اعلم أنّ الهمزة قد أبدلت من ألف التّأنيث إذا وقعت بعد ألف زائدة، للمدّ فقالوا: "حمراء"، و"صفراء"، و"خنفساء"، و"أنبياء" وأمثلته كثيرة.
وأصل "حمراء": "حَمْرَى" على وزن: "سَكْرَى"؛ فلمّا أرادوا أن يكثّروا أبنية التّأنيث ويجعلوا له صيغة ممدودة كما جعلوا له صيغة مقصورة، ليتوسّعوا بذلك في نظم الشّعر والخطابة والسّجع زادوا قبل الألف التي في "حمراء" ألفًا للمدّ فصارت ألف التّانيث طرفًا بعد ألف زائدة فاجتمعت ألفان، فلم يخل أن يجمع بينهما، أو يسقطوهما، أو يسقطوا إحداهما أو يحرّكوا إحداهما، ولا يجوز الجمع بين ألفين لسكونهما، ولا يجوز إسقاطهما، لئلا يختلّ معنى الاسم، ولا يجوز إسقاط إحداهما، لأنّ
[ ٣٢١ ]
كلّ واحد منهما، دخل لمعنًى فإسقاطه يخلّ بالمعنى الذي دخل من أجله.
فلا بدّ من تحريك أحدهما، فليس يخلوا أن يحرّكوا الأولى أو الثّانية، ولا يجوز أن يحرّكوا الأولى لأمرين:
أحدهما: أنّ الأولى زيدت للمدّ فلا حظّ لها في الحركة، فلو حرّكوها لحرّكوا مالا يجوز حركته.
والثّاني: أنّهم لو حرّكوها لانقلبت همزة، وبعدها ألف التّأنيث فكانت تكون الكلمة مقصورة وهم يريدون المدّ فلا يحصل لهم المدّ، فلمّا فاتهم تحريك الأولى حرّكوا الثانية، وكانت أوْلى بالحركة لأمرين:
أحدهما: أنّ بحركتها تصير الكلمة ممدودة.
والثاني: أنّ ألف التّأنيث قد شُبِّهت بالأصول من حيث كانوا يقلبونها ياء في جمع التّكسير إذ قالوا: "حَبالِي" وكانوا يجعلونها حرف رَوِيٍّ، فلمّا أشبهت الأصول كانت أحقّ بالحركة، ولمّا حرّكوا الثّانية وهي ألف التّانيث، والألف إذا حرّكت إنّما تنقلب إلى أقرب الحروف إليها وهي الهمزة فقالوا: "حمراءُ" و"صَفراءُ" فحصل لهم المدُّ الذي قصدوه.
وإذا كان في أوّل اسم أو فعل واوٌ مضمومة ضمّة لازمة فإنّ العرب
[ ٣٢٢ ]
تختلف في همزها فمنهم من يهمزها، ومنهم من لا يهمزها فمن همز قال: الضّمّة في الواو بمنزلة واو فكأنّهما واوان قد اجتمعتا ففررت إلى الهمزة، لأنّها أخفّ فقلت في "وُجوهٍ": "أُجوه".
وكذلك إن كانت الواو حشوًا مضمومة ضمًّا لازمًا فمنهم من يهمزها للعلّة التي قدّمت ذكرها، ومنهم من لا يهمزها يقولون في جمع دار: "أَدْؤُرٌ" وفي جمع ثَوْبٍ: "أثْؤُبٌ"، وفي جمع نارٍ: "أنْؤُرٌ"، قال عمر بن أبي ربيعة:
وأُطْفِئتْ مصابيحُ شُبَّتْ بالعشيِّ وأنْؤُرُ
[ ٣٢٣ ]
وقال الآخر:
لكلِّ حهر قد لبست أثْؤُبا
ومن لم يهمز قال: "أثْوُبٌ"، و"أنْوُرٌ"، و"أَدْوُرٌ"، و"وجوهٌ".
ووزن "أثْوُب": "أفْعُل".
وبعض من يهمز هذه الواو المتوسّطة في "أدْؤُرٍ" يقدّمها على الدّال فتصير:" أادُر" فيجتمع همزتان في كلمة واحدة فيقلب الثانية ألفًا، لسكونها وانفتاح ما قبلها فيقولون "آدرٌ" ووزن الكلمة: "أعْفُل". وقد قالوا في "أبْآر" ووزنها "أفْعالٌ": "آبارٌ" فقدّموا عين الكلمة على فائها، أصله: "أابارٌ" فقلبوا الهمزة ألفًا ووزن الكلمة: "أعْفالٌ". وقد قالوا: "رَأيٌ" و"أرْآءٌ" ووزن الكلمة: "أفْعالٌ" ثم قدّموا الهمزة فصار: "أاراء" ثم قلبوا فقالوا: "آراءٌ" ووزن الكلمة "أعْفالٌ". وقالوا في جمع "ناقةٍ": "أنْوُقٌ" ووزن الكلمة: "أفْعُل" فمنهم من يقدّم الواو على النّون فيصير: "أَوْنُقٌ" ثم تقلب الواو ياء فيقول:
[ ٣٢٤ ]
"أيْنُقٌ" فوزن الكلمة على هذا: "أعْفُلٌ"، ومنهم من يحذف الواو ويقول: الياء عوض من الواو فوزن الكلمة على هذا "أيْفُلٌ".
فأمّا "سُوُوقٌ" جمع: "ساقٍ" فوزنه "فُعُولٌ"، ومنهم من يهمز الواو للزوم ضمّها فيقول: "سُؤُوقٌ".
فأمّا قولهم: "أُولى" فوزنها: "فُعْلَى" وأصلها: "وُولى" فكلّهم همزها
[ ٣٢٥ ]
فقال: "أُولى" لاجتماع واوين في أوّل الكلمة.
و: "وُلْيَى" تأنيث "أَوْلَى" فهي "وُلْيَى". ولك أن تهمزها للزوم ضمّتها فتقول: "أُلْيَى".
فإن بنيت الفعل لما لم يُسَمَّ فاعله، وكان في أوّله واوٌ فإنّها تنضمُّ، وإذا انضمّت جاز همزها تقول في "وُعِدَ": "أُعِدَ"، وفي "وُزِنَ": "أُزِنَ"، وفي "وُمِقَ": "أُمِقَ"، وفي "وُثِقَ": "أُثِقَ"، وقد قرئ: (وإذا الرّسل أُقِّتَتْ)
[ ٣٢٦ ]
فإن كانت ضمّة الواو غير لازمة فهمزة خطأ نحو قولهم: "هذا دلوٌ وحَقْوٌ"، لأنّ هذه ضمّة إعراب يزيلها العامل إذا قلت: "رأيت دلوًا وحَقْوًا".
وكذلك الضّمّة في قوله: (لتروُنَّ الجحيم) و(اشترَوُا الضّلالة) لا يجوز همزها، لأنّ الضمّة لالتقاء السّاكنين، والتقاء السّاكنين غير واجب، فإذا لم يجب التقاء السّاكنين فالحركة التي تجيءُ عن التقائهما غير واجبة، ألا تراك تقول: "اشتَرَوْا ثوبًا" فيسلم سكون الواو لمّا لم يلقها ساكن بعدها.
فإذا كانت الواو مكسورة في أوّل اسم نحو: "وِشاح" و"وِفادة" و"وِعاء" و"وِسادة" فبعض النّحويّين يقول همزها قياس، وبعضهم يقول أقصُره على المسموع. وإنّما همزوا الواو المكسورة، لأنّهم استثقلوا الكسرة فيها كما يستثقلون الياء بعدها فيقولون: "إشاحٌ" و"إفادةٌ" و"إِسادةٌ" و"إِعاءٌ"
[ ٣٢٧ ]
"وإكافٌ"، وقرأ سعيد بن جبير: (ثمّ استخرجها من إعاء أخيه).
فإن وقعت الواو المكسورة حشوًا لم يجز همزها نحو: "طويلٍ" و"طويلةٍ" و"حوِيلٍ"، و"سَوِيطٍ".
فأمّا قولهم "مصائِبُ" في جمع "مُصيبة" فأصله: "مَصاوِبُ" فالواو هو الصّحيح وهمزها خطأ ومن همزها شبّه الواو المكسورة حشوًا بالواو المكسورة أوّلًا في نحو: "إشاح" وهذا تأويل قريب.
فأمّا "مَناوِرُ" في جمع منارة فلم يهمزه أحد
[ ٣٢٨ ]
فإن كان كسر الواو لالتقاء السّاكنين نحو: (لوِ استطعنا) و(اشتروِا الضّلالة) فيمن كسر الواو فهمزها خطأ، لأنّ الحركة لالتقاء السّاكنين غير لازمة.
وكذلك إن كانت الكسرة للإعراب نحو: "دلوٍ" و"حقوٍ" لم يجز همزها، لأنّ حركة الإعراب غير لازمة.
فأمّا الواو المفتوحة فلا يجوز همزها، لأنّ الفتحة فيها لا تستثقل، كما لا تستثقل الألف بعدها سواء كانت الواو أوّلا أو حشوًا أو أخيرًا، ولكنّه قد شذّ من المفتوحة حريفاتٌ همزت في أوّل الكلمة كلمات معدودة قالوا: "أحدٌ" وأصله: "وَحَدٌ"، لأنّه فَعَلٌ من الوِحْدة، فأمّا مؤنّثه وهو: "إحْدى" فإنّما همزوا الواو، لأنّها مكسورة، وأصله: "وِحْدى" على ما قدّمت في "إشاح" و"وِشاح".
وقالوا: امرأةٌ "أناةٌ"، وأصله: "وَناةٌ" فَعَلَةٌ من الوُنِيِّ يصفون به المرأة الكسول، لأنّ المرأة إذا عظمت عجيزتها ثقلت عليها الحركة، وهذا ممّا تمدح به النّساء.
[ ٣٢٩ ]
وقالوا: "أبَلَة" الطّعام، وأصله: "وَبَلَة" من الوَبيل وهو الوخيم الرّديءُ.
وهذا كلّه قليل شاذٌّ لا يقاس عليه.
وقد أبدلوا الهمزة من الواو والياء إذا وقعتا طرفًا بعد ألف زائدة فقالوا: "كِساءٌ" وهو فِعالٌ من الكِسْوَة، وقالوا: "رِداءٌ" وهو فِعالٌ من الرّدْيَة، والأصل فيهما: "كِساوٌ" و"رِدايٌ"، وقد قالوا: "عِلْباءٌ" وأصله "عِلْبايٌ".
ولك في همز هذه الياء والواو طريقان، في كلّ واحد من الطّريقين لا تراعي الألف من وجه، وتراعيها من وجه آخر.
فأحد الطّريقين أن تقول: الألف الزائدة بمنزلة الفتحة، فإذا كانوا يقلبون الياء والواو لتحرّكهما وانفتاح ما قبلهما، فأقلّ الأقسام أن تكون الألف الزّائدة بمنزلة الفتحة اللاّزمة، فقلبوا الياء والواو ألفًا، فاجتمع ألفان: الألف الزّائدة والألف المنقلبة. فمن هذا الوجه يراعون الألف.
والوجه الثّاني في القلب أن يقولوا: الألف الزّائدة لا يعتدّ بها وكأنّها ليست بموجودة في اللّفظ، وإذا كان كذلك صارت الياء والواو كأنّهما قد وليتا الفتحة التي قبل الألف، فوجب أن تقلب ألفًا، فإذا انقلبت ألفًا اجتمعت ألفان فعلى هذا الوجه تراعى الألف الزّائدة.
وعلى التّقديرين جميعًا في القلب قد اجتمع ألفان. فلا يخلو أن يجمع
[ ٣٣٠ ]
بينهما، أو تسقطهما، أو تسقط أحدهما، أو تحرّك أحدهما.
ولا يجوز الجمع بينهما، لأنّ الجمع بين ألفين محال، ولا يجوز إسقاطهما، لأنّه يختلّ معنى الكلمة، ولا يجوز إسقاط أحدهما، لأنّه لا يخلو أن يسقط الأوّل أو الثّاني، وأيّهما أسقطنا صارت الكلمة مقصورة ونحن نريد المدّ، فيجب أن يحرّك، ولا يجوز أن تحرّك الألف الأولى لأمرين:
أحدهما: أنّها زيدت للمدّ ولا حظّ لها في الحركة.
والثّاني: أنّا لو حرّكناها لانقلبت همزة وبعدها ألف فكانت الكلمة تكون مقصورة، وهم يريدون المدّ.
فإذا بطل تحريك الأولى وجب تحريك الثّانية لأمرين:
أحدهما: أنّ لها أصلًا في الحركة.
والثّاني: أنّها إذا حرّكت صارت همزة وقبلها ألف فجاءهم المدّ الذي أرادوه. فإن كان بعد هذه الياء والواو تاء التّأنيث نحو: "عَبَايَة" و"شَقاوَة" و"غَباوَة"، و"صَلايَة" و"مُحَّايَة" و"رَثَّايَة" فمن العرب من يقول: تاء التّأنيث منفصلة من الاسم، والأصل هو التّذكير فكأنّ الياء والواو قد وقعتا
[ ٣٣١ ]
طرفًا بعد ألف زائدة فيقلبهما ألفًا على التّقديرين اللذين ذكرتهما، ثم يحرّك الألف فتصير همزة فيقول: "عَباءٌ" ثم يلحق الهاء فيقول: "عباءة" و"صَلاءة" و"مَحّاءَة" و"شَقاءَة" و"رَثّاءَة".
وفيهم من يقول إنّما كنت أستثقل حركة الإعراب في الياء والواو واختلافهما فيهما، فلمّا اتّصلت بهما تاء التّأنيث حصَّنَتْهما وصار الإعراب يحلّ في تاء التّأنيث ولزمت الياء والواو الفتح، والفتحة فيهما غير مستثقلة فقال: "عَبايَةٌ" و"صَلايَةٌ" و"شَقاوَةٌ" و"مَحَّايَةٌ".
والقائل بهذا القول قد بنى الكلمة على التّذكير فجاءت تاء التّأنيث وقد استقرّ الهمز والقلب.
[ ٣٣٢ ]
فأمّا قولهم: "ماءٌ" فالأصل: "مَوَهٌ" فقلبوا الواو ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فصار: "ماهٌ"، ثمّ قلبوا من الهاء همزة، لأنّ الهاء تصاقب الهمزة وتجاورها وإن كانت الهاء فُوَيْقًا منها في المخرج قليلًا فقالوا: "ماءٌ" وهذا شاذٌّ؛ لأنّهم لا يُعِلّون حرفين متلاصقين ويدلّك على أنّ أصله "مَوَهٌ" قولهم في التّصغير: "مُوَيْهٌ" وفي تكسيره "أمْواهٌ" و"مِياهٌ" وفي تصريف الفعل منه "ماهَتِ الرَّكِيَّةُ" تمِيهُ وتمُوهُ وتَماهُ" إذا نبع ماؤها.
فكما قلبوا من الهاء هاهنا همزة، فقد قلبوا من الهمزة هاء قرأ بعض
[ ٣٣٣ ]
المتقدّمين: (هِيّاك نعبد وهِيّاك نستعين) قال الشّاعر:
فَهِيّاك والأمر الذي إن توسّعت موارده ضاقت عليك مصادره
وقد قال قوم: "شاءٌ" أصله: "شَوَهٌ": لقولهم: "تشوَّهتُ شاة" إذا
[ ٣٣٤ ]
صِدْتُها، فقلبوا من الواو ألفًا، ومن الهاء همزة فقالوا: "شاءٌ".
وقال قوم: هذا اسم للجمع ليس من لفظ "شاةٍ" وإن كان فيه بعض حروفه.
وقالوا في قول امرئ القيس:
وقد رابني قولها يا هَنا هُ ويحك ألحقْتَ شَرًّا بشرِّ
[ ٣٣٥ ]
قال قوم: هو "فَعالٌ" من قولهم: "هَنُوكَ"، و"هَنَواتٌ"، وأصله: "هَناوٌ" فقلبوا الواو ألفًا على الطّريقتين اللّتين ذكرتهما وقلبوا من الألف همزة فقالوا: "هَناءٌ" ثمّ قلبوا من الهمزة هاء فقالوا: "يا هَناهُ". وهذا مذهب سديد.
[ ٣٣٦ ]
وقال قوم: إنّما هو "يا هَنا" ثم ألحق الهاء للسّكت فقال: "يا هَناهْ"، ثمّ اضطُرَّ الشّاعر فحرّك هاء السّكت. وهذا الوجه ضعيف جدًّا، لأنّ هاء السّكت لا يجوز حركتها، ولا سيّما إذا وجدنا طريقة أخرى تغنينا عنها.
فأمّا قولهم: "آلٌ" فهذا الاسم لا يستعمل إلاّ
[ ٣٣٧ ]
مضافًا إلى الأعلام، وقال قوم هو أخصّ من أهلٍ، قد قيل في أهل مكّة هم "آلُ الله" قال الشاعر:
نحن آلُ الله في كعبته لم يزل ذاك على عهد إبرَهَمْ
وأصله: "أهْلٌ" فقلبوا من الهاء همزة ليفرقوا بين العامّ والخاصّ فقالوا: "أالٌ" فاجتمع همزتان في كلمة واحدة كما اجتمعتا في "أادَمَ" فقلبوا الثّانية
[ ٣٣٨ ]
ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها فقالوا: "آلٌ"، واختلفوا في تصغيره فكان يونس يقول في تصغيره: "أُوَيْلٌ"، ويقول هذه ألف صحيحة ينبغي أن تنقلب واوًا كما قلت في تصغير: "آدم": "أُوَيْدِمٌ".
وكان غيره يردّ الهاء في التّصغير فيقول: "أُهَيْلٌ"، ويقول إنّما رددت الهاء لأدلّ على الأصل الذي انقلبت عنه.
[ ٣٣٩ ]