اعلم أنّ الفعل الثّلاثيَّ الماضي يكون على: "فَعَلَ"، و"فَعِلَ"، و"فَعُلَ" إذا كان الفعل للفاعل، فإن بنيت الفعل للمفعول كان على: "فُعِلَ".
إذا كان الماضي على: "فَعِلَ" مكسور العين كان مستقبله على: "يَفْعَلُ" بفتح العين نحو: "عَلِمَ يَعْلَمُ" و"رَكِبَ يرْكَبُ"، و"لَبِسَ يلبَسُ"، وقد شذَّ من هذا الفصل أربعة أفعال جاء مستقبلها على: "يفعِلُ ويفعَلُ"، كأنّهم ركّبوا مستقبلين على ماضٍ واحد قالوا: "حسِبَ: يحسِبُ ويحسَبُ" و"يئِسَ: ييْئِسُ ويَيْأسُ" و"يَبِسَ: ييْبِسُ وييْبَسُ" و"نَعِمَ: ينعِمُ وينْعَمُ".
وقد قالوا: "نَعَمَ: ينعُمُ"، "نعِمَ: ينْعَمُ" ثمّ ركّبوا من مجموع اللغتين لغة ثالثة فقالوا: "نعِمَ ينعُمُ"، وقالوا: "فَضَلَ: يفْضُلُ" و"فَضِلَ: يفضَلُ" وركّبوا من اللغتين لغة ثالثة فقالوا: "فَضِلَ: يفضُلُ"، وقالوا: "حَضَرَ: يحضُرُ" و"حضِرَ: يحضَرُ" ركّبوا من مجموع اللغتين لغة ثالثة فقالوا: "حضِرَ: يحضُرُ"، وقالوا: "رَكَنَ: يركُنُ" و"رَكِنَ يركَنُ" ثمّ ركبوا من اللغتين لغة ثالثة فقالوا: "رَكِنَ يركُنُ"، وقالوا: "قَنَطَ: يقنِطُ" و"قنِطَ يقنَطُ" ثمّ ركّبوا من اللغتين لغة ثالثة فقالوا: "ركِنَ: يركُنُ"، وقالوا: "قنَطَ يقنِطُ" و"قنِطَ يقنَطُ" ثمّ ركّبوا من اللغتين لغة ثالثة فقالوا: "قنَطَ: يقنْطُ".
[ ٤٣١ ]
وإذا كان الماضي على "فَعُلَ" جاء المستقبل على "يفعُلُ" لا ينكسر منه شيء قالوا: "ظَرُفَ يظْرُفُ"، و"كرُمَ يكرُمُ"، و"شرُفَ يشرُفُ".
وإذا كان الماضي على "فَعَلَ" وليس عينه ولا لامه حرفًا من حروف الحلق، فربّما جاء المستقبل على: "يفعِلُ" نحو: "ضرَبَ يضرِبُ" و"جلَسَ يجلِسُ" و"حبسَ يحبِسُ"، وربّما جاء المستقبل على "يفعُلُ" لا غير نحو: "ذكرَ يذْكُرُ" و"قتلَ يقتُلُ"، وربّما جاء المستقبل على "يفعِلُ ويفعُلُ" قالوا: "فسَقَ يفسُقُ" و"عَكَفَ: يعكِفُ ويعكُفُ"، و"عرَشَ: يعرِشُ ويعرُشُ"، و"طَمَسَ: يطْمِسُ ويطمُسُ"، و"سفَكَ: يسفِكُ ويسفُكُ"، وأمثلته كثيرة.
فإن كان عين الفعل أو لامه حرفًا من حروف الحلق وهي: "الهمزة، والهاء، والحاء، والعين، والخاء، والغين" فربّما جاء المستقبل على: "يفعُلُ" فقط نحو: "دخَلَ: يدخُلُ".
وربّما جاء على "يفعَلُ" نحو: "ذبَحَ يذْبَحُ" و"قرأ: يقرَأ".
وربّما جاء على "يفعِلُ ويفعَلُ" قالوا: "زأرَ: يزْئِرُ ويزأرُ".
وربّما جاء على: "يفعَلُ ويفعِلُ" قالوا: "ضَبَعَ: يضبَعُ ويضبِعُ".
[ ٤٣٢ ]
وقد جاء على "يفعُلُ" نحو "دخَلَ يدخُلُ".
وقد جاء على "يفعِلُ، ويفعَلُ، ويفعُلُ"، فإذا مرّ بك فلا تستوحش منه.
فهذا أصل في الصّحيح، وأنا أحمل المعتلَّ على هذه الأمثلة إن شاء الله تعالى.
فإذا كان حرف الحلق عينًا فتح نفسه، وإذا كان لامًا فتح العين، وإذا كان فاء لم يؤثّر، وإذا لم يكن عين فعل أو لامه حرفًا حلقيًّا لم يجز فتح العين في المستقبل، وقد شذّ منه شيء قالوا: "أبى: يأبَى" قال قوم إنّما فتحه، لأنّ فاءه همزة وهي من حروف الحلق، وهذا غلط، لأنّ حروف الحلق إنّما تؤثّر إذا كانت متحرّكة عينًا أو لامًا، والهمز هاهنا في "يابَى" ساكنة وهي فاء فهي غير مؤثّرة.
وقال قوم إنّما فتح، لأنّ لامه ألف، والألف من حروف الحلق.
[ ٤٣٣ ]
وهذا أيضًا قول ليس بالجيّد.
وقال قوم: إنّما فتح تشبيهًا له بنظيره وهو "منَعَ يمنَعُ"، لأنّ الإباء المنع.
وقال قوم إنّما فتح على طريق الغلط توهّموا ماضيَهُ على "فعِلَ" فجاء المستقبل على "يفعَلُ"، وهذا وجده جيّد.
وهذا حرف متّفق عليه.
وقد حكوا حروفًا أخر وهي متأوَّلَةٌ قالوا: "ركَنَ يرْكَنُ" و"قَنَطَ يقنَطُ"، وقد ذكرناهما، وقالوا: "حَنا يحْنَى" و"قلا يقْلَى" و"عَسا يعْسَى" وهذا يجوز أن يكون ماضيه على "فَعِلَ"، ويجوز أن يكون جاء من فَعَلَ على طريق الشّذوذ.
[ ٤٣٤ ]
فأمّا "فَعِلَ يفعِلُ" ممّا فاؤه واو نحو: "وفِقَ أمرُه يفِقُ" و"وَرِثَ يرِثُ" و"وَمِقَ يمِقُ". وقد مضى من هذا نبذٌ فيما تقدّم.
وقد جاء: "طاحَ يطيحُ" و"تاه يتِيهُ" فمن قال: "طَوَّحْتُ" و"تَوَّهْتُ" قال أصله: "طَوِحَ يطْوِحُ" و"تَوِهَ يتْوِهُ" جاء على مثال: "حَسِبَ يحسِبُ" فانقلبت الواو في الماضي ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فأمّا في المستقبل فإنّهم نقلوا كسرة العين إلى الفاء في: "يطْوِحُ" و"يتْوِهُ" فسكنت العين وانكسرت الفاء فصار: "يطِوْحُ" ويتِوْهُ" فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فقالوا: "يطِيحُ" و"يتِيهُ"، فهذا ما اعتلّت عينه، قد أعلَّ بإسكان متحرّك، وتحريك ساكن.
وقد حكوا فيه: "طَيَّحْتُ" و"تيَّهْتُ" و"هو أطْيَحُ منك" و"أتْيَهُ منك"، وقالوا أصل هذا: "طَيَحَ يطْيِحُ" و"تَيَهَ يتْيِهُ" فتحرّكت الياء في الماضي وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفًا، فأمّا في المستقبل فإنّهم نقلوا كسرة الياء إلى الفاء فسكنت الياء وانكسرت الفاء فقالوا: "يطِيحُ" و"يتِيهُ".
وكذلك فعلوا في: "باعَ" "يَبِيعُ" و"كال" "يكِيلُ" و"هالَ الترابَ" "يهيلُه" فأصله: "كَيَلَ يكْيِلُ"، و"بَيَعَ يبْيِعُ" و"هَيَلَ التّرابَ يهْيِلُهُ"
[ ٤٣٥ ]
و"خَيَطَ يخْيِطُ "فقلبت الياء في الماضي ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فأمّا في المستقبل فإنّه نقل كسرة الياء إلى الفاء فسكنت وانكسر ما قبلها فقالوا: "يبِيعُ" و"يكِيلُ" و"يهِيلُ" و"يخِيطُ"؛ وإنّما أعلّوا العين في المستقبل حملًا على إعلالها في الماضي، ولتكون فاء الكلمة تابعة للعين بكونها مكسورة قبلها كما كانت تابعة لها في الماضي.
وكذلك إن كانت لامه ياء نحو: "رمَى يرْمِي" و"قَضَى يقْضِي"، وأصله: "رَمَيَ" فقلب الياء ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وقالوا في المستقبل: "يرْمِي" و"يقْضِي" فجعل العين تابعة للاّم في كونها مكسورة، وخصّوا ما كانت عينه أو لامه ياء من "فَعَلَ" بـ"يفْعِلُ" في المستقبل حتّى ينكسر [ما] قبل العين واللام في: "يبِيعُ" و"يرمِي" فتظهر الياء. ولم يجيزوا فيه: "يفعُلُ" كما جاء في الصّحيح: "عَكَفَ" "يعْكُفُ" و"يعكِفُ" لئلاّ يلتبس ذوات الياء بذوات الواو.
فأمّا: "سعى يسْعَى" فأصله: "سَعَيَ يسْعَيُ" فانقلبت الياء في الماضي ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وجاء المستقبل على: "يفعَلُ"، لأنّ عينه من حروف الحلق، وانقلبت الياء في مستقبله ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فقالوا: يسْعَى.
وإذا كانت عين: "فَعَلَ" أو لامه واوًا خصّوا مستقبله بـ"يفعُلُ" ليظهر
[ ٤٣٦ ]
الواو، ويكون الفاء تابعة للعين، والعين تابعة للّام، ولم يجيزوا فيه: "يفْعِلُ" كما جاء "يعْكُفُ" و"يعكِفُ" لئلاّ يلتبس ذوات الواو بذوات الياء قالوا: "قالَ يقُولُ" و"زال يزُولُ" و"صاغَ يصُوغُ" وأصله: "قَوَلَ يقْوُلُ" و"زَوَلَ يزْوُلُ" و"صَوَغَ يصْوُغُ" فانقلبت العين في الماضي ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فأمّا في المستقبل فإنّهم نقلوا ضمّة العين إلى الفاء فسكنت الفاء وقبلها ضمّة، والواو إذا انضمّ ما قبلها كان أمكن لها نحو: "يقُولُ" و"يرُوعُ" و"يصُوغُ".
وكذلك إن كانت لام فعل واوًا نحو: "غزا يغْزُو" وأصله: "غَزَوَ يغْزُوُ" وانقلبت الواو في الماضي ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فأمّا في المستقبل فحذفوا الضّمّة منها استثقالًا لها فيها، وصارت العين مضمومة قبل اللام في "يغْزُو" كما كانت الفاء مضمومة قبل العين في: "يَزُولُ" و"يقُولُ".
ومن قال: "محا يمْحُو" فهو مثل: "غزا يغْزُو"، ومن قال: "يمْحا" فإنّما فتح العين، لأنّها من حروف الحلق، وانقلبت الواو ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
[ ٤٣٧ ]
وكذلك "شَأَ يشْأَى" الأصل فيه: "يشْؤُو" مثل "يغْزُو" إلاّ أنّهم فتحوا العين، لأنّها من حروف الحلق فانقلبت الواو ألفًا في الماضي والمستقبل لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
فأمّا: "هابَ يهابُ" و"خاف يخافُ" فأصله: "هَيِبَ يهْيَبُ" و"خَوِفَ يخْوَفُ" فانقلبت الواو والياء في الماضي ألفًا لتحرّكهما وانفتاح ما قبلهما، وأمّا في المستقبل فإنّهم نقلوا حركة العين إلى الفاء فسكنت العين وانفتحت الفاء فصار: "يَهَيْبُ" و"يَخَوْفُ" ثمّ أتبعوا الياء والواو الفتحة التي نقلت منهما فصارتا ألفين فقالوا: "يهابُ" و"يخافُ"، ومن الناس من يقول: راعَوا فتح ما قبلهما بعد النّقل، وحركتهما قبل النقل، فصارتا كأنّهما متحرّكتان وقبلهما فتحة، فانقلبتا ألفين.
فأمّا: "حَوِلَ" و"عَوِرَ" و"صَيِدَ البعيرُ" فإنّما صحّت لتدلّ على أنّها في
[ ٤٣٨ ]
معنى ما يجب تصحيحه نحو: "احْوَلَّ" و"اعْوَرَّ" و"اصْيَدَّ"، فلمّا صحّت في الماضي وقد تحرّكت وانفتح ما قبلها صحّت في المستقبل فقالوا: "يحْوَلُ" و"يَعْوَرُ" و"يَصْيَدُ".
وأمّا "ليْسَ" فليس يخلو أن يكون أصله: "لَيَسَ"، أو "لَيِسَ"، أو "لَيُسَ". ولا يجوز أن يكون أصلها: "لَيَسَ" لأنّ المفتوح لا يُسَكَّن،
[ ٤٣٩ ]
ولا يجوز أن يكون "لَيُسَ"، لأنّه ليس في الكلام: "فَعُلَ" مما عينه أو لامه ياء. فلمّا بطل أن يكون "فَعَلَ" و"فَعُلَ" ثبت أنّ أصلها: "فَعِلَ".
وإنّما جمدت ولم تتصرّف لأحد وجهين:
أحدهما أن يكون لمضارعتها لـ"ما" النافية سرى إليها منها البناء.
والثانية: أنّه ينبغي أن يكون فائدة الفعل ما دلّ عليه لفظه، فلمّا كان لفظ: "ليْسَ" ماضيًا، وهي موضوعة لنفي الحال، خالف لفظها معناها، فخالفت نظائرها من الأفعال فجمدت ولم تتصرّف.
فأمّا "دامَ يدامُ" و"مات يماتُ" فأصلها: "دَوِمَ يدْوَمُ"، "مَوِتَ يمْوَتُ"، فانقلبت الواو في الماضي ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ونقلت [حركة] الواو في المستقبل إلى الفاء فسكنت وانفتح ما قبلها، ثم أتبعت الفتحة فصارت ألفًا فقالوا: "يدامُ" و"يماتُ" على مثال: "عَلِمَ يعْلَمُ" وحكوا فيهما لغة ثانية فقالوا: "دام يدُومُ"، و"مات يمُوتُ"، وأصلهما: "دَوَمَ يدْوُمُ"، و"مَوَتَ يمْوُتُ"، فانقلبت الواو في الماضي ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ونقلوا ضمّتها في المستقبل إلى الفاء قبلها فثبتت فقالوا: "يدُومُ" و"يَمُوتُ" كما تقول: "يقُومُ ويزُولُ".
[ ٤٤٠ ]
وقد ركّبوا من هاتين اللغتين لغة ثالثة فجاءوا بها على: "فَعِلَ يفعُلُ" كما قالوا في الصّحيح: "فَضِلَ يفضُلُ" قال أبو الأسود الدؤلي:
ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر وما مرَّ من عيشي ذكرت وما فَضِلْ
وأصلها على هذا: "دَوِمَ يدْوُمُ" و"مَوِتَ يمْوُتُ" فانقلبت الواو في الماضي ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ونقلوا ضمّة الواو في المستقبل إلى ما قبلها فسكنت، وقبلها ضمّة فصحّت فقالوا: "يمُوتُ" و"يدُومُ"، ويقول المتكلّم على اللغة الأولى: "مِتُّ أماتُ" و"دِمْتُ أدامُ"، وعلى اللغة الثانية: "مُتُّ أمُوتُ" و"دُمْتُ أدُومُ"، وعلى اللغة المركّبة: "مِتُّ أمُوتُ"، و"دِمْتُ أدُومُ" مثل: "حَضِرْتُ أحْضُرُ".
[ ٤٤١ ]
فأمّا كاد فيستعمل على ضربين: أحدهما: من فعل المكيدة وهي الحيلة.
والثانية من فعل المقاربة.
قالوا في فعل الحيلة: "كاد زيدٌ القومَ يكِيدُهم"، والأصل: "كَيَدَ يكْيِدُ" مثل: "بَيَعَ يبْيِعُ" ثمّ قلبوا الياء في الماضي ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
ونقلوا كسرتها إلى ما قبلها فسكنت، وقبلها كسرة فصحّت فقالوا: "يَكِيدُ" كما قالوا: "يَبِيعُ".
وقالوا في المقاربة: "كاد زيدٌ يدخُلُ البلدَ يكادُ"، والأصل: "كَيِدَ يكْيَدُ" فقلبوا الياء في الماضي ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ونقلوا فتحتها في المستقبل إلى ما قبلها فسكنت، وقبلها فتحة، ثمّ أتبعوها الفتحة فصارت ألفًا فقالوا: "يكادُ".
وقد ركّبوا ماضيين على مستقبل واحد فقالوا: "كِدْتُ تكادُ" في المقاربة و[كُدْتَ تكادُ] والأصل: "كَيُدْتَ" فحذفوا فتحة الكاف، ونقلوا إليها ضمّة الياء فسكنت وقبلها ضمّة فانقلبت واوًا، ثم سقطت الواو لسكونها وسكون الدّال بعدها، وبقيت الضّمّة قبلها تدلّ عليها فقالوا: "كُدْتَ تكادُ" فهذان ماضيان وهما: "فَعُلَ" و"فَعِلَ" ومستقبلهما: "يفْعَلُ".
[ ٤٤٢ ]
فأمّا "طال" الذي هو ضدُّ "قَصُرَ" فأصله: "طَوُلَ" على وزن "قَصُرَ" فانقلبت الواو ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وتقول في المستقبل: "يطُولُ"، وأصله: "يطْوُلُ" فنقلوا ضمّة الواو إلى الطّاء فسكنت الواو وقبلها ضمّة فثبتت.
فهذا إعلال بإسكان متحرّك، وتحريك ساكن.
فأمّا الصّفة المشتقّة منه فـ"طويلٌ" على وزن: "ظرِيف وكريم"، وليست باسم جار على الفعل، ونقيضُ "طويلٍ": "قصير"، واسمه الجاري عليه: "طائلٌ".
[ ٤٤٣ ]
فإن بنيت اسم الفاعل من "باعَ" و"خاف" و"قام" و"نام" و"هاب" أدخلت ألفًا قبل هذه الألف فاجتمع ألفان فلم يخل أن تجمع بينهما، أو تسقطهما، أو تسقط أحدهما، أو تحرّك أحدهما.
[ ٤٤٤ ]
والجمع بين ألفين محال، لأنّ كل واحد منهما قد دخل لمعنى وإسقاطه يخلُّ بالمعنى الذي دخل من أجله.
ولا يجوز إسقاط أحدهما لئلا يلتبس الاسم بالفعل.
ولا بدّ من تحريك أحدهما، ولا يجوز تحريك الأوّل، لأنّه زائد لا حظّ له في الحركة، وإنّما زيد ليفصل بين الاسم والفعل، فوجب أن تحرَّك الألف الثانية التي انقلبت عن عين الكلمة، وسواء انقلبت عن ياء أو واو، وإذا حرّكت الألف انقلبت همزة، وكسرت فقلت: "قائمٌ" و"بائعٌ" و"خائفٌ" و"نائمٌ" و"طائلٌ" و"هائِرٌ" و"قائلٌ" و"عائدٌ" وأمثلته كثيرة.
فأمّا: "طالَ" من قولهم" "طاوَلَني فطُلْتُهُ" أي زدت عليه في الطُّول كما تقول: "كاثَرَني وكثَرْتُهُ" أي زيدت عليه في الكثرة، وأصلها: "فَعَلْتُ" يدلُّك على ذلك تعديتها إلى المفعول في قولك: "طُلْتُه".
فأمّا: "طُلْتُ" التي ضدُّ: "قَصُرْتُ" فأصلها: "طَوُلْتُ" على وزن: "فَعُلْتُ"، يدلّك على ذلك أنّها لا تتعدّى إلى مفعول، كما لا تتعدّى "قَصُرْتُ".
وإنّما اعتلّ اسم الفاعل من: "فَعِلَ" و"فَعَلَ" و"فَعُلَ" في نحو: "هائبٍ"
[ ٤٤٥ ]
و"بائع" و"طائل"، لأنّ فعله مُعَلٌّ فصار على وزن "ضارِب وقائل".
وقد ذكرت إعلال المفعول منه في نحو: "مَصُوغٍ ومكِيلٍ"، ولست أحتاج إلى إعادته.
فأمّا: "عَوِرَ" و"حَوِلَ" و"صَيِدَ" فإنّ اسم الفاعل منها يصحُّ كما صحّ فعله، تقول في الماضي: "حَوِلَ" و"عَوِرَ" و"صَيِدَ"، وفي المستقبل: "يحْوَلُّ" و"يعْوَرُّ" و"يصْيَدُّ" وفي اسم الفاعل: "حاوِلٌ" و"عاوِرٌ" و"صايِدٌ" غير مهموز. تصحُّ الياء والواو، ولو بنيته للمفعول لقلت: "حُوِلَ" و"عُوِرَ" و"صُيِدَ" في هذا المكان "يُحْوَلُّ" و"يُعْوَرُّ" و"يُصْيَدُّ".
فإن بنيت من" قال" و"باعَ" و"خاف" و"هاب" الفعل للمفعول ففيه ثلاثة مذاهب:
أجودها: "قِيلَ" و"بِيعَ" و"خِيفَ" و"هِيبَ" بكسر الفاء، وأفصح
[ ٤٤٦ ]
القراءات: (وإذا قِيلَ لهم) [البقرة: ١١] بكسر القاف، وكذلك (طِيبَ) [النساء: ٣] و(حِيلَ) [سبأ: ٥٤] و(سِيقَ) [الزمر: ٧١] و(جِيءَ) [الزمر: ٦٩].
الوجه الثاني:
أن تشير إلى الضم ليدل على الأصل نحو:
[ ٤٤٧ ]
(قُيْلَ) و(حُيْلَ) و(سُيْقَ) و(جُيءَ).
والوجه الثالث:
أن تضمّ الفاء ضمًّا خالصًا فتصير العين واوًا خالصة سواء كان أصلها واوًا أو ياء نحو: "قُولَ" و"هُوبَ" و"خُوفَ".
والأصل في هذا كله: "قُوِلَ" و"بُيِعَ" فاستثقلوا الكسرة في الياء والواو، فأسقطوا الضّمّة من الفاء، فلمّا سكنت الفاء نقلوا إليها كسرة الياء والواو. فإن كانت ياء صحّت لسكونها وانكسار ما قبلها نحو: "بِيْعَ" و"هِيْبَ"، وإن كانت واوًا انقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها نحو: "قِيلَ" و"خِيفَ" و"قِيمَ في هذا المكان" و"صِيغَ الخاتمُ" و(سيئت وجوه الذين كفروا) [الملك: ٢٧].
ومن أشار إلى ضمّة الفاء فإنّما أراد الدّلالة على الأصل.
[ ٤٤٨ ]
فأمّا اللغة الثالثة: وهي: "قُولَ" و"بُوعَ الثوب" و"هُول التّراب" و"كُولَ الطعامُ" فلمّا كان الأصل فيه: "كُيِلَ" و"خُوِفَ" و"قُوِلَ" استثقلوا الكسرة في الياء والواو فأسقطوها. فإن كانت واوًا ثبتت لسكونها وانضمام ما قبلها نحو: "قُولَ" و"خُوفَ"، وإن كانت ياء انقلبت لسكونها وانضمام ما قبلها نحو "بُوعَ" و"هُوبَ" قال الشاعر:
وابتذلت غضبى وأمَّ الرِّحالْ وقُول لا أهلٌ له ولا مالْ
فأمّا المستقبل فنحو: "يُقالُ" و"يُباعُ" و"يُخافُ" و"يُهابُ" تنقلب الواو والياء ألفًا. والأصل فيه: "يُقْوَلُ" و"يُهْيَبُ" و"يُخْوَفُ"، فنقلوا فتحة الواو والياء إلى ما قبلهما فسكنتا، وانفتح ما قبلهما، ثمّ أتبعوهما الفتحة فصارتا
[ ٤٤٩ ]
ألفًا، لأنّه ثقل فقُلِب، وإنّما نقلوا فتحتهما إلى ما قبلهما ليتبعوا بها الفتح في نحو: "يُباعُ" و"يُخافُ".
وقد قالوا: رُوعِيت حركتهما قبل النقل، وفتحة ما قبلهما بعد النّقل فصارتا كأنّهما متحرّكتان وقبلهما فتحة، فانقلبتا ألفًا.
وقال بعض النحويين: لمّا كنت متمكّنًا بتحرّكهما وانفتاح ما قبلهما من قلبهما إلى الألف قلبتهما ألفًا؛ لأنّ الألف ساكنة تستحيل حركتها، وهي أسهل في اللفظ من الياء والواو سكنتا أو تحرّكتا.
وكذلك إذا كانت عين الفعل ولامه من جنس واحد نحو: "ردَّ يرُدُّ" و"عَضَّ يعَضُّ" و"فَرَّ يفِرُّ" والأصل: "رَدَدَ" و"عَضِضَ" و"فَرَرَ" فثقل عليهم تكرير المثلين، لأنّ اللسان يتناول الحرف من مكانه ثم يعود إلى المكان لتناول الثاني فيصير كمشي المقيَّد يمشي ولا يبرح من مكانه، فلمّا
[ ٤٥٠ ]
ثقل عليهم أسقطوا حركة الأوّل، فلمّا سكن أدغموه في الثاني فقالوا: "ردَّ" و"عَضَّ" و"فَرَّ".
فإذا صاروا إلى المستقبل فالأصل فيه: "يعْضَضُ" و"يَرْدُدُ" و"يَفْرِرُ"، فلمّا ثقل عليهم توالي المثلين نقلوا حركة الأوّل إلى السّاكن الذي قبله فتحرّك السّاكن بالحركة المنقولة إليه، وسكن المثل الأوّل، وأدغم في الثاني.
فالضمّة في الراء من "يرُدُّ" هي المنقولة إليها من الدّال، والفتحة في العين هي المنقولة إليها من الضّاد، والكسرة في الفاء من "يفِرُّ" هي المنقولة إليها من الرّاء.
فإذا سكن المثل الثاني لوقف أو جزم جاز في المضموم الأوّل أن يحرَّك الساكن الأخير بثلاث حركات: تقول: "رُدُّ" و"رُدَّ" و"رُدِّ".
فمن ضمَّ الدّال أتبعها ضمّة الراء، ولم يحفل بالسّاكن بينهما، لأنّ السّاكن حاجزٌ غير حصين.
[ ٤٥١ ]
ومن فتح الدّال فإنه طلب التخفيف لثقل التضعيف.
ومن كسر الدّال فإنّه كسر على الأصل في حركة التقاء الساكنين.
إذا قال عضَّ جاز في الضّاد الفتح والكسر: "عضِّ" و"عَضَّ"، فمن كسر فعلى الأصل في حركة التقاء الساكنين.
والفتح في الضّاد من وجهين:
أحدهما: طلبًا للتّخفيف.
والثّاني: إتباعًا لحركة العين.
فأمّا: "فِرَّ" فيجوز فيه فتح الرّاء، وكسرها، فمن فتح الرّاء فإنّه طلب التّخفيف.
ومن كسر الرّاء فمن وجهين:
أحدهما: إتباعًا لكسرة الفاء.
والثاني: على الأصل في حركة التقاء السّاكنين.
هذه مذاهب بني تميم.
فأمّا أهل الحجاز فإنّه إذا سكن الثاني لوقف أو جزم ردُّوا إلى الحرف
[ ٤٥٢ ]
الذي قبله حركته فسكن الأوّل فقالوا: "يَرْدُدْ ويعْضَضْ ويفْرِرْ".
فإن كان أمرًا اجتلبوا له ألف الوصل فقالوا: "امْدُدْ" و"اعْضَضْ" و"افْرِرْ".
فإن بنوا هذا المدغَم لما لم يسمَّ فاعله جاز فيه وجهان إذا كان في الماضي: قالوا: "قد رُدَّ زيدٌ" و"قد رِدَّ زيدٌ" بضمّ الراء وكسرها، وقد قرئ: (رُدُّوا إلى الله) [الأنعام: ٦٢] و(رِدُّوا إلى الله) فمن قال (رِدُّوا إلى الله) بالكسر فأصله: "رُدِدَ" فأسقط ضمّة الرّاء، ونقل إليها كسرة الدّال فقال: "رِدُّوا" و"رِدَّ زيدٌ" فالكسرة في الرّاء هي المنقولة إليها من الدّال فقال: "رِدُّوا"، وهذه أقلُّ القراءتين.
فأمّا من ضمّ الرّاء فالأصل فيه: "رُدِدَ" فأسقط حركة الدّال الأولى، وأدغمها في الثانية، وبقيت ضمّة الرّاء فيها فقالوا: "رُدَّ زيدٌ".
فأمّا في المستقبل فيقال: "يُرَدُّ زيدٌ" فالفتحة في الرّاء هي المنقولة إليها من
[ ٤٥٣ ]
الدّال، لأنّ الأصل فيه: "يُرْدَدُ".
فأمّا: "عَضَّ" فإذا بنيته لما لم يسمّ فاعله جاز فيه: "عِضَّ الخبزُ" و"عُضَّ الخبزُ". فمن قال: "عِضَّ" بكسر العين فالأصل فيه: "عُضِضَ" فأسقط ضمّة العين، ونقل كسرة الضّاد، وأدغم الضّاد في الضّاد فقال: "عِضَّ" والكسرة في العين هي المنقولة إليها من الضّاد.
فأمّا من قال: "عُضَّ" فالأصل فيه: "عُضِضَ" فأسقط كسرة الضّاد، وأدغمها في الضّاد الأخرى فقال: "عُضَّ".
وأمّا في المستقبل فإنّه يقول "يُعَضُّ" فالفتحة في العين هي المنقولة إليها من الضّاد، لأنّ الأصل: "يُعْضَضُ".
فأمّا: "فَرَّ" فإذا بنيته لما لم يسمّ فاعله جاز فيه كسر الفاء وضمّها تقول: "قد فِرَّ الفرارُ" و"فُرَّ الفرارُ" فمن كسر الفاء فأصله: "فُرِرَ" فأسقط ضمّة الفاء، ونقل إليها كسرة الرّاء، ثم أدغم الرّاء في الرّاء فقال: "قد فِرَّ".
فأمّا من ضمَّ الفاء فالأصل فيه: "فُرِرَ" فأسقط كسرة الرّاء، ثمّ أدغمها في الرّاء فقال: "فُرَّ الفرارُ".
فأمّا في المستقبل فيقول: "يُفَرُّ" فالفتحة في الفاء هي المنقولة إليها من الرّاء، لأنّ الأصل "يُفْرَرُ".
وإذا كانت لام فعل ألفًا قد انقلبت عن ياء أو واو نحو: "رمَى" و"غَزا"، لأنّ الأصل فيه: "رَمَيَ" و"غَزَوَ" فلمّا تحرّكتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفًا
[ ٤٥٤ ]
فإذا رددته إلى المستقبل قلت: "يغزُو" و"يرمِي" فصحّت الواو لانضمام ما قبلها، وصحّت الياء لانكسار ما قبلها.
فإذا بنيت الماضي لما لم يسمّ فاعله قلت: "غُزِيَ زيدٌ" و"رُمِيَ عمروٌ" وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وفتحت الياء، لأنّ آخر الماضي مبنيٌّ على الفتح.
فإذا بنيت المستقبل لما لم يسمّ فاعله قلت: "يُرْمَى زيدٌ" و"يُغْزى عمروٌ" قلبت الياء والواو ألفًا لتحرّكهما وانفتاح ما قبلهما.
فإذا ثنّيت الضمير قلت: "يُغْزيان" و"يُرْمَيان" وصارت الواو في "يُغْزَيان" ياء، لأنّ الواو إذا وقعت رابعة قلبت إلى الياء.
وإذا كان الماضي على "فَعِلَ" ولامه واو، قلبت ياء لانكسار ما قبلها، وإنّما بنوه على: "فَعِلَ" لتنقلب واوه ياء، لأنّ الياء أخفُّ عليهم من الواو نحو: "رَضِيَ" و"شَقِيَ" و"غَبِيَ" لأنّه من الغباوة والشّقاوة والرّضوان والأصل: "رَضِوَ" و"شَقِوَ" و"غَبِوَ" فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
فإذا صرت إلى المستقبل قلت: "يرْضَى" و"يَشْقى" و"يَغْبَى" قلبت الياء ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
[ ٤٥٥ ]
فإذا ثبَّتَ الضمير قلت: "يرضيان" فهذه ياء انقلبت عن ألف: "يرْضَى" وألف "يرْضى" انقلبت عن ياء: "رَضِيَ"، وياء "رَضِيَ" انقلبت عن واو "رَضِوَ".
فإن بنيت: "رَضِيَ" لما لم يسمّ فاعله قلت: "رُضِيَ" عنه فتحت الياء، لأنّ الماضي مفتوح الآخر.
فإن سكّنت الضّاد على مذهب من قال في: "عَلِمَ: عَلْمَ" أبقيت الياءَ
[ ٤٥٦ ]
فقلت: "رضْيَ عنه"، ولم تردَّ الياءَ إلى الواو، لأنّ سكون الضّاد عارضٌ، والكسرة فيها مقدّرة. وهذا قياس مستمرٌّ في نظائره.
وكذلك لو بنيت: "فَعُلَ" ممّا لامه ياء إذا أردت المبالغة قلت: "قد رَمُوَتْ يدُه" إذا حذِقَ الرّماية، و"قد قَضُوَ الرجل" إذا حذق القضاء.
فإن سكّنتَ ما قبل الواو للتّخفيف على مذهب من قال: "ظَرْفَ" في: "ظَرُفَ" قلت: "قد رمَوَتْ يدُهُ"، و"قد قَضْوَ الرّجلُ" ولم تردَّ الواوَ إلى الياء، لأنّ السكون الذي قبلها عارضٌ، والضّمّة مقدّرة.
وتقول: "رَمَى" فإذا ألحقتها التّاء أسقطتها، لسكونها وسكون التّاء فقلت: "رَمَتْ" و"غَزَتْ" كما تقول: "بِعْ" و"خَفْ" و"قُلْ" فتسقط الياء والواو والألف لسكونها وسكون ما بعدها.
فإن تحرّك السّاكن الأخير لساكن بعده نحو: "رَمَتْ المرأةُ" و"غزتِ اليومَ" و"خفِ اللهَ" و"قلِ الحقَّ" و"بعِ الثّوبَ" لم يرجع السّاكن الأوّل، لأنّ
[ ٤٥٧ ]
حركة السّاكن الثاني عارضة إذا كان الساكن الثالث غير لازم، ألا تراك تقول: "رمتْ هندٌ" و"قلْ حقًّا" و"خف ربَّك" فلا يكون بعد السّاكن الثاني ساكن ثالث، فعلمت أنّ الساكن الثالث عارض، وكذلك الحركة التي تجب عنه عارضة.
وتقول: "رامَى" فإذا ألحقته تاء التأنيث قلت: "رامَتْ" فسقطت الألف للتّاء، فإن قلت: "رامتِ المرأةُ" لم ترجع الألف، لأنّ حركة التّاء عارضة إذا كان الساكن الذي بعدها غير لازم.
وتقول: "يرمِي الغرضَ" و"يغزو العدوَّ" و"يسعى اليومَ" فتسقط هذه الحروف لالتقاء السّاكنين.
فإن بنيت اسم الفاعل من "ساءَ يسُوءُ" و"جاءَ يجِيئُ" فقد بيَّنْتُ لك أنّه يجب أن يزاد قبل هذه الألف ألفٌ تحرّك هذه الألف، وإذا حرّكتها انقلبت همزة، وبعدها همزة، اجتمع همزتان نحو: "جائِئٌ" و"سائِئٌ" من: "جئْتُ" و"سُؤْتُ".
فيجتمع همزتان والخليل لا يرى اجتماع همزتين في كلمة واحدة،
[ ٤٥٨ ]
وكذلك البصريّون فيقلبون الثانية ياء، لانكسار ما قبلها فيقولون: "جائِيٌ" و"سائِيٌ" فوزنه فاعِلٌ على وزن "قاضٍ".
وكان الخليل يقدِّم الهمزة التي هي اللام على الألف التي انقلبت عن العين فتحصل الألف آخرًا وقبلها كسرة فتنقلب ياء فتقول: "جائِيٌ" و"سائِيٌ" فوزنه على مذهب الخليل: "فالِعٌ".
فقول الخليل والجماعة في اللفظ واحد، وفي التقدير مختلف.
فإذا زاد الماضي على ثلاثة أحرف، وكانت عينه ألفًا قد انقلبت عن ياء أو واو، نحو: "أقامَ" و"أرادَ" و"أعانَ" و"استعانَ" و"استغاث" و"اسْتَراثَ" و"اسْتَكانَ" و"اسْتبانَ" و"اسْتضاء" ففيهم من يقول: لمّا اعتلَّ الفعلُ، وأدخل الهمزة عليه بقّاه على اعتلاله لمّا أدخل الهمزة سكنت القاف فصار: "أقْوَمَ" و"أرْوَدَ" و"اسْتَقْوَمَ" و"اسْتَعْوَنَ" و"اسْتَلْيَنَ" و"اسْتَرْيَثَ" و"اسْتَضْوَأ" فنقل فتحة الواو والياء إلى السّاكن، فسكنت الياء والواو، وأتبعتا الفتحة التي قبلها فصارتا ألفًا.
[ ٤٥٩ ]
ومن النحويين من يقول: راعَوْا حركتهما قبل النّقل، وفتحة ما قبلهما بعد النّقل، والكلمة واحدة، فصارتا كأنّهما متحرّكتان وقبلهما فتحة، فانقلبتا ألفًا فقالوا: "أراد" و"أقام" و"أجاد" و"استراث" و"استعاذ" و"استضاء".
فإذا ردَّ إلى المستقبل قال: "يُقِيمُ" و"يُرِيدُ"، والأصل: "يُقْوِمُ" و"يُرْوِدُ"، فنقل كسرة الواو إلى ما قبلها، فلمّا سكنت الواو وقبلها كسرة انقلبت ياء فقال: "يُقِيمُ" و"يُرِيدُ" و"يُعِيدُ"، وكذلك "يستعينُ" و"يستضيءُ" أصله: "يسْتَعْوِنُ" و"يستضْوِئُ" فقنل كسرة الواو إلى ما قبلها، ثمّ انقلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها.
و"يستَبِينُ" و"يسترِيثُ" أصله: "يسْتَبْيِنُ" و"يسترْيِثُ" فنقلوا كسرة الياء إلى ما قبلها، فلمّا سكنت الياء وقبلها كسرة تمكّنت.
وتقول في اسم الفاعل من هذا: "مُقِيمٌ" و"مُريدٌ" و"مُسْتضِيئٌ" و"مُستعِينٌ" والأصل "مُقْوِمٌ" و"مُرْوِدٌ" و"مُسْتَضْوِئٌ" و"مُسْتَعْوِنٌ" ثمّ تنقل كسرة الواو إلى ما قبلها، فلمّا سكنت الواو، وقبلها كسرة قلبت ياء فقلت: "مُقيمٌ" و"مُرِيدٌ" و"مُسْتَعِينٌ" و"مُسْتَضيئٌ".
فأمّا: "مُسْتَرِيثٌ" و"مُسْتَبِينٌ" فأصله: "مُسْتَرْيِثٌ" و"مُسْتَبْيِنٌ" فنقلت
[ ٤٦٠ ]
كسرة الياء إلى ما قبلها فسكنت الياء، وقبلها كسرة فتمكّنت، فقلت: "مُسْتَريثٌ" و"مُسْتَبِينٌ".
فأمّا اسم المفعول فقولك: "مُرادٌ" و"مُقامٌ"، والأصل: "مُقْوَمٌ" و"مُرْوَدٌ"، و"مُسْتعانٌ" الأصل: "مُسْتَعْوَنٌ" و"مُسْتضاءٌ" الأصل: "مُسْتَضْوَءٌ"، و"مُسْتبانٌ" و"مُسْتَراثٌ"، الأصل:"مُسْتَبْيَنٌ" و"مُسْتَرْيَثٌ" فنقلت حركة الواو والياء إلى ما قبلهما ثمّ أتبعتا الفتحة فصارتا ألفًا فقلت: "مُقامٌ" و"مُرادٌ" و"مُسْتعانٌ" و"مُسْتَراثٌ" و"مُسْتبانٌ" و"مُسْتَضاءٌ".
وقد صحّحوا من هذه الأفعال شيئًا دلّوا به على الأصل الذي أعَلُّوه فمن ذلك: (اسْتَحْوَذَ) صحِّح، فهذا حقيقة في الاستعمال، وشاذٌّ في القياس ولم يرد إلا مصحَّحًا.
وقد قالوا: "أغْيَلَتِ المرأةُ" و"أغالتْ" فأوردوه تارة مُعلا وتارة
[ ٤٦١ ]
مصحَّحًا وقالوا: "اسْتَتْيَسَتِ الشّاةُ" فصحّحوا ليدُلّوا به على الأصل الذي أُعِلَّ.
فأمّا مصادر هذه الأفعال فنحو قولهم: "أراد يُريد إرادةً" والأصل: "إرْوادًا" و"أقام يُقيمُ إقامةً" والأصل: "إقْوامًا" فقلبوا من الواو ألفًا ليُعَلَّ المصدرُ كما أعلَّ الفعل، فاجتمع ألفان: الأولى منقلبة عن عين الكلمة، والثانية زائدة.
فالخليل وسيبويه يسقطان الأخيرة، لأنّها ليست لمعنى، فوزن الكلمة عندهما: "إفْعَل".
وكان الأخفش يسقط الألف الأولى ويبقي الثانية، وقال: إنّها دخلت لمعنى، والأولى ليست لمعنى: والذي دخل لمعنى أولى بالإبقاء، فوزن الكلمة عند الأخفش: "إِفال".
وعوّضوا تاء التّأنيث من الألف السّاقطة سواء كانت السّاقطة الأصليّة أو الزّائدة، فقالوا: "إقامةٌ" و"إرادة" فوزنها عند الخليل: "إفْعَلَةٌ"، وعند
[ ٤٦٢ ]
الأخفش: "إفالة"، وربّما أسقطوا التّاء وجعلوا المضاف إليه عوضًا منها (وإقامَ الصلاة) والأصل: "إقامة الصلاة".
وكذلك: "استضاء استضاءة" والأصل: "اسْتِضْواء" و"اسْتقام يستقِيمُ استقامة" والأصل: "اسْتِقْوامًا" و"اسْتعاذ استعاذة"، والأصل "اسْتِعْواذًا" ففعلوا فيه ما بيّنت لك، والطّريقة في إعلال الأفعال واحدة في هذه المواضع كلّها.
واعلم بأنّه قد يجيءُ اسم الفاعل والمفعول بلفظ واحد، والتقدير فيهما مختلف، تقول: "اخترت الثوبَ فأنا مُخْتارٌ" فهذا اسم الفاعل، و"الثوب مختارٌ" فهذا اسم المفعول، وهما في اللفظ واحدٌ، إلاَّ أنّ اسم الفاعل "مُخْتَيِرٌ" في الأصل بكسر العين، واسم المفعول: "مُخْتَيَرٌ" بفتح العين، والعين هي الياء، فلمّا تحرّكت وقبلها فتحة انقلبت ألفًا، فينبغي أن يقدَّر على الألف في اسم الفاعل كسرة وفي اسم المفعول فتحة كما كانت على الياء.
وكذلك: "انقاد الفرسُ فهو مُنْقادٌ" والأصل: "مُنْقَوِدٌ" فلمّا تحرّكت الواو وقبلها فتحة انقلبت ألفًا، ويقدَّر على الألف كسرة، لأنّه اسم فاعل.
[ ٤٦٣ ]
وكذلك يجيءُ في الإدغام اسم الفاعل واسم المفعول بلفظ واحد لأنّ الإدغام قد أذهب الحركة منهما تقول: "اقْشعرَّ زيدٌ فهو مقشعِرٌّ" والأصل: "مُقْشَعْرِرٌ" فنقلت حركة الرّاء الأولى إلى ما قبلها، وأدغمتها فيما بعدها، فالكسرة في العين من "مُقْشَعِرّ" هي المنقولة إليها من الرّاء، ومثل هذا كثير في "مُحْمَرٌّ"، إذا كان اسمًا للفاعل فأصلها: "مُحْمَرِرٌ" فأسقطت [كسرة] الرّاء الأولى وأدغمتها فيما بعدها، وتقول: "هذا مكانٌ محمَرٌّ فيه"، والأصل: "مُحْمَرَرٌ فيه" فأسقطت فتحة الرّاء الأولى، وأدغمتها فيما
[ ٤٦٤ ]
بعدها فقد بان لك أنّ اسم الفاعل والمفعول قد يكونان على صورة واحدة في اللفظ، ويختلفان في المعنى.
فإن كان الاسم والفعل على وزن واحد صحّحوا الاسم وأعلّوا الفعل؛ وإنّما أعلّوا الفعل، لأنّ الألف خفيفة، والفعل ثقيل، فجعل الخفيف مع الثقيل فقالوا: "أقام يُقيمُ" و"أراد يُريدُ" و"استجاب يستجيب".
وصحّحوا في الاسم، لأنّ الاسم على كلّ وجه أخفُّ من الفعل فهو أحمل للثّقل فقالوا: "هذا أقْوَمُ منك" و"زيدٌ أبْيَعُ من عمرٍو".
فإن قيل فقد صحّحوا فعل التّعجّب فقالوا: "ما أبْيَعَهُ"، و"ما أقْوَمَهُ" و"ما أقْوَلَ زيدًا".
قيل له: فعل التّعجّب لمّا لم يتصرّف أشبه الأسماء فصحّحوا فيه العين، كما صحّحوا في الاسم؛ ولأجل شبهه بالأسماء ما دخله التّصغير فقالوا: "ما أُحَيْسِنَ زيدًا" و"ما أُمَيْلِحَهُ".
[ ٤٦٥ ]
فإن كان في أوّل الاسم ميمٌ زال شبهه بالفعل، لأنّ الميم ليست من زيادات الفعل، وإذا زال التباسه بالفعل وجب أن يعلَّ قالوا: "مُقامٌ" والأصل: "مُقْوَمٌ" فنقلوا فتحة الواو إلى القاف فسكنت الواو، وانفتح ما قبلها، ثمّ أتبعت الفتحة فصارت ألفًا فقالوا: "مُقامٌ" وكذلك قالوا: "مَعاشٌ" والأصل: "مَعْيَشٌ" نقلوا فتحة الياء إلى العين، فلمّا سكنت وانفتح ما قبلها أتبعوها الفتحة فانقلبت ألفًا، لأنّه نقل فقلب.
وقالوا: "المَعيشُ" و"المَعِيشةُ" والأصل "مَعْيِشَةٌ" و"مَعْيِشٌ" فنقلوا كسرة الياء إلى العين، فلمّا سكنت الياء وقبلها كسرة تمكّنت، فوزن: "مَعِيش": "مَفْعِل" ومثله: "المَقِيل" و"المَحِيص" أصله: "مَحْيِصٌ" فنقلوا كسرة الياء إلى ما قبلها فقالوا: "مَحِيصٌ" و"مَقِيلٌ" أصله: "مَقْوِلٌ" فنقلوا كسرة الواو إلى ما قبلها، فلمّا سكنت وقبلها كسرة انقلبت ياء.
فأمّا: "مَعِيشةٌ" فعند سيبويه يجوز أن تكون: "مَفْعِلَة" أصلها: "مَعْيِشَة" فنقلوا كسرة الياء إلى ما قبلها فثبتت، لأنّها ساكنة وقبلها كسرة.
ويجوز أن تكون: "مَفْعُلَة" أصلها: "مَعْيُشَة" فنقل ضمّة الياء إلى العين فسكنت الياء وقبلها ضمّة فقلب من الضّمّة كسرة؛ لقرب الياء من الطّرف لأنّه لا يُعْتَدُّ بتاء التّأنيث فقال: "مَعِيشَة".
[ ٤٦٦ ]
وكذلك "مَعِيشٌ" يجوز أن يكون "مَفْعُلا" "مَعْيُش" فنقل ضمّة الياء إلى العين فسكنت الياء وقبلها ضمّة، ثمّ قلب من الضّمّة كسرة لتسلم الياء إذ كانت قريبًا من الطّرف كما كسروا الباء من "بِيضٍ" لتثبت الياء ولا تنقلب واوًا إذ كانت قريبًا من الطّرف، لأنّ وزنه "بُيْضٌ" على وزن "حُمْر"، وكذلك فعلوا في: "عِين" أصله "عُيْنٌ" على وزن "صُفْر" قال الأخفش إنّما قلبت الضّمّة في الجمع كسرة في: "بِيضٌ" و"عِين" لئلاّ أجمع على الكلمة ثقل الجمع، وثقل الواو؛ ولأنّ الياء إذا سكنت وقبلها ضمّة وجب أن تقلب واوًا.
وقال الأخفش لو كان "مَعِيشُ" مَفْعُلًا لقلت: "مَعُوشًا، وكذلك لو كانت: "مَعِيشَةٌ" مَفْعُلَةً لقلت "مَعُوشَةً"، وكذلك "عَيُشَ" لو كان فَعُلًا لقلت "عُوشٌ" و"عِيشَةٌ" لو كانت فَعُلَةً لقلت "عُوشَةٌ"، لأنّ الواحد خفيف فلا يستثقل فيه ما يستثقل في الجمع.
[ ٤٦٧ ]
فأمّا قولهم: "عُوطَطٌ" فالأصل فيه: "عُيْطَطٌ".
وكذلك "مُوقِنٌ" و"مُوسِرٌ" الأصل فيهما "مُيْقِنٌ" و"مُيْسِر" فقلبوا الياء واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها لمّا بعدت من الطّرف، ولو قربت من الطّرف لقلبوا من الضّمّة كسرة كما فعلوا في: "بِيضٍ" و"عِينٍ".
فأمّا: "مُقام" و"مُراد" فالأصل فيهما: "مُقْوَمٌ" و"مُرْوَدٌ" فنقلوا فتحة الواو إلى ما قبلها فسكنت الواو وقبلها فتحة ثم أتبعت الفتحة فصارت ألفًا.
وكذلك ما فوق هذا الاسم من العدد في نحو: "مُسْتغاثٍ" و"مُسْتجابٍ" و"مُسْتعانٍ"، الطّريقة في إعلاله واحدة.
فأمّا: "مُعْطَى" و"مَرْمَى" و"مَدْعَى" فالأصل فيه: "مُعْطَوٌ" و"مَرْمِيٌ" و"مَدْعُوٌ" فلمّا تحرّكت الياء في: "مَرْمِيٍ" وقبلها فتحة انقلبت ألفًا.
ولمّا وقعت الواو في "مَدْعَوٍ" و"مُعْطَوٍ" رابعة قلبت ياء، وتحرّكت
[ ٤٦٨ ]
الياء، وقبلها فتحة انقلبت ألفًان وكذلك يفعلون في الواو إذا وقعت رابعة فصاعدًا طرفًا يقلبونها ياء، والأصل هذا في الفعل، وإنّما تحمل الأسماء المشتقّة منه عليه، ألا تراهم قالوا في الفعل: "يُدْنِي" و"يُغْزِي" والأصل "يدْنُو" و"يغْزُو"؟؛ لأنّه من "دَنَوْتُ" و"غَزَوْتُ" فلمّا انكسر ما قبل الواو انقلبت ياء، ثم قلبوا هذه الياء ألفًا في: "أدْنَى" و"أغْزَى"، والأصل: "أغْزَيَ" و"أدْنَيَ" فلمّا تحرّكت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفًا فقيل: "أدْنَى" و"أغْزَى" فهذه ألف انقلبت عن ياء انقلبت عن واو.
فإن قيل: فلم انقلبت في "تَرَجَّيْنا" و"تعاطَيْنا" و"تغازينا"؟ وأنت تقول: "تغازى يتغازى" و"تعاطى يتعاطى" و"ترجّى يترجّى" وليست هنا كسرة توجب قلب الواو ياء؟
قيل له الأصل: "غازى يُغازِو" و"عاطى يُعاطِو" و"رَجَّى يُرَجِّو" فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ثمّ دخلت التّاء في أوّله بعد القلب فبقي القلب على حاله فقالوا: "ترجّى يترجَّى" و"تعاطى يتعاطَى" و"تغازى يتغازى" وأمثلته كثيرة.
وإذا كان الماضي على ثلاثة أحرف، وكانت عينه ولامه من جنس واحد، وتحرّك الثاني منهما حركة لازمة ثقل عليهم إظهارهما، فأسقطوا حركة
[ ٤٦٩ ]
الأوّل وأدغموه في الثاني سواء كان الفعل على "فَعِلَ" أو "فَعُلَ" أو "فَعَلَ" قالوا: "مَدَّ" و"رَدَّ" و"ضَنَّ" و"حبَّذَا" والأصل "مَدَدَ" و"رَدَدَ" و"ضَنِنَ" و"حَبُبَ" فأسكنوا الأوّل وأدغموه في الثاني.
فإن اتّصل المثل الثاني بتاء المتكلم وتثنيته وجمعه، وتاء المخاطب وتثنيته وجمعه، وتاء المخاطَبة وتثنيتها وجمعها، ونون التّأنيث فُكَّ الإدغام، لأنّه لمّا سكن الثاني استحال أن يدغم فيه لمّا حصل في مكان لا يمكن أن تصل إليه حركة.
فأمّا قولهم: "مَرَّتُ" فهذا في الحقيقة ليس بإدغام، فاختلسوا الحركة.
فإن قيل: الفتحة لا تسقط كما تسقط الضّمّة والكسرة لخفّة الفتحة.
[ ٤٧٠ ]
قيل له: الفتحة وإن لم تسقط يجوز أن تختلس فيخيَّل للسّامع أنّ الحرف قد أسكن وهو متحرّك.
وإن كان المثلان قد ألحقا بمتحرّكين وجب أن يظهرا ليكونا على وزن ما ألحقتا به؛ لأنّ الإدغام يزيل الإلحاق ويبطلة، كما قالوا في الأرض الصّلبة: "قَرْدَدٌ" لمّا ألحقوه بـ"جَعْفَر"، وقالوا في اسم المرأة: "مَهْدَدٌ" لمّا ألحقوه بـ"جَعْفَر". ولو بنيت من "ضَرَبَ" مثال: "دَحْرَجَ" لقلت: "ضَرْبَبَ" فأظهرت المثلين ليكون على وزن: "دَحْرَجَ".
فإن زاد الماضي على ثلاثة أحرف، وكان في آخره مثلان نقلت حركة المثل الأوّل إلى السّاكن الذي قبله فتحرّك الساكن وسكن المتحرك فأدغمته في الذي بعده فقلت: "اسْتَعَدَّ" و"اطْمَأنَّ" و"اقْشَعَرَّ"، والأصل فيه: "اسْتَعْدَدَ" و"اطْمأنَنَ" و"اقْشَعْرَرَ" فنقلت الحركة من المثل الأوّل، وأدغمته في الثاني فالفتحة في العين من: "اسْتَعَدَّ" هي المنقولة إليها من الدّال، والفتحة في عين "اقْشَعَرَّ" هي المنقولة إليها من الرّاء، والفتحة في همزة: "اطْمأنَّ" هي المنقولة إليها من النّون.
فإن اتّصل المثل الثاني بالضمائر التي ذكرتها وجب أن يظهر المدغم، وتردَّ إليه حركته نحو: "اطْمأنَنْتُ" و"اقْشَعْرَرْتُ" و"اسْحَنْكَكْتُ".
[ ٤٧١ ]
فأمّا "احْمارَّ" فالأصل فيه: "احْمارَرَ" فأسقطوا حركة المثل الأوّل، وأدغموه في الثاني، ولم يجز أن ينقلوها، لأنّ الألف لا تتحرّك.
فإن اتّصل هذا بتاء المتكلّم وما جرى مجراه سكن الثاني فانفكّ الإدغام، وردوا إلى الأوّل حركته فقالوا: "احْمارَرْتُ" ومثل هذا كثير.
فإذا صرت إلى المستقبل في: "يَرُدُّ" و"يَضَنُّ" ألقوا حركة الأوّل على ما قبله، وأدغموه في الثاني، فالضّمّة في ميم "يَمُدُّ" هي المنقولة إليها من الدّال، والفتحة في ضاد "يَضَنُّ" هي المنقولة إليها من النّون.
وكذلك إن زاد على الثلاثة في نحو: "يَسْتَعِدُّ "و"يَطْمَئِنُّ" و"يَقْشَعِرُّ" فالكسرة في عين "يَسْتَعِدُّ" هي المنقولة إليها من الدّال، والكسرة في [همزة] "يَطْمَئِنُّ" هي المنقولة إليها من النّون، والكسرة في عين "يَقْشَعِرُّ" هي المنقولة إليها من الرّاء.
فأمّا: "اسْحَنْكَكَ يَسْحَنْكِكُ" فإنّما لم يجز إدغام الكاف في الثانية، لأنّه ملحق بـ"احْرَنْجَمَ" "يَحْرَنْجِمُ"،
[ ٤٧٢ ]
فأمّا قراءة من قرأ: (ويخشَ الله ويتَّقِه) [النور: ٥٢] فإنّه خلط الهاء بما قبلها واشتقّ من الكلمتين مثالًا واحدًا فقال: "تَقِهْ" مثل "كَتِف" فأسقط الحركة من القاف فاجتمع ساكنان: الهاء والقاف، فكسر الهاء لالتقاء السّاكنين.
وكذلك قول الشاعر:
قالت سُلَيْمَى اشْتَرْ لنا دقيقا
[ ٤٧٣ ]
خلط اللام بما قبلها، واشتقّ من الكلمتين مثالًا واحدًا فصار: "تَرِلَ" على مثال: "عَلِمَ" فسكّن الرّاء تخفيفًا كما قالوا في: "عَلِمَ" "عَلْمَ" فسكّن الرّاء تخفيفًا، وقال الآخر:
ألا رُبَّ مولودٍ وليس له أب وذي ولدٍ لم يلْدَهُ أبوان
والمولود الذي ليس له أبٌ هو عيسى ﵇، وذي ولدٍ لم يلْدَهُ أبوان هو آدم ﵇.
والأصل في: "يَلْدَهُ: يَلِدْهُ" فسكّن الدّالَ للجزم فصار "يَلِدْ" على وزن "كَتِفْ" فسكّن اللام كما تقول في: "كَتِفٍ: كَتْفٌ" فاجتمع ساكنان اللام والدّالُ، ولم يجز الجمع بينهما، فحرّك الدّال لالتقاء السّاكنين، واختار لها الفتح إتباعًا لفتحة الياء التي قبلها، ولم يحفل بالحرف الذي قبلها لمّا كان ساكنًا.
[ ٤٧٤ ]