وهنا تنبيه: وهو أن الألف وإن كان أصلها الهمزة فإنها تجري مجرى غير المنقلبة ولذلك تقلب واوًا في: "أوادم" و"أويدم" وفي ذلك ترجيح لمن أجاز وقوعها تأسيسا ً في الشعر فاعرفع.
والثاني: نحو: "إيلاف" والأصل: "إألاف بهمزنين، الأولى همزة (إفعال)، والثانية فاء الكلمة، فقلبت ياء لما ذكرناه لا يقال: "إيلاف": (فيقال) كـ "صيراف" "وأألف"
(فاعل) كـ "ضارب" لأنا نقول: لا يجوز ذلك لوجهين:
أحدهما: أنه كان يلزم أن يجيء فيه: "آلاف" كـ "ضراب" أكثر من: "ضيراب" وإن كان الأصل.
والثاني: أن: (فاعل) يجيء أيضًا مصدره على "مفاعلة" كـ "مضاربة" ولم ينقل ذلك في "أألف".
قال:
"وإن تحركنا أبدلت الثانية ياء، إن كسرت، أو وليت كسرة، ولم تضم، أو كانت موضع اللام مطلقا.
[ ١٢٥ ]
قلت:
لما تكلم على الهمزتين والثانية ساكنة أخذ يتكلم عليها وهما متحركتان فقال: إذا اجتمعنا متحركين مأما أن تبدل الثانية ياء، أو واوا فذك للأول ثلاثة مواضع.
الأول: أن تكون مكسورة وذلك نحو: "أيمة" وأصله: "أأممة" بوزن أردية واحده: "إمام"، فالهمزة الأولى زائدة، والثانية فاء الكلمة، والميم الأولى عين، والميم الثانية لام، فثقل اجتماع المثلين وهما الميمان، فنقلبت حركة الميم الأولى إلى الهمزة الثانية ووقع الادغام فصار: "أامة" ثم قلبت الهمزة الثانية ياء فقيل: "أيمة".
ونقل عن بعض الكوفيين: "أأمة" بهمزتين.
والثالث: "أوتمن" والأصل: "أأتمن" فقلبت الهمزة الثانية واوًا لذلك أيضا.
وقوله: (بعد همزة متحركة متصلة) تحرز به من أن تكون ساكنة بعد حرف غير الهمزة، فلا يجب تخفيفها حينئذ بل يجوز. وغرضه كـ"رأس، وجؤنة، وذئب".
ومعنى: (متصلة) أن تكون الهمزة الساكنة بعد الهمزة المتحركة، ولو قال: تبدل الهمزة الساكنة بعد همزة متحركة لأوهم أن ذلك يجب مع وقوعها حاجز بينهما.
[ ١٢٦ ]
وقوله: (مدة تجانس الحركة) ظاهرًا والمراد تبدل ياء بعد الكسرة، وواوًا بعد الضمة، وألفًا بعد الفتحة.
والثاني: أن تلي كسرة، وذلك نحو: جاء وأصله: "جاء" فالهمزة الأولى منقلبة عن الياء التي هي عين كما قلبت في: "بائع" والثانية لام الكلمة فقلبت اللام ياء لانكسار الأولى () التقى ساكنان فحذفت الياء// لالتقائهما. وذهب الخليل إلى أن الهمزة في: "الجائي" لام الفعل والياء عين فقدموا اللام، وأخروا العين، ووزنه: (فالع) وحجته من وجهين:
الأول: أن لولا تقدير ذلك للزم توالي آعلالين: قلب العين همزة، وقلب اللام ياء وذلك مرفوض.
والثاني: أن العرب تؤخر العين المعتلة إلى موضع اللام فيقولون في موضع: «شائك السلاح: شاكي السلاح» وفي: "هاير: هار" وإنما قلبوا لئلا يهمزوا عين الفعل التي ليس لها أصل في: "هار" فجاء هذا فيما كان لامه همزة والعين معتلة لئلا تنضم
[ ١٢٧ ]
همزة العين إلى همزة لامه، وإذا أخروا لم يلزمهم ذلك.
وقد حكى سيبويه عنه خلاف هذا، وذلك لأنه سأله عن العلة في تخفيف الهمزة الثانية من الهمزتين إذا كانتا في كلمتين؟ فأجابه أن العرب يخففون الثانية إذا اجتمعتا في كلمة واحدة نحو: "جائي وآدم" فهذا التصريح منه بأن الياء مبدلة من الهمزة التي هي لام.
وقوله: (ولم تضم) أي: ولم تضم الياء المبدلة من الهمزة كما لم تضم الياء الخالصة التي هي غير مبدلة، وذلك لأن البدل فيها واجب لاجتماع الهمزتين فأطرح حكم الهمزة فلم يبق للياء التفات البتة، وهذا بخلاف ما إذا قلبت الهمزة وكانت مفردة نحو: "يستهزءون" على قول الأخفش فإنك تقلب الهمزة ياء، ويجوز ضمها مراعاة للهمزة ونظرًا إليها.
وهنا تنبيه: وهو أنه ليس لتخصيصه امتناع الضم في هذه الياء وجه إذ لا يجوز كسرها أيضا، فقد كان يجب إذا أن ينبه عليه. ونحو: "جائي" في الضرورة أنشد ابن الدهان
[ ١٢٨ ]
في "الغرة":
(لعمرك ما ندري متى الموت جائي ولكن أقصى مدة العمر غافل)
والثالث: أن يكون موضع اللام مطلقا، وذلك بأن يبنى من "قرأ" مثل: "جعفر" فتقول: "قرأي" وأصله: "قرأأ" زيدت همزتان فقلبت الثانية ياء.
وهنا سؤالان:
الأول: لم قلبت الثانية دون الأولى؟ والجواب أنها لام، واللام أولى من العين بالإعلال لتطرفه.
والثاني: لم كان القلب إلى الياء؟ والجواب لأن الياء تغلب على اللام. ألا ترى أن الواو متى وقعت رابعة فصاعدًا انقلبت ياء كـ"أعزيت، واستعديت، وأدنيت،
[ ١٢٩ ]
وإستدنيت" ولذلك قال البصريون إن الألف إذا كان لامًا وجبل أصلها حملت على الانقلاب عن الياء بخلاف ما إذا كانت عينًا فإنها تحمل على الانقلاب عن الواو.
وقوله: (مطلقًا) أي: سواء في ذلك انفتح ما قبلها، أم انضم، أو انكسر. فالتح قد تقدم، والضم كما لو بنيت مثل: "برثن" من "قرأت" لقلت: "قراء" واصله: "قرأأ" فقلبت الثانية ياء، وكسر ما قبلها كما كسر ما قبل الياء في "أظب" جمع: "ظبي"، وحذفت بعد أسكانها لالتقاء الساكنين.
والكسر كما لو بنيت مثل: "زبرج" لقلت: "قرأي" وأصله "قرأأ" فقلبت الثانية ياء ثم أسقطت بعد الإسكان أيضًا فاعرفه.
[ ١٣٠ ]