اعلم أنّهم يبدلون الجيم من الياء وإنّما يقع هذا البدل في القول وأكثر ما يكون في الوقف، فإن اضطرّ شاعر جاز أن يحمل الوصل على الوقف فيثبت البدل في الوصل كما كان في الوقف، لأنّه ينوي الوقف.
وإنّما تبدل الجيم من الياء، لأنّ الياء حرف ضعيف في أصل وضعه، والجيم حرف مجهور قويّ، فأبدلوها من الياء لقوّتها وجهارتها وقوّة صوتها إلاّ أنّهم يبدلون من الياء الخفيفة جيمًا خفيفة، ومن الياء الثّقيلة جيمًا ثقيلة، فممّا أبدلوا من الياء الخفيفة قول الشّاعر:
يا ربّ إن كنت قبلت حِجَّتِجْ .. يريد حِجّتي
[ ٣٦٨ ]
فلا يزال شاحِجٌ يأتيك بِجْ .. يريد بي
أقْمَرُ نَهّاتٌ يُنَزِّي وفْرَتِجْ .. يريد وفرتي
وإنّما يبدلون من الياء السّاكنة، لأنّها إذا سكنت ضعفت بسكونها فتطرّق عليها البدل وقوي.
فإن قيل فالياء مثقّلة لا بدّ أن يكون الأخير متحرّكًا، ليصحّ الإدغام.
قيل له إذا سكّنت الحرف أو نُوِي السّكوت عليه فقد صار ساكنًا فتطرّق عليه البدل قال الشاعر:
خالي عُوَيْفٌ وأبو عَلِجٌ يريد عليّ
المطعمان الشحم بالعَشِجِّ يريد بالعشيّ
وبالغداة فلق البَرْنِجّ .. يريد البرْنِيّ
يُقلَعُ بالودّ وبالصِّيصِجّ يريد بالصّيصيّ
[ ٣٦٩ ]
و"الصّيصيّ" جمع صيصِيَةٍ، والصّيصِيَةُ إمّا قرنٌ أو ودّ حديد، سُمِّي بذلك لدقّة رأسه يقلع به التّمر.
ويجمع "صيصية" على "صِيصٍ" كما جمعوا "تَمْرَة" على "تَمْر" إلاّ أنّه إذا تحرّك ما قبل الحرف الموقوف عليه فقومٌ يزيدون حرفًا من جنس
[ ٣٧٠ ]
حرف الإعراب فيدغمونه في حرف الإعراب في الوقف فيقولون في "عمرَ": "عُمَرّ"، وفي "جعفرٍ": "جعفرّ"، وفي "خالدٍ": "خالدّ"، وفي "أحمدَ": "أحمدّ"، وفي "زينب": "زينبّ"؛ وإنّما أدغموا في حرف الإعراب، لأنّ الوقف يذهب الإعراب فدلّوا بالإدغام فيه استحقاقه للحركة.
وكان ينبغي إذا وصل أن يبطل الإدغام لرجوع الحرف في الوصل، ولكنّه جمع بين الدّليل والمدلول عليه؛ ليدلّ على أنّه ينوي الوقف.
وكذلك فَعَل في "صيصِيّ" زاد ياء، وأدغمها في هذه الياء فقال: "صيصيٌّ".
ثم قلب منها جيما مثقّلة فقال: "صِيصِجٌ" ثم حمل الوصل على الوقف فقال: "صيصجّ".
وهذا البدل إنّما يكون من الياء السّاكنة الموقوف عليها على ما بيّنت.
فأمّا قول أبي النّجم:
[ ٣٧١ ]
كأنّ في أذنابهنّ الشُّوَّل من عبس الصّيف قرون الإجَّلِ
يريد "الإيَّلِ" فحرف الإعراب هو اللاّم، فلما جاورت الياء الطّرف سرى إليها التّغيير كما يكون في الأطراف، لأنّ الجار يؤخذ بذنب جاره، ولأنّ هذا المجاور لحرف الإعراب لو سقط حرف الإعراب لصار هو حرف الإعراب لمجاورته له، فلأجل هذا سرى إلى الياء ممّا يجاورها كثير من أحكامها.
فأمّا قول الآخر:
حتّى إذا ما أمسجت وأمسجا
[ ٣٧٢ ]
وأصله: "أمْسَيَتْ" و"أمْسَيَ".
وكان ينبغي أن تنقلب الياء ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فلو انقلبت ألفًا في: "أمْسَيَتْ" لسقطت الألف لسكونها وسكون التّاء بعدها فيقول: "أمْسَتْ"، وكان تنقلب الياء الأخيرة ألفًا تقول: "أمْسَى" فيبطل حرف الرّوِيِّ، فقلب من الأولى جيمًا فقال: "أمْسَجَتْ"، وهذا يدلّ على أنّ ما سقط لالتقاء السّاكنين ثابتٌ في النّيّة، ألا تراه لمّا احتاج إلى الألف الّتي سقطت لالتقاء السّاكنين ردّها إلى الياء الّتي هي أصلها وقلب منها جيمًا؟ فقال: "أمْسَجَتْ"، وقلب من الياء الأخيرة جيمًا فقال: "أمْسَجَ"، وزاد ألف الإطلاق فقال: "أمْسَجا".
وهذا البدل الذي وضعته كلّه ليس بقياس.