اعلم أنّ الهمزة على ضربين:
همزة يجب إبدالها ألفًا.
وهمزة لا يجب إبدالها ألفًا.
فأمّا الهمزة التي يجب إبدالها ألفًا فهي على ضربين:
ضرب يجب إبداله في الكلام وفي الشعر.
وضرب يجب إبداله في الشعر دون الكلام.
فأمّا الذي يجب إبداله في الكلام وفي الشعر فهو أن يجتمع في الكلمة
[ ٣٠٠ ]
الواحدة همزتان سواء كانت الكلمة اسمًا أو فعلا، وسواء اجتمعت الهمزتان في أوّل الكلمة أو في آخرها. فمثال اجتماع الهمزتين في أوّل الفعل قولهم: "آمَنَ" أصله "أامَنَ"، ومثال اجتماعهما في الاسم قولهم: "آدمُ" و"آخَرُ" و"آزَرُ" أصله: "أادَمُ" و"أَاخَرُ" و"أَازَرُ"، إلاّ أنّه لمّا كانت الهمزة وحدها تُسْتَثْقَل لأنّ مخرجها من الصّدر ويلحق المتكلّم فيها كالتّهوّع كانت إذا انضمّ إليها مثلها أثقل وجب القلب. وإنّما تقلب على حركة ما قبلها، فلمّا سكنت وقبلها فتحة قلبت ألفًا فقالوا: "آدَمُ" و"آخَرُ" و"آزَرُ"، والّذي يدلّ على أنّها قد قلبت قلبًا خالصًا أنّك إذا صغّرت الاسم انقلبت الألف واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها تقول: "أُوَيْدِمٌ" و"أُوَيْخِرٌ" و"أُوَيْزِرٌ" كما تقول "ضُوَيْرِبٌ"، وتحمل التصغير على التّكسير تقول: "أوادِمُ" و"أوَاخِرُ" و"أوَازِرُ" كما تقول: "كاهِلٌ" و"كَواهِلُ"، و"ضارِبَةٌ" و"ضَوارِبُ".
[ ٣٠١ ]
فأمّا الفعل فإذا رددته إلى المستقبل صارت ألفه واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها تقول: "آمن" "يومِنُ" وإذا صرت إلى المصدر صارت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فقلت "إيمانٌ".
فأمّا قراءة من همز فقال: "يُؤْمِنُ" فإنّه لم يهمز الواو، لأنّ ذلك شاذٌّ، ولكنّه ردّ الهمزة التي كانت قبلها في الماضي ألفًا لزوال الهمزة الأولى مع حرف المضارعة، وكان الأصل فيه: "يُؤَؤْمِنُ" فسقطت الهمزة فصار "يُؤْمِنُ".
وكان الخليل لا يجيز أن يجمع في الشعر بين "آدمَ" و"دِرْهَمٍ"
[ ٣٠٢ ]
و"آخَرَ" و"شَنْبَرٍ"، لأنّ الألف في "آدمَ" و"آخَرَ" تأسيسٌ صحيحٌ، فلا يجوز أن يؤسس الشاعر بيتًا ويُجرّد بيتًا، لأنّ هذا عيبٌ في الشّعر والشّعراء اليوم على مذهب الخليل. وكان عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ يجيز هذا، لأنّ من مذهبه أن يجمع بين همزتين في كلمة واحدة قال: فأنا أجيزه. إمّا أن أحقِّق الهمزتين فأقول: "أادَمُ"، و"دِرْهَمٌ"
[ ٣٠٣ ]
و"أاخَرُ" و"شَنْبَر"، وإمّا أن أليّن الهمزة فأجعلها بين الهمزة والألف، لأنّ الملَيَّن في نيَّة المحقَّق، وفي وزنه.
فأمّا اجتماع الهمزتين في آخر الكلمة فقولهم: "جاءٍ" و"شاءٍ" و"ساءٍ" أصله "جائِيٌ" و"شائِيٌ" و"سائِيٌ" وكذلك "ناءٍ" إلاّ أنّه لمّا اجتمع همزتان في الكلمة الواحدة قلبوا الثانية ياءً لانكسار ما قبلها فقالوا: "جائِيٌ" و"شائِيٌ" وسائِيٌ" و"نائِيٌ" فصارت من باب "قاضٍ" تقول: "هذا جاءٍ" و"مررت بجاءٍ" "ورأيت جائيًا"، فأمّا قول الشّاعر:
يُشَجِّجُ رأسه بالفهر واجي
[ ٣٠٤ ]
أصله: "واجِئٌ".
والهمزة إذا كانت واحدة جاز أن تُتَحَمَّل، وإنّما وجب أن تقلب في الشِّعر لأنّ القصيدة جيميّة، ووصلها ياءٌ، وحروف الوصل لا تكون إلاّ حروف مدٍّ ولين سواكنَ فقلب الهمزة ياء فصارت وصلًا لكسرة الجيم، وهذا القلب إنّما يجوز في الشّعر، فأمّا في غير الشّعر فلا.
فأمّا الهمزة في: "مأتَمٍ" و"مأثَمٍ" فيجوز أن تقع في الشعر مع:
[ ٣٠٥ ]
"دِرهم" فإن شئت حقّقت الهمزة، وإن شئت ليّنتها تليينا قياسيًا، لأنّ الملَيَّن في نيّة المحقَّق تقول: "ماتمٌ" و"درهمٌ"، ويجوز أن تقع مع "عالَمٍ" فتقلب الهمزة ألفًا خالصة؛ لأنّها تأسيس كما أنّ الألف في "عالم" تأسيس وأمّا "كأسٌ" و"رأس" و"بأس" فيجوز أن تحقّقها، ويجوز أن تليّنها، لأنّ المليَّن في نيّة المحقَّق، ويجوز أن تقع في القوافي مع: "ناس" فتقلبها ألفًا خالصة ردفًا الا ترى أنّ الألف في: "ناس" لا تكون إلاّ ردفًا لأنّها ألف خالصة، فأمّا: "ذئبٌ" فيجوز أن تقع في القوافي مع: "حِبّ" فإن شئت حقّقت الهمزة، وإن شئت جعلتها بين الياء والهمزة فقلت: "ذِيبٌ" تليينًا قياسيًّا، ويجوز أن تقع في القوافي مع "شيبٍ" فتقلب الهمزة ياء خالصة.
وأمّا "بئرٌ" فيجوز أن تقع في القوافي مع "بِشْرٍ"، فإن شئت حقّقت الهمزة، وإن شئت جعلتها بين الياء والهمزة، ويجوز أن تقع في القوافي مع: "عيرٍ"
[ ٣٠٦ ]
فتقلب الهمزة ياء خالصة، لأنّها ردف. ألا ترى أنّ الياء في: "عيرٍ" لا تكون إلاّ ردفًا لمّا كانت ياء خالصة؟، والهمزة في: "لؤم" و"شُؤم" يجوز أن تقع في القوافي مع: "حُلْمٍ"، فإن شئت حقّقت الهمزة، وإن شئت جعلتها بين الواو والهمزة، ويجوز أن تقع في القوافي مع: "رُومٍ" و"كُومٍ" فتقلب الهمزة واوًا خالصة، لأنّها ردف، ألا ترى أنّ الواو في "رُومٍ" و"كُومٍ" لا تكون إلاّ ردفًا لمّا كانت واوًا خالصة؟.
وأمّا إبدال الألف من التّنوين فإذا وقفوا على الاسم المنصوب المنوَّن أبدلوا من تنوينه ألفًا فقالوا: "لقيت زيدًا"و"ركبت فرسًا"، وجعلوا مع الألف شرطتين: "الأولى فتحة والثانية تنوين، فاجتمع في الخطّ علامتان: علامة للوقف وهي الألف، ومتى أراد الوقف وقف عليها، وعلامة للوصل وهي الشّرطتان، فمتى أراد الوصل وصل بهما.
فأمّا إبدال الألف من النّون فقد أبدلوا من نون التّوكيد الخفيفة إذا كان قبلها فتحة وأرادوا الوقف عليها، وجعلوا مع الألف شرطتين أيضًا؛
[ ٣٠٧ ]
ليكون الألف للوقف والشّرطتان للوصل، لأنّ نون التّوكيد الخفيفة في الفعل نظيرة التّنوين في الاسم المنصوب فقالوا: "اضْرِبا" و"قوما" يريدون: "اضربًا" و"قُومًا".
قال الأعشى:
ولا تعبد الشّيطان واللهَ فاعبدا
أراد: "فاعْبُدَنْ"، وقال عمر بن أبي ربيعة:
[ ٣٠٨ ]
وقُمَيْرٌ بدا ابنَ خمسٍ وعشري نَ له قالت الفتاتان قوما
يريد: "قُومَنْ"، وقال الآخر:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخًا على كرسيِّه معمَّما
أراد ما لم "يعْلَمَنْ"، وفي التّنزيل: (وليكونا من الصّاغرين)
[ ٣٠٩ ]
و(لنسفعًا بالنّاصية) الوقف عليهما: "ليكونَا" و"لنسفعَا".
فأمّا النّون في "إذنْ" النّاصبة للفعل المستقبل، فأهل البصرة يكتبونها بالألف ويقفون عليها بالألف سواء عملت أو ألغيت، ويثبتون مع الألف
[ ٣١٠ ]
شرطتين علامة للوصل، يقولون في الإعمال: "إذًا أُكْرِمَكَ" وفي الإلغاء: "أنا إذًا أكرمُك" و"أقصدُك إذًا".
وحكي عن الفرّاء أنه كان إذا أعملها كتبها بالألف، لأنّ بإعمالها لا تلتبس بـ"إذا" الزّمانيّة، وإذا ألغاها كتبها بالنّون، لئلّا تلتبس بـ"إذا" الزّمانيّة.