اعلم أنّ الألف قد أبدلت من أربعة أحرف: من (الياء، والواو، والهمزة، والنّون).
ذكر بدل الألف من الياء والواو
اعلم أنّ الياء والواو إذا كانتا عينين أو لامين في الفعل أو في اسم على وزن الفعل، وتحرّكتا حركة لازمة لهما، ولم تكن الحركة منقولة من غيرها إليهما، ولم يكن قبلهما ساكنٌ ولا بعدهما، ولم يكونا في معنى يسكن ما قبلهما أو بعدهما، أو يكتنفهما ساكنٌ وجب قلبهما ألفًا.
[ ٢٩١ ]
مثال كونهما عينين في الفعل: "باع" أصله "بَيَعَ" و"قامَ" أصله "قَوَمَ" و"خاف" أصله "خَوِفَ" و"هاب" أصله "هَيِبَ" و"طال" الذي هو ضدُّ "قَصُرَ" فأصله" طَوُلَ" فأمّا "طال" الذي هو بمعنى الزّيادة من قولك: "طاوَلَني فطُلْتُهُ" فأصله: "طَوَلَ"، فالقلب لهذا كلِّه لازمٌ.
وأمّا كونهما عينين في الاسم فقولك: "دارٌ" أصلها: "دَوَرٌ"، و"بابٌ" أصله "بَوَبٌ"، و"مالٌ" أصله: "مَوَلٌ"، و"نابَ" أصله: "نَيَبٌ"، و"غابٌ" و"عابٌ" أصله "غَيَبٌ" و"عَيَبٌ"، وهذا كلّه أُعِلّ بالقلب لأنّه على وزن "ضَرَبَ".
فأمّا قولهم: "رجُلٌ مالٌ" فأصله "مَوِلٌ"، و"كَبْشٌ صافٌ" أصله: "صَوِفٌ" و"يومٌ راحٌ" أصله "رَوِحٌ" و"يومٌ طانٌ" أصله "طَيِنٌ" وهذا كلّه أُعِلّ، لأنّه على وزن "عَلِمَ".
[ ٢٩٢ ]
وربّما جاء على وزن: "فَعُلَ" فَيُعَلّ بالقلب، لأنّه على وزن "ظَرُفَ".
وأمّا كونهما لامين في الفعل أو في موضع اللاّمين فقولك: "غزا" أصله "غَزَوَ"، و"رَمَى" أصله "رَمَيَ"، وكذلك إن زاد على الثّلاثة نحو: "أعطى" أصله "أعْطَيَ"، و"تقاضى" أصله "تقاضَيَ"، و"احْواوَى" أصله: "احْواوَيَ". فقُلِبَ هذا كلّه لما ذكرناه.
وكونهما لامين في الاسم قولك "فَتى" أصله "فَتَيٌ" و"عَصا" أصله "عَصَوٌ" و"رَجا" أصله "رَجَوٌ".
وكذلك إن زاد على الثلاثة نحو "دَلَنْظَى" أصله: "دَلَنْظَيٌ" فقلب هذا كلّه لما ذكرته.
فإن قيل فالحركة في الاسم نحو: "عصا"، و"رَحَى"، و"دَلَنْظَى" حركة إعراب ليست لازمة فلم وجب القلب؟ قيل له حركة الإعراب لازمة للمعرب، وإنّما لا تلزم حركة بعينها، لأنّه يكون مرّة نصبًا ومرّة رفعًا ومرّة
[ ٢٩٣ ]
جرًّا، وإنّما كلامي على لزوم حركة من غير [تخصيص] لواحدة بعينها؛ فإن قيل فحركة الإعراب إنّما تكون في الوصل لا في الوقف فكان ينبغي أن تقلبا في الوصل ويصِحَّا في الوقف، قيل له إنّما الكلام على الوصل لأنّ فيه يظهر الإعرابُ الذي يفصل بين المعاني، فإذا ثبت القلب في الوصل حُمِل الوقف عليه.
وقال بعض النّحويين: إذا كانت الياء والواو حرفي إعراب فهما متهيِّأتان لقبول الحركة التي تحلُّ فيهما فصار تهيُّؤهما لقبول ما حلّ فيهما بمنزلة ما حلّ فيهما فلزمهما القلب في الوصل والوقف.
فأمّا قولهم: "ضَوٌ" في تخفيف "ضَوْء" و"شَيٌ" في تخفيف "شَيْء" و"جَيَلٌ" في تخفيف "جَيْأل" و"مَوَلَةٌ" في تخفيف "مَوْألةٍ" فلا يجوز أن تنقلب الياء والواو في هذا وما أشبهه ألفًا وإن تحرّكتا وانفتح ما قبلهما، لأنّ الحركة التي فيهما إنّما نقلناها إليهما من الهمزة التي
[ ٢٩٤ ]
أسقطناها، وإذا كان كذلك فحركتهما عارضة ليست بلازمة.
وكذلك لو قلت: "لوَ انّهم" "أوَ انتم" لم تقلب شيئا من ذلك، لأنّ الحركة في الواو للهمزة التي سقطت، وتقديره: "لو أنّهم" "أوْ أنتم" نقلت الحركة من الهمزة إلى الواو، فلمّا كانت حركتهما عارضة لم يجز أن تنقلب.
وكذاك الحركة في: (اشتروا الضّلالة) و(لترونّ الجحيم) (فإمّا ترينَّ من البشر أحدا)، و"اخْشَيِ الرّجل" و"مُصْطَفَوُ الله" الحركة في جميع هذا لالتقاء الساكنين فلا يجوز قلبه، لأنّ الحركة ليست لازمة له.
فأمّا قولهم "النَّزوان" و"الغليان" و"صميان" و"كَرَوان" فلا يجوز قلبه، لأنّه لو قلب ألفًا لوجب أن تسقط إحدى الألفين لالتقاء السّاكنين فكان يبقى: "نزانِ" و"كَرانِ" و"صَمانِ" فكان يشتبه "فَعالٌ" من الصّحيح بـ "فَعَلانٍ" من المعتلّ
[ ٢٩٥ ]
فأمّا قولهم: "الطَوَفانُ"، و"الجَوَلان"، "والحَيَدان"، و"حَيَدَى" و"صَوَرَى" فكان ينبغي أن تنقلب، لأنّهما قد تحرّكتا وقبلهما فتحة، ولكنّهما لمّا كانتا عينين كانتا أقوى من اللّام، فلمّا صحّت في اللّام من قولهم "النّزوان" وهي الأضعف كانت أولى أن تصحّ في العين، لأنّها أقوى من اللام.
وقال قوم إنّما صحّت في "النّزوان" و"الطَّوَفان" لأنّ بزيادة الألف والنّون خرج الاسم عن وزن الفعل فلم يجز أن يُعلّ بالقلب، وكذلك في "حَيَدَى" لأنّه بألف التّأنيث قد خرج عن وزن الفعل.
فأمّا قولهم: "ماهانُ" و"دارانُ" فأصله: "مَوَهانُ" و"دَوَرانُ" فقلبه
[ ٢٩٦ ]
شاذٌّ لا يقاس عليه. وقد قال المبرِّد القلب هو الأصل والتّصحيح شاذٌّ.
والصّحيح ما قدّمناه من قول سيبويه.
فأمّا قولهم: "اجْتوروا" و"اعْتَوَنوا" و"ازْدَوَجُوا" فإنّما صحّت الواو وإن كانت متحرّكة وقبلها مفتوح، لأنّها بمعنى ما يُسَكَّن قبل الواو. ألا ترى أنّ "اجْتَوَروا" في معنى "تجاوروا"، و"ازْدَوَجوا" في معنى "تزاوَجوا"، و"اهْتَوَشوا" في معنى "تهاوَشوا"، و"اعْتَوَنوا" في معنى "تعاوَنوا" وبابه. ولا يجوز أن تقلب الواو، لأنّ قبلها ألفًا فكذلك ما كان بمعناها لا يجوز أن يقلب.
فأمّا قولهم: "حَوِلَ" و"صَيِدَ" و"عَورَ" فإنّما صحّت الياء والواو، لأنّها في معنى ما يكتنفه ساكنان، ألا تراها في معنى: "اعْوَرَّ" و"احْوَلَّ" و"اصْيَدَّ"، فلمّا كانت الواو في "اعْوَرَّ" وبابه لا يجوز أن تقلب ألفًا
[ ٢٩٧ ]
لسكون ما قبلها وما بعدها، فكذلك في "عَوِرَ" وبابه لا يجوز أن تقلب، لأنّها بمعنى "اعْوَرَّ".
فإن قيل: إذا أعللتم الفعل من قولكم: "دارَ" و"نارَ" فهو من "دارَ يدورُ"، و"نارَ يَنُورُ" فبأيّ شيء تفرقون بينه وبين الاسم؟ قيل له: الاسم يدخله التّنوين ويدخله الألف واللام، وحرف الجر ويضاف ويضاف إليه.
والفعل يتصرّف وينتقل في الأزمنة، وإذا كان كذلك فليس يخلو واحد منهما من دليل يقترن به يميّزه من الآخر، ويزيل اللّبس بينهمان فلمّا ارتفع اللّبسُ وجب الإعلال بالقلب.
فإن قيل: ولم إذا كملت هذه الشّروط التي قدّمتموها في الياء والواو وجب قلبها ألفًا؟
قيل له عن هذا السّؤال جوابان:
قال بعض النّحويّين: لمّا استثقلوا الحركة في الياء والواو، وهم يُقَدّرون بحركتهما وانفتاح ما قبلهما على حرف أخفَّ لا يتأتّى حركته قلبوهما إليه وهو الألف لأنّه أخفّ.
[ ٢٩٨ ]
وقال غير هذا النّحويّ: حروف المدّ واللّين تتقارب وتتجانس، والحركات مأخوذة منها فإذا ضمّت الواو فكأنّها الواوان، وإذا انكسرت [الياءُ] فكأنّها ياءان، وإذا انضمّت فكأنّها ياءٌ وواوٌ، وإذا انفتحت فكأنّها ياء وألف، لأنّ العرب تجري هذه الحركات مجرى هذه الحروف، فلمّا كانت حركة الياء والواو تؤدّي إلى هذا الثّقل والاشتباه قلبوهما إلى حرف يأمنون حركته. وهذا وجه حسن قويٌّ في القياس.
فأمّا قولهم: "الحَوَكَةُ"، و"الخَوَنَةُ" فقد أعلّه قومٌ فقالوا: "حاكَةٌ" و"خانَةٌ"، وصحّحه قومٌ فقالوا: "حَوَكَةٌ" و"خَوَنَةٌ" فمن أعلّه قال: تاء التّأنيث بمنزلة المنفصل، وإذا كانت تاء التّأنيث بمنزلة المنفصل صار الاسم على وزن الفعل فوجب أن يُعَلّ بالقلب.
[ ٢٩٩ ]
وأمّا من صحّح فله طريقان: إن شاء قال: لمّا اتّصلت تاء التّأنيث بالاسم أخرجته عن وزن الفعل فوجب أن يُصَحَّح.
وإن شاء قال: إذا أعلّت العرب شيئًا بالقلب أقرّت بعضه على الصّحّة ليدلَّ على الأصل الذي أعلّوه.