اعلم أنّ الألف حرف خفيف يخرج مع النَّفَس من غير كلفة على النَّفس حتّى قالوا ليس للألف مخرج من الحلق لخفاء مسلكها وغموضه، وقال الخليل مخرجها فُوَيْق الهمزة.
[ ٤٠٥ ]
وحذف الألف في الجملة قليل لخفّتها، فممّا حذفت فيه من الشّعر قول لبيد:
وقبيلٌ من لُكَيْزِ شاهد رهطُ مرجوم ورهط ابن المُعَلْ
يريد: "المُعَلَّى" فحذف اللام الأخيرة، والألف التي بعدها، وقال الآخر:
ولستُ بمدرك ما فات منّي بلهف ولا بليت ولا لوَ انّي
فحذف الألف، وأكثر ما يجيءُ هذا الحذف في الشّعر، ليُقَوِّموا به
[ ٤٠٦ ]
الأوزان، ويصحّحوا به القوافي.
وقال قوم في قوله تعالى: (يابنَ أمَّ) أراد يا ابنَ أمَّا فحذف الألف، وحُكِي عن أبي عثمان المازنيّ في قراءة من قرأ: "يا أبتَ لم تعبدُ) أراد يا أبتا فحذف الألف قال: والدّليل على ذلك أنّ الشّاعر قد أظهرها في قوله:
يا أبتا علَّكَ أو عساكا
وإنّما يحذفون الألف، لأنّ الفتحة قبلها تدلّ عليها وتغني عنها
[ ٤٠٧ ]
قالوا: "أمَ والله لأفعلنَّ" وهذه: "ما" الزّائدة قد ركّبوها مع همزة الاستفهام فبطل ما كان فيها من المعنى، واستعملت على ضربين: أحدهما: أن تكون بمعنى حقًّا فيكون مصدرًا قد جعل ظرف زمان قالوا: "أما إنّك منطلقٌ".
والثّاني: أنّهم استعملوها افتتاحًا بمنزلة: "ألا" قالوا: "أما إنَّ زيدًا منطلقٌ" كما قالوا: "ألا إنَّ زيدًا منطلقٌ"،وفي التّنزيل: (ألا إنّهم هم السّفهاءُ).
فإذا وقعت هذه الكلمة في القَسَم قالوا: "أمَ واللهِ لأذهبنَّ" فأسقطوا الألف ليدلّوا على شدّة اتّصال الثّاني وتركيبه معه، لأنّ الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها، فعُلِم بذلك افتقارها إلى الاتّصال بغيرها.