قد أبدلوا الميم من الواو في قولهم: "فمٌ" والأصل فيه: "فَوْهٌ" فأسقطوا الهاء، لأنّها تشابه حروف المدّ واللّين من حيث كانت تقع
[ ٣٤٢ ]
وَصْلًا لحروف الرَّوِيّ في الشّعر ساكنة ومتحرّكة فلمّا أشبهت حروف المدّ واللّين جاز حذفها كما تحذف حروف العلّة وهي حروف المدّ.
فلمّا أسقطت الهاء كان ينبغي أن يقع الإعراب على الواو. ولو تحرّكت وقبلها فتحة لانقلبت ألفًا، وإذا انقلبت ألفًا لحقها التّنوين فسقطت الألف لالتقاء السّاكنين فقلت: "فًا" فبقي الاسم الظّاهر على حرف واحد، وهذا أقلّ ما يوجد في الأسماء الظّاهرة، فلمّا كان بقاء الواو يؤدّي إلى القلب والإسقاط وهذا الإجحاف الذي ذكرته والخروج عن الأمثلة والنّظائر، ووجدوا الميم توافق الواو في المخرج من الشّفتين، وتوافقها في الغنّة قلبوا من الواو ميمًا، لأنّها حرف صحيح يتحمّل حركات الإعراب فقالوا: "هذا فمٌ" و"رأيْتُ فمًا" و"عَجِبْتُ من فمٍ".
[ ٣٤٣ ]
فإذا صغّروا الاسم أو كسّروه عادت الهاء ليتمّ مثال التّصغير والتّكسير وإذا رجعت الهاء عادت الواو فقالوا في التّصغير: "هذا فُوَيْهٌ"، وفي التّكسير: "هذه أفواهٌ".
فأمّا قول الشاعر:
عجبتُ لها أنّى يكون غناؤها فصيحًا ولم تفغر بمنطقها فما
فالألف للوصل وليست من نفس الاسم، فأمّا قول الشّاعر:
[ ٣٤٤ ]
هما نفثا في فيَّ من فَمَوَيْهما على النّابح العاويّ أشدَّ رجامِ
فقال قوم: اضطرّ الشاعر فجمع بين العِوَض والمُعَوَّض.
[ ٣٤٥ ]
والصّحيح أنّ الميم ليست عوضًا من الواو، وإنّما هي بدلٌ، وكلّ بدل عوضٌ، وليس كلّ عوضٍ بدلا.
والفرق بين العوض والبدل أنّ البدل يجتمع مع المُبْدَل ويحلُّ محلَّه، والعِوَضُ لا يجتمع مع المُعَوَّض ولا يحلّ محلّه، وإنّما يتأخّر عن مكان المُعَوَّض ويتقدّم عليه.
فلمّا كانت الميم بدلا من الواو جاز أن يجمع بينهما من حيث كانت بدلًا، لا عِوَضًا خالصًا.
وكان ينبغي أن يقول إنّما ردّ الواو في "فَمَوَيْهما"، لأنّه أقرّ الميم في مكانها ليدلّ على صحّة بدلها، ولو أخّرها لتُوُهِّم أنّها زائدة.
وقال قوم: أصله "فَوْهٌ" وزنه "فَعْلٌ" ثم قدّم الهاء على الواو فقال: "فَهْوٌ" فوزنه "فَلْعٌ"، ثم أسقط الواو فبقي "فَلٌ" ثم أبدل من الهاء الميم فقال: "فَمٌ" فلمّا اضطُرَّ الشّاعر إلى إقامة الوزن ردّ الواو فقال "فَمَوَيْهما" فوزنه على هذا التقدير: "فَلَعَيْهما"، وعلى التّقدير الأوّل: "فَمَعَيْهما"، وهذا الوجه الثّاني ضعيف، لأنّ الميم ليس تقوى مشابهتها للهاء فتبدل منها، ولا هي من مخرجها، ولكنّ هذا القائلَ لمّا رأى الهاء تشبه حروف العلّة وكانت الميم من مخرج الواو، والواو من حروف العلّة توصَّل بهذا الشّبه البعيد فقال: الميمُ بدلٌ من الهاء.
[ ٣٤٦ ]
فإن قيل فقد قلتم: الاسم الظّاهر لا يبقى على حرفين أحدهما حرف علّة لما يُؤدّي إليه من إسقاط حرف العلّة من أجل التّنوين وبقاء الاسم الظّاهر على حرف واحد. فما تصنعون في قول العجّاج؟
خالط من سلمى خياشيمَ وفا
قيل له عن هذا السّؤال جوابان:
[ ٣٤٧ ]
أحدهما: أنّ هذا الشّاعر من لغته أن لا يُنَوِّن القوافي فصار بمنزلة ما فيه الألف واللاّم، فلمّا أمن التّنوين جاز أن يبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف علّة.
والجواب الثّاني أنّه أراد "فاها"، والضّمير إذا اتّصل بالكلمة صار كالجزء منها فجاز أن يحذفها للضّرورة وهو ينويها.
وقد أبدلوا من النّون السّاكنة إذا كان بعدها الباء ميمًا فقالوا في "عَنْبَر": "عَمْبَر". وفي "شَنْباء" "شَمْباء"؛ وإنّما قلبوا من النّون السّاكنة مع الباء ميمًا لأنّهم وجدوا النّون تدغم في الواو كقولهم: "من وّاقد"، وتدغم في الميم كقولهم: "مِن مُّحارب"، لأنّ إدغامها في الميم والواو لا يخلُّ بغنّتها.
ولم يجز أن يدغموها في الباء لئلّا تذهب غنّتها، وأرادوا أن يكملوها التّغيير مع حروف الشّفة فغيّروها بأن قلبوها ميمًا إذا كانت ساكنة وبعدها الباء، وصار تغييرها بالقلب إلى الميم كإدغامها.
فإن تحرّكت النّون قبل الباء قويت بحركتها فلم يجز تغييرها نحو: "الشَّنَب" و"العِنَب".
[ ٣٤٨ ]
إبدال التّاء
اعلم أنّ التّاء قد أبدلوها من الواو إذا كانت الواو فاءً، وكثر إبدالها.
والسّبب في ذلك أنّ الواو حرف معتلّ، والحركة فيه تثقل، والواو مخرجها من الشّفة، ومخرج التّاء من طرف اللسان وأصول الأسنان، فلمّا قارب مخرج التّاء لمخرج الواو، وكانت التّاء أجلد من الواو وأحمل للحركة قلبوا التّاء من الواو فقالوا: "تُجاهٌ" وأصله "وُجاهٌ" لأنّه "فُعالٌ" من واجَهْتُ.
فأمّا: "جاهٌ" فقد قدّموا العين على الواو وأصله: "جَوَهٌ" ووزنه "عَفَلٌ" فلمّا تحرّكت الواو وقبلها فتحة قلبت ألفًا.
وقالوا: "تُراثٌ" وأصله "وُراثٌ"، لأنّه فُعالٌ من وَرِثْتُ.
وقالوا: "تُكْلانٌ" وأصله: "وُكْلانٌ" وهو فُعْلانٌ من وَكَلْتُ ومن الوَكيل.
وقالوا: "تُكَأةٌ" وأصلها: "وُكَأَةٌ" من وَكَاتُ، وقالوا: ضَربه حتّى "أتْكأَهُ" وأصله "أوْكَأَهُ" أفْعَلَهُ من "وَكَاتُ".
وقالوا: "أتْلَجَهُ" وأصله: "أوْلَجَهُ" "أفْعَلَهُ" من الوُلوج.
[ ٣٤٩ ]
وقالوا: "تَقِيَّةٌ" وأصلها: "وَقِيَّةٌ" "فَعيلةٌ" من وَقَيْتُ.
وقد أبدلوا التّاء من لام الكلمة قالوا: "هَنْتٌ" وأصله: "هَنْوٌ".
وقالوا: "بِنْتٌ" وأصله: "بِنْوٌ"، وقالوا: "أخْتٌ" والأصل: "أخْوٌ" لأنّهم قالوا: "هَنَواتٌ" و"أخواتٌ" وقالوا: "الأُخُوَّةُ"، و"البُنُوَّةُ" قال الشّاعر:
أرى ابن نزار قد جفاني وملّني على هنواتٍ شأنها متتابعُ
[ ٣٥٠ ]
وقد قالوا في "كِلْتا" أصلها: "كِلْوا" فقلبوا من الواو تاء.
وقد قالوا في القسم: "تا لله"، والأصل "والله" وهذه الواو بدلٌ من الباء في "بِاللهِ" ثم قلبوا من الواو تاء فقالوا: "تا لله" فهذه التاء بدلٌ من واوٍ أبدلت من باء.
[ ٣٥١ ]
وقد قالوا في القسم: "ها للهِ" فقال قومٌ: "ها" بدل من واو القسم في قولهم: "والله".
وقد أبدلت في حروف غير هذا، وليس هذا بدلًا ينقاس.
وقد أبدلوها من الياء وهي لام قالوا: "ثِنْتان" وأصله: "فِعْلان" من "ثَنَيْتُ" وأصله: "ثَنْيان"، وإبدالها من الياء قليل جدًّا.
وقد أبدلوا التّاء من الياء في قولهم كان من الأمر: "ذَيْتَ وذَيْتَ" و"كَيْتَ وكَيْتَ" والأصل: "ذَيَّتَ" و"كَيَّتَ" فأسقطوا تاء التّأنيث فبقي: "ذَيٌّ" و"كَيٌّ" فقلبوا من الياء الأخيرة تاء فقالوا: "ذَيْتَ" و"كَيْتَ"، فهاتان اللّفظتان يكنى بهما عن الجمل تقول: بلغني ذيت وذيت، وكيت وكيت إذا كنيت عن حديث طويل وجمل كثيرة.
وكانت التّاء ساكنة فحرّكت لسكونها وسكون الياء قبلها، واختيرت لها الفتحة لخفّة الفتحة وكثرتها
[ ٣٥٢ ]
فإن بينت "افْتعل" ممّا فاؤه واوٌ أو ياءٌ نحو: "وَعَدَ" و"وَزَنَ" و"يَمَنَ" و"يَسَرَ" فللعرب فيه مذهبان:
مذهب أهل الحجاز وهو الأقلّ.
ومذهب بني تميم وهو أقوى وأكثر.
فأمّا أهل الحجاز فإنّهم يتبعون الياء والواو حركة ما قبلها فيجعلونهما مع الكسرة ياء، ومع الضّمّة واوًا، ومع الفتحة ألفًا فيقولون: "ايْتَزَنَ" "ياتَزِنُ" "ايْتِزانًا"، و"ايْتَعَدَ" "ياتَعِدُ" "ايْتِعادًا"، ويقولون في اسم الفاعل: "مُوتَعِدٌ" و"مُوتَزِنٌ" وفي اسم المفعول: "مُوتَعَدٌ" و"مُوتَزَنٌ".
وقالوا في ذوات الياء: "ايْتَمَنَ" و"ايْتَسَرَ" "ياتَمِنُ" "ايْتِمانًا" و"ياتَسِرُ" "ايْتِسارًا" ويقولون في اسم الفاعل: "موتَمِنٌ" و"مُوتَسِرٌ"، وفي
[ ٣٥٣ ]
اسم المفعول: "مُوتَمَنٌ" و"مُوتَسَرٌ" وهذا مذهب قليل؛ لأنّ الياء والواو لا يثبتان على أصل واحد.
وأمّا بنو تميم فإنّهم قد كانوا أجمعوا مع أهل الحجاز على قلب الواو تاءً في الأحرف التي قدّمناها وكانت التّاء منفردة ليس بعدها تاء تدغم فيها ولم تكن الياء والواو اللّتان قلبوهما تنقلبان من حال إلى حال، فإذا كان كذلك فالفرار من الياء والواو في "افْتَعَل" وما تصرّف منه أوْلى لاعتلالهما وتقلّبهما من حال إلى حال، ويزيد في قوّة هذا أنّ بعدها تاء تدغم التّاء المنقلبة عن الياء والواو فيها فقالوا: "اتّعد" "يَتَّعِدُ" "اتّعادًا" و"اتَّسَرَ" "يَتَّسِرُ" "اتِّسارًا"، وقالوا في اسم الفاعل: "مُتَّعِدٌ" و"مُتَّسِرٌ" و"مُتَّزِنٌ".
وأمّا قولهم: "اسْنَتُوا"، فالسَّنَةُ أصلها: "سَنَوَةٌ" ويقال: "اسْنَوْا" إذا دخلوا في السَّنَة، وكان الأصل: "اسْنَوُوا" فقلبوا الواو الأولى ياء، لأنّها رابعة فصار: "اسْنَيِوُا" فانقلبت الياء ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ثمّ سقطت الألف لسكونها وسكون الواو التي بعدها.
فإذا صاروا في السّنة الجَدْب قالوا: "اسْنَتُوا" فالتّاء بدل من ياء أبدلت من واو، فخصّوا بهذا الجدب دون الخِصب لمّا كان بدلًا من بدلٍ كما قالوا: "تا للهِ" فخصّوا بالتّاء هذا الاسم دون غيره من أسماء القديم سبحانه لمّا كانت التّاء بدلًا من واوٍ أبدلت من باء؛ لأنّ الأصل "بالله" ثمّ "والله" ثمّ "تا لله".
[ ٣٥٤ ]