لا يجوز لأنه يفضي إلى انقلاب الحرف مرتين فيجتمع في الحرف إعلالان.
وعندي فيه نظر وليس موضع بيانه.
وأما «صفة فلا تغير ذلك نحو: حزيا، وحديا».
قال: «فصل: تبدل الألف بعد فتحة متصلة من الواو والياء المتحركة في الأصل إن لم يسكن ما بعدهما، أو يعل».
قلت:
الفصل يتضمن إبدال الألف وحذف الواو والياء، فاعلم أن الألف تبدل من الواو والياء إذا تحركا وانفتح ما قبلهما؛ وعلل ذلك بوجوه.
الأول: أن كل واحد منهما مقدر بحركتين، فإذا انضم إلى ذلك حركته وحركه ما قبله أجتمع في التقدير أربع متحركات متواليات في كلمة، وذلك مستثقل فاجتنبوه كما اجتنبوا ما هو دونه في الثقل من اجتماع المثلين في مد ففروا إلى الادغام، كذلك هنا فروا إلى القلب.
والثاني: أن الواو والياء إذا تحركا صار كل منهما بمنزلة حرفي مد فالواو المفتوحة كواو وألف، والمكسورة كواو وياء، والمضمومة كواوين، وكذا حكم الياء، واجتماع حروف العلة مستثقل، فقلبوها إلى الألف لأنه حرف تؤمن معه الحركة.
[ ٢٠٠ ]
والثالث: قاله السيرافي وهو أن هذه الأفعال لو سلمت في الماضي للزمها في المستقبل، لأنهم لو قالوا: "بيع، وقول" للزمهم أن يقولوا في المستقبل: "يبيع ويقول" حيث جعلوا الماضي بمنزلة: "يقيل" فيضم الواو وتكسر الياء، وذلك ثقيل لثقل الأفعال: "قاول".
وفي هذا نظر. وذلك به يقتضي أن يكون إعلال الماضي تبعًا لإعلال المضارع، وإعلال المضارع هو الأصل، وإنما إعلال المضارع إنما كان لثقل الضمة على الواو، والكسرة على الياء مع سكون ما قبلهما. وقد استقصيت الكلام على هذا في كتاب: (الإسعاف بتتمة الإنصاف).
وقوله: "بعد فتحةٍ متصلة" يريد أنه لا يكون بين الفتحة والواو حاجز، أو لا ترى
[ ٢٠١ ]
قولك: "قاول، وبايع" فهما وإن وقعا بعد فتحة لكنهما ليسا متصلين بها إذ بينهما حاجز وهو الألف.
فإن قيل: يشكل بقولهم: "كساء، ورداء" وقول التصرفيين إنه قلبت الياء ثم قلبت الألف؟
فالجواب: أن لهم هنا طريقتين:
الأولى: أنهم أجروا الألف مجرى الحركة، وإذا كان كذلك فالواو والياء متصلان بالألف الجارية مجراهما.
والثانية: أن الساكن حاجز غير حصين، فإذا كان صحيحًا فالمعتل أولى بأن يكون كذلك، فكأنهما ووليا الفتحة حتى قبل الألف، ولو أن المصنف قال: بعد فتحة متصلة لفظًا أو تقديرًا لكان جيدًا.
نعم ربما كان يذهب إلى أنهما قلبا همزة من أول الحال، وقد استجاده عبد القاهر، ولا يحتاج إلى الاحتراز إذًا.
وقوله: "من الواو الياء المتحركة في الأصل" يحترز به من أن تكون الحركة عارضةً، ووذلك كقوله تعالى: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: ١٦]، ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ [البقرة: ٢٣٧]،
[ ٢٠٢ ]
وذلك لأنها هنا لالتقاء الساكنين؛ وكذلك قولهم: "صنو، سي" في تخفيف: "صنو، أو سي" إذ أصلهما السكون، وإنما تحركا عند التخفيف، والتحقيق يزيله ويرده إلى السكون الأصلي.
وقوله: "إن لم يكن ما بعدهما" تحترز به من: "دعوى، ورميا" لأنهما لو قلبا ألفًا وبعدهما ألف التثنية لوجب حذف اللفظ الأولى دون التي للتثنية، لأن هذه الثانية لمعنى بخلاف الأولى فيبقى اللفظ في التثنية كاللفظ في الواحد؛ وكذلك: " () وعليان" لو قلبا فيهما لالتقى ألفان: الألف المتصلة وألف (فعلان) الزائدة، فتحذف الأولى دون الثانية ذلك لأنه يصاحب النون ويلازمها فلا يجوز حذفها دونها فيبقى: "ران وعلان" فيصير وزنه: (فعلان) معتل اللام: (تفعال) ولامه نون وصل إنما لم يقلبا لخروج الكلمة بالألف والنون عن الفعل.
وقوله: "أو يعل" يحترز به من "هوى، وشوى" وذلك لأن الأصل: "هوي، وشويٌ" فقلبت الياء التي هي لامٌ ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يقلبوا العين التي هي الواو لئلا يجتمع إعلالان متواليان في كلمة واحدة.
[ ٢٠٣ ]
فإن قيل: فهلا أعلوا العين، وصححوا اللام فقالوا: "هاوى" وشاوى"؟
والجواب: أن إعلال اللام أولى من إعلال العين لتطرفه، ولذلك يكثر الحذف فيه. والضمير في قوله: "ويعل" يرجع إلى ما بعدها، والتقدير: أو يعل ما بعدها، وهذا بين.
قال:
"أو يكون ما هما فيه كـ "عور" فإنه محمولٌ على: أعورٌ، أو كالعور فإنه محمولٌ على: "عور"، أو كـ "اجتوروا" فإنه محمولٌ على: "تجاوروا"، أو كـ "الجولان والصورى" فإن في آخرهما زياد تخص الأسماء".
قلت:
اعلم أنهم لم يقلبوا الواو في: "عور" ألفًا وإن تحركت وانفتح ما قبلها لأنه محذوف من "اعور" ومنتقصٌ منه فجعل تصحيحه إمارةٌ على ذلك.
[ ٢٠٤ ]
ومثله تصحيح: "محيط" لما كان محذوفًا من: "محتاط" وإنما حذفت الزوائد لضرب من التخفيف والمبالغة فـ "عور" صحيحٌ لانتقاصه من: "أعور"، و"العور" صحيحٌ لأنه مصدر: "عور"، والمصدر تبع الفعل في الصح والاعلال.
فإن قيل: فهلا عكس الأمر، وكان صحة الفعل لصحة المصدر؟
فالجواب: أن الفعل هو الأصل في الزياد والاعلال لكونه أصلًا في التصرف، وكون الاسم أصلًا في الجمود، ألا ترى إلى قول التصريفيين: لا يجمع زائدان أول كلمة إلا أن تكون جارية على فعل كـ "منطلقٍ" وكذلك لا يراد أول الرباعي إلا فيه كـ "مدحرج".
وقولهم: "إنما يعل الاسم إذا كان على وزن الفعل، إن اخرج عنه لم يعل، فلذلك حمل صح المصدر على الفعل، ولم يعكس؛ وأيضًا فلو جعل المصدر الأصل في ذلك لم يكن لتصحيحه وجه بخلاف الفعل إذ هو كما قدمنا منتقصٌ من: "اعوار"، وكذلك: "اجتوروا" فحمل في التصحيح على: "تجاوروا".
وقوله: "أو الجولان والصورى فإن آخرهما زيادةٌ تخص الأسماء".
اعلم أن في في "الجولان" وشبهه خلافًا، فنقل الزعفراني في تصحيحه أن سيبويه يذهب إلى أن التصحيح إنما كان فيه للحاق الألف والنون واختصاص ذلك بالاسم دون الفعل، و"هاهان، وداران" عنده شاذٌ والقياس: "موهان، ودوران.".
[ ٢٠٥ ]
قال أبو علي: "ويقويه تكسيرهم الكلمة عليها، وذلك نحو: "سرحان: وسراحين، و: ورشان، وراشين" فهذا كـ "سرداح".
والمبرد يقول: إن الألف والنون لا تخرجه عن شبه الفعل لأنهما غير معتد بهما حيث قوي بهما الانفصال، ولهذا يصغر الاسم ثم يؤتى بهما كما يصغر ما فيه الياء ثم يؤتى بها.
قال أبو علي الفارسي مقويًا له: تصغيرهم "زعفرانًا" على: "زعيفران" فنقلوهما في
[ ٢٠٦ ]
التصغير دليل على ذلك: "فماهان وداران عنده قياس، و"الجولان" شاذ.
وقيل لما صحح: "الثوران، والعليان" وحرف العلة فيه لام، واللام محل التغيير صحح في بعض المواضع العين "كالجولان" إذ العين أولى بالتصحيح من اللام لتوسطها، والتغيير إنما يسلط على الأطراف؛ "والصورى" صحح لاتصال الألف التي هي للتأنيث به، ولا شك في أنها لازمة مخرجة للبناء من أبنية الأفعال.
قال:
"أو يقصدد التنبيه على الأصل كـ "مود، غيب".
قلت:
اعلم أن العرب إذا طردوا الاعلال في كلامهم أخرجوا بعض الكلمات مصححًا تنبيهًا على الأصل، وذلك كما مثل به من: "القود" و"الغيب". وكأنهم لما راموا ذلك نزلوا الفتحة منزلة الحرف فصار (فعلٌ) كـ: (فعالٍ)، وجرى "قود" في التصحيح مجرى: "جوار" و"غيب" مجرى: (سيال) فقد انعكس التقدير في الحركة إذ هي سبب الاعلال في: "قام"، وهنا هي السبب في الصحة، ويدلك على إجرائهم الحرف مجرى الحركة قوله:
[ ٢٠٧ ]
(في ليلةٍ من جمادى ذات أنديةٍ لا [يبصر الكلب] من ظلمائها الطنبا)
و"أندية": (أفعلةٌ وأفعلة) تكسير: (فعال) كـ "جراب وأجربة" فلولا إجراؤهم: "نوى" مقصورًا مجرى: "بداء" ممدودًا لما جاز ذلك.
وهنا تنبيه: في التنبيه على الأصل.
وذلك أنه جاز في الأسماء دون الأفعال، وذلك لما تقدم من فرعيه الاسم في الاعلال، وأصالة الفعل فيه، وجاز في العين دون اللام لقوة العين وضعف اللام، وكثر في الواو، وقل في الياء لقرب الياء من الألف وبعد الواو عنها.
واختم هذا البحث بفائدةٍ وأقول: صرح أبو الفتح والعبدي بأن قلب الواو والياء ألفًا إنما كان بعد إضعافهما، ولا يقدر انقلابهما متحركين لأنهما بها تحصنا من التغيير.
فإن قيل: فهلا قلبا في: "القول والبيع"؟
فالجواب: أن الحرف إذا كرهت الحركة عليه جعل تسكينه وصلةً إلى تغييره، فإذا كان ساكنًا فلا كراهية فيه.
[ ٢٠٨ ]
وقال السخاوي قلبًا متحركين لثلاثة أوجه:
الأول: أن التغيير كلما قل كان أولى، وعلى قولها يحصل تغييران: إسكان وقلب، وعلى قولي يحصل تغيير واحدٌ، وهو القلب.
والثاني: أن هذا الإسكان لم يلفظ به فلا فائدة في تقديره.
والثالث: أن المقصود الإسكان، فلو سكن لم يكن وجهٌ إلى القلب".
وعندي لا يلزم ما ذكره، وذلك لأن الانقلاب بموجب ما يقتضيه التصغير لا ينكر، أو () التغيير الذي في: "خطايا" وأنه يقدر أن الياء منقلبةٌ عن الهمزة المنقلبة عن الياء في: "خطيةٍ"، ولم أجد أحدًا أنكر ذلك حيث اقتضاه القياس، وكذا الناس استحسنوا
[ ٢٠٩ ]
الباب الذي وسمه أبو الفتوح بباب ملاطفة الصنعة ومبناه على التدريج في القلب، وأنه لا يقلب ذلك من غير ملاطفة.
وقوله: "السكون" لا يلفظ به غير لازم لأن كل ما يقدر بسكونه لا يلزم النطق به، ألا ترى أن "قيل" حيث تقلب الكسرة في الواو إلى القاف ثم قلبت الواو ياء ليس لقائلٍ أن يقول: هذا لا يجوز لعدم النطق به، وهذه الأشياء التي يقولها التصريفيون إنما تقدر أصلًا لازمًا ووقتًا ومولدًا لغرض السكون، فلو حمل لما قلبت الواو والياء ألفًا غير لازم لأن الغرض القلب إلى حرف تؤمن معه الحرك، وهو الألف وليس هو مطلوبًا لنفسه، فاعرفه.
قال:
"ويحذفان بعد الإبدال إن ضمتا، أو كسرتا لامين قبل واوٍ أو ياءٍ ساكنٍ مفردةة".
قلت:
يريد بذلك قولك: "هؤلاء غازين، ومررت بغازين" وأصله؛ "غازُوُن وغازُوِن" فأستثقلت الضمة والكسر على الواو وهو الزاي بعد إسكانه، إذ الحرف يستحيل استعماله بحركتين، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين هم واو الجمع أو ياؤه.
[ ٢١٠ ]
وكذا حكم ما لامه ياء نحو قولك: "هؤلاء رامون، ومررت برامين" والأصل: "راميون" فعل ما ذكرنا.
وإنما نقلت الضم في: "غازون ورامون" ولم تحذف محافظة على واو الجمع، وصنًا لها عن التغيير، ألا تراك لو حذفتها لوليت الواو المذكورة كسرة الزاي والميم، فكان يجب قلبها ياءً.
فإن قيل: أما علة النقل مع الواو فواضحةٌ ولكن الإشكال مع الياء لو لم نقدر نقل الكسرة من الياء إلى ما قبلها لم يتغير لأن ما قبلها مكسور؟
فالجواب: أن قاعدة العرب والنحاة أنه إذا حصل في بعض الكلمة إعلال لعلة أعل في ياءٍ تحمل عليه وإن خلا منها، ألا ترى أن حذفهم الواو من: "أعد، وبعد، ونعد" حملًا على: "تعد"، وكذلك حذفوا الهمزة من: "مكرِمٍ ومكرَمٍ، ونكرم" حملًا على: "إكرم". وكذلك حمل قلب الواو ياءً في: "رايت غازيًا" على: جاءني الغازي،
[ ٢١١ ]