فأمّا النون فقد زيدت أوّلا في الفعل نحو "نَضْرِبُ" و"نَقْعُدُ" لأنّ مثالها "نَفْعِلُ" و"نَفْعُلُ"، وزيدت في أوّل الاسم نحو: "نَرْجِسٍ" لأنّه لا يخلو أن يكون وزنه "نَفْعِل" أو "فَعْلِل"، وليس في الكلام مثال "فَعْلِلٍ" في نحو "جَعْفِرٍ" وإذا عُدِمَ هذا المثال ثبت أنّه "تَفْعِلٌ"، وإذا كان كذلك ثبت أنّ النّونَ زائدةٌ، لأنّها لم تقابل فاء الكلمة، ولا عينها، ولا لامها، فأمّا من قال: "نِرْجِسٌ" بكسر النّون فالنُّونُ أيضًا عنده زائدةٌ وإن كان على مثال: "زِبْرِجٍ"، لأنّ البناءين لمعنًى واحد، ومحالٌ أن يكون الحرفُ في أحد البناءين أصلًا وفي الآخر زائدًا، ولو اختلف المعنى لجاز ذلك فيه.
وقد زيدت النُّون ثانية في نحو: "قِنْفَخْرٍ" وزنه "فِنْعَلٌّ" أُلْحِق بـ"جِرْدَحْلٍ"، وهو: "فِعْلَلٌّ"؛ وإنّما حُكِم بزيادة نون: "قِنْفَخْرٍ"، لأنّه يقال في معناه: "امرأة قُفاخِرِيَّةٌ". فأمّا قولهم: "عُنْصَلٌ" فالنّون فيه زائدة، لأنّه لا
[ ٢٤٥ ]
يخلو أن يكون: "فُنْعَلا" أو "فُعْلَلا"، وفُعْلَلٌ ليس في الكلام عند سيبويه فثبت أنه "فُنْعَلٌ" وكذلك من قال "عُنْصُلٌ" وزنه فُنْعُلٌ وإن كان على مثال "بُرْثُنٍ"، لأنّه قد ثبت زيادتها في "عُنْصُلٍ"، وكذلك الكلام في "عُنْصَرٍ" و"عُنْصُرٍ".
وقد زيدت النّون ثالثة ساكنة في نحو: "جَحَنْفَلٍ" و"عَصَنْصَرٍ" و"عَقَنْقَلٍ" وإنّما حُكِم بزيادة النّون إذا كانت ثالثة ساكنة لأنّه موضع يكثر فيه زيادة النّون كما يكثر فيه زيادة الياء والواو والألف نحو: "سَمَيْدَعٍ" و"فَدَوْكَسٍ" و"عُذافِرٍ"
[ ٢٤٦ ]
وقد زيدت النُّون رابعة نحو: "رَعْشَنٍ" لأنّه من الرَّعْشة، و"ضَيْفَنٍ" لأنّه من الضَّيْف، و"خَلْبَنٍ" لأنّه من الخِلابة، ووزنه "فَعْلَنٌ"، وكذلك "عَلْجَنٌ" لأنّه من العِلْج وزنه "فَعْلَنٌ"، وكذلك "بُلَهْنِية" وزنه "فُعَلْنِيَةٌ"؛ لأنّه يقال أبْلَهُ، و"رُفَهْنِيَةٌ" وزنه "فُعَلْنِيَةٌ"، لأنّه من الرَّفاهية، و"عِرَضْنَةٌ" وزنها فِعَلْنَةٌ، لأنّه من الاعتراض، و"خِلَفْنَةٌ" وزنه "فِعَلْنَةٌ"، لأنّه من الخلاف، و"سُحَفْنِيَةٌ" وزنه "فُعَلْنِيَةٌ"، لأنّه من السُّحوف والسُّحْفِ.
وقد زيدت النّون خامسة في نحو: تضربين، وهي خمسة أمثلة تكون علامة لرفع الفعل نحو: "تضرِبِينَ"، و"تضربان" و"يضربان" و"يضربون" و"تضربون".
[ ٢٤٧ ]
وزيدت بعد ألف التثنية ويائها كقولك: "الزَّيدان" و"الزَّيْدَيْنِ".
وزيدت بعد واو الجمع ويائه كقولك: "الزَّيدون" و"الزَّيدِين".
وزيدت مع الألف في الصفات نحو: "سَكْرانَ" و"غَضبان" وبابه وقد زيدت في نحو ما كان من هذه الأمثلة نحو "مَرْوان" و"عُثمان" و"غطفان" و"عدنان" و"قحطان" و"حِدْرِجان" و"عَفَزَّران" وإن اختلفت أوزانُها.
وقد زيدت مع النّون سادسة نحو: "زَعْفرانٍ". وهذا غاية زيادتها
[ ٢٤٨ ]
وقد زيدت للتوكيد في الفعل خفيفة وثقيلة نحو: "اضْرِبَنَّ" و(لأغلبنَّ أنا ورسلي) و"لَيَجْلِسَنَّ" و(لَنَسْفَعَنْ بالناصية) و(لَيَكونَنْ من الصّاغرين).
ومتى وقعت النّون مقابِلةً لبعض حروف الأصل ما لم تكن ثالثة ساكنة قُطِعَ بأنّها أصلٌ حتى يقوم دليلٌ على زيادتها فالنّون في "حِنْبَتْرٍ" و"حِنْزَقْرٍ" أصلٌ؛ لأنّ النون مقابلةٌ للرّاء في "جِرْدَحْلٍ". فأمّا "قِنْفَخْرٌ" فالاشتقاق دلَّ على زيادة النّون لقولهم في معناه: "قُفاخِريّةٌ" فتُرِك له القياسُ. فأمّا النون في "عَنْبَسٍ" فقياسها أن تكون أصلًا؛ لأنّها مقابلة للعين في جعفر، ولكنّ الاشتقاق دلّ على زيادتها لقولهم: "عَبَسَ" وجهُه، وكذلك: "عَنْسَلٌ" فأمّا "شَرَنْبَثٌ" فهي ثالثة ساكنة فحُكِم بزيادتها للكثرة، وقالوا
[ ٢٤٩ ]
في معناه "شرابثٌ" فأسقطوا النون، وكذلك النون في: "عَرَنْتَنٍ" قُطِعَ بزيادتها؛ لأنّها ثالثة ساكنة، وقالوا في معناه: "عَرَتَنٌ" فأسقطوا النون فدل على زيادتها.
فأما "كَنَهْبُلٌ" و"قَرَنْفُلٌ" فلا يخلو "كَنَهْبُلٌ" أن يكون "فَنَعْلُلًا" أو "فَعَلُّلًا"، وليس في الكلام "فَعَلُّلٌ"، لأنه ليس مثل "سَفَرْجُلٍ" فثبت أنه "فَنَعْلُلٌ" وهذا يدل على زيادة النون. فأما "قَرَنْفُلٌ" فهي ثالثة ساكنة فيقطع بزيادتها، وأيضًا فليس يخلو أن تكون على مثل "فَعَنْلُلٍ" أو "فَعَلُّل" وفعلل ليس في الكلام فثبت أنه "فَعَنْلُلٌ" فدل على زيادة النون.
فأما "جَنَعْدَلٌ" فلا يخلو أن يكون "فَعَلَّلٌ" أو "فَنَعْلَلٌ" وفَعَلَّلٌ ليس في الكلام فثبت أنه "فَنَعْلَلٌ"، فأما "نَهْشَلٌ" و"نَهْضَلٌ" فالنون أصل لقولهم: نهشلت المرأة إذا أسنت، فأما "نَهْضَلٌ" فهو على مثال "جَعْفَرٍ" فظاهر النون أن تكون أصلا فإن اشتق من "هَصَرْتُه" إذا عطفته كانت النون زائدة. فأما النون
[ ٢٥٠ ]
في "عَنْتَرٍ" فهي مقابلة العين من جَعْفَرٍ فينبغي أن تكون أصلا، وقد قال قوم هو مشتق من العَتْرِ، وهذا لا يعرفه البصريون.
وقد ذكرتُ من زيادة النّون ما فيه مَقْنَعٌ يُشْرَفُ به على غيره.
فأمّا "عَنْتَرِيسٌ" فهو "فَنْعَلِيلٌ" مُلْحَقٌ بـ"فَعْلَليلٍ" نحو: "قَفْشَليلٍ" لأنّه مشتقٌّ عندهم من "العَتْرَسَةِ" وقياس جمعه عتاريسُ، فأمّا "مَنْجَنِيقٌ" فلا يخلو أن تكون الميم والنّون زائدتين أو أصليَّتَيْن، أو الميم زائدة، والنّون أصلًا أو الميمُ أصلًا والنّون زائدة، ولا يجوز أن تكونا زائدتين، لأنّه لا يجوز أن تجتمع زائدتان في أوّل الاسم إلاّ إذا كان مشتقًّا من الفعل نحو: "مُنْطلِقٌ" و"مُنْهَوٍ" و"مُنْغَمِسٌ"، لأنّ وزنه مُنْفَعِلٌ وفعله "انطلق" و"انهوى" و"انغمس" فإن قال قائلٌ: فقد قالوا: رجل "إنْقَحْلٌ" وامرأةٌ "انْقَحْلَةٌ" ووزنه "إنْفَعْلٌ"، لأنّه من القَحْلِ وهو الشيء اليابس قيل له هذا من الشُّذوذ بحيث لا يكسرُ بمثله قياسٌ، ولا يجوز أن يكونا أصليين، لأنّهم قد أسقطوا
[ ٢٥١ ]
النّون في التّكسير لمّا قالوا: "مَجانيقُ" فلو كانت النّون أصلًا لكانوا يُسْقِطون القافَ ويُبْقون النُّون فقد بطل أن تكونا زائدتين وأنت تكونا أصليَّتَيْن، ولا يجوز أن تكون الميمُ زائدة والنّون أصلًا لأمرين:
أحدهما: أنّ الميمَ لا تكون زائدةً إلا في الأسماء المشتقّة من الأفعال نحو: "مُسَرْهَفٌ" و"مُدَحْرَجٌ" ومَنْجَنِيقٌ ليس مشتقًّا من فعل.
وأيضًا: متى كانت الميم أوّل اسمٍ وبعدها أربعة أصول فلا تكون غلا أصلًا يدلُّك على ذلك قولهم: "مَرْزَجُوشٌ" وأنّ الميم فيه أصلٌ؛ لأنّ بعدها أربعة أصولًا، فلم يبق إلاّ أن تكون الميم أصلا والنّون زائدة، ووزن الكلمة "فَنْعَلِيلٌ" ألحقت بـ"فَعْلَلِيلٍ" نحو "عَرْطَلِيلٍ"، ولهذا سقطت النّون في الجمع لما قالوا "مَجانِيقُ"، فإن قال قائلٌ: ما أنكرتم أن تكون النّون أصلًا! لقولهم كنّا مرَّة "نُرْشَقُ" ومرّة "نُجْنَقُ"، و"جَنَقُوا" و"جَنَقْناهم" أي رَمُونا بالمَنْجَنيقِ ورميناهم بها، وقد اشتقُّوا من الكلمة ما
[ ٢٥٢ ]
سقطت فيه الميم وثبتت النون، وهذا يدلّ على أنّ النّون أصلٌ والميم زائدة.
قيل له: هذا الذي استدللت به ليس بصحيح، لأنّه لا يمتنع أن يكون للكلمة عبارتان يوجد في إحداهما بعض حروف الأخرى ولا تكون إحداهما أصلًا للأخرى. ألا تراهم قالوا: "دَمِثٌ" و"دِمَثْرٌ" وليس أحدٌ يقول "دَمِثٌ" مشتقٌّ من "دِمَثْرٍ" وإن كان فيه بعض حروف "دِمَثْرٍ". وقالوا: "سَبِطٌ" و"سِبَطْرٌ" وليس "سَبِطٌ" مشتقًّا من "سِبَطْر" وإن كان فيه بعض حروفه. وقالوا: "زَلِزٌ" و"زُلَزِلٌ" وليس "زَلِزٌ" مشتقًّا من "زُلَزِلٍ" وإنْ كانت فيه بعض حروفه، وقالوا: "قَصَمَ" و"قَصْمَلَ" وليس "قَصَمَ"
[ ٢٥٣ ]
مشتقًّا من "قَصْمَلَ" وإن كانت فيه بعض حروفه. فكذلك "جَنَقَ" لا يكون مشتقًّا من "منجنيق" وإن كانت فيه بعض حروفه. وقد قالوا "لُؤْلُؤٌ" و"لآلٌ"، ولآلٌ "فَعّالٌ"، وفَعّالٌ إنّما يبنى من الثّلاثة لا من الأربعة، ولُؤْلُؤٌ رُباِعِي، فليس "لآلٌ" مشتقًّا من "لُؤْلُؤٍ" وإن كان فيه بعض حروفه.
فأمّا "مَنْجَنونٌ" فوزنه "فَعْلَلُولٌ" لقولهم في تكسيرها "مَناجينُ" كُرِّرَتْ فيه النُّونُ ليلحق بـ"قَرْطَبُوسٍ" فلمّا أرادوا تكسيره أسقطوا النّون التي بعد الجيم فبقي: "مَنْجَوْنٌ" وحصل حرف اللّين رابعًا فكسَّروها على "مَناجين"، ولو أسقطوا الأخيرة لأدّى إلى إسقاط الواو الّتي قبلها والإسقاط الذي لا يُؤدّي إلى إسقاط آخر أوْلى من الإسقاط الّذي يُؤدّي إلى إسقاط غيره.
[ ٢٥٤ ]