اعلم أن هذه الهاء الزائدة يقال لها: "هاء السَّكْت"، وإنّما قيل لها هاء السّكت، لأنّه يسكت عليها، وتثبت في الخطّ، لأن الخطّ مبنيّ على الوقف، والوقف هو السّكت.
والموضع الذي يختصّ بزيادة هذه الهاء هو أنّه إذا أريد الوقف على حركة بناء - وقد علم أنّ الوقف يزيل الحركة - زيدت الهاء لتسلم الحركة ويُسكت على الهاء، ولا يجوز أن تزاد هذه الهاء بعد حركة إعراب، لأنّ الإعراب لا يقتضي حركة بعينها ألا تراه ينتقل فيكون رفعًا ونصبًا وجرًّا، فلمّا لم تتعيّن حركة إعراب لم يلزم المحافظة عليها، ولمّا تعيّنت حركة البناء ولزمت طريقة واحدة لزموا المحافظة على لفظها فألحقوا الهاء بعد حركة البناء فقالوا "كَيْفَهْ" و"أيْنَهْ" و"مُسْلمونَهْ" وقالوا: "ارْمِهْ" و"اغْزُهْ" و"اسْعَهْ".
وإذا كان الفعل الثلاثيّ معتلّ اللام والفاء لزمته هاء السكت فقالوا: "قِهْ" و"شِهْ" و"عِهْ" و"لِهْ" من "وقَيْتُ" و"وَشَيْتُ" و"وَعَيْتُ" و"وَلِيتُ"، فإذا
[ ٢٧٤ ]
دخل حرف المضارعة على هذا الفعل كقولهم: "إن تقِ أقِ" فمنهم من يلحق الهاء فيقول: "إن تقِ أقِهْ"، ومنهم من يقول: قد قَوِيَ الفعل بحرف المضارعة فليس تلزم الهاء.
فأما "ما" الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجرّ فللعرب فيها ثلاثة مذاهب:
أفصحها وأجودها: أن تسقط ألفها لما اتصلت بحرف الجرّ وتكثّرت به ليفصلوا بين ما الاستفهامية وما الخبرية التي بمعنى الذي والتي فقالوا: "حتّى مَهْ" و"عَلامَهْ"، و"إلى مَهْ"، و"لِمَهْ"، و"بِمَهْ" و"فِيمَهْ"، وفي التنزيل: (عمَّ يتساءلون) و(فيم أنت من ذكراها) و(بم يزجع المرسلون). وقد ألحق بعض المتقدمين من القراء هذه الهاء لهذه الميم في الوقف. كما
[ ٢٧٥ ]
ألحقوها لحركة ياء المتكلّم في (كتابِيَهْ) و(حِسابِيَهْ) و(مالِيَهْ) و(سلطانيه)
وقد ألحقوها ياء الضّمير في قوله: (ما هِيَهْ) لأنّ "هِيَ" اسم مضمر.
فأمّا قول صاحب الكتاب قد ألحقوها في: "بقرة" و"شجرة" فسهوٌ؛
[ ٢٧٦ ]
لأنّ هذه الهاء بدلٌ من تاء التّأنيث وليست زائدة، وينبغي أن تذكر في حروف البدل لا في حروف الزّيادة.
والمذهب الثاني: منهم من يُسَكِّن الميم فيقول: "لِمْ فعلت؟ "، و"حَتَّامْ" والمذهب الثالث - وهو أقلّها -: منهم من يثبت الألف فيقول: "علاما قمت؟ "، و"فيما رغبت؟ "، قال الشاعر:
علاما قام يشتمني لئيمٌ كخنزير تمرَّغ في دمان
[ ٢٧٧ ]
وقد روى غيره في "رماد".
وقد حُكِيَ أنّ الخليل قال في "هِرْكَوْلَةٍ" إنّ وزنها: "هِفْعَوْلَةٌ"
[ ٢٧٨ ]
والهاء زائدة، والهِرْكَوْلَةُ المرأة العظيمة الأوراك، لأنّها تركل الأرض في مشيها.
وقالوا: إنّ الهاء في "أمَّهاتٍ" زائدة ووزنه "فُعْلَهاتٌ"، وقال قومٌ إنّما زيدت الهاء في: "أمّهاتٍ" ليُفْرَقَ بين العقلاء والبهائم؛ لأنّه يقال في البهائم: "أمّاتٌ" كما قال الشاعر:
ولو مُنّيت أمّاتِ الرَّباع
[ ٢٧٩ ]
وزيدت الهاء في قولهم "أهْراقَ يُهْرِيقُ" وأصله: "أرْوَقَ" أو: "أرْيَقَ" فنقلوا فتحة العين التي هي "الياءُ" أو "الواو" إلى الرّاء، وسُكِّنت العين؛ لأن الراء فاء الكلمة ثمّ أتبعوا عين الكلمة فتحة الفاء فانقلبت ألفًا لتحرّكها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن فقالوا: "أراقَ يُرِيقُ"، ثمّ أدخلوا الهاء قبل الفاء، عوضًا من نقل حركة العين إلى الفاء فقالوا: "أهْراقَ يُهْرِيقُ".