باب: أفعل التفصيل
مما بنوا فعل تعجب بُني أفعل في التفصيل مثل "الأحسن"
ما أبوا بناء ذاك منه لا تجز بنا ذا منه نحو "استعجلا"
وما به إلى تعجب وصل لمانع به إلى التفصيل صل
فـ"ذا أشد الناس عجبا مثل "ما أشد عجبه" (١) فقس عليهما
وما هناك شد قد شذ هنا فصوغ "أقمن" مؤذن بـ"أقمنا".
وفي "ألص من شظاظ" إذ ورد لـ"ما ألصه" و"ألصص" مستند
_________________
(١) ط عجب ذا".
[ ٢ / ١١٢٠ ]
وصوغه (١) من "أفعل" الفعل اطرد ومن (٢) مبين حمقا أيضا ورد
وشذ نحو قولهم "أبيض من" وذا وشبهه بتأويل قمن
مما بنوا من فعل مفعول بلا لبس فليس نادرا كـ"أشغلا"
وغالبا أغناهم (٣) "خير" و"شر" عن قولهم: "أخير منه" و"أشر"
وفي التعجب أرو: "ما خير" و"ما شر" بحذف الهمز (٤) وانصب بهما
قد تقدم الإعلام بأن الذي يُبنى منه فعل التعجب هو: كل فعل ثلاثي، متصرف، تام، قابل معناه للتفاضل (٥)، غير مبني للمفعول، ولا منفي، ولا مدلول على فاعله بـ"أفعل". وهذا كله معتبر أيضا فيما يُبنى منه أفعل التفضيل.
فيمتنع بناء أفعل التفضيل:
مما ليس ثلاثيا كـ"انطلق" و"دحرج"
_________________
(١) في الأصل "فصوغه"
(٢) هـ "وفي"
(٣) هـ "إغناؤهم".
(٤) هـ "الهمزة".
(٥) ع ك "للتفاوت"
[ ٢ / ١١٢١ ]
ومما ليس متصرفا كـ"نعم" و"بئس"
ومما ليس تاما كـ"ظل" و"صار".
ومما لا يقبل التفاضل (١) كـ"مات" و"فني"
ومن مبني للمفعول غير مأمون اللبس كـ"ضرب" ومن ملازم للنفي نحو "ما عجت (٢) به".
ومن مدلول على فاعله بـ"أفعل" كـ"عمي" و"عرج" و"لمي" (٣) و"دعج" (٤) كما امتنع بناء فعل التعجب منها.
ويتوصل إلى التفضيل فيما فيه مانع بمثل ما توصل (٥) فيه إلى التعجب.
فكما قيل في "أعجب" و"اختصر": "ما أعجبه" و"ما أخصره" يقال (٦) فيه: "هو أعجب" و"هو أخصر".
وما عُدَّ من الشواذ في التعجب عُدَّ من الشواذ في التفضيل.
_________________
(١) ع وك "التفاوت".
(٢) هـ "عجبت".
(٣) لمي: اسودت شفته. واللمي: مثلثة اللام: سمرة في الشفة، أو شربة سواد فيها.
(٤) الدعجة: سواد العين مع سعتها.
(٥) ع وك "يتوصل".
(٦) هـ "فقال".
[ ٢ / ١١٢٢ ]
فمن الشواذ في التعجب قولهم: "أقمن به" بمعنى: ما أحقه. ووجه شذوذه أنه بني من قولهم: "هو قمن بكذا" أي: حقيق به.
وإنما يُبنى فعل التعجب من فعل مقيد بالقيود التي قدمت ذكرها، لا من (١) صفة لا فعل لها
فلو قيل في التفضيل: "هو أقمن" لساوى "أقمن به" (٢) في الشذوذ.
لأن أفعل التفضيل إنما يبني - مما يُبنى منه فعل التعجب وفي أمثالهم قولهم: "هو ألص من شظاظ" (٣) فبنوا "ألص" من لفظ "اللص" دون فعل.
فلو قيل في التعجب "ما ألصه" (٤) لساواه في الشذوذ لأنه مبني من غير فعل.
ثم بينت أن أفعل التفضيل إذا بُني من فعل على "أفعل" كـ"أعطى" لم (٥) يعد شاذا كما لا يعد شاذا التعجب منه.
وقد مضى الإعلام بسبب ذلك
_________________
(١) هـ "لأن صفة".
(٢) سقطة "به" من الأصل ومن هـ
(٣) شظاظ رجل يضرب به المثل في السرقة، وهو لص ضبي
(٤) هـ "ما لصه".
(٥) هـ "ثم يعد".
[ ٢ / ١١٢٣ ]
ومن المسموع في ذلك:
"هو أعطاهم للدراهم، وأولادهم للمعروف، وأكرم لي من زيد" أي: أشد إكراما. و"هذا المكان (١) أقفر (٢) من غيره" وفي أمثالهم: "أفلس من ابن المذلق" (٣).
وفي الحديث (٤): "فهو لما سواها أضيع"
وكما قيل فيما دل على جهل: "ما أحمقه" مع كون فاعله مدلولا عليه بـ"أفعل".
قيل فيه: "هو أحمق من كذا، وأرعن (٥)، وأهوج (٦) وأنوك" (٧).
وفي المثل: "هو أحمق (٨) من هبنقه" (٩).
_________________
(١) ع ك "هو أقفر".
(٢) هـ "أفقر".
(٣) في القاموس: هو من عبد شمس لم يكن يجد بيت ليلة، ولا أبوه، ولا أجداده فضرب به المثل في الإفلاس.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ باب الوقوف ٦/ ٨٠.
(٥) الأرعن: الأهوج في منطقه.
(٦) الأهوج: طويل في الحمق والطيش والتسرع.
(٧) النوك: الحمق
(٨) الأحمق: قليل العقل
(٩) هبنقه: لقب ذي الودعات يزيد بن ثروان، كان قد وضع في عنقه قلادة من ودع لئلا يضل. فسرقها منه أخوه ذات ليلة وتقلدها فلما أصبح قال لأخيه: أخي أنت أنا، فمن أنا.
[ ٢ / ١١٢٤ ]
وقد تقدم الإعلام بأن سبب استثناء "أحمق" ونظائره من المدلول على فاعله بـ"أفعل" شبه "حمق" في المعنى بـ"جهل" فاشتركا في الاستعمالين لتقاربهما في المعنى.
وفي الحديث (١) في وصف ماء الحوض -الذي نرجو بفضل الله وروده في عافية:
"أبيض من اللبن، وأحلى من العسل".
فظاهره أن فيه شذوذا؛ إذ كان حقه لكونه من باب "أفعل" المبني للفاعل أن يقال فيه: "أشد بياضا" (٢)
فإن حمل (٣) على الشذوذ كان نظير قولهم: "هو أسود من حنك (٤) الغراب" ونظير قول الراجز (٥):
(٧٣٥) - جارية في درعها الفضفاض
(٧٣٦) - أبيض من أخت بني أباض
_________________
(١) أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص "الصحيح مع الفتح ١١/ ٤٣٦"
(٢) في الأصل "أشد فيه بياضا"
(٣) هـ "جهل".
(٤) حنك الغراب: منقاره أو سواده. وفي ع ك "حلك الغراب" وحلك الغراب: حنكه أو سواده
(٥) ع ك قول الآخر". ٧٣٥، ٧٣٦ - من رجز ينسب لرؤبه وهو في ملحقات الديوان ص ١٧٦ وفي جمل الزجاجي ١١٥ وشرح المفصل ٦/ ٩٣، ٧/ ١٤٧، الخزانة ٣/ ٤٨١ والانصاف ١٤٩=
[ ٢ / ١١٢٥ ]
وجائز أن يكون "أبيض" مبنيا من قولهم: "باضَ الشيءُ الشيءَ بيوضًا" إذا فاقه في البياض
فالمعنى على هذا أن غلبة (١) ذلك الماء لغيره من الأشياء المبيضة أكثر من غلبة بعضها بعضا.
و"أبيض" بهذا الاعتبار أبلغ من "أشد بياضا".
ويجوز أن تكون (٢) "من" المذكورة بعد "أبيض" متعلقة بمحذوف دل عليه "أبيض" المذكور، والتقدير: ماؤه أبيض أصفي أو (٣) أخلص من اللبن.
فإلى هذين (٤) التأويلين أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . وذا وشبهه بتأويل قمن
أي: حقيق. ثم نبهت بقولي:
وما بنوا من فعل مفعول بلا لبس فليس نادرا. . . . . . . . . . .
على أن نحو قولهم: "هو أزهي من ديك" و"هو أشهر منه".
_________________
(١) هـ "عليه".
(٢) هـ "يكون".
(٣) هـ "وأخلص".
(٤) هـ "هذا".
[ ٢ / ١١٢٦ ]
و"أشغل من ذات النحين" (١) و"أغدر" و"ألوم" و"أشر" و"أعثى" (٢) مما بني من فعل ما لم يسم فاعله دون إيقاع في لبس ليس فيه شذوذ فيتوقف فيه على السماع.
بل هو في التفضيل مطرد كاطراده في التعجب، بخلاف ما يوقع في لبس.
ثم نبهت على أن قولهم: "خير من كذا" و"شر من كذا" الأصل فيه "أخير" و"أشر"، ولا يكادون يستعملون الأصل.
ومن استعمالهم إياه قول الراجز:
(٧٣٧) - بلال (٣) خير الناس وابن الأخير
ومنه قراءة أبي قلابة (٤): ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِر﴾ (٥).
وقد حكى في (٦) التعجب "ما خيره" و"ما (٧) شره".
_________________
(١) ينظر أمثال الميداني ١/ ٣٧٦ والنحي: الزق، أو ما كان للسمن خاصة.
(٢) الجافي: السمج وأصله عثى شعره وأعثى: كثر
(٣) هـ سقط "بلال".
(٤) محمد بن أحمد بن أبي دارة أبو قلابة، مقرئ معروف "٢/ ٦٢ طبقات القراء لابن الجزري".
(٥) من الآية رقم "٢٨" من سورة "القمر" تنظر قراءة أبي قلابة في المحتسب ٢/ ٢٩٩.
(٦) ع سقط "في".
(٧) ع ك سقطت ما من "ما شره".
(٨) نسب هذا الرجز في المحتسب ص ١٥٥، والبحر المحيط=
[ ٢ / ١١٢٧ ]
بمعنى: ما أخيره، وما أشره.
إلا أن حذف الهمزة في التعجب كثبوتها في التفضيل والعكس هو المشهور.
وأفعل التفضيل إن تجردا فبعده "من" يلزمون أبدا
في النعت (١) والحال وفي نعت ندر حذف وشاع لدين في الخبر
ويلزم الإفراد، والتذكيرا مصاحبا "من" لفظا أو تقديرا (٢)
و"من" وما جرته منه كالصله في منعهم إثباتها منفصلة
وإن تكن بتلو "من" مستفهما فلهما كن أبدا مقدما
كمثل: "ممن أنت خير" ولدي إخبار التقديم نزرا وردا (٣)
_________________
(١) ع "في التعجب"
(٢) في س وش وط، وع وك جاء هذا البيت كما يلي: ويلزم الإفراد والتذكير إن يضف إلى نكرة أو يول "من"
(٣) س ع ك "نزرا وجدا".
[ ٢ / ١١٢٨ ]
ومع (١) إضافة أو "ال" من تجتنب (٢) وإن تجامع (٣) "آل" فتأويل وجب
وفصل أفعل و"من" بظرف أو تمييز أو شبيه ظرف قد رووا
وقد أتى فصلهما بأكثرا من واحد كقول شاد غبرا (٤)
"ألين مسا في حشايا البطن من يثربيات قداد (٥) خشن"
المراد بتجرد أفعل التفضيل: خلوة من الإضافة، ومن الألف واللام (٦).
فإذا كان كذلك، وكان نعتا، أو حالا جيء بعده بـ"من" جارة للمفضول نحو: "رأيت رجلا أفضل من زيد".
و"شربت الماء أبرد من الثلج"
وندر حذفها بعد الصفة في قول الراجز:
_________________
(١) ع "ومنع"
(٢) ع وك "يجتنب".
(٣) ع "بجامع"
(٤) ط ع ك والأصل "عبرا
(٥) س ش ط "قذاذ"
(٦) هـ سقط "واللام"
[ ٢ / ١١٢٩ ]
(٧٣٨) - تروحي أجدر أن تقيلي
أي تروحي وأتي مكانا أجدر أن (١) تقيلي فيه من غيره.
وإن كان أفعل التفضيل خبرا جيء أيضا بـ"من" جارة للمفضل عليه.
ويكثر الاستغناء عنهما (٢) إذا دل عليهما (٣) دليل كقوله تعالى ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٤).
وإذا جرد أفعل التفضيل وصاحب "من" لفظا أو تقديرا فلا بد من إفراده وتذكيره كقولك:
"زيد أفضل من عمرو" و"الزيدان أفضل من العمرين". و"الزيدون أفضل من العمرين" و"عمرة أفضل (٥) من هند" وما أشبه ذلك.
_________________
(١) هـ "بأن".
(٢) ع وك "عنها".
(٣) ع وك "عليهما"
(٤) من الآية رقم "١٧" من سورة "الأعلى".
(٥) في الأصل وع وهـ "أجمل".
(٦) من الرجز نسبه العيني ٤/ ٣٦ مع أبيات إلى أحيحة بن الجلاح، ونسبه القيسي في ايضاح شواهد الإيضاح ص ٤١ إلى أبي النجم العجلي. تروحي: فعل أمر بمعنى طولي. والخطاب للفسيل تقيلي: من القيلولة وهي النوم في الظهيرة.
[ ٢ / ١١٣٠ ]
[ويستوي المجرد والمضاف إلى نكرة في لزوم الإفراد، والتذكير نحو:
"مررت برجلين أفضل من ذين" و"برجال أفضل من أولاء" و"بامرأة أفضل من ذي" و"بنسوة أحسن من الهندات"
ويقال: "هما أفضل رجلين" و"هم أفضل رجال" و"هي أحسن امرأة" و"هن أحسن نسوة" (١).
ولا يفصل بين أفعل التفضيل و"من" بأجنبي لأنهما بمنزلة المضاف، والمضاف إليه بوجه ما.
ولهما شبه بالصفة الناصبة والمنصوب بها، فلذلك حسن انفصالهما بتمييز نحو: "زيد أكثر مالا منك"
وبظرف نحو: "أنت أحظى عندي منه"
وبجار ومجرور نحو: "هو أدنى (٢) إلى منك" [ومنه قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) و﴿نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد﴾ (٤).
وقد اجتمع أربعة فصول في قول الشاعر:
_________________
(١) سقط ما بين القوسين من الأصل ومن هـ
(٢) ع "أولى".
(٣) من الآية رقم "٦" من سورة "الأحزاب".
(٤) من الآية رقم "١٦" من سورة "ق".
[ ٢ / ١١٣١ ]
(٧٣٩) - ما زلت أبسط في عض الزمان يدا للناس بالخير من عمرو ومن هرم] (١)
وقد اجتمع فصلان في قول الراجز
(٧٤٠) - لأكلة منأقط بسمن
(٧٤١) - أليس مسا في حشايا البطن
(٧٤٢) - من يثربيات قداد خشن
فاغتفر هذا الفصل لأنه بمساو (٢) لـ"من" في التعلق (٣)
بـ"أفعل"
_________________
(١) سقط ما بين القوسين من الأصل ومن هـ
(٢) هـ "مسا"
(٣) هـ "التعليق".
(٤) من البسيط لم أعثر له على قائل عض الزمان: شدائده هرم: هو هرم بن سنان ممدوح زهير بن أبي سلمى. ٧٤٠، ٧٤١، ٧٤٢ - رجز لم يعزه المصنف ولا غيره ممن استشهد به "البهجة المرضية ١٢٠، المقاصد النحوية ٤/ ٤٦، اللسان ١/ ٢٢٩، ٤/ ٣٤٢، ٩/ ١٢٥، ١٦/ ٢٢١، ٢٩٧، ١٨، ٢٢٨، ١٩/ ٣١٥. الأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيص يطبخ ثم يترك حتى يمصل، والقطعة منه أقطة. الحشايا: جمع حشية، وروى: في حوايا، والحوايا: جمع حوية، وحاوية وحاوياء وهي ما تحوي من الأمعاء. يثربيات: منسوبات إلى يثرب "مدينة الرسول ﷺ" قداد: يابسات خشن: ذميمات الحال
[ ٢ / ١١٣٢ ]
فلو كان مما لا يتعلق به لم يجز.
ولذلك جوز نحو: "ما من أحد أحسن في عينه (١) الكحل منه في عينك" (٢)
لأن رفع "الكحل" بـ"أحسن" أزال أجنبيته
بخلاف جعله مبتدأ وجعل "أحسن" خبره، فإنه ممتنع، لوجود الفصل بأجنبي لا عمل لـ"أحسن" فيه.
ولوقوع المخبر عنه بين الخبر وما هو من تمام معناه.
وقد حملهم جواز الفصل بما ذكر على جواز (٣) التقديم (٤) كقول الشاعر:
(٧٤٣) - فقالت: لنا أهلا وسهلا وزودت جنى النحل، بل ما زودت منه أطيب
وقال آخر:
_________________
(١) ك "عينيك".
(٢) ك "عينيك" والمثال في كتاب سيبويه ١/ ٢٣٢٣ "ما من أحد أحسن في عينه الكحل منه في عينه".
(٣) هـ "تجويز"
(٤) هـ "التقدم".
(٥) من الطويل من قصيدة للفرزدق قالها وهو هاب من زياد في شأن امرأة من بني ضبة يقال لها "مية" كان قد سألها أن تقريه وتحمله فأبت عليه، فلما سأل غيرها من بني ذلن بن ثعلبة حملته، وأفقره ابنها ناقة "الديوان ص ٦٢"=
[ ٢ / ١١٣٣ ]
(٧٤٤) - ولا عيب فيها غير أن سريعها قطوف، وألا شيء منهن أكمل
فلو كان المجرور بـ"من" (١) مستفهما به وجب تقديمهما (٢) كقولك "ممن أنت خير"؟
ذكر هذه المسألة أبو علي في التذكرة:
وإلى هذا أشرت بقولي:
[وإن تكن بتلو "من" مستفهما فلهما كن أبدا مقدما
وأشرت بقولي (٣):]
. . . . . . . . . . . ولدي إخبار التقديم نزرا وردا
إلى ما نصته البيتان المتقدم ذكرهما
ثم نبهت على استغناء أفعل التفضيل عن "من" ومجرورها بالإضافة وبالألف واللام.
_________________
(١) هـ سقط "بمن".
(٢) ع ك "تقديمها"
(٣) ع وك سقط ما بين القوسين
(٤) من الطويل من قصيدة لذي الرمة والرواية في الديوان ص ٥٤٩ . . . . . . . . . . . وألا شيء منهن كسل قطوف: متقارب الخطو بطيء. وهذا البيت من المدح في صورة الذم.
[ ٢ / ١١٣٤ ]
وأشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . وإن يجامع "أل" فتأويل وجب
إلى قول الأعشى:
(٧٤٥) - ولست بالأكثر منهم حصى وإنما (١) العزة للكاثر
فإن فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ألا تكون "من" لابتداء الغاية كما هي في: "زيد أفضل منك" بل تكون للتبيين كما هي في قولك: "أنت منهم الفارس الشجاع".
أي: من بينهم.
الثاني: أن تعلق "من" بمحذوف دل عليه المذكور.
الثالث: أن تكون الألف واللام زائدتين فلا يمتنع معهما وجود "من" كما لا يمتنع مع التجرد منهما.
وقد تقدم شرح ما بقي من الأبيات فلا حاجة إلى إعادة ذلك.
[وإن تلا "أل" أو يضف لمعرفه بغير معنى "من" يطابق كالصفة] (٢)
_________________
(١) هـ "فإنما".
(٢) سقط هذا البيت من هـ وجاء موضعه: وتلو "آل" مطابق لما قصد كـ"بالرجال الأفضلين أعتضد" وقد اعتمده المصنف في الشرح.
(٣) من السرع من قصيدة للأعشى ميمون هجا بها علقمة بن=
[ ٢ / ١١٣٥ ]
جوز الوجهين في المضاف إن به أردت ما اقتضى مصحوب "من"
[وإن يضف بغير معنى "من" يجب وقوعه طبقا لما له نسب] (١)
وهو بمعنى "بعض" أو "كل" على نحو الذي في باب "أي" فضلا
لأفعل التفضيل ثلاثة أحوال:
الأول: حال تجرده من الإضافة والألف واللام.
وقد تقدم أن حقه فيه ملازمة الإفراد والتذكير. ومصاحبة "من" لفظا أو تقديرا.
[وقد تقدم أيضا التنبيه على أن المضاف إلى نكرة يساوي المجرد في لزوم الإفراد والتذكير] (٢).
والثاني: حال تعريف (٣) بالألف واللام وهو الذي عبرت عنه بـ:
. . . . . . . . . . . تلو "أل" . . . . . . . . . .
ولا بد له حينئذ من مطابقة ما هو له فيقال: "زيد الأفضل" و"الزيدان الأفضلان" و"الزيدون الأفضلون" و"هند الفضلى"
_________________
(١) سقط هذا البيت من الأصل وط وس وع وك وجاء في ش وهـ.
(٢) سقط ما بين القوسين من هـ، ومن الأصل.
(٣) ع وك "حال تثبت فيها".
[ ٢ / ١١٣٦ ]
و"الهندان الفضليان" و"الهندات الفضلياتط أو "الفضل".
والثالث: حال الإضافة إلى معرفة (١)، وهو فيها على ضربين:
أحدهما: أن يضاف مرادا به معنى المجرد.
والثاني: أن يضاف مرادا به معنى المعرف بالألف واللام.
فالمراد به معنى المجرد يجوز أن يوافقه في ملازمة الإفراد والتذكير وأن يوافق المعرف بالألف واللام في ملازمة المطابقة لما هو له.
وقد اجتمع الأمران في قول النبي ﵇ (٢):
"ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون" (٣).
والمراد به معنى الألف واللام لا بد من مطابقته لما هو له، كما لا بد منها للمعرف بالألف واللام "لتساويهما في التعريف، وعدم اعتبار معنى "من"] (٤).
_________________
(١) هـ سقط.
(٢) ع ك "في قوله ﷺ".
(٣) أخرجه الترمذي في باب البر ٧١، ٧٢، وأحمد ٢/ ٣٦٩، ٤/ ١٩٣، ١٩٤ يقال رجل موطأ الأكناف: سهل، دمث، كرم، مضياف، يتوطأ صاحبه في جانبه غير مؤذي والكنف الجانب.
(٤) سقط ما بين القوسين من هـ ومن الأصل.
[ ٢ / ١١٣٧ ]
ولا يلزم (١) كونه بعض ما أضيف إليه.
بخلاف المراد به معنى المجرد [فإنه يساويه في اعتبار معنى "من" ولذلك قد يتأول بنكرة فيقع حالا، ولا بد حينئذ (٢) من] كونه (٣) بعض ما أضيف إليه.
فلو قيل (٤): "يوسف أحسن إخوته" امتنع عند إرادة معنى المجرد.
وجاز عند إرادة معنى المعرف بالألف واللام، لما ذكرت لك. ولما تقدم في "باب الإضافة" الإعلام بأن "أيا بمعنى "بعض" إن أضيفت (٥) إلى معرفة، وبمعنى "كل" إن أضيفت (٦) إلى نكرة وكان أفعل التفضيل مثلها في ذلك نبهت عليه بقولي:
وهو بمعنى "بعض" أو "كل"على نحو الذي في باب "أي" فصلا
ولهذا يقال: "خير الرجلين زيد" و"خير رجلين الزيدان".
[وقيد المضاف الذي يساوي المقرون بـ"آل" في مطابقة
_________________
(١) ع ك "يلزمه".
(٢) سقط ما بين القوسين من هـ ومن الأصل.
(٣) هـ والأصل "بخلاف المراد به معنى المجرد فإنه يلزم كونه بعض ما أضيف إليه".
(٤) ع ك "فلو قلت"
(٥) ع ك "أضيف".
(٦) ع ك "أضيف".
[ ٢ / ١١٣٨ ]
ما هو له بكون ما أضيف إليه معرفة، وعدم إرادة معنى "من" تنبيها على أن المضاف إلى نكرة يساوي المقرون بـ"من" في لزوم الإفراد، والتذكير لتساويهما في التنكير] (١).
وظاهرا (٢) بأفعل التفضيل لا ترفعه ما لم تره قد جعلا
مخلصا من أن يحال بين "من" وبينه بأجنبي مقترن
كـ"لن ترى (٣) من امرئ أجدر به فضل من الصديق" فاعرف وانتبه (٤)
والرفع- مطلقا- به قليل حكاه سيبويه، والخليل
ونصبه المفعول ممنوع (٥) ومن فسر ناصبا به فما وهن (٦)
لا يرفع أفعل التفضيل في اللغة المشهورة اسما ظاهرا لأن شبهه باسم الفاعل ضعيف من قبل أنه في حال التنكير لا
_________________
(١) هـ والأصل سقط ما بين القوسين
(٢) هـ "فظاهرا".
(٣) ع س ش "يرى".
(٤) هـ س ش ط ع ك "إلا من نبه".
(٥) هـ "ممنوعا".
(٦) هـ س ش ع ك "فقد فطن".
[ ٢ / ١١٣٩ ]
يؤنث، ولا يُثنى، ولا يجمع، بخلاف اسم الفاعل، والصفة المشبهة به.
فإن أدى ترك رفعه الظاهر إلى فصل بمبتدأ بين أفعل التفضيل (١)، والمفضل عليه تخلص من ذلك يجعل المبتدأ فاعل أفعل بشرط كونه سببيا كـ"الصوم" بالنسبة إلى الأيام في قوله ﵇ (٢):
"ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم من أيام العشر" (٣)
وإنما اشترط كون الظاهر سببيا (٤)؛ لأن ذلك يجعله صالحا للقيام مقام المضمر، فإن الإستغناء بالظاهر السببي عن المضمر كثير.
ولأن (٥) كونه سببيا على الوجه المستعمل يجعل أفعل واقعا موقع الفعل.
وذلك أن قولك: "ما من أحد أحسن في عينه الكحل من زيد" يقوم مقامه: ما من أحد يحسن في عينه الكحل كزيد.
_________________
(١) سقط "التفضيل" من هـ والأصل
(٢) ع ك "﵊".
(٣) أخرجه الترمذي في الصوم ٥٢، وابن ماجه في الصيام ٣٩، وأحمد ٢/ ١٣١، ١٦١.
(٤) ع "سببا".
(٥) ع "ولا كونه".
[ ٢ / ١١٤٠ ]
فتنزل ارتفاع الظاهر بـ"أفعل" هنا لوقوعه (١) موقع فعل (٢) منزلة إعمال اسم الفاعل الموصول به الألف (٣) واللام حلال المضي لأن وصل الألف واللام به أوجب تقديره بفعل
وحكى سيبويه (٤) أن بعض العرب يقول: "مررت برجل أكرم منه أبوه" فيرفع (٥) بأفعل التفضيل الظاهر مطلقا وأجمعوا على انه لا ينصب المفعول به.
فإن ورد ما يوهم جواز ذلك جعل نصبه بفعل مقدر يفسره "أفعل" كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه﴾ (٦).
فـ"حيث" هنا مفعول به لا مفعول فيه، وهو في موضع نصب بفعل مقدر يدل عليه "أعلم" ومن ذلك قول الشاعر:
(٧٤٦) - ولم أر مثل الحي حيا مصبحا ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
(٧٤٧) - أكر وأحمى للحقيقة منهم وأضرب منا بالسيوف الفواسنا
_________________
(١) هـ "بوقوعه".
(٢) ع ك "موقع الفعل".
(٣) ع ك "الموصول بالألف واللام"
(٤) الكتاب ١/ ٢٣٢.
(٥) ع ك "فرفع".
(٦) من الآية رقم "١٢٤" من سورة "الأنعام". ٧٤٦، ٧٤٧ - من الطويل من قصيدة للعباس بن مرداس السلمي قبل إسلامه والرواية في الديوان ص ٦٩=
[ ٢ / ١١٤١ ]
فنصب "الفوانس" بفعل مفسر بـ"أضرب"
ونحو "أهون" مفيد (١) "هينا". قيسا عليه ابن يزيد (٢) استحسنا
وما بلام جر بعد "أفعلا". فاجعله مفعولا وأما مع "إلى".
ففاعل بشرط معنى حب أو بغض وفي تعجبهذا اقتفوا
وما يفيد العلم بالبا عديا في الموضعين كـ"العلا أدري (٣) بيا"
وفيهما يستصحبون حرف جر كان به الفعل معدي نحو كر
_________________
(١) فلم أر. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والقصيدة أوردها أبو تمام في ديوانه الحماسة ١/ ٢٤٨. والأصمعي في الأصمعيات ٢٠٥. المصبح: المغاز عليه في الصباح. أكر وأحمى: وصف للأعداء وأضرب: وصف لقومه، وبهذه الشهادة سميت القصيدة بالمنصفة. الحقيقة: كل ما يحق للإنسان حمايته. القوانس: جمع قونس وهو مقدم رأس الرجل أو أعلى البيضة أو ما بين أذني الفرس.
(٢) هـ "مقيد".
(٣) هـ "ابن زيد".
(٤) س ش ط ع ك هـ "العلا أعلم بيا".
[ ٢ / ١١٤٢ ]
استعمال أفعل غيرمقصود به تفضيل كثير (١) ومنه قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُم﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه﴾ (٣)
أي: عالم بما في نفوسكم، وهين عليه
ومنه قولهم: "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" (٤) أي: عادلاهم.
ورأى محمد بن يزيد المبرد اطراد هذا قياسا فإلى (٥) هذا أشرت بقولي:
ونحو: "أهون" مفيد "هينا" قيسا عليه ابن يزيد استحسنا
والقيس والقياس: مصدرا "قاس".
ثم نبهت على تعدية أفعل التفضيل بحروف (٦) الجر، وجملة القول في ذلك:
_________________
(١) هـ "كبير".
(٢) من الآية رقم "٢٥" من سورة "الإسراء".
(٣) من الآية رقم "٣٧" من سورة "الروم".
(٤) الناقص يزيد بن الوليد بن عبد الملك، والأشج هو عمر بن عبد العزيز بن مروان.
(٥) ع ك "وإلى".
(٦) ع "بحرف".
[ ٢ / ١١٤٣ ]
أن أفعل التفضيل إن كان من متعد بنفسه دال (١) على حب أن يغض عدي باللام إلى ما هو مفعول في المعنى وبـ"إلى" إلى ما هو فاعل في المعنى كقولك: "المؤمن أحب لله من نفسه، وهو أحب إلى الله من غيره".
وإن كان من متعد بنفسه دال على علم (٢) عدي بالباء نحو: "زيد أعرف بي، وأنا أدري به".
وإن كان من متعد بنفسه غير ما تقدم عدي باللام نحو:
"هو (٣) أطلب للثأر، وأنفع للجار".
وإن كان من متعد بحرف جر عدي به لا بغيره (٤) نحو: "هو (٥) أزهد في الدنيا وأسرع إلى (٦) الخير، وأبعد من الإثم (٧)، وأحرص على الحمد، وأجدر بالحلم، وأصد عن الخنا"
ولفعل التعجب من هذا الاستعمال ما لأفعل التفضيل.
_________________
(١) هـ "دل".
(٢) ع ك "على علم غير ما تقدم".
(٣) ع سقط "نحو هو".
(٤) ع "لغيره".
(٥) ع ك "هذا أزهد"
(٦) ع ك "أسرع للخير".
(٧) هـ "أبعد من الألم".
[ ٢ / ١١٤٤ ]
نحو: ما أحب المؤمن لله، وأحبه إلى الله وما أعرفه بنفسه، وأقطعه للعوائق، وأغضه لطرفه وأزهده في الدنيا، وأسرعه إلى الخير، وأحرصه عليه، وأجدره به" والله أعلم (١).
_________________
(١) سقط من الأصل ومن هـ "والله أعلم".
[ ٢ / ١١٤٥ ]