الواو والياء إذا أدغمتا فيما بعدهما تحصّنتا عن القلب أي: عن القلب القياسيّ، لأنّه لا يطّرد فيهما القلب، فإن جاء فيهما قلب فذلك قليل لا يقاس عليه، إلاّ أنّ القلب فيهما إذا كانتا طرفًا أكثر من القلب فيهما إذا جاورتا الطّرف، وقد ذكرنا قبلهما في الطّرف في الواحد والجمع وإنّما نذكر في هذا الفصل ما جاور الطّرف، لأنّه يسري إليه من الطّرف الإعلال والقلب، يدلّك على أنّ القلب إنّما جعل فيهما لمجاورتهما الطّرف أنّهما متى بعدتا من الطّرف صحّتا قالوا: "سُيُّلٌ" و"عُيُّلٌ" قال الشاعر:
يحمي الصِّحابَ إذا تكون كريهةٌ وإذا هم نزلوا فمأوى العُيَّلِ
وقال أبو النّجم:
[ ٥٠٦ ]
بين التِّلاع السُّيَّلِ
وقالوا: "سُوَّلٌ" وقالوا في الجمع "نُوَّمٌ ونُيَّمٌ" و"صُوَّمٌ وصُيَّمٌ" و"قُوَّمٌ وقُيَّمٌ"؛ وإنّما قلبوا الواو الأخيرة لمجاورتها الطّرف، ثم اجتمع الواو والياء والسّابق ساكن فقلبوا الواو ياء وأدغموا الياء في الياء فقالوا: "قُيَّمٌ" و"صُيَّمٌ" و"نُيَّمٌ" قال الشاعر:
لولا الإله ما سكَنّا خَضَّما ولا ظللنا بالمشائي قُيَّما
[ ٥٠٧ ]
فإذا بعدت من الطّرف صحّت قالوا: "صُوَّامٌ" و"نُوّامٌ" و"قُوّامٌ" قال الشاعر:
ألا أيّها النُّوّام ويحكم هُبُّوا
فأمّا ما رواه ابن الأعرابيِّ من قول ذي الرّمّة:
[ ٥٠٨ ]
ألا طرقتنا مَيَّةُ ابنة بندر فما أرَّقَ النُّيّامَ إلاّ سلامُها
فالأصل فيه: "نُوَّمٌ" فقلبت الواو الأخيرة ياء لمجاورتها الطّرف، فاجتمع ياء وواو، وسبقت إحداهما بالسكون وهو "نُويَمٌ" فقلبت الواو ياء،
[ ٥٠٩ ]
وأدغمت الياء في الياء، فكسر الحرف الذي قبل الياء ليتمكّن القلب فقال: "نِيَّمُ"، ثمّ أشبع الياء الأخيرة فنشأت الألف عن إشباع الفتحة فقال: "نِيّامٌ".
فأمّا قولهم: "اخْرَوَّطَ: اخْرِوّاطًا" و"اجْلَوَّذَ اجْلِوّاذًا" و"اعْلَوَّطَ: اعْلِوّاطًا" فإنّما صحّت فيه الواو لأنّه واحد، وأنّ الواو قد بعدت من الطّرف، ولو ورد شيء من هذا مقلوبًا لكان الكلام فيه كالكلام في: "نُيّام".
وإنّما صار القلب في الجمع أكثر منه في الواحد لئلاّ يجمعوا على الكلمة ثقل الجمع، وثقل الواو، ففرّوا منها إلى الياء، لأنّ الياء أسهل، وأنّها من حروف الفم، وحروف الفم أكثر من حروف الشّفة.
اعلم أنّه إذا اجتمع في الفعل الماضي واوان بنوه على: "فَعِلَ" لتنقلب الثانية من الواوين ياء، فلا يجتمع مثلان ثقيلان، ولا يلزم إدغام.
[ ٥١٠ ]
قالوا: "ذَوِيَ يَذْوَى" و"جَوِيَ يجْوَى" على مثال: "شَقِيَ يَشْقَى".
فإن كان في الماضي ياءان نحو: "عَيِيَ يعْيَى" و"حَيِيَ يحْيَى" فمنهم من يظهر الياءين ويقول ليست الياء الأخيرة لازمة، ألا تراها تنقلب إذا قلت: "يَعْيَى" و"يَحْيَى" وأيضًا فإنّ السّكون يدركها فتقول: "عَيِيتُ" و"حَيِيتُ" فلمّا كان السّكون يدركها، والقلب يدركها لم تكن لازمة، وإذا لم تكن لازمة لم يلزم إدغامها، وإنّما يلزم الإدغام إذا اجتمع مثلان متحرّكان وقد قرأ بعض القرّاء: (من حيِيَ عن بيّنة) بالإظهار.
وقد أدغمها قوم فرارًا من اجتماع المثلين وشبّهوها بحركة الإعراب من حيث كانت هاء السّكت لا تلحقها كما لا تلحق المعرَب
[ ٥١١ ]
فقالوا: "عَيَّ" و"حَيَّ"، وقد قرأ بعضهم "من حَيَّ عن بيّنة).
وتقول في التثنية: "عيَّا" و"حَيَّا" وفي الجمع: "عَيُّوا" و"حَيُّوا" قال الشاعر:
عَيُّوا بأمرهم كما عَيَّتْ ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثمامه
[ ٥١٢ ]
فأمّا إذا بنيت على مذهب من أظهر الياء قلت "عَيِيا" و"حَيِيا"، فإذا جمعت قلت "عَيُوا" و"حَيُوا" وزنه "فَعُوا"، وقد سقطت لام الكلمة من قوله تعالى: (عَمُوا) و(رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالف)
والأصل فيه حَيِيُوا، وعَيِيُوا، ورَضِيُوا فاستثقلوا الضّمّة على الياء الحقيقيّة التي قبلها كسرة، فأسقطوا الضّمّة منها فبقيت الياء ساكنة، وبعدها واو الجمع ساكنة، فاجتمع الواو والياء ولا يجوز الجمع بينهما، ولا إسقاطهما، ولا تحريك أحدهما، ولا بدّ من إسقاط أحدهما، والواو لا يجوز إسقاطها لئلاّ يبطل علامة الجمع ويبقى الفعل بلا فاعل، فلمّا استحال إسقاط الواو أسقطوا الياء لالتقاء السّاكنين فبقيت الواو ساكنة وقبلها كسرة، فلو أقرّوها لانقلبت الواو ياء؛ لأنّه لا يثبت واو ساكنة قبلها
[ ٥١٣ ]
كسرة، وكان يجيءُ "حَيِي" و"عَيِي" فيلتبس الجمع بالواحد، فلمّا كان يؤدّي إقرار الواو إلى هذا الالتباس قلبوا من الكسرة ضمّة لتثبت الواو ولا تنقلب فقالوا: "حَيُوا" و"عَيُوا" و"رَضُوا" و"شَقُوا" و"عَمُوا"، وعلى هذا قال الشاعر:
حَيُوا بعدما ماتوا من الدّهر أعْصُرا
فإن بنيت هذا الفعل لما لم يسمّ فاعله قلت في لغة من أظهر: "عُيِيَ
[ ٥١٤ ]
بهذا الأمر" و"حُيِيَ في هذا المكان" فأمّا من قال: "قِيلَ" فينبغي له أن يسقط ضمّة الحاء من "حُيِيَ" وضمّة العين من "عُيِيَ" فإذا سكنتا نقل إليهما كسرة الياء التي بعدهما، فانكسرتا لأجل الكسرة المنقولة إليهما، وسكنت الياء التي بعدهما، وأدغمت في الياء التي بعدها فقيل: "عِيَّ بهذا الأمر" و"حِيَّ في هذا المكان".
ومن أشار في: "قِيل" أشار هنا إلى الضّمّ.
فأمّا من قال: "قُولَ لهم" فإنّه يسقط كسرة الياء الأولى، ويدغمها فيما بعدها فيقول "قد حُيَّ في هذا المكان" وقد "عُيَّ بهذا الأمر".
فإن أدخل الهمزة على هذا الفعل فقال: "أُحْيِيَ" و"أُعْيِيَ" ولم يدغم واتّصلت به واو الجميع فقال: "أحْيُوا" و"أُعْيُوا"، والأصل فيه: "أُحْيِيُوا" و"أُعْيِيُوا" فاستثقلوا الضمّة في الياء التي قبلها كسرة، فأسقطوا منها الضّمّة، فبقيت الياء ساكنة، وبعدها واو الجميع ساكنة، ولم يجز أن تسقط واو الجمع، فأسقطوا الياء، لالتقاء السّاكنين فبقيت الواو ساكنة، وقبلها كسرة،
[ ٥١٥ ]
فقلبوا من الكسرة ضمّة لتثبت الواو ولا تنقلب فقال: "أُحْيُوا" و"أُعْيُوا" ووزن الكلمة "أُفْعُوا"، لأنّ اللام قد سقطت.
فأمّا من أدغم فأصله: "أُحْيِيُوا" و"أُعْيِيُوا" فنقل كسرة الياء الأولى إلى السّاكن الذي قبلها، فانكسر الساكن، وسكنت الياء، فأدغمها في التي بعدها فقال: "أُحِيَّ" و"أُعِيَّ" واتّصلت به واو الجمع فقال: "أُحِيُّوا" و"أُعِيُّوا".
فأمّا: "اسْتَحْيَى" فوزنه "اسْتَفْعَلَ" من "حَيِيتُ" والأصل: "اسْتَحْيَيَ" فانقلبت الياء الأخيرة ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فقالوا: "اسْتَحْيَى يستحْيِي استحياءً" وهو "مُسْتَحْيٍ".
فإذا أسند المتكلّم هذا الفعل إلى نفسه قال "اسْتَحْيَيْتُ" فسكنت الياء الأخيرة لاتّصالها بما يوجب سكونها، والياء التي قبلها مفتوحة.
هذا هو الصّحيح الأكثر.
ومن الناس من يقول: "اسْتَحْيَيْتُ" وفيه طريقان:
منهم من يقول إنّ الأصل: "اسْتَحايَ" على وزن "اسْتَقامَ" أعلَّ عين
[ ٥١٦ ]
الكلمة بأن قلبها ألفًا بعد أن نقل فتحتها إلى الحاء وصحّح اللام، فإذا اتّصلت اللام بما يوجب سكونها سقط ما قبلها لالتقاء السّاكنين فقال "اسْتَحَيْتُ" فوزن الكلمة: "اسْتَفَلْتُ"، وهذا المذهب رديء، لأنّه لو كان الماضي: "اسْتحايَ" لوجب أن يقول في المستقبل: "يسْتَحِيُّ" فيضمّ الياء في الرفع، لأنّها مشدّدة، وهذا لا يجوز، لأنّ المضارع لا يجوز أن تنضمّ ياؤه في مكان، وتسكن في مكان، وكذلك الواو، ألا تراهم يقولون: "يَرْمِي" و"يَغْزُو" فيسكّنون الياء والواو في الرّفع.
فإذا أدّى قياسٌ إلى أن تضمَّ هذه الياء والواو رفضوه وأعلّوه إلى أن يرجع إلى القياس، ولهذا قالوا: "احْواوى التّيسُ" إذا بنوه على وزن: "احْمارَّ"، و"احمارَّ" صحيح يدخله الرّفع في المستقبل تقول: "احْمارَّ يحمارُّ احْميرارًا" فإذا بنوه من الحُوّة مثل: "احْمارَّ" فقياسه أن تقول: "احْواوَّ يحْواوُّ" فيضم الواو في الرفع وهذا لا يجوز.
فلمّا كان يؤدّي تصحيح الواو في "احْواوَّ" إلى أن يرتفع في المضارع رفضوه فحرّكوا الواو الأولى بالفتح فانقلبت الواو الثانية ألفًا فقالوا في الماضي "احْواوَى" وفي المستقبل "يَحْواوِي" فسكنت الياء في موضع الرفع.
فأمّا مصدر هذا الفعل فمن قال: "احْميرارًا" في الصّحيح قال في هذا: "احْويواوًا".
فإن قيل فقد جمعتم بين "ياء" و"واو" والسابق منهما ساكن! قيل له
[ ٥١٧ ]
لأنّها انقلبت عن ألف احْواوى التي بين الواوين، فلمّا لم تلزم لم يعتدَّ بها فقالوا: "احْوِيواوًا" فالحاء فاء الكلمة، والواو التي بعدها عين، والياء التي بعد الواو انقلبت عن ألف زائدة، والواو التي بعد الياء هي لام الكلمة، والألف التي بعدها هي الألف التي تزاد قبل آخر المصادر، والهمزة التي بعد الألف انقلبت عن واو هي لام الكلمة في: "احْواوَيْتُ".
ومن النّاس من يراعي اللفظ فيقلب من الواو ياء ويدغم الياء في الياء فيقول: "احْوِيَّاء".
ومن أسقط الياء في الصّحيح قال في: "احْميرار: احْمرارًا" أسقط الياء هنا فقال: "احْوِواء".
فمن قال: "احْوِيواء" و"احْوِيّاء" فوزن الكلمة "افْعِيلال".
ومن قال: "احْوِواء" فوزن الكلمة: "افْعِلال".
وم الناس من ينقل كسرة الواو الأولى إلى الحاء فيستغني بكسرتها عن
[ ٥١٨ ]
ألف الوصل، ويدغم الواو في الواو فيقول: "حِوّاوًا" فوزن الكلمة "فِعْلال".
والوجه الثاني: في "اسْتَحَيْتُ" أن يكون الأصل فيه: "اسْتَحْيَيْتُ" فاستثقل الجمع بين ياءين فنقل فتحة الياء الأولى إلى الحاء فانفتحت الحاء، وسكنت الياء، ثمّ قلب من الياء ألفًا، وبعدها ياء ساكنة فسقطت الألف لالتقاء السّاكنين. هذا هو القياس، لأنّ الياء التي قبلها فتحة لا تسقط لالتقاء السّاكنين.
وفي النّاس من قال: أسقط الياء لالتقاء السّاكنين وإن كان قبلها فتحة، وقد فعلوا في الصّحيح مثل هذا قالوا: "مَسِسْتُ" و"ظلِلْتُ" هذا هو الأصل.
[ ٥١٩ ]
وفي النّاس من ينقل، ويسكِّن الميم والظّاء وينقل إليهما حركة السّين واللّام فتنكسر الميم والظّاء، ويسكن ما بعدهما، ويسقطه لسكونه وسكون ما بعده فيقول: "مِسْتُ" و"ظِلْتُ" فوزن الكلمة: "فِلْتُ".
وفي الناس من يقول: أسقط كسرة السين واللام، فلمّا سكنتا أسقطهما لسكونهما وسكون ما بعدهما فقال: "مَسْتُ" و"ظَلْتُ" فوزن الكلمة: "فَلْتُ".
وعلى المذهب الأوّل أنشدوا:
أحسن به فهنَّ إليه شُوسُ
[ ٥٢٠ ]
وأصله: "أحْسَسْنَ" فنقل حركة السّين إلى ما قبلها، ثمّ أسقطها لالتقاء السّاكنين، فوزن الكلمة: "أفَلْنَ"، وعلى هذا قالوا: "أحَسْتُ" وزنه "أفَلْتُ" وأصله: "أحْسَسْتُ" فنقل حركة السّين إلى ما قبلها، ثمّ أسقطها لالتقاء السّاكنين.
ومن قال "حَسِينَ" فإنّه قلب من السّين الثّانية ياء، فرارًا من اجتماع مثلين، وليقوِّم وزن البيت.
وإذا كانت لام الكلمة وعينها معتلّتين وجب أن تعلَّ اللّامُ، لأنّها موضع الإعلال، وتصحَّح العين، لبعدها من الطّرف: كما قالوا "عَيَيْتُ" و"حَيَيْتُ"، و"يَعْيَى" و"يَحْيَى" أجروه مجرى "غَبِيتُ" و"شَقِيتُ" فصحّحوا العين، كما صحّحوا القاف في "شَقِيتُ" والباء من "غَبِيتُ".
[ ٥٢١ ]
وقد شذّ منه حريفات أعلّوا فيها العين، وصحّحوا اللام: قالوا في الفعل: "اسْتحْيَيْتُ" على مذهب من قال ماضيه: "اسْتَحايَ" فأعلّوا العين وصحّحوا اللام.
وقالوا في الأسماء: "رايَةٌ" والأصل "رَوَيَةٌ"، وقالوا: "ثايَةُ الغنم" والأصل: "ثَوَيَة"، وقالوا: "غايةٌ" والأصل: "غَيَيَةٌ" فقلبوا العين ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وصحّحوا اللام، وكان القياس: أن يصحّحوا العين، ويعلّوا اللام فيقولون: "غَياةٌ" و"رَواةٌ" و"ثَواةٌ"، ووزنها "فَعَلَةٌ".
فأمَّ: "آيةٌ" فقال قوم أصلها: "أيَيَةٌ" "فَعَلَةٌ" فقلبوا العين ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وصحّحوا اللام، وكان القياس أن يقولوا: "أياةٌ" فيعلّوا اللام ويصحّحوا العين.
وقال قوم وزنها "أيّةٌ" على وزن "فَعْلَة" إلاّ أنّهم كرهوا التّضعيف
[ ٥٢٢ ]
فقلبوا من العين ألفًا على غير قياس فقالوا: "آية" كما قالوا في "طَيِّئٍ: طائِيّ"، وكان القياس ألاّ تقلب الياء الساكنة ألفًا.
وقال الكسائيُّ أصلها: "آيِيَةٌ" على وزن فاعِلة، فلمّا كثر الاستعمال أسقطوا الياء الأخيرة تخفيفًا فوزنها السّاعة "فاعَةٌ".
وإذا كان الفعل الماضي على ثلاثة أحرف، وكانت عينه معتلّة، وكانت ألفًا قد انقلبت عن ياء أو واو لم يخل أن يكون على وزن "فَعَلَ" أو "فَعِلَ" أو "فَعُلَ".
فإن كان على: "فَعَلَ" جاز أن يكون متعدّيًا إلى مفعول، وألاّ يكون متعدّيًا وإن كان على "فَعِلَ" جاز أن يكون متعدّيًا وألاّ يكون متعدّيًا.
وإن كان على "فَعُلَ" لم يجز أن يكون متعدّيًا، ألا ترى أنّه لا يجوز أن يقول: "كَرُمْتُهُ" و"ظَرُفْتُهُ".
[ ٥٢٣ ]
فأمّا "طال" الذي هو ضدُّ "قَصُرَ" فأصله: "طَوُلَ" على وزن "قَصُرَ" فلا يجوز أن يتعدّى، لا يجوز أن تقول: "طُلْتُهُ" كما لا تقول"قَصُرْتُهُ". فلمّا تحرّكت الواو في "طَوُلَ" وقبلها فتحة انقلبت ألفًا.
فإذا اتّصلت اللام بالضّمائر التي توجب سكونها قالوا: "طَولْتُ"، وأسقطوا فتحة الطّاء، فلمّا سكنت نقلوا إليها ضمّة الواو، فانضمّت الطّاء وسكنت الواو، وبعدها حرف ساكن، ثمّ سقطت الواو لالتقاء السّاكنين، وبقيت الضّمّة في الطّاء تدلّ عليها، لأنّها منها نقلت ووزن الكلمة "فُلْتُ"
[ ٥٢٤ ]
وقالوا في المستقبل: "يَطُولُ" وأصله: "يَطْوُلُ" فنقلوا ضمّة الواو إلى الطّاء فصار: "يَطُولُ" لتعلَّ المستقبل كما أعلَّ الماضي، ليجري الفعل على وتيرة واحدة.
فأمّا قولهم: "طاوَلني فطُلْتُهُ" فهو محوَّلٌ من "طَوَلَ" إلى "طَوُلَ"، ولو لم يكن اصله: "طَوَلَ" لم يتعدّ إلى مفعول، ألا ترى قول الشاعر:
إنّ الفرزدق صخرة عاديّةٌ طالت - فليس تنالها - الأوعالا
فـ"الأوعال" منصوبة بـ"طالتْ"، وأصله "طَوَلَتْ"، لأنّ "فَعَلَ" ممّا يتعدّى، فلمّا تحرّكت الواو، وقبلها فتحة انقلبت ألفًا، فإذا اتّصلت اللام
[ ٥٢٥ ]
بالضّمير الذي يوجب سكونها حوّلوا "طَوَلَ" إلى "طَوُلْتُ" فأسقطوا فتحة الطّاء، ونقلوا إليها ضمّة الواو، فانضمّت الطّاء وسكنت الواو، ثمّ سقطت لسكونها وسكون ما بعدها، وبقيت الضّمّة في الطّاء تدلّ عليها، فهذا، معتلٌّ من محوَّل إليه، لأنّه كان "فَعَلَ" فَحُوِّلَ إلى "فَعُلْتُ" ثمّ أُعِلَّ.
و"طُلْتُ" الذي هو ضدُّ "قَصُرْتُ" أُعِلَّ من "فَعُلْتُ" لأنّه لم يكن له "فَعَلْتُ" ثمّ حُوِّل إلى "فَعُلْتُ".
فأمّا "فَعَلَ" فقد تكون ألفه من ياء، ومن واو، فمثال الياء "باع" أصله "بَيَعَ" فتحرّكت الياء وقبلها فتحة فانقلبت ألفًا.
فإذا أسندوا هذه الأفعال إلى ضمير فاعل يوجب سكون لامها حوّلوا: "فَعَلْتُ" من ذوات الياء إلى "فَعِلْتُ" فحوّلوا: "بَيَعْتُ" إلى "بَيِعْتُ"، وحوّلوا ذوات الواو من "فَعَلْتُ" إلى "فَعُلْتُ" فحوّلوا: "صَوَغْتُ" إلى "صَوُغْتُ"، و"قَوَمْتُ" إلى "قَوُمْتُ" ثمّ أسقطوا فتحة الباء من "بَيِعْتُ" ونقلوا إليها كسرة الياء التي بعدها، فانكسرت الباء، وسكنت الياء، ثمّ سقطت الياء لسكونها وسكون ما بعدها، وبقيت الكسرة في الباء تدلّ عليها، لأنّها منها نقلت.
وهذا معتلٌّ من محوَّل إليه، وإنّما فعلوا هذا ليدلّوا بالكسرة على الياء السّاقطة، الذي يدلّك على أنّ أصله "فَعَلْتُ" مجيءُ مستقبله على "يَفْعِلُ" نحو "يَبِيعُ" أصله: "يَبْيِعُ"، فنقلوا كسرة الياء إلى الباء فقالوا: "يَبِيعُ"، ولو
[ ٥٢٦ ]
كان الماضي "فَعِلَ" من غير مُحوَّل إليه كان المستقبل "يَفْعَلُ" نحو: "رَكِبَ يركَبُ"، وكنت تقول: "يَباعُ".
فأمّا "صُغْتُه" فأصله: "صَوَغْتُ" حوِّلت إلى "صَوُغْتُ"، ثمّ أسقطت فتحة الصّاد، ونقلت إليها ضمّة الواو، وسقطت الواو لسكونها وسكون ما بعدها، وبقيت الضّمّة في الصّاد تدلُّ عليها، يدلُّك على أنّ أصله "صَوَغْتُ" وحُوِّل إلى "صَوُغْتُ" تعدِّيه إلى مفعول إذا قلت: "صُغْتُ الخاتم"، ولو كان أصله: "فَعُلْتُ" لم يتعدّ.
وقالوا في المستقبل: "يَصُوغُ" وأصله: "يَصْوُغُ" فنقلوا ضمّة الواو إلى الصّاد فصار "يَصُوغُ".
و"قُمْتُ" أصله: "قَوَمْتُ" حُوِّل إلى: "قَوْمْتُ" ثمّ أسقطوا فتحة القاف، ونقلوا إليها ضمّة الواو، وسقطت الواو لسكونها وسكون ما بعدها فقالوا: "قُمْتُ"، ودلّت الضّمّة في القاف على الواو.
وقالوا في المستقبل "يَقُومُ"، والأصل: "يَقْوُمُ"، وأعلّوا المستقبل الإعلال الماضي حتّى يجري الفعل على وتيرة واحدة فلا يختلف.
فإذا قال المملوك: "بِعْتُ الثّوب" فالتاء في موضع رفع لأنّها فاعلة.
[ ٥٢٧ ]
فإن قال: "بِعْتُ" ولم يذكر شيئًا جاز أن تكون التّاء فاعلة وقد حذف المفعول، وأصله: "بَيَعْتُ" فحُوِّل إلى: "بَيِعْتُ" ثمّ سكنت الباء، ونقلت إليها كسرة الياء فقالوا: "بِعْتُ".
ويجوز أن تكون التّاء في موضع رفع لأنّها اسم ما لم يُسَمَّ فاعله.
فإن كان على لغة من قال: "قُولَ" قال: "بُعْتُ"، والأصل فيه: "بُيِعْتُ" فأسقطت كسرة الياء فسكنت وقبلها ضمّة فانقلبت واوًا، ثمّ سقطت لسكونها وسكون ما بعدها، وهذه لغة قليلة.
وإن كان على لغة من قال: "قِيلَ" فالأصل فيه: "بُيِعْتُ" فسكّنوا الباء ونقلوا إليها كسرة الياء، فسكنت الياء ثمّ سقطت لسكونها وسكون ما بعدها.
[ ٥٢٨ ]
وإذا كانوا قد أشاروا إلى الضّمّ في: "قِيلَ" وهو غير ملتبس، فالإشارة هاهنا إلى الضّمّ ألزم فيقولون: "بُعْتُ"، ليفرقوا بين كون التّاء فاعلة، وكونها اسم ما لم يسم فاعله.
وإذا كان الماضي على "فَعِلَ" نحو: "هابَ" أصله: "هَيِبَ" فانقلبت الياء ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ويدلُّك على أنّه "فَعِلَ" أنّ مستقبله "يَهابُ" وأصله "يَهِيبُ" فنقلت فتحة الياء إلى ما قبلها، ثمّ أتبعتها فانقلبت ألفًا.
فإن بنيت هذا لما لم يسمّ فاعله فقلت: "هِيبَ زيدٌ"، وأصله: "هُيِبَ" فسكّنوا الهاء، ونقلوا إليها كسرة الياء، فسكنت الياء فقيل: "هِيبَ زيدٌ"، ومنهم من يشير إلى الضّمّ ليدلَّ على الأصل فيقول: "قد هِيبَ".
ومنهم من يسقط الكسرة من الياء في: "هِيبَ" فتسكن الياء وقبلها ضمّة فتنقلب واوًا فيقول: "هُوبَ زيدٌ".
فإذا صار إلى المستقبل اتّفق المذهبان فقالوا: "يُهابُ زيدٌ".
فمن قال في الماضي: "هِيبَ" فأصل المستقبل: "يُهْيَبُ".
ومن قال في الماضي: "هُوبَ" فأصل المستقبل: "يُهْوَبُ".
إلاّ أنّه ينقل فتحة الواو والياء إلى ما قبلهما، ويقلبان ألفًا فيتساوى اللغتان.
[ ٥٢٩ ]
فإن أسند "هابَ" إلى فاعل يسكن فيه ياؤه قلت: "هِبْتُ"، والأصل "هَيِبْتُ" فسكنت الهاء ونقلت إليها كسرة الياء ثمّ سقطت الياء لسكونها وسكون ما بعدها.
فهذا أعلّ من موضعه، ولم يكن له بناء غير هذا ينقل إليه ويعلُّ.
فإن كانت التاء اسم ما لم يسمّ فاعله كما قيل في الظّاهر: "هِيبَ زيدٌ" فالأصل فيه: "هُيِبَ" فاللغة الجيدة أن تسكن الهاء وتنقل إليها حركة الياء، وتسقط الياء لسكونها وسكون ما بعدها فيقال: "هِبْتُ".
والجيّد: أن تشير بضمّة ليفرق بين كون التّاء فاعلة، وكونها اسم ما لم يسمّ فاعله.
ويجوز: "هُبْتُ" والأصل: "هُيِبْتُ" فأسقط كسرة الياء، فلمّا سكنت وقبلها ضمّة انقلبت واوًا، ثمّ سقطت لسكونها وسكون ما بعدها.
وتقول في المستقبل: "أُهابُ" على اللغتين، والأصل: "أُهْوَبُ" و"أُهْيَبُ" على المذهبين، فنقل فتحة الياء والواو إلى ما قبلهما فانقلبتا ألفًا فتساوت اللغتان.
وقالوا: "خاف زيدٌ عمرًا" والأصل "خَوِفَ" فانقلبت الواو ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ويدلّك على أنّ الماضي: "فَعِلَ" قوله في المستقبل "يخافُ" وأصله: "يَخْوَفُ" فنقل فتحة الواو إلى ما قبلها فانقلبت الواو ألفًا.
[ ٥٣٠ ]
وإذا بنيت هذا الفعل للمفعول قلت: "خِيفَ عمروٌ" والأصل: "خُوِفَ" فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
وفيهم من يشير إلى الضّمّ، ليدلَّ على الأصل فيقول: "خُيْفَ زيدٌ" كما قالوا: "قُيْلَ".
وفيهم من يقول: "خُوفَ" فأسقطوا كسرة الواو، فسكنت وقبلها ضمّة فصحّت، وقالوا في المستقبل على اللغتين: "يُخافُ"، وأصله: "يُخْيَفُ" و"يَخْوَفُ" فألقى فتحة الياء والواو على ما قبلهما فانقلبتا ألفًا إتباعًا للفتحة قبلهما.
فإن أسند: "خاف" إلى ضمير فاعل تسكَّن الفاء فيه قال: "خِفْتُ"، وأصله: "خَوِفْتُ" فسكّن الخاء، وألقى عليها كسرة الواو، فلمّا سكنت الواو وقبلها كسرة انقلبت ياء، ثمّ سقطت لسكونها وسكون ما بعدها، وبقيت الكسرة في الخاء تدلّ عليها.
وقالوا في المستقبل: "يخافُ" والأصل: "يَخْوَفُ"، فألقوا فتحة الواو على ما قبلها، ثمّ أتبعوها الفتحة فصارت ألفًا.
فهذا قد أُعِلَّ من "فَعِلْتُ" ولم يكن له أصل غير هذا ثمّ نقل إلى هذا
[ ٥٣١ ]
وأعلّ منه، وهو مُعَلٌّ من موضعه.
فإن جعلت التّاء اسم ما لم يسم فاعله كما قلت: "خِيف زيدٌ" فالأصل فيه: "خُوِفْتُ" ثمّ تسكن الخاء وتلقى عليها كسرة الواو، فتسكن الواو وقبلها كسرة فتنقلب ياء، ثمّ تسقط لسكونها وسكون ما بعدها، لأنّ الكسرة في الخاء تدلّ عليها.
ومنهم من يشير بضمّة ليدلّ على أنّه لما لم يسم فاعله.
ومنهم من يقول: أصله: "خُوِفَ" فأسقطوا الكسرة من الواو فسكنت الواو وقبلها ضمّة، ثمّ سقطت لسكونها وسكون ما بعدها.
وتقول في المستقبل: "يُخافُ" على اللغتين، والأصل: "يُخْوَفُ" و"يُخْيَفُ" فألقيت فتحة الواو والياء على ما قبلهما، وأتبعتهما الفتحة فصارتا ألفًا.
فعلى هذا تجري هذه الأفعال إذا اتّصلت بالفاعلين المضمرين، وسكن ما قبل الفاعل، والمفعول المضمر الذي يقام مقام الفاعل.
ولم يفعل هذا التّغيير والنّقل مع الأسماء الظّاهرة، لأنّه لو قيل في: "باع زيدٌ" "بِيع زيدٌ"، وفي "خاف زيدٌ": "خِيف زيدٌ" لالتبس الفاعل بما لم يسمّ فاعله، ولكنّهم فعلوا هذا في اسم واحد قال الشّاعر:
[ ٥٣٢ ]
وكِيد ضباعُ القُفِّ يأكلن جثّتي وكيد خِراشٌ يوم ذلك ييتمُ
والأصل: "كَيِدَ" فسكّنوا الكاف، وألقوا عليها كسرة الياء فصار: "كِيدَ"، لأنّهم أرادوا أن يفرقوا بين "كاد يكادُ" من المقاربة، وبين "كاد يكِيدُ" من الكَيْد.
واعلم أنّ "فُعْلَى" تكون وصفًا، وتكون اسمًا، فإذا كانت اسمًا وعينها
[ ٥٣٣ ]
ياء قلبت الياء لسكونها وانضمام ما قبلها واوًا فقالوا: "الكُوسَى" و"الطُوبى" وهما من "الكَيْس" و"الطِّيب".
فإن كانت لام "فُعْلى" واوًا واستعملت اسمًا قلبت واوها ياء قالوا "الدُّنيا" وهو من "دنا يدْنو" و"العُلْيا" وهو من "علا يَعْلُو".
وإنّما قلبوا ليفرقوا بين الاسم والصّفة، وكان التغيير في الاسم أولى من
[ ٥٣٤ ]
الصّفة، لانّ الاسم على كلّ وجه أخفّ من الصّفة.
فلو بينت "فُعْلى" من "غَزَوْتُ" وجعلتها اسمًا لقلت: "الغُزْيا"، ولو جعلتها صفة لصحّحت الواو فقلت: "الغُزْوَى".
فأمّا قراءة من قرأ: (تلك إذا قسمة ضيزى) بغير همزة فهي "فُعْلى"، وأصلها: "ضُيْزَى"، وإنّما كسروا أوّلها، وأقرّوا الياء، لأنّهم أمنوا اللّبس من حيث لم يوجد في كلام العرب "فِعْلى" صفة، وإنّما تجيء الصفة على "فِعْلاة" نحو "امرأة سِعْلاة" للكثيرة الصّخب، و"رجل عِزْهاة" للذي لا يحب اللهو مع النساء.
[ ٥٣٥ ]
فأمّا قراءة من قرأ: (ضِئْزَى) بالهمز فهو مصدر وصف به.
ولو كانت "الطُوبى" و"الكوسى" وصفين لقيل فيهما: "طيبى" و"كِيسى" كما قالوا: "ضِيزَى".
فإذا كانت "فَعْلَى" اسمًا ولامها ياء قلبوها واوًا ليفرقوا بين الاسم والصّفة قالوا: "تَقْوى" و"شَرْوَى" و"ثَنْوَى" وهو من "شَرَيْتُ" و"وَقَيْتُ" و"ثَنَيْتُ"، ولو كانت وصفًا لقالوا "شَرْيَا" و"تَقْيَا" و"ثَنْيَا" كا قالوا: "خَزْيَا".
ولو بنيت "فَعْلى" اسمًا من "غَزَوْتُ" لقلت: "غَزْوَى" فصحّحت الواو، لأنّك إذا كنت تفرّ من الياء إلى الواو فينبغي أن تتمسّك بالواو إذا ظفرت بها.
ولو كانت "غَزْوَى" وصفًا لصحّت الواو أيضًا، لأنّهم فرّوا من الياء إلى
[ ٥٣٦ ]
الواو في الاسم ليفرقوا بينه وبين الصفة، ولم يفرّوا من الواو إلى الياء.
فأمّا القصوى فكان ينبغي أن تكون "القصْيا" على مثال "الدّنْيا" ولكنّه شذّ، فأمّا: "رَيَّا" فهو من "رَوَيْتُ" وأصله: "رَوْيا" فلمّا اجتمعت الواو والياء، وسبقت الأولى بالسّكون قلبوا من الواو ياء، وأدغموا فقالوا: "رَيَّا"، ولو كانت "رَيَّا" اسمًا لقلبوا من الياء واوًا كما قالوا في: "شَرْوَى"، وأدغموا الواو الأولى فيها فكانوا يقولون: "رَوَّى".
فأمّا: "العَوَّى" في اسم النّجم فأصله "عَوْيا" من "عَوَى يعْوِي" ولكنّه اسم وليس بوصف؛ فلأجل هذا قلبوا من الياء واوًا، وأدغموا الواو الأولى فيها فقالوا: "العَوَّى".
فأمّا: "فَعْلاء" فإذا كان وصفًا ولامها واو صحّت الواو فيها قالوا:
[ ٥٣٧ ]
"القَنْواء" و"العَشْواء" و"العَثْواء" فأمّا "العَلْياء" في قول الشاعر:
ألا يا بيتُ بالعلياء
فليس بتأنيث "الأعلى" كما قالوا: "الأحمر وحمراء"، لأنّ تأنيث "الأعلى": "العُلْيا" كما قالوا: "الأفضل والفُضْلى" فقلبوا واو "العُلْيا" ياء كما قلبوها في "الدّنيا".
فأمّا: "العَلْياءُ" فكان ينبغي أن يقال: "العَلْواءُ"، ولكن قلبوا الواو ياء لمّا استعملوها استعمال الأسماء، ليفرقوا بين الاسم والصّفة، ألا تراهم صحّحوا
[ ٥٣٨ ]
الواو في "القَنْواء" و"العَشْواء" لمّا كانت صفة، ولم تستعمل استعمال الأسماء.
فأمّا رواية من روى: "العَوّاءُ" بالمدّ، وهو شاذٌّ فكان ينبغي أن يكون: "العَيّاءُ" كما قالوا "العَلْياءُ"، لأنّه اسم وأصله: "عَوْياءُ" فتقلب من الواو ياء، وتدغم في الياء التي بعدها، ولكنّه أشبع فتحة الواو الأخيرة فنشأت ألف، فلمّا اجتمع ألفان حرّك الأخيرة فانقلبت همزة فجاء اللفظ: "عَوَّاءُ".
فهذا أجود ما يصرف إليه هذا الشّذوذ إذا كان اسمًا وليس بوصف.
واعلم أنّه قد يجيءُ في الثّلاثيّ الفاء واللام من جنس واحد نحو: "سَلِسَ" و"قَلِقَ"، وقلّما يجيءُ مثل هذا في المعتلّ، إلاّ أنّه قد جاء حرف واحد قالوا: "يدَيْتُ إليه يدًا"، واليد مأخوذة منه، وأصلها: "يَدْيٌ" فحذفوا الياء الأخيرة تخفيفًا فقالوا: "يَدٌ".
ولم تجئ الفاء واللام واوين، وأمّا قولهم في هذا الحرف:
[ ٥٣٩ ]
"واوٌ" فقال قومٌ أصله: "وَوَوٌ" كما قالوا: "بَبَّهْ" إلاّ أنّهم قلبوا الواو الوسطى ألفًا فقالوا: "واوٌ"، و"بَبَّةٌ" لا يقاس عليه، لأنّه صوت.
وقال قوم أصله: "وَيَوٌ" فحجزت الياء بين الواوين، ثمّ قلبوها ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
وقد تجيء الفاء "واوًا" واللام "ياءً" قالوا: "وَدَى: يَدِي" من الدِّيَة، و"وَأى: يَئِي" من "الوَاي" وهو الوعد، وقالوا: "وَشَى: يَشِي"
[ ٥٤٠ ]
و"وَلِيَ: يَلِي" و"وَهى: يَهِي".
ولا تكون الفاء واللام واوين ليس في الكلام مثل: "وَعَوْتُ".
وقد تكون العين واللام ياءين نحو: "عَيِيَ" و"حَيِيَ".
ولا تكون العين واللام واوين فإن اتّفق مثل هذا بنوه على: "فَعِلْتُ"، لتنقلب الواو الأخيرة ياء، فرارًا من الواوين.
وقد تكون العين واوًا واللام ياء نحو: "طَوَيْتُ" و"شَوَيْتُ" و"رَوَيْتُ".
ولا يجوز أن تكون العين ياء واللام واوًا، لأنّه ليس في كلام العرب مثل "حَيَوْتُ".
وقد تكون الفاء معتلّة، وتصحّ العين واللام نحو: "وَعَدْتُ".
وقد تصحّ الفاء واللام، وتعتلّ العين نحو: "قال" و"باع".
[ ٥٤١ ]
وقد تصحّ الفاء والعين، وتعتلّ اللام نحو: "غزا" و"رمى".
وعلى ما بيّنت لك تجري قواعد التصريف.
وقد ذكرت أنّ الياء والواو إذا وقعتا طرفًا بعد ألف زائدة وليس بعدها تاء التّأنيث فإنّ العرب تقلب منهما همزة في نحو: "رداء" و"كساء"، لأنّهما من "الرِّدْيَة" و"الكِسْوَة"، وقد ذكرت علّة قلبهما فيما تقدّم.
فإن وقعت بعدهما تاء التّأنيث فللعرب فيها مذهبان:
منهم من يصحّح الياء والواو، لأنّ تاء التأنيث قد صارت حرف الإعراب لأنّه بنى الكلمة على التّأنيث، وصارت التّاء لازمة للكلمة، فكأنّها ما انفكّت منها فقال: "عَبايَةٌ" و"صَلايَةٌ" و"شَقاوَةٌ" هذا مذهب.
والمذهب الثاني: أن تتصوّر الكلمة كأنّ الهاء ليست فيها، وكأنّ الاسم مذكّر، فكأنّه قال: "عَبايٌ" و"صَلايٌ" و"عَظايٌ" فهذا يقلب من الياء والواو همزة كما قلبها في "رداء" و"كساء" فيقول: "صَلاءَة" و"عَظاءة" والعلّة في قلبها كالعلّة في قلب "رداء" و"كساء" ثمّ يلحق تاء التّأنيث بعدما استقرّ القلب، ويؤنّث الاسم بعدما كان مذكّرًا فيقول: "عباءة" و"صلاءة" و"عَظاءة" و"شَقاءَة"، وكلّ شيء ورد من الأسماء من هذه الأمثلة فطريق همزه وتصحيحه ما بيّنت لك.
[ ٥٤٢ ]
واعلم أنّ النّون قد شبّهوها بحروف المدّ واللّين ووجه شبهها بحروف المدّ واللّين: أنّها تكون علامة للجمع في: "قُمْنَ جواريك" كما قالوا: "قاموا إخوتك" على هذه اللغة.
وتكون النّون علامة للرفع في خمسة أمثلة من الأفعال وهي "تفْعَلِين، وتفعلان، ويفعلان، ويفعلون، وتفعلون"، كما تكون الألف علامة للرّفع إذا قلت: "الزّيدان" والواو علامة للرّفع إذا قلت: "الزّيدون"، والياء علامة للنّصب، والجرّ إذا قلت: "الزّيْدَيْن" و"الزَّيْدِينَ".
وتكون النّون ضمير الفاعلات إذا قلت: "الهنداتُ يقمن" كما تكون الواو ضمير الفاعلين إذا قلت: "الزّيدُون يقومون"، وتكون الياء ضميرًا للفاعلة إذا قلت للمخاطبة: "أنت تقومين".
[ ٥٤٣ ]
وتحذف النّون تخفيفًا إذا قلت: "لم يكُ" كما تحذف الياء تخفيفًا إذا قلت: "لا أدْرِ" و"لا أبالِ".
وتسكن النّون في الأسماء المركّبة كما تسكن الياء قالوا: "سُوسَنْجِرْدُ" و"باذِنْجانُ" و"دَسْتَنْبُويَهْ" كما قالوا:
[ ٥٤٤ ]
"مَعْدِي كَرِبَ" و"قالِيقَلا".
ويحذفونهما في الجزم في: "لم تفعلي" و"لم تفعلا" و"لم يفعلا" و"لم يفعلوا" و"لم تفعلوا" كما يحذفون الواو والياء والألف من قولهم: "لم يَرْمِ" و"لم يَدْعُ" و"لم يَسْعَ".
ويدغمونهما في الواو والياء بأن يقلبوها إلى جنسها قالوا: "زيد ومحمّد يقومان". (من يقول آمنّا)
[ ٥٤٥ ]
وقالوا: "أناسِيُّ" وأصله: "أناسِينُ".
وقلبوا من النّون ألفًا في المنصوب المنصرف إذا قالوا: "لقيتُ زيدًا"، لأنّ التّنوين نون ساكنة.
وأبدلوا من نون التّوكيد ألفًا في الفعل إذا انفتح ما قبلها فقالوا: "اضْرِبا" وفي التنزيل: (لنسفعًا بالنّاصية).
وفي النّون غنّة كما أنّ في حروف المدّ لينًا.
فلمّا أشبهت النّون لحروف المدّ من هذه الوجوه أجروها مجراها، ومع هذا فلا بدّ أن يكون الفرع أنقص من الأصل، ولا يجوز أن يساويه
[ ٥٤٦ ]