اعلم أنّ الياء قد أبدلت من حروف كثيرة بعضها يطّرد فيه البدل وبعضها لا يطّرد، وإنّما يحفظ في مكانه.
ويذكر ها هنا ما يكثر استعماله وتدعو الحاجة إليه.
اعلم أنّ الياء تبدل من الألف إذا انكسر ما قبلها تقول في تصغير: "مفتاح":"مُفَيْتِيحٌ" وفي تكسيره "مفاتيحُ" وفي "محراب": "مَحَيْرِيبٌ" و"مَحاريبُ". وأمثلة هذا كثيرة.
[ ٣١١ ]
وقد تبدل الياء من الواو إذا سكنت الواو وقبلها كسرة سواء كانت الواو فاءً أو لامًا أو زائدة. فمثال الفاء قولهم: "ميعادٌ"، و"ميزانٌ"، و"ميقاتٌ"، وأصله: "مِوْعادٌ" لأنّه مِفعالٌ من الوعد، أو "مِوْزانٌ" لأنّه مِفعالٌ من الوزن، و"مِوْقاتٌ" لأنّه مِفعالٌ من الوقت. فلمّا سكنت الواو وقبلها كسرة غلبت عليها الكسرة فجذبتها إلى جنسها وهو الياء؛ لأنّ الحرف إذا سكن ضعف ومات بسكونه فغلبت عليه الكسرة، يدلّك على أنّ الكسرة غلبت على الواو السّاكنة أنّ الكسرة إذا زالت عادت الواو إلى حركتها قالوا: "مُوَيْعِيدٌ" و"مُوَيْزِينٌ" و"مَوازينُ" و"مُوَيْقِيتٌ" و"مواقيتُ".
وتقول في الواو الزّائدة في "بُهْلُولٍ" و"قُرْقورٍ" و"زُنْبورٍ" و"صُندوقٍ": "بُهَيْليلٌ" و"بَهاليلُ"، و"قُرَيْقيرٌ" و"قَراقيرُ"، و"زُنَيْبيرٌ" و"زنابيرُ"، و"صُنَيْدِيقٌ" و"صناديقُ"، وأمثلته كثيرة، وهو قياس مطّرد.
وقد تبدل هذه الواو ياء وإن تحرّكت إذا وقع قبلها ياء التّصغير قالوا في تصغير "عجوزٍ": "عُجَيِّزٌ"، والأصل: "عُجَيْوِزٌ"، وفي تصغير "عمودٍ"
[ ٣١٢ ]
"عُمَيِّدٌ"، والأصل: "عَمَيْوِدٌ" فقلبوا الواو ياء، وأدغموا ياء التّصغير فيها. وسأستوفي هذا الفصل في مكان آخر إن شاء الله.
وأمّا قلب الياء من الواو إذا كانت الواو لامًا فقولهم: "غازٍ" وهو من "غزَوْتُ"، و"دانٍ" وهو من"دَنَوْتُ"، و"عالٍ" وهو من "عَلَوْتُ"، وأمثلته كثيرة.
سألت بعض النّحويّين عن قلب هذه الواو إلى الياء فقلت له: شرطتم بأنّ الواو تنقلب ياءً إذا سكنت وانكسر ما قبلها، والأصل في هذا: "غازِوٌ" فالواو متحرّكة فقد نقص أحد الشّرطين، وكان ينبغي أن تصحَّ الواو ولا تنقلب، وليس يجوز أن يقال بأنّا استثقلنا الخروج من كسر لازم إلى ضمٍّ لازم، لأنّ ضمّة الواو إعرابٌ، والإعراب ليس بلازم.
فقال لي: نوينا الوقف على الواو، فلمّا سكنت للوقف وقبلها كسرة غلبت عليها الكسرة فقلبتها ياء.
فقلت له: نحن نقول في المؤنّث: "غازيةٌ" فقد زال السّكون.
فقال لي: التّانيث طارئٌ على لفظ التّذكير، فالتّأنيث فرع والتّذكير هو الأصل، فلمّا وجب القلب في الأصل حمل الفرع عليه.
[ ٣١٣ ]
وهذا كلّه عن أبي القاسم الدّقّاق ﵀.
وذكر ابن جنّي في بعض كتبه أنّ آخر الكلمة هو موضعٌ يلزمه التّغيير. ألا ترى أنّ الإعراب يحلّ فيه وحركات البناء وينقلب في الإعراب من حال إلى حال؟ فلمّا كان التّغيير لازمًا للطّرف كفى في القلب علّة واحدة وهو كون الكسرة قبلها، وإنّما يحتاج في القلب إلى مجموع علّتين إذا بعدت الواو من الطّرف؛ لأنّها إذا بعدت من الطّرف قويت فاحتجنا أن نقول لأنّها ساكنة وقبلها كسرة.
فأمّا الياء في: "ريحٍ" فأصلها:"رِوْحٌ" "فِعْلٌ" من الرَّوْح فلمّا سكنت وقبلها كسرة انقلبت ياء يدلّك على أنّ الياء في: "ريحٍ" انقلبت عن واو أنّه من الرَّوْح، وتقول في تصغيرها: "رُوَيْحَةٌ" وفي تكسيرها "أرْواحٌ"، وتقول: راوَحْتُ بين الشّيئين.
و"عيدٌ" الياء فيه منقلبة عن واو؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، وأصله:
[ ٣١٤ ]
"عِوْدٌ": "فِعْلٌ" من العَوْد، ولا اعتبار بلزوم الياء في التّصغير والتّكسير في قولهم: "عُيَيْدٌ" و"أعْيادٌ"، لأنّ هذا شاذٌّ، وإنّما ألزموه الياء ليَفْرقوا بينه وبين: "عُودٍ" و"عَوْدٍ" قال قوم من أهل الاشتقاق أصله من عاد يعُودُ كأنّه يعود بالفرح والسّرور.
وأمّا: "قيَل" فأصله: "قُوِلَ" فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، لأنّه من القول. وسأستوفي هذا في اعتلال الأفعال إن شاء الله.
فأمّا "دِيمَةٌ" فهي "فِعْلَةٌ" من الدَّوام، وأصلها: "دِوْمَةٌ" فلمّا سكنت الواو وقبلها كسرة انقلبت ياء. يقولون: دامت السّحابة تدوم إذا ثبتت من الوقت إلى الوقت، ويقولون: دَوَّمت السّحابة أيضًا قال الشاعر:
هو الجواد بن الجواد بن سَبَلْ إنْ دَوَّموا جاد وإن جادوا وَبَلْ
[ ٣١٥ ]
فإن سكنت الواو للإدغام سلمت من القلب لتحصّنها بالإدغام وإن كان قبلها كسرة، فأمّا قولهم: "دِيوانٌ" فقلبه شاذٌّ، لأنّ الأصل: "دِوَّان" فالواو قد تحصّنت بالإدغام، يدلّك على أنّ هذا هو الأصل قولهم في التّصغير: "دُوَيْوِينٌ"، وفي التّكسير "دَواوينُ"، فعادت الواو التي انقلبت ياء لمّا فرّقت الألف بين المثلين.
فأمّا قولهم: "دينارٌ" فالأصل فيه: "دِنّارٌ"، وقولهم: "دِيباجٌ" فالأصل فيه: "دِبَّاجٌ" على أحد القولين وقولهم "قِيراطٌ" فالأصل فيه: "قِرّاطٌ"، إلّا أنهم كرهوا التّضعيف مع الكسرة قبله فقلبوا الأوّل من المثلين ياء يدلّك على أنّ
[ ٣١٦ ]
هذا هو الأصل رجوع المثال المنقلب في التّصغير والتّكسير في قولهم: "دُنَيْنيرٌ" و"دنانيرُ" و"قُرَيْريطٌ" و"قَراريطُ" و"دُبَيْبيجٌ" و"دَبابيجُ"، فهذا يدلّ على أنّ هذا هو الأصل.
الياء في "ديباجٍ" منقلبة عن باء، فأمّا، من قال: "دَيايِيجُ" فليس الياء في "ديباج" منقلبة عن باء.
فأمّا من قال: "شَراريزُ" فالياء في "شيرازٍ" منقلبة عن راء، والأصل: "شِرّازٌ" وتقول في التّصغير: "شُرَيْريزٌ" لأنّهم يستثقلون التّضعيف مع الكسر.
وقد قال قوم في تكسيره: "شَياريزُ" حملوه على اللّفظ، وفي التّصغير: "شُيَيْرِيزٌ".
وقال آخرون: "شُوَيْريزٌ" وفي الجمع: "شَوارِيزُ"، كأنّهم جعلوا الياء في: "شيرازٍ" منقلبة عن واو، ولمّا قلبوا الرّاء ياء أَنَّسهم هذا التّغيير بالتّغيير الثاني فقلبوا الياء واوًا.
[ ٣١٧ ]