ومن ذلك حذف الهاء:
الهاء قد حذفت إذا كانت لامًا قالوا: "شاةٌ" والأصل: "شَوْهَةٌ"، وربّما
[ ٤١٧ ]
قالوا: "شَوَهَةٌ" فحذفوا الهاء في قولهم: "شاةٌ"، لأنّ الهاء حرف خَفيٌّ مهموس يُشَبَّه بحروف العلّة. ألا تراه يقع وصلًا في الشّعر كحروف العلّة، وينبغي أن يكون أضعف من حروف العلّة؛ لأنّ حروف العلّة لا تكون وصْلًا إلاّ سواكن، والهاء تكون وصلا ساكنة ومتحركة، فدلَّ على أنّ حركتها لا يُعْتَدُّ بها.
ولإن تكون "شاةٌ" أصلها: "شَوْهَةٌ" بالسّكون أولى من الحركة، لأنّ أصل الحرف السّكون، وإنّما الحركة زائدة عليه، والزّائد لا يقطع عليه إلاّ بدليل.
وإذا كان أصلها "شَوْهَةٌ" وسقطت الهاء باشرت الواو السّاكنة تاء التّأنيث، وتاء التّأنيث يفتح ما قبلها فصار: "شَوَة" فلمّا تحرّكت الواو وقبلها فتحة انقلبت ألفًا فصار: "شاةٌ".
ويدلّك على أنّ لامها هاءٌ قولهم في تحقيرها: "شُوَيْهَةٌ" وفي تكسيرها: "شِياهٌ"، وقد حكى أبو زيد أنّ من العرب من يقول: "تَشَوَّهْتُ
[ ٤١٨ ]
شاةً" إذا صاد شاةً.
فأمّا: "شاءٌ" فهذا اسم للجمع وليس بجمع، وقال قوم أصله: "شاهٌ" فقلبوا من الهاء همزة، وهذا لا يقاس عليه، لأنّه يكون "شَوَهٌ" يقلب الواو ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ويقلب الهاء همزة، وهذا لا يجوز؛ لأنّه لا يجوز أن يُعَلَّ حرفان متلاصقان من غير حاجز بينهما.
فأمّا قولهم: "شاوِيٌّ" فهذا اسم للجمع وليس بمشتقّ من شاة وإن كان فيه بعض حروفه.
فأمّا قولهم: "ماءٌ" فأصله: "مَوَهٌ" فقلبوا الواو ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فصار: "ماهٌ" ثمّ قلبوا من الهاء همزة فقالوا: "ماءٌ". وهذا لا يقاس عليه لقلّته ونزارته.
فأمّا: "اسْتٌ" فأصلها: "سَتَهَةٌ" يدلُّك على ذلك تصغيرها: "سُتَيْهَةٌ" و[تكسيرها] "أسْتاهٌ"، ومنهم من يقول: "اسْتٌ" فيسقط الهاء وهي لام
[ ٤١٩ ]
الكلمة، ويدخل في أوّلها همزة الوصل.
ومنهم من يقول: "سَهٌ" فيسقط التّاء وهي عين الكلمة، ومنه حديث النبي ﷺ (العينان وكاء السَّهِ) أي سِدادُ الاست؛ لأنّه إذا كان يقظان حفظت عيناه اسْتَهُ فلم تنطلق، وإذا نام انحلّ الوكاء فانطلقت الاست ولهذا قال: (فإذا نامت العينان استطلق الوكاء).
وفي الكلام ما تكون لامُه تتعاقب عليها الياء والواو كما قالوا: "دَمَيان" و"دَمَوان"، و"رَجَوان" و"رَجَيان"، و"نَقَوان" و"نَقيان".
وفيها ما يختصّ بالياء كما قالوا: فتيان.
ومنها ما يتعاقب عليه الهاء والواو فمن ذلك: "سَنَةٌ" فمن قال: "سَنَواتٌ"
[ ٤٢٠ ]
قال في الفعل: "سانَيْتُ" وفي التّصغير: "سُنَيَّةٌ"، وأصلها: "سُنَيْوَةٌ" فقلب من الواو ياء، وأدغم الياء في الياء.
ومن قال اللامُ هاء قال: "سانَهْتُ"، و"سُنَيْهَةٌ" قال الشاعر:
ليست بسَنْهاء ولا رُجَبِيّة ولكن عرايا في السّنين الجوائح
ومن ذلك: "عِضَةٌ" منهم من يقول: "عُضَيْهَةٌ" و"عِضاهٌ"، ومنهم من يقول: "عُضَيَّةٌ"، و"عِضواتٌ" قال الشّاعر:
[ ٤٢١ ]
هذا طريقٌ يأزِمُ المآزِما وعِضَواتٌ تقطع اللَّهازِما
فعلى ما بيّنت لك يجري لام الكلمة.
فأمّا: "فمٌ" فأصله: "فَوْهٌ" فحذفوا الهاء وهي لام الكلمة، وأبدلوا من الواو ميمًا فقالوا: "فمٌ" يدلّك على ذلك قولهم في التّكسير: "أفْواهٌ"، وفي التّصغير: "فُوَيْهٌ".
[ ٤٢٢ ]
فأمَّ: "شَفَةٌ" فأصلها: "شَفَهَةٌ" وزنها: "فَعَلَةٌ" فحذفوا الهاء وهي لام الكلمة فبقي: "شَفَةٌ"، يدلُّك على أصلها تصغيرهم إيّاها: "شُفَيْهَةٌ"، وتكسيرهم إيّاها: "شِفاهٌ"، وتصريف الفعل منها: "شافَهْتُ مُشافَهَةً وشِفاهًا".