وقوله: (فعل أعتلت عينه) محترز من نحو: "عرف" فهو: "عارف" فإن عين اسم لفاعل تصح لصحتها في الفعل فاعرفه.
قال: «ومن أول واوين صدرتا، وليست الثانية مدة مزيدة، أو مبدلة».
قلت:
التضعيف في أوائل الكلمة قليل لأن اجتماع المثلين مستثقل، والادغام متعذر، فقد جاءت ألفاظ واوها وعينها من جنس واحد ولكن فصل بينهما نحو: "كوكب" و"ديدن" ومنه: "ديدن" ومنه: "أبنبم" وزنه: (أفنعل)، فالهمزة زائدة، والباء الأولى فاء، والنون زائدة والباء الثانية عين، والميم لام. وإنما دعاهم إلى ذلك الحرص على زيادة الهمزة، ولولا ذلك لجاز أن يكون: (فعنعلا) كـ"عقنقل" ويؤكد ذلك أمران:
[ ١٠٧ ]
الأول: أنه () اسم.
الثاني: أنه لا يؤدي إلى جعل الفاء والعين من جنس واحد.
فإن قيل: فإن كان الحرص على زيادة الهمزة كذا فما بال إبي عثمان المازني يجعل: (أما) إذا سمي بها: (فعلى) كـ"سلمى" ولا يجعلها: (أفعل)، والهمزة زائدة فرارًا من جعل الفاء والعين من جنس واحد؟
قيل: الفرق بينهما مجيء الفصل في "أبنبم" وعدمه في "اما" فقد سوغ الفصل بالولاء لما ساغ. أو لا ترى أن "سير وسيار فنطقوا بالنون.
والرافع الفصل الواقع بينهما، ولم يقولوا: "سير" فيجمعوا بينهما متلاصقين؛ ولو قيل: إن (أفعل) حرصا على زيادة الهمزة كون الفاء، والعين من جنس واحد جواز الإدغام وزال الفصل بذلك لم أر به بأسا.
وبينه قول أبي علي الفارسي في المسائل الشيرازية أن"أول" (افعل)، وفاؤها واو، وعينها كذلك، وجوزه الإدغام، بخلاف: "ددن" و"أواول" التضعيف في الحروف
[ ١٠٨ ]
الصحيحة أمتنع في الواو لثقلها كيف وهي معرضة لدخول واو القسم عليها، أو واو العطف فتجمع ثلاث واوات وذلك مستثقلات جدًا، فإذا جمعت: "واصلة" قلت: "أواصل" والأصل:،، // "وواصل: فالواو الأولى الفاء، والواو الثانية منقلبة عن ألف "واصلة كما قلبتها في "صوار" فاجتمع واوان، فقلبت الأولى همزة وهنا سؤلان.
أحدهما: لم قلبت الأولى دون الثانية؟
والجواب: أن الحرف الواقع طرفا أولى بالتغيير مما ليس كذلك.
والثاني: لم قلبت همزة دون غيرها؟
والجواب: أن الهمزة ألف مجيئها أولا وكثر ذلك فقلبت الواو إليها لذلك. ونظير ما قلته قول أبي سعيد السيرافي أنهم إنما عوضوا الميم في "اللهم" لأنها ألف زيادتها آخرًا كـ"زرقم" وستهم" وكذلك تقول: "أويصل" في تصغير "واصل"، والأصل: "وويصل" فقلبت الواو الأولى همزة استثقالا لاجتماعهما.
[ ١٠٩ ]
وقوله: (صدرتا) أي: وقعتا صدر الكلمة احترازًا من وقوعهما حشوا كقولك في النسب إلى: "هوى، ونوى" هووي، ونووي".
وقوله: (وليست الثانية مدة "مزيدة" تحرز به من نحو قوله تعالى: ﴿ما وزري عنهما﴾ إذ الواو الأولى سلمت من القلب مع وقوع واو أخرى بعدها، وعلله أبو الفتح بأن الواو الثانية بدل من ألف "واريت" فلما لم يلزم لم يعتد بها لذلك صحت في قولهم: "سوير" و"بويع" مع وقوعها ساكنة قبل الياء، وذلك موجب لقلبها وادغامها في الياء، وأتي (بمزيدة) لحترز عن: "أولى" تأنيث "أول" إذ أصله: "وولي" فقلبت الأولى همزة، وإن كانت الثانية مدة لكونها عينا لازمة.
[ ١١٠ ]
وقال ابن الحاجب في تصريفه: إذا اجتمعت واوان متحركان في أول الكلمة أبدلت الأولى التي هي فاء همزة والتزموه في الأولى حملا على الأول". انتهى كلامه.
وفيه نظر من وجهين:
الأول: أنهم قالوا: لو بنيت من: "وعد، ووزن" مثل: "كوثر" لقلت: "أوعد وأوزن" والأصل: "ووعد، ووزن" فقلبت الواو الأولى همزة لاجتماعهما أولا، وإن كانت الثانية ساكنة، ولو سميت بهما لصرفتهما لأنهما: (فوعل) لا: (أفعل).
والثاني: أنه ادعي: حمل (الأولى) على: (الأول) في وجوب الهمزة وذلك حمل للمد الذي هو الأصل على الجمع الذي هو الفرع، وذلك ممتنع، وله أن يقول: "الأولى" فيه علم التأنيث، و"الأول" مجرد من ذلك فهو مذكر فقد حملت مؤنثا على مذكر، وذلك جائز وقد سبق إلى مثلى ذلك الخليل فيما حكي عنه.
وقوله: (أو مبدلة) تحرز به عن مثل: (فعل) من: "وأيت" فإن القياس أن يقول: "وءي" فإن خففت الهمزة قلبتها واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها فصار إلى: "ووي".
[ ١١١ ]