اعلم أنّ الهمزة قد حذفت فاء وعينًا ولامًا.
فمثال حذفها فاء قولهم في الأمر: "خُذْ"، و"كُلْ" وهو من "أخَذَ" و"أكَلَ"، والأصل: "ااخُذْ"، و"ااكُلْ" فثقل عليهم اجتماع همزتين في كلمة واحدة مع كثرة استعمالها، فأسقطوا الهمزة الساكنة وهي الثّانية، فلمّا أسقطوها أسقطوا الهمزة الأولى، لأنّها وصل، وإنّما تدخل توصُّلًا إلى النّطق بالسّاكن، فإذا سقط السّاكن الذي لأجله دخلت استُغْنِيَ
[ ٣٩٣ ]
عنها، وربّما أثبتوا هذه الهمزة في ضرورة شعر قال الشّاعر:
تحمَّلْ حاجتي وا أخذْ قُواها فقد نزلت بمنزلة الضّياع
فأمّا الأمر من: "أَمَرَ" يامُرُ فالعرب تختلف فيه فمنهم من يقول قد كَثُرَ ككثرة "خُذْ" و"كُلْ" فهؤلاء يسقطون من أوّله فيقولون "مُرْ" كما يقولون "خُذْ"، والأصل فيه "امُرْ" فلمّا أسقطوا الهمزة السّاكنة استغنوا عن الأولى، لأنّ الأولى همزة وصل، وإنّما تدخل توصُّلًا إلى النّطق بالسّاكن، وإذا سقط السّاكن الذي لأجله دخلت استغني عنها.
وقوم من العرب يقولون لم يكثر ككثرة: "خُذْ" و"كُلْ" فهؤلاء يدخلون
[ ٣٩٤ ]
عليها همزة الوصل ويقلبون منها واوًا لسكونها وانضمام همزة الوصل قبلها حتّى لا يجمع بين همزتين في كلمة فيقولون: "اومُرْ"، فإذا سقطت همزة الوصل عادت الواو إلى الهمزة، لأنه لم يجتمع همزتان.
وكلّهم إذا جاء حرف العطف ردّ الهمزة كما قال تعالى: "وامُرْ أهلك بالصّلاة).
فأمّا إذا أمرت من "أتى يأتي" فالأصل فيه أن تقول: "ائْتِ" فتسقط الياء التي بعد التّاء للأمر كما أسقطتها في: "ارْمِ" لأنّها صارت بدلًا من الحركة في: "اضرب" ثم يبدلون الهمزة الثانية ياء لسكونها و[كسرة] همزة الوصل قبلها فيقولون: "ايتِ"، فإذا سقطت همزة الوصل عادت الياء إلى الهمزة فقالوا: "إِتِ" فإنّ هذا هو الأمر المقيس في هذا الفعل.
وقد شبّه قوم من العرب وهم قليل: "ايتِ" بـ"خذْ وكلْ". و"إتِ" لم تكن مثلها في الكثرة فأسقط الهمزة الثانية فلمّا أسقطها استغنى عن همزة الوصل فقالوا: "تِ زيدًا" كما قالوا: "لِهْ عملَك" من "وَلِيْتُ" و"قِ زيدًا" من "وَقَيْتُ" وأنشدوا:
[ ٣٩٥ ]
تِ لي آلَ زيدٍ فاندُهُمْ لي جماعة وسل آل زيدٍ أيّ شيء يضيرُها
وهذا لا يقاس عليه.
وقد حذفوا الهمزة وهي فاء من قولهم: "يا بافلان"، وهذا في الشّعر قال أبو الأسود الدؤلي:
يابا المغيرة ربّ أمر فادح فرّجته بالمكر منّي والدّها
والأصل: "يا أبا المغيرة" فحذفوا الهمزة.
[ ٣٩٦ ]
وممّا حذفوا الهمزة منه وهي فاء قولهم: "إلاهٌ" حكى سيبويه فيه لغتين "إلاهٌ" وزنه (فِعالٌ) على وزن كتابٍ، الهمزة فاء واللام عينٌ، والهاء لامٌ، والألف قبل الهاء زائدة.
الثّانية: "لاهٌ" وأصله: "لَيَهٌ" فتحرّكت الياء وقبلها فتحة فانقلبت ألفًا، فوزنه: "فَعَلَ" قبل القلب ووزنه بعد القلب: فَعْلٌ"، ولم يحذف من الاسم في هذه اللّغة شيء.
[ ٣٩٧ ]
ولكنّهم قدّموا الهاء إلى موضع الألف فسكنت لمّا وقعت موقع السّاكن، وأخّروا الألف فرجعت إلى الياء لمّا سكن ما قبلها فقالوا: "لَهْيَ أبوكَ" فوزنه: "فَلْعَ"، وحرّكوا لسكونها وسكون الهاء قبلها، واختاروا لها الفتح لكثرة الفتحة وخفّتها كما اختاروا في أين وكيف.
وإنّما استحقّ هذا الاسم البناء لأنّ الأصل فيه "للهِ أبوك" فاللامُ الأولى للجرّ والثانية للتّعريف والثّالثة فاء الكلمة، وضمّنوا الاسم معنى لام التّعريف، واستحقّ البناء لتضمّنه معنى الحرف، وبني على سكون الياء، ثمّ حركت لسكونها وسكون ما قبلها، وبقي لامان: لام الجرّ، واللامُ الأصليّة: فمن النّحويّين من يقول أسقط اللام الأصليّة تخفيفًا وبقيت لام الجرّ ليَعلق الاسم بمعنى الاستقرار، وفتحت لام الجرّ لوقوع الألف بعدها إذا قلت: "لاهِ" وشبِّهت الهاء بالألف فبقيت اللام معها مفتوحة.
والمذهب الجيّد: أن يكونوا قد حذفوا لام الجرّ تخفيفًا، وبقيت اللام الأصليّة وهي وإن حذفت مقدّرة من طريق المعنى، لتعلّق الاسم بمعنى الفعل.
فأمّا من قال: "إلاهٌ" فإنّه حذف الهمزة تخفيفًا فبقي: "لاهٌ" ثمّ أدخل
[ ٣٩٨ ]
الألف واللّام وجعلهما عوضًا من الهمزة المحذوفة، ولمّا كانت لام التّعريف ساكنة أدغمها في اللّام الأصليّة فقال: "الله".
فإذا كان قبل هذه اللام ضمّة أو فتحة فخّم اللام فقال: "قلتُ اللهَ" و"قال اللهُ" تعظيما لهذا الاسم وتمويها به، لأنّه صار كالاسم العلم.
فإن كان قبل هذه اللام كسرة أرقّوا اللام فصارت كالإمالة فيها فقالوا: "للهِ" و"باللهِ".
والذي يدلُّ على أنّ هذه الألف واللام قد صارتا عوضًا من الهمزة المحذوفة أنّهم يقطعون همزة الوصل في هذا الاسم فيقولون: "يا أللهُ اغفر لي"؛ وإنّما قطعوا همزة الوصل عن هذا ليدلُّوا على أنّها قد صارت عوضًا من همزة القطع.
وممّا حذفوا منه الهمزة وهي فاء قولهم: "ناسٌ" والأصل فيه: "أُناسٌ" على وزن "فُعال" فأسقط الهمزة وبقي: "ناسٌ" على وزن" عالٍ" وألزموه الألف واللام فقالوا: "النّاسُ"، إلاّ أنّ الألف واللام ليستا عوضًا من المحذوفة؛ يدلّك على أنّها ليست عوضًا أنّهم لم يقطعوا همزتها ووصلوها فقالوا: "بالنّاس" و"للنّاسِ"، ويدلّك أيضًا على أنّها ليست عوضًا من الهمزة أنّهم قد
[ ٣٩٩ ]
جمعوا بينها وبين الهمزة قال الشاعر:
إنّ المنايا يطَّلعـ ن على الأُناسِ الآمنينا
وقد حذفت الهمزة عينًا قالوا: "رأى" وزنه "فَعَلَ" وفيه لغتان منهم من يقول "رأى" وهو الأكثر على وزن: "فَعَلَ".
ومنهم من يقدّم اللاّم فيقول: "راءَ" فوزنه "فَلَعَ" قال الشّاعر:
وكلّ خليل راءني فهو قائلٌ من أجلك هذا هامة ُاليوم أو غدِ
[ ٤٠٠ ]
فإذا صاروا إلى المستقبل قالوا: "يرى"، والأصل "يَرْأَى" إلاّ أنّهم قلمّا يستعملون هذا إلاّ في ضرورة شعر قال الشاعر:
أري عينيَّ ما لم ترْأَياهُ كلانا عالِمٌ بالتُّرَّهات
والمذهب الجيّد: أن ينقل حركة الهمزة إلى الرّاء فتنفتح الرّاء وتسقط الهمزة فيقولون: "يَرَى" و"نرى" و"ترى" وأنا "أرى" فوزن: "يَرَى": "يَعَلُ" هذه اللغة الفصيحة.
[ ٤٠١ ]