متى وقعت ألف التّكسير بين واوين، أو ياءين، أو ياء وواو، أو واو وياء، وكان الحرف الثاني مجاورًا للطّرف في اللفظ أو في التقدير وجب أن يهمز الحرف الذي جاور الطّرف، وإنّما همز لأمرين:
أحدهما: أنّ الطّرف موضع يغلب فيه التغيير فسرى منه إلى مجاوره الإعلالُ.
والثاني: أنّه لمّا اكتنف الألف حرفا علّة ثقل عليهم ثلاثة أحرف معتلّة، ففرّوا من أحدها إلى الهمزة، وكان الأخير أولى بالهمز لمجاورته الطّرف.
فإذا اكتنف الألف واوان اجتمع الأخفش وسيبويه على همز الثانية، وادّعى الأخفش أنّ هذا هو الذي سُمِع من العرب وصحّح ما عدا الواوين ولم يجز همزه.
[ ٤٩٢ ]
وكان سيبويه يهمز الكلَّ وحكى المازنيُّ قال: سألت الأصمعيَّ كيف تجمع العرب عَيِّلًا؟ فقال: "عَيائِل"فهمز، وهذا يردُّ قول الأخفش:
[ ٤٩٣ ]
إنّه ما سمع من العرب.
مثال الواوين تقول في "أوَّل: أواوِلُ" وفي فُوَّهَة النّهَر: "فَواوِهُ" ومثال الياءين عَيِّلٌ وعَيايِلُ ومثال الياء والواو "سَيِّقَةٌ" و"سَياوِقُ".
ومثال الواو والياء "بَيِّعٌ" تقول في جمع "بَيِّعٍ" إذا جعلته "فَوْعَلًا": "بَوايِعُ".
وإن جعلته "فَعْوَلًا" قلت "بَياوِعُ" وإن جعلته "فَيْعَلًا" أو "فَعّلًا" قلت "بَيايِعُ".
فهذا كلّه ينبغي أن يهمز تقول: "أوائلُ" و"فَوائِهُ" و"عيائِلُ" و"سَيائِقُ" و"بوائِعُ" و"بَيائِعُ" فهمزت لما قدّمت ذكره.
فإن اضطرّ شاعر إلى أن يردف قصيدته فيزيد بعد كسرة الهمزة ياء صحّح الهمزة، ولم يعتدّ بالمزيد لمّا كان عارضًا، ولم يكن من نفس الكلمة فتقول: "أوائيلُ" و"عَيائِيلُ".
[ ٤٩٤ ]
فإن بَعُدَ حرف العلّة من الطّرف صُحِّحَ ولم يجز أن يُهْمَزَ تقول في جمع "طاوُوسٍ": "طَواوِيسُ" وفي "ناوُوسٍ": "نَواوِيسُ" وفي "داوُدَ": "دَواوِيدُ".
فإن اضطرّ شاعرٌ إلى حذف هذه الياء فقال: "طَواوِسٌ" و"نَواوِسٌ" لم يجز أن يهمز وإن جاورت الطّرف، لأنّ المحذوف مُقَدَّرٌ منويٌّ، فكأنّ الحرف لم يجاور الطّرف في التّقدير، وإن جاوره في اللفظ، وعلى هذا قول الشاعر:
وكحّل العينين بالعَواوِرِ
فصحّح الواو، ولم يهمز، لأنّ التقدير "بالعوَاوِيرِ"، لأنّه جمع "عُوّارٍ".
فإن عرضت همزة في هذا الجمع غُيِّرتْ، تقول في جمع "شاوِيَةٍ": "شَوايا"، والأصل "شَواوِيُ"، ثمّ همزت الواو فصار: "شَوائِيُ"،
[ ٤٩٥ ]
فعرضت الهمزة في الجمع، فقلبوا من كسرة الهمزة فتحة فقالوا: "شَواءَيُ"، فلمّا تحرّكت الياء وقبلها فتحة انقلبت ألفًا فقالوا: "شَواءا"، فوقعت الهمزة بين ألفين، فاجتمعت ثلاث متشابهات: إمّا ثلاث همزات أو ثلاث ألفات، فقلبوا من الهمزة ياء فقالوا: "شَوايا".
وكذلك في جمع: "راوِيَةٍ": "رَوايا" والأصل "رَواوِيُ" ثمّ "رَوائِيُ"، ثمّ "رَواءَيُ" ثمّ "رَوايا" فهذه ياء انقلبت عن همزة انقلبت عن واو.
وكذلك قالوا في جمع "مَطِيَّةٍ": "مَطايا"، والأصل "مَطايِيُ" ثمّ:
[ ٤٩٦ ]
"مَطاءَيُ" ثمّ: "مَطاءا" ثمّ "مَطايا" فهذه ياء انقلبت عن همزة انقلبت عن ياء.
وأمّا الألف التي بعدها فإنّها انقلبت عن ياء ووزن الكلمة: "فَعائِلُ".
وإن جمعت: "إداوَة" زدت ألف التكسير بعد الدّال وقلبت من الألف التي بعدها همزة وكسرتها فانقلبت الواو ياء فقلت: "أدائِيُ" ثمّ "أداءا" ثمّ "أَداوَى" فهذه واو انقلبت عن همزة انقلبت عن ألف زائدة؛ وإنّما قلبوها واوًا في الجمع ليدلّوا على أنّ لام الكلمة كانت واوًا ظاهرة في الواحد.
فإن كانت لام الكلمة ياء، أو ياء مبدلة من واو أبدلوها ياء في هذا
[ ٤٩٧ ]
الجمع، ولم يعتدّوا بما انقلبت عنه لمّا لم تظهر في الواحد، والألف التي بعد الواو مبدلة من ياء أبدلت من واو كانت ظاهرة في الواحد، تقول في جمع "هِراوَة": "هِراوَى"، وكان "هَرائِيُ" ثمّ "هَراءا" ثمّ "هَراوى" فالواو مبدلة من همزة أبدلت من ألف زائدة، وإنّما أبدلت واوًا ليدلّوا على أنّ واو الكلمة كانت ظاهرة في الواحد، والألف التي بعد الواو مبدلة من ياء أبدلت من واو كانت ظاهرة في الواحد، وزن الكلمة: "فَعائِلُ".
فأمّا "شَوايا" فوزنها "فَواعِلُ" على وزن "ضَوارِب"، لأنّه جمع "شاوِيَةٍ".
[ ٤٩٨ ]
فأمّا "رَزِيئَةٌ" و"خَطِيئَةٌ" وزنها "فَعِيلة"، والياء زائدة، فإذا جمعتهما بالتكسير زدت ألف التكسير قبل الياء، وهمزت الياء بعد الألف وكسرتها، لأنّها زائدة، فاجتمع في آخر الاسم همزتان الهمزة العارضة في الجمع، والهمزة الأصليّة، وقد كانوا يغيّرون هذا الجمع للهمزة العارضة فيه وحدها، فإذا اجتمع فيه همزتان كان ألزم للتغيير فجاء اللفظ: "خَطائِيُ" و"رَزائِيُ" فقلبوا الهمزة الأخيرة ياء لانكسار ما قبلها فصار "خَطائِيُ" و"رَزائِيُ" ثمّ قلبوا من كسرة الهمزة فتحة فصار "خَطاءَيُ" و"رَزاءَيُ" فتحرّكت الياء وقبلها فتحة فانقلبت ألفًا فصار: "خَطاءا" و"رَزاءا" فوقعت همزة بين ألفين فصار كأنّه قد اجتمع ثلاث ألفات أو ثلاث همزات، ففرّوا من اجتماع ثلاث متشابهات إلى التّغيير، وكان الأوسط أولى بالتّغيير؛ ليحجز بين المثلين فقلبوا من الهمزة ياء فقالوا: "خَطايا" و"رزايا" فالياء منقلبة عن همزة انقلبت عن ياء زائدة لوقوعها بعد ألف التكسير، والألف التي بعدها انقلبت عن ياء انقلبت عن همزة أصليّة وهي لام: "خَطِيئة" و"رَزِيئة".
وقد ذكرت من هذا الجمع ما يستدلُّ به على ما لم أذكره.
[ ٤٩٩ ]
فإن كانت الألف والياء والواو في أحد هذا الجمع زوائد سواكن: همزت في الجمع، وترك همزها خطأ.
فإن أردت أن تجمع: "رسالة" زدت ألف الجمع بعد السّين، وبعدها ألف زائدة. ولم يجز الجمع بينهما، ولا إسقاطها، ولا إسقاط إحداهما ولا تحريك الأولى، لأنّها ألف الجمع، فوجب أن تحرَّك الثانية، وإذا حُرِّكت الألف صارت همزة، وكسرتها لوقوعها بعد ألف الجمع فقلت: "رَسائِلُ"، وفي "عِمامة": "عَمائِمُ"، وفي "حَمامة": "حَمائِمُ".
وتقول في "عجوز": "عَجائِزُ" فتقلب من الواو همزة تشبيهًا لها بألف "رسالة"، وتقول في "كبيرة": "كَبائِرُ" فتقلب من الياء همزة؛ لأنّ الياء والواو لمّا كانتا زائدتين ساكنتين وما قبلهما منهما شُبِّها بألف "رِسالة" همزتا، ولم يجز أن يُحَرَّكا، ومن لم يهمزها فقد أخطأ.
قالوا في: "صَيْرَف": "صَيارِف" وفي "حَيْدَر": "حَيادِرُ" وقالوا في
[ ٥٠٠ ]
"جَوْهَر": "جَواهِرُ"، وفي "جَدْوَل": "جَداوِلُ"، وقالوا في "حِذْيَم": "حَذايِمُ".
وكذلك إن كانت الياء والواو عينًا [في] الكلمة وجب أن تصحَّح إن كانت متحرّكة أو ساكنة. قالوا في المتحرّكة "أسْوَدُ" و"أساوِد" و"أخْيَر" و"أخايِرُ" و"أطْيَبُ" و"أطايِبُ" و"أجْوَدُ" و"أجاوِدُ".
وقالوا في السّاكنة: "مَعيشةٌ" و"مَعايِشُ"، لأنّ الياء في "مَعيشة" وإن كانت ساكنة فأصلها الحركة ومن همزة "مَعايِش" فهو مخطئ؛ وإنّما همزها لأنّه شبّه "معيشة" بـ"صحيفة" وليست مثلها؛ لأنّ الياء في صحيفة زائدة؛ وإنّما همزوا ياء "صحيفة" وواو "عجوز" وألف "رسالة" لأنّهنّ متن بالسّكون في اللفظ والأصل، فوجب لهنّ الهمز.
والياء في "معيشة" أصلها الحركة، لأنّها عين الكلمة.
وتقول في "مَباع": "مَبايِعُ"، لأنّ الأصل "مَبْيَعُ"، وتقول في: "مَقال": "مقاوِلُ" لأنّ الأصل "مَقْوَل" فتصحِّح هذه الأشياء، لأنّ أصلها الحركة، وهمزها خطأ، وتقول في جمع "منارة": "مَناوِرُ"، لأنّها من النّور، وفي "مُصيبة": "مَصاوِب" لأنّها من "صاب يَصُوبُ" وأصلها "مُصْوِبَة" و"مَنْوَرَة"
[ ٥٠١ ]
في "مَنارة"، وتقول في جمع "مَقام": "مَقاوِمُ" قال الشاعر:
وإنّي لقَوّامٌ مَقاوِمَ لم يكن جريرٌ ولا مولى جرير يقومها
وتقول في جمع "مَساءَة": "مَساوِئُ" كما قال الشاعر:
مساوئهم لو أنّ ذا الليل يعدلُ
[ ٥٠٢ ]
فأمّا "مَعينٌ" فمن أخذه من "المَعْن" فالياء زائدة فينبغي أن يهمز فيقال "مَعائِنُ"، وقد قالوا في جمعه: "مُعُنٌ" و"مُعُناتٌ"، وإسقاط الياء يدلّ على زيادتها،
ومن أخذ "مَعين" من "العَيْن" فالياء عين الكلمة فينبغي أن يحرّكها فيقول: "مَعايِنُ".
وأمّا "مدينةٌ" فمن أخذها من "دان يدِينُ" فالياء عين الكلمة، لأنّهم يدينون لسلطانهم فوزنها: "مَفْعِلَةٌ" وأصلها "مَدْيِنَةٌ" كما أنّ أصل "مَعِين": "مَعْيِنٌ" فيمن صحّح، فينبغي أن يقول: "مَدايِنُ" يصحّح الياء ولا يهمز.
ومن أخذها من قولهم: "مَدَّنْتُ المدائنَ" إذا بنيتها وحصّنتها فوزنها: "فَعِيلة" والياء زائدة فينبغي أن يقول في التّكسير: "مدائِنُ" فيهمز.
[ ٥٠٣ ]