥، ولبعض بني جرير في شرح المفصل ٢/ ١٠، والكتاب ٢/ ٢٠٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢١، وأساس البلاغة "عمل"، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ١٠٠، وشرح ابن الناظم ص٤١١، وشرح الأشموني ٢/ ٤٥٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٧٢، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٢٠-١٣٢١، ومغني اللبيب ٢/ ٤٥٧، والمقتضب ٤/ ٢٣٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٢، وأساس البلاغة "طول"، وتاج العروس "عمل". ١ الكتاب ٢/ ٢٠٦، وانظر شرح ابن الناظم ص٤١١. ٢ المقتضب ٤/ ٢٣٢، والكامل ص٥٧٦. ٣ انظر الارتشاف ٣/ ١٢٢، وشرح المرادي ٣/ ٢٨٣. ٤ الصحاح "سردق". ٥ المقاصد النحوية ٤/ ٢١٠.
(٢) الرجز في ملحق ديوانه ص١٧٢، وتاج العروس ٢٥/ ٤٤٢ "سردق"، وللكذاب الحرمازي في شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٧٢، والشعر والشعراء ٢/ ٦٨٩، والكتاب ٢/ ٢٠٣، ولرؤبة أو للكذاب في المقاصد النحوية ٤/ ٢١٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٢، ورصف المباني ص٣٥٦، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٣٦، وشرح ابن الناظم ص٤٠٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٦، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٢٩٦، وشرح المفصل ٢/ ٥، والصحاح "سردق"، والمقتضب ٤/ ٢٣٢، والكامل ص٥٧٦. ٦ المقتضب ٤/ ٢٣٢، والكامل ص٥٧٦.
[ ٢ / ٢١٧ ]
"و" يتعين الضم أيضًا إذا فصل بين العلم والابن، كما "في نحو: يا زيد الفاضل ابن عمرو، لوجود الفصل" بالفاضل.
"و" يتعين الضم إذا كان الوصف غير ابن، كما "في نحو: يا زيد الفاضل لأن الصفة"؛ وهي الفاضل؛ "غير ابن"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله١:
٥٨٠-
ونحو زيد ضم وافتحن
البيتين٢.
"ولم يشترط ذلك الكوفيون"، هو أن يكون الوصف ابنا، بناء على أن علة الفتح التركيب، وقد جاء في باب "لا" نحو: لا رجل ظرف، بفتحهما، فجوزوا ذلك هنا، "وأنشدو عليه" قول جرير في مدح عمر بن عبد العزيز: [من الوافر]
٦٩٩-
فما كعب بن مامة وابن سعدي بأجود منك يا عمر الجوادا
الرواية "بفتح: عمر" و"الجواد"، والقوافي منصوبة.
وكعب بن مامة هو كعب الإيادي الذي آثر رفيقه على نفسه بالماء حتى٣ هلك عطشًا، وابن سعدى هو أوس بن حارثة بن لام الطائي الجواد المشهور، وسعدى: أمه. ويروى "أورى" مكان "سعدى" قيل: والمراد به عثمان بن عفان -﵁.
وحكى الأخفش أن بعض العرب يضم "ابن" إتباعًا لضم المنادى، وهو نظير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١] بضم اللام٤ في تبديل حركة بأثقل منها للإتباع، وفي كون ذلك من كلمتين، وفي تبعية الثاني للأول، لكنه مخالف في كونه٥ إتباع معرب لمبني و"الحمد لله" بالعكس.
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "وإلى ذلك الإشارة بقول النظم". ٢ البيتان هما: ونحو زيد ضم وافتحن من نحو أزيد بن سعيد لا تهن والضم إن لم يل الابن علما أو يل الابن علم قد حتما
(٢) البيت لجرير في خزانة الأدب٤/ ٤٤٢، والدرر ١/ ٣٨٧، وشرح التسهيل ٣/ ٣٩٤، وشرح شواهد المغني ص٥٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٤، واللمع ص١٩٤، والمقتضب ٤/ ٢٠٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٧، وشرح المرادي ٣/ ٢٨٥، وشرح قطر الندى ص٢١٠، ومغني اللبيب ص١٩، وهمع الهوامع ١/ ١٧٦. ٣ في "ط": "حين". ٤ هي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة، انظر مختصر بن خالويه ص١. ٥ في "أ": "كون" والصواب من "ب"، "ط".
[ ٢ / ٢١٨ ]
"والوصف بابنة" في جواز فتح المنادى معها "كالوصف بابن" في ذلك، لأن ابنة هي ابن بزيادة التاء، "نحو: يا هند بنة عمرو" بضم هند وفتحها إتباعا لابنة، لأن الحرف الساكن بينهما حاجز غير حصين، وتاء التأنيث في حكم الانفصال.
"ولا أثر للوصف ببنت" عند جمهور العرب، "فنحو: يا هند بنت عمرو، واجب الضم" وممتنع الفتح لتعذر الإتباع، لأن بينهما حاجزًا حصينا، وهو تحرك الباء الموحدة، وجوزه أبو عمرو بن العلاء سماعا بناء على أن الفتح للتركيب، ومثله: يا زيد بُنَيَّ عمرو، بتصغير ابن، لتعذر الإتباع، ويجوز للتركيب. وشمل قوله: "أن يكون علمًا مفردًا" المثنى والمجموع مسمى بهما، ففي "النهاية": إذا سميت بمسلمات وبزيدين وبزيدين، حاكيًا إعرابه، قلت فيمن قال: يا زيد بن عمرو بالفتح، ويا مسلمات بن عمرو [بالكسر، ويا زيدين بن عمرو، ويا زيدين ابن عمرو. وعلى من ضم تقول: يا مسلمات بن عمرو] ١، ويا زيدان بن عمرو، ويا زيدون بن عمرو. ومن أجرى الإعراب في النون أجرى النون مجرى الدال، فيفتحها أو يضمها. انتهى.
وهذا مبني على القول بالتركيب، وأما على القول بالإتباع٢ فلا، إذ لا إتباع في مسلمات إذا كسرت [التاء] ٣ ولا في المثنى والمجموع على حده، ولذلك قال في التسهيل٤: ويجوز فتح ذي الضمة الظاهرة إتباعًا، فنحو: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠] لا يقدر فيه إلا الضم، خلافًا للفراء والزمخشري٥.
وإذا وقع الابن بين علمين في غير النداء وكان صفة لما قبله، كان الحكم في أن يحذف التنوين من الموصوف لفظًا والألف من الابن خطا، كما في النداء، تقول: جاءني زيد بن عمرو، بحذف تنوين زيد، ويجوز ثبوته في الضرورة كقوله: [من الرجز]
٧٠٠-
جارية من قيس بن ثعلبه تزوجت شيخا غليظ الرقبه
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ في "ب": "بالإشباع". ٣ إضافة من "ب"، "ط". ٤ التسهيل ص١٨٠. ٥ انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣٢٦، والكشاف ١/ ٣٧١، وفيهما أنهما أجازا الفتح والضم في "عيسى".
(٢) الرجز للأغلب العجلي في ديوانه ص١٤٨، واللسان ١/ ٢٣٨، "ثعلب"، وأساس البلاغة "قعب"، والدرر ١/ ٣٨٨، وشرح المفصل ٢/ ٦، والكتاب ٣/ ٥٠٦، وتاج العروس ٤/ ٦٤، "قعب"، "خلل"، "حلي"، والخصائص ٢/ ٤٩١، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٣٠، وهمع الهوامع ١/ ١٧٦، وتاج العروس "الياء"، وشرح التسهيل ٣/ ٣٩٥، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٠٢، والمقتضب ٢/ ٣١٥.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وإن كان الابن خبرًا انعكس الحكم فينون المخبر عنه وتكتب١ ألف ابن خطا، تقول: زيد ابن عمرو، بتنوين زيد، وكذا إن لم يقع الابن بين علمين، تقول: جاءني زيد ابن أخينا، بتنوين زيد وإثبات ألف ابن خطا، فالحكم المذكور متعلق بشرطين: أن يقع الابن بين٢ علمين، وأن يكون الابن صفة للعلم الذي قبله، فمتى زال أحد الشرطين عاد الاسم إلى أصله من التنوين. قاله الفخر الرازي وغيره.
النوع "الثاني: أن يكرر" المنادى حال كونه "مضافًا، نحو: يا سعدَُ سعدَ الأوس٣، فالثاني" من السعدين "واجب النصب، والوجهان"، وهما الضم والفتح، جاريان "في" سعد "الأول٤"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٩١-
في نحو سعد سعد الاوس ينتصب ثان وضم وفتح أولا تصب
"فإن ضممته"، وهو الأكثر لأنه منادى مفرد، "فالثاني بيان" للأول، "أو بدل" منه "أو" منادى [ثان] ٥ "بإضمار "يا" أو" مفعول بإضمار "أعني" أو توكيد. قاله ابن مالك٦، واعترضه أبو حيان بأنه لا يجوز التوكيد لاختلف وجهي التعريف، لأن تعريف الأول بالعملية أو بالنداء، والثاني بالإضافة٧. وقال الموضح في الحواشي: وثم مانع أقوى من ذلك، وهو اتصال الثاني بما لم يتصل به الأول.
"وإن فتحته" أي الأول "فقال سيبويه٨: مضاف لما بعد الثاني والثاني فقحم" أي زائد بينهما. وهذا مبني على جواز إقحام الأسماء، وأكثرهم يأباه، وعلى جوازه ففيه فصل من المتضايفين، وهما كالشيء الواحد، وكان يلزم أن ينون الثاني لعدم إضافته.
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "وتثبت". ٢ سقطت من "ب". ٣ في حاشية يس ١/ ١٧١: "قال الدنوشري: اشير بسعد سعد الأوس إلى بيت من جملة أبيات سمعها أهل مكة من هاتف هتف بهم قبل إسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وهي قوله: فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف المخالف فيا سعد الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أورد ذلك السهيلي في الروض الأنف". ٤ سقطت من "ب". ٥ إضافة من "ب"، "ط". ٦ شرح التسهيل ٣/ ٤٠٥. ٧ الارتشاف ٣/ ١٣٥. ٨ الكتاب ٢/ ٢٠٦، وانظر شرح ابن الناظم ص٤١١.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
"وقال المبرد١: مضاف لمحذوف مماثل لما أضيف إليه الثاني"، والأصل: يا سعد الأوس سعد الأوس: فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. وهو نظير ما ذهب إليه في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها، وهو قليل في كلامهم، والكثير العكس، وسعد الثاني حينئذ بيان أو بدل أو توكيد، لأن المضاف إليه الأول مراد أو منادى ثان.
"وقال الفراء: الاسمان" الأول والثاني "مضافان للمذكور"، ولا حذف ولا إقحام. وهو ضعيف لما فيه من توارد عاملين على معمول واحد.
"وقال بعضهم" وهو الأعلم٢: "الاسمان مركبان تركيب خمسة عشر، ثم أضيفا" إلى الأوس كـ: خمسة عشر زيد، وفيه تكلف تركيب ثلاثة أشياء. وسعد الأوس هو سعد بن معاذ ﵁، وهو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن خثعم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك، وهو أخو الخزرج.
القسم "الرابع" من أقسام المنادى: "ما يجوز ضمه ونصبه، وهو المنادى المستحق للضم إذا اضطر الشاعر إلى تنوينه" سواء كان علمًا أو نكرة مقصودة، فالعلم "كقوله" وهو الأحوص: [من الوافر]
٧٠١-
سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام
بتنوين مطر الأول مع بقاء ضمه على البناء.
"و" النكرة المقصودة نحو "قوله" وهو جرير: [من الوافر]
٧٠٢-
أعبدا حل في شعبي غريبا ألؤما لا أبالك واغترابا
بتنوين "عبدًا" مع نصبه على الإعراب إجراء للنكرة المقصودة مجرى النكرة غير المقصودة.
_________________
(١) ١ المقتضب ٤/ ٢٢٧، وانظر شرح ابن الناظم ص٤١١. ٢ انظر قوله في خزانة الأدب ٢/ ٣٠٤.
(٢) البيت للأحوص في ديوانه ص١٨٩، والكتاب ٢/ ٢٠٢، والأغاني ١٥/ ٢٣٤، وخزانة الأدب ٢/ ١٥٠، ١٥٢، ٦/ ٥٠٧، والدرر ١/ ٣٧٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٥، ٦٠٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٦، وبلا نسبة في الأزهية ص١٦٤، والأشباه والنظائر ٣/ ٢١٣، والإنصاف ١/ ٣١١، وأوضح المسالك ٤/ ٢٨، والجنى الداني ص١٤٩، والدرر ٢/ ٢٥٧، ورصف المباني ١٧٧، ٣٥٥، وشرح ابن الناظم ص٤٠٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٨، وشرح التسهيل ٣/ ٣٩٦، وشرح شذور الذهب ص١١٣، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٦٢، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٠٤، ومجالس ثعلب ص٩٢، ٥٤٢، والمحتسب ٢/ ٩٣.
(٣) تقدم تخريج البيت برقم ٣٩٨.
[ ٢ / ٢٢١ ]
وأجاز فيه سيبويه١ وجهًا آخر. وهو أن يكون حالا كأنه قال: أتفخر عبدًا، أي في حال عبودية، ولا يليق الفخر بالعبد، قاله ابن السيد.
"واختار الخليل وسيبويه" والمازني "الضم" مطلقًا، لأنه الأكثر في كلامه، "و" اختار "أبو عمرو" بن العلاء "وعيسى" بن عمرو ويونس والجرمي والمبرد "النصب" مطلقًا، "ووافق الناظم والأعلم سيبويه في" ضم "العلم" كـ"مطر" في البيت الأول، "و" وافقا "أبا عمرو وعيسى في" نصب "اسم الجنس" كـ"عبدًا" في البيت الثاني.
قال ابن مالك٢: إن بقاء الضم راجح في العلم لشدة شبهه بالضمير، مرجوع في اسم الجنس، لضعف شبهه بالضمير.
واختلف في تنوين المضموم فقيل: تنوين تمكين، لأن هذا المبني يشبه المعرب. وقيل: تنوين ضرورة، وإليه ذهب ابن الخباز. قال في المغني٣: وبقوله أقول، لأن الاسم مبني على الضم، وخير في النظم بين الضم والنصب فقال:
٥٨٢-
واضمم أو انصب ما اضطرارًا نونا مما له استحقاق ضم بينا
وتظهر فائدتهما في التابع، فتابع المنون المضموم يجوز فيه الضم والنصب، وتابع المنون المنصوب يجب نصبه ولم يجز ضمه.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٣٩، ٣٤٥. ٢ شرح التسهيل ٣/ ٣٩٦. ٣ مغني اللبيب ٢/ ٣٤٣.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
فصل:
"ولا يجوز نداء ما فيه: أل" لأن النداء يفيد التعريف و"أل" تفيد التعريف، ولا يجمع بين معرفين، فلا يقال: يا الرجل، عند البصريين٢، "إلا في أربع صور:
إحداها: اسم الله تعالى، أجمعوا على ذلك، تقول: يا الله، بإثبات الألفين" ألف "يا" وألف "الله" "ويلله٣، بحذفهما" معًا "ويا لله، بحذف الثانية فقط" وإبقاء الأولى.
وعلل سيبويه جواز نداء الجلالة بأن "أل" لا تفارقها، وهي عوض همزة إله، فصارت بذلك كأنها من نفس الكلمة٤. انتهى.
وهذا التعليل يناسب إثبات ألف الجلالة في النداء، كما أن الفعل المبدوء بهمزة الوصل إذا سمي به قطعت همزته، تقول: جاءني أنصر وإضرب، بضم الهمزة في الأول وكسرها في الثاني.
ووجه حذفها في الوصل النظر إلى أصلها، ووجه حذف ألف "يا" أن إثباتها يؤدي إلى التقاء الساكنين على غير حده لكونهما من كلمتين، ووجه إثباتها مع حذف الثانية إجراء المنفصل من كلمتين مجرى المتصل من كلمة واحدة.
"والأكثر أن يحذف حرف النداء" وهو"يا" خاصة، "وتعوض عنه الميم المشددة، فتقول: اللهم" بحذف حرف النداء وزيادة الميم في آخره، ولم تزد مكان المعوض منه لئلا تجتمع زيادتا٥ الميم و"أل" في الأول. وخصت الميم بذلك لأن الميم عهدت زيادتها آخرًا كميم زرقم. قاله السيرافي.
_________________
(١) ١ في "أ"، "ط": "مسألة"، وأثبت ما في "ب"، وأوضح المسالك ٤/ ٣١. ٢ انظر شرح ابن الناظم ص٤٠٦، والإنصاف ١/ ٣٣٥، والمسألة رقم ٤٦. ٣ في "ط"، وأوضح المسالك ٤/ ٣١: "يا لله". ٤ الكتاب ٢/ ١٩٥. ٥ في "ب": "زيادة".
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وما ذكره من أن الميم عوض عن "يا" هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن الميم بعض "أمنا بخير" فيجيزون١ "يا اللهم" في السعة٢. ويبطل ذلك أنه حذف على غير قياس وقد التزم، وأنه لا يمتنع: اللهم أمنا بخير، والأصل عدم التكرار.
"وقد يجمع بينهما" أي بين "يا" والميم المشددة "في الضرورة النادرة، كقوله"، وهو أبو خراش الهذلي: [من الرجز]
٧٠٣-
إني إذا ما حدث ألما أقول يا اللهم يا اللهما
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨٤-
والأكثر اللهم بالتعويض وشذ يا اللهم في قريض
وقد تخرج "اللهم" عن النداء فتستعمل على وجهين آخرين:
أحدهما: أن يذكرها المجيب تمكينًا للجواب في نفس السامع، يقول لك: أزيد قائم. فتقول أنت٣: اللهم نعم، أو: اللهم لا.
الثاني: أن تسعمل دليلا على الندرة وقلة وقوع المذكور، كقولك: أنا لا أزورك اللهم إلا أن تدعوني. ألا ترى أن وقوع الزيادة مقرونة بعدم الدعاء قليل. قاله في النهاية.
الصورة "الثانية: الجمل المحكية" المبدوءة بـ"أل" "نحو: يا المنطلق زيد، فيمن سمي بذلك، نص على ذلك سيبويه" وقال٤: لأنه بمنزلة تأبط شرًا، لأنه لا يتغير عن حاله، إذ قد عمل بعضه في بعض. انتهى.
ومقتضى ما قدمناه في "أنصر" قطع الهمزة، وإلى هاتين٥ الصورتين أشار الناظم بقوله:
٥٨٣-
إلا مع الله ومحكي الجمل
_________________
(١) ١ في "ب": "فيجوزون". ٢ انظر المسألة رقم ٤٧ في الإنصاف: الميم في اللهم، عوض عن حرف النداء أم لا، وانظر شرح ابن الناظم ص٤٠٧.
(٢) الرجز لأبي خراش في الدرر ١/ ٣٩٢، وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١٣٤٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٦، ولأمية بن أبي الصلت في خزانة الأدب ٢/ ٢٩٥، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٣٢، وأوضح المسالك ٤/ ٣١، وشرح ابن الناظم ص٤٠٦، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٦٥، وشرح التسهيل ٣/ ٤٠١، والمقتضب ٤/ ٢٤٢، وهمع الهوامع ١/ ١٧٨، والمخصص ١/ ١٣٧. ٣ سقطت من "ب". ٤ الكتاب ٣/ ٣٣٣. ٥ في "ب": "هذين".
[ ٢ / ٢٢٤ ]
"وزاد عليه١ المبرد٢: ما سمي به من موصول مبدوء بـ"أل" نحو": يا "الذي" قام "و" يا "التي" قامت، "وصوبه الناظم" في شرح التسهيل٣، مع تصويبه له لم يستثنه في بقية كتبه.
فإن قلت: لم قال سيبويه فيمن سمي بـ"الذي قام" إنه لا ينادى، مع أنه أيضًا محكي٤ لأنه قد عمل بعضه في بعض كما في الجملة؟
قلت: الفرق بينهما أن "الذي قام" محكي بحالته التي ثبتت له قبل التسمية، وهو قبلها لا ينادي لوجود "أل" وذلك لمانع باق، ونحو: المنطلق زيد، ليس المانع من ندائه قبل التسمية وجود "أل" بل كونه جملة. وذلك المانع قد زال بالتسمية.
فإن قلت: المانع شيئان: الجملة و"أل" فإذا زال أحدهما بقي الآخر. قلت: لو صح هذا امتنع نداؤه، وأنت تسلم الجواز، وإذا ثبت الجواز توجه أن المنادى هو المجموع و"أل" ليست داخلة على المجموع بل على جزء الاسم، فأشبه ما لو سميت بقولك: عبدنا المنطلق.
وأما "الذي" وصلته فإنما يحكي حكاية المفردات لا حكاية الجمل، فالمنادى إنما هو "الذي" دون صلته، والإعراب، يقدر في آخر "الذي"، ولهذا إذا سميت بأيهم ضربته "و"أي" موصولة، لم تحك إعراب الرفع في "أي" بل تعربها بحسب العوامل فتقول: رأيت أيهم ضربته، ومررت بأيهم ضربته، كما أنك إذا سميت باسم مفرد عامل فيما بعده حكيت الاسم المفرد العامل فيما بعده فتقول: رأيت ضاربًا زيدًا، ومررت بضارب زيدًا. ولما كانت الصلة٥ لا دخل لها في ذلك مثل الموضح بالموصول مجردًا عن الصلة، وليس محل النزاع، وكأنه أشار إلى الفرق.
"و" الصورة "الثالثة: اسم الجنس المشبه به، كقولك: يا الخليفة هيبة. نص على ذلك ابن سعدان". قال الناظم في شرح التسهيل٦: تقديره: يا مثل الخليفة، فلذلك حسن دخول "يا" عليه لأنها في التقدير داخلة على غير "أل".
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ المقتضب ٤/ ٢٤١. ٣ شرح التسهيل ٣/ ٣٩٨. ٤ بعده في "ب": "بحالته". ٥ في"ب": "العلة". ٦ شرح التسهيل ٣/ ٣٩٨.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
قال الشاطبي: وفيما قاله نظر، إذ ليس تقدير "مثل" بمزيل لقبح الجمع بين "يا" و"أل"، وإلا لجاز: يا القرية، لأنه في تقدير: يا أهل القرية، وذلك لا يقول به ابن مالك وابن سعدان، فدل على أنه غير صحيح. انتهى.
وعندي أن تقدير ابن مالك صحيح ومزيل للقبح بدليل قولهم: قضية ولا أبا حسن لها، فإن تقديره: ولا مثل أبي حسن لها١، فلولا أن تقدير "مثل" مزيل لقبح دخول "لا" على المعرفة لما كان لهذا التقدير وجه. وللزم عمل "لا" في المعرفة، والشاطبي لا يقول بعمل "لا" في المعارف.
"و" الصورة "الرابعة: ضرورة الشعر"، وإليها أشار الناظم [بقوله] ٢:
٥٨٣-
وباضطرار خص جمع يا وأل
"كقوله": [من الكامل]
٧٠٤-
عباس يا الملك المتوج والذي عرفت له بيتا لعلا عدنان
فجمع بين "يا" و"أل" في الشعر ضرورة، "ولا يجوز ذلك في النثر خلافًا للبغداديين" والكوفيين في إجازتهم ذلك محتجين بالقياس والسماع، أما القياس فقد جاز: يا الله، بالإجماع، فيجوز: يا الرجل، قياسًا عليه بجامع أن كلا منها فيه "أل" وليست من أصل الكلمة، وأما السماع فقد أنشدوا: [من الرجز]
٧٠٥-
فيا الغلامان اللذان فرا إياكما أن تكسبانا شرا
وهذا لا ضرورة فيه لتمكن قائله من أن يقول: فيا غلامان اللذان فرا، وأجاب المانعون عن القياس بالفرق بكثرة الاستعمال وعن السماع بالشذوذ٣.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب"، "ط". ٢ سقطت "من "أ".
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٢، والدرر ١/ ٣٨٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٩ والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٥، وهمع الهوامع ١/ ١٧٤.
(٣) الرجز بلا نسبة في أسرار العربية ٢٣٠، والإنصاف ٣٣٦، والدرر ١/ ٣٨٤، وخزانة الأدب ٢/ ٢٩٤ وشرح ابن الناظم ص٤٠٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٦٤، وشرح التسهيل ٣/ ٣٩٨، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٠٨، وشرح المفصل ٢/ ٩، واللامات ص٥٣، واللمع في العربية ص١٩٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٢١٥، والمقتضب ٤/ ٢٤٣، وهمع الهوامع ١/ ١٧٤، وتاج العروس "الياء". ٣ شرح التسهيل ٣/ ٣٩٨-٣٩٩، وانظر الإنصاف ١/ ٣٣٨، المسألة رقم ٤٦.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
الفصل الثالث في أقسام تابع المنادى المبني وأحكامه:
أقسامه أربعة:
أحدها: ما يجب نصبه مراعاة لمحل المنادى"، فإن محله نصب، "وهو ما اجتمع فيه أمران: أحدهما: أن يكون" التابع "نعتًا أو بيانًا أو توكيدًا". "و" الأمر "الثاني: أن يكون" التابع مضافًا "مجردًا من: أل".
فالنعت "نحو: يا زيد صاحب عمرو، و" البيان نحو: "يا زيد أبا عبد الله، و" التوكيد نحو: "يا تميم كلهم أو كلكم"، بنصب "صاحب، وأبا، وكل" وجوبًا، وحكي عن جماعة من الكوفيين منهم الكسائي والفراء والطوال جواز رفع المضاف من نعت وتوكيد، وتبعهم ابن الأنباري. وإن كان مع تابع المنادى ضمير جيء به دالا على الغيبة باعتبار الأصل نحو: يا تميم كلهم، وعلى الحضور باعتبار الحال، نحو: يا تميم كلكم، وقد اجتمعا في قوله: [من الطويل]
٧٠٦-
فيا أيها المهدي الخنا من كلامه كأنك يضغو في إزارك خرنق
ويضغو، بضاد وغين معجمتين: يصوت، وخرنق، بكسر الخاء المعجمة، والنون: ولد الأرنب١. وفيه رد على الأخفش حيث منع مراعاة الحال وقال: وأما قولهم: يا تميم كلكم، فإن رفعوه فهو مبتدأ وخبره محذوف، أي: كلكم مدعو، وإن نصبوه فبفعل٢ محذوف اي: كلكم دعوت. وإلى نصب التابع المضاف أشار الناظم بقوله:
٥٨٥-
تابع ذي الضم المضاف دون أل ألزمه نصبا
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ٤٧٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٣. ١ في "أ"، "ب": "الثعلب"، والتصويب من "ط"، ولسان العرب ١٠/ ٧٨ "خرنق". ٢ في "ب": "فبعامل".
[ ٢ / ٢٢٧ ]
"و" القسم "الثاني: ما يجب رفعه مراعاة للفظ المنادى، وهو نعت: أي" في التذكير "و: أية" في التأنيث، "ونعت اسم الإشارة" فيهما "إذا كان اسم الإشارة وصلة لندائه" أي لنداء نعته "نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ " [البقرة: ٢١] "و: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ " [الفجر: ٢٧] فـ"أي" و"أية" مبنيان على الضم لكون كل منهما منادى مفردًا، و"ها" التنبيه فيهما زائدة لازمة للفظ "أي" و"أية" عوضًا عن المضاف إليه، مفتوحة الهاء، ويجوز ضمها إذا لم يكن بعدها اسم إشارة على لغة بني مالك من بني أسد، وقد قرئ١ بهما، و"الناس، والنفس": مرفوعان على التبعية وجوبًا مراعاة للفظ "أي، وأية" وإنما جاز الرفع مراعاة للفظ مع أن المتبوع مبني، لأنه مشبه للمعرب في حدوث ضمه بسبب الداخل عليه، وكذا تقول٢ في أمثاله، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨٨-
وأيها مصحوب أل بعد صفه يلزم بالرفع
"و" نحو "قولك: يا هذا الرجل" ويا هذه المرأة "إن كان المراد أولا نداء الرجل" والمرأة. وإنما٣ أتيت باسم الإشارة وصلة لندائهما فيجب رفع نعتهما مراعاة للضم المقدر في اسم الإشارة. وإنما لزم رفعهما لأنهما المقصودان بالنداء، والمنادى المفرد لا ينصب، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٩٠-
وذو إشارة كأي في الصفه إن كان تركها يفيت المعرفه
وإن كان المراد نداء اسم الإشارة دونهما جاز فيهما الرفع والنصب على ما سيأتي.
"ولا يوصف اسم الإشارة أبدًا" في هذا الباب وغيره "إلا بما فيه: أل"، نحو: مررت بهذا الرجل، وجوزوا فيه أن يكون بيانًا لاسم الإشارة، واستشكله ابن عصفور بأن البيان يشترط فيه أن يكون أعرف من المبين، والنعت لا يكون أعرف من المنعوت، فكيف يكون الشيء أعرف وغير أعرف؟
وأجاب٤ بأنه إذا قدر بيانًا قدرت "أل" فيه لتعريف الحضور، فهو يفيد الجنس والحضور بدخول "أل"، والإشارة إنما تدل على الحضور دون الجنس، وإذا قدر نعتًا قدرت
_________________
(١) ١ هي قراءة ابن عامر لقوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ . انظر الإتحاف ص٤٠٦، والنشر ٢/ ١٤٢، وفي حاشية يس ٢/ ١٧٤: "فوجهها؛ أي قراءة ابن عامر؛ أن هذا الحرف إذا تقدم كالجزء من الكلمة، حتى دخل عليه العوامل نحو بهذا، فلما جرى أولا مجرى الجزء جرى ذلك المجرى آخرًا فحذفت ألفه". ٢ في "ب": "ط": "القول". ٣ سقطت من "ب". ٤ مغني اللبيب ١/ ٥١.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
"أل" فيه للعهد. فالمعنى: مررت بهذا، وهو الرجل المعهود بيننا، فلا دلالة فيه على الحضور، والإشارة تدل عليه فكانت أعرف. قال١: وهذا معنى كلام سيبويه.
"ولا توصف "أي" و"أية" في هذا الباب" المعقود للنداء إلا بما فيه "أل" من معرف بها أو موصوف، فيقال: يا أيها الرجل ويا أيتها المرأة. و: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ١٥] ويا أيتها التي قامت. ولا يقال: يا أيها الحارث أو الصعق٢ مما هي فيه للمح الأصل أو الغلبة.
"أو باسم الإشارة" العاري من كاف الخطاب "نحو٣: يا أيهذا الرجل"، ولا يجوز: يا أيها ذلك الرجل، خلافًا لابن كيسان، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨٩-
وأيهذا أيها الذي ورد ووصف أي بسوى هذا يرد
"و" القسم "الثالث: ما يجوز رفعه ونصبه"؛ فالنصب إتباعًا لمحل المنادى، والرفع على تشبيه لفظ المنادى بالمرفوع تنزيلا لحركة البناء العارضة بسبب دخول حرف النداء منزلة حركة الإعراب بسبب دخول العامل. ومقتضى هذ التنزيل أن يكون حرف النداء هو الرافع للتابع بناء على أن العامل في التابع هو العامل في المتبوع في غير البدل، وإلا فأين الرفع؟ والقول: إن الرافع التبعية قول ضعيف لا يحسن التخريج عليه.
والمخلص من ربقة هذا الإشكال أن يحاول في المنادى المضموم أن يكون نائب فاعل في المعنى والتقدير: مدعو زيد، فرفع تابعه بالحمل على ذلك. "وهو نوعان:
أحدهما: النعت المضاف المقرون بـ"أل" نحو: يا زيد الحسن الوجه" برفع الحسن ونصبه على ما قررنا.
"و" النوع "الثاني: ما كان مفردًا من نعت أو بيان أو توكيد أو كان معطوفًا"٤ مقرونا بـ"أل".
فالنعت "نحو: يا زيد الحسن" بالرفع "والحسن"، بالنصب، "و" البيان نحو: "يا غلام بشر"، بالرفع، "وبشرًا"، بالنصب، "و" التوكيد نحو: "يا تميم أجمعون"، بالرفع، "وأجميعن"، بالنصب، "و" المعطوف المقرون بـ"أل" كقولك:
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ٥١. ٢ ف "ب": "الصعة". ٣ سقطت من "ب". ٤ في "ب": "مقطوعًا".
[ ٢ / ٢٢٩ ]
يا زيد والضحاك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨٦-
وما سواه ارفع أو انصب
وكما "قال الله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] قرأه السبعة بالنصب" عطفًا على محل الجبال١، "واختاره أبو عمرو" بن العلاء "وعيسى" بن عمر الثقفي ويونس والجرمي، "وقرئ" في غير السبع "بالرفع" عطفًا على لفظ الجبال، "واختاره الخليل وسيبويه" والمازني٢، "وقدروا النصب" في "الطير"٣ "على العطف على "فضلا" من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ " [سبأ: ١٠] والتقدير: وآتيناه الطير، وجملة النداء معترضة بين المتعاطفين.
"وقال المبرد٤: إن كانت: أل" في المعطوف "للتعريف مثلها في "الطير"، فالمختار النصب" في المعطوف، "أو لغيره"، وهي الزائدة "مثلها في ﴿الْيَسَعَ﴾ [الأنعام: ٨٦] فالمختار الرفع". وجه اختيار الرفع مشاكلة الحركة وحكاية سيبويه أنه أكثر٥، ووجه اختيار النصب أن ما فيه "أل" لم يجز أن يلي حرف النداء، فلم يجعل لفظه كلفظ ما وليه، ولذلك قرأ جميع القراء ما عدا الأعرج بنصب "الطير".
ووجه التفصيل أن "أل" في نحو: "اليسع" لم تفد تعريفًا فكأنها ليست فيه، فـ:"يا زيد واليسع" مثل "يا زيد ويسع"، و"أل" في نحو "الطير" مؤثرة تعريفًا وتركيبا ما، فأشبه ما هي فيه المضاف، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨٧-
وإن يكن مصحوب أل ما نسقا ففيه وجهان ورفع ينتقى
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن الناظم ص٤٠٩. ٢ انظر أوضح المسالك ٤/ ٣٦، والدرر ٢/ ٤٧٢، والتسهيل ص١٨١-١٨٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٦٨، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣١٤، وشرح المفصل ٢/ ٢-٣، والكتاب ٢/ ١٨٧، وشرح ابن الناظم ص٤٠٩، والمقتضب ٢/ ٢١٢، ٢١٣. ٣ الرسم المصحفي: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ بالنصب، وقرأها "والطيرُ"؛ بالرفع: أبو عمرو وعاصم والسلمي وابن هرمز وأبو يحيى وأبو نوفل ويعقوب وابن أبي عبلة وروح ونصر وعبيد بن عمير. انظر الإتحاف ص٣٥٨، والبحر المحيط ٧/ ٢٦٣، والقراءة المستشهد بها من شواهد أوضح المسالك ٤/ ٣٦، والدرر ٢/ ٤٧٢، وشرح ابن الناظم ص٤٠٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٦٨، وشرح المفصل ٢/ ٢-٣، والكتاب ٢/ ١٨٧. ٤ المقتضب ٢/ ٢١٢-٢١٣. ٥ الكتاب ٢/ ١٨٦-١٨٧.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
"و" القسم "الرابع: ما يعطى" حال كونه "تابعًا ما يستحقه إذا كان منادى مستقلًا، وهو البدل والمنسوق والمجرد من: أل" فيضم إن كان مفردًا، وينصب إن كان مضافا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨٦-
واجعلا كمستقبل نسقا وبدلا
وذلك "لأن البدل في نية تكرار العامل، والعاطف كالنائب عن العامل، تقول" في البدل المفرد: "يا زيد بشر، بالضم" من غير تنوين: يا بشر، "وكذلك" تقول في المنسوق المفرد المجرد من "أل": "يا زيد وبشر" بالضم من غير تنوين، كما تقول يا بشر.
"وتقول" في البدل المضاف: "يا زيد أبا عبد الله" بالنصب، كما تقول: يا أبا عبد الله، "وكذلك" في المنسوق والمضاف والمجرد من "أل": "يا زيد وأبا عبد" الله، بالنصب، كما تقول: يا أبا عبد الله.
"وهكذا حكمهما"، أي البدل والمنسوق المجردين من "أل"، "مع المنادى المنصوب"، فيضمان إن كان مفردين وينصبان إن كان مضافين، تقول: يا أبا عبد الله بشر ويا عبد الله وبشر، بضم بشر فيهما، ويا عبد الله أخا زيد، ويا عبد الله وأخا زيد، بنصب الأخ فيهما.
قال في التسهيل١: خلافًا للمازني والكوفيين في تجويز: يا زيد وعمرًا، وقال في شرح التسهيل٢: أجروا المنسوق العاري من "أل" مجرى المقرون بها.
قال: وما رواه غير بعيد من الصحة إذا لم ينو إعادة "يا" فإن المتكلم قد يقصد إيقاع نداء واحد على اسمين، كما يقصد أن يشتركا في عامل واحد. ا. هـ.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٨١. ٢ شرح التسهيل ٣/ ٤٠٢.
[ ٢ / ٢٣١ ]
الفصل الرابع في المنادى المضاف للياء الدالة على المتكلم:
"وهو أربعة أقسام:
أحدها: ما فيه لغة واحدة، وهو" المنادى "المعتل" بالألف أو الياء، "فإن ياءه" المضاف هو إليها "واجبة الثبوت والفتح نحو: يا فتاي ويا قاضي"، فلا يجوز حذفها للإلباس، ولا إسكانها، لئلا يلتقي ساكنان، ولا تحريكها بالضم أو الكسر، لثقلهما١ على الياء.
"و" القسم "الثاني: ما فيه لغتان، وهو الوصف المشبه للفعل" المضارع في كونه بمعنى الحال أو الاستقبال؛ "فإن ياءه ثابتة لا غير"؛ فإنه في حكم الانفصال فلم تمازج ما اتصلت به، فليست كياء "قاض"، "وهي إما مفتوحة أو ساكنة نحو: يا مكرمي ويا ضاربي". وهل أصلها السكون أو الفتح؟ بقولان تقدما في باب المضاف إلى ياء المتكلم، واحترز بالمشبه للفعل من الوصف بمعنى الماضي فإن إضافته محضة، وفي يائه٢ اللغات الست الآتية.
"و" القسم "الثالث: ما فيه ست لغات، وهي ما عدا ذلك" المتقدم من القسمين، "وليس أبًا ولا أمًّا، نحو: يا غلامي، فالأكثر" فيه "حذف الياء والاكتفاء بالكسرة، نحو: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونَ﴾ " [الزمر: ١٦] أجري المنفصل من كلمتين مجرى المتصل في كلمة واحدة، نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] "ثم ثبوتها ساكنة" على الأصل في البناء "نحو: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ [الزخرف: ٦٨] "أو" ثبوتها "مفتوحة" للتخفيف، "نحو: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ " [الزمر: ٥٣] وإنما كان السكون والفتح في مرتبة واحدة نظرًا إلى اختلافهم في أصل وضعها كما تقدم.
_________________
(١) ١ في "ب": "لثقلها". ٢ في "ب": "وبابه".
[ ٢ / ٢٣٢ ]
"ثم قلب الكسرة فتحة و" قلب "الياء ألفًا" لتحركها ما قبلها؛ لأن الألف أخف من الياء، "نحو: ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ " [الزمر: ٥٦] والأصل: يا حسرتي، بكسر التاء وفتح الياء، ثم قيل: يا حسرتي، بفتحهما١. ثم قيل: يا حسرتا٢، بقلب الياء ألفًا. "وأجاز الأخفش" والفارسي والمازني "حذف الألف" المنقلبة عن الياء "والاجتزاء بالفتح" عنها، فتقول: يا حسرة، "كقوله": [من الوافر]
٧٠٧-
ولست براجع ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لو اني
فالباء في "بلهف" متعلقة بـ"راجع" ومجرورها محذوف "أصله: بقولي"، ولهف: منادى سقط منه حرف النداء، والأصل: "يا لهفا" فحذفت الألف المنقلبة عن ياء المتكلم اجتزاء بالفتحة. والمعنى: ولست راجعًا ما فات مني بقولي: يا لهفي، ولا بقولي: يا ليتني فعلته، ولا بقولي: لو أني فعلت٣. والحاصل أن ما فات لا يعود بكلمة التلهف ولا بكلمة التمني ولا بكلمة "لو".
"ومنهم من" يحذف الياء٤ و"يكتفي من الإضافة بنيتها، ويضم الاسم" المضاف للياء، "كما تضم المفردات" في غير الإضافة، "وإنما يفعل ذلك" الضم "فيما فيه أن لا ينادى إلا مضافًا" كالأم والأب والرب٥، حملا للقليل على الكثير، "كقول بعضهم: يا أم لا تفعلي" بضم الميم. حكاه يونس٦. "وقراءة آخر: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] بضم "رب"٧ لأن الأم والرب الأكثر فيهما أن
_________________
(١) ١ في "أ": "بفتحها". ٢ في "ب" "يا حسرتي".
(٢) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٦٣، ١٧٩، والإنصاف ١/ ٣٩٠، وأوضح المسالك ٤/ ٣٧، وخزانة الأدب ١/ ١٣١، والخصائص ٣/ ١٣٥، ورصف المباني ص٢٨٨، وسر صناعة الإعراب ١/ ٥٢١، ٢/ ٧٢٨، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٢، وشرح عمدة الحافظ ٢/ ٥٢١، وشرح قطر الندى ص٢٠٥، ولسان العرب ٩/ ٣٢١ "لهف"، والمحتسب ١/ ٢٧٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٨ والمقرب ١/ ١٨١، ٢/ ٢٠١، والممتع في التصريف ٢/ ٦٢٢. ٣ في "ب": "فعلته". ٤ في "ب": "الفاء". ٥ سقطت من "ب". ٦ انظر شرح ابن الناظم ص٤١٢، والكتاب ٢/ ٢١٣. ٧ الرسم المصحفي: ﴿رَبِّ﴾؛ بالكسر؛ وقرئت بالضم: "ربُّ". انظر إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٢٩، وشرح ابن الناظم ص٤١٢.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
لا يناديا إلا مضافين للياء، والأصل: يا أمي ويا ربي، فحذفت الياء تخفيفا وبنيا على الضم تشبيها بالنكرة المقصودة، بخلاف: يا عدوي، فلا يجوز: يا عدو، بحذف الياء، وضم الواو. قاله شارح اللباب، لأن نداءه مضافًا للياء لم يكثر.
وظاهر كلام الموضح أن تعريف المضموم على هذه اللغة بالإضافة لا بالقصد والإقبال، وقد صرح في "النهاية" بالثاني فقال١: جعلوه معرفة بالقصد فنبوه على الضم، وهذه الضمة كهي في: يا رجل، إذا قصدت رجلا بعينه. ا. هـ. ولعل هذا هو الذي حمل الناظم على إسقاطه واقتصاره على خمس لغات في قوله:
٥٩٢-
واجعل منادى صح إن يضف ليا كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
والأظهر أن تعريف بالإضافة المنوية، لأنهم جعلوه لغة في المضاف إلى الياء، ولو كان تعريفه بالقصد لم يكن لغة فيه.
"و" القسم "الرابع: ما فيه عشر٢ لغات، وهو الأب والأم، ففيهما مع اللغات الست" المتقدمة أربع أخر٣ يأتي ذكرها، وأفصح الست حذف الياء وإبقاء الكسرة نحو: يا أب ويا أم، بكسرهما، ثم إثبات الياء ساكنة أو متحركة بالفتح نحو، يا أبي ويا أمي، ثم قلبها ألفًا نحو: يا أبا ويا أما. ثم حذف الألف وإبقاء الفتحة نحو: يا أب ويا أم، بفتحهما، وأقلها الضم نحو، يا أب ويا أم بضمهما.
والأربعة الباقية "أن تعوض"٤ أنت "تاء التأنيث من ياء المتكلم وتكسرها، وهو الأكثر" في كلامهم، لأن الكسر عوض من الكسر الذي كان يستحقه٥ قبل ياء المتكلم وزال حين جاءت التاء، إذ لا يكون ما قبل التاء إلا مفتوحًا، وتوجيه الفراء٦ بأن الياء في النية رده الزجاج٧ بأنه لا يقال: يا أبتي.
"أو تفتحها، وهو الأقيس"، لأن التاء بلد من ياء حركتها الفتح، فتحريكها بحركة أصلها هو الأصل في القياس، وقيل: لأن الأصل: يا أبتا، ويرده ما رد قول الفراء.
_________________
(١) ١ انظر شرح المرادي ٣/ ٣٠٥. ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب" "أربع لغات". ٤ في "ب": "تضم". ٥ في "ب": "من الكسرة التي كان يستحقها". ٦ معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٢. ٧ في "ط": "الزجاجي". وانظر قول الزجاج في كتابه معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٨٩.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
"أو تضمها على التشبيه بنحو: ثبة وخبة، وهو شاذ"، حكى سيبويه عن الخليل أنه سمع: يا أمت، بالضم١، وأجازه الفراء والنحاس ومنعه الرجاج٢، "وقد قرئ بهن" فبالكسر قرأ الجميع٣ إلا ابن عامر، وبالفتح قرأ ابن عامر٤، وبالضم قرئ في الشواذ٥. "وربما جمع بين التاء والألف فقيل: يا أبتا ويا أمتا"، وعليه قوله: [من الرجز]
٧٠٨-
يا أبتا علك أو عساكا
وهو جمع بين العوض والمعوض "فهو كقوله": [من الرجز]
٧٠٩-
أقول يا اللهم يا اللهما
"وسبيل ذلك الشعر".
وزعم ابن مالك٦ أن الألف في "يا أبتا" هي التي يوصل بها آخر المندوب والمنادى البعيد والمستغاث، وأنها ليست بدلًا من الياء، والأول قول ابن جني٧. وربما جمع
_________________
(١) ١ في الكتاب ٢/ ٢١١: "يا أمة لا تفعلي". ٢ انظر الارتشاف ٣/ ١٣٧. ٣ كما في الرسم المصحفي في قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [يوسف: ٤] . ٤ كذلك قرأها أبو جعفر ويعقوب. انظر الإتحاف ص٢٦٢، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٢، وهي من شواهد شرح ابن الناظم ص٤١٣، والدرر ٢/ ٥١٥. ٥ لم تنسب قراءة الضم إلى أحد من القراء، وقد ذكرها الفرء في معاني القرآن ٢/ ٣٢، وقال الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٩٠: "وأما "يا أبة إني"؛ بالرفع؛ فلا يجوز إلا على ضعف، لأن الهاء ها هنا جعلت بدلا من ياء الإضافة".
(٢) الرجز لرؤبة في ملحقات ديوانه ص١٨١، وخزانة الأدب ٥/ ٣٦٢، ٣٦٧، ٣٦٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٣، وشرح المفصل ٧/ ١٢٣، ٢/ ٩٠، والكتاب ٢/ ٣٧٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٢، وللعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣١٠، وتهذيب اللغة ١/ ١٠٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٦، والإنصاف ١/ ٢٢٢، والجنى الداني ص٤٦٦، ٤٧٠ والخصائص ٢/ ٩٦، والدرر ١/ ٢٧٧، ورصف المباني ص٢٩، ٢٤، ٣٥٥، وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٠٦، ٢/ ٤٩٣، ٥٠٢، وشرح الأشموني ١/ ١٣٣، ٢/ ٤٥٨، وشرح المفصل ٢/ ١٢، ٣/ ١١٨، ١٢٠، ٨/ ٨٧، ٩/ ٣٣، واللامات ١٣٥، ولسان العرب ١٤/ ٣٤٩ "روي"، وما ينصرف وما لا ينصرف ص١٣٠، والمقتضب ٣/ ٧١، ومغني اللبيب ١/ ١٥١، ٢/ ٦٩٩، وهمع الهوامع ١/ ١٣٢، وتاج العروس "الياء".
(٣) تقدم تخريج الرجز برقم ٧٠٣. ٦ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٢٧. ٧ اللمع ص١٧٥.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
بين التاء والياء فقيل: يا أبتي ويا أمتي، وعليه قوله: [من الطويل]
٧١٠-
أيا أبتي لا زلت فينا فإنما لنا أمل في العيش ما دمت عائشًا
وهو ضرورة خلافًا لكثير من الكوفيين، والأول أسهل من هذا لذهاب صورة المعوض منه، وهو الياء، وربما قيل: يا أباتُ، وعليه قول: [من الطويل]
٧١١-
كأنك فينا يا أبات غريب
فقيل: أراد: يا أبت ثم أشبع. وقيل: أراد: يا أبتا ثم قلب، وقيل: أراد يا أبا على لغة القصر، ثم قدر لحاق الياء وأبدل منها التاء١، واقتصر في النظم على قوله:
٥٩٤-
وفي الندا أبت أمت عوض واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض
"ولا يجوز تعويض تاء التأنيث عن٢ ياء المتكلم إلا في النداء" خاصة، "فلا يجوز: جاءني أبت، ولا: رأيت أبت". ولا: مررت بأبت. "والدليل على أن التاء في: يا أبت ويا أمت٣، عوض من الياء، أنهما لا يكادان يجتمعان" عند البصريين وطائفة من الكوفيين، "و" الدليل "على أنها للتأنيث أنه يجوز إبدالها في الوقف هاء" عند جمهور البصريين، وذهب الفراء إلى أنه يوقف التاء٤، وحجة البصريين أنها تشبه تاء٥ صياقلة، وحجة الفراء أنها عوض من حرف لا يتغير وقفًا، وقد وقف أبو عمرو بالتاء٦ وهو رأس البصريين، ورسمت في المصحف بالتاء، ويجوز رسمها بالهاء.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٤٥٨، وشرح التسهيل ٣/ ٤٠٧، وشرح المرادي ٣/ ٣١٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥١.
(٢) صدر البيت: تقول ابنتي لما رأتني شاحبا وهو لأبي الحدرجان في نوادر أبي زيد ص٢٣٩، وبلا نسبة في أساس البلاغة "شحب"، والاقتضاب ص٦٤٥، والخصائص ١/ ٣٣٩، والدرر ٢/ ٥١٥، وشرح التسهيل ٣/ ٤٠٧، وشرح المرادي ٣/ ٣١٩، ولسان العرب ١٤/ ٨، ١٠ "أبي"، ومقاييس اللغة ٣/ ٢٥٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٧. ١ انظر الدرر ٢/ ٥١٥-٥١٦، والاقتضاب ص٦٤٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٣. ٢ في "أ": "من". ٣ في "ب": "أمتي". ٤ معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٢. ٥ في "أ": "هذا". ٦ انظر الإتحاف ص٢٦٢.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
فصل:
"وإذا كان المنادى مضافًا إلى مضاف إلى الياء" نحو: يا غلام غلامي "فالياء ثابتة لا غير"، ولا يجوز حذفها لبعدها عن المنادى. وهي إما ساكنة أو مفتوحة "كقولك: يابن أخي ويابن خالي"، ويا بنت أخي ويا بنت خالي، "إلا إذا كان" المنادى "ابن عم أو ابن أم"، أو ابنة عم أو ابنة أم، "فالأكثر" حذف الياء و"الاجتزاء بالكسرة عن الياء" كقولك، يابن عم ويابن أم، بكسر الميم فيهما.
ثم قال الزجاجي١: لا تركيب، بل إضافتان، وقال في الارتشاف٢ نقلا عن أصحابه، إنهم حكموا للاسمين بحكم اسم واحد، وإنهم حذفوا الياء حذفها من خمسة عشر، إذا أضافوها للياء، فليس إضافة واحدة. ا. هـ.
"أو أن يفتحا"، ثم قيل: "للتركيب المزجي" كقولك: يابن عم ويابن أم، بفتح الميم فيهما. وقيل: الأصل عما وأما، بقلب الياء ألفًا، فحذفت الألف وبقيت الفتحة دليلا عليها. والأول: قل: هو مذهب سيبويه والبصريين٣، والثاني قول الكسائي والفراء٤ وأبي عبيدة، وحكي عن الأخفش، "وقد قرئ في السبع: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ [الأعراف: ١٥٠] بالوجهين"، الكسر والفتح،٥ وإليهما أشار الناظم بقوله:
٥٩٣-
وفتح أو كسر وحذف اليا استمر في يابن أم يابن عم لا مفر
"و" العرب "لا يكادون يثبتون الياء ولا الألف" فيهما "إلا في الضرورة٦، كقوله"
_________________
(١) ١ انظر الجمل ص١٦٢. ٢ انظر الارتشاف ٣/ ١٣٧. ٣ الكتاب ٢/ ٢١٤. ٤ معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٤. ٥ الرسم المصحفي: ﴿أُمَّ﴾؛ بالفتح، وقرأها بالكسر: ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وبكر. انظر الإتحاف ص٢٣١، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٤، والنشر ٢/ ٢٧٢، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٧٥. ٦ كذا قال ابن الناظم في شرحه ص٤١٢-٤١٣، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٧٩، ويرى المبرد في الاقتضاب أن إثبات الياء أجود، أما ابن عقيل فقال في شرحه ٢/ ٢٧٦: "لا يجوز إثبات الياء لأن التاء عوض من الياء، فلا يجمع بين العوض والمعوض عنه".
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وهو أبو زبيد الطائي، واسمه حرملة بن المنذر في مرثية أخيه: [من الخفيف]
٧١٢-
يابن أمي ويا شقيق نفسي أنت خليتني لدهر شديد
"وقوله"، وهو ابن النجم العجلي، واسمه الفضل بن قدامة: [من الرجز]
٧١٣-
يا بنة عما لا تلومي واهجعي وانمي كما ينمى خضاب الأشجعي
ويروى:
لا يخرق النوم حجاب مسمعي
_________________
(١) البيت لأبي زبيد في ديوانه ص٤٨، والدرر ٢/ ١٧٠، والكتاب ٢/ ٢١٣، ولسان العرب ١٠/ ١٨٢ "شقق"، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٢، وبلا نسبة في أمالي ابن الشجري ٢/ ١٧٩، وأوضح المسالك ٤/ ٤٠، وشرح ابن الناظم ص٤١٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤٥٧، وشرح التسهيل ٣/ ٤٠٦، وشرح المرادي ٣/ ٣١٣، وشرح المفصل ٢/ ١٢، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٧٩، والمقتضب ٤/ ٢٥٠، وهمع الهوامع ٢/ ٥٤.
(٢) الرجز لأبي النجم العجلي في ديوانه ص١٣٤، وخزانة الأدب ١/ ٣٦٤، والدرر ٢/ ١٧٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٠، وشرح المرادي ٣/ ٣١٣، وشرح المفصل ٢/ ١٢، والكتاب ٢/ ٢١٤، ولسان العرب ١٢/ ٤٢٤، "عمم"، والمحتسب ٢/ ٢٣٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٤، ونوادر أبي زيد ص١٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤١، ورصف المباني ص١٥٩، وشرح ابن الناظم ص٤١٣، والمقتضب ٤/ ٢٥٢، وهمع الهوامع ٢/ ٥٤.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
باب في ذكر أسماء لازمت النداء:
فلا تستعمل في غيره، فلا تقع فاعلة ولا مفعولة ولا مضافًا إليها، وهي كثيرة: "منها فل" بضمتين "وفلة" بضم الفاء، وهما عند سيبويه١ كناية٢ عن نكرة من يعقل من جنس الإنسان، فـ"فل" "بمعنى رجل، و" فلة "بمعنى امرأة".
"وقال ابن مالك وجماعة" منهم ابن عصفور وابن العلج: فل وفلة كناية عن علم من يعقل، ففل "بمعنى زيد، و" فلة "بمعنى هند، ونحوهما" من أعلام الأناسي٣. ولم يذكر ابن مالك ذلك صريحًا وإنما لزم من قوله٤: ويقال: يا فل للرجل، ويا فلة للمرأة، بمعنى يا فلان ويا فلانة، فظاهر أن "فل" و"فلة" كناية عن علم من يعقل، لأنه جعلهما بمعنى فلان وفلانة، وهما كنايتان عن علم من يعقل. قاله المرادي٥.
"و" ما قاله ابن مالك "هو" والجماعة "وهم" بفتح الهاء مصدر وهم، بالكسر: إذا غلط، "وإنما ذلك" الذي هو "بمعنى" زيد وهند: "فلان وفلانة"، لا: فل وفلة.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٢٤٨. ٢ سقطت من "ب". ٣ الارتشاف ٣/ ١٤٩. ٤ شرح التسهيل ٣/ ٤١٩، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٢٩. ٥ شرح المرادي ٤/ ٥.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
والحق أن ما قاله ابن مالك مبني على أن أصل "فل، وفلة": فلان وفلانة١، وهو مذهب الكوفيين، وقد صرح بذلك فلا وهم إلا على قول ابن عصفور، فإنه لا يقول٢: إن أصلهما فلان وفلانة.
ومذهب سيبويه أن لام "فل" ياء محذوفة كـ"يد" ومادته "ف ل ي"، وتصغيره "فلي" إذا سمي به٣، ومذهب الكوفيين أن لامه نون، وأصله فلان ثم رخم بحذف الألف والنون، ومادته "ف ل ن"، وتصغيره "فلين". ورد بأنه لو كان أصله فلانًا لقيل في ترخيمه: فلا، ولما قيل في التأنيث. فلة، ولما اختص بالنداء، كما أن فلانا كذلك، "وأما قوله"، وهو أبو النجم العجلي: [من الرجز]
٧١٤-
تضل منه أبلي بالهوجل في لجة أمسك فلانًا عن فل
"فقال ابن مالك٤: هو "فل" الخاص بالنداء، استعمل" في غير النداء "مجرورًا" بـ"عن" "للضرورة"، وصرح بذلك في النظم فقال:
٥٩٧-
وجر في الشعر فل
وليس كذلك، "والصواب أن أصل" "فل" "هذا" المجرور بـ"عن": "فلان، وأنه حذف منه الألف والنون"، والتقدير: أمسك فلانًا عن فل، أي عن ذكره، في لجة، بفتح اللام، أي اختلاط الأصوات، وليس حذف الألف والنون منه للترخيم وإنما هو "للضرورة كقوله"، وهو لبيد: [من الكامل]
٧١٥-
درس المنا بمتالع فأبان فتقادمت بالحبس فالسوبان
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٣/ ٤١٩. ٢ المقرب ١/ ١٨٢. ٣ الكتاب ٢/ ٢٤٨، ٣/ ٤٥٢.
(٢) الرجز لأبي النجم في جمهرة اللغة ص٤٠٧، والطرائف الأدبية ص٦٦، والمنصف ٢/ ٢٢٥، وخزانة الأدب ٢/ ٣٨٩، والدرر ١/ ٣٨٩، وسمط اللآلي ص٢٥٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٣٩، وشرح المفصل ٥/ ١١٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٥٠، والكتاب ٢/ ١٤٨، ٣/ ٤٥٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٨، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٤٩، وأوضح المسالك ٤/ ٤٣، وشرح ابن الناظم ص٤١٦، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٧٨، وشرح التسهيل ٣/ ٤١٩، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٣١، وشرح المرادي ٤/ ٩، وشرح المفصل ١/ ٤٨، والمقتضب ٤/ ٢٨٣، وهمع الهوامع ١/ ١٧٧. ٤ شرح التسهيل ٣/ ٤١٩، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٣١.
(٣) البيت للبيد في ديوانه ص١٣٨، والارتشاف ٣/ ١٦٣، والدرر ٢/ ٤٩٩، وسمط اللآلي ص١٣، وشرح التسهيل ٣/ ٤٣١، وشرح شواهد الشافية ص٣٩٧، ولسان العرب ٨/ ٣٧، "تلع"، ١٣/ ٥ "أبن"، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٤٦، وتاج العروس ٢٠/ ٣٩٩، ٤٠٠ "تلع"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٠، وكتاب العين ١/ ١٧٣، والمسائل العسكريات ص١١٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٦.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
"أي: درس المنازل". فحذف الزاي واللام ضرورة١.
ودرس: عفا، ومتالع، بضم الميم، وبالتاء المثناة فوق: اسم موضع، وقيل: جبل٢، وكذلك "أبان" بالموحدة، والحبس، بفتح الحاء المهملة وإسكان الموحدة وفي آخره سين مهملة، والسوبان: بضم السين المهملة وسكون الواو وبالباء الموحدة وفي آخره نون: أسماء مواضع.
"ومنها: لؤمان، بضم أوله وهمزة ساكنة ثانية، بمعنى كثير اللؤم" والخبث "ونومان، بفتح أوله وواو ساكنة ثانيه، بمعنى كثير النوم"، ولا يقاس عليهما٣، وهذا معنى قول الناظم٤:
٥٩٥-
وفل بعض ما يخص بالندا لؤمان نومان كذا واطردا
ومنها: فعل؛ بضم الفاء وفتح العين؛ المعدول عن فاعل كـ: غدر، بالغين المعجمة، وفسق، سبا للمذكر بمعنى: يا غادر ويا فاسق، واختار ابن عصفور كونه قياسيا٥، فيقاس عليه ما أشبهه، واختار ابن مالك كونه سماعيًّا٦، وإلى ذلك أشار في النظم بقوله:
٥٩٧-
وشاع في سب الذكور فعل ولا تقس
ومنها: فعال؛ بفتح الفاء وكسر اللام؛ المعدول عن فاعلة أو فعيلة، كـ: فساق وخباث سبا للمؤنث، بمعنى: يا فاسقة ويا خبيثة، و"قوله" وهو الحطيئة يهجو امرأته:
[من الوافر]
٧١٦-
أطوف ما أطوف ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع
_________________
(١) ١ في الدرر ٢/ ٤٩٩، أن هذا الحذف هنا مستباح للضرورة، بدليل أن "المنازل" لو سمي به مجردًا من الألف واللام لم يرخم بحذف الزاي واللام اتفاقًا. ٢ في الدرر ٢/ ٥٠٠ أنه جبل بنجد. ٣ في شرح ابن الناظم ص٤١٥: "لا يقاس على هذه الصفات بإجماع"، وانظر شرح المرادي ٤/ ٦. ٤ في "ط": "الناظم". ٥ المقرب ١/ ١٨٢. ٦ شرح التسهيل ٣/ ٤١٩، وهو أيضًا رأي ابن الناظم في شرحه ص٤١٥.
(٢) البيت للحطيئة في ملحق ديواه ص١٥٦، وجمهرة اللغة ص٦٢٢، وخزانة الأدب ٢/ ٤٠٤، ٤٠٥، والدرر ١/ ١٤٣، ٣٩٠، وشرح المفصل ٤/ ٥٧، والمقاصد النحوية ١/ ٤٧٣، ٤/ ٢٢٩، ولأبي الغريب النضري في اللسان ٨/ ٣٢٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٥، وابن الناظم ص٤١٦، وشرح شذور الذهب ص٩٢، وشرح ابن وعقيل ١/ ١٣٩، وشرح التسهيل ٣/ ٤٣٠، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٣١، وشرح المرادي، ٤/ ١٠، والمقتضب ٤/ ٢٣٨، وهمع الهوامع ١/ ٨٢، ١٧٨.
[ ٢ / ٢٤١ ]
فـ"قعيدته" مبتدأ، ولكاع: خبره، "فاستعمله" في غير النداء "خبرا ضرورة"، وقيل: لا ضرورة، والخبر قول١ محذوف والتقدير: قعيدته يقال لها: يا لكاع، فحذف الخبر وحرف النداء. وقعيدة الرجل: امرأته، سميت بذلك للزومها البيت. ومعنى "لكاع" خسيسة.
"وينقاس" فعال "هذا" الذي هو سب٢ للمؤنث، "وفعال بمعنى الأمر" كـ: نزال" بمعنى انزل، وتراك بمعنى اترك، "من كل فعل ثلاثي" مجرد "تام متصرف تصرفا كاملا، "فخرج نحو: دحرج" لأنه رباعي، وشذ دارك من أدرك، "و" خرج نحو "كان" لأنه ناقص، "و" خرج نحو: "نعم وبئس" لأنهما جامدان، وخرج نحو: يذر ويدع، لأنهما ناقصا التصرف. هذا مذهب سيبويه٣، "و" خالفه "المبرد" في البابين فقال٤: لا يقال منهما إلا ما سمع، "ولا يقيس فيهما"، والأول أصح، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٩٥-
واطردا
٥٩٧-
في سب الأنثى وزن يا خباث والأمر هكذا من الثلاثي
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ في "ب": "لسب" مكان "هو سب". ٣ الكتاب ٣/ ١٧٨، ٢٨٠. ٤ الكامل ص٥٨٧.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
باب الاستغاثة:
وهي نداء من يخلص من شدة أو يعين على مشقة.
"إذا استغيث اسم منادى وجب كون الحرف" الذي ينادى به المستغيث "يا" لأنها حروف النداء. "و" وجب "كونها مذكورة"، لأن الغرض من ذكرها إطالة الصوت، كما تقدم، والحذف مناف لذلك. "وغلب" في المنادى المستغاث "جره بلام واجبة الفتح" لأنه واقع موقع المضمر ولام الجر تفتح معه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٩٨-
إذا استغيث اسم منادى خفضا باللام مفتوحًا
"كقول عمر -﵁: "يا لله" للمسلمين"١، "وقول الشاعر": [من الخفيف]
٧١٧-
يا لقومي ويا لأمثال قومي لأناس عتوهم في ازدياد
"إلا إن كان" المستغاث ياء المتكلم نحو: يا لي، أو"معطوفًا" على مستغاث "ولم تعد معه "يا" فتكسر" اللام، نحو يا لزيد ولعمرو للمسلمين، وعليه البيت السابق، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٩٩-
وافتح مع المعطوف إن كررت يا وفي سوى ذلك بالكسر ائتيا
_________________
(١) ١ شرح قطر الندى ص٢١٨، والأصول ١/ ٣٥٢.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٦، وشرح ابن الناظم ص٤١٧، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٢، وشرح قطر الندى ص٢١٨، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٣٥، وشرح المرادي ٤/ ١٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٦.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
"ولام المستغاث له مكسورة دائمًا" على الأصل "كقوله"، وهو عمر -﵁: "يا لله للمسلمين" بكسر لام "للمسلمين". "وكقول الشاعر": [من البسيط]
٧١٨-
يبكيك ناء بعيد الدار مغترب يا للكهول وللشبان للعجب
بكسر لام العجب، إلا أن يكون المستغاث له ضميرا غير ياء المتكلم فتفتح لامه نحو: يا لزيد لك، أو: له.
ويجوز أن يكون المستغاث به وله ضميرين، تقول: يا لك لي، تستغيث المخاطب لنفسك. قاله في النهاية. "ويجوز أنلا يبتدأ المستغاث باللام، فالأكثر حينئذ أن يختم بالألف" عوضًا من اللام، ومن ثم لا يجتمعان، وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٠٠-
ولام ما استغيث عاقبت ألف
"كقوله": [من الخفيف]
٧١٩-
يا يزيدا لآمل نيل عز وغنى بعد فاقة وهوان
فـ"يزيدا" مستغاث، والألف فيه عوض من اللام، "ولآمل" بكسر اللام مستغاث له، وهو اسم فاعل "أمل" و"نيل" مصدر "نال" مفعول آمل، والعز مقابل الهوان، والغنى مقابل الفاقة، والفاقة. الفقر، والهوان: الذل.
"وقد يخلو" المستغاث "منهما" أي من اللام والألف، فيعطى ما يستحقه لو كان منادى غير مستغاث، كقولك: يا زيد لعمرو، و"كقوله": [من الوافر] .
٧٢٠-
ألا يا قوم للعجب العجيب وللغفلات تعرض للأريب
فـ"ألا" حرف تنبيه واستفتاح، وقوم: مستغاث مضاف لياء المتكلم محذوفة اجتزاء بالكسرة، وللعجب: مستغاث له، وللغفلات: عطف عليه، والأريب: العالم بالأمور.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٧، وخزانة الأدب ٢/ ١٥٤، والدرر ١/ ٣٩٣، ورصف المباني ص٢٢٠، وشرح ابن الناظم ص٤١٧، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٢، وشرح شواهد الإيضاح ص٢٠٣، وشرح قطر الندى ٢١٩، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٣٥، وشرح المرادي ٤/ ١٨، ولسان العرب ١٢/ ٥٦٠، ٥٦٣، "لوم"، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٧، والمقتضب ٤/ ٢٥٦، والمقرب ١/ ١٨٤، وهمع الهوامع ١/ ١٨٠.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٩، والجنى الداني ص١٧٧، والدرر ٢/ ٤٩، وشرح ابن الناظم ص٤١٩، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٤٩١، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٣٧، وشرح المرادي ٤/ ٢٣، ومغني اللبيب ٢/ ٣٧١، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٦٢.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٥٠، وشرح ابن الناظم ص٤١٩، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٣، وشرح قطر الندى ص٢٢١، وشرح المرادي ٤/ ٢٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٦٣.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
"ويجوز نداء المتعجب منه فيعامل معاملة المستغاث" من غير فرق. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠٠-
ومثله اسم ذو تعجب ألف
وهو على قسمين: أحدهما أن يرى أمرًا عظيمًا فينادي جنسه. "كقولهم: يا للماء ويا للدواهي، إذا تعجبوا من كثرتهما"، والثاني أن يرى أمرًا يستعظمه فينادي من له نسبة إليه ومكنه فيه نحو: يا للعلماء، ويجوز الاستغناء عن اللام بالألف نحو قوله: [من الرجز]
٧٢١-
يا عجبا لهذه الفليقه هل تذهبن القوباء الريقه
وهذا البيت لأعرابي أصابته قوباء فقيل له: اجعل عليها شيئًا من ريقك وتعهدها بذلك فإنها ستذهب، فتعجب من ذلك، والفليقة: الداهية. وقد يخلو المتعجب منه من اللام والألف نحو: يا عجب.
_________________
(١) الرجز لابن قنان في لسان العرب ١/ ٦٩٣ "قوب"، والتنبيه والإيضاح ١/ ١٣٠، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص٣٤٤، وجمهرة اللغة ص٩٦٥، ١٠٢٦، ١٢٣٣، والجنى الداني ص١٧٧، وشرح شواهد الشافية ص٣٩٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩١، وكتاب اللامات ص٨٨، ومغني اللبيب ٢/ ٣٧٢، والمنصف ٣/ ٦١، وتهذيب اللغة ٩/ ٣٥١، وتاج العروس ٤/ ٨٦، "قوب"، "فلق"، ومقاييس اللغة ٥/ ٣٧، وديوان الأدب ٣/ ٣٨٢.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
باب الندبة:
بضم النون.
"حكم المندوب وهو المتفجع عليه حقيقة"، كقول جرير يندب عمر بن عبد العزيز: [من البسيط]
٧٢٢-
وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
أو حكمًا، كقول عمر بن الخطاب -﵁- وقد أخبر بجرب شديد أصاب قومًا من العرب: واعمراه واعمراه.
"أو المتوجع منه" لكونه محل ألم، كقول قيس العامري: [من الطويل]
٧٢٣-
فوا كبدا من حب من لا يحبني ومن عبرات ما لهن فناء
أو لكونه سبب ألم، كقول ابن قيس الرقيات: [من الكامل]
٧٢٤-
تبكيهم الدهماء معولة وتقول سلمى وارزيتيه
وكقول القائل: وامصيبتاه، لأن الرزية، والمصيبة سببا١ الألم الذي حصل له.
_________________
(١) صدر البيت: حملت أمرا عظيمًا فاصطبرت له وتقدم تخريجه برقم ٦٩١.
(٢) البيت لمجنون ليلى في ديوانه ص٣٥، وشرح عمدة الحافظ ص٢٩١، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٤٦٤، وشرح المرادي ٤/ ٢٥.
(٣) البيت لابن قيس الرقيات في ديوانه ص٩٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٤٩ وشرح التسهيل ٣/ ٤١٥، شرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٤٢، وشرح المرادي ٤/ ٢٥، والكتاب ٢/ ٢٢١، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٧٤، وبلا نسبة في المقتضب ٤/ ٢٧٢. ١ في "ب": "لسبب".
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وصورة المندوب صورة المنادى المخاطب وليس منادى، ألا ترى أنك لا تريد منه أن يجيبك ويقبل عليك، ومن ثم منعوا في النداء، يا غلامك، لأن خطاب أحد المسميين يناقض خطاب الآخر. ولا يجمع بين خطابين، وأجازوا في الندبة: واغلامك، فلذلك قالوا: حكم المندوب "حكم المنادى"، وقال الناظم:
٦٠١-
ما للمنادى اجعل لمندوب
"فيضم" إن كان مفردًا كما "في نحو: وا زيدا، وينصب" إن كان مضافًا، [كما] ١ "في نحو: وا أمير المؤمنين"، أو مطولا، كما في نحو: وا ضاربًا عمرًا، وإذا اضطر شاعر إلى تنوينه جاز ضمه ونصبه كقوله: [من الرجز]
٧٢٥-
وافقعسا وأين مني فقعس
"إلا أنه لا يكون٢ نكرة كـ: رجل" فلا يقال: وا رجلاه، خلافًا للرياشي٣ مدعيًا أنه جاء في الحديث: "وا جبلاه" فإن صح فهو نادر.
"ولا" معرفًا "مبهما كـ: أي" والمضمر "واسم الإشارة والموصول"، فلا يقال: وا أيهاه، ولا: وا أنتاه. ولا: وا هذاه، ولا: وا من ذهباه، لأن القصد من الندبة الإعلام بعظمة المصاب فلذلك لا يندب إلا المعرفة السالمة من الإبهام، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠١-
وما نكر لم يندب ولا ما أبهما
"إلا ما" كان موصولا غير مبدوء بـ"أل" و"صلته مشهورة، فيندب" عند الكوفيين خلافًا للبصريين "نحو: وا من حفر بئر زمزماه٤، فإنه" في شهرته "بمنزلة: وا عبد المطلباه"، وذلك شاذ عند البصريين٥، واتفق الجميع على منع ندبة الموصول
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط".
(٢) الرجز لرجل من بني أسد في الدرر ١/ ٣٧٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٧٢، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٤٤، والدرر ١/ ٣٩٢، ورصف المباني ص٢٧، وشرح ابن الناظم ص٤٢١، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٤، وشرح التسهيل ٣/ ٤١٤، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٤٢، وشرح المرادي ٤/ ٢٧، ومجالس ثعلب ٢/ ٥٤٢، والمقرب ١/ ١٨٤، وهمع الهوامع ١٠/ ١٧٢، ١٧٩. ٢ في "ب"، "ط": "أن يكون" مكان "أنه لا يكون". ٣ في "ب": "الفارسي". انظر الارتشاف ٣/ ١٤٣. ٤ الإنصاف ١/ ٣٣٧، وشرح ابن الناظم ص٤٢١، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٠٣. ٥ انظر الإنصاف ١/ ٣٦٢، المسألة رقم ٥١.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
المبدوء بـ"أل" وإن اشتهرت صلته، فلا يقال: وا الذي حفر بئر زمزماه، إذ لا يجمع بين حرف الندبة و"أل" وبذلك يقيد قول الناظم:
٦٠٢-
ويندب الموصول بالذي اشتهر كبئر زمزم يلي وا من حفر
وتقدم الخلاف في ندائه. وأصل زمزم: زمم، أبدلت الميم الثانية زايًا، قاله في الفردوس.
"إلا أن الغالب أن يختم بالألف" إطالة للصوت "كقوله"، وهو جرير: [من البسيط]
٧٢٦-
وقمت فيه بأمره الله يا عمرا
وإلى ذلك أشار بقوله:
٦٠٣-
ومنتهى المندوب صله بالألف
وأما لحاقها توابع المندوب فقال ابن الخبار في "النهاية": إنه لا خلاف في جواز لحاقها آخر الصفة إذا كانت ابنا بين علمين نحو: وا زيد بن عمرا، وأما البدل والبيان والتوكيد فقياس قول سيبويه والخليل أن لا تلحق البيان والتوكيد، وعندي أنها تدخل آخر البدل؛ لأنه قائم مقام المبدل منه، فتقول: وا غلامنا زيداه، وتدخل العطف النسقي نحو: وا زيد وعمراه. ا. هـ.
وتدخل التوكيد اللفظي كما تقدم من قول عمر -﵁: وا عمراه وا عمراه.
"ويحذف لهذه الألف ما قبلها١ من ألف نحو: وا موساه"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠٣-
متلوها إن كان مثلها حذف
وأجاز الكوفيون قياسًا قلب الألف ياء فقالوا٢: وا موسياه.
"أو" من "تنوين" ظاهر أو مقدر "في" آخر "صلة، نحو: وا من حفر بئر زمزماه"، بحذف التنوين من زمزم، فإنه منصرف باعتبار انه علم على القليب، وإن اعتبر أنه علم على البئر فهو غير منصرف، وفيه تنوين مقدر، كما صرح به في أول باب الإضافة.
"أو" تنوين "في مضاف إليه نحو: وا غلام زيداه، أو في" علم٣ "محكي
_________________
(١) صدر البيت: حملت أمرا عظيمًا فاصطبرت له وقد تقدم تخريجه برقم ٦٩١، كما تقدم برقم ٧٢٢. ١ في "ب": "من". ٢ انظر شرح المرادي ٤/ ٢٨. ٣ في "ب": "فعل".
[ ٢ / ٢٤٨ ]
نحو: وا قام زايده، فيمن١ اسمه: قام زيد"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠٤-
كذاك تنوين الذي به كمل من صلة أو غيرها
وأجاز الكوفيون حذف التنوين وإثباته مع فتحه، [فيقولون: وا غلام زيدناه٢، محافظة على بقاء ألف الندبة، ومع كسره وقلب الألف ياء] ٣: فيقولون: وا غلام زيدنيه٤، على أصل التقاء الساكنين.
وأجاز الفراء حذف التنوين مع إبقاء الكسرة وقلب الألف ياء، فيقول: وا غلام زيديه، ولا يجيز البصريون إلا حذف التنوين لالتقاء الساكين، كما في اجتماع الألفين.
"و" يحذف لهذه الألف ما قبلها "من ضمة" بنائية "نحو: وا زيداه" ووا منداه فيمن اسمه "منذ" "أو كسرة" إعرابية "نحو: وا عبد الملكاه، أو" بنائية نحو: "وا حذاماه" لأن ما قبل الألف لا يكون مضمومًا ولا مكسورًا.
"فإن أوقع حذف الكسرة أو الضمة في لبس أبقيا وجعلت الألف ياء بعد الكسرة نحو: وا غلامكي"، إذ لو قيل: واغلامكا، التبس بالمذكر، "وواوًا بعد الضمة نحو: وا غلامهو، أو: وا غلامكمو"، إذ لو قيل: وا غلامها، وا غلامكما، التبس المذكر بالمؤنث في الأولى، والجمع بالمثنى في الثانية، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠٥-
والشكل حتمًا أوله مجانسا إن يكن الفتح بوهم لابسا
"ولك في الوقف زيادة هاء السكت بعد أحرف المد" الثلاثة توصلا إلى زيادة المد، نحو: وا زيداه، وا غلامكيه، وا غلامكموه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠٦-
وواقفا زد هاء سكت إن ترد
فإن وصلت حذفتها إلا في الضرورة فيجوز إثباتها كقول المتنبي: [من البسيط]
٧٢٧-
وا حر قلباه ممن قلبه شبم
ولك حينئذ ضمها تشبيها بهاء الضمير وكسرها على أصل التقاء الساكنين، وأجاز الفراء إثباتها في الوصل بالوجهين.
_________________
(١) ١ بعده في "ب": "كان". ٢ في "ط": "زيداه". ٣ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٤ في "ط": "زيديه".
(٢) عجز البيت: "ومن بجسمي وحالي عنده سقم"، وهو للمتنبي في ديوانه ٣/ ٨٠، وخزانة الأدب ٧/ ٢٧٦، وشرح قطر الندى ص٢٢٣، وشرح المفصل ١٠/ ٤٤.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
فصل:
"وإذا ندب المضاف للياء" الجائز فيه اللغات الست "فعلى لغة من قال: يد عبد، بالكسر، أو يا عبد، بالضم"، أو يا عبد، بالفتح، مع حذف الياء فيهن، "أو يا عبدا بالألف" المنقلبة عن الياء "أو يا عبدي، بالإسكان" في الياء. "يقال" في هذه اللغات الخمس: "وا عبدا، وعلى لغة من قال: يا عبدي، بالفتح" في الياء، "أو يا عبدي، بالإسكان" في الياء "يقال: وا عبديا، بإبقاء الفتح على الأول" وهو: يا عبدي، بالفتح، "واجتلابه على الثاني" وهو يا عبدي، بالإسكان.
"وقد تبين" من جواز: وا عبدا ووا عبديا في يا عبدي، بالإسكان، "أن لمن سكن الياء أن يحذفها" في الندبة ويقول: وا عبدا، "أو يفتحها" ويقول: وا عبديا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠٧-
وقائل وا عبديا وا عبدا من في الندا اليا ذا سكون أبدى
"والفتح رأي سيبويه"١، وهو أقيس وأقل عملا، "والحذف رأي المبرد"٢.
والحاصل أنه إذا ندب على لغة من حذف الياء٣، فإن كان ما قبلها مفتوحًا أقرت الفتحة على حالها وأتي بألف الندبة، وإن كان مكسورًا أو مضموما جعل بدل الكسر والضمة فتحة وزيدت الألف، وعلى لغة من أبدل ألفًا حذفت الألف المبدلة وزيدت ألف الندبة، كما يفعل ذلك بالمقصور، وعلى لغة من أثبت الياء مفتوحة زيدت الألف ولم تحتج إلى عمل ثان، لأن الياء متهيئة بالفتحة لمباشرة الألف. وعلى لغة من يثبت الياء الساكنة جاز حذف الياء لالتقاء الساكين، وإبقاؤها مفتوحة.
"وإذا قيل: يا غلام غلامي، لم يجز في الندبة حذف الياء؛ لأن المضاف إليها"، وهو غلام الثاني، "غير منادى" لأنه مضاف إليه المنادى، والمضاف إليه المنادى غير منادى، وحكم٤ المندوب حكم المنادى، فلما لم يحذف في النداء لم يحذف في الندبة، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٢٢١. ٢ في المقتضب ٤/ ٢٧٠ أنه أجاز الفتح والحذف. ٣ سقطت من "ب". ٤ بعده في "ب": "منادى".
[ ٢ / ٢٥٠ ]
باب الترخيم
مدخل
باب الترخيم:
وهو لغة: التسهيل والتليين، يقال: صوت رخيم، أي: سهل لين.
واصطلاحًا: حذف بعض الكلمة على وجه مخصوص.
وهو ثلاثة أنواع: ترخيم النداء، وترخيم الضرورة، وهما المذكوران في هذا الباب، وترخيم التصغير، وسيأتي في باب التصغير١.
"يجوز ترخيم المنادى، أي حذف آخره تخفيفًا٢، وذلك بشرط كونه معرفة"، لأن المعارف كثر نداؤها فدخلها التخفيف بحذف آخرها، خص الآخر، بذلك لأنه محل التغيير. "غير مستغاث" مجرور باللام، "ولا مندوب ولا ذي إضافة ولا ذي إسناد فلا يرخم نحو قول الأعمى: يا إنسانًا خذ بيدي". لأنه نكرة. "ولا" نحو٢ "قولك: يا لجعفر"، لأن المستغاث المجرور باللام عند سيبويه شبيه بالمضاف إليه، لأنه مجرور مثله، فكان غير منادى، إذ لم تعمل أداة النداء في لفظه وإنما عملت في موضعه، فإن لم يجر باللام جاز ترخيمه، نص على ذلك سيبويه في كتابه٣، وأقره عليه شراحه كالصفار وابن خروف والسيرافي، وعبارة التسهيل تقتضيه٤، فإنه قيد المنادى بكونه مبنيًّا، والمستغاث المجرور باللام معرب، وغير المجرور المفرد مبني، وشاهد ترخيمه قوله: [من الوافر]
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "بابه" مكان "باب التصغير". ٢ سقطت من "ب". ٣ الكتاب ٢/ ٢٤٠. ٤ التسهيل ص١٨٨.
[ ٢ / ٢٥١ ]
٧٢٨-
أعام لك ابن صعصعة بن سعد
قال ابن الضائع: وهذا ضرورة. وقد ناده بغير "يا" وذلك ممنوع، وسمع ترخيمه ومعه اللام كقوله: [من الرمل]
٧٢٩-
كلما نادى مناد منهم يا لتيم الله قلنا يا لمال
وهو ضرورة اتفاقًا.
"و" لا يرخم نحو: "وا جعفراه"، لأن المندوب ليس منادى حقيقة وإن كانت صورته صورة المنادى، لأنه لا يطلب إقباله. "و" لا يرخم نحو: "يا أمير المؤمنين"، لأن المضاف إليه منزل من المضاف منزلة التنوين مما قبله فليس بآخر المنادى حقيقة. "و" لا يرخم نحو: "يا تأبط شرًّا، علمًا"، لأن أصله الجملة، وجزؤها الثاني ليس منادى، "و" نقل "عن الكوفيين إجازة ترخيم الإضافة بحذف عجز المضاف إليه١ تمسكًا بنحو قوله": [من الطويل]
٧٣٠-
أبا عرو لا تبعد فكل ابن حرة سيدعوه داعي ميتة فيجيب
أراد: يا أبا عروة، فحذف حرف النداء ورخمه بحذف التاء، وأجيب بأنه نادر٢.
و"تبعد": بفتح التاء المثناة فوق وسكون الموحدة وفتح العين: من البعد، بفتحتين، وهو الهلاك. وميتة بكسر الميم: هيئة من الموت. وأندر من هذا حذف المضاف إليه بأسره كقوله: [من السريع]
٧٣١-
يا عبد هل تذكرني ساعة
_________________
(١) صدر البيت: تمناني ليقتلني لقيط وهو للأحوص بن شريح في الارتشاف ٣/ ١٥٢، والكتاب ٢/ ٢٣٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٠، وبلا نسبة في الدرر ١/ ٣٩٩، وشرح الأشموني ٢/ ٤٧١، وشرح المرادي ٤/ ٤٦، وهمع الهوامع ١/ ١٨١.
(٢) البيت لمرة بن الرواغ في المقاصد النحوية ٤/ ٣٠٠، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٥٢، وتذكرة النحاة ص١٦٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٧١، وشرح المرادي ٤/ ٤٧. ١ سقطت من "ب".
(٣) البيت بلا نسبة في أسرار العربية ص٢٣٩، والإنصاف ١/ ٣٤٨، وأوضح لمسالك ٤/ ٥٦، وخزانة الأدب ٢/ ٣٣٦، ٣٣٧، وشرح التسهيل ٣/ ٢٣٧، وشرح عمدة الحافظ ص٣١٣، وشرح المفصل ٢/ ٢٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٧. ٢ الإنصاف ١/ ٣٤٨.
(٤) عجز البيت: في موكب أو رائدًا للقنيص وهو لعدي بن زيد في ديوانه ص٦٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩٨، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٥٣، وشرح التسهيل ٣/ ٤٣٢.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
أراد: يا عبد عمرو، وعبد عمرو،١ علم له.
"وزعم ابن مالك" في النظم٢ والتسهيل٣ وشرحه٤ "أنه قد يرخم ذو الإسناد، وأن عمرا نقل ذلك" عن العرب، فقال في شرح التسهيل٥: ونص؛ يعني سيبويه؛ في "باب النسب" على أن من العرب من يرخمه فيقول في "تأبط شرًا": يا تأبط، ورتب على ترخيمه النسب إليه، قال٦: ولا خلاف في النسب إليه. ا. هـ.
ولاشتهار المنع في المسألة عن سيبويه اعتنى بذكرها ونبه على أن صاحب المنع هو الناقل للإجازة عن العرب.
والذي نقل عن سيبويه وقع له في "باب الإضافة إلى الحكاية"، قال٧: فإذا أضفت إلى الحكاية حذفت وتركت الصدر بمنزلة عبد القيس وخمسة عشر، فلزمه الحذف كما لزمهما، وذلك قولك في تأبط شرًّا، تأبطي. قال: ويدل على ذلك أن من العرب من يفرد فيقول: يا تأبط أقبل، فيجعل الأول مفردًا، فكذلك تفرده في الإضافة.
يعني في النسب، هذا نصه في المسألة في باب النسب.
ونص في باب الترخيم على المنع فقال٨: واعلم أن الحكاية لا ترخم لأنك لا تريد أن ترخم غير منادى، وليس مما يغيره النداء، وذلك نحو: "تأبط شرا" قال: ولو رخمت هذا لرخمت رجلا يسمى: [من الكامل]
٧٣٢-
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
ا. هـ.
_________________
(١) ١ سقط من "ب": "وعبد عمرو" ٢ قال ابن مالك في الألفية: والعجز احذف من مركب وقل ترخيم جملة وذا عمرو نقل ٣ التسهيل ص١٨٨. ٤ شرح التسهيل ٣/ ٤٢٢. ٥ شرح التسهيل ٣/ ٤٢٢. ٦ سقطت من "ب". ٧ الكتاب ٣/ ٢٧٧، وانظر شرح ابن الناظم ص٤٢٦. ٨ الكتاب ٢/ ٢٦٩.
(٢) عجز البيت: "وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي"، وهو لعنترة في ديوانه ص١٨٧، والاقتضاب ص٤٧٨، وخزانة الأدب ١/ ٦٠، ٦/ ١٦٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥١٧، وشرح شواهد الشافية ص٢٣٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٨٠، والكتاب ٢/ ٢٦٩، ٤/ ٢١٣، ولسان العرب ١٢/ ٦٤١، "وعم"، وشرح المفصل ٢/ ٢٤.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وإذا كان للمجتهد في مسألة واحدة نصان متعارضان في بابين فالعلم على المذكور في بابه، لأنه بصدد تحقيقه وإيضاحه، بخلاف ما يذكر في غير بابه، فإنه لم يعتن به كاعتنائه بالأول، لكون ذكره استطرادًا، هذا إذا لم يثبت أنه رجع عن أحدهما ولم يكن هنالك تاريخ، وقول الناظم:
٦١٤-
وقل ترخيم جملة وذا عمرو نقل
يوهم أنه لم ينقل عنه غيره، وقد عرفت ما فيه. "وعمرو هذا" المذكور في النظم "هو إمام النحويين ﵀، وسيبويه لقبه" وهو لفظ فارسي معناه رائحة التفاح. قال البطليوسي في شرح الفصيح: الإضافة في لغة العجم مقلوبة. والسيب: التفاح، وويه: الرائحة، والتقدير: رائحة التفاح. وقيل: كانت أمه ترقصه بذلك في صغره، وقيل: كان كل من يلقاه يشم منه رائحة التفاح. وقيل: كان يعتاد شم التفاح. وقيل: لقب بذلك للطافته؛ لأن التفاح من لطيف الفواكه. وقيل: لأنه كان أبيض مشربًا بحمرة كأن خدوده لون التفاح. "وكنيته أبو بشر"، ولكن غلب اللقب عليه حتى إذا أطلق لم ينصرف إلا إليه، وإن كان لقب بسيبويه جماعة غيره منهم: محمد بن موسى بن عبد العزيز المصري ومحمد بن عبد العزيز الأصفهاني وأبو الحسن علي بن عبد الله الكرخي المقرئ.
"ثم إن كان المنادى مختومًا بتاء التأنيث جاز ترخيمه مطلقًا"، سواء أكان تعريفه بالعلمية أم بالقصد والإقبال، وسواء أكان على أربعة أحرف١ أم أقل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠٩-
وجوزنه مطلقًا في كل ما أنث بالها
"تقول في هبة علما: يا هب" بحذف التاء، "وفي جارية "لمعينة"٢ يا جاري"، بحذف التاء٣.
ومنع المبرد ترخيم ما فيه التاء من النكرات المقصودة٤، ويرده السماع، قالوا: يا شا ادجني٥، بالجيم المضمومة وبالنون، أي: يا شاة أقيمي ولا تسرحي، يقال: شاة داجن إذا ألفت البيوت واستأنست. قاله ابن السكيت.
_________________
(١) ١ في "ب": "أوجه". ٢ في "ب": "معينة". ٣ في "ط": "الهاء". ٤ المقتضب ٤/ ٢٦٤. ٥ شرح ابن عقيل ٢/ ٢٨٩، وشرح ابن الناظم ص٤٢٤.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
"وقال" العجاج: [من الرجز]
٧٣٣-
جاري لا تستنكري عذيري سيري وإشفاقي على بعيري
أراد: يا جارية، فحذف حرف النداء ورخمه بحذف الهاء، وتقدم أن حذف حرف النداء لا يجوز مع اسم الجنس المعين إلا عند الكوفيين. والعذير، بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة: هو الأمر الذي يحاوله الإنسان مما١ يعذر عليه، وسيري وإشفاقي: بدل تفصيل من عذيري.
"وإن كان" المنادى "مجردًا من التاء اشترط لجواز ترخيمه كونه علمًا زائدًا على ثلاثة" أحرف، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٦١٠-
واحظلا ترخيم ما من هذه الها قد خلا
إلا الرباعي فما فوق العلم "كـ: جعفر" علم رجل "وسعاد" علم امرأة، فيقال فيهما: يا جعف ويا سعا، "ولا يجوز ذلك" الترخيم "في نحو إنسان لمعين"، لأن تعريفه بغير العلمية، وأجاز بعضهم ترخيمه قياسًا على قولهم: أطرق كرا، ويا صاح، وهو قياس، على٢ شاذ.
"ولا" يجوز ذلك " في نحو: زيد" من كل ثلاثي ساكن الوسط، "ولا في نحو: حكم" من كل ثلاثي محرك٣ الوسط، لأنهما وإن كانا علمين فليسا زائدين على ثلاثة أحرف، فحذف آخرهما٤ إجحاف. هذا هو مذهب الجمهور٥.
_________________
(١) الرجز للعجاج في ديوانه ١/ ٣٣٢، وخزانة الأدب ٢/ ١٢٥، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٦١، وشرح شواهد الإيضاح ص٣٥٥، وشرح المفصل ٢١/ ١٦، ٢٠، والكتاب ٢/ ٢٣١، ٢٤١، ولسان العرب ٤/ ٥٤٨ "عذر"، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٧٧، والمقتضب ٤/ ٢٦٠، وتاج العروس ١٢/ ٢٢٠ "شقر"، ٥٧٦ "عذر"، ومجمل اللغة ٣/ ٤٦٠، وتهذيب اللغة ٢/ ٣٠٩، ولرؤبة في مقاييس اللغة ٣/ ٢٠٤، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٥٨، وشرح ابن الناظم ص٤٢٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٨، وشرح عمدة الحافظ ٢٩٦، ومقاييس اللغة ٤/ ٢٥٤. ١ في "ب": "عما". ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب": "متحرك". ٤ في "ب": "أحدهما". ٥ في الإتصاف ١/ ٣٥٩ أنه مذهب البصريين والكسائي.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
"وقيل: يجوز" الترخيم "في محرك الوسط" كـ: حكم وحسن، فيقال: يا حك ويا حس١. "دون ساكنه" كـ: زيد وعمرو. هذا التفصيل للفراء أجرى حركة الوسط مجرى٢ الحرف قياسًا على إجرائهم نحو: سقر، بحركة وسطه مجرى زينب، في إيجاب منع الصرف، لا مجرى هند، في إجازة الصرف وعدمه.
"وقيل: يجوز" الترخيم "فيهما"، وهو قول بعض الكوفيين، أما المحرك، الوسط فلما مر، وأما الساكن الوسط فقياسًا على نحو: يد، في غير الترخيم، فإن أصلها يدي، بسكون الدال، ودخلها الحذف وجوبًا، فدخوله جوازًا أولى.
_________________
(١) ١ في "ب": "يا حكم ويا حسن". ٢ في "ب": "محرك".
[ ٢ / ٢٥٦ ]
فصل:
"والمحذوف للترخيم إما حرف" واحد "وهو الغالب نحو": يا جعف، و"يا سعا، وقراءة بعضهم"، وهو ابن مسعود١: "وَنَادَوْا "يَا مَالِ"" [الزخرف: ٧٧] .
والذي حسن الترخيم [لأهل النار ضعفهم عن إتمام الاسم لأنهم في غنية عن الترخيم] ٢.
"وإما حرفان، وذلك إذا كان الحرف الذي قبل الآخر من أحرف اللين" وهي: الألف والواو والياء، حال كون حرف اللين "ساكنا"، بناء على إطلاق اللين على هذه الأحرف، سواء أكانت ساكنة أم متحركة، والمحققون يخصون أحرف اللين بالساكنة، فالقيد على الأول مخصص وعلى الثاني كاشف، وفي بعض النسخ "من أحرف العلة" وهو أصوب لأن الأصل في القيد التخصيص. "زائدًا" لا أصليًّا، "مكملا أربعة فصاعدًا"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦١٢-
ومع الآخر احذف الذي تلا إن زيد لينا ساكنا مكملا
٦١٣-
أربعة فصاعدا
"وقبله حركة من جنسه" على الأصح "لفظًا" كـ: مروان ومسكين ومنصور، "أو تقديرًا" كـ: مصطفون ومصطفين، علمين، سواء أكان الحرف الأخير زائدًا أم أصليًّا، "وذلك نحو: مروان"، فإن الألف والنون فيه زائدتان، "وأسماء" بالمد، علمصا منقولا من جمع اسم، فهمزته أصلية؛ لأنها بدل من لام الكلمة، وأصلها أسماو، وأبدلت الواو همزة لتطرفها إثر ألف زائدة، فوزنه أفعال. "ومنصور" علمًا، "ومسكين" علمًا، منقولين من وصفي المفعول والفاعل، فالراء من الأول والنون من الثاني أصليتان وما قبلهما زائد، فيحذف عند الترخيم من مروان الألف والنون، وتقول: يا مرو، ومن أسماء الألف والهمزة
_________________
(١) ١ وكذا قرأ علي وابن وثاب والأعمش وأبو الدرداء. انظر البحر المحيط ٨/ ٢٨، والكشاف ٣/ ٤٩٦، والمحتسب ٢/ ٢٥٧. ٢ سقط ما بين المعكوفين من "ط".
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وتقول: يا أسم، ومن منصور الواو والراء، وتقول: يا منصُ، ومن مسكين الياء والنون، وتقول: يا مسكِ، ومن "مصطفون" و"مصطفين" الواو والياء، وتقول فيهما: يا مصطفَ، كما سيأتي.
"قال" الفرزدق يخاطب مروان بن عبد الملك: [من الكامل]
٧٣٤-
يا مرو إن مطيتي محبوسة ترجو الحباء وربها لم ييأس
أراد: يا مروان، فرخمه بحذف الألف والنون، والحباء، بكسر الحاء المهملة وبالباء الموحدة والمد: العطاء، وربها: صاحبها "وقال" أبو زيد الطائي على ما زعم اللخمي، أو لبيد على ما زعم النحاس في شرح الكتاب: [من البسيط]
٧٣٥-
يا أسم صبرا على ما كان من حدث إن الحوادث ملقي ومنتظر
أراد: يا أسماء، فرخمه بحذف الألف والهمزة. والمعنى: اصبري على الحوادث، فإن بعضها ملقي وبعضها منتظر. "بخلاف نحو: شمأل" بفتح الشين المعجمة وسكون الميم وفتح الهمزة من غير مد، علمًا، فتقول في ترخيمه: يا شمأ، بحذف اللام فقط دون الهمزة، "لأن زائده؛ وهو الهمزة؛ غير حرف لين". قال في النهاية: واختلف في نحو: معد، هل الزائد فيه الأول أو الثاني؟ فمن قال: الزائد الأول، حذف الآخر لتطرفه، ثم حذف الذي قبله لأن لفظه كلفظه، ومن قال: الزائد الثاني، حذفه وأبقى ما قبله، وهذه المسألة ذكرها سيبويه في محمر ومسود١.
"و" بخلاف "نحو: هبيخ" بفتح الهاء والباء الموحدة المثناة التحتانية المشددة وفي آخره خاء معجمة: الغلام الممتلئ، "وقنور" بفتح القاف والنوم والواو المشددة، بعدها راء مهملة: الصعب اليبوس من كل شيء حال كون هبيخ وقنور "علمين"، فتقول في ترخيمهما: يا هبي ويا قنو، بحذف آخرهما فقط، ولا يحذف ما قبله "لتحرك حرف اللين" فيهما، وهو الياء في هبيخ، والواو في قنور٢.
_________________
(١) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٣٨٤، وخزانة الأدب ٦/ ٣٤٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٠٥، والكتاب ٢/ ٢٥٧، واللمع ص١٩٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٧٢، وشرح قطر الندى ص٢١٥، وشرح المفصل ٢/ ٢٢.
(٢) البيت لأبي زبيد الطائي في ملحق ديوانه ص١٥١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٣٥، وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه ص٣٦٤، والكتاب ٢/ ٢٥٨، ولأحدهما في المقاصد النحوية ٤/ ٢٨٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤٧٢. ١ الكتاب ٢/ ٢٦٤. ٢ انظر شرح ابن الناظم ص٤٢٥.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
"و" بخلاف "نحو: مختار ومنقاد علمين"، فتقول في ترخيمهما: يا مختا ويا منقا، بحذف آخرهما فقط، ولا يحذف ما قبله "لأصالة الألفين" فيهما، فإنهما منقلبان عن أصل، فأصل مختار ومنقاد: مختير ومنقود، بفتح الياء والواو أو كسرهما، فلما تحركا وانفتح ما قبلهما قلبا ألفين، والمنقلب عن الأصل أصل. وأجاز الأخفش أن يقال في ترخيمهما: يا مخت ويا منق، بحذف الألف من كل منهما مع الآخر نظرًا إلى الحالة الراهنة.
"و" بخلاف "نحو: سعيد وثمود وعماد"، فنقول في ترخيمهما: يا سعي ويا ثمو ويا عما، بحذف الدال فيهن فقط، ولا يحذف ما قبلهما من الياء أو الواو والألف وإن كان كل منها حرف لين زائد، "لأن السابق على حرف اللين حرفان" لا ثلاثة، وهذا محترز قوله:
٦١٢-
مكملا
٦١٣-
أربعة
وأجاز الفراء حذف الياء والألف مع الآخر من نحو: سعيد وعماد في كل لغة، وحذف الواو مع الآخر في نحو: ثمود، في لغة من يجعله اسما برأسه ولا ينتظر المحذوف، فيقول: يا سع ويا عم ويا ثم١.
وأما على لغة من ينتظر في نحو: ثمود، فيوجب حذف الواو والدال ولا يجيز: يا ثمو، بحذف الدال فقط، لأن بقاء الواو يستلزم عدم النظير؛ إذ ليس في العربية اسم متمكن في آخره واو لازمة قبلها ضمة. ورد بأنه يلزم بقاء الاسم المتمكن على حرفين، وذلك خلاف القياس، والواو حينئذ لا يحكم لها بحكم الحشو. فلا يلزم ما قاله٢.
"وبخلاف نحو: فرعون وغرنيق" بضم العين المعجمة وسكون الراء وفتح النون: طير من طيور الماء طويل العنق، حال كونه "علمًا"، فتقول في ترخيمهما: يا فرعو ويا غرني، بحذف آخرهما فقط، ولا تحذف الواو والياء "لعدم مجانسة الحركة" لهما.
والجرمي والفراء لا يشترطان المجانسة، فيجيزان حذف اللين وإن كان قبله فتحة، فيقولان: يا فرع٣ ويا غرن، لبقاء الاسم المتمكن٤ على ثلاثة أحرف٥، وإلى ذلك أشار
_________________
(١) ١ في "ب": "ويا ثمو". ٢ شرح المرادي ٤/ ٥٣-٥٤. ٣ في "ب": "يا فرعو". ٤ بعده في "ب": "أعني". ٥ انظر شرح ابن الناظم ص٤٢٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٩١، والتسهيل ص١٨٨.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
الناظم بقوله:
٦١٣-
والخلف في واو وياء بهما فتح قفي
"ولا خلاف في" جواز حذف الواو والياء مع الآخرين من "نحو: مصطفون ومصطفين، علمين" فتقول فيهما: يا مصطف، بحذف الواو والنون من الأول والياء والنون من الثاني، "لأن أصلهما مصطفيون ومصطفيين" بضم الياء في الأول وكسرها في الثاني، ولكنهم قلبوها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفوا الألف لالتقاء الساكنين. "فالحركة المجانسة"، وهي الضمة في الأول والكسرة في الثاني، وإن لم تكن ملفوظة فهي "مقدرة".
والحركة المجانسة في التقدير كالمجانسة في اللفظ، كما سبق في قوله: وقبله حركة من جنسه لفظًا أو تقديرًا، وهو مأخوذ من قول التسهيل١: مسبوق بحركة مجانسة ملفوظة أو مقدرة، والمحذوف للترخيم إما حرف واحد٢ أو حرفان، كما تقدم، "وإما كلمة برأسها وذلك في المركب المزجي"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٦١٤-
والعجز احذف من مركب وقل ترخيم جملة وذا عمرو نقل
"تقول في" ترخيم "معد يكرب" وبعلبك وسيبويه وخمسة عشر علمًا: "يا معدي" ويا بعل ويا سيب ويا خمسة، ومنع الفراء ترخيم المركب من العدد إذا سمي به، ومنع أكثر الكوفيين ترخيم المختوم بـ"ويه" والمنقول أن العرب لم ترخم المركب المزجي وإنما أجازه النحويون قياسًا.
"وإما كلمة وحرف وذلك في: اثنا عشر" علمًا "تقول" إذا رخمته: "يا اثن" بحذف الألف و"عشر"، كما تقول في ترخيمه لو لم تركبه، نص على ذلك سيبويه٣، "لأن "عشر" في موضع النون، فنزلت هي والألف منزلة الزيادتين في "اثنام" علمًا"، ولذلك أعرب. وقد يحذف المضاف إليه وآخر المضاف جميعًا نحو: يا صاح، أصله، يا صاحبي. قاله ابن خروف والجوهري وابن بري وجماعة. وقال غيرهم٤: هو مرخم صاحب على غير قياس.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٨٨. ٢ الكتاب ٢/ ٢٦٩. ٣ الارتشاف ٣/ ١٥٦. ٤ منهم الشلويين كما ذكر أبو حيان في الارتشاف ٣/ ١٦٥، والمبرد في المقتضب ٤/ ٢٤٣، وسيبويه في الكتاب ٢/ ٢٥٦.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
فصل:
"والأكثر" في لسان العرب "أن ينوى المحذوف، فلا يغير ما بقي" عن حاله من حركة أو سكون بل يبقى على فتحه إن كان مفتوحًا، "تقول في جعفر: يا جعف، بالفتح، و" على كسره إن كان مكسورًا، تقول "في حارث: يا حار، بالكسر، و" على ضمه إن كان مضمومًا، تقول "في منصور: يا منص، بتلك الضمة" الموجودة قبل الترخيم، "و" على سكونه إن كان ساكنًا، تقول "في هرقل: يا هرق، بالسكون، و" تقول "في ثمود وعلاوة وكروان" أعلامًا: "يا ثمو ويا علاو ويا كرو"، بإبقاء الواو على صورتها في الأمثلة الثلاثة١ من غير إبدال لأنها ليست ظرفًا في التقدير، لأن الحرف المحذوف بعدها في نية الملفوظ به، وتسمى لغة من ينتظر، وإليها أشار الناظم بقوله:
٦١٥-
وإن نويت بعد حذف ما حذف فالباقي استعمل بما فيه ألف
"ويجوز أن لا ينوى" المحذوف "فيجعل الباقي" بعد الحذف اسمًا برأسه، ويجعل الحرف الذي قبل المحذوف "كأنه آخر الاسم في أصل الوضع" من غير حذف، فلا يبقى على حاله بل يضم، وتسمى لغة من لا ينتظر، وإليها أشار الناظم بقوله:
٦١٦-
واجعله إن لم تنو محذوفًا كما لو كان بالآخر وضعا تمما
"فتقول: يا جعف ويا حار ويا هرق، بالضم فيهن، وكذا تقول: يا منص بضمة حادثة للبناء" غير تلك الضمة التي كانت قبل الترخيم، بدليل أن هذه يجوز إتباعها وتلك لا يجوز إتباعها.
"وتقول: يا ثمي، بإبدال الضمة كسرة والواو ياء، كما تقول في جمع جرو" بتثليث الجيم، "ودلو" على أفعل، بضم العين: "الأجري والأدلي" والأصل: الأجرو والأدلو، بضم الراء واللام، فقلبوا الضمة كسرة، والواو ياء لئلا يلزم منه عدم النظير، "لأنه ليس في العربية اسم معرب آخره واو لازمة مضموم ما قبلها" وما تجدد بناؤه حكمه حكم المعرب.
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "المسائل الثلاث".
[ ٢ / ٢٦١ ]
"وخرج بالاسم الفعل نحو: يدعو"، وجعله علمًا عارض، "و" خرج "بالمعرب" المبني أصالة "نحو: هو". وأما أسماء البلدان نحو: سنبو١ والبيهو في الإقليم الصعيدي، فالظاهر أنها غير عربية كـ: سمندو٢.
"و" خرج "بذكر الضم نحو: دلو"، فإن ما قبل الواو ساكن، "و" خرج "باللزوم نحو: هذا أبوك" فإن الواو فيه ليست بلازمة، فإنها تقلب ألفًا في النصب وياء في الجر، "وتقول: يا علاء، بإبدال الواو همزة لتطرفها بعد ألف زائدة كما في كساء" فإن أصله: كساو، لأنه من "كسوت" فأبدلت الواو همزة لما ذكر. "وتقول: يا كرا بإبدال الواو ألفًا لتحريكها وانفتاح ما قبلها" ولم يكن بعدها ساكن "كما في العصا".
والعلاوة بكسر العين المهملة: ما علقته على البعير بعد تمام الوقر، والكروان، بفتح الكاف والراء: طائر طويل العنق، وهو ذكر الحبارى.
_________________
(١) ١ في "ب": "شنبو". ٢ في "ب": "هندو".
[ ٢ / ٢٦٢ ]
فصل:
"يختص ما فيه تاء التأنيث بأحكام منها: أنه لا يشترط لترخيمه علمية"، بل مطلق التعريف فيه كاف ولو بالقصد، "ولا زيادة على ثلاثة أحرف، كما مر" في قوله: "ثم إن كان المنادى مختومًا بتاء التأنيث جاز ترخيمه مطلقًا، تقول في هبة علما: يا هب، وفي جارية لمعينة: يا جاري".
"و" منها: "أنه إذا حذف منه التاء توفر من الحذف ولم يستتبع حذفها حذف حرف قبلها"، لأن تاء التأنيث في حكم كلمة منفصلة عما قبلها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠٩-
والذي قد رخما
٦١٠-
بحذفها وفره بعد
"فتقول في" ترخيم "عقنباة"، بفتح العين المهملة والقاف وبسكون النون بعدها موحدة فألف فتاء تأنيث، صفة للعقاب، يقال: عقاب عقنباة أي: ذو مخاليب حداد: "يا عقنبا" بالألف، ولا تحذف لما مر.
"و" منها أنه لا يرخم إلا على نية المحذوف" خوف الالتباس بالمذكر "تقول في" ترخيم "مسلمة" بضم الميم، "وحارثة" بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، "وحفصة: يا مسلم ويا حارث ويا حفص، بالفتح" فيهن، ولا تقول: يا مسلم ويا حارث ويا حفص، بالضم فيهن على لغة من لا ينتظر المحذوف "لئلا يلتبس بنداء" مذكر لا ترخيم فيه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦١٨-
والتزم الأول في كمسلمه
"فإن لم يخف لبس١ جاز" ترخيمه على لغة من لا ينتظر المحذوف، "كما في نحو: همزة" علمًا، بضم الهاء٢ وفتح الميم والزاي، وهو المغتاب يستوي فيه المذكر والمؤنث
_________________
(١) ١ في "أ"، "ب": "لم تخف لبسا" والتصويب من "ط" وأوضح المسالك ٤/ ٦٦. ٢ في "ب": "بالضم بالها".
[ ٢ / ٢٦٣ ]
يقال: رجل همزة وامرأة همزة، وفي التنزيل: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] . "ومسلمة" بفتح الميم، علم رجل، وليست التاء فيه للفرق بين المذكر والمؤنث، فتقول إذا رخمتهما على لغة من لا ينتظر: يا همز ويا مسلم، بالضم فيهما، إذ لا لبس بذلك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦١٨-
وجواز الوجهين في كمسلمه
"و" منها "أن نداءه مرخمًا أكثر من ندائه تامًّا" من غير ترخيم "كقوله"، وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٧٣٦-
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أراد: يا فاطمة. و"أزمعت" بزاي وعين مهملة: أي أحكمت عزمك، والصرم: القطع، والإجمال: الإحسان.
"ولكن يشاركه في هذا" الحكم الأخير "مالك وغامر وحارث"، فترخيمهن أكثر من ترك الترخيم لكثرة استعمالهن في النداء. ووجه اختصاص ما فيه تاء التأنيث بذلك أنه لا يتوقف على كثرة استعماله، فافترقا.
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٢، والجنى الداني ص٣٥، وخزانة الأدب ١١/ ٢٣٢، والدرر ١/ ٣٧٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٩، وتاج العروس "عنز"، "زمع"، "دلل"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٧، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٨٤، ورصف المباني ص٥٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٦٧، وشرح المرادي ٤/ ٣٤، ومغني اللبيب ١/ ١٣، وهمع الهوامع ١/ ١٧٢.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
فصل:
"ويجوز ترخيم غير المنادى بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون ذلك في الضرورة".
الشرط: "الثاني: أن يصلح الاسم" المراد ترخيمه "للنداء" أي لمباشرة حرف النداء، وإليها أشار الناظم بقوله:
٦١٩-
ولاضطرار رخموا دون ندا ما للندا يصلح
في الضرورة، "فلا يجوز" ترخيم الضرورة "في نحو: الغلام"، مما فيه "أل" لأنه لا يصلح لمباشرة حرف النداء، ومن ثم خطئ من جعل من ترخيم الضرورة١ قول العجاج: [من الرجز]
٧٣٧-
أوالفا مكة من ورق الحمي
بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وأصله: الحمام، بالتخفيف، فحذف المين الثانية وقلبت الألف ياء للقافية. وقيل: حذفت الألف وأبدلت الميم ياء، ويحتمل أن يكون حذف منه الألف والميم للضرورة كقوله: [من الكامل]
٧٣٨-
درس المنا بمتالع فأبان
وكسرت الميم الأولى للقافية والياء إشباع، ورق، بضم الواو: جمع ورقاء، وهي التي في لونها بياض إلى سواد.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك أبو الفتح في المحتسب ١/ ٧٨، وانظر شرح ابن الناظم ص٤٢٩.
(٢) الرجز للعجاج في ديوانه ١/ ٤٥٣، وشرح ابن عقيل ٢/ ١١٦، والكتاب ١/ ٢٦، ١١٠، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٥١، والمحتسب ١/ ٧٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٥٤، ٤/ ٢٨٥، وتهذيب اللغة ١٥/ ٣٨١، وتاج العروس ٢٣/ ٣٠ "ألف"، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٦٣، والأشباه والنظائر ١/ ٢٩٤، والإنصاف ٢/ ٥١٩، والدرر ١/ ٣٩٨، ٢/ ٥٢٢، وشرح ابن الناظم ص٣٠٥، ٤٢٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٤٣، ٤٧٦، وشرح التسهيل ٣/ ٤٣١، وشرح المرادي ٤/ ٦٠، وشرح المفصل ٦/ ٧٥، وهمع الهوامع ١/ ١٨١، ٢/ ١٥٧.
(٣) عجز البيت: "فتقادمت بالحبس فالسوبان"، وتقدم تخريجه برقم ٧١٥.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
الشرط "الثالث: أن يكون" المرخم في الضرورة "إما زائدًا على الثلاثة" وذلك مأخوذ من قول الناظم:
٦١٩-
نحو أحمدا
"أو" مختوما "بتاء التأنيث"، فالأول "كقوله"، وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٧٣٩-
لنعم الفتى يعشو إلى ضوء ناره طريف بن مال ليلة الجوع والخصر
أراد: ابن مالك، فرخمه في غير النداء ضرورة، وترك ما بقي كأنه اسم برأسه، ونونه على لغة من لا ينتظر. ويعشو: يسير في العشاء، وهو الظلام١، والخصر، بفتح الخاء والصاد المهملتين: شدة البرد. والثاني كقول الأسود بن يعفر: [من الطويل]
٧٤٠-
وهذا ردائي عنده يستعيره ليسلبني حقي أمال بن حنظل
أراد: ابن حنظلة، فرخمه في غير النداء ضرورة.
"ولا يمتنع" الترخيم في الضرورة "على لغة من ينتظر المحذوف" عند سيبويه٢ وجمهور البصريين٣، "خلافًا للمبرد"٤، قالوا: "ودليلنا" القياس على النداء والسماع، ومنه قول أوس التميمي: [من البسيط]
٧٤١-
إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته أو أمتدحه فإن الناس قد علموا
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٤٢، والارتشاف ٣/ ١٦٤، ٣/ ١٦٤، وتذكر النحاة ص٤٢٠، والدرر ١/ ٣٩٧، وشرح ابن الناظم ص٤٢٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٥١، وشرح المرادي ٤/ ٥٧، والكتاب ٢/ ٢٥٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٩، ورصف المباني ص٢٣٩، وشرح الأشموني ٢/ ٤٧٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٩٥، وهمع الهوامع ١/ ١٨١. ١ في "ب": "الكلام".
(٢) البيت للأسود بن يعفر في ديوانه ص٥٦، وسمط اللآلي ص٩٣٥، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٦٤، والكتاب ٢/ ٢٤٦، ٣/ ٦٩، ونوادر أبي زيد ص١٥٩-١٦٠، وبلا نسبة في المقرب ١/ ١٨٨. ٢ الكتاب ٢/ ٢٦٩، وشرح ابن الناظم ص٤٢٨. ٣ الإنصاف ١/ ٣٤٧، المسألة رقم ٤٨. ٤ انظر شرح ابن الناظم ص٤٢٨، والإنصاف ١/ ٣٥٥، والدرر ١/ ٣٩٨.
(٣) البيت لابن حبناء في الدرر ١/ ٣٩٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٢٧، والكتاب ٢/ ٢٧٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٨٣، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٤١، والإنصاف ١/ ٣٥٤، وشرح ابن الناظم ص٤٢٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤٧٧، وشرح التسهيل ٣/ ٤٣٠، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٧١، وشرح المرادي ٤/ ٥٨، ١/ ١٨٨، وهمع الهوامع ١/ ١٨١.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
أراد: ابن حارثة، فرخمها بحذف التاء على لغة من ينتظر، وقوله: وهو جري: [من الوافر]
٧٤٢-
ألا أضحت حبالكم رماما وأضحت منك شاسعة أماما
أراد: أمامة، بضم الهمزة، علم امراة، فرخمها بحذف التاء على لغة من ينتظر. ورماما: جمع رمة، بضم الراء المهملة، وهي القطعة البالية من الحبل، وأنشده المبرد١:
وما عهدي كعهدك يا أماما
قال ابن مالك في شرح الكافية٢: والإنصاف يقتضي تقرير الروايتين، ولا ترفع إحداهما بالأخرى. ا. هـ.
وفهم من عدم اشتراط التعريف في ترخيم الضرورة أنه يجيء في النكرات، كقوله: [من الخفيف]
٧٤٣-
ليس حي على المنون بخال
أي: بخالد.
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ص٢٢١، وخزانة الأدب ٢/ ٣٦٥، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٩٤، والكتاب ٢/ ٢٧٠، والمقاصد النحوية ٢٤/ ٢٨، ونوادر أبي زيد ٣١، وبلا نسبة في أسرار العربية ٢٤٠، والإنصاف ١/ ٣٥٣، وأوضح المسالك ٤/ ٧٠، وشرح ابن الناظم ص٤٢٨، وشرح التسهيل ٣/ ٤٣٠، وشرح عمدة الحافظ ص٣١٣، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٥١، ١٣٦٢، ١٣٧١، وشرح المرادي ٤/ ٥٨. ١ انظر شرح ابن الناظم ص٤٢٨. ٢ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٧١.
(٢) عجز البيت: لا عديم ولا مثمر مال ويروى: فلو ذروة فجنبي ذيال وهو لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص١٠٩، والدرر ١/ ٣٩٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٦١، وفيه القافية "أقال"، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٦٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٧٢، وشرح المرادي ٤/ ٦، وهمع الهوامع ١/ ١٨١.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
باب المنصوب على الاختصاص:
والاختصاص في الأصل اختصصته بكذا، أي خصصته١ به، وفي الاصطلاح: تخصيص حكم علق بضمير بما٢ تأخر عنه من اسم ظاهر معرف.
والباعث عليه فخر أو تواضع أو زيادة بيان، فالأول نحو: علي؛ أيها الجواد؛ يعتمد الفقير. والثاني نحو: إني؛ أيها العبد؛ فقير إلى عفو الله. والثالث نحو: نحن؛ العرب؛ أقرى الناس للضيف٣.
وهو خبر استعمل بصورة النداء توسعا، كما استعمل الخبر بصيغة الأمر، نحو: أحسن بزيد: والأمر بصيغة الخبر نحو: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . "و" المنصوب على الاختصاص "هو اسم" ظاهر غير نكرة ولا مبهم، "معمول لـ: أخص" مضارع "خص" "واجب الحذف"، كما يجب حذف ناصب المنادى.
"فإن كان" المنصوب على الاختصاص "أيها" في التذكير، إفرادًا وتثنية وجمعًا، "أو: أيتها" في التأنيث إفرادًا وتثنية وجمعًا، "استعملا" في الاختصاص "كما يستعملان في النداء، فيضمان" لفظًا وينصبان محلا، ويتصل بهما "ها" التنبيه وجوبًا، "ويوصفان لزومًا باسم لازم الرفع" مراعاة للفظيهما، "محلى بـ: أل" الجنسية. "نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل" فأنا أفعل" مبتدأ وخبر: وأيها: في موضع نصب على الاختصاص بفعل محذوف وتقديره "أخص" و"الرجل": نعت "أي" على اللفظ.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ في "أ"، "ط": "ما". ٣ من شواهد الكتاب ٢/ ٢٣٤، وشرح ابن الناظم ص٤٣١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
"واللهم اغفر لنا أيتها العصابة"١ بكسر العين، فأيتها؛ بالضم في موضع نصب على الاختصاص بفعل محذوف تقديره "أخص" والعصابة: نعت "أيتها" على اللفظ، وجملة الاختصاص في المثالين في موضع نصب على الحال. والمعنى: أنا أفعل كذا مخصوصًا من بين الرجال، واللهم اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب.
وما ذكره من أن أيها وأيتها مبنيان على الضم في موضع نصب بفعل الاختصاص محذوفًا هو مذهب الجمهور، وذهب الأخفش إلى أن كلا منهما منادى، قال٢: ولا ينكر أن ينادي الإنسان نفسه. ألا ترى إلى قول عمر -﵁: "كل الناس أفقه منك يا عمر".
وذهب السيرافي٣ إلى أن "أيا" في الاختصاص معربة، وزعم أنها تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، [والتقدير: أنا أفعل كذا هو أيها الرجل، أي المخصوص به. والثاني أن يكون مبتدأ والخبر محذوف] ٤ والتقدير: أيها الرجل المخصوص أنا المذكور.
"وإن كان" المنصوب على الاختصاص "غيرهما" أي غير أيها وأيتها "نصب" لفظًا، سواء كان [لفظه] ٥ مفردًا أم مضافًا، فالأول "نحو: نحن"؛ العرب، أقرى الناس للضيف. والثاني [نحو] ٥ قوله -ﷺ: "إنا " معاشر الأنبياء لا نورث " " ٦، فالعرب ومعاشر: منصوبان على الاختصاص بفعل محذوف وجوبًا تقديره: أخص العرب وأخص معاشر الأنبياء. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٢٠-
الاختصاص كنداء
البيتين٧.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٤٣٠، والكتاب ٢/ ٢٣٢. ٢ انظر قوله في همع الهوامع ١/ ١٧١. ٣ انظر ما ذهب إليه السيرافي في الارتشاف ٣/ ١٦٦، وهمع الهوامع ١/ ١٧. ٤ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٥ إضافة من "ب"، "ط". ٦ أخرجه البخاري في صحيحه برواية: "لا نورث، ما تركنا صدقة" برقم ٢٩٢٦، ٢٩٢٧، وأخرجه مسلم برقم ١٧٥٩، وفي حاشية يس ١/ ١٩١: "ذكر أبو الحسين البزار الواعظ في كتاب النصيحة بالثقة أنه روى: نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث". ٧ البيتان هما: ألاختصاص كنداء دون يا كأيها الفتى بإثر ارجونيا وقد يرى ذا دون تلو أل كمثل نحن العرب أسخى من بذل
[ ٢ / ٢٦٩ ]
والمنصوب على الاختصاص يشارك المنادى في ثلاثة أحكام:
أحدها: إفادة الاختصاص بالمتكلم، كما أن المنادى يفيد الاختصاص بالمخاطب.
والثاني: أن كل واحد منهما لا يكون إلا للحاضر.
والثالث١: أن الاختصاص واقع في معرض التوكيد، والنداء قد٢ يكون كذلك، كقولك لمن هو مصغ إليك: كان الأمر كذا يا فلان.
"ويفارق المنادى في أحكام" لفظية ومعنوية: فأما الأحكام اللفظية فأمور:
"أحدها: أنه ليس معه حرف نداء لا لفظًا ولا تقديرًا"، بخلاف المنادى فإنه لا يخلو عن ذلك.
"الثاني: أنه لا يقع في أول الكلام بل في أثنائه" أي وسطه، "كالواقع بعد: نحن" في المثال، وبعد "أنا" "في الحديث المتقدم"، وهذا الحديث بلفظ "نحن". قال الحافظ٣: غير موجود، وإنما الموجود في سنن النسائي الكبرى: إنا معاشر الأنبياء٤. كما شرحنا. "أو بعد تمامه" أي الكلام "كالواقع بعد "أنا" و"لنا"٥ في المثالين قبله" وهما "أنا أفعل كذا أيها الرجل" و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" فالمخصوص وهو "أيها" في المثال الأول "أيتها" في المثال الثاني وقعا بعد تمام الكلام، لأن كلا من قولك "أنا أفعل كذا" و"اللهم اغفر لنا" كلام تام٦ بخلاف المنادى، فإنه يقع في أول الكلام، نحو: يا الله اغفر لنا.
"والثالث: أنه يشترط أن يكون المقدم٧ عليه اسما بمعناه" في التكلم والخطاب، "والغالب كونه" أي: [كون] ٨ المقدم على المخصوص "ضمير تكلم" يخصه أو يشارك فيه، فالأول نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل، والثاني نحو: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة.
_________________
(١) ١ في "ب": "والثايلث". ٢ في "ب": "فلا". ٣ في "أ": "الحافظ". ٤ السنن الكبرى للنسائي ٤/ ٦٤. ٥ في "ب"، "ط": "نا". ٦ سقطت من "ب". ٧ في "ب": "المتقدم". ٨ إضافة من "ط".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
"وقد يكون" المقدم "ضمير خطاب كقول بعضهم: بك؛ الله؛ نرجو الفضل"، فـ"بك" متعلق بـ"نرجو"، والله: منصوب على الاختصاص، والفضل: مفعول "نرجو". وفي هذا المثال شذوذان: كونه بعد ضمير خطاب، وكونه علمًا. قاله في الشذور١.
ولا يكون المتقدم ضمير غائب ولا اسما ظاهرًا، فلا يجوز: بهم معشر العرب؛ ختمت المكارم، ولا: بزيد؛ العالم؛ يقتدي الناس٢.
"والرابع والخامس: أنه يقل كونه علمًا، وأنه ينتصب مع كونه مفردا" معرفة٣، "كما في هذا المثال" وهو: بك؛ الله؛ نرجو الفضل، ومثله: سبحانك الله العظيم، والمنادى يكثر كونه علما، ويضم مع كونه مفردًا.
والسادس: أن يكون بـ"أل" قياسًا كقولهم: نحن؛ العرب؛ أقرى الناس للضيف، والمنادى لا يكون كذلك.
والسابع والثامن والتاسع والعاشر: أن لا يكون نكرة ولا اسم إشارة ولا موصولا ولا ضميرًا. قاله في الارتشاف٤. والمنادى يكون كذلك.
الحادي عشر: أن "أيا" هنا لا توصف باسم الإشارة، وتوصف به في النداء.
الثاني عشر: أن صفة "أي" هنا واجبة الرفع٥ بلا خلاف، كما قاله في الارتشاف٦، وفي الثاني طرقها٧ خلاف، أجاز المازني نصبها.
الثالث عشر: أن أيا هنا اختلف في ضمتها: هل هي إعراب أو بناء، وفي النداء بناء بلا خلاف.
[الرابع عشر: العامل المحذوف هنا لم يعوض عنه شيء وعوض عنه في النداء حرف.
الخامس عشر: أن العامل المحذوف] ٨ هنا فعل الاختصاص، وفي النداء فعل الدعاء٩.
_________________
(١) ١ شرح شذور الذهب ص٢٢٢. ٢ الكتاب ٢/ ٢٣٦. ٣ سقطت من "ب". ٤ الارتشاف ٣/ ١٦٧. ٥ سقطت من "ب" كلمة: "الرفع". ٦ الارتشاف ٣/ ١٦٦. ٧ بعده في "ب": "الرفع"، وهي الكلمة نفسها التي سقطت في الحاشية السابقة. ٨ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٩ في "ب": "الدعا".
[ ٢ / ٢٧١ ]
والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر: أنه لا يكون تاليًا لحرف النداء، وأنه لا يعنى به إلا نفس المتكلم، وأنه لا يجوز فيه الترخيم.
والتاسع عشر والعشرون: أنه لا يستغاث به، وأنه لا يندب.
وأما الأحكام المعنوية فأمور:
أحدها: أن الكلام مع الاختصاص خبر، ومع النداء إنشاء.
والثاني: أن الغرض من ذكره تخصيص مدلوه من بين أمثاله بما نسب إليه.
والثالث: أنه مفيد لفخر أو تواضع أو زيادة بيان، بخلاف النداء فيهما.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
باب التحذير:
"وهو" في الأصل مصدر "حذر" بالتشديد، والمراد به هنا "تنبيه المخاطب على أمر مكروه لتجتنبه". ويكون بثلاثة أشياء: بـ"إياك" وأخواته. وبما ناب عنها من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب، نحو: نفسك، وبذكر المحذر منه، نحو: الأسد.
"فإن ذكر المحذر بلفظ "إيا" فالعامل" في محلها١ النصب فعل "محذوف لزومًا"، لأنه لما كثر التحذير بلفظ "إيا" جعلوه بدلا من اللفظ بالفعل، والتزموا معه إضمار العامل، "سواء عطفت عليه" المحذر منه، نحو: إياك والشر، "أم كررته" نحو: [من الطويل]
٧٤٤-
إياك إياك المراء
"أم لم تعطف ولم تكرر" نحو: إياك الأسد، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٢٢-
إياك والشر ونحوه نصب محذر بما استتاره وجب
٦٢٣-
ودون عطف ذا لإيا انسب
"تقول" إذا عطفت عليه المحذر منه: "إياك والأسد" فإياك: في محل نصب بفعل محذوف تقديره: أحذر، ونحوه، ثم قيل: يجب تقديره بعد "إياك" والأصل: إياك أحذر، لأنه لو قدر قبله لاتصل به، فقيل: أحذرك، فيلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره٢ المتصل، وذلك خاص بأفعال القلوب وما ألحق بها.
_________________
(١) ١ في "ب": "محلهما".
(٢) تمام البيت: إياك إياك المراء فإنه إلى الشر دعاء وللشر جالب وتقدم تخريجه برقم ٦٤٨. ٢ في "ب": "ضمير".
[ ٢ / ٢٧٣ ]
"و" قيل: "الأصل: احذر تلاقي نفسك، والأسد ثم حذف الفعل" وهو احذر "وفاعله" وهو ضمير المخاطب المستتر فيه، فصار "تلاقي نفسك والأسد" "ثم" حذف "المضاف الأول" وهو "تلاقي"، "وأنيب عنه الثاني" وهو "نفسك" "فانتصب" فصار "نفسك والأسد"، "ثم" حذف المضاف الثاني وهو "نفس" "وأنيب عنه الثالث" في التركيب وهو الكاف، "فانتصب" بعد أن كان مجرورًا بالإضافة، "وانفصل" لتعذر اتصاله فصار "إياك".
واختلف في إعراب ما بعد الواو فقيل: هو معطوف على "إياك" والتقدير: احذر نفسك أن تدنو من الأسد والأسد أن يدنو منك، وهذا مذهب كثيرين منهم السيرافي. واختاره ابن عصفور١.
واعترض بأن "إياك" محذر و"الأسد" محذر منه، والعطف يقتضي المشاركة في المعنى. وأجيب بأن مقتضى العطف الاشتراك في معنى الخوف، فلا يمتنع أن يكون أحدهما خائفًا والآخر مخوفًا منه. قاله الفخر الرازي في شرح المفصل. وذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أن ما بعد الواو منصوب بفعل آخر محذوف، فهو عندهما من قبيل عطف الجمل٣. واختار ابن مالك قولا ثالثا، وهو أن يكون معطوفًا عطف مفرد لا على التقدير الأول، بل على تقدير: اتق تلاقي نفسك والأسد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قال: ولا شك في أن هذا أقل تكلفًا. انتهى. وظاهر صنيع الموضح موافقته.
"وتقول" إذا لم تعطف ولم تكرر: "إياك من الأسد"، واختلف في تحقيق العامل المحذوف فقال الجمهور: عامله فعل متعد لواحد، "والأصل: باعد نفسك من الأسد، ثم حذف "باعد" وفاعله" المستتر فيه فصار: نفسك من الأسد، "و" حذف "المضاف" وهو "نفس"، فانفصل الضمير وانتصب فصار: إياك من الأسد، فـ"إياك" منصوب "باعد" محذوفًا، و"من الأسد": متعلق بذلك المحذوف.
"وقيل": عامله فعل متعد لاثنين. و"التقدير: أحذرك من الأسد". قاله ابن الناظم٣ تبعًا لأبي البقاء٤، فحذف "أحذر"٥ وفاعله وانفصل الضمير لتعذر اتصاله
_________________
(١) ١ المقرب ١/ ٢٥٣. ٢ انظر الارتشاف ٢/ ٢٨١، وهمع الهوامع ١/ ١٦٩. ٣ في شرح ابن الناظم ص٤٣٢: "أحذرك الأسد". ٤ انظر شرح المرادي ٤/ ٧٠. ٥ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٢٧٤ ]
"فنحو: إياك الأسد"، بحذف "من" ونصب "الأسد"، "ممتنع على التقدير، الأول، وهو قول الجمهور"، لما يلزم عليه من حذف "من" ونصب المجرور، وهو غير مطرد إلا مع "أن" و"أن" و"كي" كما تقدم في باب التعدي واللزوم، "وجائز على" التقدير "الثاني، وهو رأي ابن الناظم١" وأبي البقاء٢، لأن "أحذر" يتعدى إلى اثنين من غير واسطه، قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠] فالكلام على تقدير الجمهور إنشائي، وعلى تقدير ابن الناظم خبري.
"ولا خلاف في جواز: إياك أن تفعل"، على التقديرين، فجوازه على الأول لصلاحيته لتقدير: من" أي من أن تفعل، لأن حرف الجري حذف مع "أن" قياسًا مطردًا، كما تقدم، وجوازه على الثاني واضح لتعدي الفعل إليه بنفسه من غير تقدير واسطة.
"ولا يكون "إيا" في هذا الباب لمتكلم"، لأن المتكلم لا يحذر نفسه، "وشذ قول عمر -﵁: لتذك" من التذكية "لكم الأسل"٣ بفتح الهمزة والسين المهملة، وفي آخر لام، وهو هنا ما رق وأرهف من الحديد كالسيف والسكين ونحوهما. وفي كتاب٤ الضياء: الأسل: شجر الرماح، ويقال لكل نبت له شوك طويل، "والرماح": جمع رمح، "والسهام": جمع سهم.
"وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب"، فقيل: الكلام جملتان، ثم قال الزجاج: أصله: "إياي وحذف الأرنب وإياكم وحذف الأرنب"، فحذف من كل جملة ما أثبت في الأخرى.
"و" قال الجمهور: "أصله: إياي باعدوا عن حذف الأرنب، وباعدوا أنفسكم أن يحذف أحدكم الأرنب، ثم حذف من الأول المحذور" وهو "حذف الأرنب" "و" حذف "من الثاني المحذر" وهو "باعدوا أنفسكم" وقيل: الكلام جملة واحدة.
ثم اختلف فقيل: حذفت أربعة أشياء، وأصله: إياي باعدوا عن حذف الأرنب وحذف الأرنب عني، فحذف فعل وفاعل ومفعول مقيد، وما عطف على هذا المفعول المقيد
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٤٣٢. ٢ انظر شرح المرادي ٤/ ٧٠. ٣ من حديث عمر بن الخطاب -﵁، وتمامه: "لتذك لكم الأسل، والرماح والسهام، وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب"، وهو من شواهد شرح ابن الناظم ص٤٣٣، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٠٠. ٤ سقطت من "ب"، "ط".
[ ٢ / ٢٧٥ ]
فإن الواو عطفت بشيئين على شيئين. وقال السيرافي: حذف شيئان فقط، وأصله: باعدوني وحذف الأرنب.
ولا يخفى ما في هذه الأقول من الضعف، أما قول الزجاج فإن فيه دعوى حذف "إياكم" ولا يليق حذفهما لما استقر لها في هذا الباب من أنها بدل من اللفظ بالفعل، وأما ما اختاره الموضح ففيه حذف من الأول لدلالة الثاني [عليه] ١، وهو قليل وفيه مخالفة لما يفهم من صنيعه في "إياك والأسد" أنهما جملة واحدة. وأما القول الثالث فيه كثرة حذف وتكرار، فإن مباعدتهم له عن حذف الأرنب مباعدة لحذف الأرنب عنه، وكذا هو في قول السيرافي، وإن لم يصرح به، فإن "باعدوني" ليس أمرًا بالمباعدة المطلقة، بل بالمباعدة عن شيء خاص، وكذا مباعدة حذف الأرنب إنما هي عنه، فمرجع القولين الأخيرين إلى قول واحد، وإن ظن شارحون أنهما غيران.
" ولا يكون" "إيا" في هذا الباب "لغائب"، لاختصاص التحذير بالمخاطب، "وشذ قول بعضهم"، أي العرب: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب٢". قال سيبويه٣: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمعه من أعرابي. والشواب: بالشين المعجمة وفي آخره موحدة مشددة: جمع "شابة". ويروى: السوءات، بالسين المهملة: جمع سوءة٤.
والمعنى: إذا بلغ الرجل ستين سنه فلا يتولع بشابة ولا يفعل سوءة. والكلام جملة واحدة، "والتقدير: فليحذر تلاقي نفسه وأنفس الشواب". فحذف الفعل وفاعله ثم المضاف الأول وأنيب عنه الثاني، ثم الثاني وأنيب عنه الثالث، فانتصب وانفصل، وأبدل "أنفس" بـ"أيا". لأنها تلاقيها في المعنى.
"وفيه شذوذان" آخران٥:
"أحدهما: اجتماع حذف الفعل" المجزوم بلام الأمر "وحذف حرف الأمر" وهو اللام، مع أن لام الأمر لا تحذف إلا في الضرورة كقوله: [من الطويل]
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، وسقطت من "ط". ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٢٧٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٠١، والإنصاف ٢/ ٦٩٧، المسألة رقم ٩٨، وشرح ابن الناظم ص٤٣٣، ولسان العرب "أيا"، وشرح المفصل ٣/ ١٠٠. ٣ الكتاب ١/ ٢٧٩. ٤ في "ب": "ويروى: الشوءات؛ بالشين المهملة، جمع شوءة". ٥ سقط من "ب": "وفيه شذوذان آخران".
[ ٢ / ٢٧٦ ]
٧٤٥-
محمد تفد نفسك كل نفس
أي: لتفد، فحذفها مع مجزومها أشد.
"و" الشذوذ "الثاني: إقامة المضمر وهو "إيا" الثانية مقام الظاهر وهو: الأنفس"، وإضافتها إلى الشواب، "لأن المستحق للإضافة إلى الأسماء الظاهرة اتفاقًا وإلى المضمرات على الأصح "إنما هو المظهر لا المضمر"، لأن الإضافة إما للتعريف، وإما للتخصيص، والضمير غني عن ذلك، لأنه١ أعرف المعارف؟
وذهب الخليل إلى أن "إياه" ضميران٢ أضيف أحدهما إلى الآخر٣، وإلى الشذوذ أشار الناظم بقوله:
٦٢٥-
وشذ إياي وإياه أشد وعن سبيل القصد من قاس انتبذ
"وإن ذكر المحذر"؛ بفتح الذال المعجمة؛ "بغير لفظ "إيا"٤ أو اقتصر على ذكر المحذر منه فإنما يجب الحذف" للعامل "إن كررت أو عطفت، فالأول" وهو ذكر المحذر بغير لفظ "إيا" مع التكرار، "نحو: نفسك نفسك"، ومع العطف نحو٥: نفسك وعينك.
"والثاني"، وهو الاقتصار على ذكر المحذر منه بغير لفظ "إيا" مع التكرار، "نحو: الأسد الأسد، و" مع العطف نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] فالعامل في هذه الأمثلة الأربعة محذوف وجوبًا، لأن العطف كالبدل من اللفظ بالفعل، والتكرار بمنزلة العطف.
_________________
(١) عجز البيت: إذا ما خفت من شيء تبالا وهو لأبي طالب في شرح شذور الذهب ٢١١، وله أو للأعشى في خزانة الأدب ٩/ ١١، وللأعشى أو لحسان أو لمجهول في الدرر ٢/ ٧٥، وبلا نسبة في أسرار العربية ٣١٩، ٣٢١، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٧٥، والإنصاف ٢/ ٥٣٠، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٩١ وشرح ابن الناظم ص٤٩٢، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٥، وشرح التسهيل ٤/ ٦٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٥٩٧، وشرح المفصل ٧/ ٣٥، ٦٠، ٦٢، ٩/ ٢٤، والكتاب ٣/ ٨، واللامات ص ٩٦، ومغني اللبيب ١/ ٢٢٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٤١٨، والمقتضب ٢/ ١٣٢، والمقرب ١/ ٢٧٢، وهمع الهوامع ٢/ ٥٥. ١ في "ب": "لأنها". ٢ في "ب": "أنه ضميران". ٣ الإنصاف ٢/ ٦٩٥، المسألة رقم ٩٨. ٤ في "ب": "يا". ٥ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٢٧٧ ]
"وفي غير ذلك يجوز الإظهار" للعامل "كقوله" وهو جرير: [من البسيط]
٧٤٦-
خل الطريق لمن يبني المنار به وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
فأظهر العامل وهو "خل" لأن المحذر منه وهو "الطريق" خال من التكرار والعطف. والمنار، بفتح الميم وتخفيف النون: حدود الأرض، والبرزة: الأرض الواسعة، والباء للظرفية، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٢٣-
وما سواه ستر فعله لن يلزما
٤٢٤-
إلا مع العطف أو التكرار
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ١/ ٢١١، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٤٢، والصاحبي في فقه اللغة ص١٨٦، والكتاب١/ ٢٥٤، ولسان العرب ٥/ ٣١٠ "برز"، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٧٨، والرد على النحاة ص٧٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٨١، وشرح المفصل ٢/ ٣٠.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
باب الإغراء:
بالمد، "وهو" في الأصل مصدر "أغريت"، والمراد به هنا "تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله".
"وحكم الاسم" المنصوب "فيه حكم" الاسم في "التحذير الذي لم يذكر فيه "إيا" فلا يلزم حذف عامله إلا في عطف أو تكرار"، لما تقدم، "كقولك" في العطف: "المروءة والنجدة"، بنصبهما، "بتقدير "الزم"، وقوله"، وهو مسكين الدارمي في التكرار: [من الطويل]
٧٤٧-
أخاك أخاك إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح
بنصب "أخاك" بتقدير "الزم" وجوبًا، و"أخاك" الثاني: توكيد، والهيجا، بالقصر هنا، والأكثر فيها١ المد: الحرب.
_________________
(١) البيت لمسكين الدارمي في ديوانه ص٢٩؛ والأغاني ٢٠/ ١٧١، ١٧٣، وخزانة الأدب ٣/ ٦٥، ٦٧، والدرر ١/ ٣٦٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٢٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٥، ولمسكين أو لابن هرمة في فصل المقال ص٢٦٩، ولقيس بن عاصم في حماسة البحتري ص٢٤٥، ولقيس بن عاصم أو لمسكين الدرامي في الحماسة البصرية ٢/ ٦٠، وبلا نسبة في الاقتضاب ص١٠٠، والإنصاف ٢/ ٤٦٥، وأوضح المسالك ٤/ ٧٩، وتلخيص الشواهد ص٦٢، والخصائص ٢/ ٤٨٠، والدرر ٢/ ٣٩٠، وشرح وابن الناظم ص٤٣٤، وشرح شذور الذهب ص٢٢٢، وشرح قطر الندى ص١٣٤، والكتاب ١/ ٢٥٦، وعيون الأخبار ٢/ ٣٠٤، ٣/ ٢، والعقد الفريد ٢/ ٣٠٤، وهمع الهوامع ١/ ١٧٠، ٢/ ١٢٥. ١ في "ب": "فيه".
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ولا يعطف في التحذير والإغراء إلا بالواو خاصة، لأن المراد فيهما الجمع والاقتران في الزمان، فإن فقد العطف والتكرار جاز إظهار العامل نحو: الزم أخاك.
"ويقال: الصلاة جامعة"، بنصبهما، "فتنصب "الصلاة" بتقدير: احضروا و"جامعة" على الحال" من "الصلاة"، وناصبها "احضروا" المحذوف، "ولو صرح بالعامل" في "الصلاة" "لجاز"؛ لعدم١ العطف والتكرار. ويقال برفعهما على الابتداء والخبر، ويرفع الأول على الابتداء،،حذف الخبر، ونصب "جامعة" على الحال، ونصب الأول على الإغراء، ورفع الثاني على الخبرية لمبتدأ محذوف. وإلى حكم الإغراء أشار الناظم بقوله:
٦٣٦-
وكمحذر بلا إيا اجعلا مغرى به في كل ما قد فصلا
_________________
(١) ١ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٢٨٠ ]
باب أسماء الأفعال
مدخل
باب أسماء الأفعال:
وهل هي أسماء لألفاظ الأفعال١ أو لمعانيها من الأحداث والأزمنة. أو أسماء للمصادر النائبة عن الأفعال، أو هي أفعال؟ أقوال: قال بالأول جمهور البصريين، وبالثاني صاحب البسيط، ونسبه إلى ظاهر قول سيبويه والجماعة، وبالثالث جماعة من البصريين، وبالرابع الكوفيون٢، وعلى القول: إنها أفعال حقيقة أو أسماء لألفاظ الأفعال لا مواضع لها من الإعراب عند الأخفش وطائفة. واختاره ابن مالك٣.
وعلى القول: إنها أسماء لمعاني الأفعال، موضعها رفع بالابتداء، وأغنى مرفوعها عن الخبر، وهو مذهب بعض النحويين.
وعلى القول: إنها أسماء للمصادر النائبة عن الأفعال، موضعها نصب بأفعالها النائبة عنها لوقوعها موقع ما هو في موضع نصب، وهو قول المازني وطائفة، والصحيح أن كلا منها اسم لفعل، وأنه لا موضع لها من الإعراب.
"واسم الفعل ما ناب عن الفعل معنى واستعمالا كـ: شتان" فإنه اسم ناب عن فعل ماض وهو "افترق"، "و: صه" فإنه اسم ناب عن فعل أمر وهو "اسكت"، "و: أوه" فإنه اسم ناب عن فعل مضارع٤ هو "أتوجع". [والمراد بالمعنى كونه يفيد ما يفيده الفعل الذي هو نائب عنه من الحدث والزمان] ٥، "والمراد بالاستعمال كونه" أبدًا
_________________
(١) ١ في "ط": "للألفاظ النائبة عن الأفعال"، قال ابن الناظم في شرحه ص٤٣٥: "أسماء الأفعال: ألفاظ نابت عن الأفعال معنى واستعمالا". ٢ انظر آراء البصريين والكوفيين في الإنصاف ١/ ٢٢٨، المسألة رقم ٢٧. ٣ التسهيل ص٢١٠. ٤ في "ب": "ماض"، وهو وجه ذكره ابن هشام في شرح شذور الذهب ص٤٠٥، بمعنى توجعت. ٥ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٢٨١ ]
"عاملا غير معمول" لعامل يقتضي الفاعلية والمفعولية. "فخرجت" الحروف نحو "إن" وأخواتها، فإنها وإن نابت عن الفعل في المعنى والاستعمال لكنها قد تهمل إذا اتصلت بها "ما" الكافة، فليست أبدًا عاملة، وخرجت "المصادر والصفات" النائبة عن أفعالها "في نحو: ضربًا زيدًا"، فإنه نائب عن "اضرب"، "و: أقائم الزيدان" فإنه نائب عن "يقوم"، "فإن العوامل"١ اللفظية والمعنوية "تدخل عليها" فتعمل فيها، ألا ترى أن "ضربًا" منصوب بما ناب عنه، وهو "اضرب"، و"أقائم" مرفوع بالابتداء.
"و" اسم الفعل "وروده بمعنى الأمر كثير كـ: صه ومه وآمين" فـ"صه" "بمعنى "اسكت"، و" "مه" بمعنى "انكفف" لا بمعنى "اكفف" لأن اكفف يتعدى و"مه" لا يتعدى. قاله في شرح الشذور٢ تبعًا لغيره٣.
ورد بأن ذلك غير مطرد، فإن "آمين" لا يتعدى و"استجب" يتعدى. "و" آمين، بالمد وبالقصر وبالإمالة لا بتشديد اللام بمعنى "استجب، ونزال" بالنون والزاي والبناء على الكسر بمعنى "انزل" "وبابه"، وهو منقاس من كل فعل ثلاثي تام متصرف، ولا ينقاس في غيره، وشذ "دراك" من أدرك، و"بدار" من بادر، قال: [من الرجز]
٧٤٨-
بدارها من إبل بدارها
وأجاز ابن طلحة بناءه من "أفعل" قياسًا على "دراك" وعلى بنائهم فعلي التعجب من "أفعل" وشذ قرقار بمعنى قرقر، أي: صوت، من قرقر بطنه، وأجاز الأخفش أن يقال: دحراج وقرطاس، قياسًا على قرقار٤. ولا يجوز من هب ودع: وهاب وداع، للجمود، ولا كوان قائمًا للنقص، ويجوز من التامة.
ولم يقس المبرد شيئًا من الباب لأنه ابتداع لما لم يمسع من الأسماء٥. ورد
_________________
(١) ١ في شرح "ب": "العامل". ٢ شرح شذور الذهب ص١١٦. ٣ منهم ابن مالك في التسهيل ص٢١١، وفي شرح ابن الناظم ص٤٣٥، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٠٢: "مه: بمعنى اكفف".
(٢) لم أقع عليه في المصادر المتاحة، ولعل الأزهري حرف روايته من "تراكها من إبل تراكها" انظر هذه الرواية في الإنصاف ص٥٣٧، وشرح المفصل ٤/ ٥٠، والكتاب ١/ ٢٤١، ٣/ ٢٧١، والمقتضب ٣/ ٣٦٩. ٤ انظر الارتشاف ٣/ ١٩٨، وشرح ابن الناظم ص٤٣٥. ٥ الكامل ص٥٨٧-٥٩٢.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
بأنه باب واحد كثر استعماله على منهاج واحد، فكان حقيقًا بالاتساع وإن فقد السماع. وبناؤه على الحركة لالتقاء الساكنين، وكانت كسرة على الأصل، وبنو أسد تفتحه إتباعًا وتخفيفًا. "و" وروده "بمعنى الماضي المضارع" المبدوء بالهمزة "قليل كـ: شتان، وهيهات".
فـ شتان: بفتح النون، وفي فصيح ثعلب١ أن الفراء كان يكسرها "بمعنى افترق"، كذا أطلق الجمهور وقيده الزمخشري٢ بكون الافتراق في المعاني والأحوال، قال ابن عمرون: كالعلم والجهل والصحة والسقم، قال: ولا تستعمل في غير ذلك، لا تقول: شتان الخصمان عن مجلس الحكم، ولا: شتان المتبايعان عن مجلس العقد، بمعنى افترقا عنه. انتهى.
وهيهات٣: حكى الصغاني فيها ستا وثلاثين لغة: هيهات، وأيهات، وهيهان، وأيهان، وهيهاه، وأيهاه، كل واحدة٤ من هذه الست مضمومة الآخر ومفتوحته ومكسورته، وكل واحدة منها منونة وغير منونة، فتلك ست وثلاثون.
وحكى غيره، هيهاك، وأيهاك، بكاف الخطاب. وأيهاء، وأيها، وهيهاء، فهذه إحدى وأربعون لغة، وكلهم بمعنى بعد.
"وأوه، وأف" فـ"أوه" "بمعنى أتوجع، و" أف"؛ وفيها أربعون لغة؛ ذكرتها في صدر الكتاب٥ وكلها بمعنى "أتضجر".
"و: وا، و: وي، و: واها"، الثلاثة٦ "بمعنى: أعجب" بفتح الهمزة، "كقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ " [القصص: ٨٢] فـ"وي": اسم فعل مضارع بمعنى "أعجب" والكاف: حرف تعليل وأن: مصدرية مؤكدة، أي: أعجب لعدم فلاح الكافرين". هذا قول الخليل وسيبويه٧. وقال أبو الحسن٨ "وي" "بمعنى"٩ "أعجب"، والكاف: حرف خطاب، وقيل: الكاف للتشبيه بمعنى الظن، فهما كلمتان.
_________________
(١) ١ في فصيح ثعلب ٣١٣: "والفراء يخفض نون شتان". وانظر شرح الفصيح للزمخشري ص٦٢٤. ٢ في المفصل ص١٦١: "المعنى في شتان: تباين الشيئين في بعض المعاني والأحوال". ٣ سقطت من "ب". ٤ في "ب": "واحد". ٥ انظر ما تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب ص٣٨، ٣٩. ٦ بعده في "ط": "كلها". ٧ الكتاب ٢/ ١٥٤. ٨ الارتشاف ٣/ ٢٠٠. ٩ في حاشية يس ١/ ١٩٧: "الصواب أن يقال: كان للتشبيه".
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وقال الكسائي: "وي"١ محذوف من "ويلك"، قال عنترة: [من الكامل] .
٧٤٩-
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قول الفوارس ويك عنتر أقدم
فهما كلمة واحدة. "وقول الشاعر": [من الرجز] .
٥٧٠-
وا بأبي أنت وفوك الأشنب كأنما ذر عليه الزرنب
أو زنجبيل وهو عندي أطيب
[فـ"وا" اسم بمعنى أعجب، و"بأبي": جار ومجرور، خبر مقدم، و"أنت" بكسر التاء: مبتدأ مؤخر، و"فوك"، بكسر الكاف: مبتدأ] ٢ و"الأشنب": من الشنب، بفتح الشين المعجمة والنون: حدة في الأسنان. ويقال: برد وعذوبة. كذا قاله الجوهري٣.
و"كأنما ذر" بالبناء للمجهول٤: خبر "فوك"٥ وهو من ذررت الحب، بالذال المعجمة.
و"الزرنب" كـ: جعفر: ضرب من النبات الرائحة كرائحة الأترج، وورقه كورق الطرفاء، وقيل: كورق الخلاف٦.
_________________
(١) ١ في "أ": "هو"، والتصويب من "ط"، وسقطت من "ب".
(٢) البيت لعنترة في ديوانه ص٢١٩، والاقتضاب ص٥٦٢، وأساس البلاغة "قدم"، والجنى الداني ص٣٥٣، وخزانة الأدب ٦/ ٤٠٦، ٤٠٨، ٤٢١، وشرح الأشموني ٢/ ٤٨٦، وشرح شواهد المغني ص٤٨١، ٧٨٧، وشرح المرادي ٤/ ٨٠، وشرح المفصل ٤/ ٧٧، والصاحبي في فقه اللغة ص١٧٧، ولسان العرب ١٥/ ٥١٧ "ويا"، والمحتسب ١/ ١٦، ٢/ ٥٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٨، وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ٣٦٩.
(٣) الرجز لراجز من بني تميم في الدرر ٢/ ٣٤١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٨٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٠، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ٢٠٠، وأوضح المسالك ٤/ ٨٣، وتاج العروس "زرنب"، "وا" وتهذيب اللغة ١٣/ ٣٨٦، وجمهرة اللغة ص٣٤٥، ١٢١٨، والجنى الداني ص٤٩٨ وجواهر الأدب ص٢٨٧، وشرح الأشموني ٢/ ٤٨٦، وشرح قطر الندى ص٢٥٧، ولسان العرب ١/ ٤٤٨ "زرنب" ومجمل اللغة ٣/ ٣٩٦، ومغني اللبيب ٢/ ٣٦٩، ومقاييس اللغة ٣/ ٢١٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٦. ٢ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٣ الصحاح "شنب". ٤ في "ب": "للمفعول". ٥ خبر فوك: هو قوله: "كأنما ذر عليه الزرنب"، وليس فقط: "كأنما ذر". انظر حاشية يس ٢/ ١٩٧. ٦ الخلاف: الصفصاف، وهو شجر عظام وأصنافه كثيرة. لسان العرب ٩/ ٩٧، "خلف".
[ ٢ / ٢٨٤ ]
"وقول الآخر"، وهو أبو النجم على ما قاله الجوهري١: [من الرجز]
٧٥١-
واها لسلمى واهًا واها هي المنى لو أننا نلناها
فـ"واها": اسم فعل بمعنى أعجب، قال الجوهري: إذا تعجبت من طيب شيء قلت: واهًا له، أي: ما أطيبه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٢٧-
ما نب عن فعل
البيتين٢.
_________________
(١) ١ الصحاح "ووه".
(٢) الرجز لأبي النجم في ديوانه ص٢٢٧، ولسان العرب ١٣/ ٥٦٣ "ويه"، وتاج العروس ١٠/ ٤٠١ "جرر"، وله أو لرؤبة في الدرر ١/ ٣٢، ولرؤبة في ديوانه ص١٦٨. ٢ تمام البيتين: ما ناب عن فعل كشتان وصه هو اسم فعل وكذا أوه ومه وما بمعنى افعل كآمين كثر وغيره كوي وهيهات نزر
[ ٢ / ٢٨٥ ]
فصل:
"اسم الفعل ضربان:
أحدهما" مرتجل، وهو "ما وضع من أول الأمر كذلك": أي اسما للفعل "كـ: شتان، و: صه، و: وي"؛ فإنها موضوعة من أول أسماء لتلك الأفعال.
"والثاني": منقول، وهو "ما" وضع من أول الأمر لغير اسم الفعل ثم "نقل من غيره إليه، وهو"؛ أي المنقول بالنسبة إلى المنقول عنه؛ "نوعان":
أحدهما: "منقول من ظرف" للمكان، "أو جار ومجرور"، فالمنقول من الجار والمجرور "نحو: عليك" زيدًا، فإنه نقل عن موضوعه الأصلي، واستعمل اسم فعل "بمعنى الزم" زيدًا، "ومنه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ " [المائدة/ ١٠٥] فـ"عليكم": اسم فعل، وفاعله مستتر فيه وجوبًا، و"أنفسكم": مفعول به على حذف مضاف، "أي: الزموا شأن أنفسكم. و" المنقول من ظرف المكان نحو: "دونك زيدًا، بمعنى: خذه، و: مكانك، بمعنى: اثبت١، و: أمامك، بمعنى: تقدم، و: وراءك، بمعنى: تأخر. و" من المنقول من الجار والمجرور: "إليك، بمعنى: تنح"، وكان المناسب أن يذكره مع "عليك" ولكنه ذكر المتعدي من الظرف والجار والمجرور على حدة، والقاصر منهما على حدة، وذكر أربعة ظروف، واحد متعد وهو "دونك" وثلاثة قاصرة وهي "مكانك" و"أمامك" و"وراءك" وهي منقسمة بالنسبة لما أنت فيه، ولما تقدمك، ولما تأخر عنك. وذكر جارين ومجرورين، أحدهما متعد وهو "عليك" والثاني قاصر وهو "إليك". وزعم الكوفيون أن "إليك" تأتي بمعنى "أمسك" فتتعدى بنفسها. قيل: وقد تتعدى "عليك" بالباء كقول الأخطل: [من الكامل]
٧٥٢-
فعليك بالحجاج لا تعدل به أحدًا إذا نزلت عليك أمور
وفيه بحث لاحتمال أن تكون الباء زائدة.
_________________
(١) ١ في "أ": "انثبت".
(٢) البيت للأخطل في ديوانه ص١٩٥، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص٤٤٩.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وشذ مجيء "علي" اسم فعل مضارع بمعنى "الزم" و"عليه" اسم فعل لـ"يلزم"، والباب كله سماعي عند البصريين، والكسائي يقيس بقية الظروف على ما سمع بشرط الخطاب، نحو: عليك. واختلف في الكاف المتصلة بـ"عليك"١ وأخواته، فقال ابن بابشاذ: حرف خطاب وقال الجمهور: ضمير المخاطب، ثم اختلفوا في موضعها من الإعراب، فقال الكسائي: نصب على المفعولية، وقال الفراء: رفع على المفعولية، وقال البصريون: جر، فقيل: على ما كان قبل إقامته مقام الفعل بناء على أنها أسماء للأفعال، وقيل: الجر بالإضافة بناء على أنها أسماء للمصادر، واختاره الموضح في "الحواشي" فقال إن "علي" مثلا اسم للزوم، تقول: "عليك" بمعنى "إلزامك" فللكاف موضع خفض ورفع. ا. هـ.
واستفدنا من ذلك٢ أن اسم الفعل إنما هو الجار فقط والمجرور خارج عنه، وذلك خلال ما صرح به هنا.
"و" النوع الثاني: "منقول من مصدر، وهو نوعان: مصدر استعمل فعله ومصدر أهمل فعله، فا" لنوع "الأول نحو: رويد زيدًا، فإنهم قالوا: أروده إروادا بمعنى أمهله إمهالا، ثم صغروا الإرواد" الذي هو مصدر "أرود" "تصغير الترخيم"، فحذفوا الهمزة والألف الزائدتين، وأوقعوا التصغير على أصوله فقالوا: رويدًا، وسمي تصغير ترخيم لما فيه من حذف الزوائد، والترخيم حذف، "وأقاموه مقام فعله" الدال على الأمر.
"واستعملوه تارة مضافًا إلى مفعوله فقالوا: رويد زيد، وتارة منونًا ناصبًا للمفعول" به "فقالوا: رويدًا زيدًا"، فـ"رويدا" فيهما بمعنى "أرود" وفاعله مستتر فيه وجوبًا، لأنه نائب عن فعل أمر، و"زيدًا" مفعول به مجرور في الأول، منصوب في الثاني. وتارة منونًا غير ناصب للمفعول، فقالوا: رويدًا يا زيد.
وقد لا يقيمونه مقام فعله فيستعملونه منصوبًا حالا عند سيبويه٣، نحو: ساروا رويدًا، أي: مرودين، أو حال كون السير رويدًا، أو نعتًا لمصدر مذكور أو مقدر، فالأول، نحو: ساروا سيرًا رويدًا، والثاني نحو: ساروا رويدًا.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ في "ط": "واستفيدوا منه"، وفي "ب": "واستفد منه". ٣ الكتاب ١/ ٢٤٤.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
"ثم [إنهم] ١ نقلوه" من المصدرية "وسموا به فعله فقالوا: رويد زيدًا"٢ بفتح الدال من "رويد" ونصبها من زيد.
"والدليل على أن" رويدًا "هذا" المفتوح "اسم فعل" لا مصدر "كونه مبنيًا"، ولو كان مصدرًا كان معربًا. "والدليل على بنائه كونه غير منون"، ولو كان معربًا كان منونًا، والدليل على أنه مصغر ضم أوله وفتح ثانيه واجتلاب ياء ثالثة، والدليل على أن تصغير إرواد تصغير ترخيم، كما قال البصريون، مجيئه متعديًا، ولو كان تصغير رود٣ بمعنى المهل٤ والرفق، مثل٥ قولهم: يمشي على رود، أي على مهل، كما قال الفراء٦، كان قاصرًا.
"و" النوع "الثاني": المهمل فعله، نحو "قولهم: بله زيدًا" أي: دعه، "فإنه في الأصل مصدر فعل مهمل"، وذلك الفعل المهمل "مرادف لـ: دع"، و"دع" لا مصدر له من لفظه وإنما له مصدر من معناه وهو الترك، "يقال: بله زيد، بالإضافة إلى المفعول كما يقال: ترك زيد" بالإضافة إلى المفعول، وأما ما جاء في الحديث: "من ودعهم الجمعة" ٧ فنادر، "ثم قيل" بعد أن نقلوه وسموا به فعله: "بله زيدًا، بنصب المفعول٨ وبناء: بله" على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا، لأنه نائب عن فعل أمر. و"بله" هذا اسم فعل، والدليل "على أنه اسم فعل" كونه مبنيًا، والدليل على بنائه كونه غير منون، وسكت الموضح عن هذا التعليل لأنه٩ لا يتم به التقريب، فإن
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ من كلام العرب الذي جاء فيه هذا الاستعمال قول مالك بن خالد الهذلي: [من الطويل] رويد عليًّا جد ما ثدي أمهم إلينا ولكن بغضهم متماين وهو في شرح أبيات سيبويه ١/ ١٠٠، وشرح أشعار الهذليين ١/ ٤٤٧، والكتاب ١/ ٢٤٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤٨٨، وشرح المفصل ٤/ ٤٠. ٣ في "ب": "ورد". ٤ في "ب": "المهمل". ٥ في "ب": "من". ٦ الارتشاف ٣/ ٢٠٥. ٧ الحديث برواية: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات"، وهو في مسند أحمد ١/ ٢٣٩، والنهاية ٥/ ١٦٥. ٨ بعده في "ب": "به". ٩ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٢٨٨ ]
"بله" المرادفة١ لـ"كيف" تشاركها في البناء وعدم التنوين، يقال: بله زيد، برفع زيد على الابتداء، وبله: خبر مقدم، أي كيف زيد، وبذلك يتم لـ"بله" ثلاثة أوجه: مصدر واسم مرادف لكيف، وقد روي بالأوجه الثلاثة قول الشاعر يصف السيوف: [من الكامل]
٧٥٣-
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكف كأنها لم تخلق
وقد تأتي لغير ذلك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٢٩-
والفعل من أسمائه عليكا وهكذا دونك مع إليكا
٦٣٠-
كذا رويد بله ناصبين ويعملان الخفض مصدرين
_________________
(١) ١ في "ب": "المرداف".
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٣٩٤.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
فصل:
"يعمل اسم الفعل عمل مسماه" في التعدي واللزوم غالبًا، فإن كان مسماه لازمًا كان اسم فعله كذلك، فيقتصر على الفعل، "تقول: هيهات نجد، كما تقول بعدت نجد، قال" جرير: [من الطويل]
٧٥٤-
فهيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات خل بالعقيق نواصله
فالعقيق: فاعل هيهات الأول، وخل: فاعل هيهات الثالث، وهيهات الثاني لا فاعل له، لأنه لم يؤت به للإسناد بل لمجرد التقوية، والتوكيد للأول.
"و" إذا كان مسماه ما لا يكتفي بمرفوع واحد كان اسم فعله كذلك، "تقول شتان زيد وعمرو، كما تقول: افترق زيد وعمرو"، لأن الافتراق من المعاني النسبية التي لا تقوم إلا باثنين فصاعدًا. "و" إن كان مسماه متعديًا كان اسم فعله كذلك، تقول: "دراك زيدًا"، بنصب المفعول، "كما تقول: أدرك زيدًا"، بالنصب، وفي بعض النسخ: تراك زيدًا، بالتاء والراء والكاف، وهي أحسن، لأن دراك شاذ، لأنه من أدرك، وتراك مقيس لأنه من ترك، ومن غير الغالب، آمين وإيه، فإنهما لم يحفظ لهما مفعول ومسماهما متعد نحو: رب استجب دعائي وزدني علمًا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٣١-
وما لما تنوب عنه من عمل لها
"وقد يكون اسم الفعل مشتركًا بين أفعال سميت به، فيستعمل على أوجه باعتبارها"، فيعمل عملها، فيصل إلى المفعول به بنفسه إذا كان بمعنى فعل متعد، وبحرف١ جر إن كان بمعنى فعل لازم، "قالوا: حيهل الثريد"، بالنصب، "بمعنى: ائت الثريد"، وهو خبز مغموس٢ بمرق اللحم.
_________________
(١) تقدم تخريج البيت ١٣٩، ٣٨٢. ١ في "ب": "وبجر". ٢ في "ب"، "ط": "مغمور".
[ ٢ / ٢٩٠ ]
"و" قالوا: "حيهل على الخير" بـ"على" "أي: أقبل على الخير"، وهو ضد الشر، "وقالوا: إذا ذكر الصالحون فحيهل بعمر"١ فعدوه بالباء، وحذفوا المضاف، "أي: أسرعوا بذكره"، والمراد به عمر بن الخطاب -﵁، كما قال الحريري في المقامة التاسعة، وهو أثر يروى عن ابن مسعود -﵁.
ولكن اسم الفعل يخالف مسماه، فإن الفعل يجوز تقديم معموله المنصوب عليه، "ولا يجوز تقديم معمول اسم الفعل عليه" لقصور درجته عن الفعل لكونه فرعه في العمل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٣١-
وأخر ما لذي فيه العمل
"خلافًا للكسائي" في إجازته تقديم معموله عليه إلحاقًا للفرع بأصله٢، "وأما" ما احتج به وهو قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله": أي الشخص، وهي جارية من بني مازن: [من الرجز]
٧٥٥-
يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا
"فمؤولان"، وتأويل الآية أن "كتاب الله" مصدر منصوب بفعل محذوف، وعليكم: متعلق به أو بالعامل المحذوف، والتقدير: كتب الله ذلك كتابًا عليكم، فحذف الفعل وأضيف المصدر إلى فاعليه على حد: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ودل على ذلك المحذوف قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لأن التحريم يستلزم الكتابة. قاله الموضح في شرح القطر٣. وتأويل البيت أن "دلوي": مبتدأ، ودونك: خبره، وفيه نظر، لأن المعنى ليس على الخبر المحض حتى يخبر عن الدلو بكونه دونه.
_________________
(١) ١ الحديث في النهاية ١/ ٤٧٢، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٢٥٨. ٢ انظر الارتشاف ٣/ ٢١٥، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٩٤.
(٢) الرجز لجارية من بني مازن في الدرر ٢/ ٣٤٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٣١١، وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٦٥، والأشباه والنظائر ١/ ٣٤٤، والإنصاف ١/ ٢٢٨، وأوضح المسالك ٤/ ٨٨، وجمهرة اللغة ص٥٧٤، وخزانة الأدب ٦/ ٢٠٠، ٢٠١، ٢٠٧، وذيل السمط ص١١، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩١، وشرح التسهيل ٢/ ١٣٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٥٣٢، وشرح شذور الذهب ص٤٠٧، وشرح عمدة الحافظ ص٧٣٩، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٤٩، وشرح المفصل ١/ ١١٧، ولسان العرب ٢/ ٦٠٩ "ميح"، ومعجم ما استعجم ص٤١٦، ومغني اللبيب ٢/ ٦٠٩، والمقرب ١/ ١٣٧، ومقاييس اللغة ٥/ ٢٨٧، وعمدة الحافظ "دون"، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٥. ٣ شرح قطر الندى ص٢٥٨.
[ ٢ / ٢٩١ ]
وجوز ابن مالك أن يكون "دلوي" منصوبًا بـ"دونك" مضمرة مدلولا عليها بـ"دونك" الملفوظة١، مستندًا لقول سيبويه في "زيدًا عليك"٢ كأنك قلت: عليك زيدًا. وفيما قاله نظر، لأن اسم الفعل لا يعمل محذوفًا، كما صرح به الموضح في متن القطر٣. وأما ما استند إليه من كلام سيبويه فمحمول على تفسير المعنى لا على تفسير الإعراب؟
وجوز بعضهم أن يكون "دلوي" منصوبًا بفعل محذوف دل عليه السياق، أي: تناول دلوي، وسكت عن "دونك". والمائح: من ماح، بالحاء المهملة، [وهو] ٤ الذي ينزل٥ البئر فيملأ الدلو إذا قل ماؤها.
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٤٩-١٣٩٥، وفيه أيضًا جواز ابن مالك أن يكون "دلوي": مبتدأ، و"دونك": خبره. ٢ الكتاب ١/ ٢٥٢-٢٥٣. ٣ شرح قطر الندى ص٢٥٦. ٤ إضافة من "ط". ٥ في "ب": "يندل".
[ ٢ / ٢٩٢ ]
فصل:
"وما نون من هذه الأسماء" النائبة عن الأفعال تنوين تنكير "فهو نكرة وقد التزم ذلك" التنكير "في: واها وويها، كما التزم تنكير نحو: أحد وعريب" بفتح العين المهملة وكسر الراء. "وديار" بفتح الدال وتشديد الياء، كلاهما مرادف لـ"أحد"، وأطلق أحدًا وله استعمالات.
أحدها: مرادف الأول١، وهو المستعمل في العدد، نحو: أحد عشر.
الثاني: مرادف الواحد بمعنى المنفرد، نحو: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] .
الثالث: مرادف إنسان، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] .
الرابع: أن يكون اسما عامًّا في جميع من يعقل، نحو: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد﴾ [الحاقة: ٤٧] وهو المراد هنا، وهذا ملازم للتنكير غالبًا، ومن تعريفه قوله: [من البسيط]
٧٥٦-
وليس يظلمني في حب غانية إلا كعمرو وما عمرو من الأحد
قاله الموضح في الحواشي.
"وما لم ينون منها فهو معرفة، وقد التزم ذلك" التعريف "في نزال" بالنون والزاي، "وتراك" بالتاء والراء "وبابهما"، وهو كل فعل ثلاثي تام متصرف، كما التزم التعريف في المضمرات والإشارات والموصولات المعينة، أما إذا أريد بها غير معين فإنها تستعمل استعمال النكرات فتوصف بالنكرة، نحو: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] . قاله الموضح في باب الاستثناء.
وفي ضمير الغائب أقوال:
_________________
(١) ١ في "ب": "مرادف للأول".
(٢) البيت برواية "يطلبني" مكان "يظلمني"، وهو بلا نسبة في تهذيب اللغة ٥/ ١٩٧، وتاج العروس ٩/ ٢٧٤، "وحد"، ولسان العرب ٣/ ٤٥١ "وحد".
[ ٢ / ٢٩٣ ]
ثالثها: إن رجع إلى واجب التنكير كـ: ربه رجلا، فنكرة، وإن رجع إلى جائز التعريف كـ: جاء فأكرمته، فهو معرفة كالراجع إلى معرفة، والصحيح أنه معرفة مطلقًا.
"وما استعمل بالوجهين"، بالتنوين وتركه، "فعلى معنيين": التعريف والتنكير:"وقد جاء على ذلك صه ومه وإيه، وألفاظ أخر" نحو: أف، فما نون منها فهو نكرة، وما لم ينون فهو معرفة. "كما جاء التعريف والتنكير في نحو: كتاب ورجل وفرس"، فمع التنوين نكرات وبدونه مع "أل" أو الإضافة معارف. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٣٢-
واحكم بتنكير الذي ينون منها وتعريف سواه بين
وذهب بعضهم إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف. ما نون منها وما لم ينون، وأنها أعلام أجناس معنوية كـ: سبحان.
قال في البسيط: وهو ظاهر قول ابن خروف، والجميع مبني على الصحيح. وقال الفارسي وابن جني: ما كان منها ظرفًا فحركته إعرابية. نقله الموضح في الحواشي وقال: ينبغي أن لا يقولا به فيما كان مصدرًا نحو: رويد وبله. ا. هـ.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
باب أسماء الأصوات:
والدليل على اسميتها وجود التنوين في بعضها، وإذا ثبت النوع ثبت الجنس، ويستشكل صدق حد الكلمة عليها، لأنها ليست دالة على معنى مفرد، لأن المخاطب، بها من لا يعقل، فهي بمنزلة النعيق للغنم.
والجواب أن الدلالة كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه العالم بالوضع معناه، وهذا كذلك، إذ لم يقل: إن حقيقة الدلالة كون اللفظ١ يخاطب به من يعقل لإفهام معناه، حتى يرد ما ذكر، والنعيق لا أحرف له فلا لفظ فيه. قاله الموضح في حواشيه٢ ومن خطه نقلت٣.
"وهي نوعان:
أحدهما: ما خوطب به ما لا يعقل مما يشبه اسم الفعل" في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب لتحمله الضمير٤، واسم٥ الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير٦، وهذا النوع قسمان: أحدهما أن يكون لدعاء ما لا يعقل، والثاني لزجره.
فالدعاء "كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جئ جئ" بكسر الجيم فيهما مكررين "مهموزين" كالأمر من "جاء" قاله السمين، وفي المحكم أنهما أمر للإبل بورود الماء. ا. هـ.
_________________
(١) ١بعده في "ط": "بحيث". ٢ في "ب": "الحواشي". ٣ انظر همع الهوامع ٢/ ١٠٧. ٤ سقط من "ب"، "ط": "لتحمله الضمير". ٥ في "ب": "والاسم". ٦ سقط من "ب": "لعدم تحمله الضمير".
[ ٢ / ٢٩٥ ]
يقال: جأجأت الإبل، إذا دعوتها لتشرب فقلت: جئ جئ. نقله الجوهري عن الأموي١ وأقره. والاسم "الجيء" على مثل البيع٣، والأصل: جأ، بهمزتين ساكنة فمتحركة، أبدلت الهمزة الأولى ياء. ويقال في الإبل إذا دعيت للعلف: هأ هأ، والاسم "الهيء". قال أبو عمرو: الهيء: الطعام، والجيء: الشراب، قال: [من الهزج]
٧٥٧-
وما كان على الجيء ولا الهيء امتداحيكا
"و" كقولهم "في دعاء الضأن: حاحا، و" في دعاء "المعز: عاعا" بالحاء المهملة في الأول، وبالعين المهملة في الثاني، حال كونهما "غير مهموزين، والفعل منهما حاحيت وعاعيت". قال سيبويه٣: وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها٤، لأن قولك: حاحيت، إنما هو صوت بنيت منه فعلا، يعني على فعللت وليست فاعلت. قال: والذي يدلك على أنها ليست فاعلت قولهم في الاسم: الحيحاء والعيعاء، بالفتح فيهما. ا. هـ.
"والمصدر: حيحاء وعيعاء"، بكسر أولهما، وأصلهما: حيحاي وعيعاي، أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. قال الراجز وقد نطق بالفعل والمصدر جميعًا: [من الرجز]
٧٥٨-
يا عنز هذا شجر وماء عاعيت لو ينفعني العيعاء
"و" الزجر كقولهم "في زجر البغل: عدس" بفتح العين والدال المهملتين وبإهمال السين، "قال" يزيد بن مفرغ الحميري يهجو عباد بن زياد بن أبي سفيان: [من الطويل]
٧٥٩-
عدس ما لعباد عليك إمارة أمنت وهذا تحملين طليق
فـ"عدس": [صوت] ٥ يزجر به البغل، وقد يسمى البغل به، والتقدير على التسمية به: يا عدس، فحذف حرف النداء. "وإمارة" بكسر الهمز [ة] ٦: أي أمر وحكم.
_________________
(١) ١ في "ب": "الأبدي". ٢ في "ب": "الجميع".
(٢) البيت لمعاذ الهراء في لسان العرب ١/ ٤٢ "جأجأ"، ٥٣ "جيأ"، ١٧٩، "هأهأ"، ١٨٩ "هيأ"، وبلا نسبة في شرح المفصل ٤/ ٨٣، والصاحبي في فقه اللغة ص٧١. ٣ الكتاب ٤/ ٣١٤. ٤ بعده في "ب": "في".
(٣) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٣.
(٤) تقدم تخريج البيت برقم ١١١. ٥ إضافة من "ط". ٦ إضافة من "ب"، "ط".
[ ٢ / ٢٩٦ ]
"وقولنا: مما يشبه الفعل، احتراز من نحو قوله"، وهو النابغة الذبياني: [من البسيط]
٧٦٠-
يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد
فإن قوله: "يا دار مية"، خطاب لما لا يعقل، ولكنه لم يشبه اسم الفعل لكونه غير مكتفى به، ولذلك احتاج إلى قوله: "أقوت"، وخاطب الدار توجعًا منه لما رأى تغيرها. وذهب الكوفيون إلى أن قوله "يا دار مية" اسم موصول، و"بالعلياء": صلته. والعلياء: ما ارتفع من الأرض، والسند: عطف على العلياء، وسند الجبل: ارتفاعه، حيث يسند فيه، أي: يصعد، والفاء فيه بمعنى الواو، وأقوت، بالقاف، خلت. والسالف: الماضي، والأمد: الدهر. "وقوله"، وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٧٦١-
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فـ"أيها الليل" خطاب لما لا يعقل، ولكنه لم يشبه اسم الفعل لكونه غير مكتفى به، ولهذا احتاج إلى قوله: انجلي.
النوع "الثاني: ما حكي به صوت" مسموع، والمحكي صوته قسمان: حيوان وغيره، فالأول "كـ: غاق". بالغين المعجمة والقاف. "لحكاية صوت الغراب"، و"شيب" لحكاية صوت مشافر الإبل عند الشرب. "و" الثاني نحو: "طاق"، بالطاء المهملة والقاف، حكاية "لصوت الضرب، و: طق"، بفتح الطاء المهملة، حكاية "لصوت وقع الحجارة" بعضها على بعض، "و: قب"، بفتح القاف وسكون الموحدة، حكاية "لصوت وقع السيف على الضريبة"، وهي الدرقة.
"والنوعان" من أسماء الأصوت "مبنيان لشبههما بالحروف المهملة" كلام الابتداء "في أنها لا عاملة ولا معمولة، كما أن أسماء الأفعال بنيت لشبهها بالحروف المهملة"
_________________
(١) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٤، والدرر ١/ ١٥٦، ٢/ ٥٨٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٤، والصاحبي في فقه اللغة ص٢١٥، والكتاب ٢/ ٣٢١، والمحتسب ١/ ٢٥١، والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٥ ولسان العرب ٣/ ٣٥٥ "قصد"، وتهذيب اللغة ٨/ ٣٥٣، ١٢/ ٢٦٦، ١٥/ ٦٦٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٢، ورصف المباني ص٤٥٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٣، ولسان العرب ٣/ ٢٢٣، "سند"، ١٤/ ١٤١ "جرا"، ١٥/ ٤٩١ "يا"، وهمع الهوامع ١/ ٨٥، ٢٤٣.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٨، والأزهية ٢٧١، وخزانة الأدب ٢/ ٣٢٦، ٣٢٧، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥١٣، ولسان العرب ١١/ ٣٦١ "شلل"، والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٣، وجواهر الأدب ٧٨، ورصف المباني ص٧٩، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٣.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
كـ: "ليت" "في أنها عاملة غير معمولة؛ وقد مضى ذلك في أول" هذا "الكتاب"١، بخلاف أسماء الأصوات فإنه لم يتقدم لبنائها ذكر فيتعين حمل قول الناظم:
٦٣٤-
والزم بنا النوعين فهو قد وجب
على نوعي أسماء الأصوات، وهما المذكوران في قوله:
٦٣٣-
وما به خوطب ما لا يعقل من مشبه اسم الفعل صوتا يجعل
٦٣٤-
كذا الذي أجدى حكاية كقب
وربما أعرب بعض أسماء الأصوات لتركيبه فقط، أو لتركيبه مع نقله عن معناه وجعله اسما للمحكي صوته أو للمصوت له به، فيكون حينئذ مرادفًا لاسم متمكن.
فالأول كقوله: [من الطويل]
٧٢٦-
كما رعت بالحوب الظماء الصواديا
يروى الحوب، بالوجهين: على الحكاية وعدمها، أي: كما رعت بهذا اللفظ الذي يصوت به. وهو "حوب" بفتح الحاء المهملة، والباء الموحدة، وهو زجر للإبل، وأما "جوت"، بضم الجيم وبالتاء المثناة فوق، المفتوحة، فهو لدعاء الإبل لا لزجرها.
والثاني كقوله: [من الرجز]
٧٦٢-
إذ لمتي مثل جناح غاق
فهذا بمنزلة قوله: مثال جناح غراب.
والثالث كقوله: [من الكامل]
٧٦٤-
ووقعت في عدس كأني لم أزل
قال الموضح في حواشيه: وهذان النوعان الأخيران ينبغي أن لا يجوز فيهما إلا الإعراب.
_________________
(١) ١ انظر ما تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب ص٣٨ وما بعدها.
(٢) صدر البيت: دعاهن ردفي فارعوين لصوته وهو لعويف القوافي في خزانة الأدب ٦/ ٣٨١، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٩، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص٣١٧، وخزانة الأدب ٦/ ٣٨٨، وشرح ابن الناظم ص٤٣٨، وشرح المفصل ٤/ ٧٥، ٨٢، ولسان العرب ٢/ ٢١ "جوت"، وتاج العروس "٤/ ٢٨٢ "جوت".
(٣) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٠، والدرر ٢/ ٣٤٤، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ٢٨١، والاقتضاب ص٦٢٥، وتاج العروس "غيق"، وتخليص الشواهد ص١٥٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٤، ولسان العرب ٦/ ١٣٣ "عدس"، والمخصص ٨/ ١٥١، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٧.
(٤) لم أقف على تمام البيت ولا على مصادره.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
باب نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة
مدخل
باب نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة:
"لتوكيد الفعل نونان: ثقيلة وخفيفة نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ﴾ " [يوسف: ٣٢] .
وهما أصلان عند البصريين لتخالف بعض أحكامهما، كإبدال الخفيفة ألفًا في نحو: "وليكونا"، وحذفها في نحو: [من الخفيف]
٧٦٥-
لا تهين الفقير
وكلاهما ممتنع في الثقيلة. قاله سيبويه١.
وعورض بأن الفرع قد يختص بما ليس للأصل أحيانًا، وقد قال سيبويه نفسه في "أن" المفتوحة فرع المكسورة، ولها إذا خففت أحكام تختصها٢ ومذهب
_________________
(١) تمام البيت: لا تهين الفقير علك أن تر كع يوما والدهر قد رفعه وهو للأضبط بن قريع في الأغاني ١٨/ ٦٨، وأمالي القالي ١/ ١٠٧، والحماسة الشجرية ١/ ٤٧٤، والحماسة البصرية ٢/ ٣، وخزانة الأدب ١١/ ٤٥٠، ٤٥٢، والدرر ١/ ٢٨١، ٢/ ٢٥١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١١٥١، وشرح شواهد الشافية ص١٦٠، وشرح شواهد المغني ٤٥٣، والشعر والشعراء ١/ ٣٩٠، والمعاني الكبير ٤٩٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٤، وتاج العروس ٢١/ ١٢٢ "ركع"، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٢٢١، وأوضح المسالك ٤/ ١١١، وجواهر الأدب ص٧٥، ١٤٦، ورصف المباني ص٢٤٩، ٣٧٣، ٣٧٤، وشرح ابن الناظم ص٤٤٧، وشرح الأشموني ٢/ ٥٠٤، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٣٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣١٨، وشرح المفصل ٩/ ٤٣، ٤٤، واللسان ٦/ ١٨٤، "قنس"، ٨/ ١٣٣ "ركع"، ١٣/ ٤٣٨ "هون"، واللمع ٢٧٨، ومغني اللبيب ١/ ١٥٥، والمقرب ٢/ ١٨، وهمع الهوامع ١/ ١٣٤، ٢/ ٧٩، وتاج العروس "هون"، وعمدة الحفاظ "ركع". ١ الكتاب ٣/ ٥٢١. ٢ الكتاب ٣/ ١٢٠.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
الكوفيين أن الخفيفة فرع الثقيلة١، وذكر الخليل أن التوكيد بالثقيلة أشد من التوكيد بالخفيفة٢. ا. هـ. ويدل له: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ﴾ [يوسف: ٣٢] فإن امرأة العزير كانت أشد حرصًا على سجنه من كينونته صاغرًا.
"ويؤكد بهما الأمر مطلقًا" من غير شرط، لأنه مستقبل دائمًا، وسواء في ذلك الأمر بالصيغة نحو: قومن، والأمر باللام نحو: ليقومن زيد، بكسر اللام، والدعاء نحو: [من الرجز]
٧٦٦-
فأنزلن سكينة علينا
"ولا يؤكد بهما الماضي" لفظًا ومعنى "مطلقًا" لأنهما يخلصان مدخولهما للاستقبال، وذلك ينافي الماضي، وأما قوله -ﷺ: "فإما أدركن أحد منكم الدجال" وقول الشاعر: [من الكامل]
٧٦٧-
دامن سعدك إن رحمت متيما
فهذان الفعلان مستقبلان معنى.
"وأما المضارع" المجرد من لام الأمر "فله حالات:
إحدها: أن يكون توكيده بهما واجبًا"، أي لا بد منه، "وذلك إذا كان مثبتًا مستقبلا، جوابًا لقسم، غير مفصول من لامه"، أي لام القسم، "بفاصل نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ " [الأنبياء: ٧٥] فـ"أكيدن": فعل مضارع مثبت مستقبل جواب قسم، وهو: تالله، وليس مفصولا من لام القسم بفاصل.
"ولا يجوز توكيده بهما إذا كان منفيًّا" لفظًا أو تقديرًا، فالأول نحو: والله لا أقوم، والثاني "نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ " [يوسف: ٨٥] فـ"تفتأ" منفي بلا محذوفة. "إذ التقدير: لا تفتأ"، وحذف "لا" في جواب القسم مطرد.
_________________
(١) ١ انظر الإنصاف ٢/ ٦٥٠، المسألة رقم ٩٤. ٢ الكتاب ٣/ ٥٠٩.
(٢) الرجز لعبد الله بن رواحة في ديوانه ص١٠٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٢٢، والكتاب ٣/ ٥١١، وله أو لعامر بن الأكوع في الدرر ٢/ ٢٣٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٨٦، ٢٨٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٣٤، وتخليص الشواهد ص١٣٠، وخزانة الأدب ٧/ ١٣٩، ومغني اللبيب ١/ ٩٨، ٢٦٩، ٣١٧، ٢/ ٣٣٩، ٥٣٩٨، والمقتضب ٣/ ١٣، وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
(٣) عجز البيت: لولاك لم يك للصبابة جانحا وهو بلا نسبة في الجنى الداني ص١٤٣، والدرر ٢/ ٢٤٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٠، وشرح التسهيل ١/ ١٤، وشرح المرادي ٤/ ٩١، ومغني اللبيب ٢/ ٣٣٩، والمقاصد النحوية ١/ ١٢٠، ٤/ ٣٤١، وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
"أو كان" المضارع "حالا كقراءة ابن كثير: "لأقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ"١ [القيامة: ١]، وقول الشاعر": [من المتقارب]
٧٦٨-
يمينا لأبغض كل امرئ يزخرف قولا ولا يفعل
فـ"أقسم" في الآية و"أبغض" في البيت معناهما الحال لدخول اللام عليهما. وأنما لم يؤكدا بالنون، لكونها تخلص الفعل للاستقبال وذلك ينافي الحال.
"أو كان" المضارع "مفصولا من اللام" بمعموله أو بحرف تنفيس فالأول "مثل" قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨] "و" الثاني "نحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] فـ"يعطيك" على جواب القسم وهو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] والمعطوف على الجواب جواب.
وقول البيضاوي٢ تبعًا للزمخشري٣: واللام في: "ولسوف يعطيك" للابتداء، دخلت على الخبر بعد حذف المبتدأ، والتقدير: لأنت سوف يعطيك، لا للقسم، فإنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، مخالف لما عليه الجمهور من أن ذلك مع اتصال اللام بالفعل لا مع انفصاله عنها، فإذا حصل فصل بينهما امتنعت النون وثبتت لام القسم وحدها كقوله: [من الخفيف] .
٧٦٩-
فوربي لسوف يجزى الذي أسـ ـلفه المرء سيئا أو جميلا
أنشده ابن مالك شاهدًا على ذلك.
"و" الحالة "الثانية: أن يكون" توكيده بهما "قريبًا من الواجب، وذلك إذا كان" المضارع "شرطًا لـ: أن" الشرطية "المؤكدة بـ: ما" الزائدة "نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ [الأنفال: ٥٨] من الأجوف، ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾ [الزخرف/ ٤١] من السالم، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦] من الناقص، "ومن ترك توكيده قوله": [من البسيط]
_________________
(١) ١ هي قراءة ابن كثير وقنبل والحسن والأعرج والبزي والزهري والقواس. انظر الإتحاف ص٤٢٨، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٢٠٧، والنشر ٢/ ٢٨٢، وشرح ابن الناظم ص٤٤٢.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٦، وشرح التسهيل ٣/ ٢٠٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٨. ٢ أنوار التنزيل ٤/ ١٨٨. ٣ الكشاف ٤/ ٢١٩، وانظر شرح ابن الناظم ص٤٤١.
(٣) البيت بلا نسبة في شرح التسهيل ٣/ ٢٠٨.
[ ٢ / ٣٠١ ]
٧٧٠-
يا صاح إما تجدني غير ذي جدة فما التخلي عن الخلان من شيمي
أراد: يا صاحبي، فحذف المضاف إليه، وهو الياء١؛ وأخر المضاف؛ وهو الباء١؛ معًا، قاله ابن خروف، والمشهور أنه ترخيم صاحب فقط، وترك توكيد٢ "تجدني".
فحذف النون "وهو قليل" في النثر، "وقيل: يختص بالضرورة".
الحالة "الثالثة: أن يكون" توكيده بهما "كثيرًا، وذلك إذا وقع المضارع بعد أداة طلب". نهي أو دعاء أو عرض أو تمني أو استفهام.
فالأول "كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا" عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] .
"و" الثاني كقول خرنق: [من الكامل]
٧٧١-
لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر
فأكدت "يبعد" بالنون الخفيفة بعد حرف الدعاء. والثالث نحو "قول الشاعر" يخاطب امرأة: [من البسيط]
٧٧٢-
هلا تمنن بوعد غير مخلفة كما عهدتك في أيام ذي سلم
فأكد "تمنن" بكسر النون الأولى بعد حرف العرض، وأصله: تمنينن، حذفت نون الرفع مع الخفيفة حملا على حذفها مع الثقلية لتوالي النونات، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين. وغير: حال من ياء المخاطبة، ومخلفة، بتاء التأنيث: مضاف إليها، وذي سلم: موضع بالشام.
"و" الرابع نحو "قول الآخر يخاطب امرأة أيضًا": [من الطويل]
٧٧٣-
فليتك يوم الملتقى ترينني لكي تعلمي أني امرؤ بك هائم
فأكد "ترينني" بتشديد النون الأولى على حد: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦] بعد حرف التمني.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٩٧، وخزانة الأدب ١١/ ٤٣١، وشرح ابن الناظم ص٤٤١، وشرح الأشموني ٢/ ٤٧٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٩، والدرر ٢/ ٢٣٩. ١ سقطت من "ب"، "ط". ٢ في "ط": "تنوين".
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٦٣٧.
(٣) البيت بلا نسبة في الارتشاف ١/ ٣٠٣، وأوضح المسالك ٤/ ٩٩، والدرر ٢/ ٢٣٥، وشرح ابن الناظم ص٤٣٩، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٣، وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
(٤) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٠٠، والدرر ٢/ ٢٣٥، وشرح ابن الناظم ص٤٤٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٣، وهمع الهوامع ٢/ ٧٨.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
"و"الخامس نحو "قوله": [من الكامل]
٧٧٤-
أفبعد كندة تمدحن قبيلا
فأكد "تمدحن" بعد حرف الاستفهام. وكندة، بكسر الكاف وسكون النون: اسم قبيلة في كهلان، وقبيلا: ترخيم قبيلة للضرورة.
الحالة "الرابعة: أن يكون" توكيده بهما "قليلا، وذلك بعد "لا" النافية، أو" بعد "ما؛ الزائدة التي لم تسبق بـ: إن" الشرطية.
فالأول "كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ " [الأنفال: ٢٥] فأكد "تصيبن" بعد "لا" النافية تشبيهًا لها بالناهية صورة، وجملة "لا تصيبن" خبرة في موضع الصفة لـ"فتنة" فتكون الإصابة عامة للظالمين وغيرهم، لا خاصة بالظالمين: لأنها قد وصفت بأنها تصيب الظالمين خاصة فيكف تكون مع هذا خاصة بهم؟. وقيل: "لا" ناهية وأقيم المسبب مقام السبب، والأصل: لا تتعرضوا للفتنة فتصيبكم، ثم عدل عن النهي عن التعرض إلى النهي عن الإصابة، لأن الإصابة مسببة١ عن التعرض، وأسند٢ المسبب إلى فاعله، فالإصابة خاصة بالمتعرضين، وعلى هذا لا يكون التوكيد هنا قليلا بل كثيرًا، ولكن وقوع الطلب صفة للنكرة ممتنع فوجب إضمار القول، أي: واتقوا فتنة مقولا فيها ذلك.
"و" الثاني "كقولهم" في المثل نظمًا: [من الطويل]
٧٧٥-
إذا مات منهم ميت سرق ابنه ومن عضة ما ينبتن شكيرها
فأكد "ينبتن" بعد "ما" الزائدة. وهذا مثل يضرب لمن كان أصلا تفرع منه ما يشبهه.
_________________
(١) صدر البيت: قالت فطيمة حل شعرك مدحة وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٣٥٨، ولمقنع في الكتاب ٣/ ٥١٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٠١، وجواهر الأدب ص١٤٣، وخزانة الأدب ١١/ ٣٨٣، ٣٨٤، والدرر ٢/ ٢٦٣، وشرح ابن الناظم ص٤٤٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٠، وهمع الهوامع ٢/ ٧٨. ١ في "أ": "مسبة". ٢ في "ب": "واستند".
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٠٣، وخزانة الأدب ٤/ ٢٢، ٦/ ٢٨١، ١١/ ٢٢١، ٤٠٣، وشرح ابن الناظم ص٤٤٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٦٤٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦١، وشرح المفصل ٧/ ١٠٣، ٥/ ٩، ٤٢، والكتاب ٣/ ٧١٥، ولسان العرب ٤/ ٤٢٦، "شكر"، ١٣/ ٥١٦، ٥١٨ "عضه"، ومغني اللبيب ٢/ ٣٤٠.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
والمعنى هنا: إذا مات الأب١ سرق الولد شخص والده، فيصير كأنه هو. قاله العيني٢.
واقتصر الموضح في الحواشي على عجزه فقال: هذا مثل لمن أظهر خلاف ما أبطن. والعضة: شجرة، وشكيرها: شوكها، وقيل: صغار رقها، يعني أن كبار الورق إنما تنبت من صغارها، أي: ما ظهر من الصغار يدل على الكبار.
وقولهم: "بألم ما تختنته"٣ يقال لمن يفعل فعلا يتألم به ولا بد له منه، وهو خطاب لامرأة في الأصل، والهاء للسكت.
وقولهم: "بجهد ما تبلغن"٤ يقال لمن حملته فعلا فأباه٥، أي: لا بد لك من فعله بمشقة.
وقولهم: "بعين ما أرينك"٦ تقوله لمن يخفي عنك امرًا أنت بصير به، أي أني أراك بعين بصيرة.
"وقوله"، وهو حاتم الطائي: [من الطويل]
٧٧٦-
قليلا به ما يحمدنك وارث إذ نال مما كنتن تجمع مغنما
و"ما" زائدة في الأماكن الخمسة، وهي على معنى النفي، أي: ما يحمدنك، وكذا الباقي، ولا يقاس عليهن، ولا تحذف "ما"٧ منهن.
الحالة "الخامسة: أن يكون" التوكيد بهما "أقل، وذلك بعد: لم، وبعد أداة جزاء بغير: إما" الشرطية، فالأول "كقوله" وهو أبو حيان الفقعسي يصف جبلا
_________________
(١) ١ في "ط": "الابن". ٢ شرح الشواهد للعيني ٣/ ٢١٧. ٣ مجمع الأمثال ١/ ١٠٧، وفي المستقصى ٢/ ٢٠٤: "احبري بألم تختننه". ٤ من شواهد الكتاب ٣/ ٥١٦، وشرح ابن الناظم ص٤٤١. ٥ في "ط": "أعياه". ٦ مجمع الأمثال ١/ ١٠٠، وجمهرة الأمثال ١/ ٢٣٦، والمستقصى ٢/ ١١، وهو من شواهد شرح ابن الناظم ص٤٤١، والكتاب ٣/ ٥١٧، وشرح بن عقيل ٢/ ٣٠٩، وشرح المفصل ٩/ ٥.
(٢) البيت لحاتم الطائي في ديوانه ص٢٢٣، والدرر ٤/ ٢٤٤، وشرح المغني ٢/ ٩٥١، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٨، ونوادر أبي زيد ١١٠، وبلا نسبة في الارتشاف ١/ ٣٠٤، وأوضح المسالك ٤/ ١٠٥، وشرح ابن الناظم ص٤٤٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٧، وشبح المرادي ٤/ ٩٧، وهمع الهوامع ٢/ ٧٨. ٧ في "ط": "ما الشرطية".
[ ٢ / ٣٠٤ ]
قد عمه الخصب وحفه النبات: [من الرجز]
٧٧٧-
يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخا على كرسيه معمما
أراد: ما لم يعلمن، بنون التوكيد الخفيفة المبدلة في الوقف ألفًا.
"و" الثاني "كقوله": [من الكامل]
٧٧٨-
من تثقفن منهم فليس بآيب أبدًا وقتل بني قتيبة شافي
فأكد "تثقفن" بنون التوكيد الخفيفة بعد "من" الشرطية. "وتثقفن" بمعنى "تجد" والآيب: الراجع، وبنو قتيبة من باهلة.
وإنما انقسمت هذه الحالات إلى خمسة: واجب وأكثر وكثير وقليل وأقل، لأن آخرها مشبه بما قبله، وما قبله مشبه بما قبله، وهكذا إلى الأول، وذلك أن التوكيد بالنونين إنما يؤتى به لمسيس الحاجة إليه.
أما في الحالة الأولى، وهي المشار إليها في الناظم بقوله:
٦٣٧-
أو مثبتا في قسم مستقبلا
فلأن القسم إنما يؤتى به للتحقيق فهو أشد احتياجًا إلى التوكيد.
وأما الحالة الثانية، وهي المشار إليها في النظم بقوله:
٦٣٦-
أو شرطًا اما تاليا
_________________
(١) الرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣٣١، وله أو لأبي حيان الفقعسي أو لمساور العبسي أو للدبيري أو لعبد بني عبس في خزانة الأدب ١١/ ٤٠٩، ٤١١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٧٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٨٠، ولمساور العبسي أو للعجاج في الدرر ٢/ ٢٤٠، ولأبي حيان الفقعسي في المقاصد النحوية ٤/ ٣٢٩، وللدبيري في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٦٦، وبلا نسبة في الاقتضاب ص٥٢٠، ٧١١، والإنصاف ١/ ٤٠٩، وأوضح المسالك ٤/ ١٠٦، وخزانة الأدب ٨/ ٣٨٨، ٤٥١، ورصف المباني ص٢٢٩، ٣٣٥، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٧٩، وشرح ابن الناظم ص٤٤٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣١٠، وشرح المفصل ٩/ ٤٢، والكتاب ٣/ ٥١٦، ولسان العرب ٣/ ٣٢ "شيخ" ١٤/ ٢٢٩ "خشي" ١٥/ ٩٩ "عمي"، ٤٢٨ "الألف اللينة"، ومجالس ثعلب ص٦٢٠، ونوادر أبي زيد ص١٣٢، وهمع الهوامع ٢/ ٧٨، وتهذيب اللغة ١٥/ ٦٦٤، وتاج العروس "خشي"، "عمي".
(٢) البيت لبنت مرة بن عاهان في خزانة الأدب ١١/ ٣٨٧، ٣٩٩، والدرر ٢/ ٢٤٤، ولبنت أبي الحصين في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٦٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٠٧، وشرح ابن الناظم ص٤٤٣، وشرح الأشموني ٢/ ٥٠٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣١١، وشرح المرادي ٤/ ١٠٥، والكتاب ٣/ ٥١٦، والمقتضب ٣/ ١٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٣٠، والمقرب ٢/ ٧٤، وهمع الهوامع ٢/ ٧٩.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
فلأن "إن" الشرطية لما أكدت بـ"ما" الزائدة أشبهت القسم في تأكيده باللام.
وأما الحالة الثالثة، وهي المشار إليها في النظم بقوله:
٦٣٦-
يؤكدان افعل ويفعل آتيا ذا طلب
فلأن ما بعد أداة الطلب أشبه ما بعد "إن" في استدعاء الجواب.
وأما الحالة الرابعة، وهي المشار إليها في٠ النظم بقوله:
٦٣٧-
وقل بعد ما ولم وبعد لا
فلأن "لا" النافية أشبهت "لا" الناهية صورة، وأما الزائدة فأشبهت "ما" النافية كذلك.
وأما الحالة الخامسة وهي المشار إليها في النظم بقوله:
٦٣٨-
وغير إما من طوالب الجزا
فلأن١ "لم" للنفي، والنفي أشبه النهي معنى٢، وغير "إن" من أدوات الشرط أشبهت "لم" في الجزم، ولا يؤكد بهما في غير ذلك إلا ضرورة كقوله: [من المديد]
٧٧٩-
ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات
والذي سهل ذلك أن "ربما" للقلة، والقلة تناسب النفي والعدم، والنفي شبيه بالنهي. كذا علل التفتازاني٣.
_________________
(١) ١ في "ط": "فلا إن". ٢ في "ب": "معا".
(٢) البيت لجذيمة الأبرش في الأزهية ص٩٤، ٢٦٥، والأغاني ١٥/ ٢٥٧، وخزانة الأدب ١١/ ٤٠٤، والدرر ٢/ ١٠١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٨١، وشرح شواهد الإيضاح ص٢١٩، وشرح شواهد المغني ص٣٩٣، والكتاب ٣/ ٥١٨، ولسان العرب ٣/ ٣٢ "شيخ"، ١١/ ٣٦٦ "شمل"، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٤٤، ٤/ ٣٢٨، وبلا نسبة في الارتشاف ١/ ٣٠٦، وأوضح المسالك ٣/ ٧٠، والدرر ٢/ ٢٤٣، ورصف المباني ص٣٣٥، وشرح ابن الناظم ص٤٤٢، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٩، وشرح المفصل ٩/ ٤٠، وكتاب اللامات ص١١١، ومغني اللبيب ص١٣٥، ١٣٧، ٣٠٩، والمقتضب ٣/ ١٥، والمقرب ٢/ ٧٤، وهمع الهوامع ٢/ ٣٨، ٧٨. ٣ شرح التفتازاني ص١٦.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وقد يؤكدان جواب الشرط كقوله: [من الطويل]
٧٨٠-
ومهما تشأ منه فزارة تمنعا
أي: "تمنعن" وهو قليل في الشعر. نص عليه سيبويه وقال١: "شبهوه بالنهي حيث كان مجزومًا غير واجب".
_________________
(١) صدر البيت: "فمهما تشأ منه فزارة تعطكم"، وقد نسبه سيبويه في الكتاب ٣/ ٥١٥ إلى عوف بن الخرع، وهو للكميت بن معروف في ديوانه ص١٩٥، وحماسة البحتري ص١٥، والدرر ٢/ ٢٤٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٧٢، وللكميت بن ثعلبة في خزانة الأدب ١١/ ٣٨٧، ٣٩٠، ولسان العرب ٨/ ٢٧٣ "قزع"، وللكميت بن معروف أو للكميت بن ثعلبة في المقاصد النحوية ٤/ ٣٣٠، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٥٠٩، ٥١٠، وشرح الأشموني ٢/ ٥٠٠، وهمع الهوامع ٢/ ٧٩. ١ الكتاب ٣/ ٥١٥.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
فصل:
"في حكم آخر" الفعل "المؤكد" بالنونين:
"اعلم أن هنا أصلين يستثنى من كل منهما مسألة" واحدة "الأصل الأول، أن آخر" الفعل١ "المؤكد يفتح" كما أشار الناظم بقوله:
٦٣٨-
وآخر المؤكد افتح
"تقول" في المضارع: "لتضربن" زيدًا، "و" في الأمر: "اضربن" يا زيد.
واختلف في هذه الفتحة فقال ابن السراج والمبرد والفارسي: بناء للتركيب، وقال سيبويه والسيرافي والزجاجي: عارضة للساكنين١، وهما: آخر الفعل والنون الأولى.
"ويستنثى من ذلك" الأصل الأول "أن يكون" المضارع "مسندًا إلى ضمير" بالتنوين، "ذي لين"، ألف أو واو أو ياء، "فإنه يحرك حينئذ بحركة تجانس ذلك اللين" من فتحة أو ضمة أو كسرة "كما نشرحه" قريبًا، وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٣٩-
واشكله قبل مضمر لين بما جانس من تحرك قد علما
"والأصل الثاني: أن ذلك" الضمير "اللين يجب حذفه إن كان واوا أو ياء" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٤٠-
والمضمر احذفنه إلا الألف
"تقول اضربن يا قوم، بضم الباء، واضربن يا هند، بكسرها، والأصل: اضربون واضربين"، بتشديد النون فيهما، فالتقى ساكنان: الواو والنون المدغمة في الأول، والياء والنون المدغمة في الثاني. "ثم حذفت الواو" في الأول "والياء" في الثاني "لالقتاء الساكنين".
_________________
(١) ١ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٣٠٨ ]
أما على قول من اشترط في حد التقاء الساكنين أو يكون حرف اللين والمدغم في كلمة واحدة فواضح، لأنه هنا في كلمتين فليس التقاء الساكنين على حده، وأما من لم يشترط ذلك فلأن الكلمة لما ثقلت واستطالت، وكانت الضمة والكسرة تدلان على الواو والياء حذفتا، هذا مع الثقيلة، وأما مع الخفيفة فالتقاء الساكنين على حده اتفاقًا.
"ويستثنى من ذلك" الأصل الثاني "أن يكون آخر الفعل" المضارع "ألفًا، كـ: يخشى، فإنك تحذف" آخر الفعل، وهو الألف، وتثبت الواو مضمومة، والياء مكسورة لدفع التقاء الساكنين، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٤٢-
واحذفه من رافع هاتين وفي واو ويا شكل مجانس قفي
"فتقول: يا قوم اخشون" بضم الواو "ويا هند اخشين" [بكسر الياء] ١ والأصل: اخشيون واخشيين٢، حذفت الضمة والكسرة لاستثقالهما على حرف العلة، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وهما الياء والواو في الأول والياءان في الثاني. وإن شئت قلت: تحركت الياء فيهما وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا. فحذفت الألف لالتقاء الساكنين وبقي التقاء الساكنين بين الواو والنون المدغمة في الأول وبين الياء والنون المدغمة في الثاني، فلم يجز حذف الواو والياء لعدم ما يدل عليهما، فحركت الواو بما يناسبها وهو الضم، وحركت الياء بما يناسبها وهو الكسر، تخلصًا من التقاء الساكنين.
"فإذا أسند هذا الفعل" الذي آخره ألف "إلى غير الواو والياء"، وهو الاسم الظاهر والضمير المستتر والألف والنون، "لم تحذف آخره"، وهو الألف، "بل تقلبه ياء"، وإلأى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٤٠-
وإن يكن في آخر الفعل ألف
٦٤١-
فاجعله منه رافعًا غير اليا والواو ياء كاسعين سعيا
"فتقول" إذا أسندته إلى الظاهر: "ليخشين زيد، و" إلى الضمير المستتر: "لتخشين يا زيد، و" إلى الألف: "لتخشيان يا زيدان، و" إلى النون: "لتخشينان يا هندات".
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ في "أ"، "ب": "اخشون واخشين".
[ ٢ / ٣٠٩ ]
فصل:
"تنفرد النون الخفيفة بأربعة أحكام:
أحدها: أنها لا تقع بعد الألف، نحو: قوما واقعدا"، فلا يقال: قومان واقعدان، بسكون النون، "لئلا يلتقي ساكنان" على غير حدهما١، "و" نقل "عن يونس والكوفيين إجازته"٢، وحجتهم؛ كما قال الخضراوي؛ أنه قد يلتقي ساكنان في الوصل: نحو: ﴿مَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، ونحو: ﴿أَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ونحو: ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣٢] و"التقت حلقتا البطان"٣، ونحو: لام، راء، وكاف هاء، وعين ضاد.
"ثم صرح الفارسي في" كتابه "الحجة: بأن يونس يبقي النون ساكنة٤، ونظير ذلك قراءة نافع: ومحياي" بسكون الياء وصلا٥. "وذكر الناظم" في شرح التسهيل عن يونس "أنه يكسر" النون٦، "وحمل على ذلك" الكسر "قراءة بعضهم٧: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦] على أنه أمر للاثنين، والنون المكسورة نون توكيد خفيفة.
"وجوز" الناظم "في قراءة ابن ذكوان: "وَلَا تَتَّبِعَانِ" [يونس: ٨٩] بتخفيف
_________________
(١) في "ط": "غيرها". ٢ انظر الإنصاف ٢/ ٦٥٠، المسألة رقم ٩٤، وشرح ابن الناظم ص٤٤٦، والكتاب ٣/ ٥٢٧. ٣ مجمع الأمثال ٢/ ١٨٦، وجمهرة الأمثال ١/ ١٨٨، والمستقصى ١/ ٣٠٦، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٣٤٣. ٤ الحجة ٣/ ٤٤١. ٥ وكذلك قرأها أبو جعفر، وانظر الإتحاف ص٢٢١. ٦ شرح ابن الناظم ص٤٤٦، ولم يرد هذ القول في شرح التسهيل، بل في شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤١٧. ٧ هي قراءة علي بن أبي طالب -﵁. انظر مختصر ابن خالويه ص١٠٥.
[ ٢ / ٣١٠ ]
النون" مكسورة بناء على كون الواو للعطف و"لا" للنهي١. قال الشارح٢: ويجوز أن تكون الواو للحال و"لا" للنفي، والنون علامة الرفع.
"وأما الشديدة فتقع بعدها"، أي الألف، "اتفاقًا" من البصريين والكوفيين، "ويجب كسرها". وإلى امتناع الخفيفة بعد الألف وجواز الثقيلة بعدها أشار الناظم بقوله:
٦٤٤-
ولم تقع خفيفة بعد الألف لكن شديدة وكسرها ألف
"كقراءة باقي السبعة: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩] بتشديد النون٣. وإنما كسرت وكان أصلها الفتح، لأنها هنا زائدة بعد ألف زائدة، فأشبهت نون الاثنين في نحو: غلامان، وفتحت في غير ذلك، لأنها حرفان، الأول منهما ساكن، فتحت كما فتحت نون "أين". هذا تعليل سيبويه٤.
الحكم "الثاني" من أحكام الخفيفة: "أنها لا تؤكد الفعل المسند إلى نون الإناث، وذلك لأن الفعل المذكور يجب أن يؤتى بعده بألف فاصلة بين النونين". وهما نون الإناث التوكيد، "قصدًا للتخفيف"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٤٥-
وألفا زد قبلها مؤكدا فعلا إلى نون الإناث أسندا
"فيقال: اضربنان" يا نسوة، "وقد مضى" قريبًا "إن الخفيفة لا تقع بعد الألف".
وعدل في التعليل عن تعليل تصريف العزي للفصل بين النونات٥، يعني الثلاثة: نون جماعة الإناث، والمدغمة والمدغم فيها، ليرتب عليه قوله: "ومن أجاز ذلك" وهو يونس والكوفيون فيما تقدم، "أجازه هنا بشرط كسر النون" فرارًا من التقاء الساكنين على غير حدة، إذ ليس هنا ثلاث نونات.
_________________
(١) ١ انظر شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤١٨، والإتحاف ص٢٥٣. ٢ شرح ابن الناظم ص٤٤٦، والإنصاف ٢/ ٦٦٧. ٣ انظر الإتحاق ص٢٥٣. ٤ الكتاب ٣/ ٥٢٧، وانظر شرح ابن الناظم ص٤٤٦. ٥ تصريف العزي ص١٧.
[ ٢ / ٣١١ ]
واعترض بأن تحريكها يخرجها عن وضعها فالوجه منعها بعد الألف "وأشار ابن الحاجب إلى جوابه بأن الثقيلة هي الأصل، والخفيفة فرعها، وأدخلت الألف مع الثقيلة فتلزم مع الخفيفة وإن لم تجتمع النونات، لئلا يلزم للفرع مزية على الأصل".
واعترضه التفتازاني بأن أصالة الثقيلة إنما هي عند الكوفيين١، مع أن الفرع لا يجب أن يجري على الأصل في جميع الأحكام. ا. هـ.
ولك أن تقول نصرة لابن الحاجب: المجيز لوقوع الخفيفة بعد الألف هو يونس والكوفيون، وهم القائلون بأصالة الشديدة وفرعية الخفيفة.
قال الشاطبي: والحجة لهم فيما ذهبوا إليه، أن الخفيفة مخففة من الثقيلة، وقد أجمع الجميع على أن الثقيلة تدخل هنا بعد الألف، فكذا الخفيفة. ا. هـ. فهذا فرع جار على أصلهم.
الحكم "الثالث" من أحكام الخفيفة: "أنها تحذف قبل الساكن"، وإلى ذلك يشير الناظم:
٦٤٦-
واحذف خفيفة لساكن ردف
"كقوله"، وهو الأضبط بن قريع، وهو جاهلي قديم قبل الإسلام بنحو خمسمائة سنة: [من الخفيف]
٧٨١-
لا تهين الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه
فحذف نون التوكيد الخفيفة لالتقاء الساكنين، وأبقى الفتحة دليلا عليها، "وأصله: لا تهينن"، من الإهانة، وكنى بالركوع عن انحطاط الحال.
الحكم "الرابع" من أحكام الخفيفة: "أنها تعطى في الوقف حكم التنوين، فإن وقعت بعد فتحة قلبت ألفًا"، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٦٤٨-
وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفًا
"كقوله تعالى: "لَنَسْفَعًا" [العلق: ١٥] "وَلِيَكُونًا" [يوسف: ٣٢]، وقول الشاعر"، وهو الأعشى ميمون: [من الطويل]
_________________
(١) ١ شرح التفتازاني ص١٧.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٧٦٥.
[ ٢ / ٣١٢ ]
٧٨٢-
وإياك والميتات لا تقربنها ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
والأصل فيهن: لنسفعن وليكونن واعبدن. بالنون الخفيفة، فأبدلت في الوقف ألفًا بعد فتحة، كما أن تنوين المنصوب يبدل في الوقف ألفًا، نحو: رأيت زيدًا، ومن ثم كتب بالألف، كما كتب: رأيت زيدًا، بالألف.
وقياس: من قال: رأيت زيدْ، بحذف الألف على لغة ربيعة، أن يقول في الوقف على "اضربَنْ": اضرب: بالسكون.
"وإن وقعت بعد ضمة أو كسرة حذفت، ويجب حينئذ أن يرد ما حذف في الوصل" من واو أو ياء "لأجلها"، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٦٤٦-
وبعد غير فتحة إذا تقف
٦٤٧-
واردد إذا حذفتها في الوقف ما من أجلها في الوصل كان عدما
"تقول في الوصل: اضربن يا قوم، اضربن يا هند"، بضم الباء في الأول، وكسرها في الثاني، "والأصل: اضربون واضربين" بسكون النون فيهما، فحذفت الواو والياء لالتقاء الساكنين. "كما مر" في الفصل قبله، "فإذا وقفت حذفت النون لشببهها بالتنوين" الواقع بعد ضمة أو كسرة "في نحو: جاء زيد، ومررت بزيد" في اللغة الفصحى "ثم ترجع بالواو والياء لزوال التقاء الساكنين" بحذف النون، "فتقول: اضربوا واضربي".
وفي شرح الخضراوي: وذكر سيبويه أن الخليل قال١: وقياس من قال: جاءني زيدو، مررت بزيدي، بالإشباع على لغة أزد شنوءة أن يقول هنا: هل تضربوا، وهل تضربي، فتبدل من النون واوًا وياء، ثم تحذف مع المبدل منه، ولا ترد نون الإعراب.
_________________
(١) البيت ملفق من بيتين في ديوانه ص١٨٧، وهما: فإياك والميتات لا تأكلنها ولا تأخذن سهمًا حديدًا لتفصدا وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا والبيت الشاهد للأعشى في الأزهية ص٢٧٥، وتذكر النحاة ص٧٢، والدرر ٢/ ٢٣٤، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٨٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٧٧، ٧٩٣، والكتاب ٣/ ٥١٠، ولسان العرب ١/ ٧٥٩، "نصب"، ٢/ ٤٧٣ "سبح"، ١٣/ ٤٢٩ "نون"، واللمع ص٢٧٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٠، والمقتضب ٣/ ١٢، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٦٥٧، وأوضح المسالك ٤/ ١١٣، وجمهرة اللغة ص٨٥٧، وجواهر الأدب ص٥٧، ١٠٨، ورصف المباني ص٣٢، ٣٣٤، وشرح الأشموني ٢/ ٥٠٥، وشرح قطر الندى ص١٤٩، وشرح المفصل ٩/ ٣٩، ومغني اللبيب ص٣٧٢، والممتع في التصريف ١/ ٤٠، وهمع الهوامع ٢/ ٧٨. ١ الكتاب ٣/ ٥٢٢.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وتقول في المعتل على هذا للرجال: اخشووا، وللمرأة: اخشيي، كما تقول مع النون: لا تخشون ولا تخشين، ثم يستثقل واوان، أولاهما مضمومة فتحذف الضمة، ثم تحذف واو الجماعة للساكنين، ويبقى بدل النون، وكذا العمل في الياء المكسورة. ويجهل التوكيد.
وإذا قلت: هل تخشون يا قوم، وهل تخشين يا هند، ثم أبدلت، ثم حذفت الضمة والكسرة، ثم الواو والياء لم يجهل التوكيد لعدم نون الرفع. هذا حاصل ما ذكره الموضح في حواشيه عن الخليل ويونس.
قال الخضراوي: وإذا وقفت على اضربان واضربنان، عند من جوزهما، أبدلت النون ألفًا، فيلتقي ألفان، فتبدل الثانية همزة، كما في حمراء، فتقف على همزة ساكنة، كذا حكى سيبويه عنهم، ونصه١ "ويقولون في الوقف: اضربا واضربنا، فيمدون، وهو قياس قولهم: لأنها تصير ألفًا، فإذا اجتمعت ألفان مد الحرف".
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٥٢٧.
[ ٢ / ٣١٤ ]
باب ما لا ينصرف
مدخل
باب ما لا ينصرف:
واختلف في اشتقاقه، هل هو من الصرف، وهو الخالص من اللبن. والمنصرف خالص من شبه الفعل؟ أو من الصريف، وهو الصوت لأن الصرف؛ وهو التنوين؛ صوت في الآخر؟ أو من الانصراف. وهو الرجوع؟ ١
فكأن الاسم ضربان: ضرب أقبل على شبه الفعل فمنع مما منع٢ منه، وضرب انصرف عنه. أو من الانصراف إلى جهات الحركات؟ [أو من الصرف الذي هو القلب؟] ٣ أقوال.
"الاسم إن أشبه الحرف" في الوضع، أو المعنى، أو الاستعمال، "بني؛ كما مر" في بحث المعرب والمبني؛ "وسمي غير متمكن" لعدم تمكنه في باب الاسمية، "وإلا" يشبه الحرف "أعرب، ثم المعرب إن أشبه الفعل" في فرعيتين من تسع: إحداهما: من جهة اللفظ، والثانية: من جهة المعنى. أو في واحدة تقوم مقامهما. وذلك لأن في الفعل فرعية على الاسم في اللفظ، وهي اشتقاقه من المصدر، وفرعية في المعنى، وهي احتياجه إلى الاسم في الإسناد، "منع الصرف؛ كما سيأتي" بيانه؛ "وسمي غير أمكن" لعدم أمكنيته.
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن الناظم ص٤٥٠، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٣٤. ٢ في "ب": "يمتنع"، وفي "ط": "يمنع". ٣ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٣١٥ ]
"وإلا" يشبه الفعل، "صرف وسمي أمكن" لتمكنه في باب الاسمية. وأمكن اسم تفضيل. وبناؤه من مكن مكانة إذا بلغ الغاية في التمكن. لا من تمكن خلافًا لأبي حيان ومن قلده، لأن بناء اسم التفضيل من غير الثلاثي المجرد شاذ، وقد أمكن غيره فلا حاجة إلى ارتكابه.
"والصرف: هو التنوين الدال على معنى يكون الاسم به أمكن". وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٤٩-
الصرف تنوين أتى مبينا معنى به يكون الاسم أمكنا
"وذلك المعنى" المدلول عليه بهذا التنوين "هو عدم مشابهته"؛ أي الاسم؛ "للفعل والحرف، كـ: زيد" من المعارف "و: فرس" من النكرات.
"وقد علم من هذا" التقرير "أن غير المنصرف هو" الاسم المعرب "الفاقد لهذا التنوين" المذكور، فيدخل في ذلك نحو: جوار، وأعيم تصغير أعمى.
"ويستثنى من ذلك نحو: مسلمات" مما جمع بألف وتاء مزيدتين، "فإنه منصرف مع أنه فاقد له، إذ تنوينه لمقابلة نون جمع المذكر السالم".
وجزام ابن مالك في شرح الكافية١ "بأن الصرف عبارة عن التنوينات الأربعة الخاصة بالاسم، وذكر أنه لأجل ذلك عدل عن تعريف الاسم بالتنوين إلى تعريفه بالصرف". [انتهى] ٢.
وقال ابن معزوز، واضع كتاب أغلاط الزمخشري: "ما عدا تنوين القوافي يسمى صرفًا وتمكينًا، وإن من خالف ذلك لم يفهم كلام سيبويه" انتهى.
وحيث منع التنوين، منع الجر تبعًا له عند الجمهور، وذهب الزجاج، والرماني إلى أن العلتين اقتضتا منعهما معًا٣. والعلل المانعة من الصرف تسع، جمعها ابن النحاس في بيت واحد فقال٤: [من البسيط]
اجمع وزن عادلًا أنث بمعرفة ركب وزد عجمة فالوصف قد كملا
"ثم الاسم الذي لا ينصرف نوعان:
أحدهما: ما يمتنع حرفه لعلة واحدة، وهو شيئان:
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٣. ٢ إضافة من "ط". ٣ انظر ما ينصرف وما لا ينصرف ص١-٢. ٤ البيت في شرح شذور الذهب ص٤٥٠، وشرح قطر الندى ص٢٣٨.
[ ٢ / ٣١٦ ]
أحدهما: ألف التأنيث مطلقًا، أي مقصورة كانت أو ممدودة". وإليه الإشارة بقول الناظم١:
٦٥٠-
فألف التأنيث مطلقًا منع صرف الذي حواه كيفما وقع
لأن وجود ألف التأنيث في الكلمة٢ علة، ولزومها بمنزلة تأنيث ثان، فهو بمنزلة علة ثانية، وهو الذي عبر عنه الزمخشري في مفصله٣ بتكرير السبب الواحد.
"ويمتنع صرف مصحوبها كيفما وقع، أي سواء وقع نكرة كـ: ذكرى" بالقصر: مصدر ذكر، "وصحراء"، بالمد. "أم معرفة كـ: رضوى"؛ بفتح الراء والقصر: اسم جبل بالمدينة، "وزكرياء" بالمد: علم نبي. "أم مفردًا، كما تقدم" تمثيله.
"أم جمعًا كـ: جرحى"، بالقصر: جمع جريح، "وأصدقاء" بالمد: جمع صديق. "أم اسمًا، كما تقدم" تمثيله. "أم صفة كـ: حبلى"؛ بالقصر، "وحمراء" بالمد، وأصلها عند سيبويه٤: حمرى؛ بالقصر؛ بوزن سكرى، فلما قصدوا المد زادوا قبل ألفها٥ ألفًا أخرى، والجمع بينهما محال، وحذف أحدهما يناقض الغرض المطلوب، لأنهم لو حذفوا الألف الأولى لفات المد، ولو حذفوا الثانية لفاتت الدلالة على التأنيث. وقلب الأولى أيضًا مخل بالمد المطلوب، فلم يبق إلا قلب الثانية همزة.
وذهب بعضهم إلى أن الألف الأولى للتأنيث، والثانية مزيدة للفرق بين مؤنث أفعل ومؤنث فعلان. وضعف بأنه يفضي إلى وقوع علامة التأنيث حشوًا، وذهب بعضهم إلى أن الألفين معًا للتأنيث. ورد بعدم النظير إذ ليس لنا علامة تأنيث على حرفين.
"و" الشيء "الثاني: الجمع الموازن لـ: مفَاعِل أو مَفَاعِيلَ":
في كون أوله حرفًا مفتوحًا وثالثه ألفًا، غير عوض، يليها كسر٦ أصلي ملفوظ به، أو مقدر على أول حرفين بعد الألف، ولا فرق في الحرف الأول من الكلمة بين الميم وغيرها "كـ: دراهم" ومساجد؛ بكسر ما بعد الألف لفظًا؛ ودواب، ومدارى بكسر ما بعد الألف تقديرًا، إذ أصلهما: دوايب ومداري، بالكسر فيهما.
_________________
(١) ١ في "أ": "النظم". ٢ في "أ"، "ب": "الجملة". ٣ المفصل ص١٦-١٧. ٤ الكتاب ٤/ ٢٤٠. ٥ سقط من "ب": "قبل ألفها". ٦ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٣١٧ ]
أو ثلاثة أوسطها ساكن، غير منوي به وبما بعده الانفصال، كـ: مصابيح، "ودنانير" فإن الجمع متى كان بهذه الصفة، كان فيه فرعية اللفظ، بخروجه عن صيغ الآحاد العربية، وفرعية المعنى بالدلالة على الجمعية، فاستحق المنع من الصرف، والدليل على أن هذا الجمع خارج عن صيغ الآحاد العربية. أنك لا تجد مفردًا ثالثه ألف بعدها حرفان أو ثلاثة إلا وأوله مضموم كـ: عذافر، بالعين المهملة، والذال المعجمة، [والفاء] ١ والراء: الجمل الشديد.
أو الألف عوض من إحدى ياءي النسب تحقيقًا، كـ: يمان وشآم، وأصلهما: يمني وشأمي. أو تقديرًا، كـ: تهام، فإن الألف في تهامة موجودة قبل النسب فهي كالعوض، فكأنه نسب إلى فعل. مثل: شأم، بسكون العين، أو فعل، كـ: يمن، بفتح العين.
أو ما يلي الألف ساكن، كـ: عبال، بفتح العين المهملة، والباء الموحدة، وتشديد اللام، جمع: عبالة، وهي: الثقل يقال: ألقى عليه٢ عبالته، أي ثقله. أو مفتوح، كـ: براكاء، بفتح الموحدة، والراء، وهو٣ الثبات في الحرب، أو مضموم، كـ: تدارك، مصدر: تدراك. أو عارض الكسر لأجل اعتلال الآخر، كـ: توان وتدان، وأصلهما، تواني وتداني، بضم النون فيهما، قلبت الضمة كسرة، وأعلا إعلا قاض.
أو ثاني الثلاثة محرك، كـ: طواعية وكراهية مصدرين٤.
أو الثاني والثالث عارضان للنسب، منوي بهما الانفصال، [وضابطه ألا يسبقا الألف في الوجود، سواء أكانا مسبوقين بها] ٥، كـ: ظفاري ووباري، نسبة إلى: ضفار ووبار، قبيلتين، أو غير منفكين من الألف، كـ: قواري، وهو الناصر وحوالي: وهو المحتال.
بخلاف نحو: قماري وكراسي، فإن الياءين فيهما موجودتان في المفرد، وهو: قمري وكرسي، فليست الياءان عارضتين في الجمع، فقماري٦ ونحوه بمنزلة: مصابيح.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب"، "ط"، "وهي". ٤ انظر شرح ابن الناظم ص٤٥٨. ٥ إضافة من "ب"، "ط". ٦ في "ب": "في قماري".
[ ٢ / ٣١٨ ]
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٥٨-
وكن لجمع مشبه مفاعلا أو المفاعيل بمنع كافلا
"وإذا كان مفاعل" معتلا "منقوصًا فقد تبدل كسرته فتحة، فتقلب ياؤه ألفًا" لتحركها وانفتاح ما قبلها ويجري مجرى الصحيح. "فلا ينون" بحال اتفاقًا، ويقدر إعرابه في الألف، "كـ: عذارى" جمع عذراء؛ بالمد؛ وهي البكر. "ومدارى" جمه مدرى، بكسر الميم والقصر: وهو مثل الشوكة تحك١ به المرأة رأسها. وهذا الاسعمال غير غالب، "والغالب أن تبقى كسرته" وياؤه على حالهما. "فإذا خلا من "أل" ومن الإضافة أجري في" حالتي "الرفع والجر مجرى: قاض وسار" ونحوهما من المنقوص المنصرف "في حذفه يائه وثبوت تنوينه، نحو": هؤلاء جوار، ومررت بجوار. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ﴾ [الفجر: ١، ٢] فـ"غواش": مرفوع على الابتداء، و"ليال": مجرور بالعطف على الفجر، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٥٩-
وذا اعتلال منه كالجواري رفعا وجرًا أجره كساري
"و" أجري "في" حالة "النصب مجرى: دراهم، في سلامة آخره، وظهور فتحته" من غير تنوين، "نحو": رأيت جواري. قال الله تعالى: " ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ﴾ " [سبأ: ١٨] .
وسبب٢ ذلك أن في آخر نحو: جوار مزيد ثقل، لكونه ياء في آخر اسم لا ينصرف. فإذا خلا ما هي فيه من الألف واللام والإضافة، تطرق إليها التغيير، وأمكن فيه التخفيف بالحذف مع التعويض فخفف٣ بحذف الياء، وعوض عنها بالتنوين لئلا يكون في اللفظ إخلال بصيغة الجمع [وقدر إعرابه رفعًا وجرًا، واستثقالا للضمة والفتحة النائبة عن الكسرة على الياء المكسور ما قبلها] ٤، ولم يخفف في النصب لعدم الثقل، ولا مع الألف واللام والإضافة، لعدم التمكن من التعويض، [لأن التنوين لا يجامع الألف واللام ولا الإضافة] ٤.
_________________
(١) ١ في "ب": "تحرك". ٢ من هنا ١٣٦ أحتى ١٣٦ ب نقله الأزهري من شرح ابن الناظم ص٤٥٩-٤٦٠، وينتهي النقل عند قول الأزهري: "قاله الشارح". ٣ سقطت من "ب". ٤ سقط ما بين المعكوفين من شرح ابن الناظم ص٤٥٩، حيث نقل الأزهري كلامه.
[ ٢ / ٣١٩ ]
وذهب الأخفش: إلى أن الياء لما حذفت تخفيفًا بقي الاسم في اللفظ كـ: سلام وكلام، وزالت صيغة منتهى الجموع، فدخله تنوين الصرف. ورد بأن المحذوف في قوة الموجود وإلا لكان آخر ما بقي حرف إعراب. واللازم باطل فالملزوم مثله١.
وذهب الزجاج٢ إلى أن التنوين عوض من ذهاب الحركة عن الياء، وأن الياء محذوفة لالتقاء الساكنين وهو ضعيف، لأنه لو صح التعويض عن حركة الياء، لكان التعويض عن حركة الألف، في نحو: موسى، أولى. لأنها لا تظهر بحال. واللازم منتف، فالملزوم كذلك.
وذهب المبرد٣ إلى أن فيما لا ينصرف تنوينًا مقدرًا، بدليل الرجوع إليه في الشعر فحكموا له في جوار ونحوه، بحكم الموجود، وحذفوا لأجله؛ الياء في الرفع والجر لتوهم التقاء الساكنين، ثم عوضوا عما حذف التنوين الظاهر. وهو بعيد لأن الحذف لملاقاة ساكن متوهم الوجود مما لم يوجد له نظير. ولا يحسن ارتكاب مثله. قاله الشارح٤.
وقال المرادي٥: "المشهور عن المبرد أن التنوين عنده عوض من الحركة٦، كما نقل في شرح الكافية"٧. "وسراويل ممنوع من الصرف مع أنه مفرد". واختلف في سبب٨ منع صرفه:
"فقيل: إنه أعجمي حمل على موازنه من العربي" كـ: دنانير. "وقيل: إنه منقول عن جمع سراوله٩"، سمي به المفرد الجنسي. واختلف في سماع سروالة، فقال أبو
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٤٦٠: "واللازم كما لا يخفى منتف". ٢ انظر ما ينصرف وما لا ينصرف ص٤٧. ٣ المقتضب ٣/ ٣٠٩. ٤ انتهى ما نقله الأزهري من شرح ابن الناظم ص٤٥٩-٤٦٠. ٥ شرح المرادي ٤/ ١٣٢، ٦ المقتضب ٣/ ٣٣١. ٧ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٣٢٤، وفي حاشية الصبان ٣/ ٢٤٦: "على هذا يكون المبرد مخالفًا لسيبويه في الساكن الذي ردف الياء، فسيبويه يقول: هو التنوين الموجود قبل حذفه، والمبرد يقول: هو التنوين المقدر في كل ممنوع من الصرف، وموافقًا له في أن المعوض عن الياء المحذوفة". ٨ سقطت من "ب". ٩ انظر شرح ابن الناظم ص٤٦٠، والكتاب ٣/ ٢٢٩، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٤٦.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
العباس إنها مسموعة١، وأنشد عليها: [من المتقارب]
٧٨٣-
[عليه] ٢ من اللؤم سراولة فليس يرق لمستعطف
وقيل: لم يسمع والبيت مصنوع فلا حجة فيه٣. والصحيح ما قاله أبو العباس. فقد ذكر الأخفش أنه سمع من العرب سروالة. وقال أبو حاتم: "من العرب من يقول سروال"٤.
وقيل: سراويل جمع سروال، كمشاليل جمع شملال. حكاه الحريري في المقامات٥.
"ونقل ابن الحاجب أن من العرب من يصرفه٦. وأنكر ابن مالك ذلك عليه٧". ورد بأنه ناقل ومن نقل حجة على من لم ينقل. وإلى المنع من الصرف أشار في النظم بقوله:
٦٦٠-
ولسراويل بهذا الجمع شبه اقتضى عموم المنع
"وإن سمي" شخص "بهذا الجمع" الذي هو على زنة مفاعل أو مفاعيل، "أو بما وازنه من لفظ أعجمي، مثل: سراويل وشراحيل"؛ بمعجمة ومهملتين، "أو" من "لفظ مرتجل للعلمية، مثل: كشاجم"؛ بالكاف والشين المعجمة والجيم؛ اسم شاعر، وظاهر سياقه أنه بفتح الكاف. وفي القاموس زيادة على الصحاح: كشاجم كعلابط: اسم. انتهى.
ولا خلاف٨ أن علابط. بضم العين وكسر الموحدة، وهو الضخم،
_________________
(١) ١ المقتضب ٣/ ٣٤٦.
(٢) البيت بلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ٢٢٣، والدرر ١/ ١٨، وشرح ابن الناظم ص٤٦١، وشرح الأشموني ٢/ ٥٢٢، وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ٢٧٠، وشرح شواهد الشافية ص١٠٠، وشرح المفصل ١/ ٦٤، ولسان العرب ١١/ ٣٣٤ "سرل"، والمقتضب ٣/ ٣٤٦، وهمع الهوامع ١/ ٢٥، وتاج العروس "سرل". ٢ سقطت من "أ". ٣ شرح ابن الناظم ص٤٦١، وخزانة الأدب ١/ ٢٢٣. ٤ الارتشاف ١/ ٤٢٧، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٠١. ٥ المقامات الأدبية ص١٨٥. ٦ في شرح الرضي على الكافية ١/ ١٤٥: "قال ابن الحاجب: وسراويل: إذا لم يصرف وهو الأكثر، فقد قيل: أعجمي حمل على موازنه، وقيل: عربي جمع سروالة تقديرًا، وإذا صرف فلا إشكال". انظر شرح الرضي ١/ ١٥٠-١٥٢. ٧ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٠١. ٨ بعده في "ب": "في".
[ ٢ / ٣٢١ ]
"منع الصرف"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله١:
٦٦١-
وإن به سمي أو بما لحق به فالانصراف منعه يحق
والعلة في منع صرفه ما فيه من الصيغة٢. وقيل: قيام العلمية مقام الجمعية، فلو طرأ تنكيره، انصرف على مقتضى التعليل الثاني لفوات ما يقوم مقام الجمعية، وهو مذهب تنكيره، انصرف على مقتضى التعليل الثاني لفوات ما يقوم مقام الجمعية، وهو مذهب المبرد٣. ولا ينصرف على مقتضى التعليل الأول لوجود الصيغة، وهو مذهب سيبويه٤، وعن الأخفش القولان٥. والصحيح قول سيبويه لأنهم منعوا سراويل من الصرف وهو نكرة وليس جمعًا على الصحيح.
"النوع الثاني: ما يمتنع صرفه بعلتين، وهو نوعان:
أحدهما: ما يمتنع صرفه" حال كونه "نكرة ومعرفة. وهو ما وضع صفة وهو إما مزيد، في آخره ألف ونون. أو موازن للفعل"، وهوز وزن أفعل في المكبر، وأفعيل في المصغر. "أو معدول" عن لفظ آخر. "أما ذو الزيادتين فهو فعلان"؛ بفتح الفاء؛ "بشرط أن لا يقبل التاء" الدالة على التأنيث، "إما لأن مؤنثه فعلى"؛ بألف التأنيث المقصورة؛ "كـ: سكران وغضبان وعطشان" فإن مؤنثاتها: سكرى وغضبى وعطشى. "أو لكونه لا مؤنث له" أصلا "كـ: لحيان" للكبير اللحية.
فالأول متفق على منع صرفه، لأنه صفة جاءت على فعلان، والمؤنث منه على فعلى. وإنما كان ذلك مانعًا فيه لتحقيق الفرعيتين به: فرعية المعنى وفرعية اللفظ.
أما فرعية المعنى فلأن فيه الوصفية، وهي فرع على الجمود، لأن الصفة تحتاج إلى موصوف ينسب معناها إليه، والجامد لا يحتاج إلى ذلك.
وأما فرعية اللفظ فلأن فيه الزيادتين المضارعتين لألفي التأنيث، في نحو: حمراء، في أنهما في بناء يخص المذكر، كما أن ألفي التأنيث في حمراء، في بناء يخص المؤنث، وأنهما لا تلحقهما التاء، فلا يقال: سكرانة، كما لا يقال: حمراءة. والمزيد فرع عن المجرد، فلما اجتمع في فعلان المذكور الفرعيتان، امتنع من الصرف٦.
_________________
(١) ١ سقط من "ب" من "بقوله" إلى رقم الشاهد ٧٨٤، وسأنبه على نهاية السقط. ٢ بعده في شرح ابن الناظم ص٤٦١: "مع أصالة الجمعية". ٣ هذا القول نقله الأزهري من شرح ابن الناظم ص٤٦١، الذي لم يذكر اسم المبرد. ٤ الكتاب ٣/ ٢٢٧. ٥ شرح الرضي ١/ ١٥١. ٦ شرح ابن الناظم ص٤٥٣.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وأما ما نقل عن بني أسد أنهم يقولون: سكرانة، ويصرفون سكران. فقال الزبيدي١: "ذكر يعقوب أن ذلك ضعيف رديء". وقال أبو حاتم: "لبني أسد مناكير لا يؤخذ بها".
والثاني: وهو ما لا مؤنث له. كـ: لحيان، مختلف فيه، والصحيح منعه من الصرف لأنه وإن لم يكن له "فعلى". وجودًا، فله "فعلى" تقديرًا. لأنا لو فرضنا له مؤنثًا، لكان "فعلى" أولى به من "فعلانة" لأن باب سكرى أوسع من باب ندمانة. والمقدر في حكم الموجود، بدليل الإجماع على منع صرف "أكمر" مع أنه لا مؤنث له٢.
وحكي أن من العرب من يصرف "لحيان" حملا على "ندمان"، على أنه لو كان له مؤنث لكان بالتاء٢، "بخلاف نحو: مصان"، بتشديد الصاد المهملة، "للئيم" بهمزة بعد اللام، "وسيفان"، بسين مهملة فياء مثناء تحتانية ففاء، "للطويل" الممشوق الضامر البطن."وأليان"، بفتح الهمزة وسكون اللام وبالياء المثناة تحت "للكبير الألية" من ذكور الغنم. "وندمان من المنادمة"، وهي المكالمة، "لا من الندم" على ما فات، "فإن مؤنثاتها فعلانة"، فلذلك صرفت.
"وأما ذو الوزن فهو: أفعل" غالبًا، "بشرط ألا يقبل التاء، إما لأن مؤنثه فعلاء، كـ: أحمر، أو فعلى"؛ بضم الفاء؛ "كـ: أفضل، أو لكونه لا مؤتث له" أصلا، "كـ: أكمر" لعظيم الكمرة وهي الحشفة، "وآدر"؛ بالمد لكبير الأنثيين.
فهذه الأنواع الثلاثة ممنوعة من الصرف للوصف الأصلي، ووزن أفعل، فإن وزن الفعل أولى بالفعل، لأن أوله زيادة تدل على معنى في الفعل، دون الاسم فكان لذلك أصلا في الفعل، لأن ما زيادته لمعنى أولى مما زيادته لغير معنى. وإنما اشترط أن لا تلحقه١ تاء التأنيث. لأن ما تلحقه من الصفات كـ: أرمل، وهو الفقير، ضعيف الشبه بلفظ المضارع، لأن تاء التأنيث [لا] ٣ تلحقه٤. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٥٢-
ووصف أصلي ووزن أفعلا ممنوع تأنيث بتا
"وإنما صرف أربع، في نحو: مررت بنسوة أربع"، مع كونه صفة لنسوة، وفيه
_________________
(١) ١ لحن العوام ص١٦٢. ٢ شرح ابن الناظم ص٤٥٣. ٣ سقطت من "أ". ٤ شرح ابن الناظم ص٤٥٣-٤٥٤.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وزن الفعل "لأنه وضع اسمًا" للعدد. "فلم يلتفت لما طرأ له من الوصفية، وأيضًا فإنه قابل للتاء"، في نحو: مررت برجال أربعة. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٥٣-
وألغين عارض الوصفيه كأربع
"وإنما منع صرف باب أبطح"، وهو المكان المنبطح من الوادي، وأجرع، وهو المكان المستوي، وأبرق، وهو المكان الذي فيه لونان. "و" باب "أدهم للقيد، وأسود" للحية السوداء، "وأرقم للحية" التي فيها نقط سود وبيض كالرقم، "مع أنها أسماء لأنها وضعت صفات، فلم يلتفت إلى ما طرأ من الاسمية". وفي الإفصاح أن سيبويه ذكر أن جميع العرب تمنع صرف ستة: أدهم للقيد، وأسود سالخ، وأرقم لنوعين من الحيات، وأجرع، وأبطح، وأبرق، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٥٣-
وعارض الاسميه
أي: ألفينه، "وربم اعتد بعضهم باسميتها" الطارئة "فصرفها". وصرح ابن جني بأن هذه الأسماء كلها تنصرف.
ويفترق باب أبطح وباب أدهم من جهة كون باب أبطح صفات خاصة بالأمكنة الموجودة معها، فهم ذلك المعنى، وباب أدهم صفات عامة. ويفترق هذا البابان وباب أجدل في الصرف وعدمه.
فأما أدهم وأبطح فأصلهما الوصفية، ثم طرأت عليهما الاسمية، فلهذا منعا من الصرف. "وأما أجدل للصقر. وأخيل لطائر ذي خيلان"، بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء جمع خال، وهي النقط المخالفة لبقية البدن. قال الفراء: وهو الشقراق، وسمي أخيل لأنه يتخيل في لونه الخضرة من غير خلوصها.
"وأفعى للحية"، واختلف في اشتقاقها. فقال أبو علي: "مشتقة من يافع، فأصله أيفع"، وقال ابن جني: "من فوعة السم، حرارته، فأصلها: أفوع، فنقلت فاؤه على الأول، وعينه على الثاني، إلى موطن لامه"١. وقال غيرهما: من مادة الأفعوان، فلا نقل لقولهم: أرض مفعاة، أي: كثيرة الأفاعي. "فإنها أسماء في الأصل و" في "الحال، فلهذا صرفت في لغة الأكثر. "وبعضهم يمنع صرفها"٢ وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٥٥-
وأجدل وأخيل وأفعى مصروفة وقد ينلن المنعا
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ١/ ٤٣٠. ٢ إضافة من "ط".
[ ٢ / ٣٢٤ ]
"للمح معنى الصفة فيها. وهي: القوة" في أجدل، "والتلون" في أخيل، "والإيذاء" في أفعى. لكن "المنع في أفعى أبعد منه في أخيل وأجدل، لأنهما من: المخيول وهو الكثير الخيلان، من الجدل، وهو الشدة، وأما أفعى فلا مادة لها في الاشتقاق، لكن ذكرها يقارن تصور إيذائها فأشبهت المشتق" قاله المرادي١ تبعًا للشارح٢.
"قال" القطامي: [من الطويل]
٧٨٤-
كأن العقيليين يوم٣ لقيتهم فراخ القطا لاقين أجدل بازيا
فمنع صرف أجدل وهو مفعول لاقين، وبازيا: يجوز أن يكون صفة أجدل، ويجوز أن يكون معطوفًا على أجدل بإسقاط العاطف، وهو من بزى إذا تطاول.
"وقال" حسان بن ثابت الأنصاري -﵁: [من الطويل]
٧٨٥-
ذريني وعلمي بالأمور وشيمتي فما طائري يومًا عليك بأخيلا
فمنع صرف أخيل، والعرب تتشاءم بأخيل، تقول: "هو أشأم من أخيل"٤، ويجمع على أخايل "ومن غير الغالب: أفيعل، نحو: أحيمر وأفيضل من المصغر، فإنه لا ينصرف للوصفية ووزن الفعل، فإنه على وزن أبيطر". قاله المرادي٥، تبعًا للشارح٦.
"وأما الوصف ذو العدل" فنوعان:
" [أحدهما] ٧: موازن فُعال"، بضم الفاء، "ومَفْعَل"، بفتح الميم والعين،
_________________
(١) ١شرح المرادي ٤/ ١٢٦. ٢ شرح ابن الناظم ص٤٥٤.
(٢) البيت للقطامي في ديوانه ١٨٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٤٦، ولجعفر بن علبة الحارثي في المؤتلف والمختلف ١٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١١٩، وجمهرة اللغة ٨٠٠، وشرح ابن الناظم ص٤٥٤، وشرح الأشموني ٢/ ٥١٣، وشرح شواهد الإيضاح ٣٩٣، ولسان العرب ١١/ ١٠٤ "جدل". ٣ إلى هنا نهاية ما سقط من "ب" الذي نبهت عليه في ص٣٢٢ في الحاشية رقم١.
(٣) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص٢٧١، وشرح شواهد الإيضاح ٣٩٢، ولسان العرب ١١/ ٢٣٠ "خيل"، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٨، وتاج العروس "خيل"، وبلا نسبة في الاشتقاق ص٣٠٠، وأوضح المسالك ٤/ ١٢٠، وشرح ابن الناظم ص٤٥٤، وشرح الأشموني ٢/ ٥١٤. ٤ مجمع الأمثال ١/ ٣٨٣، وجمهرة الأمثال ١/ ٥٣٨، ٥٥٩، والمستقصى ١/ ١٧٦، والدرة الفاخرة ١/ ٢٣٥، ٢٤٩. ٥ شرح المرادي ٤/ ١٢٥. ٦ شرح ابن الناظم ص٤٥٤. ٧ إضافة من "ط".
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وهما مسموعان "من الواحد إلى الأربعة باتفاق، وفي الباقي" من العشرة "على الأصح"، وقيل: في العشرة والخمسة فدونها سماعًا، وما بينهما قياسًا عند الكوفيين والزجاج١. وقيل: يقاس على فعل خاصة لأنه أكثر، والصحيح كما قال الموضح هنا وفي الحواشي٢: إن البناءين مسموعان في الألفاظ العشرة. [كما] ٣ حكاه الشيباني.
ولا يعارض بقول أبي عبيدة والبخاري في صحيحه: "إن العرب لا تتجاوز الأربعة"٤. لأن غيرهما سمع ما لم يسمعا.
ونقل السخاوي أنه يعدل أيضًا في فعلان. بضم الفاء من الواحد إلى العشرة كقوله: [من البسيط]
٧٨٦-
طاروا إليه زرافات ووحدانا
"وهي معدولة عن ألفاظ العدد الأصول"، حال كونها "مكررة٥. فأصل: جاء القوم أحاد، جاءوا واحدًا واحدًا". فعدل عن: "واحدًا واحدًا" إلى "أحاد" تخفيفًا للفظ. "وكذا الباقي.
ولا تستعمل هذه الألفاظ إلا نعوتًا، نحو: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ " [فاطر: ١] فمثنى وثلاث ورباع: نعوت لأجنحة، "أو أحوالا نحو: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ " [النساء: ٣] فمثنى وثلاث ورباع: أحوال من النساء، "أو أخبارًا، نحو: صلاة الليل مثنى مثنى"٦. فمثنى الأولى: خبر صلاة، ومثنى الثاني: تكرير له. "وإنما كرر لقصد التوكيد، لا لإفادة التكرير"، التأسيس.
لأنه لو قيل: صلاة الليل مثنى، لكفى في المقصود.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٤٥٥، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٢٦. ٢ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٤٧. ٣ إضافة من "ب"، "ط". ٤ قال البخاري في كتاب التفسير، الباب رقم ٧٩: سورة النساء: "ولا تجاوز العرب رباع".
(٢) صدر البيت: قوم إذا الشر أبدى ناجذيه إليهم وهو لقريط بن أنيف العنبري في تاج العروس ١٢/ ٤٥١ "طير"، ٢٣/ ٣٨٢ "زرف"، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ١/ ٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٢٧٨، وبلا نسبة في تاج العروس ٩/ ٢٤٦ "وحد"، ولسان العرب ٣/ ٤٤٧ "وحد"، ٤/ ٥١٠ "طير"، وكتاب الصناعتين ص٢٩٤، ومجالس ثعلب ص٤٠٥، والمزهر ١/ ٥٩. ٥ سقطت من "ب". ٦ أخرجه البخاري في كتاب المساجد باب الحلق والجلوس، رقم٤٦٠-٤٦١، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى رقم ٧٤٩، ٧٥٣، وهو من شواهد شرح ابن الناظم ص٤٥٥.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وزعم الفراء أن هذه الأسماء معارف بنية الألف واللام١. فعلى هذا فهي في الآيتين بدل، كما قال الحوفي. إذا لا تنعت النكرة بمعرفة٢، ولا يجيء الحال معرفة إلا بتأويل. ومنهم من يذهب بها مذهب الأسماء فلا يستعملها استعمال المشتقات في التبعية كقوله: [من المتقارب]
٧٨٧-
وخيل كفاها ولم يكفها ثناء الرجال ووحدانها
النوع "الثاني: أخر" بضم الهمزة وفتح الخاء "في نحو: مررت بنسوة أخر". وإلى منع العدل مع الوصف في هذين النوعين أشار الناظم بقوله:
٦٥٦-
ومنع عدل مع وصف معتبر في لفظ مثنى وثلاث وأخر
"لأنها جمع لأخرى، وأخرى أنثى آخر، بالفتح" للخاء، "بمعنى مغاير، وآخر"، بالفتح، "من باب اسم التفضيل".
فإنه أصله: أَأْخر بهمزتين مفتوحة فساكنة. أبدلت الساكنة ألفًا. "واسم التفضيل قياسه أن يكون في حال تجرده من "أل" والإضافة مفردًا مذكرًا"، ولو كان جاريًا على مثنى أو مجموع أو مؤنث.
فالأول "نحو: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: ٨] .
و" الثاني "نحو: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ" مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبه: ٢٤] .
والثالث نحو: هند أحب إليَّ عمرو. "فكان القياس أن يقال: مررت بامرأة آخر، وبنساء آخر. وبرجال آخر، وبرجلين آخر"، بفتح الهمزة الممدودة فيهن، "ولكنهم" في التأنيث، "قالوا: أخرى، و" في جمع المؤنث المكسر، قالوا: "أخر"، بضم الهمزة، "و" في جمع المذكر السالم قالوا: "آخرون، و" في المثنى قالوا: "آخران"، "و" بذلك جاء التنزيل، "قال الله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ﴿وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ [التوبة: ١٠٢]، ﴿فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧] .
وإنما خص النحويون أخر"، بضم الهمزة. "بالذكر" دون ما عداه، "لأن في
_________________
(١) ١ معاني القرآن ١/ ٢٥٤. ٢ في "ب": "بالمعرفة".
(٢) البيت بلا نسبة في الدرر ١/ ٢٣، وهمع الهوامع ١/ ٢٧.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
أخرى ألف التأنيث، وهي أوضح من العدل" [في منع الصرف] ١، "و" أما "آخرون وآخران، فمعربان بالحروف، فلا مدخل لهما في هذا الباب" لأن إعرابه بالحركات.
"وأما آخر"، بفتح الهمزة، "فلا عدل فيه: وإنما العدل في فروعه"، وهي المؤنث والمثنى والجمع، "وإنما امتنع من الصرف للوصف٢ والوزن".
وفي جعل آخر من باب التفضيل إشكال، لأنه لا يدل على المشاركة والزيادة في المغايرة.
ومن ثم قال الموضح في الحواشي: "الصواب أن أخر مشابه لأفضل من جهات ثلاث: إحداهما: الوصف، والثانية: الزيادة، والثالثة: أنه لا يتقوم معناه إلا باثنين، مغايِر ومغايَر.
كما أن أفضل إنما يتقوم معناه باثنين: مفضل ومفضل عليه. فلما أشبهه من هذه الجهات، استحق أحكامه في جميع تصاريفه. وعلى هذا فكان ينبغي أن لا تستعمل تصاريفه مع التنكير، بل مع "أل" والإضافة لمعرفة، فلما خولف بها عن ذلك، كان ذلك٣ عدلا استحقه، بمقتضى المشابهة، فعلى هذا إذا قيل: مررت بنسوة أخر. كان معدولا عن آخر بالفتح والمد، ولا نقول على الآخر، لأنه نكرة لجريه على نكرة نعتًا، ولا عن آخرين لما بينا من انتفاء حقيقة التفضيل من هذه الكلمة. وكثير غلط في المسألة". انتهى.
"وإن كانت أخرى بمعى آخرة"، بكسر الخاء، وهي المقابلة للأولى، "نحو: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] "جمعت على آخر، مصروفًا"، لأنه غير معدول. ذكر ذلك الفراء٤، "ولأن مذكرها آخر، بالكسر" مقابل أول. "بدليل: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ " [النجم: ٤٧] أي: الآخرة، بدليل: " ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ﴾ " [العنكبوت: ٢٠] .
والقصة٥ واحدة، "فليست" أخرى بمعنى آخرة. "من باب اسم التفضيل"، والفرق أن انثى المفتوح لا يدل على انتهاء، كما لا يدل عليه مذكرها، فلذلك يعطف عليها
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ في "ط": "للوصفية". ٣ سقط من "ط". ٤ معاني القرآن ١/ ٣٧٩، وانظر شرح ابن الناظم ص٤٥٦. ٥ في "ب": "القضية".
[ ٢ / ٣٢٨ ]
مثلها من جنس واحد. كقولك: عندي رجل وآخر وآخر، وندي امرأة وأخرى وأخرى. وأنثى المكسور تدل على الانتهاء ولا يعطف عليها مثلها من جنس واحد، كما أن مذكرها كذلك١.
"وإذا سمي بشيء من هذه الأنواع" الثلاثة وهي: الوصف ذو الزيادتين، والوصف الموازن للفعل، والوصف المعدول، "بقي على منع الصرف" عند الجمهور، "لأن الصفة لما ذهبت بالتسمية خلفتها العلمية"، وبقي كل من الزيادة والوزن والعدل على حاله.
وقال الأخفش في المعاني٢، وأبو العباس٣: "إنه لو سمي بمثنى أو أحد أخواته انصرف. لأنه إذا كان اسمًا فليس في معنى اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، فليس فيه إلا التعريف خاصة". وتبعهما على ذلك الفارسي، وارتضاه ابن عصفور.
ورد بأن هذا مذهب لا نظير له. إذ لا يوجد بناء ينصرف في المعرفة ولا ينصرف في النكرة، وإنما المعروف العكس. وعبارة الفارسي في التذكرة تخالف هذا فإنه قال: "الوصف يزول فيخلفه العريف الذي للعلم، والعدل قائم في الحالتين جميعًا". انتهى.
وحجة الجمهور أن شبه الأصل من العادل حاصل، والعلمية محققة، فسبب المنع موجود، فالوجه امتناع الصرف.
وأما قول ثعلب والفراء وغيرهما من الكوفيين: مثنى وثلاث ورباع مصروفة٤.
فليس مرادهم الصرف الحقيقي، وإنما مرادهم بذلك العدل، فإنهم يسمون العدل صرفًا، ولا مشاحة في الاصطلاح.
"النوع الثاني: ما لا ينصرف معرفة وينصرف نكرة، وهو سبعة:
أحدها: العلم المركب تركيب المزج"، المشار إليه في النظم بقوله:
٦٦٢-
والعلم امنع صرفه مركبا تركيب مزج
"كـ: بعلبك وحضرموت"، علمين لبلدين، وسيبويه في لغة من أعربه، فإن هذا النوع لا ينصرف لاجتماع فرعية المعنى بالعلمية، وفرعية اللفظ بالتركيب، "وقد يضاف أول جزأيه إلى ثانيهما تشبيهًا" بـ: عبد الله، فيعرب الجزء الأول بحسب العوامل، ويجر الثاني بالإضافة.
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن الناظم ص٤٥٧-٤٥٨. ٢ معاني القرآن للأخفش ١/ ٤٣١-٤٣٢. ٣ المقتضب ٣/ ٣٨٠. ٤ معاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٤.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
ثم إن كان في الجزء الثاني ما يمنع صرفه كالعجمة كـ: رام هرمز، منع من الصرف، وإلا صرف كـ: حضرموت، وإن كان آخر الجزء الأول ياء كـ: معدي كرب، فإنه تقدر فيه الحركات الثلاث، ولا تظهر فيه الفتحة تشبيهًا بالألف، فلازم في التركيب لزيادة الثقل، ما كان جائزًا في الإفراد. قاله ابن مالك حكمًا وتعليلا١. وقال غيره: يفتح في النصب، ويسكن في الرفع والجر كـ: قاضي القوم.
والمشهور في لغة الإضافة صرف "كرب" وجره بالكسرة. وسمع جره بالفتحة. فقال سيبويه٢ والفارسي: ممنوع الصرف لأنه مؤنث. وقال قوم: مبني على الفتح كـ: عشر من خمسة عشر قيل: وهو الصحيح، لأنه لو كان مؤنثًا غير منصرف، ولم يجئ فيه الصرف لأنه محرك الوسط.
ودفع بأنه قد تكون مؤنثة عند قوم، مذكرة عند آخرين، وأجاز الفارسي٣ الوجهين لاحتمال الأمرين. "وقد يبنيان على الفتح" تشبيهًا بخمسة عشر. حكاه سيبويه٢ وغيره٤. فيفتح آخر الجزأين إلا في نحو: معدي كرب. فيفتح آخر الثاني فقط.
وفي البسيط: ليس البناء مطردًا عند عامة البصريين والكوفيين، وعلى اللغات وهي: إعرابه إعراب ما لا ينصرف، وإضافة أول جزأيه إلى ثانيهما، وبناؤهما على الفتح.
"فإن كان آخر" الجزء "الأول معتلا" بالياء، "كـ: معدي كرب، وقالي قلا، وجب سكونه مطلقًا" في الرفع والنصب والجر، سواء أكان معربًا في لغة الإضافة، أو مبنيًّا، كما في غيرها. وقد تقدم شرح ذلك.
"الثاني: العلم ذو الزيادتين"، الألف والنون. وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٦٣-
كذاك حاوي زائدي فعلانا
سواء أكان أوله مفتوحًا، أو مكسورًا، أو مضمومًا، "كـ: مروان وعمران وعثمان. و" لا فرق بين أعلام الأناسي؛ كما تقدم؛ وغيرها، نحو: "غطفان"، بفتح المعجمة والطاء المهملة وبالفاء: اسم قبيلة من قبائل العرب، سميت باسم أبيها وهو: غطفان بن سعد بن قيس عيلان٥. "وإصبهان"، بكسر الهمزة وفتح الموحدة، علم بلد، سميت بذلك لأن أول من نزلها، إصبهان بن فلوج بن لمطى بن يافث.
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٣٤. ٢ الكتاب ٣/ ٢٩٦. ٣ المسائل المنثورة ص٢٤٢. ٤ انظر الإنصاف ١/ ٣٠٩، وشرح المرادي ٤/ ١٣٩-١٤٠. ٥ جمهرة أنساب العرب ص٢٤٨.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
فهذه الألفاظ ممنوعة من الصرف اتفاقًا، لأن الألف والنون فيها زيدتا معًا. وما كان من الأسماء في آخره ألف ونون واحتملت النون فيه الأصالة والزيادة ففيه وجهان: الصرف، وعدمه اعتبارًا بأصالتها وزيادتها. فمن ذلك: رمان، وحسان، ودهقان، وشيطان أعلامًا، فإن اعتقدت أنها من: الروم، والحس، والدهق، والشط، لم تصرفها. وإن اعتقدت أنها من: الرمن، والحسن، بالنون، والدهقنة، والشيطنة، صرفتها. وإذا تمخضت لجهة الأصالة صرفت، كما إذا سميت بـ: طحان من الطحن، أو بـ: تبان من التبن، أو بـ: سمان من السمن، ونحو ذلك.
واختلفت في "أبان" بتخفيف الباء علما، فمن صرفه رأى أن وزنه فعال، فالهمزة والباء والنون أصول. ومن منعه الصرف رأى أن وزنه أفعل، وأنه منقول من أبان الشيء يبين، والجمهور على المنع، كما قال ابن يعيش١.
وإذا أبدل من النون الزائدة لام، منع من الصرف إعطاء للبدل حكم المبدل منه، وذلك نحو: أصيلال مسمى به أصله: أصيلان، تصغير، أصل على غير قياس، ولو أبدل من حرف أصلي نون، صرف، وذلك نحو: مسمى به، أصله: حناء، أبدلت همزته نونًا.
"الثال: العلم المؤنث، ويتحتم منعه من الصرف:
إن كان بالتاء"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٦٤-
كذا مؤنث بهماء مطلقًا
سواء أكان علم مؤنث أم مذكر، "كـ: فاطمة وطلحة"، وإنما لم يصرفوه لوجود العلمية في معناه، ولزوم علامة التأنيث في لفظه، وهي ملازمة له. ومن ثم لم تؤثر في الصفة، نحو: قائمة، لأنها في حكم الانفصال، فإنها تارة تجرد منها، وتارة تقترن بها.
"أو زائدًا على" أحرف "ثلاثة كـ: زينب وسعاد"، تنزيلا للحرف الرابع منزلة تاء التأنيث.
"أو" ثلاثيًّا" "محرك الوسط" لفظًا "كـ: سقر ولظى"، إقامة لحركة الوسط مقام الحرف الرابع. خلافًا لابن الأنباري في جعله ذا وجهين كـ: هند. وإما محرك الوسط تقديرًا، كـ: دار ونار، علم امرأة، فيلتحق٢ بباب هند.
_________________
(١) ١ شرح المفصل ١/ ٦٧. ٢ في "ط": "علمي امرأتين فيلحق".
[ ٢ / ٣٣١ ]
"أو" ثلاثيًّا أعجميًّا "كـ: ماه وجور"، بضم الجيم، علمي بلدين، لأن العجمة لما انضمت إلى التأنيث والعلمية، تحتم المنع، وإن كانت العجمة لا تمنع صرف الثلاثي لأنها هنا لم تؤثر منع الصرف، وإنما أثرت تحتمه: وقيل: هو ذو وجهين كـ: هند.
"أو" ثلاثيًّا "منقول من المذكر إلى المؤنث كـ: زيد، اسم امرأة"، لأنه حصل بنقله إلى التأنيث ثقل، عادل خفة اللفظ، هذا مذهب سيبويه١ والجمهور٢.
وذلك مأخوذ من قول الناظم:
٦٦٤-
وشرط منع العار كونه ارتقى
٦٦٥-
فوق الثلاث أو كجور أو سقر أو زيد اسم امرأة لا اسم ذكر
"ويجوز في هند ودعد" وجمل، من الثلاثي الساكن الوسط، إذا لم يكن أعجميًّا، ولا مذكر الأصل: "الصرف وتركه"٣. فمن صرفه نظر إلى خفة اللفظ: وأنها قد قاومت أحد السببين، ومن لم يصرفه، "وهو أولى"، نظر إلى وجود السببين في الجملة، وهما: العلمية والتأنيث٤. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٦٦-
وجهان في العادم تذكيرًا سبق وعجمة كهند والمنع أحق
"والزجاج يوجبه"، أي المنع، وعلله بأن السكون لا يغير حكمًا أوجبه اجتماع علتين تمنعان الصرف٥. انتهى.
"وقال عيسى" بن عمر الثقفي، "و" أبو عمر "الجرمي، و" أبو العباس "المبرد"، وأبو زيد "في نحو: زيد، اسم امرأة، إنه كـ: هند"، في جواز الوجهين٦، وعلم منه أنه لو كان علم المؤنث ثنائي اللفظ كـ: يد، جاز فيه الوجهان. ذكره سيبويه٧. وإذا سمي مذكر بمؤنث وجب منع صرفه بأربعة شروط:
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٢٤٠، ٢٤١. ٢ انظر شرح ابن عقيل ٢/ ٣٣١، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٤٩. ٣ وعلى الوجهين ورد قول الشاعر: لم تتلفع بفضل مئزرها دعد ولم تسق دعد في العلب والبيت لجرير في ديوانه ص١٠٢١، ولابن قيس الرقيات في ديوانه ص١٧٨، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢٤١، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٥٠، والمنصف ٢/ ٧٧، وشرح المفصل ١/ ٧٠. ٤ انظر شرح ابن الناظم ص٤٦٣، حيث نقل الأزهري هذا القول منه. ٥ انظر شرح بن الناظم ص٤٦٣، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٥٠. ٦ المقتضب ٣/ ٣٥٠ والارتشاف ١/ ٤٤٢. ٧ الكتاب ٣/ ٢٤٠.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
أحدها: كونه أكثر من ثلاثة أحرف لفظًا كـ: زينب، أو تقديرًا، كـ: جيل، مخفف جيأل١.
الثاني: أن لا يكون مسبوقًا بتذكير انفرد به تحقيقًا كـ: رباب، علم امرأة، فإنها منقولة من مذكر، فلو سمي بها مذكر صرفت، أو تقديرًا كـ: جنوب وشمال، فإنهما صفتان لمذكر مقدر٢.
الشرط الثالث: أن لا يكون مسبوقًا بتذكير غالب كـ: ذراع، فإنه مؤنث٣ بدليل: ذراع رأيتها. فإذا سمي به مذكرًا انصرف لغلبة استعماله قبل العلمية في المذكر.
كقولهم: أنت ذراعي وعضدي، بمعنى: أنت ناصري ومنجدي.
الشرط الرابع: أن لا يكون التأنيث موقوفًا على تأويل غير لازم. وذلك كتأنيث الجموع كـ: رجال، فإن تأنيثها ينبني على تأويلها بالجماعة، وذلك غير لازم لأنها قد تؤول بالجمع، وهو مذكر، فإذا سمي به مذكر انصرف.
"الرابع: العلم الأعجمي"، فإنه فيه فرعية المعنى بالعلمية، وفرعية اللفظ، بكونه من الأوضاع الأعجمية، فيمتنع من الصرف "إن كانت علميته في اللغة الأعجمية"، كما هو ظاهر مذهب سيبويه٤. وزعم الشلوبين، وابن عصفور أنه لا يشترط٥.
ويظهر أثر الخلاف في: قالون، فيصرف على الأول، لأنهم لم يستعملوه علما وإنما صفة بمعنى جيد. ويمنع الصرف على الثاني، لأنه لم يكن في كلام العرب قبل أن يسمى به "وزاد على" أحرف "ثلاثة كـ: إبراهيم وإسماعيل". فلو كان ثلاثيًّا ضعف فيه فرعية اللفظ بمجيئه على أصل ما تبنى عليه الآحاد العربية. "فلا تؤثر العجمة في الثلاثي بخلاف التأنيث قولا واحدًا في لغة جميع العرب، ولا التفات إلى ما نقل خلافه". قال في شرح الكافية٦. والمراد بالعجمي: ما نقل عن لسان غير العرب بأي لغة كانت. وتعرف عجمة الاسم بوجوده:
_________________
(١) ١ في الكتاب ٣/ ٢٣٩ أن هذه الأسماء لم تصرف لأنها تمكنت في المؤنث واختص بها وهي مشتقة. ٢ الكتاب ٣/ ٢٣٩. ٣ الكتاب ٣/ ٢٣٦، وهمع الهوامع ١/ ١١٠. ٤ الكتاب ٣/ ٢٤٣، ٢٣٥. ٥ المقرب ١/ ٢٨٦. ٦ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٦٩-١٤٧٠.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
أحدها: نقل الأئمة.
والثاني: خروجه عن أوزان الأسماء العربية كـ: إبراهيم.
والثالث: أن يعرى من حروف الذلاقة، وهو خماسي أو رباعي، وحروف الذلاقة ستة، وهي: الميم، والراء، والباء الموحدة، والنون، والفاء، واللام، يجمعها: مر بنفل.
والرابع: أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في كلام العرب كالجيم والقاف بغير فاصل نحو: قج وجق، والصاد والجيم نحو: الصولجان١، والكاف والجيم نحو: أسكرجه٢، والراء بعد النون أول كلمة نحو: نرجس٣، والزاي بعد الدال نحو مهندز٤. وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٦٧-
والعجمي الوضع والتعريف مع زيد على الثلاث صرفه امتنع
"وإذا سمي بنحو: لجام"، بالجيم، وهو آلة تجعل في فم الفرس ونحوه، "وفرند"، بكسر الفاء والراء وسكون النون، قال الجواليقي٥: "فارسي معرب، وهو جوهر السيف". "صرف لحدوث علميته. ونحو: نوح ولوط" من الثلاثية الساكنة الوسط. "وشتر" بفتح الشين المعجمة والتاء المثناة فوق، اسم قلعة من أعمال أران، بفتح الهمزة وتشديد الراء، إقليم بأذربيجان. "مصروفة" لكونها ثلاثية والعجمة ملغاة فيها. صرح بذلك السيرافي، وابن برهان، وابن خروف٦.
"وقيل: الساكن الوسط" كـ: نوح ولوط "ذو وجهين": الصرف وعدمه كـ: هند. "والمحركة" الوسط كـ: شتر "متحتم المنع" كـ: زينب إقامة لحركة الوسط مقام الحرف الرابع. وهذا التفصيل قال به: عيسى بن عمر الثقفي، وابن قتيبة، والجرجاني، والزمخشري٧.
_________________
(١) ١ الصولجان: عصا يعطف طرفها يضرب بها الكرة على الدواب، وقال الجوهري: الصولجان: المحجن، فارسي معرب. انظر لسان العرب ٢/ ٣١٠ "صلج". ٢ في "ط": "السكرجة"، وهي إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل، من الأدم، وهي فارسية، وأكثر ما يوضع فيها الكوامخ ونحوها، انظر لسان العرب ٢/ ٢٩٩ "سكرج". ٣ النرجس: بالكسر، من الرياحين، معروف، وهو دخيل. انظر لسان العرب ٦/ ٢٣٠ "نرجس". ٤ المهندز: الذي يقدر مجاري القنى والأبنية، إلا أنهم صيروا الزاي سينًا، فقالوا: مهندس، لأنه ليس في كلام العرب زاي قبلها دال، انظر لسان العرب ٥/ ٢٤٧ "هندز". ٥ في "ب": "الجواقليقي". ٦ انظر الارتشاف ١/ ٤٣٩، ٤٤٠. ٧ انظر الارتشاف ١/ ٤٣٩.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
"الخامس: العمل الموازن للفعل" الماضي أو المضارع أو الأمر. "والمعتبر من وزن الفعل أنواع" ثلاثة:
"أحدها: الوزن الذي يخص الفعل"، والمراد به ما لا يوجد في غير الفعل، إلا في علم، أو أعجمي، أو ندور. فالعلم "كـ: خضم"، بالخاء وتشديد الضاد المعجمتين، علمًا "لمكان"، وقال الجوهري١ "اسم العنبر بن عمرو بن تميم، وقد غلب على القبيلة". قال: [من الرجز]
٧٨٨-
لولا الإله ما سكنا خضما
أي بلاد خضم، "وشمر"، بالشين المعجمة وتشديد الميم، علمًا "لفرس"٢.
والأعجمي كـ: بقم لصبغ، وبذر لماء٣، "و" النادر ما كان على صيغة الماضي المبني للمفعول نحو: "دئل" اسما "لقبيلة"٤.
فلا يمنع وجدان هذه الأمثلة اختصاص أوزانها بالفعل لأن النادر والأعجمي لا حكم لهما، ولأن العمل منقول من فعل، فالاختصاص فيه باق. "و" الذي لا يوجد في غير الفعال ما كان على صيغة الماضي المفتتح بهمزة وصل، أو تاء مطاوعة "كـ: انطلق واستخرج، و" نحو: "تقاتل" وتصالح حال كونهما "أعلامًا".
وحكم همزة الوصل في الفعل المسمى به القطع، لأن المنقول من فعل [بعد عن أصله] ٥، فالتحق بنظائره من الأسماء، فحكم فيه بقطع الهمزة بخلاف المنقول من اسم كـ: اقتدار فإن الهمزة تبقى على وصلها بعد التسمية، لأن المنقول من اسم لم يبعد عن أصله، فلم يستحق الخروج عما هو له.
_________________
(١) ١ الصحاح "خضم"، وجمهرة أنساب العرب ص٢٠٨-٢٠٩.
(٢) الرجز بلا نسبة في تاج العروس "خضم"، وتهذيب اللغة ٧/ ١١٩، وديوان الأدب ١/ ٨٤، والخصائص ٣/ ٢١٩، وشرح المفصل ١/ ٣٠، ٦٠، ولسان العرب ١٢/ ١٨٤ "خضم"، ومعجم البلدان ٢/ ٣٧٧ "خضم". ٢ في كتاب الحلبة ص٩٨: "شمر على فعل، وقد تكسر الشين، اسم فرس جد جميل بن معمر العذري، قال جميل: [من الطويل] وجدي يا حجاج فارس شمرا ٣ في حاشية يس ٢/ ٢١٩: "في كلام ابن إياز أنه اسم لموضع، ولا نسلم أنه أعجمي بل منقول من الفعل". ٤ في شرح ابن الناظم ص٤٦٣: "دئل: لدويبة"، وفي حاشية يس ٢/ ٢٢٠: "دائل: مشتركة بين القبيلة والدوية". ٥ إضافة من "ب"، "ط".
[ ٢ / ٣٣٥ ]
"الثاني: الوزن الذي الفعل به أولى: لكونه غالبًا فيه"، وعلى هذين النوعين اقتصر الناظم فقال:
٦٦٨-
كذاك ذو وزن يخص الفعلا أو غالب
فالغالب "كـ: إثمد"، بكسر الهمزة والميم، وسكون المثلثة بينهما، وبالدال المهملة، حجر الكحل، وأما مضموم١ الهمزة والميم، فاسم موضع. "وإصبع"، بكسر الهمزة وفتح الموحدة، واحدة الأصابع، وفيها عشر لغات حاصلة من ضرب ثلاثة أحوال الهمزة في ثلاثة أحوال الباء، والعاشرة: أصبوع. "وأبلم"، بضم الهمزة واللام، وسكون الموحدة بينهما، سعف المقل، حال كون الثلاثة "أعلامًا فإن وجود موازنها في الفعل أكثر" منه في الاسم، "كالأمر من ضرب"، فإنه موازن إثمد. "و" الأمر من "ذهب"، فإنه موازن إصبع، بفتح الباء "و" الأمر من "كتب"، فإنه موازن: أبلم.
"الثالث: الوزن الذي الفعل به أولى، لكونه مبدوءًا بزيادة تدل" على معنى "في الفعل ولا تدل" على معنى "في الاسم، نحو: أفكل"، بفتح الهمزة والكاف وسكون الفاء بينهما، وهي: الرعدة، يقال: أخذه الأفكل، إذا أصابته رعدة. "وأكلب"، بفتح الهمزة وسكون الكاف وضم اللام، جمع كلب "فإن الهمزة فيهما لا تدل" على معنى، "وهي في موازنهما من الفعل، نحو: أذهب"، مضارع ذهب، "وأكتب"، مضارع كتب، "دالة على المتكلم"٢، فكان المفتتح بأحدهما من الأفعال، أصلا للمفتتح بهما من الأسماء.
"ثم لا بد من كون الوزن لازمًا، باقيًا" في اللفظ على حالته الأصلية، "غير مخالف لطريقة الفعل.
فخرج بـ" القيد "الأول"، وهو اللزوم، "نحو: امرؤ، علمًا، فإنه" في الرفع نظير اكتب٣. و"في النصب نظير: اذهب، وفي الجر نظير: اضرب، فلم" يلزم وزنا واحدًا في الأحوال الثلاثة، "ولم يبق على حالة واحدة"، ففارق الفعل بكون حركة عينه تتبع حركة لامه، والفعل لا إتباع فيه.
"وخرج بـ" القيد "الثاني" وهو البقاء على حالته الأصلية "نحو: رد، وقيل،
_________________
(١) ١ في "ب": "المضموم". ٢ في "ب": "التكلم". ٣ في "ب": "كتب".
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وبيع" مبنيات١ للمفعول، فإنها لم تبق على حالتها الأصلية، "فإن أصلها: فعل"، بضم الفاء وكسر العين، "ثم" دخلها الإدغام والإعلال، فالإدغام في: رد، والإعلال بالنقل والقلب، في قيل: وبالنقل فقط في: بيع. "وصارت" صيغة رد. "بمنزلة" صيغة: "قُفْل"، بضم القاف وسكون الفاء. وصيغة قيل "و" بيع، بمنزلة صيغة: "ديك" بكسر الدال وسكون الياء، آخر الحروف، وبالكاف. "فوجب صرفها" لذلك.
"فلو سميت بضرب" بضم الضاد وسكون الراء، حال كونه "مخففًا من ضرب" بضم الضاد وكسر الراء. "انصرف اتفاقًا"، لأن التخفيف سابق على التسمية، وإنما الخلاف في التخفيف العارض بعد التسمية: هل ينزل منزلة الأصلي أم لا؟ "و" ذلك كما "لو سميت بضرب"، بضم أوله وكسر ما قبل آخره. "ثم خففته" بتسكين ما قبل آخره.
فإذا فعلت ذلك، "انصرف أيضًا عند سيبويه"٢، لأنه عنده كالسكون الأصلي. واختاره ابن مالك٣، "وخالفه المبرد"٤، والمازني، ومن وافقهما٥، فمنعوه من الصرف "لأنه تغيير عارض" بعد التسمية.
"و" خرج "بـ" القيد "الثالث"، وهو كونه غير مخالف لطريقة الفعل "نحو: ألبب، بالضم" في الباء الموحدة فيما روه الفراء. "جمع لب"، بضم اللام وتشديد الباء الموحدة، وهو العقل، وجمع لب على ألبب قليل، والأكثر أن يجمع على ألباب. ويقال: بنات ألبب، عروق في القلب، يكون منها الرقة. وألبب حال كونه "علمًا". ينصرف "لأنه قد باين الفعل بالفك، قاله أبو الحسن" الأخفش٦. "وخولف".
فعن سيبويه منع الصرف "لوجود الموازنة٧"، كـ: أكتب، ولأن الفك رجوع إلى أصل متروك، فهو كتصحيح استحوذ، وليس بمانع من اعتبار وزن الفعل إجماعًا، ولأن الفك قد يدخل الفعل لزومًا، كـ: أشدد به في التعجب، وجوازًا، كـ: اردد، ولم يردد، وشذوذًا كـ: ضبب البلد، [وألل السقاء، إذا تغيرت رائحته] ٨.
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "مبنيان"، وانظر شرح ابن الناظم ص٤٦٤. ٢ الكتاب ٣/ ٢٢٧، وشرح ابن الناظم ص٤٦٤. ٣ التسهيل ص٢١٨. ٤ المقتضب ٣/ ٣١٤. ٥ همع الهوامع ١/ ٩٩. ٦ شرح ابن الناظم ص٤٦٤. ٧ الكتاب ٣/ ١٩٥. ٨ إضافة من "ط".
[ ٢ / ٣٣٧ ]
"ولا يؤثر وزن هو بالاسم أولى" كـ: فاعل نحو: كاهل علما، فإنه وإن وجد في الفعل كـ: ضارب، أمرًا من ضارب، إلا أنه في الاسم أولى لكونه فيه أكثر، "ولا" يؤثر "وزن هو" موجود "فيهما على السواء" نحو: فعل؛ بفتح العين، وفعلل نحو شجر وضرب وجعفر ودحرج. "وقال عيسى" بن عمر الثقفي البصري، شيخ الخليل وسيبويه: "إلا أن يكون منقولين من الفعل"، فإنهما يؤثران١. فالأول: "كالأمر من ضارب"؛ بفتح الراء؛ "و" الثاني: "كـ: ضرب ودحرج أعلامًا".
وظاهر كلام الشاطبي تبعًا للتسهيل٢ أن خلاف عيسى٣ إنما هو في المشترك، ونصه: وخالف في ذلك عيسى فكان لا يصرف الوزن المشترك المنقول من "فَعَل".
ويقول: كل فعل ماض سمي به فإنه لا ينصرف إذا٤ كان فارغًا من فاعله. "واحتج" على ذلك "بقوله"، وهو سحيم من وثيل اليربوعي. [من الوافر]
٧٨٩-
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
ووجه الحجة منه أن جلا فعل ماض خال من فاعل، وهو علم ممنوع من الصرف بدليل عدم تنوينه. "وأجيب" عنه "بأنه يحتمل أن يكون سمي بـ"جلا" من قولك: زيد جلا" أي هو، "ففيه ضمير" مستتر يعود على "زيد"، "وهو من باب المحكيات" فهو وفاعله جملة محكية٥، "كقوله": [من الرجز]
٧٩٠-
نبئت أخوالي بني يزيد
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٤٦٥. ٢ التسهيل ص٢١٩. ٣ الكتاب ٣/ ٢٠٦. ٤ في "ط": "إلا إذا".
(٢) البيت لسحيم بن وثيل في الاشتقاق ص٢٢٤، والأصمعيات ص١٧، وجمهرة اللغة ص٤٩٥، ١٠٤٤ وخزانة الأدب ١/ ٢٥٥، ٢٥٧، ٢٦٦، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٥٩، وشرح المفصل ٣/ ٦٢، والشعر والشعراء ٢/ ٦٤٧، والكتاب ٣/ ٢٠٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٥٦، وبلا نسبة في الاشتقاق ص٣١٤، وأمالي ابن الحاجب ٤٥٦، وأوضح المسالك ٤/ ١٢٧، وخزانة الأدب ٩/ ٤٠٢، وشرح ابن الناظم ص٤٦٥ وشرح الأشموني ٢/ ٥٣١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٤٩، وشرح قطر الندى ص٨٦، وشرح المفصل ١/ ٦٢، ٤/ ١٠٥، واللسان ١٤/ ١٢٤ "ثني"، ١٥٢ "جلا" وما ينصرف وما لا ينصرف ٢٠، ومجالس ثعلب ١/ ٢١٢، ومغني اللبيب ١/ ١٦٠، والمقرب ١/ ٢٨٣، وهمع الهوامع ١/ ٣٠. ٥ في شرح ابن الناظم ٤٦٥: "فهو محكي لا ممنوع من الصرف".
(٣) تقدم الرجز برقم ٨٠.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
فيزيد مسمى به، من قولك: المال يزيد، ففيه ضمير مستتر، والدليل على ذلك رفعه على الحكاية، وإلا لو كان مجردًا عن الضمير لجره بالفتحة لكونه لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل١ المضارع.
"و" يحتمل "أن يكون ليس بعلم، بل" هو وفاعله في موضع خفض "صفة لمحذوف، أي": أنا "ابن رجلٍ جَلا الأمور"، أي كشفها، وفي كلا الاحتمالين نظر.
أما الأول: فلأن الأصل عدم استتار الضمير، وأما الثاني: فلأنه لا يحذف الموصوف بالجملة إلا إذا كان بعض اسم مقدم مخفوض بـ"من" أو "في" كما تقدم في باب النعت٢. هذا وقال سيبويه٣: "إن قول عيسى خلاف قول العرب، سمعناهم يصرفون الرجل يسمى بكعسب٤، وهو فعل من الكعسبة٥، وهو العدو الشديد مع تقارب الخطا"٦.
"السادس: العلم المختوم بألف الإلحاق المقصورة كـ: علقى"، باتفاق "وأرطى" على الأصح حال كونهما "علمين" فإنهما ملحقان بجعفر، والمانع لهما من الصرف العلمية، وشبه ألف الإلحاق بألف التأنيث في الزيادة، والموافقة لمثال ما هي فيه: فإنهما على وزن سكرى، وشبه الشيء بالشيء كثيرًا ما يلحق به كـ: حاميم اسم رجل. فإنه عند سيبويه٧ ممنوع الصرف لشبهه بـ"هابيل"، في الوزن والامتناع من الألف واللام، فلما أشبه الأعجمي، عومل معاملته٨. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٦٩-
وما يصير علما من ذي ألف زيدت لإلحاق فليس ينصرف
وقيل: إن أرطى أفعل فمانعه من الصرف العلمية ووزن الفعل، ولذلك قلت:
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ انظر باب النعت في هذا الجزء ص١٢٧، ١٢٨. ٣ الكتاب ٣/ ٢٠٦، ٢٠٧. ٤ في "ب": "كعب". ٥ في "ب": "الكعبة". ٦ شرح ابن الناظم ص٤٦٥. ٧ الكتاب ٣/ ٢٥٧. ٨ شرح ابن الناظم ص٤٦٥.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
على الأصح، وإنما لم يمنع الصرف مع ألف الإلحاق المدودة [كـ: علباء، فإنه ملحق بقرطاس، لتخلف شبهها بألف التأنيث الممدودة] ١، لأن همزة الإلحاق لا تشبه همزة التأنيث، من جهة أن همزة٢، [الإلحاق منقلبة عن ياء لا عن ألف، وهمزة التأنيث] ٣ منقلبه عن ألف، لا عن ياء. فافترقا في الحكم لأجل افتراقهما في التقدير.
بهذا علل بن أبي الربيع٤ وإيضاحه أن الحرف إذا كان منقلبًا من غير مانع منع، كالهمزة في صحراء، [فإنها بدل من ألف التأنيث] ٥. وإذا كان منقلبًا عن غير منع لم يمنع، كهمزة علباء. والعلقى نبت، والأرطى شجر، ويقي٦ عليه ألف التكثير، "كـ: قبعثرى"٧، ومن أدخلها في ألف الإلحاق فقد سها، إذ ليس في أصول الاسم سداسي فيلحق به.
"السابع: المعرفة المعدولة" عن أصلها، "وهي خمسة أنواع:
أحدها: فعل" بضم الفاء٨ وفتح العين "في التوكيد، وهي: جمع وكتع"، من تكتع الجلد إذا اجتمع، "وبصع" بالصاد المهملة؛ من البصيع٩، وهو العرق المجتمع، "وبتع"؛ بموحدة فمثناة فوقانية؛ من البتع، وهو طول العنق. والمانع لها من الصرف: التعريف والعدل. أما التعريف، "فإنها" على الصحيح "معارف بنية الإضافة إلى ضمير المؤكد"، فشابهت بذلك لعلم لكونه معرفة بغير قرينة لفظية، هذا ظاهر كلام سيبويه١٠، وهو اختيار بن عصفور١١، وابن مالك١٢. وقال أبو سليمان السعدي من أصحاب ابن الباذش: إنها معارف بالعلمية وهي أعلام على الإحاطة، لما تتبعه، وأيده
_________________
(١) ١ ما بين المعكوفين إضافة من "ط". ٢ في "ط": "همزته". ٣ سقط ما بين المعكوفين من "ط". ٤ البسيط ١/ ٢٩٤، ٢٥٠. ٥ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٦ في "ب": "بني". ٧ إضافة من "ب": و"ط"." ٨ سقطت من "ب". ٩في "ب"، "ط". ١٠ الكتاب ٣/ ٢٢٤. ١١ المقرب ٢/ ٢٨٠. ١٢ التسهيل ص٢٢٢.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
بعضهم بجمعها بالواو والنون مع أنها ليست بصفات، ورده في شرح الكافية فقال١: وليس يعني جمع بعلم، لأن العلم إما شخصي، أو جنسي فالشخصي مخصوص ببعض الأشخاص، فلا يصلح لغيره، والجنسي مخصوص ببعض الأجناس فلا يصلح لغيره، وجمع خلاف ذلك، فالحكم بعلميته باطل. انتهى.
قلت: علم الإحاطة من قبيل علم الجنس المعنوي، كـ: سبحان للتسبيح٢ وفي ارتكابه توفية بالقاعدة، وهي أنه لا يعتبر في منع الصرف من المعارف إلا العلمية، ويلزم من اعتبار الإضافة عدم النظير، وجره بالكسرة كما تقدم في أول الكتاب٣.
"و" أما العدل، فإنها "معدولة عن فعلاوات، فإن مفرداتها: جمعاء، وكتعاء، وبصعاء، وبتعاء، وإنما قياس٤ فعلاء إذا كان اسمًا" كـ: صحراء "أن يجمع على فعلاوات كـ: صحراء وصحراوات٥".
واختار الناظم وابنه غير هذا التعليل، فقالا٦: لأن "جمعاء" مؤنث "أجمع" فكما جمع المذكر بالواو والنون، كذلك كان حق مؤنثه أن يجمع بالألف والتاء، فلما جاءوا به على "فُعَل" علم أنه معدول عما هو القياس فيه، وهو جمعاوات.
وقال الأخفش والفارسي وابن عصفور٧: معدولة عن فُعْل بضم الفاء وسكون العين، من جهة أن مفردها: فعلاء أفعل كـ: حمراء وأحمر، فإنهما يجمعان على حمر.
وقال آخرون٨: معدولة عن فَعَالى، من جهة أن مفردها اسم على فعلاء كـ: صحراء.
والصحيح ما قاله الموضح، لأن جمع المذكر بالواو والنون مشروط فيه إما العلمية أو الوصفية، وكلاهما ممتنع فيه.
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٧٥، وانظر شرح ابن الناظم ص٤٦٦. ٢ في "ب": "علم للتسبيح". ٣ انظر ما تقدم في الجزء الأول، باب الإضافة ص٦٧٣، ٦٧٤. ٤ في "ب": "القياس". ٥ انظر شرح ابن الناظم ص٤٦٦. ٦ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٧٥، ١٤٧٦، وشرح ابن الناظم ص٤٦٦. ٧ انظر المقرب ٢/ ٢٨٠، ٢٨١. ٨ انظر شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٧٦، وشرح بن الناظم ص٤٦٦.
[ ٢ / ٣٤١ ]
أما العلمية فلأن الناظم وابنه منعاها١، وأما الوصفية فلأنها مغايرة للتوكيد اتفاقًا، وإذا بطل الشرط، بطل المشروط، فجمعه بالواو والنون شاذ عندهما، فكيف يقاس عليه الجمع بالألف والتاء٢. ولأن فعلاء لا يجمع على فُعْل إلا إذا كان مؤنثًا، لأفعل صفة كـ: حمراء، ولا على فعالى، إلا إذا كان اسمًا محضًا لا مذكر له كـ: صحراء، وجمع، وأخواته ليس كذلك. وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٧٠-
والعلم أمنع صرفه إن عدلا كفعل التوكيد
"الثاني" من المعدول: "سحر إذا أريد به سحر يوم بعينه، واستعمل ظرفًا مجردًا من "أل" والإضافة، كـ: جئت يوم الجمعة سحر، فإنه" ممنوع من الصرف للتعريف والعدل٣.
أما التعريف ففيه خلاف. فقيل هو "معرفة" بالعلمية، لأنه جعل علمًا لهذا الوقت صرح به في التسهيل٤. وقيل: يشبه٥ العلمية لأنه تعرف بغير أداة ظاهرة، كالعلم، وهو اختيار ابن عصفور٦. وفي كلام الموضح إيماء إليه٧.
وأما العدل فلأن صيغته معدولة عن "السحر" المقرون بـ"أل" لأنه لما أريد به معين كان الأصل [فيه] ٨ أن يذكر معرفًا بـ"أل" فعدل عن اللفظ بـ"أل" وقصد به التعريف فمنع الصرف، وقال السهيلي والشلوبين الصغير: "معرب مصروف"٩.
واختلفا في منع تنوينه، فقال السهيلي١٠: "هو على نية الإضافة" وقال الشلوبين١١: "على نية أل". وقال صدر الأفاضل" أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي تلميذ الزمخشري: "هو "مبني" على الفتح "لتضمنه معنى اللام" كأمس".
_________________
(١) ١ انظر شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٧٦، وشرح بن الناظم ص٤٦٦. ٢ سقطت من "ط". ٣ الارتشاف ١/ ٤٣٥. ٤ التسهيل ص٢٢٢. ٥ في "أ": "شبه". ٦ المقرب ٢/ ٢٨٢. ٧ شرح قطر الندى ص٣١٢. ٨ إضافة من "ب"، "ط". ٩ انظر شرح المرادي ٤/ ١٥٧. ١٠ أمالي السهيلي ص٣٣. ١١ انظر الارتشاف ١/ ٤٣٥.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
ورد بأمور١:
منها أنه لو كان مبنيا لكان غير الفتح أولى به، لأنه في موضع نصب، فيجب اجتناب الفتحة فيه لئلا توهم الإعراب، كما اجتنبت في: قبل وبعد٢.
ومنها أنه لو كان مبنيا لكان جائز الإعراب جواز "حين" في قوله: [من الطويل]
٧٩١-
على حين عاتبت
لتساويهما في ضعف السبب المقتضي للبناء لكونه عارضًا.
ومنها أن دعوى منع الصرف أسهل من دعوى البناء، لأن البناء أبعد من الإعراب الذي هو الأصل في الأسماء، ودعوى الأسهل أرجح من دعوى غير الأسهل.
وإذا ثبت أن "سحر" غير مبني، ثبت أنه غير متضمن٣ معنى حرف٤ التعريف وإنما هو معدول عما فيه حرف التعريف.
والفرق بين التضمين والعدل٥: إن التضمين استعمال الكلمة في معناها الأصلي مزيدًا عليه معنى آخر. والعدل: تغيير صيغة٦ اللفظ مع بقاء معناه. فـ"سحر" المذكور عند الجمهور مغير عن لفظ "السحر" من غير تغيير لمعناه. وعند صدر الأفاضل وارد على صيغته الأصلية ومعناها وهو التنكير٧ مزيدًا عليه [تضمن] ٨ معنى حرف التعريف:
_________________
(١) ١ وردت هذه الأمور بنصها في شرح ابن الناظم ص٤٦٧. ٢ بعده في شرح ابن الناظم ص٤٦٧: "والمنادى المفرد المعرفة".
(٢) تمام البيت: على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما أصح والشيب وازع وهو للنابغة الذيباني في ديوانه ص٣٢، والأضداد ص١٥١، وجمهرة اللغة ص١٣١٥، وخزانة الأدب ٢/ ٤٥٦، ٣/ ٤٠٧، ٦/ ٥٥٠، ٥٥٣، والدرر ١/ ٤٧٢، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٠٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨١٦، ٨٨٣، والكتاب ٢/ ٣٣٠، ولسان العرب ٨/ ٣٩٠ "وزع"، ٩/ ٧٠ "خشف"، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠٦، ٤/ ٣٥٧، بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١١١، وأمالي بن الشجري ١/ ٤٦، ٢/ ١٣٢، والإنصاف ١/ ٢٩٢، وأوضح المسالك ٣/ ١٣٣، ورصف المباني ٣٤٩، وشرح ابن الناظم ص٤٦٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٥، ٣/ ٥٧٨، وشرح بن عقيل ٢/ ٥٩، وشرح المفصل ٣/ ١٦، ٤/ ٥٩١، ٨/ ١٣٧، ومغني اللبيب ٥٧١، والمقرب ١/ ٢٩٠، ٢/ ٥١٦، والمنصف ١/ ٥٨، وهمع الهوامع ١/ ٢١٨. ٣ في "ب": "مضمن". ٤ سقط من "ط": "معنى حرف". ٥ هذا الفرق بين التضمين نقله الأزهري من شرح بن الناظم ص٤٦٧. ٦ في "ط": "صفة". ٧ سقط من شرح ابن الناظم "وهو التنكير". ٨ إضافة من شرح ابن الناظم.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
واحترز بالقيد الأول، وهو أن يراد به سحر يوم بعينه من المبهم، فإنه ينصرف١ اتفاقًا نحو: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أي من الأسحار، وبالقيد الثاني، وهو أن يستعمل ظرفًا من المعين المستعمل غير ظرف، فإنه يجب تعريفه بـ" أل" أو الإضافة للدلالة على التعيين نحو: طاب السحر سحر ليلتنا، وبالقيد الثالث وهو أن يجرد من "أل" والإضافة، فإنه يصرف اتفاقًا، نحو: جئتك يوم الجمعة السحر، أو سحره، وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٧١-
والعدل والتعريف مانعا سحر إذا به التعيين قصدا يعتبر
"الثالث" من المعدول "فعل". بضم الفاء وفتح العين "علما للمذكر إذا سمع ممنوع الصرف وليس فيه علة ظاهرة غير العلمية". وهو المشار إليه من النظم بقوله:
٦٧٠-
أو كثعلا
"نحو: عمر" مما ليس بصفة في الأصل. والمحفوظ من ذلك: عمر، ومضر، "وزفر"، وقثم، "وزحل"، وحشم، "وجمح"، وقزح، وعصم، وجحا، ودلف، وهذل، وبلغ، وثعل، "فإنهم قدروه معدولا" عن فاعل غالبًا. "لأن العلمية لا تستقل بمنع الصرف".
وأمكن العدل دون غيره فإن الغالب في الأعلام النقل. فعمر مثلا معدول عن عامر، فإن عامرًا ثابت في الآحاد النكرات بخلاف عمر. "مع أن صيغة فُعَل قد كثر فيها العدل" التحقيقي "كـ: غدر، وفسق"، فإنهما معدولان عن، غادر وفاسق "وكـ: جمع وكتع"، فإنهما معدولان عن: جمعاوات وكتعاوات. "وكـ: أخر"، فإنها معدولة عن آخر بفتح الخاء والمد.
وفائد العدل في الأعلام تخفيف اللفظ، وتحقيق العلمية، ونفي الوصفية وبعضها منقول عن أفعل نحو٢: ثعل، فإن ورد فعل مصروفًا، حكم بعدم عدله كـ: أدد.
"و" أما ﴿طُوًى﴾ [طه: ١٢] فيمن منع صرفه٣، فالمعتبر فيه٤ التأنيث باعتبار البقعة لا العدل عن طاو٥، لأنه" أي العدل "قد أمكن غيره"، وهو التأنيث،
_________________
(١) ١ في "أ": "يصرف". ٢ في "ب": "الفعل عن" مكان "أفعل نحو". ٣ في الإتحاف ص٣٠٢: "وقرأ الباقون بالضم بلا تنوين على عدم صرفه للتأنيث باعتبار البقعة والتعريف، أو للعجمة والعلمية". وانظر معاني القرآن للفراء ٢/ ١٧٦، والنشر ٢/ ٣١٩. ٤ سقطت من "ب". ٥ في "ب": "من طاوي".
[ ٢ / ٣٤٤ ]
"فلا وجه لتكلفه" أي العدل، "ويؤيده" أي اعتبار التأنيث "أنه" أي طوى "يصرف باعتبار المكان". فلو كان العدل معتبرًا فيه لما انصرف إذا اعتبر فيه المكان.
واحترز بقوله: علما من١ فعل الوارد جمعًا كـ: غرف وقرب، أو اسم جنس كـ: صرد ونفر، أو صفة كـ: حطم ولبد، أو مصدرًا: كـ: هدى وتقى، فإنها مصروفة اتفاقًا. وبقوله إذا سمع ممنوع الصرف كما سمع مصروفًا كـ: أدد، وعما لم يسمع فيه صرف ولا عدمه فإن فيه خلافًا. فقال سيبويه٢: يصرف حملا على الأصل في الأسماء. وقال غيره: يمنع صرفه حملا على الغالب في فُعل علمًا. وليس بجيد، قاله الخضراوي٣. وبقوله: وليس فيه علة ظاهرة غير العلمية عن مثل طوى، وتقدم شرحه.
"الرابع" من المعدول "فعال" بفتح الفاء "علما للمؤنث كـ: حذام وقطام، في لغة" بني "تميم" وتميم أبو قبيلة، وهو تميم بن مر بن أد بن طلحة بن إلياس بن مضر٤، "فإنهم يمنعون صرفه"٥ واختلف في علة ذلك. "فقال سيبويه٦: للعلمية والعدل عن فاعلة". ويرجحه أن الغالب على الأعلام أن تكون منقولة. "وقال المبرد٧ للعلمية والتأنيث المعنوي كـ: زينب٨" ويرجحه أنهم لا يدعون العدل في نحو: طوى؛ كما تقدم.
"فإن ختم" فعال علما للمؤنث "بالراء كـ: سفار؛ اسما لماء" من مياه العرب؛ ملحوظ فيه معنى التأنيث، ولهذا قال سيبويه٩: "اسم الماء". وقال الجوهري١٠: "اسم لبئر". وهو المناسب، لأن الكلام في أعلام المؤنث، والماء مذكر: "وكـ: وبار اسما لقبيلة١١، بنوه على الكسر، إلا قليلا منهم"، أي من تميم١٢.
_________________
(١) ١ في "ط": "عن". ٢ الكتاب ٣/ ٢٢٢. ٣ في كتابه الإفصاح كما قال السيوطي في همع الهوامع ١/ ٨٩. ٤ جمهرة أنساب العرب ص٤٦٦. ٥ شرح ابن الناظم ص٤٦٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٣٧. ٦ الكتاب ٣/ ٢٧٧. ٧ المقتضب ٣/ ٣٧٣، والكامل ص٥٩١-٥٩٢. ٨ سقط من "ب". ٩ الكتاب ٣/ ٢٧٩. ١٠ الصحاح "سفر". ١١ في جمهرة أنساب العرب ص٤٦٢: "وبار: ابن أميم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح ﵇". ١٢ في شرح ابن الناظم ص٤٦٩: "وأما ما آخره راء نحو ظفار ووبار فيوافق فيه التميميون أهل الحجاز غالبًا".
[ ٢ / ٣٤٥ ]
قال الفرزدق: [من الطويل]
٧٩٢-
متى تردن يوما سفار تجد بها أديهم يرمي المستجيز المعورا
وإنما كان الكثير الكسر عندهم لأن مذهبهم الإمالة، فإذا كسروا توصلوا إليها.
ولو منعوه الصرف لامتنعت. قاله الخليل١. "وقد اجتمعت اللغتان"؛ الإعراب والبناء؛ "في قوله"، وهو الأعشى ميمون: [من م. البسيط]
٧٩٣-
ألم تروا إرما وعادا أودى بها الليل والنهار
ومر دهر على وبار فهلكت جهرة وبار
فبنى "وبار" الأولى على الكسر، وأعرب "وبار" الثانية رفعًا٢ على الفاعلية بهلكت.
ويحتمل أن تكون الواو الأولى عاطفة، والثانية ضمير لا حرف إطلاق، ووبار فعلا ماضيا من البوار، والجملة معطوفة على هلكت، وفاعل هلكت ضمير مستتر فيها عائد٢ على "وبار" المكسور.
والمعنى: هلكت وبارت. وقال أولا: هلكت، على القبيلة، وثانيًا: وباروا، على أهلها. وعلى هذا يكتب باروا بالواو والألف كما يكتب ساروا. فلا شاهد فيه على لغة الإعراب. وإرم اسم قبيلة عاد. وأودى بها: أهلكها. "وأهل الحجاز يبنون الباب كله على الكسر تشبيهًا له بنزال" في التعريف، والعدل، والوزن، والتأنيث٣، "كقوله" وهو لجيم بن صعب في امرأته: [من الوافر]
_________________
(١) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٢٨٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٨٥، ولسان العرب ٤/ ٣٧١ "سفر" ٤/ ٦١٤ "عور"، ومغني اللبيب ١/ ٩٧، ومعجم البلدان ٣/ ٢٢٣ "سفار"، والمقتضب ٣/ ٥٠، وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ٩٦. ١ الكتاب ٣/ ٢٦٩.
(٢) البيتان للأعشى في ديوانه ٣٣١، والبيت الثاني في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٤٠، وشرح الأشموني ٢/ ٥٣٨، وشرح شذور الذهب ص٩٧، وشرح المفصل ٤/ ٦٤، ٦٥، والكتاب ٣/ ٢٧٩، ولسان العرب ٥/ ٢٧٣ "وبر"، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٥٨، وهمع الهوامع ١/ ٢٩، وبلا نسبة في أمالي بن الحاجب ص٣٦٤، وأوضح المسالك ٤/ ١٣٠، وشرح ابن الناظم ص٤٦٩، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٧٧، والمقتضب ٣/ ٥٠، ٣٧٦، والمقرب ١/ ٢٨٢. ٢ سقط من "ب". ٣ شرح ابن النظم ص٤٦٨.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
٩٧٤-
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
فبناها١ على الكسر مع انها فاعل "قالت" في الموضعين.
وإذا سمي بباب "حذام" مذكر، زال موجب البناء، وهو التشبيه بنزال لأنه ليس الآن مؤنثًا معدولا فيعرف غير منصرف. ومن العرب من يصرفه، قال سيبويه٢.
واعلم أن التشبيه بنزال فيما يذكر إنما يتم على مذهب المبرد. فإنه يقول٣: نزال معدول عن مصدر معرفة مؤنث، وبني لتضمنه معنى لام الأمر:
وظاهر كلام سيبويه أنه معدول معرَّف عن نفس الفعل، فيكون التشبيه في العدل والوزن. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٧٢-
وابن على الكسر فعال علما مؤنثا وهو نظير جشما
٦٧٣-
عند تميم
"الخامس" من المعدول: "أمس إذا كان مرادًا به اليوم الذي يليه يومك، ولم يضف، ولم يقرن بالألف واللام"، ولم يصغر ولم يكسر، "ولم يقع ظرفًا، فإن بعض بني تميم يمنع صرفه مطلقًا" رفعًا نصبًا وجرًّا٤، "لأنه" علم على اليوم الذي يليه يومك. "معدول عن الأمس" المعروف بـ:"أل" فيقولون: مضى أمس، بالرفع بلا تنوين. وشاهدت أمس، وما رأيت زيدًا مذ أمس، بالفتح فيهما. "كقوله": [من الرجز]
٧٩٥-
لقد رأيت عجبًا مذ أمسا عجائزًا مثل السعالي خمسا
_________________
(١) البيت للجيم بن صعب في شرح شواهد المغني ٢/ ٥٦٩، والعقد الفريد ٣/ ٣٦٣، ولسان العرب ٦/ ٣٠٦ "رقش"، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٠، وله أو لوسيم بن طارق في اللسان ٢/ ٩٩ "نصت"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣١، والخصائص ٢/ ١٧٨، وشرح الأشموني ٢/ ٥٣٧، وشرح شذور الذهب ص٩٥، وشرح قطر الندى ص١٤، وشرح المفصل ٤/ ٦٤، وما ينصرف وما لا ينصرف ص٧٥، ومغني اللبيب ١/ ٢٢٠. ١ في "ب": "فبناؤها". ٢ الكتاب ٣/ ٢٧٩-٢٨٠. ٣ المقتضب ٣/ ٣٧٣-٣٧٤. ٤ شرح ابن الناظم ص٤٦٨.
(٢) الرجز بلا نسبة في شرح المفصل ٤/ ١٠٦، ١٠٧، والكتاب ٣/ ٢٨٥، وأسرار العربية ص٣٢، وأوضح المسالك ٤/ ١٣٢، وجمهرة اللغة ص٨٤١، ٨٦٣، وخزانة الأدب ٧/ ١٦٧، ١٦٨، وشرح الأشموني ٢/ ٥٣٧، وشرح شذور الذهب ٩٦، وشرح قطر الندى ١٦، واللسان ٦/ ٩، ١٠ "أمس"، وما ينصرف وما لا ينصرف ص١٩٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٥٧، ونوادر أبي زيد ص٥٧ وهمع الهوامع ١/ ٢٠٩.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
فأمس مجرور بالفتحة، والألف فيه للإطلاق، وليست فتحته هنا فتحة بناء خلافًا للزجاجي١، ووهمه الموضح في ذلك، في شرحي القطر٢ والشذور٣.
وزعم بعضهم أن "أمسى" هنا فعل ماض وفاعله مستتر فيه عائد على المصدر المفهوم منه. أي: مذ أمسى هو، أي المساء٤. وفيه بعد، وهذا الإطلاق للقليل من بني تميم. "وجمهورهم يخص ذلك" الإعراب الممنوع الصرف "بحالة الرفع" خاصة، دون حالتي النصب والجر، فيبنيه على الكسر فيهما٥. "كقوله": [من الخفيف]
٧٩٦-
اعتصم بالرجاء إن عن بأس وتناس الذي تضمن أمس
وعن؛ بالنون؛ من عن يعن إذا عرض، ويروى: عز؛ بالزاي؛ بمعنى غلب٦. وتناس أمرًا من التناسي، وهو أن يرى من٤ نفسه أنه نسيه.
"والحجازيون يبنونه على الكسر مطلقًا"، في الرفع والنصب والجر، "على تقديره مضمنًا معنى اللام" المعرفة٧.
"قال" أسقف نجران، أو تبع بن الأقرن: [من الكامل]
٧٩٧-
منع البقاء تقلب الشمس وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافية وغروبها صفراء كالورس
اليوم أعلم ما يجيء به ومضى بفصل قضائه أمس
_________________
(١) ١ في "ب": "للزجاج"، وفي شرح شذور الذهب ص١٠٠: "وقد وهم الزجاجي فزعم أن من العرب من يبني أمس على الفتح". وانظر كتاب الجمل للزجاجي ص٢٩٩. ٢ شرح قطر الندى ص١٩. ٣ شرح شذور الذهب ص١٠٠. ٤ سقطت من "ب". ٥ انظر شرح ابن النظام ص٤٦٨.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣٣، والدرر ١/ ٤٤٤، وشرح الأشموني ٢/ ٥٣٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٩. ٦ انظر الدرر اللوامع ١/ ٤٤٤. ٧ شرح ابن الناظم ص٤٦٨، وشرح شذور الذهب ص٩٨.
(٣) الأبيات لأسقف نجران في الحماسة البصرية ٢/ ٤٠٦، وثمار القلوب ص٣٧٤، والحيوان ٣/ ٨٨، وسمط اللآلي ص٤٨٦، ولسان العرب ٦/ ٩ "أمس"، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٣، ولبعض ملوك اليمن في كتاب الصناعتين ص٢٠١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣٤، والدرر ١/ ٤٤٣، وشرح قطر الندى ص١٥، ومراتب النحويين ص١٠٣، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٩.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
فـ"أمس" فاعل "مضى"، وهو مكسور كما ترى. "والقوافي مجرورة" ومكسورة كما أنشدتها. ولا يعارض هذا رفع "أمس" بتضمن في البيت السابق، لأن إحدى اللغتين لا تصادم الأخرى. "فإن أردت بـ"أمس" يومًا من الأيام الماضية مبهما". أي: أمسًا ما من الأموس، "أو عرفته بالإضافة"، نحو: أمس يوم الخميس، "أو" عرفته "بالأداة" نحو: الأمس، أو صغرته نحو: أميس، أو كسرته نحو: أموس، "فهو معرب١ إجماعًا" إعراب المنصرف، "وإن استعملت المجرد" من "أل" والإضافة. "المراد به٢ معين، ظرفًا، فهو مبني إجماعًا" لتضمنه معنى الحرف.
_________________
(١) ١ في "ب": "يعرب". ٢ في "ب": "بها".
[ ٢ / ٣٤٩ ]
فصل:
"يعرض الصرف لغير المنصرف لأحد أربعة أسباب: الأول: أن يكون أحد سببيه" المانعين له من الصرف: "العلمية ثم ينكر"، فتزول منه العلمية ويبقى السبب الثاني: وهو إما التأنيث، أو الزيادة، أو العدل، أو الوزن، أو العجمة، أو التركيب، أو ألف الإلحاق المقصورة، "تقول: رب فاطمة، وعمران، وعمر، ويزيد، وإبراهيم، ومعدي كرب، وأرطى"، لقيتهم١، بالجر والتنوين في هذه الأنواع السبعة لذهاب أحد موجبي منع صرفها، وهو العلمية، وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٧٣-
واصرفن ما نكرا من كل ما التعريف فيه أثرا
"ويستثنى من ذلك" المصروف "ما كان صفة قبل العلمية كـ: أحمر وسكران" إذا نكرا. "فسيبويه يبقيه غير منصرف"، للوزن، أو الزيادة وعود الوصف الأصلي، بناء على أن الزائل العائد كالذي لم يزل٢، "وخالفه٣ الأخفش في الحواشي" على كتاب سيبويه، فقال بصرفه بناء على أن الصفة إذا زالت لا تعود٤. ورد بأن زوال الصفة كان لمانع وهو العلمية، وإذا زال المانع رجعت الصفة.
وذكر ابن مالك في شرح الكافية٥ أن: الأخفش رجع عن مخالفة سيبويه، "ووافقه في" كتابه "الأوسط"٦، وأن أكثر المصنفين لا يذكرون إلا مخالفته، وذكر موافقته أولى لأنها آخر قوليه". انتهى.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٤٦٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٣٧. ٢ الكتاب ٣/ ٢٠٢. ٣ في "ط": "وخالف". ٤ في شرح ابن الناظم ٤٦٩: "وذهب الأخفش في حواشيه على الكتاب إلى صرف نحو: أحمر، بعد التنكير". ٥ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٤٩٩. ٦ في شرح ابن الناظم ص٤٦٩ أن الأخفش رجع عن صرفه في كتابه الأوسط.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
السبب "الثاني: التصغير المزيل لأحد السببين" المانعين من الصرف "كـ: حميد وعمير، في" تصغير: "أحمد وعمر" فإن الوزن والعدل زالا بالتصغير، فيصرفان١ لزوال أحد السببين. أما زوال الوزن بالتصغير فواضح. وأما زوال العدل به، فقال الموضح في الحواشي: "إن نحو عمر، قد حكموا فيه بأنه معدول الصيغة، والتصغير لا يزيل شيئًا مما ثبت إذا لم يكن معتادًا له، فالحكم بصرفه بعيد". انتهى.
وجوابه أن ذلك في العدل التحقيقي، أما العدل التقديري فلا، لأنهم إنما ارتكبوه حفظًا لقاعدتهم لما رأوه غير منصرف، فإذا صرف فلا حاجة لتقديره.
"وعكس ذلك" وهو أن ينصرف مكبرًا، ولا ينصرف مصغرًا "نحو: تِحلئ" بكسر التاء المثناة فوق وسكون الحاء المهملة وكسر اللام، وبالهمزة آخره، وهو القشر الذي على وجه الأديم مما يلي منبت الشعر، حال كونه "علمًا فإنه ينصرف مكبرًا ولا ينصرف مصغرًا لاستكمال العلتين بالتصغير"، وهما: العلمية والوزن: فإنه يقال في تصغيره تحيلِئ، بضم أوله وفتح ثانيه وسكون ثالثه وكسر رابعه فهو على زنة: تدحرج وتبيطر.
السبب "الثالث: إرادة التناسب" للمنصرف، "كقراءة نافع والكسائي: "سَلاسِلًا" [الإنسان: ٤] بالصرف٢، لتناسب٣ ﴿أَغْلَالًا﴾ [الإنسان: ٤] و﴿قَوَارِيرًا﴾ [الإنسان: ١٥] بصرفهما٤ وصلا ليناسب الأول آخر سائر الآيات، والثاني الأول عند صرفه.
قاله الخبيصي٥.
"و" نحو "قراءة الأعمش: "ولا يغوثًا ويعوقًا" [نوح: ٢٣] بصرفهما٦ لتناسب:
_________________
(١) ١ في "ب": "فينصرفان". ٢ قرأها كذلك: ابن عامر وعاصم وابن كثير وشعبة ورويس وشبل والأعمش وابن مسعود، انظر الإتحاف ٤٢٨، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٢١٤، والنشر ٢/ ٣٩٤، والقراءة المستشهد بها من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٣٦، وشرح ابن الناظم ص٤٧٢، وهمع الهوامع ١/ ١١٩. ٣ في "أ"، "ب": "لمناسبة". ٤ قرأها كذلك: عاصم وشعبة وأبو جعفر والحسن والأعمش وهشام والشنبوذي والأزرق وابن شنبوذ وروح، انظر الإتحاف ٤٢٩، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٢١٤، والنشر ٢/ ٣٩٥، والقراءة المستشهد بها من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٣٦، وشرح ابن الناظم ص٤٧٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٩. ٥ الموشح في شرح الكافية ص٣١٧. ٦ قرأها كذلك: الأشهب العقيلي والمطوعي. انظر الإتحاف ٤٢٥، والقراءة المستشهد بها من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٣٦، وشرح ابن الناظم ص٤٧٢.
[ ٢ / ٣٥١ ]
﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣] ﴿وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] . وأفاد بهاتين القراءتين أنه لا فرق فيما يمتنع صرفه بين أن يكون بعلة واحدة أو بعلتين. وأن الصرف في ذلك للتناسب. لا على قول من صرف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد اختيارًا. ولا على قول من زعم أن صرف ما لا ينصرف جائز مطلقًا على لغة.
السبب "الرابع: الضرورة"، أما بالكسر كقوله: [من الطويل]
٧٩٨-
إذا ما غزا في الجيش حلق فوقهم عصائب طير تهتدي بعصائب
والقوافي مجرورة. أو بالتنوين "كقوله"، وهو امرؤ القيس: [من الطويل]
٧٩٩-
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت لك الويلات إنك مرجلي
فصرف عنيزة بالتنوين١، وهي بضم العين المهملة فنون فياء تصغير فزاي فتاء تأنيث، اسم ابنة عمه، وقيل: لقبها واسمها فاطمة، وقيل: فاطمة غيرها. "والخدر، بكسر الخاء المعجمة، وسكون الدال، الهودج". قاله الأعلم٢، وفي الصحاح٣: الخدر: الستر ومعنى: إنك مرجلي؛ بالجيم؛ أنك تصيرني راجلة، أي ماشية، لعقرك ظهر بعيري.
قال الدماميني: "ينبغي أن يحمل كلامهم في أمثال ذلك، على أنه يحوز للمضطر أن يجعل غير المنصرف كالمنصرف في الصورة باعتبار إدخال التنوين عليه.
ولا يكون هذا التنوين تنوين الصرف لمنافاته لوجود العلتين المحققتين. وإنما يكون تنوين ضرورة". انتهى.
"وعن بعضهم اطراد ذلك في لغة" حكاها الأخفش وقال٤: "كأنها لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم على ذلك في الكلام".
"وأجاز الكوفيون" إلا أبا موسى الحامض من شيوخهم، والأخفش "والفارسي" من البصريين: "للمضطر أن يمنع صرف المنصرف"٥.
_________________
(١) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٤٢، وخزانة الأدب ٤/ ٢٨٩، والشعر والشعراء ص١٧٥، ولسان العرب ١/ ٦٠٥ "عصب"، ١٠/ ٦٣ "حلق" وبلا نسبة في شرح المفصل ١/ ٦٨.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ١٠. ١ سقط من "ب". ٢ أشعار الشعراء الستة الجاهليين ص٣١. ٣ الصحاح "خدر". ٤ انظر همع الهوامع ١/ ١٢٠. ٥ انظر الارتشاف ١/ ٤٤٨، والإنصاف ٢/ ٤٩٣، المسألة رقم ٧٠، وهمع الهوامع ١/ ١٢١.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
قال الموضح في الحواشي: "وهو الصحيح لكثرة ما ورد منه، وهو من تشبيه الأصول بالفروع" "وأباه سائر البصريين" أي باقيهم "واحتج عليهم بنحو قوله" وهو الأخطل: [من الكامل]
٨٠٠-
طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت بشبيب غائلة النفوس غدور
فمنع صرف شبيب للضرورة، وهو علم مصروف، وهو: شبيب بن يزيد، رأس الخوارج الأزارقة، وبالغ في أمره حتى ادعى الخلافة وسمي أمير المؤمنين. وكانت زوجته غزالة أيضًا خارجية، وكانت شديدة البأس، حتى كان الحجاج مع هيبته يخاف منها. [والأزارق، جمع الأزرق، بزاي فراء، مفعول طلب، والأصل: الأزارقة، بالهاء، فحذفها للضرورة. والكتائب الجيوش] ١. وهوت من هوى به الأمر: اطمعه وغره. والغائلة:
الشر. وغدور، فعول، من الغدر، بالغين المعجمة، بدل من غائلة فاعل هوت.
"وعن" أبي العباس، أحمد بن يحيى "ثعلب أنه أجاز ذلك"، وهو منع صرف المنصرف، "في الكلام" مطلقًا"٢. وفصل بعض المتأخرين بين ما فيه العلمية وغيره، فأجازه مع العلمية لوجود أحد السببين ومنعه مع غيرها. ويؤيده أنه لم يسمع إلا في العلم.
وحكى الفخر الرازي عن أكثر الكوفيين والأخفش أن السبب الواحد يمنع الصرف. ولم يفرق بين العلمية وغيرها، وهو جار على أصلهم فإنهم يدعون أن الفعل أصل للمصدر٣، فزالت فرعية الاشتقاق وما بقي إلا فرعية الافتقار١. وينتج من هذا أن ما لا ينصرف أشبه الفعل في فرعية واحدة وهي الافتقار١. فيكون السبب الواحد يمنع الصرف.
قلت: ويلزم من ذلك أن تكون جميع الأعلام ممنوعة من الصرف. ومعلوم أن الأمر ليس كذلك. وإلى المسائل الثلاث أشار الناظم بقوله:
٧٦٥-
ولاضطرار أو تناسب صرف ذو المنع والمصروف قد لا ينصرف
_________________
(١) البيت للأحظل في ديوانه ص١٩٧، والإنصاف ٢/ ٤٩٣، وشرح ابن الناظم ص٤٧١، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٦٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٣٧، وشرح الأشموني ٢/ ٥٤٣. ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ انظر الارتشاف ١/ ٤٤٨. ٣ انظر الإنصاف ١/ ٢٣٥، المسألة رقم ٢٨.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
فصل:
"المنقوص": وهو الذي آخره ياء ساكنة لازمة،:المستحق لمنع الصرف، إن كان غير علم حذفت ياؤه رفعًا وجرا، ونون باتفاق"، سواء كان جمعًا لا نظير له في الآحاد أم مصغرًا.
فالأول "كـ: جوار"، فإن مانعه من الصرف صيغة منتهى الجموع.
"و" الثاني نحو: "أعيم" تصغير أعمى، فإن مانعه من الصرف: الوصف ووزن الفعل، وهو أبيطر، بناء على أن وزن أفيعل١ لا يتعين في الوصف، وهو كذلك كما تقدم بيانه.
"وكذا إن كان علمًا كـ: قاض علم امرأة"، فإن مانعه من الصرف العلمية والتأنيث المعنوي، "وكـ: يرمي علمًا". فإن مانعه من الصرف العلمية ووزن الفعل المنقول عنه، فتقول: جاءني جوار، وأعيم، وقاض٢، ويرم، ومررت بجوار، وأعيم، وقاض، ويرم، بالتنوين، وحذف الياء في الجميع في حالتي الرفع والجر٣. وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٧٤-
وما يكون منه منقوصا ففي إعرابه نهج جواز يقتفي
وهذا قول سيبويه٤، والخليل٤، وأبي عمرو، وابن أبي إسحاق، وجمهور البصريين٥ "خلافًا ليونس، وعيسى" بن عمر، من البصريين، "والكسائي" وأبي زيد، والبغداديين، "فإنهم يثبتون الياء ساكنة رفعًا، ومفتوحة جرًّا"٦.
_________________
(١) ١ في "أ": "أفعل". ٢ سقط من "ب". ٣ انظر شرح بن الناظم ص٤٧٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٣٨. ٤ الكتاب ٣/ ٣٠٨، وشرح ابن الناظم ص٤٧٠. ٥ الارتشاف ١/ ٤٤٧. ٦ انظر الارتشاف ١/ ٤٤٧، وشرح ابن الناظم ص٤٧٠.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
فيقول في الرفع جاءني حواري، وأعيمي، وقاضي، ويرمي، بإثبات الياء ساكنة فيهن، مقدرًا فيها الضمة، ويقولون في الجر، مررت بجواري، وأعيمي، وقاضي، ويرمي بفتح الياء فيهن١، "كما" تفتح "في النصب، احتجاجًا بقوله"، وهو الفرزدق: [من الرجز]
٨٠١-
قد عجبت مني ومن يعيليا لما رأتني خلقًا مقلوليا
بفتح الياء من: يعيليا مصغر يعلى علم رجل، ولم ينونه لأنه لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل، كـ: مبيطر، وألفه للإطلاق، وخلقًا بفتح الخاء المعجمة واللام، في آخره قاف العتيق جدًا. والمراد هنا: رث الهيئة. والمقلولي، بفتح الميم، المتجافي المنكمش. وقال عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي: إن الفرزدق أخطأ في فتح الياء من يعيليا، ورد بأنه من إجراء المعتل مجرى الصحيح. "وذلك عند الجمهور ضرورة٢، كقوله": وهو الفرزدق "في غير العلم" يهجو عبد الله، لما بلغه مقالة عبد الله المذكور: [من الطويل]
٨٠٢-
فلو كان عبد الله مولى هجرته ولكن عبد الله مولى مواليا
فأظهره الفتحة في حالة الجر، ضرورة٣، وكان القياس أن يقول: مولى موال، على حد٤: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١، ٢]
_________________
(١) ١ سقط من "ط".
(٢) تقدم تخريج الرجز برقم ٢٠٨. ٢ انظر ما يجوز للشاعر في الضرورة ص١٩٨، وضرائر الشعر ص٤٢-٤٣.
(٣) البيت للفرزدق في إنباه الرواة ٢/ ١٠٥، وبغية الوعاة ٢/ ٤٢، وخزانة الأدب ١/ ٣٢٥، ٢٣٩، ٥/ ١٤٥، والدرر ١/ ٢٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣١١، وشرح المفصل ١/ ٦٤، والكتاب ٣/ ٣١٣، ٣١٥، ولسان العرب ١٥/ ٤٧، "عرا"، ٤٠٩، "ولى" وما ينصرف وما لا ينصرف ص١١٤، ومراتب النحويين ص٣١، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٥، والمقتضب ١/ ١٤٣، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٤٠، وشرح الأشموني ٣/ ٥٤١، وهمع الهوامع ١/ ٣٦. ٣ انظر ما يجوز للشاعر في الضرورة ص١٩٩. ٤ سقط من "ب".
[ ٢ / ٣٥٥ ]
باب إعراب الفعل المضارع
مدخل
باب إعراب الفعل المضارع:
أجمع النحويون على انه إذا تجرد من الناصب والجازم، وسلم من نوني التوكيد١ والإناث كان مرفوعًا كـ: يقوم. وإنما اختلفوا في تحقيق الرفع له، ما هو على أقوال أصحها "قولهم": رافع المضارع تجرده من الناصب والجازم وفاقًا للفراء وغيره من حذاق الكوفيين والأخفش٢. وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٧٦-
ارفع مضارعًا إذا يجرد من ناصب وجازم كتسعد
"لا" رافعه "حلوله محل الاسم خلافًا للبصريين"٢، غير الأخفش والزجاج. قالوا: ولهذا إذا دخل عليه "لن، ولم" امتنع رفعه، لأن الاسم لا يقع بعدهما، فليس حينئذ حالا محل الاسم.
ولا رافعه حروف المضارعة خلافًا للكسائي، ولا مضارعة للاسم خلافًا لثعلب من الكوفيين، والزجاج من البصريين.
واعترض قول الفراء بأن التجرد أمر عدمي، والعدم لا يكون سببًا لوجوده غيره، وأجيب بأن التجرد "أمر"٣ وجودي، وهو كونه خاليًا من ناصب وجازم لا عدم الناصب والجازم.
_________________
(١) ١ في "ب": "التأكيد". ٢ انظر الإنصاف ٢/ ٥٥٣، المسألة رقم ٧٤. ٣ إضافة من "ط".
[ ٢ / ٣٥٦ ]
واعترض قول البصريين [بأنه] ١ غير مطرد "لانتقاضه بنحو: هلا تفعل"، وسوف تفعل. فإن المضارع فيهما مرفوع، وليس حالا محل الاسم، لأن الاسم لا يقع بعد حرف التحضيض، ولا بعد حرف التنفيس. وأجيب بأن الرفع استقر قبل دخول حرفي التحضيض والتنفيس. لم يغيراه، إذا أثر العامل لا يغيره إلا عامل آخر.
واعترض قول الكسائي بأن جزء الشيء لا يعمل فيه.
واعترض قول ثعلب بأن المضارعة إنما اقتضت إعرابه من حيث الجملة، ثم يحتاج كل نوع من أنواع الإعراب إلى عامل يقتضيه. وأجيب بأن الكوفيين يزعمون أن إعراب المضارع بالأصالة، لا بالحمل على الاسم ومضارعته إياه.
"وناصبه أربعة" عند البصريين، وعشرة عند الكوفيين:
"أحدها: لن، وهي لنفي سيفعل" أي: لنفي الفعل المستقبل، إما إلى غاية ينتهي إليها، نحو: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] فإن نفي البراح مستمر إلى رجوع موسى، وإما إلى غير غاية نحو: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣] . فإن نفي خلق الذباب مستمر أبدًا، لأن خلقهم الذباب محال، وانتفاء المحال مؤبد قطعًا. وإلا لكان ممكنًا لا محالا.
"ولا تقتضي" لن "تأييد النفي" خلافًا للزمخشري في أنموذجه٢، لأنها لو١ كانت للتأبيد لزم التناقض بذكر اليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] . ولزم التكرار بذكر أبدًا في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] .
ولم تجتمع مع ما هو لانتهاء الغاية نحو قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] . وتأبيد النفي [في] ١: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣] لأمر خارجي لا مقتضيات "لن". "ولا" تقتضي "تأكيده"٣؛ أي النفي؛ "خلافًا للزمخشري" في كشافه٤، في تفسير: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، بل قولك: لن أقوم، محتمل لأن تريد به أنك لا تقوم أبدًا، أو أنك لا تقوم في بعض أزمنة المستقبل، وهو موافق لقولك: لا أقوم، في عدم إفادة التأكيد والتأبيد.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ الأنموذج ص١٠٢. ٣ في "ط": "توكيده". ٤ الكشاف ٢/ ٩١.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
"ولا تقع" "لن" "دعائية". بأن يكون الفعل بعدها دعاء، "خلافًا لابن السراج"، وابن عصفور وآخرين مستدلين بقوله تعالى: ﴿لَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] . مدعين أنه معناه: فاجعلني لا أكون، ولا حجة لهم فيها لإمكان حملها على النفي المحض، ويكون ذلك معاهدة منه لله تعالى أن لا يظاهر مجرمًا، جزاء لتلك النعمة التي أنعم "الله"١ بها عليه، قاله الموضح في شرح القطر٢. واختاره في المغني غيره فقال٣: وتأتي "لن" للدعاء كما كانت "لا" كذلك وفاقًا لجماعة، والحجة في قوله: [من الخفيف]
٨٠٣-
لن تزالوا كذلكم لا زلـ ـت لكم خالدا خلود الجبال
انتهى.
وهي بسيطة على وضعها الأصلي عند سيبويه٤ والجمهور، "وليس أصلها: لا" النافية، "فأبدلت الألف نونًا خلافًا للفراء"٥، وحجته أنهما حرفان [نافيان] ٦ ثنائيان، و"لا" أكثر استعمالا، ويرده أن الإبدال لا يغير حكم المهمل فيجعله٧ معملا، وأن المعهود إنما هو إبدال النون ألفًا كـ: "لَنَسْفَعًا" [العلق: ١٥] لا العكس.
"ولا" أصلها "لا أن" فتكون مركبة من "لا" النافية نظرًا لمعناها، ومن "أن" المصدرية نظرًا لعملها، "فحذفت الهمزة تخفيفًا"٨ كما في: ويلمه٩، "والألف للساكنين، خلافًا للخليل والكسائي" والخارزنجي، وحجتهم قرب لفظها منهما، وأن معناهما من النفي والتخلص للاستقبال حاصل فيها، وقد جاءت على الأصل في الضرورة.
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ شرح قطر الندى ص٥٨. ٣ مغني اللبيب ٢/ ٢٨٤.
(٢) البيت للأعشى في ديوانه ص٦٣، والدرر ١/ ٢٠٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٨٤، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص٦٨،/ وشرح الأشموني ٣/ ٥٤٨، ومغني اللبيب ٢/ ٢٨٤، وهمع الهوامع ١/ ١١١، ٢/ ٤، وتاج العروس "لنن". ٤ الكتاب ٣/ ٥. ٥ شرح قطر الندى ص٥٨. ٦ إضافة من "ب"، "ط". ٧ في "أ": "فتجعله". ٨ شرح قطر الندى ص٥٨. ٩ في حاشية يس ٢/ ٢٣٠: "أصله: ويل أمه، فحذفت الهمزة".
[ ٢ / ٣٥٨ ]
أنشد أبو زيد لجابر الأنصاري: [من الوافر]
٨٠٤-
فإن أمسك فإن العيش حلو إليَّ كأنه عسل مشوب
يرجي المرء ما لا إن يلاقي وتعرض دون أبعده الخطوب
أي: لن يلاقي.
ورد عليهم بأربعة أمور أقواها: "أنه" إنما يصح التركيب إذا كان الحرفان ظاهرين كـ"لولا" وقد لا يظهر أحدهما، كـ"أما"١. قاله الشلوبين. وتركنا الثلاثة الباقية خوف الإطالة.
الناصب. "الثاني: "كي" المصدرية"، وهي الداخل عليها اللام لفظًا نحو: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] أو تقديرًا، نحو: جئتك كي تكرمني إذا قدرت أن الأصل "لكي"، وأنك حذفت اللام استغناء عنها بنيتها، فإن لم تقدر اللام كانت "كي" تعليلية.
"فأما" المصدرية فناصبة بنفسها كما أن "أن" المصدرية كذلك. وأما "التعليلية فجارة، والناصب بعدها "أن" مضمرة"، لزومًا في النثر، "وقد يظهر في الشعر" كقوله: [من الطويل]
٨٠٥-
كيما أن تغر وتخدعا
وسيأتي٢.
وما ذكره من أن "كي" مشتركة بين الناصبة والجارة، هو مذهب سيبويه والجمهور٣ وحجتهم قولهم: جئتك لكي أتعلم، وقولهم: كيمه؟
_________________
(١) البيتان لجابر بن رألان الطائي أو لإياس بن الأرت في خزانة الأدب ٨/ ٤٤٠، ٤٤٣، وشرح شواهد المغني ١/ ٨٥، ونوادر أبي زيد ص٦٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٨٨، والجنى الداني ص٢١٠، والدرر ١/ ٢٤٦، ومغني اللبيب ١/ ٢٥، ٢/ ٦٧٩، وهمع الهوامع ١/ ١٢٥. ١ في "ب": "كما".
(٢) تمام البيت: فقالت أكل الناس أصبحت مانحًا لسانك وهو لجميل بثينة في ديوانه ص١٠٨، وخزانة الأدب ٨/ ٤٨١، ٤٨٢، ٤٨٣، ٤٨٨، والدرر ٢/ ٩، وشرح المفصل ٩/ ١٤، ١٦، وله أو لحسان بن ثابت في شرح شواهد المغني ١/ ٥٠٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١١، وخزانة الأدب ص١٢٥، والجنى الداني ص٢٦٢، ورصف المباني ص٢١٧، وشرح ابن الناظم ص٢٥٦، وشرح الأشموني ٢/ ٢٨٣، وشرح شذور الذهب ص٢٨٩، وشرح عمدة الحافظ ٢٦٧، ومغني اللبيب ١/ ١٨٣، وهمع الهوامع ٢/ ٥. ٢ سيأتي البيت رقم ٨٠٩. ٣ الكتاب ٣/ ٦.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وعن الأخفش أن "كي" جارة دائمًا، وأن النصب بعدها بأن مضمرة أو ظاهرة١ ورد بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] فإن زعم أن "كي" تأكيد لام كقوله: [من الوافر]
٨٠٦-
ولا للما بهم أبدًا دواء
ورد بأن الفصيح٢ المقيس لا يخرج عن٣ الشاذ. وعن الكوفيين أن "كي" ناصبة دائمًا، ويرده قول العرب: كيمه كما يقولون: لمه، فإن أجابوا بأن الأصل: كي تفعل ماذا؟ يلزمهم كثرة الحذف وإخراج ما الاستفهامية عن الصدر، وحذف ألفها في غير الجر، وحذف الفعل المنصوب مع بقاء عامل النصب، وكل ذلك لم يثبت.
فإن ادعوا أن حذف المنصوب وبقاء ناصبه قد ثبت في صحيح البخاري في تفسير: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] "كيما فيعود"٤، أي كيما يسجد. قلنا: إن ثبت حذف يسجد فهو لا يقاس عليه، على أن الحافظ الشهاب بن حجر قال٥: "لم أقف على حذفه".
"وتتعين المصدرية إن سبقتها اللام نحو: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] لئلا يدخل الجار على الجار. "و" تتعين "التعليلية إن تأخرت عنها اللام أو: أن".
فالأول "نحو قوله" وهو عبيد الله بن قيس الرقيات: [من المديد]
٨٠٧-
كي لتقضيني رقية ما وعدتني غير مختلس
_________________
(١) ١ معاني القرآن للأخفش ١/ ٣٠٠، ٣٠١.
(٢) صدر البيت: فلا والله لا يلفى لما بي وتقدم تخريجه برقم ٦٥٢. ٢ في "ب": "الصحيح". ٣ في "ب": "على". ٤ أخرجه البخاري في كتاب التوحيد برقم ٧٠٠١، وفيه: "فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا"، وهذا التفسير ليس لقوله تعالى في سورة القيامة كما ذكر الأزهري، بل لقوله تعالى في سورة القلم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، انظر كتاب التفسير حديث رقم ٦٤٣٥، وفيه: "فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا". ٥ فتح الباري ١٣/ ٥٢٦.
(٣) البيت لابن قيس الرقيات في ديوانه ص١٦٠، وخزانة الأدب ٨/ ٤٨٨، ٤٩٠، والدرر ١/ ٧٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٥١، وشرح الأشموني ٣/ ٥٥٠، وهمع الهوامع ١/ ٥٣.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
فـ"كي" هنا تعليلية لتأخر اللام من لتقضيني عنها، وتقضيني منصوب بـ"أن" مضمرة. وأما حكاية الأخفش: لكي ما أضربك، بالرفع، فمخرجة على جعل "ما" موصولة، و"كي" جارة مؤكدة للام١، كما أكدت الكاف بمثل في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ومثل بالكاف في مثل: [من الرجز]
٨٠٨-
مثل كعصف مأكول
"و" الثاني: نحو "قوله" وهو جميل بن عبد الله لا حسان خلافًا للزمخشري٢: [من الطويل]
٨٠٩-
فقالت أكل الناس أصبحت مانحا لسانك كيما أن تغر وتخدعا
فـ"كي" هنا تعليلية لتأخر "أن" عنها، و"كل الناس": مفعول أول لـ"مانحا" و"لسانك": مفعوله الثاني و"تغر": بضم الغين وبالراء المهملة.
"ويجوز الأمران": المصدرية والتعليلية، إن فقد سبق اللام، وتأخر "أن"، أو وجدا.
فالأول كما "في نحو: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧] فإن قدرت قبلها اللام فهي مصدرية، وإن لم تقدر قبلها اللام فهي تعليلية، فيكون على الأول منصوبًا بنفس "كي". وعلى الثاني منصوبًا بـ"أن" مضمرة بعد "كي" والأولى أن تكون مصدرية كما ذكره الموضح في باب حروف الجر٣.
["و" الثاني] ٤ كما في "قوله": [من الطويل]
٨١٠-
أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركها شنا ببيداء بلقع
_________________
(١) ١ الدرر ١/ ٧٩.
(٢) تمام الرجز: "فصيروا مثل كعصف مأكول"، وتقدم تخريجه برقم ٢٩٤. ٢ كذا قال العيني في المقاصد النحوية ٢/ ٢٠٤، مع أن الزمخشري نسبه في المفصل ص٣٢٥ إلى جميل.
(٣) تقدم تخريجه برقم ٨٠٥. ٣ أوضح المسالك ٣/ ١٣. ٤ إضافة من "ب"، "ط".
(٤) البيت بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٨٠، وأوضح المسالك ٤/ ١٥٤، والجنى الداني ص٢٦٥، وجواهر الأدب ص٢٣٢، وخزانة الأدب ١/ ١٦، ٨/ ٤٨١، ٤٨٤، ٤٨٧، ورصف المباني ص٢١٦، ٣١٦، وشرح الأشموني ٣/ ٥٤٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٥٠٨، وشرح المفصل ٧/ ١٩، ٩/ ١٦، ومغني اللبيب ١/ ١٨٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٥.
[ ٢ / ٣٦١ ]
فـ"كي" تحتمل أن تكون مصدرية لدخول اللام قبلها، وتحتمل أن تكون تعليلية لتأخر "أن" بعدها، فإن كانت مصدرية، فأن مؤكدة لها، بمعنى السبك، وإن كانت تعليلية، فاللام مؤكدة لها لمعنى التعليل، وكونها تعليلية أولى من كونها مصدرية لأن تأكيد الجار بجار أسهل من تأكيد حرف مصدري بحرف مصدري، قال الموضح في الحواشي١. والشن؛ بفتح المعجمة؛ القربة الخلقة، مفعول ثان لتترك، والبيداء؛ بفتح الباء الموحدة والمد؛ الأرض القفراء التي تبيد، أي تهلك من يدخل فيها. والبلقع: الأرض القفراء التي لا شيء فيها.
الناصب "الثالث: أن" المصدرية، وتقع في موضعين:
أحدهما: في الابتداء، فتكون في موضع رفع على الابتداء، "في نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا " خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
"و" الثاني: بعد لفظ دال على معنى اليقين، فتكون في موضع رفع على الفاعلية، في نحو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، وفي موضع نصب على المفعولية في نحو: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، وفي موضع جر في نحو: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ومحتملة لهما في نحو: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢] أصله: في أن يغفر لي، فحذفت "في" فنصب ما بعدها، أو أبقي على جره.
وأكثر العرب على وجوب إعمالها، "وبعضهم يهملها" جوازًا،" [حملا] ٢ على "ما" أختها؛ أي: المصدرية" بجامع أن كلا منهما حرف مصدري ثنائي، وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٧٩-
وبعضهم أهمل أن حملا على ما أختها حيث استحقت عملا
"كقراءة ابن محيصن "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ" [البقرة: ٢٣٣] برفع "يتم"٣، والقول بأن أصله "يتمون"، وهو منصوب بحذف النون، وحذفت الواو للتسكين لفظًا، واستصحب ذلك خطأ. والجمع باعتبار معنى من، تكلف.
_________________
(١) ١ انظر شرح شذور الذهب ص٢٨٨-٢٩٠. ٢ إضافة من "ب"، "ط". ٣ نسبت القراءة إلى مجاهد في البحر المحيط ٢/ ٢١٣، وهي من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٥٦، وشرح ابن الناظم ٤٧٦، وفيهما أنها قراءة ابن محيصن. وهي في شرح المفصل ٨/ ١٤٣، ومغني اللبيب ١/ ٢٩.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
"وكقوله": [من البسيط]
٨١١-
أن تقرآن على أسماء ويحكما مني السلام وأن لا تشعرا أحدا
فـ"أن" الأولى والثانية مصدريتان، غير مخففتين من الثقيلة، وقد أهملت الأولى وأعملت الثانية. وبعضهم أعمل "ما" المصدرية حملا على "أن" المصدرية. نحو: "كما تكونوا يولى عليكم"١ قاله ابن الحاجب. وما ذكره الموضح تبعًا للناظم من أن "أن" هذه مصدرية، هو قول البصريين. وزعم أنها المخففة من الثقلية، شذ اتصالها بالفعل المتصرف الخبري، والقياس فصله منها بـ"قد" أو إحدى أخواتها.
"وتأتي "أن" مفسرة" بمنزلة "أي"، "وزائدة" دخولها وخروجها سواء، "ومخففة من: أن" المشددة "فلا تنصب" [الفعل] ٢ "المضارع" في هذه الأحوال الثلاثة، ولكل ضابط يضبطها.
"فالمفسرة: هي المسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه"، المتأخر عنها جملة، ولم تقترن بجار، "نحو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ " [المؤمنون: ٢٧] أي اصنع. " ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ " [ص: ٦] أي: امشوا. إذ ليس المراد بالانطلاق هنا٣ المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على الشيء فخرج: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] لعدم تقدم الجملة، وقلت له أن افعل كذا، لأن الجملة السابقة فيها حروف القول.
وفي شرح ابن عصفور الصغير على الجمل أنها قد تكون مفسرة بعد صريح القول. ولا يجوز: "ذكرت عسجدا": أي ذهبًا، لعدم تأخر الجملة. بل يجب الإتيان
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٣، والإنصاف ٢/ ٥٦٣، وأوضح المسالك ٤/ ١٥٦، والجنى الداني ص٢٢٠، وجواهر الأدب ص١٩٢، وخزانة الأدب ٨/ ٤٢٠، ٤٢١، ٤٢٣، ٤٢٤، والخصائص ١/ ٣٩٠، ورصف المباني ص١١٣، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٤٩، وشرح ابن الناظم ص٤٧٦، وشرح الأشموني ٣/ ٥٥٣، وشرح شواهد المغني ١/ ١٠٠، وشرح المفصل ٧/ ١٥، ٨/ ١٤٣، ٩/ ١٩، ولسان العرب ١٣/ ٣٣ "أنن"، ومجالس ثعلب ص٢٩٠، ومغني اللبيب ١/ ٣٠، والمنصف ١/ ٢٧٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٠. ١ رواه البيهقي في شعب الإيمان، وانظر حاشية يس ٢/ ٢٣٢. ٢ إضافة من "ط". ٣ سقط من "ب".
[ ٢ / ٣٦٣ ]
بـ"أي"، أو ترك حرف التفسير. وليس من التفسيرية: "كتبت إليه بأن افعل" لدخول الجار. نص عليه الموضح في القواعد الصغرى.
وعن الكوفيين إنكار أن التفسيرية البتة. قال في المغني١: "وهو متجه لأنك إذا قلت: كتبت إليك أن افعل، لم يكن "افعل" نفس "كتبت" كما كان الذهب نفس العسجد في قوله: "هذا عسجد": أي: ذهب. ولهذا لو جئت بـ"أي" مكان "أن"، لم تجده مقبولا في الطبع". انتهى. واعترضه الدماميني، ورده الشمني بما يطول ذكره٢.
"والزائدة: هي التالية للما" التوقيتية "نحو ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ " أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [يوسف: ٩٦] . "والواقعة بين الكاف ومجرورها، كقوله" وهو باعث اليشكري: [من الطويل]
٨١٢-
كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
فيمن جر "ظبية" أي: كظبية، و"تعطو": تتطاول إلى الشجر للتناول منه. و"الوارق": اسم فاعل من ورق الشجر يرق مثل٣ أورق. و"السلم" بفتحتين: شجر له شوك.
"أو" الواقعة "بين" فعل "القسم" المذكور "و: لو، كقوله" [من الطويل]
٨١٣-
فأقسم أن لو التقينا وأنتم لكان لكم يوم من الشر مظلم
أو المتروك كقوله: [من الوافر]
٨١٤-
أما والله أن لو كنت حرا وما بالحر أنت ولا العتيق
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ٣٠. ٢ انظر حاشية يس ٢/ ٢٣٣.
(٢) صدر البيت: ويوما توافينا بوجه مقسم وتقدم تخريج البيت برقم ٢٥٧. ٣ سقط من "ب".
(٣) البيت للمسيب بن علس في خزانة الأدب ٤/ ١٤٥، ١٠/ ٥٨٠، ٥٨١، ١١/ ٣١٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٨٥، وشرح شواهد المغني ١/ ١٠٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٦٠، وجواهر الأدب ص١٩٧، وشرح الأشموني ٣/ ٥٥٣، وشرح المفصل ٩/ ٩٤، والكتاب ٣/ ١٠٧، ولسان العرب ١٢/ ٣٧٨ "ظلم"، ومغني اللبيب ١/ ٣٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٤١٨.
(٤) البيت بلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٢١، وخزانة الأدب ٤/ ١٤١، ١٤٣، ١٤٥، ١٠/ ٨٢، والجنى الداني ص٢٢٢، وجواهر الأدب ص١٩٧، والدرر ٢/ ٢٩، ١١١، ورصف المباني ص١١٦، وشرح شواهد المغني ١/ ١١١، ومغني اللبيب ١/ ٣٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٩، والمقرب ١/ ٢٠٥. وهمع الهوامع ٢/ ١٨، ٤١.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
أي: أقسم والله ولو كنت حرًّا، هذا قول سيبيويه١ وغيره.
وفي مقرب ابن عصفور٢ أنها في ذلك حرف جيء به ليربط الجواب بالقسم. ويبعده أن الأكثر تركها، والحروف الرابطة ليست كذلك". قاله في المغني٣.
والواقعة بعد إذا كقوله: [من الطويل]
٨١٥-
فأمهله حتى إذا أن كأنه معاطي يد في لجة الماء غامر
فهذه أربعة مواضع وأكثرها الواقعة بعد "لما". وأقلها الواقعة بين الكاف ومجرورها.
وزعم الأخفش أنها تزاد في غير ذلك٤، وأنها تنصب المضارع كما تجر "من" و"الباء" الزائدتان الاسم، وجعل منه ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١٢] .
وأجيب بأن "أن" مصدرية لا زائدة، والأصل: وما لنا في أن لا نتوكل، وإنما لم تعمل الزائدة لعدم اختصاصها بالأفعال، بخلاف "من، والباء" الزائدتين فإنهما لما اختصا بالاسم عملا فيه الجر.
"والمخففة من: أن" المشددة، "هي الواقعة" غالبًا "بعد علم" خالص، سواء أدل عليه بمادة "ع ل م" أم لا. فالأول "نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ " [المزمل: ٢٠] . "و" الثاني "نحو: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ﴾ " [طه: ٨٩] .
وقيدت العلم بالخالص احترازًا من إجرائه مجرى الإشارة، نحو قولهم: ما علمت إلا أن تقوم٥. قال سيبويه٦: "يجوز فيه النصب لأنه كلام خرج مخرج الإشارة فجرى مجرى قولك: أشير عليك أن تقوم". انتهى. ومن إجرائه مجرى الظن كقراءة بعضهم: "أفلا يرون ألا يرجعَ" [طه: ٨٩] بالنصب٧. "أو بعد ظن" مؤول بالعلم
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ١٥٢. ٢ المقرب ١/ ٢٠٥. ٣ مغني اللبيب ١/ ٣٣، وانظر الدرر ١/ ٢٩.
(٢) البيت لأوس بن حجر في ديوانه ص٧١ وفيه "غارف" مكان "غامر" والدرر ١/ ٣٠ وشرح شواهد المغني ١/ ١١٢، وبلا نسبة في عمدة الحافظ ص٣٣١، ومغني اللبيب ١/ ٣٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٨. ٤ معاني القرآن ١/ ٣٧٧. ٥ في "ط": "يقوم". ٦ الكتاب ٣/ ١٦٨. ٧ الرسم المصحفي: ﴿يرجعُ﴾؛ بالرفع، وقرأها بالنصب: أبو حيوة والزعفراني وأبان والشافعي. انظر البحر المحيط ٦/ ٢٦٩، والكشاف ٢/ ٥٥٠.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
"نحو: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ" فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] في قراءة الرفع١.
"ويجوز في تالية الظن أن تكون ناصبة"، إجراء للظن على أصله، من غير تأويل"، "و" النصب "هو الأرجح"٢، لأن التأويل في خلاف الأصل، "ولهذا" الترجيح "أجمعوا عليه" أي على النصب "في": ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ " [العنكبوت: ١، ٢] بحذف النون. "واختلفوا في: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ " فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، "فقرأه غير أبي عمرو والأخوين"، حمزة والكسائي "بالنصب"، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي. بالرفع، لوجود الفصل بين "أن"والفعل بـ"لا" وإنما لم يقرءوا بالرفع في: "يتركوا"، لعدم الفصل٣.
فعلم أن التعديل في كون "أن" ناصبة، أو مخففة بعد أفعال الشك واليقين على اعتبار المعنى دون اللفظ، ألا ترى أنك ترفع في: رأيت أن لا يقوم زيد، إذا أردت اليقين، مثل: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ﴾ [طه: ٨٩] وتنصب إذا أردت الظن مثل: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] خلافًا للمبرد٤، فإنه لا يجوز إجراء العلم مجرى خلافه، فتنصب "أن" الواقعة بعده الفعل ولا إجراء غيره مجراه. فيرتفع الفعل الواقع بعد "أن" الواقعة بعده، فالعلم عنده لا يجري مجرى غيره، ولا يجري غيره مجراه، والنوعان عند سيبويه جائزان٥، والفراء وابن الأنباري ينصبان بعد العلم الصريح٦. وإلى النواصب الثلاثة أشار الناظم بقوله:
٦٧٧-
وبلن انصبه وكي كذا بأن لا بعد علم والتي من بعد ظن
٦٧٨-
فانصب بها والرفع صحح واعتقد تخفيفها من أن فهو مطرد
ومن غير الغالب: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فأن هنا مخففة من الثقيلة ولم تقع بعد علم ولا ظن.
_________________
(١) ١ هي قراءة أبي عمرو والكسائي وحمزة ويعقوب وخلف واليزيدي والأعمش. وانظر الإتحاف ٢٠٢، والنشر ٢/ ٢٥٥، وهي من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٦١، وشرح ابن الناظم ص٤٧٦، والأمالي الشجرية ١/ ٢٥٢ ومغني اللبيب ١/ ٣٠، والكتاب٣/ ١٦٦. ٢ في شرح ابن الناظم ص٤٧٦: "النصب هو الأكثر". ٣ شرح ابن الناظم ص٤٧٦. ٤ المقتضب ٢/ ٣٢. ٥ الكتاب ٣/ ١٦٦. ٦ الارتشاف ٢/ ٣٨٨، والأمالي الشجرية ١/ ٢٥٢.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
الناصب١ "الرابع: إذن"، والصحيح أنها بسيطة، لا مركبة من "إذ، وأن" أو "إذا، وأن"، وعلى البساطة فالصحيح أنها الناصبة بنفسها لا "أن" مضمرة بعدها. "وهي" على القول بالحرفية "حرف جواب وجزاء"، عند سيبويه٢.
وقال الشلوبين٣: هي كذلك في كل موضع. وقال الفارسي٣: في الأكثر. وقد تتمحض للجواب بدليل أنه يقال: أحبك. فتقول: إذا أظنك صادقًا، إذ لا مجازاة هنا. قال الرضي٤: لأن الشرط والجزاء إما في الاستقبال أو في الماضي، ولا مدخل للجزاء في الحال.
والمراد بكونها للجواب، أن تقع في كلام يجاب به كلام آخر ملفوظ به١ أو مقدر، سواء وقعت في صدره، أو في حشوه، أو في آخره.
والمراد بكونها للجزاء، أن يكون مضمون الكلام الذي هي فيه جزأ٥ لمضمون كلام آخر. وكان القياس إلغاءها لعدم اختصاصها، ومن ثم قالوا: "وشرط إعمالها ثلاثة أمور:
أحدها: أن تتصدر" في أول الجواب، لأنها حينئذ في أشرف محالها. "فإن وقعت حشوا" في الكلام بأن اعتمد ما بعدها على ما قبلها "أهملت"، وذلك في ثلاث مسائل:
إحداها: أن يكون ما بعدها خبرا عما قبلها، نحو: أنا إذن أكرمك.
الثانية: أن تكون جوابًا لشرط ما قبلها نحو: إن تأتني إذن أكرمك.
الثالثة: أن تكون٦ جواب قسم قبلها مذكور نحو: والله إذن لا أخرج، أو مقدر، "كقوله" وهو كثير عزة: [من الطويل]
٨١٦-
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها وأمكنني منها إذن لا أقيلها
_________________
(١) ١ سقطت من "ب". ٢ الكتاب ٣/ ١٢-١٣. ٣ مغني اللبيب ١/ ٢٧. ٤ شرح الرضي ٤/ ٤٢. ٥ في "أ": "جزاء". ٦ سقط من "ب": "أن تكون".
(٢) البيت لكثير عزة في ديوانه ص٣٠٥، وخزانة الأدب ٨/ ٤٧٣، ٤٧٤، ٤٧٦، والدرر ٢/ ١١، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٧٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٤٤، وشرح شواهد المغني ٦٣، وشرح المفصل ٩/ ١٣، ٢٢، والكتاب ٣/ ١٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٦٥، وخزانة الأدب ٨/ ٤٤٧، ١١/ ٣٤٠، ورصف المباني ص٦٦، ٢٤٣، وشرح ابن الناظم ص٤٧٧، وشرح الأشموني ٢/ ٥٥٤، وشرح شذور الذهب ٢٩٠، والعقد الفريد ٣/ ٨، ومغني اللبيب ١/ ٢١.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
برفع أقيلها، لأن إذن لم تتصدر جواب قسم مقدر. والتقدير: والله لئن وجواب الشرط محذوف، وأهملت إذن لوقوعها بين القسم وجوابه لا بين الشرط وجوابه، خلافًا لما وقع في المعنى١، تبعًا للشارح٢، وضمير "مثلها" عائد على المقالة التي قالها عبد العزيز بن مروان لـ"كثير". وذلك أن كثيرًا امتدح عبد العزيز بقصيدة، فأعجب بها، فقال له: تمن عليّ أعطك، فتمنى أن يكون كاتبًا له، فلم يجبه إلى ذلك وأعطاه جائزة والمعنى: إن عاد الأمير إلى تمنيتي، وأمكنني منها، لم أترك مقالتي الأولى، وأتمنى عليه أن أكون كاتبا له كما فعلت أولا. وعبد العزيز هذا هو أبو السيد عمر بن عبد العزيز بن مروان ﵁. "وأما قوله": [من الرجز]
٨١٧-
لا تتركني فيهم شطيرا إني إذن أهلك أو أطيرا
بنصب "أهلك" بـ"إذن" مع أنها وقعت حشوا بين اسم "إن" وخبرها. "فضرورة أو" لا ضرورة "والخبر" أي خبر "إن" "محذوف، أي: إني لا أستطيع ذلك"، أو: لا أقدر عليه، ثم استأنف بـ"إذن" فنصب، وجملة "إني" على هذا معترضة بين "إذن" وما هي جواب له. والأصل: لا تتركني؛ إذن، أهلك. وذهب الفراء إلى عدم اشتراط التصدر. والشطير؛ بشين معجمة؛ الغريب، وقال الأصمعي: البعيد، وهو مفعول ثان للتركني، لا حال. وإلى هذا الشرط أشار الناظم بقوله:
٦٨٠-
إن صدرت
فإن كان السابق عليها؛ أي على إذن؛ واوًا أو فاء، جاز النصب والرفع باعتبارين. فالرفع باعتبار كون ما بعد العاطف من تمام ما قبله، بسبب ربطه بعض الكلام ببعض، والنصب باعتبار كون ما بعد العاطف جملة مستقلة والفعل فيها بعد "إذن" غير معتمد على ما قبلها.
_________________
(١) ١ مغني اللبيب ١/ ٢١. ٢ شرح ابن الناظم ص٤٧٧.
(٢) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ٤/ ٤٠٨ "شطر"، وتهذيب اللغة "١١/ ٣٠٨، وتاج العروس ١٢/ ١٧٢ "شطر"، ومقاييس اللغة ٣/ ١٨٧، ومجمل اللغة ٣/ ١٨٥، وأساس البلاغة "شطر"، والإنصاف ١/ ١٧٧، وأوضح المسالك ٤/ ١٦٦، والجنى الداني ص٣٦٢، وخزانة الأدب ٨/ ٤٥٦، ٤٦٠، والدرر ٢/ ١٣، ورصف المباني ص٦٦، وشرح ابن الناظم ص٤٧٧، وشرح الأشموني ٣/ ٥٥٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٧٠، وشرح المفصل ٧/ ١٧، ومغني اللبيب ١/ ٢٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٧٣، والمقرب ١/ ٢٦١، وهمع الهوامع ٢/ ٧.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
"وقد قرئ" في الشواذ: ""وإذًا لا يلبثوا" [الإسراء: ٧٦] "فإذا لا يؤتوا"" [النساء: ٥٣] بالنصب، بحذف النون فيهما، والأولى قراءة ابن مسعود١، والثانية قراءة أبي بن كعب٢، "والغالب الرفع، وقرأ به السبعة" فيهما، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله٣:
٦٨١-
وانصب وارفعا إذا إذن من بعد عطف وقعا
قال في المغني٤: "والتحقيق أنه إذا قيل، إن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك، فإن قدرت العطف على الجواب جزمت وبطل علم إذن لوقوعها حشوا، أو على الجملتين معًا، جاز الرفع والنصب لتقدم العاطف، وقيل: يتعين النصب، لأن ما بعدها مستأنف، أو لأن المعطوف على الأول أولى". انتهى.
الأمر الثاني: "أن يكون" المضارع بعدها "مستقبلا" قياسًا على بقية النواصب، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٦٨٠-
ونصبوا بإذن المستقبلا
"فيجب الرفع في نحو: إذن تصدق جوابًا لمن قال: أنا أحب زيدًا"، لأنه حال، ولا مدخل للجزاء في الحال كما تقدم آنفًا.
الأمر "الثالث: أن يتصلا"، أي أن يكون المضارع متصلا بها لضعفها مع الفصل عن العمل فيما بعدها. وإليه الإشارة بقول الناظم:
٦٨٠-
والفعل بعد موصلا
"أو يفصل بينهما القسم"، وهو المشار إليه بقول الناظم:
٦٨١-
أو قبله اليمين
"كقوله": [من الوافر]
٨١٨-
إذن والله نرميهم بحرب تشيب الطفل من قبل المشيب
_________________
(١) ١ هي قراءة ابن مسعود وأبي. انظر الإتحاف ص٢٨٥، والنشر ٢/ ٣٠٨، ومغني الليب ١/ ٢١، وشرح ابن الناظم ص٤٧٧. ٢ هي قراءة ابن مسعود وابن عباس. انظر المحيط ٣/ ٢٧٣، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٧٣، ومغني اللبيب ١/ ٢١. ٣ سقطت من "ب". ٤ مغني اللبيب ١/ ٢١.
(٢) البيت لحسان بن ثابت في ملحق ديوانه ٣٧١، والأشباه والنظائر ٢/ ٢٣٧، والدرر ٢/ ١١، وشرح شواهد المغني ١/ ٧٩، والمقاصد النحوية ٤/ ١٠٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٦٨، وشرح الأشموني ٣/ ٥٥٤، وشرح شذور الذهب ٢٩١، وشرح قطر الندى ٥٩، ومغني اللبيب ٢/ ٦٩٣، وهمع الهوامع ٢/ ٧.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
فنصب "نرميهم" بـ"إذن" مع وجود الفصل بالقسم. لأنه زائد مؤكد فلم يمنع الفصل به من النصب هنا، كما لم يمنع من الجر في قولهم: إن الشاة لتجتر فتسمع صوت؛ والله؛ ربها. حكاه أبو عبيدة١. و"اشتريته بوالله ألف". حكاه أبن كيسان عن الكسائي١، بخلاف الفصل بغير القسم، ولو كان ظرفًا أو عديله فإنه جزء من الجملة، فلا تقوى "إذن" معه على العمل فيما بعدها.
واغتفر في المغني٢ الفصل بـ"لا" النافية، وابن عصفور٣ الفصل بالظرف، وابن بابشاذ الفصل بالنداء أو الدعاء، والكسائي وهشام الفصل بمعمول الفعل، والأرجح حينئذ عند الكسائي النصب، وعند هشام الرفع. وحكى سيبويه٤ عن بعض العرب إلغاء "إذن" مع استيفاء شروط العمل. وهو القياس لأنها غير مختصة، وإنما أعملها الأكثرون حملًا على "ظن" لأنها مثلها في جواز تقديمها على الجملة، وتأخيرها عنها، وتوسطها بين جزأيها، كما حملت "ما" على "ليس" لأنها مثلها في نفي الحال٥.
والمراجع في ذلك كله إلى٦ السماع.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٤٧٨. ٢ مغني اللبيب ١/ ٢٢. ٣ المقرب ١/ ٢٦٢. ٤ الكتاب ٣/ ١٦. ٥ شرح ابن الناظم ص٤٧٨. ٦ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٣٧٠ ]
فصل:
"ينصب المضارع بأن مضمرة وجوبًا في خمسة مواضع:
أحدها بعد اللام إن سبقت بكون ناقص ماض" لفظًا ومعنى، أو معنى لا لفظًا "منفي" الأول: بـ"ما" والثاني: بـ"لم" ودون غيرهما من أدوات النفي."نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤]، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧] فـ"يظلم" و"يغفر"، منصوبان بـ"أن" مضمرة بعد اللام عند البصريين، لا باللام. واللام متعلقة بمحذوف، لا زائدة، وذلك المحذوف هو الخبر لا الفعل الذي دخلت عليه اللام. وخالفهم الكوفيون فيهن١.
وقد صرح بالخبر الذي زعمه البصريون من قال: [من الوافر]
٨١٩-
سموت ولم تكن أهلًا لتسمو ولكن المضيع قد يصاب
فهذا بمنزلة ما قدروه من قولك: ما كان زيد مريدًا للفعل أو مقدرًا له. واحتج الكوفيون بقوله: [من الطويل]
٨٢٠-
لقد عذلتني أم عمرو ولم أكن مقالتها ما كنت حيا لأسمعا
إذ لو كانت "أن" هي الناصبة لأسمع. لزم تقديم معمول صلتها عليها، وذلك ممتنع. وعورض بمجيء ذلك في صريح "أن" في قوله: [من الرجز]
٨٢١-
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
_________________
(١) ١ انظر الإنصاف ٢/ ٥٩٣، المسألة رقم ٨٢.
(٢) البيت بلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٤٠٠، والجنى الداني ص١١٩، والدرر ٢/ ١٣، ولسان العرب ١٢/ ٥٥٩ "لوم"، وهمع الهوامع ٢/ ٨.
(٣) البيت بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٩٣، وخزانة الأدب ٨/ ٥٧٨، وشرح التسهيل ٤/ ٢٣٤، وشرح المفصل ٧/ ٢٩.
(٤) الرجز للعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٢٨١، وخزانة الأدب ٨/ ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣٢، والدرر ١/ ١٧٠، ٢٠٩، والمحتسب ٢/ ٣١٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ١٤٢، والدرر ٢/ ٤، وشرح شافية بن الحاجب ٢/ ٣٣٦، وشرح المفصل ٩/ ١٥١، واللامات ص٥٩، والمنصف ١/ ١٢٩، وهمع الهوامع ١/ ٨٨، ١١٢، ٢/ ٣، والاشتقاق ص٣١.
[ ٢ / ٣٧١ ]
والجواب واحد، وعلة امتناع ذكر "أن" بعد لام الجحود أن: ما كان ليفعل، رد على من قال: كان سيفعل. فاللام في مقابلة السين، فكما لا تذكر "أن" مع السين كذلك لا تذكر مع اللام. وزعم بعضهم أنه يجوز إظهار "أن" بشرط حذف اللام. محتجًّا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ [يونس: ٣٧]، ورد بأن "أن" يفترى في تأويل مصدر مخبر به عن القرآن وهو مصدر مثله. وفي هذا الرد نظر، لأن المراد بالقرآن المقروء لا القراءة. والحق أن هذا ليس مما نحن فيه؛ لأن الكلام فيما الخبر فيه مزيد ونحوه.
[وزعم بعضهم أن الحكم لا يختص بـ"كان"، بل في سائر أخواتها، نحو: ما أصبح زيد ليفعل] ١، وزعم بعضهم أنه يجوز في "ظن" قياسًا على "كان"، نحو: ما ظننت زيدًا ليفعل. ووسع بعضهم الدائرة، فأجاز ذلك في كل فعل تقدمه نفي، نحو: ما جاء زيد ليفعل كذا. "وتسمى هذا اللام، لام الجحود"، من تسمية العام بالخاص، فإن الجحود عبارة عن إنكار الحق، لا عن مطلق النفي، والنحويون أطلقوه وأرادوا الثاني. وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٦٨٣-
وبعد نفي كان حتما أضمرا
الموضع "الثاني: بعد: أو" العاطفة "إذا صلح في موضعها: حتى" المرادفة إلى "نحو: لألزمنك أو تقضيني حقي" أي: حتى تقضيني. وقوله: [من الطويل]
٨٢٢-
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادت الأمال إلا لصابر
أي حتى٢ أدرك.
"أو" صلح في موضعها "إلا" الاستثنائية "نحو: لأقتلنه"؛ أي الكافر؛ "أو يسلم" أي: إلا أن يسلم٣، "وقوله" وهو زياد الأعجم: [من الوافر]
٨٢٣-
وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٧٢، والدرر ٢/ ١٦١، وشرح ابن الناظم ص٤٧٩، وشرح الأشموني ٣/ ٥٥٨، وشرح شذور الذهب ٢٩٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٤٦، وشرح قطر الندى ص٦٩، ومغني اللبيب ١/ ٦٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٠. ٢ سقطت من "ب". ٣ وشرح ابن الناظم ص٤٧٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٤٦.
(٣) البيت لزياد الأعجم في ديوانه ١٠١، والأزهية ص١٢٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦٩، وشرح شواهد الإيضاح ٢٥٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٠٥، والكتاب ٣/ ٤٨، واللسان ٥/ ٣٨٩ "غمز" والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٥، والمقتضب ٢/ ٩٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٧٢، وشرح ابن الناظم ص٤٧٩، وشرح الأشموني ٣/ ٥٥٨، وشرح شذور الذهب ص٢٩٩، وشرح قطر الندى ص٧٠، وشرح المفصل ٥/ ١٥، ومغني اللبيب ١/ ٦٦، والمقرب ١/ ٢٦٣.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
أي: إلا أن تستقيم فلا أكسر كعوبها، ولا يصلح هنا معنى؛ إلى؛ لأن الاستقامة١ لا تكون غاية للكسر. وغمزت؛ بالغين والزاي المعجمتين: عصرت، والقناة: بالقاف، والنون: الرمح. والكعوب: النواشز في أطراف الأنانبيب. وهذه استعارة تمثيلية.
شبه حاله إذا أخذ في إصلاح قوم اتصفوا بالفساد، فلا يكف عن حسم المواد التي تنشأ عنها فسادهم إلا أن يحصل صلاحهم بحالة إذا غمز قناة معوجة حيث يكسر ما ارتفع من أطرافها ارتفاعًا يمنع من اعتدالها، ولا يفارق ذلك إلا أن تستقيم.
و"أن" والفعل في هذه الأمثلة ونحوها مؤول بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل المتقدم. أي: ليكونن لزوم مني أو قضاء منه لحقي، وليكونن استسهال مني للصعب أو إدراك للمني، وليكونن قتل مني [للكافر] ٢، أو إسلام منه، وليكونن كسر مني لكعوبها. أو استقامة منها. وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٨٤-
كذاك بعد أو إذا يصلح في موضوعها حتى أو الا
الموضع "الثالث: بعد: حتى" الجارة، "إن كان الفعل مستقبلا باعتبار" زمن "التكلم" بما قبلها، "نحو: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ " [الحجرات: ٩] فـ"تفيء" مستقبل باعتبار زمن التكلم بالأمر بالقتال، وإلقائه إلى المخاطب به، "أو" مستقبلا "باعتبار ما قبلها" من غير اعتبار تكلم، "نحو: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ " [البقرة: ٢١٤] فإن قول الرسول وإن كان ماضيًا بالنسبة إلى زمن الإخبار وقصه علينا، إلا أنه مستقبل بالنسبة إلى زلزالهم. ولـ"حتى" التي ينتصب الفعل بعدها معنيان، فتارة تكون بمعنى "كي" التعليلية، وذلك إذا كان ما قبلها علة لما بعدها. نحو: أسلم حتى تدخل الجنة. وتارة تكون بمعنى "إلى" الغائية. وذلك إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، نحو: لأسيرن حتى تطلع الشمس. إذا عرفت ذلك فالمثال الأول من أمثلة الموضح مما يصلح للمعنيين معًا، فيحتمل أن يكون المعنى: كي تفيء أو: إلى أن تفيء، والمثال الثاني "حتى" فيه بمعنى "إلى" خاصة أي: إلى أن يقول الرسول، وإلى هذا الموضع٣ أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) ١ في "ب": "الاستفادة". ٢ إضافة من "ط". ٣ سقطت من "ب".
[ ٢ / ٣٧٣ ]
٦٨٥-
وبعد حتى هكذا إضمار إن حتم
"ويرفع الفعل بعدها إن كان حالا"، أو مؤولا بالحال، "مسببا" عما قبلها، "فضلة"، ثم الكلام قبله، "نحو: مرض زيد حتى لا يرجونه"، فلا يرجونه حال لأنه في قوة قولك: فهو الآن إلا يرجى، ومسببا عما قبلها لأن عدم الرجاء مسبب عن المرض، وفضلة لأن الكلام ثم قبله بالجملة الفعلية.
"ومنه "حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ"" [البقرة: ٢١٤] برفع "يقول" في "قراءة نافع، لأنه مؤول بالحال، أي: حتى حالة الرسول، والذين آمنوا أنهم يقولون ذلك" حينئذ.
وللحال المؤول تفسير آخر، وهو أن يفرض ما كان واقعًا في الزمن الماضي، واقعا في هذا الزمن، فيعبر عنه المضارع المرفوع. وفائدة تأويله بالحال، تصوير تلك الحال العجيبة واستحضار صورتها في مشاهدة السامع ليتعجب منها. وإنما وجب رفع الفعل بعد "حتى" عند إرادة الحال، حقيقة أو مجازًا، لأن نصبه يؤدي إلى تقدير "أن" وهي للاستقبال، والحال ينافي الاستقبال١.
وإنما اشترطت السببية ليحصل الربط معنى، وذلك لأنه لما لم يتعلق ما بعدها بما قبلها لفظا، زال الاتصال اللفظي، فشرطت السببية الموجبة للاتصال المعنوي جبرًا لما فات من الاتصال اللفظي، وإنما اشترطت الفضلية لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر، وذلك أنه إذا رفع كانت "حتى" حرف ابتداء، فالجملة الواقعة بعدها مستأنفة، فإن فقد شرط من الثلاثة، وجب النصب. فيجب النصب في مثل: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] لانتفاء الحال.
"ويجب النصب في مثل: لأسيرن حتى تطلع الشمس". خلافًا للكوفيين. "و: ما سرت" إلى البلدة "حتى أدخلها، و: أسرت حتى تدخلها، لانتفاء السببية" فيهن. أما الأول فلأن طلوع الشمس لا يتسبب عن السير. وأما الثاني فلأن الدخول لا يتسبب عن عدم السير. وأما الثالث فلأن السبب لم يتحقق وجوده، فلو رفع لزم أن يكون مستأنفًا مقطوعًا بوقوعه. وما قبله سبب له. وذلك لا يصح لأن ما قبلها غير سبب فيلزم وقوع المسبب مع نفي السبب أو الشك فيه. قاله المرادي٢.
_________________
(١) ١ انظر شرح بن الناظم ص٤٨١، والكتاب ٣/ ١٧-١٨. ٢ شرح المرادي ٤/ ٢٠٤.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
"بخلاف: أيهم سار حتى يدخلها"، و: متى سرت حتى تدخلها؛ برفعهما، "فإن السير ثابت" محقق، "وإنما الشك في" عين "الفاعل" في الأول، وفي عين الزمان في الثاني. وأجاز الأخفش الرفع بعد النفي على أن يكون أصل الكلام إيجابًا، ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره لا على ما قبل "حتى" خاصة، ولو عرضت هذه المسألة بهذا المعنى على سيبويه لم يمنع الرفع فيها، وإنما منعه إذا كان النفي مسلطًا على السبب خاصة، وكل أحد يمنع ذلك.
"و" يجب النصب "في نحو: سيري"؛ بفتح السين؛ "حتى أدخلها، لعدم الفضلية"، فـ"سيري" مبتدأ، و"حتى أدخلها" خبره، ولو رفع الفعل لصار المبتدأ وبلا نسبة في خبر.
"وكذلك" يجب النصب في مثل: "كان سيري أمس حتى أدخلها، إن قدرت "كان" ناقصة"، وحتى أدخلها الخبر، "ولم تقدر الظرف" وهو "أمس" "خبرًا" لـ"كان"، بل قدرته متعلقًا بنفس السير، فإن قدرت "كان" تامة، و"أمس" متعلقًا بـ"سيري"، أو ناقصة، و"أمس" متعلقًا باستقرار محذوف على أنه خبر "كان" رفعت، لأن ما بعد "حتى" حال مسبب، فضلة، و"حتى" فيه ابتدائية، وعلامة كونه حالا أو مؤولا به، صلاحية جعل الفاء في موضع "حتى". وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٨٦-
وتلو حتى حالا أو مؤولا به ارفعن وانصب المستقبلا
الموضع "الرابع والخامس: بعد "فاء" السببية، و" بعد "واو المعية"، حال كونهما "مسبوقين بنفي أو طلب محضين"، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٦٨٧-
وبعد فالجواب نفي أو طلب محضين
٦٨٨-
والواو كالفا إن تفد مفهوم مع
فالنفي يشمل ما كان بحرف، أو فعل، أو اسم، وما كان تقليلا مرادًا به النفي.
فالأول "نحو: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ " [فاطر: ٣٦]، والثاني نحو: ليس زيد حاضرًا فيكلمك. والثالث: نحو أنت غير آت فتحدثنا. والرابع نحو: قلما تأتنا فتحدثنا. "و" النفي مع الواو كذلك نحو: " ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقس الباقي. والطالب يشمل: الأمر، والنهي والدعاء، والعرض، والتحضيض، والتمني، والاستفهام. فهذه سبعة، مع النفي صارت ثمانية. "و" زاد الفراء الترجي.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
مثل الفاء بعد التمني: " ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ " [النساء: ٧٣] . ومثال الواو بعده: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧] بالنصب في قراءة حمزة وحفص١.
"و" مثال الفاء بعد النهي: " ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ " [طه: ٨١] . "و" مثال الواو بعده "قوله"، وهو أبو الأسود الدؤلي: [من الكامل]
٨٢٤-
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وشرط النهي عدم النقض بإلا، فلو نقضت النهي بإلا لم يجز النصب نحو: لا تضرب إلا عمرًا فيغضب، فيجب في "يغضب" الرفع. قاله في شرح الشذور٢ تبعًا لسيبويه٣.
"و" مثال الفاء بعد الأمر "قوله"، وهو أبو النجم العجلي: [من الرجز]
٨٢٥-
يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سليمان فنستريحا
_________________
(١) ١ القراءة من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٨٠، وحاشية يس ٢/ ٢٣٨-٢٣٩، وشرح ابن الناظم ص٤٨٥، والكتاب ٣/ ٤٤، وفي النص المصحفي: ﴿نُكَذِّبَ﴾، ﴿نَكُونَ﴾، بالنصب، وقرأهما بالرفع نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو بكر والكسائي. انظر الإتحاف ٢٠٦، والنشر ٢/ ٢٥٧.
(٢) البيت لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص٤٠٤، والأزهية ص٢٣٤، وشرح شذور الذهب ص٢٣٨، ٣١٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٣، وللمتوكل الليثي في الأغاني ١٢/ ١٥٦، وحماسة البحتري ١١٧، والعقد الفريد ٢/ ٣١١، والمؤتلف والمختلف ١٧٩، ولأبي الأسود أو للمتوكل في لسان العرب ٧/ ٤٤٧، "عظظ" ولأحدهما أو للأخطل في شرح شواهد الإيضاح ص٢٥٢، ولأبي الأسود الدؤلي أو للأخطل أو للمتوكل الكناني في المقاصد النحوية ٤/ ٣٩٣، ولأحد هؤلاء أو للمتوكل الليثي أو للطرماح أو للسابق البربري في خزانة الأدب ٨/ ٥٦٤، ٥٦٧، وللأخطل في الرد على النحاة ١٢٧، وشرح المفصل ٧/ ٢٤، والكتاب ٣/ ٤٢، ولحسان بن ثابت في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٨٨، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/ ٢٩٤، وأمالي بن الحاجب ٢/ ٨٦٤، وأوضح المسالك ٤/ ١٨١، وجواهر الأدب ١٦٨، والجنى الداني ١٥٧، ورصف المباني ٤٢٤، وشرح ابن الناظم ص٤٨٥، وشرح الأشموني ٣/ ٥٦٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٥٣٥، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥٣، وشرح عمدة الحافظ ص٣٤٢، وشرح قطر الندى ص٧٧، ولسان العرب ١٥/ ٤٨٩ "وا"، ومغني اللبيب ٢/ ٣٦١، والمقتضب ٢/ ٢٦. ٢ شرح شذور الذهب ص٣٠٦. ٣ الكتاب ٣/ ٣٠.
(٣) الرجز لأبي النجم في الدرر ١/ ٢٠٠، ٢/ ١٧، والرد على النحاة ١٢٣، والكتاب ٣/ ٣٥، ولسان العرب ٣/ ٦٣ "نفخ" ١٠/ ٢٧٤ "عنق"، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٠، وتاج العروس "عنق"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٨٢، ورصف المباني ص٣٨١، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٧٠، ٢٧٤، وشرح ابن الناظم ص٤٨٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٢، ٣/ ٥٦٢، وشرح شذور الذهب ص٣٠٥، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥٠، وشرح قطر الندى ص٧١، وشرح المفصل ٧/ ٢٦، واللمع في العربية ص٢١٠، والمقتضب ٢/ ١٤، وهمع الهوامع ١/ ١٨٢.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
والعنق؛ بفتحتين؛ ضرب من السير. والفسيح: الواسع.
"و" مثال الواو بعده "قوله"، وهوالأعشى، أو الحطيئة، فيما زعم ابن يعيش١. أبو ربيعة بن جشم، فيما زعم الزمخشري٢، أبو دثار بن شيبان النمري، فيما زعم ابن بري: [من الوافر]
٨٢٦-
فقلت ادعي وأدعو إن أندى لصوت أن ينادي داعيان
فـ"أدعو" مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الواو. و"أندى" أفعل، من الندى؛ بفتحتين؛ وهو بعد الصوت، و"لصوت" بكسر اللام، متعلق به. و"أن ينادي"، بفتح الهمزة وكسر الدال خبر "إن"، و"داعيان": تثنية داع، فاعل ينادي. والمعنى: فقلت لها ينبغي أن يجتمع دعائي ودعاؤك، فإن أرفع صوت وأبعده دعاء داعيين معًا.
"وقد اجتمع" النصب في جوابي "الطلب والنفي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ الآية" وتمامها: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] "لأن تطردهم جواب النفي"، وهو: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، "وتكون، جواب النهي"، وهو: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾، على طريق اللف والنشر٣ من غير
_________________
(١) ١ شرح المفصل ٧/ ٣٥. ٢ المفصل ص٢٤٨.
(٢) البيت للأعشى في الدرر ٢/ ٢١، والرد على النحاة ص١٢٨، والكتاب ٣/ ٤٥، وليس في ديوانه، وللفرزدق في أمالي القالي ٢/ ٩٠، وليس في ديوانه، ولدثار بن شيبان النمري في الأغاني ٢/ ١٥٩، وسمط اللآلي ص٧٢٦، ولسان العرب ١٥/ ٣١٦ "ندى"؛ وللأعشى أبو للحطيئة أو لربيعة بن جشم في شرح المفصل ٧/ ٣٥، ولأحد هؤلاء الثلاثة أو لدثار بن شيبان في شرح شواهد المغني ٢/ ٨٢٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٢، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ٢/ ٨٦٤، والإنصاف ٢/ ٥٣١، وأوضح المسالك ٤/ ١٨٢، وجواهر الأدب ص١٦٧، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٩٢، وشرح ابن الناظم ص٤٨٤، وشرح الأشموني ٣/ ٥٦٦، وشرح شذور الذهب ص٣١١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥٣، وشرح عمدة الحافظ ص٣٤١، ولسان العرب ١٢/ ٥٦٠ "لوم"، ومجالس ثعلب ٢/ ٥٢٤، ومغني اللبيب ١/ ٣٩٧، والمفصل ص٢٤٨، وهمع الهوامع ٢/ ١٣١. ٣ اللف والنشر: أن يذكر الناظم في أول البيت أسماء متعددة غير تامة المعنى، ثم يقابلها بأشياء يعددها من غير الأضداد تتمم معناها؛ إما بالجمل، وإما بالألفاظ المفردة، كقوله ابن حيوس: فعل المدام ولونها ومذاقها في مقلتيه ووجنتيه وريقه انظر شرح الكافية البديعية لصفي الدين الحلي، ص٧٦.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
ترتيب، فاندفع ما يقال إن هذه الآية ظاهرها أن: فتكون، جواب "فتطردهم"، أو هما جوابان للطلب أو النفي، والجواب لا يجاب، والشيء الواحد لا يكون له جوابان، كما١ نص عليه النحاة.
ومثال الفاء بعد الدعاء١ قوله: [من الرمل]
٨٢٧-
رب وفقني فلا أعدل عن سنن الساعين في خير سنن
وبعد العرض قوله: [من البسيط]
٨٢٨-
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما قد حدثوك فما راء كمن سمعا
وبعد التحضيض قولك: هلا اتقيت الله فيغفر لك. وهو والعرض متقاربان يجعلهما التنبيه على الفعل، إلا أن في التحضيض زيادة توكيد وحث، وفي العرض لينا ورفقًا. وبعد الاستفهام قوله: [من البسيط]
٨٢٩-
لاهل تعرفون لباناتي فأرجو أن تقضي فيرتد بعض الروح للجسد
وشرط الاستفهام أن لا يتضمن وقوع الفعل نحو: لم ضربته فيجازيك. فإن الضرب إذا وقع يتعذر سبك مصدر مستقبل منه٢، والترجي سيأتي.
قال في شرح الشذور٣: "ولم يسمع نصب الفعل بعد الواو إلا بعد واحد من أربعة وهي: النفي، والنهي، والأمر، والتمني، ولذلك اقتصر الموضح في التمثيل عليها". وقال أبو حيان٤: "ولا أحفظه بعد الدعاء، والعرض، والتحضيض، والترجي، فينبغي أن لا يقدم على١ ذلك إلا بسماع". انتهى.
_________________
(١) ١ سقطت من "ب".
(٢) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ١٨، وشرح ابن الناظم ٤٨٢، وشرح الأشموني ٣/ ٥٦٣، وشرح شذور الذهب ٣٠٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥٠، وشرح قطر الندى ص٧٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٨، وهمع الهوامع ٢/ ١١.
(٣) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ١٩ وشرح ابن الناظم ص٤٨٣، وشرح الأشموني ٣/ ٥٦٣، وشرح شذور الذهب ص٣٠٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥١، وشرح قطر الندى ص٧٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٢.
(٤) البيت بلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٤٨٢، وشرح الأشموني ٣/ ٥٦٣، وشرح قطر الندى ص٧٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٨. ٢ في "ب": "مستقل به". ٣ شرح شذور الذهب ص٣١٣. ٤ الارتشاف ٢/ ٤١٥.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
واحترز الناظم بتقييد النفي والطلب بمحضين من النفي التالي تقريرًا بالهمزة، ومن النفي المتلو بنفي آخر. ومن النفي المنتقض بإلا. فالأول نحو: ألم تأتني فأحسن إليك، بالرفع إذا لم ترد الاستفهام الحقيقي، وإنما أردت أن تحمل مخاطبك على الإقرار والاعتراف بإتيانه إليك وإحسانك إليه.
قال الشيخ عبد القاهر في شرح مختصره: "معنى قولنا الهمزة للتقرير، أنك ألجأت المخاطب إلى الإقرار بأمر قد كان، تقول: أضربت زيدًا، ولا يكون غرضك أن يعلمك أمرًا لم تكن تعلمه، ولكن أردت أن تقرره أي تحمله على أن يقر بفعل قد فعله". انتهى.
والمعنى: أنت أتيتني فأحسنت إليك. على حد قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أي: الله كاف عبده، لأن نفي النفي إثبات. قال في التخليص١: "وهذا مراد من قال: إن الهمزة فيه للتقرير، أي بما دخله النفي لا بالنفي". انتهى.
فثبت بهذا أن الاستفهام التقريري يتضمن ثبوت الفعل، فلا ينصب المضارع في جوابه، لعدم تمحض النفي. وما ورد منه٢ منصوبًا فلمراعاة صورة النفي وإن كان تقريرًا، أو لأنه جواب الاستفهام.
"و" الثاني "نحو: ما تزال تأتينا فتحدثنا، و" الثالث نحو: "ما تأتينا إلا وتحدثنا". فإن معناهما الإثبات، فلذلك وجب رفع الفعل بعدهما. أما الأول فلأن "زال" للنفي، وقد دخل عليها النفي، ونفي النفي إثبات. وأما الثاني فلانتقاض النفي بإلا. ولك في نحو: ما تأتينا٣ فأكرمك، أربع أوجه:
أحدها: أن تقدر الفاء لمجرد عطف لفظ الفعل٤ على لفظ ما قبلها، فليكون شريكه في إعرابه، فيجب هنا الرفع لأن الفعل الذي قبلها مرفوع والمعطوف شريك المعطوف عليه، وكأنك قلت: ما تأتيني فما أكرمك، فهو شريكه في النفي الداخل عليه.
الثاني: أن يقدر٥ الفاء لمجرد السببية، ويقدر٥ الفعل الذي بعدها مستأنفًا،
_________________
(١) ١ التخليص في علوم البلاغة ص١٦٦. ٢ سقطت من "ب". ٣ في "ب"، "ط"، "تأتيني". ٤ في "ط": "النفي للفعل" مكان "لفظ الفعل". ٥ في "ب"، "ط": "تقدر".
[ ٢ / ٣٧٩ ]
ومعنى استئنافه أن يقدر١ خبرًا لمبتدأ محذوف، فيجب الرفع أيضًا، لخلو الفعل من الناصب والجازم، والمعنى: ما تأتينا٢ فأنا أكرمك لكونك لم تأتني، وذلك إذا كنت كارهًا لإتيانه. والفرق بين هذا الوجه الذي قبله في النفي، أن النفي في الذي قبله، يشمل ما قبل الفاء وما بعدها، وفي هذا الوجه انصب النفي فيه٣ إلى ما قبل الفاء خاصة.
الثالث: أن تقدر الفاء لعطف مصدر الفعل الذي بعدها على٤ المصدر المؤول مما قبلها، ويقدر٥ النفي منصبا على المعطوف دون المعطوف عليه، فيجب حينئذ النصب.
والمعنى: ما يكون منك إتيان يعقبه مني٤ إكرام، بل يكون منك إتيان ولا يكون مني إكرام.
الرابع: أن يقدر٦ الفاء أيضًا، لعطف مصدر الفعل الذي بعدها، على المصدر المؤول مما قبلها، ولكن يقدر النفي منصبًا على المعطوف عليه، فينتفي المعطوف لأنه مسبب عنه. وقد انتفى. "ويكون المعنى: ما يكون منك إتيان، فكيف يكون مني إكرام، والحاصل في الرفع وجهان وفي النصب وجهان.
"و" احترز "من الطلب باسم الفعل، و" من الطلب "بما لفظه الخبر، وسيأتي" الكلام عليهما بعد أسطر.
"و" احترز "بتقييد الفاء بالسببية، و" تقييد "الواو بالمعية من" الفاء والواو "العاطفتين على صريح الفعل" إذا لم يشعروا بسببية ولا معية. "ومن الاستئنافيتين". فالفاء العاطفة على صريح الفعل "نحو: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] فإنها للعطف". فعطفت "يعتذرون" على لفظ "يؤذن"٧ فهو شريك له في رفعه، وفي النفي الداخل عليه. وكأنه قيل: ولا يؤذن لهم فلا يعتذورن٨. ولو قرئ بالنسب على أنه جواب النفي لم يمتنع٩. والمعنى: لو أذن لهم لاعتذروا مثل: ﴿لَا يُقْضَى
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "تقدره". ٢ في "ب"، "ط": "تأتيني". ٣ سقطت من "ط". ٤ سقطت من "ب". ٥ في "ب": "تقدير". ٦ في "ب"، "ط": "تقدر". ٧ في "ب"، "يؤذن لهم". ٨ سقط من "ب": "فلا يعتذرون". ٩ ويكون حينئذ على الوجه الرابع المار في كلامه. انظر حاشية يس ٣/ ٢٤٠، ٢٤١.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] ولكنه أوثر الرفع للتناسب رءوس الآي. قاله الفراء١.
وفرق ابن عصفور بأن الإذن والاعتذار منفيان بالقصد، وانتفاء الموت لازم عن انتفاء القضاء عليهم. ولم يقصد نفيه كما قصد٢ نفي الاعتذار، وبأنه لو وقع القضاء عليهم لماتوا. وليس الإذن سببًا للاعتذار.
"و" الفاء الاستئنافية، نحو "قوله"، وهو جميل صاحب بثينة: [من الطويل]
٨٣٠-
ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق
فـ"ينطق": مرفوع، وهو مبني على مبتدأ محذوف٣، أي: فهو ينطق، ولا يضر اقترانه بالفاء "فإنها" فيه "للاستئناف" لا للعطف ولا للسببية، "إذا العطف يقتضي الجزم" لما بعدها، لكونه معطوفًا على مجزوم، وهو: "تسأل". "والسببية تقتضي النصب" له لكونه في جواب الاستفهام.
ونوزع في اقتضاء السببية النصب، فإنه قد جاء الرفع مع تحقق السببية في: ﴿لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، كما صرح به بعضهم. ودفع بأن اقتضاءها النصب صحيح على قول الأكثر. قال في المغنى: "والتحقيق أن الفاء فيه للعطف، وأن المعتمد بالعطف الجملة. لا الفعل وحده وإنما يقدر النحويون كلمة "هو" ليبينوا٤ أن الفعل ليس المعتمد بالعطف". انتهى. والربع: المنزل، والقواء، بفتح القاف، ومده أكثر من قصره: الخالي الذي لا أنيس به. والبيداء: القفر الذي يبيد من يسلك٥، فيه، أي: يهلكه، والسملق، بفتح السين المهملة: القاع الأملس الصفصف٦.
_________________
(١) ١ معاني القرآن ٣/ ٢٦٢. ٢ في "ط": "يقصد".
(٢) البيت لجميل بثينة في ديوانه ص١٣٧، وخزانة الأدب ٨/ ٥٢٤، ٥٢٥، والدرر ٢/ ١٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢١٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٧٤، وشرح المفصل ٧/ ٣٦، ٣٧، ولسان العرب ١٠/ ١٦٤، "سملق"، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٨٥، والجنى الداني ص٧٦، والدرر ٢/ ٤١٧، والرد على النحاة ص١٢٧، ورصف المباني ٣٧٨،/ ٣٨٥، وشرح الرضي ٤/ ٦٦، ٧١، وشرح شذور الذهب ص٣٠٠، والكتاب ٣/ ٣٧، ولسان العرب ١/ ٣٠٠ "حدب"، ومغني اللبيب ١/ ١٦٨، وهمع الهوامع ٢/ ١١، ١٣١. ٣ سقطت من "ب". ٤ في "أ": "ليبينون". انظر حاشية ص ١/ ٢٤١. ٥ في "ط": "سلك". ٦ في "ط": "للصفصف".
[ ٢ / ٣٨١ ]
"وتقول مع الواو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن١؛ بالرفع" على الاستئناف؛ "إذا نهيته عن الأول فقط" وأبحت له الثاني، فكأنك قلت: لا تأكل السمك ولك شرب٢ اللبن. "فلإن قدرت النهي عن الجمع" بينهما، "نصبت" على إرادة المعية، وكأنك قلت: لا تأكل السمك مع شرب٣ اللبن، "أو" قدرت النهي "عن كل منهما" على حدته. "جزمت" على العطف، وكأنك قلت: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن.
والفرق بين النصب والجزم في حالتي العطف أنه في النصب من عطف مصدر مؤول من "أن" والفعل، على مصدر متصيد من الفعل السابق لئلا يلزم عطف المصدر على الفعل. وفي الجزم من عطف الفعل على الفعل.
"وإذا سقطت الفاء" من المضارع الواقع "بعد الطلب" المحض "وقصد" بالفعل الذي سقطت منه الفاء، "معنى الجزاء" للطلب السابق عليه، "جزم الفعل"، والمراد بقصد الجزاء أنك تقدره مسببًا عن ذلك الطلب المتقدم، كما أن جزاء الشرط مسبب٤ عن فعل الشرط.
واختلف في تحقيق جازمه، فالجمهور يجعلونه "جوابًا لشرط مقدر"، فيكون مجزومًا عندهم٥ بأداة شرط مقدرة هي وفعل الشرط "لا" جوابًا "للطلب" المتقدم، فيكون مجزومًا بنفس الطلب، وهو قول الخليل وسيبويه٦ والسيرافي٧ والفارسي٨.
ثم اختلفوا في علته، فقال الخليل وسيبويه٦: إنما جزم الطلب "لتضمنه معنى" حرف "الشرط"، كما أن أسماء الشرط إنما جزمت لذلك، وقال الفارسي والسيرافي: لنيابته مناقب الجازم الذي هو حرف الشرط المقدر، كما أن النصب بضربًا، في قولك: ضربًا زيدًا، لنيابته عن اضرب، لا لتضمنه معناه. " خلافًا لزاعمي ذلك".
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ٢/ ٤٥١، والإنصاف ٢/ ٤١٥، وشرح شذور الذهب ص٣١٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥٥، وشرح قطر الندى ص٧٩، وشرح المفصل ٧/ ٣٤، وشرح ابن الناظم ص٤٨٦. ٢ في "ب": "مع شربك". ٣ في "ب": "شرب". ٤ في "ب": "سبب". ٥ سقطت من "ب". ٦ الكتاب ٣/ ٦٢. ٧ شرح كتاب سيبويه ١/ ٨٨. ٨ المسائل المنثورة ص١٥٨.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
ومذهب الجمهور أرجح، لأن الحذف والتضمين وإن اشتركا في أنهما خلاف الأصل لكن في التضمين تغيير معنى الأصل، ولا كذلك الحذف. ولأن نائب الشيء يؤدي معناه والطلب لا يؤدي معنى الشرط، ولأن الأرجح في: ضربا زيدًا، أن زيدًا منصوب بالفعل المحذوف لا بالمصدر لعدم حلوله محل فعل مقرون بحرف مصدري، وذلك "نحو: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١] تقدم الطلب وهو "تعالوا" وتأخر المضارع المجرد من الفاء وهو "أتل" وقصد به الجزاء١ فجزم بحرف شرط مقدر. والتقدير: تعالوا إن تأتوني، أتل عليكم فالتلاوة عليهم مسببة عن مجيئهم. وعلامة جزمه حذف الواو.
ومثله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ﴾ [مريم: ٢٥] فإنه مجزوم باتفاق السبعة. بخلاف ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، [وإنما أريد: خذ منهم صدقة مطهرة لهم] ٢. فـ"تطهرهم": مرفوع باتفاق السبعة، وإن كان مسبوقًا بالطلب، وهو: خذ، لكونه ليس مقصودًا به معنى: أن تأخذ منهم صدقة تطهرهم، وإنما أريد: خذ منهم صدقة مطهرة لهم فتطهرهم، صفة لصدقة، ولو قرئ بالجزم على معنى الجزاء لم يمتنع في القياس.
وبخلاف نحو: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ [مريم: ٥، ٦] في قراءة الرفع٣ فإنه قدره" مع فاعله جملة في موضع نصب "صفة لـ"وليا" لا جوابًا لـ"هب"، كما قدره من جزم"٤، وقس على ذلك بقية أنواع الطلب، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٨٩-
وبعد غير النفي جزما اعتمد إن تسقط الفا والجزاء قد قصد
وأما النفي فلا يجزم الفعل في جوابه. فلا يقال: ما تأتينا تحدثنا بجزم "تحدثنا" خلافًا للزجاجي. والكوفيين، ولا سماع معهم ولا قياس لأن الجزم يتوقف على السببية، ولا يكون انتفاء الإتيان سببًا للتحديث.
"وشرط غير الكسائي" من النحويين. "لصحة الجزم بعد النهي، صحة" وقوع "إن لا، في موضعه"، وهو أن تضع موضع النهي شرطًا مقرونًا بـ"لا" النافية،
_________________
(١) ١ في "ط": "الجزم". ٢ سقط ما المعكوفين من "ب". ٣ وكذا في الرسم المصحفي. ٤ أي: "يرثني ويرث"، وقرأها أو عمرو والكسائي واليزيدي، والشنبوذي والأعمش وطلحة وغيرهم. انظر الإتحاف ص٢٩٧، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ١٦١، والنشر ٢/ ٣١٧.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
مع صحة المعنى، قاله الموضح في شرح القطر١، والمرادي في شرح النظم٢. وظاهر قول الناظم:
٦٩٠-
وشرط جزم بعد النهي أن تضع إن قبل لا دون تخالف يقع
أنك "تضع "إن" قبل "لا الناهية، بالهاء. وشرحه على ذلك الشاطبي. "فمن ثم"؛ بفتح التاء المثلثة؛ أي من أجل هذا الشرط "جاز: لا تدن من الأسد تسلم؛ بالجزم"، لصحة قولك: إن لا تدن من الأسد تسلم، لأن السلامة مسببة عن عدم الدنو. "ووجب الرفع في نحو: لا تدن من الأسد يأكلك"، لعدم صحة قولك: إن لا تدن من الأسد يأكلك. لأن الأكل لا يتسبب عن عدم الدنو، وإنما يتسبب عن الدنو نفسه٣.
ولهذا الشرط أجمعت السبعة على الرفع٤ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] . "وأما" قوله ﷺ: "من أكل من هذه الشجرة "فلا يقرب مسجدنا يؤذنا" بريح الثوم"٥. "فالجزم" في "يؤذنا"؛ بحذف الياء؛ "على الإبدال" من "يقرب" بدل اشتمال، "لا" على الجواب" للنهي، لعدم صحة: إن لا يقرب يؤذنا، لأن الإيذاء إنما يتسبب عن القرب لا عن عدمه. ولم يشترط الكسائي، قيل: والكوفيون قاطبة، هذا الشرط، واحتجوا بالقياس على النصب، فإنه يجوز: لا تدن من الأسد فيأكلك، بالنصب، وفي التنزيل: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]، وبقول أبي طلحة٦ للنبي -ﷺ: "لا تشرف يصبك سهم"٧، ويروى: لا تتطاول يصبك، وبالحديث: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" ٨.
_________________
(١) ١ شرح قطر الندى ص٨٢. ٢ شرح المرادي ٤/ ٢١٣. ٣ في شرح ابن الناظم ص٤٨٧: "وأجاز الكسائي جزم جواب النهي مطلقًا". ٤ وقرأها الحسن وابن أبي عبلة "تستكثر"؛ بالجزم، وقرأها الأعمش ويحيى "تستكثر"؛ بالنصب. انظر المحتسب ٢/ ٣٣٧، والبحر المحيط ٨/ ٣٧٢، وانظر ما تقدم في الجزء الأول من شرح التصريح ٨٩. ٥ أخرجه البخاري في صفة الصلاة، باب ما جاء في النوم رقم ٨١٥، ٨١٦، وهو من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٨٩، وشرح ابن الناظم ص٤٨٧. ٦ في "ب": "وقول طلحة". ٧ الحديث في النهاية ٢/ ٤٦١، ٥٦٢، أي لا تشرف من أعلى الموضع، وفيه: "كان أبو طلحة حسن الرمي، فكان إذا رمى استشرفه النبي -ﷺ- لينظر إلى مواقع نبله أي يحقق نظره ويطلع عليه. وأصل الاستشراف أن تضع يدك على حاجبك وتنظر، كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء". وانظر شرح ابن الناظم ص٤٨٧. ٨ أخرجه البخاري في كتاب العلم برقم ١٢١، وأعاده برقم ٤١٤٣، ٦٤٧٥، ٦٦٦٩.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وأجاب البصريون بأنه لو صح القياس على النصب، لصح الجزم بعد النفي قياسًا على النصب. و"يصبك": بدل من "تشرف"، أو "تتطاول". و"يضرب" مدغم. وفي رد القياس نظر فإنهم قائلون بجواز الجزم بعد النفي. كما تقدم.
"وألحق الكسائي في جواز النصب بالأمر"، بالفعل، "ما دل على معناه، أي الأمر، "من اسم فعل"١ مطلقًا، سواء أكان فيه لفظ الفعل أم لا، "نحو: نزال فنكرمك"، و: صه فنحدثك.
ووافقه بن جني، وابن عصفور بعد: نزال وتراك، ونحوه، مما فيه معنى الفعل وحروفه، ومنعاه بعد: صه ومه ونحوهما، مما فيه معنى الفعل دون حروفه٢، "أو" ما دل على الأمر "من خبر" مثبت"، "نحو: حسبك حديث فينام الناس"، بنصب "ينام" عند الكسائي خاصة٣، فـ"حسبك: مبتدأ، وحديث: خبره، والجملة متضمنة معنى اكفف. وعبر الموضح بنحو دون، كقولهم لأن المسموع حسبك ينام الناس٤.
واختلف في إعرابه؛ فقال المرادي٥: مبتدأ وخبره محذوف، أي: حسبك السكوت، وهو لا يظهر.
وقال جماعة منهم ابن طاهر٦: إنه مبتدأ وبلا نسبة في خبر. لأنه في معنى ما لا يخبر عنه.
ومذهب الجمهور منع النصب بعد اسم الفعل والخبر المثبت، لأن النصب إنما هو بإضمار أن، والفاء عاطفة على مصدر متوهم، و"نزال"، و"حسبك"، ونحوهما، لا تدل على مصدر لأنها غير مشتقة، "ولا خلاف في جواز الجزم بعدهما"، أي بعد اسم الفعل والخبر المثبت "إذا سقطت الفاء"، لعدم مقتضى السبك. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٩١-
والأمر إن كان بغير افعل فلا تنصب جوابه وجزمه اقبلا
"كقوله"، وهو عمرو بن الإطنابة الأنصاري [من الوافر]
_________________
(١) ١ في "ب": "الفعل". ٢ انظر شرح قطر الندى ص٧٦، وشرح شذور الذهب ص٣٠٥. ٣ شرح ابن الناظم ص٤٨٧، وشرح شذور الذهب ص٣٠٥. ٤ شرح ابن الناظم ص٤٨٧. ٥ شرح المرادي ٤/ ٢١٧. ٦ الارتشاف ٢/ ٤١٩.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
٨٣١-
وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي
فجزم "تحمدي" في جواب اسم الفعل، وهو مكانك، فإنه في معنى اثبتي. و"قولي": مبتدأ خبره: مكانك تحمدي، على حق قولي: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] .
وجشأت، بالجيم والشين المعجمة والهمزة: ارتفعت، وجاشت، بالجيم والشين المعجمة، غثت، من الغثيان.
"وقولهم"، أي العرب: "اتقى الله امرؤ فعل خيرًا يثب عليه" يجزم "يثب" لأن "اتقى" و"فعل" وإن كان فعلين ماضيين ظاهرهما الخبر، إلا أن المراد بهما الطلب، "أي: ليتق الله وليفعل". فلذلك جزم في جوابهما.
"وألحق الفراء الترجي بالتمني"١ في نصب الفعل المقرون بالفاء بعده بأن مضمرة وجوبًا "بدليل قراءة حفص" عن عاصم ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٧] بالنصب"٢ في جواب ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦]، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩٦٢-
والفعل بعد الفاء في الرجا نصب كنصب ما إلى التمني ينتسب
ومذهب البصريين أن الترجي ليس له جواب منصوب. وتأولوا قراءة النصب بأن "لعل" أشربت معنى "ليت"، لكثرة استعمالها في توقع المرجو، وتوقع المرجو ملازم للتمني.
وفي الارتشاف٣: وسماع الجزم بعد الترجي يدل على صحة مذهب الفراء، ومن وافقه من الكوفيين.
_________________
(١) البيت لعمرو بن الإطنابة في الاقتضاب ص٩٢، وكتاب الاختيارين ص١٦٠، وأمالي القالي ١/ ٢٥٨، والأشباه والنظائر للخالديين ١/ ١٨، وإنباه الرواة ٣/ ٢٨١، وأساس البلاغة "جشأ"، وتاج العروس ١/ ١٧٦، "جشأ" وحماسة البحتري ص٩، والحماسة البصرية ١/ ٣، وحماسة القرشي ص١٤٨، والحماسة المغربية ص٦٠٦، والحيوان ٦/ ٤٢٥، وجمهرة اللغة ص١٠٩٥، وخزانة الأدب ٢/ ٤٢٨، والدرر ٢/ ٢٠، ٢١، وديوان المعاني ١/ ١١٤، وسمط اللآلي ص٥٧٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٤٦، ومجالس ثعلب ص٨٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٤١٥، والكامل ص١٤٣٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٨٩، والخصائص ٣/ ٣٥، وشرح الأشموني ٣/ ٥٦٩٨، وشرح شذور الذهب ص٣٤٥، وشرح قطر الندى ص١١٧، وشرح المفصل ٤/ ٧٤، ولسان العرب ١/ ٤٨ "جشأ"، ومغني اللبيب ١/ ٢٠٣، والمقرب ١/ ٢٧٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٣. ١ انظر شرح ابن الناظم ص٤٨٧، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٥٤. ٢ قراءة حفص عن عاصم هي كما في الرسم المصحفي. وقرئ قوله تعالى: "أطلعُ" بالرفع، ونسبت القراءة إلى نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم وشعبة وأبو جعفر وخلف ويعقوب. انظر الإتحاف ٣٧٩، ومعاني القرآن للفراء ٣/ ٩، والنشر ٢/ ٣٥٦. والقراءة المستشهد بها من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٩١، وشرح ابن الناظم ص٤٨٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥٨. ٣ الارتشاف ٢/ ٤١٩.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
فصل:
"وينصب" المضارع "بأن مضمرة جوازًا بعد" أحرف "خمسة أيضًا"، مصدر آض، إذا عاد:
"أحدها: اللام" الجارة١، "إذا لم يسبقها كون ناقص، ماض" منفي، "ولم يقترن الفعل بلا"، وهو المشار إليه بقول الناظم:
٦٨٢-
وإن عدم
٦٨٣-
لا فأن اعمل مظهرًا أو مضمرا
"نحو: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ " [الزمر: ١٢] فأضمرت في: "لنسلم"، وأظهرت في: "أكون"، وما ذكره إلى أن الناصب هو اللام، وجوزوا إظهار "أن" بعدها توكيدا٢.
وقال ثعلب الناصب اللام، كما قالوا، ولكن لنيابتها عن "أن" المحذوفة، وقال ابن كيسان والسيرافي٣: يجوز أن يكون الناصب "أن" المقدرة بعدها، وأن يكون "كي" ولا تتعين "أن" لذلك، ودليلهم صحة إظهار "كي" بعدها، فتحصل لنا قولان إذا قلنا اللام ناصبة، وقولان إذا قلنا: إنها غير ناصبة.
ودخل تحت قوله اللام، لام العاقبة، نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولام التوكيد، وهي الزائدة، نحو: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . "فإن سبقت" اللام "بالكون المذكور، وجب إضمار "إن" كما مر" حكمه وتعليله. "وإن قُرن الفعل وبلا نسبة في نافية، أو" زائدة.
_________________
(١) ١ في "ب": "التعليلية". ٢ الإنصاف ٢/ ٧٥٧، المسألة رقم ٧٩. ٣ شرح كتاب سيبويه ١/ ٨٣.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
"مؤكدة، وجب إظهارها" لئلا يتوالى مثلان، وهما: "لام" كي، و"لام" لا، من غير إدغام، وهو ركيك في الكلام. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٨٢-
وبين لا ولام جر التزم إظهار أن
"نحو": ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]، بإدغام النون في "لا" النافية، لتقارب مخرجيهما. ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] بإدغام النون في "لا" المؤكدة.
والحاصل، أن لـ"أن" بعد اللام ثلاث حالات: وجوب الإضمار بعد لام الجحود، ووجوب الإظهار وذلك إذا اقترن الفعل بـ"لا" وجواز الأمرين، وذلك بعد "لام" كي، و"لام" العاقبة، و"لام" التوكيد.
"و" الأحرف "الأربعة الباقية" من الأحرف الخمسة التي تضمر أن بعدها جوازًا: "أو، و: الواو، و: الفاء، و: ثم، إذا كان العطف" بها "على اسم" صريح "ليس في تأويل الفعل"، وهو١ نوعان: مصدره وغيره. فغير المصدر، كقول الحصين ابن الحمام٢ المري: [من الطويل]
٨٣٢-
ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع أو أسوءك علقما
فـ"أسوءك": معطوف على "رجال"، وهو ليس في تأويل الفعل، و"رزام":
حي من نمير. والمصدر "نحو": ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] في قراءة غير نافع؛ بالنصب"٣، بإضمار "أن" بعد "أو". والتقدير: أو أن يرسل، وأن يرسل في تأويل مصدر منصوب. "عطفًا على وحيا٤". والتقدير: إلا وحيًا أو إرسالا، ووحيًا مصدر ليس في تأويل الفعل.
"وقوله"، وهو الشخص المسمى ميسون الكلابية، زوج معاوية بن أبي سفيان
_________________
(١) ١ في "أ": "وهما". ٢ في "أ"، "ب"، "ط": "حصين بن حمام" بإسقاط "ال" التعريف منهما.
(٢) البيت للحصين بن حمام في خزانة الأدب ٣/ ٣٤٢، والدرر ٢/ ١٦، وشرح اختيارات المفضل ص٣٣٤، والكتاب ٣/ ٥٠، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب ١/ ٢٧٢، وشرح الأشموني ٣/ ٥٥٩، والمحتسب ١/ ٣٢٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٠. ٣ قرأها بالرفع "يرسل" نافع وابن عامر والزهري وشيبة وابن ذكوان وهشام وأبو جعفر. انظر الإتحاف ٣٨٤، والبحر المحيط ٧/ ٥٢٧، والنشر ٢/ ٣٦٨، والقراءة من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٩٢، وشرح ابن الناظم ص٤٨٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٦١. ٤ انظر شرح ابن الناظم ص٤٨٧.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
﵁، وأم ابنه يزيد: [من الوافر]
٨٣٣-
ولبس عباءة وتقر عيني أحب إلى من لبس الشفوف
فـ"تقر" منصوب بـ"أن" مضمرة جوازًا، وهي والفعل في تأويل مصدر مرفوع بالعطف على "لبس"، [والتقدير: ولبس عباءة وقرة عيني. و"لبس"] ١: بالواو العاطفة على قولها قبله٢:
لبيت تخفق الأرواح فيه أحب إلي من قصر منيف
وفي بعض النسخ: للبس، باللام، وهو تحريف نبه عليه الموضح في شرح بانت سعاد٣. "وقوله": [من البسيط]
٨٣٤-
لولا توقع معتر فأرضيه ما كنت أوثر إترابا على ترب
فـ"أرضيه": منصوب بـ"أن" مضمرة جوازًا بعد الفاء، و"أن، وأرضى"، في تأويل مصدر معطوف على توقع، والتقدير: لولا توقع معتر فإرضائي إياه، وتوقع ليس
_________________
(١) البيت لميسون بنت بحدل في الارتشاف ٢/ ٤٢٢، والاقتضاب ص١٦٣، وبلاغات النساء ص١٦١، وتاريخ مدينة دمشق قسم تراجم النساء ص٤٠٠، والحماسة البصرية ٢/ ٧٢، وخزانة الأدب ٨/ ٥٠٣، ٥٠٤، والدرر ٢/ ٢٥، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٧٣، وشرح شذور الذهب ص٣١٤، وشرح شواهد الإيضاح ص٢٥٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥٣، وعمدة الحفاظ "روح"، ولسان العرب ١٣/ ٤٠٨ "مسن" والمحتسب ١/ ٣٢٦، ومعجم الأديبات الشواعر ص٤٤٨، ومغني اللبيب ١/ ٢٦٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٦٧٧، وأوضح المسالك ٤/ ١٩٢، والجنى الداني ص١٥٧، وخزانة الأدب ٨/ ٥٢٣، والرد على النحاة ص١٢٨، ورصف المباني ص٤٢٣، وشرح ابن الناظم ص٤٨٨، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥٨، وشرح عمدة الحافظ ص٣٤٤، وشرح قطر الندى ص٦٥، وشرح المفصل ٧/ ٢٥، والصاحبي في فقه اللغة ص١١٢، ١١٨، والكتاب ٣/ ٤٥، والمقتضب ٢/ ٢٧. ١ سقطت ما بين المعكوفين من "ط". ٢ البيت في الارتشاف ٢/ ٤٢٢، وبلاغات النساء ص١٦١، والحماسة البصرية ٢/ ٧٢، وتاريخ مدينة دمشق قسم تراجم النساء ص٤٠٠، ومعجم الأديبات الشواعر ص٤٠٠ وخزانة الأدب ٥/ ٥٠٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٧، ولسان العرب ٣/ ٤٠٨ "مسن". ٣ شرح قصيدة كعب بن زهير ص١٠٦.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٩٤، والدرر ٢/ ٢٦، وشرح ابن الناظم ص٤٨٨، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧١، وشرح شذور الذهب ص٣١٥، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٦٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٨، وهمع الهوامع ٢/ ١٧.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
في تأويل الفعل. و"المعتر"، بالعين المهملة والتاء المثناء فوق: المعترض للمعروف.
و"الأتراب" جمع ترب، بكسر التاء المثناة فوق وسكون الراء، وترب الرجل: من يولد في الوقت الذي ولد١ فيه، فيساوي في السن٢.
والمعنى: لولا توقع من يصرف عن فعل المعروف، وإرضاؤه، ما آثر الشاعر المساوي لغيره في السن، على المساوي له في سنه. "وقوله"، وهو أنس بن مدركة الخثعمي: [من البسيط]
٨٣٥-
إني وقتلي سليكا ثم أعقله كالثور يضرب لما عافت البقر
فـ"أعقله": مضارع منصوب بـ"أن" مضمرة جوازًا بعد "ثم"، و"أن أعقله": في تأويل مصدر معطوف على قتلي، والتقدير: وقتلي سليكا ثم عقلي إياه. وقتلي ليس في تأويل الفعل. وسليكا، بالتصغير، اسم رجل، مفعول قتلى، وكالثور: خبر أن، والمراد بالثور ذكر البقر لأن البقر تتبعه، فإذا عاف الماء، عافته، فيضرب ليرد الماء لترد معه.
وقيل: المراد بالثور، ثور الطحلب، وهو الذي يعلو على الماء، فيصد البقر عنه، فيضربه صاحب البقر ليفحص عن الماء فيشربه، والمناسب للتشبيه، الأول، الغرض من وقوع الفعل به تخويف غيره.
واحترز الموضح بقوله: ليس في تأويل الفعل، عن الاسم الواقع صلة للألف واللام، فإنه في تأويل الفعل. "وتقول: الطائر فيغضب زيد الذباب٣، بالرفع" في يغضب "وجوبًا لأن الاسم" وهو طائر "في تأويل الفعل"، و"أل" الداخلة عليه اسم موصول مرفوع بالابتداء، نقل إعرابها إلى ما بعدها لكونها على صورة الحرف. ويغضب زيد: جملة معطوفة على صلة "أل"، ولعطفها بالفاء، لم تحتج لرابط، والذباب: خبر المبتدأ. وصح عطف الفعل في الاسم. لأن الاسم هنا في تأويل الفعل لكونه صلة
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "يولد". ٢ في "ب"، "ط": "سنه".
(٢) البيت لأنس بن مالك في الأغاني ٢٠/ ٣٥٧، والحيوان ١/ ١٨، والدرر ٢/ ٢٧، واللسان ٤/ ١٠٩، "ثور"، ٨/ ٣٨٠ "وجع" ٩/ ٢٦٠ "عيف" والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٩، بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٩٥، وخزانة الأدب ٤/ ٤٦٢، وشرح ابن الناظم ص٤٨٩، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧١، والمقرب ١/ ٢٧٣، وشرح شذور الذهب ص٣١٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٥٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٧. ٣ شرح ابن الناظم ص٤٨٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٦١.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الموصول، "أي: الذي يطير"، فيغضب زيد الذباب. فتحصل من كلامه أولًا وآخرًا.
أن لـ"الفاء"، و"الواو"، و"أو"١، حالتين.
حالة يجب فيها إضمار "أن" بعدهن. وحالة يجوز. فيجب إذا كانت الفاء للسببية، والواو للمعية، بعد النفي أو طلب محضين، و"أو" بمعنى: "إلى" أو: "إلا".
ويجوز إذا عطفن على اسم خالص من التأويل بالفعل و"أن" ثم تشاركهن في الجواز دون الوجوب. وأطلق في النظم العاطف فقال:
٦٩٣-
وإن على اسم خالص فعل عطف تنصبه أن ثابتا او منحذف
"لوا ينتصب" الفعل المضارع "بأن مضمرة في غير هذه المواضع العشرة".
وهي الخمسة المذكورة في وجوب إضمار "أن" والخمسة المذكورة في جوازه. "إلا شاذًا" وهي في ذلك "كله"٢ على قسمين: تارة٣ يكون في الكلام مثلها، فيحسن حذفها. وتارة لا يكون٣.
قالأول: "كقول بعضهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"٤ بنصب "١٦٩/ ب" "تسمع" بإضمار "أن"، والذي حسن حذفها من "تسمع"، ذكرها في "أن تراه" قاله الموضح في شرح الشذور. وقوله طرفة: "من الطويل"
٨٣٦-
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
بنصب: أحضر، بأن مضمرة، ويؤيده: وأن أشهد.
_________________
(١) ١ سقط من "ب"، "ط": "وأو". ٢ إضافة من "ب". ٣ سقطت من "ب". ٤ من الأمثال في مجمع الأمثال ١/ ١٢٩، ٢/ ٤٢٠، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٩٧، ٩٨، والمستقصى ١/ ٣٧٠، وفصل المقال ص١٣٥، ١٣٦، وهو من شواهد أوضح المسالك ٤/ ١٩٧، وشرح بن الناظم ص٤٨٩، والكتاب ٤/ ٤٤.
(٢) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص٣٢، والإنصاف ٢/ ٥٦٠، وخزانة الأدب ١/ ١١٩، ٨/ ٥٧٩، والدرر ١/ ٧، ٢/ ٢٨، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٨٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٠٠، والكتاب ٣/ ٩٩، ١٠٠، ولسان العرب ١٣/ ٣٢ "أنن"، ١٤/ ٢٧٢ "دنا"، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٢، والمقتضب ٢/ ٨٥، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ٤٦٣، ٨/ ٨٠٧، ٥٨٠، ٥٨٥، والدرر ١/ ٣٨٦، ورصف المباني ص١١٣، وشرح شذور الذهب ص١٥٣، وشرح بن عقيل ٢/ ٣٦٢، وشرح المفصل ٢/ ٧، ٤/ ٢٨، ٧/ ٥٢، ومجالس ثعلب ص٣٨٣، ومغني اللبيب ٢/ ٣٨٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٧.
[ ٢ / ٣٩١ ]
والثاني، كقول عامر الهذلي: [من الطويل]
٨٣٧-
ونهنهت نفسي بعدما كدت أفعله
بالنصب.
"وقول آخر: خذ اللص قبل يأخذك"١ بالنصب. "وقراءة بعضهم: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمَغَه" [الأنبياء: ١٨] بنصب يدمغه٢. وقراءة الحسن "تأمروني أعبدَ" [الزمر: ٦٤] . فحذفت "أن" فيهن وليس معها ما يحسن حذفها، والجميع شاذ، وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٩٤-
وشذ حذف أن ونصب في سوى ما مر فاقبل منه ما عدل روى
وفيه إرشاد إلى أنه لا يقاس عليه. وذهب الكوفيون ومن وافقهم من البصريين، إلى أنه يقاس عليه. وأجاز الأخفش حذف "أن" قياسًا، ولكن بشرط رفع الفعل، مثل: ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، و"تسمعُ بالمعيدي". في رواية الرفع فيهما. وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا يجوز حذفها إلا في الأماكن العشرة المذكورة، رفعت أو نصبت.
_________________
(١) صدر البيت: فلم أر مثلها خباسة واحد وهو لامرئ القيس في ملحق ديوانه ص٤٧١، وله أو لعامر بن جؤين في الأغاني ٩/ ٣٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٣٧، والكتاب ١/ ٣٠٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠١، ولعامر بن جؤين أو لبعض الطائيين في شرح شواهد المغني ٢/ ٩٣١، ولعامر بن الطفيل في الإنصاف ٢/ ٥٦١، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص١٤٨، والدرر ١/ ٨٥، ٢/ ٢٨، وشرح ابن الناظم ص٤٩٠، وشرح الأشموني ١/ ١٢٩، ومغني اللبيب ٢/ ٦٤٠، والمقرب ١/ ٢٧٠، وهمع الهوامع ١/ ٥٨. ١ شرح ابن الناظم ص٤٩٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٦٢. ٢ الرسم المصحفي: ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾؛ بالرفع، وقرأها بالنصب: عيسى بن عمر. انظر البحر المحيط ٦/ ٣٠٢، والكشاف ٢/ ٥٦٦، ومغني اللبيب ١/ ١٥٠، ١٥١. ٣ الرسم المصحفي: ﴿أَعْبُدُ﴾؛ بالرفع، وقرئت بالنصب في البحر المحيط ٧/ ٤٣٩، والكشاف ٣/ ٤٠٧.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
فصل:
"وجازم الفعل نوعان: جازم فعل١ واحد، وهو" أحرف "أربعة":
أحدها: "لا الطلبية، نهيًا كانت، نحو: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] أو دعاء نحو: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أو التماسًا، نحو: لا تفعل. فالنهي عن الأعلى، والدعاء من الأدنى، والالتماس من المساوي.
"وجزمها فعلي المتكلم"٢، المبدوء بالهمزة والمبدوء بالنون، حال كونهما "مبنيين للفاعل، نادر، كقوله"، وهو النابغة الذبياني: [من البسيط]
٨٣٨-
لا أعرفن ربربا حورا مدامعها مردفات على أعقاب أكوار
فـ"لا" ناهية، و"أعرف" مجزوم بها ومؤكد بالنون الخفيفة، مسند إلى ضمير المتكلم. وهذا النوع مما أقيم فيها المسبب مقام السبب أي: لا يكن٣ ربرب فأعرفه، والربرب: براءين مهملتين وباءين موحدتين: القطيع من البقر الوحشية، والحور، بضم الحاء المهملة، جمع حوراء، من الحور، بفتحتين: وهو شدة بياض العين في شدة سوادها.
ومدامعها مرفوع بحوراء، وأراد بها العيون لأنها مواضع الدمع في إطلاق الحال
_________________
(١) ١ في "ط": "لفعل". ٢ في "ب": "التكلم".
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٧٥-٧٦، وهو ملفق من بيتين هما: لا أعرفن ربربًا حورًا مدامعها كأن أبكارها نعاج دوار خلف العضاريط لا يوقين فاحشة مردفات على أعقاب أكوار وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥٢، والكتاب ٣/ ٥١١، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٤١، وتاج العروس ١١/ ٣٣٥، "دور"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٩٨، وجواهر الأدب ص٢٥١، ومغني اللبيب ١/ ٢٤٦، وشرح ابن الناظم ص٤٩٣، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٣. ٣ في "ب": "يكون".
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وإرادة المحل. ومردفات: حال من ربربا، لوصفه بما بعده، والأعقاب: جمع عقب، وعقب كل شيء: آخره، والأكوار: جمع كور، بضم الكاف: وهو الرجل بأداته. "وقوله"، وهو الوليد بن عقبة، لا الفرزدق: [من الطويل]
٨٣٩-
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد لها أبدًا ما دام فيها الجراضم
فـ"لا" ناهية، أو دعائية، كما في المغني١، و"نعد": مجزوم بها، وهو مسند إلى المتكلم المعظم نفسه، وهو على النهي نادر؛ لأن المتكلم لا ينهى نفسه إلا على المجاز، تنزيلا له منزلة الأجنبي. و"دمشق"، بكسر الدال المهملة وفتح الميم، وقد تكسر، كما في القاموس، وبالشين المعجمة: قصبة الشام، والجراضم، بضم الجيم وبالضاد المهملة: الأكول الواسع البطن، وعنى به معاوية ﵁.
"ويكثر" جزمها فعلي المتكلم، مبنيين للمفعول. "نحو: لا أخرج، و: لا نخرج، لأن المنهي غير المتكلم"، وهو الفاعل المحذوف النائب عنه ضمير المتكلم، والأصل: لا يخرجني أحد، ولا يخرجنا أحد. فحذف الفاعل، وأنيب عنه ضمير المتكلم، [وعدل عن الفعل المبدوء بياء الغيبية، إلى المبدوء بالهمزة والنون، ليتمكن من الإسناد إلى ضمير المتكلم] ٢، على حد الالتفات من الغيبية إلى التكلم٣.
وما ذكره من التفصيل بين المبني للفاعل والمبني٤ للمفعول، طريقة لبعضهم، وعبارة الشارح٥: وتصحب فعل المخاطب والغائب كثيرًا، وقد تصحب فعل المتكلم، فسوى بين المخاطب والغائب في الكثرة، ولم يفصل في المتكلم بين المبني للفاعل والمبني للمفعول، وهو موافق لظاهر الكافية٦ والتسهيل٧.
_________________
(١) البيت للفرزدق في الأزهية ص١٥٠، ومغني اللبيب ١/ ٢٤٧، وليس في ديوانه، وللفرزدق أو للوليد في شرح شواهد المغني ٢/ ٦٣٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٢٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٠٠، وشرح ابن الناظم ص٤٩٣، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٤. ١ مغني اللبيب ١/ ٢٤٧. ٢ سقط ما بين المعكوفين من "ط". ٣ في "ب": "المتكلم". ٤ سقط من "ب". ٥ شرح ابن الناظم ص٤٩٣. ٦ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٦٥. ٧ التسهيل ص٢٣٥.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وليس أصل "لا" الطلبية، لام الأمر زيدت عليها الألف، فانفتحت، خلافًا لبعضهم، وليست "لا" النافية. والجزم بعدها بلام الأمر مضمرة قبلها، وحذفت كراهة اجتماع لامين، خلافًا للكسائي.
"و" الثاني: "اللام الطلبية أمر كانت، نحو: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ [الطلاق: ٧]، أو دعاء، نحو: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] أو التماسًا، نحو: ليقم.
فالأمر من الأعلى، والدعاء من الأدنى، والالتماس من المساوي. "وجزمها فعلي المتكلم". والمبدوء بالهمزة والمبدوء بالنون، حال كونهما "مبنيين للفاعل قليل"، لأن المتكلم لا يأمر نفسه. نحو قوله -ﷺ: "قوموا فلأصل لكم" ١ أي لأجلكم. والفاء زائدة. "و" قوله تعالى: " ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ " [العنكبوت: ١٢] فأصل ونحمل: مجزومان بلام الأمر. فعلامة جزم الأول: حذف الياء، وعلامة جزم الثاني: السكون. "وأقل منه جزمها فعل الفاعل المخاطب، نحو قوله تعالى: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا" [يونس: ٨٥] بالتاء المثناة فوق٢، في قراءة لعثمان وأبي وأنس وزيد. "ونحو" قوله -ﷺ: "لتأخذوا مصافكم" ٣.
وقول الشاعر: [من الخفيف]
٨٤٠-
لتقم أنت يا ابن خير قريش كي لتقضي حوائج المسلمينا
وزعم الزجاجي أنها لغة جيدة. والجمهور جعلوا جزمها لفعل المخاطب، أقل من جزمها لفعل المتكلم. "و" قالوا: "الأكثر الاستغناء عن هذا"، وهو جزم فعل المخاطب "بفعل الأمر"، نحو افرحوا، وخذوا، وقم. وأصل لام الطلب السكون، لأن الأصل عدم الحركة، لكن منع منه أنها قد تكون في الابتداء، والابتداء بالساكن متعذر فكسرت، وقد تفتح عند سليم، فإذا دخل عليها الواو أو الفاء أو ثم، رجعت إلى سكونها الأصلي غالبًا.
"و" الثالث والرابع: "لم ولما" أختها "ويشتركان في أمور في: الحرفية" والاختصاص بالمضارع "والنفي، والقلب للمضي" وجواز دخول همزة الاستفهام
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الصلاة في الثياب برقم ٣٧٣، ومسلم في المساجد رقم ٦٥٨. ٢ الرسم المصحفي ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾، وقرأها "فلتفرحوا" ابن عامر وأبي وأنس وابن سيرين وقتادة وابن عباس وغيرهم. وانظر الإتحاف ٢٥٢، والمحتسب ١/ ٣١٣، والنشر ٢/ ٢٨٥، والقراءة من شواهد أوضح المسالك ٤/ ٢٠٤، وشرح ابن الناظم ص٤٩١، ومغني اللبيب ١/ ١٨٦. ٣ أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٤٣، وهو من شواهد شرح ابن الناظم ص٤٩٢.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٢١.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
عليهما، فكل منهما حرف يختص بالمضارع وينفي معناه١، ويقلب زمانه إلى المضي، وفاقًا للمبرد، لأنه يقلب اللفظ الماضي إلى المضارع٢، خلافًا لأبي موسى، ونسب إلى سيبويه٣.
"وتنفرد لم" عن لما، "بمصاحبة أداءة الشرط، نحو: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ " [المائدة: ٦٧] ولا يجوز: إن لما تفعل؛ لأن الشرط يليه مثبت لم. تقول: إن قام زيد قام عمرو، ولا يليه مثبت لما، لا تقول: إن قد قام زيد. فعودل بين النفي والإثبات. وإنما لم تقع بعد الشرط، لأنها تقتضي تحقيق وقوعه وتقريبه من الحال. والشرط يقتضي احتمال وقوعه وعدمه، وقلبه إلى الاستقبال.
"و" تنفرد لم أيضًا "بجواز انقطاع نفي منفيها"، نحو: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] لأن المعنى أنه قد كان بعد ذلك شيئًا مذكورًا، قاله الموضح في شرح القطر٤، تبعًا لابن مالك٥.
وقال في الحواشي: لا دليل في هذا، لأن قبله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ فالنفي إنما هو باعتبار ما ذكر من ذلك الحين لا مطلقًا، انتهى.
بخلاف لما، فإن نفي منفيها مستمر إلى زمن الحال. "ومن ثم" أي ومن أجل أن نفي منفي لم يجوز انقطاعه. جاز أن يقال في لم: "لم يكن" الإنسان شيئًا مذكورًا، "ثم كان" شيئًا مذكورًا.
"وامتنع في لما" أن يقال: "لما يكن ثم كان" لما فيه من التناقض، لأن امتداد النفي واستمراره إلى زمن التكلم يمنع من الإخبار بأن ذلك النفي المستمر نفيه وجد في الماضي. نعم الإخبار بأنه سيكون يستقبل صحيح ولا ينافي استمرار النفي في الحال. قاله الدماميني.
"وتنفرد لما" عن لم، "بجواز حذف مجزومها، كـ: قاربت المدينة ولما"، بحذف المجزوم، "أي: ولما أدخلها". وذلك لأنها نفي لـ"قد فعل"، والفعل قد يحذف
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ الكامل ١/ ٣٦١. ٣ الكتاب ٣/ ١١٧. ٤ شرح قطر الندى ص٨٣، ٨٤. ٥ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٧٣.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
بعد "قد"، كقوله: [من الكامل]
٨٤١-
وكأن قد
"فأما قوله"، وهو إبراهيم بن علي بن محمد الهرمي: [من الكامل]
٨٤٢-
احفظ وديعتك التى استودعتها يوم الأعازب إن وصلت وإن لم
أي: وإن لم تصل. "فضرورة". والأعازب، يروى بالعين المهملة والزاي المعجمة، وبالغين المعجمة والراء المهملة: التباعد.
"و" تنفرد لما أيضًا "بتوقع ثبوته"، أي ثبوت منفيها. "نحو: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] أي: إلى الآن ما ذاقوه وسوف يذوقونه. ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ " [الحجرات: ١٤] أي: إلى الآن ما دخل في قلوبكم وسوف يدخل. ولم لا تقتضي ذلك.
والعلة فيه أن لما لنفي قد فعل، وهو مفيد للتوقع، بخلاف لم فإنها لنفي فعل، ولا دلالة فيه على التوقع، والتوقع في فلما غالب، لا لازم، كما أن التوقع بـ"قد"، كذلك، ومن غير الغالب: ندم إبليس ولما ينفعه الندم١.
"ومن ثم"، أي ومن أجل أن "لما" يغلب عليها التوقع؛ "امتنع" أن يقال: "لما يجتمع الضدان" لاستحالة اجتماعهما. وتوقع المستحيل محال.
_________________
(١) تمام البيت: أزف الترحل غير أن ركبنا لما تزل برحالنا وكأن قد وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص٨٩، والأزهية ص٢١١، والأغاني ١١/ ٨، والجنى الداني ص١٤٦، ٢٦٠، وخزانة الأدب ٧/ ١٩٧، ١٩٨، ١٠/ ٤٠٧، والدرر اللوامع ٢/ ٢٥٤، وشرح شواهد المغني ص٤٩٠، ٧٦٤، وشرح المفصل ٨/ ١٤٨، ٩/ ١٨، ٥٢، ولسان العرب ٣/ ٣٤٦ "قدد"، ومغني اللبيب ص١٧١، والمقاصد النحوية ١/ ٨٠، ٢/ ٣١٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٥٦، ٣٥٦، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٥٥، وخزانة الأدب ٩/ ٨، ١١/ ٢٦٠، ورصف المباني ص٧٢، ١٢٥، ٤٤٨، وسر صناعة الإعراب ص٣٣٤، ٤٩٠، ٧٧٧، وشرح الأشموني ١/ ١٢، وشرح ابن عقيل ١/ ١٩، وشرح قطر الندى ص١٦٠، وشرح المفصل ١٠/ ١١٠، ومغني اللبيب ص٣٤٢، والمقتضب ١/ ٤٢، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣، ٢/ ٨٠.
(٢) البيت لإبراهيم بن هرمة في ديوانه ص١٩١، وخزانة الأدب ٩/ ٨، ١٠، والدرر ٢/ ١٧٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٢٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٤٣، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ١١٤، وأوضح المسالك ٤/ ٢٠٢، وجواهر الأدب ص٢٥٦، ٤٢٤، والجنى الداني ص٢٦٩، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٦، ومغني اللبيب ١/ ٢٨٠، وهمع الهوامع ٢/ ٥٦. ١ انظر شرح الكافية الشافية ٣/ ١٥٧٤.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وقد تتقارض "أن" المصدرية، و"لم" فتجزم بـ"أن"، وتنصب بـ"لم"، وقد تهمل "لم" حملا على "لا" النافية، فيرتفع بعدها الفعل، كقوله: [من البسيط]
٨٤٣-
لم يوفون بالجار
ومن ثم قال الفراء: أصل لم: "لا" فأبدلت الألف ميمًا، كما قال في "لن"، أصلها "لا" فأبدلت الألف نونًا، والصحيح في لما، قول الجمهور: إنها مركبة من "لم" و"ما" وقيل بسيطة.
"و" النوع الثاني: "جازم فعلين، وهو" إحدى عشرة كلمة، وهي بالنظر إلى الخلاف في حقيقتها وعدمه، "أربعة أنواع":
"حرف باتفاق، وهو إن"، بكسر الهمزة وسكون النون، وهي أم الباب.
"وحرف على الأصح، وهو إذما"، فقال سيبويه١: إنها حرف بمنزلة "إن" الشرطية فإذا قلت: إذما تقم أقم، فمعناه: إن تقسم أقم. وقال المبرد، وابن السراج، والفارسي: إنها ظرف زمان وإن المعنى في المثال: متى تقم أقم. واحتجوا بأنها قبل دخول "ما" كانت اسمًا٢. والأصل عدم التغيير. وأجيب بأن التغيير قد تحقق بدليل أنها كانت للماضي فصارت للمستقبل، فدل عى أنها نزع منها ذلك المعنى البتة، واعترض بأنه لا يلزم من تغيير زمانها، تغيير ذاتها كالمضارع. فإنه موضوع لأحد الزمانين، الحال أو الاستقبال، وإذا دخل عليه "لم"، انقلب زمانه إلى المضي مع بقاء ذاته على أصلها.
"واسم باتفاق، وهو: من" بفتح الميم، "و: ما، و: متى، و: أي، و: أين، و: أيان، و: أنى، و: حيثما".
"واسم على الأصح، وهو مهما"، فقال الجمهور، إنها اسم بدليل عود الضمير عليها في قوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢] . وزعم السهيلي، وابن يسعون، بمهملتين، أنها حرف.
_________________
(١) تمام البيت: لولا فوارس من ذهل وأسرتهم يوم الصلفياء لم يوفون بالجار وهو بلا نسبة في الجني الداني ص٢٦٦، وخزانة الأدب ١/ ٢٠٥، ٩/ ٣، ١١/ ٤٣١، والدرر ٢/ ١٧٨، وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٤٨، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٧٤،/ وشرح عمدة الحافظ ص٣٧٦، وشرح المفصل ٧/ ٨، ولسان العرب ٩/ ١٨٩، "صلف"، والمحتسب ٢/ ٤٢، ومغني اللبيب ١/ ٢٧٧، ٣٣٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٤٦، وهمع الهوامع ٢/ ٥٦. ١ الكتاب ٣/ ٥٦، ٧٥. ٢ انظر الارتشاف ٢/ ٥٤٧، وشرح الشافية ٣/ ١٦٢٢.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وهذه الأنواع الأربعة، ستة أقسام:
أحدها: ما وضع لمجرد تعليق الجواب على الشرط، وهو "إن، وإذما" نحو: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال: ١٩]، و"إذما تقم أقم".
والثاني: ما وضع للدلالة على من يعقل، ثم ضمن معنى الشرط، وهو من، نحو: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] .
والثالث: ما وضع للدلالة على ما لا يعقل، ثم ضمن معنى الشرط، وهو "ما، ومهما" نحو: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢] الآية.
والرابع: ما وضع للدلالة على الزمان ثم ضمن معنى الشرط، وهو "متى"، و"أيان" نحو: [من الوافر]
٨٤٤-
متى أضع العمامة تعرفوني
ونحو: إيان نؤمنك، تأمن غيرنا.
والخامس: ما وضع للدلالة على المكان ثم ضمن معنى الشرط، وهو: أين وأنى وحيثما نحو: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٨٧]، ونحو: [من الطويل]
٨٤٥-
أنى تأتها تشتجر بها
ونحو: [من الخفيف]
٨٤٦-
حيثما تستقم يقدر لك اللـ ـه نجاحا
والسادس: ما هو متردد بين أنواع الاسم الأربعة، وهو "أي"، فإنها بحسب ما تضاف إليه. فهي في "أيهم يقم أقم معه" من باب من، وفي "أي الدواب تركب أركب" من باب ما، وفي "أي يوم تصم أصم" من باب متى، وفي "أي مكان تجلس أجلس" من باب أين.
_________________
(١) صدر البيت: "أنا ابن جلا وطلاع الثنايا"، وتقدم تخريج البيت برقم ٧٨٩.
(٢) تمام البيت: فأصبحت أنى تأتها تشتجر بها كلا مركبيها تحت رجليك شاجر وهو للبيد بن ربيعة في ديوانه ص٢٢٠، وخزانة الأدب ٧/ ٩١، ٩٣، ١٠/ ٤٥، ٤٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٣، وشرح المفصل ٤/ ١١٠، والكتاب ٣/ ٥٨، ولسان العرب ٥/ ٤٧، "فجر"، والمعاني الكبير ص٨٧١، وبلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص٣٦٤، وشرح قطر الندى ص٩٠، وشرح المفصل ٧/ ٤٥، والمقتضب ٢/ ٤٨.
(٣) عجز البيت: "نجاحًا في غابر الأزمان"، هو بلا نسبة في تذكرة النحاة ٧٣٦، وخزانة الأدب ٧/ ٢٠، وشرح ابن الناظم ٤٩٥، وشرح الأشموني ٣/ ٥١٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٩١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٦٨، وشرح قطر الندى ص٨٩، ومغني اللبيب ١/ ١٣٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٢٦.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
"و" هذه الكلمات "كل منهن يقتضي فعلين، يسمى أولهما شرطًا" لتعليق الحكم عليه، "و" يسمى "ثانيهما جوابًا" لأنه مرتب على الشرط كما يرتب الجواب على السؤال. "وجزاء" لأن مضمونه جزاء لمضمون الشرط. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٨٩-
فعلين يقتضين شرط قدما يتلو الجزاء وجوابًا وسما
وفهم من قوله: "وجازم لفعلين"، أن أداة الشرط جازمة لهما معًا. وهو مذهب الجمهور من البصريين١ واختاره ابن عصفور٢ والأبدي.
واعترض بأن الجازم كالجار، فلا يعمل في شيئين، وبأنه ليس لنا ما يتعدد عمله إلا ويختلف كرفع ونصب. ويجاب بالفرق بأن الجازم لما كان لتعليق حكم على آخر عمل فيهما، بخلاف الجار، وبأن تعدد العمل قد عهد من غير اختلاف، كمفعولي "ظن"، ومفاعيل أعلم.
وقيل: الشرط مجزوم بالأداة، والجواب مجزوم بالشرط، كما أن المبتدأ مرفوع بالابتداء والخبر مرفوع بالمبتدأ، ونسب إلى الأخفش، واختاره في التسهيل٣.
وقيل: الشرط والجواب تجازما، كما قال الكوفيون في المبتدأ والخبر أنهما ترافقا، وهذا نقله ابن جني عن الأخفش٤.
وقيل: الأداة والشرط كلاهما جزم الجواب، كما قيل الابتداء والمبتدأ كلاهما رفع الخبر، ونسب هذا القول لـ: سيبويه والخليل٥، ورد بأن العامل المركب لا يحذف أحد جزأيه ويبقى الآخر، وفعل الشرط قد يحذف، وبأن العامل المركب لا يفصل بين جزأيه، وقد جاء الفصل، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] وأجيب بأن فعل الشرط هو المحذوف، وهذا مفسر له.
وقيل: الجواب مجزوم بالجوار، قاله الكوفيون قياسًا للجزم على الجر٦، ورد بأنه قد يكون بينهما معمولات فاصلة فلا تجاور.
_________________
(١) ١ انظر الإنصاف ٢/ ٦٠٢، والمسألة رقم ٨٤. ٢ المقرب ١/ ٢٧٣. ٣ التسهيل ص٢٣٧. ٤ الخصائص ١/ ١٨. ٥ الكتاب ٣/ ٦٢. ٦ الارتشاف ٢/ ٥٥٧.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
"و" لا يشترط في الشرط والجزاء أن يكونا من نوع واحد، بل تارة "يكونان مضارعين نحو: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال: ١٩] . "و" تارة يكونان "ماضيين نحو: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] . "و" تارة يكونان مختلفين، "ماضيا فمضارعًا نحو: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] .
وفي الخاطريات لابن جني: قال أبو بكر: إنما حسن لأن الاعتماد في المعنى على خبر "كان"، وهو مضارع، فكأنه قال: ومن يرد نزد، وليس مثل قولك إن آتيتني آتك، قال الموضح: فتتبعت ما ورد به التنزيل من ذلك، فإذا فعل الشرط فيه كلمة "كان".
"و" تارة يكونان "عكسه"، مضارعًا فماضيًا، "وهو قليل" حتى خصه الجمهور بالشعر، ومذهب الفراء١، ومن تبعه، جوازه في الاختيار. "نحو" قوله -ﷺ: "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتساب غفر له". رواه البخاري٢.
"ومنه: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ" أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، فـ"ظلت": ماض وهو معطوف على الجواب، وهو ننزل، فيكون جوابًا "لأن تابع الجواب جواب.
ورد الناظم" في شرح التسهيل٣ "بهذين" الحديث والآية "ونحوهما، على الأكثرين، إذ خصوا هذا النوع بالضرورة". وقالوا: لأنا إذا أعلمنا الأداة في لفظ الشرط، ثم جئنا بالجواب ماضيًا، كنا قد هيأنا العامل للعمل. ثم قطعناه عنه، وهو غير جائز، وللأكثرين أن يجيبوا عن الحديث بأنه يجوز روايته بالمعنى، فليس نصًّا في الدليل. وعن الآية بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، ويتحصل من قول الناظم:
٦٩٩-
وماضيين أو مضارعين تلفيهما أو متخالفين
تسع صور لأن الشرط له ثلاثة أحوال: فإنه يكون ماضي اللفظ، أو مضارعًا عاريًا من "لم" أو مصحوبًا بها، والجزاء كذلك. وإذا ضربت ثلاثًا في ثلاث، بلغت تسعًا، منها ثمان تجوز في الاختيار اتفاقًا، وواحدة مختلف فيها، وهي أن يكون الشرط مضارعًا والجزاء ماضيًا عاريًا من "لم"، كما في الحديث والآية.
_________________
(١) ١ معاني القرآن ٢/ ٢٧٦. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان برقم ٣٥، وأعاده في الصوم برقم ١٨٠٢، ١٩٠١. ٣ شرح التسهيل ٤/ ٩١، ٩٢.
[ ٢ / ٤٠١ ]
"ورفع الجواب المسبوق بماض أو بمضارع منفي بـ"لم" قوي، كقوله" وهو زهير يمدح هرم بن سنان: [من البسيط]
٨٤٧-
وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرم
يرفع يقول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٠٠-
وبعد ماض رفعك الجزا حسن
والذي حسن ذلك أن الأداء لما لم تعمل في لفظ الشرط لكونه ماضيًا مع قربه، فلا تعمل في الجواب مع بعده، والمراد بالخليل هنا: الفقير المختل الحال، وليس المراد به الصديق. والمسألة، مصدر سأل، يقال: سأله سؤالا ومسألة. ويروى مسغبة، مكان مسألة، وعلى هذا أنشده الجوهري١. والمسغبة، المجاعة. والحرام، بفتح الحاء المهملة وكسر الراء، مصدر كالحرمان، ومعناه: المنع. وهو مبتدأ حذف خبره، أي: لا غائب مالي ولا عندي حرمان. على أحد الاحتمالات. "ونحو: إن لم تقم أقوم" برفع أقوم، لأن مجزوم "لم" لا عمل للأداة فيه فهو كالماضي. "ورفع الجواب في غير ذلك ضعيف". وإليه أشار الناظم بقوله:
٧٠٠-
ورفعه بعد مضارع وهن
"كقوله"، وهو أبو ذؤيب الهذلي: [من الطويل]
٨٤٨-
فقلت تحمل فوق طوقك إنها مطبعة من يأتها لا يضيرها
_________________
(١) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص١٥٣، والإنصاف ٢/ ٦٢٥، وخزانة الأدب ٩/ ٤٨، ٧٠، والدرر ٢/ ١٨٢، وشرح ابن الناظم ص٤٩٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٧٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٨٥، وشرح شذور الذهب ص٣٤٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٨، وشرح المفصل ٨/ ١٥٧، والكتاب ٣/ ٦٦، ومغني اللبيب ٢/ ٤٢٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٢٩، والمقتضب ٢/ ٧٠، والكامل ص١٧٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٠٧. ١ أنشده الجوهري في الصحاح كرواية أوضح المسالك، ولعل ما ذكره الأزهري ورد في نسخة أخرى من الصحاح.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في خزانة الأدب ٩/ ٥٢، ٧٥، ٧١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٩٣، وشرح أشعار الهذليين، ١/ ٣٠٨، والشعر والشعراء ٢/ ٥٦٩، والكتاب ٣/ ٧٠، ولسان العرب ٤/ ٤٩٥، "ضير"، ٨/ ٢٣٣ "طبع"، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٠٨، وشرح ابن الناظم ص٤٩٨، وشرح الأشموني ٣/ ٥٨٦، وشرح المفصل ٨/ ١٥٨، والمقتضب ٢/ ٧٢. يصف قرية كثيرة الطعام، من امتار منها وحمل فوق طاقته لم ينقصها شيئًَا، والطوق. الطاقة. والمطبعة: المملوءة طعامًا ويقصد القربة.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
برفع "يضيرها". "وعليه قراءة طلحة بن سليمان" في الشواذ: ""أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ"" [النساء" ٧٨] برفع "يدرككم"١. ووجه ضعفه أن الأداة قد عملت في فعل الشرط. فكان القياس عملها في الجواب. وتخريجه عن سيبويه على نية التقديم والتأخير. أو إضمار الفاء، والأول عنده أولى إن تقدم عل الشرط ما يطلب المرفوع المذكور. كقوله: [من الرجز]
٨٤٩-
إنك إن يصرع أخوك تصرع
والمبرد يقطع بتقدير٢ الفاء فيهما٣. لأن ما يحل محلا يمكن أن يكون له، لا ينوي به غيره. وهذان التخريجان ضعيفان، لأن التقديم والتأخير يحوج إلى جواب، ودعوى حذفه وجعل المذكور دليله خلاف الأصل وخلاف فرض المسألة، لأن الغرض أنه الجواب. وإضمار الفاء مع غير القول مختص بالضرورة.
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ بالجزم. وانظر قراءة طلحة بن سليمان في البحر المحيط ٣/ ٢٩٩، والمحتسب ص١٩٣، وهي من شواهد شرح ابن الناظم ص٤٩٨، ومغني اللبيب ٢/ ١٢٧، وأوضح المسالك ٤/ ٢٠٩، والدرر ٢/ ١٩٠.
(٢) قبل البيت الشاهد: "يا أقرع بن حابس يا أقرع" وهو لجرير بن عبد الله البجلي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٢١، والكتاب ٣/ ٦٧، ولسان العرب ١١/ ٤٦، "بجل" وله أو لعمرو بن خثارم العجلي في خزانة الأدب ٨/ ٢٠، ٢٣، ٢٨ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٩٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٠، ولعمرو بن خثارم البجلي في الدرر ١/ ١٢١، وديوان الأدب ١/ ٤٣٥، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص٢٠٢، والإنصاف ٢/ ٦٢٣، ورصف المباني ١٠٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٤٧، وشرح ابن الناظم ص٤٩٨، وشرح الأشموني ٣/ ٥٨٦، وشرح المفصل ٨/ ١٨٥، وعمدة الحفاظ "صرع"، والكامل ص١٧٥، ومغني اللبيب ٢/ ٥٥٣، والمقتضب ٢/ ٧٢، وهمع الهوامع ١/ ٧٢. ٢ في "ب": "بتقديم". ٣ انظر الكامل ص١٧٥، والمقتضب ٢/ ٧٢.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
فصل:
يشترط في الشرط ستة أمور:
أحدها: أن يكون فعلا غير ماضي١ المعنى فلا يجوز: إن قام زيد أمس قمت. وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، فالمعنى: إن ثبت أني كنت قلته.
والثاني: أن لا يكون طلبًا، فلا يجوز: إن قم، و: إن لا تقم.
والثالث: أن لا يكون جامدًا، فلا يجوز: إن عسى، ولا: إن ليس.
والرابع: أن لا يكون مقرونًا بحرف تنفيس٢، فلا يجوز: إن سوف يقم.
والخامس: أن لا يكون مقرونًا بـ"قد" فلا يجوز: إن قد قام، ولا: إن قد يقم.
والسادس: أن لا يكون مقرونًا بحرف نفي غير "لم، ولا"، فلا يجوز: إن لما تقم٣، ولا: إن لن تقم٤.
إذا تمهد ذلك فتقول٥: كل جواب يصلح٦ جعله شرطًا بأن يكون٧ ماضي اللفظ دون المعنى، مجردًا من "قد" وغيرها، أو مضارعًا مجردًا، أو منفيًّا بـ"لم، أو لا"، فالأكثر خلوه من الفاء، ويجوز اقترافه بها، ويبقى الماضي على حاله ويرفع المضارع، نحو: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، ونحو ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ [الجن: ١٣] قاله الشارح٨، وقال غيره: إذا رفع المضارع فالجواب جملة اسمية. والتقدير: فهو لا يخاف٩.
_________________
(١) ١ في "ب": "ماض". ٢ في "ب": "التنفيس". ٣ في "ب"، "ط": "يقم". ٤ في "أ": "تقوم"، والوجه حذف واوه للجزم، وفي "ط": "يقوم". ٥ في "ب": "فنقول". ٦ في "ب"، "ط": "ويصح". ٧ في "ب"، "ط": "كان". ٨ شرح ابن الناظم ص٤٩٨، ٤٩٩. ٩ بعده في "ط": "قال المرادي: وهذا هو التحقيق. ا. هـ. بمعناه".
[ ٢ / ٤٠٤ ]
"وكل جواب يمتنع جعله شرطًا" لخلوه عما شرط، "فإن الفاء تجب فيه" لتربطه بشرط، لأن الجزم الحاصل به الربط مفقود، وليس على تقدير [الظهور] ١.
وخصت الفاء بذلك لما فيها من معنى السببية، ولمناسبتها للجزاء معنى. "وذلك" من حيث إن معناه التعقيب بلا فصل. كما أن الجزاء يتعب على الشرط كذلك.
والممتنع جعله شرطًا. "الجملة الاسمية، نحو: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ " [الأنعام: ١٧] فـ"هو" مبتدأ و"قدير" خبره. "وعلى كل شيء" تتعلق بـ"قدير". فإن قلت: "قدير" صفة مشبهة فكيف تقدم معمولها عليها. قلت: قد مضى، في بابها؛ أن عملها في الظرف وعديله لما فليها من رائحة الفعل، وذلك لا يمنع التقديم.
والجملة الطلبية نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] وقس عليه بقية أنواع الطلب من النهي والدعاء، ولو بصيغة الخر والاستفهام والعرض والتحضيض٢ والتمني والترجي. ولا نطيل بأمثلتها، فالذكي ينال بمثال الواحد ما لا يناله الغبي بألف شاهد.
وقد تكون الجملة الواحدة اسمية طلبية في آن واحد، وقد اجتمعتا٣ في قوله تعالى ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠] فجملة: "من ذا الذي ينصركم" اسمية، لأن صدره اسم وهو "من" وطلبية لأن "من" فيها استفهامية وهي مبتدأ، و"ذا" اسم إشارة خبرها، "والذي": نعت له أو بيان، ويحتمل أن تكون "ذا" ملغاة، والخبر الموصول والجملة جواب الشرط.
"والتي فعلها" ماضي المعنى، نحو: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف: ٢٦] قاله الموضح في شرح الشذور٤. وقال الشاطبي٥: هو على إضمار "قد" أي: فقد صدقت.
"والتي فعلها جامد، نحو: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩] ﴿فَعَسَى رَبِّي " أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ [الكهف: ٤٠] . "أو مقرون بـ"قد"، نحو:
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ في "ب": "التخصيص". ٣ في "أ": "اجتمعا". ٤ شرح شذور الذهب ص٣٤١. ٥ انظر شرح المرادي ٤/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ" لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٧] "أو تنفيس نحو: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] . "أو "لن"، نحو: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥] .
يقم فإن أقوم.
والحاصل أن الفاء تدخل لامتناع الجملة من أن تقع شرطًا. إما لذاتها أو لما اقترن بها من نفي أو إثبات، فالأول ثلاثة أنواع: الجملة الاسمية، والجملة الطلبية، والجملة التي فعلها جامد. والثاني ثلاثة أنواع أيضًا: "ما، ولن، وإن" النافيات. والثالث ثلاثة أنواع أيضًا: "قد" لفظًا أو تقديرًا، و"السين، وسوف".
"وقد تحذف" الفاء في الندرة كقوله -ﷺ- لأبي بن كعب لما سأله عن اللقطة: "فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها". أخرجه البخاري١. أو "في الضرورة، كقوله"، وهو عبد الرحمن بن حسان -رضي الله عنه٢: [من البسيط]
٥٨٠-
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان
أراد: فالله يشكرها.
وعن المبرد أنه منع ذلك مطلقًا، وزعم أن الرواية٣:
من يفعل الخير فالرحمن يشكره
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب اللقطة برقم ٢٢٩٤. ٢ في "ط": "عبد الرحمن بن حسان بن ثابت -رضي الله تعالى عنهما".
(٢) البيت لعبد الرحمن بن حسان في خزانة الأدب ٢/ ٣٦٥، ولسان العرب ١١/ ٤٧، "بجل"، والمقتضب ٢/ ٧٢، ومغني اللبيب ٢/ ٥٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٣، ونوادر أبي زيد ص٣١، ولكعب بن مالك في ديوانه ص٢٨٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٠٩، وله أو لعبد الرحمن بن حسان في خزانة لأدب ٩/ ٤٩، ٥٢، وشرح شواهد المغني ١/ ١٧٨، ولحسان بن ثابت في الدرر ٢/ ١٨٧، والكتاب ٣/ ٦٥، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٨١، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٦٤، ٢٦٥، وشرح ابن الناظم ص٤٩٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٨٦، وشرح المفصل ٩/ ٢، ٣، والكتاب ٣/ ١١٤، والمحتسب ١/ ١٩٣، والمقرب ١/ ٢٧٦، والمنصف ٣/ ١١٨، وهمع الهوامع ٢/ ٦٠. ويروى "سيان" مكان "مثلان". ٣ المقتضب ٢/ ٧٢.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
ويرد بالحديث المتقدم. "و" بنحو "قوله: [من الطويل]
٨٥١-
ومن لا يزل ينقاد للغي والصبا سيلفى على طول السلامة نادمًا
"أراد: فسيلفى، بالفاء١، أي: سيوجد، من ألفى بمعنى وجد.
وإلى الربط٢ بالفاء أشار الناظم بقوله:
٧٠١-
واقرن بفا حتما جوابًا لو جعل شرطًا لإن أو غيرها لم ينجعل
"ويجوز أن تغني إذا الفجائية عن الفاء" في الربط، لأنها أشبهت الفاء في كونها لا يبتدأ بها، ولا تقع إلا بعد ما هو معقب بما بعدها فقامت مقامها، "إن كانت الأداة" الجازمة "إن" لأنها أم باب الجوازم الشرطية، أو كانت الأداة غير الجازمة "إذا" الشرطية لأنها تشبه "إن" في كونها أم باب الشروط غير الجازمة٣، "والجواب" فيهما "جملة اسمية" موجبة، "غير طلبية" وغير مقرونة بـ"إن" التوكيدية، "نحو: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ " [الروم: ٣٦] فجملة: هم يقنطون: جواب "إن" والرابط "إذا" الفجائية، ونحو: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] فـ"أنتم تخرجون": جواب "إذا" الشرطية مرتبطة بإذا الفجائية، وقد يجمع بين الفاء و"إذا" الفجائية تأكيدًا، خلافًا لمن منع ذلك٤. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] . قال الزمخشري٥: إذا [هذه] ٦ هي الفجائية، وقد تقع في المجازاة سادة مسد الفاء، فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء فيتأكد، ولو قيل هي شاخصة، أو فهي شاخصة، كان سديدًا. انتهى. وإلى خلف "إذا" الفجائية للفاء، أشار الناظم بقوله:
٧٠٢-
وتخلف الفاء إذا المفاجأه
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢١١، وشرح ابن الناظم ص٤٩٩، وشرح الأشموني ٣/ ٥٨٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٣. ١ في "ب": "فسيلقي"؛ بالقاف. ٢ في "أ"، "ب": "الرابط". ٣ في "ب"، "ط": "الجوازم". ٤ انظر شرح ابن عقيل ٢/ ٣٧٦، والارتشاف ٢/ ٥٥٣. ٥ الكشاف ٢/ ٥٨٤. ٦ سقطت من "أ".
[ ٢ / ٤٠٧ ]
فصل:
"وإذا انقضت الجملتان"، جملة الشرط وجملة الجواب. "ثم جئت بمضارع مقرون بالفاء أو بالواو، فلك جزمه بالعطف" على لفظ الجواب، إن كان مضارعًا مجزومًا، وعلى محله إن كان ماضيًا أو جملة، "ورفعه على الاستئناف، ونصبه بـ"أن" مضمرة وجوبًا"، لأن مضمون الجزاء لم يتحقق وقوعه فأشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام، "وهو قليل"١.
"قرأ عاصم بن عامر ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]؛ بالرفع" على الاستئناف٢، "وباقيهم؛ بالجزم"٣؛ عطفًا على لفظ: ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] .
"و" قرأ "ابن عباس"، وأبو حيوة، والأعرج، في غير السبع؛ " بالنصب" بـ"أن" مضمرة وجوبًا بعد الفاء٤، "وقرئ بهن"؛ أي بالرفع والنصب والجزم؛ "أيضًا في قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]؛ بالرفع على الاستئناف، وبه قرأ أبو عمرو وعاصم، مع الياء٢، والباقون، مع النون٥، والجزم بالعطف على محل جملة: "فلا هادي له"، وبه قرأ الكسائي وحمزة، مع الياء٦، والنصب بـ"أن" مضمرة وجوبًا بعد الواو، ولم أقف على من قرأ به. وإلى ذلك أشار
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن الناظم ص٥٠٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٧٧، وشرح شذور الذهب ص٣٥١، والكتاب ٣/ ٨٩، ٩٠. ٢ كما في الرسم المصحفي. ٣ هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي والأعمش. انظر البحر المحيط ٢/ ٣٦٠، والإملاء للعكبري ١/ ٧١. ٤ انظر المحيط ٢/ ٣٦٠، والإملاء للعكبري ١/ ٧١. ٥ أي: "نذرهم" وقرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. انظر النشر ٢/ ٢٧٣، والكشاف ٢/ ١٠٦. ٦ أي: يذرهم" وقرأها مع الكسائي وحمزة: ابن مصرف والأعمش وخلف. وانظر النشر ٢/ ٢٧٣، والكشاف ٢/ ١٠٦.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
الناظم بقوله:
٧٠٣-
والفعل من بعد الجزا إن يقترن بالفا أو الواو بتثليث قمن
"وإذا توسط المضارع المقرون بالفاء أو بالواو بين الجملتين"، جملة الشرط وجملة الجواب. "فالوجه الجزم" بالعطف على الشرط المجزوم لفظًا أو محلا، ويجوز النصب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء أو الواو، وإليه أشار الناظم بقوله:
٧٠٤-
وجزم أو نصب لفعل إثر فا أو واو ان بالجملتين اكتنفا
وامتنع الرفع إذ لا يصح الاستئناف قبل الجواب. قال سيبويه١: سألت الخليل عن قولك: إن تأتني فتحدثني، أو وتحدثني، أحدثك، بالنصب، فقال: هذا يجوز والجزم الوجه. وجاء النصب مصرحًا به، "كقوله": [من الطويل]
٨٥٢-
ومن يقترب منا ويخضع نؤوه ولا يخش ظلمًا ما أقام ولا هضما
الرواية: بنصب: يخضع، ولا يصح الوزن إلا به، والهضم؛ بالضاد المعجمة؛ من قولهم: هضم أخاه: إذا لم ينصفه ويوفه حقه. وقابل الظلم بالهضم مع أنه نوع منه، اقتباسًا من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] . والنصب في مسألة التوسط أمثل منه في مسألة التأخر، لأن العطف فيها على فعل الشرط، وفعل الشرط غير واجب فكان قريبًا من الاستفهام والأمر والنهي ونحوها، قاله الشاطبي.
ونقل عن الكوفيين أنهم أجروا "ثم" مجرى الفاء والواو، فيقولون: إن تأتني ثم تحدثني أكرمك. بنصب تحدثني. احتجوا بقراءة بعضهم: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] بنصب يدركه وهي قراءة قتادة والجراح٢، وقد قرئ بالرفع، وهي قراءة طلحة بن سليمان، وإبراهيم النخعي٢، والجزم قراءة الجماعة٣، وهذه القراءات لم يثبت البصريون بها حكما لندورها.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٨٨، ونقله ابن الناظم في شرحه ص٥٠٠.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢١٤، وشرح ابن الناظم ص٥٠١، وشرح الأشموني ٣/ ٥٩١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٤٠١، وشرح شذور الذهب ص٣٥١، وشرح عمدة الحافظ ص٣٦١، ومغني اللبيب ٢/ ٥٦٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٤. ٢ انظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٧، والكشاف ١/ ٢٩٤، والمحتسب ١/ ١٩٥. ٣ كما في الرسم المصحفي.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
فصل:
"يجوز حذف ما علم من شرط إن كانت الأداة: إن حال كونها "مقرونة" بـ: لا" النافية "كقوله"، وهو الأحوص يخاطب مطرًا، وكان مطر١ ذميم الخلقة وتحته امرأة جميلة: [من الوافر]
٨٥٣-
فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام
فحذف الشرط لدلالة قوله "فطلقها" عليه، وأبقى جوابه. "أي٢: وإلا تطلقها يعل".
وقد يختلف واحد من "إن" والاقتران بـ"لا"، وقد يتخلفان معًا.
فالأول ما حكاه ابن الأنباري في الإنصاف٣ عن العرب: "من سلم عليك فسلم عليه، ومن لا فلا تعبأ به. أي: ومن لا يسلم عليك فلا تعبأ به". قال الشاطبي: وهذا نص في الجواز.
والثاني: نحو: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ [النساء: ١٢٨] فحذف الشرط مع انتفاء اقتران "إن" بـ"لا".
والثالث كقوله: [من الطويل]
٨٥٤-
متى توخذا قسرا بظنة عامر ولم ينج إلا في الصفاد يزيد
_________________
(١) ١ سقط من "ب": "وكان مطر".
(٢) البيت للأحوص في ديوانه ص١٩٠، والأغاني ١٥/ ٢٣٤، وخزانة الأدب ٢/ ١٥١، والدرر ٢/ ١٩١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٧، ٩٣٦، والمقاصد النحوية ٤٣٥، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٥٦، والإنصاف ١/ ٧٢، وأوضح المسالك ٤/ ٢٥١، ورصف المباني ص١٠٦، وشرح ابن الناظم ص٥٠١، وشرح الأشموني ٣/ ٥٩١، وشرح التسهيل ٤/ ٨٠، وشرح شذور الذهب ص٣٤٣، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٨٠، وشرح عمدة الحافظ ص٣٦٩، ولسان العرب ١٥/ ٤٦٩١ "إما لا"، ومغني اللبيب ٢/ ٦٤٧، والمقرب ١/ ٢٧٦، وهمع الهوامع ٢/ ٦٢. ٢ سقطت من "ب". ٣ الإنصاف من "ب".
(٣) البيت بلا نسبة في الدرر ٢/ ١٩٣، وشرح ابن الناظم ص٥٠١، وشرح الأشموني ٣/ ٥٩٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٦٣، وهمع الهوامع ٢/ ٦٣.
[ ٢ / ٤١٠ ]
أي: متى تثقفوا تؤخذوا، فحذف الشرط مع انتفاء الأمرين. والقسر: القهر. والظنة؛ بكسر المشالة: التهمة. والصفاد؛ بكسر المهملة، ما يوثقف به الأسير من قيد وغيره١.
"و" يجوز حذف "ما علم من جواب" شرطه ماض، "نحو": ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ "فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا﴾ الآية"، وتمامها ﴿فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]، فإن استطعت: شرط حذف جوابه لدلالة الكلام عليه، والتقدير: فافعل. والشرط الثاني وجوابه جواب الشرط الأول. والمعنى إن استطعت منفذًا تحت الأرض تنفذ فيه، فتطلع لهم بآية، أو سلمًا تصعد به إلى السماء، فتنزل منها بآية، فافعل.
ويجوز حذف الشرط والجزاء معا وإبقاء الأداة، كقول النمر بن تولب: [من المتقارب]
٨٥٥-
فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما
أي: أينما يذهب٢ تصادفه.
وقد اجتمع حذف جواب٢ وشرط في قوله -ﷺ: "فإنه جاء صاحبها وإلا استمتع بها" ٣ فحذف من الأول الجواب ومن الثاني الشرط، والتقدير: فإن جاء صاحبها فردها إليه٤ وإن لم يجئ فاستمتع بها.
"ويجب حذف الجواب إن كان الدال عليه ما تقدم مما هو جواب في المعنى" ولا يصح جعله جوابًا صنعة، إما لكون جملة اسمية مجردة من الفاء، "نحو: أنت ظالم إن فعلت"، أي: فأنت ظالم وإما لكونه جملة منفية بـ"لم"٥ مقرونة بالفاء، نحو قوله: [من الطويل]
٨٥٦-
فلم أرقه إن ينج منها
_________________
(١) ١ ورد هذا الشرح بتمامه في الدرر ٢/ ١٩٢.
(٢) البيت للنمر بن تولب في ديوانه ص٣٧٨، وأدب الكاتب ص٢١٤، والاقتضاب ص٥٥٧، والمعاني الكبير ص١٢٦٤، والمقاصد النحوية ١/ ٥٧٥، وبلا نسبة في رصف المباني ص٧٢، ١٢٥. ٢ سقط من "ب". ٣ أخرجه البخاري في كتاب اللقطة برقم ٢٢٩٤، وتقدم ص٤٠٦. ٤ سقط من "ب": "فردها إليه". ٥ في "ط": "بل" مكان "بـ: لم".
(٣) تمام البيت: فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت فطعنة لا غس ولا بمغمر وهو لزهير بن مسعود في لسان العرب ٦/ ١٥٤ "غسس" ونوادر أبي زيد ص٧٠، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٦٢٦، وجمهرة اللغة ص١٣٣، والخصائص ٢/ ٣٨٨، وكتاب العين ٤/ ٤١٧، وشرح الكافية الشافية ٣/ ١٦١١.
[ ٢ / ٤١١ ]
وإما لكونه مضارعًا مرفوعًا لزومًا، نحو: أقوم إن قمت، والجواب في ذلك كله محذوف وجوبًا لدلالة المتقدم عليه، وليس المتقدم بجواب عند جمهور البصريين١؛ لأن أداة الشرط لها صدر الكلام فلا يتقدم عليها الجواب، ولالتزام العرب حينئذ كون الفعل الثاني للأداة ماضيًا، كما يلتزم ذلك حيث يحذف الجواب، ولأن المتقدم لا يصلح كونه جوابًا.
أما الجملة الاسمية فلعدم اقترانها بالفاء، وأما الفعلية المجزوم فعلها بـ"لم" المقترنه بالفاء، فلأن الجواب المنفي بـ"لم" تدخل عليه الفاء. وأما رفع المضارع فإنه ينافي جعله جوابًا.
وذهب الكوفيون١، والمبرد٢، وأبو زيد٣، إلى أنه لا حذف، والمتقدم هو الجواب.
وأجابوا عن الأول بأن الفاء إنما لم تدخل لأنها لا تناسب الصدر، ولأنها خلف عن العمل ولا عمل مع التقديم.
وعن الثاني: بأن الفاء قد تدخل على المنفي بـ"لم"٤. أجاز الزمخشري في: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ١٧]، أن يكون التقدير: "إن افتخرتم بقتلهم، فلم تقتلوهم"٥.
وعن الثالث بأن رفع المضارع لضعف الحرف أن يعمل مؤخرًا، وجميع ذلك ضعيف.
والذي يدل على أن المتقدم ليس جوابًا أن المتكلم أخبر جازمًا، ثم بدا له التعليق، فهو كالتخصيص بعد التعميم، بخلاف من بنى كلامه من أول الأمر على الشرط. فإن الجواب المعنوي يتأخر في كلامه، فيكون جوابًا في الصناعة والمعنى. وإلى حذف الجواب وبقاء الشرط٦ وعكسه. أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) ١ انظر الإنصاف ٢/ ٦٢٣، المسألة رقم ٨٧. ٢ المقتضب ٢/ ٦٦. ٣ نوادر أبي زيد ص٢٨٣. ٤ الإنصاف ٢/ ٦٢٧. ٥ الكشاف ٢/ ١١٩. ٦ في "ط": "إبقاء".
[ ٢ / ٤١٢ ]
٧٠٥-
والشرط يغني عن جواب قد علم والعكس قد يأتي إن المعنى فهم
"أو" كان الدال على جواب الشرط "ما تأخر عن١ جواب قسم سابق" عليه، أي على الشرط، "نحو: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾؛ الآية؛ وتمامها: ﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فجملة "لا يأتون": جواب قسم سابق على الشرط، وهو أن يدل على تقدمه تقدم اللام في "لئن" لأنها موطئة لقسم قبلها، وجواب الشرط محذوف [وجوبًا] ٢ استغناء عنه بجواب القسم.
"كما يجب إغناء جواب الشرط عن جواب قسم تأخر عنه، نحو: إن تقم؛ والله؛ أقم"، فحذف جواب القسم استغناء عنه بجواب الشرط وهو: أقم.
والحاصل أنه متى اجتمع شرط قسم، استغنى بجواب المتقدم منهما عن جواب المتأخر لشدة الاعتناء بالمتقدم. وإلى ذلك الإشارة بقول الناظم:
٧٠٦-
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
هذا إذا لم يتقدم عليهما ذو خبر، "وإذا تقدمهما ذون خبر جاز جعل الجواب للشرط مع تأخره، ولم يحب خلافًا لابن مالك" في التسهيل٣ والكافية٤، وخالف ذلك في النظم فقال:
٧٠٧-
وإن تواليا وقبل ذو خبر فالشرط رجح مطلقًا بلا حذر
"نحو: زيد؛ والله؛ إن يقم أقم". وجاز الجواب للقسم لتقدمه، نحو: زيد؛ والله؛ إن يقم لأقومن. والأرجح مراعاة الشرط تقدم أو تأخر، كما ذكره ابن عصفور٥ وغيره٦، وجرى عليه الناظم في الخلاصة.
وإنما رجح الجواب للشرط مع تقدم ذي خبر، لأن سقوط الشرط يخل بمعنى الجملة التي هو منها؛ بخلاف القسم، فإنه مسوق لمجرد التوكيد.
والمراد بذي خبر: ما يطلب خبرًا، من مبتدأ أو اسم كان ونحو، "ولا يجوز" جعل الجواب للشرط مع تأخره عن القسم. "إن لم يتقدمهما" ذو خبر، فلا يجوز: والله،
_________________
(١) ١ "أ"، "ط": "من". ٢ إضافة من "ب"، "ط". ٣ التسهيل ص١٥٣. ٤ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٦١٦١. ٥ المقرب ١/ ٢٠٨. ٦ شرح ابن الناظم ص٥٠٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٨٣.
[ ٢ / ٤١٣ ]
إن قام زيد أقم. "خلافًا له" أي لابن مالك؛ في قوله في١ النظم:
٧٠٨-
وربما رجح بعد قسم شرط بلا ذي خبر مقدم
"و" خلافًا "للفراء" في إجازته ذلك٢.
وأما ما استدلا به، "و" هو "قوله": [من الطويل]
٨٥٧-
لئن كان ما حدثته اليوم صادقا أصم في نهار القيظ للشمس باديا
وأركب حمارًا بين سرج وفروة وأعر من الخاتام صغرى شماليا
فهو عند البصريين "ضرورة، أو اللام" من "لئن" "زائدة"، لا موطئة للقسم. وهذان البيتان قالتهما امرأة عقيلية.
"وحيث حذف الجواب" جوازًا أو وجوبًا، "اشترط في غير ضرورة مضى الشرط"، لفظًا أو معنى، كما مثلنا، "فلا يجوز: أنت ظالم إن تفعل، ولا: والله، إن تقوم لأقومن"، لكون الشرط مضارعا غير منفي بـ"لم" عند البصريين والفراء، وأجازه بقية الكوفيون قياسًا، واحترز بقوله: "في غير الضرورة" عما جاء في الشعر، كقوله: [من الطويل]
٨٥٨-
لئن تك قد ضاقت عليكم ليعلم ربي أن بيتي واسع
فحذف الجواب مع أن الشرط مضارع غير منفي بـ"لم" وإذا دخل شرط على شرط، فتارة يكون بعطف، وتارة يكون بغيره. فإن كان بعطف، فأطلق ابن مالك أن الجواب لأولهما لسبقه٣، وفصل غيره فقال: إن كان العطف بالواو، فالجواب لهما لأن الواو للجمع، نحو: إن تأتني وإن تحسن إلي، أحسن إليك.
_________________
(١) ١ في "ط": "قول" مكان "قوله في". ٢ معاني القرآن ١/ ٦٦.
(٢) البيتان لامرأة من عقيل في خزانة الأدب ١١/ ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٣٦، والدرر ٢/ ١٢٢، ١٢٣، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٥٠٣، ولسان العرب ١٢/ ١٦٤: "ختم" وتاج العروس "ختم"، والبيت الأول في شرح شواهد المغني ٢/ ٦١٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٨، وأوضح المسالك ٤/ ٢١٦، وشرح الأشموني ٣/ ٥٩٥، ومغني اللبيب ١/ ٢٣٦، وهمع الهوامع ٢/ ٤٣.
(٣) البيت للكميت بن معروف في معاني القرآن للفراء ١/ ٦٦، ٢/ ١٣١، وديوان الكميت ص١٧٢، وخزانة الأدب ١٠/ ٦٨، ٧٠، ١١/ ٣٣١، ٣٥١، ٤٢٩، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٤٤١، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٦، ٣/ ٥٩٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٧. ٣ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٦١٤.
[ ٢ / ٤١٤ ]
وإن كان العطف بـ"أو"، فالجواب لأحدهما، لأن "أو" لأحد الشيئين، نحو: إن جاء زيد أو إن جاءت هند، فأكرمه، أو فأكرمهما، وإن كان العطف بـ"الفاء"، فالجواب للثاني، والثاني وجوابه جواب للأول، وإن كان بغير عطف فالجواب لأولهما، والشرط الثاني مقيد للأول، كتقييده بحال واقعة موقعه، كقوله: [من البسيط]
٨٥٩-
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معاقل عز زانها كرم
فتجدوا، جواب: إن تستغيثوا وإن تذعروا، بالبناء للمفعول مقيد للأول على معنى: إن تستغيثوا بنا مذعورين تجدوا.
وإذا دخل الاستفهام على الشرط، فعن يونس١ أن الجواب لاستفهام لتقدمه لا للشرط، قياسًا على مسألة تقدم القسم على الشرط، نحو: أإن قام زيد تقوم.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ١١٢، وخزانة الأدب ١١/ ٣٥٨، والدرر ٢/ ١٩٣، وشرح الأشموني، ٣/ ٥٩٦، ومغني اللبيب ٢/ ٦١٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٥٢، وهمع الهوامع ٢/ ٦٣. ١ انظر الكتاب ٣/ ٨٣، ورده سيبويه بقوله: "وهذا قبيح يكره في الجزاء، وإن كان في الاستفهام".
[ ٢ / ٤١٥ ]
فصل في أوجه "لو":
"لـ "لو" ثلاثة أوجه" وضعفها، فتكون ستة:
"أحدها: أن تكون مصدرية، فترادف: أن" المصدرية في المعنى والسبك، إلا أنها لا تنصب. "وأكثر وقوعها" في الماضي والمضارع "بعد "ود" نحو: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ " [القلم: ٩] أي: الإدهان، "أو" بعد "يود، نحو: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ " [البقرة: ٩٦] أي: التعمير. "ومن القليل قوله قتيلة"، مصغر قتلة، بالقاف والتاء المثناة فوق، بنت النضر بن الحارث الأسدية، تخاطب النبي -ﷺ- حين قتل أباها النضر، صبرًا، بالصفراء، بعد أن انصرف من غزوة بدر: [من الكامل]
٨٦٠-
ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق
أي: ما كان ضرك منك.
وسبب قتل النبي -ﷺ- أباها، أنه كان يقرأ أخبار العجم على العرب، ويقول: محمد يأتيكم بأخبار عاد وثمود، وأنا آتيكم بخير الأكاسرة والقياصرة، يريد بذلك أذى النبي -ﷺ. فلما سمع النبي -ﷺ- هذا البيت، وهو من جملة١ أبيات أنشدتها بين يديه، قال٢: "لو سمعته قبل قتله ما قتلته، ولعفوت عنه". ثم قال:
لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا
_________________
(١) البيت لقتيلة بنت النضر في الأغاني ١/ ١٩، وبلاغات النساء ص٢٣٥، ومعجم البلدان "أثيل"، وحماسة البحتري ص٢٧٦، والجنى الداني ص٢٨٨، وخزانة الأدب ١١/ ٢٣٩، والدرر ١/ ١٤٠، وشرح الأشموني ٣/ ٥٩٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٩٦٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٤٨، ولسان العرب ٧/ ٤٥٠ "غيظ"، ١٠/ ٧٠ "حنق" والمقاصد النحوية ٤/ ٤٧١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٢٣، وتذكرة النحاة ص٣٨، ومغني اللبيب ١/ ٢٦٥، وهمع الهوامع ١/ ٨١. ١ سقطت من "ب". ٢ في "أ" "فقال".
[ ٢ / ٤١٦ ]
والمغيظ، بفتح الميم: اسم مفعول من غاظه يغيظه، بالغين والظاء المعجمتين، وفي القاموس: الغيظ: الغضب أو شدته أو سورة أوله، والمحنق، بضم لميم وفتح النون: اسم مفعول من أحنقه، بالحاء المهملة، إذا أغاظه، فهو توكيد للمغيظ.
و"لو" المصدرية لا جواب لها، وممن ذهب إلى مصدرية "لو" الفراء، وأبو علي [الفارسي] ١ وأبو البقاء، والتبريزي، وابن مالك٢. وذهب الأكثرون إلى المنع، ويدعون أن "لو" في نحو: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦] شرطية، وأن مفعول "يود" وجواب "لو" محذوفان، والتقدير: يود أحدهم التعمير، لو يعمر ألف سنة لسره ذلك. قال في المغني٣: ولا خفاء بما في ذلك من التكلف، ويشهد للمثبتين قراءة بعضهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] [بحذف النون، فعطف: يدهنوا؛ بالنصب؛ على: تدهن، لما كان معناه: أن تدهن] ٤. ويشكل عليهم دخولها على "أن" في نحو: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وجوابه: أن لو إنما دخلت على فعل محذوف مقدر بعد "لو" تقديره: يود لو ثبت أن بينها. انتهى.
"و" "لو" المصدرية "إذا وليها" الفعل "الماضي بقي علي مضيه، أو" الفعل "المضارع، تخلص للاستقبال، كما [أن] ٥ "أن" المصدرية كذلك".
"و" الوجه "الثاني" من أوجه "لو": "أن تكون للتعليق"، أي: لتعليق٦ الجواب على الشرط "في المستقبل، فترادف: إن" الشرطية إلا أنها لا تجزم على الأفصح، "كقوله"، وهو قيس بن الملوح، مجنون ليلى: [من الطويل]
٨٦١-
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن دون ومسينا من الأرض سبسب
لظل صدى صوتي وإن كنت رمة لصوت صدى ليلى يهش ويطرب
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ انظر شرح الكافية الشافية ٣/ ١٦٣٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٧١. ٣ مغني اللبيب ١/ ٢٦٥. ٤ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٥ إضافة من "ط"، "ب". ٦ في "أ": "لتعلق".
(٢) البيتان لأبي صخر الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص٩٣٨، وشرح شواهد المغني ص٦٤٣، وهما للمجنون في ديوانه ص٣٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٧٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٢٤، وشرح الأشموني ٣/ ٦٠٠، ومغني اللبيب ١/ ٢٦١.
[ ٢ / ٤١٧ ]
فـ"لو تلتقي": شرط، و"لظل": جوابه: و"الأصداء"، بالمد: جمع صدى، بالقصر: وهو الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، و"الصدى" أيضًا: ذكر البوم. "والرمس" القبر أو ترابه. والأول عن القاموس١، والثاني عن الصحاح٢. و"السبسب" بمهملتين وموحدتين: المفازة. و"الرمة" بكسر الراء [وتشديد الميم] ٣: العظام البالية. و"يهش": يرتاح، من هششت، بكسر العين، قال في الصحاح٤: هششت لفلان، بالكسر، أهش هشاشة، إذا ارتحت له. انتهى. و"الطرب": خفة لسرور، و"لصوت" بكسر اللام، متعلق بـ"يهش"، ومتعلق بـ"طرب" محذوف مماثل لمتعلق يهش والتقدير، يهش لصوت صدى ليلى ويطرب له.
"وإذا كانت "لو" للتعليق في المستقبل و"وليها" فعل "ماض" لفظًا، "أول" بالفعل المستقبل معنى، كما أن [إن] ٥ كذلك "نحو ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩] أي: إن شارفوا أن يتركوا. وإنما أول الترك بمشارفة الترك لأن الخطاب للأوصياء، وإنما يتوجه إليهم قبل الترك لأنهم بعده أموات. قاله في المغني٦. وأنكر ابن الحاج في نقده على المقرب، وتبعه ابن الناظم، مجيء "لو" للتعليق في المستقبل.
قال ابن الحاج: ولهذا لا تقول: لو يقوم زيد فعمرو منطلق، كما تقول ذلك مع "إن". وقال ابن الناظم٧: وعندي أن "لو" لا تكون لغير الشرط في الماضي، وما تمسكوا به من قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ [النساء: ٩] لا حجة لهم فيه لصحة حمله على المضي. انتهى. ورد عليه الموضح في المغني بآيات، ومثال، وشاهد فلينظر منه٨.
"أو" تلاها "مضارع تخلص للاستقبال"، كقوله: [من الكامل]
_________________
(١) ١ القاموس المحيط "صدى". ٢ الصحاح "صدي". ٣ إضافة من "ب". ٤ الصحاح "هشش". ٥ إضافة من "ب"، "ط". ٦ مغني اللبيب ١/ ٢٦١. ٧ شرح ابن الناظم ص٥٠٥. ٨ مغني اللبيب ٢/ ٢٦٣.
[ ٢ / ٤١٨ ]
٨٦٢-
لا يلفك الراجوك إلا مظهرا خلق الكرام ولو تكون عديما
"كما أن "إن" الشرطية" كذلك.
الوجه "الثالث: أن تكون للتعليق"، أي لتعليق الجواب على الشرط "في" الزمن "الماضي، و" هذا القسم "هو أغلب أقسام: لو" وإليه أشار الناظم بقوله:
٧٠٩-
لو حرف شرط في مشي ويقل إيلاؤه مستقبلا لكن قبل
ثم هي مع الماضي مفيدة لثلاثة أمور:
أحدها: الشرطية، أعني: عقد السببية بين الجملتين بعدها١.
والثاني: تقييد الشرطية بالزمن الماضي. وبهذا٢ الوجه وما يذكر بعده فارقت "إن"، فإن "إن" لعقد السببية والمسببية في المستقبل، ولهذا قالوا: الشرط بـ"إن" سابق على الشرط بـ"لو". وذلك لأن الزمن المستقبل سابق٣ على الزمن الماضي، ألا ترى أنك تقول: إن جئتني غدًا أكرمتك، فإذا انقضى الغد ولم تجئ٤، قلت: لو جئتني أمس أكرمتك، وفي الأسبق من الأزمنة الثلاثة خلاف. قال الفخر الرازي: والحق قول الزجاج أن المقدم وهو المستقبل، فإذا وجد صار حاضرًا، فإذا انقضى صار ماضيًا. انتهى.
الثالث: الامتناع، وقد اختلف النحاة في إفادتها له، وكيفية إفادتها إياه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تفيده بوجه، وهو قول الشلوبين. عم أنها لا تدل على امتناع الشرط، ولا على امتناع الجواب.
والثاني أنها تفيد امتناع الشرط، وامتناع الجواب جميعًا. وردهما في المغني٥.
"و" الثالث: "أنها تقتضي امتناع شرطها دائمًا". مثبتًا كان أو منفيًّا، "خلافًا للشلوبين. ولا" تقتضي امتناع "جوابها، خلافًا للمعربين".
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الجنى الداني ص٢٨٥، وجواهر الأدب ص٢٦٧، وشرح الأشموني ٣/ ٦٠٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٤٦، ومغني اللبيب ١/ ٢٦١، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٦٩. ١ سقط من "ب". ٢ في "ب": "ولهذا". ٣ سقط من "ب". ٤ في "ب": "يجيء". ٥ مغني اللبيب ١/ ٢٦٠.
[ ٢ / ٤١٩ ]
"ثم إن لم يكن لجوابها سبب غير" ذلك الشرط، "لزم امتناعه" أيضًا لملازمته له شرعًا أو عقلا أو عادة. فالأول "نحو" قوله تعالى؛ في بلعم بن باعوراء١: " ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ " [الأعراف: ١٧٦] فـ"لو" هنا دالة على أن مشيئة الله تعالى لرفع هذا المنسلخ منفية، ويلزم من نفيها أن يكون رفع المنسلخ منفيًّا إذ لا سبب للرفع إلا المشيئة وقد انتفت فيكون منفيًّا، لأن انتفاء السبب يستلزم انتفاء المسبب ضرورة. كما أن ثبوت السبب يستلزم ثبوت المسبب كذلك لما بينهما من التلازم الشرعي.
"و" الثاني: "كقولك: لو كانت الشمس طالعة، كان النهار موجودًا"٢، فطلوع الشمس سبب لوجود النهار، وقد انتهى بدخول "لو" عليه فينتفي وجود النهار لأن وجود النهار ليس له سبب غير طلوع الشمس، وقد انتفى. فيكون منفيًّا، لأن انتفاء السبب المساوي، يستلزم انتفاء المسبب لما بينهما من التلازم العقلي.
والثالث: كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: السماوات والأرض، ففسادهما، وهو خروجهما عن نظامها المشاهد، منساب لتعدد الآلهة للزومه له على وفق العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء، وعدم الاتفاق عليه٣، فينتفي الفاسد بانتفاء التعدد المفاد بـ"لو" نظرًا إلى الأصل فيها. وإن كان القصد من الآية العكس، لأنها إنما سيقت لإثبات الوحدانية. ونفي التعدد. فوجوب أن يقال: إن معناه انتفاء التعدد لانتفاء الفساد، لما بينهما من التلازم العادي، وإلا بأن كان لجواب "لو" سبب غير شرطها، لم يلزم من امتناع شرطها امتناع جوابها ولا ثبوته. ثم تارة يكون ثبوته بالأولى، نحو: لو كان الشمس طالعة [بالفعل] ٤ كان الضوء موجودًا، فإنه لا يلزم من انتفاء الشمس انتفاء وجود النهار، لاحتمال أن يكون بالسراج مثلا، فإثبات الضوء مع طلوع الشمس أولى.
"ومنه" الأثر المروي عن عمر ﵁: "نعم العبد صهيب. "لو لم يخف الله لم يعصه""٥. فإنه لا يلزم من انتفاء: لم يخف، انتفاء: لم يعص، حتى يكون
_________________
(١) ١ كان بلعم بن باعوراء يعلم اسم الله الأعظم، فلما دعا على موسى ﵇ وعلى بني إسرائيل أنساه الله تعالى الاسم. انظر المعارف ص٤٢. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٠٤. ٣ سقطت من "ب". ٤ إضافة من "ط". ٥ النهاية ٢/ ٨٨، وهو من شواهد مغني اللبيب ١/ ٢٥٧.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
قد خاف وعصى. لأن انتفاء العصيان له سببان: أحدهما: خوف العقاب، وهو وظيفة العوام، والثاني: الإجلال والإعظام، وهو وظيفة الخواص. والمراد أن صهيبًا رضي الله تعالى عنه من قسم الخواص، وأنه لو قدر خلوه عن الخوف لم يقع منه معصية، فكيف والخوف حاصل له؟
وإنما لم تدل "لو" على انتفاء الجواب ههنا، لأن دلالتها على ذلك إنما هو من باب مفهوم المخالفة، [إذ مفهوم الشرط من أقسام مفهوم المخالفة، وفسر مفهوم المخالفة بأن يكون المسكوت عنه مخالفًا لحكم المذكور إثباتًا أو نفيًا، ومفهوم الموافقة بأن يكون المسكوت عنه موافقًا في الحكم المذكور] ١.
وفي هذا الأثر دل مفهوم الموافقة على عدم المعصية، لأنه إذا انتفت المعصية عند عدم الخوف، فعند الخوف أولى، وإذا تعارض هذان المفهومان، قدم مفهوم الموافقة [على عدم المعصية] ٢. ومن نسب هذا الأثر بهذا اللفظ إلى النبي -ﷺ- فقد وهم٣، وإنما أورد ما رواه أبو نعيم في الحلية٤، أن النبي ﷺ قال في سالم مولى أبي حذيفة: "إنه شديد الحب لله تعالى، لو كان لا يخاف الله ما عصاه"، وتارة يكون بالمساوي، كقوله -ﷺ- في درة بنت أم سلمة: "لو لم تكن ربيبتي ٥ في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة" ٦، [رواه الشيخان. فإن حلها له، ﵊، منتف من وجهين: كونها ربيبته، وكونها ابنة أخيه من الرضاع] ٧. وهما متساويان في منع الحل.
وتارة يكون بالأدون، كقولك فيمن عرضت عليك نكاحها: لو انتفت أخوة الرضاع لما حلت من النسب، فإن حلها منتف من وجهين: أخوة الرضاع، والنسب. إلا أن حرمة الرضاع أدون من حرمة النسب.
"وإذا" كانت "لو" للتعليق في الماضي، و"وليها مضارع أول بالماضي"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ إضافة من "ب". ٣ في "أ": "وهن". ٤ حلية الأولياء ١/ ١٧٧. ٥ في "أ": "ابنتي". ٦ أخرجه البخاري في النكاح برقم ٤٨١٣، ومسلم في الرضاع برقم ١٤٤٩. ٧ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٤٢١ ]
٧١١-
وإن مضارع تلاها صرفا إلى المضي
"نحو: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ " [الحجرات: ٧] أي: لو أطاعكم لعنتم.
"وتختص "لو" مطلقًا". شرطية كانت أو مصدرية. "بالفعل" على الأصح، والناظم اقتصر على الشرطية فقال:
٧١٠-
وهي في الاختصاص بالفعل كإن
"ويجوز أن يليها قليلا١ اسم" مرفوع، "معمول لفعل محذوف" وجوبًا، "يفسره ما بعده"، أو اسم منصوب كذلك، أو خبر لـ"كان" محذوفة، أو اسم هو في الظاهر مبتدأ، ما بعده خبره٢.
فالأول، كقول عمر لأبي عبيدة ﵄: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة"٣، "وكقوله"، وهو الغطمش الضبي: [من الطويل]
٨٦٣-
أخلاي لو غير الحمام أصابكم عتبت ولكن ما على الدهر معتب
فـ"غير" فاعل بفعل محذوف يفسره "أصابكم". والتقدير: لو أصابكم غير الحمام، وهو بكسر الحاء: الموت. وعتبت: جواب "لو"، ومعتب، بفتح الميم والتاء، مصدر ميمي بمعنى العتاب.
وقولهم في المثال: "لو ذات سوار لطمتني"٤، أخذًا من قول حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو مأسور في بعض أحياء العرب. وسبب اللطمة أن صاحبة المنزل أمرته أن يفصد ناقة لها، لتأكل دم فصدها، فنحرها، فقيل له في ذلك، فقال: هذا فصدي. فلطمته الجارية فقال: "لو ذات سوار لطمتني". فـ"ذات سوار" فاعل بفعل محذوف على الشرطية التفسير. والتقدير: لو لطمتني ذات سوار. وذات السوار: الحرة، لأن الإمام عند العرب لا يلبس السوار. وجواب "لو" محذوف تقديره: لهان علي ذلك.
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ في "أ": "خبر". ٣ حلية الأولياء ١/ ٤٧، وجواب "لو" محذوف، تقديره وجهان: أحدهما: لو قالها غيرك لأدبته. والثاني: لو قالها غيرك لم أتعجب منه وإنما العجب من قولك مع فضلك. انظر حاشية يس ٢/ ٢٥٨.
(٢) البيت للغطمش الضبي في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٨٩٣، ١٠٣٦، ولسان العرب ١/ ٥٧٧ "عتب"، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٦٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٢٩، وتذكرة النحاة ص٤٠، والجنى الداني ص٢٧٩، وشرح الأشموني ٣/ ٦٠١. ٤ مجمع الأمثال ٢/ ١٧٤، ٢٠٢، وفصل المقال ص٣٨١، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٢٦٨، وجمهرة الأمثال ٢/ ١٩٣، والمستقصى ٢/ ٢٩٧.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
والثاني: لو زيدًا رأيته أكرمته.
والثالث: نحو: "التمس ولو خاتمًا من حديد" ١ أي: ولو كان خاتمًا.
والرابع كقوله: [من الرمل]
٨٦٤-
لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري
فولي "لو" اسم هو في الظاهر مبتدأ. وشرق: خبره. قيل: وهو مذهب الكوفيين. واختلف البصريون في تخريجه. فقال الفارسي: "حلقي": فاعل بفعل محذوف، وشرق: خبر مبتدأ محذوف، والأصل: لو شرق حلقي، هو شرق. فحذف الفعل أولا والمبتدأ آخرًا، وخرجه غيره على إضمار "كان" الثانية. واسمها وجملة ما بعد "لو" اسمية خبر "كان".
"و" يجوز أن يلي "لو" "كثيرًا: أن" المشددة الموصولة "وصلتها، نحو: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥] وموضعهما عند الجميع رفع. ثم اختلف في رفعه، "فقال سيبويه٢، وجمهور البصريين: مبتدأ. ثم قيل: لا خبر له" لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه. "وقيل: له خبر محذوف"، ثم قيل: يقدر مقدمًا على المبتدأ، أي: ولو ثابت صبرهم، على حد: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ [يس: ٤١] .
وقال ابن عصفور: يقدر مؤخرًا على الأصل، أي: ولو صبرهم ثاتب. "وقال الكوفيون والمبرد والزجاج والزمخشري: فاعل بثبت مقدرا"، أي: ولو ثبت صبرهم٣. والدال عليه "أن" فإنها تعطي معنى الثبوت "كما قال" النحاة "الجميع في" "أن" الواقعة بعد "ما" الموصولة، من كون "أن" "وصلتها في"
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في النكاح، باب السلطان ولي، برقم ٤٨٤٢.
(٢) البيت لعدي بن زيد في ديوانه ص٩٣، والأغاني ٢/ ٤٩، وجمهرة اللغة ٧٣١، والحيوان ٥/ ١٣٨، ٥٩٣، وخزانة الأدب ٨/ ٥٠٨، ١١/ ١٥، ٢٠٣، والدرر ٢/ ١٩٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥٨، والشعر والشعراء ١/ ٢٣٥، واللامات ١٢٨، ولسان العرب ٤/ ٥٨٠ "عصر" ٧/ ٦١ "غصص"، ١٠/ ١٧٧ "شرق"، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٥٤، وكتاب العين ٤/ ٣٤٢، وأساس البلاغة "عصر"، وبلا نسبة في الارتشاف ٢/ ٥٧٣، والاشتقاق ٢٦٩، وتذكرة النحاة ص٤٠، والجنى الداني ٢٨٠، وجواهر الأدب ٢٦٣، وشرح ابن الناظم ٥٠٦، وشرح الأشموني ٣/ ٦٠١، وشرح التسهيل ٤/ ٩٨، وشرح عمدة الحافظ ص٣٢٣، والكتاب ٣/ ١٢١، ومغني اللبيب ٢/ ٢٦٨، وهمع الهوامع ٢/ ٦٦. ٢ الكتاب ٣/ ١٢١. ٣ الارتشاف ٢/ ٥٧٣، والجنى الداني ص٢٨٠.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
موضع رفع على الفاعلية بثبت مقدرًا في: "لا أكلمه ما أن في السماء نجمًا"١، أي: ما ثبت أن في السماء نجمًا. ورجع هذا بأن فيه إبقاء "لو" على اختصاصها بالفعل. ويبعده أن الفعل لم يحذف بعد "لو" وغيرها من أدوات الشرط إلا مفسرًا بفعل بعده، إلا "كان"، والمقرون بـ"لا" بعد "إن". قاله الموضح في شرح بانت سعاد٢. وإليه أشار الناظم بقوله٣:
٧١٠-
لكن لو أن بها قد تقترن
واختصت "أن" من بين سائر ما يؤول بالاسم المرفوع. بالوقوع بعد "لو"، كما اختصت "غدوة"، بالنصب بعد "لدن"٤.
"وجواب "لو" إما ماض معنًى نحو: لو لم يخف الله لم يعصه، أو" ماض "وضعًا، وهو" أي الماضي وضعًا، "إما مثبت، فاقترانه باللام، نحو: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] أكثر من تركها، نحو ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ " [الواقعة: ٧٠] .
قال عبد اللطيف في باب اللامات: هذه اللام تسمى لام التسويف، لأنها تدل على تأخير وقوع الجواب عن الشرط، وتراخيه عنه، كما أن إسقاطها يدل على التعجيل، أي أن الجواب يقع عقب الشرط بـ"لا" مهملة، ولهذا دخلت في: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] وحذفت في: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] أي: لوقته في المزن من غير تأخير، والفائدة في تأخير جعله حطامًا، وتقديم جعله أجاجًا، تشديد العقوبة، أي: إذا استوى الزرع على سوقه وقويت به الأطماع. جعلناه حطامًا، كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ الآية [يونس: ٢٤] . انتهى.
"وإما منفي" بـ"ما"، عطف على مثبت، "فالأمر بالعكس"، فالأكثر تجرده من اللام، ويقل اقترانه بها، فالأول، "نحو: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ " [الأنعام: ١١٢] .
"و" الثاني: نحو "قوله" [من الوافر] .
٨٦٥-
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ولكن لا خيار مع الليالي
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٠٦. ٢ شرح قصيدة كعب بن زهير ص١٢١-١٢٢. ٣ في "ط": في "قوله". ٤ شرح ابن الناظم ص٥٠٥.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٣١، وخزانة الأدب ٤/ ١٤٥، ١٠/ ٨٢، والدرر ٢/ ٢٠١، وشرح الأشموني ٣/ ٦٠٤، وشرح المغني ٢/ ٦٦٥، ومغني اللبيب ١/ ٢٧١، وهمع الهوامع ٢/ ٦٦.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
فأدخل اللام على "ما" النافية، ولا تدخل اللام على ناف غيرها، وتقدم في باب "إن" توجيه ذلك.
"قيل: وقد تجاب" لو "بجملة اسمية" مقرونة باللام. "نحو": ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا " لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ " [البقرة: ١٠٣] صرح بذلك ابن مالك في شرح التسهيل فقال١: إن اللام في "المثوبة" جواب "لو". وإن بين الماضي والاسم تشابها عن هذه الجهة. قال الزمخشري٢: وإنما جعل جوابها جملة اسمية دلالة على استمرار مضمون الجزاء. وقيل: الجملة مستأنفة، صرح به أبو حيان في البحر فقال٣: "اللام" في "لمثوبة"، لام الابتداء، لا الواقعة في جواب "لو"، وهو أحد احتمالي الزمخشري.
أو "جواب لقسم مقدر". صرح بذلك ابن مالك في بعض نسخ التسهيل فقال٤: وإذا وليها جملة اسمية فهي جواب قسم. وارتضاه في المغني فقال٥: والأولى أن تكون لام "لمثوبة" الاسمية استعيرت مكان الفعلية ففيه تعسف. انتهى. وأن "لو" في هذين الوجهين الأخيرين. وهما: الاستئناف وجواب القسم، للتمني فلا جواب لها على الأصح الآتي.
الوجه الرابع من أوجه "لو": أن تكون للتمني نحو: لو تأتني٦ فتحدثني. بالنصب. واختلف فيها، فقال ابن الضائع وابن هشام: هي قسم برأسها فلا تحتاج إلى جواب. وقال بعضهم: هي لو الشرطية أشربت معنى ليت٧.
الوجه الخامس: أن تكون للعرض نحو: لو تنزل عندنا فتصيب خيرًا. ذكره في التسهيل٨.
الوجه السادس: أن تكون للتقليل نحو: "تصدقوا ولو بظلف محرق"٩.
ذكره ابن هشام اللخمي وغيره.
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ٤/ ١٠٠. ٢ الكشاف ١/ ٨٦. ٣ البحر المحيط ١/ ٣٣٥. ٤ التسهيل ص٢٤١. ٥ مغني اللبيب ١/ ٢٢٨. ٦ في "ب"، "ط": "تأتيني". ٧ مغني اللبيب ١/ ٢٢٧. ٨ انظر الإعراب عن قواعد الإعراب ص٨٧. ٩ في سنن النسائي ٥/ ٨١: "ردوا السائل ولو بظلف محرق". وانظر الإعراب عن قواعد الإعراب ٨٧.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
فصل في "أما" بفتح الهمزة وتشديد الميم:
"وهي حرف شرط"، أي متضمن معنى شرط، "و" حرف "توكيد دائمًا، و" حرف "تفصيل غالبًا. يدل على" المعنى "الأول"، وهو الشرط، "مجيء الفاء بعدها" غالبًا نحو: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ﴾ [البقرة: ٢٦] .
ولو كانت الفاء للعطف لم تدخل على الخبر، إذ لا يعطف الخبر على مبتدئه. ولو كانت زائدة لصح الاستغناء عنها. ولما لم يصح الاستغناء عنها، ولا عطفها الخبر على مبتدئه تعين أنها فاء الجزاء وأن "أما" للشرط.
"و" يدل "على" المعنى "الثالث" وهو التفصيل "استقراء مواقعها" وعطف مثلها عليها "نحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ "، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩، ١٠] " ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ " [آل عمران: ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٧] " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ " [الليل: ٥] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] الآيات الثلاث. وقد يترك تكرارها استغناء بذكر أحد القسمين عن الآخر، أو بكلام يذكر بعدها.
فالأول نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٤، ١٧٥] وقسيمه في المعنى: وأما الذين كفروا فلهم كذا وكذا.
"و" الثاني "منه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ "فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] الآية، وقسيمه في المعنى قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ " يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] "الآية، فالوقف دونه"، وقف تام، فيقف القارئ لهذه الآية على قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] ويبتدئ بما بعده.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
"والمعنى: وأما الراسخون" في العلم "فيقولون": آمنا به "وذلك" مبني "على أن المراد بالمتشابه" بالقرآن "ما استأثر الله تعالى بعلمه"، أي اختص به فلا يشاركه فيه غيره، ولا طريق لمخلوق إلى معرفته إلا بتوفيق منه ﷾. وهذا التقدير الذي قدره الموضح في هذه الآية هو [أحد] ١ أدلة الحشوية على جواز الخطاب بالمهمل. وتقرير٢ الدليل منه أنهم قالوا: الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] واجب حتى يكون٣ قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] كلامًا مستأنفا.
إذ لو لم يقف عليه، بل وقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] حتى يكون عطفا على٤ قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذا ابتدئ بقوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ كان المراد به: قائلين آمنا، فيكون حالا، وهو باطل لأنه لا يخلو إما أن يكون حالا عن الله وعن الراسخين، في العلم، حتى كأن الله تعالى والراسخين في العلم قالوا: آمنا به كل من عند ربنا. وذلك في حق الله تعالى محال. أو يكون حالا عن الراسخين [في العلم] ٥ فقط، وحينئذ يتخصص المعطوف بالحال دون المعطوف عليه.
وهو أيضًا غير جائز لأنه مناف للقاعدة المقررة في العربية: أن المعطوف في حكم المعطوف عليه. فثبت أن الوقف على قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وأجب، وإذا كان الوقف عليه واجبا فقد خاطبنا الله٦ بما لا نفهمه. وهو المهمل. وأجيب عنه بأنه يجوز تخصيص المعطوف بالحال حيث لا لبس، كقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، فإن نافلة حال من المعطوف فقط وهو يعقوب. لأن النافلة ولد الولد، وإنما هو يعقوب دون إسحاق. قال العكبري٧.
"ومن تخلف التفصيل قولك: أما زيد فمنطلق". هذا هو المنقول، وبحث فيه الموضح في الحواشي فقال: والظاهر أن: أما زيد فمنطلق، لا يقال إلا إذا وقع تردد في شخصين نسبا أو أحدهما إلى ذلك، فهو على هذا للتفصيل أي: وأما غيره فهو ليس كذلك. انتهى.
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ في "أ": "تقدير". ٣ بعده في "ط": "عطفًا على". ٤ سقط من "ط": "عطفًا على". ٥ إضافة من "ب"، "ط". ٦ سقط من "ب". ٧ التبيان ٢/ ٩٢٢.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
"وأما" المعنى "الثاني" وهو التوكيد، "فذكره الزمخشري فقال: أما حرف يعطي الكلام فضل" بالمعجمة، أي زيادة "توكيد، تقول: زيد ذاهب فإذا قصدت" توكيد ذلك و"أنه لا محالة ذاهب". وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمة، "قلت: أما زيد فذاهب" انتهى.
"وزعم أن ذلك" التوكيد "مستخرج من كلام سيبويه" حيث فسر "أما" بمهما يكن من شيء١. قال الزمخشري: وهذا التفسير مدل بفائدتين: كونه توكيدًا، وأنه في معنى الشرط. انتهى. وقال الطيبي ما معناه وتحريره٢: مهما قدر من الموانع والحوادث، فإنه لا يمنع زيدًا من الذهاب فإنه بصدد الذهاب لا محالة. انتهى.
"وهي نائبة عن أداة شرط وجملته"، وموضعها صالح لهما، وهي قائمة مقامها لتضمنها معنى الشرط، وليست أما بمعنى: مهما، وشرطها لأنها حرف والحرف لا يصلح أن يكون بمعنى اسم وفعل، قاله المرادي٣. "ولهذا" المذكور من النيابة "نؤول بمهما يكن من شيء" كما يؤخذ من تفسير سيبويه السابق.
قال الموضح في الحواشي: فشيء في كلام سيبويه عام يراد به خاص، وكان تامة. والمعنى: مهما يوجد شيء من موانع مصدر جوابها فجوابها ثابت للمسند إليه. فما ظنك إذا انتفت الموانع؟ وإنما عمم سيبويه العبارة لأنه لا يمكنه ذكر حدث خاص لأنه لم يفسرها باعتبار كلام معين. بل فسرها بما يشمل جميع مواردها، ويتلخص أنها تفيد ثلاثة أمور.
أحدها: التوكيد، إذ معنى قولك: أما زيد فمنطلق، أنه منطلق لا محالة، وهذا لا يعطيه الكلام بدونها.
والثاني: معنى الشرط، إذ المراد، مهما قدر مانع من انطلاقه، فانطلاقه واقع، ومن هنا كان الانطلاق واقعًا لا محالة.
والثالث: معنى التفصيل، وهذا لا يشعر به، مهما، ولهذا لا يكاد يعثر عليها إلا مردفة بأخرى مثلها معطوفة عليها، وقد تخلو٤ من هذا بدليل قولهم: أما العسل فأنا شراب، وأما حقا فإنك ذاهب، حكاهما سيبويه٥. انتهى.
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٢٣٥. ٢ في "ب": "تجريده". ٣ شرح المرادي ٢/ ٢٨٥. ٤ في "أ": "يخلو". ٥ الكتاب ١/ ١١١، ٣/ ١٣٧.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وكون "أما" تقدر بهما هو قول الجمهور. وقال بعضهم: إذا قلت: أما زيد فمنطلق، فالأصل إن أردت معرفة حال زيد، فزيد منطلق حذفت أداة الشرط وفعل الشرط وأنيبت "أما" مناب ذلك. وعلى القولين لا بد لـ"أما" من جملة، "ولا بد" لها "من فاء تالية لتاليها"، نحو: أما زيد فمنطلق، والأصل أن يقال: أما فزيد منطلق، فتجعل الفاء في صدر الجواب كما هي مع غير "أما" من أدوات الشرط. ولكن خولف هذا الأصل مع "أما" فرارًا من قبحه لكونه في صورة معطوف بلا معطوف عليه. ففصلوا بين "أما والفاء بجزء من الجواب. وهو واحد من ستة أمور:
أحدها: المبتدأ، كما مثلنا.
والثاني: الخبر نحو: أما في الدار فزيد.
والثالث: جملة شرط دون جوابه، نحو: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩] .
والرابع: اسم منصوب لفظا ومحلا نحو: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١٠، ١١] .
والخامس: اسم منصوب بمحذوف يفسره ما بعد الفاء نحو: أما زيدًا فاضربه.
والسادس: ظرف نحو: أما اليوم فأضرب زيدًا. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧١٢-
أما كمهما يك من شيء وفا لتلو تلوها وجوبا ألفا
"إلا إن دخلت" الفاء "على قول قد طرح"، أي حذف، "استغناء عنه"، أي عن القول: "بالمقول، فيجب حذفها معه" للاستغناء عنهما بالمقول، "كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ " بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، فـ"أكفرتم": مقول لقول محذوف. والقول ومقوله جواب أما "أي: فيقال لهم: أكفرتم. ولا تحذف" الفاء "في غير ذلك إلا في ضرورة، كقوله": [من الطويل]
٨٦٦-
فأما القتال لا قتال لديكم ولكن سيرا في عراض المواكب
_________________
(١) البيت للحارث بن خالد المخزومي في ديوانه ص٤٥، والأغاني ١/ ٣٨، وخزانة الأدب ١/ ٤٥٢، والدرر ٢/ ٢٠٧ وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٠٦، والأشباه والنظائر ٢/ ١٥٣، وأوضح المسالك ٤/ ٢٣٤، والجنى الداني ص٥٢٤، وسر صناعة الإعراب ص٢٦٥، وشرح ابن الناظم ص٥٠٩، وشرح شواهد الإيضاح ص١٠٧، وشرح شواهد المغني ص١٧٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٩١، وشرح المفصل ٧/ ١٣٤، ٩/ ٤١٢، والمنصف ٣/ ١١٨، ومغني اللبيب ص٥٦، والمقاصد النحوية ١/ ٥٧٧، ٤/ ٤٧٤، والمقتضب ٢/ ٧١، وهمع الهوامع ٢/ ٦٧.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
والأصل: فلا قتال. فحذف الفاء ضرورة. قال أبو الفرج١: "هذا البيت مما هجي به قديمًا بنو أسد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس"، وعراض. بالعين المهملة والضاد المعجمة: الشق والناحية، لا جمع عرصة؛ بمهملتين؛ وهي الساحة. والمواكب جمع موكب: وهم القوم الركوب على الإبل. "أو" في "ندور، نحو" قوله -ﷺ: "أما بعد! ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله". والحديث أخرجه البخاري٢، والأصل: فما بال رجال. و"ما" استفهامية مبتدأ. و"بال"، بمعنى شأن: خبرها، وإلى حذف الفاء أشار الناظم بقوله:
٧١٣-
وحذف ذي الفا قل في نثر إذا لم يك قول معها قد نبذا
_________________
(١) ١ الأغاني ١/ ٣٨. ٢ أخرجه البخاري في المساجد، باب ذكر البيع والشراء على المنبر، حديث رقم ٤٤٤، وهو من شواهد أوضح المسالك ٤/ ٢٣٥، وشرح ابن الناظم ص٥٠٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ٣٩٢.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
فصل في ذكر وجهي "لولا ولوما" على ما في النظم:
"لـ: لولا ولوما وجهان:
أحدهما: أن يدلا على امتناع جوابهما لوجود تاليهما فيختصان بالجمل الاسمية". وإليه أشار الناظم بقوله:
٧١٤-
لولا ولوما يلزمان الابتدا إذا امتناعا بوجود عقدا
نحو: " ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقوله: [من الكامل]
٨٦٧-
لوما الإضاحة للوشاة لكان لي من بعد سخطك في رضاك رجاء
وبهذا رد على المالقي، حيث زعم أن "لوما" لا تأتي إلا للتخصيص، وكون المرفوع بعد "لولا" مبتدأ هو الصحيح، وهو قول سيبويه، وقيل: مرفوع بـ"لولا" أصالة، وهو قول الفراء. وقيل: مرفوع بها نيابة، وهو قول حكاه الفراء عن بعضهم. وقيل: مرفوع بفعل محذوف، وهو قول الكسائي. وعلى القول الصحيح فقال الجمهور: يجب في الخبر أن يكون كونًا مطلقًا محذوفًا، وذهب غيرهم إلى أنه يجوز أن يكون كونًا مطلقًا كالوجود والحصول فيجب حذفه.
ويجوز أن يكون كونًا مقيدًا كالقيام والقعود، فيجب ذكره إن لم يعلم دليله وإلا جاز حذفه وذكره والخبر في هذه الآية يحتمل أن يكون كونا مطلقًا، والتقدير: لولا أنتم موجودون، ويحتمل أن يكون مقيدًا. والتقدير: لولا أنتم صددتمونا عن الهوى بعد إذ جاءنا، بدليل: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ: ٣٢] ولم أقف على الخلاف في المرفوع بعد "لوما" ولم يبعد مجيئه.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في شرح الأشموني ٣/ ٦٠٨، وشرح عمدة الحافظ ص٣١٦، ومغني اللبيب ص٢٧٦.
[ ٢ / ٤٣١ ]
"و" الوجه "الثاني: أن يدلا على التحضيض"، بمهملة ومعجمتين. وإليه أشار الناظم بقوله:
٧١٥-
وبهما التحضيض مز
"فيختصان بـ" الجمل "الفعلية"، لأن التحضيض طلب بحث وإزعاج. ومضمون الجملة الفعلية حادث ومتجدد، فيتعلق الطلب به، بخلاف الاسمية فإنها للثبوت وعدم الحدوث. "نحو: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ " [الفرقان: ٢١]، "و" نحو: " ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الحجر: ٧] . ويساويها في" إفادة "التحضيض والاختصاص بالأفعال: هلا، وألا، وألا"، بفتح أولها وتشديد اللام في الأولين وتخفيفها في الثالث: نحو: هلا ضربت زيدًا، وألا أهنته، وألا شتمته فيتأدب. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧١٥-
وهلا ألا ألا وأولينها الفعلا
٦٨٦-
فهلا نفس ليلى شفيعها
فتقديره: فهلا كان هو، أي: الشأن. "وقد يلي حرف التحضيض اسم معلق بفعل" على جهة كون الاسم معمولا للفعل. وذلك الفعل:
"إما مضمر، نحو" قوله -ﷺ- لجابر حين أخبره بأنه تزوج بثيب: "فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك" ١ فـ"بكرًا": متعلق بفعل محذوف "أي: فهلا تزوجت بكرًا.
أو مظهر مؤخر" عن حرف التحضيض "نحو" قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ " [النور: ١٦] فـ"لولا" بمعنى "هلا". وفي المغني٢: أنها هنا للتوبيخ.
و"إذ" متعلقة بـ"قلتم"، و"قلتم" فعل مظهر مؤخر من تقديم. و"سمعتموه" مجرور بإضافة "إذ" إليه، "أي: هلا قلتم إذ سمعتموه". وإليه أشار الناظم بقوله:
٧١٦-
وقد يليها اسم بفعل مضمر علق أو بظاهر مؤخر
_________________
(١) صدر البيت: ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة وتقدم تخريج البيت برقم ٥٣١. ١ أخرجه البخاري في البيوع برقم ١٩٩١. ٢ مغني اللبيب ص٢٧٨.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
باب الإخبار بالذي وفروعه
مدخل
باب الإخبار بالذي وفروعه:
التي، والذي، واللتين، والذين، واللاتي. "وبالألف واللام".
وكثيرًا ما يصار إلى الإخبار لقصد الاختصاص. أو تقوي الحكم، أو تشويق السامع، أو إجابة الممتحن، أو قوة ملكة في التصرف١ في الكلام.
"و" لذلك "يسميه بعضهم في" الصدر الأول: "باب السبك" أي سبك النحو، وهي تسمية قديمة.
وقد بالغ فيه النحويون، ووضعوه على أبواب النحو كـ: باب الفاعل، والمبتدأ والخبر ونواسخهما، وجميع المفعولات، والتوابع، والإعمال وغير ذلك، ليحصل للطالب بالامتحان فيه ملكة يقوى بها على التصرف.
"وهو باب" واسع "وضعه النحويون للتدريب في الأحكام النحوية، كما وضع التصريفون مسائل التمرين" الآتية وهي: كيف تبني من كذا مثل كذا "في القواعد التصريفية؟
والكلام فيه في فصلين:" أحدهما: في بيان حقيقته، وثانيهما: في بيان شروط ما يخبر عنه.
_________________
(١) ١ في "ب": "التصريف".
[ ٢ / ٤٣٣ ]
الفصل الأول في بيان حقيقته:
وهي أن تدخل١ الموصول على أول الكلام الذي فيه الاسم المخبر عنه واقعًا على معنى ذلك الاسم، ثم يعوض من ذلك الاسم ضميرًا مكانه على حسبه في الإعراب والإفراد، والتثنية، والجمع، والتذكير والتأنيث، ويكون ذلك الضمير عائدًا على ذلك الموصول، ويكون الموصول أيضًا مطابقًا للضمير فيما تقدم. ثم يصير ذلك الاسم الذي أردت الإخبار عنه خبرًا عن الموصول، وباقي الجملة صلة الموصول.
وبيان ذلك أنك "إذا قيل لك: كيف تخبر عن زيد" المبتدأ "من قولنا٢: زيد منطلق بالذي؟ متعلق بتخبر. "فاعمد إلى ذلك الكلام" الذي فيه زيد. "فاعمل فيه أربعة أعمال:
أحدها: أن تبتدئه بموصول" يكون في موضع رفع بالابتداء "مطابق" ذلك الموصول "لـ: زيد، في إفراده وتذكيره". وذلك المطابق لـ: "زيد" فيما ذكر "هو: الذي" الواقع في الابتداء.
العمل "الثاني: أن تؤخر زيدًا إلى آخر التركيب"، لأنك تريد أن تجعله خبرًا عن الموصول.
العمل "الثالث: أن ترفعه"، أي زيدًا، "على أنه خبر للذي"٣.
العمل "الرابع: أن تجعل في مكانه"، أي مكان زيد. "الذي نقلته عنه ضميرًا مطابقًا له في معناه و" في "إعرابه، فتقول: الذي هو منطلق زيد"، فالموصول وهو "الذي: مبتدأ" فمن حيث كونه موصولا، يحتاج إلى صلة وعائد، ومن حيث كونه مبتدأ، يحتاج إلى خبر "و" جملة: "هو منطلق، مبتدأ وخبر" على الترتيب، "والجملة"
_________________
(١) ١ في "ب": "يدخل". ٢ في "ب": "قولك". ٣ في "ب": "الذي".
[ ٢ / ٤٣٤ ]
من المبتدأ والخبر "صلة الذي، والعائد منها" إلى الموصول، "الضمير" المرفوع على الابتداء "الذي جعلته خلفًا عن زيد في إعرابه "الذي هو الآن"، وهو زيد، "كمال الكلام". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧١٧-
ما قيل أخبر عنه بالذي خبر عن الذي مبتدأ قبل استقر
٧١٨-
وما سواهما فوسطه صله عائدها خلف معطي التكمله
"وقد تبين بما شرحناه، أن زيدًا" في المثال المذكور "مخبر به، لا عنه، وأن الذي بالعكس" أي: مخبر عنه لا به. "وذلك خلاف ظاهر السؤال"، وهو قولهم: كيف تخبر عن زيد من قولنا: زيد منطلق، بالذي؟ فظاهر هذا السؤال أن زيدًا، مخبر عنه، وأن الذي مخبر عنه، "فوجب تأويل كلامهم على" أوجه:
أحدها: لابن عصفور: أنهم أرادوا بقولهم: الإخبار بالذي، أن تخبر عن المسمى ويكون الاسم المخبر عنه في وقت الإخبار: الذي، فعبر عن المسمى: بالذي. فإذا قيل: أخبر عن زيد بالذي، كان على "معنى أخبر عن مسمى زيد في حال تعبيرك عنه بالذي".
وثانيهما لابن الضائع، بمعجمة فمهملة، الأقرب أن يكون الكلام محمولا على المعنى، وذلك أن زيدًا هو المخبر عنه في الحقيقة. وإن كان في اللفظ خبرًا، فعبروا عنه بأنه مخبر عنه نظرًا إلى الحقيقية.
وثالثها: أنه على القلب وأن "عن" بمعنى الباء، ورابعها: أنه لما كان الخبر هو المبتدأ في المعنى، صح أن يطلب عليه أنه مخبر عنه، وإذا كان المخبر عنه مثنى أو مجموعًا على حدة، أو مؤنثًا، جيء بالموصول على وفقه، لوجوب مطابقة الخبر للمبتدأ، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٠-
وباللذين والذين والتي اخبر مراعيا وفاق المثبت
"تقول في نحو: بلغت من أخويك إلى العمرين"؛ بكسر الراء؛ "رسالة، إذا أخبرت عن التاء" من بلغت، "بالذي: الذي بلغ من أخويك إلى العمرين رسالة أنا". فالذي: مبتدأ، وأنا: خبره، وما بينهما صلة، وعائدها ضمير مستتر في بلغ لأنه أمكن اتصاله فلا يعدل إلى انفصاله.
"فإذا أخبرت عن أخويك" بالتثنية "قلت: اللذان بلغت منهما إلى العمرين رسالة أخواك"، فاللذان: مبتدأ، وأخواك: خبره، وما بينهما صلة وعائدها ضمير التثنية
[ ٢ / ٤٣٥ ]
المجرور بـ"من". "أو" أخبرت عن "العمرين" بالجمع "قلت: الذين بلغت من أخويك إليهم رسالة العمرون". فالذين مبتدأ، والعمرون. خبره، وما بينهما صلة، وعائدها ضمير الجمع المجرور بـ"إلى". أو" أخبرت "عن الرسالة قلت: التي بلغتها من أخويك إلى العمرين رسالة" بالرفع، فالتي، مبتدأ: ورسالة: خبره، وما بينهما صلة، وعائدها الهاء من: بلغتها، وكان حق ضمير الرسالة أن يكون مكانها منفصلا ويكون التقدير: التي بلغت من أخويك إلى العمرين إياها رسالة.
لكن حيث أمكن١ الاتصال "فتقدم الضمير وتصله" بالفعل، "لأنه إذا أمكن الوصل لم يجز العدول" عنه "إلى الفصل" إلا في الضرورة، "وحينئذ"، أي حين إذ قدمته ووصلته "فيجوز" لك "حذفه" وإثباته "لأنه عائد متصل منصوب بالفعل" وتقدم في باب الموصول أن العائد إذا كان منصوبًا متصلا بالفعل، جاز حذفه نحو: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] وشرط الضمير العائد إلى الموصول في هذا الباب أن يكون ضمير غيبة ولو كان خلفًا عن حاضر٢. وأجاز أبو ذر الخشني المطابقة في الخطاب. فتقول في الإخبار عن تاء المخاطب: الذي ضربت أنت. ويلزمه إجازة ذلك في المتكلم نحو: الذي قمت أنا، إذ لا فرق. ورد بأنه يلزم أن تكون فائدة الخبر ما صلة في المبتدأ، وذلك خطأ، والخبر في هذا الباب واجب٣ التأخير عند الجمهور، ونقل ابن العلج عن المبرد أنه يجوز تقديمه خبرًا عن الذي أو مبتدأ٤.
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "أمكنك". ٢ سقط من "ب". ٣ في "ب": "جائز". ٤ انظر الارتشاف ٢/ ٦.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
الفصل الثاني في شروط ما يخبر عنه:
فيجب استحضارها عند إرادة الإخبار:
"اعلم أن الإخبار إن كان بالذي أو أحد١ فروعها" من التأنيث والتثنية والجمع. "اشترط للمخبر عنه سبعة شروط:
أحدها: أن يكون قابلا للتأخير"، لما مر من أنه يجب تأخيره. "فلا يخبر عن أيهم" في الاستفهام "من قولك: "أيهم في الدار؟ " لأنك تقول حينئذ: "الذي هو في الدار أيهم". فتزيل الاستفهام عن صدريته". وأجاز ذلك ابن عصفور بشرط تقدمه نحو: أيهم الذي هو في الدار فـ"أيهم": خبر مقدم، و"الذي": مبتدأ مؤخر. وقال ابن الضائع: بل "أيهم" مبتدأ، و"الذي": خبره.
والأقرب قول ابن عصفور، وإن كان الأصح عند الجمهور المنع مطلقًا٢. "وكذا القول في جميع أسماء الاستفهام و" أسماء "الشرط، و"كم" الخبرية، و"ما" التعجبية، وضمير الشأن"، على القول بأن له صدر الكلام. "لا يخبر عن شيء منها لما ذكرنا" من إزالة ما له صدر الكلام عن صدريته، وبيان ذلك أنك تقول في الإخبار عن اسم الشرط من قولنا: "أيهم يكرمني أكرمه": الذي هو يكرمني أكرمه أيهم١. وعن "كم" الخبرية من قولنا: كم عبد ملكت؟ [الذي إياه عبد ملكت] ٣ كم. وعن "ما" التعجبية من قولنا: "ما أحسن زيدًا": الذي هو أحسن زيدًا ما. وعن ضمير الشأن من قولنا: "هو زيد قائم": الذي هو زيد قائم هو. فتزيل ما له صدر الكلام عن صدريته، وثم مانع آخر وهو أن الضمير الحال محل المخبر عنه لا يتضمن معناه ولا يعمل عمله.
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ انظر الارتشاف ٢/ ٥. ٣ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٤٣٧ ]
أما في مسألة الاستفهام فلأن الضمير لا يستفهم به، وأما في مسألة الشرط فلأن الضمير لا يجزم، وأما في مسألة "كم" فلأن الضمير لا يضاف. وأما في مسألة "ما" التعجبية فلأن الضمير لا يخبر عنه بأفعل في التعجب، وأما في مسألة ضمير الشأن فلأن ضمير الشأن لا يتقدم على الجملة الواقعة صلة الموصول.
"وفي التسهيل١ أن الشرط أن يقبل الاسم أو خلفه، التأخير. وذلك لأن الضمائر المتصلة كالتاء من: "قمت"، يخبر عنها مع أنها لا تتأخر، ولكن يتأخر خلفها، وهو الضمير المنفصل. تقول" إذا أخبرت عن التاء من "قمت": "الذي نام أنا". فعلى هذا يصير المتصل منفصلا لكونه خبرًا ويصير المتكلم غائبًا لعوده على: الذي فلذلك عزاه للتسهيل.
الشرط "الثاني: أن يكون" المخبر منه "قابلا للتعريف، فلا يخبر عن الحال والتمييز" مما هو ملازم للتنكير. "لأنك لو قلت في: جاء زيد ضاحكًا"، وفي: "ملكت تسعين نعجة": "الذي جاء زيد إياه ضاحك"، والتي ملكت تسعين إياها نعجة، "لكنت [قد] ٢ نصبت الضمير" في الأول "على الحال"، وفي الثاني على التمييز، "وذلك ممتنع، لأن الحال" والتمييز كل منهما "واجب التنكير، وكذا القول في نحوه. وهذا القيد"٣: وهو قبول التعريف المذكور في النظم في قوله:
٧٢١-
قبول تأخير وتعريف لما أخبر عنه ههنا قد حتما
"لم يذكره" [الناظم] ٤ "في التسهيل" بهذا اللفظ، وذكر بلفظ غيره فقال١: منوبًا عنه بضمير. قال شراحه، أبو حيان٥ ومتابعوه: المرادي٦ وابن عقيل٧ وناظر الجيش والسمين واللفظ له.
قوله: منوبًا عنه بضمير، أي عن ذلك الاسم الذي تريد أن تخبر عنه. وتحرز بذلك من الأسماء التي يجوز إضمارها٨، كالحال والتمييز، والأسماء العاملة عمل الفعل،
_________________
(١) ١ التسهيل ص٢٥١. ٢ إضافة من "ط": وأوضح المسالك ٤/ ٢٤٠. ٣ في "ط": "التقييد". ٤ إضافة من "ب"، "ط". ٥ الارتشاف ٢/ ٣. ٦ شرح المرادي ٤/ ٢٩٧. ٧ شرح ابن عقيل ٢/ ٤١٠. ٨ في "أ": "إظهارها".
[ ٢ / ٤٣٨ ]
نحو: اسم الفاعل واسم المفعول. وأمثلة المبالغة، والمصادر، والصفات المشبهة، وأسماء الأفعال. انتهى.
الشرط "الثالث: أن يكون" المخبر عنه "قابلا للاستغناء عنه بالأجنبي" في صحة وقوعه قبل الإخبار، كـ زيد من: "ضربت زيدًا"، فإنه يصح وقوع عمرو مثلا موقعه في تركيب آخر، فتقول: ضربت عمرًا، بخلاف الهاء في: "زيد ضربه"، فلا يصح وقوع أجنبي موقعها لفوات العائد إلى المبتدأ. "فلا يخبر عن الهاء من نحو: "زيد ضربته"، لأنها لا يستغنى عنها بالأجنبي، كـ: "عمرو وبكر" لما ذكرنا.
"وإنما امتنع الإخبار عما هو كذلك، لأنك لو أخبرت عنه لقلت: الذي زيد ضربته هو، فالضمير المنفصل" وهو "هو" المتأخر في آخر التركيب، "هو الذي كان متصلا بالفعل قبل الإخبار، والضمير المتصل الآن" وهو الهاء، "خلف عن ذلك الضمير الذي كان متصلا بالفعل، ففصلته وأخرته.
ثم هذا الضمير" المنصوب "المتصل"، وهو الهاء من ضربته. "إن قدرته رابطًا للخبر بالمبتدأ، الذي هو: زيد، بقي الموصول"، وهو الذي "بلا عائد، وإن قدرته عائدًا على الموصول، بقي الخبر بلا رابط"، ولا سبيل إلى كونه عائدًا عليهما، إذ عود ضمير مفرد على شيئين محال هذا١ من جهة الصناعة، وأما من جهة المعنى فقال: الفارسي: لا فائدة في هذا الإخبار، لأن الخبر حينئذ لا زيادة فيه على المبتدأ، فهو كقولك: الذاهب جاريته صاحبها. انتهى.
الشرط "الرابع: أن يكون" المخبر عنه "قابلا للاستغناء عنه بالمضمر، فلا يخبر [عن المجرور] ٢ بـ"حتى"، أو بـ"مذ"، أو بـ"منذ" لأنهن لا يجررن إلا الظاهر، والإخبار يستدعي إقامة ضمير مقام المخبر عنه؛ كما تقدم" أول الباب: فلا يخبر عن رأسها من قولك "أكلت السمكة حتى رأسها"، بالجر، فلا تقل: الذي أكلت حتاه رأسها، ولا عن يومين من قولنا: "ما رأيته مذ أو منذ يومين"، فلا تقل: اللذان، ما رأيته مذهما، أو منذهما، يومان، لأن "حتى" و"مذ" و"منذ" لا يجررن ضميرًا. وإلى هذين الشرطين أشار الناظم بقوله:
٧٢٢-
كذا الغنى عنه بأجنبي أو بمضمر شرط
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ إضافة من "ط"، وفي أوضح المسالك ٤/ ٢٤٠: "عن الاسم المجرور".
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وكذلك لا يجوز الإخبار عن مضاف دون مضاف إليه، ولا عن مصدر عامل دون معموله، ولا عن موصوف دون صفته١، ولا عن صفة دون موصوفها.
"فـ" على هذا "إذا قيل: "سر أبا زيد قرب من عمرو الكريم"، جاز الإخبار عن زيد" خاصة. "وامتنع الإخبار عن الباقي، لأن الضمير" يخلف زيدًا و"لا يخلفهن". تقول في الإخبار عن زيد: "الذي سر أباه قرب من عمرو الكريم زيد". ولا تقل في الإخبار عن الأب وحده: "الذي سر أبا زيد قرب من عمرو الكريم أب" ولا عن قرب: "الذي سر أبا٢ زيد هو من عمرو الكريم قرب". ولا عن عمرو: "الذي سر أبا زيد قرب منه الكريم عمرو". ولا عن الكريم: "الذي سر أبا زيد قرب من عمرو هو الكريم". "أما: "الأب" فلأن الضمير" الحال محله "لا يضاف، وأما "القرب" فلأن الضمير" الحال محله "لا يتعلق به جار ومجرور وغيره" من المعمولات، عند البصريين.
وذهب الكوفيون إلى أن ضمير المصدر يعمل عمل المصدر، "وأما، "عمرو الكريم" فلأن الضمير" الحال محل عمرو، "لا يوصف، و" الضمير الحال محل الكريم، "لا يوصف به، نعم إن أخبرت عن المضاف والمضاف إليه معًا". وهما: "أبا زيد"، أو عن العامل ومعموله معًا، وهما: "قرب من عمرو" أو عن الموصوف وصفته، وهما: "عمرو الكريم". "فأخرت ذلك" المخبر عنه برمته، "وجعلت مكانه ضميرًا" مطابقًا له في معناه وإعرابه، "جاز" ذلك، "فتقول في الأخبار عن المتضايفين" وهما: أبا زيد: "الذي سره قرب من عمرو الكريم أبو زيد، وكذا الباقي". فتقول في الإخبار عن العامل ومعموله: "الذي سر أبا زيد قرب من عمرو الكريم". ففي: "سر"، ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية وهو خلف عن: "قرب" وكان القياس أن يوضع في محله، لكن ضرورة الاتصال ألجأت إلى تقديمه٣ واتصاله بعامله، فاستتر فيه. وتقول في الإخبار عن الموصوف وصفته معًا وهما: عمرو الكريم: الذي سر أبا زيد قرب منه عمرو الكريم.
الشرط "الخامس: جواز وروده في الإثبات، فلا يخبر عن: أحد، من نحو:
_________________
(١) ١ في "ب": "موصوفه". ٢ في "ط": "ويأباه". ٣ في "أ": "تقدمه".
[ ٢ / ٤٤٠ ]
"ما جاءني أحد"، لأنه لو قيل: الذي ما جاءني أحد، لزم وقوع: "أحد" في الإيجاب"، فإنه خبر "الذي"، وفاعل "جاءني"، ضمير مستتر فيه، وهو ضمير "أحد".
ونص في التسهيل في باب العدد١ على أن نفي ضمير: أحد، مسوغ لوقوع: أحد في الإيجاب، كقوله: [من الطويل]
٨٦٩-
إذا أحد لم يعنه شأن طارق
فإن قلت: الضيمر في جاءني يعود على الموصول، لا على: أحد، قلت: أحد: خبر الموصول، والخبر في هذا الباب نفس المبتدأ.
الشرط "السادس: كونه في جملة خبرية، فلا يخبر عن الاسم" المعمول لفعل طلب كالواقع "في مثل: اضرب زيدًا"، فلا تقل في الإخبار عن زيد: الذي أضربه زيد.
"لأن الطلب لا يقع صلة" للموصول، لما مر في بابه.
الشرط "السابع: أن لا يكون" المخبر عنه "في إحدى جملتين مستقلتين"، ليس في الأخرى منهما ضميره، ولا بين الجملتين عطف بالفاء. وذلك "نحو: زيد من قولك: قام زيد وقعد عمرو". فلا يقال: الذي قام وقعد عمرو زيد، لأن جملة: "قعد عمرو" ليس فيها ضمير يعود على الموصول، ولا هي معطوفة بالفاء، فلا يصلح أن تكون معطوفة على جملة الصلاة، "بخلاف" ما إذا كان في إحدى جملتين غير مستقلتين، كالشرط والجزاء، نحو: إن قام زيد قعد عمرو". فيحوز الإخبار عن زيد، فتقول: الذي إن قام قعد عمرو وزيد، لأن الشرط والجزاء كالجملة الواحدة، بخلاف ما إذا كان في إحدى جملتين مستقلتين وتضمنت الثانية ضميره، أو كانت معطوفة بالفاء، فإنه يجوز الإخبار لحصول الرابط٢ بين الجملتين بالضمير أو بالفاء.
فالأول: كالمتنازع فيه من نحو: "ضربني وضربت زيدًا"، ونحو: "أكرمني وأكرمته عمرو" تقول في الإخبار عن زيد: "الذي ضربني وضربته زيد"، وعن عمرو: "الذي أكرمني وأكرمته عمرو".
والثاني: كأحد المرفوعين، من نحو: "يطير الذباب فيغضب زيد"، تقول في الإخبار عن الذباب "الذي يطير فيغضب زيد الذباب"، وفي الإخبار عن زيد: "الذي
_________________
(١) ١ التسهيل ص١١٨-١١٩.
(٢) عجز البيت: "لعدم فإنا مؤثروه على الأهل"، وهو بلا نسبة في شرح التسهيل ٢/ ٤٠٧. ٢ في "ب": "الربط".
[ ٢ / ٤٤١ ]
يطير الذباب فيغضب زيد"، ويكتفى بضمير واحد في الجملتين الموصول بهما، لأن ما في الفاء من معنى السببية نزلهما١ منزلة الشرط والجزاء، فجاز لذلك قولك: "الذي إن يطر فيغضب زيد الذباب".
"وإن كان الإخبار بالألف واللام، اشترط عشرة أمور: هذه السبعة، وثلاثة أخر وهي: أن يكون المخبر عنه من جملة فعلية، وأن يكون فعلها متصرفًا" ليصاغ منه الوصف الصريح، وأن يكون الفعل مقدمًا غير مسبوق بشيء. وفي بعض النسخ مثبتًا. "فلا يخبر بـ"أل" عن زيد من قولك: زيد أخوك"، لأنه في جملة اسمية لا يصاغ منها صلة "أل" "ولا من قولك: عسى زيد أن يقوم"، لأن الفعل جامد. "ولا من قولك: ما زال زيد عالمًا، لأن الفعل غير مقدم، بل النفي متقدم عليه، و"أل" لا يفصل بينها وبين صلتها بنفي ولا غيره، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٣-
وأخبروا هنا بأل عن بعض ما يكون منه الفعل قد تقدما
٧٢٤-
إن صح صوع صلة منه لأل
فيخبر عن المفعول النائب عن الفاعل من نحو: ضرب زيد، فتقول: المضروب زيد، "ويخبر عن كل من الفاعل والمفعول في نحو قولك: وقى الله البطل. فتقول" إذا أخبرت عن الفاعل: "الواقي البطل الله، و" تقول إذا أخبرت عن المفعول: "الواقيه الله البطل"، برفع الأول على الفاعلية، والثاني على الخبرية. "ولا يجوز لك أن تحذف الهاء" من: "الواقيه"، خلافًا للشارح٢، "لأن عائد الألف واللام لا يحذف إلا في الضرورة كقوله: [من البسيط]
٨٧٠-
ما المستفز الهوى محمود عاقبة ولو أتيح له صفو بلا كدر
أي: المستفزه.
_________________
(١) ١ في "ب": "نزلتهما". ٢ في شرح ابن الناظم ص٥١٦: "ولك أن تحذف الهاء".
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ١٢٣.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
فصل:
"وإذا رفعت١ صلة: أل" اسما ظاهرًا، كالمثال المتقدم، فلا إشكال فيه، وإذا رفعت "ضميرًا"، فلا يخلو إما أن يكون "راجعا إلى نفس: أل" وإما أن يكون راجعًا إلى غيرها. فإن كان راجعًا إلى نفس "أل". "استتر" ذلك الضمير "في الصلة" وجوبًا، "ولم يبرز" لكون الصفة جارية على من هي له. "تقول في الإخبار عن التاء من: بلغت" من أخويك إلى العمرين رسالة"، "في المثال المتقدم: "المبلغ من أخويك إلى العمرين رسالة أنا". ففي "المبلغ" ضمير مستتر" مرفوع على الفاعلية، ولم يبرز "لأنه في المعنى لـ"أل"، لأنه"أي الضمير المستر، "خلف عن ضمير٢ المتكلم" المؤخر المجعول خبرًا، "و"أل" للمتكلم، لأن خبرها" "أنا" وهو ضمير المتكلم. والمبتدأ" في هذا الباب "نفس الخبر"، والصفة نفس٣ موصوفها، فيكون الضمير المستتر في: المبلغ يرجع إلى "أل"، فلذلك وجب استتاره. "وإن رفعت صلة "أل" ضمير" راجعا "لغير "أل" وجب بروزه وانفصاله" من الصلة لما تقرر [من] ٤ أن الصلة٥ إذا جرت على غير من هي له، امتنع أن ترفع ضمير مستتر، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٥-
وإن يكن ما رفعت صلة أل ضمير غيرها أبين وانفصل
"ما إذا أخبرت عن شيء من بقية أسماء المثال" المتقدم، "تقول في الإخبار عن الأخوين: "المبلغ أنا منهما إلى العمرين رسالة أخواك"، و" تقول في الإخبار "عن العمرين: "المبلغ أنا من أخويك إليهم رسالة العمرون، و" تقول في الإخبار "عن الرسالة: المبلغها أنا من أخويك إلى العمرين رسالة"، بالرفع٦.
_________________
(١) ١ في "ب": "وقعت". ٢ سقط من "ب". ٣ في "أ": "نحو". ٤ إضافة من "ب"، "ط". ٥ في "أ": "الصفة". ٦ انظر شرح ابن الناظم ص٥١٦، وشرح ابن عقيل ٢/ ٤٠٤.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
فـ"أنا" فيهن فاعل المبلغ، وهو ضمير منفصل لأنه لغير "أل" "وذلك لأن التبليغ فعل المتكلم"، لأن فعله مسند إلى المتكلم في: بلغت، "و"أل" فيهن لغير المتكلم لأنها نفس الخبر الذي أخرته"، وهو: الأخوان في الأول: والعمرون في الثاني، والرسالة في الثالث، ولا فرق في ذلك بين المتنازع فيه وغيره.
تقول في الإخبار بـ"أل" عن المتنازع فيه من نحو: ضربت وضربني زيد: "الضارب أنا والضاربي زيد". وإنما أبرزنا فاعل الأول لأن "أل" الأولى، كـ"أل" الثانية في أنها نفس الخبر الذي هو: زيد. والضرب الأول ليس لزيد.
وتقول في الإخبار بـ"أل" عن غير المتنازع فيه على رأي الأخفش فإنه يغير الترتيب بأن يقدم المتنازع فيه ويجعله معمولا للأول بعدما كان معمولا للثاني، إذا أخبرت عن التاء من: "ضربت"، في المثال المذكور: "الضارب زيدًا، والضاربه هو أنا". قدمت "زيدًا" وجعلته لأول المتنازعين لأنه كان يطلبه منصوبًا، وأضمرت في الوصف الأول ضميرًا غائبًا عائدًا على "ألا" عوضًا عن التاء١ المخبر عنها، ليصح له٢ أن يعود على الموصول، فاستتر في الوصف بجريانه على ما٣ هو له، لأن "أل" نفس "أنا" لأن الذي فعل الضرب هو "أنا" في المعنى. ثم جئت بموصول ثان لأن "أل" لا تفصل من صلتها، فلا يصح أن تعطف وصفًا على وصف هو صلة لـ"أل"، وأتيت مكان ياء المتكلم بهاء الغيبة ليعود إلى "أل"، وفصلت ضمير الفاعل وهو "هو" لأن الصفة جرت على غير صاحبها، لأن "أل" نفس "أنا". والذي فعل الضرب ثانيًا إنما هو زيد، كما أن فاعل الضرب في الجملة الأولى٤ هو المتكلم. وهذا أولى مما ذهب إليه المازني من مراعاة الترتيب الأصلي بأن يؤتى لكل من الموصولين بخبر يخصه غير خبر الآخر٥، لفظًا ومعنى، فعلى هذا تقول في الإخبار عن تاء المتكلم الفوقانية في المثال المذكور: "الضاربه أنا هو، والضاربه زيد أنا". ووجهه أنا أخبرنا أولا عن الفاعل، وهو التاء الفوقانية ففصلناه وأخرناه، وأوقعنا "أل" الأولى على المضروب، كما أوقعنا "أل"٦
_________________
(١) ١ في "أ": "الياء". ٢ سقط من "ب". ٣ في "ب"، "ط": "من". ٤ سقط من "ب". ٥ في "ب": "الأول". ٦ سقط من "ب".
[ ٢ / ٤٤٤ ]
الثانية على الضارب. ثم وصلنا١ صلته بضمير المفعول العائد على "أل"، ثم أبرزنا ضمير الفاعل لجريان الصفة على غير من هي له، ثم جئنا بضمير المفعول خبرًا عن الموصول الأول، ثم جئنا بهاء الغائب مكان ياء المتكلم لتعود٢ على "أل"، وذكرنا فاعل الوصف بعد ذلك وهو زيد، ثم جئنا بالمخبر عنه وهو: أنا. ثم يقال لمن قال بموافقة المازني وشرح كلامه بما٣ تقدم: عليك مؤاخذة من ثلاثة أوجه.
أحدها: أنك سئلت عن الإخبار عن الفاعل، فأخبرت عن المفعول في الجملة الأولى، وعن الفاعل في الجملة الثانية.
والوجه الثاني: أنك أخرت المخبر عنه من الجملة الأولى التي كان فيها، إلى الجملة الأخرى بعدها.
والوجه الثالث: أن قولك: "هو" في الجملة الأولى لا يعلم له مرجع إلا بتقديم الجملة الثانية، والغرض أنها متأخرة.
واختار الموضح في الحواشي أن يقال: الضاربه أنا والضاربه زيد أنا. فتأتي للوصف الأول بمفعول يعود على زيد وهو الهاء. وتفصل الفاعل وهو "أنا" وتجعله خبرًا وتجعل مكان التاء التي فصلتها ضميرًا مثلها في المعنى والإعراب، لكن تجعله غائبًا ليعود على الموصول. وتجعله مستترًا، لأن "أل" هي نفس الخبر الذي هو "أنا" والضرب فعل المتكلم، فجرت الصفة على صاحبها، وتأتي للوصف الثاني بالهاء مكان ياء المتكلم وهي المفعول والعائد، وزيد: الفاعل، وأنا: الخبر، انتهى.
_________________
(١) ١ في "أ": "فصلنا". ٢ في "أ"، "ب": "ليعود". ٣ في "ط": "كما".
[ ٢ / ٤٤٥ ]
باب العدد
مدخل
باب العدد:
بفتحتين، وهو ما ساوى نصف مجموع حاشيتيه، القريبتين أو البعيدتين على السواء، [كـ: الاثنين] ١ فإن حاشيته السفلى واحد٢، والعليا ثلاثة، ومجموع ذلك أربعة، ونصف الأربعة اثنان، وهو المطلوب. ومن ثم قيل: الواحد ليس بعدد لأنه لا حاشية له سفلى حتى تضم مع العليا. والمراد به هنا الألفاظ الدالة على المعدود، كما يقال الجمع، للفظ الدال على الجماعة.
"اعلم أن الواحد والاثنين يخالفان الثلاثة والعشرة وما بينهما في حكمين:
أحدهما: أنهما يذكران مع المذكر، فتقول: واحد، اثنان، ويؤنثان مع المؤنث، فتقول: واحدة، واثنتان"، على لغة الحجازيين، و"ثنتان" على لغة بني تميم.
ويشاركهما في ذلك ما وازن فاعلا مطلقًا، والعشرة إذا ركبت، فتقول: الجزء الثالث والثالث عشر، والمقامة الثالثة والثالثة عشرة. "والثلاثة وأخواتها تجري على عكس ذلك"، فتؤنث مع المذكر وتذكر مع المؤنث. "فتقول: ثلاثة رجال بالتاء، وثلاث إماء٣، بتركها. قال الله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ " [الحاقة: ٧] . وقال ابن مالك٤. وإنما حذفت التاء من عدد المؤنث وأثبتت في عدد المذكر في هذا القسم، لأن
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ في "ط": "واحدة". ٣ سقط من "ب". ٤ شرح التسهيل ٢/ ٣٩٧.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
الثلاثة وأخواتها أسماء جماعات كـ: "زمرة وأمة وفرقة"، فالأصل أن تكون١ بالتاء لتوافق نظائرها، فاستصحب الأصل مع المذكر لتقدم رتبته، وحذفت مع المؤنث فرقًا لتأخر رتبته. انتهى.
"و" الحكم "الثاني" من حكمي٢ واحد واثنين: "أنهما لا يجمع بينهما وبين المعدود، لا تقول: واحد رجل، ولا: اثنا رجلين، لأن قولك: رجل، يفيد الجنسية والوحدة وقولك: رجلان، يفيد الجنسية وشفع الواحد، فلا حاجة إلى الجمع بينهما"، فأما قوله: [من الرجز]
٨٧١-
ثنتا حنظل
فقليل٣.
وأما البواقي، وهي الثلاثة والعشرة وما بينهما، فلها ثلاثة أحوال: الأول: أن يقصد بها العدد المطلق. والثاني: أن يقصد بها معدود ولا يذكر، والثالث: أن يقصد بها معدود ويذكر.
فأما لو قصد بها العدد المطلق، فإنها كلها بالتاء، نحو: ثلاثة نصف ستة، ولا تنصرف لأنها أعلام مؤنثة، خلافًا لبعضهم؛ وأما إذا أريد بها معدود ولم يذكر في اللفظ.
_________________
(١) ١ في "ب": "يكون". ٢ في "أ": "حكم".
(٢) تمام الرجز: كأن خصييه من التدلدل ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل وهو لخطام المجاشعي أو لجندل بن المثنى أو لسلمى الهذلية أو للشماء الهذلية في خزانة الأدب ٧/ ٤٠٠، ٤٠٤، ولجندل بن المثنى أو لسلمى الهذلية أو للشماء الهذلية في الدرر ١/ ٥٣٢، وللشماء الهذلية في خزانة الأدب ٧/ ٥٢٦، ٥٢٩، ٥٣١، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ١٨٩، وتاج العروس "دلل" "هدل" "ثنى" "خصى"، وتهذيب اللغة ٦/ ١٩٩، ٧/ ٤٧٨، وخزانة الأدب ٧/ ٥٠٨، وديوان الأدب ٤/ ١١، وشرح ابن الناظم ص٥١٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٦١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٨٤٧، وشرح المفصل ٤/ ١٤٣، ١٤٤، ٦/ ١٦، ١٨، والكتاب ٣/ ٥٦٩، ٦٢٤، وكتاب العين ٤/ ٢٥، ٢٨٧ ولسان العرب ١١/ ٢٤٩ "دلل"، ٦٩٢ "هدل"، ١٤/ ١١٧ "ثنى"، ٢٣٠، "خصا"، والمخصص ١٢/ ١١٠، ١٦/ ٩٨، ١٧/ ١٠٠، والمقتضب ٢/ ١٥٦، والمنصف ٢/ ١٣١، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٣. ٣ وقيل: "ضرورة". انظر شرح ابن الناظم ص٥١٨، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٣، والدرر ١/ ٥٣٢، والارتشاف ١/ ٣٥٨.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
فالفصيح أن تكون١ بالتاء للمذكر وبحذفها للمؤنث، كما لو ذكر المعدود: فتقول: "صمت خمسة"، تريد أيامًا، و"سهرت خمسة"، تريد ليالي.
ويجوز أن تحذف التاء كما٢ في المذكر، كالحديث: "ثم أتبعه بست من شوال"، وأما إذا قصد بها معدود وذكر. "فلا تستفاد العدة والجنس إلا من العدد والمعدود جميعًا، ذلك لأن قولك: "ثلاثة" يفيد العدة دون الجنس. وقولك: "رجال"، يفيد الجنس دون العدة، فإذا قصدت الإفادتين"، وهما العدة والجنس. "جمعت بين الكلمتين" وهما: العدد والمعدود. فقتل: ثلاثة رجال. وثلاث إماء، بالتاء مع المذكر، وبعدمها مع المؤنث، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٦-
ثلاثة بالتاء قل للعشره في عد ما آحاده مذكره
٧٢٧-
في الضد جرد
_________________
(١) ١ في "أ": "يكون". ٢ سقط من "ب"، "ط".
[ ٢ / ٤٤٨ ]
فصل:
ألفاظ الأعداد بالنسبة إلى الاستعمال أربعة أنواع:
مفرد، وهو عشرة ألفاظ: واحد واثنان١ وعشرون وتسعون وما بينهما.
ومضاف، وهو أيضًا عشرة ألفاظ. مائة وألف وثلاثة وعشرة وما بينهما.
ومركب، وهو تسعة ألفاظ: أحد عشر وتسعة عشر وما بينهما.
ومعطوف وهو: أحد وعشرون، وتسعة وتسعون وما بينهما، فمميز العشرين، والتسعين وما بينهما، والأحد عشر والتسعة عشر وما بينهما، والأحد والعشرين، والتسعة والتسعين وما بينهما، مفرد منصوب. و"مميز الثلاثة والعشرة وما بينهما إن كان اسم جنس ". وهو ما يفرق بينه وبين مفرده بالتاء غالبًا. "كـ: "شجر وتمر". أو اسم جمع"، وهو ما دل على الجمع، وليس له مفرد من لفظه غالبًا"، "كـ: "قوم ورهط"، خفض بـ"من" تقول: "ثلاثة" من الشجر غرستها"، و"خمسة "من التمر" أكلتها"، "و"عشرة من القوم" لقيتهم"، و"تسعة من الرهط صحبتهم". "قال الله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ " [البقرة: ٢٦٠] . وعلل الأخفش امتناع الإضافة إلى اسم الجنس بأنه قد يقع على الواحد، ولا يضاف هذا الجمع إلى الواحد فكذا ما أشبهه.
قال الموضح في الحواشي: قلت وكذا اسم الجمع بالنسبة إلى الصيغة، فإن صيغته كصيغة الواحد، وإن كان لا ينطبق٢ على الواحد، والدليل على أنه يعامل لفظًا معاملة الواحد، أنه قد يعود عليه ضمير الواحد، ويفرد الخبر عنه، نحو: الركب سائر. انتهى.
"وقد يخفض" مميز اسمي الجنس والجمع، "بإضافة العدد" إليه، فاسم الجمع "نحو: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] . وفي الحديث: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"٣. وقال الشاعر": [من الوافر]
_________________
(١) ١ في "أ"، "ط": "اثنتان. ٢ في "أ"، "ط": "ينطلق". ٣ أخرجه البخاري برقم ١٣٤٠، ١٣٩٠، ومسلم في أول كتاب الزكاة برقم ٩٧٩.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
٨٧٢-
ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد جار الزمان على عيالي
والذود من الإبل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. كذا في الصحاح١. وذاله الأولى معجمة، والثانية مهملة. و"الأنفس": جمع نفس، وهي مؤنثة، وإنما أنت عددها، لأن النفس كثر استعمالها مقصودًا بها إنسان قاله المرادي٢. واسم الجنس كقول جندل بن المثنى: [من الرجز]
٨٧٣-
كأن خصييه من التدلدل ظرف عجوز فليه ثنتا حنظل
فـ"حنظل": اسم جنس مخفوض بالإضافة على حد: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] قاله الموضح، واتفق الجميع على الخفض بـ"من". وأما بالإضافة ففيه مذاهب:
أحدها: الجواز على قلة، وهو ظاهر كلام الموضح هنا٣، تبعًا لابن عصفور٤.
والثاني: الاقتصار على ما سمع، وهو مذهب الأكثرين٥.
والثالث: التفصيل في اسم الجمع، فإن كان مما يستعمل للقليل فقط نحو: "نفر ورهط، وذود"، جاز. وإن كان مما يستعمل للقليل والكثير، كـ: "قوم ونسوة"، لم يجز.
حكاه الفارسي عن أبي عثمان المازني. وعلله المبرد بأن العدد لا يضاف لواحد ولا لما يدل على الكثرة، وأما: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فمسموع. انتهى.
"وإن كان" مميزها "جمعا، خفض بإضافة العدد إليه، نحو: ثلاثة رجال"
وثلاث إماء، "ويعتبر التذكير والتأنيث مع اسمي الجمع والجنس بحسب حالهما" باعتبار
_________________
(١) البيت للحطيئة في ديوانه ٢٧٠، والأغاني ٢/ ١٤٤، والإنصاف ٢/ ٧٧١، وخزانة الأدب ٧/ ٣٦٧، ٣٦٩، ٣٩٤، والخصائص ٢/ ٤١٢، والكتاب ٣/ ٥٦٥، ولسان العرب ٣/ ١٦٨، "ذود"، ٦/ ٢٣٥ "نفس"، ولأعرابي أو للحطيئة أو لغيره في الدرر ١/ ٥٣٤، ولأعرابي من أهل البادية في المقاصد النحوية ٤/ ٤٨٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٤٦، والدرر ٢/ ٤٩٠، ٥٤٠، وشرح ابن الناظم ٥١٩، وشرح الأشموني ٢/ ٦٢٠، ومجالس ثعلب ١/ ٣٠٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٣، ٢/ ١٧٠. ١ الصحاح "ذود". ٢ شرح المرادي ٤/ ٣٠٤.
(٢) تقدم تخريج البيت برقم ٨٧١. ٣ سقط من "ط". ٤ المقرب ٢/ ٣٠٥. ٥ انظر الارتشاف ١/ ٣٥٨.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
عود الضمير عليهما١، تذكيرًا وتأنيثًا، "فيعطى العدد عكس ما يستحقه ضميرهما"٢، مذكرًا، أنت العدد، وإن كان مؤنثًا ذكر.
"فتقول" في اسم الجنس: "ثلاثة من الغنم" عندي، "بالتاء" في ثلاثة، "لأنك تقول: غنم كثير، بالتذكير" للضمير المستتر في: كثير، "وثلاث من البط، بترك التاء" من ثلاثة٣، "لأنك تقول: بط كثيرة، بالتأنيث" للضمير المستتر في: كثيرة.
"و" تقول: "ثلاثة من البقر"، بالتاء، "أو: ثلاث"، بتركها، "لأن" ضمير البقر يجوز فيه التذكير والتأنيث باعتبارين، وذلك أن٤ "في البقر لغتين: التذكير والتأنيث، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] بتذكير الضمير، "وقرئ: تشابهت" بتأنيثه٥.
وحاصل ما ذكره من أمثلة اسم الجنس ثلاثة أنواع: ما فيه لغتان، التذكير فقط [وهو: الغنم. وما فيه لغة التأنيث فقط وهو: البط، وما فيه لغتان، التذكير والتأنيث وهو: البقر، ولم يمثل] ٦ لاسم الجمع، وفصل فيه ابن عصفور فقال٧: إن كان لمن يعقل فحكمه حكم المذكر كـ: القوم والرهط والنفر. وإن كان لما لا يعقل فحكمه حكم المؤنث كـ: الجامل والباقر.
"و" التذكير والتأنيث "يعتبران مع الجمع بحال مفرده" فإن كان مفرده مذكرًا أنت عدده، وإن كان مؤنثًا ذكر، "فلذلك تقول: إصطبلات" جمع إصطبل، بقطع الهمزة المكسورة. "وثلاثة حمامات" جمع حمام؛ بتشديد الميم؛ "بالتاء فيهما" اعتبارًا بالإصطبل والحمام فإنهما مذكران، ولا تقول: ثلاث، بتركها؛ "اعتبارًا بالجمع، خلافًا للبغداديين" والكسائي٨. ونقل سيبويه والفرء أن كلام العرب على خلاف ذلك٩.
_________________
(١) ١ في "ب": "إليهما". ٢ في "ب": "ضميرها". ٣ في "أ"، "ب": "ثلاث". ٤ في "ب": "لأن". ٥ في البحر المحيط ١/ ٢٥٤، وتفسير القرطبي ١/ ٤٥٢، أنها قراءة أبي. ٦ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٧ المقرب ٢/ ٣٠٦-٣٠٧. ٨ الارتشاف ١/ ٣٦١. ٩ الكتاب ٣/ ٥٦١-٥٦٢.
[ ٢ / ٤٥١ ]
وتقول: ثلاث سحابات؛ بترك التاء؛ اعتبارًا بالسحابة فإنها مؤنثة، "ولا يعتبر من حال الواحد حال لفظه" في التأنيث والتذكير "حتى يقال: ثلاث طلحات؛ بترك التاء" نظرا إلى تأنيث لفظ واحده وهو: طلحة، "ولا" يعتبر "حال معناه" تذكيرًا وتأنيثًا، "حتى يقال: ثلاث أشخص؛ بتركها" أيضًا؛ نظرًا إلى تأنيث معنى واحده وهو شخص، "تريد: نسوة"، لأن الشخص يقع على المذكر والمؤنث١. "بل ينظر إلى ما يستحقه المفرد باعتبار ضميره، فيعكس حكمه في العدد، فكما تقول: طلحة حضر، وهند شخص جميل، بالتذكير فيهما تقول: ثلاثة طلحات، وثلاثة أشخص؛ بالتاء فيهما؛ فأما قوله" وهو عمر بن أبي ربيعة: [من الطويل]
٨٧٤-
فكان مجني دون من كنت أتقى ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
"فضرورة".
وكان القياس فيه: ثلاثة شخوص؛ بالتاء؛ ولكنه كنى بالشخوص عن النساء. "والذي سهل ذلك قوله: كاعبان ومعصر"، أي: هن كاعبان ومعصر، "فاتصل باللفظ ما يعضد المعنى المراد" وهو التأنيث. "ومع ذلك فليس بقياس خلافًا للناظم"، بل قال٢: إن اقترن باللفظ ما يرجح جانب المعنى، ترجح. والكاعب: الجارية حين يبدو ثديها للنهود. والمعصر؛ بضم الميم وكسر الصاد المهملة، الجارية أول ما أدركت، سميت بذلك لكونها دخلت في عصر الشباب، قاله الخليل. "وإذا كان المعدود صفة" منونا موصوفها، "فالمعتبر" في التذكير والتأنيث "حال الموصوف المنوي لا حالها". فإن كان الموصوف مذكرًا، أنث العدد، وإن كان مؤنثًا ذكر. "قال الله تعالى": ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] بترك التاء؛ لأن الموصوف مؤنث، "أي: عشر حسنات أمثالها، ولولا ذلك" الاعتبار "لقيل: عشرة" بالتاء "لأن المثل" الذي هو
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٥١٩: "الشخص مؤنثة"، وفي الكتاب ٣/ ٥٦٢: "الشخص اسم مذكر".
(٢) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص١٠٠، والأشباه والنظائر ٥/ ٤٨، ١٢٩، والأغاني ١/ ٩٠، وأمالي الزجاجي ص١١٨، والإنصاف ٢/ ٧٧٠، وخزانة الأدب ٥/ ٣٢١٠، ٣١٢، ٧/ ٣٩٤، ٣٩٦، ٣٩٨، والخصائص ٢/ ٤١٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٦٦، وشرح شواهد الإيضاح ٣١٣، والكتاب ٣/ ٥٦٦، ولسان العرب ٧/ ٤٥، "شخص"، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨٣، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٠٤، وأوضح المسالك ٤/ ٢٥١، وشرح ابن الناظم ص٥١٩، وشرح الأشموني ٣/ ٦٢٠، وشرح عمدة الحافظ ص٥١٩، وعيون الأخبار ٢/ ١٧٤، والمقتضب ٢/ ١٤٨، والمقرب ١/ ٣٠٧. ٢ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٦٦٤.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
واحد الأمثال "مذكر. و" تقدم أنه يعتبر مع الجمع حال مفرده. "تقول: عندي ثلاثة ربعات، بالتاء" في ثلاثة "إن قدرت" الموصوف "رجالا، وبتركها إن قدرت" [الموصوف] ١ "نساء"، لأن ربعات؛ بفتح الباء؛ في الأصل اسم. ثم استعملت في الصفة، وهي جمع ربعة؛ بسكونها؛ يوصف به المذكر والمؤنث. يقال: رجل ربعة وامرأة ربعة: وهي المربوع لا طويل ولا قصير.
واعتبار توهم الموصوف كاعتبار نيته. "ولهذا" ترى العرب "يقولون: ثلاثة دواب؛ بالتاء؛ إن٢ قصدوا ذكورا، لأن الدابة" وهي لغة كل ما يدب على الأرض "صفة في الأصل" غلبت عليها الاسمية. "فكأنهم قالوا: ثلاثة أحمرة"، جمع حمار، "دواب، وسمع" من كلامهم: "ثلاث دواب ذكور"، بترك التاء، لأنهم" اعتبروا تأنيث اللفظ، و"أجروا الدابة مجرى" الاسم "الجامد" نظرًا إلى الحال. "فلا يجرونها على موصوف"، قال ابن مالك٣ أخذًا من قول ابن عصفور٤: وأما ثلاث دواب فعلى جعل الدابة اسمًا.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ في "ب"، "ط": "إذا". ٣ شرح التسهيل ٢/ ٤٠٠. ٤ المقرب ٢/ ٣٠٧.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
فصل:
"الأعداد التي تضاف للمعدود عشرة، وهي نوعان:
أحدهما: الثلاثة والعشرة وما بينهما" وذلك ثمانية ألفاظ، "وحق ما تضاف إليه أن يكون جمعًا مكسرًا" ليطابق العدد المعدود لفظًا، "من أبنية القلة" ليتطابقا معنى.
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٧-
والمميز اجرر جمعا بلفظ قلة في الأكثر
"نحو: ثلاثة أفلس" من الجوامد، "وأربعة أعبد" من المشتقات الجارية مجرى الجوامد.
و: ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] من المائعات، وثمانية أحمال، وتسعة حبية، وعشرة أرغفة.
"وقد يختلف كل واحد من هذه الأمور الثلاثة"، وهي: الجمع والتكسير والقلة. "فيضاف للمفرد" في مسألتين:
إحداهما: أن يكون اسم جمع، وذلك قليل نحو: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]، و: "خمس ذود"١.
والثانية: في لفظ واحد. "وذلك إن كان نحو: ثلاثمائة وتسعمائة"، لأن المائة وإن أفردت لفظًا فهي جمع معنى، لأنها عشر عشرات وهو عدد قليل. قاله الموضح في الحواشي.
"وشذ في الضرورة قوله"، وهو الفرزدق: [من الطويل]
٨٧٥-
ثلاث مئين للملوك وفى بها ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم
ووجه شذوذه أن المائة إذا جمعت كان أقل مفهوماتها ثلاثمائة، وهو مما يفيد الكثرة فكان غير مناسب٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الزكاة برقم ١٣٤٠، ١٣٩٠.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ٢/ ٣١٠، وخزانة الأدب ٧/ ٣٧٠، ٣٧٣، واللسان ١٤/ ٣١٧ "ردي"، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٥٣، وشرح ابن الناظم ص٥١٨، وشرح الأشموني ٢/ ٦٢٢، وشرح عمدة الحافظ ٥١٨، وشرح المفصل ٦/ ٢١، ٢٣، والمقتضب ٢/ ١٧٠. ٢ في شرح ابن الناظم ص٥١٨: "يقال: ثلاث مائة، وقد يقال ثلاث مئات وثلاث مئين".
[ ٢ / ٤٥٤ ]
"ويضاف لجمع التصحيح في مسألتين:
إحداهما: أن يهمل تكسير الكلمة، نحو: ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] و: خمس صلوات و: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] فإن: سماء وصلاة وبقرة، لم يسمع لها جمع تكسير أصلا، فضلا عن أن يكون للقلة فلما لم يسمع لها جمع تكسير أضيف إليها وهي جمع تصحيح لأنه يفيد القلة عند سيبويه وأتباعه١.
"والثانية: أن يجاور"؛ بالراء المهملة؛ "ما أهمل تكسيره"، وإن كان هو مسموع التكسير "نحو: ﴿سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] فإنه" كسر على: سنابل. ولكنه "في التنزيل مجاور لـ: سبع بقرات" المهمل تكسيره، فلذلك حسن تصحيحه وقد جاء في التنزيل مكسرًا نحو: ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
وبقي مسألتان:
إحداهما: أن يكون تكسير الكلمة غير مقيس نحو: ثلاث سعادات فإن٢ جمع سعاد على: سعائد، خلاف القياس. كذا قال ابن مالك٣. وهو مبني على أن فعائل إنما يطرد في المؤنث، بالعلامة نحو: رسالة ورسائل، وأن نحو: عجائز، يحفظ ولا يقاء عليه.
والثانية: أن يكون تكسير الكلمة قليل الاستعمال نحو: ﴿تِسْعَ آَيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] قال الموضح: كذا ظهر لي، فإن تكسير آية على: آي جائز لكنه ليس بالفاشي. وجعلها ابن مالك مما أهمل تكسيره. قال: وفيه نظر.
"ويضاف لبناء الكثرة في مسألتين:
إحداهما: ان يهمل بناء القلة: نحو: ثلاث جوار، وأربعة رجال، وخمسة دراهم". فإن جارية ورجلا ودرهمًا، لم يستعمل لها جمع قلة. وأما أرجل فجمع: رجل، بكسر الراء وسكون الجيم.
"والثانية: أن يكون له بناء قلة، ولكنه شاذ قياسًا أو سماعًا، فينزل لذلك منزلة المعدوم" ويعدل عنه٤ إلى جمع الكثرة.
"فالأول" وهو الشاذ قياسًا "نحو: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن جمع: قرء؛ بالفتح؛ على أقراء، شاذ" كما سيأتي في باب جمع التكسير. نعم إن جعل قروء
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٦٠٣. ٢ في "أ": "فإنه". ٣ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٨٦٦. ٤ في "أ": "منه".
[ ٢ / ٤٥٥ ]
جمعًا لـ: قرء؛ بالضم؛ كان قياسًا. والقرء بالفتح والضم؛ يطلق على الطهر والحيض.
"والثاني": وهو الشاذ سماعًا "نحو: ثلاثة شسوع"؛ بمعجمة فمهملة؛ "فإن أشساعًا" وإن كان قياسًا لأن مفرده: شسع، بكسر أوله١ وسكون ثانيه: أحد سيور النعل١، وأفعال قياس فيه كـ: حمل وأحمال؛ بالحاء المهملة؛ ولكنه "قليل الاستعمال".
"النوع الثاني" من النوعين: "المائة والألف، وحقهما أن يضافًا إلى مفرد نحو": ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، "و" نحو: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت: ١٤] وإنما كان حقهما ذلك؛ لأن المائة اجتمع فيها ما افترق في عشرة وعشرين من الإضافة والإفراد، لأنها مشتملة عليهما، فأخذت من العشرة الخفض ومن العشرين الإفراد. والألف عوض من٢ عشر مائة، هي تميز٣ بمفرد مخفوض، فعوملت الألف معاملة ما عوضت منه. "وقد تضاف المائة إلى جمع، كقراءة الأخوين حمزة والكسائي: "ثلاثمائة سنين" [الكهف: ٢٥] بحذف التنوين للإضافة٤.
قيل: ووجه تشبيه المائة بالعشرة إذ كانت تعشيرًا للعشرات، والعشرة تعشيرًا للآحاد، وقيل: إنه من وضع الجمع موضع المفرد. ومن نون فقيل: هو عطف بيان، أو بدل من ثلاثمائة٥.
ورد بأن البدل على نية طرح الأول. وعلى تقدير طرحه يكون لمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين. فيفوت التنصيص على كمية العدد. ويجاب بأن نية الطرح غالبة لا لازمة. ولا يكون: سنين تمييزًا لأنه يقتضي أنهم أقل ما لبثوا: تسعمائة وتسع سنين.
قاله الموضح في الحواشي. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٨-
ومائة والألف للفرد أضف ومائة بالجمع نزرا قد ردف
"وقد تميز" المائة "بمفرد منصوب٦، كقوله"، وهو الربيع بن ضبع
_________________
(١) ١ سقط ما بينهما من "ب". ٢ في "أ": "عن". ٣ في "أ"، "ب": "تمييز". ٤ الرسم المصحفي: ﴿مِائَةٍ﴾ وقرأها "مِائَةِ" بالإضافة: حمزة والكسائي وخلف والحسن والأعمش وطلحة بن سعدان، انظر الإتحاف ٢٨٩، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ١٣٨، وهي من شواهد أوضح المسالك ٤/ ٢٥٥، وشرح ابن الناظم ص٥٢٠، وشرح ابن عقيل ٢/ ٤٠٧. ٥ انظر الإتحاف ص٢٨٩، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ١٣٨. ٦ في شرح ابن الناظم ص٥٢٠: "وقد شذ تمييز المائة بمفرد منصوب".
[ ٢ / ٤٥٦ ]
الفزاري: [من الوافر]
٨٧٦-
إذا عاش الفتى مائتين عامًا فقد ذهب المسرة والفتاء
فـ"عامًا": تمييز منصوب بعد مائتين.
قال ابن مالك١: وذلك يقوي ما أجازه ابن كيسان من نحو: الألف درهما والمائة دينارًا بالنصب. ويؤيده قوله حذيفة ﵁: "ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة" بالنصب، فأجرى "أل" في تصحيح نصب التمييز مجرى التنوين والنون، وروي بحفض مائة، على زيادة "أل"، أو تقدير مضاف مماثل لمصحوب "أل" أو إبدال مائة من المخفوض على إنابة المفرد عن الجمع مثل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤]، والحق أن البيت ضرورة، والرواية شاذة.
_________________
(١) البيت للربيع بن ضبع في أمالي المرتضى ١/ ٢٥٤، وخزانة الأدب ٧/ ٣٧٩، ٣٨٠، ٣٨، ٣٨٥ والدرر ١/ ٥٣٤، وشرح ابن الناظم ص٥٢٠، وشرح عمدة الحافظ ص٥٤٥، والكتاب ١/ ٢٠٨، ٢/ ١٦٢، ولسان العرب ١٥/ ١٤٥، "فتا"، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨١، وهمع الهوامع ١/ ١٣٥، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص٢٩٩، وأوضح المسالك ٤/ ٢٥٥، وجمهرة اللغة ص١٠٣٢، وشرح الأشموني ٣/ ٦٢٣، وشرح المفصل ٦/ ٢١، ومجالس ثعلب ص٣٣٣، والمقتضب ٢/ ١٦٩، والمنقوص والممدود ص١٧. ١ شرح التسهيل ٢/ ٣٩٥.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
فصل:
"فإذا تجاوزت العشرة جئت بكلمتين:
الأولى: النيف" بفتح النون وتشديد الياء مكسورة؛ وقد تخفف١ كـ: هين، وأصله الواو، من ناف ينوف إذا زاد. وقال أبو زيد٢: "وهو التسعة فما دونها"، وقال أبو جعفر النحاس في شرح المعلقات٣: النيف من العدد: ما جاوز العقد إلى الثلاثة. هذا قول أهل اللغة، وفي الصحاح والقاموس٤: كل ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني. انتهى.
والعقد ما كان من مرتبة العشرات أو المئات أو الألوف، "وحكمت لها"، أي للكلمة الأولى وهي النيف، "في التذكير والتأنيث بما ثبت لها قبل ذلك" التركيب، "فأجرت الثلاثة والتسعة وما بينهما على خلاف القياس، و" أجريت "ما دون ذلك" وهو: الأحد٥ والاثنان "على القياس، إلا أنك تأتي بأحد وإحدى" بإبدال الواو همزة فيهما.
إلا أن الأول شاذ لازم٦ غالبًا. والثاني: مطرد على الأصح كـ: إشاح وإكاف، ولهذا نبهوا على الأصل في أحد فقالوا: وحد. ولم ينبهوا عليه في إحدى، وأتوا بأحد وإحدى مع التركيب "مكان واحد وواحدة" مع الإفراد، خوف الالتباس بالصفة.
"ويبنى الجميع" من النيف والعقد بعد التركيب "على الفتح"، ليعادل خفته ثقل التركيب، أما بناء الكلمة الأولى فلأنها منزلة صدر الكلمة من عجزها، وأما
_________________
(١) ١ في "ط": "يخفف". ٢ في شرح القصائد التسع ص٢٢٨، أن الجرمي حكى عن أبي زيد: أن النيف ما بين الواحد إلى التسعة. ٣ شرح القصائد التسع ص٢٢٨. ٤ الصحاح والقاموس "نوف". ٥ في "أ": "الواحد". ٦ في "أ": "لا لازم".
[ ٢ / ٤٥٨ ]
بناء الثانية فلتضمنها حرف العطف، وقيل: لوقوعها موقع التنوين، "إلا اثنين واثنتين فتعربهما" بالألف رفعًا وبالياء جرًّا ونصبًا "كالمثنى"، لوقوع ما بعدهما موقع النون وليسا مضافين للعقد. وقيل: مضافان إليه. وعليهما فالعقد لتضمنه معنى حرف العطف.
وذهب ابن كيسان وابن درستويه إلى أن اثنين واثنتين مبنيان مركبان مع العقد كسار أخواتهما١.
ورد بأنهما لو كانا مبنيين لزما الياء لأنها نظير الفتحة في الواحد، ولهذا قالوا: لا يدين بها٢ لك "وإلا: ثماني، فلك فتح الياء" لأنها مفتوحة في ثمانية، قاله السهيلي في الروض. "و" لك "إسكانها" كما في: معدي كرب.
"ويقل حذفها مع بقاء كسر النون" لأنها ياء زائدة فحذفت وبقيت الكسرة دليلا عليها فأشبهت: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ٦] "و" يقل٣ حذفها "مع فتحها"، أي النون لأنها لما كانت تضم الآخر إذا كان الآخر نون، كقوله: [من الرجز]
٨٧٧-
لها ثنايا أربع حسان وأربع فثغرها ثمان
جعلت فتحة بناء على التركيب.
"والكلمة الثانية" من الكلمتين: "العشرة، ويرجع بها إلى القياس" في "التذكير مع المذكر والتأنيث مع المؤنث"، فتجردها من التاء مع المذكر وتؤنثها مع المؤنث، رجوعًا إلى الأصل، لئلا يجمع بين علامتي تأنيث، "وتبنيها على الفتح مطلقًا" سواء أكانت مع انثني واثنتين أم مع غيرهما. أما بناؤها مع اثنين واثنتين فلأنها واقعة موقع النون المحذوفة لشبه الإضافة. والاسم إذا وقع موقع الحرف بني. وأما بناؤها مع غيرهما فلأنها واقعة موقع التنوين، وهو حرف مبني على السكون، وخالفت في البناء حكم ما وقعت موقعه تنبيهًا على الفرعية، واختير الفتح طلبًا للتخفيف.
_________________
(١) ١ الارتشاف ١/ ٣٦٦. ٢ في "أ"، "ب"، "ط": "لها"، والتصويب من لسان العرب ١٥/ ٤٢٤ "يدي"، وفيه: "ابن سيده: وقولهم لا يدين لك بها، معناه لا قوة لك بها، لم يحكه سيبويه إلا مثنى، ومعنى التثنية هنا: الجمع والتكثير". وفي الكتاب ٢/ ٢٧٩ أن إثبات النون في هذا القول أحسن وهو الوجه. ٣ في "ط" "ونقل".
(٢) الرجز بلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٣٦٥، وشرح الأشموني ٣/ ٦٢٧، واللسان ٤/ ١٠٣، "ثغر" ١٣/ ٨١، "ثمن"، وتاج العروس. ١٠/ ٣٢ "ثغر" "ثمن"، وتهذيب اللغة ١٥/ ١٠٧ وشرح التسهيل ٢/ ٤٠٣.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
"وإذا كانت" العشرة مختومة "بالتاء سكنت" أنت "شينها في لغة الحجازيين"، فإنهم ينطقون بها ساكنة كراهة، توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة.
"وكسرتها في لغة" أكثر بني "تميم"١ تشبيها بتاء كيف. "وبعضهم"، وهم الأقلون من بني تميم "يفتحها". إبقاء لها على أصلها من الفتح، وبذلك قرأ يزيد بن القعقاع: "فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشَرَةَ عَيْنًا"٢ [البقرة: ٦٠] وبعضهم يسكن العين من عشرة فيقول: أحدَ عْشَرَ، احترازًا من توالي المتحركات. قاله في المفصل٣.
"وقد تبين بما٤ ذكرنا أنك تقول": عندي "أحد عشر عبدًا، واثنا عشر رجلا، بتذكيرهما" أي: النيف والعقد من المثالين، و"ثلاثة عشر عبدًا بتأنيث الأول" وهو ثلاثة، "وتذكير الثاني" وهو عشر. "وتقول": عندي "إحدى عشرة أمة، واثنتا عشرة جارية، بتأنيثهما، أي: النيف والعقد من المثالين.
وإنما جمعوا بين تأنيثين في: إحدى عشرة لاختلاف لفظي العلامتين، وفي اثنتا عشر إما لأن التاء بدل من الياء، وليست للتأنيث. أو لأنها زائدة للإلحاق بـ"أصبهان". وإما لأن "اثنان واثنتان" معربان، وعشرة مبنية، والمبني غير المعرب فكأنهما اسمان: مضاف ومضاف إليه، وإما لأنهما متضايفان حقيقة بدليل حذف النون.
قال الموضح: كل ذلك قد قيل، والسؤال عندي من أصله ليس بالقوي لأنهم قالوا في اسم الفاعل: خامس عشر في المذكر، وخامسة عشرة في المؤنث فأنثوا الكلمتين جميعًا وبنوهما على الفتح، وذلك مجمع عليه، وكذا في الباقي فدل على أنهم اعتبروا حالة الكلمتين قبل التركيب. انتهى.
"و" تقول: عندي "ثلاث عشرة جارية، بتذكير" الجزء "الأول وتأنيث" الجزء "الثاني" وإلى هذا الفصل أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) ١ شرح ابن عقيل ٢/ ٤٠٩، وشرح ابن الناظم ص٥٢١، والارتشاف ١/ ٣٦٥. ٢ لم تنسب هذه القراءة إلى يزيد، بل إلى الأعمش، وابن فضل الأنصاري، انظر البحر المحيط ١/ ٢٢٩، والكشاف ١/ ٧١، والمحتسب ١/ ٨٥، وقد نسب إلى يزيد أنه قرأها "عشرة"؛ بكسر الشين، انظر المصادر السابقة، وحاشية يس ٢/ ٢٧٤. ٣ لم أجده في المفصل خلال حديثه عن العدد، انظر المفصل ص٢١٢-٢١٦، وفي لسان العرب ٤/ ٥٦٨ "عشر": "قال ابن السكيت: ومن العرب من يسكن العين فيقول أحد عشر، وكذلك يسكنها إلى تسعة عشر، وقال الأخفش: إنما سكنوا العين لما طال الاسم وكثرت حركاته". ٤ في "ط": "مما".
[ ٢ / ٤٦٠ ]
٧٢٩-
وأحد اذكر وصلنه بعشر
الأبيات الستة١.
"فإذا جاوزت التسعة عشر في التذكير، والتسع عشرة في التأنيث، استوى لفظًا المذكر والمؤنث تقول": عندي "عشرون عبدًا"، وعشرون أمة وثلاثون عبدًا "وثلاثون أمة". والمدار في التذكير والتأنيث على التمييز، "وتمييز ذلك كله مفرد منصوب نحو: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤]، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ " [الأعراف: ١٤٢]، ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢]، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، " ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ " [ص: ٢٣] .
"وأما قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا " أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]، "فـ: أسباطا" ليس بتمييز لأنه جمع؛ وإنما هو "بدل من اثنتي عشرة"، بدل كل من كل، "والتمييز محذوف أي: اثنتي عشرة فرقة"، قاله الشلوبين وابن أبي الربيع وغيرهما. "ولو كان: أسباطًا، تمييزًا" عن اثنتي عشرة، "لذكر"؛ بتشديد الكاف؛ "العددان" ولقيل: اثني عشر بتذكيرهما وتجريدهما من علامة التأنيث، "لأن السبط" واحد الأسباط "مذكر"، فكان يجب أن تجرد التاء من عدده.
"وزعم الناظم" في شرح الكافية٢ "أنه" لا حذف، وأن أسباطا "تمييز، وأن ذكر "أمما" رجح حكم التأنيث" في أسباطًا لكونه وصف بـ"أمما" جمع أمة، "كما رجحه"؛ أي التأنيث، في شخوص "ذكر كاعبان ومعصر في قوله": [من الطويل]
_________________
(١) ١ الأبيات هي: مركبا قاصد معدود ذكر وقل لدى التأنيث إحدى عشره والشين فيها عن تميم كسره ومع غير أحد وإحدى ما معهما فعلت فافعل قصدا ولثلاثة وتسعة وما بينهما إن ركبا ما قدما وأول عشرة اثنتي وعشرا إثني إذا أنثى تشا أو ذكرا واليا لغير الرفع وارفع بالألف والفتح في جزءي سواهما ألف ٢ شرح الكافية الشافية ٣/ ١٦٦٤.
[ ٢ / ٤٦١ ]
٨٧٨-
فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وكان القياس: ثلاثة شخوص، لأن الشخص مذكر، ولكنه لما فسره بـ: كاعبان ومعصر، وهما مؤنثان رجح تأنيثه، وما ذكره الناظم في الآية، مخالفًا في شرح التسهيل١ "إن أسباطا بدل لا تمييز"، انتهى.
والقول بالبدلية من اثنتي عشرة مشكل على قولهم: إن المبدل منه في نية الطرح غالبًا، ولو قيل: وقطعناهم أسباطًا لفاتت فائدة كمية العدد، وحمله على غير الغالب لا يحسن تخريج القرآن عليه.
والقول بأنه تمييز مشكل على قولهم: إن تمييز العدد المركب مفرد، وأسباطًا جمع، وقال الحوفي: "يجوز أن يكون أسباطا نعت الفرقة، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وأمما: نعت الأسباط وأنت العدد وهو واقع على الأسباط، وهو مذكر لأنه بمعنى فرقة أمة كقوله: [من الوافر]
٨٧٩-
ثلاثة أنفس
يعني رجالا. انتهى.
فارتكب الوصف بالجامد، والكثير خلافه، وذهب الفراء إلى جواز جميع التمييز وظاهر الآية يشهد له، ويشهد له أيضًا ما روي من قول ابن مسعود؛ رضي الله تعالى عنه.
"قضى في دية الخطأ عشرين بنت مخاض وعشرين بني مخاض" وتخريج أبي حيان على أن: بني مخاض: حال من عشرين، أو نعت لها، والتمييز محذوف خلاف الأصل، وإلى تمييز المركب أشار الناظم بقوله:
٧٣٦-
وميزوا مركبا بمثل ما ميز عشرون فسوينهما
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ٨٧٤. ١ شرح التسهيل ٢/ ٢٩٣.
(٢) تمام البيت: ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد جار الزمان على عيالي وتقدم تخريجه برقم ٨٧٢.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
فصل:
"ويجوز في العدد المركب، غير اثني عشر واثنتي عشرة، وأن يضاف إلى مستحق المعدود، فيستغنى عن التمييز، نحو: هذه أحد عشر زيد"، فـ"هذه" مبتدأ، وأحد عشر، خيره: وزيد: مضاف إليه. وإنما لم يضف: اثنا عشر واثنتا عشرة لأن ما بعد اثنين واثنتين واقع موقع النون، فكما أن الإضافة تمتنع مع النون فكذلك تمتنع مع ما وقع موقعها، ولا كذلك الباقي. "ويجب" حينئذ "عند البصريين البناء في الجزأين" معًا، كما يبقى مع التمييز.
"وحكى سيبويه١ الإعراب في آخر" الجزء "الثاني" بحسب العوامل، وإبقاء الجزء الأول على بنائه على الفتح "كما في: بعلبك" فتقول: هذه أحد عشر زيد، ورأيت أحد عشر زيد، ومررت بأحد عشر زيد. بفتح أحد في الجميع، ورفع عشر في الأول ونصبه في الثاني وجره في الثالث. والفتح في النصب على هذه اللغة غير الفتحة في اللغة الأولى، لأن تلك فتحة بناء وهذه فتحة إعراب. "وقال" سيبويه٢ في هذه اللغة: "هي لغة رديئة" وقال الأخفش: حسنة.
واختارها ابن عصفور٣ وزعم أنها الفصحى، ووجه ذلك بأن الإضافة ترد الأسماء إلى أصلها من الإعراب، ورده ابن مالك في شرح التسهيل٤ بأن المبني قد يضاف نحو: كم رجل عندك، انتهى.
وقد يفرق بين ما بناؤه أصلي فلا يرد إلى الإعراب، وما بناؤه عارض بسبب التركيب فيرد إليه بأدنى ملابسة. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٣٧-
وإن أضيف عدد مركب يبق البنا وعجز قد يعرب
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٢٩٩. ٢ الكتاب ٣/ ٢٩٩، وانظر شرح ابن الناظم ص٥٢٣. ٣ المقرب ٢/ ٣٠٩. ٤ شرح التسهيل ٢/ ٤١٩.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
"وحكى الكوفيون وجهًا ثالثًا وهو أن يضاف" الجزء "الأول إلى" الجزء "الثاني"، فيعرب الجزء الأول بحسب العوامل، ويجر الجزء الثاني بالإضافة "كما في: عبد الله، نحو" ما حكى الأخفش١ أنه سمع ممن سمع من أبي فقعس الأسدي، وأبي٢ الهيثم العقيلي: "ما فعلت خمسة عشرك"، برفع خمسة. وجر عشرك٣.
"وأجازوا أيضًا هذا الوجه"، وهو إعراب المتضايفين "دون إضافة" إلى مستحق المعدود نحو: هذه خمسة عشر، ورأيت خمسة عشر، ومررت بخمسة عشر، بجر عشر في الأحوال الثلاثة، وإعراب خمسة بحسب العوامل، "استدلالا بقوله"؛ وهو نفيع بن طارق على ما قيل: [من الرجز]
٨٨٠-
كلف من عنائه وشقوته بنت ثماني عشرة من حجته
فـ: "بنت": مفعول ثان بـ"كلف"، ومفعوله الأول مستتر فيه قائم مقام الفاعل، وثماني: مضاف إليه٤، وعشرة: بالتنوين مجرورة بإضافة ثماني إليها، ولم يضف إلى مستحق المعدود. والعناء، بفتح العين المهملة: التعب والمشقة. والشهوة، بكسر الشين المعجمة: الشقاوة.
وقول ابن مالك في التسهيل٥: ولا يجوز بإجماع ثمان يعشر إلا في الشعر. مردود فإن الكوفيين أجازوا ذلك مطلقًا في الشعر وغيره، كما قال الموضح فليس نقل الإجماع بصحيح.
_________________
(١) ١ نسب هذا القول إلى الفراء في شرح ابن الناظم ص٥٢٣. ٢ في "ط": "ابن". ٣ بعده في شرح ابن الناظم ص٥٢٣: "والبصريون لا يرون ذلك، بل يستصحب عندهم البناء في الإضافة كما يستصحب مع الألف واللام بإجماع".
(٢) الرجز لنفيع بن طارق في الحيوان ٦/ ٤٦٣، والدرر ٢/ ٤٩١، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨٨، وبلا نسبة في لسان العرب ١٤/ ٤٣٨ "شقا"، والإنصاف ١/ ٣٠٩، وأوضح المسالك ٤/ ٢٥٩، وتهذيب اللغة ٩/ ٢٠٩، وخزانة الأدب ٦/ ٤٣٠، وشرح الأشموني ٣/ ٦٢٧، وشرح التسهيل ٢/ ٤٠٢، والمخصص ١٤/ ٩٢، ١٤/ ١٠٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٩. ٤ في "ب"، "ط": "إليها". ٥ التسهيل ص١١٨.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
فصل:
"ويجوز أن تصوغ" أي تشتق "من لفظ اثنين وعشرة وما بينهما اسم فاعل"
على وزن فاعل، "كما تصوغه من فعل" المفتوح العين، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٣٨-
وصغ من اثنين فما فوق إلى عشرة كفاعل من فعلا
"فتقول: ثان وثالث ورابع إلى العاشر، كما تقول" من فعل المتعدي: "ضارب، و" من اللازم: "قاعد"، إلا أن الاشتقاق من أسماء العدد سماعي، لأنه من قبيل الاشتقاق من أسماء الأجناس كـ: "تربت يداك"١ من التراب، واستحجر الطين من الحجر، على ما هو مبين في علم الاشتقاق، ويستثنى من ذلك ما إذا أريد به معنى فاعل فإن له فعلا، كما صرح به في التسهيل٢، فيكون مصوغًا من المصدر.
قال في شرح التسهيل٣: وقولهم مصوغ من العدد تقريب على المتعلم، وفي الحقيقة أنه مصوغ من الثلث إلى العشر، وهي مصادر: ثلثت الاثنين إلى عشرت التسعة. انتهى.
وفي الصحاح٤: عشرت القوم أعشرهم عشرًا إذا صرت عاشرهم.
"و" اسم الفاعل من العدد "يجب فيه أبدًا أن يذكر مع المذكر ويؤنث مع المؤنث" على القياس. "كما يجب ذلك مع ضارب ونحوه" من أسماء الفاعلين.
"فأما ما دون الاثنين فإنه وضع على ذلك" الحكم "من أول الأمر فقيل" في المذكر: "واحد، و" في المؤنث: "واحدة"، وهما من: وحد يحد.
_________________
(١) ١ من حديث أخرجه البخاري في كتاب النكاح برقم ٤٨٠٢ ومسلم في الرضاع برقم ١٤٦٦، وتمامه: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". ٢ التسهيل ص١٢١. ٣ شرح التسهيل ٢/ ٤١٣. ٤ الصحاح "عشر".
[ ٢ / ٤٦٥ ]
"ولك في اسم الفاعل المذكور" وهو: ثان١ وعاشر٢ وما بينهما، "أن تستعمله بحسب المعنى الذي تريده على سبعة أوجه:
أحدها: أن تستعمله مفردًا" عن الإضافة "ليفيد الاتصاف بمعناه مجردًا" عن الاتصال بالعشرة، "فتقول: ثالث ورابع"، ومعناه حينئذ واحد موصوف بهذه الصفة وهي كونه ثالثًا ورابعًا، "قال" النابغة الذبياني: [من الطويل]
٨٨١-
توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع
والمعنى: وقع في وهمي أي: ذهني، علامات للمرأة فعرفت العلامات بعد ستة أعوام، وهذا العام الذي أنا فيه سابع.
الوجه "الثاني: أن تسعمله مع أصله" الذي صيغ هو منه، "ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٠-
وإن ترد بعض الذي منه بني تضف إليه
"فتقول: خامس خمسة أي: بعض جماعة منحصرة في خمسة" أي: واحد من خمسة لا زائد عليها، "ويجب حينئذ إضافته إلى أصله"؛ كما مثل؛ "كما يجب إضافة البعض إلى كله" كـ: يد زيد. "قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ " [التوبة: ٤٠]، فـ: "ثاني" حال من الهاء في "أخرجه"، و"اثنين" مضاف إليهما "وقال" الله "تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ " [المائدة: ٧٣]، فـ"ثالث" خبر "إن"، و"ثلاثة" مضاف إليه.
"وزعم الأخفش وقطرب" من البصريين، "والكسائي وثعلب" من الكوفيين. "أنه يجوز إضافة الأول" وهو الفرع، "إلى الثاني" وهو الأصل، "ونصبه إياه"٣. فعلى هذا يجوز: ثالث ثلاثة، بجر ثلاثة ونصبها، ونصبه إياه فعلى هذا يجوز: ثالث ثلاثة، بجر ثلاثة ونصبها. "كما يجوز في: ضارب زيد" جر زيد ونصبه.
_________________
(١) ١ في "ط": "ثاني". ٢ في "ب": "عشر".
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص٣١، وخزانة الأدب ٢/ ٤٥٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٧، والصاحبي في فقه اللغة ص١١٣، والكتاب ٢/ ٨٦، ولسان العرب ٤/ ٥٦٩ "عشر"؛ والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠٦، ٤/ ٤٨٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٦١، وشرح شواهد الشافية ص١٠٨، والمقتضب ٤/ ٤٢٢، والمقرب، وتاج العروس "لوم". ٣ الارتشاف ١/ ٣٦٧.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
"وزعم الناظم" في التسهيل١ "أن ذلك جائز في ثان فقط" دون غيره. وعلله في شرح التسهيل٢: بأن العرب تقول: ثنيت الرجلين، إذا كنت الثاني منهما، يعني ولا تقل ثلثت الرجلين٣، إذا كنت الثالث منهم.
ثم قال٤: فمن قال: ثاني اثنين بهذا المعنى عذر لأنه له فعلًا، ومن قال: ثالث ثلاثة١ لا يعذر لأنه لا فعل له. وتعقبه أبو حيان فقال٦: ثنيت الرجلين، مخالف لنقل النحاة، ثم هو ليس نصًا في: ثنيت الاثنين، حتى يبنى عليه جواز: ثنيت الاثنين. قال الموضح: وما نقله ابن مالك عن العرب قاله ابن القطاع في كتاب الأفعال٧. وإذا جاز ثنيت الرجلين، جاز ثنيت الاثنين، ولا يتوقف في ذلك إلا ظاهري جامد. انتهى.
الوجه "الثالث: أن تستعمله٨ مع ما دون أصله" الذي صيغ منه بمرتبة واحدة، "ليفيد معنى التصيير" والتحويل. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤١-
وإن ترد جعل الأقل مثل ما فوق فحكم جاعل له أحكما
"فتقول: هذا رابع ثلاثة" بتنوين رابع ونصب ثلاثة، "أي: جاعل الثلاثة بنفسه أربعة، قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ " [المجادلة: ٧]، أي إلا هو مصيرهم أربعة ومصيرهم ستة.
"ويجوز حينئذ"، أي حين إذا كان بمعنى مصير "إضافته" إلى ما دونه "وإعماله" بشرط كونه بمعنى الحال أو الاستقبال، واعتماده على نفي أو استفهام، أو ذي خبر أو حال أو موصوف. "كما يجوز الوجهان": وهما الإضافة والإعمال "في جاعل ومصير ونحوهما" من أفعال التحويل والانتقال.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٢١. ٢ شرح التسهيل ٢/ ٤١٢. ٣ في جميع النسخ: "الرجال"، والتصويب من شرح ابن الناظم ص٥٢٣ الذي أجاز أن يقال: "ثلثت الرجلين إذا انضممت إليهما، فصرتم ثلاثة". ٤ شرح التسهيل ٢/ ٤١٢. ٥ في "أ": "ثالثة". ٦ الارتشاف ١/ ٣٧٣. ٧ في كتاب الأفعال ١/ ١٤٤ أن هذا كلام العرب، والقياس غيره. ٨ في "أ": "يستعمل"، والتصويب من "ب"، "ط"، وأوضح المسالك ٤/ ٢٦٢.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
"ولا يستعمل بهذا الاستعمال ثان، فلا يقال: ثاني واحد، ولا: ثان واحدًا". نص على ذلك سيبويه١. "وأجازه بعضهم"، وهو الكسائي "وحكاه عن العرب" فقال٢: تقول ثاني واحد. وحكى الجوهري٣: ثان واحدًا.
وإنما ساغ عمل فاعل من العدد لأن له فعلا، كما أن جاعلا، كذلك، يقال: كانوا تسعة وعشرين فثلثتهم، أي: فصيرتهم ثلاثين، أثلثهم، فأنا ثالثهم. وهكذا إلى كانوا تسعة وثمانين فتسعتهم، أي: فصيرتهم تسعين أتسعهم، فأنا تاسعهم. إلا أن المضارع من ربعتهم وسبعتهم وتسعتهم مفتوح العين لا مكسورها. فإذا تجاوزت ذلك قلت: كانوا تسعة وتسعين فأمأيتهم، على أفعلتهم، وكذا كانوا تسعمائة وتسعًا وتسعين فآلفتهم، فأنا ممءٍ ومؤلفٌ.
ومن الغريب ما وقع في شرح موجز ابن السراج لأبي الحسن بن الأهوازي: كان القوم عشرة فحدعشتهم إلى تسعشتهم، وهم محدعشون، وأنا محدعش ومتسعش، قال: وكذا العقود، يقال: معشرن ومثلثن، ومن المائة والألف: ممء ومؤلف، لأن فعلهما: أمأى وأألف. انتهى.
والوجه "الرابع: أن تستعمله مع العشرة ليفيد الاتصاف بمعناه" حال كونه "مقيدًا بمصاحبة العشرة". وهو أنه واحد موصوف بهذه الصفة. "فتقول: حادي عشر، بتذكيرهما" على القياس، "وحادية عشرة، بتأنيثهما" على القياس أيضًا. "وكذا تصنع في البواقي: تذكر اللفظين مع المذكر، وتؤنثهما مع المؤنث٤. تقول: الجزء الخامس عشر" بتذكيرهما، "والمقاومة السادسة عشرة" بتأنيثهما. "وحيث استعملت الواحد أو الواحدة مع العشرة أو مع ما فوقها كالعشرين، فإنك تقلب فاءهما" وهي الواو، "إلى موطن لامهما" وهي الدال. وتقول: حادو وحادوة "وتصيرها" أي الواو "ياء"، لأن إذا تطرفت إثر الكسر٥ قلبت ياء، وتاء التأنيث في حكم الانفصال، إلا أنك تعل حاديًا إعلال قاض، فتحذف الياء لالتقاء الساكنين وهما: الياء والتنوين ولا تعل حادية لتحرك الياء.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٥٥٩. ٢ انظر الارتشاف ١/ ٣٧٢-٣٧٣. ٣ الصحاح "ثنى". ٤ في "أ": المؤنثة". ٥ في "ط": "الكسرة".
[ ٢ / ٤٦٨ ]
"فتقول: حاد" بحذف الياء، ووزنه: عالف، "وحادية"، بإثبات الياء ووزنها: عالفة لأنهما من الوحدة، وحكى الكسائي عن بعض العرب: واحد عشر على الأصل. فلم يلتزم القلب كل العرب١.
الوجه "الخامس: أن تستعمله معها"، أي مع العشرة، "ليفيد معنى: ثاني اثنين، وهو انحصار العدة فيما ذكر، ولك في هذه الحالة ثلاثة أوجه:
أحدها؛ وهو الأصل؛ أن تأتي بأربعة ألفاظ: أولها: الوصف"، وهو اسم الفاعل. والثاني: العشرة، حال كون الوصف "مركبًا مع العشرة، و" اللفظ "الثالث: ما اشتق منه الوصف، و" الرابع: العشرة حال كون ما اشتق منه الوصف "مركبًا أيضًا مع العشرة. وتضيف جملة التركيب الأول"، وهو الوصف المركب مع العشرة "إلى جملة التركيب الثاني"، وهو ما اشتق منه الوصف المركب مع العشرة. "فتقول: ثالث عشر ثلاثة عشر٢" فالوصف هو: ثالث، وما اشتق منه هو: ثلاثة، وكل منهما مركب مع العشرة، وهذه الألفاظ الأربعة مبنية على الفتح، وجملة التركيب الأول مضافة، وجملة التركيب الثاني مضاف إليها.
الوجه "الثاني" من هذه الحالة: "أن تحذف عشر من" التركيب "الأول استغناء به في" التركيب "الثاني"، وتعرب الجزء الأول من أول التركيبين لزوال التركيب منه وتضيفه إلى جملة التركيب الثاني، فتقول: هذا ثالث ثلاثة عشر برفع: ثالث، بلا تنوين، وبناء: ثلاثة عشر. قال أبو حيان٣: وهذا الوجه أكثر استعمالا وجائز اتفاقًا، وإعراب اسم الفاعل فيه لعدم التركيب، وقياس من أجاز الإعمال في: ثاني اثنين، أن يجيزه هنا. انتهى.
الوجه "الثالث" من هذه الحالة: "أن تحذف العقد"، وهو العشرة "من" التركيب "الأول، و" تحذف "النيف"، وهو الثلاثة في مثالنا، "من" التركيب "الثاني. ولك في هذا الوجه" المشتمل على الحذفين المذكورين "وجهان:
أحدهما: أن تعربهما لزوال مقتضى البناء" وهو: التركيب "فيهما فتجري الأول" وهو الوصف "بمقتضى حكم العوامل" في الرفع والنصب والجر. "وتجر الثاني"
_________________
(١) ١ انظر شرح المرادي ٤/ ٣٢٢. ٢ أنكر ثعلب ذلك وقال: "إنما الوجه: ثالث ثلاثة عشر لا غير". انظر كتاب الحلل ص٢٣٦. ٣ الارتشاف ١/ ٣٧١. ٤ إضافة من "ط".
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وهو العقد، "بالإضافة" دائمًا فتقول: جاءني ثالث عشر، ورأيت ثالث عشر، ومررت بثالث عشر، بجر عشر في الأحوال الثلاثة. "و" إعراب ثالث بحسب العوامل، جزم بذلك ابن عصفور١. قال أبو حيان٢: وينبغي أن لا يقدم على هذا إلا بسماع لما فيه من الإجحاف.
الوجه "الثاني" من هذين الوجهين: "أن تعرب" الجزء "الأول"، وهو الوصف، بحسب العوامل، "وتبني" الجزء "الثاني" وهو: العقد على الفتح، "حكاه الكسائي، و" يعقوب "بن السكيت، وابن كيسان٣، ووجه أنه" أعرب الأول لزوال التركيب، "وقدر ما حذف من الثاني فبقي البناء بحاله" لنية الصدر. ونظيره: لا حول ولا قوة إلا بالله. فيمن فتح قوة. فإنه بنى مع كلمة أخرى ثم حذفها، وبقي البناء بحاله. قاله ابن مالك٤.
قال أبو حيان٥: "ولا يقاس على هذا الوجه لقلته. وزعم بعضهم"، وهو أبو محمد بن السيد٦، "أنه يجوز بناؤها لحلول كل منهما محل المحذوف من صاحبه". فتقول: جاء ثالث عشر، ورأيت ثالث عشر، ومررت بثالث عشر، ببناء الجزأين على الفتح في الأحوال الثلاثة.
"وهذا مردود لأنه لا دليل حينئذ"، أي حين إذ بنيا، "على أن هذين الاسمين منتزعان من تركيبين، بخلاف ما إذا أعرب" الجزء "الأول" فإنه يدل على أن هذين الاسمين منتزعان من تركيبين.
"ولم يذكر الناظم" في التسهيل "وابنه" في شرح النظم "هذا الاستعمال الثالث"، وهو أن يحذف العقد من الأول، والنيف من الثاني، "بل ذكرا مكانه"، في الكتابين المذكورين٧: "أنك تقتصر على التركيب الأول، باقيًا بناء صدره، وذكرا"، أي الناظم وابنه "أن بعض العرب يعربه" زاد ابنه: حكى ذلك ابن السكيت وابن
_________________
(١) ١ المقرب ٢/ ٣١٧. ٢ الارتشاف ١/ ٣٧١. ٣ في شرح ابن الناظم ص٥٢٥: "حكى ذلك ابن السكيت وابن كيسان". ٤ تخليص الشواهد ص٤٠٥-٤٠٦. ٥ الارتشاف ١/ ٣٧١. ٦ كتاب الحلل ص٢٣٥، ٢٣٦. ٧ التسهيل ص١٢١، وشرح ابن الناظم ص٥٢٥.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
كيسان١. قال الموضح: "والتحرير ما قدمته" من الاستعمال الثالث بوجهيه. وأن ما حكاه ابن السكيت وابن كيسان من إعراب الأول إنما هو فيما إذا حذف العقد من الأول والنيف من الثاني، لا فيما إذا اقتصر على التركيب الأول خاصة. وما ذكره الناظم وابنه يجب حمله على تركيب واحد، وإلا فقد قال أبو حيان٢: إنه باطل، لأنه يلتبس بما ليس أصله تركيبتين. ورده الموضح في الحواشي بأن الذي أجازه ابن مالك في التسهيل لا يمنعه بشر وأنه يقال: حادي عشر، وليس في كلامه ما يقتضي أنه منتزع من تركيبين: انتهى. وعبارة النظم ناطقة بما قال أبو حيان: فإن قوله:
٧٤٤-
وشاع الاستغنا بحادي عشرا
معناه: استغنى بحادي عشر عن بقية التركيب، وتلخص في هذه المسألة خمسة أوجه:
الأول: الإتيان بأربعة ألفاظ، وإليه يشير قول الناظم.
٧٤٢-
فجيء بتركيبين
وهو قليل الاستعمال، حتى إن بعضهم منعه.
الثاني: أن تحذف عقد الأول. وإليه يشير قول الناظم:
٧٤٣-
أو فاعلًا بحالتيه أضف إلى مركب
الثالث: حذف هذا ونيف الثاني، وبناء ما بقي.
الرابع: حذفهما وإعراب ما بقي.
الخامس: إعراب الوصف مع حذف عقده وبناء عشر مع حذف نيفه.
الوجه "السادس" من أوجه استعمال اسم٣ الفاعل: "أن تستعمله معها؛ أي مع العشرة "لإفادة معنى: رابع ثلاثة"، فيكون بمعنى: جاعل، وليس بمسموع. فتأتي أيضًا بأربعة ألفاظ، ولكن يكون" اللفظ "الثالث منها دون ما اشتق منه الوصف فتقول: رابع عشر ثلاثة عشر. أجاز ذلك سيبويه"٤، وجماعة من المتقدمين قياسًا، "ومنعه بعضهم"، وهم الكوفيون وأكثر البصريين، وقوفًا مع السماع٥. "وعلى الجواز فيتعين بالإجماع أن يكون التركيب الثاني" من التركيبين "في موضع خفض"،
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٢٥. ٢ الارتشاف ١/ ٣٧١. ٣ سقط من "ط". ٤ الكتاب ٣/ ٥٥٩. ٥ في كتاب الحلل ص٢٣٦-٢٣٧: "أكثر النحويين على أنه لا يجوز".
[ ٢ / ٤٧١ ]
بإضافة التركيب الأول إليه. ويمتنع النصب وإن كان الوصف فيه بمعنى جاعل، لأن عمل الوصف إنما يتأتى مع تنوينه أو اقترانه بـ"أل"، وهما منتفيان مع التركيب، ومن ثم أجاز بعض النحويين١: هذا ثان أحد عشر وثالث اثني عشر، بتنوين الوصف ونصب ما بعده لعدم تركيب الوصف مع العشرة.
"ولك" إذا أتيت بتركيبين "أن تحذف العشرة من" التركيب "الأول" فتقول: رابع ثلاثة عشر، "وليس لك مع ذلك" الحذف للعشرة من الأول. "أن تحذف النيف من" التركيب "الثاني". وتقول: رابع عشر، بفتحهما، "للإلباس" بما ليس أصله تركيبين.
ومقتضى البناء في الجزأين الباقيين حلول كل منهما محل المحذوف من صاحبه. ويزول الإلباس بإعراب الأول، كما ذكر في الوجه الخامس، ولم أره مسطورًا.
الوجه "السابع: أن تستعمله مع العشرين وأخواتها" إلى التسعين. "فتقدمه" في اللفظ، "وتعطف عليه العقد بالواو خاصة"، فتقول حاد وعشرون وحادية وعشرون وكذا الباقي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٤-
وقبل عشرين اذكرا
٧٤٥-
وبابه الفاعل من لفظ العدد بحالتيه قبل واو يعتمد
وهذا لا يختص باسم الفاعل، بل للعشرين وأخواتها مع النيف ثلاثة أحكام: وجوب تأخيرها عنه لأن الأقل سابق للأكثر طبعًا، ووجوب عطفها عليه ليرتبطا ووجوب كون العاطف الواو، لأنه عدد واحد والواو للجمع.
_________________
(١) ١ منهم ثعلب، انظر كتاب الحلل ص٢٣٦.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
باب كنايات العدد وهي ثلاث كم وكأي وكذا:
ولكل منها كلام يخصها، وشرح يكشف عن حقيقة أمرها.
"أما "كم" فتنقسم إلى: استفهامية بمعنى: أي عدد"، قليلا كان أو كثيرًا، ويستعملها من يسأل عن كمية الشيء "و" إلى "خبرية بمعنى" عدد "كثير". ويستعملها من يريد الافتخار والتكثير. "ويشتركان في خمسة أمور":
أحدها: "كونهما كنايتين عن عدد مجهول الجنس" والحقيقة، "والمقدار" والكمية.
"و" الثاني: كونهما مبنيين"، وسب بنائهما مشابهة الحرف في المعنى. وهو في الاستفهامية حرف الاستفهام، وفي الخبرية حرف التكثير الذي كان يستحق الوضع، أو في الوضع على حرفين.
"و" الثالث: "كون البناء" فيهما "على السكون"، وهو الأصل في البناء.
"و" الرابع: "لزوم التصدير"، فكل منهما له صدر الكلام.
"و" الخامس: "الاحتياج إلى التمييز"، لأن كل منهما عدد مجهول.
"ويفترقان أيضًا في خمسة أمور:
أحدها: أن "كم" الاستفهامية تميز بمنصوب مفرد"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٦-
ميز في الاستفهام كم بمثل ما ميزت عشرين
[ ٢ / ٤٧٣ ]
"نحو: كم عبدًا ملكت"، بفتح تاء الخطاب، أما إفراده فلازم خلافًا للكوفين، فإنهم يجيزون جمعه نحو: "كم شهودًا لك"، والصحيح مذهب جمهور البصريين، وما أوهم الحقيقة يحمل على الحال، ويجعل التمييز محذوفًا.
وذهب الأخفش إلى جواز جمعه إن كان السؤال عن الجماعات، نحو: "كم غلمانًا لك"؟ إذا أردت أصنافًا من الغلمان١.
وأما نصبه ففيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لازم، ولا يجوز جره مطلقًا، وهو مذهب بعض النحويين.
والثاني: أنه ليس بلازم، بل يجوز جره مطلقًا حملا على الخبرية، وإليه ذهب الفراء، والزجاج، والفارسي٢.
"و" الثالث: أنه "يجوز جره بـ"من" مضمرة جوازًا، إن جرت "كم" بحرف"٣. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٧-
وأجز أن تجره من مضمرا إن وليت كم حرف جر مظهرا
"نحو: بكم درهم اشتريت ثوبك"؟ هذا هو المشهور، ولم يذكر سيبويه جره، إلا إذا دخل على "كم" حرف جر، ليكون حرف الجر الداخل على "كم" عوضًا من اللفظ بـ"من" المضمرة، وذهب الزجاج إلى أن جر التمييز إنما هو بإضافة "كم" إليه. ورد بأن "كم" بمنزلة عدد مركب، والعدد المركب لا يعمل الجر في مميزه، فكذلك ما كان بمنزلته، قاله ابن خروف٤.
"وتميز الخبرية بمجرور" بإضافتها إليه حملا لـ"كم" على ما هي مشابهة له من العدد. وقال الفراء٥: على إضمار "من"، لأن "من" كثر دخولها على تمييز "كم" الخبرية، فجاز إضمارها لدلالة الحال عليه. وهذا القول نقله ابن الخباز في شرح الجزولية. وابن مالك فلي شرح الكافية٦، عن الخليل. "مفرد أو مجموع".
_________________
(١) ١ في الكتاب ٢/ ١٥٩: "ولم يجز يونس والخليل رحمهما الله: كم غلمانا لك، لأنك لا تقول: عشرون ثيابًا لك ويقبح أن تقول: كم غلمانًا لك". ٢ انظر المسائل المنثورة ص٧٦-٧٧، وشرح المرادي ٤/ ٣٢٤، وكتاب الحلل ص٢٣٩. ٣ كتاب الحلل ص٢٣٩. ٤ شرح ابن الناظم ص٥٢٧. ٥ الارتشاف ١/ ٣٧٩. ٦ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٧١٠.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
لأن "كم" بمنزلة عدد يضاف إلى مميزه تارة إلى جمع كالعشرة فما دونها، وتارة إلى مفرد، كالمائة فما فوقها. فاستعمل بالوجهين إجراء له مجرى الضربين. "نحو: كم رجال جاؤوك". كما يقال: عشرة رجال جاؤوك. "وكم امرأة جاءتك". كما يقال: مائة امرأة جاءتك.
"والإفراد أكثر" في الاستعمال "وأبلغ" في المعنى من الجمع، حتى ادعى بعضهم أن الجمع على نية معنى الواحد، فكم رجال، على معنى: كم جماعة من الرجال، ودخل في المفرد ما يؤدي معنى الجمع نحو: كم قوم صدقوني. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٨-
واستعملنها مخبرًا كعشره أو مائة
"و" الأمر "الثاني: أن الخبرية تختص بـ" الزمن "الماضي كـ: رب" بجامع التكثير فيهما، فلهذا "لا يجوز: كم غلمان سأملكهم، كما لا يجوز: رب غلمان سأملكهم"، لأن التكثير والتقليل إنما يكونان فيما عرف حده، والمستقبل مجهول، "ويجوز" في الاستفهامية: "كم عبدًا ستشتريه"، لأن الاستفهام لتعيين المجهول.
"و" الأمر "الثالث" مما تختص به الخبرية: "أن المتكلم بها لا يستدعي"، أي لا يطلب "جوابًا من مخاطبه" لأنه مخبر بخلاف المتكلم بالاستفهامية فإنه مستخبر.
"و" الأمر "الرابع: أنه"؛ أي المتكلم بالخبرية؛ "يتوجه إليه التصديق والتكذيب"، لأنه منشئ، والإنشاء لا يحتمل ذلك.
"و" الأمر "الخامس" مما تختص به الخبرية: "أن المبدل منها لا يقترن بهمزة الاستفهام" لأنه خبر، والخبر لا يتضمن معنى الاستفهام. "تقول: كم رجال في الدار عشرون بل ثلاثون". بخلاف المبدل من الاستفهامية فإنه يجب اقترانه بهمزة الاستفهام، لتضمنها معنى الاستفهام. "و" لهذا "يقال: كم مالك أعشرون أم ثلاثون"؟ فـ"كم" في موضع رفع بالابتداء، و"مالك "خبره، عند سيبويه١، وعند الأخفش بالعكس. و"أعشرون" بدل من "كم"، و"أم" عاطفة وفيها معنى الاستفهام وتسمى معادلة الهمزة. و"ثلاثون" معطوف على "عشرون".
تنبيه:
"يروى قول الفرزدق"، وهو همام بن غالب التميمي، في هجو جرير: [من الكامل]
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ١٦٠.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
٨٨٢-
كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت علي عشاري
"بجر: عمة وخالة، على أن "كم" خبرية، وبنصبهما. فقيل: إن تميمًا نصب مميز الخبرية مفردًا"، أي: كثيرًا من عماتك وخالاتك من جملة خدمي١.
"وقيل: على الاستفهام التهكمي"، أي: أخبرني بعدد عماتك وخالاتك اللاتي كن يخدمنني فقد نسيته. "وعليهما": أي الجر والنصب، "فهي": أي "كم" مبتدأ، و" جملة "قد حلبت: خبر، و" أفرد الضمير حملا على لفظ "كم". أو "التاء" في: حلبت "للجماعة، لأنهما" في المعنى: "عمات وخالات، و" يروى "برفعهما على الابتداء"، لتخصيص المعطوف عليه بوصفه بـ: لك، وبـ: فدعاء، محذوفة مدلول عليها بالمذكورة، إذ ليس المراد تخصيص الخالة بوصفها بالفدع، كما حذف: "لك" مع خالة استدلالا عليها بـ"لك" الأولى. "و" قد "حلبت: خبر للعمة أو الخالة، وخبر الأخرى محذوف. وإلا لقيل: قد حلبتا" لأن المخبر عنه في هذا الوجه متعدد لفظًا ومعنى، نظيره: زينب وهند قامت. "والتاء في: حلبت" على هذا "للوحدة، لأنها عمة واحدة وخالة واحدة. و: كم" على هذا الوجه محلها "نصب على المصدرية، أو" على "الظرفية" الزمانية. "أي كم حلبة"، على المصدرية. "أو" كم "وقتا" على الظرفية.
والفدعاء، بسكون الدال المهملة: من الفدع، بفتح الفاء، والدال: وهو اعوجاج الرسغ من اليد والرجل، حتى ينقلب الكف والقدم إلى إنسيهما، بكسر الهمزة والسين المهملة وبالنون الساكنة والياء المثناة تحت المشددة: وهو الجانب الأيسر على رأي أبي زيد، والأيمن: على رأي الأصمعي، والعشار، بكسر العين، جمع عشراء: وهي الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر. ومعنى "علي": على كره مني،
_________________
(١) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٣٦١، والأشباه والنظائر ٨/ ١٢٣، وأوضح المسالك ٤/ ٢٧١، وخزانة الأدب ٦/ ٤٥٨، ٤٥٩، ٤٩٣، ٤٩٥، ٤٩٨، والدرر ١/ ٥٣٧، وشرح شواهد المغني ١٤/ ٥١١، وشرح عمدة الحافظ ص٥٣٦، وشرح المفصل ٤/ ١٣٣، والكتاب ٢/ ٧٢، ١٦٢، ١٦٦، ولسان العرب ٤/ ٥٧٣ "عشر" واللمع ص٢٢٨، ومغني اللبيب ١/ ١٨٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨٩، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب ١/ ٣٣١، وشرح ابن الناظم ص٥٢٧، وشرح الأشموني ١/ ٩٨، وكتاب الحلل ص٢٤١، ولسان العرب ١٢/ ٥٢٨ "كمم"، والمتقضب ٣/ ٥٨، والمقرب ١/ ٣١٢، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٤. ١ انظر كتاب الحلل ص٢٤١، والدرر ١/ ٥٣٧.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
لأن "على" تستعمل في الضر، كما أن اللام تستعمل في النفع، نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
"وأما "كأين" فبمنزلة "كم" الخبرية" في خمسة أمور: "في إفادة التكثير"، وفي الإبهام، "وفي لزوم التصدير"، وفي البناء، "وفي انجرار التمييز. إلا أن حرجه بـ"من" ظاهرة لا بالإضافة"، بخلاف "كم". "قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ [العنكبوت: ٦٠] وقد ينصب" تمييز: "كأين"، "كقوله": [من الخفيف] .
٨٨٣-
اطرد اليأس بالرجا فكأين آلما حم يسره بعد عسر
فـ"آلما" بمد الهمزة على وزن فاعلا، من: ألم يألم إذا وجع، منصوب على التمييز بـ"كأين" و"اطرد" أمر من طرد يطرد؛ كـ: قتل يقتل. و"اليأس" بالياء المثناة تحت: القنوط: و"الرجا" بالقصر للضرورة: الأمل و"حم" بضم الحاء المهملة؛ بمعنى: قدر.
يقول: لا تقنط وترج حصول الفرج بعد الشدة، فكم من عديم قدر الله غناه بعد فقره.
و"كأين" تخالف "كم" في أمور:
منها أنها مركبة من كاف التشبيه، و"أي" المنونة، و"كم" بسيطة على الأصح. وقيل: مركبة من الكاف و"ما" الاستفهامية ثم حذفت ألفها لدخول الجار، وسكنت ميمها للتخفيف، لثقل الكلمة بالتركيب.
ومنها أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور، خلافًا لابن قتيبة، وابن عصفور، وابن مالك١.
ومنها أنها لا تقع مجرورة، خلافًا لابن قتيبة، وابن عصفور فإنهما أجازا: بكأين تبيع هذا الثوب٢.
ومنها أن خبرها لا يقع مفردًا.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الارتشاف ١/ ٣٨٦، وأوضح المسالك ٤/ ٢٧٦، والدرر ١/ ٥٤٢، وشرح الأشموني ٣/ ٦٣٧، وشرح التسهيل ٢/ ٤٢٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥١٣، ومغني اللبيب ١/ ١٨٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٩٥، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٥. ١ شرح التسهيل ٢/ ٤٢٣. ٢ الارتشاف ١/ ٣٨٧.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
"وأما "كذا" فيكنى بها عن العدد القليل والكثير"، وتوافق "كأين" في أربعة أمور:
التركيب، فإنها مركبة من كاف التشبيه و"ذا" الإشارية، والبناء والإبهام والافتقار إلى التمييز بمفرد.
"و" تخالفها في ثلاثة أمور:
أحدها: أنه "يجب في تمييزها النصب"، فلا يجوز جره بـ"من" اتفاقًا، ولا بالإضافة، لأن عجزها اسم لم يكن له قبل التركيب نصيب في الإضافة فأبقي على ما كان عليه، خلافًا للكوفيين، أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال: كذا ثوبا، وكذا أثواب.
بالجر قياسًا على العدد الصريح. وقال الزجاجي: يجوز الجر على ضرب من الحكاية. وقال الحوفي. على البدل من "ذا".
"و" الثاني: أنها "ليس لها الصدر، فلذلك تقول: قبضت كذا وكذا درهما". والثالث: أنها لا تستعمل غالبًا إلا معطوفًا عليها كقوله: [من الطويل]
٨٨٤-
عد النفس نعمى بعد بؤساك ذاكرًا كذا وكذا لطفًا به نسي الجهد
وإلى "كأين" و"كذا" أشار الناظم بقوله:
٧٤٩-
ككم كأين وكذا وينتصب تمييز ذين أو به صل من تصب
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ٢٨١، والدرر ١/ ٥٤٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥١٤، ومغني اللبيب ١/ ١٨٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٩٧، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٦.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
باب الحكاية:
وهي إيراد لفظ المتكلم على حسب ما أورده، وهي ثلاثة أنواع: حكاية الجمل وتختص بالقول، وحكاية المفرد: وتختص بالعلم، وحكاية حال المفرد: وتختص بـ"أي" و"من" الاستفهاميتين.
"فحكاية الجمل مطردة بعد القول" وفروعه من الفعل، والوصف بأنواعهما، "نحو": ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ [النساء: ١٥٧]، " ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ " [مريم: ٣٠]، ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٤٠] الآية. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٤٨]، ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ٨١] فتحكى الجمل على ترتيب اللفظ.
"ويجوز حكايتها على المعنى١ فتقول في حكاية: زيد قائم: قال عمرو قائم زيد"، بعكس الترتيب، "فإن كانت الجملة ملحونة تعين المعنى" في حكايتها "على الأصح" صونًا من ارتكاب اللحن، ولئلا يتوهم أن اللحن نشأن من الحاكي.
فعلى هذا إذا قيل لشخص٢: جاء زيد؛ بالجر؛ وأردت حكاية كلامه قلت: قال فلان جاء زيد؛ بالرفع؛ ولكنه خفض زيدًا، لتنبه بالاستدراك على لحنه، وإلا لتوهم أنه نطق به على الصواب. وعلى القول الثاني تقول: قال فلان جاء زيد بالجر، مراعاة للفظه.
_________________
(١) ١ في حاشية يس ٢/ ٢٨٢: "المراد بالمعنى: ما قابل المحكي بهيئته، فيصدق على تقديم ألفاظ المحكي وتأخيرها وتغيير إعرابها أنه حكاية معنى لا لفظًا، فلا يقال: إن مع التقديم والتأخير حكاية اللفظ أيضًا". ٢ في "ب" "ط": "قال شخص".
[ ٢ / ٤٧٩ ]
"وحكاية المفرد١ في غير الاستفهام شاذة، كقول بعضهم: ليس بقرشيًّا، ردًّا على من قال: إن في الدار قريشًا" وكقول ذي الرمة: [من الوافر]
٨٨٥-
سمعت الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدح انتجعي بلالا
فإنه سمع قومًا يقولون: الناس ينتجعون غيثًا فحكى ذلك كما سمع، فرفع الناس. وصيدح: اسم ناقته. قاله الزجاجي في جمله٢.
قال ابن مالك في شرح الكافية٣: ويمكن أن يكون من هذا ما كتب بواو في خط الصحابة ﵃: فلان بن أبو فلان؛ بالواو؛ كأنه قيل: فلانًا ابن المقول فيه أبو فلان. فالمختار فيه عند المحققين أن يقرأ بالياء. وإن كان مكتوبًا بالواو كما تقرأ الصلاة والزكاة بالألف، وإن كانتا مكتوبتين بالواو على أن المنطوق به منقلب عن واو. انتهى.
وعندي أنه يقرأ بالواو لوجهين: أحدهما: أن الغرض أنه محكي وقراءته بالياء تفوت ذلك، بخلاف الصلاة والزكاة فإنهما غير محكيتين. والثاني: أنه يحتمل أن يكون وضع بالواو فيكون من استعمال الاسم في أول أحواله. وذلك لا يغير.
"وأما" حكاية حال المفرد "في الاستفهام، فإن كان المسئول عنه نكرة" مذكورة "والسؤال بـ: "أي" أو بـ"من"، حكي في لفظ "أي" ولفظ٤ "من" ما ثبت لتلك النكرة المسئول عنها من رفع ونصب وجر، وتذكير وتأنيث، وإفراد وتثنية"، حقيقة أو صالحة لوصفها بها. "وجمع" سالم موجود فيه، أو صالح لوصفه به.
"تقول لمن قال: رأيت رجلا، وامرأة، وغلامين، وجاريتين، وبنين، وبنات: أيا"؟ في حكاية رجلا، "وأية"؟ في حكاية امرأة، "وأيين"؟ بالتثنية في حكاية غلامين، "وأيتين"؟ في حكاية جاريتين، "وأيين"؟ بالجمع في حكاية بنين، "وأيات"؟ في حكاية بنات.
_________________
(١) ١ في حاشية يس ٢/ ٢٨٢: "أي حاله".
(٢) البيت لذي الرمة في ديوانه ص١٥٣٥، والجمل ص٣٢٩، وجمهرة اللغة ص٥٠٣، وخزانة الأدب ٩/ ١٦٧، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٣٢، ولسان العرب ٢/ ٥٠٩، "صدح"، ٨/ ٣٤٧، "نجع"، والمقتضب ٤/ ١٠، ونوادر أبي زيد ص٣٢، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٣٩٠، وخزانة الأدب ٩/ ٢٦٨، ٣٩٣، وشرح الأشموني ٣/ ٦٤٤. ٢ الجمل ص٣٢٩. ٣ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٧٢٢. ٤ في "ط": "وفي".
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وقولنا في التثنية: أو صالحة لوصفها بها ليشمل مثل: رأيت شاعرًا وكاتبًا. فإنك تقول في حكايتهما: أيين، مع أنهما ليسا مثنيين صناعة، إلا أنهما يوصفان بالتثنية فتقول: الظريفين. وقولنا في الجمع السالم: أو صالح لوصفه به، ليشمل مثل: رأيت رجالا أو نساء، فإنك تقول في حكاية الأول، أيين. وفي حكاية الثاني: أيات مع أنهما ليسا جمعي سلامة، إلا أنهما يوصفان لجمع السلامة. فتقول: رأيت رجالا، صالحين، ونساء صالحات، وقس على ذلك حكاية المرفوع بالفاعلية والمجرور.
واختلف في الحركات اللاحقة لـ"أي"، فقيل:
حركات حكاية و"أي" بمنزلة "من" في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف.
وقيل: هي حركات إعراب. فإذا وقعت سؤالا عن مرفوع بالفاعلية نحو: قام رجل فقيل: أي؟ فـ"أي" فاعل بالفعل، وهو سابق عليها في التقدير، لأن الاستثبات يزيل الصدر، فكأنك أعدت ما قاله السائل وكأنك إنما ذكرت "أيا" فقط. ويجوز أن تصرح بالفعل مؤخرًا توكيدًا، قاله الكوفيون. ومقتضى قواعد البصريين أنه يتعين كونها مبتدأ والخبر محذوف تقديره: أي قام، لأن الفاعل لا يتقدم والاستفهام لا يتأخر. والكوفيون يجيزونهما.
فإن سألت بها عن منصوب أو مجرور، فقياس قول البصريين أنها مبتدأ والخبر محذوف والحركة للحكاية أو معمولة لمحذوف متأخر، ولك أن تصرح به توكيدًا مع التأخر.
فتقول: أيا رأيت؟ وبأي مرورت؟ وعند الكوفيين منعهما. وعلى القول بجواز تقديم العامل، فهو أولى للمطابقة.
"وكذلك تقول في: من" إذا حكيت بها النكرة، رفعًا ونصبًا وجرًّا، وإفرادًا وتثنية وجمعًا على حدها، تذكيرًا وتأنيثًا، كما تقدم من الأمثلة.
"إلا أن بينهما فرقًا من أربعة أوجه:
أحدها: أن "أيا" عامة في السؤال فيسأل بها عن العاقل؛ كما مثلنا" من قولنا: رأيت رجلا، إلخ. "وعن غيره كقول القائل، رأيت حمارًا أو حمارين"، أو أتانًا أو أتانين، أو حمرًا أو أتنا، "و"من" خاصة بـ" السؤال عن "العاقل".
الفرق "الثاني: أن الحكاية في "أي" عامة في الوقف والوصل، يقال: جاءني رجلان فتقول: أيان"؟ بالوقف والإسكان، "أو أيان هذا"، بالوصل
[ ٢ / ٤٨١ ]
"والحكاية في "من" خاصة بالوقف، تقول" لمن قال: جاءني رجلان. "منان، بالوقف والإسكان" في النون، "وإن وصلت قلت: من يا هذا"؟ بالسكون "وبطلت الحكاية" كما سيأتي أنك تقول في حكاية المذكر: منو ومنا ومنى؟ ١
وهذه٢ الأحرف كأحرف الإطلاق لا تكون إلا في الوقف. "فأما قوله"، وهو شمر بن الحارث الضبي، أو تأبط شرًّا: [من الوافر]
٨٨٦-
أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلاما
والقياس. من أنتم. "فنادر في الشعر"، وحمله سيبويه على لغة من قال: ضرب منو منا٣.
قال٤: إنما يجوز منون على هذا فهو عنده معرب كـ"أي" مجموع بالواو والنون.
وقال الكسائي٥: ربما احتاج الشاعر فزاد هذه الزوائد٦ في الوصل٧. قال ابن خروف٨: وتوجيه سيبويه أجود، وهو أن يكون معربًا وجمعه كأي.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٣٠-٥٣١. ٢ من هنا حتى قوله: "انتهى" في نهاية الصفحة التالية قبل حديثه عن الفرق الثالث؛ نقله الشنقيطي في الدرر ٢/ ٥٢٤-٥٢٥.
(٢) البيت لشمر بن الحارث في الحيوان ٤/ ٤٨٢، ٦/ ١٩٧، وخزانة الأدب ٦/ ١٦٧، ١٦٨، ١٧٠، والدرر ٢/ ٥٢٤ ولسان العرب ٣/ ١٤٩ "حسد"، ١٣/ ٤٢٠ "منن" ونوادر أبي زيد ص١٢٣، ولسمير الضبي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٨٣، ولشمر أو لتأبط شرا في شرح المفصل ٤/ ١٦، ولأحدهما أو لجذع بن سنان في المقاصد النحوية ٤/ ٤٩٨، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٤٦٢، أوضح المسالك ٤/ ٢٨٢، وجواهر الأدب ص١٠٧، والحيوان ١/ ٣٢٨، والخصائص ١/ ١٢٨، والدرر ٢/ ١٥٤، ورصف المباني ص٤٣٧، وشرح ابن الناظم ص٥٣١، وشرح الأشموني ٢/ ٦٤٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٤٢٦، وشرح شواهد الشافية ص٢٩٥، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٧١٨، والكتاب ٢/ ٤١١، وكتاب الحلل ص٣٦٠، ولسان العرب ٦/ ١٢، "أنس"، ١٤/ ٣٧٨ "سرًّا"، والمقتضب ٢/ ٣٠٧، والمقرب ١/ ٣٠٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٧، ٢١١. ٣ في الكتاب ٢/ ٤١١: "وزعم يونس أنه سمع أعرابيًّا يقول: ضرب من منا". ٤ في الكتاب: "وهذا بعيد لا تتكلم به العرب، ولا يستعمله منهم ناس كثير، وكان يونس إذا ذكرها يقول: لا يقبل هذا كل أحد فإنما يجوز: منون يا فتى على ذا". ٥ الدرر ٢/ ٥٢٥. ٦ في "ط": والدرر "الرواية". ٧ في الدرر: "الأصل". ٨ الدرر ٢/ ٥٢٥.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وحكى الكوفيون أن منهم من يقول: منو أنت، ومنان أنتما، ومنون أنتم؟ فيكون البيت على هذا.
"ولا يقاس عليه خلافًا ليونس"، وحجته أنه سمع بعض العرب يقول: ضرب من منا؟ ومنو منا؟ لمن قال: ضرب رجل رجلا. حكاه عنه سيبويه١، ووجهه أنه أزال الاستفهام عن صدريته وأعرب أحدهما فاعلا، والآخر مفعولا في الأولين، وحكاهما في الوصل في الباقين، واستبعده سيبويه.
وفي هذا البيت شذوذان آخران:
أحدهما: أنه حكى الضمير في: أتوا وهو معرفة، وليس وجه شذوذه أنه حكى مقدرًا. خلافًا للشارح٢.
والثاني: أنه حرك النون وحكمها السكون٣.
وعموا؛ بكسر العين المهملة؛ أي: أنعموا. وظلامًا: جوز فيه ابن السيد٤ كونه ظرفًا، أي انعموا في ظلامكم، وكونه تمييزًا أي: من جهة ظلامكم. انتهى.
والأول أولى، ويؤيده أنه ينشد:
عموا صباحًا٥
وهو إنشاد صحيح٦ وقع في قصيدة حائية منسوبة إلى جذع بن سنان الغساني.
ونص ابن الحاجب في الأمالي٧: على أنه لا يحسن أن يكون ظرفًا إذ ليس المراد أنهم نعموا في ظلام أو في صباح، وإنما المراد أنهم نعم ظلامهم أو صباحهم، انتهى٨.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٤١١. ٢ في شرح ابن الناظم ص٥٣٢: "أنه حكى مقدرًا، غير مذكور". ٣ في شرح ابن الناظم ص٥٣٢: "أنه أثبت العلامة في الوصل، وحقها ألا تثبت إلا في الوقف". ٤ كتاب الحلل ص ٣٦٠-٣٦١. ٥ انظر هذه الرواية في شرح المفصل ص١٧٤ "الحاشية"، ولسان العرب ١٤/ ٣٨١ "سرا". ٦ في كتاب الحلل ص٣٦٠ أن الزجاجي قال في كتابه الجمل ص٣٣٦-٣٣٧: "وقد رأيت بعض من لا يعرف هذا الشعر يرويه: عموا صباحًا، وهو غلط". وعلق ابن السيد في الحلل ص٣٦٠ فقال: "ليس بغلط كما ذكر، ولكنهما شعران، أحدهما على قافية الميم وهو الذي أنشده عن ابن دريد، والثاني على قافية الحاء، وهو أطول من هذا". ٧ أمالي ابن الحاجب ١/ ٤٦٢. ٨ إلى هنا ما نقله صاحب الدرر ٢/ ٥٢٥.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
الفرق "الثالث": أن "أيا" يحكى فيها حركات الإعراب غير مشبعة، فتقول" في حكاية المفرد المرفوع: "أي. و" في حكاية المنصوب. "أيا، و" في حكاية المجرور "أي. ويجب في "من" الإشباع" في الحركات١ في حكاية المفرد المذكر خاصة على اللغة الفصحى. "فتقول" لمن قال: جاءني رجل: "منو؟ و" لمن قال: رأيت رجلا: "منا؟ و" لمن قال: مررت برجل: "مني"؟
ومن العرب من يحكي بـ"من" إعراب المسئول عنه فقط، ولم يزد علامة التأنيث والتثنية والجمع. فتقول لمن قال: قام رجل، أو رجلان، أو رجال، أو امرأة، أو امرأتان، أو نساء، منو في الجميع، وفي النصب: منا، وفي الجر: مني.
وما ذكره من أن الواو والألف والياء نشأت من حركات الإشباع، وأن الحركات حكاية هو قول السيرافي. زعم أن الحركات حكاية، وأنهم أشبعوا بيانًا للحركة في الوقف إذ لا يوقف على متحرك.
ورد بأن الحركات إنما تبين بهاء السكت وبالألف في "أنا" و"حيهلا"، خاصة وبأن الموضع للوقف ولا حركة فيه.
وقال المبرد والفارسي: الحكاية مشبهة بالإعراب، فالحروف اجتلبت أولا للحكاية فلزم تحريك ما قبلها٢، وصوبه ابن خروف، وصححه أبو حيان٣.
وقال بعضهم: الحروف عوض عن التنوين، فإذ قيل: منو، فالحكاية بالضمة والواو بدل التنوين. وكذا "منا ومني". ورده أبو حيان٤ بأن ذلك لغة قليلة. وهذا الحروف يتكلم بها جميع العرب.
وقال بعضهم٤: الحروف عوض عن لام العهد لأن قياس النكرة إذا أعيدت أن تعاد بلفظ المعرفة لئلا يتوهم أنها غيرها.
الفرق "الرابع: أن ما قبل تاء التأنيث في "أي" واجب الفتح تقول: أية وأيتان" كما تقول: آية وآيتان: "ويجوز الفتح والإسكان في: من" إذا اتصل بها تاء الحكاية. "تقول: منه"، بفتح النون وقلب التاء هاء، "ومنت"، بسكون النون وسلامة التاء من القلب هاء، وإنما قلبت مع فتح ما قبلها ولم تقلب مع سكونه اعتبارًا بحالة الوقف.
_________________
(١) ١ في "ط": "للحركات" مكان "في الحركات". ٢ المقتضب ٢/ ٣٠٦. ٣ الارتشاف ١/ ٣٢١-٣٢٣. ٤ الارتشاف ١/ ٣٢١-٣٢٣.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
"ومنتان" بفتح النون الأولى، "ومنتان"، بسكونها. "والأرجح الفتح في المفرد والإسكان في التثنية"، وإنما عبرنا بتاء الحكاية دون تاء التأنيث لأن تاء التأنيث لا يسكن ما قبلها. قال الموضح في الحواشي: وهو الحق. وظاهر كلامه هنا أنها للتأنيث. والقول بأنه في "أية" للتأنيث، وفي "منه" للحكاية، مجرد عناية.
وإنما كان الأرجح الفتح في المفرد لأن التاء فيه متطرفة فهي ساكنة للوقف. فحرك ما قبلها لئلا يلتقي ساكنان، ولا كذلك في التثنية، وتقول في حكاية الجمع بالألف والتاء. منات، بإسكان التاء للوقف. هذا حكم غير العطف.
وأما العطف فإذا قال: جاءني امرأة ورجل. فإنك تقول: من ومنو؟ وإذا قال: جاءني رجل وامرأة، فإنك تقول: من ومنه؟ تلحق العلامة آخر الكلام لأنه محل الوقف دون ما قبله. لأنه في حكم الوصل. وكذا إذا قال: جاءني رجال ونساء قلت: من ومنات؟ فإذا قال: مررت بنسوة ورجل قلت: من ومني؟ وإذا خلط ما لا يعقل بمن يعقل، جعلت السؤال عما لا يعقل بـ"أي"، وعمن يعقل بـ"من". فإذا قال: رأيت رجلا وحمارًا. قلت: من وأيا؟ وإذا قال: مررت بحمار ورجل. قلت: أي ومني؟ وإذا قال: رأيت ثوبًا وغلامًا. قلت: أيا ومنا؟ وكذلك ما أشبهه. ذكره الزجاجي١.
ثم انتقل إلى النوع الثالث: وهو حكاية العلم، وجعله قسيمًا لقوله أولا، فإن كان المسئول عنه نكرة فقال: "وإن كان المسئول عنه علمًا لمن يعقل، غير مقرون، بتابع" من التوابع الخمسة، "وأداة السؤال "من" غير مقرونة بعاطف، فالحجازيون يجيزون حكاية إعرابه٢، فيقولون: من زيدًا؟ لمن قال: رأيت زيدًا، ومن زيد؟ بالخفض لمن قال: مررت بزيد" فالفتحة والكسرة للحكاية والرفع في موضعهما مقدر لأن الواقع بعد "من" مبتدأ خبره "من" عند الجمهور٣. أو خبر مبتدؤه "من" عند سيبويه٤، وإن كان المحكي مرفوعًا كقوله٥: من زيد؟ لمن قال: جاءني زيد، برفع ما بعد "من" على اللغتين٦، ويختلف التقدير، فعلى لغة الحكاية يكون الإعراب مقدرًا لاشتغال
_________________
(١) ١ الجمل ص٣٣٥-٣٣٦. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٣٢. ٣ الارتشاف ١/ ٣٢٣. ٤ الكتاب ٢/ ٤١٣، وانظر شرح ابن الناظم ص٥٣٢. ٥ في "ط": "كقوله". ٦ شرح ابن الناظم ص٥٣٢.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
آخر المحكي بحركة الحكاية فالرفع في اللفظ غير الرفع في التقدير. وعلى لغة الغير فالحكم ظاهر. "وتبطل الحكاية في نحو": أي زيد؟ لأن أداة السؤال غير "من" وفي نحو: "ومن زيد؟ لأجل العاطف" الداخل على "من". "وفي نحو: من غلام زيد، لانتفاء العلمية"، خلافًا ليونس في إجازته حكاية جميع المعارف١. وفي نحو: من شدقم؟ لانتفاء العقل. "وفي نحو: من زيد الفاضل؟ لوجود التابع"، وهو النعت.
"ويستثنى من ذلك أن يكون التابع ابنًا متصلا بعلم كـ: رأيت زيد بن عمرو، أو علمًا معطوفًا"، بالواو خاصة "كـ: رأيت زيدًا وعمرًا، فتجوز فيهما الحكاية على خلاف في الثانية". فتقول لمن قال: رأيت زيدًا بن عمرو. من زيد بن عمرو؟ ولمن قال: مررت بزيد بن عمرو: من زيد بن عمرو؟ بنصب زيد في الأول، وخفضه في الثاني. وتقول لمن قال: رأيت زيدًا وعمرًا: من زيدًا وعمرًا، بنصبهما. ولمن قال: مررت بزيد وعمرو: من زيد وعمرو. بخفضهما. وذهب يونس وجماعة إلى أن عطف أحد الاسمين على الآخر يبطل الحكاية، وبنو تميم لا يحكون العلم مطلقًا ويوجبون رفع ما بعد "من". ومدرك الحجازيين أن الأعلام كثرت في كلامهم فأجازوا فيها الحكاية. لما فيها من ربط أحد الكلامين بالآخر وشرطوا أن تكون الحكاية بـ"من" دون "أي" لوجهين:
أحدهما: كثرة استعمالهم لها دون "أي" قاله سيبويه٢.
والثاني: أن "من" مبنية، لا يظهر معها قبح الحكاية لسكونها على كل حال، بخلاف "أي" فإنه لو حكي بها: أي زيدًا؟ وأي زيد؟ برفع "أي" فيهما، ونصب "زيد" في الأول، وجره في الثاني، لظهر القبح في اختلاف إعراب المبتدأ والخبر.
قال ابن الضائع: والأول أولى، وعليه اعتمد سيبويه وزاد ابن خروف وجها ثالثًا: وهو كون "من" على حرفين. وأما شرط انتفاء التابع، فلأنهم استغنوا بإطالته عن الحكاية، واستثنى النعت بابن لأنه صار مع المنعوت كشيء واحد، واستثنى عطف النسق لأنه ليس فيها بيان للمتبوع، فلا يبين إلا بالحكاية.
وأما اشتراط انتفاء اقتران العاطف بـ"من" فلأن الغرض بالحكاية بيان أن المسئول عنه هو المتقدم في الذكر لا غير. فإذا عطفت جملة السؤال على كلام المسئول صار في ذلك بيان أن المسئول عنه هو الأول فلم يحتج للحكاية. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٥٧-
والعلم احكينه من بعد من إن عريت من عاطف بها اقترن
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٣٢. ٢ الكتاب ٢/ ٤١٣، ٤١٤.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
باب التأنيث
مدخل
باب التأنيث:
اعلم أن من المعاني المدلول عليها بالألفاظ: أشخاص الجواهر، وهي على قسمين: حيوان وجماد، والحيوان ضربان: ذكر وأنثى. "ولما كان التأنيث فرع التذكير لأن الأصل في جميع الأشياء التذكير كما قاله سيبويه١ "احتاج" المؤنث "لعلامة" تميزه من المذكر.
"وهي إما "تاء" محركة" بوجوه الإعراب. "وتختص بالأسماء كـ: قائمة" وهاوية، وتبدل في الوقف هاء فلذلك رسمت بالهاء.
"أو تاء ساكنة، وتختص بالأفعال" الماضية "كـ: قامت" ونعمت: "وإما ألف مفردة" عن ألف قبلها "كـ: حبلى" وسكرى.
"أو ألف قبلها ألف" زائدة "فتقلب هي" أي الألف الثانية، "همزة كـ: حمراء".
هذا مذهب الجمهور من البصريين٢، وذهب بعضهم إلى أن الهمزة والألف قبلها معًا علامة التأنيث٣.
وذهب الكوفيون إلى أن الهمزة للتأنيث وليست مبدلة من ألف التأنيث والألفان المقصورة، "و" الممدودة "يختصان بالأسماء" الظاهرة. وإلى التاء والألف أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٢٤١، وانظر شرح ابن الناظم ٥٣٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ٤٩٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٧٠. ٢ انظر شرح المرادي ٥/ ٣. ٣ وهو مذهب الأخفش، كما في الارتشاف ١/ ٢٩٣.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
٧٥٨-
علامة التأنيث تاء أو ألف
ولا يجمع بينهما فلا يقال: حبلاة، وأما: علقاة، فالألف مع وجود التاء للإلحاق بجعفر، ومع عدمها للتأنيث١.
"و" العرب "قد أنثوا أسماء كثيرة بتاء مقدرة، ويستدل على ذلك" التقدير "بالضمير العائد عليها نحو: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢]، ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ " [الأنفال: ٦١] . فالنار والحرب والسلم مؤنثات بدليل عود ضمير المؤنث عليها. ولا يخفى ما في ترتيب الآيات من المناسبة. وما في مقابلة الحرب بالمصالحة من الطباق.
"وبالإشارة إليها نحو: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾ " [يس: ٦٣]، فجهنم: مؤنثة: بدليل الإشارة إليها بإشارة المؤنث وهي: هذه.
"وبثبوتها؛ أي التاء؛ في تصغيره، نحو: عيينة، وأذينة"، مصغري: عين وأذن من الأعضاء المزدوجة، فإن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، وغير المزدوج مذكر كـ: الرأس والقلب، "أو" بثبوتها في "فعله نحو: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ " [يوسف: ٩٤]، فالعير مؤنثة، بدليل تأنيث فعلها.
"وبسقوطها من عدده كقوله"، وهو حميد الأرقط يصف قوسًا عربية: [من الرجز]
٨٨٧-
أرمي عليها وهي فرع أجمع وهي ثلاث أذرع وأصبع
فأذرع: جمع ذراع، وهي مؤنثة بدليل سقوط التاء من عددها وهو: ثلاث. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٥٨-
وفي أسام قدروا التا كالكتف
٧٥٩-
ويعرف التقدير بالضمير ونحوه كالرد في التصغير
_________________
(١) ١ الارتشاف ١/ ٢٩٣.
(٢) الرجز لحميد الأرقط في شرح شواهد الإيضاح ص٣٤١، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٠٤، وبلا نسبة في ديوان الأدب ١/ ١١٨، وإصلاح المنطق ص٣١٠، وأوضح المسالك ٤/ ٢٨٦، والاقتضاب ص٣٤٣، ٧٠٧، وجمهرة اللغة ص١٣١٤، وخزانة الأدب ١/ ٢١٤، والمخصص ١/ ١٦٧، ٦/ ٣٨، ١٤/ ٦٥، ١٦/ ٨٠، ومقاييس اللغة ١/ ٢٦، وشرح التسهيل ٣/ ١٦٠، وشرح عمدة الحافظ ص٥٧٦، والخصائص ٢/ ٣٠٧، ولسان العرب ٨/ ٩٣ "ذرع" ٢٤٧ "فرع"، ١٤/ ٣٣٥ "رمى"، ١٥/ ٨٨ "علا"، وأدب الكاتب ص٥٠٧ والأزهية ص٢٧٦، والأشباه والنظائر ٥/ ٢١٩، والكتاب ٤/ ٢٢٦، وتاج العروس ٢١/ ٤٨١ "فرع"، "رمى"، وتهذيب اللغة ٣/ ١٨٤.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
فصل:
"الغالب في التاء أن تكون لفصل صفة المؤنث من صفة المذكر كـ: قائم وقائمة"، ومن غير الغالب في الأسماء غير الصفات١ نحو: رجل ورجلة، وغلام وغلامة، وفي الصفات التي تنزل على مقصدين، وهي الصفات المختصة بالمؤنث كـ: حائض وطامث، فإن قصد بها الحدوث في أحد الأزمنة، لحقتها التاء فقيل: حائضة وطامثة. وإن لم يقصد بها ذلك لم تلحقها، فيقال: حائض وطامث، بمعنى: ذات أهلية للحيض والطمث.
"ولا تدخل هذه التاء" الفاصلة صفة المؤنث من صفة المذكر "في خمسة أوزان:
أحدها: فَعُول" بفتح الفاء "بمعنى: فاعل كـ: رجل صبور"، بمعنى: صابر، "وامرأة صبور"، بمعنى صابرة. وإنما لم تدخله التاء لعدم جريانه على الفعل ودخول التاء على الصفة محمول على فعلها. قاله الشاطبي. "ومنه"، أي من: فعول بمعنى: فاعل: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] أصله: بغويًا"، اجتمعت فيه الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، "ثم أدغم" الياء في الياء وإلا لو كان فعيلا، بمعنى فاعل، لحقته التاء.
وسأل المازني جماعة من نحاة الكوفة عن هذه الآية بحضرة الواثق بالله، فلم يأتوا بوجه الصواب، فسأله الواثق عنها فأجاب بما قاله الموضح.
"وأما قولهم: امرأة ملولة" من الملل، بمعنى: مالة وقد لحقته التاء، "قالتاء" فيه ليست للفصل وإنما هي "للمبالغة، بدليل" دخولها في المذكر نحو "رجل ملولة، وأما: امرأة عدوة" أصله: عدووة، بواوين ثم أدغم، "فشاذ" لخروجه عن القاعدة ومع ذلك فإنه "محمول على: صديقة" كما في عكسه وهو حمل صديق على عدوة، في قوله: [من الطويل]
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٥٣٤: "وهو في الأسماء قليل، نحو: رجل ورجلة ".
[ ٢ / ٤٨٩ ]
٨٨٨-
لم أبخل وأنت صديق
والقياس، صديقة. وهم يحملون الضد على ضده، كما يحملون النظير على نظيره.
"ولو كان فعول بمعنى مفعول، لحقته التاء" الفاصلة جوازًا "نحو: جمل ركوب، وناقة ركوبة"، وإنما لحقته وإن لم يجر على الفعل، فرقًا بين المقصدين.
"و" الوزن "الثاني: فعيل بمعنى مفعول نحو: رجل جريح، وامرأة جريح" بمعنى: مجروحة. والعلة فيها ما تقدم. "وشذ: ملحفة جديدة"، بالتاء، فإنها بمعنى مجدودة، ولحقتها التاء. "فإن كان فعيل بمعنى فاعل، لحقته التاء" الفاصلة، "نحو امرأة رحيمة، وظريفة"، وإنما لحقت فعيلا بمعنى فاعل، دون فعيل بمعنى مفعول فرقًا بينهما. واختصت بـ"فعيل" بمعنى "فاعل"، لأنه يجري على الفعل، لأن الوصف من: رحم وظرف يأتي على فعيل اطرادًا، فصار كفاعل من فعل بخلافه بمعنى: مفعول.
"فإن قلت: مررت بقتيلة بني فلان، وألحقت التاء خشية الإلباس" بالمذكر، "لأنك لم تذكر الموصوف" المأمون معه الإلباس.
"و" الوزن "الثالث": مِفْعال، بكسر الميم "كـ: منحار"، يقال: رجل منحار، وامرأة منحار، أي: كثيرة النحر، بالحاء المهملة. "وشذ: ميقانة"، بالقاف والنون، من اليقين وهو عدم التردد، يقال: رجل ميقان: لا يسمع شيئًا إلا أيقنه، وامرأة ميقانة. وإنما لم تدخل التاء الفاصلة هنا لأنه صفة لا تجري على فعل، ولأنه يشبه المصادر الميمية، بزيادة الميم في أوله. قاله ابن الأنباري.
"و" الوزن "الرابع: مِفْعِيل" بكسر الميم "كـ: معطير" من العطر، "وشذ: امرأة مسكينة" لخروجه عن القاعدة، ومع ذلك فإنه محمول على: فقيرة. "وسمع": امراة "مسكين، على القياس" حكاه سيبويه١.
_________________
(١) تمام البيت: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صديق وهو بلا نسبة في الأزهية ص٦٢، والأشباه والنظائر ٥/ ٢٣٨، ٢٦٢، والإنصاف ١/ ٢٠٥، والجنى الداني ص٢١٨، وخزانة الأدب ٥/ ٢٤٦، ٤٢٧، ١٠/ ٣٨١، ٣٨٢، والدرر ١/ ٣٠٢، ورصف المباني ص١١٥، وشرح الأشموني ١/ ١٤٦، وشرح شواهد المغني ١/ ١٠٥، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٨٤، وشرح المفصل ٨/ ٧١، ولسان العرب ٤/ ١٨١ "حرر"، ١٠/ ١٩٤، "صدق"، ١٣/ ٣٠ "أنن"، ومغني اللبيب ١/ ٣١، والمقاصد النحوية ١/ ٣١١، والمنصف ٣/ ١٢٨، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣، تاج العروس. ١٠/ ٥٧٣ "حرر"، "أنن". ١ الكتاب ٢/ ٦٤٠ ونقله ابن الناظم في شرحه ص٥٣٦.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
"و" الوزن "الخامس: مِفْعَل"؛ بكسر الميم وسكون الفاء وفتح العين؛ "كـ: مغشم" بالغين والشين المعجمتين؛ وهو الذي لا ينتهي عما يريده ويهواه من شجاعته. "ومدغس" بالدال والعين والسين المهملات؛ من الدعس وهو الطعن. يقال: رمح يدعس به. وعلة عدم لحاق التاء في هذين الوزنين، ما تقدم في [المثال] ١ الثالث. وإلى هذه الأوزان الخمسة أشار الناظم بقوله:
٧٦٠-
ولا تلي فارقة فعولا
الأبيات الثلاثة٢.
"وتأتي التاء لفصل الواحد من الجنس" الجامد الذي لا يصنعه مخلوق "كثيرًا كـ: تمرة" وتمر؛ بفتح المثناة فوق وسكون الميم؛ "ولعكسه"، أي لفصل الجنس من واحده "في: جبأة" بفتح الجيم وسكون الموحدة بعدها همزة، ضرب من الكمأة أحمر. "وكمأة"؛ بفتح الكاف وسكون الميم وبفتح الهمزة؛ وهي التي تميل إلى الغبرة والسواد. وقول الموضح: "خاصة:" مخرج لـ: سيارة وميارة. فإنهما جمعا: سيار وميار، لا من أسماء الأجناس لغلبة التأنيث عليهما. قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ [يوسف: ١٩] وعلى تقدير كونهما من أسماء الأجناس. فالقيد مصروف إلى الجامد، وهذان مشتقان.
وتأتي التاء لفصل الواحد من الجنس الذي يصنعه المخلوق قليلا نحو: لبن ولبنة.
وقد تكون التاء لازمة فيما يشترك فيه المذكر والمؤنث كـ: ربعة: وهو المعتدل والمعتدلة من الرجال والنساء لا بالطويل ولا القصير٣.
"و" تأتي التاء "عوضًا من فاء كـ: عدة". وأصلها: وعد، بكسر الواو، فكرهوا ابتداء الكلمة بواو مكسورة فنقلوا كسرة الواو إلى العين ثم حذفوا الواو وعوضوا منها التاء في غير محل المعوض منه، لأن تاء التأنيث لا تقع صدرًا.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب". ٢ الأبيات الثلاثة هي: أصلا ولا المفعال والمفعيلا كذاك مفعل وما تليه تا الفرق من ذي فشذوذ فيه ومن فعيل كقتيل إن تبع موصوفه غالبًا التا تمتنع ٣ في "ط": "بالقصر".
[ ٢ / ٤٩١ ]
وتأتي عوضًا من عين كـ: إقامة، "أو من لام كـ: سنة"، وأصلها: سنو أو سنه بدليل قولهم في الجميع بالألف والتاء: سنوات أو سنهات، فكرهوا تعاقب حركات الإعراب على الواو لاعتلالها. وعلى الهاء لخفائها، فحذفوا الواو والهاء وعوضوا منها التاء في محل المعوض منه على القياس.
"أو" عوضًا "من" حرف "زائد لمعنى"، وهو ياء النسب، "كـ: أشعثي وأشاعثة"، وأزرقي وأزارقة، ومهلبي ومهالبة، نسبة إلى: أشعث وأزرق ومهلب، فالتاء فيهن عوض من ياء النسب ألا ترى أنهما لا يجتمعان وإنما يقال: الأشعثيون والأشاعثة، وكذا الباقي.
"أو" عوضًا "من" حرف "زائد لغير معنى"، وهو ياء مفاعيل، "كـ: زنديق وزنادقة"، فالتاء عوض من [ياء] ١ زنديق. فإذا جيء بالياء لم يجأ بالتاء. بل يقال: زناديق. فالياء والتاء متعاقبان هنا، قاله في شرح الكافية٢. والزنديق: هو الذي لا ينتحل دينًا. وقيل: هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر٣.
"و" تأتي التاء "للتعريب" بالعين المهلمة؛ أي: تعريب الأسماء الأعجمية "كـ: موازجة" جمع موزج؛ بفتح الميم وسكون الواو وفتح الزاي المعجمة بعدها جيم؛ وهو الخف وقيل الجورب، والقياس: موازج، فدخلت التاء في جمعه لتدل على أن أصله أعجمي فعرب. والفرق بين المعرب وغيره، أن العرب إذا استعملت الأعجمي فإن خالفت بين ألفاظه فقد عربته. وإلا فلا.
"و" تأتي التاء "للمبالغة" في الوصف "كـ: راوية" لكثير الرواية، وإنما أنثوا المذكر لأنهم أرادوا أنه غاية في ذلك الوصف، والغاية مؤنثة.:ولتأكيدها"، أي: المبالغة الحاصلة بغير التاء "كـ: نسابة"، وذلك لأن فعالا يفيد المبالغة بنفسه، فإذا دخلت عليه التاء أفادت تأكيد المبالغة لأن التاء للمبالغة.
"و" تأتي التاء "لتأكيد التأنيث كـ: نعجة"، لأن انفراد المؤنث باسم غير المذكر يفيد التأنيث كـ: عجوز وأتان، فكان يكفي أن يقال: نعج، لأنه يفيد التأنيث بنفسيه، فدخول التاء فيه لتأكيد التأنيث.
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٧٣٦. ٣ انظر حاشية يس ٢/ ٢٨٨.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
فصل:
"لكل واحدة من ألفي التأنيث" المقصورة والممدودة "أوزان نادرة، ولا نتعرض لها في هذا المختصر" لكون الناظم لم يذكرها. "وأوزان مشهورة" في الاستعمال، وتقدم في باب ما لا ينصرف: أن المقصورة أصل للمدودة، فلذلك قدمها.
"فمشهور أوزان المقصورة اثنا عشر" وزنًا:
"أحدها: فعلى، بضم الأول وفتح الثاني كـ: أربى"، بالراء المهملة والباء الموحدة، اسمًا للداهية، بالدال المهملة، وجمعها: دواه وأعظمها الموت، "وأدمى وشعبى"، بمعجمة فمهملة فموحدة، اسمين "لموضعين، قال" جرير: [من الوافر]
٨٨٩-
أعبدًا حل في شعبي غريبًا ألؤما لا أبالك واغترابا
"وزعم ابن قتيبة أنه لا رابع لها" في لسان العرب١.
"ويرد عليه: أرنى، بالنون"، اسمًا "لحب" من البقل "يجبن به اللبن وجنفى" بالجيم والنون والفاء، اسمًا "لموضع، وجعبى"، بالجيم والعين المهملة والباء الموحدة، اسمًا "لعظام النمل" جمع عظيم لا عظم، والمراد به: كبار النمل اللاتي يعضضن ولهن أفواه واسعة. قاله القالي٢. ورحبى، بالراء والحاء المهملتين والباء الموحدة، لموضع، وحلكى، بالحاء المهملة، لدويبة، قال أبو علي الفارسي٣: هي مقصورة. حكاه عنه ابن جني في القد. "وقد تبين" من عدم اشتهار ما ذكر "أن عد الناظم لـ: فعلى في الأوزان المشهورة مشكل"، لأنها من الأوزان النادرة، بل قال خطاب الماردي٤: إنها شاذة.
_________________
(١) تقدم البيت برقم ٣٩٨، ٧٠٢. ١ أدب الكاتب ص٥٩٣، وانظر المزهر ٢/ ٦٦، ٩٩، والاقتضاب ص٣٩٠. ٢ قاله في كتابه المقصور والممدود، وقد صرح بذلك ابن السيد في الاقتضاب ٣٩٠، وانظر المزهر ٢/ ٦٤. ٣ التكملة ص٩٩. ٤ في "ب": "المازني"، وفي "ط": "المرادي".
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الوزن "الثاني": فُعْلى، بضم الأول وسكون الثاني، اسمًا كان كـ: بهمى"، بالموحدة اسمًا لنبت. قاله الجوهري١. يقال: أبهمت الأرض: كثر بهماها. "أو صفة" لا مذكر لها "كـ: حبلى، و" ما لها مذكر نحو: "الطولى"، أنثى الأطول. "أو مصدرًا كـ: رجعى" مصدر: رجع.
الوزن "الثالث: فَعَلَى؛ بفتحتين؛ اسمًا كان كـ: بردى" بالموحدة "لنهر بدمشق أو مصدرًا كـ: مرطى" بالطاء المهملة "لمشية، أو صفة كـ: حيدى" بالحاء والدال المهملتين بينهما ياء مثناة تحتانية، يقال: حمار حيدى، أي: يحيد عن ظله إذا تخيل منه.
الوزن "الرابع: فَعْلَى، بفتح أوله وسكون ثانيه، بشرط أن يكون إما جمعًا كـ: قتلى" جمع: قتيل، "وجرحى" جمع جريح، "أو مصدرًا كـ: دعوى" مصدر: دعا، "أو صفة كـ: سكرى وسيفى، مؤنثي: سكران، وسيفان للطويل، فإن كان فعلى اسمًا كـ: أرطى وعلقى، ففي ألفه وجهان" مبنيان على الصرف وعدمه، فمن صرف قدر الألف للإلحاق، ومن منع قدرها للتأنيث، والأرطى: شجر الرمل يدبغ به الأديم. يقال: أديم مأروط أي: مدبوغ. وقد يكون: أرطى أفعل٢، لأنه يقال: أديم مرطي، حكاه في الصحاح٣، والعلقى: نبت.
الوزن "الخامس: فُعَالى بضم أوله" وتخفيف ثانيه "كـ: حُبَارى" بالحاء المهملة والباء الموحدة والراء المهملة. "وسُمَانى": بالسين المهملة والنون: "لطائرين" ذكرين أو أنثيين، "وفي الصحاح٤: أن ألف حبارى ليست للتأنيث، وهو وهم" بفتح الهاء، من صاحب الصحاح، "فإنه قد وافق على أنه ممنوع الصرف". ومنع الصرف دليل على أن ألفه للتأنيث.
الوزن "السادس: فعلى، بضم أوله وتشديد ثانيه مفتوحًا كـ: سمهى" بالمهملة "للباطل" وللكذب، وللهواء بين السماء والأرض.
الوزن "السابع: فعلى، بكسر أوله وفتح ثانيه وسكون ثالثه كـ: سبطرى" بمهملات وموحدة "ودفقى" بالدال والفاء والقاف: "لضربين من المشي"، فالأول: مشية فيها تبختر والثاني: مشية فيها تدفق وإسراع.
_________________
(١) ١ الصحاح "بهم". ٢ في "ب": "الفعل". ٣ الصحاح "أرط": رطا" وانظر حاشية يس ٢/ ٢٨٩. ٤ الصحاح "حبر".
[ ٢ / ٤٩٤ ]
الوزن "الثامن: فِعْلَى، بكسر أوله وسكون ثانيه، إما مصدرًا كـ: ذكرى" مصدر: ذكر ذكرا١. وذكرى مما توافق فيه كلمتان فيما عدا ألف التأنيث. "أو جمعًا وذلك" شيئان: "حجلى" بالحاء المهملة [والجيم] ٢: "جمعًا للحجل؛ بفتحتين؛ اسمًا لطائر وظربى؛ بالظاء المشالة" والراء والباء الموحدة: "جمعًا لظربان، بفتح أوله وكسر ثانيه، اسمًا لدويبة. ولا ثالث لهما في الجموع"٣، وذلك معلوم من عدم الإتيان معهما بالكاف، ولكن ذكره تأكيدًا.
الوزن "التاسع: فعيلى، بكسر أوله وثانيه مشددًا نحو: حثيثي" بحاء مهملة وثاءين مثلثتين بينهما ياء مثناة تحتانية، اسم مصدر: حث على الشيء إذا حض عليه.
"وخليفى" بالخاء المعجمة والفاء: الخلافة. وفي الأثر عن عمر ﵁: "لولا الخليفي لأذنت"٤. "وحكى الكسائي: هو من خصيصاء قومه٥؛ بالمد؛ وهو شاذ"، وقياسه القصر، كما مثل به في التسهيل٦.
الوزن "العاشر: فعلى، بضم أوله وثانيه وتشديد ثالثه كـ: كفرى" بالفاء والراء. وفي القاموس٧ أنه مثلث الكاف والفاء. والكفرى والكافور "لوعاء الطلع" أي: طلع النخل. سمي بذلك لأنه حين يتشقق يكفره، أي: يستره ويغطيه، والشيباني يجعله للطلع نفسه. والفراء يجعله للطلع حين يتشقق. قال القالي: والأول هو الصحيح لأن الاشتقاق يدل على صحته. "وحذرى وبذرى"، بذالين معجمتين مهملتين وبحاء مهملة في الأول وباء موحدة في الثاني: وهما "من: الحذر والتبذير". وقال ابن ولاد: البذرى. قالذال المعجمة، الباطل.
الوزن "الحادي عشر: فعيلى، بضم أوله وفتح ثانيه مشددًا كـ: خليطى" بالخاء المعجمة والطاء المهملة، اسمًا "للاختلاط"، يقال: وقعوا في خليطى إذا اختلط عليهم أمرهم. "وقبيطى". بالقاف والباء الموحدة والطاء المهملة، اسمًا "للناطف".
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ إضافة من "ب"، "ط". ٣ قاله الفارسي، انظر المزهر ٢/ ١٠٣. ٤ النهاية ٢/ ٦٩ "خلف". ٥ في المزهر ٢/ ١٠١، "زعم الكسائي أنه سمع المدر والقصر في خصيصى". ٦ التسهيل ص٢٥٥. ٧ القاموس المحيط "كفر".
[ ٢ / ٤٩٥ ]
الوزن "الثاني عشر: فُعَّالى، بضم أوله وتشديد ثانيه نحو: شقارى" بالشين المعجمة والقاف والراء المهملة "وخبازى" بالخاء المعجمة والباء الموحدة والزاي، اسمين "لنبتين. وخضارى" بالخاء والضاد المعجمتين والراء المهملة: اسمًا "لطائر".
تنبيه:
"نحو جنفى" مما كان على وزن: فعلى، بضم الفاء وفتح العين. "ونحو: خليفى"، مما كان على وزن: فعيلى، بكسر الفاء وتشديد العين المكسورة. "ونحو: خليطى"، مما كان على وزن: فعيلى، بضم الفاء وتشديد العين المفتوحة. "ليس من الأوزان المختصة بالمصورة بدليل" وجودها في أوزان الممدودة.
فالأول كما في: "عرواء"، بضم العين المهملة وفتح الراء المهملة "قرة الحنى ومسها في أول رعدتها" كما في القاموس١ زيادة على الصحاح٢.
"و" الثاني كما في: "فخيراء" بكسر الفاء وتشديد المعجمة من الفخر، والفخير٣: الرجل الفخر.
"و" الثالث كما في: "دخيلاء" بضم الدال المهملة وتشديد الخاء المعجمة، ولم يحفظ بالمد غيره. يقال: هو عالم بدخيلاء أمورك. أي: بباطنها.
"ومشهور أوزان الممدودة سبعة عشر"وزنًا:
"أحدها: فعلاء، بفتح أوله وسكون ثانيه، اسمًا كان كـ: صحراء أو مصدرًا كـ: رغباء" مصدر: رغب، بالراء المهملة والغين المعجمة. "أو صفة كـ: حمراء، وديمة هطلاء" والديمة؛ بكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة تحت؛ قال أبو زيد: هو المطر الذي ليس٤ فيه رعد ولا برق، وأقله ثلث النهار أو ثلث الليل. والهطل: تتابع المطر. "أو جمعًا في المعنى كـ: طرفاء"، بالطاء والراء المهملتين وبالفاء، ويضاف للغابة. بالموحدة، فيقال: طرفاء الغابة وهي شجر، ومنها اتخذ منبره -ﷺ- وفي القاموس٥: أنها أربعة أصناف منها: الأثل، الواحدة: طرفاءة وطرفة. وفي الصحاح٦: قال سيبويه٧: واحد وجمع.
_________________
(١) ١ القاموس المحيط "عرا". ٢ الصحاح "عرا". ٣ في "ط": "الفخيراء". ٤ سقط من "ب". ٥ القاموس المحيط "طرف". ٦ الصحاح "طرف". ٧ الكتاب ٣/ ٥٦٩.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
"و" الوزن "الثاني والثالث والرابع: أفعلاء، بفتح العين، وأفعلاء بكسرها، وأفعلاء بضمها، كقولهم: يوم الأربعاء"، بفتح الباء وكسرها وضمها. "سمع فيه الأوزان الثلاثة"، وهو اليوم المعروف. وفي تحشية التسهيل بخط مؤلفه١: اسم اليوم: أربعاء، بفتح الباء وكسرها، وبفتح الهمزة وضم الباء: عمود الخيمة: وبضمهما: موضع٢.
والوزن، "الخامس: فعللاء" بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه "كـ: عقرباء": اسما لمكان خارج دمشق٣.
والوزن "السادس: فِعَالاء، بكسر الفاء، كـ: قصاصاء"؛ بقاف وصادين مهملتين: اسمًا "للقصاص".
والوزن "السابع: فُعْلُلاء، بضم الأول والثالث، كـ: قرفصاء" بقاف فراء فصاد مهملة: لنوع من القعود. يقال: قعد القرفصاء: إذا قعد على قدميه، وأمس الأرض إلييه.
الوزن "الثامن: فاعُولاء، بضم الثالث كـ: عاشوراء" لعاشر المحرم، وحكى أبو عمرو الشيباني فيه القصر٤.
الوزن "التاسع: فَاعِلاء، بكسر الثالث، كـ: قاصعاء"؛ بالقاف والصاد والعين المهملتين اسمًا "لأحد جحرة اليربوع"، وهو حيوان فوق الفارة، يداه أقصر من رجليه، وعكس الزرافة، ومن أسماء جحرته أيضًا: غائباء ونافقاء.
الوزن العاشر: فِعْلياء، بكسر الأول وسكون الثاني. نحو: كبرياء، بمعنى، التكبر.
الوزن "الحادي عشر: مفعولاء، كـ: مشيوخاء" بالشين والخاء المعجمتين: للشيوخ: وضبطه ابن مالك بالحال المهملة، قال٥: ومعناه اختلاط الأمر.
_________________
(١) ١ في "ب": "المؤلف". ٢ التسهيل ص٢٥٦. ٣ سقط من "ب"، "ط": "خارج دمشق". ٤ في المزهر ٢/ ٦٩: "زاد بن خالويه: ساموعاء، وهو اللحم في التوارة، وخابوراء يعني النهر، وزاد البغدادي في شرح الفصيح، الضاروراء والساروراء والدالولاء". ٥ انظر شرح الكافية الشافية ٤/ ١٧٥٤.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
الوزن "الثاني عشر: فَعَالاء، بفتح أوله وثانيه نحو: بَرَاساء" بالباء الموحدة والراء والسين المهملتين "بمعنى: الناس. يقال: ما أدري أي البراساء هو" أي: أي الناس هو. "وبراكاء" بالموحدة والراء المهملة "بمعنى: البروك"، وهو أن يبركوا إبلهم وينزلوا عن خيلهم ويقاتلوا رجالة. وبراكاء كل شيء: معظمه وشدته. يقال: وقع في براكاء الأمر، وفي براكاء القتال، أي: في معظمه وشدته. قال بشر بن أبي خازم: [من الوافر]
٨٩٠-
ولا ينجي من الغمرات إلا براكاء القتال أو الفرار
قاله القالي١.
الوزن "الثالث عشر: فَعِيلاء، بفتح أوله وكسر ثانيه، نحو: قريثاء وكريثاء"، بمثلثتين وراءين مهملتين فيهما٢، وبالقاف في الأول والكاف في الثاني "نوعان من البسر" بضم الموحدة وسكون المهملة. قال الكسائي: بسر قريثاء ممدود، وهو أطيب التمر بسرًا وقال أبو الجراح، تمر قريثا، غير ممدود.
الوزن "الرابع عشر: فَعُولاء، بفتح أوله وضم ثانيه، نحو: دبوقاء" بالدال المهملة والباء الموحدة والقاف: العذرة، بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة.
الوزن "الخامس عشر: فَعَلاء بفتحتين كـ: خفقاء" بالخاء المعجمة والفاء والقاف. اسمًا "لموضع. قاله ابن الناظم" في بعض نسخ الشرح٣. "وإنما هو بالجيم والنون والفاء، كما هو الغالب في نسخ ابن الناظم ونصه٣: وفعلاء كجنفاء، اسم مكان. "ولا نظير إلا: دأثاء٤" بفتح الدال المهملة والهمزة والتاء المثلثة، اسمًا "للأمة، وفرماء" بالفاء والرء: اسمًا "لموضع". ذكره في الصحاح في مادة الفاء٥، ولم
_________________
(١) البيت لبشر بن أبي خازم في ديوانه ص٧٩، وجمهرة اللغة ص٣٢٥، وخزانة الأدب ٧/ ٥٠٦، وشرح المفصل ٤/ ٥٠، ولسان العرب ١٠/ ٣٩٨ "برك"، وبلا نسبة في الاشتقاق ص٢٤٧، وجمهرة اللغة ص١٢٢٩. ١ في كتابه المقصور والممدود، وهو مفقود، انظر المقصور والممدود لابن ولاد ص٢١. ٢ سقط من "ب". ٣ شرح ابن الناظم ص٥٤٠. ٤ في المزهر ٢/ ٥٣: "وفي كتاب المقصور للقالي زيادة: نفساء، لغة في نفساء، والسحناء، الهيئة، لغة في السحناء، ويقال في ثأْداء وثأَداء، بالفتح والسكون". ٥ الصحاح "فرم".
[ ٢ / ٤٩٨ ]
يذكره في مادة القاف١. [قال في القاموس في فصل الفاء٢: وقول الجوهري: فرماء موضع، سهو، وإنما هو بالقاف، وقال في فصل القاف٣: وقرمى كجمزى، ويمد: موضع باليمامة لبني امرئ القيس، وموضع بين مكة والمدينة. "على هذا" التقدير "فعد الناظم لذلك في المشهور" من أوزان الممدودة "مشكل" لأنه وزن نادر جدًّا. "وفي المحكم" لابن سيده "أن جنفى، بالجيم والنون والفاء والقصر، موضع، وأنه بالمد أيضًا موضع". فذكره فيما يختض بالمد مشكل] ٤.
الوزن "السادس عشر: فعلاء، بكسر أوله وفتح ثانيه نحو٥: سيراء" بالسين المهملة والياء المثناة التحتانية: ثوب مخلوط بحرير، وقيل: ما عمل من القز، وقيل: برد في خطوط صفر وأيضًا نبت، وأيضًا: الذهب١.
الوزن "السابع عشر: فُعَلاء، بضم أوله وفتح ثانيه كـ: خيلاء" بالخاء المعجمة والياء المثناة التحتانية: الكبر والعجب.
_________________
(١) ١ في حاشية يس ٢/ ٢٩١: "قرماء؛ بالقاف وتحريك العين: موضع، ذكره الجوهري بالفاء، وهو تصحيف، إنما هو بالقاف". ٢ القاموس المحيط "فرم". ٣ القاموس المحيط "قرم". ٤ سقط من "أ": من قوله "قال في القاموس " إلى هنا. ٥ سقط من "ب". ٦ في المزهر ٢/ ١٠٧: "وليس في الكلام فِعَلاء، إلا ثلاثة أحرف: السيراء: ضرب من البرود، ويقال الذهب، والحولاء: والكلام فيه بالضم، والعنباء: للعنب".
[ ٢ / ٤٩٩ ]
باب المقصور والممدود:
المقصور: هو الاسم المتمكن الذي حرف إعرابه ألف لازمة كـ: الفتى والعصا، بخلاف: إذا، ورأيت أخاك، فلا يسمى مقصورًا.
والممدود: هو الاسم المتمكن الذي آخره همزة بعد ألف زائدة كـ: كساء ورداء، بخلاف. أولاء ورشاء، فلا يسمى ممدودًا.
"قصر الأسماء ومدها ضربان: قياسي، وهو وظيفة النحوي. وسماعي وهو وظيفة اللغوي، وقد" اعتنى اللغويون بهما حتى "وضعوا في ذلك كتبًا١ وضابط الباب عند النحويين" ليرجع إليه، "أن الاسم المعتل بالألف ثلاثة أقسام:
أحدها: ما له نظير في الصحيح" الآخر، "يجب فتح ما قبل آخره" قياسًا، "وهذا النوع مقصور بقياس"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٧١-
إذا اسم استوجب من قبل الطرف فتحا وكان ذا نظير كالأسف
٧٧٢-
فلنظيره المعل الآخر ثبوت قصر بقياس ظاهر
"وله أمثلة منها: كونه مصدر: فعل" بكسر العين "اللازم، نحو: جوي جوى"٢ بالجيم، "وهوي هوى، وعمي عمى، فإن تظيرها من الصحيح" الآخر: "فرح فرحًا"، وبطر بطرًا، "وأشر أشرًا" وفتح ما قبل آخرها واجب مطرد، لأن "فعل"، اللازم قياس مصدره "فعل" بفتحتين.
_________________
(١) ١ ألف العلماء ما يزيد على أربعين كتابًا في المقصور والممدود، وقد أحصاها محققًا المقصور والممدود والفراء في مقدمتهما ص١٣-١٩. ٢ في "ب": "يحوي".
[ ٢ / ٥٠٠ ]
"قال ابن عصفور وغيره" تبعًا لسيبويه١ والفراء٢: "وشذ الغراء" بالغين المعجمة المفتوحة والمد؛ "مصدر غري"؛ بكسر الراء، فهو غر. وفي الصحاح٣ في فصل الغين المعجمة والراء: غري بالشيء، بالكسر، أي: أولع به، والاسم الغراء، بالفتح والمد. "وأنشدوا" لكثير: [من الطويل]
٨٩١-
إذا قلت مهلا غارت العين بالبكا غراء ومدتها مدامع نهل
هذا قول ابن عصفور وموافقيه.
"وفيما قالوه نظر، لأن أبا عبيدة حكى" عن خالد بن كلثوم٤: "غاريت بين الشيئين غراء أي: واليت" بينهما. "ثم أنشده"، أي بيت كثير المتقدم. "وعلى" قول أبي عبيدة "هذا فالمد قياسي؛ كما سيأتي؛ لأن غاريت غراء" بالكسر، له نظير من الصحيح يجب قبل آخره ألف "كـ: قاتلت قتالا". ثم قال أبو عبيدة٥: "وغاريت: فاعلت من غريت" بالشيء أغرى "به. وأنشد" أبو عبيدة والجوهري٦: "أسلو بدل: مهلا. وفاضت بدل: غارت: وحفل: بدل نهل"، بضم النون وتشديد الهاء، أي: كثيرة متتابعة، دل عليه رواية "حفل"، بضم الحاء المهملة وتشديد الفاء. أي: ممتلئة.
ولا يبعد عندي أن يقال: الغراء؛ بالفتح والمد؛ اسم مصدر كـ: الكلام والسلام، وقياس المصدر: غرى، بالقصر، وما حكاه أبو عبيدة من باب "فاعل" لا من باب "فعل" وكل استشهد بحسب ما رواه. وقد جزم الجوهري٦ بأن "الغراء" بالفتح والمد: اسم مصدر غري، "والغراء" بالكسر والمد. مصدر غاريت.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٥٣٨. ٢ المقصور والممدود للفراء ص٤٠. ٣ الصحاح "غري".
(٢) البيت لكثير عزة في ديوانه ص٢٥٥، وأمالي القالي ١/ ٦٠، وسمط اللآلي ص٢٢٣، ولسان العرب ١١/ ١٥٧ "حفل"، ١٥/ ١٢١ "غرا"، وشرح المفصل ٦/ ٣٩، وتاج العروس "حفل" وفيه "حفل" مكان "نهل"، وغر" والمقاصد النحوية ٤/ ٥٠٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٩٢، وشرح الأشموني ٣/ ٦٥٥. ٤ في "أ"، "ب"، "ط": "خالد بن مكتوم" والتصويب من لسان العرب ١٥/ ١٢١ "غرا"، وأمالي القالي ١/ ٦٠، حيث ورد قوله وقول أبي عبيدة. ٥ انظر أمالي القالي ١/ ٦٠، ولسان العرب ١٥/ ١٢١ "غرا"، والصحاح "غرا". ٦ الصحاح "غرا".
[ ٢ / ٥٠١ ]
واختلفوا في بيت كثير، فابن عصفور يرى أنه بالفتح والمد. وأبو عبيدة يرى أنه بالكسر والمد. وتابعه على ذلك الجوهري، فلم يتواردا على محل واحد.
"ومنها "فعل" بكسر أوله وفتح ثانيه جمعًا لـ"فِعْلة"؛ بكسر أوله وسكون ثانيه، نحو: فرية وفرى"؛ بالفاء والراء: الكذب. "ومرية ومرى" بالراء: الجدال. "فإن نظيره" من الصحيح: "قربة وقرب" بكسر القاف فيهما.
"ومنها: "فعل" بضم أوله وفتح ثانيه جمعًا لـ"فُعْلة" بضم أوله وسكون ثانيه نحو: دمية ودمى" بالدال المهملة، الصور المنقوشة في الحائط، وتطلق١ على الصور الجميلة على سبيل التشبيه، "ومدية ومدى" بالدال المهملة: السكين، "وزبية وزبى" بالزاي المضمومة وسكون الموحدة: الحفيرة تحفر للأسد. "وكسوة وكسى" بالكاف والسين المهملة، "فإن نظيرها" من الصحيح: "حجة وحجج، وقربة وقرب" بضم الحاء والقاف فيهما. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٧٣-
كفعل وفعل في جمع ما كفعلة وفعلة نحو الدمى
"ومنها: اسم مفعول، ما زاد على ثلاثة نحو: معطى" من الرباعي، ومقتفى من الخماسي، "ومستدعى" من السداسي، "فإن نظيره" من الصحيح:" "مكرم" ومحترم "ومستخرج" بفتح ما قبل الآخر فيهن.
القسم "الثاني" من أقسام المعتل بالألف: "أن يكون له نظير من الصحيح يجب قبل آخره ألف، وهو النوع ممدود بقياس". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٧٤-
وما استحق قبل آخر ألف فالمد في نظيره حتما عرف
"وله أمثلة منها: أن يكون الاسم مصدرًا لـ: أفعل"، بسكون الفاء وفتح العين، "أو لـ: فعل"، بكسر الفاء وسكون العين، "أوله همزة وصل".
فالأول "كـ: أعطى إعطاءً و" الثاني نحو: "ارتأى ارتآء". قال الجوهري٢: ارتأى افتعل، من الرأي والتدبير. انتهى. والأصل: ارتأى ارتآيا، قلبت الياء في الفعل ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وفي المصدر قلبت همزة لتطرفها إثر ألف زائدة، "واستقصى" الأمر "استقصاء" تتبعه. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٧٥-
كمصدر الفعل الذي قد بدئا بهمز وصل كارعوى وكارتأى
_________________
(١) ١ في "ب": "ويطلق". ٢ الصحاح "رأى".
[ ٢ / ٥٠٢ ]
"فإن نظير ذلك" أي: نظير ما كان مصدرًا لـ"أفعل" من الصحيح: أكرم إكرامًا، ونظير ما كان مصدرًا لفعل أوله همزة وصل من الصحيح: "اكتسب اكتسابًا"، فإنه من: افتعل، "واستخرج استخراجًا"، فإنه من: استفعل.
"ومنها: أن يكون مفردًا لـ: أفعلة"، سواء كانت الهمزة فيه مبدلة عن واو أو ياء، فالأول "نحو: كساء وأكسية، و" الثاني نحو: "رداء وأردية"، والأصل: كساو ورداي، "فإن نظيره" من الصحيح: "حمار وأحمرة، وسلاح وأسلحة. ومن ثم"، أي من أجل أن: أفعله حقها أن تكون جمعًا للممدود ولا تكون جمعًا للمقصور.
"قال الأخفش: أرحية" جمع رحي. من اليائي، "وأقفية" جمع قفى. من الواوي، "من كلام المولدين، لأن رحى وقفى مقصوران". والرحى: الطاحونة مؤنثة. والقفا: مؤخر العنق، يذكر ويؤنث. "وأما قوله"، وهو مرة بن محكان التميمي: [من البسيط]
٨٩٢-
في ليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
"والمفرد: ندى، بالقصر، فضرورة. وقيل": ليس بضرورة ولكنه "جمع" بالبناء للمفعول "ندى" بالقصر "على نداء" بالمد "كـ: جمل وجمال" بالجيم، "ثم جمع نداء" الممدود "على أندية"، فأندية على هذا جمع الجمع. "و" هذا القول "يبعده أنه لم يسمع. نداء جمعًا" ولو سمع لنقل، واللازم منتف فالملزوم كذلك.
"ومنها: أن يكون مصدرًا لـ"فعل" بالتخفيف" والفتح، حال كونه "دالا على صوت كـ: الرغاء والثغاء"، بضم المهملة والمثلثة وفتح ثانيهما وإعجامه، والرغاء: صوت ذوات الخف، والثغاء، صوت الشاة من الضأن والمعز "فإن نظيره" من الصحيح "الصراخ. أو" دالا "على داء نحو: المشاء"، يقال: مشى بطنه مشاء، "فإن نظيره" من الصحيح: "الدوار" بضم الدال وفي آخره مهملة، زاد في القاموس: فتح الدال، قال١ فهو شبه٢ الدوران يأخذ في الرأس، والزكام بضم الزاي.
_________________
(١) البيت لمرة بن محكان في الأغاني ٣/ ٣١٨، والخصائص ٣/ ٥٢، ٢٣٧، وسر صناعة الإعراب ص٦٢٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص١٥٦٣، ولسان العرب ١٥/ ٣١٣ "ندى" والمقاصد النحوية ٤/ ٥١٠، والمقتضب ٣/ ٨١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٩٤، وشرح الأشموني ٣/ ٦٥٦، وشرح شافية بن الحاجب ص٣٢٩، وشرح المفصل ١٠/ ١٧، ولسان العرب ١١/ ٢٦٨ "رجل". ١ القاموس المحيط "دور". ٢ في "ط": شبيه".
[ ٢ / ٥٠٣ ]
القسم "الثالث: أن يكون لا نظير له" من الصحيح، "فهذا إنما يدرك قصره ومده بالسماع، فمن المقصور سماعًا، الفتى واحد الفتيان، والسنا: الضوء، والثرى" بالمثلثة: "التراب، والحجا" بكسر الحاء المهملة وبالجيم: "العقل"، وهو صفة يميز بها بين الحسن والقبيح. "ومن الممدود سماعًا: الفتاء، لحداثة السن، والسناء للشرف" بالشين المعجمة، "والثراء بالمثلثة "لثكرة المال، والحذاء" بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة، "للنعل" بالنون والعين المهملة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٧٦-
والعادم النظير ذا قصر وذا مد بنقل كالحجا وكالحذا
"مسألة:
أجمعوا على جواز قصر الممدود للضرورة"١، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٧٧-
وقصر ذي المد اضطرارًا مجمع عليه
"كقوله": [من الرجز]
٨٩٣- "لا بد من صنعا وإن طال السفر" وإن تحنى كل عود ودبر
فقصر: صنعا للضرورة، وجواب الشرط محذوف، أي: لا بد منه، وتحنى: من حنى ظهره إذا احدودب، والعود، بفتح العين المهملة وسكون الواو: المسن من الإبل. ودبر، بفتح الدال وكسر الموحدة، من دبر البعير، بالكسر، يدبر دبرة ودبورًا إذا عقر ظهره.
"وقوله": [من الطويل]
٨٩٤-
فهم مثل الناس الذي يعرفونه وأهل الوفا من حادي وقديم
فقصر: الوفا للضرورة، وهو ممدود. وأراد٢: أن هؤلاء القوم مدحتهم مثل للناس، يعرفونه
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٥٤٢: "ولا خلاف في جواز قصر الممدود للضرورة"، وانظر شرح ابن عقيل ٢/ ٤٤٠، والإنصاف ٢/ ٦٤٥، المسألة رقم ١٠٩.
(٢) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٩٦، والدرر ٢/ ٥٠٦، وشرح الأشموني ٣/ ٦٥٧، والمقاصد النحوية ٤/ ١١، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٦، والمخصص ١٥/ ١١، ١٦/ ٤٢ وتاج العروس ٢١/ ٣٦٩ "صنع"، ولسان العرب ٨/ ٢١٢ "صنع"، وكتاب العين ٢/ ٢١٩.
(٣) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٩٦، والدرر ٢/ ٥٠٦، وشرح الأشموني ٣/ ٦٥٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٥١٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٦. ٢ في "ط": "والدرر ٢/ ٥٠٦: "يعرفونهم".
[ ٢ / ٥٠٤ ]
ويضربون بهم١ مثلا في كل نوع من أنواع الخير، وأنهم مع هذا أهل الوفاء بالعهود من حادث متجدد٢، وقديم ماض.
ومنع الفراء قصر الممدود للضرورة فيما له قياس يوجب مده، نحو: فعلاء "أفعل"٣، لأن "فعلاء" تأنيث أفعل لا يكون إلا ممدودا، فلا يجوز عنده أن يقصر للضرورة، ورد بقول الأقيشر: [من المنسرح]
٨٩٥-
فقلت لو باكرت مشمولة صفرا كلون الفرس الأشقر
فقصر: صفراء، للضرورة، وهي: فعلاء أنثى: أفعل فلهذا لم يعتد بخلافه، وحكي الإجماع على الجواز تبعا للناظم.
"واختلفوا في جواز مد المقصور للضرورة، فأجازه الكوفيون متمسكين بنحو قوله: [من الوافر]
٨٩٦-
سيغنيني الذي أغناك عني فلا فقر يدوم ولا غناء
فمد: غنى للضرورة مع أنه مقصور، وورد في الاختيار كقراء طلحة بن مصرف: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور: ٤٣] بالمد٤، ووافقهم ابن ولاد٥، وابن خروف "ومنعه البصريون" وقالوا: القراءة شاذة، "وقدروا الغناء في" هذا "البيت مصدرا لـ: غانيت" لأنه يقال: غانيت غناء كـ: قاتلت قتالا، لا مصدر لـ: غنيت" غنى كـ: رضيت رضى، "وهو تعسف" وإلى الخلاف في ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٧٧-
والعكس بخلف يقع
_________________
(١) ١ في "أ": "يضربونهم". ٢ في "أ": "ممتد". ٣ سقط من "ط"، والدرر ٢/ ٥٠٦.
(٢) البيت للأقيشر الأسدي في ديوانه ص٤٣، والدرر ٢/ ٥٠٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٥١٦، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص٤٤٨، والحماسة البصرية ٢/ ٣٦٨، وشرح الأشموني ٣/ ٦٥٨، ومجالس ثعلب ١/ ١١٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٦.
(٣) البيت بلا نسبة في الإنصاف ص٧٤٧، وأوضح المسالك ٤/ ٢٩٧، وتذكر النحاة ص٥٠٩، والدرر ٢/ ٥٠٨، وشرح الأشموني ٣/ ٦٥٨، وشرح ديوان زهير ص٧٣، ولسان العرب ١٥/ ١٣٦ "غنا"، والمقاصد النحوية ٤/ ٥١٣، والمنقوص والممدود ص٢٨. ٤ انظر هذه القراءة في المحتسب ٢/ ١١٤، والبحر المحيط ٦/ ٤٦٥، والدرر ٢/ ٥٠٨. ٥ المقصور والممدود لابن ولاد ص٥٣-٥٤.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
باب كيفية التثنية:
وهي١ جعل الاسم٢ القابل لها دليل اثنين بزيادة في آخره. "والاسم" القابل للتثنية "على خمس أنواع:
أحدها: الصحيح"، وهو ما ليس آخره حرف علة "كـ: رجل وامرأة".
و"الثاني: المنزل منزلة الصحيح"، وهو ما كان آخره ياء أو واوًا قبلها سكون "كـ ظبي ودلو".
و"الثالث: المعتل المنقوص" وهو ما كان آخره ياء ساكنة قبلها كسرة لازمة من المعرب "كـ: القاضي" والقاضية.
"وهذه الأنواع الثلاثة يجب أن لا تغير" عن حالها "في التثنية، تقول: رجلان وامرأتان، وظبيان، ودلوان، والقاضيان"، والقاضيتان، "وشذ في" تثنية: "ألية": بفتح الهمزة، "وخصية" بضم الخاء المعجمة: "أليان وخصيان"؛ بحذف التاء. والقياس: أليتان وخصيتان. قال عنترة: [من الوافر]
٨٩٧-
متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتستطارا
_________________
(١) ١ "أ": "هو". ٢ في "ب": "جمع للاسم".
(٢) البيت لعنترة في ديوانه ص٢٣٤، وخزانة الأدب ٤/ ٢٩٧، ٧/ ٥٠٧، ٥٥٣، ٨/ ٢٢، والدرر ٢/ ١٩٦، وشرح شواهد الشافية ص٥٠٥، وشرح عمدة الحافظ ص٤٦٠، وشرح المفصل ٢/ ٥٥، ولسان العرب ٤/ ٥١٣، "طير" ١٤/ ٤٣ "ألا" ١٤/ ٢٣١ "خصا"، والمقاصد النحوية ٣/ ١٧٤، وبلا نسبة في أسرار العربية ص١٩١، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٥١، وشرح ابن الناظم ص٢٤٢، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٩، وشرح التسهيل ١/ ٩٠، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٣٠١، وشرح المفصل ٤/ ١١٦، ٦/ ٨٧، ولسان العرب ٩/ ١٢٧ "رنف"، وهمع الهوامع ٢/ ٦٣.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
والروانف، بالراء، والنون والفاء: أطراف الألية، وقيل: أليان وخصيان، ليسا تثنية: ألية وخصية المؤنثين، وإنما "هما تثنية: ألي وخصي" المذكرين.
النوع "الرابع: المعتل المقصور"، هو ما آخره ألف لازمة من المعرب، "وهو نوعان:
[أحدهما] ١ ما يجب قلب ألفه ياء" في التثنية، "وذلك في ثلاث مسائل:
إحداها: أن تتجاوز [ألفه] ١ ثلاثة أحرف"، وأن٢ تكون ألفه رابعة "كـ: حبلى وحبليان، وملهى وملهيان"، بفتح الميم وسكون اللام، وهو ما يلهى به.
أو خامسة كـ: معطى ومعطيان، أو سادسة كـ: مستدعى ومستدعيان. "وشذ قولهم في تثنية: قهقرى". وهو الرجوع إلى خلف. "وخوزلى" بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وفتح الزاي. وهو مشية فيها تثاقل، وقيل: مشية بتبختر: "قهقران وخوزلان، بالحذف" للألف دون قلبها ياء.
المسألة "الثانية: أن تكون" الألف "ثالثة مبدلة من ياء كـ: فتى. قال الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ " [يوسف: ٣٦] بقلب الألف ياء. "وشذ في" تثنية:
"حمى" بكسر الحاء المهملة: "حموان بالواو". وحكاه الفراء٣ مع أن ألفه مبدلة من ياء، تقول: حميت المكان حماية. والقياس: حميان.
المسألة "الثالثة: أن تكون" الألف "غير مبدلة" من شيء، وهي المجهولة الأصل. "وقد أميلت كـ: متى، لو سميت بها قلت في تثنيتها: متيان".
أما قلب الألف، فلأن علامة التثنية لا بد من فتح ما قبلها، وما آخره ألف لا يمكن تحريكه لأن الألف لا تقبل الحركة، ولا يمكن حذف الألف لالتباس المثنى بالمفرد عند الإضافة.
وأما وجه قلبها ياء في المسألة الأولى فبالحمل على الفعل لأن التصريف في الاسم محمول عليه في الفعل. وأنت لو بنيت فعلا مما زاد على الثلاثة لقلبت الألف إلى الياء، سواء أكان أصلها الواو أم لا. وأما في المسألة الثانية فهي من الرجوع إلى الأصل.
وأما في المسألة الثالثة فلأن الإمالة إنما تحصل بنحو الألف إلى الياء فردت إليها في التثنية.
_________________
(١) ١ زيادة من "ط". ٢ في "ط": "بأن". ٣ المقصور والممدود ص٧٠.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
وإلى هذه المسائل الثلاث أشار الناظم بقوله:
٧٧٨-
آخر مقصور تثني اجعله يا إن كان عن ثلاثة مرتقيا
٧٧٩-
كذا الذي اليا أصله نحو الفتى والجامد الذي أميل كمتى
"و" النوع "الثاني" من نوعي المقصور "ما يجب قلب ألفه واوًا، وذلك في مسألتين:
إحداهما: أن تكون مبدلة من الواو"، ولم تتجاوز ثلاثة أحرف "كـ: عصا" وعصوان. "وقفا" وقفوان، "ومنا" بالتخفيف؛ ومنوان. "وهو لغة من المن" بالتشديد "الذي يوزن به. قال" الشاعر: [من الوافر]
٨٩٨-
وقد أعددت للعذال عندي عصا في رأسها منوا حديد
"وشذ قولهم في" تثنية: "رضا: رضيان؛ بالياء مع أنه من الرضوان". وقاس عليه الكسائي. وأجيب بأنه نادر لا يقاس عليه.
المسألة "الثانية" من المسألتين: "أن تكون" الألف "غير مبدلة" من شيء "ولم تمل، نحو: لدى وإذا، تقول إذا سميت بهما ثم ثنيتهما: لدوان وإذوان". وإنما قلبت الألف في هاتين المسألتين واوًا، لأن التثنية ترد الأشياء إلى أصولها، وعدم الإمالة دليل على عدم ملاحظة الياء.
وإلى هاتين المسألتين أشار الناظم بقوله:
٧٨٠-
في غير ذا تقلب واوًا الألف وأولها ما كان قبل قد ألف
والنوع "الخامس: الممدود" وهو ما كان آخره همزة قبلها ألف زائدة.
"وهو أربعة أنواع:
أحدها: ما يجب سلامة همزته، وهو ما همزته أصلية كـ: قراء" بضم القاف وتشديد الراء المهملة، "و: وضاء" بضم الواو وتشديد الضاد المعجمة. "تقول" في تثنيتهما: "قُرَّاءان، و: وضاءان" بتصحيح الهمزة وسلامتها من القلب واوًا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٨٢-
وغير ما ذكر صحح
"والقراء: الناسك، والوضاء: الوضيء الوجه" مأخوذان من: قرء ووضوء. وإنما لم تقلب الهمزة فيهما لقوتها بالأصالة وعدم انقلابها عن غيرها.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٢٩٩، وشرح الأشموني ٣/ ٦٦٠.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
النوع "الثاني: ما يجب تغيير همزته واوًا، وهو ما همزته بدل من ألف التأنيث كـ: حمراء" عند الجمهور، "وحمراوان"، وإنما قلبت هنا لأن بقاءها على صورتها يؤدي إلى وقوع همزة بين ألفين وذلك كتوالي ثلاث ألفات، واختير قلبها واوًا لبعد شبهها بالألف، لأن الياء تشبه الألف في وقوع كل منهما للتأنيث. قاله المبرد١. وهو منقوض بمطايا. والأجود أن يقال: إنما قلبت واوًا حملا على النسب، لأن التثنية وجمعي التصحيح. والنسب تجري مجرى واحدًا، قاله الشاطبي. وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٧٨١-
وما كصحراء بواو ثنيا
"وزعم السيرافي أنه إذا كان قبل ألفه واو وجب تصحيح الهمزة لئلا يجتمع واوان ليس بينهما إلا ألف، فتقول في: عشواء" بفتح العين المهملة وسكون الشين المعجمة؛ وهي التي لا تبصر ليلا وتبصر نهارًا. "عشواءان؛ بالهمزة؛ وجوز الكوفيون في ذلك الوجهين": التصحيح والقلب واوًا.
وشذ عند الفريقين: حمرايات، بقلب الهمزة ياء. "و" شذ: "قرفصان" في تثنية: قرفصاء، بضم القاف وسكون الراء وضم الفاء بعدها صاد مهملة: ضرب من القعود. "وخنفسان"، تثنية خنفساء، بضم الخاء المعجمة وسكون النون. قال الجوهري٢: "وفتح الفاء" ومقتضى الضياء ضمها، ومقتضى القاموس جوازهما، وسينها مهملة:
"دويبة سوداء"، "وعاشوران تثنية": عاشوراء: العاشر أو التاسع من المحرم. قاله في القاموس٣. "بحذف الألف والهمزة معًا". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٨٢-
وما شذ على نقل قصر
النوع "الثالث: ما يترجح فيه التصحيح"، وهو إقرار الهمزة على حالها "على الإعلال"، وهو قلب الهمزة واوا. "وهو ما همزته بدل من أصل نحو: كساء وحياء" بالحاء المهملة والياء المثناة التحتانية، "أصلهما: كساو وحياي"، قلبت الواو والياء فيهما همزة لتطرفهما إثر ألف زائدة. وإنما رجح التصحيح لأن فيه إقرارًا للحرف على صورته الأصلية، بخلاف الإعلال "وشذ على الوجهين، كسايان"، بإبدال الواو ياء.
_________________
(١) ١ المقتضب ٣/ ٣٣٨. ٢ الصحاح "خفس". ٣ القاموس المحيط "خنفس".
[ ٢ / ٥٠٩ ]
النوع "الرابع: ما يترجح فيه الإعلال"، وهو قلب الهمزة واوًا "على التصحيح"، وهو عدم القلب، "وهو ما همزته بدل من حرف الإلحاق كـ: علباء"، بكسر العين المهملة وسكون اللام وبالباء الموحدة: عصبة صفراء في العنق. قال أبو النجم: [من الرجز]
٨٩٩-
يمور في الحلق على علبائه
"وقوباء": بضم القاف وسكون الواو وبالباء الموحدة: داء معروف يتقشر ويتسع١، يعالج بالريق. "أصلهما: علباي وقوباي، بياء زائدة فيهما، لتلحقهما بـ: "قرطاس" بكسر القاف وسكون الراء: وهو ما يكتب فيه أو يرمى إليه. "وقرناس"، بضم القاف وسكون الراء بعدها نون فسين مهملة: شبه الأنف يتقدم من الجبل. "ثم أبدلت الياء" فيهما "همزة" لتطرفها إثر ألف زائدة. فعلباء ملحق بقرطاس، وقوباء ملحق بقرناس. وإنما ترجح الإعلال على التصحيح فيهما تشبيهًا لهمزتها بهمزة: حمراء من جهة أن كلا منهما بدل من حرف زائد غير أصلي.
"وزعم الأخفش وتبعه" أبو موسى "الجزولي: أن الأرجح في هذا الباب أيضًا التصحيح" على الإعلال، "و" أن "سيبويه إنما قال٢: إن القلب في: علباء أكثر منه في: كساء" مع اشتراكهما في العلة. فلذلك قال الناظم:
٧٨١-
ونحو علباء كساء وحيا
٧٨٢-
بواو أو همز
من غير ترجيح.
_________________
(١) الرجز لأبي النجم العجلي في ديوانه ص٥٦، والمخصص ١٦/ ٢٨، ٦٣. ١ في "أ": "وينسلخ"، والتصويب من "ب"، "ط"، ولسان العرب ١/ ٦٩٣ "قوب". ٢ الكتاب ٣/ ٣٩٢.
[ ٢ / ٥١٠ ]
"هذا باب جمع الاسم جمع المذكر السالم" ويسمى الجمع الذي على هجاءين:
وهما: الواو والنون رفعًا، والياء والنون نصبًا وجرًّا. ويسمى [أيضًا] ١: "الجمع الذي على حد المثنى" أي: على طريقة المثنى، "لأنه أعرب بحرفين": الواو والياء. "وسلم فيه بناء الواحد، وختم بنون زائدة تحذف للإضافة٢ كما أن المثنى أعرب بحرفين: الألف والياء، وسلم فيه بناء الواحد، وختم بنون زائدة تحذف للإضافة٢.
"اعلم أنه يحذف لهذا الجمع" المذكر السالم "ياء المنقوص وكسرتها" التي قبلها، "فتقول" في جمع: القاضي، مما ياؤه أصلية، والداعي، مما ياؤه منقلبة عن واو: "القاضون والداعون". والأصل فيهما: القاضيون والداعيون: حذفت ضمة الياء للاستثقال ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين. وحذفت الكسرة التي كانت قبل الياء لئلا يلزم قلب الواو ياء لوقوعها ساكنة إثر كسرة، ثم عوض من الكسرة الضمة لمناسبة الواو. وإن شئت قلت: استثقلت الضمة على الياء فيهما فنقلت منها إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين.
"و" تحذف لهذا الجمع "ألف المقصور دون فتحتها: التي قبلها، "فتقول" في جمع: موسى علمًا: "الموسون"، والأصل: الموساون، حذف الألف لالتقاء الساكنين وأبقيت الفتحة لتدل على الألف المحذوفة، وإليه أشار الناظم بقوله:
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ سقط ما بينهما من "ط".
[ ٢ / ٥١١ ]
٧٨٣-
واحذف من المقصور في جمع على حد المثنى ما به تكملا
٧٨٤-
والفتح أبق مشعرًا بما حذف
وذهب الكوفيون إلى قلب الفتحة ضمة فيما ألفه زائدة، فأجازوا في جمع موسى: موسون وموسون، بفتح السين وضمها، فالفتح بناء على أن وزنه مفعل وألفه أصلية، من: أوسيت رأسه إذا حلقته بالموس. والضم: بناء على أن وزنه فعلى وألفه زائدة. من: ماس رأسه موسًا: حلقه١.
واتفق الجميع على إبقاء الفتحة فيما ألفه منقلبة عن أصل، ياء أو واو، فتقول: الفتون والأعلون. "وفي التنزيل: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْن﴾ [آل عمران: ١٣٩]، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧]، وأصلهما: الأعليون والمصطفيين، تحركت ياءهما المبدلتان من واو في الأصل لأنهما من العلو والصفوة، وانفتح ما قبلهما فقلبا ألفين ثم حذفا لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة قبلهما دليلا عليهما.
"ويعطى الممدود" في [جمعه] ٢ جمع المذكر السالم "حكمه في التثنية" من وجوب التصحيح فيما همزته أصلية، ومن وجوب القلب إلى الواو فيما همزته بدل من ألف التأنيث، ومن جواز الأمرين فيما همزته بدل من ألف الإلحاق أو بدل من أصل.
"فتقول في" جمع: "وضاء" وقراء، وصفين لمذكر: "وضاؤون" وقراؤون، "بالتصحيح" بسلامة الهمزة لأصالتها.
"و" تقول "في" جمع "حمراء، علمًا لمذكر" عاقل: "حمراوان، بالواو"، لأن همزته بدل من ألف التأنيث، واحترز بقوله: علمًا، لأن حمراء صفة لا تجمع جمع السلامة.
"ويجوز الوجهان": التصحيح والإعلال "في نحو: علباء وكساء، علمين لمذكرين" عاقلين، فتقول: علباؤون وكساؤون، بالتصحيح، وعلباوون وكساوون، بإبدال الهمزة واوًا لأنها في: علباء للإلحاق بقرطاس، وفي: كساء بدل من أصل. وفي الأرجح من الوجهين الخلاف السابق، والتقييد بالعلمية لصحة الجمع.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٤٥. ٢ سقط من "أ".
[ ٢ / ٥١٢ ]
باب كيفية جمع المؤنث السالم من التغيير:
"يسلم في هذا الجمع" المؤنث السالم "ما سلم في التثنية"، لأن التثنية وجمع السلامة أخوان. "فتقول في جمع: هند" علمًا لمؤنث: "هندات" بزيادة ألف وتاء، "كما تقول في تثنيتها: هندان" بزيادة ألف ونون من غير حذف شيء منها، "إلا ما ختم بتاء التأنيث فإن تاءه تحذف في الجمع" بالألف والتاء لئلا يجمع بين علامتي تأنيث. "وتسلم في التثنية" لفقد العلة المذكورة.
"تقول في جمع: مسلمة: مسلمات"، ولا تقول: مسلمتات، لما مر، "و" تقول "في تثنيتها: مسلمتان" بإثبات التاء، ولا تقول: مسلمان بحذفها، للإلباس بتثنية المذكر. "و" جمع المقصور والممدود "يتغير فيه ما يتغير في التثنية".
"تقول في" جمع المؤنث بألف التأنيث المقصورة. "حبليات، بالياء" المثناة التحتانية. "و" بالممدودة، وإنما قلبوا المقصورة لأنهم لا يجمعون بين ألفين، والحذف متعذر لأن الكلمة بنيت عليها، وخصت بالقلب إلى الياء لأن الياء يؤنث بها كـ: تقومين، وإنما قلبوا الممدودة واوًا لأن بقاءها يؤدي إلى اجتماع ثلاث ألفات، فإن الهمزة من مخرج الألف، وخصت بالقلب واوًا لأن الياء قريبة من الألف، فلو قلبت ياء لأدى إلى اجتماع ثلاث ألفات.
[ ٢ / ٥١٣ ]
"وإذا كان ما قبل التاء" الدالة على التأنيث في المفرد "حرف علة، أجريت عليه"، أي على حرف العلة، "بعد حذف التاء، ما يستحقه" من تصحيح وإعلال "لو كان آخرًا في أصل الوضع" قبل مجيء تاء التأنيث.
"فتقول في" جمع "نحو: ظبية وغزوة: ظبيات وغزوات، بسلامة" حرف العلة، "الياء والواو"، من القلب ألفًا لسكون ما بعدها.
"و" تقول في جمع [نحو] ١: مصطفاة وفتاة" بالفاء والتاء المثناة فوق: "مصطفيات وفتيات، بقلب الألف ياء" فيهما رجوعًا إلى الأصل في: فتاة، ولزيادتها على الثلاث في: مصطفاة لأنها من: الصفوة. "قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣] .
"و" تقول "في" جمع "نحو: قناة" بالقاف والنون: وهي الرمح والحفيرة: "قنوات، بالواو"، ردا إلى أصلها لأنها ثالثة.
"و" تقول "في" جمع "نحو: نباءة" بفتح النون والباء الموحدة بعدها ألف زائدة فهمزة بدل من واو، قال الجوهري٢: النبوة والنباوة: ما ارتفع من الأرض. وضبطها الشيخ عبد القادر المكي، بفتح النون وسكون الموحدة بعدها همزة فتاء تأنيث: الصوت الخفي. انتهى. وفيه نظر٣: "نباءات". بإقرار الهمزة، "ونباوات" بقلبها واوًا لما مر من أن ما همزته بدل من أصل يجوز فيه التصحيح والإعلال.
وتقول في نحو: بناءة، بفتح الموحدة، وتشديد النون مؤنث بناء: بناءات وبنايات لأن الهمزة فيه بدل من ياء لأنه من: بنى يبني.
"و" تقول "في" جمع "نحو: قراءة" بضم القاف وتشديد الراء، وهي الناسكة: "قراءات، بالهمزة لا غير"، لما مر من أن الهمزة الأصلية يجب سلامتها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٨٤-
وإن جمعته بتاء وألف
٧٨٥-
فالألف اقلب قلبها في التثنيه وتاء ذي التا ألزمن تنحيه
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ الصحاح "نبا". ٣ في حاشية يس ٢/ ٢٩٨: "قوله وفيه نظر، وجهه أن ذلك على ضبط الشيخ عبد القادر لا يناسب قول المتن بعد ذلك: نباءات ونباوات، وكان يقال عليه، بنات، لا غير".
[ ٢ / ٥١٤ ]
فصل:
"إذا كان المجموع بالألف والتاء اسمًا، ثلاثيًّا: ساكن العين، غير معتلها، ولا مدغمها، فإن كانت فاؤه مفتوحة، لزم فتح عينه" اتباعًا لفتح فائه، سواء في ذلك العاقل وغيره. وصحيح الفاء واللام أو أحدهما، مؤنث بالتاء أو المعنى "نحو: سجدة ودعد" علم امرأة، "تقول" في جمعها بالألف والتاء: "سجدات ودعدات" بفتح عينهما. "قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ " [البقرة: ١٦٧] بفتح السين، جمع: حسرة، بسكونها: "وقال" عبد الله بن عمرو العرجي: [من البسيط]
٩٠٠-
بالله يا ظبيات القاع قلنا لنا ليلاي منكن أم ليلى من البشر
بفتح الباء الموحدة، جمع: ظبية، بسكونها، والقاع: المستوي من الأرض. وليلى بالإضافة إلى ياء المتكلم: مبتدأ سقط منه همزة الاستفهام بدليل معادلتها بأم. ومنكن: خبر المبتدأ. وعدل من الإضمار إلى التصريح باسمها ثانيًا للاستلذاذ. "وأما قوله"، وهو أعرابي من بني، عذرة: [من الطويل]
٩٠١-
وحملت زفرات الضحى فأطقتها وما لي بزفرات العشي يدان
بتسكين الفاء من: زفرات في الموضعين "فضرورة حسنة، لأن العين قد تسكن للضرورة مع الإفراد والتذكير كقوله": [من الرجز]
_________________
(١) البيت للمجنون في ديوانه ص١٣٠، وللعرجي في المقاصد النحوية ١/ ٤١٦، ٤/ ٥١٨، وللكامل الثقفي أو للعرجي في شرح شواهد المغني ٢/ ٩٦٢، وذكر مؤلف خزانة الأدب ١/ ٩٧، ومؤلف معاهد التنصيص، ٣/ ١٦٧، أن البيت اختلف في نسبته؛ فنسب للمجنون، ولذي الرمة، وللعرجي، وللحسين بن عبد الله، ولبدوي اسمه كامل الثقفي، وهو بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٨٢، وأوضح المسالك ٤/ ٣٠٣، وتذكرة النحاة ص٣١٨، وشرح الأشموني ١/ ٨٧.
(٢) البيت لعروة بن حزام في ديوانه ص٦١، وخزانة الأدب ٣/ ٣٨٠، والدرر ١/ ١٦، وذيل الأمالي ص١٦٠، ولأعرابي من بني عذرة في المقاصد النحوية ٤/ ٥١٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٠٤، وشرح الأشموني ٣/ ٦٦٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٤٥٠، وهمع الهوامع ١/ ٢٤.
[ ٢ / ٥١٥ ]
٩٠٢-
يا عمرو يابن الأكرمين نسبا
بسكون السين. وإذا فعلوا ذلك في الإفراد ففي الجمع أولى. والزفرات من: زفر يزفر: إذا خرج نفسه بأنين، وإنما أضاف الزفرات إلى وقتي الضحى والعشي، لأن من عادة المتيم أن يقوى به الهيام في هذين الوقتين.
"وإن كان" الاسم المستوفي للشروط الخمسة، "مضموم الفاء نحو: خطوة وجمل" بالجيم، علم امرأة، "أو مكسورها نحو: كسرة وهند، جاز لك في عينه الفتح والإسكان مطلقًا" عن القيد الآتي، "والإتباع" لحركة الفاء "إن لم تكن الفاء، مضمومة واللام ياء كـ: دمية" بالدال المهملة والياء المثناة تحت، وهي الصورة من العاج.
"وزبية" بالزاي والباء الموحدة والياء المثناة تحت، وهي حفرة للأسد. فيقال في جمعهما: دميات وزبيات، بفتح عينهما وإسكانهما، وإذا فتحت لم تقلب الياء ألفًا لئلا يلتقي ساكنان، وامتناع الإتباع فيهما لثقل الياء بعد الضمة.
"ولا مكسورة واللام واوًا كـ: ذروة" بكسر الذال المعجمة وقد تضم، وبسكون الراء: أعلى السنام. "ورشوة" بكسر الراء، على إحدى اللغات الثلاث، وسكون الشين المعجمة١: وهي الجعل. فلا يقال في جمعهما: ذروات ورشوات، بكسر عينهما اتباعًا لفائهما لثقل الواو بعد الكسرة.
"وشذ: جروات، بالكسر" في الراء إتباعًا للجيم جمع: جروة، بكسر الجيم، على إحدى اللغات الثلاث، وسكون الراء: الأنثى من ولد الكلب والسبع والصغيرة من القثاء. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٨٦-
والسالم العين
الأبيات الأربعة٢.
_________________
(١) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٠٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٣٠، وتاج العروس ٤/ ٢٦١ "نسب"، ولسان العرب ١/ ٧٥٠ "نحب" ٧٥٥ "نسب". ١ بعده في "ب": "وقد تضم". ٢ تمام الأبيات: الثلاثي اسما أنل إتباع عين فاء بما شكل إن ساكن العين مؤنثا بدا مختتما بالتاء أو مجردا وسكن التالي غير الفتح أو خففه بالفتح فكلا قد رووا ومنعوا إتباع نحو ذروه وزبية وشذ كسر جروه
[ ٢ / ٥١٦ ]
"ويمتنع التغيير" في العين "في خمسة أنواع" لم تستوف الشروط الخمسة:
"أحدها": فاقد الثلاثة "نحو: زينبات وسعادات، لأنهما رباعيان لا ثلاثيان".
النوع "الثاني": فاقد الاسمية المقابلة للوصفية "نحو: ضخمات" بالضاد والخاء المعجمتين جمع: ضخمة، وهي الغليظة، "وعبلات" بفتح العين المهملة وسكون الموحدة: وهي التامة الخلق. "لأنهما وصفان لاسمان. وشذ: كهلات، بالفتح" في الهاء جمع كهلة: وهي التي جاوزت الثلاثين سنة. وكان حقه الإسكان لأنه صفة، "ولا ينقاس" فتحه، "خلافًا لقطرب".
النوع "الثالث": فاقد سكون العين "نحو: شجرات" بفتح الجيم "وسمرات" بضم الميم، "ونمرات" بكسر الميم، "لأنهن محركات الوسط" ومفردهن: شجرة وسمرة ونمرة، بالنون، أنثى النمر.
"نعم يجوز الإسكان" تخفيفًا في "نحو: سمرات" مما كانت عينه مضمومة، "ونمرات" مما كانت عينه مكسورة، "كما كان" الإسكان "جائزًا" تخفيفًا "في المفرد" نحو: سمرة ونمرة، بإسكان الميم، فاستصحب مع الجمع، "لا أن ذلك" الإسكان "حكم تجدد" له "حالة الجمع" حتى يقال: إن التغيير حاصل بسبب الجمع.
النوع "الرابع": فاقد صحة العين "نحو: جوازت" من الواوي. "وبيضات" من اليائي. مما قبل حرف العلة١ فيه فتحة، فلا يغير "لاعتلال العين. قال الله تعالى: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ " [الشورى: ٢٢] بسكون الواو. "وهذيل تحرك ذلك" بالفتح، ولم تستثقل فتحة عين المعتل لعروضها عندهم. "وعليه قراءة بعضهم: "ثَلاثُ عَوَرَاتٍ" [النور: ٨٥] بفتح الواو٢. "وقول الشاعر" الهذلي في وصف جمله: [من الطويل]
٩٠٣-
أخو بيضات رائح متأوب رفيق بمسح المنكبين سبوح
_________________
(١) ١ في "ط": "العين" مكان "العلة". ٢ هي قراءة الأعمش كما في مختصر ابن خالويه ص١٠٣.
(٢) البيت لأحد الهذليين في الدرر ١/ ١٥، وشرح المفصل ٥/ ٣٠، وبلا نسبة في أسرار العربية ٣٥٥، وأوضح المسالك ٤/ ٣٠٦، وخزانة الأدب ٨/ ١٠٢، ١٠٤، والخصائص ٣/ ١٨٤، وسر صناعة الإعراب ص٧٨ وشرح ابن الناظم ص٥٤٦، وشرح الأشموني ٣/ ٦٦٨، وشرح شواهد الشافية ص١٣٢، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٨٠٤، ولسان العرب ٧/ ١٢٥، "بيض"، والمحتسب ١/ ٨٥، والمنصف ١/ ٣٤٣، وهمع الهوامع ١/ ٢٣.
[ ٢ / ٥١٧ ]
بفتح الياء من بيضات، يقول: جملي في سرعة سيره كالظليم الذي له بيضات يسير ليلا ونهارًا ليصل إليها. والرائح من الرواح وهو الذهاب. والمتأوب: من تأوب إذا جاء أول الليل. والرفيق بمسح المنكبين: هو العالم بتحريكهما في السير. والسبوح: حسن الجري.
وبقي من المعتل ضرب آخر، وهو ما كان حرف العلة فيه ساكنًا وقبله حركة تجانسه١، نحو: تارة ودولة وديمة، فهذا يبقى على حاله، وهذيل تفتحه في جميع الباب. قاله في المصباح.
"واتفق جميع العرب على الفتح في: عيرات جمع: عير"، بكسر العين المهملة وسكون الياء المثناة تحت وبالراء، "وهي الإبل التي تحمل الميرة"، بكسر الميم وسكون الياء المثناة تحت: الطعام. "وهو شاذ في القياس لأنه" مؤنث بدليل: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] فهو "كـ: بيعة وبيعات، فحقه الإسكان".
واختلف الناس في: عيرات اختلافًا كثيرًا وحاصله: هل هي بكسرة ففتحة، أو بفتحتين على قولين: والأول قول الجمهور. ثم اختلفوا في المفرد فقال أكثرهم: عير، بكسرة أصلية، اسم جمع للإبل تحمل الميرة لأنها تعير أي: تذهب وتجيء.
وقيل: عير، بكسرة منقلبة، عن ضمة جمع تكسير لـ: عير، بالفتح، وهو الحمار كـ: سقف وسقف، ثم فعل به ما فعل بـ"بيض" من قلب الضمة كسرة. قالوا: واصل القافلة قافلة الحمير، ثم توسعوا فأطلقوها على كل قافلة.
والقول الثاني: اختلف القائلون به أيضًا على قولين: أحدهما للمبرد وهو أنه جمع غير وهو الحمار. والثاني لتلميذه أبي إسحاق وهو أنه جمع غير وهو الذي في الكتف٢ أو القدم٣، فقيل له: أذلك مؤنث؟ قال: نعم. فإن يونس قال: كل شيئين منفصلين في الإنسان مؤنثان٤ كاليدين والرجلين.
النوع "الخامس": فاقد عدم الإدغام "نحو: حجات" جمع: حجة، بفتح الحاء: المرة من الحج، "وحجات" جمع: حجة، بكسر الحاء، للهيئة من الحج، "وحجات" جمع: حجة، بضم الحاء، للدليل، فلا تغير العين عن سكونها "لإدغام عينه، فلو حرك انفك إدغامه، فكان يثقل فتفوت فائدة الإدغام".
_________________
(١) ١ في "ب": "تجانسه". ٢ في "أ": "الكف". ٣ في الكامل ص١٠٢٥: "يقال للناتئ في وصف الكتف: حيد وعير، وكذلك الناتئ في القدم". ٤ في "ط": "يؤنثان".
[ ٢ / ٥١٨ ]
باب جمع التكسير:
ويفارقه جمع السلامة في أربعة أشياء:
أحدها: أن جمع السلامة مختص بالعقلاء والتكسير لا يختص.
والثاني: أنه يسلم فيه بناء المفرد ولا يسلم في التكسير.
والثالث: أنه يعرب بالحروف وجمع التكسير بالحركات.
والرابع: أن الفعل المسند إلى جمع السلامة لا يؤنث مع التكسير. قاله أبو البقاء.
"و" جمع التكسير لفظًا: "هو ما تغير فيه بناء الواحد، إما بزيادة" ليست عوضًا من شيء من غير تبديل شكل "كـ: صنو" للمفرد "وصنوان": "لجمعه. قال في الصحاح١: إذا خرج نحلتان أو ثلاث من أصل واحد، فكل واحدة، منهن صنو، الجمع صنوان، برفع النون، بخلاف: زيدون، فإن الواو عوض عن الضمة، والنون عوض عن التنوين.
"أو بنقص" من غير تبديل شكل "كـ: تخمة"، بضم التاء وفتح الخاء المعجمة للمفرد، "وتخم" لجمعه، "أو بتبديل شكل" من غير زيادة ولا نقص، "كـ: أسد". بفتح الهمزة والسين للمفرد، "وأسد"، بضم الهمزة وسكون السين: لجمعه، "أو بزيادة وتبديل شكل، كـ: رجال" ورجل. "أو بنقص وتبديل شكل، كـ: رسل" ورسول، "أو بهن"؛ أي: بالنقص والزيادة وتبديل الشكل "كـ: غلمان" وغلام. فإن: غلمانًا زيد في آخره ألف ونون ونقص منه الألف الواقعة قبل الميم وبعد اللام في: غلام. وتبديل شكله بكسر فائه وإسكان عينه.
_________________
(١) ١ الصحاح "صنا".
[ ٢ / ٥١٩ ]
هذا تقسيم ابن مالك١. واعترض بأنه لا تحرير فيها لأن صنوان من باب زيادة وتبديل شكل. وتخم من باب نقص وتبديل شكل، لأن الحركات التي في الجمع غير الحركات التي في المفرد. قاله المرادي٢.
ويجاب عنه بأنه نظر إلى ظاهر اللفظ، وأنه لا يرى تقدير التغيير كما يؤخذ من كلامه الآتي. والمشهور تقسيم التغيير إلى قسمين٣: لفظي وتقديري. فاللفظي ما تقدم. والتقديري نحو: فلك ودلاص، وهجان.
ومذهب سيبويه أن فلكًا وأخواته جموع٤ تكسير٥، فيقدر في: فلك زوال ضمة الواحد وتبديلها بضمة مشعرة بالجمع. ففلك إذا كان واحدًا كـ: قفل، وإذا كان جمعًا كـ: بدن. وكذا القول في أخواته. الباعث له على ذلك أنهم قالوا في تثنيته: فلكان، فعلم أنهم لم يقصدوا به ما قصد بجنب ونحوه مما يشترك فيه الواحد وغيره حين قالوا: هذا جنب، وهذان جنب، وهؤلاء جنب. والفارق عنده بين ما يقدر تغييره وما لا يقدر تغييره، وجدان التثنية وعدمها. وقال ابن مالك في باب أمثلة الجمع من التسهيل٦. والأصح كونه؛ يعني باب فلك؛ اسم جمع مستغنيًا عن تقدير التغيير.
"و" التغيير اللفظي "له سبعة وعشرون بناء منها: أربعة موضوعة للعدد القليل، وهو من الثلاثة إلى العشرة"، بدخول العشرة على القول بدخول الغاية في المغيا ولو قال: وهو الثلاثة والعشرة وما بينهما لكان أولى. "وهي: أفعل" بضم العين "كـ: أكلب" جمع: كلب. "وأفعال كـ: أجمال" بالجيم، جمع: حمل. "وأفعلة" بكسر العين "كـ: أحمرة" جمع: حمار. "وفعلة" بكسر الفاء وسكون العين "كـ: صبية" جمع: صبي. وخصت هذه الأوزان الأربعة بالقلة لأنها تصغر على لفظها نحو: أكيلب وأجيمال وأحيمرة وصبية بخلاف غيرها من الجموع فإنها ترد إلى واحدها في التصغير. وتصغير الجمع يدل على التقليل. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٩١-
أفعلة أفعل ثم فعله ثمت أفعال جموع قله
_________________
(١) ١ شرح التسهيل ١/ ٧٠. ٢ شرح المرادي ٥/ ٣٣. ٣ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٨٠٨. ٤ في "ب": "جمع". ٥ الكتاب ٣/ ٥٧٧. ٦ التسهيل ص٢٦٧.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وليس من جموع القلة: فعل بضم الفاء وفتح العين كـ: غرف، ولا: فعل؛ بكسر الفاء وفتح العين، كـ: نعم. ولا: فعلة؛ بكسر الفاء وفتح العين؛ كـ: قردة. خلافًا للفراء١.
"وثلاثة وعشرون" موضوعة "للعدد الكثير، وهو ما تجاوز العشرة، وسيأتي" قريبًا. "وقد يستغنى ببضع أبنية القلة عن بناء الكثرة" وضعًا أو استعمالا اتكالا على القرينة. قاله في التسهيل٢.
قال الشاطبي: وحقيقة الوضع أن تكون العرب لم تضع أحد البناءين استغناء عنه بالآخر. والاستعمال أن تكون وضعتهما معًا ولكنك استغنيت في بعض المواضع عن أحدهما بالآخر. انتهى.
فالأول "كـ: أرجل" جمع: رجل، بسكون الجيم. "وأعناق" جمع: عنق. "وأفئدة" جمع: فؤاد. قال الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [ألأنفال: ١٢]، ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] . فاستغنى فيهما ببناء القلة عن بناء الكثرة، لأنها لم يستعمل لها بناء كثرة.
والثاني كـ: أقلام. جمع: قلم. قال الله تعالى: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] والمقام مقام مبالغة وتكثير قطعًا. وقد استعمل فيه وزن القلة مع أنه سمع له وزن كثرة. وهو: قلام.
"وقد يعكس" فيستغنى ببعض أبنية الكثرة عن بناء القلة وضعًا أو استعمالا اتكالا على القرينة. فالأول "كـ: رجال" جمع: رجل، بضم الجيم. "وقلوب" جمع: قلب.
"وصردان"، بكسر الصاد، جمع صرد، بضمها وفتح الراء اسمًا لطائر. تقول: خمسة رجال بخمسة قلوب معهم خمسة صردان. فيستغني بجمع الكثرة عن جمع القلة، لعدم وضعه.
"وليس منه"، أي من هذا القسم، وهو ما لم تضع العرب له بناء قلة "ما مثل به الناظم وابنه٣ من قولهم في جمع: صفاة وهي الصخرة الملساء: صفي"، بضم الصاد وكسر الفاء وتشديد الياء "لقولهم" في جمع قلتها: "أصفاء. حكاه الجوهري٤ وغيره"٥.
_________________
(١) ١ انظر الارتشاف ١/ ١٩٤، وحاشية الصبان ٤/ ١٢٣. ٢ التسهيل ص٢٦٨. ٣ شرح ابن الناظم ص٥٤٧. ٤ الصحاح "صفا". ٥ في اللسان ١٤/ ٥٦٤: "وجمع الصفاة صفوات وصفًا، مقصور، وجمع الجمع أصفاء وصُفي وصِفي".
[ ٢ / ٥٢١ ]
بل هو من القسم الثاني. وهو ما وضعت العرب له بناء قلة ولكنها استغنت ببناء الكثرة عنه. كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . ففسر ثلاثة بجمع الكثرة مع وجود جمع القلة. كقوله -ﷺ: "دعي الصلاة أيام أقرائك" ١. وعلى ذلك يحمل قول الناظم.
٧٩٢-
وبعض ذي بكثرة وضعا يفي كأرجل والعكس جاء كالصفي
البناء "الأول من أبنية القلة: أفعل، بضم العين، وهو جمع لنوعين" كل منهما لجمعه شروط:
"أحدهما: فعل"، بفتح الفاء وسكون العين، حال كونه "اسمًا" لا صفة، "صحيح العين" لا معتلها. "سواء صحت لامه أم اعتلت، بالياء أم بالواو"، وليست "فاؤه" واوًا" كـ: وعد، ولا "لامه" مماثلة لعينه [كـ: رق] ٢، وذلك "نحو: كلب" وأكلب، "وظبي" وأظب، "وجرو" وأجر. وأصلهما: أظبي وأجرو، بضم الياء والراء، فقلبت ضمتهما كسرة، والواو في: أجرو ياء وحذفت الياء الأصلية في أظبي، والمنقلبة في: أجرو على حد الحذف في: قاض وغاز.
"بخلاف نحو: ضخم"، فلا يجمع على أفعل "فإنه صفة. وإنما قالوا: أعبد" جمع: عبد مع أنه صفة "لغلبة الاسمية". قاله ابن مالك٣.
"وبخلاف نحو: سوط٤ وبيت"، فلا يجمعان على: أفعل "لاعتلال العين" بالواو في الأول، والياء في الثاني. "وشذ قياسًا" لا سماعًا: "أعين" جمع: عين. قال الله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢] .
"و" شذ "قياسًا وسماعًا: أثوب"٥ جمع: ثوب. "وأسيف" جمع: سيف. قال معروف بن عبد الرحمن، أو حميد بن ثور، على خلف: [من الرجز]
٩٠٤-
لكل دهر قد لبست أثوبا حتى اكتسى الرأس قناعًا أشيبا
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في الطهارة ١/ ٧٢، والترمذي في الطهارة ١/ ٢٢٠، وابن الأثير في النهاية ٤/ ٣٢. ٢ إضافة من "ط". ٣ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٨١٦. ٤ في "أ": "صوت"، وفي "ب": "شوط"، والتصويب من "ط"، وأوضح المسالك ٤/ ٣٠٨. ٥ في "ب": "أثواب".
(٢) الرجز لمعروف بن عبد الرحمن في التثنية والإيضاح ١/ ٦٢، وتاج العروس ٢/ ١٠٩ "ثوب"، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٩٠، ولسان العرب ١/ ٢٤٥ "ثوب"، ولحميد بن ثور في ديوانه ص١٦، =
[ ٢ / ٥٢٢ ]
والقياس: أثوابًا أو ثيابًا. "وقال" آخر: [من البسيط]
٩٠٥-
كأنهم أسيف بيض يمانية عضب مضاربها باق بها الأثر
والقياس: سيوف أو أسياف. والبيض. بكسر الياء: جمع أبيض. ويمانية: نسبة إلى يمان.
وعضب: قاطع. والمضارب جمع مضرب، ومضرب السيف نحو: شبر من طرفه، والأثر بضم الهمزة والثاء المثلثة: أثر الجرح يبقى بعد البرء قاله العيني١.
وشذ: أوجه، جمع: وجه، لأن فاءه واو. وشذ أكف جمع كف، لأن لامه مماثلة لعينه، ويحفظ أفعل في ثمانية أوزان:
"فعل" كـ: ذئب اسمًا، وجلف صفة، "وفعلة" بكسر الفاء اسمًا كـ: نعمة، وصفة كـ: شدة "وفعل" بكسر أوله وفتح ثانية كـ: ضلع، "وفعل"، بضم أوله وسكون ثانيه كـ: قفل، "وفعل" بضمتين كـ: عنق، "وفعل" بفتحتين كـ: جبل، "وفعلة"، بفتحتين كـ: أكمة، "وفعل" بفتحة وضمة كـ: ضبع. ثلاثة أمثلة في مفتوح الفاء، وثلاثة في مكسورها. واثنان في مضمومها. والجميع إنما يقع في الأسماء إلا فعلا، بكسر أوله وسكون ثانيه، ومؤنثه فيقع فيها وفي الصفات.
النوع "الثاني" مما يجمع على أفعل: "الرباعي المؤنث" بلا علامة، "الذي قبل آخره مدة"، ألف أو ياء، سواء فتح أوله٢ أو كسر أو ضم. فالمفتوح "كـ: عناق" أنثى الجدي، "و" المكسور نحو: "ذراع"، بالذال المعجمة، "و" المضموم نحو: "عقاب"، طائر معروف "و" الياء نحو: "يمين". فنقول في جمعها: أعنق وأذرع وأعقب وأيمن.
"وشذ" أفعل "في نحو": مكان و"شهاب وغراب" وجنين، "من المذكر". فخرج بالرباعي نحو: دار ونار، فأدور وأنور ليس بمطرد عند سيبويه٣.
_________________
(١) = وله أو لمعروف بن عبد الرحمن في المقاصد النحوية ٤/ ٥٢٢، وبلا نسبة في أساس البلاغة "نشب"، وكتاب الجيم ٣/ ٢٧٣، وأوضح المسالك ٤/ ٣٠٨، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٨٠٤، وشرح الأشموني ٢/ ٦٧٢، والكتاب ٣/ ٥٨٨، واللسان ٢/ ٦٠٢، "ملح"، ومجالس ثعلب ص٤٣٩، والمقتضب ١/ ٢٩، ١٣٢، ٢/ ١٩٩، والممتع في التصريف ١/ ٣٣٦، والمنصف ١/ ٢٨٤، ٣/ ٤٧.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٠٩، وشرح الأشموني ٣/ ٦٧٢، واللسان ٤/ ٨، ٩ "أثر". ١ انظر قوله في كتابه شرح الشواهد ٤/ ١٢٣. ٢ سقط من "ب". ٣ الكتاب ٣/ ٥٩١.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وخرج بالتأنيث نحو: حمار، وعمود، ورغيف، وبلا علامة نحو: سحابة ورسالة، وبمدة قبل الآخر نحو: زينب. وإلى هذين النوعين أشار الناظم بقوله:
٧٩٣-
لفعل اسمًا صح عينا أفعل وللرباعي اسمًا أيضًا يجعل
٧٩٤-
إن كان كالعناق والذراع في مد وتأنيث وعد الأحرف
البناء "الثاني" من أبنية القلة: "أفعال وهو": جمع "لاسم ثلاثي لا يستحق أفعل" السابق، "إما لأنه على: فعل"، بفتح أوله وسكون ثانيه، ولكنه معتل العين" بالياء أو بالواو "نحو: سيف" وأسياف، "وثوب"، وأثواب. "أو لأنه على غير فعل". بفتح الفاء وسكون العين فيشمل ثمانية أوزان:
ثلاثة مع فتح الفاء "نحو: جمل ونمر وعضد، و" ثلاثة مع كسرها نحو: "حمل وعنب وإبل، و" اثنان مع ضم الفاء نحو: "قفل وعنق". فنقول في جمعها: أجمال وأنمار وأعضاد وأحمال [بالحاء] ١ المهملة، وأعناب وآبال، بإبدال الهمزة الثانية ألفًا، وأقفال، وأعناق. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٩٥-
وغير ما أفعل فيه مطرد من الثلاثي اسمًا بأفعال يرد
"ولكن الغالب في: فُعَل، بضم الأول وفتح الثاني، أن يجيء" جمعه "على: فِعْلان" بكسر أوله وسكون ثانيه "كـ: صرد" بالصاد والراء المهملتين، وهو طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير. قيل. وهو أول طائر صام لله تعالى.
"وجرذ"، بالجيم والراء والذال المعجمة. قال الجوهري٢: ضرب من الفأر. "ونغر"، بالنون والغين المعجمة والراء المهملة، جمع: نغرة. قال الجوهري٣: كهمزة٤، وهو طائر كالعصافير حمر المناقير. "وخزز"، بخاء معجمة وزاءين معجمتين. قال الجوهري٥: ذكر الأرانب. فيقال في جمعها: صردان وجرذان ونغران وخزان، وإليه أشار الناظم بقوله:
٧٩٦-
وغالبًا أغناهم فعلان في فعل كقولهم صردان
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ الصحاح "جرذ". ٣ الصحاح "نغر". ٤ في "ب": "كتمرة". ٥ الصحاح "خرز".
[ ٢ / ٥٢٤ ]
"وشذ نحو: أرطاب" جمع: رطب. "كما شذ في فعل المفتوح الفاء١، الصحيح العين الساكنها نحو: أحمال" جمع: حمل، بفتح الحاء المهملة وسكون الميم. وأفراخ جمع: فرخ، بالفاء والراء والخاء المعجمة، وأحبار جمع: حبر، بالحاء المهملة والباء الموحدة، "وأزناد" جمع: زند، بالزاي المفتوحة والنون الساكنة، وهو العود الأعلى الذي يقدح به النار، والزندة هي السفلى. "قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] . يقال: الحمل، بالفتح، لما في البطن، وبالكسر لما يحمل على الظهر، وبالوجهين لحمل النخل. قاله الفراء. وقال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ [التوبة: ٣١] .
"وقال الحطيئة"، بضم الحاء وفتح الطاء المهملتين وفي آخره همزة، تصغير: حطأة، بفتح الحاء وسكون الطاء، وهي: الضرطة. والحطأة أيضًا: الصرعة. يقال: حطأت الرجل إذا صرعته بالأرض. واختلف في تلقيبه بذلك، فقيل: لقصره. وقيل: لأنه ضرط في يوم بين قوم فقيل له: ما هذا؟ فقال: حطيئة. وقيل: لأنه كان محطوء الرجل. والرجل المحطوءة هي التي لا أخمص لها. واسمه جرول بن أوس ويكنى: أبا مليكة، قاله ابن السيد٢: [من البسيط] .
٩٠٦-
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
يخاطب بذلك عمر بن الخطاب ﵁، وكان قد سجنه [لهجوه إياه] ٣.
وأراد بالأفراخ، بالخاء المعجمة الأولاد. وهو محل الاستشهاد والقياس في جمع فرخ: أفرخ أو فراخ. ومرخ، بفتح الميم والراء وبالخاء المعجمة، وادٍ كثير الشجر قريب من فدك. وزغب، بضم الزاي وسكون الغين المعجمة، من الزغب: وهو الشعرات الصفر على ريش الفرخ. والحواصل جمع: حوصلة الطير.
وأراد: ما قولك في أولاد صغار جدًّا لا ماء عندهم ولا شجر، إذا شكوا إليك حالهم؟
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ الاقتضاب ص٥٠٠، وانظر الشعر والشعراء ١/ ٣٢٢، والأغاني ٢/ ١٥٧.
(٢) البيت للحطيئة في ديوانه ص١٦٤، والأغاني ٢/ ١٨٦، وأوضح المسالك ٤/ ٣١٠، وخزانة الأدب ٣/ ٢٩٤، والخصائص ٣/ ٥٩، والشعر والشعراء ١/ ٣٣٤، ولسان العرب ٢/ ٥٣٢ "طلح"، ومعجم ما استعجم ص٨٩٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٢٤، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٣٤٩، وشرح الأشموني ٣/ ٦٧٤، وشرح المفصل ٥/ ١٦، والمقتضب ٢/ ١٩٦. ٣ إضافة من "ب"، "ط".
[ ٢ / ٥٢٥ ]
"وقال آخر"، وهو الأعشى: [من المتقارب]
٩٠٧-
وجدت إذا أصلحوا خيرهم وزندك أثقب أزنادها
فجمع زند على أزناد، وقياسه: أزند.
وسمع أيضًا: "فعل" و"أفعال" في: شكل، وسمع، ولفظ، ولحظ، ومحل، ورأي، ورأد: وهو أصل اللحيين، وجفن ولحن ونجد وفرد وجلد وألف وأنف وثلج؟ وليس منه: أفنان من قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن/ ٤٨] إنما هو جمع فنن وهو: الغصن، فأما الفن وهو النوع، فجمعه: فنون على القياس كـ: صك وصكوك.
البناء "الثالث" من أبنية القلة: "أفْعِلة" بكسر العين، "وهو" جمع "لاسم مذكر رباعي، بمدة" ألف أو واو أو ياء "قبل" الحرف ["الآخر"، سواء أكان مفتوح الفاء أم مكسورها أم مضمومها. فالألف مع فتح الفاء "نحو: طعام، و" مع كسرها نحو: "حمار، و"] ١ مع ضمها نحو: "غراب، و" الياء نحو: "رغيف، و" الواو نحو: "عمود".
فتقول في جمعها على أفعلة٢: طعام وأطعمة، وحمار وأحمرة. وغراب وأغربة، ورغيف وأرغفة. وعمود وأعمدة، وشذ: كتاب وكتب، والقياس: أكتبة ولم يقولوه. قاله المهاباذي.
ووقع في الصحاح٣ أنك إذا جمعت النهار قلت في كثيرة: نهر، وفي قليلة: أنهر والصواب: أنهرة كما في المحكم. لأن النهار مذكر. وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٧٩٧-
في اسم مذكر رباعي بمد ثالث أفعلة عنهم اطرد
"والتزم" بناء أفعلة "في فعال؛ بالفتح؛ وفعال؛ بالكسر" حال كونهما "مضعفي اللام أو معتليها. فالأول" وهو مضاعف اللام، وأراد بتضعيفها مماثلتها للعين. ومضاعف الثلاثي: ما كان عينه ولامه من جنس واحد "كـ: بتات" بفتح الباء الموحدة وتاءين مثناتين فوق.
قال الجوهري٤: هو الزاد والجهاز٥. وقال أبو عبيدة: متاع البيت. وفي الحديث:
_________________
(١) البيت للأعشى في ديوانه ص١٢٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٥٩، والكتاب ٣/ ٥٦٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣١١، وشرح الأشموني ٣/ ٦٧٤، وشرح المفصل ٥/ ١٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٢٦، والمقتضب ٢/ ١٩٦. ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ الارتشاف ١/ ١٩٧. ٣ الصحاح "نهر". ٤ الصحاح "تبت". ٥ في "أ"، "ب": "الحمار".
[ ٢ / ٥٢٦ ]
"لا يؤخذ منكم عشر البتات"١. "وزمام"، بكسر الزاي. قال الجوهري٢: هو الخيط الذي يشد في البرة أو في الخشاش ثم يشد في طرفه المقود. وقد يسمى المقود زمامًا، وزمام النعل: ما يشد فيه الشسع. والخشاش، بالكسر: الذي يجعل في عظم أنف البعير. وهو من خشب، والبرة من صفر. فتقول في جمع بتات: أبتة. وفي جمع زمام: أزمة. والأصل: أبتتة وأزممة، فالتقى مثلان فنقلت حركة أولهما إلى الساكن قبله، ثم أدغم أحد المثلين في الآخر.
"والثاني": وهو معتل اللام، ما كان لامه واوًا أو ياء "كـ: قباء" بفتح القاف والباء الموحدة. "وإناء" بكسر الهمزة الأولى. فتقول في جمعها على أفعلة: أقبية وآنية، بألف بعد الهمزة، والأصل: أأنية بهمزتين مفتوحتين فساكنة، أبدلت الساكنة ألفًا من جنس حركة ما قبلها. وإليه أشار الناظم بقوله:
٧٩٨-
وألزمه في فعال أو فعال مصاحبي تضعيف أو إعلال
ويحفظ أفعلة في: نجي، في شحيح ونجد: وهو ما ارتفع من الأرض. و: وهي مصدر وهي السقاء: إذا تخرق، وسد وسد، بالسين المهملة فتحًا وضمًا. كل بناء سد به موضع. وقدح وقن وخال وباب وقفا وجائز بالجيم والزاي: الخشبة الكبيرة في وسط البيت. ووادٍ ناحية وظنين، بالظاء المشالة، بمعنى: متهم ونضيضة، بنون وضادين معجمتين: المطر القليل. وعيي، بفتح العين المهملة وكسر الياء الأولى وتشديد الثانية، وجرة، بكسر الجيم وتشديد الراء المهملة. وعيل بفتح العين وتشديد الياء المثناة تحت. وعقاب ورمضان وخوان لربيع الأول.
فأما: شحيح ونجي وظنين وعيي فقالوا فيها: أشحة وأنجية وأطنة وأعية، مع أنها صفات. وأما عقاب فقالوا فيه: أعقبة مع أنته مؤنث. وأما: نجد وهي وسد وسد وقدح وقن وخال وقفا وباب وجرة، فقالوا: أنجدة وأوهية وأسدة وأقدحة وأقنة وأخولة وأبوبة وأقفية وأجرة، مع أنها ثلاثية. وأما: رمضان وخوان ونضيضة فقالوا فيها: أرمضة وأخونة وأنضضة. مع أنها زائدة على أربعة أحرف. وأما عيل فقالوا فيه: أعولة مع خلوه عن مدة قبل آخره. وأما جائز وناجية فقالوا فيهما: أجوزة وأنجية، مع أن المدة فيهما ليست قبل الآخر.
_________________
(١) ١ من حديث كتابه -ﷺ- لحارثة بن قطن في النهاية ١/ ٩٢. ٢ الصحاح "زمم".
[ ٢ / ٥٢٧ ]
البناء "الرابع" من أبنية القلة: "فعلة، بكسر أوله وسكون ثانيه، و" لم يطرد في شيء من الأبنية. بل "هو محفوظ في" ستة أوزان: فعل، بفتحتين نحو: "ولد وفتى، و" فعل، بفتح أوله وسكون ثانيه. "نحو: شيخ وثور، و" فعل، بكسر أوله وفتح ثانيه "نحو: ثنى" بكسر الثاء المثلثة وفتح النون والقصر كـ: عدى. حكاه الفارسي: الأمر الذي يعاد مرتين.
وفي الحديث: "لا ثنى في الصدقة"١ أي: لا تؤخذ في السنة مرتين. والثني أيضًا: الثاني في السيادة. وهو: الثنيات بضم المثلثة: وهو الذي كان يكون دون السيد في المرتبة. قاله ابن مالك٢.
"و" فعال، بفتح أوله "نحو: غزال، و" فعال، بضم أوله "نحو: غلام، و" فعيل، بفتح أوله وكسر ثانيه. "نحو: صبي وخصي و" جليل. تقول في جمعها على فعلة. ولدة وفتية وشيخة وثيرة٣ وثنية وغزلة وغلمة وصبية وخصية وجلة. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٩٩-
وفعلة جمعا بنقل يدري
"ولعد اطراده قال أبو بكر" بن السراج٤: "هو اسم جمع لا جمع".
"و" البناء "الأول من أبنية الكثرة: فعل، بضم أوله وسكون ثانيه"، وهو أخف أوزان الكثرة لكونه ثلاثيًّا مجردًا ساكن الوسط. "وهو جمع لشيئين: أحدهما: أفعل مقابل فعلاء" بالمد "كـ: أحمر" وأبيض. "أو ممتنعة مقابلته لها"، أي لفعلاء "لمانع خلقي نحو: أكمر": لعظيم الكمرة، بفتح الكاف، وهي حشفة الذكر. "وآدر" بفتح الهمزة الممدودة والدال المهملة: لعظيم الأدرة، بضم الهمزة وسكون الدال، وهي: الخصية المنتفخة. "بخلاف نحو: آلى"، بمد الهمزة قبلها ألف مسبوقة بياء مثناة تحتانية. "تختلف الاستعمال" فإنهم قالوا في المذكر: آلى على وزن: أفعل، ولم يقولوا في المؤنث: ألياء على وزن: فعلاء.
_________________
(١) ١ غريب الحديث لابن الجوزي١/ ١٣٠. ٢ شرح الشافية الكافية ٤/ ١٨٢٦. ٣ في "ب": "سيرة". ٤ الأصول ٢/ ٤٣٢.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
"والثاني": مما يجمع على فعل "فعلاء" بفتح الفاء وسكون العين، "مقابلة أفعل كـ: حمراء" وبيضاء. "أو ممتنعة مقابلتها له" أي لأفعل "لمانع خلقي كـ: رتقاء"، بالراء المهملة والتاء المثناة فوق والقاف: من الرتق وهو انسداد الفرج باللحم. "وعفلاء"، بالعين المهملة والفاء، من العفل: بفتح العين والفاء، وهو شيء يجمع في قبل المرأة، يشبه الأدرة للرجل، "بخلاف نحو: عجزاء"، بالجيم والزاي: "للكبيرة العجز". فإن المانع من أعجز تخلف الاستعمال، فإن العرب قالوا في المؤنث: عجزاء، ولم يقولوا في المذكر: أعجز. فلا يقال: رجال ألي، ولا: نساء عجز، إلا إذا سمع فيحفظ ولا يقاس عليه. هذا مقتضى كلامه، وهو في ذلك تابع للتسهيل١. ونقل المرادي٢ وابن عقيل٣ في شرحيهما على التسهيل عن ابن مالك: أنه ذكر في غير التسهيل أن: فعلا يطرد في هذا النوع كاطراده في: أحمر وحمراء. وما ذكره من أنهم لا يقولون: امرأة ألياء. ولا: رجل أعجز، وهم على أشهر اللغات.
وقد حكي: امراة ألياء ورجل أعجز، فعلى هذا يقال: رجال ألي، ونساء ألي، ورجال عجز ونساء عجز. وتقول في نحو أبيض: بيض، بكسر الأول، تصحيحًا للعين لئلا يثقل الجمع، ووزنه فعل، بالضم، على الأصل لا: فعل بالكسر، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٩٩-
فعل لنحو أحمر وحمرا
البناء "الثاني" من أبنية الكثرة: "فعل، بضمتين"، وهو تدرج حسن لأنه لما فرغ من: فعل بالإسكان. أعقبه بفعله بالتحريك. لأنهما وزنان لم يختلفا إلا بالحركة والسكون. "وهو مطرد في شيئين".
أحدهما: "في وصف على فعول"، بفتح الفاء، "بمعنى: فاعل كـ: صبور" وصبر، "وغفور" وغفر، بخلاف: حلوب وركوب فإنهما بمعنى: مفعول.
"و" الثاني: "في اسم رباعي" في العدد، "بمدة" ألف أو ياء أو واو، "قبل لام" صحيحة، "غير معتلة مطلقًا"، من غير تقييد بحرف معين من أحرف العلة. "أو غير مضاعفة إن كانت المدة ألفا" لا غير. وما مدته ألف ثلاثة أوزان:
_________________
(١) ١ التسهيل ص٢٧١. ٢ شرح المرادي ٥/ ٤٠. ٣ شرح ابن عقيل ٢/ ٤٥٧.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
مفتوح الفاء، "نحو: قذال" للمذكر، وهو جماع مؤخر الرأس، ومعقد العذار من الفرس خلف الناصية. "وأتان"، بالمثناة الفوقانية، للمؤنث من الحمير.
"و" مكسورة الفاء "نحو: حمار" للمذكر، "وذراع" للمؤنث.
"و" مضموم الفاء نحو: "قراد" للمذكر، "وكراع" للمؤنث.
"و" ما مدته ياء "نحو: قضيب" للمذكر، "وكثيب" للمؤنث.
"و" ما مدته واو" نحو: عمود" للمذكر، "وقلوص" للمؤنث: وهي الشابة من النوق.
"و" ما مدته ياء أو واو مع التضعيف "نحو: سرير" للمذكر، "وذلول" للمؤنث.
"و" خرج بقوله: لام غير معتلة "نحو: مساء وقباء" فلا يجمعان على: فعل، "لأجل اعتلال اللام" لأنهما لو جمعا على: فعل، لزم قلب الضمة كسرة لتنقلب واو كساء ياء، ولتسلم ياء: قباء، فيصيرا على وزن: فعل، بضم الفاء وكسر العين، وهو بناء قد رفضوه لما فيه من ثقل الخروج من ضم إلى كسر.
والحق أن ذلك غالب لا لازم، فقد قال ابن يعيش ما نصه١: "وقالوا في المعتل؛ ثني وثن، والأصل: ثني بضم النون، فأبدلوا من الضمة كسرة لئلا تنقلب الياء واوًا، كما فعلوا ذلك في: أجر وأدل".
"و" خرج بقوله: غير مضاعفة إن كانت المدة ألفًا "نحو: هلال وسنان"، فلا يجمعان على: فعل، "لأجل تضعيفها" أي اللام "مع الألف"، فلا يقال في جمعهما: هلل ولا سنن، لما فيه من ثقل التضعيف مع الضم. "وشذ: عنان"، بكسر العين، لما يقاد به الفرس، وبفتحها: للمطر، وفيه تناسب الأعلى للأعلى، والأسفل للأسفل. "وعنن وحجاج"، بحاء مهملة مكسورة وجيمين: العظم المستدير حول العين، وقيل: هو الأعلى الذي ينبت عليه الحاجب. "وحجج" ووطواط، بفتح الواو وبمهملتين: الضعيف ووطط. "ويحفظ" فعل، بضمتين، "في": فعل، بفتح الفاء وكسر العين، اسمًا "نحو: نمر، و" صفة نحو: "خشن، و" في: فعيل صفة نحو: "نذير، و" في: فعيلة مطلقًا نحو: "صحيفة"، وصفة نحو: نجيبة. وفي فعل، بفتح أوله وسكون ثانيه نحو: سقف ورهن، وفي فاعل نحو: بازل وشارف. وفي: فعل، بفتحتين، نحو: نصف،
_________________
(١) ١ شرح المفصل ٥/ ٣٥.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وفي: فعال، بكسر الفاء وفتحها، صفة نحو: كنان الكاف. وصناع، بفتح الصاد، أي: حاذقة. وفي: فعلة، بفتح أوله وكسر ثانيه، نحو: فرحة. وفي: فعلة، بفتحتين، نحو: خشبة. وفي: فعل، بكسر أوله وسكون ثانيه، نحو: ستر١. وإلى: فعل، بضمتين، أشار الناظم بقوله:
٨٠٠-
وفعل لاسم رباعي بمد قد زيد قبل لام اعلالا فقد
٨٠١-
ما لم يضاعف في الأعم ذو الألف
البناء "الثالث: فعل، بضم أوله وفتح ثانيه"، ولو قدمه على: فعل، بضمتين، كان أولى لأنه أخف منه. "وهو مطرد في شيئين".
أحدهما: "في اسم على فعلة". بضم أوله وسكون ثانيه. ويستوي في ذلك صحيح اللام ومعتلها ومضاعفها. فالصحيح "كـ: قربة" وقرب، "وغرفة" وغرف. "و" المعتل اللام نحو: "مدية" ومدى وزبية وزبى. "و" المضاعف اللام نحو: "حجة" وحجج، "ومدة" ومدد.
"و" الثاني: "في الفعلى٢"، بضم الفاء، "أنثى أفعل" صفة "كـ: الكبرى" أنثى الأكبر، والوسطى أنثى: الأوسط، "والصغرى" أنثى: الأصغر. "بخلاف: حبلى"، فإنها ليست أنثى أفعل، لأنها صفة لا مذكر لها، فلا تجمع على: فعل. "وشذ" فعل "في" فعلة صفة "نحو: بهمة"، بضم الباء الموحة وسكون الهاء وهو الرجل الشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى، لشدة بأسه، والجمع: بهم. قاله في الصحاح٣. "و" فعلى مصدرًا "نحو: رؤيا". يقال: رأى في منامه رؤيا. على [وزن] ٤ فعلى، من غير تنوين، وجمع الرؤيا رؤى بالتنوين مثل رعى. قاله الجوهري٥. "و" فعلة، بفتح أوله وسكون ثانيه "نحو: نوبة" بفتح النون والباء الموحدة وقاس، عليهما الفراء. "و" فعلة، بفتح أوله وسكون ثانيه معتل اللام "نحو: قرية" وقرى. "و" فعلة، بفتح أوله وسكون ثانيه صحيح اللام "نحو: بدرة"، بفتح الموحدة، وهي: عشرة آلاف درهم، وجمعها: بدور وبدر، بكسر أوله وفتح ثانيه.
_________________
(١) ١ في "أ": "شبر". ٢ في "أ": "الأفعل". ٣ الصحاح "بهم". ٤ إضافة من "ط". ٥ الصحاح "رأى".
[ ٢ / ٥٣١ ]
ولم أقف على جمعها على فعل، بضم أوله وفتح ثانيه. فذكرها هنا فيه نظر. وفعلة، بكسر أوله وسكون ثانيه معتلا نحو: لحية ولحى. "و" فعلة، بضم أوله وسكون١ ثانيه نحو: "تخمة"، بالتاء المثناة فوق والخاء المعجمة. وإلى: فعل، بضم أوله وفتح ثانيه، أشار الناظم بقوله:
٨٠١-
وفعل جمعا لفعلة عرف
٨٠٢-
ونحو كبرى
البناء "الرابع: فعل، بكسر أوله وفتح ثانيه، وهو" جمع "لاسم" تام "على" زنة "فعلة"، بكسر أوله وسكون ثانيه، غير واحد: فعل "كـ: حجة" وحجج. وفي التنزيل: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] "وكسرة" وكسر، "وفرية"، بالفاء والياء المثناة تحت، "وهي: الكذبة" وفرى. وخرج بذكر الاسم الصفة نحو: صغرة وكبرة. وعجزة، وبالتمام نحو: عدة وزنة، فإنهما نقصا الفاء٢، وعوض منها التاء وإليه أشار الناظم بقوله:
٨٠٢-
ولفعلة فعل
"ويحفظ" فعل، باتفاق "في: فعلة" واحد فعل، بكسر الفاء وسكون العين نحو: سدرة وسدر. ولا يقال في: تبنة، واحدة التبن: تبن، حملا على: سدر. وفي المعوض من لامه تاء التأنيث، كـ: عزة وعزى، وفي: فعلة، الأجوف، بفتح أوله، "نحو حاجة" وحوج. وقامة وقوم. "و" في: فعلى مصدرًا "نحو: ذكرى" وذكر، "و" في فعلة، بفتح أوله وسكون ثانيه، صحيح الأصول نحو: "قصعة" وقصع، وجفنة وجفن. "و" في: فعلة، بكسر أوله وسكون ثانيه، صفة نحو: "ذربة"، بكسر الذال المعجمة وسكون الراء بالباء الموحدة، كما في الصحاح٣ والضياء. وصمة، بكسر الصاد المهملة، يقال في جمعهما: ذرب وصمم. والذربة: المرأة الحديد اللسان. والصمة: الرجل الشجاع.
"و" في: فعل، بكسر أوله وسكون ثانيه نحو: "هدم" بكسر الهاء وسكون الدال المهملة: الثوب الخلق جمعوه على هدم. رواه ابن سيده. وفي: فعلة بضم أوله كـ: صورة وصور. والصور، بكسر الصاد، لغة في الصور بضمها: جمع صورة. قاله في الصحاح٤.
_________________
(١) ١ في "أ": "وفتح". ٢ في "أ"، "ط": "اللام"، والتصويب من حاشية يس ٢/ ٣٠٦. ٣ الصحاح "ذرب". ٤ الصحاح "صور".
[ ٢ / ٥٣٢ ]
البناء "الخامس: فعلة، بضم أوله وفتح ثانيه، وهو مطرد في وصف لعاقل"، مذكر "على" زنة "فاعل، معتل اللام" بالياء أو الواو، "كـ: رام" ورماة. "وقاض" وقضاة. "وغاز" وغزاة. والأصل فيهن: رمية وقضية وغزوة، قلبت الياء والواو ألفين لتحريكهما وانفتاح ما قبلهما وقيل: إنها فعلة، بفتح الفاء، وأن الفتحة حولت ضمة للفرق بين معتل اللام وصحيحها. وإليه أشار الناظم بقوله:
٨٠٣-
في نحو رام ذو اضطراد فعله
فخرج بقوله: وصف نحو: وادٍ بالتذكير، ونحو: غادية. وبالعقل نحو: أسد ضار، وبوزن فاعل نحو: ظريف وبالمعتل اللام نحو: ضارب. فلا يجمع شيء من ذلك على فعلة.
وشذ في صفة على غير فاعل نحو: كمي وكماة. وفي فاعل اسما نحو: باز وبزاة، وواد ووداة. وفي فاعل صحيح اللام نحو: هادر وهدرة، بالدال المهملة، وهو الرجل الذي لا يعتد به.
البناء "السادس: فعلة، بفتحتين، وهو شائع في وصف لمذكر عاقل صحيح اللام نحو: كامل" وكملة، "وساحر" وسحرة، "وسافر" وسفرة، "وبار" وبررة. قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ﴾ [الأعراف: ١١٣] ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥، ١٦] وفي التسهيل١: بررة جمع: بر على غير القياس. وإليه أشار الناظم بقوله:
٨٠٣-
وشاع نحو كامل وكمله
فخرج بالوصف: الاسم نحو: وادٍ وباز، وبالتذكير نحو: طالق وحائض، وبالعقل نحو: سابق ولاحق، صفتي فرسين، وبصحة اللام نحو: قاض وغاز، فلا يجمع شيء من ذلك على فعلة، بفتحتين، باطراد، وشذ في غير فاعل نحو: سيد وسادة، فوزنها: فعلة. وفي بعض نسخ الصحاح٢: وزن سادة فعالة، وهو سهو. وقوله: شائع، تبع فيه النظم٣، وكان الأولى أن يعبر بمطرد لأنه لا يلزم من الشياع الاطراد.
البناء "السابع: فعلى، بفتح أوله وسكون ثانيه، وهو" جمع "لما دل على آفة"٤ من هلك أو توجع أو نقص ما "من فعيل"، حال كونه "وصفا للمفعول"، فالتوجع "كـ: جريح" وجرحى، "وأسير" وأسرى، والهلك نحو: قتيل وقتلى، وصريع وصرعى.
_________________
(١) ١ التسهيل ص٢٧٤. ٢ الصحاح "سود". ٣ انظر بيت الألفية الذي تقدم أعلاه برقم ٨٠٣. ٤ في "ب": "وأنه".
[ ٢ / ٥٣٣ ]
"وحمل عليه ستة أوزان، مما١ دل على آفة من" ذلك:
أحدها: "فعيل وصفًا للفاعل" لا للمفعول "كـ: مريض" ومرضى.
"و" الثاني: "فعل" بفتح أوله وكسر ثانيه، "كـ: زمن" وزمنى، وهذان الوصفان مما يدل على التوجع.
"و" الثالث: "فاعل كـ: هالك" وهلكى.
"و" الرابع: "فيعل" بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه، "كـ: ميت" أصله: ميوت اجتمع فه الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء لاجتماع المثلين، وهل هو فيعل، بكسر العين، أو بفتحها، وأبدلت الفتحة كسرة؟ أو: فعيل كـ: طويل؟ أقوال محكية في: سيد أشهرها أولها٢.
"و" الخامس: "أفعل كـ: أحمق" وحمقى.
"و" السادس: "فعلان كـ: سكران" وسكرى، وهذان الوصفان مما يدل على وصف ما. وندر: كيس وكيسى، وذرب وذربى، وجلد وجلدى، وإلى فعلى أشار الناظم بقوله:
٨٠٤-
فعلى لوصف كقتيل وزمن وهالك وميت به قمن
البناء "الثامن: فعلة، بكسر أوله وفتح ثانيه، وهو كثير في: فعل"، حال كونه "اسمًا، بضم الفاء" وسكون العين: ويكون صحيح اللام "نحو: قرط" وقرطة، بالقاف والراء والطاء المهملتين: ما يعلق في شحمة الأذن. "ودرج" بالجيم، ودرجة "و" أجوف نحو: "كوز" بالزاي، وكوزة. "و" مضاعفًا نحو: "دب" ودببة. "وقليل في اسم على" زنة "فعل، بفتح الفاء" وسكون العين، "نحو: غرد" بالغين المعجمة والراء: نوع من الكمأة. وهو عند الفراء بفتح الفاء، وعند غيره بكسرها. وظاهر الصحاح٣ أن غردة جمع لمكسور الفاء. "أو بكسرها نحو: قرد" وقردة بالقاف والراء. "وقل أيضًا في نحو: ذكر". بفتحتين، ضد الأنثى. وكتف "وهادر" وعلج ووقفة وخطوة. وإليه أشار الناظم بقوله:
٨٠٥-
لفعل اسمًا صح لاما فعله والوضع في فعل وفعل قلله
وخرج بقوله: صحيح اللام، نحو: ظبي ونحي ومدي، فلا يجمع شيء منها على فعلة.
_________________
(١) ١ في "أ": "ما". ٢ انظر الإنصاف ٢/ ٧٩٥، المسألة رقم ١١٥. ٣ الصحاح "غرد".
[ ٢ / ٥٣٤ ]
البناء "التاسع: فعل، بضم أوله وتشديد ثانيه، وهو" جمع "لوصف على" زنة "فاعل وفاعلة"، حال كونهما "صحيحي اللام"، سواء صحت عينهما أم اعتلت. "كـ: ضارب وصائم" ومؤنثيهما: ضاربة وصائمة،. فتقول في جمعهما: ضرب وصوم، وشمل نحو: حائض وحيض. وخرج بقيد الوصف: الاسم نحو: حاجب العين، وجائزة البيت، فلا يجمعان على: فعل. وإليه أشار الناظم بقوله:
٨٠٦-
وفعل لفاعل وفاعله وصفين
"وندر نحو: غاز" وغزى، "وعاف". بالعين المهملة والفاء، أي: سائل وعفى. لاعتلال لامهما، "كما ندر" فعل "في نحو": امرأة "خريدة". بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المهملة وسكون الياء آخر الحروف: الحيية، أي: ذات الحياءة بالحاء المهملة والياء المثناة التحتانية وقيل: العذراء. وجمعها: خرد، وقالوا: خرائد على القياس. "ونفساء" ونفس، "ورجل أعزل" ورجال عزل: إذا لم يكن معهم سلاح. وزعم الأصفهاني أن أفعل لا يجمع على فعل. ورد بالسماع، كقوله: [من الطويل]
٩٠٨-
وأبقي رجالا سادة غير عزل مصاليت أمثال الأسود الضراغم
وفارق باب أحمر، لأنه وصف غير لازم، بدليل أنه لو تناول عصًا أو سيفًا أو رمحًا. زالت عنه هذه١ الصفة.
البناء "العاشر: فعال، بضم أوله وتشديد ثانيه، وهو" جمع "لوصف" لمذكر "على" زنة "فاعل، صحيح اللام"، سواء أكانت لامه همزة أم لا "كـ: صائم" وصوام "وقائم" وقوام، "وقارئ" وقراء. "قيل: وندر" فعال "في" جمع "فاعلة، كقوله: وهو القطامي [من البسيط]
٩٠٩-
أبصارهن إلى الشباب مائلة وقد أراهن عني غير صداد
قال الموضح في الحواشي: لا أعلم أحدًا ذكر مجيئه في فاعلة للمؤنث، إلا في هذا البيت. وحكايته مشهورة بين الأصمعي وابن الأعرابي٢. "والظاهر أن الضمير"
_________________
(١) لم أقف عليه في المصادر المتاحة. ١ سقط من "ط".
(٢) البيت للقطامي في ديوانه ص٧٩، وأمالي الزجاجي ص٥٩، والأشباه والنظائر ٥/ ٥١، ولسان العرب ٣/ ٢٤٥، "صدد" والمقاصد النحوية ٤/ ٥٢١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣١٤، وشرح ابن الناظم ص٥٥١، وشرح الأشموني ٣/ ٦٨٤، وشرح ابن عقيل ٢/ ٤٦٢. ٢ في حاشية يس ٢/ ٣٠٨: "حاصلها أن الأصمعي قال بحضرة الرشيد: إن صداد جمع صادة، فخطأه ابن الأعرابي، ووجه ذلك ما قاله المصنف". وانظر أمالي الزجاجي ص٥٩.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
المؤنث "للأبصار لا للنساء" لأنه يقال: بصر صاد، كما يقال: بصر حاد. "فهو جمع صاد، لا" جمع: "صادة". لأن قياس فعال أن يكون جمع فاعل لا فاعلة. انتهى. "ولا يخفى ضعفه لما فيه من تخالف الضمائر، وعود الضمير على غير المحدث عنه. "وندر" فعال "في" فاعل "المعتل" بالواو والياء "كـ: غزاء" جمع غاز، "وسراء" جمع سار، والأصل: غزاو وسراي، قلبت الواو والياء همزة لتطرفهما إثر ألف زائدة.
البناء "الحادي عشر: فعال، بكسر أوله، وهو" يكون "جمعًا لثلاثة عشرة وزنًا:
الأول والثاني: فعل وفعلة"، بفتح الفاء وسكون العين فيهما، حال كونهما "اسمين أو وصفين"، غير يائيي الفاء والعين، فالاسم منهما "نحو: كعب" وكعاب، "وقصعة" وقصاع "و" الصفة منهما نحو: "صعب"، بمهملتين، وصعاب، "وخدلة" وخدال، بالخاء المعجمة والدال المهملة: ممتلئة الساقين والذراعين. "وندر" فعال "في جمع: فعل، "يائي الفاء نحو: يعر" بالياء المثناة تحت وبالعين والراء المهملتين: الجدي يربط في الزبية للأسد ليقع فيها، وفي المثل: "أدل من يعر"١. "أو" يائي "العين نحو: ضيف" وضياف، "وضيعة"، بالضاد المعجمة، وضياع. وإليه أشار الناظم بقوله:
٨٠٨-
فعل وفعلة فعال لهما وقل فيما عينه اليا منهما
الوزن "الثالث والرابع: فعل وفعلة"، بفتح أولهما وثانيهما، حال كونهما اسمين "غير معتلي اللام ولا مضعفيها كـ: جمل" وجمال، "وجبل" وجبال. بالجيم فيهما، "ورقبة" ورقاب "وثمرة" وثمار، فخرج نحو: فتى [فيهما] ٢ وعصا لاعتلال اللام٣، ونحو: طلل، لتضعيفها، ونحو: بطل لأنه صفة. وشذ طلال وحسان. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٠٩-
وفعل أيضا له فعال ما لم يكن في لامه اعتلال
٨١٠-
أو يك مضعفًا ومثل فعل ذو التا
الوزن "الخامس والسادس: فعل" بكسر أوله وسكون ثانيه "كـ: ذئب" وذئاب. "وبئر" وبئار "وفعل"، بضم الفاء وسكون العين "كـ: دهن" ودهان، "ورمح" ورماح. وشرط هذين الوزنين أن يكونا اسمين، احترازًا من نحو: جلف وحلو.
_________________
(١) ١ الدرة الفاخرة ١/ ٢٠٣، وجمهرة الأمثال ١/ ٤٨٥، ٤٦٩، ومجمع الأمثال ١/ ٢٨٤، والمستقصى ١/ ١٣٢. ٢ إضافة من "ط". ٣ في "ب": "لامهما".
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وشرط ثانيهما أن لا يكون واوي العين كـ: حوت، ولا يائي اللام كـ: مدي. قاله المرادي١ أخذًا من التسهيل٢. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨١٠-
وفعل مع فعل فاقبل
الوزن "السابع والثامن: فعيل؛ بمعنى فاعل؛ ومؤنثه"، صحيحي اللام، "كـ: ظريف" وظراف، "وكريم" وكرام، "وشريف" وشراف. "ومؤنثاتها"، كـ: ظريفة وظراف، وكريمة وكرام، وشريفة وشراف. بخلاف: غني وولي، ومؤنثيهما لاعتلال اللام. وبخلاف نحو: جريح، لأنه بمعنى مفعول. وقرأ الكسائي "فَجَعَلَهُمْ جِذَاذًا" [الأنبياء: ٨٥] بكسر الجيم٣. قال الفراء٤ والزجاج٥: هو جمع جذيذ مثل: ثقيل وثقال. والجذيذ بمعنى: المجذوذ. وهو المكسور. قال الواحدي في البسيط. فاقتضى هذا أن فعيلا الوصف قد يجمع على: فعال وإن كان بمعنى: مفعول. قاله الموضح في الحواشي. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨١١-
وفي فعيل وصف فاعل ورد كذاك في أنثاه أيضًا اطرد
"والخمسة الباقية" من الثلاثة عشر وزنًا؛ مما يجمع على فعال. "فعلان" بفتح الفاء. "صفة ومؤنثاه: فعلى" بالألف. "وفعلانة" بالتاء، "وفعلان"٦ بضم الفاء، "صفة وأنثاه فعلانة" بالتاء لا غير. فمفتوح الفاء "كـ: غضبان" وغضاب "وغضبى" وغضاب، "وندمان" وندام "وندمانة" وندام، "و" مضموم الفاء، نحو "خمصان" وخماص" وخمصانة" وخماص٧. وفي الحديث: "تغدو خماصًا" ٨. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨١٢-
وشاع في وصف على فعلانا أو أنثييه أو على فعلانا
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٥/ ٥٤. ٢ التسهيل ص٢٧٣. ٣ وكذلك قرأ الأعمش وابن محيصن وابن مقسم وأبو حيوة وحميد ويحيى بن وثاب. انظر الإتحاف ص٣١١، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٢٠٦، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/ ٣٩٦، والنشر ٢/ ٣٢٤. ٤ معاني القرآن ٢/ ٢٠٦. ٥ معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٩٦. ٦ سقط من "ب": "بالتاء وفعلان". ٧ سقط من "ب". ٨ في النهاية ٢/ ٨٠: "كالطير تغدو خماصا وتروح بطانًا، أي تغدو بكرة وهي جياع، وتروح عشاء وهي ممتلئة الأجواف".
[ ٢ / ٥٣٧ ]
ومثلة: [فعلانة] ١. "و" العرب "التزموا في فعيل وأنثاه إذا كان واويي العينين، صحيحي اللامين كـ: طويل وطويلة، أن لا يجمعا إلا على فعال" بخلاف غيرها فإنه لا يلزم فعالا، بل يجمع عليه وعلى غيره.
تقول: كريم وكرماء وكرام، وظريف وظرفاء وظراف، وشريف وشرفاء وشراف.
وإنما لم يشاركها نحو: طويل في ذلك لقلته.
قال في المحكم: قال ابن جني: لم يأت فعيل صفة عينه واو، وفاؤه ولامه صحيحان إلا في ثلاث كلمات: طويل وقويم وصويب، من قولهم: سهم صويب، أي: صائب. قال: وأما العويص فإنه وإن كان صفة إلا أنه صار اسمًا٢. انتهى. وإليه أشار الناظم بقوله:
٨١٣-
والزمه في نحو طويل وطويله تفي
"ويحفظ فعال٣ في" وصف على فاعل "نحو: راع" ورعاء. وفي التنزيل: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣]، وقائم وقيام.
وفي التنزيل: ﴿هُمْ قِيَامٌ﴾ ٤ [الزمر: ٦٨] . "وآمًّ". بهمزة ممدودة وميم مشددة، من أم بمعنى: قصد، وأصله: آمم كضارب. فأدغم الميم في الميم للتماثل، وجمعه: إمام، بكسر الهمزة كـ: قيام.
قيل: ومنه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] أي: قاصدين بهم. "ومؤنثاتهن" كـ: راعية ورعاء، وقائمة وقيام. وآمة وإمام.
"و" يحفظ في وصف على أفعل نحو: "أعجف" أي: هزيل وعجاف، ومؤنثه:
عجفاء وعجاف. ومنه: ﴿سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف: ٤٣] لأن مفرده: بقرة عجفاء.
وحكى الفارسي٥ وأبو حاتم: أجرب وجراب. زاد أبو حاتم: أبطح وبطاح. قاله ابن سيده في شرح إصلاح المنطق. فسقط ما قيل: إن أعجف لا ثاني له.
"و" في وصف على فعال، بتخفيف العين نحو: "جواد" بفتح الجيم وتخفيف الواو، وجياد؛ والأصل: جواد، قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ ورد قول ابن جني في لسان العرب "١/ ٥٣٧ "صوب" وتاج العروس ٣/ ٢١٦ "صوب". ٣ سقطت من "ب". ٤ في "ط": "وأنتم قيام". ٥ التكملة ص١٨٧٩.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
قال: [من الطويل]:
٩١٠-
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
"و" في وصف على فعيل نحو: "خير"، بفتح الخاء وتشديد الياء المثناة تحت المكسورة، وخيار.
"و" في وصف على فعلاء نحو: "بطحاء" وبطاح.
وفي وصف على فعلى، بضم الفاء نحو: أنثى وإناث.
"و" في اسم على فعول، بفتح الفاء نحو: "قلوص" وقلاص.
وفي: فعل، بفتح أوله وكسر ثانيه، نحو: زخل وزخال، وهو بالزاي والخاء المعجمتين: الأنثى من ولد الضأن.
وفي: فعلة، بفتح أوله وكسر ثانيه، نحو: نمرة ونمار.
وفي: فعالة، نحو: عباءة وعباء.
وفي: فعلة، بضم أوله وسكون ثانيه، نحو: برمة وبرام، ونطفة ونطاف.
وفي: فعل، بضم أوله وفتح ثانيه، كـ: ربع ورباع.
وفي: فعل بضمتين، نحو: جمد وجماد.
وفي: فعيل، نحو: فصيل وفصال.
وفي: فعل، بفتح أوله وضم ثانيه، كـ: سبع وسباع.
وفي: فعلان، بفتح الفاء وسكون العين كـ: ضبعان وضباع.
البناء "الثاني عشر" من أبنية الكثرة: "فُعُول، بضمتين، ويطرد في" ألفاظ "أربعة: إحداها: اسم على فعل"، بفتح أوله وكسر ثانيه "نحو: كبد" وكبود، "ووعل" ووعول. "وهو"، أي فعول، "فيه" أي في فعل "كاللازم". وإليه يشير قول الناظم:
٨١٤-
وبفعول فعل نحو كبد يخص غالبًا
_________________
(١) صدر البيت: سريت بهم حتى تكل مطيهم وهو لامرئ القيس في ديوانه ص٩٣، والدرر ٢/ ٤٥٤، وشرح أبيات سيبوبه ٢/ ٤٢٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٢٠، وشرح شواهد الإيضاح ص٢٢٨. وشرح شواهد المغني ١/ ٣٧٤، وشرح المفصل ٥/ ٧٩، والكتاب ٣/ ٢٧، ٦٢٦، ولسان العرب ١٥/ ٢٨٤ "مطا"، ومغني اللبيب ١/ ١٢٧، ١٣٠، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٦٧، وجواهر الأدب ص٤٠٤، ورصف المباني ٥/ ١٨١، وشرح المفصل ٨/ ١٩، ولسان العرب ١٥/ ١٢٤ "غزا" والمقتضب ٢/ ٧٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٦.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
ومن غير الغالب: نمر ونمار. "وجاء في نحو١: نمر نمور على القياس. ونمر"، بضمتين على غير القياس، "قال" حكيم بن معية الربعي: [من الرجز]
٩١١-
فيها عياييل أسود ونمر
أنشده سيبويه٢. فقال ابن الضائع: أراد: نمر، بسكون الميم، ثم نقل أو أتبع. "و" قال غيره: "قد يكون مقصورًا"، أي مختصرًا "من نمور" فحذفت الواو "للضرورة وقالوا أيضًا" في جمعه: "أنمار" على غير القايس. فتحصل في جمعه أربعة أوزان: واحد قياسي وهو: نمور، وثلاثة على غير القياس وهي: نمار وأنمار ونمر. والعياييل جمع: عيل واحد العيال. قاله الصغاني.
"والثلاثة الباقية" من الأربعة المطرد فيها فعول: "الاسم الثلاثي الساكن العين" حال كونه "مفتوح الفاء"، ليس عينه واوًا "نحو: كعب" وكعوب، "وفلس" وفلوس، وخرج عنه [نحو] ٣: حوض، فلا ينقاس فيه: فعول. وشذ في فوج: فووج. وهم الجماعة من الناس. "ومكسورها نحو: حمل"، بالحاء المهملة، وحمول، "وضرس" وضروس، "ومضمومها نحو: جند"، وجنود، "وبرد" وبرود، وإليه أشار الناظم بقوله:
٨١٤-
كذاك يطرد
٨١٥-
في فعل اسما مطلق الفا
"إلا في ثلاثة" من مضموم الفاء لم يطرد فيها فعول:
"أحدها: معتل العين كـ: حوت"، فإن جمعه: حيتان.
"والثاني: معتل اللام كـ: مدي" فإن جمعه: أمداء. قال سيبويه٤: لا يكسر
_________________
(١) ١ سقط من "ب".
(٢) الرجز لحكيم بن معية الربعي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٩٧، ولسان العرب ٥/ ٢٣٤، "نمر"، ١١/ ٤٨٩ "عيل"، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨٦، وتاج العروس ١٤/ ٢٩٣، "نمر"، "عيل"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣١٦، ٣٧٦، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٣٢، وشرح الأشموني ٣/ ٨٢٩، وشرح شواهد الشافية ص٣٧٦، وشرح المفصل ٥/ ١٨، ١٠/ ٩٢، والكتاب ٣/ ٥٧٤، والمقتضب ٢/ ٢٠٣، والممتع في التصريف ١/ ٣٤٤، والمخصص ١١/ ٧. ٢ الكتاب ٢/ ٥٧٤. ٣ إضافة من "ط". ٤ الكتاب ٣/ ٥٧٧.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
على غير ذلك. قال في المحكم: المدي من المكاييل معروف. قال ابن الأعرابي: هو مكيال ضخم لأهل الشام وأهل مصر، والجمع: أمداء، وقال الجوهري١: هو القفيز الشامي، وهو غير المد.
"وشذن في" جمع: "نؤي" بنون مضمومة بعدها همزة ساكنة: "نئي"، بضم النون وكسر الهمزة وتشديد الياء. "قال" الشاعر: [من الوافر] .
٩١٢-
خلت إلا أياصر أو نئيا محافرها كأشربة الإضين
وإلا: حرف استثناء وأياصر: منصوب على الاستثناء، وهو بالياء المثناة التحتانية والصاد المهملة، جمع: أيصر: حبل قصير يشد في أسفل الخباء إلى وتد. والنئي، بضم النون وكسر الهمزة وتشديد الياء، جمع نؤي، وهو حفيرة تجعل حول الخباء، لئلا يدخله ماء المطر. وأصل الجمع: نووي، على زنة٢ فعول اجتمع فيه الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون. قلبت الواو ياء والضمة كسرة لتسلم الياء، ثم أدغمت إحدى الياءين في الأخرى لتماثلهما، فصار نؤيا، ويقال فيه أيضًا: نئي، بكسرتين إتباعًا لكسرة الهمزة، وآنآء ويقدمون الهمزة ثم يقولون: آناء على القلب، مثل: أبآر وآبار.
والإضين، بكسر الهمزة جمع: أضاءة وهي الغدير.
والمستثنى "الثالث" من فعل، بضم العين٣، "المضاعف"، فإنه لا يجمع على فعول "كـ: مد"، بضم الميم، لمكيال، فإنه يجمع على: أمداء.
"وشذ في" جمع "خص، بالحاء المهملة" المضمومة والصاد المهملة، "وهو: الورس" كما قال الجوهري٤. وقال غيره٥: الزعفران. قال عمرو بن كلثوم: [من الوافر] .
٩١٣-
مشعشعة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها سخينا
_________________
(١) ١ الصحاح "مدى".
(٢) البيت للطرماح في ديوانه ص٥٢١، وأساس البلاغة "نأي"، ولسان العرب ١٤/ ٣٨ "أضا" وفيه القافية "الإضينا"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣١٨. ٢ في "ب": "وزن". ٣ في "ط": "الفاء". ٤ الصحاح "حصحص". ٥ لسان العرب ٧/ ١٥ "حصحص".
(٣) البيت لعمرو بن كلثوم في ديوانه ص٦٤، ولسان العرب ٢/ ٥٣١، "طلح"، ٧/ ١٥، "حصحص"، ١٣/ ٢٠٥ "سخن"، وكتاب العين ١/ ٧١، والمخصص ٣/ ٢، ١٥/ ٦٠، والأغاني ١١/ ٤٥، وجمهرة أشعار العرب ١/ ٣٨٩، وخزانة الأدب ٣/ ١٧٨، والخصائص ١/ ٢٨٩، ٢/ ٣٦٠، وشرح ديوان امرئ القيس ٣٢٠، وشرح الحماسة للمرزوقي ١/ ١٨٨، وشرح القصائد السبع ص٣٧٢، وشرح القصائد العشر ص٣١٢، وشرح المعلقات السبع ص١٦٥، وشرح المعلقات العشر ص٨٨، وشعراء النصرانية ص٤٥٥، وللتغلبي في تاج العروس ٦/ ٥٨٢ "طلح" ومقاييس اللغة ٢/ ١٣، ٣/ ١٦٨، وديوان الأدب ٤/ ٩٢، وبلا نسبة في أساس البلاغة "حصص".
[ ٢ / ٥٤١ ]
"خصوص": فاعل شذ. "ويحفظ" فعول "في: فعل" بفتحتين، اسمًا "كـ: أسد، و" أسود، "وشجن"، بالشين المعجمة والجيم: الحاجة حيث كانت، والجمع: شجون.
والشجن أيضًا: الحزن، والجمع: أشجان "وندب"، بفتح النون والدال المهملة وبالباء الموحدة: الخطر، وأثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، والجمع: ندوب. "وذكر" بفتحتين، مقابل أنثى، والجمع: ذكور، وطلل وطلول.
البناء "الثالث عشر: فعلان، بكسر أوله وسكون ثانيه. ويطرد أيضًا في ألفاظ "أربعة:
اسم على فعال": بضم الفاء "كـ: غلام" وغلمان، "وغراب" وغربان.
"أو على: فعل" بضم أوله وفتح ثانيه "كـ: صرد" لطائر. وصردان، "وجرذ" بالجيم والراء والذال [المعجمة] ١: نوع من الفئران، والجمع: جرذان.
"أو: فعل" بضم أوله وسكون ثانيه؛ حال كونه "واوي العين، كـ: حوت" وحيتان، "وكوز" وكيزان، بالزي.
"أو" على: "فعل"، بفتحتين. "كـ: تاج"، بالجيم وتيجان، "وساج" وسيجان، "وخال" وخيلان: وهي النقط المخالفة لبقية لون البدن. "وجار" وجيران، "ونار" ونيران. "وقاع" وقيعان.
والألف في الجميع منقلبة عن واو، إلا في: خال، فإنها منقلبة عن ياء. والخال: أخو الأم، ألفه منقلبة عن واو، وجمعه: أخوال.
"وقل" فعلان "في": فعل، بكسر أوله وسكون ثانيه، "نحو": حسل وحسلان٢، وخرص وخرصان، وخشف وخشفان، وخيط وخيطان٣، ورئد ورئدان٤،
_________________
(١) ١ إضافة من "ط". ٢ في "ب": "حمل وحملان". ٣ في "أ": "خبط وخبطان"، والتصويب من "ط" لأنه يناسب ما سيشرحه الأزهري. ٤ في "أ": "زند وزندان"، وفي "ب": "زيد وزيدان"، والتصويب من "ط" لأنه يناسب ما سيشرحه الأزهري.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وشقد وشقدان، وشيح وشيحان١، و"صنو" وصنوان، وقنو وقنوان.
هذه تسعة ألفاظ ذكرها ابن جني، ونظمها ابن مالك في بيتين فقال: [من البسيط]
للحسل والخرص في التكسير فعلان وهكذا قل خشفان وخيطان٢
رئد وشقد وشيح هكذا جمعت ومثل ذلك صنوان وقنوان٣
الحسل: ولد الضب، والخرص: سنان الرمح، والخشف، الغزال، والخيط٤ قطيع النعام، والرئد: المثل وأيضًا: فرخ٥ الشجرة، وقيل ما لانَ من أغصانها، والشقد: ولد الحرباء، والشيح: نبت، والصنو والقنو: مثلان.
"و" في: فعل، بفتحتين، نحو: "خرب"، بفتح الخاء المعجمة والراء: ذكر الحبارى سمي بذلك لسكونه في الخراب، وجمعه: خربان، بكسر الخاء. قاله في الضياء.
"و" في: فعال بفتح أوله، نحو: "غزال" وغزلان.
"و" في فعال. بكسر أوله، نحو: "صوار" بكسر الصاد المهملة، وحكي ضمها، وهو القطيع من بقر الوحش، وجمعه: صيران، بقلب الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
"و" في فاعل نحو: "حائط" وحيطان.
"و" في فعيل نحو: "ظليم"، بفتح الظاء المشالة: ذكر النعام. وجمعه: ظلمان بكسر الظاء وضمها.
"و" في: فعول نحو: "خروف" وخرفان.
وفي فعلة، بكسر أوله وسكون ثانيه، نحو: نسوة ونسوان.
وفي وصف على: فعل نحو: ضيف وضيفان.
أو على: فعال نحو: شجاع وشجعان.
_________________
(١) ١ في "أ": "شيخ وشيخان"، وفي "ب": "سيج وسيجان"، والتصويب من "ط": لأنه يناسب ما سيشرحه الأزهري. ٢ في "أ": "خبطان"، والتصويب من "ط" لأنه يناسب ما سيشرحه الأزهري. ٣ في "أ": "زند، شيخ"، وفي "ب": "زيد، سيج" مكان "رئد، شيح"، والتصويب من "ط" لأنه يناسب ما سيشرحه الأزهري. ٤ في "أ": "الخبط". ٥ في "ط": "فرع".
[ ٢ / ٥٤٣ ]
البناء "الرابع عشر: فعلان، بضم أوله وسكون ثانيه، ويكثر في" ألفاظ "ثلاثة":
"في اسم على فعل"، بفتح أوله وسكون ثانيه، "كـ: ظهر"، بالمشالة وظهران، "وبطن" وبطنان.
"أو: فعل"، بفتحتين، حال كونه "صحيح العين، كـ: ذكر" وذكران، "وجذع" للثني من المعز، وجذعان.
قال الموضح في الحوشي: هذا مثال أبي حيان، وهو خطأ لأن جذع صفة لا اسم.
انتهى. وهذا الاعتراض بالنظر إلى الوصف الأصلي لا باعتبار الاسمية.
"أو" على "فعيل كـ: قضيب" وقضبان، "ورغيف" ورغفان، و"كثيب" وكثبان.
"وقل" فعلان، بضم الفاء، "في" فاعل "نحو: راكب" وركبان، وراجل ورجلان، ويجمع راجل على رجل كـ: صحب، ورجالة ورجال.
"وفي": أفعل نحو: "أسود" وسودان وأحمر وحمران.
وزعم الفراء أن سودان وحمران جمع: سود وحمر فهو جمع الجمع، لا جمع المفرد. ورد بأن فعلاء صفة لا تجمع على فعلان.
وفي: فعال، بضم الفاء كـ: حوارن بالحاء المهملة، وحوران، والكثير: حيران، وزقاق، بزاي وقافين، وهو السكة، "وزقان"، بإدغام عينه في لامه لزوال المانع من التقاء المثلين.
وعبر عن المقيس بالكثير وعن المحفوظ بالقليل، ولم يخالف التسهيل١. إلا في: جذع، فإنه جعله من قسم المحفوظ بناء على أنه صفة.
البناء "الخامس عشر: فعلاء، بضم أوله وفتح ثانيه. ويطرد في: فعيل" وصفًا: لمذكر عاقل. "بعمنى فاعل"، أو بمعنى مفعل، أو مفاعل، حال كونه "غيب مضاعف، ولا معتل اللام".
فالأول "كـ: ظريف" وظرفاء، وكريم" وكرماء، "وبخيل" وبخلاء. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨١٨-
ولكريم وبخيل فعلا كذا لما ضاهاهما قد جعلا
_________________
(١) ١ التسهيل ص٢٧٦.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
ويستثنى من ذلك: صغير وصبيح وسمين فقط، فإنهم استغنوا فيهن بفعال. قال سيبويه١: ولا يقول: صغراء ولا صبحاء ولا سمناء.
والثاني كـ: سميع بمعنى مسمع، وأليم بمعنى مؤلم. فإنه يقال في جمعهما: سمعاء وألماء. قاله ابن مالك٢. وشوحح فيهما.
والثالث: نحو: جليس وخليط، بمعنى: مجالس ومخالط، فإنه يقال في جمعهما: جلساء وخلطاء، وشذ: أسير وأسراء، وقتيل وقتلاء. لأنهما بمعنى مفعول.
"وكثر" فعلاء "في فاعل دالا على معنى" غير مكتسب "كالغريزة"، بالغين المعجمة والراء والزاي، وهو الطبيعة التي طبع الإنسان عليها. "كـ: عاقل" وعقلاء، "وصالح" وصلحاء، "وشاعر" وشعراء. فإن العقل والصلاح والشعر من الأوصاف الشبيهة بالأوصاف الغريزية٣ كـ: الكرم والبخل، من جهة أن كلا منهما غير مكتسب. "وشذ فعلاء في نحو: جبان" وجبناء، وخليفة" وخلفاء٤. قال سيبويه٥: وقولهم: خلفاء محمول في المعنى على خليف، لأنه لا يقع إلا على مذكر، والتاء لا تثبت في تكسيره. وقال أبو علي٦: جمع خليفة: خلائف. على حد: كرائم أموالهم٧؛ جمع: كريمة.
"وسمح" بسين مهملة مفتوحة وميم ساكنة وفي آخره حاء مهملة: الكريم، وجمعه: سمحاء، لا بالخاء المعجمة، خلافًا لأبي حيان٨. "وودود" وودداء، ورسول ورسلاء، لأنها ليست على فعيل ولا على فاعل.
البناء "السادس عشر: أفعلاء، بكسر ثانيه٩، وهو نائب عن فعلاء في المضعف" من فعيل بمعنى فاعل "كـ: شديد" وأشداء، و"عزيز" وأعزاء.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٣٦٣. ٢ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٨٦٠-١٨٦١. ٣ في "ب": "العزيزي". ٤ سقط من "ب". ٥ الكتاب ٣/ ٣٣٦. ٦ التكملة ص١٨٥. ٧ أخرجه البخاري في الزكاة برقم ١٤٢٥: "فإياك وكرائم أموالهم" وشرحه في النهاية ٤/ ٦٧ بقوله: "أي نفائسها التي تتعلق بها نفس مالكها ويختصها لها، حيث هي جامعة للكمال الممكن في حقها". ٨ الارتشاف ١/ ٢٠٦. ٩ في "ط": "ثالثة".
[ ٢ / ٥٤٥ ]
"وفي المعتل" اللام من: فعيل بمعنى فاعل "كـ: ولي" وأولياء، و"غني" وأغنياء، وإنما ناب أفعلاء عن فعلاء في المعتل اللام والمضعف، لأنهم لو قالوا في: غني: غنياء، لتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله، فينقلب ألفا، فيلتقي ألفان فتحذف إحدى الألفين، فتختل الكلمة. كذا قالوا. وفيه نظر لأن حرف العلة بعده ألف فلا يعل لأجلها. ولو قالوا: شدداء التقى حرفا التضعيف لزوال الفاصل ولا يمكن الإدغام لأن فعلاء وزن خاص بالاسم فلا يدغم. وشذ: تقي وتقواء، وسخي وسخواء.
"وشذ" أفعلاء "في" غير المضعف والمعتل، "نحو: نصيب" وأنصباء "وصديق" وأصدقاء، "وهين" وأهوناء. وأما ظنين وأظناء فشاذ، وإن كان مضاعفًا١، لأنه بالظاء المشالة، بمعنى متهم. فهو صفة بمعنى مفعول لا بمعنى فاعل. وبالطاء المهملة: اسم لا صفة. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨١٩-
وناب عنه أفعلاء في المعل لاما ومضعف وغير ذاك قل
البناء "السابع عشر: فواعل، ويطرد في" ألفاظ "سبعة" ثانيها ألف زائدة، أو واو غير ملحقة بخماسي.
وذلك "في: فاعلة اسمًا" كانت "أو صفة كـ: ﴿سَبْعَة﴾ ثانيها ألف زائدة أو واو غير ملحقة بخماسي.
وذلك "في: فاعلة اسمًا" كانت "أو صفة كـ: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] فـ: ناصبة: اسم، وكاذبة خاطئة: صفة، فيقال في جمعها: نواص٢. وكواذب، وخواطئ.
"وفي اسم على فوعل كـ: جوهر"، "وكوثر" وكواثر.
"أو" اسم "على: فوعلة، كـ: صومعة" وصوامع، "وزوبعة" وزوابع، والصومعة: بيت النصارى. قاله في القاموس٣. والزوبعة، بالزاي والباء الموحدة المفتوحتين: رئيس من رؤساء الجن. ومنه يسمى الإعصار زوبعة، وهي: ريح تثير٤ الغبار ويرتفع إلى السماء كأنه عمود. قاله في الصحاح٥.
"أو" اسم "على فاعل، بالفتح" في العين "كـ: خاتم"، على إحدى اللغتين، وخواتم. "وقالب"، على لغة الفتح، وقوالب، وطابع كذلك، وطوابع.
_________________
(١) ١ في "ب": "مضعفًا". ٢ في "ب": "نواصي". ٣ القاموس المحيط "صمع". ٤ في "أ": "يشير" بتذكير الفعل مع أن الريح مؤنثة، وفي "ب": "تنثر". ٥ الصحاح "زبع".
[ ٢ / ٥٤٦ ]
"أو" اسم "على فاعلاء، بالكسر" في عينه وبالمد "نحو: قاصعاء" وقواصع، "وراهطاء" ورواهط. ونافقاء ونوافق. والثلاثة أسماء لجحرة١ اليربوع. فالراهطاء، بالراء والطاء المهملتين: هي التي يخرج منها التراب ويجمعه، والقاصعاء، بالقاف والصاد والعين المهملتين: حفر يحفرها ثم يأتي بالتراب الذي أخرجه من الراهطاء فيسد به فم الجحر لئلا يدخل عليه. والنافقاء بالنون والفاء والقاف: حفرة يكتمها ويظهر غيرها. وهو موضع يربعه، فإذا أتي من قبل القاصعاء، ضرب النافقاء برأسه فخرج.
"أو" اسم على "فاعل"، بكسر العين "كـ: جائز" وجوائز، وهو بالجيم والزاي: الخشبة المعترضة بين الحائطين، ومنه جائزة الطاحون. وقيل الخشبة٢ التي يحمل عليها خشب البيت. "وكاهل": وهو مجمع الكتفين، وكواهل. "وفي وصف على فاعل" بكسر العين "لمؤنث" لا تدخله تاء الفرق "كـ: حائض" وحوائض "وطالق" وطوالق.
"أو" وصف على فاعل "لغير عاقل" من المذكر "كـ: صاهل" صفة فرس، وصواهل، "وشاهق" صفة مكان، وشواهق، وطالع صفة نجم، وطوالع. "وشذ" فواعل من وصف على فاعل لمذكر عاقل.
فمن ذلك قولهم: "فوارس" في جمع فارس، "ونواكس" في جمع ناكس. قال الفرزدق: [من الكامل]
٩١٤-
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار
"و" في جمع: سابق صفة لمذكر "سوابق، و" في جمع هالك "هوالك". قال: [من الطويل]
٩١٥-
وأيقنت أني عند ذلك ثائر غداتئذ أو هالك في الهوالك
_________________
(١) ١ في "ط": "لجحر". ٢ في "ب": "الخشب الذي".
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٣٠٤، والاقتضاب ص١٥١، وجمهرة اللغة ص٦٠٧، وخزانة الأدب ١/ ٢٠٦، ٢٠٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٦٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٣٩، وشرح شواهد الشافية ص١٤٢، وشرح المفصل ٥/ ٥٦، والكتاب ٣/ ٦٣٣، واللسان ٦/ ٢٤١ "نكس"، ٨/ ٧٤، "خضع"، والمتقضب ١/ ١٢١، ٢/ ٢١٩.
(٣) البيت لابن جذل الطعان في لسان العرب ١٠/ ٥٠٤ "هلك" وتاج العروس "هلك" وبلا نسبة في شرح المفصل ٥/ ٥٦.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وزعم بعضهم أن ذلك كله غير شاذ وأنه جمع لفاعلة، وكأنه قيل: طائفة هالكة، وطوائف هوالك. وكذا الباقي، نقله الموضح في الحواشي وأقره.
وقال ابن الحاجب في شرح المفضل: "أما فوارس، فالذي حسنه انتفاء الشركة بينه وبين المؤنث لأنهم١ لا يقولون: امرأة فارسة. وأما هوالك فجاء في١ مثل: هالك في الهوالك١. والأمثال كثيرًا ما تخرج عن القياس. وأما "نواكس" فضرورة.
وخرج بقولنا: ثانيها ألف زائدة نحو: آدم، فإن ألفه غير زائدة، فيقال في جمعه: أوادم، بزنة: أفاعل لا فواعل.
وبقولنا: أو واو غير ملحقة بخماسي نحو: فدوكس، فإنه ملحق بسفرجل، فيقال في جمعه: فداكس بزنة فعالل لا فواعل. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٢٠-
فواعل لفواعل وفاعل وفاعلاء مع نحو كاهل
٨٢١-
وحائض وصاهل وفاعله وشذ في الفارس مع ما ماثله
البناء "الثامن عشر: فعائل. ويطرد٢ في كل رباعي مؤنث ثالثه مدة سواء" كانت المدة ألفا أو ياء أو واوًا، وسواء كان اسمًا أو صفة. وسواء "كان تأنيثه بالتاء كـ: سحابة" وسحائب. "وصحيفة" وصحائف، و"حلوبة" وحلائب، ورسالة ورسائل، ذؤابة وذوائب، وظريفة وظرائف.
"أو" كان تأنيثه "بالمعنى كـ: شمال" بكسر الشين، مقابل يمين، وبفتحها: ريح تهب من ناحية القطب، وجمعها: شمائل. قال الله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ [المعارج: ٣٧] . وحكى اللحياني في جمع أسماء الريح: شمالا وشمائل. وعقاب وعقائب "وعجوز" وعجائز، "وسعيد؛ علم امرأة" وسعائد.
وشذ: دليل ودلائل. أو كان تأنيثه بالألف المقصورة كـ: حبارى وحبائر. أو بالممدودة جلولاء، وجلائل. بالجيم: قرية بناحية فارس. وشذ: ضرة وضرائر، وكنة وكنائن، وظنة وظنائن، وحرة وحرائر. لأنهن ثلاثيات. وإليه أشار الناظم بقوله:
٨٢-
وبفعائل اجمعن فعاله وشبهه ذا تاء أو مزاله
البناء "التاسع عشر: فعالي، بفتح أوله وكسر رابعه، ويطرد في" ألفاظ "سبعة":
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ في "ب": "يرد".
[ ٢ / ٥٤٨ ]
أحدها: "فعلاة"، بفتح أوله وسكون ثانيه "كـ: موماة": وهي الفلاة الواسعة التي لا نبات فيها، وجمعها موام١. قاله صاحب الضياء.
"و" الثاني: "فعلاة"، بكسر أوله وسكون ثانيه "كـ: سعلاة" بالسين والعين المهملتين؛ أخت٢ الغيلان. وجمعها: سعال٣. قال: [من الرجز]
٩١٦-
عجائزا مثل السعالي خمسا
"و" الثالث: "فعلية"، بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه "كـ: هبرية" بالباء الموحدة والراء والياء المثناة التحتانية مخففة: وهي ما يتعلق بأصول الشعر مثل نخالة الطحين. وقيل: ما تطاير من دقائق القطن. وجمعها: هبار٤.
"و" الرابع: "فعلوة"، بفتح أوله، وسكون ثانيه وضم ثالثه وفتح رابعه، "كـ: عرقوة" بالعين والراء المهملتين والقاف: وهي الخشبة المعترضة على رأس الدلو. وجمعها عراق٥.
"و"الخامس: "ما حذف أول زائديه من نحو: حبنطى"، بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وسكون النون وفتح الطاء المهملة: وهو العظيم البطن. وزيد فيه النون والألف ليلتحق٦ بسفرجل فإذا حذف أول زائديه وهو النون، قيل في جمعه: حباط٧، "وقلنسوة"، بفتح القاف واللام وسكون النون وضم السين المهملة وفتح الواو: ما يلبس على الرأس. وزيد فيه النون والواو ليلتحق٦ بـ: قمحدوة، فإذا حذف أول زائديه وهو النون قيل في جمعه: قلاس. واحترز بحذف أول زائديه من حذف ثانيهما، فإنه يقال: في جمعهما: حبائط وقلانس على [زنة] ٨ فعالل.
_________________
(١) ١ في "ب": "موامي". ٢ في "ب": "أخبث" وهذا يوافق ما جاء في لسان العرب ١١/ ٣٣٦ "سعل" وفي حاشية يس ٢/ ٣١٣-٣١٤ "المراد: أخوتها للغيلان في كونهما نوعين من الجن كما يدل عليه كلام القزويني في عجائب المخلوقات".
(٢) تقدم تخريج الرجز برقم ٧٩٥. ٣ في "ط": "سعالي". ٤ في "ب": "هباري". ٥ في "ب": "عراقي". ٦ في "ط": "ليلحق". ٧ في "ب": "حباطي". ٨ إضافة من "ط".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
"و" السادس: "فعلاء" بفتح أوله وسكون ثانيه. "اسمًا" كانت "كـ: صحراء" وصحار١، "أو صفة مذكر لها كـ: عذراء" وهي البكر، وعذار.
"و" السابع: "ذو الألف المقصورة لتأنيث، كـ: حبلى" وحبال، "أو إلحاق، كـ: ذفرى"، بكسر الذال المعجمة وسكون الفاء وفتح الراء المهملة: وهو الموضع الذي يعرق من قفا البعير خلف الأذن، وألفه للإلحاق بدرهم، وهجرع، والجمع: ذفار٢، وعلقى وعلاق٣.
"تمام العشرين" من أبنية الكثرة: "فَعَالَى، بفتح أوله ورابعه، ويشاركه الفعالِي: بالكسر" في رابعه "في صحراء وما ذكر بعده" من نحو: عذراء٣، وحبلى، وذفرى، فتقول في جمعها: صحارى وصحار٢، وعذارى وعذار٢، وحبالى وحبال٢، وذفارى وذفار٢، وعلاقى وعلاق٢، بالفتح والكسر في الجميع، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٢٣-
وبالفعالي والفعالى جمعا صحراء والعذراء والقيس اتبعا
وينفرد فعالي بالكسر، عن فعالى بالفتح، بما ذكر قبل صحراء، "وليس لفعالى" بالفتح، "وما ينفرد به عن الفعالي" بالكسر "إلا وصف" على فعلان، أو فعلى، بفتح أولهما نحو: سكران وسكرى، وغضبان وغضبى، فتقول في جمعهما: سكارى وغضابى بالفتح. ولا تقول: سكار وغضاب بالكسر، ويترجح في هذين الوصفين: فعالى، بضم الفاء وفتح اللام نحو: كسالى على فعالى، بفتحهما.
ويحفظ فعالى، بفتح الفاء واللام، في نحو: حبط وحباطى، ويتيم ويتامى، وأيم وأيامى، وطاهر؛ بنات بني عون؛ وطهارى، ومهرى ومهارى، وشاة رئيس، إذا أصيب رأسها؛ ورآسى.
ويحفظ فعالى، بالضم، في نحو: قديم وقدامى، وأسير وأسارى.
والحاصل أن هذه الأوزان بالنسبة إلى فعالى، بالضم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما فعالى بالضم أرجح فيه من فعالى بالفتح وهو شيئان: فعلان وفعلى، وصفين.
_________________
(١) ١ في "ب": "صحاري". ٢ جميع الكلمات في "ب": بزيادة ياء في آخرها. ٣ في "ب": "عذرى".
[ ٢ / ٥٥٠ ]
والثاني: ما فعالى، بالضم فيه لازم وهو: قديم وأسير.
والثالث: ما فعالى فيه ممتنع، وهو: يتيم وحبط١ وأيم وطار ومهرى٢، ورئيس بمعنى مرءوس.
"الحادي والعشرون: فعالي، بالفتح" في الفاء "والتشديد" في الياء. "ويطرد" فعالي "في كل ثلاثي" ساكن العين "آخره ياء مشددة" زائدة على الثلاثة "غير متجددة للنسب كـ: بختي" بضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة، وبخاتي، "وكرسي" وكراسي، "وقمري"، بضم القاف، وقماري "بخلاف نحو": عربي وعجمي، لأنهما محركا العين. ونحو: "مصري وبصري"، لأن ياءهما متجددة للنسب. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٢٤-
واجعل فعالي لغير ذي نسب جدد
وشذ: قبطي وقباطي، نسبة إلى قبط، وفي الصحاح٣: القبط: أهل مصر، ورجل قبطي، والقبطية: ثياب بيض رقاق من كتان والجمع: قباطي. وفي الصحاح٤ أيضًا: البخت من الإبل معرب، وبعضهم يقول: [هو] ٥ عربي، وينشد لابن قيس الرقيات [من الخفيف] .
٩١٧-
يهب الخيل والألوف ويسقي لبن البخت في قصاع الخلنج
الواحد: بختي، والأنثى، بختية والجمع: بخاتي، غير منصرف لأنه بزنة جمع الجمع، ولك تخفيف الياء، فتقول: البخاتي.
قال الموضح: فالياء في البخاتي: متجددة للنسب، وليس بختي وبخاتي كـ: قمري وقماري، ألا ترى أن الياء في قمري ليست للنسب إلى: قمر، ولكنها في بختي للنسب إلى بخت، وبختي [وبخت] ٦ كتركي وترك، فكما لا يقال في تركي تراكي،
_________________
(١) ١ في "ب": "حبطي". ٢ في "ب": "مهر". ٣ الصحاح "قبط". ٤ الصحاح "بخت". ٥ إضافة من "ب"، "ط".
(٢) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات في ديوانه ص١٨١، واللسان ٢/ ٩، "بخت"، ٢٦١، "خلنج"، والتنبيه والإيضاح ١/ ١٥٦، وتاج العروس ٤/ ٤٣٧ "بخت"، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص٢٥٢. ٦ إضافة من "ب"، "ط".
[ ٢ / ٥٥١ ]
[كذا] ١ كان القياس أن لا يقال في بختي بخاتي. انتهى.
وقد تكون الياء في الأصل للنسب الحقيقي ثم يكثر استعمال ما هي فيه حتى يصير النسب نسيًا٢ منسيًّا، أو كالمنسي، فيعامل الاسم معاملة ما٢ ليس منسوبًا كقولهم: مهري ومهاري، وأصل المهري: بعير٣ منسوب إلى مهرة، قبيلة من قبائل اليمن. ثم كثر استعماله حتى صار اسمًا للنجيب من الإبل. قاله المرادي٤. وبه تندفع مشبهة الموضح.
ويحفظ فعالي في: إنسان وظربان، فإنهم قالوا في جمعهما: أناسي وظرابي. ولما كان أناسي يتبادر إلى الفهم أنه جمع إنسي، حتى قال به بعضهم، أشار إلى جوابه بقوله. "وأما أناسي فجمع إنسان، لا" جمعه "إنسي"، لأن إنسيًّا، آخره ياء النسب.
وتقدم أن ما ختم بياء النسب لا يجمع على فعالي، "و" أناسي "أصله أناسين، فأبدلوا النون ياء" وأدغموا٥ الياء المبدلة من ألف إنسان فيها. "كما قالوا: ظربان وظرابي"، وأصله: ظرابين٦، فأبدلوا النون ياء بدليل أن العرب نطقت بذلك على الأصل، فقالت: أناسين وظرابين، وبهذا يتبين أن إبدال النون ياء فيهما ليس بلازم كما توهم ابن عصفور٧.
ولو كان أناسي جمع إنسي، لقيل في جمع: جني جناني٨، وفي جمع: تركي تراكي. قاله ابن مالك في شرح الكافية٩. زاد ابنه١٠: وهذا لا يقول به أحد. انتهى.
والظربان؛ بفتح الظاء المشالة وكسر الراء المهملة وبالباء الموحدة؛ قال الجوهري١١:
"دويبة كالهرة منتنة الريح. تزعم العرب أنها تفسو في ثوب أحدهم إذا صادها فلا تذهب رائحته حتى يبلى الثوب"١٢.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب". ٢ سقط من "ب". ٣ في "أ"، "ب": "بغير". ٤ شرح المرادي ٥/ ٧١. ٥ في "ب": "وأبدلوا". ٦ في "ب": "ضربان وضرابي وأصله ضرابين". ٧ الممتع في التصريف ٢/ ٣٧٢. ٨ في "أ": "خني خناني". ٩ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٨٧٠. ١٠ شرح ابن الناظم ص٥٥٦. ١١ الصحاح "ظرب". ١٢ في "ب": "تبلى".
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وقال في المحكم: الظربان، دويبة تشبه الكلب، أصلم الأذنين، طويل الخرطوم، أسود الرأس، أبيض الجسم، منتن الريح، كثير الفسو. انتهى.
البناء "الثاني والعشرون: فعالل. ويطرد في" أنواع "أربعة وهي: الرباعي والخماسي، مجردين ومزيدًا فيهما:
فالأول": الرباعي المجرد، ويكون مفتوح الفاء واللام الأولى ومضمومهما ومكسورهما. فالمفتوح "كـ: جعفر" وهو النهر الصغير، وجمعه: جعافر. "و" المكسور نحو: "زبرج"، بالزاي والباء الموحدة والراء والجيم، وهو من أسماء الذهب، والسحاب الرقيق الذي فيه حمرة، وجمعه: زبارج. والمضموم نحو: برثن١، بالباء الموحدة والراء المهملة والثاء٢ المثناة٣ فوق، وهو مخالب٤ الضبع كالأصابع للإنسان، وجمعه: براثن٥.
"والثاني": الخماسي المجرد٦ "كـ: سفرجل وجحمرش" بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الميم وكسر الراء بعدها شين معجمة: العجوز الكبيرة والمرأة السمجة.
"ويجب" في جمع الخماسي "حذف خامسه" تخفيفًا لأن الثقل به حصل. "فتقول" في جمع سفرجل: "سفارج"، بحذف اللام. "و" في جمع جحمرش: "جحامر" بحذف الشين. "وأنت بالخيار في حذف الرابع أو الخامس إن كان" الحرف "الرابع" من الخماسي. "مشبهًا للحروف" العشرة "التي تزاد" في الكلم، وهي حروف "سألتمونيها". وشبهه بها:
"إما بكونه بلفظ أحدها كـ: خدرنق"، بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وسكون الراء وفتح النون وبعدها قاف، وهو العنكبوت٧، قال المتنبي: [من الطويل]
قواض مواض نسج داود عندها إذا وقعت فيه كنسج الخدرنق٨
_________________
(١) ١ في "ط": "برتن". ٢ في "ط": "التاء". ٣ في حاشية يس ٢/ ٣١٥، "قوله: والتاء والمثناة، صوابه: المثلثة كما يقتضيه صنيع الصحاح والقاموس وكذا رأيته بخط المصنف". ٤ في "ب": "مخاليب". ٥ في "ط": "براتن". ٦ انظر الحاشية يس ٢/ ٣١٥. ٧ في "أ"، "ب": "وهي". ٨ البيت للمتنبي في ديوانه ٢/ ٣٠٩.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
ورابعه١ النون. وهي حرف أصلي لأنها لا يحكم بزيادتها متوسطة إلا بشروط تأتي، ولكنها من لفظ الحروف التي تزاد.
"أو بكونه من مخرجه"، أي من مخرج الحرف الزائد، "كـ: فرزدق" جمع: فرزدقة، وهي القطعة من العجين. لقب همام بن غالب بن صعصعة الشاعر. "فإن٢ الدال" هي الحرف الرابع، وليست بلفظ حروف الزيادة. ولكنها "من مخرج التاء" الفوقية٣، وهو طرف اللسان وأصول الثنيتين العليتين٤.
والحاصل أنك إذا جمعت الخماسي فإن لم يكن رابعه شبيهًا بالزائد تعين حذف خامسه، وإن كان رابعه شبيهًا بالحرف الزائد لا يتعين حذف خامسه بل يتخير الحاذف٥. فإن شاء حذف الرابع وأبقى الخامس فيقول: خدارق وفرازق٦ وإن شاء حذف الخامس وأبقى الرابع فيقول٧: خدارن وفرازد٨. وهو الأجود٩ ومذهب سيبويه١٠. وقال المبرد١١: لا يحذف إلا١٢ الخامس.
ومحل الخلاف إذا لم يكن الخامس يشبه لفظ الزائد، فإن أشبهه تعين حذفه قولا واحدًا نحو: قذعمل، فتقول في جمعه: قذاعم.
"الثالث": الرباعي المزيد" نحو: مدحرج١٣ ومتدحرج.
والرابع: الخماسي المزيد "نحو: قرطبوس". قال ابن السيد: بفتح القاف.
الداهية: وبكسرها: الناقة العظيمة الشديدة١٤. "وخندريس١٥"، بفتح الخاء المعجمة
_________________
(١) ١ في "ب": "رابع". ٢ في "أ": "أو تكون". ٣ في "ب"، "ط": "الفوقانية". ٤ سقط من "ب". ٥ في "ب": "الحاذق". ٦ في "ب": "فرازق". ٧ في "ط": "فتقول". ٨ في "ب": "فرازد". ٩ وهو رأي ابن الناظم في شرحه ص٥٥٧. ١٠ الكاب ٣/ ٤٤٨-٤٤٩. ١١ المقتضب ٢/ ٢٣٠. ١٢ سقط من "ب". ١٣ في "أ": "تدحرج". ١٤ ورد هذ القول في تاج العروس ١٦/ ٣٦٧ "قرطبس" ولم ينسبه إلى ابن السيد، وقال: "حكاه الشيخ أبو حيان عن المبرد، ومثل بهما سيبويه جميعًا، وفسرهما السيرافي كما قدمنا". ١٥ القرطبوس والخندريس؛ حكاهما أبو حيان في المبدع في التصريف ص١٠٠.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وسكون النون وفتح الدال المهملة وكسر الراء بعدها ياء مثناة تحتانية فسين مهملة: الخمر.
"ويجب" في الجمع "حذف زائد هذين النوعين" الأخيرين. وهما: الرباعي المزيد والخماسي المزيد. ففي مزيد الرباعي يقتصر١ على حذف زائده، فتقول في جمع: مدحرج ومتدحرج: دحارج، بحذف الميم والتاء فقط. وفي مزيد الخماسي تحذف٣ زائده وخامسه، فتقول في جمع: قرطبوس وخندريس: قراطب، بحذف الواو والسين، وخنادر، بحذف الياء والسين.
"إلا إذا كان" زائد الرباعي "لينا" رابعًا "قبل الآخر، فتثبت" وتجتمع٣ ما هو فيه على فعاليل. "ثم إن كان" الزائد "ياء صحح٤ نحو: قنديل" وقناديل. "أو كان واوًا أو ألفًا، قلبا ياءين" لوقوعهما بعد الكسرة "نحو: عصفور" وعصافير. "وسرادح"، بكسر السين المهملة وسكون الراء وبالدال والحاء المهملتين: المكان اللين. والناقة الكثيرة اللحم. وقال الفراء: العظيمة. وجمعه: سراديح.
البناء "الثالث والعشرون: شبه فعالل"، وهو ما ماثله عددًا وهيئة، وإن خالفه زنة، كـ: مفاعل وفياعيل وفواعل.
"ويطرد في مزيد الثلاثي غير ما تقدم" من نحو: أحمر، وسكران، وصائم، ورام، وباب كبرى وسكرى، فإنها يقدر لها جموع تكسير فلا تجمع على فعالل، "ولا تحذف زيادته إن كانت واحدة"، سواء أكانت أولا أو وسطًا أو آخرًا، لإلحاق أو غيره، وسواء كانت حرف علة أو لا. "كـ: أفضل" وأفاضل، "ومسجد" ومساجد "وجوهر" وجواهر، "وصيرف"، وصيارف، "وعلقى" وعلاق٥. فالزيادة في الأولين لغير الإلحاق، وفي الباقي٦ للإلحاق.
"ويحذف ما زاد عليها" أي على الزيادة الواحدة، "فتحذف زيادة" واحدة "من نحو": منطلق، "و" زيادتان "اثنتان من نحو: مستخرج ومتذكر" بتشديد الكاف، "ويتعين إبقاء" الزائد" "الفاضل" على غيره، ويحصل الفضل بواحد من سبعة
_________________
(١) ١ في "ب": "تقتصر". ٢ في "ب"، "ط": "بحذف". ٣ في "ط": "فيثبت ويجمع". ٤ سقط من "ب". ٥ في "ب": "علائق". ٦ في "أ": "الثاني".
[ ٢ / ٥٥٥ ]
أمور: التقدم. والتحرك، والدلالة على المعنى، ومقابلة الأصول. وهو كونه للإلحاق، والخروج عن حروف "سألتمونيها"، وأن لا يؤدي إلى مثال غير موجود، وأن لا يؤدي حذفه إلى حذف الآخر الذي ساواه في جواز الحذف.
وردها في التسهيل١ إلى ثلاثة أمور: المزية من جهة المعنى، والمزية من جهة اللفظ، وأن لا يغني حذفه عن حذف غيره.
فالمزية من جهة المعنى "كالميم مطلقًا"، سواء أكان معها حرف مماثل للأصل أم لا، وسواء أكان ثاني الزائدين ملحقًا أم لا. ولا فرف في ذلك بين الخماسي والسداسي.
"فتقول في" جمع "منطلق: مطالق"، بحذف النون وإبقاء الميم "لا نطالق"، بحذف الميم وإبقاء النون، لأن الميم تفضل النون بدلالاتها على الفاعل وتصديرها ووجوب تحريكها. واختصاصها بالاسم.
"و" تقول "في" جمع "مستدع: مداع"، بحذف السين والتاء معًا، لأن بقاءهما يخل ببنية الجمع، وإبقاء الميم لأن لها مزية عليهما٢؛ كما تقدم. "لا: سداع ولا تداع"، بحذف الميم والتاء من الأول لأنه بناء غير موجود، والميم والسين من الثاني لأنه وإن كان بناء موجودًا كـ: تناصب٣، لكن حذف الميم يفوت الدلالة على اسم الفاعل "خلافًا للمبرد في نحو: مقعنسس" مما أحد٤ زائديه٥ للإلحاق، فإنه يقول في جمعه٦: قعاسس، ويحذف الميم والنون وتبقى٧ السين ترجيحًا لمماثل الأصل، لأن السين زيدت للإلحاق باحرنجم، وبقاء الملحق أولى من غيره. وخالفه سيبويه في ذلك٨.
"وكالهمزة والياء" التحتانية، "المصدرتين" في أول الكلمة، "كـ: ألندد ويلندد" بفتح أولهما وثانيهما وسكون النون فيهما، وهما بمعنى: "ألد"، وهو الشديد
_________________
(١) ١ التسهيل ص٢٧٩. ٢ في شرح ابن الناظم ٥٥٨: "وتبقى الميم لأنها مصدرة، ومتجددة للدلالة على معنى". ٣ في "ب"، "ط": "تناظب"، قال الشيخ يس في حاشيته ٢/ ٣١٦: "قوله كتناظب، كذا في النسخة المصححة بخطه، بالظاء المشالة، ولم أقف على هذه المادة في الصحاح ولا في القاموس". ٤ في "ط": "آخر". ٥ في "ب": "زوائده". ٦ المقتضب ٢/ ٢٣٥، وانظر شرح ابن الناظم ص٥٥٩. ٧ في "ط": "ويبقي". ٨ جمع: "مقعنسس" عند سيبويه: "مقاعس"، انظر الكتاب ٣/ ٤٢٩، وشرح ابن الناظم ص٥٥٩.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
الخصومة: نص عليه الجوهري١ وصاحب الضياء. ومنه: خصم ألد. وفي التنزيل: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] "تقول" في جمعهما: "ألاد ويلاد" بحذف النون وإبقاء الهمزة والياء لتصدرهما وتحريكهما، ولكونهما في موضع يقعان فيه دالين على معنى بخلاف النون، فإنها في موضع لا تدل على معنى أصلا. والأصل: ألادد ويلادد، فأدغم أحد المثلين في الآخر. والمزية من جهة اللفظ كالتاء من: استخرج علمًا، تقول في جمعه: تخاريج، بحذف السين وإبقاء التاء، لأن له نظيرًا وهو: تماثيل. ولا تقل: سخاريج بحذف التاء وإبقاء السين، لأن سفاعيل معدوم٢.
والمزية من جهة كون الحرف لا يغني حذفه عن حذف غيره هي ما ذكره بقوله: "وإذا كان حذف إحدى الزيادتين مغنيًا عن حذف الأخرى بدون العكس، تعين حذف المغني حذفها كياء حيزبون"، بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وفتح الزاي وضم الباء الموحدة: العجوز، وفيه ثلاث زوائد: الياء والواو والنون "تقول" في جمعه: "حزابين بحذف الياء وقلبت الواو ياء" لسكونها وانكسار ما قبلها. وإنما أوثرت الواو بالبقاء، لأن الياء إذا حذفت أغنى حذفها عن حذف الواو، ولبقائها رابعة قبل الآخر، فيفعل بها ما فعل بواو: عصفور، من قبلها ياء.
"ولا" تقل: "حيازين، بحذف الواو" وسكون الموحدة قبل النون، "لأن ذلك" وهو حذف الواو لا يغني عن حذف الياء، بل هو "محوج إلى أن تحذف الياء" أيضًا "وتقول: حزابن٣"، لصيرورته على مفعل، "إذ لا يقع بعد ألف التكسير ثلاثة أحرف أوسطها ساكن، إلا وهو" حرف "معتل" كـ: مصابيح وقناديل.
"فإن تكافأت الزيادتان" في الترجيح، "فالحاذف مخير" إذ لا مزية لأحدهما على الأخرى "نحو نوني: سرندي"، بفتح السين والراء المهملتين وسكون النون وفتح الدال المهملة: وهو الجريء على الأمور. وقال الجوهري٤: الشديد. وقيل: القوي. "وعلندى" بفتح العين المهملة واللام وسكون النون وفتح الدال: البعير الضخم وقيل: نبت. وقيل: الغليظ الضخم من كل شيء. قاله الجوهري٥.
_________________
(١) ١ الصحاح "لدد". ٢ في شرح ابن الناظم ص٥٥٨: "لأن سفاعيل ليس في كلام العرب". ٣ في "ب": "خزابين". ٤ الصحاح "سرد". ٥ الصحاح "علد".
[ ٢ / ٥٥٧ ]
"وألفيهما" المقصورتين، فإن النون رجحت بالتقدم١ على الألف، والألف رجحت بتقدير٢ الحركة، لإلحاقها بسفرجل. فلما تكافأت الزيادتين تخير الحاذف٣. قاله الشاطبي.
"تقول" في جمع سرندى: "سراند" بحذف الألف وإبقاء النون، "وسراد" بحذف النون وإبقاء الأف. "و" تقول في جمع علندى: "علاند"، بحذف الألف وإبقاء النون، "وعلاد" بحذف النون وإبقاء الألف. فإن حذفت الألف يبقى: سرند وعلند، ينقل إلى: [سرند وعلند كـ: جعفر، فيقال في جمعهما: سراند وعلاند كـ: جعافر. وإن حذفت النون يبقى: سردى وعلدى، ينقل إلى] ٤: سردى وعلدى كـ: أرطى، فيقال في جمعهما: سراد وعلاد، بقلب الألف ياء لانكسار ما قبلها. ثم تحذف رفعًا وجرًّا، ويعوض منها التنوين، كـ: جوار. وإلى التخيير أشار الناظم بقوله:
٨٣٢-
وخيروا في زائدي سرندى وكلما ضاهاه كالعلندى
_________________
(١) ١ في "ب": "بالتقديم". ٢ في "ط": "بتقديم". ٣ في "ب": "الحاذق". ٤ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٥٥٨ ]
باب التصغير
مدخل
باب التصغير:
وهو لغة: التقليل. واصطلاحًا: تغيير مخصوص يأتي بيانه. وله فوائد وعلامات وشروط وأبنية.
أما فوائده فست: تقليل ذات الشيء نحو: كليب، وتحقير شأنه نحو: رجيل، وتقليل كميته نحو: دريهمات، وتقريب زمانه نحو: قبيل العصر، وبعيد المغرب. وتقريب مسافته نحو: فويق المرحلة، وتحيت البريد، وتقريب منزلته نحو: صديقي.
وزاد الكوفيون معنى آخر وهو: التعظيم نحو: دويهية. وخرجها البصريون على التقليل. لأن الداهية إذا عظمت قلت مدتها.
وزاد بعضهم معنى آخر وهو: التحبب نحو: بنية.
وأما علاماته فثلاث: ضم أوله، وفتح ثانيه، واجتلاب ياء ثالثه.
وأما شروطه فأربعة:
أحدها: أن يكون اسمًا، فلا يصغر الفعل ولا الحرف. وشذ: ما أحيسنه عند البصريين.
الثاني: أن لا يكون متوغلا في شبه الحرف، فلا تصغر المضمرات. ولا "من وكيف" ونحوهما.
الثالث: أن يكون خاليًا من صيغ التصغير وشبهها، فلا يصغر نحو: كميت لأنه على صيغة التصغير. ولا مبيطر لأنه على صيغة تشبه صيغة التصغير. قاله ابن مالك١. وفيه كلام يأتي.
_________________
(١) ١ التسهيل ص٢٨٤.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
الرابع: أن يكون قابلا لصيغة التصغير، فلا تصغر الأسماء المعظمة كأسماء الله وأنبيائه وملائكته ونحوها، ولا جمع الكثرة، وكل، وبعض، ولا أسماء الشهور، والأسبوع عند سيبويه١، والمحكي، وغير، وسوى، والبارحة، والغد، والأسماء العاملة.
"و" أما أبنيته الموضوعة "له" فهي "ثلاثة أبنية" لا زائد عليها: "فعيل، وفعيعل، وفعيعيل"٢.
فالأول: لتصغير الثلاثي "كـ: فليس".
"و" الثاني: لتصغير الرباعي نحو: "دريهم".
"و" الثالث: لتصغير الخماسي نحو: "دنينير".
وهذه الأوزان الثلاثة مع وضع الخليل، فقيل له: لم بنيت المصغر على هذه الأبنية؟ فقال: لأني وجدت معاملة الناس على فلس ودرهم ودينار٣. فإن قلت: النون الأولى من دنينير ليست في مكبره. قلت: أصل دينار دنار، بتشديد النون، أبدلت النون الأولى ياء، فإذا صغر رجع إلى أصله، لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها.
ووزن المصغر بهذه الأبنية اصطلاح خاص بهذا الباب، اعتبر فيه مجرد اللفظ تقريبًا، وليس بجار على مصطلح التصريف.
ألا ترى أن وزن: أحيمد٤، ومكيرم. وسفيرج في التصغير: فعيعل، ووزنها التصريفي: أفيعل، ومفيعل، وفعيلل. وأصل هذه الأبنية الثلاثة: فعيل. "وذلك لأنه لا بد في كل تصغير من ثلاثة أعمال: ضم" الحرف "الأول" إن لم يكن مضمومًا "وفتح" الحرف "الثاني"، إن لم يكن مفتوحًا، "واجتلاب ياء ثالثة ساكنة"، وتسمى ياء التصغير.
"ثم إن كان" الاسم "المصغر ثلاثيًّا اقتصر على ذلك" العمل "وهي بنية فعيل، كـ: فليس" تصغير فلس. "ورجيل" تصغير رجل.
فإن كان المكبر مضموم الأول، مفتوح الثاني كـ: صرد، فيقدران في مصغره كـ: صريد: فالضمة والفتحة في المصغر غيرهما في المكبر كما في فلك مفردًا وجمعًا. جزم به ابن إياز.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٤٧٩-٤٨٠. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٦٠. ٣ نقله الصبان في حاشيته ٤/ ١٥٦، وانظر المقتضب ٢/ ٢٣٦. ٤ في "ب": "أحيمر".
[ ٢ / ٥٦٠ ]
ويؤخذ عنه١ أنه لو كان المكبر على هيئة المصغر كـ: مبيطر، فإنه يصغر بتقدير الحركات كـ: فلك٢. وبه صرح السهيلي في الروض فقال: تحذف الياء الزائدة كما تحذف ألف مفاعل، ثم تلحق ياء التصغير فيبقى اللفظ بحاله ويختلف التقدير. ثم أورد على نفسه سؤالا وأجاب عنه فقال: قيل: هلا قلتم لا يصغر، إذ لا يعقل مصغر على لفظ مكبر، وإلا فما الفرق؟ فالجواب: بأن الفرق قد يظهر في الجمع، فإنك تجمع مبيطرًا المكبر على: مباطر، بحذف الياء. وأما المصغر فلا يجوز فيه إلا مبيطرون. وذلك لأنه لو كسر حذفت ياؤه، لأنه خماسي ثالثه زائد، فيزول علم التصغير. انتهى. وهذا ما تقدم الوعد به.
والحاصل أنه لا بد من ضم الأول، وفتح الثاني لفظًا أو تقديرًا، وزيادة ياء ثالثه. "ومن ثم"، أي من أجل اشتراط فتح الثاني ووقوع الياء ثالثة، "لم يكن نحو: زميل" بضم الزاي وتشديد الميم المفتوحة وسكون المثناة تحته "ولغيزى" بضم اللام وتشديد الغين المعجمة المفتوحة وسكون الياء المثناة تحت وفتح الزاي "تصغيرًا، لأن" الحرف "الثاني" منهما؛ وهو الميم في الأول، والغين في الثاني؛ "غير مفتوح"، بل ساكن مدغم فيما بعده. "و" لأن "الياء غير ثالثة"، بل رابعة: لأن المدغم حرفان أدغم أحدهما في الآخر. والزميل: الجبان الضعيف. واللغيزى: من ألغز في كلامه إذا عمي مراده. والاسم: اللغز.
"وإن كان" المصغر "متجاوزًا الثلاثة:، احتيج إلى عمل رابع وهو كسر ياء التصغير، ثم" ينظر "إن لم يكن بعد هذا الحرف المكسور حرف لين". ألف أو ياء أو واو "قبل الآخر" في المكبر، "فهي بنية٣ فعيعل، كقولك في" تصغير "جعفر: جعيفر.
وإن كان بعده" أي بعد الحرف المكسور "حرف لين قبل الآخر" في المكبر، "فهي بنية فعيعيل٤، لأن" ذلك في الحرف "اللين الموجود قبل آخر المكبر إن كان ياء سلمت في التصغير لمناسبتها للكسرة" قبلها "كـ: قنديل وقنيديل، وإن كان" حرف اللين "واوا أو ألفًا، قلبا ياءين لسكونهما وانكسار ما قبلهما كـ: عصفور وعصيفير" بقلب الواو ياء، "ومصباح ومصيبيح"، بقلب الألف ياء، وإلى ذلك أشار
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط"،: "منه". ٢ سقط من "ب". ٣ في "ب": "بمنزلة". ٤ في "ب": "فعيعل".
[ ٢ / ٥٦١ ]
الناظم بقوله:
٨٣٣-
فعيلا اجعل الثلاثي إذا
البيتين١.
"ويتوصل" في التصغير "في هذا الباب" المعقود له "إلى مثالي: فعيعل٢ وفعيعيل" مما زاد على أربعة أحرف "بما يتوصل به" في التكسير "في باب الجمع" المعقود له قبل هذا الباب "إلى مثالي: فعالل وفعاليل" وللحاذف هنا من وجوب وتخيير٣ ما له في التكسير.
فتقول في تصغير: سفرجل مما يجب فيه حذف خامسه.
"وفرزدق" مما فيه تخيير بين حذف رابعه وخامسه.
"ومستخرج"، مما يحذف منه زيادتان وهما السين والتاء، ويتعين فيه إبقاء الفاضل وهو الميم.
"وألندد ويلندد" مما يحذف منه زيادة فقط وهي النون، ويتعين إبقاء الفاضل وهو الهمزة والياء.
"وحيزبون" مما تحذف منه الياء وتبقى الواو.
"وسفيرج" بحذف خامسه وهو اللام، ومنهم من لا يحذفها. قال الأخفش: سمعت من يقول: سفيرجل، بكسر الجيم٤.
"وفريزد" بحذف خامسه وهو القاف.
"أو فريزق" بحذف رابعه وهو الدال.
"ومخيرج" بحذف الشين والتاء وإبقاء الميم لفضلها عليهما.
"وأليد ويليد" بحذف النون وإبقاء الهمزة والياء لتصدرهما.
"وحزيبين" بحذف الياء وقلب الواو ياء.
_________________
(١) ١ البيتان هما: صغرته نحو قذى في قذى فعيعل مع فعيعيل لما فاق كجعل درهم دريهما ٢ في "أ": "فعيل". ٣ في "ب": "تأخير". ٤ انظر شرح المفصل ٥/ ١١٧.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وتقول في تصغير: سرندى وعلندى مما تكافأت فيه الزيادتان، وتخير الحاذف١ في أحدهما: سريند وعليند، بحذف الألف وإبقاء النون، أو سريد وعليد بحذف النون وقلب الألف ياء لوقوعها بعد كسرة، ولم يصحح ويفتح ما قبلها لأنها للإلحاق، بسفرجل كما مر، وألف الإلحاق لا تبقى في التصغير كما سيأتي، ثم أعلت كياء قاض.
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٣٥-
وما به لمنتهى الجمع وصل به إلى أمثلة التصغير صل
"ويجوز لك في بابي: التكسير والتصغير٢ أن تعوض مما حذفته ياء ساكنة قبل الأخير٣ إن لم تكن موجودة"، لأن ذلك لا يخل ببنائهما، بخلاف بقاء الزئد٤ فإنه يخل به. "فتقول" في تصغير سفرجل وتكسيره: "سفيريج سفاريج، بالتعويض" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٣٦-
وجائز تعويض يا قبل الطرف إن كان بعض الاسم فيهما انحذف
"وتقول في تكسير: احرنجام" مصدر احرنجم "وتصغيره: حراجيم وحريجيم، ولا يمكن التعويض" عن المحذوف "لاشتغال محله بالياء المنقلبة عن الألف" الكائنة قبل الميم.
"وما جاء في البابين"، التكسير والتصغير، "مخالفًا لما شرحناه فيهما، فخارج عن القياس" المطرد.
"مثاله في" جمع "التكسير جمعهم" أي العرب "مكانًا على أمكن"، وفيه شذوذان:
أحدهما: أنه مذكر، وحق مثله أن يأتي على مثال أفعلة.
والثاني: أنه شبه فيه الألف بالزائد فحذف، والزائد بالأصلي فثبت فقالوا: أمكن.
والقياس في بناء مكان على أفعل أن يقال: أكون بحذف الميم الزائدة وإبقاء عين الكلمة. قاله ابن الناظم في شرح شافية ابن الحاجب٥.
_________________
(١) ١ في "ب": "الحاذق". ٢ في "ب": "التصحيح". ٣ في "ط": "الآخر". ٤ في "ب": "الزوائد". ٥ أشار بروكلمان في تاريخ الأدب العربي ٥/ ٢٩٦ إلى نسختين مخطوطتين، وانظر مقدمة تحقيق شرح ابن الناظم.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
"و" جمعهم: "رهطًا وكراعًا"، بضم الكاف، "على أراهط وأكارع"، والقياس فيهما: كرع وأكرعة، ورهوط وأرهاط.
"و" جمعهم: "باطلا وحديثًا على: أباطيل وأحاديث"، والقياس فيهما: بواطل، وأحدثة، وحدث. وما ذكره من أن هذه جموع للمنطوق به على غير قياس، هو مذهب لبعض النحويين.
ومذهب سيبويه١ أنها جموع لواحد مهمل استغني بها عن جمع المستعمل. وزعم ابن جني٢ أن اللفظ تغير إلى هيئة أخرى، ثم جمع، فكان أمكن جمع مكن، كـ: فلس، وكان أراهط جمع أرهط، وكان أباطيل جمع إبطيل أو أبطول. وكان أحاديث جمع أحدوثة.
وقال ابن خروف: إن أحدوثة إنما يستعمل في المصائب والدواهي. لا في معنى الحديث الذي يتحدث به.
واختار ابن الحاجب أنها جموع على غير المفرد كـ: نساء جمع امرأة. "ومثاله في التصغير تصغيرهم" أي العرب "مغربًا وعشاء على: مغيربان وعشيان". بزيادة ألف ونون، وقياسهما: مغيرب وعشي، بإسقاط الألف والنون.
"وتصغيرهم إنسانا وليلة" على: "أنيسيان ولييلية٣" بزيادة الياء فيهما، وقياسهما [أنيسان] ٤ ولييلة، بإسقاط الياء فيهما٥.
وذهب معظم الكوفيين إلى أن إنسانًا أصله: إنسيان٦ من النسيان٧، فلا يكون تصغيره على أنيسيان شاذا.
"و" تصغيرهم "رجلا على رويجل" بزيادة الواو، وقياسه: رجيل، "وصبية، وغلمة" بسكر أولهما وسكون ثانيهما، جمع صبي وغلام. "وبنون" جمع ابن "على أصيبية وأغيلمة وأبينون" بزيادة الهمزة في أولها، وقياسها: صبية، وغليمة، وبنيون.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٦١٦. ٢ انظر قول ابن جني في شرح الأشموني ٤/ ١٥٩ المطبوع مع حاشية الصبان. ٣ في "أ": "ليلية"، وفي "ب": "لييلة". ٤ إضافة من "ط". ٥ في "أ": "عنهما". ٦ في ب"، "ط": "أنيسان". ٧ انظر الإنصاف ٢/ ٨٠٩، المسألة رقم ١١٧.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
"و" تصغيرهم "عشية على عشيشية"، بزيادة شين ثانية١، وقياسها: عشية. وقيل: هذه الألفاظ مما استغني فيها بتصغير مهمل عن تصغير مستعمل. فمغيربان وعشيان كأنهما تصغيرا: مغربان وعشيان، وأنيسيان ولييلية كأنهما تصغيرًا: أنسيان وليلاة، ورويجل كأنه تصغير راجل، وأصيبية وأغيلمة كأنهما تصغيرا أصبية وأغلمة، وأبينون كأنه تصغير ابنون، واختاره في التسهيل٢ وقال في النظم.
٨٣٧-
وحائد عن القياس كل ما خالف في البابين حكما رسما
_________________
(١) ١ سقط من "ب"، "ط". ٢ التسهيل ص٢٨٧.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
فصل:
"واعلم أنه يستثنى من قولنا: بكسر ما بعد ياء التصغير فيما تجاوز الثلاثة أربع مسائل:
إحداها: ما قبل علامة التأنيث، وهي نوعان: تاء كـ: شجرة وألف كـ: حبلى".
المسألة "الثانية: ما قبل المدة الزائدة قبل ألف التأنيث كـ: حمراء".
المسألة "الثالثة: ما قبل ألف أفعال كـ: أجمال وأفراس".
المسألة "الرابعة: ما قبل ألف١ فعلان الذي لا٢ يجمع على فعالين" صفة كان أو اسمًا، مفتوح الفاء أو مكسورها أو مضمومها "نحو: سكران"، وعمران، "وعثمان".
"فهذه المسائل الأربع يجب فيها أن يبقى ما بعد ياء التصغير مفتوحًا، أي باقيًا على ما كان عليه من الفتح قبل التصغير".
أما فتح ما قبل تاء التأنيث فللخفة. وأما فتح ألفي التأنيث فلبقائهما على حالهما. وأما فتح ما قبل ألف أفعال. فللمحافظة على الجمع. وأما فتح ما قبل الألف والنون فلمشابهتهما بألفي التأنيث.
"تقول: شجيرة، وحبيلى، وحميراء، وأجيمال، وأفيراس، وسكيران"، وعميران، "وعثيمان"، لأنهم لم يجمعوها على فعالين.
"وتقول في" تصغير: "سرحان" بكسر السين؛ وهو الذئب. "وسلطان" مما هو على خمسة أحرف آخره ألف ونون زائدتان، وليس له مؤنث على وزن فَعْلَى: "سريحين وسليطين"، بقلب الألف فيهما ياء، "لأنهم جمعوهما٣ على" فعالين فقالوا: "سراحين وسلاطين"، والتكسير والتصغير أخوان.
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ سقط من "ب" قوله: "الذي لا". ٣ في "ب": "جمعوها".
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وإنما لم يقولوا: سكارين، وعمارين، وعثامين، لأن الألف والنون فيها شابها ألفي التأنيث بدليل منع الصرف، فكما لا١ تتغير ألفا التأنيث لم يتغير ما أشبههما. ولما لم تكن الألف والنون في سرحان وسلطان كذلك، حصل التغيير.
وعلم من تقييد الألف بالتأنيث أنها لو كانت للإلحاق: كـ: أرطى وعلباء، أنه لا يبقى فتح ما قبلها بل يقال في تصغيرهما: أريط، عليبي، فرقًا بين الإلحاق والتأنيث.
والدليل على أن ألفهما للإلحاق لا للتأنيث تنوينهما. فأرطى ملحق بجعفر، وعلباء ملحق بقرطاس، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٣٨-
لتلو يا التصغير
البيتين٢.
_________________
(١) ١ في "ط": "لا". ٢ البيتان هما: من قبل علم تأنيث او مدته الفتح انحتم كذاك ما مدة أفعال سبق أو مد سكران وما به التحق
[ ٢ / ٥٦٧ ]
فصل:
"ويستثنى أيضًا من قولنا: يتوصل إلى مثالي: فعيعل وفعيعيل بما يتوصل له من الحذف إلى مثالي: مفاعل ومفاعيل. ثماني١ مسائل جاءت في الظاهر على غير ذلك لكونها مختومة بشيء قدر انفصاله عن البنية، وقدر التصغير واردًا على ما قبل ذلك الشيء". وكان ذلك الشيء غير موجود في المكبر. "وذلك" المقدر انفصاله "ما وقع بعد أربعة أحرف"، سواء أكانت كلها أصولا أم لا، "من ألف تأنيث"٢ بيان لـ"ما" "ممدودة" نعت ألف "كـ: قرفصاء"، لنوع من القعود، وسيأتي حكم المقصورة، "أو تائه"٣ أي التأنيث "كـ: حنظلة" واحدة الحنظل، "أو علامة نسب كـ: عبقري"، نسبة إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، فينسبون إليه كل شيء عجيب. "أو ألف ونون زائدتين كـ: زعفران وجلجلان" بجيمين. "أو علامة تثنية"، وهي الألف و[النون أو] ٤ الياء والنون "كـ: مسلمين" بفتح الميم. "أو علامة جمع تصحيح للمذكر"، وهي الواو، و"النون، أو" الياء والنون "كـ: جعفرين" بكسر الراء. "أو" علامة جمع تصحيح "للمؤنث"، وهي الألف والتاء: "كـ: مسلمات، وكذلك عجز المضاف كـ: امرئ القيس. وعجز المركب" المزجي "كـ: بعلبك.
فهذه" المذكورات "كلها ثابتة في التصغير، لتقديرها منفصلة" عما قبلها، "وتقدير التصغير واقعًا على ما قبلها".
فتقول: قريفصاء، وحنيظلة، وعبيقري، وزعيفران، وجليجلان، ومسيلمين، وجعيفرين، ومسيلمات، وأميرئ القيس، وبعيلبك، وإنما لم تحذف ألف التأنيث الممدودة وما ذكر بعدها، لأنها أشبهت كلمة أخرى. فلو حذفت لالتبس تصغير ما هي فيه بتصغير ما كان مجردًا عنها.
_________________
(١) ١ في "ب": "ثمان". ٢ في "ب": "تأنيثه". ٣ في "ب": "تاء". ٤ إضافة من "ط".
[ ٢ / ٥٦٨ ]
"وأما في" جمع "التكسير فإنك تحذف" كل واحد منها فيما أمكن تكسيره، إذ لا لبس إلا المضاف فإن تكسيره كتصغيره؛ كما١ سيأتي.
"فتقول: قرافص" بحذف الألف، "وحناظل" بحذف التاء "وعباقر" بحذف ياء النسب. "وزعافر، وجلاجل" بحذف الألف والنون منهما.
"ولو ساغ تكسير البواقي"، وهي التثنية، والجمعان المصححان. والمضاف، وصدر المركب، "لوجب الحذف، إلا أن المضاف يكسر بلا حذف، كما في التصغير.
فتقول" في تكسيره: "أمارئ القيس، كما تقول" في تصغيره: "أميرئ٢ القيس" بلا فرق٣، "لأنهما كلمتان كل منها ذات إعراب يخصها، فكان ينبغي للناظم أن لا يستثنيه" في النظم. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٤٠-
وألف التأنيث حيث مدا
الأبيات الأربعة٤.
_________________
(١) ١ في "أ": "فيما". ٢ في "أ": "امروء". ٣ في "ب": "حرف". ٤ الأبيات هي: وتاؤه منفصلين عدا كذا المزيد آخرًا للنسب وعجز المضاف والمركب وهكذا زيادتا فعلانا من بعد أربع كزعفرانا وقدر انفصال ما دل على تثنية أو جمع تصحيح جلا
[ ٢ / ٥٦٩ ]
فصل:
"ويثبت" في التصغير" ألف التأنيث المقصورة إن كانت رابعة" لخفة الاسم "كـ: حبلى" فتقول: "حبيلى، "وتحذف إن كانت سادسة" للاستثقال "كـ: لغيزى"، فتقول: لغيغزة١ بحذف الألف وجوبًا وتعويض الهاء جوازًا. "أو سابعة كـ: بردرايا" بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الدال المهملة وبعدها راء فألف فياء مثناة تحتانية. اسم موضع، ووزنه فعلعايا. قاله ابن القطاع. فتقول في تصغيره: بريدي، وذلك أنك لما حذفت ألف التأنيث بقي: بردراي، فقلبت الألف ياء لانكسار ما قبلها عند التصغير، وأدغمت في الياء الأخيرة عند حذف ألف التأنيث.
وفي بعض النسخ بدل: لغيزي قبعثري، وبدل: بردرايا حولايا بحاء مهملة ومثناة تحتانية: اسم مكان. وليسا٢ بصواب.
أما قبعثرى. فألفه ليست للتأنيث باتفاق صاحبي الصحاح٣ والقاموس٤.
وأما حولايا٥ فإن ألفه سادسة لا سابعة. ولم يذكره صاحبا الصحاح والقاموس.
"وكذا" تحذف "الخامسة إن لم تتقدمها٦ مدة" زائدة "كـ: قرقرى"، بقافين وراءين مهملتين، اسم موضع. فتقول: قريقر لأن بقاء الألف الخامسة فصاعدًا يخرج البناء عن مثالي، فعيعل وفعيعيل. فإن قيل: فـ: "حبيلى" فعيلى، وليست من أبنية التصغير الثلاثة. قلنا: نعم! ولكنها توافق فعيعلا فيما عدا الكسرة التي منع منها مانع الألف.
"فإن تقدمتها مدة" زائدة، "حذفت أيهما شئت" لتكافئهما وعد مزية إحداهما على الأخرى "كـ: حبارى" بضم [الحاء] ٧ المهملة وبالموحدة والراء، "وقريثا" بفتح القاف
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٦٢: "لغيغيز". ٢ في "ط": "وليس". ٣ الصحاح "قتر". ٤ الصحاح "قتر". ٥ في "ب": "حولاي". ٦ في "ب"، "ط": "يتقدمها". ٧ إضافة من "ب".
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وكسر الراء وبالمثناة التحتانية والمثلثة.
"تقول" في تصغير: حبارى "حبيرى" بحذف المادة الزائدة قبل الراء، "أو حبير" بحذف ألف التأنيث وقلب المدة ياء لوقوعها في موضع يجب تحريكها١ فيه بالكسر وإدغامها في ياء التصغير. وأبو عمرو يعوض عن ألف التأنيث هاء فيقول: حبيرة٢.
"و" تقول في تصغير، قريثاء "قريثا"، بحذف المدة وهي الياء، "أو قريث"، بحذف ألف التأنيث وإدغام الياء في ياء التصغير. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٤٤-
وألف التأنيث ذو القصر
البيتين٣.
_________________
(١) ١ في "ب": "تكريرها". ٢ انظر الكتاب ٣/ ٤٣٧. ٣ البيتان هما: متى زاد على أربعة لن يثبتا وعند تصغير حبارى خير بين الحبيرى فادر والحبير
[ ٢ / ٥٧١ ]
فصل:
"وإن كان ثاني المصغر لينا"، ألفًا أو واوا أو ياء، "منقلبًا عن لين رددته إلى أصله" الذي انقلب عنه، "فترد ثاني نحو: قيمة، وديمة، وميزان، وباب" بموحدتين "إلى الواو" لأنها الأصل المنقلب عنه. والأصل: قومة من القوام، ودومة من الدوام. وموزان١ من الوزن، وبوب. قلبت الواو في الثلاثة الأول ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وفي الرابع ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
فإذا صغرتها قلت: قويمة ودويمة ومويزين٢ وبويب، برد الواو إلى أصلها لتحركها وانضمام ما قبلها، وقلبت الألف في ميزان ياء لانكسار ما قبلها. "ويرد ثاني نحو: موقن، وموسر، وناب"، بالنون، وهو السن، "إلى الياء" لأنها الأصل المنقلب عنه. والأصل: ميقن من اليقين، وميسر من اليسر، ونيب من النيب، قلبت الياء في الأولين واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، وفي الثالث ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
فإذا صغرتها: مييقن، ومييسر، ونييب، برد الياء إلى أصلها. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٤٦-
واردد لأصل ثانيا لينا قلب
"بخلاف ثاني نحو: متعد، فإنه غير لين" لأنه تاء مثناة فوق مبدلة عن واو، إذ أصله:
موتعد، أبدلت الواو تاء وأدغمت في التاء الأخرى لاجتماع المثلين. "فيقال" في تصغيره" "متيعد، لا مويعد.
خلافًا للزجاج والفارسي"٣ فإنهما يردانه إلى أصله لزوال موجب قلبها وهو تاء الافتعال.
_________________
(١) ١ في "ب": "موازن". ٢ في "أ": "موزين" انظر الكتاب ٣/ ٤٥٧. ٣ التكملة ص١٩٧.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
والصحيح الأول، وهو مذهب سيبويه١، وعللوه بأنه إذا قيل فيه: مويعد، أوهم أن مكبره: موعد أو موعد أو موعد، ومتيعد لا إيهام٢ فيه. مع أن سيبويه لم يلتفت للإلباس في مواضع كثيرة.
"وبخلاف ثاني نحو: آدم، فإنه" منقلب "عن غير لين"، لأنه منقلب عن همزة تلي همزة، والأصل: أأدم، بهمزتين، مفتوحة فساكنة، قلبت الساكنة ألفًا "فتقلب" الألف "واوًا، كالألف الزائدة من نحو: ضارب، و" كالألف "المجهولة الأصل كـ: صاب" بالصاد المهملة والباء الموحدة، اسم نبت. تقول في تصغيرها: أويدم، وضويرب، وصويب. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٤٨-
والألف الثاني المزيد يجعل واوًا كذا ما الأصل فيه يجهل
وإن كان ثاني٣ المصغر لينا مبدلا من حرف صحيح غير همزة، أو همزة لا تلي همزة، فإنه يرد أيضًا إلى أصله:
فترد ثاني: دينار وقيراط، إلى النون وإلى الراء. فتقول في تصغيرهما: دنينير وقريريط، كما تقول في تكسيرهما: دنانير، وقراريط. وأصلهما: دنار، وقراط، والياء٤ فيهما٥ بدل من أول المثلين، فلما صغرتهما زال سبب الإبدال.
ويرد ثاني نحو: ذيب، بالياء إلى الهمزة فإنه أصله ذئب، بالهمزة، والياء فيه بدل من الهمزة فإذا صغرته قلت: ذؤيب، بالهمزة، رجوع إلى الأصل، لأن قلب الهمزة ياء إنما كان لانكسار ما قبلها وقد زال بالتصغير. والضابط أن ما أبدل لعلة لا تزول بالتصغير لم يرد إلى أصله، وما أبدل لعلة تزول بالتصغير يرد٦ إلى أصله. "و" هلم جرا.
فإن قلت: فقد "قالوا في" تصغير "عيد: عييد"، فصغروه على لفظه، ولم يردوه إلى أصله، وقياسه: عويد، بالواو، لأنه من عاد يعود، فلم يردوا الياء إلى أصلها، وهو الواو. قلت: إنما قالوا ذلك "شذوذًا كراهية لالتباسه بتصغير عود"، كما قالوا في تكسيره: أعياد. فرقًا بينه وبين جمع عود. والتكسير والتصغير من واد واحد.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٤٦٥. ٢ في "ب": "إبهام". ٣ سقط من "ب". ٤ في "ط": "التاء"، وفي "ب": "الهاء". ٥ في "ب": "فيها". ٦ في "ب": "فيرد".
[ ٢ / ٥٧٣ ]
"وهذا الحكم" الذي ذكرناه في التصغير. "ثابت في التكسير الذي يتغير فيه الأول كـ: موازين، وأبواب، وأنياب، وأعياد١. بخلاف" ما لا يتغير فيه الأول "من نحو: قيم وديم"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٤٧-
وشذ في عيد عييد وحتم للجمع من ذا ما لتصغير علم
_________________
(١) ١ في "ط": "أعواد".
[ ٢ / ٥٧٤ ]
فصل:
"وإذا صغر ما حذف أحد أصوله"، فاء أو عين أو لام أو اثنان منها، "وجب رد محذوفه إن كان قد بقي بعد الحذف على حرفين"، بالمحذوف الفاء "نحو: كل، وخذ" وعد١ أعلامًا.
"و" المحذوف العين نحو: "مذ"، وقل، وبع "أعلامًا، وسه"، وهو: الدبر.
"و" المحذوف اللام نحو: "يد" ودم، "وحر" بكسر الحاء المهملة، وهو: الفرج.
والمحذوف الفاء واللام نحو: قه، وله، وشه، أعلامًا.
والمحذوف العين واللام نحو: ره، علمًا.
"تقول" في تصغيرها: "أكيل، وأخيذ"، ووعيد، "برد الفاء، ومنيذ" وقويل، وبييع٢، "وستيهة٣، برد العين، ويدية" ودمي، "وحريج، برد اللام" ووقي، وولي، ووشي٤ برد الفاء واللام ورأي٥ برد العين واللام، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٤٩-
وكمل المنقوص
إلى آخره.
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ في "ب": "بويع". ٣ في "أ": "ستيه". ٤ في "ب": "وليي وسيي". ٥ في "ط": "ورؤى".
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وإنما وجب رد المحذوف ليتمكن من بناء فعيل، ولأنه لو لم يرد لوقعت ياء التصغير طرفًا، فكان يلزم تحريكها بحركات الإعراب، وهي لا تكون إلا ساكنة. وإذا سمي بما وضع ثنائيًّا على حرفين. فإن كان ثانيه صحيحًا نحو: هل، وبل، لم يزد عليه شيء حتى يصغر١، فيجب أن يضعف أو يزاد عليه ياء وهو الأولى. فيقال في تصغير: هل، هليل، بالتضعيف، أو هلي، بزيادة ياء. وقيل: إن شئت ألحقته بما لامه ياء، فقلت في: هل، هلي، وبما لامه واو، فقلت: هليو، ثم أعللته إعلال سيد، وفيه زيادة عمل فينبغي تعيين الأول. وقد جزم به الأبدي، واقتضاه كلام التسهيل٢. وحجته أن ما حذفت لامه واوًا، أكثر مما حذفت لامه ياء. قاله الموضح في الحواشي.
"وإن كان" ثانيه" "معتلا وجب التضعيف قبل التصغير" لئلا يلزم إثبات اسم معرب على حرفين آخره حرف لين متحرك، وهذا لا نظير له. بخلاف ما إذا كان ثانيه صحيحًا فإن نظيره من الأسماء المعربة: يد، ودم، "فيقال في: لو، وكي، وما" الحرفية، "أعلامًا: لو، وكي؛ بالتشديد" فيهما؛ وذلك لأنك زدت على واو "لو" واوًا، وعلى ياء "كي" ياء، ثم أدغمت أحد المثلين في الآخر.
"وماء، بالمد، وذلك لأنك زدت على الألف ألفًا، فالتقى ألفان، فأبدلت الثانية همزة"لأجل اجتماعها مع الألف الأولى والتقائهما ساكنين، على حد الإبدال في حمراء.
وقيل: زيدت٣ الهمزة من أول الأمر "فإذا صغرن" بعد التضعيف "أعطين حكم: دو، وحي"، بفتح أولهما وتشديد ثانيهما. والدو: البادية، والحي: القبيلة. "وماء" بالمد؛ وهو الذي يشرب. "فتقول" في تصغير لو؛ بالتشديد؛ "لوي. كما تقول" في تصغير: دو، "دوي، وأصلهما" قبل الإدغام: "لويو، ودويو"٤، اجتمع فيها الواو والياء، والسابق منهما ساكن. قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.
"وتقول" في تصغير: كي بالتشديد؛ "كيي بثلاث ياءات"، أولاها أصلية، وثانيها ياء التصغير، وثالثها: المزيدة للتضعيف.
_________________
(١) ١ سقط من "ب": "حتى يصغر". ٢ التسهيل ص٢٨٥. ٣ سقط من "ب". ٤ في "ب": "ديو".
[ ٢ / ٥٧٦ ]
["كما تقول" في تصغير حي "حيي"، بثلاث ياءات، أولاها وأخراها: أصليتان، ووسطاها: ياء التصغير] ١.
"وتقول" في تصغير ماء؛ بالمد؛ "موي" [بالتشديد] ٢، بقلب الألف [الثانية المزيدة ياء لوقوعها بعد ياء التصغير وإدغامها فيها، ولم تهمز لزوال علة إبدالها همزة بقلب الألف] ٢ الأولى، واوًا لكونها بعد التضعيف صارت مجهولة الأصل.
"كما تقول في تصغير الماء المشروب، مويه"، بقلب الألف واوًا ردا إلى أصلها.
"إلا أن هذا" الماء٣ المشروب "لامه هاء فرد٤ إليها"، وأصله: موه، بدليل جمعه على أمواه فقلبت الواو ألفًا على القياس، وأبدلت الهاء على غير القياس.
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ إضافة من "ب"، "ط". ٣ سقط من "ب". ٤ في "ب": "ترد".
[ ٢ / ٥٧٧ ]
فصل:
"وتصغير الترخيم" حقيقته أن تجعل المزيد فيه مجردًا معطى ما يليق به من فعيل إذا كان ثلاثي الأصول، أو فعيعل إن كان رباعي الأصول، سمي بذلك لما فيه من الحذف المفضي إلى الضعف. يقال: صوت رخيم إذا لم يكن قويًّا.
وطريقه: "أن تعمد" أنت "إلى" الاسم "ذي الزيادة الصالحة للبقاء" في تصغير غير الترخيم لعدم إخلالها بالزنة، "فتحذفها ثم توقع التصغير على أصوله.
ومن ثم"، أي من أجل أنه مختص بالمزيد، "لا يتأتى" تصغير الترخيم "في نحو: جعفر" من الرباعي الأصول. "وسفرجل" من الخماسي الأصول، "لتجردهما" من الزوائد.
"ولا" يتأتى أيضًا "في نحو: متدحرج، ومحرنجم، لامتناع بقاء الزيادة فيهما" في تصغير غير الترخيم "لإخلالها بالزنة"، فلا يكون تصغيرهما بحذف زوائدهما لأن حذف زوائدهما واجب في تصغير١ غير الترخيم. ومقتضى إطلاقه أنه لا يختص تصغير الترخيم بالأعلام، خلافًا للفراء وثعلب. فإنهما قالا٢: لا يصغر فاطمة، ومالك، وأسود، أعلامًا على فعيل، ولا يفعل ذلك فيهن صفات.
"ولم يكن له إلا صيغتان" فقط "وهما: فعيل، كـ: حميد، في" تصغير "أحمد، وحامد، ومحمود، وحمدون، وحمدان"، وحماد. ولم يلتفت للإلباس ثقة بالقرائن.
وزوائدها لا يخل بقاؤها في تصغير غير الترخيم بدليل صحة قولك: أحيمد، وحويمد، ومحيمد، وحميدون، وحميدان، وحميميد.
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ انظر الارتشاف ١/ ١٩٠، ١٩١ والتسهيل ص٢٨٩.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
"وفعيعل كـ: قريطس"، تصغير: قرطاس. وأما قريطب تصغير: قرطبوس، فهو مما حذف فيه مع زائده خامسه، فليس تصغير ترخيم. "لا فعيعيل لأنه ذو زيادة"، وهي الياء.
وقد يخلف١ لهذا التصغير أصل يشبه الزائد نحو٢: بريه، وسميع، مصغري: إبراهيم، وإسماعيل، فإن الميم واللام بلفظ الزائد وإن كانا أصليين بلا خلاف. وإنما اختلفوا في الهمزة:
فقال سيبويه٣ زائدة بدليل سقوطها.
ورده المبرد بحذف اللام والميم مع أصالتهما، وبأن همزتهما كهمزة إسطبل.
وانبنى على الخلاف في الهمزة، اختلاف في كيفية تصغيرهما لغير ترخيم.
فيقول سيبويه٤: بريهيم وسميعيل. ويقول المبرد: أبيره وأسيمع. وإنما حذف الميم واللام كما يحذف الخامس٥.
والأول هو المسموع. حكى أبو زيد: بريهيم. وسيبويه يقول بحذف الهمزة لأنها زائدة. والمبرد يقول بحذف الأخير [لخسة الأخير] ٦ لأنه يشبه الزائد. قاله [الموضح] ٧ في الحواشي. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨٠-
ومن بترخيم يصغر اكتفى بالأصل
_________________
(١) ١ في "ب"، "ط": "يحذف". ٢ الكتاب ٣/ ٤٧٢. ٣ الكتاب ٤/ ٢٣٥، ٣٠٧. ٤ الكتاب ٣/ ٤٤٦. ٥ انظر الارتشاف ١/ ١٩١، وحاشية الصبان ٤/ ١٧٠. ٦ إضافة من "ط". ٧ إضافة من "ب".
[ ٢ / ٥٧٩ ]
فصل:
"وتلحق تاء التأنيث تصغير ما لا يلبس من مؤنث عار١ منها" لفظًا، "ثلاثي في الأصل وفي الحال" الراهنة لئلا يجتمع فرعيتان: التصغير والتقدير. "نحو: دار"، مما عينه واو، "وسن" من المضاعف، "وعين" مما عينه ياء، "وأذن"، مما فاؤه همزة. فيقال في تصغيرها: دويرة، وسنينة، وعيينة، وأذينة، وهذا الحكم مستمر بعد التسمية، فمن ذلك: عروة بن أذينة، وعيينة١ بن حصن.
"أو" ثلاثي في "الأصل دون الحال نحو: يد" ويدية. "وكذا إن عرضت ثلاثيته بسبب التصغير كـ: سماء" بالمد "مطلقًا؛ سواء صغرته تصغير الترخيم أم لا. فتقول في تصغيره: سمية والأصل: سميي، بثلاث ياءات أولاها: ياء التصغير، وثانيها: بدل المدة، وثالثها: بدل لام الكلمة، فحذفت إحدى الياءين على القياس المقرر في هذا الباب. فبقي الاسم ثلاثيًّا. فلما عرضت ثلاثيته بسبب التصغير لحقته التاء كما تلحق مع الثلاثي المجرد، ولو سميت بسماء مذكرًا، لقلت في تصغيره، سمي، بغير تاء، لتذكير مسماه. "وحمراء وحبلى"، حال كونهما "مصغرين تصغير الترخيم". فتقول في تصغيرهما تصغير الترخيم: حميرة، وحبيلة، بالتاء، عوضًا عن ألف التأنيث. وتقول في تصغيرهما غير تصغير الترخيم: حميرى وحبيلى، ولا تأتي بالتاء إذ لا يجمع بين علامتي تأنيث، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨١-
واختم بتا التأنيث ما صغرت من مؤنث عار ثلاثي
"بخلاف" نحو: "شجر وبقر"، من أسماء الأجناس. فلا تلحقهما التاء فيمن أنثهما"، فلا يقال في تصغيرهما: شجيرة وبقيرة، "لئلا يلتبسا بالمفرد"، فأما من ذكرهما فلا إشكال.
"وبخلاف نحو: خمس وست"، من أسماء العدد المؤنث فلا يقال في تصغيرهما: خميسة، وسديسة، "لئلا يلتبسا بالعدد المذكر" المصغر.
_________________
(١) ١ سقط من "ب".
[ ٢ / ٥٨٠ ]
"وبخلاف نحو: زينب وسعاد"، فلا يقال في تصغيرهما: زيينة وسعيدة "لتجاوزهما للثلاثة"، فإن الحرف الرابع قائم مقام التاء، فلا يجمع بينهما لما في ذلك من الاستثقال. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٥٢-
ما لم يكن بالتا يرى ذا لبس
و"شذ ترك التاء في تصغير حرب"، بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء المهملة بالموحدة، "وعرب"، بفتح العين والراء المهملتين، "ودرع" بكسر الدال. "ونعل"، بفتح النون. "ونحوهن" كـ: ذود، وقوس، وعرس، وناب "مع ثلاثيتهن" وتأنيثهن "وعدم اللبس".
وجمع المتأخرون من ذلك عشرين لفظًا، وهي: اسم الجنس: كـ: شجر، واسم الجمع كـ: غنم، واسم العدد كـ: خمس، وناب للناقة المسنة، وحرب، وقوس، ودرع، وفرس، وعرس؛ بكسر العين؛ وعرس؛ بضمها؛ وذود، وضحى. وطست، وطس، وشول، وقدر، ونصب؛ بفتحتين؛ وحرف، وضرب١، ونعل، وسمع في بعضها التأنيث. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨٣-
وشذ ترك دون لبس
"و" شذ "اجتلابها"، أي التاء "في تصغير: وراء، وأمام، وقدام، مع زيادتهن على الثلاثة"، فقالوا: وريئة، بضم الواو، وفتح الراء بعدها ياء تحتانية مكسورة مشددة، فهمزة مفتوحة فالياء الأولى ياء التصغير، والثانية المبدلة من المدة التي قبل الهمزة، وأميمة، بضم الهمزة وفتح الميم وبياء مشددة مكسورة فميم مفتوحة. فالياء الأولى ياء التصغير، والثانية بدل من ألف أمام.
[وقديديمة، بضم القاف وفتح الدال وبياء ودال مكسورة بعدها ياء مثناة تحتانية وميم مفتوحة. الياء الأولى ياء التصغير، والثانية بدل من ألف قدام] ٢.
ووجه إلحاق التاء٣ بها أن جميع الظروف غير هذه مذكرة، فلو لم يظهروا التاء٣ فيها لظن أنها مذكرة، إذ لا يعلم تأنيثها بالإخبار عنها لأنها ملازمة للظرفية، ولا بوصفها، ولا بإعادة الضمير عليها، بل بالتصغير فقط. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٨٣-
وندر إلحاق تا فيما ثلاثيا كثر
_________________
(١) ١ في "أ"، "ب": "عرب". ٢ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٣ في "أ": "الياء".
[ ٢ / ٥٨١ ]
فصل:
التصغير من جملة التصاريف١ في الاسم فيصغر المتمكن؛ كما مر؛ "ولا يصغر من غير المتمكن إلا أربعة":
أحدها: "أفعل"، بفتح العين، "في التعجب".
"و" الثاني: "المركب المزجي"، علما كان أو عددًا، فالعلم "كـ: بعلبك وسيبويه، في لغة من بناهما" على الفتح في بعلبك، وعلى الكسر في سيبويه. "فأما من أعربهما" إعراب ما لا ينصرف "فلا إشكال" في تصغيرهما لأنهما حينئذ من أقسام المتمكن والعدد نحو: خمسة عشر. فأفعل في التعجب والمركب المزجي "تصغيرهما تصغير المتمكن"، في ضم أولهما وفتح ثانيهما واجتلاب ياء التصغير ثالثة، "نحو: ما أحيسنه، وبعيلبك، وسييبويه"٢، وخميسة عشر. أما أفعل في التعجب، فقال الخليل٣ في قولهم: ما أميلح زيدًا، إنما يعنون الشيء الذي يتصف بالملح، كأنهم قالوا: زيد مليح. وأما المركب المزجي فلأن الجزء الثاني بمنزلة تاء التأنيث والتنوين من حيث أنه نازل منه منزلة ذيله وتتمته نزولهما بهاتيك المنزلة، فلذلك صغروا الصدر.
"و" الثالث: "اسم الإشارة، وسمع ذلك منه في خمس كلمات وهي: ذا" في التذكير٤، "و: تا" في التأنيث، "وذان" في تثنية المذكر، "وتان" في تثنية المؤنث، "وأولاء" في جمعهما.
"و" الرابع: "الاسم الموصول، وسمع ذلك منه أيضًا في خمس كلمات وهي: الذي" للمفرد المذكر "والتي" للمفرد المؤنث. "وتثنيتهما": اللذان، واللتان، "وجمع الذي": الذين، واللاتي.
_________________
(١) ١ في "ب": "التصريف". ٢ في "ب": "سيبويه". ٣ الكتاب ٣/ ٤٧٨. ٤ في "ب": "التركيب".
[ ٢ / ٥٨٢ ]
"و" هذه الكلمات العشر من غير المتمكن "يوافقن١ تصغير المتمكن في ثلاثة أمور":
أحدها: "اجتلاب الياء الساكنة".
"و" الثاني: "التزام كون ما قبلها"، أي الياء. "مفتوحًا".
"و" الثالث: "لزوم تكميل ما نقص منها عن" الأحرف "الثلاثة".
"ويخالفنه"٢، أي تصغير المتمكن، "في" أمور "ثلاثة أيضًا":
أحدها٣: "بقاء أولهما على حركته الأصلية" التي كانت قبل التصغير من فتح أو ضم تنبيهًا على الفرق بين تصغير المتمكن وغيره.
والثاني: "زيادة ألف في الآخر" إن أمكن "عوضًا من ضم" الحرف "الأول، وذلك في غير المختوم بزيادة تثنية، أو" زيادة "جمع".
"و" الثالث: "أن٣ الياء" التي للتصغير "قد تقع ثانية، وذلك في: ذا، و: تا". تقول في تصغيرهما "ذيا، و: تيا"، فيبقى الحرف الأول على فتحه، وتأتي بياء التصغير ساكنة مدغمة في الياء المنقلبة عن ألف: "ذا"، و"تا"، وتزيد ألفًا في الآخر عوضًا عن ضم الحرف الأول.
والأصل: ذييا، وتييا، بثلاث ياءات: أولاها: عين الكلمة، وثانيها: ياء التصغير، وثالثها: لام الكلمة. فاستثقلوا ذلك مع زيادة الألف آخره. "فحذفت الياء الأولى" لأن ياء التصغير [جيء بها لمعنى فلا تحذف، ولا تحذف الثالثة لأن ذلك يقتضي وقوع ياء التصغير] ٤ آخرًا إذا كانت الألف في زنة حركة وهي الضمة، ووقوع ياء التصغير طرفًا ممتنع لأنها إن بقيت ساكنة لم يمكن بقاء الألف. بل كانت تقلب ياء. وفي ذلك وقوع فيما فر منه، وإزالة الألف المجعولة عوضًا، ووقوع ياء التصغير طرفًا، وإن حركت، فياء التصغير كألف التكسير فلا تتحرك، فتعينت الأولى للحذف، وهذا إنما يستقيم على قول البصريين أن "ذا" ثلاثي الوضع، وأن ألفه عن ياء وعينه ياء محذوفة. وأما على قول الكوفيين أن الألف زائدة، وهو موضوع على حرف واحد. فلا٥.
_________________
(١) ١ في "ب": "يوافق". ٢ في "ب": "ويخالف". ٣ سقط من "ب". ٤ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٥ انظر الإنصاف ٢/ ٦٦٩، المسألة رقم ٩٥.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
"و" تقول في تصغي: ذان، وتان: "ذيان، وتيان"، بإبقاء أولهما على فتحه، وإدغام ياء التصغير فيما بعدها. ولم يؤت بألف بعد النون. للطول بزيادة علامة التثنية.
"وتقول" في تصغير أولاء "أوليا"، بإبقاء أوله على ضمه في حال التكبير و"بالقصر في لغة من قصر"، وهم التميميون. "وبالمد في لغة من مد"، وهم الحجازيون.
أما على لغة القصر، فلا إشكال، وأما على لغة المد، فقال الفارسي١: ألحقنا ياء التصغير ثالثة، وقلبنا الألف بعدها ياء، وزيدت الألف قبل الآخر، ولم تزد بعد الآخر إذ ليس لنا تصغير خماسي إلا وقبل آخره مدة.
وقال المبرد: لو ألحقنا ألف التصغير في آخر أولاء على القاعدة في المبهمات٢، التبست لغة المد، بلغة القصر.
وبيانه من وجهين:
أحدهما أن ياء التصغير تقع ثالثة قبل الألف، فتنقلب الألف بعدها ياء ثم تدغم فيها ياء التصغير وتكسر كما في غزيل، فتقلب الهمزة ياء كما في عطاء، فيجتمع ثلاث ياءات فتحذف الأخيرة ثم تدخل ألف التصغير.
والوجه الثاني: أن أولاء فعال، فإذا جاءت الألف أخيرًا صار أولاء على فعالى كـ: حبارى، فيجب حذفها لأنها خامسة، وأما إذا قدمت فإنها تصير رابعة. وما كان خمسة ورابعه لين فإنه لا يسقط، فلما خافوا المحذور المذكور، أدخلوا الألف بعد الياءين.
وقال الزجاج: همزة أولاء منقلبة عن ألف المد، فإذا قلبت ألف المد ياء لوقوعها بعد ياء٣ التصغير رجعت الهمزة إلى أصلها، ثم تأتي ألف التصغير فتنقلب همزة لوقوعها بعد ألف.
"وتقول" في تصغير: الذي والتي: "اللذيا واللتيا"، بإبقاء أولهما على فتحه وفتح ثانيهما، وزيادة حرفين: ياء التصغير والألف وإدغام ياء التصغير، وفتح ياء المكبر لأجل الألف.
وتقول في تصغير اللذان واللتان: "اللذيان، واللتيان". بفتح أولهما وثانيهما وتشديد ثالثهما، ولم يؤت بألف بعد النون للطول بعلامة التثنية.
_________________
(١) ١ التكملة ص٢١٠. ٢ في "ط": "الممدودات". ٣ سقط من "ب": "لوقوعها بعد ياء".
[ ٢ / ٥٨٤ ]
قال الموضح في الحواشي: هذا الذي أراه من القول، وهم يقولون إن التثنية ترد على المفرد المصغر. ثم اختلف١ سيبويه والأخفش، فسيبويه يحذف الألف حذفًا اعتباطيًّا لمجرد تخفيف الكلمة لطولها بعلامة التثنية، فلا يقدرها البتة٢. والأخفش يحذفها لالتقاء الساكنين فيقدرها٣. وأصل الخلاف بينهما إذا ثنى المفرد المصغر فهل يقدر أن ألف التصغير اجتمعت مع ألف التثنية ثم حذفت للساكنين. ولم تقلب [ياء] ٤ فرقًا بين تثنية المتمكن وغيره. أو يعتقد أنها حذفت قبل مجيء ألف التثنية لمجرد التخفيف؟ الأول: للأخفش: والثاني: لسيبويه. ويظهر أثر الخلاف في جمع المذكر، فسيبويه يضم ما قبل الواو، ويكسر ما قبل الياء. والأخفش يفتحهما، كما في الأعلون٢.
"و" تقول في تصغير الذين. "اللذيون"، رفعًا، واللذيين، جرا ونصبا، بضم ما قبل الواو٥ وكسر ما قبل الياء. وهو قول سيبويه٢ لأنه يرى أن الألف حذفت تخفيفًا؛ كما تقدم في التثنية، فكأنها لا وجود لها.
والأخفش يفتح ما قبل الواو والياء، لأنه يقدر الحذف للساكنين، والذال على القولين مفتوحة، وفي شرح الشافية للجاربردي: وأما اللذيون، فلأنهم زادوا في الذين قبل الياء ياء، وقبل النون ألفًا، فصار اللذيان، ثم أبدلوا الفتحة ضمة، والألف واوًا لئلا يلتبس بالتثنية. انتهى.
وإذا أردت تصغير: اللاتي" لجمع المؤنث، "صغرت التي" للمفردة٦، "فقلت: اللتيا" كما تقدم، "ثم جمعت بالألف والتاء، فقلت: اللتيات، واستغنوا بذلك" الجمع المصغر مفرده "عن تصغير اللاتي، واللائي، على الأصح" عند سيبويه٧. فإنه قال في اللاتي واللائي: لا يحقران استغناء بجمع التي المحقرة بالألف والتاء، كما في: درهم٨ ودريهمات، بل المؤنث أولى مما لا يعقل بهذا الجمع.
_________________
(١) ١ في "أ": "يختلف". ٢ الكتاب ٣/ ٤٨٨. ٣ شرح المرادي ٥/ ١٢٧. ٤ إضافة من "ط". ٥ في "ب": "الآخر" مكان "الواو". ٦ في "ط": "لمفرده". ٧ الكتاب ٣/ ٤٨٩. ٨ في "ط" "دراهم".
[ ٢ / ٥٨٥ ]
والأخفش يصغرهما ويقلب الألف واوًا لأنهما صارا حين حقرا بمنزلة ضارب، إذا أجري عليهما حكمه، ويحذف١ الياء التي لامهما، ولأن ألف التصغير تزاد فيبقى٢ الاسم على خمسة سوى ياء التصغير. وإنما كانت الياء هي٣ المحذوفة لأنها طرف. والمازني يصغرهما٤، ولكن يحذف الألف لأنها زائدة والياء أصلية، فيصير٥ اللائي: اللأيا، واللاتي: اللتيا، وهذا يلبس بتصغير الواحد.
"ولا يصغر: ذي"، من أسماء الإشارة "اتفاقًا" عند الجميع "للإلباس" بتصغير "ذا"، ويشكل عليه تصغيرهم: عمر وعمرا على عمير، مع الإلباس. "ولا" يصغر "تي" الإشارية، "للاستغناء" عن تصغيرها "بتصغير: تا، خلافًا لابن مالك" في قوله في النظم:
٥٨٤-
منها تا وتي
قال المرادي٦: وذلك يوهم أن "تي" صغر كما صغر "تا"، وقد نصوا على أنهم لم يصغروا من ألفاظ المؤنث إلا "تا" خاصة، وهو المفهوم من التسهيل٧، فإنه قال: ولا يصغر٨ من غير المتمكن إلا: ذا والذي وفروعهما الآتي ذكرها. ولم يذكر٩ من ألفاظ المؤنث غير١٠ "تا" خاصة. انتهى. وإلى جواز تصغير الإشارة والموصول في النظم بقوله:
٥٨٤-
وصغروا شذوذا الذي التي وذا مع الفروع
وإنما ساغ تصغيرهما لأنهما يوصفان ويوصف بهما. والتصغير وصف في المعنى ولهذا منعوا إعمال اسم الفاعل مصغرًا، كما منعوا إعماله موصوفًا، قاله أبو الحسن بن الباذش. وحكى ابن العلج تصغير أوه على: أويه. وبقي المنادى المبني نحو: يا زيد، فإنه يصغر فيقال: يا زييد.
_________________
(١) ١ في "ب": "وتحذف". ٢ في "ب": "فتبقي". ٣ سقط من "ب". ٤ الارتشاف ١/ ١٨٧. ٥ في "ط": "فتصير". ٦ شرح المرادي ٥/ ١٢٠. ٧ التسهيل ص٢٨٨. ٨ في "ب": "تصغر". ٩ في "ب": "يذكروا". ١٠ في "ب": "إلا".
[ ٢ / ٥٨٦ ]
باب النسب
مدخل
باب النسب:
وسماه سيبويه باب الإضافة١، وابن الحاجب باب النسبة٢.
والغرض منها أن تجعل المنسوب من آل المنسوب إليه. أو من أهل تلك البلدة. أو الصنعة٣، وفائدتها فائدة الصفة.
وإنما افتقرت إلى علامة، لأنها معنى حادث، فلا بد لها من علامة، وكانت من حروف اللين لخفتها، ولكثرة زيادتها، وإنما ألحقت علامتها بالآخر لأنها بمنزلة الإعراب من حيث العروض، فموضح زيادتها هو الآخر، وإنما لم تلحق الألف لئلا يصير الإعراب تقديريًّا، ولا الواو لثقلها. وإنما كانت مشددة لتدل على نسبة إلى المتجرد عنها.
ويحدث بالنسب ثلاثة تغييرات:
أولها: لفظي، وهو ثلاثة أشياء، إلحاق يا مشددة آخر المنسوب إليه، وكسر ما قبلها: ونقل إعرابه إليها.
وثانيها: معنوي، وهو صيرورته اسمًا لما لم يكن له.
وثالثها: حكمي، وهو معاملته معاملة الصفة المشتقة، في رفعه المضمر والظاهر باطراد.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٣٣٥. ٢ شرح الشافية ٢/ ٤. ٣ في "ب"، "ط": "الضيعة".
[ ٢ / ٥٨٧ ]
واعلم أنك "إذا أردت النسب١ إلى الشيء" من بلد، أو قبيلة، أو غيرهما، "فلا بد لك من عملين في آخره:
أحدهما: أن تزيد عليه ياء مشددة، تصير" تلك الياء "حرف إعرابه"، فتتداولها حركات الإعراب. رفعًا، ونصبًا، وجرًّا، لصيرورتها٢ بمنزلة الآخر.
"و" العمل "الثاني: أن تكسره، أي لآخر لمناسبة الياء، كما في ياءي٣ المتكلم، والمخاطبة، "فتقول في النسب إلى: دمشق" بفتح الميم: "دمشقي"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٥٥-
ياء كيا الكرسي زادوا للنسب وكل ما تليه كسره وجب
"ويحذف لهذه الياء" المزيدة للنسب "أمور في الآخر، وأمور متصلة بالآخر.
أما" الأمور "التي في الآخر فستة:
أحدها: الياء المشددة الواقعة بعد ثلاثة أحرف فصاعدًا، سواء كانتا زائدتين، أو كانت إحداهما زائدة، والأخرى أصلية.
فالأول": وهو ما آخره ياءان زائدتان، سواء أكانتا للنسبة٤ أم لا "نحو: كرسي".
مما آخره ياءان ليستا للنسب، "وشافعي" مما آخره ياءان للنسب. "فتقول في النسب إليهما: كرسي، وشافعي"، فتحذف الياء المشددة منهما، وتجعل مكانها ياء للنسب، "فيحتد لفظ المنسوب، ولفظ المنسوب إليه، ولكن يختلف التقدير"، فيقدر أنهما مع الياء المحددة للنسب غيرهما بدونها.
"و" يظهر "لهذا" الاختلاف التقديري أثر في الصناعة، وذلك أنه إذا "كان: بخاتي" جمع "بختي" بباء موحدة فخاء معجمة فتاء مثناة فوقانية "علمًا لرجل"، فإنه يكون "غير منصرف"، استصحابًا لما كان عليه من الجمعية قبل العلمية. قال في الصحاح٥:
الواحد بختي والجمع بخاتي غير منصرف، لأنه بزنة جمع جمع الجمع. انتهى بتكرير جمع.
_________________
(١) ١ في "أ": "النسبة"، والتصويب من "ب"، "ط"، وأوضح المسالك ٤/ ٣٣١. ٢ في "ب": "لصيرورته". ٣ في "ب": "ياء". ٤ في "ط": "سواء كانتا للنسب". ٥ الصحاح "بخت".
[ ٢ / ٥٨٨ ]
"فإذا نسبت إليه انصرف" لزوال صيغة منتهى الجموع، لأن الياء التي كانت تحمل الصيغة زالت، وخلفتها ياء أخرى غيرها، وهي أجنبية لم تبن الكلمة عليها، فوزنه قبل النسب "مفاعيل"، وبعده "مفاعي".
وقيده بقوله "علمًا" ليرتب عليه قوله: فإذا نسبت إليه، لأن جمع التكسير إذا لم يكن علمًا، ولا جاريًا مجرى العلم لا ينسب إليه على لفظه، بل يرد إلى مفرده. ثم ينسب إليه، فسقط١ ما قيل، إن قوله: علمًا معطل لا مفهوم له. وقيد العلم بكونه لرجل، احترازًا عما إذا كان لامرأة، فإن مانعه من الصرف العلمية والتأنيث المعنوي، لا صيغة منتهى الجموع.
"والثاني": وهو ما إحدى ياءيه زائدة، والأخرى أصلية "نحو: مرمي" بالتشديد اسم مفعول من الرمي، "أصله: مرموي" كـ "مضروب"، اجتمع فيه الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، "ثم قلبت الواو ياء والضمة كسرة" لتسلم الياء من قلبها واوًا. "وأدغمت الياء" المنقلبة عن الواو الزائدة "في الياء" الأصلية، لاجتماع المثلين. "فإذا نسبت إليه" حذف الياء المشددة، وجعلت مكانها ياء للنسب٢، و"قلت: مرمي". وهذا هو الأفصح٣.
"وبعض العرب تحذف" الياء "الأولى لزيادتها، وتبقي الثانية لأصالتها، وتقلبها ألفًا" لتحركها، وانفتاح ما قبلها، "ثم تقلب الألف واوًا" لوجوب كسر ما قبل ياء النسب، [والألف لا تقبل الحركة ولم تقلب الألف ياء لئلا تجتمع الكسرة والياءات. "فتقول] ٤: مرموي"، وأطلق في النظم قوله:
٨٥٦-
ومثله مما حواه احذف
وهو مقيد بكونه بعد ثلاثة أحرف فصاعدًا، "وإن وقعت الياء المشددة بعد حرفين حذفت الأولى فقط"، فرارًا من الإجحاف، وتعينت للحذف لسكونها، "وقلبت الثانية ألفًا" لتحركها. وانفتاح ما قبلها، "ثم" قلبت "الألف واوًا" كراهة اجتماع الياءات.
"تقول في: أمية: أموي". وجاء "أميييّ" بأربع ياءات، إذ ليس قبلها كسرة. "وإن وقعت" الياء المشددة "بعد حرف واحد لم تحذف واحدة منها. بل تفتح"
_________________
(١) ١ في "ب": "فقط". ٢ في "ب": "النسب". ٣ في شرح ابن الناظم ص٥٦٥: "وقد يقال: مرموي، تفرقة بين الأصل والزائد". ٤ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٥٨٩ ]
الياء "الأولى" كما في "نمر"، "وبردها إلى الواو إن كان أصلها الواو"، وإلا أبقيت على صورتها، "وتقلب" الياء "الثانية واوًا" لئلا تجتمع الياءات "تقول في: طي، وحي: طووي، وحيوي" لأنهما من "طويت، وحييت".
الأمر "الثاني" مما يحذف لياء النسب "تاء التأنيث، تقول في "مكة" مكي" بحذف التاء، لأن بقاءها يوقع في إثبات تاء التأنيث في نسبة المذكر، واجتماع تأنيثين في نسبة مؤنث إلى مؤنث. نحو: "امرأة مكتية" وإيقاع تاء التأنيث حشوًا.
"وقول المتكلمين في" علم الأصول الدينية في النسبة إلى "ذات "ذاتي"، وقول العامة في" النسبة إلى "الخليفة: خليفتي" بإثبات تاء التأنيث فيهما "لحن"١، أي خطأ لخروجه عن القاعدة، قال للمخطئ: لاحن، لأنه يعدل بالكلام عن الصواب، "وصوابهما: ذووي، وخليفي" بحذف التاء منهما، وهذا مبني على أن "ذاتي" نسبة إلى "ذات" لغة، وهم لا يقولون ذلك.
قال الكاتي في شرح إيساغوجي في المنطق٢: لا يقال الذاتي منسوب إلى الذات فلا يجوز أن تكون الماهية ذاتية، وإلا لزم انتساب الشيء إلى نفسه، وهو ممنوع، لأنا نقول: هذه التسمية٣ ليست بلغوية حتى يزلم ذلك، بل إنما هي اصطلاحية، فلا يرد ذلك، انتهى.
والدليل على أنها اصطلاحية أن استعمال "ذات" مرادًا بها الحقيقة لا أصل له في اللغة كما قال ابن الخشاب، وابن برهان. وإنما المعروف فيها "ذات" بمعنى صاحبة، وحيث نسب إليها فلا بد من حذف تائها، ثم رد لامها المحذوفة وإذا ردت عادت العين إلى الصحة، فتصير على تقدير: "ذوا" ثم تقلب الألف واوا، فتقول. "ذووي"٤.
الأمر "الثالث" مما يحذف لياء النسب "الألف إن كانت متجاوزة للأربعة، أو كانت رابعة متحركًا ثاني كلمتها.
فالأول يقع" في ثلاثة:
"في ألف التأنيث كـ: حبارى" بالحاء المهملة، والباء الموحدة والراء: الطائر. "و" في "ألف الإلحاق كـ: حبركي" بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وسكون الراء
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٥/ ١٢٢. ٢ شرح إيساغوجي في المنطق ص٤٥. ٣ في "ط": "النسبة". ٤ الكتاب ٣/ ٣٦٦-٣٦٧.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
بعده كاف، قال الجوهري١: القراد، وقال الزبيدي٢: الطويل الظهر، القصير الرجلين، "فإنه ملحق بـ: سفرجل".
"و" في "الألف المنقلبة عن أصل كـ: مصطفى" فإنها منقلبة عن واو الصفوة، فتقول: "حباري، وحبركي، ومصطفي" بحذ الألف فيهن وجوبًا للطول.
"والثاني": وهو ما ألفه رابعة، وثاني كلمتها متحرك، "لا يقع في ألف التأنيث كـ: جمزى" صفة، يقال: حمار جمزى، أي سريع، من الجمز، وهو ضرب من السير. تقول في النسب إليها: "جمزي" بحذف الألف وجوبًا، لأن حركة الحرف الثاني بمنزلة حرف آخر، فالألف فيها في حكم الخامسة.
"وأما الساكن ثاني كلمتها فيجوز فيها القلب" واوًا تشبيها بألف "ملهى"، "والحذف" تشبيها بتاء التأنيث لزيادتها "والأرجح في التي للتأنيث كـ: "حبلى" الحذف" لأن شبهها بتاء التأنيث أقوى من شبهها بالمنقلبة عن أصل. "و" الأرجح "في التي للإلحاق كـ: علقى" فإنه ملحق بـ"جعفر" "و" في "المنقلبة عن أصل كـ: ملهى" من اللهو، فألفه منقلبة عن واو "القلب"، خبر الأرجح.
وإنما كان الأرجح فيهما القلب محافظة في الأول على حرف الإلحاق، ورجوعًا على الأصل في الثاني "والقلب في نحو: ملهى" مما ألفه منقلبة عن أصل "خير منه في نحو: علقى" مما ألفه زائدة للإلحاق "الحذف بالعكس" اللغوي، فالحذف في نحو: "علقى" خير منه في نحو: "ملهى" لأن حذف الزائد خير من حذف الأصلي٣.
الأمر "الرابع" مما يحذف لياء النسب "ياء المنقوص المتجاوزة الأربعة"٤، خامسة أو سادسة "كـ: معتد، ومستعل"، تقول في النسب إليهما: "معتدي، ومستعلي" بحذف ياء المنقوص وجوبًا للطول. "فأما" الياء "الرابعة كـ: "قاضي" فكألف المقصور الرابعة من نحو: مسعى، وملهى" مما ثاني ما هي فيه ساكن، وألفه منقلبة عن ياء أو واو، فيجوز فيها القلب واوًا، والحذف "ولكن الحذف أرجح" من القلب، بل قال بعضهم: إن القلب عن سيبويه٥ من شذوذ تغيرات النسب، حتى قيل: لم يسمع إلا في
_________________
(١) ١ الصحاح "حبرك". ٢ في "ط": "الأصل". ٣ في "ب"، "ط": "أربعة". ٤ الارتشاف ١/ ٢٨١. ٥ الكتاب ٢/ ٢٤١.
[ ٢ / ٥٩١ ]
قوله: [من الطويل]
٩١٨-
فكيف لنا بالشراب إن لم يكن لنا دراهم عند الحانوي ولا نقد
جعل اسم الموضع حانية: ونسب إليه.
"وليس في الثالث من ألف المقصور" المنقلبة عن ياء، أو واو "كـ: فتى، وعصا، و" من "ياء المنقوص" الثالثة "كـ: عم" بفتح العين المهملة، من عمي عليه الأمر إذا التبس، ورجل علمي القلب أي جاهل. "و: شج" بالشين المعجمة. والجيم من شجي أي حزن، "إلا القلب واوًا" فتقول: "فتوي، وعصوي، وعموي، وشجوي". أما قلبها في "فتى" واوًا، وإن كان أصلها الياء. فلئلا تجتمع الكسرة والياءات: وأما في "عصا" فرجوع إلى أصلها، وأما في "عم، و: شج" فلأنا لما أردنا النسب إليهما فتحنا عينهما، كما في "نمر" فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم قلبت الألف واوًا كما قلبت ألف "فتى" حكمًا وتعليلا.
"وحيث قلبنا الياء واوًا فلا بد من تقدم فتح ما قبلها" على قلبها لما تقرر أن قلبها واوًا مسبوق بقلبها ألفًا، فإن قلت: فما وجه فتح العين في "قاض" عند من قال: "قاضوي" بقلب الياء واوًا، نظيره من الصحيح لا يفتح عينه، فالجواب أنه نظير فتح لام "تغلب" عند بعض العرب١، نقله المرادي٢ عن بعض النحويين٣.
"ويجب قلب الكسرة فتحة في" كل ثلاثي مكسور العين، سواء كان مفتوح الفاء، أم مضمومها، أم مكسورها.
فالمفتوح الفاء نحو: "فَعِل كـ: نمر" بالنون. "و" المضموم الفاء نحو: "فُعِل كـ: دئل، و" المكسور الفاء نحو: "فِعِل كـ: إبل"، فتقول في النسب إليها "نمري، ودؤلي، وإبلي" بفتح العين فيهن كراهة لتوالي الياءين والكسرتين. وذهب بعضهم إلى
_________________
(١) البيت لتميم بن مقبل في ديوانه ص٣٦٢ وأساس البلاغة "عين"، ولذي الرمة في ملحق ديوانه ص١٨٦٢ ولسان العرب ١٣/ ٢٩٨، "عون" ولعمارة "؟ " في شرح المفصل ٥/ ١٥١، والمحتسب ١/ ١٣٤، ٢/ ٢٣٦، وللفرزدق في المقاصد النحوية ٤/ ٥٣٨، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٥٦٦، وشرح الأشموني ٣/ ٧٢٨، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٤٣، وشرح المرادي ص٥/ ١٢٨، والكتاب ٣/ ٣٤١، ولسان العرب ١٤/ ٢٠٥، "حنا". ١ انظر شرح الكافية ٤/ ١٩٤٧. ٢ شرح المرادي ٥/ ١٣١. ٣ في المصدر السابق والارتشاف ١/ ٢٨٥: "هم ابن السراج والمبرد والفارسي والرماني والصيرمي".
[ ٢ / ٥٩٢ ]
بقاء كسر العين فيما فاؤه مكسورة كـ: "إبلي" بكسرتين، كسرة الإتباع، والكسرة الأصلية لأن الكسرة تعمل في جهة واحدة، فلا تثقلها.
الأمر "الخامس والسادس" مما يحذف لياء النسب "علامة التثنية: وعلامة جمع تصحيح المذكر، فتقول في" النسب إلى "زيدان، وزيدون" حال كونهما "علمين معربين بالحروف: زيدي". بحذف علامة التثنية، وعلامة الجمع، لئلا يجتمع على الاسم الواحد إعرابان، إعراب بالحروف، وإعراب بالحركات في ياء النسب وحذفت النون تبعًا لما قبلها، لأنهما زيادتان زيدتا معًا، فتحذفان معًا، "فأما قبل التسمية" بهما "فإنما ينسب إلى مفردهما" لا إليها. "ومن أجرى: زيدان علمًا مجرى: سلمان" في لزوم الألف، والإعراب على النون إعراب الما ينصرف للعلمية، والزيادة "وقال" وهو تميم ابن أبي مقبل. لا خلف الأحمر، خلافًا للموضح: [من الطويل] .
٩١٩-
ألا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلى الملوان؟
"قال" في النسب: "زيداني" بإثبات الألف والنون كما يقول: "سلماني". والسبعان: تثنية سبع، اسم موضع، والملوان: الليل والنهار.
"ومن أجرى "زيدون" علمًا مجرى ﴿غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] في لزوم الياء والإعراب على النون منونة، "قال في النسب: "زيديني" بإثبات الياء والنون كما يقول: "غسليني". "ومن أجراه" أي "زيدون" "مجرى: هارون" في لزوم الواو، وجعل الإعراب على المنون، ومنع الصرف للعلمية، وشبه العجمة. "أو" أجراه "مجرى: عربون" في لزوم الواو، الإعراب على النون منونة. "أو ألزمه الواو وفتح النون" كـ: "الماطرون". "قال" في النسب على اللغات الثلاث: "زيدوني" بإثبات الواو والنون، كما يقول: "هاروني، وعربوني، وماطروني".
وأما جمع تصحيح المؤنث ففيه تفصيل "فنحو: تمرات" بالمثناة [فوق] ١. مما كان جمع اسم مفتوح العين في حالة الجمع، "إن كان باقيًا على جمعيته" ولم ينقل إلى العلمية، "فالنسب إلى مفرده"، لئلا يجتمع تأنيثان حين ينسب مؤنثًا، قاله أبو حيان٢. "فيقال: تمري، بالإسكان" في الميم، لأن مفرده ساكن العين قبل الجمع. "وإن
_________________
(١) تقدم تخريج البيت في الجزء الأول برقم ٢٧. ١ إضافة من "ب". ٢ الارتشاف ١/ ٢٨٠.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
كان علمًا، فمن حكى إعرابه" حالة الجمع حذف الألف والتاء معا، و"نسب إليه على لفظه المفتوح" حالة الجمع. "ومن منع صرفه" للتأنيث. والعلمية، "نزل تاءه منزلة تاء مكة، و" نزل "ألفه منزلة ألف: جمزى" لكون ثاني ما هي فيه متحركًا. "فحذفهما" على التدريج، فحذف أولا التاء كما في "مكة"، ثم الألف كما في "جمزى"، "وقال: "تمري" بالفتح" في حكاية الإعراب، ومنع الصرف، وإنما سكنت العين في حال بقائه على الجمعية١، وفتحت في حال نقله إلى العلمية للفرق٢ بين النسب إليه جمعًا، والنسب إليه علمًا، لأن علامة الجمع تحذف في كلا الحالين.
"وأما نحو: ضخمات" مما هو جمع صفة، فقال الموضح بحثًا، "ففي ألفه" وجهان: "القلب" واوًا. "والحذف، لأنهما كألف: حبلى" بجامع أن كلا منهما صفة، ساكن ثاني ما هي فيه، وعلى كلا الوجهين تحذف التاء، فتقول: "ضخموي، وضخمي"، كما تقول: "حبلوي، وحبلي". "وليس في ألف نحو: مسلمات" من الجموع القياسية. "و" نحو: "سرادقات" من الجموع الشاذة "إلا الحذف"، لكونها خامسة، فتقول: "مسلمي، سرادقي"، بحذف الألف والتاء. والسرادق، قال في القاموس٣: الذي يمد فوق صحن الدار، والبيت من الكرسف، والغبار الساطع، والغبار المرتفع المحيط بالشيء.
"وأما الأمور المتصلة بالآخر فستة أيضًا:
أحدها: الياء" المثناة تحت "المكسورة، المدغمة فيها ياء أخرى"، سواء كان ما هي فيه يائي العين كـ"طيب"، أم واويها كـ"هين" "فيقال في" النسب إلى "طيب، وهين: طيبي، وهيني، بحذف الياء الثانية" المدغم فيها، وإبقاء الياء الأولى الساكنة كراهة اجتماع كسرتين وأربع ياءات. ولم يحذفوا الأولى لئلا ترجع إلى تحرك حرف العلة. وانفتاح ما قبله، فيلزم الثقل لو لم تقلب ألفًا.
ويلزم زيادة التغيير مع اللبس لو انقلبت "بخلاف نحو: هبيخ" بفتح الهاء والباء الموحدة وتشديد الياء المثناة تحت وبالخاء المعجمة، الغلام الممتلئ، وقيل: الغلام الناعم، فيقال في النسب إليه: "هبيخي"٤ بإثبات الياء الثانية "لانفتاح الياء" المدغمة فيها.
_________________
(١) ١ في "ب": "الجمع". ٢ في "ب": "للتفريق". ٣ القاموس المحيط "سردق". ٤ شرح ابن الناظم ص٥٦٨ وشرح ابن عقيل ٢/ ٤٩٧.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
"وبخلاف نحو: مهييم" تصغير "مهيام: مفعال" من هام على وجهه إذا ذهب من العشق، أو من هام إذا عطش، أو تصغير "مهوم" اسم فاعل من هوم الرجل إذا هز رأسه من النعاس، أو تصغير "مهيم" اسم فاعل من هيمه الحب إذا جعله هائمًا، تقول في النسب إلى كله: "مهيمي"١ بإثبات الياء المكسورة المدغمة فيها ياء أخرى "لانفصال الياء المكسورة من الآخر بالياء الساكنة" التي هي عوض من ألف "مهيام"، أو من الواو الثانية. من "مهوم"، أو من الياء الثانية من "مهيم"، هذا حاصل كلام أبي حيان٢، وتلميذه الشهاب الحلبي السمين٣.
"وكان القياس أن يقال في" النسب إلى: "طيئ"؛ بتشديد الياء وبالهمزة: "طيئي"، بحذف الياء الثانية فقط، "ولكنهم بعد الحذف قلبوا الياء الباقية"، وهي الأولى "ألفًا على غير قياس"، لأنها ساكنة "فقالوا: طائي"٤. ولو قيل: حذفت الياء الأولى الساكنة، وقلبت الياء الثانية المتحركة ألفًا، كان القلب على القياس.
الأمر "الثاني" مما يحذف لياء النسب "ياء: فعيلة" بفتح أوله، وكسر ثانيه.
بشرط صحة العين، وانتفاء تضعيفها "كـ: حنيفة، وصحيفة، تحذف منه تاء التأنيث أولا، ثم تحذف الياء" ثانيًا، فرقا بين المذكر الصحيح اللام، والمؤنث، "ثم تقلب الكسرة" فتحة كما في "نمر"، "فتقول: حنفي، وصحفي.
وشذ قولهم في" النسب إلى "السليقة" وهي الطبيعة "سليقي، وفي" النسب إلى "عميرة كلب"، وإلى سليمة الأزد: "عميري"، و"سليمي"٥، والقياس فيهن: "سلقي، وعمري، وسلمي" بحذف الياء وإبدال الكسرة فتحة، كما في عميرة غير كلب، وسليمة غير أزد، ولكنهم فرقوا بينهما.
والسليقي من يتكلم بسليقته، أي طبيعته، معربًا من غير تعلم إعراب، قال: [من الطويل]
٩٢٠-
ولست بنحوي يلوك لسانه ولكن سليقي أقول فأعرب
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٦٨، والارتشاف ١/ ٢٨٢. ٢ الارتشاف ١/ ٢٨٢-٢٨٣. ٣ الدر المصون ٨/ ٥٦٦. ٤ شرح ابن الناظم ص٥٦٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٤٩٧. ٥ شرح ابن الناظم ص٥٦٨، والارتشاف ١/ ٢٨٣، والمسائل العضديات ص٤، ١٦١.
(٢) البيت بلا نسبة في أساس البلاغة "سلق"، وتاج العروس ٢٥/ ٤٦٠ "سلق"، وشرح الأشموني ٣/ ٧٣٢، وشرح المرادي ٥/ ١٣٥.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
"ولا يجوز حذف الياء في "نحو" طويلة، لأن العين معتلة١، فكان يلزم قلبها ألفًا لتحركها، وتحرك ما بعدها، وانفتاح ما قبلها، فيكثر التغيير" مع اللبس، ولو لم يقلبوا لزم الاستثقال، قاله الجاربردي٢.
"ولا" يجوز الحذف "في نحو "جليلة"، لأن العين مضعفة٣، فيلتقي بعد الحذف مثلان فيثقل"، ولو أدغموا لزم زيادة التغيير مع اللبس.
الأمر "الثالث" مما يحذف لياء النسب "ياء: فعيلة"٤ بضم أوله وفتح ثانيه. بشرط ألا تكون العين مضعفة، "كـ: جهينة وقريظة" بالمسألة، "تحذف تاء التأنيث أولا، ثم تحذف الياء"٤ كما مر، "فتقول: جهني وقرظي.
وشذ قولهم في" النسب إلى "ردينة": رمح "رديني". بإثبات الياء٥ وتقول في النسب إلى "عيينة، وقويمة، عيني، وقومي"، ولا يشترط هنا صحة العين، لأن حرف العلة إذا انضم ما قبلاه لا يقلب ألفًا، فلا يلزم المحذور السابق.
"ولا يجوز ذلك" الحذف "في نحو: قليلة٦" بضم القاف، "لأن العين مضعفة". وحذف لياء يؤدي إلى الثقل لو لم يدغم أحد المثلين في الآخر. وزيادة التغيير مع اللبس لو أدغم.
الأمر "الرابع" مما يحذف لياء النسب "واو: فعولة" بفتح الفاء بشرط صحة العين، وعدم تضعيفها "كـ: شنوءة" حي من اليمن. "تحذف تاء التأنيث" أولا، "ثم تحذف الواو" ثانيًا، لأنهم لما حذفوا تاء التأنيث، وهي حرف صحيح دال على معنى استقبحوا أن يبقوا بعد ذلك حرفًا معتلا زائدًا لغير معنى، "ثم تقلب الضمة فتحة فتقول: شنئي"٧ وأما قولهم: "شنوي" فعلى لغة من قال: أزد شنوة بتشديد الواو، قاله ابن السكيت٨.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٦٨، والكتاب ٣/ ٣٣٩. ٢ شرح الشافية ١/ ١٥٤. ٣ شرح ابن الناظم ص٥٦٨، وشرح المرادي ٥/ ١٣٧، والكتاب ٣/ ٣٣٩. ٤ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٥ شرح ابن الناظم ص٥٦٨، وشرح المرادي ٥/ ١٣٥. ٦ في شرح ابن الناظم ص٥٦٨: "إنما ينسب إليه على لفظة، فيقال: قليلي". ٧ شرح ابن الناظم ٥٦٨، والكتاب ٣/ ٣٣٩. ٨ إصلاح المنطق ص١٤٦.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
وما ذكرناه في "فَعِيلة وفُعَيلة" من وجوب حذف الياء فيهما، وقلب الكسرة فتحة في الأولى فلا نعلم فيه خلافًا.
وأما "فعولة": فذهب سيبويه والجمهور إلى وجوب حذف الواو والضمة معًا، واجتلاب فتحة مكان الضمة١. وذهب الأخفش والجرمي، والمبرد إلى وجوب بقائهما معًا٢، وذهب ابن الطراوة إلى وجوب حذف الواو فقط، وبقاء الضمة بحالها.
"ولا يجوز ذلك" الحذف "في: قؤولة" بفتح القاف "لاعتلال العين" كما مر في "طويلة". "ولا" يجوز ذلك "في نحو: "ملولة" لأجل التضعيف" في العين وحذف الواو يؤدي إلى التقاء مثلين، والإدغام ممتنع، لأن "فعل"، بفتحتين واجب الفك كـ"طلل" فيثقل اللفظ به.
الأمر "الخامس" مما يحذف لياء النسب "ياء: فعيل"٣ بفتح أوله، وكسر ثانيه "المعتل اللام" ياء كانت أو واوًا "نحو: غني، وعلي، تحذف الياء الأولى، ثم تقلب الكسرة فتحة" كما تقدم "ثم تقلب الياء الثانية ألفًا" لتحركها وانفتاح ما قبلها. "ثم تقلب الألف واوا" كراهة اجتماع الياءات مع الكسرتين. "فتقول: غنوي، وعلوي".
الأمر "السادس" مما يحذف لياء النسب "ياء: فعيل"؛ بضم أوله وفتح ثانيه "المعتل اللام نحو: "قصي" تحذف الياء الأولى، ثم تقلب الثانية ألفًا" لتحركها وانفتاح ما قبلها، "ثم تقلب الألف واوا" لما مر، "فتقول: قصوي.
وهذان النوعان"، وهما "فَعِيل، وفُعَيل" المعتلا اللام "مفهومان مما تقدم " في "فَعِيلة وفُعَيلة"، "ولكنهما إنما ذكرا هناك استطرادًا، وهذا" الموضع "موضعها، فإن كان: فعيل" بفتح الفاء "و: فُعَيل" بضمها "صحيح اللام لم يحذف منهما شيء". وذلك نحو قولهم في "عَقِيل، وعُقَيل: عَقِيلي، وعُقَيلي"، "وشذ قولهم في: ثقيف، وقريش" وهذيل: "ثقفي، وقرشي"، وهذلي٤.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٣/ ٣٣٩، وفي شرح ابن الناظم ص٥٦٨: "وفعولة في هذا الباب ملحقة بفعيلة". ٢ انظر شرح المفصل ٥/ ١٤٦، والارتشاف ١/ ٢٨٣. ٣ انظر شرح ابن الناظم ص٥٦٩، وشرح المفصل ٥/ ١٤٨، والكتاب ٣/ ٣٤٤. ٤ شرح ابن الناظم ص٥٦٩، والارتشاف ١/ ٢٨٤.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
فصل:
"حكم همزة الممدود في النسب كحكمها في التثنية١" فهي إما للتأنيث، أو منقلبة عن حرف أصلي، أو عن حرف الإلحاق.
"فإن كانت للتأنيث٢ قلبت واوًا كـ: صحرواي"، لكون الهمزة أثقل من الواو، ولم تقلب ياء لئلا تجتمع ثلاث ياءات مع الكسرة.
وشذن "صنعاني" في النسب إلى "صنعاء اليمن"، و"بهراني" في النسب إلى "بهراء" اسم قبيلة من "قضاعة" فأبدلوا من الهمزة النون، لأن الألف والنون يشابهان ألفي التأنيث ومن العرب من يقول: "صنعاوي"، و"بهراوي" على القياس٣.
"أو" كانت "أصلا سلمت" من القلب غالبًا لقوتها بأصالتها "نحو: قرائي" في "قراء" وهو الرجل الناسك٤، ومنهم من يقلبها واوًا استثقالا، والأجود التصحيح٥، قاله في التسهيل٦.
"أو" كانت بدلا من حرف زائد "للإلحاق" نحو: "علباء"، "أو" كانت "بدلا من أصل" نحو: "كساء" أصله، "كساو" قلبت الواو همزة لوقوعها طرفًا إثر ألف زائدة، "فالوجهان" السلامة والقلب فيهما، "فتقول: "كسائي" بالتصحيح، "وكساوي" بالقلب واوًا رجوعًا إلى الأصل٧، "وعلباوي" بالقلب واوًا تشبيهًا بألف التأنيث. "وعلبائي" بالتصحيح تشبيهًا بالأصلية.
والعلباء عصب العنق، والهمزة فيه منقلبة عن ياء زيدت للإلحاق بـ"قرطاس"، ولا يخفى ما في الأمثلة من النشر على خلاف الترتيب.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٦٩. ٢ في شرح ابن الناظم ص٥٦٩: "فإن كانت زائدة للتأنيث". انظر شرح المرادي ٥/ ١٣٩. ٣ شرح المفصل ٦/ ١١. ٤ شرح ابن الناظم ص٥٦٩، وشرح المرادي ٥/ ١٣٩. ٥ في "ب": "الفصيح". ٦ التسهيل ص٣٦١. ٧ شرح ابن الناظم ص٥٦٩، وشرح المرادي ٥/ ١٣٩.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فصل:
"ينسب إلى صدر العلم المركب"، ويحذف العجز لاستثقال النسبة إلى كلمتين معًا، فحذفوا الثانية كما حذفوا تاء التأنيث "إن كان التركيب إسناديًّا، كـ: تأبطي، وبرقي، في" النسبة إلى "تأبط شرًّا، وبرق نحره، أو مزجيًّا" سواء أكان صدره صحيحًا أم معتلا. "كـ: بعلي، ومعدي، أو معدوي١ في" النسب إلى "بعلبك ومعدي كرب".
وإنما خير في الياء بين إبقائها على حالها وقلبها واوًا، لأنك إذا حذفت الجزء الثاني صار الكلام منقوصًا، وياء المنقوص إذا كانت رابعة جاز فيها التصحيح والقلب واوًا نحو: "قاضي، وقاضوي"، والأرجح التصحيح كما تقدم، وفي النسب إلى المزجي خمسة أوجه:
أحدها: ما ذكره الموضح تبعًا للنظم من الاقتصار في النسب على الصدر، وهو مقيس اتفاقًا.
الثاني: أن ينسب إلى عجزه فتقول: "بكي، وكربي"، واختاره الجرمي٢.
الثالث: أن ينسب إليهما معًا، مزالا تركيبهما٣ فتقول: "بعلي بكي، ومعدي كربي"، واختاره أبو حاتم وآخرون، وأنشد عليه السيرافي. [من الطوايل] .
٩٢١-
تزوجتها رامية هرمزية بفضلة ما أعطى الأمير من الرزق
فنسبها إلى رام هرمز بلدة من نواحي خوزستان.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٦٩. ٢ شرح المرادي ٥/ ١٤٠، والارتشاف ١/ ٢٧٩. ٣ شرح المرادي ٥/ ١٤١.
(٢) البيت بلا نسبة في شرح الأشموني ٣/ ٧٣٦، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٧٢، وشرح شواهد الشافية ص١١٥، والمقرب ٢/ ٥٨، والمذكر والمؤنث للسجستاني ص٥١، والمذكر والمؤنث للأنباري ص٦٤٨، وشرح المرادي ٥/ ١٤١.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
الرابع: أن ينسب إلى جميع المركب١ فتقول: "بعلبكي، ومعدي كربي".
الخامس: أن ينبني من جزأي المركب اسمًا على "فعلل"، وينسب إليه، قالوا في النسب إلى: "حضرموت: حضرمي"٢. "أو إضافيًّا كـ: امرئي" بكسر الراء تبعًا لكسرة الهمزة، "ومرئي" بحذف الهمزة الأولى، وفتح الميم والراء "في" النسب إلى "امرئ القيس"٣.
قيل: و"امرئي" شاذ عند سيبويه٤، والمطرد عنده "مرئي" بحذف الهمزة وفتح الميم والراء، كذا تكلمت به العرب، قال ذو الرمة يهجو امرأ القيس: [من الوافر]
٩٢٢-
إذا المرئي شبت له بنات عقدن برأسه إبة وعارا
واستثنى محمد بن حبيب امرأ القيس الكندي، فإنه ينسب إلى "مرقسي"٥.
"إلا أن كان" المركب الإضافي "كنية، كـ: أبي بكر، وأم كلثوم، أو كان معرفًا صدره بعجزه٥ كـ: ابن عمر، وابن الزبير، فإنك" تحذف صدره، "وتنسب إلى عجزه"، لأنه المقصود بمدلوله، "فتقول: بكري، وكلثومي، وعمري"، وزبيري.
"وربما ألحق بهما ما خيف فيه اللبس كقولهم في" النسب إلى "عبد الأشهل: أشهلي، و" في النسب إلى: "عبد مناف: منافي" فحذفوا صدرهما، ونسبوا إلى عجزهما٥، إذ لو عكسوا، وحذفوا العجز، ونسبوا إلى صدرهما، وقالوا: "عبدمي" لالتبس بالنسب إلى "عبد" غير مضاف، والأشهل: صفة لرجل، و"مناف" اسم لصنم.
والحاصل أن المركب الإضافي ينسب إلى عجزه في ثلاثة مواضع: أحدها: ما كان كنية. الثاني: ما تعرف صدره بعجزه. الثالث: ما يخاف اللبس من حذف عجزه.
وما سوى هذه المواضع الثلاثة ينسب فيه إلى الصدر.
وشذ بناء "فعلل" من جزأي المضاف إليه، والمحفوظ من ذلك: "يتملي، وعبدري، ومرقسي، وعبقسي، وعبشمي"، وفي النسب إلى: "تيم اللات، وعبد الدار، وامرئ القيس بن حجر الكندي، وعبد القيس، وعبد شمس".
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٥/ ١٤١. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٦٩. ٣ شرح ابن الناظم ص٥٦٩، وشرح المرادي ٥/ ١٤٢. ٤ الكتاب ٣/ ٣٧٦.
(٢) البيت لذي الرمة في ديوانه ٢/ ١٣٩، وأساس البلاغة "وأب"، وتاج العروس ١/ ٤٣٢ "مرأ"، ٤/ ٣٢٧ "وأب"، وكتاب العين ٨/ ٤٢٠، ولسان العرب ١/ ١٥٧ "مرأ"، ١/ ٧٩١ "وأب". ٥ الارتشاف ١/ ٢٨٧ وفي تاج العروس ١٦/ ٤٢٠: أن نسبة مرقسي هي لامرئ القيس بن حجر غلط والصواب: امرؤ القيس بن الحارث بن معاوية كما حققه بن الجواني في المقدمة.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
فصل:
إذا نسبت إلى ما حذفت عينه، وصحت لامه رددتها وجوبًا في مسألة واحدة، نحو: "رب" بتخفيف الباء١، وأصلها التشديد، فخفف بحذف عينه الساكنة مسمى به، فإذا نسبت إليه قلت: "ربي"، برد العين ساكنة، ولا تحرك لثقل٢ الفك إجماعًا، "وإذا نسبت إلى ما حذفت لامه رددتها وجوبًا في مسألتين:
أحدهما: أن تكون العين معتلة كـ: شاة، أصلها، شوهة"، بسكون الواو كـ: صحفة"، ثم لما لقيت الواو الهاء لزم انفتاحها. فانقلبت ألفًا. وحذفت لامها وهي الهاء وعوض منها التاء "بدليل قولهم" في تكسيرها: "شياه" بالهاء. وقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والتكسير يرد الأشياء إلى أصولها، فإذا نسبت إلى "شاة" رددت لامها اتفاقًا.
ثم اختلف في عينها، هل تبقى على فتحها العارض فتستمر ألفًا، أو ترد إلى سكونها الأصلي، فتسلم من القلب ألفًا؟ ذهب سيبويه٣ إلى الأول، وأبو الحسن الأخفش٤ إلى الثاني، "فتقول: شاهي" على مذهب سيبويه، لأنه لا يرد الكلمة بعد رد محذوفها إلى سكونها الأصلي، بل يبقى٥ العين مفتوحة، فتقلبها٦ ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. "وأبو الحسن يقول: شوهي" بسكون الواو، ولا يقلبها ألفًا، "لأنه يرد الكلمة بعد رد محذوفها إلى سكونها الأصلي" فيمتنع القلب.
_________________
(١) ١ في "ب": "الهاء". ٢ في "أ": "لنقل". ٣ الكتاب ٣/ ٣٦٧. ٤ الارتشاف ١/ ٢٨٦. ٥ في "ب": "تبقى". ٦ في "ب": فتنقلب".
[ ٢ / ٦٠١ ]
والصحيح مذهب سيبويه، وبه ورد السماع، قالوا: في النسب إلى "غد: غدوي"، وحكي عن أبي الحسن أنه رجع في كتابه الأوسط إلى مذهب سيبويه١.
المسألة "الثانية" مما يجب رد لامه "أن تكون اللام قد ردت في تثنية كـ: أب، وأبوان، أو في جمع تصحيح" لمؤنث "كـ: سنة، وسنوات" في لغة٢ غير أهل الحجاز، "أو سنهات" في لغة أهل الحجاز، "فتقول" في النسب إلى "أب، وسنة": "أبوي، وسنوي، أو سنهي"، برد اللام كما ردت في التثنية والجمع بالألف والتاء٣. لأن النسب أقوى على الرد، لأنه أحمل للتغيير، فلذلك وجب فيه٤ رد ما وجب رده في غيره، وجوز فيه رد ما لا يجوز رده في غيره إظهارًا لمزيته في الرد، "فتقول في" النسب إلى "ذو، وذات: ذووي" باتفاق سيبويه وأبي الحسن٥، لأن "ذو" عندهما "فعل" بالتحريك، ولامها ياء لأن "طويت" أكثر من قوة.
وذهب الخليل إلى أنهما "فعل" بالسكون، نظرًا إلى أن الأصل السكون وإلى أن لامها واو، وأنه من باب قوة، وعلى القولين، ألفًا، وقلبت الألف واوًا في النسب و"ذات" هي "ذو" بزيادة التاء.
وإنما قيل في النسب إليهما: "ذووي" "لأمرين: اعتلال العين ورد اللام في تثنية: ذات، نحو: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] بالواو على الأصل وقالوا: "ذاتا" على اللفظ، وهو٦ القياس. كقولهم: "ذاتا جمال"، لا غير، والألف الأولى من "ذاتا" غير٧ منقلبة عن واو، والألف الثانية علامة رفع وتثنية، والتاء للتأنيث كما في "مسلمتان" وإنما صحت العين٨ حال التكميل٩، وأعلت حال النقص، لئلا يجتمع إعلالان في حال التمام والسلامة من ذلك حالة النقص.
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٥/ ١٤٥. ٢ في "ب": "غير لغة". ٣ في "ب": "والهاء". ٤ بعده في "ب": "ردها وجب". ٥ الكتاب ٣/ ٣٦٦، ٣٦٧. ٦ في "ط": "القولين" مكان "اللفظ، وهو". ٧ في حاشية يس ٢/ ٣٣٣: "الذي في النسخ الصحيحة: "عين منقلبة عن واو" يعني أن الألف عين الكلمة وهي منقلبة عن واو". ٨ في حاشية ٢/ ٣٣٣: "أي لم تقلب ألفًا كما قلبت في ذات". ٩ في حاشية يس ٢/ ٣٣٣، "معنى قوله: حال التكميل حال رد ما حذف في الكلام منها".
[ ٢ / ٦٠٢ ]
"وتقول في" النسب إلى "أخت: أخوي، كما تقول في" النسب إلى "أخ": أخوي، "وتقول في" النسب إلى "بنت: بنوي، كما تقول في" النسب إلى "ابن": بنوي١، "إذا رددت محذوفه لقولهم" في الجمع بالألف والتاء: "أخوات، وبنات، بحذف التاء والرد إلى صيغة المذكر الأصلية".
وتقدم أن ما وجب رده في الجمع يجب رده في النسب، "وسره"، أي: وحكمة رد صيغة المؤنث إلى صيغة المذكر "أن الصيغة" أي صيغة "أخت، وبنت" "كلها للتأنيث"، وأن التاء وإن كانت بدلا من واو محذوفة فهي للإلحاق بـ"قفل، وجذع"، إلحاقًا للثنائي بالثلاثي، "فوجب ردها" أي رد صيغة "أخت، وبنت" "إلى صيغة المذكر"، فوجب حذف التاء منهما "كما وجب حذف التاء في" النسب إلى "مكة، وبصرة" نحو: "مكي وبصري، و" في الجمع بالألف والتاء نحو: "مسلمات" لئلا تقع تاء التأنيث حشوًا. هذا قول سيبويه. والخليل، أجروا التاء وإن كانت للإلحاق مجرى تاء التأنيث لاختصاصها بالمؤنث، وفتح أولهما في النسب كما فتح في الجمع بالألف والتاء.
"ويونس" يوافق على حذف التاء في الجمع، فيجريها مجرى تاء التأنيث ويحذفها، ويخالف النسب فلا يحذف التاء، ويجمع بينها وبين ياء النسب فيجريها مجرى الملحق به، ويبقي أولهما على حركته، "ويقول فيهما: أختي، وبنتي٢، محتجًّا، بأن التاء لغير التأنيث لأن ما قبلها ساكن صحيح". وتاء التأنيث إن كان ما قبلها صحيحًا يجب فتحه نحو: "قصعة، وصنيعة".
ولا يسكن إلا إذا كان معتلا نحو: قناة وفتاة. "ولأنها لا تبدل في الوقف هاء" وتاء التأنيث تبدل في الوقف هاء نحو: "رحمه، ونعمه"، "وذلك" المذكور من كونها ليست للتأنيث "مسلم، ولكنهم عاملوا٣ صيغتها" مع تاء الإلحاق "معاملة" غيرهما مع "تاء التأنيث، بدليل مسألة الجمع" بالألف والتاء، وذلك لأنهم ردوا المحذوف من المفرد، وحذفوا التاء التي فيه، ثم جمعوه بألف وتاء مزيدتين، وقالوا: "أخوات، وبنات ولو جمعوه على لفظ المفرد من غير ولا حذف لقالوا: "أختات، وبنتات".
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٥٧٠: "هذا مذهب سيبويه والخليل، وأما يونس فيقول: أختي وبنتي". وانظر الكتاب ٣/ ٣٦٠-٣٦١. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٧٠، والكتاب ٣/ ٣٦١. ٣ في "ب": "جعلوا".
[ ٢ / ٦٠٣ ]
وألزمه الخليل أن ينسب إلى "هنت، ومنت" بإثبات التاء مع أنه وغيره مجمعون على أنه إنما يقال في ذلك بحذف التاء.
ويجاب عن مسألة الجمع بالفرق بين الجمع والنسب، لأن الجمع لا لبس فيه بخلاف النسب. إذ حذف التاء فيه يلبس المنسوب إلى المؤنث بالمنسوب إلى المذكر. وعن مسألة "هنت، ومنت" بأن التاء فيها ليست كالتاء في "أخت، وبنت" لأن التاء في "هنت" في الوصل خاصة، وتبدل هاء في الوقف، فليست بلازمة، وفي "منت" في الوقف خاصة، وتذهب في الوصل بخلاف تاء "أخت، وبنت" فإنهما يثبتان وصلا ووقفًا على صورتهما.
وفي المسألة مذهب ثالث للأخفش، وهو حذف التاء ورد المحذوف، وإبقاء الاسم على وزنه فتقول١: أخوي وبنوي؛ بسكون الخاء والنون وضم الهمزة وكسر الباء الموحدة ويجب حذف التاء من "ابنة" اتفاقًا، فيقال: "ابني" أو "بنوي" كما يأتي في "ابن".
"ويجوز رد اللام وتركها فيما عدا ذلك"، وهو ما صحت عينه ولم ترد لامه في تثنية ولا جمع "نحو: يد، ودم" مما لامه معتلة محذوفة، ولم يعوض منها شيء، "وشفة" مما لامه صحيحة محذوفة، وعوض منها تاء التأنيث.
"تقول: يدوي" برد المحذوف، وقلب الياء واوا كراهة اجتماع الكسرة والياءات: "أو يدي" بغير رد للمحذوف، "ودموي" بالرد، والقلب، "أو دمي" بغير رد، "وشفي" بغير رد، "أو: شفهي" بحذف التاء، ورد الهاء المحذوفة، وما ذكره في "شفي، وشفهي" بالرد وعدمه، "قاله الجوهري٢، وغيره.
وقول ابن الخباز: إنه لم يسمع إلا "شفهي" بالرد لا يدفع ما قلناه" من جواز الأمرين "إن سلمناه، فإن المسألة" التي نحن فيها، وهي جواز رد اللام وتركه "قياسية، لا سماعية"، حتى يقتصر على المسموع منها.
"ومن قال" في: شفة "إن لامها واو؛ فإنه يقول إذا رد" اللام: "شفوي" بالواو، و"الصواب ما قدمناه" من أنه يقال: "شفهي" بالهاء، لأن لامها هاء٣ "بدليل" رجوعها في قولك: "شافهت، والشفاه" بالهاء، لأن إسناد الفعل إلى التاء، والتكسير يردان الأشياء إلى أصولها.
_________________
(١) ١ الارتشاف ١/ ٢٨٨. ٢ الصحاح "شفه". ٣ الكتاب ٣/ ٣٥٧-٣٥٨.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وأصل "يد، ودم، وشفة، "فَعْل" بسكون العين، أما "يد" فلا خلاف فيها، وأما "دم" فعلى الصحيح عند سيبويه والأخفش١. وذهب المبرد إلى أنه "فَعَل" بفتح العين، وضعفه الجاربردي٢. وأما "شفة" فنص صاحب الضياء على أنها بسكون الفاء.
وإذا ثبت أن هذه الثلاثة أصلها السكون فيأتي فيها الخلاف بين سيبويه والأخفش من الرد إلى السكون الأصلي وعدمه. "وتقول في: ابن، واسم" مما حذف لامه، وعوض منه همزة الوصل: "ابني: واسمي" بعدم رد اللام، "فإن رددت اللام" حذفت الهمزة. "وقلت: بنوي، وسموي، بإسقاط الهمزة"، ولا تقول: "ابنوي، واسموي" بالهمزة ورد اللام "لئلا يجمع بين العوض" وهو الهمزة، "والمعوض منه" وهو الواو، ويأتي الخلاف في الرد إلى السكون الأصلي وعدمه، فسيبويه يقول٣: "سموي" بكسر السين وضمها وفتح الميم، والأخفش يسكن الميم، ويقولان: بنوي٤، بالفتح لا غير. وتقول في "ابنم" بزيادة الميم: "بنمي، وابني، وبنوي"، ولا تقول: ابنموي؛ لما ذكر وعلى الأول فالنون تابعة في الكسر للميم كما تتبعها في الإعراب.
"وإذا نسبت إلى ما حذفت فاؤه، أو عينه رددتها" أي الفاء والعين "وجوبًا في مسألة واحدة، وهي أن تكون اللام معتلة، كـ: "يرى" علمًا" وأصل "يرى": "يرأى" نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم حذفت الهمزة، وهي عينه، "وكـ: شية"، وهو كل لون يخالف معظم اللون، وأصلها: "وشية" بكسر الواو، نقلت الكسرة إلى الشين، ثم حذفت الواو، وهي فاؤها، وعوض منها تاء التأنيث.
"فتقول في" النسب إلى "يرى" علمًا: "يرئي: بفتحتين" على الياء والراء "فكسرة" قبل الياء، وبرد العين: وهي الهمزة "على قول سيبويه في إبقاء الحركة بعد الرد" للمحذوف، "وذلك لأنه يصير" بعد الرد "يرأي" بفتح الياء والراء والهمزة "بوزن: جمزي" بالجيم والزاي "فيجب حينئذ حذف الألف" لأنها رابعة متحرك ثاني كلمتها، "وقياس قول أبي الحسن: يرئي" بسكون الراء وكسر الهمزة وحذف الألف. "أو: يرأوي" بقلب الألف واوًا، "كما تقول" في النسب إلى: ملهى "ملهي"
_________________
(١) ١ المقتضب ١/ ٢٣١، وفي شرح المفصل ٥/ ٨٤، أنه مذهب الأخفش أيضًا. ٢ شرح الشافية ١/ ١٧٠. ٣ الكتاب ٣/ ٣٦١. ٤ نسبة إلى "أبناء فارس" انظر الكتاب ٣/ ٣٦١، والارتشاف ١/ ٢٨٧، ولسان العرب "بنى".
[ ٢ / ٦٠٥ ]
بحذف الألف، "وملهوي" بقلبها واوًا، لأنه إذا رد المحذوف يرد الساكن إلى أصله، فإذا رد المحذوف، وهو الهمزة رجعت الفاء إلى سكونها الأصلي، فتصير "يرأى" بوزن "جرحى"، والمقصور إذا كانت ألفه رابعة، ثاني ما هي فيه ساكن كـ"حبلى" يجوز في ألفه وجهان: حذفها وقلبها واوًا.
"وتقول في" النسب إلى "شية: على قول سيبويه"١ في إبقاء الحركة بعد رد المحذوف: "وشوي" بكسر الواوين، وفتح الشين "وذلك لأنك لما رددت الواو" الأولى المحذوفة، وحذفت التاء "صار "الوشي" بكسرتين" متجاوزتين، كسرة الواو وكسرة الشين "كـ: إبل" بكسر الهمزة والباء، "فقلبت" الكسرة "الثانية فتحة" كراهية لتوالي الكسرتين والياءين، "كما تفعل في: إبل" إذا نسبت إليه، "فانقلبت الياء ألفًا" لتحركها وانفتاح ما قبلها، "ثم" انقلبت "الألف واوًا"، لأن الألف المقصورة الثالثة يجب قلبها واوًا.
"و" تقول "على" قول "أبي الحسن: وشيي"٢ بكسر الواو والياء الأولى وسكون الشين بينهما، لأنه يرد العين إلى سكونها الأصلي.
وحيث عاد السكون الأصلي امتنع قلب الياء ألفًا، إذ لا مقتضى له، "ويمتنع الرد في غير ذلك" المذكور من الوجوب٣، "تقول في" النسب إلى "سه" بفتح السين المهملة وبالهاء، وهو الدبر مما حذفت عينه. "وعدة" بكسر العين مصدر "وعد" مما حذفت فاؤه. "وأصله: سته، ووعد" بكسر الواو، فحذف٤ من الأول عينه، وهي التاء، ومن الثاني فاؤه. وهي الواو، وعوض منها تاء التأنيث "بدليل" رجوعه إلى الأصل في "أستاه" جمع "سه"، "والوعد" بفتح الواو بغير تاء: "سهي" بلا رد، "لا ستهي" برد العين "وعدي" بلا رد، "لا وعدي" برد الفاء "لأن لامهما صحيحة".
وإنما لم يرد المحذوف منهما فرقًا بين النسبة إلى ما حذف٤ منه اللام، وما حذفت منه العين والفاء. ولم يعكس، لأن اللام محل التغيير، فهو أولى بالرد، وجاء "عدوي" في النسبة إلى "عدة" وليس هذا ردًّا للفاء المحذوفة، والأوجب٥ أن يقال: "وعدي"، بل هو كالعوض عن المحذوف.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٣٦٩، ٣٧٠. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٧١ والارتشاف ١/ ٢٨٥. ٣ في حاشية يس ٢/ ٣٢٥: "قوله: من الوجوب، لو أبدله بقوله: مما كانت لامه معتلة". ٤ في "ب": "فحذفت". ٥ في "ط": "وإلا لوجوب".
[ ٢ / ٦٠٦ ]
"وإذا سميت بثنائي الوضع" حال كونه "معتل الثاني ضعفته"، أي الثاني "قبل النسب"، فزدت عليه من جنسه مثله، "فتقول في "لو" و"كي" علمين: "لوّ" و"كيّ" بالتشديد فيهما١" وذلك أنك زدت على الواو واوًا، وعلى الياء ياء، ثم أدغمت إحداهما في الأخرى. "وتقول في "لا" علمًا "لاء" بالمد"، وذلك أنك زدت على الألف ألفًا أخرى، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة هربًا من تجاور ساكنين، وقيل: زيدت الهمزة من أول الأمر.
"فإذا نسبت إليهن قلت: لويّ" بتشديد الواو. "وكيوي" لما تقرر أن حرف العلة المشدد إذا كان بعد الحرف الأول إن كان ياء ترد الياء الأولى إلى أصلها، وتفتح كما في "نمر"، وتقلب الثانية واوًا لئلا تجتمع الياءات، وإن كان واوا بقيت، إذ ليس اجتماع الواوين والياءين في الاستثقال كاجتماع الياءات الأربع، "ولائي، أو لاوي" لما تقرر أن الهمزة إذا كانت بدلا من أصل يجوز فيها التصحيح والقلب واوًا٢ هذا إذا قلنا: زدنا على الألف ألفًا، ثم أبدلناها همزة.
وأما من قال، زدنا همزة من أول الأمر، فإنه يقول: "لائي" لا غير، ولا يجوز "لاوي" إلا على قول بعضهم، "قراوي" قاله ابن الخباز٣. "كما يقول في النسب إلى: الدو" بفتح الدال المهملة وتشديد الواو، وهو البادية، "والحي" بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء وهو القبيلة، "والكساء" بالمد، "دوي" بتشديد الواو، "وحيوي" بفتح الياء "وكسائي" بالتصحيح. "وكساوي" بقلب الهمزة واوًا، ولا يخفى ما في كلامه من التنظير باللف والنشر على الترتيب٤.
وحاصل الفصل أن المنسوب إليه المحذوف أحد أصوله ثلاثة أنواع: محذوف الفاء، ومحذوف العين، ومحذوف اللام، والأولان نوعان: ما يجب فيه الرد. وما يمتنع.
_________________
(١) ١ في شرح ابن الناظم ص٥٧٠، "إذا كان؛ ثالثه؛ حرفًا معتلا وجب تضعيفه، فيقال في لو: لويّ، أصله لووي"، وانظر الكتاب ٢/ ١٤٨. ٢ الكتاب ٢/ ١٤٨. ٣ حاشية الصبان ٤/ ١٩٧. ٤ اللف والنشر: أن يذكر الناظم في أول البيت أسماء متعددة غير تامة المعنى، ثم يقابلها بأشياء يعددها من غير الأضداد تتمم معناه؛ إما بالجمل، وإما بالألفاظ المفردة، كقول ابن حيوس: فِعْلُ المدام ولونها ومذاقها في مقليته ووجنتيه وريقه انظر شرح الكافية البديعية لصفي الدين الحلي، ص٧٦.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
فالأول: ما لامه معتلة نحو: "شية، ويرى" علمًا.
والثاني: ما لامه صحيحة نحو: "عدة، وسه".
والثالث: نوعان: واجب الرد، وجائزه.
والأول ثلاثة أنواع: ما ترجع لامه في التثنية كـ: "أب، وأخ" وما ترجع في الجمع بالألف والتاء كـ: "أخت، وبنت، وسنة"، وما عينه معتلة نحو: "شاة، وذو".
والثاني: ما عدا ذلك نحو: "يد، ودم، وشفة" والنسبة إلى ثنائي الوضع خارجة عن ذلك.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
فصل:
"وينسب إلى الكلمة الدالة على جماعة على لفظها أن أشبهت الواحد بكونها اسم جمع" له مفرد من لفظه. أو لا. فالأول: كـ"صحبي، وركبي"، والثاني: "كـ: قومي ورهطي"، ولا يرد إلى مفرده في اللفظ، فلا يقال: "صاحبي، وركبي"، ولا إلى مفرده في المعنى، فلا يقال: "رجلي"، لأن اسم الجمع بمنزلة المفرد.
"أو" بكونها "اسم جنس كـ: شجري"، لا يقال: يحتمل أن يكون منسوبًا إلى مفرده وهو "شجرة" وحذفت التاء كما في "مكي"، لأننا نقول: ليس الأمر كذلك، وإنما هو منسوب إلى الجماعة١ بدليل قولهم في النسب إلى "الشعير"٢: "شعيري" بإثبات الياء بعد العين، ولو كان منسوبًا إلى "الشعيرة" لقيل: "شعري" بحذف الياء المثناة تحت، لأن "شعيرة فعلية"، وقياس "فعلية: فعلي" كـ: "فرضي" في "فريضة"، قاله خطاب المادري في الترشيح.
"أو" بكونها "جمع تكسير" حال كونه "لا واحد له" من لفظه "كـ: أبابيلي" و"عبابيدي"، والعباديد: الفرق من الناس الذاهبون في كل وجه، أوله واحد، ولكنه شاذ كـ: "محاسني" جمع "حسن": حكاه أبو زيد٣، نزلوا الشاذ منزلة المعدوم.
"أو" حال كونه "جاريًا مجرى العلم"، لاختصاصه بطائفة بأعيانهم، "كـ: أنصاري" نسبة إلى "الأنصار"، لأنه غلب على قوم بأعيانهم، حتى التحق بالأعلام، و"الأصولي" نسبة إلى "الأصول"، لأنه غلب على علم خاص، حتى صار كالعلم عليه.
"وأما نحو: "كلاب، وأنمار": علمين" لقبيلتين، و"ضباب، ومداين، ومعافر" أعلامًا "فليس مما نحن فيه لأنه واحد" بالشخص، وانسلخ عنه الجمعية بواسطة العلمية، "فالنسب إليه على لفظه من غير شبهة" ولا تردد، فيقال: "كلابي وأنماري، وضبابي، ومدايني، ومعافري".
_________________
(١) ١ في "ب": "الجمع. ٢ في "ب": "الشعر". ٣ الارتشاف ١/ ٢٨٩.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وقد يرد الجمع المسمى به إلى الواحد إن أمن اللبس، قاله في التسهيل١. ومثلوه بـ"الفراهيد" بالفاء والراء والدال المهملتين، علمًا على بطن من الأزد، وإليه ينسب الخليل بن أحمد الفراهيدي، فقالوا: "الفراهيدي" على لفظ الجمع، و"الفرهودي" نسبًا إلى واحده لأمن اللبس، إذ ليس لنا قبيلة تسمى بالفرهود، وفيه نظر. قال في الصحاح٢: الفرهد بالضم: الغليظ، والفرهود حي من نجد، وهو بطن من الأزد انتهى. فاللبس حاصل إذا قيل: "فرهودي" فإنه يوهم أنه منسوب إلى "الفرهود" إذا قيل: إنه أبو بطن.
"وفي غير ذلك" المذكور من اسم الجمع، والجنس، والجمع الذي لا واحد له، والجاري مجرى العلم "يرد" الجمع "المكسر إلى مفرده، ثم ينسب إليه"٣، ولم ينسب إلى الجمع على حاله ليحصل الفرق بين النسب إليه على حاله، والنسب إليه مسمى به، هذا تعليل سيبويه٤، وعلله غيره بأن المطلوب من النسب إلى الجمع الدلالة على أنه بينه وبين ذلك الجنس ملابسة.
وهذا المعنى يحصل بالمفرد مع حصول الفرق بين النسب إليه جميعًا، وبينه مسمى به، "فتقول في النسب إلى: فرائض" جمع فريضة، "وقبائل" جمع قبيلة، "وحمر" بالسكون جمع "أحمر" أو "حمراء"، "فرضي، وقبلي؛ بفتح أولهما وثانيهما"، وذلك لأنك رددتهما إلى "فريضة، وقبيلة، ونسبت إليهما فحذفت الياء المثناة تحت، وتاء التأنيث، وقلبت الكسرة فتحة كما في "نمر"، "و: أحمري، و: حمراوي"، وذلك لأن حمراء" إما جمع "أحمر" أو جمع"حمراء"، فإن كان جمع "أحمر" رددته إليه وقلت: "أحمري"، وإن كان جمع "حمراء" رددته إليها وقلت: "حمراوي" لأن الهمزة فيه للتأنيث، وهمز التأنيث يجب قلبه واوًا في النسب، وإنما قال: يرد المكسر إلى مفرده، ولم يقل: يرد الجمع إلى مفرده لأن جمع التصحيح لا يرد إلى مفرده وإنما تحذف منه علامة الجمع، ويظهر أثر ذلك في نحو: "تمرات وتمار" فإن نسبت إلى "تمرات" قلت، "تمري" بفتح الميم، وإن نسبت إلى "تمار" قلت: "تمري" بالسكون.
_________________
(١) ١ التسهيل ص٢٦٥. ٢ الصحاح "فرهد". ٣ شرح المفصل ٦/ ٩. ٤ الكتاب ٣/ ٣٨، ٧٨.
[ ٢ / ٦١٠ ]
فصل:
"وقد يستغنى عن ياءي النسب بصوغ المنسوب إليه على: فعال" بفتح أوله وتشديد ثانيه، "وذلك غالب في الحِرَف"١ جمع حرفة، "كـ: بزاز" بزايين معجمتين لبياع البز، "ونجار" بالنون والجيم لمن حرفته النجارة، "وعواج" لبياع العاج "وعطار" لبياع العطر، ومن غير الغالب ما أشار إليه بقوله: "وشذ قوله" وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل] .
٩٢٣-
وليس بذي رمح فيطعنني به وليس بذي سيف وليس بنبال
"أي: بذي نبل"، بدليل ما قبله، فاستعمال "فعال" في غير الحرف بمعنى ذي كذا، "وحمل عليه قوم من المحققين"٢، كما قال ابن مالك: " ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ " [فصلت: ٤٦] أي: بذي ظلم٣.
والذي حملهم على ذلك أن النفي منصب على المبالغة، فيثبت أصل الفعل، والله تعالى منزه عن ذلك.
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٧١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٠٦، وشرح المرادي ٥/ ١٥١، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٦٢.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص٣٣، وشرح ابن الناظم ص٥٧١، وشرح أبيات سيبويه ٣/ ٢٢١، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤١، وشرح المرادي ٥/ ١٥٢، وشرح المفصل ٦/ ١٤، والكتاب ٢/ ٣٨٣، ولسان العرب ١١/ ٦٤٢ "نبل"، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٤٠، وتاج العروس "نبل"، وبلا نسبة في أساس البلاغة "نبل" وأوضح المسالك ٤/ ٣٩٩، وشرح الأشموني ٣/ ٧٤٥، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٦٢، ومغني اللبيب ١/ ١١١، والمقتضب ٣/ ١٦٢. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٧١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٠٦، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٦٣، وشرح الأشموني ٣/ ٧٤٥. ٣ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٦٣.
[ ٢ / ٦١١ ]
وأمثلة "فعال" كثيرة، ومع كثرتها فقال سيبويه١، غير مقيسة، فلا يقال لصاحب الدقيق. "دقاق"، ولا لصاحب الفاكهة "فكاه"، ولا لصاحب البر، بالراء المهملة: "برار" ولا لصاحب الشعير: "شعار" انتهى٢.
والمبرد يقيس هذا٣.
"أو" بصوغ المنسوب إليه "على: فاعل، أو على: فَعِل"٤ بفتح أوله، وكسر ثانيه "بمعنى ذي كذا.
فالأول، كـ: تامر"، أي: ذي تمر، "ولابن"، أي: ذي لبن، "وطاعم"، أي ذي طعام، "وكاسي"، أي ذي كساء.
"والثاني، كـ: طَعِم"، أي: ذي طعام "ولَبِن"، أي: ذي لبن، "ونَهِر"، أي: ذي نهار، "قال" الراجز: [من الرجز]
٩٢٤-
لست بليلي ولكني نهر لا أدلج الليل ولكن أبتكر
أنشده سيبويه في كتابه٥، اي: ولكني نهار، أي: عامل بالنهار.
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٣٨١، وانظر شرح المفصل ٦/ ١٥. ٢ في شرح المفصل ٦/ ١٥: "وقد قيل دقاق، ومثل ذلك الكسائي نسب على قياس النسب، والفراء على قياس البزاز والعطار". ٣ المقتضب ٣/ ١٦١. ٤ شرح ابن الناظم ص٥٧١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٠٦، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٦٢-١٩٦٣، وشرح المفصل ٦/ ١٥.
(٢) الرجز بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٤١، وشرح ابن الناظم ص٥٧٢، وشرح الأشموني ٣/ ٧٤٥، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٠٦، وشرح عمدة الحافظ ص٩٠٠، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٦٣، وشرح المرادي ٥/ ١٥٤، والكتاب ٣/ ٣٨٤، ولسان العرب ٥/ ٢٣٨ "نهر" ١١/ ٦٠٨، "ليل" والمقاصد النحوية ٤/ ٥٤١، والمقرب ٢/ ٥٥، ونوادر أبي زيد ص٢٤٩، وأساس البلاغة "خني" و"نهر"، وتهذيب اللغة ١٥/ ٤٤٣، وكتاب العين ٤/ ٤٤. ٥ الكتاب ٣/ ٣٨٤.
[ ٢ / ٦١٢ ]
فصل:
وما خرج" في النسب "عما قررناه في هذا الباب فشاذ"١، وذلك تسعة أقسام:
أحدها: بالتحريف فقط، "كقولهم: أموي؛ بالفتح" في الهمزة؛ نسبة إلى "أمية" بضم الهمزة، "وبصري؛ بالكسر" في الباء؛ نسبة إلى "البصرة" بفتح الباء، "ودهري للشيخ الكبير، بالضم" في الدال نسبة إلى "الدهر" بفتح الدال.
"و" الثاني: بالزيادة فقط، كقولهم: "مروزي، بزيادة الزاي" نسبة إلى "مرو"، "ورباني، وفوقاني، وسفلاني، وتحتاني"، نسبة إلى: "الرب، وفوق وأسفل، وتحت" قاله طاهر بن أحمد القزويني.
"و" الثالث: بالنقص فقط، كقولهم: "بدوي، بحذف الألف" نسبة إلى: "البادية" و"خراسي" بحذف الألف والنون نسبة إلى "خراسان"، و"جلولي" بحذف الألف نسبة إلى: "جلولاء" بالجيم والمد قرية بناحية فارس، "وحروري، بحذف الألف والهمزة" نسبة إلى "حروراء" بمهملات والمد، قرية بظاهر الكوفة ينسب إليها الخوارج الحرورية.
والرابع: بالحذف، والتحريف نحو: "عالية وعلوي، وشتاء، وشتوي، وخريف وخرفي" بفتح فسكون، "وخرفي"، بفتحتين.
والخامس: بالزيادة والتحريف نحو: "أنف، وأنافي".
والسادس: بالزيادة، والحذف نحو: "رازيّ" نسبة إلى "الري".
والسابق: بالقلب فقط نحو: "طائي، وصنعاني، وبهراني، وروحاني" نسبة إلى "طيئ، وصنعاء، وبهراء، وروحاء".
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٦٤، وشرح ابن الناظم ص٥٧٢، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٠٧، والكتاب ٣/ ٣٣٥-٣٣٧.
[ ٢ / ٦١٣ ]
والثامن: بالقلب والتحريف نحو: "ثوب حاري" نسبة إلى "الحيرة" بالحاء المهملة، فأما الإنسان فـ"حيري".
والتاسع: بتوفير ما يستحق التغيير نحو: "أميي" نسبة إلى أمية، و"بحراني" بالحاء المهملة نسبة إلى البحرين: اسم موضع.
ولذلك أسباب اقتصر الموضح منها على أربعة:
أحدها: الاستغناء بشيء عن شيء، ومثل له بمثالين: أموي، وبصري"، فالأول كأنه منسوب إلى المكبر، وهو "أمية"، والثاني كأنه منسوب إلى "البصرة"، وهي حجارة بيض توجد في البصرة.
وثانيها: التفرقة بين نسبتين إلى لفظ واحد قصدًا إلى إزالة اللبس. ومثل له بمثالين: "دهري، ومرزوي" فالأول للفرق بينه وبين "الدهر" بفتح الدال، وهو القائل بالدهر من الملحدة، والثاني للفرق بينه وبين المنسوب إلى "المروة".
وثالثها: العدول من الثقل إلى الخفة، ومثله بمثال واحد هو: "بدوي".
ورابعها: تشبيه الشيء بالشي، ومثله بمثالين: جلولي، وحروري" فحذفوا الهمزة تشبيها للممدود بالمقصور.
[ ٢ / ٦١٤ ]
باب الوقف
مدخل
باب الوقف:
وهو قطع المنطق عند آخر الكلمة، والمراد هنا الاختياري بالياء المثناة التحتانية، لا الاختياري بالموحدة، ولا الإنكاري، ولا التذكيري، ولا الترنمي، ويقابله الابتداء والابتداء عمل، فيكون الوقف استراحة عن ذلك العمل، ويتفرع عن قصد الاستراحة في الوقف ثلاثة مقاصد، فيكون لتمام الغرض من الكلام، ولتمام النظم في الشعر، ولتمام السجع في النثر، وهو أحد عشر نوعًا:
الأول: الإسكان المجرد.
الثاني: الروم.
الثالث: الإشمام.
الرابع: إبدال الألف.
الخامس: إبدال تاء التأنيث هاء.
السادس: زيادة الألف.
السابع: إلحاق هاء السكت.
الثامن: إثبات الواو والياء أو حذفهما.
التاسع: إبدال الهمزة.
العاشر: التضعيف.
الحادي عشر: نقل الحركة.
والمذكور هنا سبعة جمعها بعضهم في بيت فقال: [من البسيط]
نقل وحذف وإسكان ويتبعها الـ ـتضعيف والروم والإشمام والبدل
[ ٢ / ٦١٥ ]
أما إلحاق هاء السكت فلبيان الحركة، ثم الموقوف عليه تارة يكون منونًا وتارة يكون غير منون.
فأما "إذا وقفت على منون" غير مؤنث بالتاء فللعرب فيه ثلاث لغات:
حذف التنوين مطلقًا، والوقف بالسكون مطلقًا، وهو لغة ربيعة.
وإبدال التنوين مطلقًا ألفًا بعد الفتحة، وواوًا بعد الضمة، وياء بعد الكسرة، وهي لغة الأزد.
والتفصيل بين المفتوح وغيره "فأرجح اللغات" الثلاث "وأكثرها أن يحذف تنوينه بعد الضمة والكسرة"، ويسكن ما قبل التنوين "كـ: هذا زيد، و: مررت بزيد" بسكون الدال في المثالين، "وأن تبدل ألفًا بعد الفتحة إعرابية كانت" الفتحة "كـ: رأيت زيًدا. أو بنائية كـ: إيها" بكسر الهمزة وسكون الياء التحتانية بمعنى: "انكفف"١، "و: ويها" بفتح الواو [وسكون الياء] ٢ بمعنى "أعجب"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٨١-
تنوينا اثر فتح اجعل ألفا وقفا وتلو غير فتح احذفا٣
وإنما أبدل التنوين بعد الفتحة ألفًا لأن التنوين يشبه٤ الألف من حيث كان٥ اللين في الألف يقاربه الغنة في التنوين، فأبدلوه ألفًا لما بينهما من المقاربة. ولم يبدل بعد الضمة واوًا وبعد الكسرة ياء لمكان [ثقل الواو والياء في نفسهما، وإذا اجتمعت الضمة مع الواو، والكسرة مع الياء زاد الثقل، ولم يكن في الفتحة مع الألف ثقل فتركوها] ٦ على حالها.
وأما المؤنث بالتاء فإن تنوينه يحذف مع الضمة، كما يحذف مع غيرها، وتبدل التاء هاء، ومن وقف بالتاء فإنه يبدل من التنوين ألفًا بعد الفتحة ويقول: "قائمتا" على إحدى اللغتين. وإذا وقف على المقصور المنون وجب إثبات الألف في الأحوال الثلاثة، وفيه ثلاثة أقوال:
_________________
(١) ١ في شرح شذور الذهب ص١١٦: "ولا تقل بمعنى اكفف، كما يقول كثير منهم". ٢ إضافة من "ب". ٣ ما بين المعكوفين سقط من "ب". ٤ في "ط": "شبيه". ٥ في "ط": "أن". ٦ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٦١٦ ]
أحدها: اعتباره بالصحيح. فالألف في النصب بدل من التنوين، وفي الرفع والجر بدل من لام الكلمة، فإذا قلت: "هذا فتى، و: مررت بفتى"، ووقفت عليه، فالألف هي الأصلية نظير الدال من "زيد، وإذا قلت: "رأيت فتى" فالألف هي المبدلة من التنوين نظير الألف في "رأيت زيدًا" وحذفت الألف الأصلية لاجتماع الساكنين، هذا مذهب سيبويه١ فيما نقل أكثرهم، قيل: ومعظم النحويين عليه.
القول الثاني: أن الألف بدل من التنوين في الأحوال الثلاثة، واستصحب حذف الألف المنقلبة وصلا ووقفًا، هذا مذهب أبي الحسن، والفراء، والمازني٢.
والقول الثالث: أنها الألف المنقلبة في الأحوال الثلاثة، وأن التنوين حذف، فلما حذف عادت الألف، وهو مروي عن أبي عمرو والكسائي وابن كيسان والسيرافي٣، ونقله ابن الباذش عن سيبويه، والخليل٤، وفي الألف الموقوف عليها لغات٥:
أشهرها أن تقر على صورتها.
الثانية: قلبها ياء، لأن الياء أبين من الألف، وهي لغة فزارة، وبعض قيس.
والثالثة: قلبها واوًا، لأن الواو أبين من الياء، وهي لغة بعض طيئ؟
والرابعة: قلبها همزة، لأن الهمزة أخت الألف، وهي أبين الحروف كلها، وهي لغة بعض طيئ أيضًا، وليس من لغتهم التخفيف، ويحتمل القلب فيهن أن تكون من الألف الأصلية، وأن تكون من المبدلة من التنوين على الخلاف السابق.
"وشبهوا "إذن" بالمنون المنصوب، فأبدلوا نونها في الوقف ألفًا، هذا قول الجمهور"٦، وإلى [ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٨٣-
وأشبهت إذن منونا نصب فألفا في الوقف نونها قلب٧
"وزعم بعضهم أن الوقف عليها بالنون٨، واختاره ابن عصفور" في شرح
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ١٨١. ٢ انظر الارتشاف ١/ ٣٩٣، وشرح المرادي ٥/ ١٥٦. ٣ انظر شرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٨٢-١٩٨٣. ٤ الكتاب ٤/ ١٨١. ٥ الارتشاف ١/ ٣٩٣، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٨٤. ٦ الارتشاف ١/ ٣٩٣، وشرح المرادي ٥/ ١٥٩. ٧ ما بين المعكوفين سقط من "ب". ٨ شرح المرادي ٥/ ١٥٩.
[ ٢ / ٦١٧ ]
الجمل١، وبنى على ذلك أنها تكتب بالنون٢. قال الموضح، وليس كما ذكر٢، "وإجماع القراء السبعة على خلافه"، فإنهم أجمعوا على الوقف على نحو: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا﴾ [الكهف: ٢٠] بالألف٢. لكن في حواشي مبرمان على الكتاب قال٣: علّ الناس يقفون على "إذن" بالألف، والمازني يخالفهم، ويقول: هي حرف بمنزلة "لن" وهي بـ"لن" أشبه منها بالأسماء. قال٣. وهذا قول حسن، وهو قول المبرد في الكفاية، وهذه حجته٣. وذهب أبو سعيد علي بن مسعود في المستوفى إلى أن أصل "إذن": "إذا" لما يستقبل، ثم ألحق النون عوضًا عن المضاف إليه كما في: "يومئذ"، وعلى هذا يصح وجه الوقف عليها بالألف.
"وإذا وقف على هاء الضمير" الموصول بحرف ساكن من جنس حركتها، "فإن كانت الهاء مفتوحة تثبت صلتها. وهي الألف" لخفتها "كـ: رأيتها، و: مررت بها" بإثبات الألف بعد الهاء، "وإن كانت" الهاء "مضمومة أو مكسورة"، وكان ما قبلها متحركًا "حذفت صلتها؛ وهي الواو" في المضمومة، "والياء" في المكسورة، "كـ: رأيته بحذف الواو بعد الهاء. "و: مررت به" بحذف الياء بعد الهاء لاستثقال الواو والياء.
وهل هما من نفس الضمير كما في "هو، وهي" أو زائدتان للإشباع.
رجح ابن الصايغ الأول٤، والزجاج الثاني٤، واختلف النقل عن سيبويه٥، فالزجاج نسب إليه الأول٤، والمازني نسب إليه الثاني.
فإن قلنا بالأول فلا بد من إخراج "هو" و"هي" من حكم الحذف، فلا يجوز حذف الواو من "هو"، ولا الياء من "هي" لتعاصيهما بالحركة عن الحذف، بل يقال في الوقف: "هُوْ، وهِيْ" بالسكون، فلذلك قيدنا الكلام بقولنا: ساكن، وإن قلنا بالثاني فلا يحتاج إلى ذلك، واحترزنا بقولنا، وكان ما قبلها متحركًا من أن يكون قبل الهاء ساكن ثابت أو محذوف للجزم، أو للوقف، فإنه يجوز حذف صلتها في الاختيار، وإثباتها فيقول: "منه، ومنهو، وعليه، وعليهي، ولم يدعه، ولم يدعهو، ولم يرمه، ولم يرمهي، وادعه، وادعهو، وارمه، وارمهي". قاله الشاطبي.
_________________
(١) ١ شرح الجمل ٢/ ١٧٠، وكذا في شرح قطر الندى ص٣٢٧. ٢ شرح قطر الندى ص٣٢٧. ٣ الارتشاف ١/ ٣٩٢. ٤ شرح الشافية للرضي ٢/ ٣٠٨. ٥ الكتاب ٤/ ١٨٩.
[ ٢ / ٦١٨ ]
وفي غير ذلك لا يجوز إثبات صلة الضمير إذا كانت واوًا أو ياء، "إلا في الضرورة، فيجوز ثبوتها كقوله"، وهو رؤبة: [من الرجز] .
٩٢٥-
ومهمه مغبرة أرجاؤه كأن لون أرضه سماؤه
بإثبات الواو فيهما لفظًا لا خطا، لأن صلة الضمير المرفوع والمجرور لا صورة لها في الخط كالتنوين، قاله الموضح في الحواشي.
والمهمه: المفازة، والأرجاء: النواحي، والتشبيه فيه مقلوب، والأصل: كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه، فحذف المضاف، وعكس التشبيه مبالغة، "وقوله": [من الطويل]
٩٢٦-
تجاوزت هندا رغبة عن قتاله إلى ملك أعشو إلى ضوء ناره
بإثبات الياء فيهما لفظًا لا خطا كما تقدم، والضمير لـ"هند" وهو علم رجل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٨٢-
واحذف لوقف في سوى اضطرار صلة غير الفتح في الإضمار
وذكر في التسهيل١ أنه قد يحذف ألف ضمير الغائبة منقولا فتحة إلى ما قبلها اختيارًا كقوله: [من الوافر]
٩٢٧-
لست في لخم إخافه
أراد: إخافها، فنقل حركة الهاء إلى الفاء بعد سلب حركتها، وحذف الألف، واستشكل قوله: اختيارًا، فإنه يقتضي جواز القياس عليه، وهو قليل.
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ديوانه ص٣، والأشباه والنظائر ٢/ ٢٩٦، وخزانة الأدب ٦/ ٤٥٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٧١، ولسان العرب ١٥/ ٩٨ "عمي"، ومعاهد التنصيص ١/ ١٧٨، ومغني اللبيب ٢/ ٦٩٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٥٧، وتاج العروس ٩/ ٨٩، "كبد"، "عمى"، وبلا نسبة في أمالي المرتضى ١/ ٢١٦، والإنصاف ١/ ٣٧٧، وأوضح المسالك ٤/ ٣٤٢، وجواهر الأدب ص١٦٤، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٣٦، ٦٣٧، وشرح شذور الذهب ص٣٢٠، وشرح المفصل ٢/ ١١٨، والصحابي في فقه اللغة ص٢٠٢.
(٢) البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٤٣، وشرح المفصل ٥/ ٩٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٥٨. ١ التسهيل ص٣٢٨.
(٣) تمام البيت: فإني قد رأيت بدار قومي نوائب لست في لخم إخافه وهو بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٦٨، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٩١، والارتشاف ٣/ ٢٩٧، ٣١٣.
[ ٢ / ٦١٩ ]
"وإذا وقف على المنقوص وجب إثبات يائه في ثلاثة مسائل:
أحدها: أن يكون" المنقوص "محذوف الفاء، كما إذا سميت بمضارع: وفى" بالفاء، أو القاف، "أو" بمضارع "وعى" بالعين المهملة. "فإنك تقول" في الرفع: "هذا يفي، وهذا يعي"، وفي الجر: مررت بيفي، وبيعي "بالإثبات" للياء فيهما رفعًا وجرا، "لأن أصليهما "يوفي، ويوعي" فحذفت فاؤهما" لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة، "فلو حذفت لامهما" في الوقف "لكان إجحافًا" بهما، إذ لم يبق من أصولهما غير حرف واحد ساكن.
المسألة "الثانية: أن يكون" المنقوص "محذوف العين نحو: مر" حال كونه "اسم فاعل من: أرى، وأصله: مرئي" بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه "بوزن "مرعي" فنقلت" الكسرة، وهي "حركة عينه، وعينه هي الهمزة إلى الراء" قبلها، وهي ساكن صحيح، "ثم أسقطت" الهمزة للتخفيف، ثم أعل إعلال "قاض"، "ولم يجر حذف الياء"، وهي لامه "في الوقف لما ذكرنا" من الإجحاف به من حذف عينه. ولامه، وإبقائه على أصل واحد ساكن، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٨٨٥-
وفي نحو مر لزوم رد اليا اقتفي
المسألة "الثالثة: أن يكون" المنقوص "منصوبًا منونًا١ كان، نحو: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، أو غير منون١ نحو: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ " [القيامة: ٢٦] فيجب إثبات الياء فيهما وقفًا، لأنها تحصنت في الأول بألف التنوين، وفي الثاني بـ"أل"، "فإن كان" المنقوص "مرفوعًا أو مجرورًا جاز إثبات يائه" في الوقف، لأنها كانت ثابتة في الوصل، ولم يحدث ما يوجب حذفها، "و" جاز "حذفها" فرقًا بين الوصل والوقف، "ولكن الأرجح" من الوجهين مختلف٢.
فالأرجح "في المنون الحذف" عند سيبويه "نحو: هذا قاض، و: مررت بقاض"، ويجوز: "هذا قاضي، و: مررت بقاضي"، بإثبات الياء، ورجحه يونس "و" بذلك "قرأ ابن كثير: "ولكل قوم هادي""٣ [الرعد: ٧]، و: "وَمَا عِنْدَ اللهِ
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٨٥، وشرح ابن الناظم ص٥٧٤. ٢ في "ب": "مختلفين. ٣ الرسم المصحفي: ﴿هَادٍ﴾ والقراءة المستشهد بها قرأها أيضًا قنبل ويعقوب. انظر الإتحاف ص٢٧٠، والنشر ٢/ ١٣٧، وشرح ابن الناظم ص٥٧٤، وشرح قطر الندى ص٣٢٦.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
بَاقِي"١ [النحل: ٩٦]، "و: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ "٢ [الرعد: ١١] بإثبات الياء فيهن.
"والأرجح في غير المنون"، وهو المقرون بـ"أل" "الإثبات" للياء "كـ: هذا القاضي، ومررت بالقاضي". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٨٤-
وحذف يا المنقوص ذي التنوين ما لم ينصب اولى من ثبوت فاعلما
٨٨٥-
وغير ذي التنوين بالعكس
ويجوز الوقف عليهما بالحذف كـ: هذا القاض، ومررت بالقاض، وبذلك وقف الجمهور٣ على: "المتعال"، و"التلاق" من قوله تعالى، وهو: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]، ووقف ابن كثير بالياء على الوجه الأرجح٤، وحجة من أثبت الياء في المنون حالة الوقف أن الياء إنما جاز حذفها لأجل التنوين، ولا تنوين في الوقف، فوجب أن تعود، وحجة من حذفها في غير المنون في الوقف أنه قدر الوقف على المنكر بحذف الياء والتنوين ثم أدخل عليه الألف واللام بعد حذفها، وحجة الأول أقوى.
واعلم أن المنقوص غير المنون أربعة أنواع:
أحدها: ما سقط تنوينه بدخول "أل" وقد تقدم.
والثاني: ما سقط تنوينه للنداء نحو "يا قاضي"، فالخليل يختار فيه الإثبات، لأن الحذف مجاز٥، ولم يكثر، ويونس يختار الحذف لأن النداء محل حذف٥.
والثالث: ما سقط تنوينه لمنع الصرف نحو: "رأيت جواري" نصبًا، فيوقف عليه بإثبات الياء كما تقدم في المنصوب.
والرابع: ما سقط تنوينه للإضافة نحو: قاضي مكة، فيجوز فيه الوجهان الجائزان
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي: ﴿بَاقٍ﴾، والقراءة المستشهد بها قرأها أيضًا قنبل ويعقوب، انظر الإتحاف ص٢٨٠، والنشر ٢/ ١٣٧، وشرح ابن الناظم ص٥٧٤، وشرح قطر الندى ص٣٢٦. ٢ الرسم المصحفي: ﴿وَالٍ﴾ . والقراءة المستشهد بها قرأها أيضًا قنبل ويعقوب. انظر الإتحاف ص٢٧٠، والنشر ٢/ ١٣٧، وشرح ابن الناظم ص٥٧٤، وشرح قطر الندى ص٣٢٦. ٣ كما في الرسم المصحفي. ٤ وكذلك قرأ أبو عمرو ويعقوب في "المتعال". انظر الإتحاف ص٢٧٠، والنشر ٢/ ٢٩٨، وشرح قطر الندى ص٣٢٦، وكذلك قرأ قالون ويعقوب في "التلاق"، انظر الإتحاف ص٣٧٨، والنشر ٢/ ٣٦٦، وشرح قطر الندى ص٣٢٦. ٥ الكتاب ٤/ ١٨٤.
[ ٢ / ٦٢١ ]
في المنون، [قالوا، لأنه لما زالت الإضافة بالوقف عليه عاد إليها ما ذهب بسببها، وهو التنوين، فجاز فيه ما جاز في المنون] ١. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٨٥-
وحذف يا المنقوص ذي التنوين ما
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٦٢٢ ]
فصل:
"ولك في الوقف على المحرك الذي ليس هاء التأنيث خمسة أوجه:
أحدها أن تقف بالسكون" المجرد عن الروم والإشمام، سواء في ذلك المنون وغيره، والمعرب والمبني، هذا هو الأكثر والأغلب. "وهو الأصل"، لأن سلب الحركة أبلغ في تحصيل غرض الاستراحة. قال أبو حيان١، وعلامته خاء فوق الحرف، هكذا جعلها سيبويه٢ خ، والمراد خف أو خفيف، وناقشه الموضح فقال: إنما هي رأس جيم أو رأس ميم، وكلاهما مختصر من اجزم. انتهى.
والظاهر أنها رأس حاء مهملة مختصرة من استرح لما مر من أن الوقف استراحة.
وجعلها بعض الكتاب دائرة، لأن الدائرة صفر، وهو الذي لا شيء فيه من العدد، وجعلها بعضهم دالا، وكأنهم لما رأوها بغير تعريف ظنوها دالا.
"ويتعين ذلك" السكون "في الوقف على تاء التأنيث" إذ لا يتأتى فيها الأوجه الباقية.
"و" الوجه "الثاني: أن تقف بالروم، وهو إخفاء الصوت بالحركة"، فلا تتمها، بل تختلسها اختلاسًا تنبيها على حركة الأصل، قاله الجاربردي٣. "و" لا يختص بحركة بعينها، بل "يجوز في الحركات كلها"، ويحتاج في الفتحة إلى رياضة لخفة الفتحة، وتناول اللسان لها بسرعة "خلافًا للفراء في منعه إياه٤" أي الروم "في الفتحة. وأكثر القراء" السبعة "على اختيار قوله"، ووافقهم أبو حاتم على المنع٥، لأنه يشبه الثوباء فيفضي إلى تشويه صورة الفم، وعلامة الروم خط بين يدي الحرف، وهذه صورته: "ـ".
_________________
(١) ١ الارتشاف ١/ ٣٧٩. ٢ الكتاب ٤/ ١٦٩. ٣ شرح الشافية ٢/ ٢٦٠. ٤ شرح ابن الناظم ص٥٧٥، والارتشاف ١/ ٣٩٧، والكتاب ٤/ ١٧١. ٥ الارتشاف ١/ ٣٩٧.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
الوجه "الثالث: أن تقف بالإشمام، ويختص بالمضموم"، ولا يكون في المفتوح والمكسور، لأن في الإشارة إلى الفتحة والكسرة تشويهًا لهيئة الفم، وروي الإشمام عن بعض القراء في الجر. وحمل ذلك على الروم على اصطلاح بعض الكوفيين الآتي.
"و" الإشمام "حقيقته الإشارة بالشفتين إلى الحركة بعيد الإسكان من غير تصويت" يسمع، والمراد أن تضم شفتيك بعد الإسكان، وتدع بينهما بعض الانفراج، ليخرج منه النفس فيراهما المخاطب مضمومتين، فيعلم أنك أردت بضمهما الحركة، فهو شيء يختص بإدراك العين دون الأذن، لأنه ليس بصوت يسمع، بل هو تحريك عضو،
وبعض الكوفيين يسمي الروم إشمامًا، والتحقيق خلافه، فإن الروم مع حركة الشفة تصويت يكاد الحرف يكون به متحركًا فيدركه الأعمى والبصير، بخلاف الإشمام "فإنما يدركه البصير دون الأعمى"، وعلامة الإشمام نقطة بين يدي الحرف وهذه صورته ".".
واستثقاله من الشم كأنك أشممت الحرف رائحة الحركة، بأن هيأت العضو للنطق بها، والغرض منه الفرق بين ما هو متحرك في الوصل، وأسكن في الوقف، وبين ما هو ساكن على كل حال.
"و" الوجه "الرابع: أن تقف بتضعيف الحركة الموقوف عليه" في اسم أو فعل "نحو: هذا خالد، وهو يجعل" بتشديد الدال من "خالد" واللام من "يجعل".
وعلامته رأس شين فوق الحرف، وهذه صورته "شـ"، وهو قليل لمجيء التضعيف في محل التخفيف، ولهذا لم يؤثر عن أحد من القراء إلا عن عاصم في "مستطر" في سورة القمر، "وهو لغة سعدية.
وشرطه خمسة أمور" بل ستة، "وهي": أن يكون الحرف الموقوف عليه متحركًا، لأن التضعيف كالعوض من الحركة، قاله الجاربردي١.
و"أن لا يكون" "الحرف الموقوف عليه همزة كـ: خطأ، ورشأ"، لأن الهمزة لا تدغم، ولا يدغم فيها في موضع اللام.
"ولا ياء، كـ: القاضي".
"ولا واوًا، كـ: يدعو".
ولا ألفًا، كـ: يخشى". لاستثقال حرف العلة.
"ولا تاليا لسكون، كـ: زيد، وعمرو" لئلا يجتمع ثلاثة سواكن: الذي قبل
_________________
(١) ١ شرح الشافية ٢/ ٢٨٧.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الآخر، والمدغم، والموقوف عليه، قيل: وألا يكون منصوبًا، وشذ: [من الرجز]
٩٢٨-
لقد خشيت أن أرى جدبا
بالجيم الموحدة، ورد بأن الموقوف عليه الألف لا الحرف الذي كان محركًا وصلا.
الوجه "الخامس: أن تقف بنقل حركة الحرف إلى ما قبله، كقراءة بعضهم"، وهو أبو عمرو: "وَتَوَاصَوْا بِالصَّبِرْ" [العصر: ٣] بنقل الكسرة إلى الباء١، "وقوله": [من الرجز] .
٩٢٩-
أنا ابن ماوية إذ جد النقر وجاءت الخيل أثافي وزمر
بنقل ضمة الراء إلى القاف قبلها.
"والنقر" بسكون القاف صوت مخرجه من طرف اللسان، وما يليه من الحنك الأعلى، يسكن به الفرس إذا اضطرت بفارسه٢.
واختلف في قائل هذا البيت:
فقال الصاغاني: قائله فدكي بن أعبد المنقري.
وقال ابن السيد: أظنه لعبد الله بن ماوية الطائي، وجزم بذلك الجوهري.
وقال سيبويه: هو لبعض السعديين، وماوية اسم أمه٣.
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ١٦٩، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٣١٨، ٣٢٠، ولربيعة بن صبح في شرح شواهد الإيضاح ص٢٦٤، ولأحدهما في المقاصد النحوية ٤/ ٥٤٩، وبلا نسبة في الارتشاف في ١/ ٣٩٨، وأوضح المسالك ٤/ ٣٥٣، وخزانة الأدب ٦/ ١٣٨، وشرح ابن الناظم ص٥٧٧، وشرح الأشموني ٣/ ٧٦١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥١٩، وشرح المرادي ٥/ ١٦٨، وشرح المفصل ٣/ ٩٤، ١٣٩، ٩/ ٨٦، ٨٢، وكتاب الحلل ص٣٢٥، والكتاب ٤/ ١٧٠. ١ انظر القراءة في البحر المحيط ٨/ ٥٠٩.
(٢) الرجز لعبيد الله بن ماوية الطائي في لسان العرب ٥/ ٢٣١ "نقر"، وله أو لبعض السعديين أو لفدكي بن عبد الله في الدرر ٢/ ٣٤٧، ٥٦٣، وله أو لفدكي بن أعبد المنقري أو لبعض السعديين في المقاصد النحوية ٤/ ٥٥٩، ولبعض السعديين في شرح شواهد الإيضاح ص٣٥٩، والكتاب ٤/ ١٧٣، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٢١٧، وتاج العروس ١٤/ ٢٧٨ "نقر"، وبلا نسبة في اللسان ٤/ ٨٩، "تجر"، ١٠/ ٦٣، "حلق"، وأسرار العربية ص٤١٤، والإنصاف ٢/ ٧٣٢، وأوضح المسالك ٤/ ٣٤٦، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٠٢، وكتاب الجمل ص٣٣٤، والمخصص ١/ ٨١، ١٢/ ٢٦١، ومغني اللبيب ٢/ ٤٣٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٧، ٢٠٨ والكامل ص٦٩٣. ٢ في "ب": "واضطربت بفارسها". ٣ الكتاب ٤/ ١٧٣.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وذكر الموضح أنه وجد حاشية بخط الشيخ بهاء الدين بن النحاس:
إذ جد النفر
بالفاء المضمومة، يريد النفر، بإسكانها، والعامل في "إذ" ما في "ابن ماوية" من معنى شجاع، أو بطل، أو مقدام، أو مشهور، انتهى.
"و" نقل غير المهموز "شرطه خمسة أمور أيضًا"، بل ستة، "وهي":
"أن يكون ما قبل الآخر ساكنًا" ليقبل الحركة المنقولة، لأن المتحرك، لا يقبل حركة أخرى.
"وأن ذلك الساكن لا يتعذر تحريكه" فإن المتعذر تحريكه كالألف والحرف المدغم لا يقبل الحركة.
"و" أن يكون ذلك الساكن "لا يستثقل" تحريكه، فإن المستثقل تحريكه كالواو والياء لا تنقل الحركة إليه للاستثقال.
"وألا تكون الحركة" التي يراد نقلها "فتحة" على الأصح عند جمهور البصريين، لأن المفتوح إذا كان منونًا لزم من النقل فيه حذف ألف التنوين، وحمل عليه غير المنون، قاله المرادي١.
"وألا يؤدي النقل إلى بناء لا نظير له"، لأن ذلك لا يجوز، وأن يكون المنقول منه صحيحًا.
إذا علمت ذلك، "فلا يجوز النقل في نحو":
"هذا جعفر؛ لتحرك ما قبله". لأن المتحرك لا يقبل حركة أخرى. وعن هذا احترز بقوله: أن يكون ما قبل الآخر ساكنًا.
"ولا في نحو: إنسان، ويشد"، لأن ما قبل الآخر متعذر التحريك، وعن هذا احترز بقوله، وأن يكون ذلك الساكن لا يتعذر تحريكه.
"و" لا في نحو: "يقول، ويبيع"، لأن ما قبل الآخر مستثقل تحريكه، وعنه احترز بقوله: ولا يستثقل، "لأن الألف" في: إنسان، "والمدغم" في: يشد "لا يقبلان الحركة"، لأن الألف والمدغم واجبا السكون، إلا أن سكون الألف ذاتي، وسكون المدغم عرضي، "والواو المضموم ما قبلها" في: يقول "والياء المكسور ما قبلها" في: يبيع "تستثقل الحركة عليهما"، لأنهما ثقيلتان في أنفسهما، فلو نقلت٢ إليهما حركة زاد ثقلهما.
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٥/ ١٧٠. ٢ في "ب": "نقل".
[ ٢ / ٦٢٦ ]
"ولا" يجوز النقل "في نحو: "سمعت العلم" لأن الحركة فتحة"، لأنهم إنما نقلوا الضمة والكسرة لقوتهما. فكرهوا حذفهما. والفتحة خفيفة فاغتفروا حذفها، قاله الجاربردي١، وعنه احترز بقوله: وألا تكون الحركة فتحة. "وأجاز ذلك" النقل في الفتحة "الكوفيون والأخفش" طردًا للباب٢.
"ولا" يجوز النقل "في نحو: هذا علم" بكسر العين، لأن النقل فيه يؤدي إلى بناء لا نظير له، "لأن ليس في العربية "فعل" بكسر أوله وضم ثانيه"، وعنه احترز بقوله: وألا يؤدي. إلى آخره.
ولا يجوز النقل في نحو: "غزو، وظبي" لأن المنقول منه غير صحيح.
"ويختص الشرطان الأخيران" في كلامه، وهما ألا تكون الحركة فتحة. وألا يؤدي النقل إلى بناء لا نظير له "بغير المهموز".
"فيجوز النقل في نحو: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥]، فتقول: "الخبأ"، "وإن كانت الحركة فتحة" لأنك لو قلت: "الخبء" بالإسكان من غير نقل وجدت استثقالا واضحًا. ولو أبدل الجلالة بـ"الذي" لوافق التلاوة.
"و" يجوز النقل "في نحو: هذا ردء" فتقول: "ردء" بكسر الراء، وضم الدال. "وإن أدى النقل إلى صيغة: فعل"، بكسر أوله وضم ثانيه لثقل الهمزة، وإذا سكن ما قبل الهمزة كان النطق بها أصعب.
"ومن لم يثبت في أوزان الاسم "فُعِل"، بضمة" في أوله، "فكسرة" في ثانيه، "وزعم أن "الدُّئِل" منقول عن الفعل لم يجز في نحو: بِقُفْل" من قولك: "مررت بقُفْل"، "النقل"، لأنه بعد النقل يصير "بقُفِل"، بضم القاف وكسر الفاء، "ويجيزه في نحو: ببطء" من قولك: "مررت ببطء"، "لأنه مهموز" وعدم النظير في النقل من الهمزة مغتفر لثقل الهمزة، إلا عند بعض تميم، فيفرون منه إلى تحريك الساكن بحركة الفاء إتباعًا فيقولون: "هذا ردئ" بكسرتين، و"مررت ببطؤ" بضمتين.
وإذا نقلت حركة الهمزة فالحجازيون يحذفون الهمزة، ويقفون على حامل حركتها. كما يوقف عليه مستبدًا به، فيقولون: "هذا الخب" بالنقل، والحذف، فيسكنون الباء، أو يرومون، أو يشمون، أو يضعفون.
_________________
(١) ١ شرح الشافية ٢/ ٢٨٩. ٢ الإنصاف ٢/ ٧٣١، وشرح المفصل ٩/ ٧٢.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وغير الحجازيين إذا نقل لا يحذف الهمزة، لأنه إنما راعى دفع اجتماع الساكنين، والحرص على الإعراب من الزوال.
ثم منهم من يثبت الهمزة فيقول: "هذا البطء، ورأيت البطء، ومررت بالبطء" بسكون الهمزة في الأحوال كلها.
ومنهم من يبدلها بمجانس الحركة فيقول: "هذا البطو، ورأيت البطا ومررت بالبطي".
و"الخبء"، بالخاء المعجمة والباء الموحدة، ما خبئ في غيره. "والردء": المعين، و"البطء": ضد السرعة.
وأما الوقف بالنقل إلى متحرك فلغة لخم، وأنشد عليها الجوهري لبعض الرجاز: [من الرجز]
٩٣٠-
ما زال شيبان شديدًا رهصه حتى أتانا قرنه فوقصه
قال١: أراد: فوقصه، فلما وقف على الهاء نقل ضمتها إلى الصاد قبلها، فحركها، وفي النهاية تقول في "ضربَهُ: ضربُهْ" في الشعر، وقد استعملته٢ العامة في النثر، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٨٦-
وغيرها التأنيث [من محرك سكنه أو قف رائم التحرك
٨٨٧-
أو اشم الضمة أو وقف مضعفا ما ليس همزًا أو عليلا إن قفا
٨٨٨-
محركًا وحركات انقلا لساكن تحريكه لن يحظلا
٨٨٩-
ونقل فتح من سوى المهموز لا يراه بصري وكوف نقلا
٨٩٠-
والنقل إن يعدم نظير ممتنع وذاك في المهموز ليس يمتنع
_________________
(١) الرجز لامرأة من عبد القيس أم سعد بن قرط في الدرر ٢/ ٥٠٠، وشرح شواهد المغني ١/ ١٨٦، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ٣١٢، والصحاح "وقص"، وتاج العروس ١٨/ ٢١١ "هبص"، ٢٠٤ "وقص"، وديوان الأدب ٣/ ٢٥٢، ولسان العرب ٧/ ١٠٣ "هبص"، ١٠٦ "وقص" وهمع الهوامع ٢/ ١٥٦. ١ الصحاح "وقص". ٢ في "ب": "استعمله".
[ ٢ / ٦٢٨ ]
فصل:
"وإذا وقف على تاء التأنيث التزمت التاء"، وسلمت من القلب هاء:
"إن كانت متصلة بحرف كـ: ثمت"، وربت، ولعلت. وأما "لات" فوقف عليها الكسائي وحده بالهاء على غير القياس. وقول أبي حيان١، "ربت، وثمت، ولعلت" فالقياس فيهن على "لات" سائغ، فيوقف عليهن، بالوجهين مردود، لأن الخارج عن القياس لا يقاس عليه.
"أو فعل كـ: قامت" و"قعدت" وإنما التزمت التاء في الحرف والفعل خوف اللبس بالضمير في قولك: "ربه"، و"ضربه"، وحمل ما لا لبس فيه على ما فيه لبس. وفي الخاطريات لابن جني: قال سيبويه٢: لو سميت رجلا بـ"ضربت" ثم حقرته لقلت: "ضريبه" فوقفت عليه بالهاء لأنه قد انتقل من الفعل إلى الاسم.
"أو" متصلة "باسم وقبلها ساكن صحيح، كـ: أخت، و: بنت"، لأن التاء فيهما لما سكن ما قبلها صارت كأنها ليست للتأنيث وإنما جيء بها ليلحق بنات الاثنين ببنات الثلاثة، فهي للإلحاق بـ"قفل، وجذع".
"وجاز إبقاؤها" على صورتها "وإبدالها" هاء.
"إن كانت قبلها حركة"، ولا تكون إلا فتحة "نحو: ثمرة، وشجرة" فرقًا بينها وبين التاء الأصلية كـ"وقت، وبيت".
"أو" كان قبلها "ساكن معتل"، ولا يكون إلا ألفًا "نحو: صلاة"، وزكاة وذات. "ومسلمات"، وأولات، لأن الساكن المعتل كالمتحرك تقديرًا، لأنه في موضعه، ومنقلب عنه، ولأن الألف من الفتحة بمنزلة الحرف المتحرك، ولذلك يلتقي معها الساكنان نحو: "دواب" بخلاف ما إذا كان الساكن صحيحًا. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٩١-
في الوقف تا تأنيث الاسم ها جعل إن لم يكن بساكن صح وصل
_________________
(١) ١ الارتشاف ١/ ٤٠٤. ٢ الكتاب ٢/ ٤٥٥.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
"لكن الأرجح في جمع التصحيح كـ: مسلمات"، وهندات، "وفيما أشبهه وهو اسم الجمع" الذي لا واحد له من لفظه، "وما سمي به من الجمع تحقيقًا، أو تقديرًا.
فالأول": وهو اسم الجمع نحو: "أولات" فإنه لا واحد له من لفظه، وإنما له واحد من معناه، وهو "ذات".
"والثاني": وهو ما سمي به من الجمع تحقيقًا "كـ: عرفات، و: أذرعات" فإنهما جمع "عرفة، وأذرعة"، و"عرفة"، موقف الحاج، "وأذرعة" قرية من قرى الشام.
"والثالث": وهو ما سمي به من الجمع تقديرًا، "كـ: "هيهات" فإنهما في التقدير جمع: هيهية". وأصلها "هيهات"، حذفت لامها، وهي الياء، ووزنها "فعلات"، والأصل "فعللات"، "ثم سمي بها الفعل"، فصار معناه بعد، وقيل: "هيهات" مفرد، وأصله "هيهية" على وزن "فعللة" من المضاعف كـ: "القلقلة"، "الوقف"، خبر الأرجح. "بالتاء" متعلق بالوقف.
وإنما كان الأرجح الوقف بالتاء، لأنهم لما أرادوا أن يكون في جمع المؤنث السالم زيادتان لم يمكنهم أن يزيدوا الواو ولا الياء مع الألف، لأنهم لو زادوهما لانقلبتا همزة، فزادوا التاء معه، لأنها تصير بدلا من الواو كما في "تخمة" فصارت علامة التأنيث، وأغنت عن أن يقال في "مسلمة: مسلمتات"، فلما أفادت هذه التاء الجمع والتأنيث. وأغنت عن علامة التأنيث والملحقة بالواحد أثبتت في الوقف، ولم تبدل هاء، وعاملوا ما ألحق بالجمع معاملته، لأنهم لما أجروه مجراه في الإعراب أجروه مجراه في غيره.
"ومن الوقف بالإبدال" هاء، "قولهم: كيف الإخوة والأخواه، وقولهم: دفن البناه من المكرماه"١، حكاه قطرب عن طيئ٢، بإبدال تاء الجمع هاء في الوقف تشبيهًا بتاء التأنيث الخالصة.
"وقرأ الكسائي والبزي: "هيهاه" [المؤمنون: ٣٦] بإبدال التاء هاء٣، والمنقول عن الكسائي أن من كسر التاء وقف عليها ومن نصبها وقف بالتاء والهاء.
وفي الجاربردي٤ أن من قدر "هيهات" جمعًا وقف عليها بالتاء، ومن قدره مفردًا وقف عليها بالهاء.
_________________
(١) ١ من الأمثال في مجمع الأمثال ١/ ١٣٤، وشرح ابن الناظم ص٥٧٦. ٢ الارتشاف ١/ ٤٠٤. ٣ انظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٣٦، والنشر ٢/ ١٣١. ٤ شرح الشافية ٢/ ٢٦٩.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وفي الإيضاح لابن الحاجب: "هيهات" اسم للفعل، فلا يتحقق فيه إفراد وجمع، وإنما ذلك لشبهها بتاء التأنيث لفظًا دون إفراد وجمع.
"والأرجح في غيرهما"، أي غير جمع التصحيح وغير ما أشبهه "الوقف بالإبدال" هاء فرقًا بينها وبين التاء الأصلية نحو: وقت، وموت. هذا تعليل سيبويه١.
وقيل: "فرقًا بينها وبين تاء التأنيث اللاحقة للفعل نحو: "ضربت"، ولم يعكسوا لأنهم لو قالوا: "ضربه" في "ضربت" التبس بالضمير المفعول، قاله الجاربردي٢ مقتصرًا عليه. "ومن الوقف بتركه"، أي بترك الإبدال هاء. "قراءة نافع وابن عامر وحمزة "إِنَّ شَجَرَت"" [الدخان: ٤٣] بالتاء، "وقال" أبو النجم "الشاعر": [من الرجز] .
٩٣١-
والله أنجاك بكفي مسلمت من بعدما وبعدما وبعدمت
كانت نفوس القوم عند الغلصمت وكادت الحرة أن تدعى أمت
فلم تبدل التاء فيهن، والمراد بقوله: بعدمت بعدما، فأبدل بالتقدير من الألف هاء ثم أبدل الهاء تاء لتوافق بقية القوافي. هذا تعليل الجاربردي٣.
وذكر ابن جني في الخاطريات أنه أبدل الألف هاء ثم تاء تشبيهًا لها بهاء التأنيث، فوقف عليها بالتاء. وذكر أنه عرض ذلك على شيخه أبي علي فقبله. و"الغلصمة": رأس الحلقوم، وهو الموضع الناتئ من الحلقوم، واختلف في "ذات" من نحو: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، فقال الأخفش والفراء وابن كيسان: يوقف عليها بالتاء لأنها مضافة فهي متوسطة أبدًا، وقال الكسائي والجرمي: يوقف عليها بالهاء لأنها تاء التأنيث، فتقول: "ذاه"، قاله الحوفي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٩٢-
وقل ذا في جمع تصحيح وما ضاهى وغير ذين بالعكس انتمى
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ١٦٦. ٢ شرح الشافية ٢/ ٢٧٧. ٣ انظر الدرر ٢/ ٥١٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٧، وشرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٩٦.
(٢) الرجز لأبي النجم العجلي في ديوانه ص٢٧٦، وتاج العروس "ما"، والدرر ٢/ ٣١٥، ولسان العرب ١٥/ ٤٧٢ "ما"، ومجالس ثعلب ١/ ٣٢٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ١١٣، وأوضح المسالك ٤/ ٣٤٨، وخزانة الأدب ٤/ ١٧٧، ٧/ ٣٣٣، والخصائص ١/ ٣٠٤، والدرر ٢/ ٥٦٦، ورصف المباني ص١٦٢، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٦٠، ١٦٣، ٢/ ٥٦٣، والارتشاف ٣/ ٣٢٤، وشرح الأشموني ٣/ ٧٥٦، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٢٨٩/ وشرح قطر النمدى ص٣٢٥، وشرح المفصل ٥/ ٨٩، ٩/ ٨١، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٥٩، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٧، ٢٠٩. ٤ شرح الشافية ٢/ ٢٦٩.
[ ٢ / ٦٣١ ]
فصل:
"ومن خصائص الوقف اجتلاب هاء السكت" للتوصل إلى بقاء الحركة في الوقف كما اجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى بقاء السكون في الابتداء.
وسميت هاء السكت لأنها يسكت عليها دون آخر الكلمة، "ولها ثلاثة مواضع:
أحدها: الفعل المعتل بحذف آخره، سواء كان الحذف للجزم نحو: لم يغزه، ولم يخشه، ولم يرمه"، بإلحاق هاء السكت فيهن جوازًا، "ومنه" أي من الحذف للجزم: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، على القول بأنه من "السنة" واحدة السنين، وأن لامها واو محذوفة، والأصل: يتسنوا، قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذف الألف للجازم، ثم لحقته هاء السكت في الوقف، وهذا اختيار المبرد١.
وأما إذا قلنا إن لام "سنة" هاء على رأي الحجازيين فالهاء في "يتسنه" أصلية، لأنها لام الفعل، وهو مجزوم بالسكون.
وأما على القول: بأناه من "الحمأ المسنون"، فأصله. لم يتسنن٢، بثلاث نونات، أبدلت النون الثالثة، ألفًا كراهة اجتماع الأمثال، كما قالوا في مثله: "تظنى"، والأصل: تظنن، وفي نظيره:
٩٣٢-
تقضي البازي
_________________
(١) ١ الكامل ص٩٦٧، وانظر البحر المحيط ٢/ ٢٩٢. ٢ وهي قراءة ابن مسعود. انظر الرازي ٢/ ٣٣٠.
(٢) تمام الرجز: تقضي البازي إذا البازي كسر وهو للعجاج في ديوانه ١/ ٤٣، والاقتضاب ص١٩٣، ٦٦٥ "وأدب الكتاب ص٤٨٧، وشرح الجواليقي ص٣٣١، ولسان العرب ٤/ ٤٧٩ "ضبر"، ٥١٨ "ظفر"، والأشباه والنظائر ١/ ٤٨، وإصلاح المنطق ص٣٠٢، والدرر ٢/ ٥١١، وشرح المفصل ١٠/ ٢٥، والممتع في التصريف ١/ ٣٧٤، وتاج العروس ١٢/ ٤٧٦، "ظفر"، ١٤/ ٢٣ "كسر"، ١٩/ ٢٥، "قضض"، ٢٠/ ٣٦١ "بوع"، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٩٠، وشرح الأشموني ٣/ ٨٧٩، والمقرب ٢/ ١٧١، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٧، ومقاييس ٤/ ٢١، وتاج العروس ٢/ ٣٤٣، "خرب"، وعمدة الحافظ "دسس"، "مطو".
[ ٢ / ٦٣٢ ]
والأصل: تقضض، فالهاء على هذا للسكت، والفاعل في الجميع ضمير مفرد مستتر عائد على الطعام، والشراب، لأنهما كالجنس الواحد.
ومعنى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] لم يتغير بمرور الزمان، قيل: كان طعامه تينًا أو عنبًا، وشرابه عصيرًا أو لبنًا، وكان الكل على حاله.
"أو" كان الحذف "لأجل البناء" كما في فعل الأمر على قول البصريين: "نحو اغزه، واخشه، وارمه، ومنه"، أي من الحذف للبناء: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وهو أمر من "يقتدي"، والهاء فيه للسكت ساكنة، ومن كسرها فهي ضمير المصدر، وأشبعها ابن عامر برواية ابن ذكوان١، وبغير إشباع برواية هشام١.
"والهاء" التي للسكت "في ذلك كله جائزة لا واجبة"، تقول في الوقف، "لم يغز، ولم يخش، ولم يرم، واغز، واخش، وارم"، بغير هاء سكت، وهي لغة لبعض العرب، قال سيبويه٢: حدثنا بذلك عيسى بن عمرو ويونس، والأجود الوقف بالهاء، لأن هذه الأفعال حذفت لاماتها، وبقيت حركات ما قبلها دالة عليها، فلو لم تلحق الهاء لذهبت الحركات بسبب الوقف، فيذهب الدليل والمدلول عليه.
ولا تجب الهاء "إلا في مسألة واحدة، وهي أن تكون الفعل قد" دخله الحذف، و"بقي على حرف واحد" في اللفظ" كالأمر من "وعى يعي" فإنك تقول" فيه: "عه"، بحذف فائه ولامه كمضارعه المجزوم، واحتلاب هاء السكت وجوبًا لئلا يلزم الابتداء بالساكن، أو الوقف على المتحرك، "قال الناظم" في النظم وغيره تبعًا له، "وكذا" تجب هاء السكت في الفعل "إذا بقي" بعد الحذف "على حرفين، أحدهما زائد، نحو: لم يعه٣. انتهى" كلام الناظم.
"وهذا" الذي قاله الناظم "مردود بإجماع المسلمين على وجوب الوقف" إذا أرادوا أن يقفوا "على نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ﴾ [مريم: ٢٠]، و: ﴿مَنْ تَقِ﴾ [غافر: ٩] بترك
_________________
(١) ١ انظر هذه القراءة في الإتحاف ص٢١٣، والبحر المحيط ٤/ ١٧٦. ٢ الكتاب ٤/ ١٥٩. ٣ بقصد قوله في النظم: وقف بها السكت على الفعل المعل بحذف آخر كأعط من سأل ويقصد بقوله: "وغيره تبعًا له" ما قاله ابن الناظم في شرحه ص٥٧٦: "وتجب هذه الهاء في الوقف على الفعل الذي بقي على حرف واحد أو حرفين أحدهما زائد كقولك في: قِ زيدًا ولا تقِ عمرًا، قه ولا تقه". وانظر شرح ابن عقيل ٢/ ٥١٦.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
الهاء خوف الالتباس بالضمير المنصوب على أن الموضح وافق الناظم في شرح القطر، وقال بمقالته١، فصار مشترك الإلزام، فما كان جوابه هو؛ فهو جواب الناظم، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٩٣-
وقف بها السكت على الفعل المعل بحذف آخر كأعط من سأل
٨٩٤-
وليس حتمًا في سوى ما كع أو كيع مجزومًا فراع ما رعوا
الموضع "الثاني: ما الاستفهامية المجرورة" بالحرف، أو بالمضاف، "وذلك أنه يجب حذف ألفها إذا جرت"، ولم تركب مع "ذا"، فالمجرورة بالحرف "نحو: عم، وفيم، و" المجرورة بالمضاف نحو: "مجيء مَ جئت"، وفيه تقديم وتأخير، والأصل: "جئت مجيء مَ"، وهو سؤال عن صفة المجيء، أي على أي صفة جئت، ثم أخر الفعل، لأن الاستفهام له صدر الكلام، ولم يمكن تأخير المضاف وإنما حذفت ألفها إذا جرت بحرف، أو بمضاف "فرقًا بينها وبين ما الخبرية"، وهي الموصولة والشرطية "في مثل: سألت عما سألت عنه"، أو من مثل: "ما سألت عنه"، فـ"ما" فيهما موصولة ونحو: "بما يفرح أفرح"، و"كلما جئتني أكرمتك"، فـ"ما" فيهما شرطية، ولم يعكسوا فيحذفوا في الخبرية ويثبتوا في الاستفهامية، لأن ألف الاستفهامية متطرفة لفظًا وتقديرًا بخلاف ألف الخبرية، فإنها ليست بمتطرفة تقديرًا، لأنها في حشو الصلة والشرط.
وزعم المبرد أن حذف ألف الموصولة مع "شئت" لغة نحو: "سل عم شئت"، "فإذا" حذفت ألف "ما" الاستفهامية المجرورة و"وقفت عليها ألحقتها الهاء حفظًا للفتحة الدالة على الألف" المحذوفة. "ووجبت" الهاء "إن كان الخافض" لـ"ما" الاستفامية "اسمًا، كقولك في: مجيء مَ جئت، واقتضاء مَ أقتضي. مجيء مه، واقتضاء مه، وترجحت" الهاء "إن كان" الخافض لها "حرفًا نحو: ﴿عَمَّه يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، وبها" أي بهاء السكت "قرأ البزي" بخلال عنه.
والفرق أن المجرورة بالحرف متصلة به، وحرف الجر لا يستقل بمعناه، فكأنه معه كالجزء، فلذلك جازت الهاء، وأما المضاف فمستقل بفائدته في مدلوله الإفرادي، فالاسم معه كالمنفصل، وهو على حرف واحد، ولذلك وجبت معه الهاء.
وما ذكره الموضح من وجوب حذف ألف "ما" الاستفهامية إذا جرت فمسلم في المجرورة بالحرف، وأما قول حسان: [من الوافر]
_________________
(١) ١ شرح قطر الندى ص١٣٩.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
٩٣٣-
على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد
فضرورة١ وحكاه الأخفش لغة.
وأما المجرورة بالاسم فقال الشاطبي. ليس حذف الألف بلازم فيها، بل يجوز أن يقول: "مجيء ما جئت"، نص على ذلك سيبويه٢، إلا أن الأجود الحذف. انتهى. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٩٥-
وما في الاستفهام إن جرت حذف ألفها وأولها الها إن تقف
٨٩٦-
وليس حتمًا في سوى ما انخفضا باسم كقولك اقتضاء مَ اقتضى
الموضع "الثالث: كل مبني على حركة بناء دائمًا، ولم يشبه المعرب"، فهذه ثلاثة قيود، فخرج بالأول المعرب. وبالثاني ما بناؤه غير دائم، وبالثالث ما أشبه المعرب، وسيصرح بذلك.
فإذا استوفيت القيود جاز إلحاق هاء السكت، "وذلك" المستوفي لها "كـ"ياء" المتكلم، كـ"هي" و"هو" فيمن فتحهن" في الوصل، وكـ"كاف" الخطاب. فإنه يقول في الوقف: "غلاميه، وهيه، وهوه"، بإلحاق هاء السكت محافظة على الفتحة، "وفي التنزيل: ﴿مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠]، و: ﴿مَالِيَهْ﴾ [الحاقة/ ٢٨]، و: ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾، [الحاقة: ٢٩] والأصل: "مالي، وسلطاني". "وقال" حسان "الشاعر" الصحابي ﵁: [من المتقارب] .
٩٣٤-
إذا ما ترعرع فينا الغلام فما إن يقال له من هوه
_________________
(١) ١ شرح قطر الندى ص١٣٩.
(٢) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص٣٢٤، والأزهية ص٨٦، وخزانة الأدب ٥/ ١٣٠، ٦/ ٩٩، ١٠١، ١٠٢، ١٠٤، والدرر ٢/ ٥٧٥، وشرح شواهد الشافية ص٢٢٤، ولسان العرب ١٢/ ٤٩٧، "قوم"، والمحتسب ٢/ ٣٤٧، ومغني اللبيب ١/ ٢٩٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٥٤، ولحسان بن منذر في تخليص الشواهد ص٤٠٤، وشرح الأشموني ٣/ ٧٥٨، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٢٩٧، وشرح المفصل ٤/ ٩، وهمع الهوامع ٢/ ٢١٧. ١ الدرر ٢/ ٥٧٦. ٢ الكتاب ٤/ ١٦٥.
(٣) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص٣٩٧، وخزانة الأدب ٢/ ٤٢٨، واللسان ١/ ٤٩٥، "شصب"، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٦٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٥٠، وجمهرة اللغة ص٢٣٥، والحيوان ٦/ ٢٣١، ورصف المباني ص٣٣٩، وشرح المفصل ٩/ ٨٤.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
ومن لم يفتح وقف بالسكون، ولم يأت بها السكت لعدم فائدتها، قال الجاربردي١: و"ضربني" مثل "غلامي" في جواز الوجهين، وكذا يقال حال الوقف: "أكرمتك" بالإسكان، و"أكرمتكه"، فمن ألحق الهاء آثر أن لا يجحف بالكلمة بجعلها على حرف واحد ساكن، مع أنه في التقدير منفصل إذ هو ضمير المفعول، ومن أسكن فلامتزاجه بالفعل حتى لا يلفظ به منفردًا انتهى.
"ولا تدخل" هاء السكت "في نحو: جاء زيد، لأنه معرب" بالحركات وحركة الإعراب تعرف بالعامل، فلا يحتاج إلى بيان بهاء السكت، وشذ "أعطني أبيضه"، حكاه سيبويه٢، وقال: أراد: أبيض، فضعف وألحق الهاء.
وتلحق المثنى والمجموع على حده، نحو: "مسلمانه، ومسلمونه" لأن إعرابهما بالحروف، وليست حركة النون بإعراب، قال ابن الضائع: وغلط ابن خروف في المنع.
"ولا" تدخل هاء السكت "في نحو: اضرب، ولم يضرب، لأنه ساكن"، وهاء السكت إنما تدخل لبيان الحركة. "ولا في نحو: لا رجل" بالفتح، "و: يا زيد، و: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] بالضم فيهن. "لأن بناءهن عارض" غير دائم، فالحركة فيهن شبيهة بحركة الإعراب لعروضها بسبب شيء يشبه العامل، فلا تدخل هاء السكت، "وشذ قوله"، وهو أبو ثروان: [من الرجز]
٩٣٥-
يا رب يوم لي لا أظلله أرمض من تحت وأضحى من عله
"فلحقت ما بني بناء عارضًا، فإن "عل" من باب "قبل"، و"بعد"، قاله الفارسي والناظم، وفيه بحث مذكور في باب الإضافة" فليراجع.
و"أظلل، وأرمض، وأضحى" مبنية للمجهول، وقيل: الهاء في "عله" بدل من الواو والأصل" علو".
_________________
(١) ١ شرح الشافية ٢/ ٢٧٥. ٢ الكتاب ٤/ ١٧٢.
(٢) الرجز لأبي الهجنجل في شرح شواهد المغني ١/ ٤٤٨، ولأبي ثروان في المقاصد النحوية ٤/ ٤٥٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٥، وجمهرة اللغة ص١٣١٨، وخزانة الأدب ٢/ ٢٩٧، والدرر ١/ ٤٣٦، ٢/ ٥٦٧، وشرح ابن الناظم ص٥٧٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٣، ٣/ ٧٦٠، وشرح عمدة الحافظ ص٩٨١، وشرح المفصل ٤/ ٨٧، ومغني اللبيب ١/ ١٥٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٣، ٢/ ٢١٠، والمخصص ١٤/ ٧٥.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
"ولا" تدخل هاء السكت "في الفعل الماضي كـ: ضرب"، و"ركب" من المتعدي. "و: قعد"، و"قام" من اللازم، لأنه بني على حركة "لمشابهته للمضارع" المعرب "في وقوعه صفة"، نحو: "مررت برجل ضرب" "وصلة"، نحو: "جاء الذي ضرب"، "وخبرًا" نحو: "زيد ضرب"، "وحالا" نحو: "جاء زيد وقد ضرب"، "وشرطًا" نحو: "إن ضربت زيد ضربت"، كما أن المضارع كذلك.
والحاصل أن حركة البناء الجارية مجرى حركة الإعراب تكون في أربعة أنواع في اسم "لا"، والمنادى المفرد، والظروف المقطوعة عن الإضافة، والفعل الماضي، وفيه ثلاثة مذاهب: المنع مطلقًا، وهو مذهب سيبويه١. والجواز مطلقًا، لأن حركته لازمة، والثالث: أنها تلحقه إذا لم يخف لبس نحو: "قعد"، ويمنع إن حل لبس نحو: "ضربه" لالتباسه بالمفعول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٩٨-
ووصلها بغير تحريك بنا أديم شذ في المدام استحسنا
"مسألة: قد يعطى الوصل حكم الوقف"، من إسكان مجرد، أو مع الروم والإشمام، ومن تعضيف، ونقل، ومن اجتلاب هاء السكت، "وذلك قليل في الكلام" المنثور إلى عدمه، "كثير من الشعر"، لأنه محل الخروج عن القياس، "فمن الأول" وهو النثر "قراءة" بعضهم: "وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأْ بِنَبَأ" [النمل: ٢٢] بإسكان همزة "سبأ" في الوصل٢، وقراءة "غير حمزة والكسائي: "لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ" [البقرة: ٢٥٩]، و: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ قُلْ﴾ [الأنعام: ٩٠] بإثبات هاء السكت في الدرج" فيهما٣، وأتى بـ"انظر" في الأول، و"قل" في الثاني ليبين كيفية الوصل، وحكاية سيبويه٤: ثلاثة ربعة بإبقاء تاء "ثلاثة" على حالها. ونقل همزة "أربعة" إليها.
"ومن الثاني"، وهو الشعر، "قوله" وهو رؤبة، كما في الكتاب، أو ربيعة بن صبيح كما قال ابن يسعون: [من الرجز] .
٩٣٦-
لقد خشيت أن أرى جدبا مثل الحريق وافق القصبا
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ١٦٤. ٢ هي قراءة ابن كثير وقنبل والنبال وشبل والقواس. انظر الإتحاف ص٣٣٦، والنشر ٢/ ٣٢٧. ٣ انظر قراءة الآية الأولى في البحر المحيط ٢/ ٢٩٢، وقراءة الآية الثانية في الإتحاف ص٢١٣، وانظرهما في الدرر ٢/ ٥٧٠. ٤ الكتاب ٣/ ٢٦٥.
(٢) تقدم تخريج الرجز برقم ٩٢٨.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
"جدبا" بالجيم وتشديد الموحدة، الجدب، نقيض الخصب، و"القصبا" "أصله القصب، بتخفيف الباء" الموحدة، "فقدر الوقف عليها، فشددها على حد قولهم في الوقف: "هذا خالد"، بالتشديد، ثم أتى بحرف الإطلاق، وهو الألف، وبقي تضعيف الباء" بحاله في الوصل تشبيهًا له بالوقف في التضعيف، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٨٩-
وربما أعطي لفظ الوصل ما للوقف نثرا وفشا منتظما
[ ٢ / ٦٣٨ ]
باب الإمالة:
"وهي" مصدر أملت الشيء إمالة إذا عدلت به إلى غير الجهة التي هو فيها، من مال الشيء يميل ميلا إذا انحرف عن القصد.
وفي الاصطلاح: "أن تذهب بالفتحة إلى جهة الكسرة"، فتشرب الفتحة شيئًا من صوت الكسرة، فتصير الفتحة بينها وبين الكسرة.
"فإن كان بعدها"، أي الفتحة، "ألف ذهبت" بالألف "إلى جهة الياء"، فتصر الألف بينها وبين الياء "كـ: "الفتى"، بإمالة الفتحة والألف؟
"وإلا" يكن بعد الفتحة ألف "فالممالة الفتحة وحدها"، سواء كانت الفتحة قبل تاء التأنيث أم لا، "كـ: نعمة، و: ﴿بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] .
"وللإمالة" فائدة، وحكم، ومحل، وأصحاب، "وأسباب تقتضيها، وموانع تعارض تلك الأسباب، وموانع لهذه الموانع تحول بينها وبين المنع".
أما فائدتها فتناسب الأصوات، وصيرورتها من نمط واحد، وبيان ذلك أنك إذا قلت: "عائد"١ كان لفظك بالفتحة تصعدًا، واستعلاء، فإذا عدت إلى الكسرة كان انحدارًا وتسفلا، فيكون في الصوت بعض اختلاف، فإذا أملت الألف قرب من الياء، وامتزج بالفتحة طرف من الكسرة، فتقارب الكسرة الواقعة بعد الألف، وتصير الأصوات من نمط واحد، وقد ترد الإمالة للتنبيه على أصل أو غيره، مما سيأتي.
_________________
(١) ١ في "ط": "عابد".
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وأما حكمها فإنه وجه جائز، فلهذا١ يجوز تفخيم كل ممال، لأنه الأصل، إذ الألف إذا لم تمل كانت حقيقته، فإذا أميلت ترددت بين الألف والياء، والأصل في الحرف ألا يمازج صوته صوت غيره، قاله الجاربردي٢.
وأما محلها فالأسماء المتمكنة، والأفعال غالبًا، ويأتي التنبيه على غير الغالب.
وأما أصحابها فتميم، وفيس، وأسد، وعامة نجد، ولا يميل الحجازيون إلا مواضع قليلة.
"وأما الأسباب" التي تمال لأجلها "فثمانية:
أحدها: كون الألف مبدلة من ياء متطرفة" في الأسماء، والأفعال، "مثاله في الأسماء: الهدى والفتى، ومثاله في الأفعال: هدى واشترى"، فالألف فيهن مبدلة من ياء، بدليل "الهديان، والفتيان، وهديت، واشتريت"، أخذًا من قول الشاطبي المقرئ: [من الطويل]
وتثنية الأسماء تكشفها وإن رددت إليك الفعل صادفت منهلا٣
"ولا يمال نحو: ناب" بالنون، وهو السن، "مع أن ألفه" مبدلة "عن ياء بدليل قولهم" في تكسيره: "أنياب، لعدم التطرف"، إلا أن يكون مجرورًا فإن من العرب من يميله نحو: "نظرت إلى ناب"، وسبب الإمالة هنا كسرة الإعراب لا غير وإن كانت عارضة، وقاله الشاطبي النحوي.
"وإنما أميل نحو: فتاة" مؤنث "فتى"، "و: نواة" وإن لم يكن الألف طرفًا في اللفظ "لأن تاء التأنيث في تقدير الانفصال". فالألف فيهما مبدلة من ياء، فهي وإن لم تتطرف لفظًا، فهي متطرفة حكمًا.
والسبب "الثاني كون الياء تخلفها" أي الألف "في بعض التصاريف كألف: ملهى"، مما كان بدلا من واو "و" ألف "أرطى" مما كان زائدًا للإلحاق، "و" ألف "حبلى" مما كان زائدًا للتأنيث، "و" ألف "غزا" مما كان بدلا من واو في الأفعال، "فهذه" الأمثلة "وشبهها ممال"، لأن الياء تختلف الألف فيها في بعض
_________________
(١) ١ في "ب": "فلذا". ٢ شرح الشافية ٢/ ٣٧١. ٣ البيت للشاطبي في شرح قطر الندى ص٣٣٠.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
التصاريف، كالتثنية والجمع في الأسماء، والبناء للمفعول، في الأفعال، "كقولهم في التثنية: مليهان، وأرطيان، وحبليان، وفي الجمع": ملهيات، وأرطيات، و"حبليات، وفي البناء للمفعول: غزي، وعلى هذا" الأخير" "فيشكل قول الناظم" في النظم١ وغيره٢: "إن إمالة ألف "تلا" في: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢] لمناسبة إمالة ألف ﴿جَلَّاهَا﴾ [الشمس: ٣]، وقوله" في شرح الكافية٣، "وقول ابنه" في شرح النظم٤: "إن إمالة ألف: ﴿سَجَى﴾ [الضحى: ٢] لمناسبة إمالة" ألف ﴿قَلَى﴾ [الضحى: ٣] بل إمالتهما كقولك" إذا بنيتهما٥ للمفعول: "قُلِيَ، و: سُجِيَ" بضم أولهما وكسر ما قبل آخرهما، فتخلف الياء فيها الألف، فلا حاجة إلى دعوى التناسب إذا أمكن غيره.
وأجاب المرادي عن ذلك لما ذكر التناسب٦ فقال٧: إن السبب المقتضي للإمالة نحو: "دعا" مما ألفه عن واو، لم يعبره القراء، يعني بالقاف٨، ولذلك لم يميلوا هذا النوع حيث وقع، وإنما أمالوا ما جاور٩، الممال، فلما أمالوا "تلاها" ونحوه؛ وليس من عادتهم إمالة ذلك؛ علم أن الداعي إلى إمالته عندهم هو التناسب.
وقال١٠: هنا تجوز الإمالة في نحو: "دعا، وغزا" لأنه يؤول إلى الياء إذا بني للمفعول، انتهى.
وعندي أن هذا الجواب لا يدفع الإشكال، لأن الإشكال على اصطلاح النحويين، والجواب على اصطلاح القراء، فلم يتلاقيا على اصطلاح واحد.
" ويستثنى من ذلك"، المذكور، وهو كون الياء تخلف الألف في بعض التصاريف، "ما رجوعه إلى الياء مختص بلغة شاذة، أو" رجوعه إلى الياء "بسبب ممازجة الألف لحرف زائد"، فلا يمال شيء من ذلك.
_________________
(١) ١قال في الألفية: وقد أمالوا لتناسب بلا داع سواه كعمادا وتلا ٢ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٧٥. ٣ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٧٥. ٤ شرح ابن الناظم ص٥٨١. ٥ في "ب": "بنيتها". ٦ ف "ب": "المناسب". ٧ شرح المرادي: ٥/ ٢٠٠. ٨ في "ط": "باتفاق". ٩ في "ط": "ما جاوز". ١٠ شرح المرادي ٥/ ١٨٩.
[ ٢ / ٦٤١ ]
"فالأول"، وهو اختصاص رجوع الألف إلى الياء بلغة شاذة، "كرجوع ألف: عصا، وقفا" المنقلبة عن واو "إلى الياء في قول هذيل إذا أضافوهما١ إلى المتكلم"، حيث يقولون: "عصي، وقفي" بتشديد الياء، والأصل: "عصوي، وقفوي" اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
"والثاني" هو رجوع الألف إلى الياء بسبب ممازجة الألف لحرف زائد "كرجوعهما" أي ألفي "عصا، و: قفا" إليها"، أي إلى الياء، "إذا صغر" عند الجميع "فقيل: عصية، وقفيّ"، بتشديد الياء فيهما، [والأصل: "عصيوة وقفيو"، ففعل به ما تقدم به، وقلبت ياء لممازجتها لياء التصغير، وهي حرف زائد، والممازجة: المخالطة والمجاورة.
"أو جمعا" أي "عصا، و: قفا" "على: فُعُول"، بضم الفاء، "فقيل: عصي، وقفي"، بتشديد الياء فيهما] ٢، والأصل: "عصوو، وقفوو"، قلبت الواو الأخيرة ياء كراهة اجتماع واوين فصارا: "عصوي، وقفوي"، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقلبت الضمة الثانية: كسرة، لتسلم الياء من القلب واوًا، ثم كسرت فاؤهما؛ إتباعًا لكسرة عينهما. وقرأ الحسن: "فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعُصِيُّهُمْ" [طه: ٦٦]، بضم العين، حيث وقع ردًّا إلى أصله، فالياء الثانية المدغم فيها هي ألف "عصا، و: قفا"، وقلبت ياء لممازجتها الياء المنقلبة عن واو "فُعُول" وهي حرف زائد.
السبب "الثالث: كون الألف مبدلة من عين فعل يؤول عند إسناده إلى التاء" المثناة فوق "إلى قولك: فِلت، بكسر الفاء""، وحذف العين "سواء كانت تلك الألف" المبدلة من غير الفعل "منقلبة عن ياء" مفتوحة، أو مكسورة.
فالأول "نحو: باع، وكال، و" الثاني نحو: "هاب. أم عن واو مكسورة، كـ: خاف، وكاد، ومات" فإنك تقول فيها إذا أسندتها إلى تاء الضمير: "بعت وكلت وهبت وخفت وكدت"، بكسر الفاء في لغة الجميع، و"مت" في "لغة من قال مت، بالكسر" في الميم، بحذف عين الفعل، فيصير في اللفظ على وزن "فلت" والأصل "فعلت" بكسر العين إما بطريق الإمالة كما في: "هبت وخفت وكدت ومت"،
_________________
(١) ١ في "ب": "أضافوها". ٢ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وإما بطريق التحويل كما في "بعت، وكلت"، فإن أصل حركة عينيهما الفتح، ثم نقلا إلى "فعل"، بكسر العين، ثم تنقل الكسرة في الجميع إلى فاء الكلمة، وتحذف العين لالتقاء الساكنين. وقيل في يائي العين المفتوح: لا تحويل، ولكن لما حذفت العين حركت الفاء بكسرة مجتلبة للدلالة على أن العين ياء، فهذه وما أشبهها يمال لما ذكرنا "بخلاف" المنقلبة عن واو مفتوحة "نحو: قال، و" عن واو مضمومة، نحو: "طال" في لغة الجميع، "ومات، في لغة الضم"، فهذه لا تمال، لأنك تقول إذا أسندتها إلى تاء الضمير: "قلت وطلت ومت" بضم الفاء فيهن. أما: "قلت"، فبالتحويل، وأما "طلت، ومت" فعلى الأصل، وتبين أن "مات" تمال في لغة الكسر، ولا تمال في لغة الضم.
السبب "الرابع: وقوع الألف قبل الياء" المفتوحة متصلة "كـ: بايعته وسايرته"، ذكره ابن الدهان، ومثله بآية. "وقد أهمله الناظم" في النظم، وسيبويه، "والأكثرون"، وذكره في التسهيل فقال١: أو متقدمة على ياء تليها.
السبب "الخامس: وقوعها"، أي الألف، "بعد الياء" حال كونها "متصلة" بها من غير حاجز بينهما "كـ: بيان" بتخفيف الياء، و"كيال، وبياع" بتشديدهما إلا أن الإمالة مع التشديد أقوى لتكرر السبب، "أو منفصلة" عنها "بحرف واحد كـ: شيبان" علمًا من "الشيب"، "و: جادت يداه"، والأول أقوى، لأن انخفاض الصوت بالساكنة أظهر منه في المتحركة لقربها من حيز المد، "أو" منفصلة عنها "بحرفين أحدهما"، وعبارة التسهيل٢ ثانيهما، "الهاء نحو: دخلت" هند "بيتها"، وشرطه ألا يفصل بين الياء والهاء بحرف مضموم نحو: "هند اتسع بيتها"، قال الموضح في الحواشي.
السبب "السادس: وقوع الألف قبل الكسرة" متصلة "نحو: عالم وكاتب".
السبب "السابع: وقوعها" أي الألف "بعدها" أي الكسرة "منفصلة":
منها "إما بحرف" واحد، "نحو: كتاب، وسلاح" فالفاصل بين الكسرة والألف في الأول التاء، وفي الثاني اللام.
"أو" منفصلة "بحرفين" كلاهما متحرك، "وأحدهما" وهو الثاني "هاء"، وأولهما غير مضموم فيمال، "نحو: يريد أن يضربها" دون "هو يضربها".
_________________
(١) ١ التسهيل ص٣٢٥. ٢ التسهيل ص٣٢٥.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
"أو" منفصلة بحرفين أولهما "ساكن" فيمال "نحو: شملال"، بالشين المعجمة، وهي الناقة الخفيفة، "وسرداح"، بمهملات، وهي الناقة العظيمة، دون "رأيت عنبًا" إلا على وجه شاذ.
"أو" منفصلة "بهذين" الحرفين الساكن فالمتحرك، "وبالهاء نحو: درهماك". وهذا ساقط من أصل التسهيل، وفيه فصل بثلاثة أحرف، ساكن وهاء وغيرهما.
وذكر ابن الحاجب وغيره أن إمالة ذلك شاذة١، وهو ظاهر، لأن أقل درجة الساكن والهاء أن ينزلا منزلة حرف واحد محرك غير هاء، وذلك لا إمالة معه، ولم يذكر الفارسي في الإيضاح أن إمالة "درهمان" بالنون شاذة، مع تنصيصه على الإمالة للكسرة السابقة أعني لا لكسرة نون التثنية، فلذلك مثل به الموضح مضافًا للكاف تبعًا لقول الناظم:
٩٠٥-
فدرهماك من يمله لم يصد
السبب "الثامن: إرادة٢ التناسب" إذا لم يوجد سبب غيرها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩١١-
وقد أمالوا لتناسب بلا داع سواه كعمادًا وتلا
"وذلك، إذا وقعت الألف بعد ألف في كلمتها، أو" وقعت "في كلمة" أخرى قد "قاربتها، قد أميلتا" أي الألفان "لسبب" من الأسباب المتقدمة.
"فالأول" وهو الذي وقعت فيه الألف بعد ألف في كلمتها، وقد أميلت الألف الأولى لسبب "كـ: رأيت عمادًا، و: قرأت كتابًا"، فإن الألف الأولى٣ فيهما قد أميلت لسبب، وهو كونها واقعة بعد كسرة، وقد فصل بينهما حرف واحد، وهو الميم في المثال الأول، والتاء في المثال٣ الثاني، فتمال الألف الأخيرة منهما المنقلبة عن التنوين لمناسبة الألف الأولى.
"والثاني": وهو ما أميلت فيه الألف لكونها واقعة في كلمة أخرى، وقد أميلت لسبب، "كقراءة أبي عمرو والأخوين: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١] بالإمالة٤ مع أن ألفها" منقلبة "عن واو "الضحوة" "لمناسبة: ﴿سَجَى﴾ [الضحى: ٢]، و: ﴿قَلَى﴾ [الضحى: ٣]، وما بعدهما"، فإن رعاية التناسب في الفواصل عندهم غرض منهم.
_________________
(١) ١ شرح الشافية للرضي ٣/ ٤. ٢ في "ط": "من أراد" مكان "الإرادة". ٣ سقط من "ب". ٤ انظر هذه القراءة في الإتحاف ص٤٤٠، والنشر ٢/ ٣٧.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
والحاصل من إرادة التناسب أن الألف الممالة إما أن تكون سابقة على الألف التي لا سبب فيها، أو آتية بعدها، فإن كانت سابقة عليها فتمال كما في "عمادًا" فتمال الألف الأولى لكسرة العين، ثم الثانية المنقلبة عن التنوين لأجل تلك الممالة، وإن كانت آتية بعدها فإما أن يقع ذلك في الفواصل أو لا.
فإن وقع في الفواصل فتمال لتناسب الفواصل، فـ"الضحى" تمال لمناسبة ما بعده، وإن لم يكن في الفواصل فلا تمال، ولذلك إذا مالوا فتحة "بمجادر" لكسر رائه لا يجيزون إمالة ألفه مع أنهما في كلمة واحدة فكيف إذا كانا في كلمتين.
"وأما الموانع" لأسباب الإمالة من الكسرة والياء الظاهرتين أو المقدرتين "فثمانية أيضًا" كعدد الأسباب "وهي":
"الراء" غير المكسورة، "وأحرف الاستعلاء السبعة وهي: الخاء، والغين؛ المعجمتان؛ والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والقاف".
وإنما منعت المستعلية الإمالة طلبًا لتجانس الصوت كما أميل فيما تقدم طلبًا له لأن هذه الأحرف تستعلي إلى الحنك، فلو أميلت الألف في "صاعد" لانحدرت بعد إصعاد، ولو أملتها في "هابط" لصعدت بعد انحدار، وكلاهما شاق، ولكن الثاني أشق، فلذلك كانت هذه الأحرف بعد الألف أقوى مانعًا كما سيجيء.
وأما الراء وإن لم يكن فيها استعلاء لكنها مكررة، فشبهت بالمستعلية لتكرر الذي فيها، بل قيل: هو اشد مانعًا، "وشرط المنع بالراء أمران":
أحدهما: "كونها غير مكسورة. و" الثاني: "اتصالها بالألف، إما قبلها".
ولا تكون إلا مفتوحة "نحو: فراش، وراشد"، فالراء منعت السبب المتقدم في الأول، والمتأخر في الثاني، "أو بعدها"، وتكون مضمومة ومفتوحة "نحو: هذا حمار، ورأيت حمارًا"، وبعضهم يميل ولا يلتفت إلى الراء، "وبعضهم يجعل المؤخرة المفصولة بحرف" واحد "نحو: هذا كافر، كالمتصلة" في منع الإمالة.
"وشرط" المنع بحرف "الاستعلاء المتقدم على الألف أن يتصل بها" أي بالألف "نحو: صالح وضامن وطالب وظالم وغالب وخالد وقاسم، أو منفصل بحرف" واحد "نحو: غنائم"، لأن الفصل بحرف واحد كلا فصل.
"إلا إن كان" حرف الاستعلاء "مكسورًا نحو: طلاب وغلاب" من المتصل، "وخيام، وصيام" من المنفصل بحرف، "فإن أهل الإمالة يميلونه" لأن حرف
[ ٢ / ٦٤٥ ]
الاستعلاء المكسور لا يمنع الإمالة، لأن الكسرة في التقدير بعد الحرف، فمناسبة صوت الألف للكسرة أولى، بخلاف ما إذا كان مفتوحًا فإن الفتح يقوي المستعلي من حيث كان الفتح معه يمنع الإمالة.
"وكذلك حرف الاستعلاء "الساكن بعد كسرة نحو: مصباح وإصلاح ومطواع ومقلات" بالقاف والتاء الفوقانية، "وهي التي لا يعيش لها ولد"، فإنه لا يمنع الإمالة أيضًا، لأن الكسرة لما جاورته، وهو ساكن، قدت أنها اتصلت به فنزل ذلك منزلة المكسور. "ومن العرب من لا ينزل هذا" الساكن "منزلة المكسور"، ويجعله مانعًا من الإمالة.
"وشرط" حرف الاستعلاء "المؤخر عنها"، أي عن الألف "كونه:
إما متصلا بالألف كـ: ساخر" بالخاء المعجمة، "وحاطب وحاظل" بالحاء المهملة، فيهما، "وناقف".
"أو منفصلا" من الألف "بحرف" واحد "كـ: نافق ونافخ وناعق وبالغ".
"أو" منفصلا من الألف بحرفين "كـ: مواثيق ومناشيط، وبعضهم يميل هذا" المفعول بحرفين "لتراخي الاستعلاء".
والمنع بالمتأخر أقوى من المنع بالمتقدم، ولذلك قيد المتقدم بأن لا يكون مكسورًا، ولا ساكنًا بعد مكسور، ولا مفصولا١ بحرفين، وأطلق في المتأخر، وسبب ذلك أن التصعد بعد التسفل أصعب عندهم من التسفل بعد التصعد، كما أن التسفل بعد التصعد أسهل من العكس.
"وشرط الإمالة التي يكفها المانع أن لا يكون سببها كسرة مقدرة" كـ"خاف" فإن ألفه منقلبة عن واو مكسورة، "ولا ياء مقدرة" كـ"طاب"، فإنها منقلبة عن ياء، فسبب إمالة ألف "خاف" الكسرة المقدرة في الواو المنقلبة عنها الألف، وسبب إمالة ألف٢ "طاب" الياء المقدرة المنقلبة ألفًا.
فكسرة "خاف" وياء "طاب" مقدرة في ألفيهما "فإن السبب المقدر هنا" وهي الكسرة والياء "لكونه موجودًا في نفس الألف" المنقلبة عن الواو المكسورة، أو عن الياء "أقوى من" السبب "الظاهر" في اللفظ، وهو الكسرة والياء الملفوظ بهما،
_________________
(١) ١ في "ب": "منفصلا". ٢ سقط من "ب".
[ ٢ / ٦٤٦ ]
"لأنه" أي السبب الظاهر "إما متقدم عليها"، أي على الألف نحو: "كتاب، وبين "أو متأخر عنها" نحو: "عالم، وبائع".
والكائن في نفس الألف أقوى من المتقدم عليها والمتأخر عنها، "فمن ثم أميل نحو: خاف، وطاب" مع تقدم حرف الاستعلاء، "و: حاق، وزاغ" مع تأخره، لأن السبب مقدر في الألف، بخلاف ما إذا كانت الكسرة مقدرة بعد الألف، كما في "جاد" من جد في الأمر، "وجواد" جمع "جادة"، وأصلهما "جادد، وجوادد" فأدغم لاجتماع المثلين، فلا تكون كالكسرة الملفوظة، فلا يجوز الإمالة على الأفصح.
وبعضهم أجاز إمالته اعتدادًا بالكسرة المقدرة كما في "خاف"١، ومقتضى ما تقدم أن المانع يكفه لأن السبب المقدر متأخر عن الألف.
"مسألة: ويؤثر مانع الإمالة، وإن كان منفصلا" في كلمة أخرى مستقلة بنفسها؛ كما لو كانا في كلمة واحدة، وهذا المنفصل تارة يكون متصلا بالألف من غير حاجز نحو: "منا قاسم" فلا يمال لاتصال المستعلي في اللفظ إذا أدرجت٢، فهذا مثل قولك: "بفاضل"٣.
وتارة يفصل بينهما بحرف واحد نحو: "منا فضل، وبمال قاسم"، فهذا مثل قولك: "بناعق"، وتارة يفصل بينهما بحرفين نحو: "بيدها سوط" فهذا مثل قولك: "مناشيط" قاله الشاطبي.
"ولا يؤثر٤ سببها" أي الإمالة "إلا متصلا" في كلمة واحدة، والفرق أن المانع أقوى من السبب "فلا يمال نحو: أتى قاسم، لوجود القاف" المستعلية، وإن كانت منفصلة عن الألف في كلمة أخرى، "ولا يمال" نحو "لزيد مال، لانفصال السبب" لأن الألف في كلمة أخرى. "هذا ملخص كلام الناظم" في شرح الكافية٥، "وابنه" في شرح الخلاصة٦.
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ١٣٢، والارتشاف ١/ ٢٤٠. ٢ في "ب": "أدرج". ٣ في "ط": "مررت بفاضل". ٤ في "ب": " يؤخر". ٥ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٧٤. ٦ شرح ابن الناظم ص٥٨٠.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
"وعليهما اعتراض من وجهين":
"أحدهما": في التمثيل، وثانيهما في الحكم، وذلك "أنهما مثلا بـ: أتى قاسم، مع اعترافهما بأن الياء المقدرة" في "أتى" المنقلبة١ عنها الألف "لا يؤثر فيها المانع" لما تقرر من٢ أن شرط الإمالة التي يكفها المانع أن لا يكون سببها ياء مقدرة، "والاستعلاء في هذا النوع لو اتصل لم يؤثر"، فما بالك٣ مع انفصاله، "والمثال الجيد" السالم من الطعن "كتاب قاسم"، فإن سبب الإمالة الكسرة الظاهرة، فيكفها المانع وإن كان مفصلا.
"و" الاعتراض "الثاني أن نصوص النحويين" كابن عصفور، وغيره "مخالفة لما ذكر من الحكمين "المذكورين وهما، يؤثر مانع الإمالة إن كان منفصلا، ولا يؤثر سببها إلا متصلا.
"قال ابن عصفور في مقربه بعد أن ذكر أسباب الإمالة ما نصه٤: وسواء كانت الكسرة متصلة أم منفصلة نحو: "لزيد مال"، إلا أن إمالة المتصلة كائنة ما كانت أقوى، وقال أيضًا٤: وإذا كان حرف الاستعلاء منفصلا عن الكلمة لم يمنع الإمالة إلا فيما أميل لكسرة عارضة نحو: "بمال قاسم"، أو فيما أميل من الألفات التي هي صلات الضمائر نحو: "أراد أن يضربها قبل" انتهى".
يعني لا تمال الألف، لأن القاف بعدها من قبل مانعة من الإمالة وإن انفصلت، وهذا النص بحرفه في الحكمين، وقع في شرح الجزولية لأبي عبد الله محمد النفزي، بالنون والفاء والزاي.
"ولولا ما في شرح الكافية" من قوله٥: وأن سبب المانع قد يؤثر منفصلا، فيقال: "أتى أحمد"، بالإمالة، و"أتى قاسم" بترك الإمالة، "لحملت قوله في النظم" للخلاصة والكافية.
٩١٠-
والكف قد يوجبه ما ينفصل
_________________
(١) ١ في "ب": "المنقلب". ٢ سقط من "ب". ٣ في "ب": "ذلك". ٤ المقرب ١/ ٣٢١. ٥ شرح الكافية الشافية ٤/ ١٩٧٤.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
"على هاتين الصورتين" المذكورتين في كلام ابن عصفور، والنفزي، وهما ما أميل للكسرة العارضة، وما أميل من الألفات التي هي صلات الضمائر "لإشعار١ قد يفعل" من قول الناظم:
٩١٠-
والكف قد يوجبه ما ينفصل
"في عرف المصنفين بالتقليل"، وإنما أثر المانع منفصلا، ولم يؤثر السبب إلا متصلا لأن ترك الإمالة هو الأصل، فيصار إليه بأدنى سبب، ولم يخرج عنه إلا لسبب محقق.
"وأما مانع المانع" للإمالة "فهو الراء المكسورة المجاورة" للألف٢، "فإنها تمنع" الحرف "المستعلي، و" تمنع "الراء أن يمنعا" الإمالة، لأن الراء من شأنها التكرار، فكأن الحرف فيها في تقدير حرفين، وكأن الكسرة فيها في تقدير كسرتين، فتكون إحدى الكسرتين في مقابلة المانع، والأخرى سبب الإمالة.
"ولهذا أميل: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، و: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] مع وجود الصاد" في الأول، "والغين" في الثاني.
"و" أميل " ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ [المطففين: ١٨] مع وجود الراء المفتوحة" قبل الألف.
"و" أميل: ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٦] مع وجودهما" أي القاف المستعلية، والراء المفتوحة، لأن كلا من حرفي الاستعلاء والراء المفتوحة مانع من الإمالة، والراء المكسورة، في ذلك كله متصلة.
"وبعضهم" أي العرب "يجعل المنفصلة" من الألف "بحرف كالمتصلة" في كونها تمنع المانع. "سمع سيبويه الإمالة في قوله"، وهو سماعة النعامي يهجو رجلا من بني نمير بن قادر: [من الطويل] .
٩٣٧-
عسى الله يغني عن بلاد بن قادر بمنهمر جون الرباب سكوب
بإمالة "قادر" مع وجود الفصل بين الألف والراء المكسورة بالدال.
_________________
(١) ١ في "ب": "لإشغال". ٢ سقط من "ط".
(٢) البيت لهدبة بن الخشرم في ديوانه ص٧٦، وخزانة الأدب ٩/ ٣٢٨، والكتاب ٤/ ١٣٩، ولسماعة النعامي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٤١، ولسان العرب ١٥/ ٥٥ "عسا" ولسماعة أو لرجل من باهلة في شرح شواهد الإيضاح ص٦٢٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٥٨، والارتشاف ٣/ ٣٠٦، وشرح الأشموني ٣/ ٧٧١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٦٧٨، وشرح المفصل ٧/ ١١٧، ٩/ ٦٢، والكتاب ٣/ ١٥٩، واللمع ص٣٣٣، والمقتضب ٣/ ٤٨، ٦٩.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
فصل:
"تمال الفتحة قبل حرف من ثلاثة:
أحدها: الألف، وقد مضت، وشرطها أن لا تكون" الفتحة "في حرف ولا في اسم يشبهه١"، لأن الإمالة من التصرف، وهو لا يدخل في الحرف ولا في ما أشبهه إلا ما يستثنى.
"فلا تمال: إلا" بكسر الهمزة والتشديد "لأجل الكسرة" التي هي من أسباب الإمالة".
"ولا" تمال "نحو: "على" للرجوع إلى الياء نحو: عليك، وعليه"، وهو من أسباب الإمالة.
"ولا" تمال "إلى، لاجتماع الأمرين" وهما الكسرة والرجوع إلى الياء "فيها" في نحو: "إليك، وإليه".
وإنما امتنعت الإمالة في هذه الكلمات الثلاث مع وجود السبب المقتضي لها لكونه حروفا، فلو سميت بشيء منها؛ وإن كانت ألفه رابعة كـ"إلا"؛ أملتها، لأن الألف الرابعة في الاسم يحكم عليها بأنها عن ياء، وإن كانت ثالثة كـ"على، وإلى" لم تجز إمالتها، لأن التسمية تجعل الألف من بنات الواو، لأن بنات الواو أكثر من بنات الياء ولذلك تقول في تثنيتهما: "علوان، وألوان"، قاله الجاربردي٣.
"ويستثنى من ذلك": أي من٤ المشبه للحرف "ها" للغائبة، "و: نا" للمتكلم المعظم نفسه، أو معه غيره "خاصة، فإنهم طردوا الإمالة فيهما" لكثرة استعمالها إذا كان قبلهما كسرة أو ياء، "فقالوا: مر بنا وبها، و: نظر إلينا وإليها" بالإمالة لوقوع الألف مسبوقة بالكسرة أو الياء مفعولة بحرف فلذلك كررهما مرتين.
_________________
(١) ١ في "ب": "شبيه". ٢ في "ب": "المفضي". ٣ شرح الشافية ٢/ ٣٨٤. ٤ سقط من "ط".
[ ٢ / ٦٥٠ ]
"وأما إمالتهم: أنى ومتى" من الأسماء المبنية، "وبلى" من أحرف الجواب "و: لا" النافية "في قولهم: افعل هذا إما لا، فشاذ من وجهين: عدم التمكن" لكونها مبنية، "وانتفاء السبب" المجوز١ للإمالة، لأن الألف في غير المتمكن أصل غير منقلبة عن شيء فضلا عن أن تكون منقلبة عن ياء، ولا ترجع إلى الياء، ولا قبلها كسرة، والذي سهل إمالتها نيابتها عن الجمل، فصار لها بذلك مزية على غيرها.
"و" الحرف "الثاني" من الأحرف الثلاثة التي تمال الفتحة قبلها، "الراء بشرط كونها مكسورة، وكون الفتحة في غير ياء" مثناة تحتانية، "وكونهما" أي الفتحة والراء "متصلتين" من غير حاجز بين الحرف المفتوح والراء، ولا فرق بين أن تكون الفتحة في حرف مستعمل نحو: "من المطر"، أو في راء نحو: "بشرر"، أو في غيرهما، "نحو: ﴿مِنَ الْكِبَرِ] [مريم: ٨] أو منفصلتين بساكن غير ياء" مثناة تحتانية "نحو: من عمر". وزاد المرادي٢: أو بمكسور نحو: "أشر" "بخلاف: أعوذ بالله من الغِيَر، ومن قبح السير" لأن الفتحة فيهما على الياء، نص على ذلك سيبويه٣.
"و" بخلاف: "من غيرك"، لكون الفصل بالياء المثناة التحتانية الساكنة، ويشترط أيضًا أن لا يكون بعد الراء حرف استعلاء نحو: "من المشرق"، فإنه مانع من الإمالة، نص على ذلك سيبويه أيضًا٤.
ولا يشترط أن لا يتقدم على الفتحة حرف استعلاء، لأن الراء المكسورة تغلب المستعلي إذا وقع قبلها، فيمال نحو: "من الضرر" قال المرادي٥: والتحرير أن يقال: تمال كل فتحة في غير ياء قبل راء مكسورة؛ متصلة بها أو مفصولة بمكسور أو ساكن غير ياء، وليس بعد الراء حرف استعلاء، انتهى.
"واشتراط الناظم" في النظم "تطرف الراء مردود بنص سيبويه٥ على إمالتهم فتحة الطاء من قولك: رأيت خبط رياح" بكسر الراء. وذكر غيره يجوز إمالة فتحة الغين في نحو: "الغرد"٦، والراء في ذلك ليست متطرفة، ولعله إنما خص الطرف لكثرة ذلك فيه.
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ شرح المرادي ٥/ ٢٠٤. ٣ الكتاب ٤/ ١٤٣. ٤ الكتاب ٤/ ١٤٤. ٥ شرح المرادي ٥/ ٢٠٥. ٦ في "ب": "الغرض".
[ ٢ / ٦٥١ ]
"و" الحرف "الثالث" من الأحرف الثلاثة التي تمال الفتحة قبلها "هاء" التأنيث، وإنما يكون هذا" الحكم، وهو إمالة الفتحة قبل الهاء "في الوقف خاصة كـ: رحمه ونعمه"، وإنما أميلت الفتحة قبل هاء التأنيث وإن لم تكن من أسباب الإمالة "لأنهم شبهوا هاء التأنيث بألفه"، أي بألف التأنيث المقصورة، "لاتفاقهما في المخرج"، وهو أقصى الحلق، "و" في "المعنى"، وهو الدلالة على التأنيث، "والزيادة" على أصول الكلمة "والتطرف" في آخر الكلمة، "والاختصاص بالأسماء" الجامدة والمشتقة.
ولا فرق في ذلك بين هاء التأنيث وهاء المبالغة، "وعن الكسائي إمالة" الفتحة قبل "هاء السكت أيضًا" لشبهها بهاء التأنيث في الوقف والخط "نحو: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] والصحيح المنع خلافًا لثعلب، وابن الأنباري"، فإنهما صححا جواز الإمالة فيما قبلها١. وبه قرأ أبو مزاحم الخاقاني في قراءة الكسائي١، وفي غالب النسخ: وفاقًا لثعلب وابن الأنباري وليس بصواب كما بينا.
_________________
(١) ١ النشر ٢/ ١٤٢، والكشاف ٤/ ١٥٣.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
باب التصريف
مدخل
باب التصريف:
"وهو" في اللغة "تغيير" مطلق، وفي الصناعة تغيير خاص "في بنية الكلمة لغرض معنوي، أو لفظي"، فالتغيير جنس، وبإضافته إلى البنية، وهي الصيغة خرج النحو، فإنه لا يتعلق بصيغة الكلمة بل بالعوارض اللاحقة للكلمة من فاعلية، ومفعولية، وإضافة غيرها، وبالغرض المذكور التصحيف والتحريف.
"فـ" التغيير "الأول" المعنوي "كتغيير المفرد إلى التثنية والجمع" المصحح، وذلك بتحويل زيد؛ مثلا، إلى زيدان، وزيدون، "وتغيير المصدر إلى الفعل والوصف" وذلك بتحويل الضرب؛ مثلا؛ إلى ضرب وضرَّب؛ بالتشديد للمبالغة في الفعل، واضطراب لوجود الحركة مع الفعل، ويضرب، وإضرب، وضارب، ومضروب وكـ: ضراب، ومضراب، وضروب، وضريب، وضرب للمبالغة في الوصف.
"و" التغيير "الثاني" اللفظي "كتغيير: قول" من الأجوف، "وغزو" من الناقص "إلى: قال، وغزا" بقلب حرف العلة ألفًا لتحركه وانفتاح ما قبله، والإبدال في "أقتت" والحذف في "قل" والإدغام في "رد"، ولشبه التصغير والتكسير والنسب والوقف والإمالة بعلم النحو من حيث التعلق بالمركبات ذكرت معه، وابن الحاجب وطائفة ذكروها في علم التصريف، وهو الأولى.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
"ولهذين التغييرين" للغرضين المذكورين "أحكام: كالصحة" وهي إقرار الحرف على وضعه الأصلي كالياء في "بياض، وأبيض"، والواو في "سواد، وأسود".
"والإعلال": وهو تغيير الحرف عن وضعه الأصلي كقلب الياء في "بان، وأبان، وموقن، وبائع"، وقلب الواو في "قام، وأقام، وقيام"، وشبه ذلك كقلب أحد الأصول من محل إلى محل آخر كـ"أينق" جمع ناقه، و"حادي".
"وتسمى" معرفة "تلك الأحكام علم التصريف"، وإنما سمي هذا العلم تصريفًا لما فيه من التقلب، يقال: صرفت الرجل في أمري إذا جعلته يتقلب فيه بالذهاب والإياب. وصروف الدهر: تقلباته وتحولاته من حال إلى حال.
فهذا العلم فيه هذا المعنى من جهة متعلقه، إذ هو متعلق بالتصرفات الموجودة في الألفاظ العربية كما تقدم في الغرضين، فهو من باب تسمية الشيء باسم متعلقه.
وموضوعه الأسماء المتمكنة، والأفعال المتصرفة في اللغة العربية. فلا يدخل التصريف في الأسماء الأعجمية كـ: إبراهيم، وإسماعيل، كما قال ابن جني١، وإن كانت متمكنة، لأن التصريف من خصائص لغة العرب.
"ولا يدخل التصريف في الحروف"، لأنها مجهولة الأصل، موضوعة وضع الأصوات، لا تقابل بالفاء والعين واللام لبعد معرفة اشتقاقها ولهذا كانت ألفاتها أصولا غير زائدة ولا منقلبة عن حرف علة.
"ولا" يدخل التصريف "فيما أشبهها"، أي أشبه الحروف، "وهي الأسماء المتوغلة في البناء" كالضمائر، وأسماء الاستفهام، "والأفعال الجامدة" وهي التي لم تختلف أبنيتها لاختلاف الأزمنة، نحو: "نعم وبئس وعسى وليس"، لأنها أشبهت الحروف في الجمود.
وما دخله التصريف من الحروف وما أشبهها فهو شاذ يوقف عند ما سمع منه، فمن ذلك مجيء الحذف في "سوف" والإبدال في حاء "حتى" عينا، وهمزة "إن" هاء، والحذف والإبدال في "لعل" والتصغير٢ في "ذا، والذي" وفروعهما، والإبدال في لام "عسى". والحذف في عين "ليس" عند اتصال تاء الفاعل.
"فلذلك" أي لأجل أن التصريف لا يدخل الحروف، ولا ما أشبهها من الأسماء
_________________
(١) ١ المنصف ٣/ ١٤٥، ١٤٦. ٢ في "ب": "التغيير".
[ ٢ / ٦٥٤ ]
والأفعال، "لا يدخل فيما كان" من الأسماء موضوعًا "على حرف" واحد "أو" على "حرفين، إذ لا يكون كذلك" في الوضع على حرف أو حرفين "إلا الحرف كباء الجر ولامه" فإنهما موضوعان على حرف واحد، "وقد، وبل"، فإنهما موضوعان على حرفين، "وما أشبه الحرف، كتاء: قمت" فإنها موضوعة على حرف واحد، "ونا [من] ١: قمنا" فإنها موضوعة على حرفين.
وهذا الحكم معلوم مما تقدم، من أن التصريف لا يدخل المبنيات، ولكن ذكر توطئة وتمهيدًا لقوله: "وأما ما وضع" في الأصل "على أكثر من حرفين ثم حذف بعضه" لعارض" فيدخله التصريف" نظرًا إلى أصل وضعه "نحو: يد، ودم" بحذف لامهما "في الأسماء: ونحو: قِ زيدًا" بحذف فائه ولامه "وقم، وبع" بحذف عينهما "في الأفعال"، وقس على ذلك.
_________________
(١) ١ إضافة من "ط": "وأوضح المسالك ٤/ ٣٦٠.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
فصل:
"ينقسم الاسم إلى مجرد من الزوائد، وأقله الثلاثي: كـ: رجل" لأنه يحتاج إلى حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه، وحرف يكون واسطة بين المبتدأ به، والموقوف عليه، إذ يجب أن يكون المبتدأ به متحركًا، والموقوف عليه ساكنًا، فلما تنافيا في الصفة كرهوا مقارنتهما، ففصلوا بينهما، فإن قيل: المتوسط لا يخلو من أن يكون متحركًا أو ساكنًا، وأيا ما كان يلزم التنافي مع أحدهما أجيب، بأنه لم جاز الحركة والسكون على المتوسط من حيث هو متوسط فلا يتحقق التنافي. "وغايته الخماسي كـ"سفرجل". و[ما] ١ بينهما" أي بين الثلاثي والخماسي "والرباعي كـ: جعفر". ولم يجوزوا سداسيًّا لئلا يتوهم أنه كلمتان، "وإلى مزيد فيه"، وأقله أربعة كـ: "قتال"، "وغايته سبعة كـ: استخراج"، وبينهما ذو الخمسة كـ"إكرام"، وذو الستة كـ"انطلاق"، "وأمثلته كثيرة". بلغت "في قول سيبويه" ثلاثمائة مثال وثمانية أمثلة، وزاد الزبيدي عليه نيفًا وثمانين مثالا، وذكرها "لا يليق بهذا المختصر"، فلا نشتغل بها رومًا للاختصار. بل نذكر أماكن الزيادة حفظًا للضبط، وتقليلا للانتشار، فنقول: الزيادة تكون واحدة وثنتين وثلاثًا وأربعًا، ومواضعها أربعة: ما قبل الفاء، وما بين الفاء والعين، وما بين العين واللام، وما بعد اللام، ولا تخلو من أن تقع متفرفة أو مجتمعة.
فالزيادة الواحدة قبل الفاء نحو: "أجدل"، وما بين الفاء والعين نحو: "كاهل" وما بين العين واللام نحو: "غزال"، وما بعد اللام نحو: "علقى".
والزيادتان المتفرقتان بينهما الفاء نحو: "أجادل"، وبينهما العين نحو: "عاقول"، وبينهما اللام نحو: "قصيرى" وبينهما الفاء والعين نحو: "إعصار"، وبينهما العين واللام نحو "خيزلى" وبينهما الفاء والعين واللام نحو: "اجفلى".
والمجتمعتان قبل الفاء نحو: "منطلق"، وبين الفاء والعين نحو: "حواجز"، وبين العين واللام نحو: "خطاف" وبعد اللام نحو: "علباء".
_________________
(١) ١ إضافة من "ط": "وأوضح المسالك ٤/ ٣٦٠.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
والثلاث المتفرقات نحو: "تماثيل"، والمجتمعة قبل الفاء نحو: "مستخرج"، وبين العين واللام نحو: "سلاليم" وبعد اللام نحو: "عنفوان" واجتماع ثنتين وانفراد واحدة نحو: "أفعوان".
والأربعة نحو: "اشهيباب" مصدر "إشهاب".
"وأبنية الثلاثي" المجرد "أحد عشر بناء، والقسمة" العقلية "تقتضي" أن تكون "اثنتي عشر" بناء، وذلك "لأن" الحرف "الأول واجب الحركة" لأنه مبتدأ به، والابتداء بالساكن متعذر، فأحواله ثلاثة، "والحركات" الخالصة "ثلاث": الفتحة والكسرة والضمة، "و" الحرف "الثاني يكون متحركًا وساكنًا"، فأحواله أربعة: "فإذا ضربت ثلاثة أحوال" الحرف "الأول في أربعة أحوال" الحرف "الثاني خرج من ذلك اثنا عشر" بناء، وأما الحرف الأخير فلا عبرة به في وزن الكلمة، لأنه حرف إعرابها.
"وأمثلتها" في الاسم والصفة: "فلس" سهل؛ بفتح أوله وسكون ثانيه. "فرس"، بطل؛ بفتحتين. "كتف"، حذر؛ بفتحة فكسرة. "عضد" طمع؛ بفتحة وضمة. "حبر"، نكس؛ بكسرة فسكون. "عنب". زيم؛ أي متفرق؛ بكسرة ففتحة. "إبل"، بلز؛ بكسرتين. "قفل"، حلو؛ بضمة فسكون. "صرد"، حطم؛ بضمة ففتحة. "دئل"؛ بضمة فكسرة. "عنق" جنب؛ بضمتين.
فبدأ بمفتوح الفاء مع الأربعة في العين، ثم بالمكسورة مع الثلاثة، ثم بالمضموم مع الأربعة.
"والمهمل منها: فِعُل" بكسر أوله وضم ثانيه، لأنهم كرهوا الانتقال من الكسرة إلى الضمة، لأن الكسرة ثقيلة، والضمة أثقل منها.
"وأما قراءة أبي السمال" بفتح السين المهملة وتشديد الميم وفي آخره لام: " ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحِبُك﴾ [الذريات: ٧] بكسر الحاء وضم الباء١" ونسبها أبو الفتح ابن جني في المحتسب٢ لأبي مالك الغفاري.
"فقيل: لم تثبت" هذه القراءة، "و" على تقدير ثبوتها "قيل: أتبع الحاء" من: الحبك "للتاء من: ذات" في الكسر، "والأصل: "حبك" بضمتين" فكسر الحاء
_________________
(١) ١ لم تنسب هذه القراءة إلى أبي السمال، بل نسبت إلى أبي مالك الغفاري والحسن، أما القراءة المنسوبة إلى أبي السمال فهي "الحبك" وكذلك قرأها أبو عمرو وابن عباس والحسن وأبو مالك الغفاري وأبو حيوة وابن أبي عبلة ونعيم. انظر المحيط ٨/ ١٣٤، والمحتسب ٢/ ٢٨٦. ٢ المحتسب ٢/ ٢٨٦.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
إتباعًا لكسرة التاء قبلها، ولم يعتد باللام الساكنة، لأن الساكن غير حاجز حصين، كما أتبع من قرأ: "الْحَمْدُ لُلَّهِ" [الفاتحة: ٢] بضم اللام إتباعًا لضم الدال قبلها١.
"وقيل": لا إتباع٢، وإنما الكسر "على التداخل في حر في الكلمة إذ يقال: "حبك"٣، بضمتين، و"حبك"٤ بكسرتين"، فركب هذا القارئ منهما هذه القراءة، فأخذ من لغة الكسرتين كسر الحاء، ومن لغة الضمتين ضم الباء.
واعترض٥ بأن التداخل إنما يكون بين حرفي كلمتين، لا بين حرفي كلمة واحدة، ووجهه الجاربردي٦ بأنه لما تلفظ بالحاء المكسورة من٧ اللغة الأولى غفل عنها، وتلفظ بالباء المضمومة من٧ اللغة الثانية.
وقال ابن جني٨: أراد أن يقرأ بكسر الحاء والباء، فبعد نطقه بالحاء مكسورة مال إلى القراءة المشهورة. فنطق بالباء مضمومة، ورده ابن مالك في شرح الكافية٩. والحبك: تكسر كل شيء، كالرمل والماء. إذا مرت بهما الريح.
"وزعم قوم إهمال: فعل" بضم الفاء وكسر العين "أيضًا"، لما فيه من الانتقال من ضم إلى كسر، "وأجابوا عن دئل"، اسم دويبة، سميت به قبيلة من بني كنانة، "و: رئم" بضم الراء وكسر الهمزة، اسم جنس للإست، "بأنهما" من أصول الأسماء، وإنما هما "منقولان من الفعل" المبني للمعفول.
واعترض بأن ذلك ممكن في "الدئل" لأنه علم قبيلة، لا في "الرئم" لأنه اسم جنس، والنقل لا يكون إلا في الأعلام دون أسماء الأجناس.
وأجيب بأن السيرافي ذهب إلى أن النقل قد يجيء في أسماء الأجناس، فلا معنى للتوقف فيه.
_________________
(١) ١ هي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة، انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٣، والكشاف ١/ ٨. ٢ في "ب": "إشباع". ٣ كما في الرسم المصحفي. ٤ هي قراءة أبي عمرو وأبي مالك الغفاري والحسن، وانظر الإتحاف ص٣٩٩، والمحتسب ٢/ ٢٨٦. ٥ في "ب": "واعترف". ٦ شرح الشافية ١/ ٣٥. ٧ في "ب": "في". ٨ المحتسب ٢/ ٢٨٦. ٩ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢٠٢١.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
"واحتج المثبتون" لـ"فعل" في أصول الأسماء١ "بـ: وعل" بضم الواو وكسر العين المهملة "لغة في: الوعل" بفتح الواو، وحكاه الخليل. فثبت بهذا أن "فعل" بضم أوله وكسر ثانيه ليس بمهمل ولا منقول، بل هو قليل.
"و" على القولين، فإنه "إنما أهمل أو قل" عند العرب "لقصدهم تخصيصه بفعل المفعول" دائمًا على الأول. وغالبًا على الثاني.
"والرباعي المجرد" خمسة أبنية:
"مفتوح الأول والثالث"، اسمًا "كـ: جعفر"، وصفة كـ"سلهب" للرجل الطويل.
"ومكسورهما، اسمًا كـ: زبرج" بكسر الزاي وسكون الموحدة وكسر الراء، وبالجيم للذهب، وصفة كـ"حرمل" للمرأة الحمقاء.
"ومضمومهما"، اسمًا "كـ: دملج" بالجيم، وصفة كـ"جرشع" للجمل العظيم.
"ومكسور الأول مفتوح الثاني"، اسمًا "كـ: فطحل"، بالفاء والطاء والحاء المهملتين لزمن الطوفان وزمن خروج نوح من السفينة، وصفة كـ"سبطر" للطويل.
"ومكسور الأول مفتوح الثالث"، اسمًا "كـ: درهم"، وهو معرب وإنما صح التمثيل به، لأنه على زنة الوضع العربي، وصفة كـ"هجرع" للطويل.
قال الأصمعي٢: ولا ثالث لهما. وزيد "ضفدع، وصندد، وهبلع للأكول". وقيل: الهاء زائدة.
"وزاد الأخفش والكوفيون٣ مضموم الأول مفتوح الثالث كـ: جخدب" بضم الجيم وسكون الخاء المعجمة. وفتح الدال المهملة، وهو الجراد الأخضر الطويل الرجلين كالجندب، وقيل، ذكر الجراد، أو الجسم السمين من الإبل.
"والمختار" عند جمهور البصريين؛ واستظهره في التسهيل؛ "أإنه فرع من مضمومهما" استثقالا لضمتين في رباعي ليس بينهما حاجر حصني، "و" لأنه "لم يسمع" فتح الثالث "في شيء" من الرباعي "إلا وسمع فيه الضم" من غير عكس، "كـ: جخدب وطحلب" للأخضر الذي يعلو الماء، و"برقع" من الأسماء، و"جرشع" بالجيم والراء، والشين المعجمة والعين المهملة، للعظيم من الجمال، ويقال للطويل.
_________________
(١) ١ في "ب": "أسماء الأصول". ٢ انظر شرح المرادي ٥/ ٢٢٩. ٣ انظر الارتشاف ١/ ٥٨.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
"ولم يسمع في: برثن"١ بضم الموحدة وسكون الراء وضم الثاء المثلثة٢ فوق: أحد براثن الأسد، وهو بمنزلة الظفر للإنسان. "وبرجد" بضم الموحدة وسكون الراء وضم الجيم وبالدال المهملة: لكساء مخطط، "وعرفط" بضم العين المهملة وسكون الراء وضم الفاء وبالطاء المهملة: لشجر البادية، "إلا الضم" بالرفع على النيابة عن فاعل "يسمع".
"وللخماسي المجرد أربعة" من الأبنية٣، "أمثلتها":
مفتوح الأول والثاني والرابع: اسمًا: "سفرجل"، وصفة: شمردل للطويل وشقحطب للتيس الذي له أربعة قرون.
ومفتوح الأول والثالث ومكسور الرابع اسمًا كـ"قهبلس" لحشفة الذكر، وصفة نحو: "جحمرش" بفتح الجيم وسكون المهملة وكسر الراء وبالشين المعجمة للعجوز المسنة، قاله السيرافي، وقيل: الأفعى العظيمة، وقيل: لم يأت هذا الوزن إلا صفة، وأن "القهبلس" المرأة العظيمة.
ومكسور الأول مفتوح الثالث اسمًا "قرطعب" بكسر القاف وسكون الراء وفتح الطاء المهملة وبالموحدة: الشيء التافه الحقير يقال: ما عليه قرطعبة، وصفة جردحل للجمل الضخم.
ومضموم الأول مفتوح الثاني مكسور الرابع اسمًا نحو: "قبعثر" للأسد وصفة "قذعمل" بضم القاف وفتح الذال المعجمة، وسكون العين المهملة وكسر الميم للبعير الضخم.
"فجملة الأوزان المتفق عليها" عند الجميع "عشرون" وزنا، أحد عشر للثلاثي: وخمسة للرباعي، وأربعة للخماسي. وجعل مضموم الفاء مكسور العين متفقًا عليه، إما لضعف القول بإهماله، ولذا قال: وزعم قوم إهمال "فعل"، وإما للتغليب.
وما ذكره من أصالة جميع حروف الرباعي والخماسي هو مذهب البصريين، وأما الكوفيون فذهبوا إلى أن كل اسم زادت حروفه على ثلاثة ففيه زيادة٤.
_________________
(١) ١ في "أ"، "ط": "برتن"؛ بالتاء والتصويب من أوضح المسالك ٤/ ٣٦١. ٢ في جميع النسخ: "المثناة" والتصويب من حاشية يس ٢/ ٣٥٦.، ٣ في "ب": "الأمثلة". ٤ الإنصاف ٢/ ٧٩٣، المسألة رقم ١١٤.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
فإن كان على أربعة كـ"جفعر" ففيه زيادة واحدة، وهل هي الحرف الأخير أو ما قبله؟ ذهب الفراء إلى الأول، والكسائي إلى الثاني١.
وإن كان على خمسة أحرف كـ"سفرجل" ففيه زيادتان قاله الشاطبي.
"وما خرج عما ذكرنا من الأسماء العربية الوضع فهو مفرع عنها، إما بزيادة في أوله "كـ: منطلق"، أو في وسطه كـ"ظريف"، "و" فيهما نحو: "محرنجم" أو في آخره كـ"حبلى". "أو بنقص أصل كـ: يد، ودم" وأصلهما: "يدي، ودمي"، "أو بنقص حرف زائد كـ: علبط" بضم العين المهملة وفتح اللام وكسر الباء الموحدة، وبالطاء المهملة الغليظ الضخم. "أصله "علابط" بدليل أنهم نطقوا به" على أصله.
"و" الدليل على وجود الألف بعد اللام "أنهم لا يوالون بين أربع متحركات"٢ في كلمة واحدة، إلا أن يعرض عارض كزيادة في تقدير الانفصال نحو: شجرة.
"أو بتغيير شكل" أي حركة "كتغيير مضموم الأول والثالث بفتح ثالثه نحو: جخدب" بضم الجيم وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال.
"أبو بكسر أوله في نحو: خرفع" بكسر الخاء المعجمة "وسكون الراء وضم الفاء وبالعين المهملة القطن الفاسد.
"وكتغيير مكسورهما" أي الأول والثالث "بضم ثالثه في" نحو: زئبر" بكسر الزاي وسكون الهمزة بعدهما وضم الموحدة، وأصلها الكسر، وهو ما يعلو الثوب الجديد.
"وأما سرخس" بفتح السين المهملة والراء وسكون الخاء المعجمة، وبالسين المهملة لبلدة. "وبلخش" بفتح الموحدة واللام وسكون الخاء المعجمة وبالشين المعجمة لنوع من الجواهر "فأعجميان" لا عربيان، إذ ليس في أمثلة الرباعي مفتوح الأول والثاني.
_________________
(١) ١ الإنصاف ٢/ ٧٩٣. ٢ في "ب": "محركات".
[ ٢ / ٦٦١ ]
فصل:
"وينقسم الفعل إلى:
مجرد" من الزوائد، "وأقله ثلاثة، كـ: ضرب" وقعد، "وأكثره أربعة، كـ: دحرج" ودربخ: أي ذل.
"وإلى مزيد فيه"، وأقله أربعة كـ"أكرم"، و"غايته ستة كـ: استخرج"، وبينهما الخماسي كـ"انطلق"، ومزيد الرباعي أقله خمسة كـ"تدحرج"، وغايته ستة كـ"احرنجم".
"و" مزيد الثلاثي "أوزانه كثيرة" ومشهورها خمسة وعشرون وزنًا.
ومزيد الرباعي أوزانه ثلاثة: "تفعلل" كـ: تدحرج، و"افعنلل" كـ: احرنجم و"افعلل" كـ: اقشعر. واختلف في هذا الثالث، فقيل هو بناء مقتضب، وقيل: هو ملحق بـ"احرنجم".
وزاد بعضهم في مزيد الرباعي وزنًا رابعًا: وهو "افعلل"١ نحو: اجرمز.
"وأوزان الثلاثي" المجرد "ثلاثة": مفتوح العين، ومكسورها، ومضمومها.
"كـ: ضرب وعلم وظرف"٢، لأن الفاء لا يكون إلا مفتوحًا لرفضهم الابتداء بالساكن. وكون الفتحة أخف، واللام مفتوح دائمًا للخفة والعين ولا تكون إلا متحركة٣. لئلا يلزم التقاء الساكنين في نحو: "ضربت" والحركات منحصرة في الفتح والكسر والضم.
وأما ما جاء من نحو: "نعم، وشهد" بفتح الفاء وكسرها مع سكون العين فمزال عن الأصل لضرب من الخفة، والأصل فيهما "فعل" بكسر العين.
"وأما نحو: "ضرب" بضم أوله وكسر ثانيه" ففيه قولان:
_________________
(١) ١ هذا الوزن جعله بعضهم نفس "افعنلل"، وأضاف السيوطي في المزهر ٢/ ٤١-٤٢ أوزانًا أخرى ألحقها بالرباعي المزيد بحرفين. ٢ المبدع في التصريف ص١٠١. ٣ في "ب": "محركة".
[ ٢ / ٦٦٢ ]
أحدهما: أنه أصل برأسه، وإليه ذهب المبرد١، وابن الطراوة والكوفيون٢، ونقله في شرح الكافية٣ عن سيبويه والمازني.
والثاني: أنه فرع عن فعل الفاعل، وإليه ذهب جمهور البصريين، ونقل عن سيبويه٤.
"فمن قال: إنه وزن٥ أصلي مستدلا بأن نحو: جن، وبهت، وطل دمه، وأهدر" دمه، "أولع بكذا، وعني بحاجتي، بمعنى، اعتنى بها، وزهي علينا، بمعنى: تكبر"، و"حم زيد، وزكم، ووعك، وفلج، وسقط في يده، ورهصت الدابة ونفست المرأة، ونتجت الناقة، وغم الهلال، وأغمي على زيد"، وأخواتها "لم تستعمل إلا مبنية للمفعول"، خبر "أن" "عده" وزنًا "رابعًا" خبر "فمن قال".
وتقرير الدليل منه أن "فعل" المفعول لو كان فرعًا لغيره لكان مستلزمًا وجوده وجود ذلك الغير ضرورة كون الفرع يستلزم وجوده أصله، واللازم باطل، فالملزوم، مثله، وبيان الملازمة أن الفرعية ثابتة للأصل، ولا يوجد في فرع بغير أصل.
ونحن وجدنا أفعال مبنية للمفعول غير مغيرة عن المبني للفاعل، وجوابه النقض، وهو أن لنا جموعًا لم يسمع لها واحد كـ"عباديد، وأبابيل"، والجمع فرع الإفراد اتفاقًا، فلو كان ما ذكرتم صحيحًا لزم كون الجمع أصلا برأسه، وأنتم لا تقولون به، فما كان جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن ذلك.
"ومن قال: "إنه فرع عن فعل الفاعل مستدلا بترك الإدغام في نحو: سوير"، وترك الإبدال في نحو: ووري، "لم يعده" وزنًا رابعًا.
وتقرير الدليل أن الواو والياء متى اجتمعتا، وسبقت إحداهما بالسكون فإن الواو تقلب ياء، وتدغم الياء في الياء، وإن الواوين متى اجتمعتا في أول الكلمة٦ أبدلت الأولى همزة لزومًا، فلما لم يحصل إدغامًا ولا إبدال، دل ذلك على أنهما مغيران عن فعل
_________________
(١) ١ لم يذكر المبرد مثل ذلك في المقتضب، بل ذكر أن أوزان الثلاثي هي: فَعَل، فَعُل، فَعِل. انظر المقتضب ١/ ٧١، ٢/ ١١٠. ٢ انظر شرح المرادي ٥/ ٢٢٢. ٣ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢٠١٤. ٤ الكتاب ١/ ٤٢. ٥ سقط من "ب". ٦ في "ب": "كلمة".
[ ٢ / ٦٦٣ ]
الفاعل وهو "ساير، وارى" فكما لا تدغم الألف من "ساير" ولا تهمز الواو من "وارى" فكذلك ما غير عنهما.
وأجاب الأولون عن ترك الإدغام والإبدال، فقالوا: أما ترك الإدغام فلئلا يلتبس بمجهول "فعل" لأنه إذا قيل "سير" بالإدغام لم يعلم أنه مجهول "ساير"، أو "سير" وأما ترك الإبدل فلأن الواو الثانية في "ووري" ليست متأصلة في الواوية، لأنها منقلبة عن ألف "وارى".
"وللرباعي وزن واحد كـ: دحرج"، و"زلزل"، "ويأتي في "دحرج بالضم" في أوله، والكسر فيما قبل آخره "الخلاف" السابق "في "فُعِل" المفعول".
[ ٢ / ٦٦٤ ]
فصل في كيفية الوزن:
"ويسمى التمثيل" لمماثلة حروف الميزان لحروف الموزون من تعداد الحروف، وهيئاتها.
وفائدة الوزن بيان أحوال أبنية الكلم١ في ثمانية أمور: الحركات، والسكنات، والأصول، والزوائد والتقديم، والتأخير، والحذف، وعدمه، والميزان لفظ "فعل" "تقابل الأصول بالفاء فالعين فاللام" على الترتيب المستفاد من الفاء حال كون حروف الميزان "معطاة ما لموزونها٢ من تحرك، وسكون" أصليين.
"فيقال في" وزن "فلس" من الأسماء: "فعل" بسكون العين.
"وفي" وزن "ضرب" من الأفعال. "فعل" بفتح العين.
"وكذلك" يقال "في" وزن "قام" من الأجوف، "وشد" من المضاعف، "فعل" بفتح العين، "لأن أصلهما" قبل القلب والإدغام "قوم، وشدد" بفتح العين فيهما، فقلبت الوام ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها في الأول، وأدغمت الدال في الدال لاجتماع المثلين في الثاني.
"و" يقال "في" وزن "علم: فعل" بكسر العين، "وكذلك" يقال "في" وزن "هاب" من الأجوف، "ومل" من المضاعف، "فعل" بكسر العين فيهما، لأن أصلهما "هيب وملل" بكسر العين فيهما، ففعل بهما ما تقدم من القلب والإدغام.
"و" يقال "في" وزن "ظرف: فعل" بضم العين فيهما، "وكذلك" يقال "في" وزن "طال، وحب"، "فعلف" بضم العين فيهما، لأن أصلهما "طول، وحبب"، بضم العين فيهما، ففعل ما تقدم من القلب والإدغام، فحصل بذلك بيان الحركات الأصلية والسكنات.
_________________
(١) ١ في "ب": "الكلمة". ٢ في "ب": "لوزنها".
[ ٢ / ٦٦٥ ]
"فإن بقي من أصول الكلمة شيء زدت" في الميزان "لاما ثانية في" وزن "الرباعي، فقلت في" وزن "جعفر: فعلل، و" زدت لامًا "ثانية وثالثة في" وزن "الخماسي، فقلت في" وزن "جحمرش: فعللل".
وما ذكره الموضح في كيفية وزن الثلاثي مجمع عليه، وما ذكره في غيره [اختلف فيه على مذهبين:
أحدهما: ما ذكر، وهو قول البصريين بناء على أن الجميع أصول، وهو الصحيح.
والثاني: أن ما زاد على الثلاثة] ١ زائد، قاله الكوفيون٢: بناء على قولهم: إن منتهى الأصول ثلاثة كما تقدم عنهم، ثم اختلفوا على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لا يوزن، لأنه لا يدرى كيفية وزنه.
والثاني: أنه يوزن، ويقابل٣ آخره بلفظه.
والثالث: أنه يوزن ويقابل الذي قبل آخره بلفظه، وهو مبني على أن الزائد هل هو الآخر أو ما قبله، فالفراء على الأول، والكسائي على الثاني.
فهل "جعفر": "فعلل" كما يقول البصريون، أو "فعلر" بزيادة الراء، أو "فعفل" بزيادة الفاء، أو لا يدرى ما هو. أقوال أربعة.
"ويقابل" الحرف "الزائد بلفظه"، ليتميز عن الأصل إلا فيما يستثنى.
"فيقال في" وزن "أكرم" بزيادة الهمزة، "وبيطر" بزيادة الياء، "وجهور" بزيادة الواو: "أفعل، وفيعل، وفعول" على طريق اللف والنشر على الترتيب.
"و" يقال "في" وزن "اقتدر" بزيادة الهمزة والتاء: "افتعل، وكذلك" يقال "في" وزن "اصطبر" مما فاؤه صاد، وقلبت تاء الافتعال فيه طاء، "واذدكر" مما فاؤه ذال معجمة، وقلبت تاء الافتعال فيه دالا مهملة: افتعل، "لأن الأصل" فيهما: "اصتبر، واذتكر" قلبت تاء الافتعال في الأول طاء وفي الثاني دالا لما سيجيء.
"و" يقال "في" وزن "استخرج" مما تساوى فيه عدد الزيادة والأصول، "استفعل".
"إلا أن الزائد إذا كان تكرارًا لأصل"، سواء كان للإلحاق أم لا "فإنه يقابل عند الجمهور بما قوبل به ذلك الأصل"، لأن تكرار الأصل في علم الصرف بمنزلة
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ الممتع في التصريف ١/ ٣١٢، والمبدع ص١٤١. ٣ في "ب": "يقابله".
[ ٢ / ٦٦٦ ]
التوكيد اللفظي في علم النحو، فكما أن ذلك يعطي حكم الأول فيتبعه في إعرابه فهذا يوزن بما يوزن فيه الأصل إعلاما بأن هذا تكرار لما سبق "كقولك في" وزن "حلتيت" بكسر الحاء المهملة، وهو صمغ الأنجذان، بفتح الهمزة وضم الجيم وإعجام الذال: نبات جيد لوجع المفاصل، "و" في "سحنون" بضم السين المهملة وسكون الحاء المهملة وبنونين، وهو أول المطر والريح، "و" في وزن "اغدودن" بالغين المعجمة وبالدال المهملة، يقال: اغدودن الشعر إذا طال، واغدودن النبت إذا اخضر: "فعليل، وفعلول، وافعوعل" لفا ونشرا مرتبًا، فالتاء في "حلتيت" للإلحاق بـ"قنديل"، والنون في "سحنون" للإلحاق بـ"غضروف"، والدال في "اغدودن" لغير الإلحاق.
وذهب بعضهم إلى أن الزائد يقابل بلفظه مطلقًا، ولو كان تكرارًا لأصل فيقال في وزن ["حلتيت: فعليت"، وفي وزن "سحنون: فعلون" وفي وزن] ١ "اغدودن: افعودل".
"وإذا كان في الموزون تحويل" من مكان إلى مكان، ويسمى القلب المكاني، "أو حذف" لبعض الأصول "أتيت" أنت "بمثله في الميزان":
فتقول في" وزن "ناء" بالمد، ماضي "يناء": "فلع، لأنه من النأي" والأصل "نأي" فحول اللام وهي الياء إلى موضع العين، وهي الهمزة، فصار "نيأ" فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار "ناء" بالمد.
"و" تقول "في" وزن "الحادي" وهو مبدأ العدد: "عالف، لأنه من: الوحدة"، والأصل: "الواحد"، فحول٢ الفاء وهي الواو إلى موضع اللام، وهي الدال، ولا يمكن الابتداء بالألف، فتقدم الحاء عليه فصار "الحادو" فقلبت الواو ياء لوقوعها متطرفة إثر كسرة فصار "الحادي".
"وتقول في" وزن "يهب" مما حذفت فاؤه: "يعل" والأصل: "يوهب"، حذفت فاؤه لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة، لأنه في الأصل: "يفعل"، بالكسر، ففتح لحرف الحلق، فيكون الحذف من "يفعل" بالكسر، قاله التفتازاني في "يطأ" وأخواته٣.
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ في "ب": "فحمل". ٣ أي قال إن حذف الواو منها لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة في الأصل، والمراد بأخوات يطأ: يدع ويذر، وانظر حاشية يس ٢/ ٣٥٩، والمبدع في التصريف ص١٦٩.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
"و" تقول "في" وزن ["بِعْ" أمر من "باع": "فل"، والأصل: "بيع" حذفت عينه لالتقاء الساكنين.
"و" تقول "في" وزن] ١ "قاض"، مما حذفت لامه: "فَاعٍ"، والأصل: "قاض"، حذفت لامه لالتقاء الساكنين.
وقد يتعذر وزن الكلمات كـ"اسطاع، و: اهراق"، وذلك لأنا نعتبر الحركة والسكون بأصلهما، والفاء في ذلك أصلها السكون، والسين والهاء ساكنان، فيلزم في الميزان التقاء الساكنين، فالصواب أن يقال في وزنهما: "أفْعَل"، لأن أصلهما: "أطَوَع، وأرْيَق"، والسين والهاء زائدتان٢.
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ الممتع في التصريف ١/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
فصل فيما تعرف به الأصول والزوائد:
"قال الناظم" في النظم:
٩٢٥-
والحرف إن يلزم فاصل والذي لا يلزم الزائد مثل تا احتذي
فعرف الحرف الأصلي بأنه يلزم في جميع التصاريف، وعرف الزائد بأنه الذي لا يلزم في جميع التصاريف، [ومثله بتاء "احتذي" فإنها زائدة، لأنها تحذف في بعض التصاريف] ١، تقول: حذا حذوه، والاحتذاء: الاقتداء ولبس النعل. "وفي" كلا "التعريفين نظر".
"أما" التعريف "الأول"، وهو تعريف الأصل "فلأن الواو من "كوكب" والنون من "قرنفل" زائدتان، كما ستعرفه" قريبًا، "مع أنهما لا يسقطان" في جميع التصاريف.
"وأما" التعريف "الثاني" وهو تعريف الزائد "فلأن الفاء من: وعد، والعين من: قال، واللام من: غزا، أصول مع سقوطهن في: يعد، وقل، ولم يغز"، فتعريف الأصل غير جامع، وتعريف الزائدة غير مانع.
وأجاب عنه المرادي٢ بأن الأصل إذا سقط لعلة فهو مقدر الوجود بخلاف الزائد، والزائد إذا لزم فهو مقدر السقوط، ولذلك يقال: الزائد ما هو ساقط في أصل الوضع تحقيقًا أو تقديرًا.
"وتحرير القول فيما تعرف به الزوائد أن يقال: اعلم٣ أنه لا يحكم على حرف بالزيادة حتى تزيد بقية" أصول "أحرف الكلمة" عند التردد فيها "على أصلين، ثم الزائد نوعان، تكرار الأصل٤ وغيره".
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ شرح المرادي ٥/ ٢٣٤. ٣ سقط من "ب". ٤ في أوضح المسالك ٤/ ٣٦٤، "تكرار لأصل".
[ ٢ / ٦٦٩ ]
"فالأول" وهو تكرار الأصل "لا يختص بأحرف بعينها"، بل يكون في جميع الحروف إلا الألف، فإنها لا تقبل التضعيف، وسواء كانت من حروف "سألتمونيها"١ أم لا.
"و" الزائد لتكرار أصل "شرطه:
أن يماثل اللام كـ: جلبب" بزيادة الباء الثانية للإلحاق بـ"دحرج"، "وجلباب" مصدره، ويطلق على الملحفة.
"أو" يماثل "العين، إما مع الاتصال كـ: قتل" بالتشديد وزيادة إحدى التاءين على الخلاف في أنهما الأولى أو الثانية، "أو مع الانفصال بزائد" بينهما "كـ: عقنقل" بفتح العين المهملة والقافين وبينهما نون ساكنة، وهو الكثيب العظيم المتداخل الرمل.
"أو يماثل الفاء والعين كـ: مرمريس" بفتح الميمين، وسكون الراء الأولى وكسر الثانية، وفي آخره سين مهملة قبلها ياء مثناة تحتانية ساكنة وهو٢ الداهية، و"مرمريت" للقفر، ولا ثالث لهما.
"أو" تماثل "العين واللام كـ: صمحمح" بمهملات: الشديد، وقال الجرمي: الغليظ القصير، وقال ثعلب رأس صمحمح أي أصلع غليظ شديد.
والحاصل: أنه متى تكرر حرفان في كلمة، ولها أصل غيرهما حكم بزيادة أحد المضعفين، وفي تعيين الزائد خلاف.
وذكر في التسهيل٣ أنه يحكم بزيادة ثاني المتماثلات وثالثها في نحو "صمحمح" يعني الحاء الأولى والميم الثانية، وبزيادة ثالثها ورابعها في نحو: "مرمريس" يعني الميم الثانية والراء التي تليها.
واستدل بعضهم على زيادة الحاء الأولى في "صمحمح" والميم الثانية في "مرمريس" بحذفهما في التصغير حيث قالوا: "صميمح، و: مريريس".
ونقل عن الكوفيين في "صمحمح" أن وزنه "فعلل" وأصله "صمحح"٤ أبدلوا الوسطى ميمًا.
_________________
(١) ١ ويقال لها أيضًا: "أمان وتسهيل" انظر المبدع في التصريف ص١١٨. ٢ في "ب": "وهي". ٣ التسهيل ص٢٩٧. ٤ الإنصاف ٢/ ٧٨٨، المسألة رقم ١١٣، وذهب البصريون إلى أنه على وزن فعلعل.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
"وأما الذي يماثل الفاء وحدها كـ: قرقف" بقافين مفتوحتين بينهما راء ساكنة، وهو الخمر، "وسندس" وهو رقيق الديباج، "أو" يماثل" "العين المفصولة" بأصل "كـ: حدرد" بمهملات، اسمًا لرجل، ولم يجئ على "فعلع" بتكرير العين غيره، "فأصلي"، جواب "وأما".
"و" أما "إذا بني الرباعي من حرفين فإن لم يصح إسقاط ثالثه فالجميع أصل كـ: سمسم" بكسر السينين المهملتين، ووزنه: "فعلل" لأن أصالة الاثنين متحققة ولا بد من ثالث مكمل للأصول، وليس أحد الباقين بأولى من الآخر، فحكم بأصالتهما.
وحكي عن الخليل والكفوفيين أن وزنه: "فِعْفِل"١، تكررت فاؤه، وهو بعيد. "وإن صح" إسقاط ثالثه "كـ: لملمة" فإنه يصح إسقاط ثالثه، "و" يقال "لمه" وهو أمر من "لملمت" بمعنى: لممت.
"فقال الكوفيون: ذلك الثالث" الصالح للسقوط "زائد مبدل من حرف مماثل للثاني"، فأصل "لملم" على قولهم "لمم" فاستثقل توالي ثلاثة أمثال، فأبدلوا من آخره حرف يماثل الفاء.
ورد بأنهم قالوا في مصدره: "فعللة" ولو كان مضاعفًا في الأصل لجاء على "التفعيل".
"وقال الزجاج" من البصريين: ذلك الثالث الصالح للسقوط "زائد غير مبدل من شيء وقال بقية البصريين: أصل".
واختار الشارح مذهب الكوفيين، وقال٢: إنه أولى من جعله ثنائيًّا مكررًا موافقًا في المعنى للثلاثي المضاعف كما يقول البصريون في أمثاله كـ"قصقصت، وكفكفت، وكبكبت"، انتهى.
"والنوع الثاني" من نوعي الزائد وهو ما زيد لغير تكرار "مختص بأحرف عشرة"، جمعت في كلمات مرارًا، وهي: هم يتساءلون، يا هول استنم، أسلمني وتاه، وهويت السمان، أهوت سليمان، سألتمونها، [نويت ألمسها، ونويت ألامسه، ما أنت وسهيل، أشماله تمين، أنت ولي مسها، أهوال سمتني، أتلهو يا مسن، أتنسم وليها، هل
_________________
(١) ١ شرح المراد ٥/ ٢٤١. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٨٨.
[ ٢ / ٦٧١ ]
أنت مواسي، نويت أسالمه، وأنت سيل هام، أنت مايس لهو، أنت سايم هول. أو لها تسنيم، تاوه سليمان، اليوم تنساه، يا أوس هل نمت، لم يأتنا سهو] ١ "وجمعها الناظم في بيت واحد أربع مرات فقال"٢: [من الطويل]
هناء وتسليم تلا يوم أنسه نهاية مسؤول أمان وتسهيل
وينبغي أن يعدوا الشين المعجمة في نحو: "أكرمتكش" في خطاب المؤنث، فإن قالوا: هذه مختصة بالوقف قلنا: وهاء السكت كذلك.
وخصت٣ هذه الأحرف بالزيادة دون غيرها لأن أولى ما زيد حرف المد واللين، لأنها أخف الحروف، وغيرها من الأحرف العشرة يرجع إليها.
فالهمزة مجاورة للألف في المخرج، وتنقلب إلى حرف اللين عند التخفيف. والهاء أيضًا مجاورة للألف في المخرج. والميم من مخرج الواو، وهو الشفة، وفيها غنة. والنون فيها غنة تمد في الخيشوم امتداد الألف في الحلق. والتاء حرف مهموس، أبدلت من الواو في "تجاه". والسين حرف مهموس فيه صفير، ويقرب مخرجه من مخرج الياء. واللام وإن كانت حرفًا مجهورًا لكنها تشبه النون، وقريبة من مخرجها.
وأسباب الزيادة سبعة:
للإلحاق نحو "كوثر". والدلالة على معنى كحرف المضارعة. وإسكان النطق كهمزة الوصل، وهاء "السكت في "قه". وبيان الحركة كـ: ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] . والمد كـ"كتاب". والعوض كـ"زنادقة"، والتكثير كـ"قبعثرى" قاله ابن عصفور٤.
ولها شروط، "فتزاد الألف بشرط أن تصحب أكثر من أصلين"، ولا يكون في الأول لتعذر الابتداء بالساكن، بل تكون ثانية "كـ: ضارب، و" ثلاثة نحو: "عماد، و" رابعة نحو: "غضبى، و" خامسة نحو: "سلامى" بضم السين المهملة عظام صغار في أصابع اليدين والرجلين، وسادسة: نحو: "قبعثرى"، وسابعة نحو: "بردرايا".
ويستثنى من ذلك إذا صحبت أكثر من أصلين من مضاعف الرباعي، نحو: "ضوضى" فإنها فيه بدل من أصل لا زائدة "بخلاف، نحو: قال، وغزا" لأن الألف فيهما ليست زائدة لكونها لم تصحب أكثر من أصلين.
_________________
(١) ١ ما بين المعكوفين سقط من "ب"، "ط". ٢ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢٠٢٣ ٣ في "ب": "خصصت". ٤ الممتع في التصريف ١/ ٢٠٥-٢٠٦، وانظر المبدع في التصريف ص١١٨، ١١٩.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
"وتزاد الواو والياء" أختها "بثلاث شروط"١.
"أحدها: ما ذكر في الألف"، وهي أن تصحب أكثر من أصلين.
"والثاني: أن لا تكون الكلمة" التي هما فيها "من باب: سمسم" من الرباعي المضاعف.
"والثالث: ألا تتصدر الواو مطلقًا"، سواء كانت قبل أربعة أصول أم لا، "ولا" تتصدر "الياء قبل أربعة أصول في غير مضارع، وذلك نحو: صيرف، وجوهر" في زيادتهما ثانيتين، "وقضيب، وعجوز" في زيادتهما ثالثتين، "وحذرية، وعرقوة" في زيادتهما رابعتين، والحذرية بكسر الحاء وسكون الذال المعجمة، وكسر الراء قطعة من الأرض غليظة، والعرقوة بفتح العين المهملة، وسكون الراء وضم القاف: الخشبة المعترضة على رأس الدلو.
"بخلاف نحو: بيت، وسوط" فإن الواو والياء فيهما لم يصحبا أكثر من أصلين.
"و" بخلاف نحو: "يؤيؤ، ووعوعة"، فإنهما من باب "سمسم" واليؤيؤ بضم الياءين التحتانيتين، بعدهما واو مهموزة: اسم طائر ذي مخلب يشبه الباشق، والوعوعة: مصدر وعوع السبع، بعينين مهملتين: إذا صوت٢، "وورنتل، ويستعور" لتصدر الواو مطلقًا والياء قبل أربعة أصول في غير مضارع٢، والورنتل بفتح الواو والراء، المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة فوق: الشر٣، وزعم قوم أن الواو فيه زائدة، وهو ضعيف، إذ لا نظير لذلك، والصحيح أن الواو أصلية٤، ولم يذكره الجوهري.
واختلف في لامه، فقيل: زائدة، وإليه ذهب الفارسي وابن مالك٥، وقيل: أصلية، وعلى القولين وزنه: "فعنلل"، إلا أن اللام الأخيرة على الأول زائدة، وعلى الثاني أصلية.
وأما "يستعور" بمثناة تحتانية فسين مهملة، فمثناة فوقانية، فعين مهملة، فواو، فراء مهملة، فوزنه: "فعللول" كـ"عضرفوط"، هذا هو الصحيح، لأن الاشتقاق لم
_________________
(١) ١ انظر الممتع في التصريف ١/ ٢٨٧-٢٩٢، والمبدع ص١٣٦-١٣٧، وشرح ابن الناظم ص٥٨٩. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٨٩. ٣ في "ط": "النسر" وانظر شرح ابن الناظم ص٥٨٩. ٤ انظر شرح ابن الناظم ص٥٨٩، والمبدع في التصريف ص١٣٧. ٥ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢٠٣٨.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
يدل على الزيادة في مثله إلا في المضارع نحو: "تدحرج"، وهو شجر يتسوك بعيدانها، قال المرادي١.
وقال الجوهري: اسم موضع عند المدينة، وكساء يجعل على عجز البعير، واسم من أسماء الدواهي يقال: ذهب في اليستعور أي: في الباطل، قاله الجاربردي٢.
"وتزاد الميم بثلاثة شروط أيضًا وهي٣: أن تتصدر وتتأخر عنها ثلاثة أصول فقط، وأن لا تلزم في الاشتقاق، وذلك نحو: مسجد" لمكان السجود، "ومنبج" بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وبالجيم، قال الجوهري٤: اسم موضع.
"بخلاف نحو: ضرغام" لعدم تصدر الميم، "ومهد" لأنها لم تتأخر عنها ثلاثة أصول، والضرغام: الأسد والمهد: مهد الصبي، "ومرزجوش" لأنها لم تتأخر عنها ثلاثة أصول فقط، بل أزيد من ذلك، وهو بفتح الميم وسكون الراء وفتح الزاي وضم الجيم، وفي آخره شين معجمة. و"المردقوش" بالميم والراء والدال المهملة والقاف، وفي آخره شين معجمة: بقلة طيبة الريح، "ومرعز" بكسر الميم والعين المهملة وفي آخره زاي، وهو ما لان من الصوف، "فإنهم قالوا: ثواب ممرعز، فأثبتوها"، أي الميم لزومًا "في الاشتقاق".
وبهذا رد ابن مالك٥ على سيبويه في قوله: إن الميم فيه زائدة٦.
ويشترط لزيادة الميم أيضًا أن لا تكون كلمتها رباعية مؤلفة من حرفين، كـ"مرمر، ومهمه".
"وتزاد الهمزة المصدرة بالشرطين٧ الأولين"، وهما: أن تتصدر وأن يتأخر عنها ثلاثة أصول فقط، ولو قال بالشرط لكفى، لأنه فرض الكلام في الهمزة المصدرة، فشرط تصدير المصدر لغو، "نحو: أفكل" بفتح الهمزة والكاف وسكون الفاء بينهما، وهي الرعدة، يقال: أخذه الأفكل إذا أخدته الرعدة، "وأفضل" اسم تفضيل.
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٥/ ٢٤٧. ٢ شرح الشافية ٢/ ٣٤٧. ٣ المبدع في التصريف ص١٢٦-١٣٠، وشرح ابن الناظم ص٥٨٩. ٤ الصحاح "نبج". ٥ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢٠٥٩. ٦ الكتاب ٤/ ٣٠٩. ٧ المبدع في التصريف ص١٢٤-١٢٦.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
"بخلاف" الهمزة "نحو: كنأبيل" بكاف مضمومة ونون مفتوحة فهمزة ساكنة فباء موحدة مثناة تحت كـ"خزعبيل" اسم موضع باليمن لانتفاء التصدر "وأكل" لأن المتأخر عنها أصلان لا ثلاثة، "وإصطبل" بقطع الهمزة المكسورة، لأن المتأخر عنها أربعة أصول لا ثلاثة، فإن "إصطبل" خماسي، كـ "جردحل".
"وتزاد" الهمزة "المتطرفة بشرطين، وهما: أن يسبقها ألف وأن تسبق تلك الألف أكثر من أصلين"، سواء فتح أول كلمتها أم كسر أم ضم. فالأول "نحو: حمراء، و" الثاني نحو: "علباء، و" الثالث نحو: "قرفصاء".
فالهمزة في الأول والثاني سبقت بثلاثة أصول، وفي الثالث بأربعة أصول، "بخلاف" همزة "نحو: ماء، وشاء" فإن الألف قبلها بأصل واحد، "وبناء، وإناء" فإن الألف مسبوقة بأصلين لا بأكثر، وبخلاف نحو: "نبأ" وهو الخبر، فإن الهمزة لم تسبق بألف.
"وتزاد النون متأخرة بالشرطين"١ المذكورين في الهمزة المتطرفة وهما:
أن يسبقها ألف، وأن تسبق تلك الألف بأكثر من أصلين، سواء في ذلك الاسم والصفة، "نحو: عثمان، وغضبان".
وتزاد متأخرة أيضًا في المثنى والمجموع على حده، وما حمل عليهما "بخلاف نون نحو: أمان، وسنان" فإن الألف فيهما سبقت بأصلين لا بأكثر منهما.
"وتزاد" النون "متوسطة بثلاثة شروط: أن يكون توسطها بين أربعة بالسوية، وأن تكون ساكنة، وأن تكون غير مدغمة، وذلك كـ: غضنفر" وهو الأسد، "وعقنقل" بعين مهملة وقافين، وهو كثيب الرمل العظيم، "وقرنفل" وهو نوع من العطر، "وحبنطى" وهو القصير، "وورنتل" وهو الشر٢، "بخلاف نون: عنبر" فإن قبلها حرف وبعدها حرفان، "و" نون "غرنيق" بضم الغين المعجمة وسكون الراء وفتح النون: طير من طيور الماء طويل العنق، فإنها متحركة لا ساكنة. "و" نون "عجنس" بفتح العين المهملة والجيم وتشديد النون وفي آخره سين مهملة: الجمل الضخم، فإنها مدغمة تعارضت فيه زيادة النون مع زيادة التضعيف، فغلب التضعيف لأنه أكثر، وجعل وزنه "فعلل" كـ"عدبس" وقال أبو حيان٣: والذي أذهب إليه أن النونين زائدتان، ووزنه "فعنل".
_________________
(١) ١ المبدع في التصريف ص١٣٠. ٢ في "ط": "النسر". ٣ الارتشاف ١/ ١٠١.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
"وتزاد" النون "مصدرة في المضارع"١ نحو: نضرب، وثانية نحو: حنظل، وثالثة نحو: غضنفر، ورابعة نحو: رعشن، وخامسة نحو: سرحان، وسادسة نحو: زعفران، وسابعة نحو: عبيثران: وهو نبت طيب الرائحة.
"وتزاد التاء٢ في التأنيث كـ: قائمة"، وقامت، "و" في "المضارع كـ: تقوم، و" في الماضي "المطاوع" من الثلاثي والرباعي "كـ: تعلم" بتشديد اللام، "وتدحرج، و" في "الاستفعال" نحو: الاستخراج، "و" في "التفعل" نحو: التكسر، "و" في "الافتعال" نحو: الاقتدار، وفي التفاعل كـ: التضارب، "وفروعهن" من الفعل والوصف، وفي التفعيل والتفعال، نحو الترديد، والترداد دون فروعهما، لأن فروعهما لا تاء فيها.
"وتزاد السين٣ في الاستفعال" كـ: الاستخراج، وفروعه٤، "وأهملها الناظم" في النظم، "وابنه" في شرحه.
"وزيادة الهاء واللام قليلة" في الاستعمال، فزيادة الهاء٥ "كـ: أمهات، واهراق، و" زيادة اللام٦ نحو: "طيسل" بفتح الطاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف وفتح السين المهملة "للكثير"، بالمثلثة "بدليل سقوطها" أي الهاء "في" المصدر نحو: "الأمومة" وفي الجمع أيضًا كقوله: [من المتقارب]
٩٣٨
فرجت الظلام بأماتكا
وقد غلب "الأمهات" في العقلاء، و"الأمات" في البهائم، وقيل: "الأمهات" جمع "أمهة"، قال: [من الرجز]
_________________
(١) ١ المبدع في التصريف ص١٣٠. ٢ المبدع في التصريف ص١٣٤. ٣ المبدع في التصريف ص١٢٣. ٤ في المبدع في التصريف ص١٢٣: "والسين يزاد في استفعل وما تصرف منه من مضارع واسمي فاعل ومفعول ومصدر، وبعد "كاف" المؤنث وقفًا: مررت بكس". ٥ المبدع في التصريف ص١٢٢، والممتع في التصريف ١/ ٢١٩. ٦ المبدع في التصريف ص١٢٠، والممتع في التصريف ١/ ٢١٤.
(٢) صدر البيت: "إذا الأمهات قبحن الوجوه"، وهو لمروان بن الحكم في المقتضب ٣/ ١٣٩ "الحاشية"، وبلا نسبة في الدرر ١/ ١٤، ورصف المباني ص٤٠١، وسر صناعة الأعراب ٢/ ٥٦٤، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٣٨٣، وشرح الشافية ص٣٠٨، وشرح المفصل ١٠/ ٣، ولسان العرب ١٢/ ٣٠ "أمم"، وهمع الهوامع ١/ ٢٣.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
٩٣٩-
أمهتي خندف وإلياس أبي
فالهاء زائدة في المفرد والجمع، ووزن "أمهة: فعلهة"، والهاء للتكثير، أو للإلحاق عند من أثبت "فعللا". وجوز ابن السراج١ أصالتها، فيكون وزن "أمهة: فعلة" كـ"أبهة"، وهي العظمة، ويقويه حكاية الخليل في كتاب العين: تأمهت أما، أي: اتخذت أما، ثم حذفت الهاء فبقي "أما" ووزنه: "فع"، لكنه كتاب مضطرب، وكان الفارسي يعرض عنه. وفي الصحاح٢ أمهات جمع أمهة، أصل أم، انتهى.
"و" سقوطها في "الإراقة" مصدر "أراق"، وبذلك يرد على المبرد في دعواه عدم زيادة الهاء٣، قالوا: ولا جواب عنه إلا دعوى الغلط ممن قاله٤، لأنه لما أبدل الهمزة في "هراق"، توهم أنها فاء، فأدخلت الهمزة عليها فأسكنت، "و" سقوط اللام في "الطيس" وهو العدد الكثير، وكل ما على وجه الأرض من التراب والقمام، أو هو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام، قاله في القاموس.
"وأما تمثيل الناظم" في النظم٥ "وابنه" في الشرح٦، "وكثير من النحويين٧ للهاء بنحو: لمه، ولم يره، و" تمثيلهم "للام بـ: ذلك، وتلك" من أسماء الإشارة في البعد تذكيرًا وتأنيثًا "فمردود" جواب أما، "لأن كلا من هاء السكت في "لمه"
_________________
(١) الرجز لقصي بن كلاب في خزانة الأدب ٧/ ٣٧٩، والدرر ١/ ١٤، وسمط اللآلي ص٩٥٠، وشرح شواهد الشافية ٣٠١، واللسان ١١/ ٣٤١، "سلك" ١٣/ ٤٧٢، "أمه" والمقاصد النحوية ٤/ ٥٦٥، وديوان الأدب ٤/ ١٧٥، ٣/ ٤١٩، وتاج العروس "هول"، "أمه" وبلا نسبة في أمالي القالي ٢/ ٣٠١، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٥٦٤، وشرح المفصل، ١٠/ ٤، والمحتسب ٢/ ٢٢٤، والممتع في التصريف ١/ ٢١٧، وتهذيب اللغة ٦/ ٤٧٥، و١٥/ ٦٣١، والمخصص ١٣/ ١٧١، وهمع الهوامع ١/ ٢٣. ١ الأصول ٣/ ٢٣٦. ٢ الصحاح "أمم". ٣ لم يقل المبرد في المقتضب ١/ ٦٠، إن الهاء أصلية، بل عدها من حروف الزيادة ولعل الأزهري أخطأ فيما نقله، فإن أبا العباس ثعلب ادعى عدم زيادة الهاء، ووهم الأزهري بين أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب. انظر المبدع في التصريف ص١٢٢. ٤ انظر المبدع في التصريف ص١٢٢، والممتع في التصريف ١/ ٢١٧. ٥ إشارة إلى قوله في الألفية: والهاء وقفًا كلمه ولم تره واللام في الإشارة المشتهره ٦ شرح ابن الناظم ص٥٩١. ٧ شرح ابن عقيل ٢/ ٥٤٢.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
"ولام البعد" في "ذلك، و: تلك" "كلمة برأسها، وليست جزءًا من غيرها"، ولا منزلة منزلة الجزء مما قبلها، لئلا يقال عليه، وكذلك تاء التأنيث كلمة، برأسها، وليست جزءًا من غيرها كـ"قائمة" وقد مثل بها، "وما خلا من هذه القيود حكم بأصالته إلا إن قامت حجة" أي دليل "على الزيادة"، وأدلتها تسعة١:
أحدها: سقوط الحرف من أصل كسقوط ألف "ضارب" من أصله وهو المصدر، "فلذلك، حكم بزيادة":
"همزتي: شمأل"٢ بفتح الشين المعجمة والهمزة وسكون الميم بينهما، وهو ريح الشمال، "واحبنطأ"٢، بسكون الحاء المهملة وفتح الموحدة وسكون النون وفتح الطاء المهملة، وبالهمزة في آخره للإلحاق بـ"احرنجم"، والحبنطى: الصغير البطن.
"وميمي: دلامص"٣ بضم الدال وكسر الميم وبالصاد المهملة ملحق بـ"علابط" "وابنم" هو "ابن" والميم للمبالغة٣.
"ونوني: حنظل"٤، بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة وبينهما نون ساكنة، "وسنبل"٥ بضم السين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة.
"وتاءي: ملكوت"٦ بفتح الميم واللام، "وعفريت" بكسر العين وسكون الفاء.
"وسيني: قدموس"٥ بضم القاف والميم وبينهما دال ساكنة، وفي آخره سين مهملة: العظيم، وهو ملحق بـ"عصفور"، وفي خط ابن المرحل: قدموس على وزن قربوس. "وأسطاع"٧ بفتح الهمزة.
"لسقوطها في الشمول" بضم الشين مصدر شملت الريح تشمل شمولا إذا تحولت شمالا، قاله في الصحاح٨.
"و" في "الحبط" بفتحتين، راجع إلى "احبنطاء" وهو مبني على أنها خلقت
_________________
(١) ١ انظر شرح ابن الناظم ص٥٩١، والممتع في التصريف ١/ ٣٩، والمبدع في التصريف ص١٢٠. ٢ شرح ابن الناظم ص٥٩١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٤٤، والمبدع في التصريف ص١٢٤. ٣ شرح ابن الناظم ص٥٩١، والمبدع في التصريف ص١٢٦. ٤ شرح ابن الناظم ص٥٩١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٤٤. ٥ شرح ابن الناظم ص٥٩١. ٦ شرح ابن الناظم ص٥٩١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٤٤، والمبدع في التصريف ص١٣٥. ٧ شرح ابن الناظم ص٥٩١، والمبدع في التصريف ص١٢٤. ٨ الصحاح "شمل".
[ ٢ / ٦٧٨ ]
والجمع والتصغير وغير ذلك، فأجروها مجرى العربي، ولهذا حكمنا على "لجام" بأن ألفه زائدة، وكذا واو "نوروز"، وياء "إبراهيم" لقولهم: "لجمم، ونوارز، وأبارهة، "وهندلع" بضم الهاء وسكون النون وفتح الدال وكسر اللام: اسم بقلة.
"وتاءي" بالمثناة الفوقانية، "تنضب" بفتح التاء المثناة فوق وسكون النون وضم الضاد المعجمة: وهو ضرب من الشجر تألفه الحرباء ويروى بضم أوله وفتح ثانيه وبضمهما، وقيل: إن ضم التاء إتباع لضم النون، نقله السخاوي في سفر السعادة١. "وتخيب" بضم التاء المثناة فوق والخاء المعجمة وكسر الياء المثناة تحت مع التشديد وفي آخره باء موحدة: وهو الباطل، يقال: وقعوا في وادي تخيب٢ أي باطل، قاله الكسائي، "لانتفاء: فعلل" بفتح أوله وكسر ثالثه راجع لـ"نرجس"، "وفعللل" بضم أوله وفتح ثالثه وكسر رابعه، راجع لـ"هندلع"، "وفعلل" بفتح أوله وضم ثالثه، راجع لـ"تنضب"، "وفعلل" بضم أوله وثانيه وكسر ثالثه مع التشديد، راجع لـ"تخيب"، قيل: وفي ذكر هذا نظر، لأنه منقول من الفعل كـ"تعلم"، نصوا على ذلك ومنعوه من الصرف.
والدليل الثالث: سقوطه من فرع كسقوط ألف "كتاب" في جمعه على "كتب".
والدليل الرابع: سقوطه لغير علة في نظير كسقوط ياء "أيطل" من "أطل". والأيطل: الخاصرة.
والدليل الخامس: كون الحرف مع عدم الاشتقاق في موضع يلزم فيه زيادته مع الاشتقاق نحو: "عفنفس"٣ بالفاء المكررة، فإن النون فيه محكوم بزيادتها مع أنه لا يعرف له اشتقاق، لأن نونه في موضع لا تكون فيه مع الاشتقاق إلا زائدة نحو: "جحنفل" من "الجحفلة"، وهي لذي الحافر كالشفة للإنسان، و"الجحنفل"، العظيم الشفة.
والدليل السادس: كونه مع عدم الاشتقاق في موضع يكثير فيه زيادته مع الاشتقاق، كالهمزة إذا وقعت أولا، وبعدها ثلاثة أحرف نحو: "أفكل" بحكم زيادة همزته حملا على ما عرف اشتقاقه نحو: "أحمر"، و"الأفكل" الرعدة.
_________________
(١) ١ سفر السعادة ١/ ١٨٧. ٢ من الأمثال في المستقصى ٢/ ٢٧٩، ومجمع الأمثال ٢/ ٣٦١، وفصل المقال ص٤٦٦، وكتاب الأمثال لابن سلام ص٣٤٠. ٣ في حاشية ٢/ ٣٦٣: "قوله: عفنفس، لم يذكره في الصحاح، وإنما فيه مادة "عفقس" بالفاء ثم القاف: والعفنقس: العسر الأخلاق".
[ ٢ / ٦٨٠ ]
والدليل السابع: اختصاصه بموضع لا يقع فيه إلا حرف من حروف الزيادة كالنون في "كنتأو" للعظيم اللحية، وتاؤه مثناة، ومثلثة، وفي "حنطأو" للعظيم البطن، وطاؤه مهملة، ومعجمة.
والدليل الثامن: لزوم عدم النظير بتقدير أصالته تلك لكلمة في نظير الكلمة، التي ذلك الحرف منها نحو: "تنفل" على لغة من ضم التاء والفاء، وهو ولد الثعلب، فإن تاءه زائدة، وإن لم يلزم من تقدير أصالتها عدم النظير، [فإنها لو جعلت أصلا كان وزنه "فعللا" نحوك "برثن"، وهو موجود، ولكن يلزم عدم النظير] ١ في نظيرها؛ أعني لغة الفتح، فلما ثبت زيادة التاء في لغة الفتح حكم بزيادتها في لغة الضم أيضًا، إذ الأصل اتحاد المادة.
والدليل التاسع: دلالة الحرف على معنى كحروف المضارعة.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط".
[ ٢ / ٦٨١ ]
فصل فيم تعرف به الأصول والزوائد
همزة، فوزنه "افعنلاء"، وقيل، هذا الوزن مفقود، وإنما هو "افعنلى" كـ: احرنبى الديك؛ إذا انتفش للقتال، ثم انقلبت الألف همزة.
"و" في "الدلاصية" راجع إلى "دلامص" وهو الشيء البراق، كقولهم: درع دلاص ويقال فيها: دلامص، ودلمص، ودملص، وأبو الحسن وأبو عثمان يريان أصالة ميمهن١، وأن ذوات الأربعة وافقت ذوات الثلاثة، وفيها ست لغات سادسها "دليص"، وهو أيضًا دليل على الزيادة.
"و" في "البنوة" راجع إلى "ابنم" فهو "ابن" بزيادة الميم.
"و" في "الملك" راجع إلى "ملكوت"، قال في الصحاح٢: والملكوت من الملك كالرهبوت من الرهبة.
"و" في "العفر؛ بفتح أوله وهو التراب"، راجع إلى "عفريت" بكسر العين.
"و" في "القدم" بكسر القاف وفتح الدال راجع إلى "قدموس"، وكان حقه أن يقول: وفي التقدم، ففي كتاب الترقيص لمحمد بن المعلى الأزدي: القدموس: السيد المتقدم قومه، وجمعه "قداميس"، وقال خالد: القدموس ما تقدم وأشرف من أنف الخيل، انتهى.
"و" في "الطاعة" راجع إلى "اسطاع" وأصله "أطوع، كـ: أكرم" نقلت حركة العين، وهي الواو إلى فاء الكلمة، وهي الطاء، فانقلبت ألفًا بعد أن كانت واو متحركة، فعوضوا من هذه الحركة السين، هذا مذهب سيبويه٣، وجمهور البصريين٤، ويدل على أن أصله "أطاع" قولهم، يسطيع، بضم حرف المضارعة "وفي قولهم: حظلت الإبل إذا آذاها الحنظل"، راجع إلى "حنظل".
"و" في قولهم: "أسبل الزرع" راجع إلى "سنبل".
"و" الدليل الثاني على الزيادة لزوم عدن النظير بتقدير الأصالة في تلك الكلمة التي ذلك الحرف منها، فذلك "حكم بزيادة":
"نوني: نرجس" بفتح النون وكسر الجيم: نوع من الرياحين، فإن قيل: هذه الكلمة أعجمية فكيف حكمتم بالزيادة قلنا، تكلمت بها العرب، وتصرفوا فيها بالتثنية
_________________
(١) ١ الممتع في التصريف ١/ ٢٤٥-٢٤٦، والمبدع في التصريف ص١٢٧. ٢ الصحاح "ملك". ٣ الكتاب ٤/ ٢٨٥، ٤٨٣. ٤ هذا المذهب اعترضه المبرد. انظر حاشية يس ٢/ ٣٦٢.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
فصل في زيادة همزة الوصل:
سميت بذلك لأنه يتوصل بها إلى المنطق بالساكن، كما قاله الشلوبين، وقال تلميذه ابن الضائع، سميت بذلك لسقوطها عند وصل الكلمة بما قبلها، والإضافة تكون بأدنى ملابسة.
"وهي همزة سابقة" في أول الكلمة، "موجودة في الابتداء، مفقودة في الدرج"،
"ولا تكون في مضارع مطلقًا"، سواء كان ثلاثيًّا أم رباعيًّا مجردًا أو مزيدًا فيه لأن المضارع مبدوء بحرف المضارعة، وهي متحركة أبدًا، فلم يحتج لهمزة الوصل.
"ولا" تكون "في حرف غير: أل" عند سيبويه.
"ولا في" فعل "ماضي ثلاثي" مجرد "كـ: أمر، و: أخذ".
"ولا رباعي" في العدد "كـ: أكرم، وأعطى" والهمزة في ذلك كله همزة قطع.
"بل" تكون "في" الفعل "الخماسي" وهو ما فيه زيادتان "كـ: انطلق"، واقتدر.
"والسداسي"، وهو نوعان: الثلاثي الذي فيه ثلاث زوائد "كـ: استخرج". والرباعي الذي فيه زيادتان كـ"احرنجم".
"وفي أمرهما"، أي الخماسي والسداسي كـ: انطلق، واستخرج، واحرنجم.
"و" في "أمر الثلاثي" الساكن ثاني مضارعه لفظًا "كـ: اضرب" بخلاف نحو: هب، وعد، وقل، مما ثاني مضارعه متحرك، فلا يحتاج إلى همزة وصل.
"ولا" تكون "في اسم" لتحرك أوله، "إلا في مصادر" الفعل "الخماسي والسداسي" تبعًا لأفعالهما، وضابطها: كل مصدر بعد ألف فعله الماضي أربعة أحرف فصاعدًا، ومجموع ذلك أحد عشر بناء:
الأول: الانفعال "كـ: الانطلاق".
والثاني: الافتعال كـ"الاكتساب".
والثالث: الافعلال كـ"الاحمرار".
[ ٢ / ٦٨٢ ]
والرابع: الافعيلال كـ"الاحميرار".
"و" الخامس: الاستفعال نحو: "الاستخراج".
والسادس: الافعيعال كـ"الاعشيشاب".
والسابع: الافعوال كـ"الاجلواذ".
والثامن: الافعنلال كـ"الاقعنساس".
والتاسع: الافعنلاء كـ"الاسلنقاء".
والعاشر: الافعنلال كـ"الاحرنجام".
والحادي عشر: الافعلال كـ "الاقشعرار".
"قالوا: وفي عشرة أسماء محفوظة: وهي".
"اسم"، وأصله عند البصريين: "سمو" وعند الكوفيين: "وسم" حذفت لامه على الأول، وفاؤه على الثاني، وعوض منها الهمزة١.
"واست"، وهو الدبر، وأصله "سته" بفتح أوله وثانيه كـ"جمل" وفيه ثلاث لغات: است، وسه، وست.
"وابن" بحذف اللام، ثم قيل: هي ياء من "بنيت"، لأن الابن يبني على الأب كبناء الحائط" على الأس، وقيل: واو، وهو الصحيح، لأن جميع الأسماء المحذوفة اللام المعوض عنها الهمزة، لامها واو، "إلا "استا" فكان الحمل على الأعم أولى، وأما الاستدلال بـ"البنوة" فمردود بقولهم: "الفتوة"، ولام "فتى" ياء ووزن "ابن: فعل" بفتحتين.
"وابنم" بمعنى" ابن" والميم زائدة للتوكيد والمبالغة كما في "زرقم" بمعنى الأزرق، وليست هي بدلا من لام الكلمة. وإلا لكانت اللام في حكم الثابتة فلا يحتاج إلى همزة وصل، وتتبع نونه ميومه في الإعراب.
"وابنة" هي "ابن" بزيادة الهاء، فلا حاجة إلى الإعادة.
"وامرؤ" اسم تام لم يحذف منه شيء، إلا أنه لما كان يجوز تخفيف همزته، بنقل حركتها إلى الساكن قبلها مع الألف واللام نحو: "المرو" أعلوه لذلك، ولكثرة الاستعمال.
"وامرأة" هي "امرؤ" بزيادة الهاء.
"واثنان واثنتان" أصلهما: ثنيان وثنيتان، كـ: جملان، وشجرتان، بدليل قولهم في النسبة "ثنوي" بفتحتين فحذفت اللام، وأسكن الثاء وجيء بهمزة الوصل.
_________________
(١) ١ الإنصاف ١/ ٦، والمسألة رقم ١.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
"وايمن، المخصوص بالقسم"، وهو اسم مفرد مشتق من اليمن، وهو البركة، وهمزته همزة وصل عند البصريين، وعند الكوفيين جمع "يمين"، وهمزته همزة قطع١.
والحاصل: أن بعض هذه الهمزات عوض عن لام، هي واو، وذلك في: ابن، وابنة، وابنم"، وبعضها عن لام هي ياء، وذلك في "اثنين، واثنتين"، وبعضها عن لام صحيحة، هي هاء وذلك في "است"، وبعضها من حذف متوهم وذلك في "امرئ وامرأة". وبعضها من حذف واقع أحيانا وذلك في "ايمن".
"وينبغي أن٢ يزيدوا "أل"٣ الموصولة" بالصفة كـ "الضارب، والمضروب"، "و"ايم" لغة في "ايمن"، فإن٤ قالو" في: ايم٤ "هي "ايمن"، فحذفت اللام، قلنا و"ابنم" هو "ابن" فزيدت الميم"، فما كان جوابهم فهو جوابنا، ولهم أن يتخلصوا بالفرق بأن "ابنما" حدث له بزيادة الميم إتباع النون للميم في حركاتها بحسب العوامل، فصار كالكلمة الأصلية، حتى ذهب الكوفيون إلى أنه معرب من مكانين، بخلاف "ايم" لغة في "ايمن"، فإنه لم يصر بهذه المثابة، ثم لا خصوصية للمعارضة بذكر "ابنم"، فإن مؤنثات هذه الأسماء هي مذكراته بزيادة التاء.
وحيث نظر إلى لغات الكلمة، فكان ينبغي أن يقول: "أم" لغة في "أل" عند طيئ فإنهم يبدلون لام التعريف ميمًا فيقولون في "الرجل: أم رجل"، وإنما المرجع إلى الضابط، وهو أن كل همزة تثبت في التصغير فهي همزة قطع، وإلا فهي همزة وصل وتركوا "أل" الموصولة للخلاف في اسميتها ولشبهها بـ"أل" المعرفة صورة.
"مسألة": اختلف في أصل همزة الوصل، هل هو السكون، أو الحركة؟ ٥ والأول مذهب الفارسي٦، واختاره الشلوبين، والثاني مذهب سيبويه٧، وهو الظاهر لوجوب التحريك في كل حرف يبتدأ به كلام الابتداء، وعلى هذا فأصل حركة الهمزة الكسر كما في "اضرب، واذهب"، وإنما ضمت في نحو: "اخرج" كراهية للخروج
_________________
(١) ١ الإنصاف ١/ ٤٠٤ المسألة رقم ٥٩. ٢ في "ب": "أن لا". ٣ في "ب": "إلى". ٤ سقط من "ب". ٥ الإنصاف ٢/ ٧٣٧، المسألة رقم ١٠٧. ٦ التكملة ص١٦. ٧ الكتاب ٤/ ٢٣٧.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
من كسر إلى ضم، وعلى الأول دبرت بحركة ما قبل الآخر، فكسرت في "اضرب"، وضمت في "اخرج"، وامتنع أن تفتح في "اذهب" للالتباس بالمضارع حالة الوقف، فكسرت، لأنه أخف من الضم. ويتحصل "لهمزة الوصل بالنسبة إلى حركتها" في الاسم والفعل والحرف "سبع حالات:
الأولى: "وجوب الفتح في المبدوء بها: أل" كـ"الرجل" لكثرة الاستعمال.
"مبنيين للمفعول، وفي أمر الثلاثي المضموم العين في الأصل نحو: اقتل، واكتب" كراهة للخروج من الكسر إلى الضم لأن الحاجز الساكن غير حصين، وربما كسرت قبل الضمة الأصلية، حكاه ابن جني في المنصف١ عن بعض العرب، ووجهه أن الأصل، ولم تلتق الكسرة والضمة لفصل٢ الساكن بينهما، والوجهان مرجعهما الاعتداد بالساكن، وعدم الاعتداد به، "بخلاف: امشوا، اقضوا"، فإن الهمزة فيهما مكسورة، لأن عينهما في الأصل مكسورة، وإنما ضمت لمناسبة الواو، والأصل "امشيوا، واقضيوا"، أسكنت الياء للاستثقال٣ ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت العين لمجانسة الواو، ولتسلم من القلب ياء، وإن شئت قلت، استثقلت الضمة على الياء فنقلت منها إلى ما قبلها، بعد سلب حركة ما قبلها، وحذفت لالتقاء الساكنين، فالضمة على الإعلال الأول مجتلبة، وعلى الثاني منقولة.
"و" الثالثة: "رجحان الضم على الكسر فيما عرض جعل ضمة عينه كسرة من نحو: اغزي"، بضم الهمزة راجحًا، وبكسرها مرجوحًا، "قاله ابن الناظم" في الشرح٤، تبعًا لأبيه في الكافية٥ وشرحها٦: ونصه: فإن زالت الضمة لازمة من اللفظ لاتصال محلها بياء المؤنثة نحو: "اغزي" جاز في الهمزة وجهان. أجودهما الضم، لأن الأصل: "اغزوي". انتهى.
_________________
(١) ١ المنصف ١/ ٥٤. ٢ في "ب": "لنقل". ٣ في "ب": "للاستعمال". ٤ شرح ابن الناظم ص٥٩٣. ٥ قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية ٤/ ٢٠٧٥: واغزي اغزوي كان لذا يضم من يبدا به والكسر ليس بالحسن ٦ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢٠٧٥.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، فالضم نظرًا إلى أن الضمة الأصلية مقدرة، لأن المقدر كالوجود، والكسر نظرًا إلى الحالة الراهنة. ومرجع الوجهين إلى الاعتداد بالعارض وعدمه، ولم يجز هذان الوجهان في "امشوا"، لأن الأصل كسر الهمزة، وقد عضد بأصل الكسر، فألغى العارض لمعارضة أصلين، ولا كذلك "اغزي" لأن هذا العارض داع لأصل هو الكسر، فجاز الاعتداد به دون الضم في "امشوا".
"وفي تكملة أبي علي" الفارسي١: "أنه يجب إشمام ما قبل ياء المخاطبة" تنبيها على الضم الأصلي، "وإخلاص ضم الهمزة" من غير إشمام.
"وفي التسهيل"٢ لابن مالك: "أن همزة الوصل" يعني في "اختير، وانقيد" "تشم قبل الضمة المشمة"، يعني: إذا أشممت الثالث أشممت الهمزة، وإلا ففيه مخالفة لكلام أبي علي من وجهين، وجوب الإشمام، وإخلاص ضم الهمزة.
"و" الرابعة: "رجحان الفتح على الكسر في: ايمن، وايم"٣، لثقل الخروج من كسر الهمزة إلى ياء، ثم إلى ضم الميم، ثم ضم النون.
"و" الخامسة: "رجحان الكسر على الضم في كلمة: اسم"، لأن الكسر أخف من الضم، لأنه إعمال عضلة واحدة، والضم إعمال عضلتين.
"و" السادسة: "جواز الضم والكسر والإشمام في نحو٤: اختار، وانقاد" حال كونهما "مبنيين للمفعول"، فالضم في: "اختور، وانقود" والكسر والإشمام في: "اختير، وانقيد".
"و" السابعة: "وجوب الكسر فيما بقي" من الأسماء العشرة، والمصادر والأفعال، "و" الكسر "هو الأصل".
"مسألة: لا تحذف همزة الوصل المفتوحة" في "أل، وايمن، وايم"، "إذا دخلت عليها همزة الاستفهام، كما حذفت" همزة الوصل "المكسورة في نحو: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ " [ص: ٦٣] في قراءة أبي عمرو، والأخوين٥، "و" في نحو:
_________________
(١) ١ التكملة ص١٧. ٢ التسهيل ص٢٠٣. ٣ في "ب": "انبم". ٤ سقط من "ب". ٥ انظر هذه القراءة في الإتحاف ص٣٧٣، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٤١١.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
" ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُم﴾ " [المنافقون: ٦]، في قراءة الجميع١، والأصل: "أإتخذناهم، أإستغفرت لهم"، بهمزة مفتوحة للاستفهام فمكسورة، للوصل، فحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بهمزة الاستفهام، وكما حذفت المضمومة في نحو٢: "أضطر الرجل"، الأصل٢: "اضطر" بهمزة مضمومة، فلما دخلت همزة الاستفهام حذفت، وترك مقتضى القياس في المفتوحة، "لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر، ولا تحقق، لأن همزة الوصل لا تثبت في الدرج، إلا في الضرورة كقوله" [من الطويل]
٩٤٠-
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة على حدثان الدهر مني ومن جمل
فأثبت همزة "اثنين" ضرورة، "بل الوجه أن تبدل ألفًا".
قال الخضراوي: ولم يذكر أبو علي وجماعة غير البدل، ولم يقرأ بخلافه، ولا جاء في كلامهم، "وقد تسهل" بين الهمزة والألف "مع القصر" وهو القياس لأن الإبدال شأن الساكنة.
وقال ابن الباذش: تسهيل هذا فيما ذكر أصحاب سيبويه بالبدل.
ونقل الشلوبين عن أبي عمرو أن هذه ألف اجتلبت للفرق كألف "اضربنان" وأنه خطأ من قال: إنها مبدل من الهمزة؛ لأنها ليست همزة قطع.
وأجاب الشلوبين بأنها قد أشبهت همزة القطع من وجوه، فلا يعد في ثبوبتها وتغيير صورتها بإبدالها للفرق بين الخبر والاستخبار، وهو أولى من اجتلاب همزة أجنبية، واحتج بأنه قد جمع بينهما وبين ساكن في نحو: "الحسن عندك" فلولا الالتفات إلى حركتها الأصلية لم يجز بخلاف ألف "اضربنان"، ولا فرق في ذلك بين همزة "أل"، وهمزة "ايمن"، "تقول: الحسن عندك، وايمن الله يمينك، بالمد على الإبدال راجحًا، وبالتسهيل مرجوحًا، ومنه" أي من التسهيل "قوله": [من الكامل]
_________________
(١) ١ انظر الإتحاف ص٤١٦، والنشر ٢/ ٣٨٨. ٢ سقط من "ب".
(٢) البيت لجميل بثينة في ديوانه ص١٨٢، وكتاب الصناعتين ص١٥١، والمحتسب ١/ ٢٤٨، ونوادر أبي زيد ص٢٠٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٦٨، وخزانة الأدب ٧/ ٢٠٢، ورصف المباني ص٤١، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٤١، وشرح الأشموني ٣/ ٨١٤، وشرح المفصل ٩/ ١٩، ولسان العرب ١٤/ ١١٧ "ثنى" والمقاصد النحوية ٤/ ٥٦٩، وتاج العروس "ثنى".
[ ٢ / ٦٨٧ ]
٩٤١-
الحق إن دار الرباب تباعدت أو انبت حبل أن قلبك طائر
بتسهيل الهمزة الثانية من "الحق"، و"إن" شرطية، وجوابها محذوف، و"إن قلبك طائر" خبر "الحق"، "وقد قرئ بهما"، أي بالمد والتسهيل "في نحو: ﴿آَلذَّكَرَيْنِ﴾ ١ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿آَلآَنَ﴾ ٢ [يونس: ٥١] في السبع.
_________________
(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص١٣٣، والأغاني ١/ ١٢٧، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٧٧، والكتاب ٣/ ١٣٦، ولجميل في ملحق ديوانه ص٢٣٧، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٦٩، وشرح ابن الناظم ص٥٩٣، وشرح الأشموني ٣/ ٨١٨، وشرح ابن عقيل ٢/ ٥٤٧، وشرح المرادي ٥/ ٢٧٦، وراجع ديوان كثير عزة ص٣٦٨. ١ الإتحاف ص٢١٩، وشرح ابن الناظم ص٥٩٣. ٢ الإتحاف ص٢٥٠، والنشر ١/ ٣٥٧.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
باب الإبدال
مدخل
باب الإبدال:
بكسر الهمزة مصدر أبدل، وهو في الاصطلاح جعل حرف مكان حرف آخر مطلقًا، فخرج بقيد المكان العوض، فإنه قد يكون في غير مكان المعوض منه كتاء "عدة" وهمزة "ابن"، وبقيد الإطلاق القلب، فإنه مختص بحروف العلة.
"الأحرف التي تبدل من غيرها" أربعة أقسام:
ما يبدل إبدالا شائعًا للإدغام، وهو جميع الحروف إلا الألف.
وما يبدل إبدالا نادرًا، وهو ستة أحرف، وهي "الحاء والخاء والعين المهملة والقاف، والضاد، والذال" المعجمتان كقولهم في "وكنة" وهي بيت القطا في الجبل: "وقنة"، وفي أغن: أخن، وفي ربع: ربح، وفي خطر: عطر، وفي جلد: جضد، وفي تلعثم: تلعذم".
وما يبدل "إبدالا شائعًا لغير إدغام"، وهو قسمان: ما هو غير ضروري في التصريف، وهو اثنان وعشرون حرفًا يجمعها هجاء قولك: لجد صرف شكس آمن طي ثوب عزته، وما هو ضروري في التصريف، وهو "تسعة: يجمعها" هجاء قولك: "هدأت موطيا" وهي لهاء، والدال المهملة، والهمزة، والتاء المثناة من فوق، والميم، والواو، والطاء المهملة، والياء المثناة تحت، والألف "وخرج بقولنا: شائعًا"، ما أبدل نادرًا "نحو قولهم في: أصيلان، تصغير: أصيل، على غير قياس" كما بحثه في شرح الهادي، وذكر أن كلام سيبويه يدل عليه١، وقال ابن السيد، كأنه تصغير "أصلان"، وهو
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٢٤٠.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
عكس قياس المصغر، لأن حكم الجمع إذا صغر أن يصغر على لفظ واحده، وهذا جاء مصغرًا على لفظ جمعه، وفي الصحاح١: الأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل، وآصال، وأصائل، ويجمع أيضًا على أصلان مثل بعير وبعران، ثم صغروا الجمع فقالوا: أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا فقالوا: أصيلال، انتهى.
فهذان النقلان مخالفان لصنيع الموضح، وصنيعه أولى من وجه، لأن الحمل على تصغير المفرد شذوذًا أولى من الحمل على تصغير الجمع شذوذًا لكثرته، كـ"مغيربان" تصغير "مغرب"، و"عشيشيان" تصغير "عشية"، ونحوهما.
وصنيعهما أولى من وجه آخر لسلامته من دعوى الزيادة التي الأصل عدمها، "وفي اضطجع" إذا نام على جنبه، "وفي نحو: علي" بتشديد الياء علمًا "في الوقف"، أو ما جرى مجراه: "أصيلال" بإبدال من النون لقرب المخرج.
وكان الفراء يقول١: أصيلال تصغير "آصال"، وجعلوا زيادة اللام عوضًا عما حذفوا، لأنهم لو جاءوا به على الأصل لقالوا: أويصال، وشبهه بـ"دهر، وأدهر"، ثم قالوا: دهارير، وزعم أنهم أرادوا أداهير، "والطجع" بإبدال اللام من الضاد، و"علج" بإبدال الجيم من الياء المشددة لاشتراكهما في المخرج لكونهما من وسط اللسان واشتراكهما في الجهر، وإنما اختص ذلك بالوقف، لأنه يزيدها خفاء.
"قال" النابغة: [من البسيط]
٩٤٢-
وقفت فيها أصيلالا أسائلها أعيت جوابًا وما بالربع من أحد
والمعنى: وقفت بدار الحبيبة أحيانًا، وسألتها عن الحبيبة، فعجزت عن الجواب. وما بها أحد يجيبني.
"وقال" منظور عن حبة الأسدي في ذئب: [من الرجز]
_________________
(١) ١ الصحاح "أصل". ٢ المخصص ٩/ ٥٧.
(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص١٤، والإنصاف ١/ ٢٦٩، وخزانة الأدب ٢/ ١٢٢، ١٢٤، ١٢٦، ١١/ ٣٦، والدرر ١/ ٤٥٨، ٤٨٦، ٢/ ٥٣١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٤، وشرح شواهد الإيضاح ص١٩١، وشرح المفصل ٢/ ٨٠، والكتاب ٢/ ٢٣١، ولسان العرب ١١/ ١٧ "أصل"، واللمع ص١٥١، والمقتضب ٤/ ٤١٤، وبلا نسبة في أسرار العربية ص٢٦٠، ورصف المباني ص٣٢٤، وشرح الأشموني ٣/ ٨٢٠، ومجالس ثعلب ص٥٠٤ والإنصاف ١/ ١٧٠.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
٩٤٣-
لما رأى أن لا دعه ولا شبع مال إلى أرطأة حقف فالطجع
والدعة: سعة العيش، والهاء عوض من الواو، والأرطأة: شجرة من شجر الرمل، والحقف: المعوج من الرمل، والجمع: حقاف وأحقاف، فالطجع.
قال المازني: بعض العرب يكره الجمع بين حرفين مطبقين، ويبدل مكان الضاد أقرب الحروف إليها وهي اللام.
"وقال" أعرابي من البادية: [من الرجز]
٩٤٤-
خالي عويف وأبو علج المطعمان اللحم بالعشج
يريد: أبو علي والعشي، فأبدل الجيم من الياء المشددة، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوقف، قاله السيد في شرح الشافية، "وتسمى هذه اللغة عجعجة قضاعة"، قال الجوهري١: وعجعجة في قضاعة يحولون الياء جيمًا مع العين، يقولون: هذا راعج خرج معج، أي: هذا راعي خرج معي، انتهى.
وقد يحولون الياء جيمًا وإن لم تجتمع معه العين، قال أبو عمرو: قلت لرجل من بني حنظلة: ممن أنت؟ فقال: فقيمج، فقلت: من أيهم؟ فقال: من مرج، يريد فقيمي، ومري.
_________________
(١) الرجز لمنظور بن حبة الأسدي في المقاصد النحوية ٤/ ٥٨٤، وبلا نسبة في الاقتضاب ص٣١١، والأشباه والنظائر ٢/ ٣٤٠، وإصلاح المنطق ص٩٥، وأوضح المسالك ٤/ ٣٧١، وتاج العروس ١٥/ ٦ "أبز"، ١٩/ ١٢٤ "أرط"، ٢١/ ٣٩٩ "ضجع"، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٢٣٤، والخصائص ١/ ٦٣، ٢٦٣، ٢/ ٣٥٠، ٣/ ١٦٣، ٣٢٦، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٢١، وشرح الأشموني ٣/ ٨٢١، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٢٢٦، وشرح شواهد الشافية ص٢٧٤، وشرح المفصل ٩/ ٨٢، ١٠/ ٦٤، ولسان العرب ٥/ ٣٠٤ "أبز"، ٧/ ٢٥٥ "أرط"، ٨/ ٢١٩، "ضجع"، ١٤/ ٣٢٥ "رطا"، والمحتسب ١/ ١٠٧، والممتع في التصريف ١/ ٤٠٣، والمنصف ٢/ ٣٢٩.
(٢) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ٢/ ٢٠٥ "ج"، ٣٢٠ "عجج"، ٤/ ٣٩٥ "شجر"، ١١/ ٥٨٢ "كثل"، ١٣/ ٤٩ "برن"، وأوضح المسالك ٤/ ٣٧٢، وكتاب العين ٥/ ٣٣٧، وجمهرة اللغة ص٤٢، ٢٤٢، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٧٥، وشرح ابن الناظم ص٥٩٥، وشرح الأشموني ٣/ ٨٢١، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٢٨٧، وشرح شواهد الشافية ص٢١٢، وشرح المفصل ٩/ ٧٤، ١٠/ ٥٥، والصاحبي في فقه اللغة ص٥٥، والكتاب ٤/ ١٨٢، والمحتسب ١/ ٧٥، والمقرب ٢/ ٢٩، والممتع في التصريف ١/ ٣٥٣، والمنصف ٢/ ١٧٨، ٣/ ٧٩، وتهذيب اللغة ١/ ٦٨، ١٠/ ١٣٥، وتاج العروس ٥/ ٣٩٦ "ج"، ٦/ ٩٢ "عجج"، ١٨/ ٢٧ "صيص"، "كتل"، "برن". ١ الصحاح "عجج".
[ ٢ / ٦٩١ ]
وقد تبدل من الياء المخففة حملا على المشددة كقوله: [من الرجز]
٩٤٥-
لاهم إن كنت قبلت حجتج فلا يزال شاحج يأتيك بج
أقمر نهات ينزى وفرتج
يريد: اللهم إن كنت قبلت حجتي، فلا يزال يأتي بي شاحج هذه صفته والشاحج، بمعجمة فمهملة، فجيم، من شمج البغل أي صوت، والأقمر: الأبيض، والنهات: النهاق، وينزى: يحرك، وفرتج: أي وفرتي، وهي الشعر إلى شحمة الأذن، "وهدأت: سكنت" من السكون ضد الحركة، قال: يعقوب١: أهدأت الصبي إذا جعلت تضرب عليه رويدًا لينام، "وموطيًّا" حال من التاء في "هدأت"، وهو اسم فاعل "من أوطأته جعلته وطيئًا" إلا أنك خففت همزته بإبدالها ياء لانفتاحها وانكسار ما قبلها، "والياء فيه بدل من الهمزة، وذكره الهاء" في النظم٢ "زيادة على ما في التسهيل٣، وجمعها فيه في" هجاء قولك: "طويت دائمًا" وفيه مناقشة من ثلاثة أوجه: إسقاط الهاء كما مر، وتكرار الألف، وإعمال الماضي في "دائمًا"، وهو مثل "أبدًا"، قاله الموضح في الحواشي. "ثم إنه" لما ذكر الهاء "لم يتكلم هنا"، أي في باب الإبدال، "عليها، مع عده إياها" فيه، "ووجهه"، أي وجه عدم تكلمه عليها هنا، "أن إبدالها من غيرها إنما يطرد في الوقف على نحو: رحمه ونعمه، وذلك مذكور في باب الوقف" فاستغنى به. "وأما إبدالها من غير التاء فمسموع" لا يقاس عليه "كقولهم" في: إياك "هياك، و" في: لأنك قائم "لهنك قائم، و" في: أرقت الماء "هرقت الماء، و" في: أردت الشيء "هردت الشيء، و" في: أرحت الدابة "هرحت الدابة"، فأبدلوا في الجميع الهاء من الهمزة لاتفاقهما مخرجًا، لأنهما من أقصى الحلق.
_________________
(١) الرجز لرجل من اليمانيين في الدرر ١/ ٣٩١، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٧٠، وبلا نسبة في لسان العرب ٢/ ٢٠٥ "ج"، ٥/ ٢٤١ "نهز"، ١٠/ ١٠٣ "دلق" ١٢، ٢٠٦ "دلقم"، والارتشاف ٣/ ١٢٦، والدرر ٢/ ٥١٢، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٧٧، وشرح ابن الناظم ص٥٩٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٩، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٢٨٧، وشرح شواهد الشافية ص٢١٥، وشرح المفصل ٩/ ٧٥، ١٠/ ٥٠، ومجالس ثعلب ١/ ١٤٣، والمحتسب ١/ ٧٥، والمقرب ٢/ ١٦٦، والممتع في التصريف ١/ ٣٥٥، ونوادر أبي زيد ص١٦٤، وهمع الهوامع ١/ ١٧٨، ٢/ ١٥٧، وتاج العروس ٥/ ٣٩٥، "ج"، ١٥/ ٣٦٤ "نهز" ٢٥/ ٣٠٣ "دلق"، "دلم" ومقاييس اللغة ٤/ ٢٩. ١ إصلاح المنطق ص٢٧٦. ٢ يقصد قوله في الألفية: أحرف الابدال هدأت موطيا فأبدل الهمزة من واو ويا ٣ التسهيل ص٣٠٠.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
فصل في إبدال الهمزة:
"تبدل من الواو والياء" وجوبًا "في أربع مسائل:
إحداها: أن تتطرف إحداهما"، وهي لام، أو زائدة للإلحاق "بعد ألف زائدة"، سواء كسر أول كلمتها أم فتح أم ضم:
"نحو: كساء، وسماء، ودعاء"، فالهمزة فيهن مبدلة عن واو، والأصل: "كساو، وسماو، ودعاو".
"ونحو: بناء، وظباء، وفناء"، فالهمزة فيهن مبدلة عن ياء، والأصل: "بناي، وظباي، وفناي" فأبدلت الواو والياء همزة لتطرفهما إثر ألف زائدة على أحد القولين، وقيل: إن الواو والياء أبدلتا ألفين لتحركهما، ووقوعهما بعد فتحة، لم يحجز بينهما إلا ساكن معتل١، زائد مع أنهما في مظنة التغيير، وهو الطرف، فقلبتا ألفين، فاجتمع ساكنان، فوجب إما الحذف أو التحريك، لا سبيل إلى الحذف، لأنه يفوت المد فيهن إن حذفت الأولى، ويفوت لام الكلمة إن حذفت الثانية، ولما امتنع الثاني تعين التحريك وكانت الثانية أولى لأربعة أوجه:
أحدها: أن تحريك الأولى٢ يفوت حكمها، وهو المد.
الثاني: أن التغيير في الآخر أولى.
الثالث: أن حرف الإعراب محرك تقديرًا، فلا يعد في تحريكه لفظًا.
الرابع: أن في تحريكه تحصيلا لظهور الإعراب الذي يحصل٣ به الفرق بين المعاني، ونحو: "علباء، وقوباء"، فالهمزة فيهما مبدلة من ياء زائدة للإلحاق بـ"قرطاس، وفرناس".
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ في "ب": "الثاني". ٣ في "ب": "يحصد".
[ ٢ / ٦٩٣ ]
"بخلاف نحو: قاول، وبايع، و" نحو: "إداوة، وهداية"، لأن الواو والياء لم يتطرفا فيهن. أما الأولان فلوقوعهما عينًا، وأما الأخيران فلأن كلمتهما بنيت على تاء التأنيث، بخلاف التأنيث العارض، فإنه لا يمنع الإبدال، كـ"بناء، وبناءة".
"و" بخلاف "نحو: "غزو، وظبي" لعدم تقدم الألف عليهما، "و" بخلاف "نحو: واو" اسمًا للحرف، "وآي" جمع "آية" لأصالة الألف فيهما، أما "واو" فوزنه: "فعل" بفتحتين، وفي كون عينه ياء أو واوًا، قولان: الأول لأبي علي، والثاني لأبي الحسن.
وعلى القولين فالألف منقلبة عن أصل، وأما "آي" فأصله "أيَي" بفتحتين، قلبت الياء الأولى ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، "و" الواو والياء "تشركهما في ذلك" الحكم "الألف" فإنها إذا تطرفت بعد ألف زائدة أبدلت الهمزة، وذلك "في نحو: حمراء فإن أصلها: حمرى" بألف مقصورة، "كـ: سكرى"، "فزيدت ألف قبل الآخر للمد كألف: كتاب، وغلام"، فالتقى ألفان لا يمكن النطق بهما، "فأبدلت" الألف "الثانية همزة"، لأنها من مخرج الألف، وظهرت الحركة التي كانت مقدرة فيهما.
المسألة "الثانية" من إبدال الهمزة من الواو والياء "أن تقع إحداهما عينًا لاسم فاعل فعل، أعلت فيه" أي في الفعل "نحو: قائل: وبائع" أصلهما: "قاول، وبايع" ولكنهم أعلوهما حملا على الفعل، فكما قالوا: "قال، وباع"، فقلبوا عينهما ألفًا كذلك قلبوا عين اسم فاعلهما ألفًا لوقوعها متحركة بعد فتحة مفصولة بحاجز غير حصين، ثم قلبوا الألف همزة على حد القلب في "كساء، هذا قول الأكثرين.
وقال المبرد١ دخلت ألف "فاعل" على ألف "قال، وباع" ونحوهما، فالتقى ألفان، ولم يمكن الحذف للإلباس، فوجب تحريك إحداهما، وكانت العين، لأن أصلها الحركة، والألف إذا تحركت صارت همزة، وتكتب ياء على حكم التخفيف، ولا تنقط، قاله المرادي٢.
"بخلاف نحو: عين، فإنه: عاين، وعور، فهو: عاور" لأن العين لما صحت في الفعل خوف الإلباس بـ"عان، وعار" صحت في اسم الفاعل، وما ذكره تبعًا لغيره من أن اسم الفاعل فرع الفعل في الإعلال والتصحيح مشكل من وجهين:
_________________
(١) ١ المقتضب ١/ ٩٩. ٢ شرح المرادي ٦/ ١٣.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
أحدهما: أن اسم الفاعل قد يدخله الإعلال، ولم يكن له فعل أصلا كـ"جائز" بالجيم، والزاي، وهو البستان، "وجائزة" مؤنثة، [وهي الخشبة في وسط السقف، فإن ادعوا أنهما نقلا من أسماء الفاعلين فقد كثروا النقل في أسماء الأجناس] ١، وهو قليل، بل قيل: ممنوع.
والوجه الثاني: أن الصحيح أن الوصف فرع من المصدر٢، لا عن الفعل.
المسألة "الثالثة" من إبدال الهمزة من الواو والياء "أن تقع إحداهما بعد ألف مفاعل، وقد كانت" إحداهما "مدة" زائدة "في الواحد نحو": عجوز و"عجائز، و" صحيفة و"صحائف"، وسيأتي توجيهه "بخلاف: قسورة" وهو الأسد، "وقساور"، لأن الواو ليست بمدة، ومعيشة ومعايش"، لأن المدة في الواحد أصلية فلا تبدل، لأن أصلها الحركة لكونها عين الكلمة، فإذا وقعت بعد ألف "مفاعل" تحركت بحركتها، فتعاصت عن الإبدال.
"وشذ: مصيبة ومصائب، ومنارة ومنائر" بالإبدال، مع أن المدة في الواحد أصلية، لأنها عين الكلمة، والذي سهل إبدالها همزة تشبيه الأصلي بالزائد.
"وتشارك الواو والياء في هذه المسألة"، وهي مسألة الجمع، "الألف"، فتبدل همزة "نحو: قلادة وقلائد، ورسالة ورسائل"، وذلك لأنك لما جمعت "قلادة ورسالة" على "مفاعل" وقعت ألف الجمع ثالثة. ووقع بعدها ألف "قلادة، ورسالة"، فاجتمع ألفان، فلم يكن بد من حذف إحدى الألفين، أو تحريكها، فلو حذفوا الألف الأولى فاتت الدلالة على الجمع، ولو حذفوا الثانية لتغير بناء الجمع، لأن هذا الجمع لا بد
أن يكون بعد ألفه حرف مكسور، بينها وبين حرف الإعراب، ليكون كـ"مفاعل" فلم يبق إلا حركة الألف الثانية بالكسر لتكون كعين "مفاعل"، فلما حركت انقلبت همزة، ثمن شبهت واو "عجوز" وياء "صحيفة" بألف "قلادة، ورسالة"، لأن قبلهما حركة من جنسهما وهما ساكانا، فجريا مجرى الألف، هذا تعليل ابن جني٣.
وقال الخليل٤: إنما همزت الألف والياء والواو في "رسائل وصحائف وعجائز" لأن حروف اللين فيهن ليس أصلهن الحركة وإنما هي حروف ميتة، لا تدخلها الحركات فلما وقعن بعد الألف همزت، ولم يظهرن، إذ كن لا أصل لهن في الحركة، انتهى.
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ في "ب": "المقدر". ٣ المنصف ١/ ٣٢٧. ٤ الكتاب ٤/ ٣٥٦، والمنصف ١/ ٣٢٦.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
المسألة "الرابعة" مما تبدل فيه الهمزة من الواو والياء "أن تقع إحداهما ثاني حرفين لينين، بينهما ألف "مفاعل" سواء كان اللينان ياءين كـ"نيائف؛ جمع؛ نيف"، وهو الزيادة على العقد، وهو من ناف ينيف، وقول الشاطبي، وأصله: ينوف كـ"هين" فإن أصله "هيون" مبني على أنه من ناف ينوف، وتقدم في العدد بيانه.
"أو واوين كـ: أوائل؛ جمع؛ أول، أو مختلفين" بأن تكون إحداهما ياء والأخرى واوًا "كـ: سيائد؛ جمع؛ سيد، إذا أصله: سيود" اجتمع فيه الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وسبقت فأبدل ما بعد ألف الجمع همزة في الأمثلة الأربعة استثقالا لتوالي ثلاث لينات متصلة بالطرف، "وأما قوله"، وهو جندل بن المثنى الطهوي: [من الرجز] .
٩٤٦-
حنى عظامي وأراه ثاغري وكحل العينين بالعواور
بغير إبدال، "فأصله: بالعواوير" بياء مثناة تحتانية قبل الراء، "لأنه جمع: عوار" بضم المعين وتخفيف الواو "وهو الرمد" الشديد. "فهو: مفاعيل كـ: طواويس، لا: مفاعل" كـ: مساجد، "فلذلك صحح" فيه الواو لبعده من الطرف، ثم حذفت الياء، وبقي التصحيح بحاله، لأن حذف الياء عارض، والاعتبار بالأصل، لأن المحذوف في حكم الموجود وفاعل "كحل" بالتخفيف ضمير يرجع إلى الدهر في أبيات قبله، "وعكسه قول الآخر"، وهو حكيم بن معية الربعي: [من الرجز]
٩٤٧-
فيها عيائيل أسود ونمر
"فأبدل الهمزة من ياء "مفاعيل" لأن أصله: "مفاعل" لأن "عيائيل" جمع "عيل" بكسر الياء" المشددة، وقبلها عين مهملة مفتوحة على زنة "فيعل"، وأصله "عيول"، قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. "واحد العيال"، قاله صاحب الضياء،
_________________
(١) الرجز للعجاج في الخصائص ٣/ ٣٢٦، وليس في ديوانه ولجندل بن المثنى الطهوري في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٢٩، وشرح شواهد الشافية ص٣٧٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٧١، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٧٨٥، وأوضح المسالك ٤/ ٣٧٤، والخصائص ١/ ١٩٥، ٣/ ١٦٤، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٧٧١، وشرح ابن الناظم ص٥٩٧، وشرح الأشموني ٣/ ٨٢٩، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٣١، وشرح الكافية الشافية ٤/ ٢٠٨٥، وشرح المرادي ٦/ ١٧، وشرح المفصل ٥/ ٧، ١٠/ ٩١، ٩٢، والكتاب ٤/ ٣٧٠، ولسان العرب ٤/ ٦١٥، "عور" والمحتسب ١/ ١٠٧، ١٢٤ والممتع في التصريف ١/ ٣٢٩ والمنصف ٢/ ٤٩، ٣/ ٥٠، وتاج العروس ١٣/ ١٥٦ "عور"، والمخصص ١/ ١٠٩.
(٢) تقدم تخريج الرجز برقم ٩١١.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
"والياء زائدة" في عيائيل "للإشباع، مثلها في قوله"، وهو الفرزدق: [من البسيط]
٩٤٨-
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهم تنقاد الصياريف
بزيادة الياء. "فلذلك أعل" بإبدال الهمزة من الياء، و"نفي" مصدر نوعي مضاف إلى مفعوله، وفاعله "تنقاد"، وهو أيضًا مصدر مضاف إلى فاعله، والأصل، كنفي الدراهم نقد الصيارف.
وما ذكره ممن أنه لا فرق في اللينين بين الياءين والواوين، والواو والياء هو مذهب سيبويه، والخليل ومن وافقهما.
وذهب الأخفش إلى أن الهمزة في الواوين فقط، ولا همزة في الياءين، ولا في الواو مع الياء فتقول: "نيايف، وسياود، وصوايد" على الأصل، وشبهته أن الإبدال في الواوين إنما كان لثقلهما، ولأن لذلك نظيرًا، وهو اجتماع الواوين أول الكلمة، وأما إذا اجتمعت الياءان، أو الياء والواو فلا إبدال، لأنه التقت الياءان، أو الياء والواو أول الكلمة، فلا همز نحو: "بين" اسم موضع، ونحو: "يوم".
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه١ من أن الإبدال مطلقًا للقياس والسماع.
أما القياس فلأن الإبدال في "أوائل" إنما هو بالحمل على "كساء، ورداء" لشبهه به من جهة قربه من الطرف، وفي "كساء، ورداء" لا فرق بين الياء والواو، فكذا هنا.
وأما السماع فحكى أبو زيد في "سيقة: سيائق"، بالهمز، وهي "فعيلة" من "ساق"، وحكى الجوهري في تاج اللغة: جيد وجيائد بالهمز.
وفهم من إطلاقه "مفاعل" أن هذا الإبدال لا يختص٢ بتالي ألف الجمع، حتى لو بنيت من "القول" مثل "عوارض" لقلت: "قوائل" بالهمز، هذا مذهب سيبويه٣
_________________
(١) البيت للفرزدق في الإنصاف ١/ ٢٧، وخزانة الأدب ٤/ ٤٢٤، ٤٢٦، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٥: والكتاب ١/ ٢٨، وتاج العروس "درهم"، واللسان ٩/ ١٩٠، "صرف" والمقاصد النحوية ٣/ ٥٢١، ولم أقع عليه في ديوانه، وبلا نسبة في أسرار العربية ٤٥، والأشباه والنظائر ٢/ ٢٩، وأوضح المسالك ٤/ ٣٧٦، وتخليص الشواهد ١٦٩، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٧٦٩، وشرح ابن الناظم ص٢٩٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٧، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٠٢، وشرح قطر الندى ٢٦٨، ولسان العرب ١/ ٦٨٣" "قطرب"، ٢/ ٢٩٥ "سجح"، ٣/ ٤٢٥ "نقد" والمقتضب ٢/ ٢٥٨. ١ الكتاب ٤/ ٣٧٧. ٢ في "ب": "يختصر". ٣ الكتاب ٤/ ٣٦٩.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
والجمهور، وخالف في ذلك الأخفش والزجاج١، فذهبا إلى منع الإبدال في المفرد لخفته بخلاف الجمع.
"وهنا مسألة خاصة بالواو، اعلم أنه إذا اجتمع واوان، وكانت الأولى مصدرة" في أول الكلمة، "والثانية إما متحركة" مطلقًا "أو ساكنة متأصلة الواوية أبدلت الواو الأولى همزة" وجوبًا لأمرين:
أحدهما: أن التضعيف في أول الكلمة قليل، وإنما جاء منه أحرف معلومة كـ"ددن" فلما قل التضعيف بالحروف الصحاح في أول الكلمة امتنع في الواو لثقلها.
والثاني: أنهم لما كانوا يجيزون البدل في "وجوه" ونحوه، وهي واو مفردة لأجل أنها بالضمة كالواوين، كانوا خلقاء أن يلتزموا الإبدال إذا وجد الواوان، لأن الواوين أثقل من واو وضمة. وهذان التعليلان لسيبويه٢، ويدخل تحت ذلك صورتان:
إحداهما: أن تكون الواو الثانية متحركة.
والصورة الثانية: أن تكون الواو الثانية متأصلة الواوية "فـ" الصورة "الأولى نحو جمع: واصلة وواقية، تقول: أواصل وأواق"، كـ"ضاربة وضوارب"، "وأصلهما: وواصل، وواق"، بواوين، فأبدلت الواو الأولى همزة، وأعل "أواق"، إعلال "قاض"، فإذا دخلت عليه "أل" ثبتت ياؤه كقوله: [من الخفيف]
٩٤٩-
ضربت صدرها إلى وقالت يا عديا لقد وقتك الأواقي
"و" الصورة "الثانية نحو: الأولى، أنثى، الأول"، مقابل "الآخر" بالكسر "أصلها، "وولي" بواوين أولهما فاء مضمومة، والثانية عين ساكنة" متأصلة الواوية، قلبت الواو الأولى همزة لما مر، وجمعها: "أول" وأصله: "وول"، ففعل به ما تقدم.
"بخلاف نحو: ووفي، وووري" مبنيتين للمفعول. "فإن" الواو الأولى لا يجب أن تبدل همزة، لأن الواو "الثانية ساكنة منقلبة عن ألف: فاعل" بفتح العين، وهو "وافى، و: وارى"، فليست متأصلة الواوية، لأنها بدل من ألف زائدة.
_________________
(١) ١ الارتشاف ١/ ١٢٧. ٢ الكتاب ٤/ ٤٣١.
(٢) البيت للمهلهل بن ربيعة في خزانة الأدب ٢/ ١٦٥، والدرر ١/ ٣٨٧، وسمط اللآلي ١١١، واللسان ١٥/ ٤٠٤ "وقي"، والمقاصد النحوية ٤/ ٢١١، والمقتضب ٤/ ٢١٤، ولعدي أخي المهلهل في تاج العروس "وقى"، وبلا نسبة في رصف المباني ١٧٧، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٨٠٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٨، وشرح شذور الذهب ص١٤٦، وشرح المفصل ١٠/١٠، والمنصف ١/ ٢١٨، وهمع الهوامع ١/ ١٧٣.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
"وبخلاف نحو: "الوولي" بواوين مخففا من "الوؤلي" بواو مضمومة فهمزة، وهي أنثى "الأوأل". أفعل تفضيل من "وأل" إذا لجأ"، فإن الواو الأولى لا يجب أن تبدل همزة، لأن الواو الثانية منقلبة عن همزة، فليست متأصلة الواوية، ويفهم من نفي الوجوب الجواز: "وخرج باشتراط التصدر١ نحو: هووي، ونووي، في المنسوب إلى: هوى، ونوى"، فلا تبدل الواو الأولى همزة لعدم تصدرها.
_________________
(١) ١ في "ب": "التصدير".
[ ٢ / ٦٩٩ ]
فصل في عكس ذلك:
"وهو إبدال الواو الياء من الهمزة: ويقع ذلك" الإبدال "في بابين:
أحدهما: باب الجمع الذي على" وزن "مفاعل، وذلك إذا وقعت الهمزة بعد ألفه"، أي الجمع، "وكانت تلك الهمزة عارضة في الجمع، وكانت لام الجمع همزة أو ياء أو واوًا، وخرج باشتراط العروض" في الهمزة "نحو: المرآة، والمرائي، فإن الهمزة موجودة في المفرد، لأن المرآة: مفعلة": بكسر الميم، "من الرؤية، فلا تغير في الجمع"، بالإبدال، لأن هذه الهمزة أصلية في الجمع، وسبب الإبدال عروضها فيه على أنه قد سمع "المرايا" بإبدال شذوذًا كقوله: [من الرجز]
٩٥٠-
مثل المرايا ولعاب الأقطار
"وخرج باشتراط اعتلال اللام نحو: صحائف، وعجائز، ووسائل" جمع "صحيفة، وعجوز، ورسالة"، "فلا تغير الهمزة في شيء من ذلك أيضًا"، وإن كانت في الجمع لفقد علة الإبدال الآتية:
"وأما ما حصل فيه ما شرطناه" من وقوع الهمزة بعد ألف الجمع وكون الهمزة عارضة في الجمع، وكون لام الجمع معتلة، فيجب فيه عملان: قلب كسرة الهمزة فتحة: ثم قلبها"، أي الهمزة، "ياء في ثلاث مسائل، وهي أن تكون لام الواحد همزة، أو ياء أصلية، أو واوًا منقلبة ياء، و" قلب الهمزة "واوا في مسألة واحدة، وهي أن تكون لام الواحد واوًا ظاهرة" في اللفظ سالمة من القلب ياء، فهذه أربع مسائل تحتاج إلى أربعة أمثلة.
"مثال ما لامه همزة: خطايا"، جمع "خطيئة: فعلية" من الخطأ، "أصلها: خطايئ" على زنة "مفاعل" "بياء مكسورة، هي ياء "خطيئة" وهمزة بعدها، هي لامها، ثم أبدلت الياء" المكسورة "همزة على حد الإبدال" المتقدم "في: صحائف"،
_________________
(١) لم أقف عليه في المصادر المتاحة.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
جمع "صحيفة"، "فصار: خطائئ، بهممزتين"، الأولى المبدلة من الياء، والثانية لام الكلمة، "ثم أبدلت الهمزة الثانية"، وهي لام الكلمة، "ياء، لما سيأتي من أن الهمزة المتطرفة بعد همزة تبدل ياء، وإن لم تكن بعد" همزة "مكسورة، فما ظنك بها بعد" همزة "مكسورة، ثم قلبت كسرة" الهمزة "الأولى فتحة للتخفيف، إذ كانوا قد يفعلون ذلك" الفتح "في ما لامه صحيحة نحو: مداري" جمع "مدرى" بكسر الميم، وسكون الدل المهملة، وفتح الراء، آلة تشبه المسلة، تكون مع الماشطة، تصلح بها قرون النساء، "وعذارى"، جمع "عذارء"، وهي البكر، "في: المداري، والعذاري" بكسر الراء فيهما، "قال" امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٩٥١-
ويوم عقرت للعذارى مطيتي فيا عجبا من رحلها المتحمل
"وقال" أيضًا: [من الطويل]
٩٥٢-
غدائره مستشزرات إلى العلا تضل المدارى في مثنى ومرسل
ففتح الراء فيهما، فإذا فعل ذلك في ما لامه راء، وهو حرف صحيح، "ففعل" ذلك" الفتح "هنا" في ما لامه غير صحيحة "أولى" لثقل الكسرة، و"تضل" بالضاد المعجمة أي: تغيب، و"المثنى": الشعر المفتول، و"المرسل" بخلافه، والغرض بيان كثرة العشر، "ثم قلبت الياء" المفتوحة "ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار "خطاءا" بألفين بينهما همزة، والهمزة تشبه الألف" لكونها من مخرجها، وهي متوسطة بين ألفين، "فاجتمع شبه ثلاث ألفات"، وذلك مستكره، "فأبدلت الهمزة ياء". ولم تبدل واوا لأن الياء أخف منها "فصار: خطايا، بعد خمسة أعمال":
أولها: إبدال الياء همزة.
وثانيها: إبدال الهمزة الثانية ياء.
وثالثها: قلب كسر الهمزة الأولى فتحة.
ورابعها: قلب الياء ألفًا.
وخامسها: قلب الألف ياء على الترتيب.
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٥٨، واللسان ٤/ ٥٩٢ "عقر"، وتهذيب اللغة ١/ ٢١٨، ومقاييس اللغة ٤/ ٩٠، وتاج العروس ١٣/ ١٠٢ "عقر"، وبلا نسبة في رصف المباني ص٣٤٩، ٤٤٧، ومغني اللبيب ١/ ٢٠٩، وأوضح المسالك ٤/ ٣٧٩.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٧، ولسان العرب ٤/ ٤٠٥ "شزر"، ٧/ ٥٦ "عقص"، ومعاهد التنصيص ١/ ٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨٧، وتاج العروس ١/ ٢٨٣، "شفا" وأساس البلاغة "دري"، والمزهر ١/ ١٨٥.
[ ٢ / ٧٠١ ]
هذا مذهب سيبويه١، وجمهور البصريين، وذهب الخليل١ إلى أن مدة الواحد لا تبدل في هذا همزة، لئلا يلزم اجتماع همزتين، بل تقلب بتقديم الهمزة على الياء، فيصير "خطائي"، ثم يفعل فيه ما تقدم من قلب الكسرة فتحة، ثم قلب الياء ألفًا، ثم قلب الألف ياء.
واعترض بأنهم قد نطقوا به على الأصل، سمع من كلامهم: "اللهم اغفر لي خطائئي" بهمزتين، ولو كان كما قال الخليل لم يكن ثم همزة ثانية: البتة.
"ومثال ما لامه ياء أصلية: قضايا" جمع "قضية" أصلها: قضايي؛ بياءين؛ الأولى ياء: فعلية، والثانية لام قضية، ثم أبدلت" الياء "الأولى بهمزة كما في: صحائف" فصار "قضائي" "ثم قلبت كسرة الهمزة فتحة" فصارت "قضاءي"، "ثم قلبت الياء ألفًا" فصار "قضاءا"، فاجتمع شبه ثلاث ألفات، "ثم قلبت الهمزة" المتوسطة بين الألفين "ياء" رجوعًا إلى أصلها، "فصار: قضايا، بعد أربعة أعمال":
أحدها: إبدال الياء الأولى همزة.
والثاني: قلب كسر الهمزة فتحة.
والثالث: قلب الياء الثانية ألفًا.
والرابع: قلب الهمزة ياء على الترتيب.
"ومثال ما لامه واو قلبت في المفرد يا: مطية" وهي الراحلة "فإن [أصلها] ٢: مطيوة، فعيلة، من: المطا، وهو الظهر، أو من: المطو، وهو المد، يقال: مطوت بهم في السير، أي، مددت، اجتمع فيها الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، ثم أبدلت الواو٣ ياء، ثم أدغمت الياء فيها"، أي في الباء "وذلك على حد الإبدال والإدغام في: سيود، وميوت، إذ قيل فيهما: سيد، وميت" بقلب الواو، وإدغام الياء في الياء، وجمعها "مطايا"، وأصلها "مطايو" بياء مكسورة قبل الواو، "ثم قلبت الواو ياء لتطرفها بعد الكسرة"، فصار "مطايي" بياءين "كما" قلبت الواو لتطرفها "في: الغازي، والداعي"، وأصلهما: "الغازو، والداعو"، قلبت الواو ياء لتطرفها بعد الكسرة، "ثم قلبت الياء الأولى همزة كما في: صحائف"، فصار "مطائي"،
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٣٧. ٢ إضافة من "ب"، "ط". ٣ سقط من "ب".
[ ٢ / ٧٠٢ ]
"ثم أبدلت الكسرة فتحة": فصار "مطاءي" "ثم" أبدلت "الياء ألفًا" فاجتمع شبه ثلاث ألفات، "ثم" أبدلت "الهمزة" المتوسطة بين الألفين "ياء فصار: مطايا، بعد خمسة أعمال"١.
أحدها: قلب الواو ياء.
والثاني: قلب الياء الأولى همزة.
والثالث: إبدال الكسرة فتحة.
والرابع: إبدال الياء ألفًا.
والخامس: إبدال الألف ياء، ولم يرجع إلى أصلها، لأن الواو أثقل من الياء، أو لأنها لما أعلت في المفرد أعلت في الجمع.
"ومثال ما لامه واو" ظاهرة، "سلمت في الواحد، هراوة" وهي العصا الضخمة، "و" جمعها "هراوى" أصلها: "هراوو" بواوين، "وذلك أنا قلبنا ألف: هرواة، في الجمع همزة على حد القلب في: رسالة، ورسائل"، فصار "هرائو"، "ثم أبدلنا الواو ياء لتطرفها بعد الكسرة" فصار"هرائي"، "ثم فتحنا الكسرة" فصار "هراءي"، "فانقلبت الياء ألفًا" لتحريكها، وانفتاح ما قبلها، فصار "هراءا"، بهمزة بين ألفين، "ثم قلبنا الهمزة واوًا"، ليشاكل الجمع واحده، "فصار: هرواى، بعد خمسة أعمال أيضًا":
أحدها: قلب الألف همزة.
والثاني: إبدال الواو ياء.
والثالث: قلب الكسرة فتحة.
والرابع: قلب الكسرة فتحة.
والخامس: قلب الهمزة واوا.
وشذ في هذا الباب ثلاثة أنواع:
أحدها: تصحيح الهمزة التي بعد الألف كقوله: [من الطويل]
٩٥٣-
حتى أزيروا المنائيا
_________________
(١) ١ في "ب": "أحوال".
(٢) تمام البيت: فما برحت أقدامنا في مقامنا ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا وهو لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في المقاصد النحوية ٤/ ١٨٨، ولبعض الصحابة في شرح عمدة الحافظ ص٥٨٨، وبلا نسبة في شرح ابن الناظم ص٣٩٧، ٥٩٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤٣٩، وشرح المرادي ٦/ ٢٠، والمقاصد النحوية ٤/ ١٨٨.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
بالهمزة، والقياس "المنايا" ولكنه أتى به على الأصل.
والثاني: تصحيحها، وتصحيح الهمزة التي هي لام بعدها كقولهم: اللهم اغفر لي خطائئي، بهمزتين، والقياس "خطاياي"، وهذا أشذ مما قبله.
والثالث: أبدال ما بعد الألف حرفًا لا يقتضيه القياس نحو: "هدية، وهداوا"، والقياس "هدايا".
"الباب الثاني" من البابين اللذين يقع فيما إبدال الواو والياء من الهمزة "باب الهمزتين الملتقيتين في كلمة" واحدة، "والذي يبدل منهما أبدًا هو الثانية، لا الأولى، لأن إفراط الثقل بالثانية حصل، و" إذا اجتمع همزتان في كلمة فلهما ثلاث أحوال، لأنه "لا تخلو الهمزتان المذكورتان من أن تكون الأولى متحركة والثانية ساكنة، أبو بالعكس"، بأن تكون الأولى ساكنة، والثانية متحركة، "أو يكونان متحركتين"، ويمتنع أن يكونا ساكنين معًا.
"فإن كانت الأولى متحركة" بفتحة، أو كسرة، أو ضمة، "والثانية ساكنة أبدلت الثانية حرف علة"، ألفًا، أو ياء، أو واوا "من جنس حركة الأولى" كراهة اجتماع الهمزتين مع عسر النطق بالثانية الساكنة "فتبدل ألفًا بعد الفتحة نحو: آمنت"، والأصل: "أأمنت" بهمزة مفتوحة، فهمزة ساكنة، أبدلت الثانية ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها.
"ومنه" أي ومن إبدال الهمزة الثانية ألفًا "قول عائشة، ﵂، وكانت"، تعني النبيﷺ- "يأمرني" إذا حضت "أن آتزر١، وهو بهمزة" مفتوحة، "فألف"، قال المطرزي٢: "وعوام المحدثين يحرفونه فيقرءونه بألف" مهموزة "وتاء مشددة، ولا وجه له" في العربية "لأنه" فعل مضارع، ووزنه "أفتعل" بكسر العين، مشتق "من الإزار، ففاؤه، همزة ساكنة بعد همزة المضارعة المفتوحة"، فأبدلت الهمزة الثانية ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، وأجاز البغداديون: أتزر، وأتمن، وأتهل"، من الإزار، والأمانة، والأهل، بقلب الهمزة الثانية تاء، وإدغامها في التاء، وحكى الزمخشري: "أتزر" بالإدغام. وقال ابن مالك٣: إنه مقصور على السماع كـ"اتكل"، وإذا جاز في الماضي جاز في المضارع.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الحيض برقم ٣٠٠. ٢ المغرب في ترتيب المعرب ١/ ٣٧. ٣ التسهيل ص٣١٢.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
وفي حديث آخر، وأن كان قصيرًا فليتزر به، رواه مالك في الموطأ١ بهذا اللفظ في جميع رواياته، وسيأتي.
"و" تبدل الهموة الثانية "ياء بعد الكسرة نحو: إيمان"، أصله: "إئمان". بهمزتين مكسورة فساكنة، قلبت الهمزة الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. "وشذت قراءة بعضهم"، وهو الأعمش، راوي أبي بكر صاحب عاصم: "إئلافهم" [قريش: ٢] بالتحقيق"٢، وأجاز الكسائي أن يبتدأ: "إئت" بهمزتين نقله عنه ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء وقال٣ إنه قبيح، لأن العرب لا تجمع بين همزتين، الثانية منهما ساكنة. انتهى. "و" تبدل الهمزة الثانية "واوًا بعد ضمة نحو: أوتمن"، بالبناء للمفعول، أصله: "أؤتمن" بهمزتين، مضمومة فساكنة، قلبت الهمزة الثانية، واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، "وأجاز الكسائي أن يبتدأ "أؤتمن" بهمزتين" مضمومة فساكنة، "نقله عنه ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء٣، ورده" بأن العرب تجمع بين همزتين، لثانية منهما ساكنة، ذكر هذا الرد على الكسائي في إجازته أن يبتدأ، ﴿ائْتِ بِقُرْآَنٍ﴾ [يونس: ١٥] بهمزتين، لا في "أؤتمن".
"وإن كنت" الهمزة "الأولى ساكنة، و" الهمزة "الثانية متحركة"٤، وهو النوع الثاني، ولا يكونان في موضوع الفاء لتعذر الابتداء بالساكن، بل في موضع العين، أو في موضع اللام.
"فإن كانتا في موضع العين أدغمت الاولى في الثانية" لاجتماع المثلين، وصححت "نحو: سأال" بفتح السين وتشديد الهمزة "فعال" للمبالغة في كثرة السؤال، "ولأال، ورأأس" بفتح أولهما وتشديد ثانيهما على زنة "فعال" للنسب لبائع اللؤلؤ والرءوس.
"وإن كانتا في موضع اللام أبدلت الثانية ياء مطلقًا"، سواء أكانت طرفًا أم غير طرف، "فتقول في" بناء "مثال: "قمطر" بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء المهملة: "من قرأ، قرأي" بكسر القاف وفتح الراء وسكون الهمزة، والأصل: "قرأأ" بهمزتين، أولاهما ساكنة فالتقى في الطرف همزتان، فوجب إبدال الثانية ياء،
_________________
(١) ١ الموطأ ١/ ١٤١. ٢ انظر هذه القراءة في البحر المحيط ٨/ ٥١٤، وشرح ابن الناظم ص٥٩٩. ٣ الوقف والابتداء ١/ ١٥٥. ٤ في "ب": "محركة".
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وأن كانت أولاهما ساكنة، يمكن إدغامها بحيث تصير مع التي بعدها كالشيء الواحد، لأن الطرف محل التغيير، فلم يغتفر فيه ذلك، كما اغتفر في نحو: "سأل" قاله الشارح١.
"و" تقول "في" بناء "مثال: سفرجل، منه" أي من "قرأ" "قرأيأ، بهمزتين، بينهما ياء مبدلة من همزة" وهي غير طرف، والأصل "قرأأء" بثلاث همزات، أبدلت الثانية ياء، لأنها في موضع اللام وصحت الأولى والثالثة، قاله المرادي٢.
"وإن كانتا متحركتين" وهو النوع الثالث "فإن كانتا في الطرف أو كانت الثانية مكسورة، أبدلت" الثانية في الصورتين "ياء مطلقًا"، سواء انفتح ما قبلها أم ضم أم انكسر، ولا يجوز إبدالها واوا، لأن الواو الأخيرة لو كانت أصلية، ووليت كسرة أو ضمة لقلبت ياء ثالثة، فصاعدًا، وكذلك تقلب رابعة فصاعدًا بعد فتحة، فلو أبدلت الهمزة الأخيرة واوًا؛ فيما نحن بصدده؛ لأبدلت بعد ذلك ياء فتعينت الياء، "وإن لم تكن" الهمزة الثانية "طرفًا؛ وكانت مضمومة؛ أبدلت واوًا مطلقًا"، سواء انضم ما قبلها؛ أو انفتح، أو انكسر، "وإن كانت" الثانية "مفتوحة؛ فإن انفتح ما قبلها، أو انضم؛ أبدلت واوًا" فيهما، "وإن انكسر" ما قبلها "أبدلت ياء".
والحاصل: أن الهمزتين المتحركتين لا يخلو أن يكونا في الطرف أو لا.
فالأول ثلاثة أنواع، لأن الهمزة الأولى إما مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة.
والثاني تسعة أنواع، قامت من ضرب ثلاثة أحوال الأولى في ثلاثة أحوال الثانية، فالمطرفة تبدل ياء في جميع أنواعها، وغير المتطرفة منها أربعة تبدل فيها ياء وهي المفتوحة بعد كسرة، والمكسورة بعد فتحة أو كسرة، أو ضمة، وخمسة تبدل فيها واوًا، وهي المفتوحة بعد فتحة أو ضمة، والمضمومة بعد فتحة أو كسرة أو ضمة.
"أمثلة المتطرفة" بعد مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة "أن تبني من: قرأ، مثل: جعفر، أو: زبرج، أو: برثن" فتقول: "قرأأ، وقرئئ"، و"قرؤؤ" بهمزتين، ثم تبدل الهمزة الثانية ياء، لأن الواو لا تقع طرفًا فيما زاد على الثلاثة. فيصير "قرأي" بفتح الأولى، و"قرئي" بكسرها و"قرؤي" بضمها، ثم إن كان قبل الياء فتحة؛ كما في المثال الأول؛ فإن الياء تقلب ألفًا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ويصير مقصورًا، وإن كان قبلها كسرة؛ كما في المثال الثاني؛ فإن الياء تحذف حركتها للاستثقال، وتعل إعلال "قاض".
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٥٩٩. ٢ شرح المرادي ٦/ ٢٥.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
ويصير منقوصًا، وإن كان قبلها ضمة؛ كما في المثال الثالث؛ فإن الضمة تقلب كسرة، لتسلم الياء من القلب واوًا، وتعل إعلال "قاض" ويصير منقوصًا أيضًا.
"وأمثلة المكسورة" بعد مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة "أن تنبني من: أم" بفتح الهمزة وتشديد الميم، بمعنى: قصد "مثل: أصبع، بفتح الهمزة، أو كسرها، أو ضمها، والباء فيهن مكسورة، فتقول في الأول" وهو فتح الهمزة "أأمم، بهمزتين، مفتوحة فساكنة" على مثال "أصبع" بفتح الهمزة وكسر الباء "ثم تنقل حركة الميم الأولى" وهي الكسرة "إلى الهمزة الساكنة "قبلها، ليتمكن من إدغامه في الميم الثانية لاجتماع المثلين١، "ثم تبدل الهمزة" الثانية المنقولة إليها كسرة الميم "ياء"٢، لما تقدم من أن الهمزة المكسورة بعد مفتوحة تقلب ياء. "وكذا تفعل في الباقي أيضًا"، فتقول في بناء مثل "إصبع" بكسر الهمزة والباء من "أم، إئمم" بهمزتين، مكسورة، فساكنة، فتنقل حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة قبلها. ليتوصل إلى إدغام المثلين، إذ اجتماعهما موجب للإدغام وكسر الباء من "أم: أؤمم" بهمزتين مضمومة فساكنة، ثم تنقل حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة قبلها توصلا إلى الإدغام، ثم تبدل الهمزة الثانية ياء، "وذلك" العمل "واجب".
"وأما قراءة ابن عامر: والكوفيين" كعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف والأعمش، " ﴿أَئِمَّةً﴾ " [التوبة: ١٢] جمع "إمام" بالتحقيق"٣ من غير إبدال "فمما يوقف عنده، ولا يتجاوز"، والقياس: "أيمة" بقلب الهمزة ياء، فإن قلت: كان القياس قلب الثانية ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها كـ"آنية"، جمع "إناء" قلت، لما وقع بعدها مثلان، وأرادوا الإدغام، نقلوا حركة الميم الأولى؛ وهي الكسرة؛ إلى الهمزة قبلها، وأدغموا الميم في الميم، فصار "أئمة" فقلبوا الهمزة الثانية ياء محضة.
"وأمثلة المضمومة" بعد مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة "أوب" بفتح الهمزة، وضم الواو، وتشديد الموحدة، "جمع: أب"، بفتح الهمزة، وتشديد الموحدة، "وهو المرعى. وأن يبنى من: أم" بفتح الهمزة وتشديد الميم "مثل: إصبع، بكسر الهمزة وضم الباء، أو" أن يبنى من "أم" مثل: أبلم" بضم الهمزة واللام، وبينهما باء ساكنة موحدة، هو سعف المقل، "فتقول: أوم، بهمزة مفتوحة أو مكسورة
_________________
(١) ١ في "ب": "المثيل". ٢ سقط من "ب". ٣ انظر الإتحاف ص٣٤١، والنشر ١/ ٣٧٨-٣٧٩، وشرح ابن الناظم ص٦٠١.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
أو مضمومة، وواو مضمومة"، فاستوفى الأقسام الثلاثة، فالصواب حذف قوله: مفتوحة، للاستغناء عنه بذكر "أوب"، وصار ذكر "أوب" زائدًا، "وأصل الأول"، وهو "أوب" "أأبب" بهمزتين مفتوحة فساكنة، وضم الباء الأولى "على وزن: أفلس، وأصل الثاني والثالث: إئمم، وأؤمم" بكسر الهمزة في الأول، وضمها في الثاني، "فنقلوا فيهن" حركة أول المثلين إلى الساكن قبلها، وهو الهمزة الثانية. "ثم أبدلوا الهمزة واوًا" لأنها تجانس حركتها، "وأدغموا أحد المثلين في الآخر" لاجتماعهما١.
"ومثال المفتوحة بد مفتوحة: أوادم؛ جمع؛ آدم"، أصله "أأدم" بهمزتين مفتوحتين، بعدهما ألف، قلبت الهمزة الثانية واوا لما سيأتي.
"ومثال المفتوحة بعد مضمومة١ "أويدم" تصغير: "آدم"، أصله "أأيدم بهمزتين مضمومة فمفتوحة، قلبت الثانية منهما واوا، لأن الهمزة الثانية؛ إذا كانت مفتوحة، ولم تكن طرفًا؛ تقلب واوًا، سواء كان ما قبلها مفتوحًا كما في تكسير "آدم"، أو مضمومًا كما في تصغيره، والتمثيل بجمع "آدم" وتصغيره مبني على أنه [عربي، واضطرب فيه كلام الزمخشري، فذهب في الكشاف إلى أنه] ٢ أعجمي على وزن "فاعل" كـ"آزر"٣. وذهب في المفصل إلى أنه عربي على وزن "أفعل"٤.
"ومثال المفتوحة بعد مكسورة أن تبني من "أم" مثالا على وزن "إصبع" بكسر الهمزة وفتح الباء"، فتقول: "إيم" بهمزة مكسورة وياء مفتوحة. والأصل "إئمم" بهمزتين مكسورة فساكنة، نقلت حركة الميم الأولى، وهي الفتحة، إلى الساكن قبلها توصلا إلى إدغام المثلين، ثم أبدلت الهمزة الثانية ياء١.
"وإذا كانت الهمزة الأولى من" الهمزتين "المتحركتين همزة مضارعة" للمتكلم، متعديًا كان المضارع. أو لازمًا "نحو: أؤم" القوم، "و: أئن" من كذا، ["مضارعي: أممت" القوم، "وأننت" من كذا] ٢، "جاز في" الهمزة "الثانية التحقيق تشبيهًا لهمزة المتكلم لدلالتها على معنى" زائد في كلمتها "بهمزة الاستفهام نحو: ﴿أَأَنَذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وذلك مطرد في خمسة أفعال، رواه أبو زيد في كتاب الهمزتين.
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٣ الكشاف ١/ ١٢٥. ٤ المفصل ص٣٦٣.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
فصل في إبدال الياء من أختيها الألف والواو
فصل في إبدال من أختيها الألف والواو:
"وأما إبدالها من الألف ففي مسألتين:
إحداهما: أن ينكسر ما قبلها كقولك في" جمع "مصباح: مصابيح، وفي" جمع "مفتاح، مفاتيح، وكذلك تصغيرهما" كقولك في تصغير "مصباح: مصيبيح"، وفي تصغير "مفتاح: مفيتيح" فتقلب الألف في التكسير والتصغير ياء لانكسار ما قبلها.
المسألة "الثانية: أن يقع قبلها ياء تصغير كقولك في" تصغير "غلام: غليم" لأن ما بعد ياء التصغير لا يكون إلا متحركًا١، والألف لا تقبل الحركة، وما قبل الألف لا يكون إلا متحركًا، وياء التصغير لا تكون إلا ساكنة، فوجب قلب الألف حرفًا يتحرك بعد ياء التصغير، ولا يمنع٢ سكون ما قبله، فقلبت الألف٣، لمناسبتها ما قبلها، ولأنها لو قلبت واوا لزم بعد ذلك قلبها ياء كما في "سيد".
"وأما إبدالها"، أي الياء، "ومن الواو ففي عشر مسائل:
إحداها: أن تقع بعد كسرة وهي إما طرف" سواء أكانت في فعل مبني للفاعل أو للمفعول، أو في اسم "كـ: رضي، وقوي" مبنيين للفاعل، "وعفي" مبنيًا للمفعول، "والغازي، والداعي" في اسم الفاعل٣ قلبت الواو في هذه الأمثلة الخمسة ياء لوقوعها طرفًا بعد كسرة، وأصلها، "رضو"، لأنها من "الرضوان"، و"قوو" لأنه من "القوة"، و"عفو"، لأنه من "العفو" والغازو، والداعو" لأنهما من "الغزو، والدعوة".
"أو" تقع الواو "قبل تاء التأنيث كـ: شجية"، اسم فاعلة من "الشجو"٤ بالشين المعجمة والجيم، وهو الحزن، "وأكسية". جمع "كساء"، "وغازية"،
_________________
(١) ١ في "ط": "محركًا". ٢ في "ط": "لا يمكن". ٣ سقط من "ب". ٤ في "ب": "الشجر".
[ ٢ / ٧٠٩ ]
اسم فاعلة من "الغزو"، "وعريقية"، و"تريقية" "في تصغير: عرقوة"، و"ترقوة"، فقلبت الواو في الجميع ياء لوقوعها طرفًا بعد الكسرة، لأن تاء التأنيث في حكم الانفصال، ولم يفرقوا بين كون التاء بنيت الكلمة عليها، أم لا، وكان ينبغي في "عريقية" أن لا تقلب الواو ياء، لأن الكلمة قد بنيت على التاء بدليل أنه ليس لنا اسم معرب١، آخره واو. قبلها ضمة، فدل أن "عرقوة" بمنزلة "عنفوان".
"وشذ: سواسوة" بالتصحيح، "في جمع: سواء " بفتح السين المهمة والمد بمعنى: مستو، يقال: الناس سواسوة في هذا الأمر، أي مستوون فيه، فكأنه جمع "مستو" بحذف الزائد، إلا أنه زيد فيه سين أخرى، وقالوا: "سواسية" على الأصل، ووقع الجوهري٢ أنه جعل "سوا" كلمة، و"سية" كلمة أخرى، ووزن كلا منهما بوزن يخصها، والتحرير ما تقدم عليه قوله: [من الطويل]
٩٥٤-
سواسية سود الوجوه كأنهم ظرابي غربان بمجرودة النخل
ووزنها "فعافلة" وفيه شذوذ من جهات:
إحداها: تكرار الفاء في الجمع مع عدم تكرارها في الواحد، وهو نظير تكرار العين في التصغير في "عشيشية".
الثانية: جمع فعال؛ على هذا الوزن؛ وإنما قياسه أسوية، كـ: قباء، وأقبية.
الثالثة: أن قياس الفاء، إذا تكررت زائدة أن تكون العين مكررة معها أيضا كـ"مرمريس"، وإذا تكررت وحدها. فقياسها أن تكون أصلا نحو "قرقف، وسندس". وفي حواشي الصحاح لابن بري: "سواسية" جمع "سواء" على غير الواحد كـ"باطل، وإباطيل"، وكأنه جمع "سوساة"، ووزن "سوساة، فعللة" كـ"شوشاة"، لا "فعلاة" لندور باب "سلس"، ولا "فوعلة" لندور باب "كوكب"، ولا "فعفلة"، لأن الفاء لا تتكرر وحدها، فبطل حينئذ كون "سواسية فعالية، وفواعلة، وفعافلة"، وتعين "فعاللة" وهذا كلام حسن، نقله الموضح في الحواشي.
"و" شذ "مقاتوة" بقاف وتاء مثناة فوق "بمعنى: خدام"، جمع "مقتو"، اسم فاعل من "القتو" وهو الخدمة، أصله "مقتوو"، قلبت الواو الثانية ياء لتطرفها
_________________
(١) ١ في "ب": "معروف". ٢ الصحاح "سوا".
(٢) البيت للبعيث في لسان العرب ١/ ٥٧١ "ظرب" وتهذيب اللغة ١٤/ ٣٧٧، والشعر والشعراء ١/ ٤٩٧، والقافية في هذه المصادر "محل" مكان "النخل".
[ ٢ / ٧١٠ ]
بعد الكسرة، ثم أعل إعلال "قاض"، قال: [من الوافر] .
٩٥٥-
متى كنا لأهلك مقتوينا
أي: خدامًا، وقال: [من المنسرح] .
٩٥٦-
إني امرؤ من بني جذيمة لا أحسن قتو الملوك والحفدا
أي: خدمة الملوك، وكان حق الجمع "مقاتية" ولا ثالث لهما، قال في المحكم١، قال أبو علي، أخبرني أبو بكر عن أبي العباس أنه لم يسمع مثل "مقاتوة" إلا حرفًا واحدًا، أخبرني به أبو عبيدة، وهو "سواسوة" ومعناه سواء، انتهى.
أو تقع الواو قبل ألف التأنيث المقصورة، كأن تبني من "الغزو" مثل "هندباء" فتقول: "غزوياء"، أو الممدودة، كأن تبني من "الغزو" مثل "أربعاء" فتقول": "أغزياء"، "أو قبل الألف والنون الزائدتين" المضارعتين لألفي٢ التأنيث "كقولك في مثال: قطران"، بفتح القاف وكسر الطاء، "من: الغزو: غزيان" بقلب الواو ياء لتطرفها إثر كسرة لأن ألفي التأنيث وما ضارعها في حكم الانفصال.
المسألة "الثانية" من إبدال الياء من الواو "أن تقع" الواو "عينًا لمصدر فعل٣ أعلت فيه"، أي في الفعل، "ويكون قبلها كسرة، وبعدها ألف"، فهذه أربعة شروط "كـ: صيام، وقيام" من مصادر الثلاثي، "وانقياد، واعتياد" من مصادر المزيد، والأصل فيهن: "صوام، وقوام، انقواد، واعتواد"، فقلبت الواو فيهن ياء، لأنها
_________________
(١) صدر البيت: تهددنا وأوعدنا رويدًا وهو لعمرو بن كلثوم في ديوانه ص٧٩، وجمهرة اللغة ص٤٠٨، وأساس البلاغة "قتو"، وخزانة الأدب ٧/ ٤٢٧-٤٢٩، ٨/ ٨٠-٨١، وشرح شواهد الإيضاح ص٢٩٢، ولسان العرب ١/ ٣٥٦ "خصب" ١٥/ ١٦٩ "قتا"، ١٥/ ٢١٢ "قوا"، والمنصف ٢/ ١٣٣، ونوادر أبي زيد ص١٨٨، وبلا نسبة في الارتشاف ١/ ٢٦٩، والأشباه والنظائر ١/ ٢٨٩؛ ولسان العرب ١/ ٣٩١، "ذنب".
(٢) البيت بلا نسبة في جمهرة اللغة ص٤٠٨، والمخصص ٣/ ١٤١، والخصائص ٢/ ١٠٤، ٣٠٣، والمحتسب ٢/ ٢٥، وهو برواية "والخببا" مكان "والحفدا" في لسان العرب ١/ ٣٤٢ "خبب"، ١٥/ ١٦٩ "قتا"، وتاج العروس "قتا"، وكتاب العين ٥/ ١٩٨، ومقاييس اللغة ٥/ ٥٨، والمخصص ٣/ ١٤١، وديوان الأدب ٤/ ٧١، وتهذيب اللغة ٧/ ١٤، ٩/ ٢٥٣، وأساس البلاغة "قتو" والأشباه والنظائر ١/ ٢٨٩، وخزانة الأدب ٧/ ٤٢٨. ١ المحكم ٦/ ٣٣٤ "قتو". ٢ في "ب": "لألف". ٣ في "ب": "الفعل الذي".
[ ٢ / ٧١١ ]
لما أعلت في أفعالها بقلبها ألفًا، واستثقل بقاؤها في المصدر صحيحة بعد الكسرة، وقيل حرف يشبه الياء في المد، أعلت١ في المصدر بقلبها ياء حملا للمصدر على فعله في الإعلال، ليصير العمل في اللفظ من وجه واحد.
"بخلاف نحو: سوار، وسواك" بكسر أولهما، اسمي جنس، فلا تقلب الواو، فيهما ياء "لانتفاء المصدرية، و" بخلاف "نحو: لاوذ لواذا، وجاور جوارًا" بالجيم٢؛ فإن "لواذًا، وجوارًا"؛ وإن كانا مصدرين؛ لا تقلب الواو فيهما ياء "لصحة عين الفعل" فيهما، وهو "لاوذ، وجاور"، بخلاف: "راج رواجًا"، لعدم الكسرة قبلها.
"و" بخلاف: ["حال حولا، وعاد المريض عودًا"، فإن "حولا، وعودًا؛ وإن كانا مصدرين، أعل فعلهما، وهو: "حال، وعاد" بقلب عينهما ألفًا، لا تقلب الواو فيهما ياء "لعدم الألف" بعدها، "وقل الإعلال فيه"، أي: فيما عدم الألف] ٣، "نحو قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] في قراءة نافع وابن عامر في النساء٤، وفي قراة ابن عامر في المائدة"٥. وأصلهما "قومًا" قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، "وشذ التصحيح مع استيفاء الشروط في قولهم: نارت الظبية" تنور "نوارًا" بالنون والراء المهملة "بمعنى نفرت" والقياس: نيارًا، ولكنه جاء بالتصحيح، قال العجاج، وأنشده ابن جني٦: [من الرجز]
٩٥٧-
يخلطن بالتأنس النوارا
قال في شرح الكافية٧: "ولم يسمع له نظير".
_________________
(١) ١ في "ب": "اعتلت". ٢ سقط من "ب". ٣ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٤ وأيضًا ابن عباس. وقد قرءوا "قِيَمًا". انظر الإتحاف ص١٨٦، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٦. ٥ وأيضًا عاصم والجحدري، انظر الإتحاف ص٢٠٣، والنشر ٢/ ٢٥٦. ٦ المنصف ١/ ٣٠٣، ٣/ ٥٢، والمحتسب ١/ ١٨٢.
(٢) الرجز للعجاج في ديوانه ٢/ ٨٧، وإصلاح المنطق ص١٢٥، وتهذيب اللغة ١٥/ ٢٣٥، ولسان العرب ٥/ ٢٤٤ "نور"، والمحتسب ١/ ١٨٢، والمنصف ١/ ٣٠٣، ٣/ ٥٢. ٧ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١١٦.
[ ٢ / ٧١٢ ]
المسألة "الثالثة": "أن تقع" الواو "عينا لجمع صحيح اللام، وقبلها كسرة، وهي في الواحد إما معلة" أي: منقلبة "نحو: دار وديار وحيلة" بحاء مهملة وياء مثناة تحتانية، "وحيل وديمة وديم وقيمة وقيم وقامة وقيم" والأصل: "داور وحول ودوم وقوم"، ولكن لما أنكسر ما قبل الواو في الجميع، وكانت في المفرد معلة بقلبها ألفًا في الأول والأخير، وياء فيما بينهما، ضعفت، فتسلطت الكسرة عليها واستفدنا من تكثير الأمثلة أنه إذا كانت الواو معلة في الواحد لا يشترط وقوع الألف بعدها كما في "ديار" خلافًا للمرادي١، وسيأتي إيضاحه.
"وشذ: حاجة، وحوج"، والقياس: "حيج"، لأن قبلها كسرة، والواو أعلت في الواحد، "وإما شبيهة بالمعلة، وهي الساكنة، وشرط القلب في هذه أن تكون بعدها في الجمع ألف كـ: سواط وسياط، وحوض وحياض، وروض ورياض"، والأصل فيها٢: "سواط، وحواض، ورواض"، ولكن لما انكسر ما قبل الواو في الجمع، وكانت الواو في الواحد ساكنة، ضعفت، فتسلطت الكسرة عليها، وقوى تسليطها وجود الألف، "فإن فقدت" الألف "صححت الواو نحو: كوز وكوزة، وعود، بفتح أوله" وهو بالعين المهملة، "للمسن من الإبل"، وهو الذي جاوز في السن البازل هو الذي له سبعين سنين، "وعودة" لأنه لما عدمت الألف قل عمل اللسان، فخف٣ النطق بالواو بعد الكسرة فصححت٤، ولم يجز إعلالها، لأنه انضم إلى عدم الإعلال تحصين الواو ببعدها من الطرف بسبب هاء التأنيث.
"وشذ قولهم" في جمع "ثور": "ثيرة" بإبدال الواو ياء، والقياس: "ثورة" بالتصحيح، وقيل: الأصل٥ "ثورة" بسكون الواو، فأعل بقلب الواو ياء، ثم فتحت الياء، وزعم المبرد أنه مقصور من "فعالة" والأصل، "ثيارة"٦ فلذا أعل، ثم قصر بعد ذلك، نقله ابن مالك عنه٧، والمعروف عنه إنما قال: "ثيرة"، ليكون القلب دليلا
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٦/ ٣٢. ٢ سقط من "ب". ٣ في "ب": "فحفف". ٤ في "ب": "فصحت". ٥ في "ب": "الأول". ٦ المقتضب ١/ ١٣٠. ٧ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١١٤.
[ ٢ / ٧١٣ ]
على أنه جمع "ثور" [من الحيوان، لا جمع "ثور" من] ١ الأقط، والمخصص أنهم لما قالوا في جمع "ثور" من الحيوان: "ثيران" بقلب الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها حملوا "ثيرة" في جمعه عليه، وليس لـ"ثورة" من الأقط ما يحمل جمعه في القلب عليه. قاله الجاربردي٢.
"وتصحيح الواو إن تحركت في الواحد نحو: طويل، وطوال، وشذ" قياسًا واسعمالا قوله: [من الطويل]
٩٥٨-
تبين لي أن القماءة ذلة وأن أعزاء الرجال طيالها
بإبدال الواو ياء، والقياس: "طوالها" كما رواه القالي.
وفي شرح الكافية٣: وأما الطيال جمع طويل فيمكن أن يجعل من باب جواد وجياد كأنه جمع طائل من طاله إذا فاقه في الطول. انتهى. والقماءة بالمد: القصر.
"قيل: ومنه" أي من شذوذ إعلال الواو المتحركة: " ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ " [ص: ٣١] جمع "صافنة" وهي من الخيل التي تقوم على طرف سنبك يد أو رجل، وهي من الصفات المحمودة في الخيل، لا تكاد تكون إلا في العرب الخلص، " ﴿الْجِيَادُ﴾ " [ص: ٣١] جمع "جواد"، وهو الذي يسرع في جريه، وقيل: الذي يجوز بالركض، وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين الوصفين المحمودين، واقفة وجارية بمعنى: إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعًا خفافًا في جريها، وكان القياس: "الجواد" بالتصحيح، لأن الواو محركة في الواحد. "وقيل": "الجياد" في الآية ليس بشاذ، وإنما هو" جمع: جيد" بتشديد الياء، "لا" جمع "جواد.
والحاصل: أن الواو تصحح إن تحركت في الواحد كـ"طويل، وطوال"، "أو أعلت لامه" أي الواحد بالياء أو بالواو.
_________________
(١) ١ ما بين المعكوفين إضافة من "ب"، "ط". ٢ شرح الشافية ٢/ ٤٥٢.
(٢) البيت لأنيف بن زبان في الحماسة البصرية ١/ ٣٥، وشرح شواهد الشافية ص٣٨٥، ولأثال بن عبدة بن الطبيب في خزانة الأدب ٩/ ٤٨٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٨٦، وشرح الأشموني ٣/ ٨٤٤، وشرح المفصل ٥/ ٤٥، ١٠/ ٨٨، وعيون الأخبار ٤/ ٥٤، واللسان ١١/ ٤١٠ "طول"، والمحتسب ١/ ١٨٤، ومجالس ثعلب ٢/ ٤١٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٨٨، والممتع في التصريف ٢/ ٤٩٧، والمنصف ١/ ٣٤٢، وتاج العروس "طول". ٣ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١١٦.
[ ٢ / ٧١٤ ]
فالأول "كجمع: ريان" نقيض عطشان "فعلان" من "الري"، أصله: "رويان" اجتمع فيه الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
"و" الثاني كجمع "جو" بفتح الجيم "وتشديد الواو"، وهو ما بين السماء والأرض، واسم بلدة باليمامة، "فيقال" في جمعهما: "رواء، وجواء" كـ"رجال" "بتصحيح العين"، وهي الواو، والأصل: "رواي، وجواو"، أبدلت الياء والواو همزة لتطرفهما إثر ألف زائدة، ولا يجوز مع ذلك إعلال عينهما، "لئلا يتوالى إعلالان"، إعلال العين بإبدالها ياء للكسرة قبلها، وإعلال اللام بإبدالها١ همزة لوقوعها طرفًا بعد ألف زائدة نحو: "كساء، ورداء"، فاقتصر على إعلال اللام، [لأنه محل التغيير، وكذلك ما أشبههما مما اعتلت فيه اللام] ٢ بإبدالها همزة، وصححت فيه العين.
"وهذا الموضع"؛ وهو إبدال الياء من الواو إذا وقعت عينًا إلى آخره؛ "ليس محررًا في الخلاصة، ولا في غيرها من كتب الناظم٣، فتأمله"، بل كلامه في الخلاصة في دعوى القياس، وفي نقل السماع يخالفه كلامه في التسهيل٤.
أما في١ دعوى القياس فإن اعتماده هنا على التصحيح قياسًا، لأنه جعله٥ الغالب في كلام العرب، وعادته البناء على الغالب، والقياس عليه، فهو قد ارتضى هنا فيما كان على "فعل" من المصادر المعتلة أن لا يغير، ولا تقلب واواه، وفي التسهيل على خلاف ذلك، لأنه قال٤: تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر الفعل معتل العين، ولم يقل، قبل ألف كما قال ذلك في الجمع، وأفرده بذلك دون المصدر فاقتضى أن "فعلا" تقلب واوه ياء في القياس، لأنه لم يستثنه. وأما في نقل السماع فإنه زعم هنا أن الغالب في كلام العرب تصحيح "فعل" والنادر هو الإعلال، حيث قال:
٩٥٥-
والفعل منه صحيح غالبًا نحو الحول
وجعل في التسهيل٤ التصحيح قليلا، والغالب الإعلال، حيث قال: قد يصحح ما حقه الإعلال من "فعل" مصدرًا أو جمعًا، فأتى بـ"قد" المشعرة بالتقليل على
_________________
(١) ١ سقط من "ب". ٢ سقط ما بينهما من "ب". ٣ في "ب": "النظم". ٤ التسهيل ص٣٠٤. ٥ في "ب": "جعل".
[ ٢ / ٧١٥ ]
عادته إذا أراد تقليل، وقال في شرح الكافية١، ونبه بتصحيح ما وزنه "فعل" كـ"الحول"، على أن [إعلال] ٢ المصدر المذكور مشروط بوجود الألف فيه، حتى يكون على "فعال"، انتهى.
وقد علمت أن الإعلال المذكور يكون في غير "فعال" نحو: "انقاد انقيادا"، والأصل: "انقوادًا". وأطلق "فعالا"، وقد علم أنه إذا كان معتل اللام صحح، نحو: "رواء، وحواء".
المسألة "الرابعة: أن تقع" الواو "طرفًا رابعة فصاعدًا"، لأن ما هي فيه إذ ذاك لا يعدم نظيرًا يستحق الإعلال، فيحمل عليه هو، قاله الشارح٣.
وسواء كانت في فعل، أو اسم "تقول" في الفعل: "عطوت" بمعنى: أخذت، "وزكوت" بمعنى: نميت، بإقرار الواو على صورتها، لأنها ثالثة، "فإذا جئت بالهمزة، أو التضعيف قلت: أعطيت، وزكيت" بإبدال الواو ياء، لأنها صارت رابعة، "وتقول في اسم المفعول" من "أعطيت، وزكيت"، إذا اتصل به علامة تثنية، "معطيان، ومزكيان" بإبدال الواو ياء، وإنما أبدلت في الفعل الماضي المزيد، واسم مفعوله ياء، وإن لم تكن بعد كسرة، لأنهم "حملوا الماضي"، وهو "أعطيت، وزكيت" "على المضارع"، وهو "يعطي ويزكي"، "و" حملوا "اسم المفعول"، وهو "معطيان ومزكيان" "على اسم الفاعل"، وهو "معطيان ومزكيان" بكسر الطاء والكاف، "فإن كلا منهما"، أي من المضارع واسم الفاعل. "قبل آخره كسرة"، وهم يحملون الفرع على أصله كما يحملون الأصل على فرعه.
"وسأل سيبويه" شيخه "الخليل عن وجه إعلال نحو٤: تغازينا، وتداعينا"، والأصل: "تغازونا، وتداعونا"، فأبدلت الواو ياء "مع أن المضارع"، وهو "يتغازي، ويتداعى"، "لا كسر قبل آخره"، حتى يحمل الماضي عليه "فأجاب" الخليل عن سؤال سيبويه٤ "بأن الإعلال"، وهو قلب الواو ياء "ثبت" في "تغازي" وتداعي"، "قبل مجيء التاء في أوله".
"وهو" توجيه حسن وحاصله أنهم أعلوا٥: "غازينا وداعينا، حملا على:
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١١٣. ٢ إضافة من شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١١٣. ٣ شرح ابن الناظم ص٦٠٣. ٤ الكتاب ٤/ ٣٩٣. ٥ في "ب": "أعملوا".
[ ٢ / ٧١٦ ]
يغازي، ويداعي" بكسر ما قبل آخرهما، قبل مجيء التاء. "ثم استصحب" الإعلال "معها"، أي مع التاء كاستصحابه مع هاء التأنيث نحو: "المعطاة"١.
المسألة "الخامسة: أن تلي" الواو "كسرة، وهي"، أي الواو، "ساكنة مفردة" عن مثلها "نحو: ميزان"، أصله: "موزان"، لأنه من الوزن"، "وميقات" أصله: "موقات"، لأنه من "الوقت"، قلبت الواو فيهما ياء لسكونها وانكسار ما قبلها "بخلاف نحو: صوان"، وهو وعاء الشيء، "و: سوار"، لأن الواو فيهما متحركة لا ساكنة، ونحو: "اجلواذ" بالجيم والذال المعجمة، وهو دوام السير مع السرعة، "واعلواط"، بالعين والطاء المهملتين، وهو التعلق بالعنق، يقال: اعلوط بعيره إذا تعلق بعنقه وعلاه، لأن الواو فيهما مشددة لا مفردة. "اجلياذ" شاذ لا يقاس عليه.
قاله في التسهيل٢.
المسألة "السادسة: أن تكون" الواو "لاما لـ"فعلى" بالضم" حال كونها "صفة، نحو: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الصافات: ٦]، وقولك: للمتقين الدرجة العليا"، والأصل: "الدنوى، والعلوى"، لأنهما من "الدنو، والعلو" قلبت الواو فيهما ياء لاستثقال الواو والضمة وعلامة التأنيث في الصفة، فخففت لامها بقلبها ياء، والدليل على صحة كونها صفة؛ جريانها على موصوفها كما مثل، هذا هو الأصل، واستعمالهم لها غير جارية على موصوف مزال عن الأصل، ومعامل معاملته.
"وأما قول الحجازيين": المسافة "القصوى"، بالتصحيح "فشاذ قياسًا٣، فصيح استعمالا، نبه به على الأصل"، وهو الواو، "كما" نبه على الأصل "في" الفعل نحو: "استحوذ، و" في الاسم نحو: "القود" بالتصحيح فيهما، والقياس فيهما: "استحاذ، والقاد" بالإعلال، ولكنه ترك تنبيها على الأصل، وبنو تميم يقولون: "القصيا"، بالإعلال على القياس، "فإن كانت: فعلى" بالضم" اسمًا" أي٤: غير صفة "لم تغير" لامها٤ بإبدالها ياء، بل تقر الواو على أصلها فرقا بين الاسم والصفة، ولم يعكسوا، لأن الاسم أخف٥ من الصفة "كقوله"، وهو ذو الرمة: [من الطويل]
_________________
(١) ١ في "ب": "المعطاة". ٢ التسهيل ص٣٠٠. ٣ انظر الارتشاف ١/ ١٣٤، وشرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٢٢. ٤ سقط من "ب". ٥ في "ب": "أخص".
[ ٢ / ٧١٧ ]
٩٥٩-
أدارًا بحزوى هجت للعين غبرة فماء الهوى يرفض أو يترقرق
بإقرار الواو على حالها في "حزوى" بحاء مهملة مضمومة، وزاي ساكنة: اسم موضع، و"دارًا" منادى بالهمزة، وحقه الضم، لأنه نكرة مقصودة، ولكنه، لما وصف بالجار والمجرور بعده١؛ سوغ نصبه، لأن النكرة المقصودة إذا وصفت ترجح نصبها على ضمها، وفي الحديث: "يا عظيمًا يرجى لكل عظيم"، و"العبرة" بفتح العين: الدمع، و"ماء الهوى" دمعه٢، ولكونه يبعث عليه، أضيف إليه و"يرفض" يسيل بعضه في إثر بعض، و"يترقرق" يبقى في العين متحيرًا يجيء ويذهب.
وما ذكره الموضح من أن لام "فعلى"؛ إذا كانت واوا؛ تبدل ياء في الصفة، وتسلم في الاسم، تبع فيه الناظم.
وقال المرادي٣: أنه مخالف لقول أهل التصريف؛ فإنهم يعكسون، فيبدلونها في الاسم دون الصفة، ويجعلون "حزوى" شاذا.
قال الناظم في بعض كتبه، وما قلته مؤيد بالدليل، وموافق لقول أئمة اللغة.
حكى الأزهري٤ عن الفراء، وعن ابن السكيت أنهما قال: ما كان من النعوت مثل "الدنيا، والعليا" فإنه بالياء، فإنهم يستثقلون الواو مع الضمة أوله، وليس فيه اختلاف، إلا أن أهل الحجاز أظهروا الواو في "القصوى" وبنو تميم قالوا: "القصيا" انتهى.
المسألة "السابعة: أن تلتقي هي"، أي الواو، و"الياء" ويجتمعان٥ "في كلمة" واحدة، "والسابق منهما ساكن متأصل ذاتا وسكون" بالنصب على التمييز، فإذا اجتمعت هذه الشروط، وجب قلب الواو ياء، تقدمت الواو، أو تأخرت، لأنها أثقل من الياء تحصيلا للتخفيف ما أمكن، "ويجب حينئذ"، أي حين إذا قلبت الواو ياء، "إدغام الياء" المنقلبة عن الواو "في الياء" السالمة لاجتماع المثلين.
_________________
(١) البيت لذي الرمة في ديوانه ص٤٥٦، وخزانة الأدب ٢/ ١٩٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٨٨، والكتاب ٢/ ١٩٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٣٦، ٥٧٩، وبلا نسبة في الارتشاف ٣/ ١٢١، وأوضح المسالك ٤/ ٣٨٨، وشرح الأشموني ٢/ ٤٤٥، والمقتضب ٤/ ٣٠٣. ١ سقط من "ب". ٢ في "ب": "دفقه". ٣ شرح المرادي ٦/ ٤٥-٤٦. ٤ تهذيب اللغة ٩/ ٢١٩. ٥ في "ب": "تجمعان".
[ ٢ / ٧١٨ ]
"مثال ذلك فيما تقدمت فيه الياء" على الواو: "سيد، وميت، أصلهما: سيود، وميوت"، لأنهما من "ساد، يسود" اتفاقًا، و"مات، يموت" على إحدى اللغتين، ووزنهما عند المحققين من أهل البصرة، "فيعل" بكسر العين١، وذهب البغداديون إلى أنه "فيعل" بفتح العين كـ"ضيغم، وصيرف" نقل إلى "فيعل" بكسر العين، قالوا: لأنا لم نر في الصحيح ما هو على "فيعل" بالكسر، وهذا ضعيف، لأن المعتل قد يأتي فيه ما لا يأتي في الصحيح، فإنه نوع على انفراده، فيجوز أن يكون هذا بناء مختصًا بالمعتل كاختصاص جمع "فاعل" منه بـ"فعلة"، كـ"قضاة، ورماة"، ولو كان "سيد: فيعلا"، بالفتح لقالوا: "سيد" بالفتح.
"ومثاله فيما تقدمت فيه الواو" على الياء "طي، ولي" بالتشديد "مصدرًا: طويت ولويت، وأصلهما، طوي ولوي"، بفتح أولهما وسكون ثانيهما، قلبت، الواو منهما٢ ياء وأدغمت في الياء.
"ويجب التصحيح" في الواو "إن كانا"، أي الياء والواو، "من كلمتين، نحو: يدعو ياسر"٣ بتقديم الواو على الياء، "و: يرمي واعد"، بتقديم الياء على الواو، "أو كان السابق منهما"، أي من الواو والياء، "متحركًا، نحو: طويل". بتحريك الواو بالكسر، "و: غيور"، بتحريك الياء بالضم، "أو" كان السابق "عارض الذات" جوازًا، وهو ثلاثة أنواع: المبدل عن ألف نحو: "سوير"، والمبدل عن ياء كما إذا بنيت من "البيع" موازن "بيطر"، قلت: "بيع" ثم بنيته لما لم يسم فاعله، فقلت: "بويع"، والمبدل عن همزة "نحو: روية"، بضم الراء وفتح الياء المثناة تحت مخفف٤ "رؤية" بالهمزة فجميع ذلك لا إبدال فيه، ولا إدغام لعروض الحرف الأول بخلاف "أويم"، مخفف "أأيم"، وهو مثال "أبلم"، من "الأيمة"، أبدلت الهمزة الثانية واوًا لانضمام التي قبلها، فصار "أويم"، وهذا الإبدال واجب، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، فصار "أيم"، وهذا الإبدال [والإدغام واجب، لأن الواو عارضة الذات وجوبًا، إذ أصلها الهمزة، فإن العروض الذي يحمي عن الإبدال، إنما] ٥ هو
_________________
(١) ١ انظر الإنصاف ٢/ ٨٩٦، المسألة رقم ١١٥. ٢ سقط من "ب". ٣ في "ب": "بالشر". ٤ في "ب": "مخففة". ٥ سقط ما بين المعكوفين من "ب".
[ ٢ / ٧١٩ ]
المعروض الجائز، لا الواجب، "أو" كان السابق منهما "عارض السكون نحو: قوي"، بسكون الواو، "فإن أصله الكسر"، لأنه فعل ماض، "ثم إنه سكن للتخفيف، كما يقال في: علم"، بكسر اللام: "علم" بسكونها، وأجاز بعضهم: "قي" بالإدغام بعد القلب.
"وشذ عما ذكرنا ثلاثة أنواع:
نوع أعل ولم يستوف الشروط كقراءة بعضهم: "إن كنتم للرُّيَّا تعبرون" [يوسف: ٤٣]، بالإبدال والإدغام"١ مع أن الواو عارضة الذات٢، لأنها مخففة من الهمزة سمع الكسائي هذه القراءة٣، وحكى ذلك، وقال ابن مالك في شرح الكافية٤: وحكى بعضهم اطراده على لغة.
"ونوع صحح مع استيفائها"، أي الشروط، "نحو: ضيون" بفتح الضاد المعجمة وسكون الياء، وهو السنور الذكر، وإنما لم يدغم لأنه اسم موضوع، وليس على وجه الفعل، قاله الجوهري٥، "وأيوم" بفتح الهمزة وسكون الياء على زنة "أفعل"، لأنهم يقولون؛ إذا كانوا في يوم حصل لهم فيه شدة: يوم أيوم، أي كثير الشدة "وعوى" بفتح الواو "الكلب عوية": نبح، "ورجاء"، بالجيم والمد، "ابن حيوة"، بفتح الحاء وسكون الياء، قال في الصحاح٦: وإنما لم يدغم "حيوة" لأنه اسم رجل ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.
"ونوع أبدل فيه لياء واوًا، وأدغمت الواو فيها" على عكس القاعدة "نحو": عوى الكلب "عوة"، والقياس: "عية"، و"نهو" بضم النون والهاء وتشديد الواو، "عن المنكر" والقياس: "نهي" لأن أصله "نهوي"، لأنه "فعول" من "النهي".
"واطرد في تصغير ما يكسر على: مفاعل" من محرك الواو "نحو: جدول"، وجداول "وأسود" اسمًا "للحية" وأساود "الإعلال والتصحيح". فاعل
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي: ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ والقراءة المستشهد بها قرأها أبو عمرو والأزرق وأبو جعفر، انظر الإتحاف ص٢٦٥، وهي من شواهد شرح ابن الناظم ص٦٠٧. ٢ سقط من "ب". ٣ الارتشاف ١/ ١٤٢. ٣ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٢٤. ٥ الصحاح "ضون". ٦ الصحاح "حيا".
[ ٢ / ٧٢٠ ]
"اطرد" فتقول في تصغير "جدول، وأسود: جديول، وأسيود"، بالتصحيح، و"جديل، وأسيد"، بالإعلال، أما الإعلال؛ وهو الأرجح؛ فهو جار مجرى "سيد، وميت" على القياس، وما التصحيح فلأنك أجريت هذه الياء مجرى ألف "جداول، وأساود" لأنه كل واحد من ياء التصغير وألف التكسير جيء به المعنى، فلو كان "أسود" صفة تعين فيه الإعلال، لأنه لم يجمع على "أساود" قاله الشارح١.
واحترزنا بقولنا، من محرك الواو من نحو: "عجوز، وعمود" فإنهما؛ وإن كسرا على "مفاعل"؛ فالإعلال واجب في مصغرهما، تقول٢: "عجيز، وعميد"، ولا يجوز الصتحيح، والفرق قوة المحرك وضعف الساكن، وعدم الاعتداد بحركة التصغير لعروضها. قاله ابن إياز.
المسألة "الثامنة: أن تكون" الواو "لام مفعول" الفعل "الذي ماضيه على "فعل" بكسر العين"، سواء في ذلك المتعدي واللازم. فالأول "نحو: رضيه؛ فهو: مرضي، و" الثاني نحو: "قوي على زيد، فهو: مقوي"، والأصل فيهما: "مرضوء، ومقوو" بواوين، بعد العين، أولهما واو مفعول، وثانيهما لامه، قلبت لامه ياء حملا للاسم على الفعل، فإنه إذ ذاك واجب الإعلال، إذا الحرف الذي قبل الآخر مكسور، فصارا "مرضويا، ومقوويا" فاجتمع فيهما الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وأبدلت الضمة كسرة لتسلم الياء من القلب واوًا، "وشذت قراءة بعضهم": "رَاضِيَةً "مرضوة"" [الفجر: ٢٨] بالتصحيح، وجعله في التسهيل٣ مرجوحًا.
"فإن كانت عين الفعل مفتوحة وجب التصحيح نحو: مغزو، ومدعو" والأصل: "مغزوو، ومدعوو"، بواوين، واوا "مفعول" ولام الكلمة، فأدغمت الأولى في الثانية لاجتماع المثلين، "والإعلال شاذ كقوله" وهو عبد يغوث الحارثي: [من الطويل]
٩٦٠-
ولقد علمت عرسي مليكة إنني أنا الليث معديا علي وعاديا
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٦٠٩. ٢ سقط من "ب". ٣ التسهيل ص٣٠٩.
(٢) البيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي في خزانة الأدب ٢/ ١٠١، والاقتضاب ص٧٧٨، ٧٩١، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٩١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٣٢، وشرح اختيارت المفصل ص٧٧١، =
[ ٢ / ٧٢١ ]
فأعل "معديا"، وأصله: "معدوو"، وعرس الرجل زوجه، و"مليكة" بالتصغير: اسمها، وأنشده المازني "معدوا" بالتصحيح، وأنشده غيره بالإغلال، وإلى جوازهما أشار الناظم بقوله:
٩٨٣-
وصحح المفعول من نحو عدا وأعلل إن لم تتحر الأجودا
فالتصحيح حملا على فعل الفاعل، والإعلال، حملا على فعل المفعول، والتصحيح أولى، لأن الحمل على فعل الفاعل أولى.
المسألة "التاسعة: أن تكون" الواو "لام: فعول" بضم الفاء "جمعًا، نحو: عصا وعصي، وقفى وقفي، ودلو ودلي"، والأصل: "عصوو، وقفوو، ودلوو"، فاستثقلوا اجتماع واوين في الجمع، فقلبوا الواو الأخيرة ياء، ثم أعلت الأولى بالقلب ياء، والإدغام، وكسر ما قبل الياء لتصحح، "والتصحيح شاذ، قالوا: أبو وأخو" جمعين لـ"أب، وأخ" حكاهما ابن الأعرابي، "ونحو" بحاء مهملة، "جمعا لـ: نحو، وهو الجهة". حكى سيبويه١ عن بعض الأعراب، إنكم لتنظرون في نحو كثيرة، "ونجو؛ بالجيم؛ جمعًا لـ: نجو؛ وهو السحاب الذي هراق ماءه، وبهو"، فتح الموحدة وسكون الهاء، "وهو المصدر، و" جمعه "بهو" حكاه أبو حاتم عن أبي زيد، والجموع المذكورة، مضمومة الأول والثاني، والأصل فيها: "أبوو، وأخوو، ونحوو، ونجوو، وبهوو"، بواوين، أدغمت أولاهما في الثانية.
"فإن كان: فعول؛ مفردًا وجب التصحيح، نحو: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]، و﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣]، وتقول: نما المال نموا"، إذا زاد، "وسما زيد سموا" إذا علا، وجميع هذه الأمثلة مصادر مفردة مضمومة الأول والثاني، والأصل فيها: "عتوو، وعلوو، ونموو، وسموو"، بواوين أدغمت أولاهما في الثانية.
_________________
(١) = والمفضليات ص٧١، وشرح الكاتب للجواليقي ص٣٩٥، والكتاب ٤/ ٣٨٥، ولسان العرب ٥/ ٢١٩، "نظر" ١٥/ ٣٤ "عدا"، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨٩، وبلا نسبة في أدب الكاتب ٥٦٩، وأمالي ابن الحاجب ص٣٣١، وأوضح المسالك ٤/ ٣٩٠، وشرح الأشموني ٣/ ٨٦٧، وشرح شافية ابن الحاجب ص١٧٢، وشرح شواهد الشافية ص٤٠٠، وشرح المرادي ٦/ ٧١، وشرح المفصل ٥/ ٣٦، ١٠/ ٢٢، ١١٠، واللسان ٦/ ١١٥، "شمس" ١٤/ ١٤٨ "جفا" والمحتسب ٢/ ٢٠٧، والمقرب ٢/ ١٨٧، والممتع في التصريف ٢/ ٥٥٠، والمنصف ١/ ١١٨، ٢/ ١٢٢. ١ الكتاب ٤/ ٣٨٤.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
"وقد يعل" بقلب الواوم الأخيرة ياء، وإعلال الأولى كإعلال "طي"، "نحو: عتا الشيخ عتيا" إذا تكبر، "وقسا قلبه قسيا" والذي في النظم يقتضي التسوية بين الجمع والمفرد، فإنه قال:
٩٨٤-
كذاك ذا وجهين جا الفعول من ذي الواو لام جمع أو فرد يعن
إلا أن الإعلال في الجمع أولى لثقله، والتصحيح في المفرد أولى لخفته.
المسألة "العاشرة: أن تكون" الواو "عينًا لـ: فعل" بضم الفاء وتشديد العين، حال كونه" جمعًا صحيح اللام كـ: صيم" جمع "صائم"، و"نيم" جمع "نائم"، وعينهما واو، وأصلهما: "صوم، ونوم" فاجتمع في الجمع واوان وضمة، فكأنه اجتمع ثلاث واوات مع ثقل الجمع، فعدل إلى التخفيف بقلب الواوين ياءين؛ لأن الياءين أخف من الواوين، "والأكثر فيه التصحيح" على الأصل، "تقول: صوم، ونوم" والكثير الشائع الإعلال وإليه يشير قول الناظم:
٩٨٥-
وشاع نحو نيم في نوم
"ويجب" التصحيح "إن اعتلت اللام لئلا يتوالى إعلالان"، إعلال العين، وإعلال اللام، "وذلك كـ: شوي، وغوي" بإعجام أولهما، وضمه، وتشديد ثانيهما، "جمع: شاو، وغاو" اسمي فاعل من "شوى يشوي، وغوى يغوي"، والأفصح في الماضي فتح الواو لا كسرها، وفي المضارع بالعكس، والأصل في الجمع: "شوي، وغوي" فأعلت اللام بقلبها ألفًا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ثم بحذفها لالتقاء الساكنين، فلو أعلت العين بقلبها ياء، لتوالى على الكلمة إعلالان، وذلك مستكره عندهم. "أو فصلت من العين" عطف على قوله: اعتلت، أي: ويجب التصحيح إن فصلت اللام من العين بألف "نحو: صوام، ونوام، لبعدها" أي العين، "حينئذ" أي حين إذ فصلت بألف "من الطرف، وشذ قوله"، وهو أبو النجم الكلابي: [من الطويل]
٩٦١-
ألا طرقتنا مية ابنة منذر فما أرق النيام إلا كلامها
والقياس: النوام بالتصحيح، وإليه أشار الناظم بقوله:
٩٨٥-
ونحو نيام شذوذه نمي
أي: روي.
_________________
(١) البيت لأبي النجم الكلابي في المقاصد النحوية ٤/ ٥٧٨، وهو لذي الرمة في ديوانه ١٠٠٣، وخزانة الأدب ٣/ ٤١٩، ٤٢٠، وشرح شواهد الشافية ص٣٨١، وشرح المفصل ١٠/ ٩٣، والمنصف ٢/ ٥، ٤٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٣٩١، وشرح ابن الناظم ص٦٤١، وشرح الأشموني ٣/ ٨٧٠، واللسان ١٢/ ٥٩٦ "نوم" والممتع في التصريف ٢/ ٤٩٨، ويروى "سلامها" مكان "كلامها".
[ ٢ / ٧٢٣ ]
فصل في إبدال الواوين من أختيها الألف والياء:
"أما إبدالها من الألف ففي مسألة واحدة، وهي أن ينضم ما قبلها" سواء أكانت في فعل أم في اسم، فالأول "نحو: بويع، و: ضورب" مبنيين للمفعول وأصلهما قبل البناء للمفعول: "بايع، وضارب" فلما بنيتهما للمفعول ضممت أولهما، فتعذر١ بقاء الألف بعد ضمة، لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، فقلبت الألف واوا لمجانسة حركة ما قبلها، "وفي التنزيل: ﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ " [الأعراف: ٢٠] نحو٢: "ضويرب"، مصغر "ضارب". إن لم تكن الألف ثانية منقلبة عن ياء نحو "ناب"، وهو السن، فإنها حنيئذ٢ ترجع إلى أصلها، وهو الياء، فتقول: "نييب".
"وأما إبدالها"، أي الواو، "من الياء ففي أربع مسائل:
إحداها: أن تكون" الياء "ساكنة مفردة" عن مثلها "في غير جمع"، سواء كانت في اسم. أم فعل، فالأول "نحو: موقن، و: موسر" أصلهما "ميقن، وميسر"، اسمي فاعل من "اليقين، واليسر" أبدلت الياء فيهما واوًا لوقوعها بعد ضمة، والثاني نحو: "يوقن، ويوسر".
"ويجب سلامتها" من الإبدال، "إن تحركت"، لأنها تعاصت بالحركة عن الإبدال "نحو: هيام"٣ [بضم الهاء، وتخفيف الياء] ٤. قال الجوهري٥، هو أشد العطش، والهيام كالجنون من العشق، والهيام داء يأخذ الإبل، فتهيم في الأرض، ولا ترعى.
_________________
(١) ١ في "ب": "فتقدر". ٢ سقط من "ب". ٣ قال ابن الناظم في شرحه ص٦٠٤، "ولو تحركت الياء قويت على الضمة ولم تعل غالبًا نحو: هيام". وانظر شرح ابن عقيل ٢/ ٥٦١. ٤ إضافة من "ب"، "ط". ٥ الصحاح "هيم".
[ ٢ / ٧٢٤ ]
"أو أدغمت" الياء في مثلها "كـ: حيض" جمع: حائض، فلا تبدل الياء فيه واوًا لأن المدغم والمدغم فيه بمنزلة حرف واحد، يرتفع اللسان بهما دفعة واحدة، ولذلك يجوز الجمع بين ساكنين، إذا كان الأول حرف لين والثاني مدغمًا كـ"دابة"، لأن لين الحرف الأول وامتداده كالحركة فيه، والمدغم كالمتحرك، وإذا كان كذلك لم تتسلط الحركة على قلبها واوًا، وهذا المثال خارج أيضا بقوله: في غير جمع، لأن "حيضًا"١ جمع، والمثال الجيد أن تبنى من "البيع" مثل "حياض"، فتقول "بياع"، ولا تعل لما ذكرنا.
"أو كانت" الياء المفردة "في جمع، ويجب في هذه" المسألة "قلب الضمة" الواقعة قبل الياء المفردة في الجمع "كسرة" لثقل الضمة والياء والجمع، وذلك "كـ: هيم" جمع "أهيم، وهيماء"، "وبيض"، جمع "أبيض، وبيضاء" "في جمع أفعل، وفعلاء" وغيرهما كـ"عيط" جمع "عائط" على حد قولهم: "بازل، وبزل"، و"العائط" بمهملتين: [الناقة] ٢ التي لا تحمل، ويجمع على "عيط، وعوط".
المسألة "الثانية: أن تقع" الياء "بعد ضمة، وهي إما لام فعل كـ: نهو الرجل، وقضو" بفتح أولهما، وضم ثانيهما، إذا تعجبت من عقله وقضائه. "بمعنى: ما أنهاه، أي: ما أعقله"، والنهية، العقل، "وما أقضاه" أي: ما أحكمه، والقضاء، الحكم، والأصل: "نهي، وقضي" من "نهيت، وقضيت" فأبدلت الياء فيهما واوا لوقوعها بعد ضمة.
"أو لام اسم مختوم بتاء" للتأنيث، "بنيت الكلمة عليها" من أول الأمر، ولم يسبق لها حذف. "كأن تبني من: الرمي"، اسمًا مختومًا بالتاء "مثل: مقدرة" بفتح الميم وسكون القاف وضم الدال. "فإنك تقول: مرموة"، بالواو، والأصل "مرمية"، أبدلت الياء واوًا لوقوعها بعد ضمة.
"بخلاف" ما إذا أدخلت التاء بعد بناء الكلمة، فيجب قلب الضمة كسرة لتسلم الياء "نحو: توانى توانية، فإن أصله قبل دخول التاء "توانيًا" بالضم للنون"، لأنه من باب "التفاعل"، فإن "توانى توانيًا"، "كـ: تكاسل تكاسلا" بضم السين "فأبدلت ضمته"، أي ضمة النون "كسرة، لتسلم الياء من القلب" واوا، "ثم طرأت التاء لإفادة الوحدة" بعد الإعلال، "وبقي الإعلال"، وهو إبدال الضمة كسرة،
_________________
(١) ١ في "ط": "حيض". ٢ إضافة من "ط".
[ ٢ / ٧٢٥ ]
"بحاله" على ما كان عليه، ولم يتغير الحكم بإعادة الضمة إلى أصلها، وإبدال الياء واوًا، لأن ذلك يؤدي إلى وقوع اسم معرب، في آخره واو، قبلها ضمة لازمة، لأن التاء العارضة في حكم الانفصال، فلا يعتد بها.
"أو لام اسم مختوم بالألف والنون" الزائدتين، "كأن تبني من: الرمي" اسمًا "على وزن سبعًا"، بفتح السين المهملة وضم الياء الموحدة، "اسم الموضع الذي يقول فيه" خلف "بن الأحمر"، بل تميم بن أبي مقبل على الصحيح: [من الطويل]
٩٦٢-
ألا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلى الملوان
وهما الليل والنهار. "فإنك تقول: رموان"، بضم الميم، والأصل: "رميان" فأبدلت الياء، واوًا لوقوعها بعد ضمة، ولك أن تقول إذا بني من "الغزو" مثل: "ظربان"، فإنه يقال: "غزيان"، فيعطى ما قبل الألف والنون حكم ما وقع آخرًا محضًا كـ"رضي"، ومقتضى هذا أن لا يقال في مثل "سبعان" من "الرمي": "رموان"، لأنه لا يجوز أن يقال في مثل "عضد" من "الرمي": "رمو" لأنه ليس لنا اسم متمكن، آخره واوًا لازمة بعد ضمة، بل يجب أن يقلب الضمة كسرة لتسلم الياء فتقول: "رم" فلذا يجب أن يقال: "رميان" بإعلال الحركة دون الحرف. قاله الموضح في الحواشي.
المسألة "الثالثة: أن تكون" الياء "لامًا لـ: فعلى، بفتح الفاء اسمًا لا صفة، نحو: تقوى، وشروى"، بالشين المعجمة، بمعنى: المثل يقال لك: [وشروه] ١، أي مثله، حكاه ابن جني في شرح غريب تصريف المازني، "و: فتوى" بالفاء المثناة الفوقانية: والأصل: "تقيى، وشريى، وفتيى"، لأنها من "تقيت، وشريت، وفتيت"، أبدلت الياء فيهن واوًا فرقًا بين الاسم والصفة، وخصوا الاسم بالإعلال لأنه أخف من الصفة، فكان أحمل للثقل.
"قال الناظم" في شرح الكافية٢، "وابنه" في شرح الخلاصة٣: "وشذ: سعيى" اسمًا "لمكان" بعينه، "وريا" اسمًا "للرائحة، وطغيى" اسمًا "لولد البقرة الوحشية، انتهى" كلامهما في الشرحين المذكورين، وفيه نظر.
_________________
(١) تقدم تخريج البيت برقم ٢٧، ٩١٩. ١ إضافة من "ط". ٢ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٢١. ٣ شرح ابن الناظم ص٦٠٦.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
"فأما الأول" وهو "سعي" من "السعي"، "فيحتمل أنه منقول من صفة كـ: خزيا، وصديا، مؤنثي: خزيان، وصديان"، واستصحب التصحيح بعد جعله اسمًا، كما أوله الفارسي.
"وأما الثاني" وهو "ريا" من "الري" "فقال النحويون" سيبويه وغيره: "ريا" "صفة، غلبت عليها الاسمية" وليس بشاذ، "والأصل: رائحة ريا، أي: مملوءة طيبًا".
"وأما الثالث" وهو "طغي" من "الطغيان"، "فالأكثر فيه ضم الطاء"، فلعلهم استصحبوا التصحيح، حين فتحوا للتخفيف"، كذا تعقبوه، وتبعهم الموضح، ثم قال في الحواشي، وظهر لي بعد أن مراده شذوذ الاستعمال، فإني قرأت بخطه حاشية هنا إبدال الواو من الياء لامًا لـ"فعلى" لا يقاس عليه لانتفاء السبب، واستلزام مزيد الثقل. انتهى، و"طغيى" بإعجام الغين، ورواة ضبطه مختلفة، فقال الأصمعي: يروى بضم الطاء على مثال "حبلى"، وقال أحمد بن يحيى: بفتح الطاء على مثال "سكرى"، وقال أبو عبيدة: بفتح الطاء والتنوين، قاله ابن السيد.
المسألة: "الرابعة: أن تكون" الياء المضموم ما قبلها "عينًا لـ: فعلى، بالضم" في الفاء "اسمًا كـ: طوبى" بمعنى "طيب" "مصدرًا لـ: طاب" يطيب، "أو اسمًا للجنة". بالجيم، ومنه "شجرة طوبى"، "أو صفة جارية مجرى الأسماء" في عدم جريانها على موصوف، وإيلائها العوامل، "وهي: فعلى أفعل، كـ: الطوبى، والكوسى، والخورى"، بالخاء المعجمة والراء المهملة، "مؤنثات: أطيب، وأكيس، وأخير"، أسماء تفضيل جارية مجرى الأسماء الجامدة. "والذي يدل على أنها جارية مجرى الأسماء" الجامدة "أن: أفعل، التفضيل يجمع على: أفاعل، فيقال" في جمع "الأفضل، والأكبر"، "الأفاضل، والأكابر كما يقال في جمع: أفكل" هو اسم جامد للرعدة "أفاكل"، والأصل: "الطيبى، والكيسى، والخيرى" بضم أولها، أبدلت الياء واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها.
"فإن كانت: فعلى" بالضم "صفة محضة"، أي جارية على موصوف "وجب قلب ضمته كسرة" لتسلم الياء من القلب واوًا فرقًا بين الصفة والاسم، "ولم يسمع من ذلك إلا" كلمتان: " ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ " [النجم: ٢٢] بالضاد والزاي المعجمتين، "أي جائرة"، بالجيم والراء المهملة، من قولهم: ضازه يضيزه، إذا بخسه
[ ٢ / ٧٢٧ ]
حقه، وجاز عليه فيه، "ومشية"، بكسر الميم، "حيكى"، بالحاء المهملة "أي يتحرك فيها المنكبان"، يقال: حاك في مشيه، إذا حرك منكبيه، وأصلهما: "ضيزى، وحيكى" بضم أولهما، فأبدلت الضمة كسرة، لتصح الياء على حد قولهم في جمع أبيض: بيض، "هذا كلام النحويين، وقال الناظم" في النظم:
٩٦٣-
وإن يكن عينا لفعلى وصفا فذاك بالوجهين عنهم يلفى
"و" قال "ابنه" في شرحه١: "يجوز في عين: فعلى، صفة أن تسلم الضمة، فتقلب الياء واوًا، وأن تبدل الضمة كسرة، فتسلم الياء" من القلب، "فتقول: الطوبى، والطيبى، والكوسى، والكيسى، والضوقى والضيقى" ترديدًا بين حمله على مذكره تارة، وبين رعاية الزنة أخرى. انتهى. مخالفة لكلام النحويين، سيبويه٢ وأتباعه من وجهين:
أحدهما: أن الناظم وابنه أجازا في "فعلى" وصفًا وجهين٣، والنحويون جزموا بأحدهما، فقالوا: تقلب ياء "فعلى" اسمًا واوًا كـ"طوبى، وكوسى"، ولا تقلب في الصفة، ولكن يكسر ما قبلها، فتسلم الياء كقولهم: "قسمة ضيزى، ومشية حيكى".
والوجه الثاني: أنهم ذكروا أنثى "الأفعل" في باب الأسماء فحكموا لها بحكم الأسماء في إقرار الضمة، وقلب الياء واوًا، وذكرها الناظم في باب الصفات٤، وأجاز فيها الوجهين، ونص على أن الوجهين مسموعان من العرب، وقال الشلوبين: لم يجئ من هذا مقلوبًا إلا "فعلى، أفعل".
_________________
(١) ١ شرح ابن الناظم ص٦٠٥. ٢ في "ب": "وابنه". ٣ انظر شرح ابن الناظم ص٦٠٥. ٤ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٢٠.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
فصل في إبدال الألف من أختيها الواو والياء:
في الأسماء والأفعال "وذلك" الإبدال "مشروط بعشرة شروط" مذكورة في النظم:
"الأول أن يتحركا"، أي الواو والياء، وإليه الإشارة بقوله:
٩٦٨-
بتحريك
"فلذلك" الشرط؛ وهو التحريك؛ "صحتا في: القول، و: البيع" مصدري "قال، وباع" لسكونهما.
"و" الشرط الثاني: أن تكون حركتهما أصلية"، وهو المشار إليه بقوله:
٩٦٨-
أصل
"فلذلك" الشرط؛ وهو أصالة الحركة؛ "صحتا في: جيل، وتوم"، بفتح أولهما وثانيهما حال كونهما "مخففي: جيأل"، بفتح الجيم وسكون الياء المثناة التحتانية وفتح الهمزة، بعدها لام: اسمًا للضبع، "وتوءم" بفتح التاء المثناة فوق وسكون الواو وفتح الهمزة: وهو الولد، يولد معه آخر في بطن واحد، ويقال لهما: "توءمان"، ولم يعلا لعروض الحركة.
"و" الشرط "الثالث: أن ينفتح ما قبلهما"، [وهو المشار إليه بقوله] ١:
٩٦٨
بعد فتح متصل
"ولذلك صحتا في: العوض، والجيل، والسور"، لأن الكسرة في الأولين، والضمة في الثالث: لا يجانسان الألف.
"و" الشرط "الرابع: أن تكون الفتحة متصلة"، وهو المشار إليه بقوله:
٩٦٨-
متصل
"أي في كلمتهما٢، ولذلك صحتا في: ضرب واحد، وضرب ياسر"، لأن الفتحة في كلمة، والواو والياء في كلمة أخرى.
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ في "ب": "كلمتيهما".
[ ٢ / ٧٢٩ ]
"و" الشرط "الخامس، أن يتحرك ما بعدهما، إن كانتا عينين، وألا يليهما ألف. ولا ياء مشددة، إن كانتا لامين"، وهو المشار إليه بقوله:
٩٦٩-
إن حرك الثاني وإن سكن كف إعلال غير اللام وهي لا يكف
٩٧٠-
إعلالها بساكن غير ألف أو ياء التشديد فيها قد ألف
"ولذلك صحت العين في: بيان، وطويل، وخورنق"، اسم قصر بالعراق، لسكون ما بعدها، وهو الألف في "بيان"، والياء في "طويل"، والواو في "خورنق". "و" صحت "اللام في: رميا، وغزوا"، في الأفعال، "و: فتيان، وعصوان"، في الأسماء لسكون الألف، "و: علوي، وفتوي"، لسكون أول ياءي النسب. لأنهم لو أعلوا قبل الألف. لاجتمع ساكنان، فيحذف أحدهما، فيصير اللفظ "رمى، وغزا"، فيلتبس المثنى بالمفرد، وأما نحو: "فتيان، وعصوان"، فمحمول عليه، وأما نحو: "علوي، وفتوي"؛ فلا يبدل واوه ألف، لأنه يؤدي إلى التسلسل، لأن ياء النسب تستوجب قلب الألف واوًا، فلو كان تحريك الواو، وانفتاح ما قبلها يوجب قلبها ألفًا، لكنا لا نزال في قلب إلى الألف، وقلب إلى الواو.
"وأعلت العين في: قام، وباع"، من الأفعال، "وباب، وناب"، من الأسماء "لتحرك ما بعدها، و" أعلت "اللام في: غزا، ودعا" من الواوي، "ورمى، وبكى"، من اليائي، "إذ ليس بعدهما ألف ولا ياء مشددة، وكذلك" تعل إذا وليت غير الألف والياء المشددة من السواكن كما في "يخشون ويمحون، وأصلهما، يخشيون، ويمحوون فقلبتا"، أي الياء في "يخشيون"، والواو في "يمحوون" "ألفين" لتحركهما وانفتاح ما قبلهما "ثم حذفتا"، أي الألفان "للساكنين"، وهما الألف وواو الجماعة١، وما مثل به من "يمحون" بالواو المفتوح ما قبلها تبع فيه ابن مالك في شرح الكافية٢، ولم يثبت لغة إلا أن يقرأ بالبناء للمفعول.
"و" الشرط "السادس: ألا تكون إحداهما"، أي الواو والياء، "عينًا لـ: فعل"، بكسر العين، "الذي الوصف ممنه على: أفعل، نحو: هيف، فهو: أهيف"، من الصفات المحمودة، "وعور، فهو: أعور" من الصفات المذمومة، واحترز بقوله: "الذي الوصف منه على "أفعل" من نحو: "خاف" فإنه، وإن كان مكسور العين، فالوصف منه على "فاعل" نحو: "خائف".
_________________
(١) ١ شرح ابن لناظم ص٦٠٨. ٢ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٢٧.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
"و" الشرط "السابع: ألا تكون" إحدى الواو والياء "عينًا لمصدر هذا الفعل" الذي الوصف منه على "أفعل" "كـ: الهيف" بفتحتين، وهو ضمور البطن ورقة الخصر، "والعور" بفتحتين، وهو فقد إحدى العينين، وإلى هذين أشار الناظم بقوله:
٩٧١-
وصح عين فعل وفعلا ذا أفعل كأغيد وأحولا
وإنما لزم تصحيح الفعل المذكور حملا على "أفعل" لموافقته له في المعنى في اختصاص كل منهما بالخلق والألوان نحو: "اعور، واحول"، وحمل المصدر على فعله.
"و" الشرط "الثامن: ألا تكون الواو عينًا لـ: افتعل، الدال على معنى التفاعل، أي التشارك في الفاعلية، والمفعولية نحو: اجتوروا"، بالجيم. من: "المجاورة"، "واشتوروا"، بالشين المعجمة، من: "المشاورة" لأن حركة التاء في حكم السكون، "فإنه في معنى: تجاوروا، وتشاوروا"، فإن لم يدل على التفاعل وجب إعلاله مطلقًا نحو: "اختان، بمعنى "خان"، و"اختار" بمعنى "خار". "فأما الياء فلا يشترط فيها ذلك". وهو الدلالة على التفاعل، فتعل "لقربها من الألف" في المخرج. "ولهذا أعلت في: استافوا، مع أن معناه: تسايفوا"، أي تضاربوا بالسيوف، لأن الياء أشبه بالألف من الواو، فكانت أحق بالإعلال منها، وإلى هذا الشرط أشار الناظم بقوله:
٩٧٢-
وإن يبن تفاعل من افتعل والعين واو سلمت ولم تعل
"و" الشرط "التاسع: ألا تكون إحداهما"، أي الواو والياء "متلوة بحرف يستحق هذا الإعلال"، وهو القلب ألفًا، "فإن كانت" إحداهما "كذلك"، أي متلوة بحرف يستحق هذا الإعلال، "صحت" الأولى، "وأعلت الثانية نحو: الحيا، والهوى، والحوى" بالحاء المهملة المفتوحة، "مصدر: حوى، إذا اسود"، والأصل فيهن: "الحيى، والهوى، والحوو"، لأنه من "الحوة"، وهي سمرة الشفتين، فقلبت لامهن ألفًا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فلو قلبنا عينهن ألفًا للعلة المذكورة لتوالي إعلالان: إعلال العين، وإعلال اللام، ولزم اجتماع ألفين، فيجب حذف إحداهما لالتقاء الساكنين، ثم تحذف الأخرى لملاقاة التنوين عند التنكير، فيصير الاسم المتمكن على حرف واحد، وهو ممتنع، فاقتصرنا على إعلال اللام، لأن محل التغيير الطرف، والعين تحصنت بوقوعها حشوا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩٧٣-
وإن لحرفين ذا الاعلال استحق صحح أول وعكس قد يحق
[ ٢ / ٧٣١ ]
"وربما عكسوا، فاعلوا الأولى، وصححوا الثانية"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٩٧٣-
وعكس قد يحق
"نحو: آية، في أسهل الأقوال" الستة:
أحدها: أن أصلها: "أيية" بفتح الياء الأولى كـ"قصبة" فالقياس في إعلالها "أياة" فتح العين، وتعل اللام، لكن عكسوا شذوذًا، فأعلوا الياء الأولى لتحركها، وانفتاح ما قبلها دون الثانية، هذا قول الخليل١.
الثاني: أن أصلها: "أيية" بسكون العين كـ"حية"، فأعلت بقلب الياء الأولى ألفًا اكتفاء بشرط العلة، وهو فتح ما قبلها فقط دون تحريكها. قاله الفراء. وعزى لسيبويه٢، واختاره ابن مالك، وقال في التسهيل٣: إنه أسهل الوجوه، لكونه ليس فيه إلا الاجتزاء بشرط العلة، وإذا كانوا قد عولوا عليه فيما لم يجتمع فيه ياءان نحو: "طائي"، وسمع: اللهم تقبل تابتي وصامتي، ففيما اجتمع فيه ياءان أولى، لأنه أثقل.
الثالث: أن أصلها: "آيية" كـ"ضاربة" حذفت العين استثقالا لتوالي ياءين. أولهما مكسور، ولذلك كانت أولى بالحذف من الثانية، ونظيره في الحذف "بالة"، الأصل: "بالية"، قاله الكسائي٣: ورد بأنه كلام يلزم قلب الياء همزة لوقوعها بعد ألف زائدة في قولهم: "آي".
الرابع: أن أصلها: "أيية"٤ بضم الياء الأولى كـ"سمرة" فقلبت العين ألفًا، ورد بأنه إنما كان يجب قلب الضمة كسرة.
الخامس: أن أصلها: "أيية" بكسر الياء الأولى كـ"نبقة" فقلبت الياء الأولى ألفًا، ورد بأن ما كان يجوز فيه الفك والإدغام كـ "حيي، وحي".
السادس: أن أصلها: "أيية" كـ"قصبة" كالأول، إلا أنه أعلت الثانية على القياس فصار "أياة" كـ"حياة، ونواة"، ثم قدمت اللام إلى مواطن العين، فوزنها: "فعلة"٥ "فإن قلت": قد ادعيت أن القول الأول٦ أسهل الأقوال.
_________________
(١) ١ لسان العرب ١٤/ ٦١ "أيا". ٢ الكتاب ٤/ ٣٨٩، انظر الإرتشاف ١/ ١٤٧. ٣ التسهيل ص٣١٠. ٤ الارتشاف ١/ ١٤٧. ٥ في "ب": "فلعلة". ٦ سقط من "ب".
[ ٢ / ٧٣٢ ]
"ولنا أسهل منه"، وهو "قول بعضهم: إنها: فعلة، كـ: نبقة، فإن الإعلال" في الأولى بقلبها ألفًا، وهو "حينئذ على القياس" لأنها محركة١ وقبلها مفتوح وإعلال الثانية ممتنع لعدم انفتاح ما قبلها، "وأما إذا قيل: إن أصلها: آيية، بفتح الياء الأولى، أو: أيية، بسكونها، أو: آيية" على وزن "فاعلة، فإنه يلزم" على كل قوم من هذه الثلاثة محذور.
أما على القول الأول بأن أصلها "أيية" بفتح الياء الأولى فإنه يلزم "إعلال" الحرف "الأول دون الثاني"، وهو شاذ كما تقدم.
"و" أما على القول بأن أصلها: "أيية"، بسكون الياء الأولى فإنه يلزم "إعلال" الحرف "الساكن"، وهو الياء الأولى٢ بقلبها ألفًا، والقاعدة أن علة القلب مركبة من شيئين، تحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يوجد إلا أحدهما.
"و" أما على٢ القول بأن أصلها: "آيية" على وزن٣ "فاعلة" فإنه يلزم "حذف العين"، وهي الياء الأولى "لغير موجب"٤ لحذفها.
والقول الأول، وهو أن أصلها: "أيية" كـ"نبقة" سالم من ذلك. "قلت: ويلزم على" هذا القول "الأول" شيء آخر، وهو "تقديم الإعلال"٤ وهو قلب الياء الأولى ألفًا "على الإدغام"، وهو إدغام الياء في الياء، وذلك أنه اجتمع فيه موجب الإعلال، وهو تحرك الياء الأولى وانفتاح ما قبلها، وموجب الإدغام، وهو اجتماع المثلين، الساكن أولهما، وقدم٥ فيه الإعلال على الإدغام، "والمعروف العكس"، وهو تقديم الإدغام على موجب٢ الإعلال، "بدليل إبدال همزة، ﴿أَئِمَّةً﴾ [التوبة: ١٢]، ياء لا ألفًا، فتأمله".
وجه الدلالة من ذلك أن إبدال الهمزة ياء إنما هو لأجل الإدغام لأنه لما نقل لأجله حركة الميم الأولى للساكن قبلها أعني، الهمزة الثانية قلبت ياء مراعاة لحفظ حركة الحرف المدغم، وإنما قلبت ياء، لأنها من جنس الكسرة٦، فلو بدئ بالإعلال لأبدلت
_________________
(١) ١ في "ب": "متحركة". ٢ سقط من "ب". ٣ في "ب": "زنة". ٤ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٥ في "ب": "تقدم". ٦ قبله في "ب": "الحركة التي هي".
[ ٢ / ٧٣٣ ]
الهمزة الثانية ألفًا لوجود شرطه، فلما أبدلوها ياء بعد النقل، ولم يبدلوها ألفًا قبل ذلك علم أن عنايتهم بموجب الإدغام أهم من عنايتهم بموجب الإعلال، لأنهم إذا كانوا يقدمون ما هو من متعلقات الإدغام على الإعلال، فلأن يقدموا الإدغام على الإعلال من باب أولى. وفي شرح الشافية للجاربردي١: وإنما لم يجئ الإدغام في باب "قوي" مع أن أصله: "قوو"، لأن الإعلال مقدم٢ على الإدغام. وإنما قلنا، الإعلال مقدم٢، لأن سبب الإعلال موجب للإعلال، وسبب الإدغام مجوز٣ للإدغام، ويدل عليه امتناع التصحيح في "رضي" وجواز الفك في "حيي". انتهى.
وفصل بعضهم فقال: إذا اجتمع موجب الإعلال والإدغام فلا يخلو إما أن يكون في العين أو في اللام، فإن كان في العين قدم موجب الإدغام، وإن كان في اللام قدم موجب الإعلال، والعلة في ذلك أن الطرف محل التغيير، فلم يغتفر فيه ذلك، كما اغتفر في العين.
"و" الشرط "العاشر: ألا تكون" إحدى الواو والياء "عينًا لما آخره زيادة تختص بالأسماء"٤ كالألف والنون، وألف التأنيث، وإليه أشار الناظم بقوله:
٩٧٤-
وعين ما آخره قد زيد ما يخص الاسم واجب أن يسلما
"فلذلك صحتا"، أي الواو والياء، "في نحو: الجولان" مصدر "جال يجول بالشيء" إذا طاف به"، "والهيمان" مصدر "هام على وجهه يهيم" إذا ذهب من العشق ونحوه "والصورى"، بفتح الصاد المهملة، والواو والراء المهملة، اسم واد، قاله الصغاني. وقال المرادي٥: اسم ماء وخلا منه الصحاح والقاموس. "والحيدى"، بفتح الحاء المهملة والياء المثناة التحتانية والدال المهملة: المائل، وحمار حيدى أي يعدل عن ظله لنشاطه، لأن الاسم بزيادة الألف والنون، وألف التأنيث يبعد شبهه بما هو الأصل في الإعلال. وهو الفعل.
"وشذ الإعلال في: ماهان، ودران"، والأصل: "موهن، ودوران"، هذا قوله سيبويه٦، والمازني٧، وزعم المبرد٨ أن القياس في ما كان مختومًا بألف ونون
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٢/ ٤٣٢. ٢ في "ب": "تقدم". ٣ في "ب": "يجوز". ٤ في "ب": "تخص الأسماء". ٥ شرح المرادي ٦/ ٥٤. ٦ الكتاب ٤/ ٣٦٣. ٧ التصريف ٢/ ٩. ٨ المقتضب ١/ ٢٦٠.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
الإعلال، وأن "ماهان، وداران"، لا شذوذ فيهما، وأن صحيح "الجولان"، والهيمان" شاذ، لأن الألف والنون لا يخرجا الاسم عن مشابهة الفعل، لكونهما في تقدير الانفصال.
قال الفارسي١: ويؤيده قولهم في "زعفران، وزعيفران"، فبقيا في التصغير، ولم يحذفا.
وقيل: لما صحح "النزوان، والغليان"، وحرف العلة لام، واللام محل التغيير، صحح العين في بعض المواضع كـ"الجولان" إذ العين أولى بالتصحيح من اللام.
وذهب الأخفش٢ إلى أن تصحيح ما فيه ألف التأنيث المقصورة كـ"صورى" شاذ، لا يقاس عليه؛ لأن هذه الألف في آخر الاسم لفظًا كألف اتصلت بفعل٣ دالة على التثنية نحو: "فعلا" فلم تخرجه هذه الزيادة عن٤ صورة "فعل"، ومذهب سيبويه٥ وأتباعه أن تصحيح هذا النوع قياس، لأن ألف التأنيث مختصة٦ بالاسم، فهي كالألف والنون في "الطوفان" ويترتب على القولين ما إذا بنيت من "القول" أو "البيع" اسما على وزن "جمزى"، فعلى قول الأخفش تقول: "قالى، وباعى"، وعلى قول سيبويه تقول: "قولى، وبيعى"، لأن تصحيح نحو: "صورى" عنده قياس٧.
_________________
(١) ١ التكملة ص٢٠٤. ٢ انظر شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٣٤. ٣ في "ب": "بألف" مكان "بفعل". ٤ في "ب": "في". ٥ الكتاب ٤/ ٣٥١. ٦ في "ب": "مخصصة". ٧ الكتاب ٤/ ٣٥١.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
فصل في إبدال التاء المثناة فوق "من الواو والياء" المثناة تحت:
"إذا كانت الواو والياء فاء لـ: الافتعال" غير مبدلتين من همزة "أبدلت" فاء "الافتعال" "تاء" مثناة فوقانية [على اللغة الفصحى] ١، "وأدغمت" التاء "في تاء الافتعال، وفي ما تصرف٢ منها"، أي من صيغة "الافتعال" كالفعل الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول لعسر النطق بحرف اللين الساكن مع التاء لما بينهما من قرب المخرج، ومنافاة الصفة "نحو: اتصل واتعد"، أي قبل الوصل والوعد، ففاؤهما واو، لأنهما "من: الوصل، والوعد" وأصلهما،: "اوتصل، واوتعد"، قلبت الواو تاء مثناة فوقانية، وأدغمت في تاء "الافتعال"، لأن الإدغام يرفع الثقل، ولم تقلب الواو ياء مثناة تحتانية على ما هو مقتضى القياس، لأنها إن قلبت ياء. أو لم تقلب لزم قلبها تاء في هذه اللغة، فالأولى الاكتفاء بإعلال واحد، كذا ذكره ابن الحاجب.
قال التفتازاني، وفيه نظر، لأنه لو قلبت الواو ياء تحتانية، لا يجوز قلب الياء التحتانية فوقانية، لتدغم كما في الياء المنقلبة عن الهمزة. انتهى.
وأجيب بأنه يجوز ههنا للفرق بين المنقلبة عن الواو والمنقلبة عن الهمزة، لأن الهمزة لا تبدل بالتاء بخلاف الواو، "واتسر"، أصله: "ايتسر"، ففاؤه ياء، لأنه "من: اليسر". قلبت ياؤه تاء، وأدغمت في تاء "الافتعال"، لاهتمامهم بالإدغام، لأنه يصير الحرفين كحرف واحد.
"وقال" الأعشى، ميمون بن قيس يهدد علقمة بن علاثة: [من الطويل]
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ في "ب": "تفرق".
[ ٢ / ٧٣٦ ]
٩٦٣-
فإن تتعدني أتعدك بمثلها وسوف أزيد الباقيات القوارضا
أصل "تتعدني، وأتعدك": "توتعدني، وأوتعدك" من "الوعد"، أبدلت الواو تاء، وأدغمت في التاء، والقوارض، جمع قارضة، وهي: الكلمة المؤذية. "وقال" طرفة بن العبد: [من الطويل]
٩٦٤-
فإن القوافي تتلجن موالجا تضايق عنها أن تولجها الإبر
أصل: "تتلجن": "توتلجن" من "الولوج" بالجيم، وهو الدخول، أبدلت الواو تاء وأدغمت في التاء. لما مر. و"الموالج" جمع "مولج" موضع الولوج و"تولجها" تدخلها، و"الأبر" جمع إبراة الخياط. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩٨٦-
ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا
وقيدنا هذه اللغة بقولنا: الفصحى، احترازًا من لغة بعض الحجازيين فإنهم يبدلونها من جنس حركة ما قبلها، فيقولون: "يا تعد، ياتسر، موتعد، موتسر، ايتعاد، ايتسار"، وقيدنا الواو والياء بقولنا: غير مبدلتين من همزة، كما في التسهيل١، احترازًا من نحو: "اؤتمن ائتمانا"، و"ائتزر" وهو المراد بقوله: "وتقول في: افتعل، من "الإزار": ايتزر"، بإبدال الهمزة ياء تحتانية، "ولا يجوز إبدال" هذه "الياء" التحتانية "تاء" فوقانية: "وإدغامها في التاء، لأن هذه الياء" التحتانية "بدل من همزة، وليست" ياء "أصلية" وقول من قال: "اتزر" من "ايتزر" خطأ، قاله التفتازاني، "وشذ قولهم في: افتعل، من: الأكل: اتكل" بتشديد التاء الفوقانية، وإليه أشار الناظم بقوله:
٩٨٦-
وشذ في ذي الهمز نحو اتكلا
وجعله في التسهيل قليلا، فقال٢: وقد تبدل، وهي بدل من الهمزة، قال الموضح
_________________
(١) البيت للأعشى في ديوانه ص٢٠١، وخزانة الأدب ١/ ١٨٤، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٤٧، ولسان العرب ٣/ ٤٦٤ "وعد"؛ وتاج العروس ٩/ ٣٨٠ "وعد" والمقاصد النحوية ٤/ ٥٧٩، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٩٦، وشرح المفصل ١٠/ ٣٧، والممتع في التصريف ٢/ ٣٨٦.
(٢) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص٤٧، والخصائص ١/ ١٤، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٤٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨١، والممتع في التصريف ١/ ٣٨٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٣٩٧، وشرح المفصل ١/ ٣٧، ولسان العرب ٢/ ٤٠٠ "ولج" والارتشاف ٣/ ٢٩٥. ١ التسهيل ص٣١٠. ٢ التسهيل ص٣١٢.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
في حواشيه على التسهيل: مثاله في الواو قول بعضهم: "اتمن"، وفي الياء قول بعضهم: "اتزر"، انتهى.
"وقول الجوهري١ في "اتخذ": إنه "افتعل" من "الأخذ" وهم"، لأنه لو كان من "الأخذ" لوجب أن يقال: "ايتخذ" بغير إدغام، قاله التفتازاني، "وإنما التاء أصل، وهو من: تخذ" بمعنى "أخذ" "كـ: اتبع، من: تبع". قاله الفارسي، وذهب بعضهم إلى أن "اتخذ" مما أبدل فاؤه تاء؛ لأن فيه لغة، وهي "وخذ" بالواو، فالتاء ليست بأصل، وعلى هذا يقال: "اتخذ" كـ"اتعد"، وحكي عن البغداديين، أنهم أجازوا الإبدال في ذي الهمز، وحكوا من ذلك ألفاظا، وهي: "اتزر، واتمن، واتهل، واتكل"، من "الإزار، والأمانة، والأهل، والأكل"، ومنه الحديث: "وإن كان قصيرًا فليتزر به"، كذا في جميع روايات الموطأ٢، وقد تقدم٣.
_________________
(١) ١ الصحاح "أخذ". ٢ الموطأ ١/ ١٤. ٣ تقدم ص٧٠٥ من هذا الجزء.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
فصل في إبدال الطاء:
"تبدل وجوبًا من تاء: الافتعال، الذي فاؤه وصاد، أو ضاد، أو طاء، أو ظاء، وتسمى" هذه الأحرف الأربعة "أحرف الإطباق"، لانطباق اللسان معها على الحنك الأعلى، فينحصر الصوت حينئذ بين اللسان وما حاذاه من الحنك الأعلى، ولم يقل: الحروف المطبقة، لأن هذه التسمية تجوز فيها، لأن المطبق إنما هو اللسان والحنك، وأما الحروف فهو مطبق عنده.
وإنما أبدلت تاء "الافتعال" إثر المطبق تاء لاستثقال اجتماع التاء مع الحرف المطبق لما بينهما من اتفاق المخرج، وتباين الصفة إذ التاء من حروف الهمس، والمطبق من حروف الاستعلاء، فأبدل من التاء حرف استعلاء من مخرج المطبق، واختيرت الطاء لكونها من مخرج التاء، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩٨٧-
طا تا افتعال رد إثر مطبق
"تقول في: افتعل، من: صبر: اصطبر"، وأصله "اصتبر"، قلبت التاء طاء، "ولا تدغم" الصاد في الطاء، "لأن الصفيري"، وهو الصاد، "لا يدغم إلا في" صفيري "مثله"، لئلا يذهب صفيره.
قال المرادي١: وإذا أبدلت بعد الصاد ففيه وجهان:
البيان: فيقال: "اصطبر".
والإدغام بقلب الثاني إلى الأول، فيقال: "اصبر" بصاد مشددة.
قال سيبويه٢: حدثنا هارون أن بعضهم قرأ: "أن يصلحا"٣، يريد: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ [النساء: ١٢٨] . انتهى.
_________________
(١) ١ شرح المرادي ٦/ ٨٢. ٢ الكتاب ٤/ ٤٦٧. ٣ هي قراءة عاصم الجحدري وعثمان البتى. انظر المحتسب ١/ ٢٠١، ومعاني القرآن للأخفش ٢/ ٣٦٦.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
"ومن "ضرب" اضطرب"، والأصل: "اضترب"، أبدلت التاء طاء، "ولا تدغم" الضاد في الطاء، "لأن الضاد" المعجمة "حرف مستطيل"، فإدغامه في غيره يفوت استطالته، وجاء قليلا: "اصلح، واضرب"، بقلب الثاني إلى الأول. ثم الإدغام.
قال التفتازاني، وهذا عكس الإدغام١، فعل رعاية لصفير الصاد، واستطالة الضاد. "ومن "طهر" بالطاء" المهملة؛ "اططهر"، والأصل: "اطتهر"، أبدلت التاء طاء. "ثم يجب الإدغام لاجتماع المثلين". وهما الطاءان، "في كلمة" واحدة "وأولهما ساكن"، ولا مانع من الإدغام، "ومن: ظلم" بالمعجمة. "اظطلم"، بمعجمة فمهملة، والأصل: "اظتلم"، أبدلت التاء طاء، "ثم لك ثلاثة أوجه":
"الإظهار" على الأصل.
"والإدغام مع إبدال الأول"؛ وهو الظاء المعجمة؛ طاء مهملة "من جنس الثاني" على القياس.
"ومع عكسه"، وهو إبدال الثاني؛ وهو الطاء المهملة؛ ظاء معجمة؛ من جنس الأول كما هو عكس القياس، فهذه ثلاثة أوجه. "وقد روي بهن قوله"، وهو زهير بن أبي سلمى، يمدح هرم بن سنان المزني: [من البسيط]
٩٦٥-
هو الجواد الذي يعطيك نائله عفوًا ويظلم أحيانًا فيظلم
روي "فيطلم" بتشديد المهملة، "ويظلم"، بتشديد المعجمة، و"فيظطلم" بالإظهار، وروي فيه وجه رابع، وهو "ينظلم" على زنه "ينقطع"، قاله الجيلي، والمعنى أن هرمًا هو الجواد الذي يعطيك عطاءه عفوًا، أي بسهولة ولا يمن به، ولا يمطل سائله، ويظلم أحيانًا؛ بالبناء للمجهول؛ أي يطلب منه في غير موضع الطلب، فيظلم، أي: فيحتمل ذلك ممن سأله، ولا يرد من استجداه في الأوقات التي مثله يطلب فيها، وفي الأوقات التي مثله لا يطلب فيها، قاله الجاربردي٢.
_________________
(١) ١ سقط من "ب".
(٢) البيت لزهير أبي سلمى في ديوانه ١١٩، والاقتضاب ص٣١٠، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢١٩، والسمط ٤٦٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٠٣، وشرح شواهد الشافية ٤٩٣، وشرح المفصل ١٠/ ٤٧، ١٤٩، والكتاب ٤/ ٤٦٨، ولسان العرب ١٢/ ٣٧٧١ "ظلم" والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨٢، ومقاييس اللغة ٣/ ٤٦٩، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ١٤١، وأوضح المسالك ٣/ ٣٩٩، ولسان العرب ١٣/ ٢٧٣ "ظنن"، وشرح الأشموني ٣/ ٨٧٣، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٨٩. ٢ شرح الشافية ٢/ ٥٥٦.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
فصل في إبدال الدال المهملة:
"تبدل وجوبًا من تاء: الافتعال، الذي فاؤه دال، أو ذال، أو زاي" لاستثقال مجيء التاء بعدها، "تقول في "افتعل" من: دان" يدين دينا: "اددان، ثم تدغم" الدال في الدال، "لما ذكرنا في: اطهر" من أن اجتماع مثلين في كلمة، وأولهما ساكن، يوجب الإدغام، "ومن: زجر"، أي منع، "ازدجر"، والأصل: "ازتجر"، قلبت التاء دالا، "ولا تدغم" الزاي في الدال، "لما ذكرنا في: اصطبر" من أن حرف الصفير لا يدغم إلا في مثله، والإدغام بقلب الدال زايًا نحو: "ازجر" ضعيف، "ومن: ذكر"، بالمعجمة: "اذدكر، ثم تبدل المعجمة مهملة، وتدغم" على القياس. "وبعضهم يعكس"، فيبدل المهملة معجمة، ويدغم على غير القياس، فيقول: "اذكر"، بتشديد المعجمة. "وقد قرئ شاذا: "فهل من مذَّكر" [القمر: ١٥] بالمعجمة١" والحاصل ثلاثة أوجه: "اذدكر" بلا إدغام، و"اذكر" بالذال المعجمة بقلب المهملة إليها. و"ادكر"، بالدال المهملة بقلب المعجمة إليها.
_________________
(١) ١ الرسم المصحفي: ﴿مُدَّكِرٍ﴾، والقراءة المستشهد بها قرأها قتادة، انظر البحر المحيط ٨/ ١٧٨، والكشاف ٤/ ٣٨.
[ ٢ / ٧٤١ ]
فصل في إبدال الميم:
"أبدلت وجوبًا من الواو في: فم، وأصله: فوه، بدليل" تكسيره على "أفواه"، والتكسير يرد الأشياء إلى أصولها، "فحذفوا الهاء" لخفائها "تخفيفًا، ثم أبدلوا الميم من الواو" لكونها من مخرجها، "فإن أضيف" إلى ظاهر، أو مضمر "رجع به إلى الأصل"، وهو الواو، "فقيل": "فو زيد، و"فوك"، لأن الإضافة ترد الأشياء إلى أصولها، "وربما بقي الإبدال" مع الإضافة إلى المظهر والمضمر. "نحو" قوله -ﷺ: ""لخلوف فم الصائم" أطيب عن الله من ريح المسك" ١، وقول رؤبة: [من الرجز]
٩٦٦-
يصبح ظمآن وفي البحر فمه
وزعم الفارسي أن الميم لا تثبت إلا في الشعر، ويرده الحديث المتقدم.
و" أبدلت الميم "من النون بشرطين: سكونها: ووقوعها قبل الباء" الموحدة "سواء كانتا في كلمة أو كلمتين".
فالأول "نحو: ﴿انْبَعَثَ " أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] .
"و" الثاني نحو: ﴿مَنْ بَعَثَنَا" مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩٧٥-
وقبل با اقلب ميما النون إذا كان مسكنا
وإنما أبدلت الميم من النون قبل الباء، لأن النطق بالنون الساكنة قبل الباء عسر لاختلاف مخرجيهما مع منافرة لين النون وغنتها لشدة الباء، فإذا وقعت النون ساكنة قبل الباء قلبت ميمًا، لأنها من مخرج الباء، وكالنون في الغنة "و" أبدلت الميم من النون "شذوذًا في نحو قوله"، وهو رؤبة: [من الرجز]
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الصوم برقم ١٧٩٥.
(٢) تقدم تخريج الرجز برقم ٢٤.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
٩٦٧-
يا هال ذات المنطق التمتام وكفك المختضب البنام
أراد: يا هالة، فرخمه بحذف التاء، لأنه علم امرأة، و"المنطق": النطق، و"التمتام": من التمتمة، وهو تكرير التاء، و"البنام"، الأصابع، "وأصله: البنان"، أبدلت الميم من النون شذوذًا، حيث لم يتقدمها باء موحدة.
"وجاء عكس ذلك" وهو إبدال النون من الميم "في قولهم" في صفة الشعر: "أسود قاتن"، بالقاف الفوقانية والنون، "وأصله: قاتم"، أبدلت الميم نونًا.
هذا آخر الإبدال:
وحاصل ما ذكره أن الهمزة تبدل من ثلاثة أحرف، وهي: الألف والواو والياء.
والياء١ تبدل من ثلاثة أحرف، وهي: الهمزة والألف والواو.
والواو تبدل من ثلاثة أحرف، وهي: الهمزة والألف والياء.
والألف تبدل من ثلاثة أحرف، وهي: الهمزة والواو والياء.
والميم تبدل من حرفين، وهما: الواو والنون.
والتاء تبدل من حرفين، وهما: الواو والياء.
والطاء تبدل من التاء.
والدال تبدل من التاء.
وقد تبدل هذه الحروف من غير ما ذكر.
_________________
(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص١٨٣، وجواهر الأدب ص٩٨، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٤٢٢، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٢١٦، وشرح شواهد الشافية ص٤٥٥، وشرح المفصل ١٠/ ٣٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٠١، وشرح الأشموني ٣/ ٨٦٠، وشرح المفصل ١٠/ ٣٥. ١ في "ط": "والتاء".
[ ٢ / ٧٤٣ ]
باب نقل حركة الحرف المتحرك المعتل إلى الساكن الصحيح قبله:
"وذلك" النقل يقع "في أربع مسائل":
"إحداها: أن يكون الحرف المعتل١ عينًا لفعل، ويجب بعد النقل في المسائل الأربع أن تبقى الحرف المعتل إن جانس الحركة المنقولة" منه، بأن كان واوًا، والحركة المنقولة ضمة أو ياء، والحركة المنقولة كسرة "نحو: يقول، أصلهما: يقول" بسكون القاف وضم الواو، "مثل: يقتل، ويبيع"، بسكون الموحدة وكسر الياء، "مثل: يضرب"، استثقلت الضمة على الواو في الأول، والكسرة على الياء في الثاني، فنقلت الضمة من الواو، والكسرة من الياء إلى الساكن، الصحيح قبلهما، وهو القاف في الأول، والباء الموحدة في الثاني، وبقيت الواو والياء على حالهما، لأنهما تجانسان الحركة المنقول منهما، فإن الواو تجانس الضمة، والياء تجانس الكسرة.
"و" يجب "أن تقلبه" أي الحرف المعتل "حرفًا يناسب تلك الحركة، إن لم يجانسها"، أي الحركة المنقولة من المعتل "نحو: يخاف"، مضارع "خاف"، و"يخيف" مضارع "أخاف" "أصلهما: يخوف" بسكون الخاء وفتح الواو، "كـ: يذهب"، بفتح الهاء، "ويخوف" بسكون الخاء وكسر الواو "كـ: يكرم"، نقلت حركة الواو؛ وهي الفتحة في الأول، والكسرة في الثاني؛ إلى الساكن الصحيح قبلهما، وهو الخاء، فانقلبت الواو في الأول ألفًا لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن، وانقلبت في الثاني ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، لأن الواو لا تجانس الفتحة ولا الكسرة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩٧٦-
لساكن صح انقل التحريك من ذي لين آت عين فعل
_________________
(١) ١ في "ب": "المتحرك".
[ ٢ / ٧٤٤ ]
"ويمتنع النقل إن كان الساكن معتلا نحو: بايع" وطاوع، "وعوق، وبين" بتشديد الواو والياء، أما نحو: "بايع، وطاوع" فلأن الساكن قبل الياء والواو؛ وهو الألف؛ لا يقبل الحركة، وأما نحو: "عوق، وبين" فلأن نقل حركة الواو والياء إلى الواو والياء يوجب قبلهما ألفين لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، فيلتقي ساكنان، فإن حذفت الأول قلت: "عوق، وبين"، وإن حذفت الثاني قلت: "عاق، وبان"، فلما كان الإعلال والحذف يؤدي إلى الالتباس ترك، وهذا مفهوم من قول الناظم:
٩٧٦-
لساكن صح
"أو كان فعل تعجب نحو: ما أبينه، وأبين به" في اليائي، "وما أقومه، وأقوم به" في الواوي، لأنهم حملوه في التصحيح على نظيره من الأسماء في الوزن والدلالة على المزية، وهو اسم التفضيل نحو هذا المثال: "أبين من غيره، وأقوم منه".
"أو" كان "مضعفًا نحو: ابيض، واسود"، بتشديد الضاد والدال، فلا يعل، لئلا يلتبس مثال بمثال، لأن "ابيض" لو نقلت حركة عينه إلى الباء قبلها لانقلبت ألفًا، فيصير [آباض، ثم تحذف الهمزة لكونها همزة وصل. لعدم الحاجة إليها، لتحرك ما بعدها فيصير] ١ باض، فيظن أنه اسم فاعل من "البضاضة"، وهي نعومة البشرة، وكذلك يلتبس "اسود" بـ"ساد" من "السد".
"أو" كان "معتل اللام نحو: أهوى، وأحيا" فلا يعل، لئلا يتوالى إعلالان، إعلال العين، وإعلال اللام، وإلى استثناء هذه الثلاثة أشار الناظم بقوله:
٩٧٧-
ما لم يكن فعل تعجب ولا كابيض أو أهوى بلام عللا
المسألة "الثانية: الاسم المشبه للمضارع في وزنه زيادته، أو في زيادته دون وزنه".
"فالأول": وهو المشبه في الوزن دون الزيادة "كـ: مقام"، فإنه مشبه لـ"تعلم" في الوزن دون الزيادة "وأصله" قبل الإعلال "مقوم" بفتح الواو وسكون القاف، "على مثال: مذهب، فنقلوا" حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها، وهو القاف، "وقلبوا" الواو لتحركها الأصلي، وانفتاح ما قبلها الآن.
"والثاني": وهو المشبه في الزيادة دون الوزن "كأن تبني من "البيع"، أو من "القول" اسمًا على مثال "تحلئ" بكسر التاء" الفوقانية، وسكون الحاء المهملة، وكسر اللام "وبهمزة بعد اللام"، القشر الذي على وجه الأديم مما يلي
_________________
(١) ١ ما بين المعكوفين إضافة من "ط".
[ ٢ / ٧٤٥ ]
منبت الشعر، بعد الإعلال: "تبيع، بكسرتين" متواليتين، "بعدهما ياء" تحتانية "ساكنة"، وأصله: "تبيع" بكسر أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، نقلت كسرة الياء التحتانية إلى الباء الموحدة، "و: تقيل، كذلك" بكسرتين متواليتين، بعدهما ياء تحتانية ساكنة. "وهذه الياء" الساكنة "منقلبة عن الواو" وأصله: "تقول" بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه، فنقلت كسرة الواو إلى القاف، فقلبت الواو ياء "لسكونها بعد الكسرة"، فإعلاله بالنقل والقلب، وإعلال "تبيع" بالنقل١ فقط.
وإنما كان "تبيع، وتقيل" موافقين للفعل في زيادته دون وزنه، لأن في أولهما التاء، ولأن "فعللا" بكسر الأول والثالث، من الأبنية المختصة بالأسماء، "فإن أشبهه بالوزن والزيادة معًا، أو باينه فيهما معًا، وجب التصحيح"، ليمتاز عن الفعل.
"فالأول"، وهو المشبه فيهما معًا، "نحو: أبيض، وأسود" وصفين فإنهما أشبها "أكرم" في الوزن وزيادة الهمزة، فلو أعلا ليقل فيهما: "أباض، وأساد"، فيلتبسان في الفعل، ولما كان هنا مظنة سؤال، وهو أن يقال: وجدنا من الأسماء ما أشبه الفعل في الوزن والزيادة معًا، ومع ذلك دخله الإعلال كـ"يزيد" علمًا، فأشار إلى جوابه بقوله: "وأما نحو: يزيد علمًا، فمنقول" من الفعلية "إلى العلمية، بعد أن أعل إذ كان فعلا" مضارعًا، إلا أنه أعل بعد العلمية، ومن ذلك "أبان" عند من لم يصرفه، فإن وزنه "أفعل"، أعل في حال الفعلية، ثم سمي به، وأما من صرفه، فهو عنده "فعال" وليس من هذا الباب.
"والثاني"، وهو المباين في الوزن والزيادة معًا "نحو: مخيط"، بكسر الميم، فإنه مباين للفعل في كسر أوله، وزيادة الميم، "هذا" التوجيه "هو الظاهر"، ولا التفات لمن يكسر حرف المضارعة لقلته.
"وقال الناظم" في شرح الكافية٢، "وابنه" في شرح الخلاصة٣، واللفظ له، "وكان حق" نحو: "مخيط، أن يعل، لأن زيادته" وهي الميم "خاصة بالأسماء، وهو مشبه لـ"تعلم"، أي بكسر حرف المضارعة في لغة قوم، لكنه حمل على "مخياط" لشبهه [به] ٤ لفظًا ومعنى٥، انتهى".
_________________
(١) ١ في "ب": "بالثقل". ٢ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٤١. ٣ شرح ابن الناظم ص٦١٢. ٤ إضافة من "ب"، "ط"، وشرح ابن الناظم ص٦١٢. ٥ بعده في شرح ابن الناظم ص: "في التصحيح".
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وأما شبهه به لفظًا فواضح، وأما شبهه به معنى فلأن كلا منهما يكون آلة وصفة مقصودًا بها المبالغة كـ"معطر" للكثير العطر، فسوى بينهما في التصحيح. "وقد يقال" من حيث البحث، "إنه لو صح ما قالا"؛ أي الناظم وابنه؛ "للزم ألا يعل" مثال: "تحلئ، لأنه يكون مشبهًا لـ"تحسب" في وزنه"، بكسر حرف المضارعة في اللغة المذكورة، "و" في "زيادته"، وهي التاء واللازم باطل، فالملزوم مثله.
"ثم" يقال على سبيل التنزل وإرخاء العنان: "لو سلم أن الإعلال كان لازمًا لما ذكرا" أي الناظم وابنه؛ من أن زيادته خاصة بالأسماء، وهو مشبه١ لـ"تعلم"، بكسر حرف المضارعة، لم يلزم العرب الجميع، بل يلزم من يكسر حرف المضارعة "فقط" دون غيرهم.
والجواب: أن ما ذكره الناظم وابنه من أن علة التصحيح في "مخيط" الحمل على "مخياط"، مرادهما أنه مقصور منه، كما جنح إليه الخليل، قال سيبويه٢: سألته؛ يعني الخليل؛ عن "مفعل"، لأي شيء أتم؟ ولم لم يجر مجرى الفعل؟ فقال: لأن "مفعلا" إنما هو "مفعال" لأنهما في الصفة "سواء، و"منسج ومنساج، ومقول، ومقوال"، ثم قال سيبويه٢: وإنما أتمت لما زعم الخليل من أنها مقصورة من "مفعال" أبدًا، انتهى.
وهذه العلة مطردة في لغة الجميع، ولا ينتقض بمثال: "تحلئ" لأنه ليس مبنيا على فعل كما قال المبرد٣، بل ذهب إلى تصحيحه، فأجاز "تبيع وتقول" بالتصحيح، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٩٧٨-
ومثل فعل ذا الإعلال اسم ضاهى مضارعًا وفيه وسم
٩٨٩-
ومفعل صحح كالمفعال
"المسألة الثالثة: المصدر الموازن لـ: إفعال" بكسر الهمزة، "أو: استفعال نحو: إقوام، واستقوام"، فإنه يحمل على فعله في الإعلال، فتنقل حركة عينه إلى فائه، ثم تقلب ألفًا لتجانس الفتحة، فيلتقي ألفان، "ويجب بعد القلب حذف إحدى الألفين لالتقاء الساكنين".
_________________
(١) ١ في "ب": "شبيه". ٢ الكتاب ٤/ ٣٥٥. ٣ الارتشاف ١/ ١٥٠.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
واختلف النحويون في المحذوفة، "والصحيح أنها الثانية لزيادتها وقربها من الطرف" وحصول الاستثقال بها، وإليه ذهب الخليل وسيبويه١، واختاره الناظم٢، وذهب الأخفش والفراء٣ إلى أن المحذوفة بدل عين الكلمة.
"ثم" بعد النقل والقلب والحذف "يؤتى بالتاء" الدالة على التأنيث "عوضًا" من الألف المحذوفة، سواء قلنا: إنها الأولى، أو الثانية، ولكن المعهود في "التاء أنها٤ تعوض من الأصول، وهذا يقوي ما اختاره الأخفش. "فيقال إقامة، واستقامة".
"وقد تحذف" التاء التي جعلت عوضًا فيقتصر في ذلك على ما سمع، ولا يقاس عليه كقوله٥: أراه إراها، وأجابه إجابًا، حكاهما الأخفش٦، ويكثر ذلك مع الإضافة "نحو: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] والأصل: وإقامة الصلاة، فحذفت التاء لسد الإضافة مسدها، ولمشاكلة: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [النور: ٣٧]، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٩٧٩-
وألف الإفعال واستفعال
٩٨٠-
أزل لذا الإعلال والتا الزم عوض وحذفها بالنقل ربما عرض
"المسألة الرابعة: صيغة: مفعول"، تعل بالنقل، والحذف، "ويجب بعد النقل في ذوات الواو حذف إحدى الواوين" لالتقاء الساكنين، "والصحيح" عند سيبويه٧ "أنها الثانية لما ذكرنا" من أنها زائدة، وقريبة من الطرف، وذهب الأخفش٨ إلى أن المحذوف عين الكلمة، لأن العين كثيرًا ما يعرض لها الحذف في غير هذا الموضع فحذفها أولى.
"ويجب أيضًا في ذوات الياء الحذف، وقلب الضمة كسرة، لئلا تنقلب الياء واوًا، فتلتبس ذوات الياء بذوات الواو".
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٨٠، وانظر الارتشاف ١/ ١٥١. ٢ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٤٢. ٣ معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٥٤، وانظر الارتشاف ١/ ١٥١، وشرح المفصل ١٠/ ٧٠. ٤ في "ب": "إنما". ٥ في "ب": "كقولهم". ٦ شرح ابن الناظم ص٦١٢. ٧ الكتاب ٤/ ٣٤٨، وانظر الارتشاف ١/ ١٥٠. ٨ الارتشاف ١/ ١٥٠، وشرح المفصل. ١٠/ ٦٧.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
"مثال الواوي: مقول، ومصوغ" والأصل: "مقوول، ومصووغ"، بواوين، الأولى عين الكلمة، والثانية واو "مفعول" نقلت حركة العين إلى ما قبلها، فالتقى ساكنان، وهما الواوان، حذفت واو "مفعول" عند سيبويه١، وعين الكلمة عند الأخفش٢، ويظهر أثر الخلاف في الميزان، فوزنه على الأول، "مفعل"، وعلى الثاني، "مفول".
"و" مثال "اليائي" بياء النسبة. "مبيع، ومدين" أصلهما: "مبيوع، ومديون"، نقلت حركة العين إلى ما قبلها، فالتقى ساكنان، فحذفت واو "مفعول" ثم كسر ما قبل الياء، لئلا تنقلب واوًا، فيلتبس بالواوي، وعين الكلمة عند الأخفش، ثم قلبت الضمة كسرة لتقلب الواو٣ ياء، لئلا يلتبس بالواوي، ومذهب سيبويه أولى، لأن التقاء الساكنين إنما يحصل عند الثاني، ولأن قلب الضمة إلى الكسرة خلاف قياسهم، فإن قيل: الواو علامة، والعلامة لا تحذف، قلنا، لا نسلم أنها علامة، بل إشباع الضمة لرفضهم "مفعلا" في كلامهم "إلا "مكرما، ومعونًا"٤ بنقل ضمة الواو إلى ما قبلها، والعلامة إنما هي الميم، يدل على ذلك كونها علامة "المفعول" في المزيد فيه من غير الواو، فإن قيل: إذا اجتمع الزائد والأصلي فالمحذوف هو الأصلي كالياء من "غاز" دون التنوين.
وإذا التقى ساكنان، والأول حرف مد، يحذف الأول كما في "قل، وبع وخف"، قلنا: كل ذلك إنما يكون إذا كان الثاني من الساكنين حرفًا صحيحًا، وأما هنا فليس كذلك، بل هما حرفا علة.
"وبنو تميم تصحح اليائي" دون الواوي، لأن الياء أخف عليهم من الواو، "فيقولون: مبيوع، ومخيوط"، كما يقولون: "مضروب" وذلك مطرد عندهم، "قال" شاعرهم يصف الخمرة: [من الكامل]
٩٦٨-
وكأنها تفاحة مطيوبة
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٣٤٨. ٢ حاشية الصبان ٤/ ٣٢٤. ٣ سقط من "ب". ٤ في "ب": "معولا".
(٢) صدر بيت لم يعرف عجزه، وهو لشاعر تميمي في المقاصد النحوية ٤/ ٥٧٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٠٤، والخصائص ١/ ٢٦١، والمقتضب ١/ ١٠١، والمنصف ١/ ٢٨٦، ٣/ ٤٧، وشرح ابن الناظم ص٦١٣.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
وكان القياس أن يقول: "مطيبة" كـ"مبيعة"، لكنه أتى به على الأصل، "وقال" العباس بن مرداس: [من الكامل]
٩٦٩-
قد كان قومك يحسبونك سيدا وإخال أنك سيد معيون
وكان القياس أن يقول: "معين"، وهو من: عنت الرجل بعيني، أصبته بالعين، فأنا "عاين"، وهو "معين"، على القياس، و"معيون" على الأصل، و"إدخال" بكسر الهمزة، وبنو أسد تفتحها على القياس بمعنى: أظن.
"وربما صحح بعض العرب شيئًا من ذوات الواو، سمع ثوب مصوون"، من: صان يصون ومسك مدووف، أي مبلول، "وفرس" مقوود، من: قاد يقود، وقول مقوول، من: قال يقول، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٩٨١-
وما لإفعال من الحذف ومن نقل فمفعول به أيضا قمن
٩٨٢-
نحو مبيع ومصون وندر تصحيح ذي الواو وفي ذي اليا اشتهر
_________________
(١) البيت للعباس بن مرادس في ديوانه ص١٠٨، وجمهرة اللغة ٩٥٦، والحيوان ٢/ ١٤٢، وشرح شواهد الشافية ص٣٨٧، ولسان العرب ١٣/ ٣٠١ "عين"، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٧٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٠٤، والخصائص ١/ ٢٦١، وشرح ابن الناظم ص٦١٣، وشرح الأشموني ٣/ ٨٦٦، والمقتضب ١/ ١٠٢.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
باب الحذف:
"وفيه ثلاث مسائل:
إحداها: تتعلق١ بالحرف الزائد، وذلك أن الفعل إذا كان على وزن "أفعل" فإن الهمزة تحذف في أمثلة مضارعه، ومثالي وصفه، أعني وصفي الفاعل والمفعول"، لأن حروف المضارع هي حروف الماضي بزيادة أحرف المضارعة، فحذفوا الهمزة لاجتماع الهمزتين في نحو: "أأكرم"، ثم حملوا بقية أخواته ووصفي الفاعل، والمفعول عليه، "تقول: أكرم ونكرم وتكرم ويكرم ومكرم" بكسر الراء "ومكرم" بفتحها وأصله: "أأكرم ونؤكرم ويؤكرم ومؤكرِم ومؤكرَم"، فحذفت الهمزة في الجميع، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩٨٩-
وحذف همزة أفعل استمر في مضارع وبنيتي متصف
"وشذ قوله"، وهو أبو حيان الفقعسي: [من الرجز]
٩٧٠-
فإنه أهل ألن يؤكرما
فأثبت الهمزة واستعمل الأصل المرفوض.
_________________
(١) ١ في "ب": "ما تتعلق".
(٢) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ١/ ٤٣٥ "رنب"، ١٢/ ٥١٢ "كرم"، والإنصاف ١/ ١١، وأوضح المسالك ٤/ ٤٠٦، وخزانة الأدب ٢/ ٣١٦، والخصائص ١/ ١٤٤، والدرر ٢/ ٥٧٧، وشرح ابن الناظم ص٦١٦، وشرح الأشموني ٣/ ٨٨٧، وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ١٣٩، وشرح شواهد الشافية ص٥٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٧٨، والمقتضب ٢/ ٩٨، والمنصف ١/ ٣٧، ١٩٢، ٢/ ١٨٤، وهمع الهوامع ٢/ ٢١٨، وتاج العروس ٢/ ٥٣٤ "رنب"، "كرم"، والمخصص ١٦/ ١٠٨.
[ ٢ / ٧٥١ ]
"المسألة الثانية: تتعلق بفاء الفعل"، وهي المشار إليها بقوله:
٩٨٨-
فا أمر او مضارع من كوعد احذف وفي كعدة ذاك اطرد
"وذلك أن الفعل إذا كان ثلاثيًّا، واوي الفاء، مفتوح العين" في الماضي، مكسورها في المضارع"، الأربعة، "وفي الأمر، وفي المصدر المبني على "فعلة" بكسر الفاء"، وسكون العين.
"ويجب في المصدر تعويض الهاء من المحذوف، تقول" في المضارع للغائب: "يعد"، والأصل "يوعد"، حذفت فاؤه، وهي الواو استثقالا لوقوعها ساكنة بين ياء مفتوحة وكسرة لازمة، وحمل على ذي الياء أخواته. "و" هي: "نعد، وتعد، وأعد، و" أمره، ومصدره الكائن على "فعلة" بكسر الفاء وسكون العين، تقول: "يا زيد عد عدة"، وأصل "عدة: وعد" بكسر الواو، وسكون العين، كما صرحوا به، فحذفت فاؤه، وحركت عينه بحركة فائه، وهي الكسرة ليكون بقاء كسرة الفاء دليلا عليها، وعوض من الفاء تاء التأنيث، ولذلك لا يكادان يجتمعان، ولحذف الواو من المضارع ثلاثة شروط.
أحدها: [أن تكون الياء مفتوحة، فلا يحذف من "يوعد"، مضارع، "أوعد".
ثانيها] ١: أن تكون عينه مكسورة، فلو كانت مفتوحة، أو مضمومة نحو: "يولد، ويوضؤ" لم يحذف، وشذ: "يجد" بضم الجيم في لغة عامرية، و"يدع، ويذر" مبنيين للمفعول في لغة من وجهين، ضم الياء وفتح العين، وشذ "يسع" من وجهين، كون ماضيه مكسور العين، وكون مضارعه مفتوحًا، وحذفت من "يطأ، ويضع، ويقع، ويدع"، لأنها في الأصل بكسر العين في المضارع ففتحت لأجل حرف الحلق.
وثالثها: أن يكون ذلك في فعل، فلو كان في اسم لم تحذف "الواو كـ"يوعيد"٢، مثل: "يقطين" من "وعد"، ولحذف الواو من "فعلة" بكسر الفاء شرطان:
أحدهما: أن تكون مصدرًا كـ"عدة" فلو كانت غير مصدر لم تحذف واوها، وشذ نحو: "رقة" للفضة، و"حشة" للأرض الموحشة.
والثاني: ألا يكون لبيان الهيئة نحو: "الوعدة، والوقعة" المقصود بهما الهيئة، فلا تحذف واوهما للالتباس، "وأما: الوجهة، فاسم" للمكان المتوجه إليه، فهي "بمعنى:
_________________
(١) ١ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٢ في "ب": "كوعيد".
[ ٢ / ٧٥٢ ]
الجهة، لا" اسم مصدر "للتوجه"، قاله المازني١ والمبرد٢ والفارسي٣، فعلى هذا لا شذوذ في إثبات واوه، لأنه ليس بمصدر، وذهب قوم إلى أنه مصدر، وهو الذي يظهر من كلام سيبويه٤، ونسب إلى المازني أيضًا.
وعلى هذا فإثبات الواو فيه شاذ، والمسوغ لإثباتها فيه دون غيره من المصادر أنه مصدر غير جار على فعله، إذ لا يحفظ "وجه يجه" فلما فقد مضارعه لم يحذف منه، إذ لا موجب لحذفها منه إلا حمله على مضارعه، ولا مضارع له، والفعل المستعمل منه: "توجه، واتجه" والمصدر الجاري عليه: "التوجه"، فحذفت زوائده وقيل: "وجهة".
ورجح الشلوبين القول بأنه مصدر، فقال٥، لأن "وجهة، وجهة" بمعنى واحد، فلا يمكن أن يقال في "جهة"، إنها اسم لمكان، إذ لا يبقى للحذف وجه.
وفهم من تخصيص هذا الحذف بما فاؤه واو أن ما فاؤه ياء لاحظ له في هذا الحذف، إلا ما شذ من قول العرب: "يئس"، مضارع "يأس"، أصله: "ييئس"، فحذفت الياء، و"يسر"، مضارع "يسر"، أصله: "ييسر".
"وقد تترك تاء المصدر" إذا أضيف "شذوذًا كقوله"، وهو أبو أمية الفضل ابن عباس بن عتبة بن أبي لهب: [من البسيط]
٩٧١-
إن الخليط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
قال الفراء٦، أرد عدة الأمر، فحذف تاء التأنيث عند الإضافة شذوذًا وخرجه خالد بن كلثوم على أن "عدى" جمع "عدوة" و"العدوة"، الناحية، كأنه أراد نواحي الأمر.
_________________
(١) ١ التصريف ١/ ٢٠٠. ٢ المقتضب ١/ ٨٩، ٢/ ١٣٠. ٣ الحجة ٢/ ٢٤٣. ٤ الكتاب ٤/ ٣٣٧. ٥ شرح المرادي ٦/ ٩٧، وانظر حاشية الصبان ٤/ ٣٤٣.
(٢) البيت للفضل بن عباس في شرح شواهد الشافية ص٦٤، ولسان العرب ١/ ٦٥١ "غلب" ٧/ ٢٩٣ "خلط"، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٧٢، وبلا نسبة في الارتشاف ١/ ١١٨، والأشباه والنظائر ٥/ ٢٤١، وأوضح المسالك ٤/ ٤٠٧، والخصائص ٣/ ١٧١، وشرح ابن الناظم ص٦١٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٤، وشرح عمدة الحافظ ٤٨٦، وعمدة الحفاظ "خلط"، واللسان ٣/ ٤٦٢ "وعد". ٦ معاني القرآن ٢/ ٣١٩.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
"المسألة الثالثة: تتعلق بعين الفعل"، وهي المشار إليها بقول الناظم:
٩٩٠-
ظلت وظلت في ظللت استعملا وقرن في اقررن وقرن نقلا
"وذلك أن الفعل إذا كان ثلاثيًّا مكسور العين، وعينه ولامه من جنس واحد، فإنه يستعمل في حال إسناده إلى الضمير المتحرك على ثلاثة أوجه: تاما، ومحذوف العين بعد نقل حركتها" إلى الفاء، "ومع ترك النقل، وذلك في نحو: ظل، تقول" إذا أسندته إلى ضمير رفع متحرك: "ظللت" بالإتمام، وفك الإدغام لالتقاء الساكنين، و"ظلت"، بكسر الفاء، "وظلت"، بفتحها، وحذف اللام الأولى منهما لتعذر الإدغام مع اجتماع المثلين لاتصال الضمير، والتخفيف مطلوب، واختصت اللام الأولى؛ وهي العين؛ بالحذف، لأنها تدغم، وقيل: المحذوف الثانية، لأن الثقل إنما يحصل عندها، أما فتح الفاء فلأنه لما حذفت اللام مع حركتها بقيت الفاء مفتوحة، وأما الكسر فلأنه لما نقل حركة اللام إلى الطاء بعد إسكانها، وحذفت اللام، بقيت الفاء مكسورة. "وكذلك" تقول "في" "ظللنا، وظللت، وظللتما، وظللتم، و"ظللن" بلا فرق، ويقال: "ظلت أفعل"، بكسر الظاء؛ ظلولا، إذا عملت بالنهار دون الليل، وذكر أبو الفتح١ أن كسر الظاء من "ظلت" لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة تميم١، وينبغي العكس، فإن الفتح جاء في القرآن نزل بلغة أهل الحجاز، "قال الله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ " [الواقعة: ٦٥] .
وظاهر إطلاق الموضح أن هذا الحذف مطرد في كل فعل مضاعف مكسور العين، وهو مذهب الشلوبين٢، وصرح سيبويه بشذوذه٣، وأنه لم يرد إلا في لفظين من الثلاثي، وهما: "ظلت، ومست"، في "ظللت، ومسست"، وفي لفظ ثالث٤ من الزائد على الثلاثة، وهو "أحست" في "أحسست" وممن ذهب إلى عدم اطراده ابن عصفور٥، وقال في التسهيل٦: إنه لغة سليم، وحكى ابن الأنباري١ الحذف في لفظ من المفتوح، وهو "همت" في "هممت" وإطلاق التسهيل شامل للمفتوح والمكسور وللثلاثي ومزيده.
_________________
(١) ١ انظر شرح المرادي ٦/ ١٠١. ٢ الارتشاف ١/ ١٢١. ٣ الكتاب ١/ ١٢١. ٤ سقط من "ب". ٥ الممتنع في التصريف ٢/ ٦٦١. ٦ التسهيل ص٣١٤.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
"وإن كان الفعل" المضاعف المكسور العين "مضارعًا أو أمرًا، واتصلا بنون نسوة، جاز الوجهان الأولان"، التمام وحذف العين بعد نقل حركتها إلى الفاء "نحو: يقررن" بالإتمام والفك، "ويقرن" بحذف عينه، ونقل حركتها إلى الفاء، [ونحو: "اقررن" بالإتمام والفك، و"قرن"، بحذف عينه، ونقل حركتها إلى الفاء] ١، وهي القاف.
"ولا يجوز في نحو: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ [سبأ: ٥٠]، بفتح العين: من "الضلال" نقيض "الاهتداء"، "وفي نحو: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾ " [الشورى: ٣٣] بفتح اللام وكسرها من "ظل يظل"، و"يظل"، مثل: "ضل، يضل"، و"يضل"، قاله في الارتشاف٢، "إلا الإتمام، لأن العين مفتوحة".
"وقرأ نافع وعاصم: ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٢٣] بالفتح"٣ في القاف أمرًا من "قررت بالمكان، أقر به"، بكسر الماضي وفتح المضارع، فلما أمر منه اجتمع مثلان، أولهما مفتوح، ففعل فيه من حذف عينه ما فعل بـ"أحست"، "وهو قليل، لأنه" تخفيف "لمفتوح، ولأن المشهور "قررت في المكان" بالفتح "أقر" بالكسر، وأما عكسه"، وهو "قررت" بالكسر "أقر" بالفتح "ففي: قررت عينا" بالكسر، "أقر" بالفتح، وذهب بعضهم إلى أن "قرن" على قراءة الفتح أمر من: "قار يقار"، وإلى أن "قِرن" على قراءة الكسر أمر من "الوقار" يقال: "وقر، يقر"، فيكون "قرن" محذوف الفاء مثل: "عدن".
وأجاز الناظم في الكافية وشرحها٤ إلحاق المضموم العين بالمكسورها، فأجاز في: ﴿اغْضُضْ﴾ [لقمان: ١٩] أن يقال: "غضن"، واحتج بأن فك المضموم أثقل من فك المكسور، وإن كان فك المفتوح قد فر منه إلى الحذف في "قرن" المفتوح القاف، ففعل ذلك بالمضموم أحق بالجواز، قال: ولم أره منقولا.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ الارتشاف ١/ ٧٦. ٣ انظر القراءة في شرح ابن الناظم ص٦١٧. ٤ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٧١.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
باب الإدغام اللائق بالتصريف:
وهو إدغام المثلين، ويقال فيه: الإدغام، بتشديد الدال، وهي عبارة سيبويه١، وأصحابه٢ والأولى عبارة الكوفيين٣، وهو؛ لغة: الإدخال، واصطلاحًا: رفعك اللسان، ووضعك إياه بالحرفين دفعة واحدة بعد إدخال أحدهما في الآخر، فيجب إدغام أول المثلين الساكن أولهما، المتحرك ثانيهما، بثلاثة شروط:
أحدها: أن لا يكون أول المثلين هاء سكت، فإن كان هاء سكت فإنه لا يدغم، لأن الوقف على الهاء منوي الثبوت، وقد روي عن ورش إدغام: ﴿مَالِيَهْ، هَلَكَ﴾ ٤ [الحاقة: ٢٨، ٢٩] وهو ضعيف من جهة القياس.
والثاني: ألا يكون همزة، منفصلة عن الفاء نحو: "لم يقرأ أحد" فإن الإدغام في ذلك رديء، فلو كانت متصلة بالفاء وجب الإدغام نحو: "سأآل".
والثالث: ألا يكون مدة في آخره، أو مبدلة من غيرها دون لزوم، فإن كانت مدة في الآخر لم يدغم نحو: "يعطي ياسر، ويدعو واقد"٥، لئلا يذهب المد بالإدغام، فإن لم يكن في آخر وجب الإدغام نحو٦: "مغزو"، أصله: "مغزوو" على وزن "مفعول".
_________________
(١) ١ الكتاب ٤/ ٤٣١. ٢ يقصد أصحابه البصريين. ٣ التسهيل ص٣٢٠، وشرح المفصل ١٠/ ١٢١. ٤ انظر القراءة في إتحاف فضلاء البشر ص٤٢٣. ٥ في "ب": "واحد". ٦ سقط من "ب": "نحو".
[ ٢ / ٧٥٦ ]
واغتفر ذهاب المدة في هذا لقوة الإدغام فيه، وإن كانت مدة مبدلة من غيرها، دون لزوم، لم يجب الإدغام، بل يجوز إن لم يلبس نحو: "أَثَاثًا وَرِيًّا" [مريم: ٧٤] في وقف حمزة١.
ويمتنع إن ألبس نحو: "قوول" بالبناء للمفعول لأنه لو أدغم لالتبس بـ"قول"، وإن كانت المدة مبدلة من غيرها إبدالا لازمًا وجب الإدغام نحو: "أوب" أصله: "أؤوب"، بهمزتين مضمومة فساكنة، أبدلت الثانية واوًا وأدغمت في الواو الثانية.
ويمتنع الإدغام إذا تحرك أو المثلين، وسكن ثانيهما نحو: "ظللت"، و"رسول الحسن"، لأن شرط الإدغام تحرك٢ المدغم فيه.
"ويجب إدغام أول المثلين المتحركين بأحد عشر شرطًا:
أحدها: أن يكون في كلمة" واحدة، كانت اسمًا أو فعلا، فالأول كـ"ضب، وطب، وحب"، والثاني "كـ"شد، ومل، وحب"، أصلهن: "شدد" بالفتح، و"ملل" بالكسر، و"حبب" بالضم"، فسكن أول المثلين، وأدغم في الثاني، "فإن كانا" أي المثلان المتحركان "في كلمتين"، بأن كان أولهما في آخر كلمة، وثانيهما في أول كلمة أخرى "مثل: ﴿جَعَل لَكَ﴾ [الفرقان: ١٠] كان الإدغام جائزًا لا واجبًا" بشرطين:
أحدهما: ألا يكون همزتين نحو: "قرأ آية"، فإن الإدغام في الهمزتين رديء.
الثاني: ألا يلي أولاها ساكنًا غير لين، نحو: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فهذا لا يجوز إدغامه عند جمهور البصريين٣، وقد روي عن أبي عمرو الإدغام في ذلك٤، وتأولوه على إخفاء الحركة، وأجاز الفراء إدغامه٥.
الشرط "الثاني" من الأحد عشر "ألا يتصدر أولهما" أي المثلين "كما في: ددن" بدالين مهملتين مفتوحتين، وهو اللهو واللعب، فإن مثل ذلك لا يجوز إدغامه، لأن الإدغام يستدعي سكون أول المثلين، والابتداء بالساكن متعذر.
_________________
(١) ١ انظر القراءة في الإتحاف ص٣٠٠، والنشر ١/ ٤٦١. ٢ في "ب": "تحريك". ٣ انظر الارتشاف ١/ ٣٣٣، والمبدع في التصريف ص٢٧٩. ٤ وكذلك قرأ الحسن. انظر الإتحاف ص١٤٨، والبحر المحيط ٢/ ٣٨. ٥ معاني القرآن ١/ ١١٢، وانظر شرح المفصل ١٠/ ١٢٣، والارتشاف ١/ ٣٢٣.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
الشرط: "الثالث: ألا يتصل أولهما بمدغم كـ: جسس"، بضم الجيم، وفتح السين المهملة، "جمع: جاس"، فإنه فيه مثلين متحركين، ويمتنع إدغام أولهما في الثاني، لأن قبلهما مثلًا آخر مدغمًا في أول المتحركين١، فلو أدغم المدغم فيه التقى ساكنان، وبطل الإدغام السابق.
الشرط "الرابع: ألا يكون في وزن ملحق، سواء أكان الملحق أحد المثلين كـ: قردد"، وهو المكان الغليظ المرتفع، "و: مهدد" علمًا لامرأة.
"أو غيرهما" أي المثلين "كـ: هيلل"، إذا قال: لا إله إلا الله. "أو كلاهما" أي أحد المثلين، وغيره "نحو: اقعنسس" أي تأخر ورجع، والملحق فيه أحد المثلين، وهو السين الثانية على المختار، وغير أحد المثلين، وهو الهمزة والنون، وكان حقه أن يقول، أو كليهما، بالياء عطفًا على خبر "كان"، وهو أحد المثلين، ولكنه أتى به بالألف، إما على لغة كنانة، لأنهم يعربون "كلا" بالألف مطلقًا أو على أن أحد المثلين اسم "كان" مؤخرًا، و"الملحق" خبرها مقدما، "فإنها"؛ أي "قردد، ومهدد، وهيلل، واقعنسس" "ملحقة" بغيرها.
أما "قردد، ومهدد" فإن أحد داليهما مزيدة للإلحاق "بـ: جعفر".
"و" أما "هيلل" فغن الياء مزيدة فيه للإلحاق بنحو: "دحرج"، وهي غير أحد المثلين.
"و" أما "اقعنسس" فإن أحد السينين والهمزة والنون مزيدة فيه للإلحاق بنحو: "احرنجم" ولا يجوز إدغام أحد المثلين في الآخر في شيء من الملحقات، لأنه يؤدي إلى ذهاب مثال الملحق به.
الشرط "الخامس والسادس والسابع والثامن:
ألا يكونا في اسم على "فعل" بفتحتين كـ طلل" بالطاء المهملة، وهو الشاخص من آثار الديار، "ومدد" بالمهملة، وهو كل شيء زاد في شيء.
"أو" على "فعل٢؛ بضمتين؛ كـ: ذلل" بالذال المعجمة، جمع "ذلول"، ضد الصعبة، "وجدد" بالجيم، "جمع، جديد".
_________________
(١) ١ بعده في "ب": "المثلين". ٢ في "ب": "فعلل".
[ ٢ / ٧٥٨ ]
"أو" على "فعل، بكسر أوله وفتح ثانيه كـ: لمم"، جمع "لمة"، بكسر اللام وتشديد الميم، وهي العشر المجاوز شحمة الأذن، "وكلل" جمع "كلة"، بكسر الكاف وتشديد اللام، وهي الستر الرقيق، يخاط كالبيت، يتوقى به من البعوض، ويسمى في عرفنا الناموسية.
"أو" على "فعل، بضم أوله وفتح ثانيه كـ: درر" جمع "درة" وهي اللؤلؤة، "وجدد" بالجيم، "جمع: جدة"، بضم الجيم وتشديد الدال، "وهي الطريقة في الجبل.
وفي هذه الأنواع السبعة الأخيرة"، وهي الثلاثة الملحقة، وهذه الأربعة في الخامس والثامن وما بينهما "يمتنع الإدغام" فيها. أما الثلاثة الأول فلما تقدم من أن الإدغام يفوت المقابلة في الإلحاق، وأما النوع الأول من الأربعة فإنه وإن وازن الفعل لم يدغم تنبيهًا على فرعية الإدغام في الأسماء. وأما الثلاثة الباقية فلأنها مخالفة للأفعال في الوزن، والإدغام فرع الإظهار، فخص بالفعل لفرعيته، وتبع الفعل فيه ما وازنه من الأسماء دون ما لم يوازنه، وكذا ما وازن هذه الأمثلة الأربعة [بصدره] ١ لا بجملته، فإنه يمتنع إدغامه نحو: "خششاء" لعظم خلف الأذن، فإنه موازن بصدره لـ"فعل"، بضم أوله وفتح ثانيه نحو: "صفف"، قاله المرادي٢، وفي الصحاح ما يخالفه، فإنه قال٣: "الخشاء"، أصله الخششاء، على "فعلاء" فأدغم.
ونحو: "رددان" من "الرد" فإنه موازن بصدره لـ"فعل"، بضمتين نحو: "ذلل"، ونحو: "حببة"، جمع "حب"، فإنه موازن بصدره لـ"فعل"، بكسر أوله وفتح ثانيه، نحو: "كلل"، ونحو: "الدججان" بفتحتين، مصدر "دج" بمعنى "دب"، فإنه موازن بصدره لـ"فعل" بفتحتين نحو: "طلل".
"و" الشروط "الثلاثة الباقية" من الأحد عشر هي:
ألا تكون حركة ثانيهما عارضة نحو: خصص أبي، واكفف الشر، أصلهما: اخصص، واكفف، بسكون الآخر، ثم نقلت حركة الهمزة" من "أبي"؛ وهي الفتحة؛ "إلى الصاد" من "اخصص"، "وحركت الفاء" من "اكفف" بالكسر "لالتقاء الساكنين" فالحركة فيهما عارضة، ولا يعتد بها.
_________________
(١) ١ إضافة من "ب"، "ط". ٢ شرح المرادي ٦/ ١٠٦. ٣ الصحاح "خشش".
[ ٢ / ٧٥٩ ]
"وألا يكون المثلان ياءين" تحتانيتين، "لازما تحريك ثانيهما نحو: حيي، وعيي، ولا تاءين" فوقانيتين "في: افتعل، كـ: استتر، واقتتل" من "الستر، والقتل".
"وفي هذه الصور الثلاث يجوز الإدغام والفك، قال" الله "تعالى: ﴿وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] بالفك، "ويقرأ أيضا: من حي"، بالإدغام١، فمن أدغم نظر إلى أنهم مثلان في كلمة واحدة، وحركة ثانيهما لازمة، ومن فك نظر إلى أن اجتماع المثلين في باب "حيي" كالعارض، لكونه مختصًا بالماضي دون المضارع الأمر، والعارض لا يعتد به غالبًا، وكلاهما فصيح.
والفك أكثر في كلامهم، فلو كانت حركة ثاني الياءين غير لازمة نحو: لن يحيى، ورأيت محييا" لم يجز الإدغام خلافًا للفراء٢.
"وتقول: استتر، واقتتل"، بالفك، "فإذا أردت الإدغام نقلت حركة" التاء "الأولى إلى الفاء"، وهي السين والقاف، "وأسقطت الهمزة" أي همزة الوصل، "للاستغناء عنها بحركة ما بعدها، ثم أدغمت" التاء في التاء، "فتقول في الماضي: ستر، وقتل"، بفتح أولهما وتشديد ثانيهما.
"و" تقول "في المضارع: "يستر"، و"يقتل"، بفتح أولهما" وثانيهما وتشديد ثالثهما مع الكسر: "و" تقول "في المصدر: ستارًا، وقتالا، بكسر أولهما" وتشديد ثانيهما. وإنما ذكر المضارع والمصدر ليميز بين ما أصله التشديد، وما عرض فيه، وذلك أن نحو: "ستر" يحتمل أن يكون [على أصله، ويحتمل أن يكون] ٣ أصله: "استتر" ولا يفرق بينهما إلا المضارع والمصدر، فتقول في مضارع "ستر" الذي وزنه: "فعل، يستر" بضم أوله، لأن ماضيه على أربعة أحرف، وفي مصدره: "تستيرًا" على وزن "تفعيلا" وفي مضارع الذي أصله: "استتر: يستر٤" بفتح أوله، لأن ماضيه على خمسة أحرف، وأصله: "يستر" فنقل، وأدغم، وفي مصدره،: ستارًا" وأصله: "استتارًا" فلما أريد الإدغام نقلت الحركة وطرحت الهمزة.
"ويجوز الوجهان"، الإدغام والفك "أيضًا في ثلاث مسائل أخر:
_________________
(١) ١ انظر الإتحاف ص٢٣٧، والنشر ٢/ ٢٧٦. ٢ معاني القرآن ١/ ٤١١. ٣ سقط ما بين المعكوفين من "ب". ٤ في "ب": "يستتر".
[ ٢ / ٧٦٠ ]
إحداها: أولى التاءين" الفوقانيتين "الزائدتين في أول المضارع نحو: تتجلى، وتتذكر" مضارعي: "تجلى وتذكر"، "وذكر الناظم في شرح الكافية١، وتبعه ابنه" في شرح الخلاصة٢، "أنك" إذا أدغمت" التاء الأولى في الثانية "اجتلبت همزة الوصل" ليتوصل بها إلى النطق بالتاء المسكنة للإدغام، فقلت في "تتجلى: اتجلى"، انتهى٣.
"و" فيه نظر، فإنه "لم يخلق الله" أحدا من الفصحاء في ما نعلم، أدخل "همزة وصل في أول" الفعل "المضارع، وإنما إدغام هذا النوع في الوصل دون الابتداء"، قال الحوفي٤: فإن وقف ابتدئ بالإظهار، ولا يجوز إدخال ألف الوصل عليه، لأن ألف الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، وذكر الناظم في بعض كتبه هذه المسألة على الصواب فقال١: يجوز إدغام تاء المضارعة في تاء أخرى بعد مدة أو حركة نحو: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ [البقرة: ٢٦٧]، و﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ [الملك: ٨]، انتهى. "وبذلك قرأ البزي في الوصل نحو: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ ٥، و: ﴿لَا تَبَرَّجْنَ﴾ ٦ [الأحزاب: ٣٣]، و: ﴿كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ﴾ ٧" [آل عمران: ١٤٣]، والأصل: "تتيمموا وتتبرجن، وتتمنون" بتاءين، أدغمت أولاهما في أخراهما.
"فإن أردت التخفيف في الابتداء حذفت إحدى التاءين؛ وهي الثانية"؛ وفاقًا لسيبويه والبصريين٨، لأن الاستثقال بها حصل، "لا الأولى" لدلالتها على المضارعة "خلافًا لهشام" الضرير وأصحابه من الكوفيين٨. وحجتهم أن الثانية في "تتفعل" لمعنى كالمطاوعة مثلا، وحذفها يخل بهذا المعنى، "وذلك جائز في الوصف أيضًا، قال الله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ " [الليل: ١٤]، الأصل: "تتلظى" فحذفت إحدى التاءين، ولو كان ماضيًا: "تلظت" لأن التأنيث واجب مع "المجازي إذا كان ضميرا متصلا "و: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ﴾ " [آل عمران: ١٤٣] الأصل: "تتمنون".
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٨٥. ٢ شرح ابن الناظم ص٦١٩. ٣ سقط من "ب". ٤ انظر الارتشاف ١/ ١٦٤، والممتع في التصريف ٢/ ٦٣٧. ٥ كذلك قرأ ابن كثير وورش والنقاش وأبو ربيعة والقواس. انظر الإتحاف ١٦٤، والبحر المحيط ٢/ ٣١٧. ٦ كذلك قرأ قنبل، انظر الإتحاف ص٣٥٥، والنشر ٢/ ٢٢٢، ٢٢٤. ٧ كذلك قرأ أبو بكر الزغيبي وأبو ربيعة وأبو الفرج النجاد وأبو الفتح بن يدهن، انظر الإتحاف ١٦٤. ٨ انظر الإنصاف ٢/ ٦٤٨، المسألة رقم ٩٣.
[ ٢ / ٧٦١ ]
"وقد يجيء هذا الحذف في النون" الثانية بعد نون المضارعة، "ومنه على" القول "الأظهر قراءة ابن عامر" وعاصم: "كذلك نجي المؤمنين"١ [الأنبياء: ٨٨] بضم النون وتشديد الجيم المكسورة وسكون الياء "أصله: ننجي، بفتح النون الثانية" وتشديد الجيم المكسورة، مضارع "نجى" فحذفت النون الثانية.
ويضعفه أنه لا يجوز في مضارع "نبأت، ونقيت، ونزلت"، ونحوهن؛ إذا ابتدأت بالنون؛ أن تحذف النون الثانية إلا في شذوذ، كقراءة بعضهم: "وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةَ" [الفرقان: ٢٥] بنصب "الملائكة"٢، "وقيل: الأصل: ننجي، بسكونها" أي النون الثانية، "فأدغمت" في الجيم "كـ: إجاصة، وإجانة"، بتشديد الجيم فيهما، والأصل "إنجاصة وإنجانة"، فأدغمت النون في الجيم، و"الإجاصة" واحدة الإجاص، و"الإجانة" واحدة الأجاجين، وهي بفتح الهمزة وكسرها، قال صاحب الفصيح٣: قصرية يغسل ويعجن فيها، ويقال: إنجانة كما يقال: إنجاصة، وهي لغة يمانية فيهما، أنكرها الأكثرون، قاله ابن السيد.
"وإدغام النون في الجيم لا يكاد يعرف"، لأن النون عند الجيم تخفى ولا تدغم. "وقيل: هو" فعل ماض "من: نجا، ينجو" بتخفيف عينه، هي الجيم، "ثم ضعفت عينه" وبني للمفعول، "وأسند لضمير المصدر"، والتقدير: "نجي هو" أي النجاء، "و" فيه ضعف من جهات:
إحداها: أنه "لو كان كذا لفتحت الياء، لأنه فعل ماض" مبني للمجهول نحو: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] .
والثانية: إنابة ضمير المصدر مع أنه مفهوم من الفعل.
والثالثة: إنابة غير المفعول به مع وجوده، قاله في المغني.
ويجاب عن أولها بأن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف لغة، وبها قرأ الأعمش٤: "فنسيْ ولم نجدْ" [طه: ١١٥]، وقرأ الحسن٥: "ما بقيْ من الربا" [البقرة: ٢٧٨] بإسكان الياء فيهما وصلا.
_________________
(١) ١ كذلك قرأ شعبة وأبو عبيد. وانظر الإتحاف ص٣١١، والنشر ٢/ ٣٢٤. ٢ هي قراءة أبي عمرو وأبي كثير وخارجة ومعاذ. انظر المحتسب ٢/ ١٢٠، والبحر المحيط ٦/ ٤٩٤. ٣ فصيح ثعلب ص٣٠٥، وانظر شرح الفصيح للزمخشري ص٥٥٥. ٤ انظر المحتسب ٢/ ٥٩، وتفسير القرطبي ١١/ ٢٥١. ٥ انظر الإتحاف ص١٦٥، والبحر المحيط ٢/ ٣٣٧.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
وعن الثانية بقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبأ: ٥٤]، فإن النائب ضمير المصدر.
وعن الثانية بقراءة أبي جعفر١: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] فأناب غير المفعول به مع وجوده.
المسألة "الثانية والثالثة" من المسائل الثلاث التي يجوز فيها الإدغام، والفلك "أن تكون الكلمة فعلا مضارعًا مجزومًا" بالسكون، "أو فعل أمر" مبنيا على السكون، فإنه يجوز فيه الفك والإدغام، "قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ " [البقرة: ٢١٧]، "يقرأ بالفك، وهو لغة أهل الحجاز، وبالإدغام وهو لغة تميم" اعتدادًا بتحريك الساكن٢ في بعض الأحوال نحو: "لم يردد القوم، واردد القوم"، وأهل الحجاز لا يعتدون بذلك، "وقال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ " [لقمان: ١٩] بالفك٣. "وقال" جرير "الشاعر": [من الوافر] .
٩٧٢-
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
بالإدغام، وإذا أدغم في الأمر على لغة تميم وجب طرح همزة الوصل لعدم الاحتياج إليها.
وحكى الكسائي٤ أنه سمع من عبد القيس: "ارد، وغض، وافر"، بهمزة الوصل، ولم يحك ذلك أحد من البصريين.
وإذا اتصل بالمدغم فيه واو جمع نحو: "ردوا"، أو ياء المخاطبة نحو: "ردي"، أو نون توكيد نحو: "ردن" أدغم الحجازيون وغيرهم من العرب٥، كذا٦، قالوا: وعللوه بأن الفعل حينئذ مبني٧ على هذه العلامات، وليس تحريكه بعارض. وإذا اتصل بالمدغم
_________________
(١) ١ انظر الإتحاف ص٣٩٠، والنشر ٢/ ٣٧٢، وشرح ابن عقيل ١/ ٥٠٩، وشرح المفصل ٧/ ٧٥. ٢ شرح ابن الناظم ص٦٢٠، والارتشاف ١/ ١٦٥، وشرح الكافية الشافية ٤/ ٢١٩٠. ٣ شرح ابن الناظم ص٦٢٠.
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص٨٢١، وديوان المعاني ١/ ٣٢، وخزانة الأدب ١/ ٧٢، ٧٤، ٩/ ٥٤٢، وشرح المفصل ٩/ ١٢٨، ولسان العرب ٣/ ١٤٢ "حدد"، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤١١، وخزانة الأدب ٦/ ٥٣١، ٩/ ٣٠٦، وشرح الأشموني ٣/ ٨٩٧، وشرح شافية ابن الحاجب ص٢٤٤، والكتاب ٣/ ٥٣٣، والمقتضب ١/ ١٨٥، وشرح المرادي ٦/ ١١٧. ٤ الارتشاف ١/ ١٦٥. ٥ الممتع في التصريف ٢/ ٦٥٩. ٦ في "ب": "كهذا". ٧ سقط من "ب".
[ ٢ / ٧٦٣ ]
هاء غائب وجب ضم المدغم فيه نحو: "رده، ولم يرده"، ووجب فتح المدغم فيه قبل هاء الغائبة، نحو: "ردها، ولم يردها"، قالوا: لأن الهاء خفية، ولم يعتد بوجودها، فكأن الدال قد وليت الألف نحو: "ردا".
وحكى الكوفيون "ردها" بالضم والكسرة و"رده" بالكسرة والفتح، وذلك في مضموم الفاء، وذكر ثعلب الأوجه الثلاثة قبل هاء الغائب١، وغلطوه في تجويزه الفتح، وأما الكسر فالصحيح أنه لغية، سمع٢ الأخفش من ناس من بني عقيل: "مده، وعضه"، بالكسر٣، والتزم أكثرهم الكسر قبل ساكن، يقال: "رد القوم"، بالكسر، لأنها حركة التقاء الساكنين في الأصل، ومنهم من فتح، وهم بنو أسد٤، وعليه قول جرير٥: [من الوافر]
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأما الضم فقال في التسهيل٦: ولا يضم قبل ساكن بل يكسر، وقد يفتح، انتهى. وحكى ابن جني الضم أيضًا٧، وهو قليل، فإن لم تتصل بالفعل هاء الغائبة أو هاء الغائب أو الساكن ففيه ثلاث لغات، الفتح مطلقًا نحو: "رد، وغض، وفر"، [وهي] ٨ لبني أسد٩ وناس غيرهم، والكسر مطلقًا نحو: "رد، وغض، وفر"، وهي لغة كعب ونمير١٠، والإتباع لحركة الفاء نحو: "رد وغض وفر"، وهذا كثير في كلامهم.
"والتزم الإدغام في: هلم لثقلها بالتركيب"، وفي كيفية تركيبها خلاف١١، قال جمهور البصريين١٢: مركبة من "ها" التنبيه، ومن "لم" التي هي فعل أمر من قولهم:
_________________
(١) ١ انظر شرح الفصيح للمزمخشري ص٨٧، ٨٩. ٢ في "ب": "حكى". ٣ شرح المرادي ٦/ ١١٦، والمبدع في التصريف ص٢٥٣. ٤ شرح المرادي ٦/ ١١٦. ٥ تقدم تخريج البيت برقم ٩٧٢. ٦ التسهيل ص٣١٤. ٧ انظر شرح المرادي ٦/ ١١٧. ٨ إضافة من "ب"، "ط". ٩ الارتشاف ١/ ١٦٦. ١٠ شرح المرادي ٦/ ١١٧. ١١ في "ب": "وجهان". ١٢ انظر الخصائص ٣/ ٣٥، والمزهر ١/ ١٣٦، ومجمع الأمثال ٢/ ٤٠٢.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
"لم الله شعثك" أي جمعه، وكأنه قيل: اجمع نفسك إلينا، فحذفت ألفها تخفيفًا، ونظرًا إلى أن أصل لام "لم" السكون وقال الخليل: ركبا قبل الإدغام، فحذفت الهمزة للدرج إذا كانت همزة وصل، وحفت الألف لالتقاء الساكنين، ثم نقلت حركة الميم الأولى إلى اللام، وأدغمت، وقال الفراء، مركبة فعل بمعنى: أحضر في المتعدي، وبمعنى: ائت في اللازم.
واللغة الثانية: أن تلحقها الضمائر البارزة بحسب من هي مسندة إليه، فتقول: "هلما وهلموا وهلمي وهلممن" بالفك، وهي لغة بني تميم، وهي عندهم فعل أمر.
وذهب بعض النحويين إلى أن "هلم" في لغة بني تميم اسم غلب فيه جانب الفعلية، واستدل بالتزامهم الإدغام، ولو كانت فعلا لجرت مجرى "رد" في جواز الضم والكسر والإظهار، وأجيب بأن التزام أحد الجائزين لا يخرجها عن الفعلية، والتزام أحد الجائزين في كلام العرب كثير.
"ويجب الفك في: أفعل" بكسر العين، "في التعجب" بإجماع العرب محافظة "على الصيغة: سواء كان متصلا بالباء أم لا، فالأول "نحو: أشدد ببياض وجه المتقين، و" الثاني نحو: "أحبب إلى الله بالمحسنين"، بالفصل بالجار والمجرور. والأصل: أحبب بالمحسنين إلى الله، "وإذ سكن الحرف المدغم فيه لاتصاله بضمير الرفع" البارز "وجب فك الإدغام في لغة غير بكر بن وائل"، لأن ما قبل الضمير البارز المرتفع لا يكون إلا ساكنًا: "نحو: حللت، و: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ [سبأ: ٥٠]، و: ﴿شَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] والفرق بينه وبين نحو: "رد"، و"لم يرد" حيث جاز فيه الفك والإدغام أن سكون المضارع المجزوم عارض، يزول، بزوال الجازم، والأمر محمول عليه، وسوى بينهم في لغة بكر بن وائل، قال سيبويه١، وزعم الخليل أن ناسًا من بكر ابن وائل يقولون: "ردن، ومدن، وردت" وهذه لغة ضعيفة كأنهم قدروا الإدغام قبل دخول النون والتاء، فأبقوا اللفظ على حاله بعد دخولهما.
"وقد يفك الإدغام في غير ذلك شذوذًا نحو: لححت عينه" بحاءين مهملتين أي: لصقت بالرمص، بفتح الميم، وهو وسخ يجتمع في الموق، فإن سال فهو عمص، وإن جمد فهو رمص، قاله في الصحاح٢، "و: ألل السقاء"، أي: تغيرت رائحته، و"ضبب
_________________
(١) ١ الكتاب ٣/ ٥٣٥. ٢ الصحاح "رمص".
[ ٢ / ٧٦٥ ]
البلد"، أي: كثر ضبابه، و"دبب الإنسان"، أي: نبت شعره في جبينه، و"صكك الفرس"، أي: اصطكت عرقوباه، و"قطط الشعر"، أي: اشتدت جعودته، وغير ذلك مما جاء بإظهار التضعيف لبيان الأصل، كـ"القود" بالتصحيح، "أو في ضرورة كقوله" وهو أبو النجم العجلي: [من الرجز]
٩٧٣-
الحمد لله العلي الأجلل الواسع الفضل الوهوب المجزل
والقياس: "الأجل" بالإدغام.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، جعله الله خالصًا لوجهه، موجبًا للفوز لديه بمنه وكرمه.
قال مؤلفه: ووافق الفراغ منه يوم عرفة من شهور سنة ست وتسعين وثمان مائة.
ثم شرح توضيح الشيخ العلامة جمال الدين بن هشام، للشيخ العلامة المرحوم الشيخ زين الدين خالد النحوي الأزهري؛ تغمدهما الله تعالى برحمته، وأسكنهما فسيح جنته؛ في اليوم المبارك يوم الأحد، ثالث عشر من شهر شوال من شهور سنة ثمان وأربعين وألف، على يد أقل عبيد الله، وأحوجهم إلى مغفرته محمد الشهير بابن بلح بن خضير بن خضر. الوليلي بلدًا، الشافعي مذهبًا غفر الله له ولوالديه، ولإخوانه في الله، ولجميع المسلمين، آمين، آمين، آمين.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وأزواجه وذريته، وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا إلى يوم الدين، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) الرجز لأبي النجم العجلي في ديوانه ص١٧٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٤٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٩٥، وخزانة الأدب ٢/ ٣٩٢، ٣٩٤، وشرح شواهد الشافية ص٣١٣.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
فهرس المحتويات:
الصفحة الموضوع
٣ باب إعمال المصدر وإعمال اسمه
١١ باب إعمال اسم الفاعل
٢٢ باب إعمال اسم المفعول
٢٥ باب أبنية مصادر الفعل الثلاثي المجرد
٣١ باب مصادر غير الثلاثي
٣٩ باب كيفية أبنية أسماء الفاعلين
٤٣ باب كيفية أبنية أسماء المفعولين
٤٥ باب الصفة المشبهة باسم الفاعل
٥٧ باب التعجب
٧٥ باب نعم وبئس
٩٢ باب أفعل التفضيل
١٠٧ باب النعت
١٣٢ باب التوكيد
١٤٧ باب العطف
١٥٣ باب عطف النسق
١٩٠ باب البدل
٢٠٥ باب النداء
٢٣٩ باب في ذكر أسماء لازمت النداء
٢٤٣ باب الاستغاثة
٢٤٦ باب الندبة
٢٥١ باب الترخيم
[ ٢ / ٧٦٧ ]
الصفحة الموضوع
٢٦٨ باب المنصوب على الاختصاص
٢٧٣ باب التحذير
٢٧٩ باب الإغراء
٢٨١ باب أسماء الأفعال
٢٩٥ باب أسماء الأصوات
٢٩٩ باب نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة
٣١٥ باب ما لا ينصرف
٣٥٦ باب إعراب الفعل المضارع
٤٣٣ باب الإخبار بالذي وفروعه
٤٤٦ باب العدد
٤٧٣ باب كنايات العدد
٤٧٩ باب الحكاية
٤٨٧ باب التأنيث
٥٠٠ باب المقصور والممدود
٥٠٦ باب كيفية التثنية
٥١١ باب جمع المذكر السالم
٥١٣ باب جمع المؤنث السالم
٥١٩ باب التكسير
٥٥٩ باب التصغير
٥٨٧ باب النسب
٦١٥ باب الوقف
٦٣٩ باب الإمالة
٦٥٣ باب التصريف
٦٨٩ باب الإبدال
٧٤٤ باب نقل حركة الحروف
٧٥١ باب الحذف
٧٥٦ باب الإدغام اللائق بالتصريف
[ ٢ / ٧٦٨ ]