"ص":
بفعل علم لا لعرفان نصب (١) مبتدأ وخبر وبـ"حسب"
كذا مرادفات ذين كـ"يرى" و"ظن" مع "حجا" و"خال" و"درى"
و"عد" مع "هب" و"تعلم" و"سمع" إن يك باسم غير مسموع تبع
وألحقوا "زعم" (٢) "ألفى" و"وجد" وما لتصيير، وشبهه كـ"رد"
وبعضهم ألحق -أيضًا- "ضربا" في مثل والجعل أجدى "وهبا"
فكان منها و"تخذت" و"اتخذ" إن أفهما معنى عن الكسب انتبذ (٣)
_________________
(١) ك "ينصب".
(٢) ط "بزعم".
(٣) جاء في الحاشية شطر آخر هو: . . . . . . . . . . . لا مطلقا فانهض ودع من انتبذ هذا الشطر هو الذي نبه المصنف عليه في الشرح.
[ ٢ / ٥٤١ ]
"ش": إذا قصد بـ"علم" معرفة الشيء دون تعرض لمعرفة ما هو عليه تعدى إلى مفعول واحد.
ومن ذلك احترزت بقولي:
لا لعرفان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإذا قصد به معرفة الشيء ومعرفة (١) ما هو عليه تعدى إلى مفعولين هما مبتدأ وخبر في الأصل كقول الشاعر.
(٢٧٣) - علمتك الباذل المعروف فانبعثت إليك بي واجفات الشوق والأمل
ولـ"حسب" المتعدية استعمالان:
أحدهما: أن يراد بها الاعتقاد الراجح -وهو المشهور- كقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء﴾ (٢).
والثاني: أن يراد بها معنى "علم" كقول الشاعر:
_________________
(١) ع سقط "الشيء ومعرفة".
(٢) من الآية رقم "١٨" من سورة "المجادلة".
(٣) من البسيط قال العيني ٢/ ٤١٦: أقول: لم أعثر على اسم قائله. انبعثت: ثارت. واجفات: دواعي.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
(٢٧٤) - حسبت التقى والحمد خير تجارة رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
وتوافقها في المعنى الأول "حجا" كقول الشاعر:
(٢٧٥) -[قد (١) كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة حتى ألمت بنا يومًا ملمات
وتوافقها (٢) في المعنيين: "رأى" و"ظن" و"خال".
فمثال "رأى" في العلم قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ (٣).
ومثالها في الحسبان قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدا﴾ (٤).
_________________
(١) بداية سقط كبير من هـ.
(٢) ك وع "ويوافقها".
(٣) من الآية رقم "٦" من سورة "سبأ".
(٤) من الآية رقم "٦" من سورة "المعارج".
(٥) من الطويل قاله لبيد العامري "الديوان ص ١١٩". رباحًا: ربحًا. ثاقلا: ميتا. ورواية ك وع: حسبت التقى والجود خير تجارة . . . . . . . . . .
(٦) من البسيط نسبه العيني ٢/ ٣٧٦ لتميم بن مقبل، وليس في ديوانه ونسبه صاحب المحكم لأبي شنب الأعرابي، وذكر بعده بيتين. الملمات: النوازل. أحجو: أعتقد.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
ومثال "ظن" بمعنى الحسبان قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُور﴾ (١).
ومثاله بمعنى "علم" قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ (٢).
ومثال "خال" بمعنى الحسبان قوله:
(٢٧٦) - وحلت بيوتي في يفاع ممنع يخال به راعي الحمولة طائرًا
ومثاله (٣) في العلم قول الشاعر:
(٢٧٧) - دعاني الغواني عمهن وخلتني لي اسم فلا أدعى به وهو أول
_________________
(١) من الآية رقم "١٤" من سورة "الانشقاق".
(٢) من الآية رقم "١٨" من سورة "التوبة".
(٣) ع "ومثال".
(٤) من الطويل قائله النابغة الذبياني من قصيدة "الديوان ص ٤٠" يفاع: مرتفع مشرف. والمعنى: وأقمت بيوتي في مكان مرتفع يحسب به راعي الإبل طائرًا لارتفاعه وعلوه. ورواية الديوان: تخال -بالتاء- وفي ع "وخلت بيوتي".
(٥) من الطويل قاله النمر بن تولب العكلي من قصيدة "الديوان ص ٨٨" وروايته دعاني العذارى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهي رواية السيوطي في همع الهوامع ١/ ١٥٠، والشنقيطي في الدرر اللوامع ١/ ١٣٣ وجمهرة أشعار العرب ١١٠.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
و"درى" بمعنى "علم" ومثال تعديها إلى مفعولين قول الشاعر:
(٢٧٨) - دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط فإن اغتباطًا بالوفاء حميد
ومعنى "عد" الملحقة بذا الباب "ظن".
ومثال نصبها المفعولين قول الشاعر] (١):
(٢٧٩) - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ولكنما المولى شريكك في العدم
وقل من يذكرها. وممن ذكرها ابن هشام اللخمي (٢).
ومما يتعين إلحاقه بهذه الأفعال "هب" بمعنى "ظن"، و"تعلم" بمعنى "اعلم"، ولا يتصرفان.
_________________
(١) إلى هنا نهاية سقط هـ.
(٢) محمد بن أحمد بن هشام بن إبراهيم بن خلف اللفخمي، السبتي، نحوي، لغوي توفي سنة ٥٥٧ هـ.
(٣) من الطويل من شواهد العيني ٢/ ٣٧٣ ولم ينسبه. الغبطة: تمني مثل حال المنعم عليه من غير تمني زوال نعمته.
(٤) من الطويل واحد من خمسة أبيات قالها النعمان بن بشير الأنصاري -﵁- "الديوان ص ١٥٩". المولى: ابن العم، ومن معانيه الجار والحليف والناصر، والعتيق والمعتق. العدم: الفقر وكذلك العدم -بتحريك الدال.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ومن شواهد "هب" قول الشاعر:
(٢٨٠) - فقلت أجرني أبا مالك وإلا فهبني أمرًا هالكًا
والمشهور في استعمال "تعلم" إعماله في "أن" كقول الشاعر:
(٢٨١) - تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهي الثبور
وقد نصب (١) مفعولين في قول الآخر:
(٢٨٢) - تعلم شفاء قهر عدوها فبالغ بلطف في التحيل والمكر
_________________
(١) ك وع "وقد ينصب".
(٢) من المتقارب قاله عبد الله بن همام السلولي "العيني ٢/ ٣٧٨، الخصائص ٢/ ١٨٦، معاهد التنصيص ١/ ٢٨٥". والرواية المشهورة: فقلت أجرني. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أجرني: أغثني ورواية ك وع وهـ: أبا خالد. . . . . . . . . . .
(٣) من الوافر قاله النابغة الذبياني من قصيدة وكان من قصتها أنه قد خرج مع زياد بن سيار للغزو فلما رأى زياد جرادة قال: حرب ذات ألوان فرجع، ومضى النابغة فلما رجع غانمًا قال هذه القصيدة "العيني ٢/ ٣٧٤".
(٤) من الطويل قاله زياد بن سيار حين خرج مع النابغة للغزو ورجع عندما رأى جرادة "العيني ٢/ ٣٧٤". شفاء النفس: قضاء مآربها.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وألحق الأخفش وأبو علي الفارسي بأفعال هذا الباب "سمع" إذا وليها اسم غير مسموع كقولك: "سمعت زيدًا يقرأ".
فإذا وليها اسم مسموع اكتفت به كقولك: "سمعت حديثك".
ومن أفعال هذا الباب المشهورة "زعم" كقول الشاعر:
(٢٨٣) - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
و"وجد" بمعنى "علم" كقول الشاعر:
(٢٨٤) - وجدتهم أهل الغنى فاقتنيتهم وأعففت عنهم مستزادي ومطعمي
ويلحق بها -أيضًا- "ألفى" كقول الشاعر:
(٢٨٥) - قد جربوه فألفوه المغيث إذا [ما الروع عم فلا يلوى على أحد] (١)
_________________
(١) سقط ما بين القوسين من هـ.
(٢) من الطويل قاله أبو ذؤيب الهذلي "ديوان الهذليين ١/ ٣٤". شريت الحلم: أي بعت الجهل بالحلم.
(٣) من الطويل. ورواية هـ: . . . . . . . . . . . فأتيتهم . . . . . . . . . . مسرادي ومطمعي
(٤) من البسيط قال العيني ٢/ ٣٨٨ لم أقف على اسم قائله. الروع: الفزع. لا يلوى على أحد: لا يعطف على أحد من شدة الخوف وعمومه لجميع الناس.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
ومن أفعال هذا الباب "صير" وما وافقها أو قاربها كـ"رد" و"جعل" و"اتخذ" و"تخذ" و"ترك" و"وهب" بمعنى "جعل" كقول بعض العرب: "وهبني الله فداءك" (١). أي: جعلني. رواه ابن الأعرابي (٢).
وقال الشاعر في "رد":
(٢٨٦) - رمى الحدثان نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا
(٢٨٧) - فرد شعورهن السواد بيضًا ورد وجوههن البيض سودا
ومن شواهد "جعل" و"اتخذ" قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا
_________________
(١) ك وع "فداك".
(٢) محمد بن زياد الأعرابي، كان ناسبا، نحويًا، كثير السماع من العرب، راوية للأشعار، لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه توفي سنة ٢٣١ هـ. ٢٨٦، ٢٧٨ - من الوافر نسبا في الخزانة ٢/ ٢٢٩ وديوان الحماسة ١/ ٥٤٩، والأضداد لابن الأنباري ٣٦، وأمالي القالي ٣/ ١١٥ والخزانة ١/ ٣٤٤ واللسان "سمد" إلى عبد الله بن الزبير الأسدي. ورأيتهما في قصيدة للكميت بن زيد الأسدي في ديوانه. الحدثان: الحادثة أو نائبة الدهر. آل حرب: بنو أمية. المقدار: ما قدره الله تعالى. السمود: تغير الوجه من الحزن.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (١) و﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢).
وقال الشاعر:
(٢٨٨) - أبعد الذي قد لج تتخذينني عدوًا وقد جرعتني السم منقعًا؟
وشاهد "تخذ" قول الآخر:
(٢٨٩) - تخذت غران إثرهم دليلًا وفروا في الحجاز ليعجزوني
واحترزت بقولي بعد "تخذت" و"اتخذ":
. . . . . . . . . . . لا مطلقًا (٣). . . . . . . . . . .
_________________
(١) من الآية رقم "١٩" من سورة "الزخرف".
(٢) من الآية رقم "١٢٥" من سورة "النساء".
(٣) هذا يدل على أن المصنف شرح الشطر الذي في الحاشية.
(٤) من الطويل واحد من أبيات أربعة ذكرها أبو تمام في حماسته ٢/ ١٨١ ولم ينسبها. نقع السم في أنياب الحية: اجتمع. وسم نافع: قاتل.
(٥) من الوافر قاله أبو جندب الهذلي من قصيدة "ديوان الهذليين ٣/ ٩٠" وشرح أشعار الهذليين للسكري ١/ ٣٥٤. غران: اسم موضع -على وزن سحاب- قال السكري هو واد. وفي ك وع "غراز".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
من "تخذ" و"اتخذ" بمعنى "اكتسب" فإنهما متعديان إلى مفعول واحد.
ومثال "ترك" قول الله تعالى (١): ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْض﴾ (٢).
ومنه قول الشاعر:
(٢٩٠) - وربيته حتى إذا ما تركته أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه (٣)
وألحق بعض الحذاق من النحويين بأفعال هذا الباب "ضرب" المعملة في المثل كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤)، (٥).
"ص":
وما استحق خبر ومبتدا فمع ذي الأفعال يأتي أبدا
كأضرب الثاني من الجزأين وكونه لمعنى أو لعين
_________________
(١) ك وع "قوله تعالى".
(٢) من الآية رقم ط ٩٩" من سورة "الكهف".
(٣) سبق الحديث عن هذا البيت في باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر.
(٤) ع سقط "لهم".
(٥) من الآية رقم "١٢" من سورة "يس".
[ ٢ / ٥٥٠ ]
وكون ما ركبته مفيدا في كل التزم ولا تحيدا
"ش": الذي استحق المبتدأ: التعريف، أو مقاربته (١)، أو مصاحبة قرينة تعين على تحصيل الفائدة، وألا يعرض للالتباس بالخبر، وغير ذلك مما تقدم التنبيه عليه في "باب الابتداء" فللمفعول الأول من ذا الباب ما للمبتدأ من ذلك كله.
والذي استحق الخبر من أقسام، وأحوال فللمفعول الثاني مثل ما له منها حتى التعدد. نحو قولك في "الرمان حلو حامض": "حسبت الرمان حلوًا حامضًا" ونحو قولك (٢) في قول الراجز (٣):
(٢٩١) -. . . . . . . . . . . هذابتي
(٢٩٢) - مقيظ مصيف مشتي
"علمت هذا بتي مقيظًا مصيفًا مشتيًا".
[وقولي:] (٤)
_________________
(١) هـ "مقارنته".
(٢) هـ "ونحو قولك هذا بتي في قول الراجز ".
(٣) سبق الحديث عن هذا الرجز في باب الابتداء وهو من شواهد سيبويه الخمسين ١/ ٢٥٨ لكنه في ملحقات ديوان رؤبة.
(٤) سقط "وقولي" من جميع النسخ والمقام يقتضيها.
[ ٢ / ٥٥١ ]
وكون ما ركبته مفيدًا في كل التزم. . . . . . . . . . .
أي: لا بد من اشتمال المركب في هذا الباب على فائدة، كما لا بد من اشتماله عليها في "باب الابتداء". فلا يجوز: "علمت النار حارة". كما لا يجوز: "النار حارة".
"ص":
وحذف ما بينه دليل هناك ههنا له سبيل
وجائز سقوط جزأين هنا إن كان ذكر ما تبقى حسنا
"ش": الأصل ألا يقتصر على أحد المفعولين في هذا الباب، لأنهما مخبر عنه، ومخبر به.
فلو حذف الأول بقي الخبر دون مخبر عنه.
ولو حذف الثاني بقي المخبر عنه دون خبر.
فإن دل على المحذوف منهما دليل جاز الحذف كقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (١). أي: لا يحسبن الذين يبخلون ما يبخلون به هو خيرًا لهم.
_________________
(١) من الآية رقم "٨٠" من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وحذف المفعولين أسهل من حذف أحدهما لكن بشرط الفائدة (١).
فلو قال قائل دون تقدم كلام، ولا ما يقوم مقامه: "ظننت" مقتصرًا لم يجز لعدم الفائدة.
نصَّ على ذلك سيبويه (٢) -﵀- (٣) إذ لا يخلو أحد من ظن.
فلو قارنه سبب يقتضي تجدد مظنون جاز ذلك لحصول الفائدة كقوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّون﴾ (٤). وكقول بعض العرب: "من يسمع يخل" (٥).
"ص":
و"أنْ" و"أنَّ" مع ما به وصل عن جزأي الإسناد مغنيًا جعل
كـ"يحسبون أنهم على شي" و"ما ظننت أن يخان في الفي"
وما سوى "هب" و"تعلم" و"وهب" صرف وأوجب للصروف ما وجب (٦)
_________________
(١) هـ "بشرط الإفادة".
(٢) ينظر كتاب سيبويه ١/ ١٨، ١٩.
(٣) هكذا في هـ وسقط من باقي النسخ "﵀".
(٤) من الآية رقم "٢٤" من سورة "الجاثية".
(٥) أي: من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه عليهم المكروه "ينظر أمثال الميداني ٢/ ٣٠٠".
(٦) ع "وواجب المصروف" وط "وأوجب للظروف".
[ ٢ / ٥٥٣ ]
"ش": كل واحدة من "أن" و"أن" بصلتها تتضمن مسندًا ومسندًا إليه مصرحًا بهما: فلذلك اكتفى بما ذكر منهما بعد "ظن" وأخواتها نحو: قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (١)، وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (٢).
وهذا شبيه بالاكتفاء بـ"أن تفعل" (٣) بعد "عسى" كقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ (٤).
فلو جيء بمصدر صريح لم يكن بد من ذكر الخبر.
وأفعال هذا الباب كلها تتصرف إلا "هب" و"تعلم" و"وهب".
ويمكن أن يكون "هب" من "وهب" فتكون في هذا الباب نظير "كاد" و"أوشك" في "باب أفعال المقاربة".
"ص":
وغير "هب" قلبيًّا إن لم يبتدا يلغ جوازًا فهو كالذ فقدا
كـ"خالد خلت أخ" و"عامر سمح أرى" و"ذا علمت ناصر"
_________________
(١) من الآية رقم "٢٥٩" من سورة "البقرة".
(٢) من الآية رقم "٢" من سورة "العنكبوت".
(٣) ك وع وهـ"بأن يفعل".
(٤) من الآية رقم "٢١٦" من سورة "البقرة".
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وربما ألغي سابق سبق بما به الجزء الأخير معتلق
كـ"أين خلت جعفر مقيم" و"للندى أرى الفتى مديم"
وإن سوى ذا سابقًا ملغى يظن فبعد لام، أو ضمير استكن
كـ"ما إخال" بعد "تنويل" رفع "ملاك" مع "رأيت" هكذا سمع (١)
"ش": المراد بالقلبي من أفعال هذا الباب ما لا يدل على تصيير حقيقي، أو تقديري كـ"علم" و"ظن".
ومن جملتها "هب" على مذهب من شرحها بـ"اعتقد" أو بـ"ظن".
وأما من شرحها بـ"اجعل" وقضى عليها بأنها من قولهم: و"هبني الله فداءك" أي: جعلني. فليست عنده قلبية.
_________________
(١) هكذا جاءت هذه الأبيات في الأصل، ووافقتها باقي النسخ في البيتين، الأول والثاني، ثم اختلفت معها من الثالث للأخير فجاءت كما يلي: وربما ألغي سابق سبق كـ"أين خلت ابن أخيك منطلق" كذا "لدينا منك تنويل" و"ما إخال" قبل مثله لن يعدما وإن سوى ذا سابقا ملغي يظن فبعد لام أو ضمير استكن فهذه الأبيات الأربعة عوض منها ثلاثة في باقي النسخ.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
فلتردد معناها لم (١) تشارك القلبيات المحضة فيما تختص (٢) به من الإلغاء وغيره.
وشرط جواز (٣) إلغاء ما يلغى أن يكون وسطًا كقولك: "خالد خلت أخ". أو آخرًا كقولي:
عامر سمح أرى . . . . . . . . . .
فإن كان الفعل متقدمًا على جزأي الإسناد لم يجز الإلغاء إلا إذا تقدم ما يتعلق بهما، أو بالفعل الداخل عليهما نحو:
"في المسجد أظن زيد معتكف" و"أين خلت جعفر مقيم". و"للندى أرى الفتى مديم" (٤).
فقد تقدم على "أظن" و"خلت" (٥) و"أرى" (٦) ما هو متعلق بثاني الجزأين فكان ذلك كتقدمه بنفسه.
والإعمال في مثل هذا أجود.
[(٧) فلو توسط الفعل بين جزأي الإسناد استوى الإعمال والإلغاء.
_________________
(١) هـ "ما لم تشارك".
(٢) ك وع وهـ "يختص".
(٣) هـ "وشرط الجواز".
(٤) ك وع وهـ "سقط هذا المثال".
(٥) ك وع وهـ "خلت وأظن".
(٦) ك وع وهـ سقط "وأرى".
(٧) بداية اختلاف بين الأصل وبين باقي النسخ في تقديم بعض فقرات الشرح وتأخير غيرها. وقد اعتمدت هنا نسخة الأصل إلى نهاية الفصل.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
ولو تأخر عنهما معًا كان الإلغاء مختارًا.
ولا يجوز إلغاء ما تقدم عليهما وليس قبله متعلق بثانيهما (١) نحو: "ظننت زيدًا منطلقًا".
فإن (٢) ورد متقدم هكذا ولم يعمل حمل على أنه عامل في ضمير الشأن محذوفًا.
وجعلت الجملة التي بعده في موضع المفعول الثاني كما فعل بـ"إن" في مثل "إن بك زيد مأخوذ".
وكذا (٣) لم تعلق بالفعل الداخل عليهما كقول (٤) كعب (٥):
(٢٩٣) - أرجو وآمل أن تدنو مودتها وما إخال لدينا منك تنويل
_________________
(١) ك وع وهـ "متعلق بهما ولا بالداخل عليهما".
(٢) ع "قال".
(٣) سقط من الأصل "كذا".
(٤) هـ "قول".
(٥) ك وع "كعب بن زهير".
(٦) من البسيط من قصيدة كعب بن زهير المشهورة والرواية في الديوان ص ٩. أرجو وآمل أن يعجلن في أبد وما لهن طوال الدهر تعجيل وعلى هذا فلا شاهد في البيت.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
فقد حصل لـ "إخال" بتقدم نافيه توسط سهل إلغاءه.
وكذا قول الآخر:
(٢٩٤) - كذاك أدبت حتى صار من خلقي (١) أني رأيت ملاك الشيمة الأدب
إلغاء (٢) "رأيت" فيه سهلة تقدم "إني".
فلو لم (٣) يتقدم على الفعل شيء لم يجز إلغاؤه.
لكن يجوز التعليق على أن يُنْوَى لام الابتداء، أو يُنْوَى ضمير الشأن وتجعل (٤) الجملة مفعولًا ثانيًا.
"ص":
واستقبحوا توكيد ما يلغى وإن تضمره أو تشر لمعناه يهن
"ش": التوكيد يدل على الاعتناء بالمؤكد. والإلغاء يدل على
_________________
(١) سقط الشطر الأول من البيت من الأصل ومن هـ.
(٢) هـ "ألغى".
(٣) سقط "لم" من الأصل.
(٤) في الأصل "ويجعل" وفي ع "وجعل".
(٥) من البسيط ثاني بيتين ذكرهما أبو تمام في حماسته بنصب القافية ونسبهما لبعض الفزاريين. ملاك الشيء: ما يقوم به. الشيمة: الخلق. "ينظر: شرح الحماسة للتبريزي ٣/ ١٤٨، همع ١/ ١٥٣، الخزانة ٤/ ٥، ٣٣٣، شرح الكافية للرضي ٢/ ٢٨٠".
[ ٢ / ٥٥٨ ]
عدم الاعتناء بالملغي. فلذلك قبح (١) توكيد ما ألغي (٢) من هذه الأفعال نحو: "زيد ظننت ظنًّا منطلق".
فلو أضمر المصدر، أو أشير إلى معناه اغتفر ذلك نحو: "زيد ظننته مقيم" أو "ظننت ذاك" (٣).
ومنه قول الشاعر:
(٢٩٥) - يا عمرو إنك قد مللت صحابتي وصحابتيك -إخال ذاك- قليل
وإنما اغتُفر التوكيد بالضمير، واسم الإشارة؛ لأنهما لا يتنزلان منزلة تكرير الفعل.
بخلاف التوكيد بصريح المصدر، فإنه بمنزلة تكرير الفعل، فقبح كما يقبح (٤) تكرير الفعل إذا أُلغي.
"ص":
تعليق أفعال القلوب غير "هب" من قبل لام الابتداء قد وجب
وقبل منفي بـ "ما" و"لا" و"إن" وما للاستفهام وضعه زكن
_________________
(١) من الكامل "المقرب ٢٢ والمغني ٦٤٢".
(٢) هـ "فتح".
(٣) "هـ "يلغي".
(٤) ك وع "ظننت ذلك منه".
(٥) ع سقط "كما يقبح".
[ ٢ / ٥٥٩ ]
وهو عبارة عن إبطال العمل لفظًا فحسب (١) كـ"أدر أي الناس جل"
"ش": مما يختص بأفعال القلوب غير "هب" التعليق، وهو إبطال العمل لفظًا لا معنى على سبيل اللزوم.
وسببه أن يقع بين الفعل، وبين ما يتعلق به لام الابتداء نحو: "علمت لزيد قائم".
أو استفهام نحو: "علمت أزيد عندك [أم عمرو"؟
أو نفي بـ"ما" أو "لا" أو "إن"، نحو: "علمت ما زيد عندك". و"علمت لا زيد عندك] (٢) ولا عمرو" و"علمت إن زيد قام".
ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلا﴾ (٣)، و[قوله]: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُون﴾ (٤).
"ص":
ومع الاستفهام (٥) ألحق بـ"علم" ما منه عرفان (٦). ونحوه فهم
_________________
(١) ع "فحسبت".
(٢) هـ سقط ما بين القوسين.
(٣) من الآية رقم "٥٢" من سورة "الإسراء".
(٤) من الآية رقم "٦٥" من سورة "الأنبياء".
(٥) ع س ك ش "استفهام".
(٦) هـ "إفهام".
[ ٢ / ٥٦٠ ]
وهكذا مبدي (١) سؤال، أو نظر منتسب للقلب، أو إلى البصر (٢)
ما بين الاستفهام، والمعلق بنصبه، أو رفعه احكم وانطق
نحو: "علمت النضر من هو"؟ فإن ترفع تصب والنصب بالفضل (٣) قمن
واجعل كذي استفهام المضاف له في مقتضى التعليق واعرف مثله (٤)
فكـ"درى أيهم خير": "درى غلام أي" فامنع التأثرا
"ش": الإشارة بما فهم منه عرفان، ونحوه إلى "عرف" و"شعر" و"فقه" (٥) "فطن" (٦) وما أشبه ذلك نحو:
"عرفت من أبوك"؟ و"شعرت أي أمر حبسك"؟ و"فطنت
_________________
(١) س ش ط ك ع "مجدي".
(٢) هـ "وللبصر".
(٣) هـ سقط "بالفضل".
(٤) هكذا ورد هذا البيت في الأصل وفي س وقد ورد في باقي النسخ كما يلي: واجعل كذي استفهام المضافا إليه في التعليق حيث وافى وفي ط جاء "التقليق" موضع "التعليق" في هذا البيت.
(٥) في الأصل "نقه".
(٦) هـ "وظن".
[ ٢ / ٥٦١ ]
أذلك حق أم باطل"؟ والإشارة بـ
مبدي (١) سؤال أو نظر . . . . . . . . . .
إلى نحو: "استخبرت هل زيد قائم"؟ و"فكرت هل ذلك كائن"؟ و"نظرت هل عندك ريب"؟
ويلحق بهذا ما دل على رؤية عين كقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (٢) ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ (٣).
وأسماء الاستفهام في ذلك كحروفه.
وكذلك المضاف إلى ما فيه معنى الاستفهام، فلذلك قلت:
فكـ"درى أيهم خير" "درى غلام أي". . . . . . . . . . .
أي: لا فرق بين "أي" وبين "غلام أي" في عدم التأثر بـ"درى".
لأن المستفهم به، والمضاف إليه في عدم التأثر بما قبلهما سيان.
وكذلك هما سيان في قبول التأثر بما بعدهما كقوله
_________________
(١) هـ "بمبتدى" وك وع "بمجدي".
(٢) الآية رقم "٢٣" من سورة "المطففين".
(٣) من الآية رقم "٣٦" من سورة "المطففين".
[ ٢ / ٥٦٢ ]
تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون﴾ (١).
فإن كان الواقع بين المعلق، والمعلق غير مضاف: نحو: "علمت زيدًا من هو" جاز نصبه، وهو الأجود، لكونه غير مستفهم به، ولا مضاف إلى مستفهم به.
وجاز -أيضًا- رفعه؛ لأنه المستفهم عنه في المعنى.
وهذا شبيه بقوله: "إن أحدًا لا يقول ذلك".
فـ"أحد" (٢) هذا لا يستعمل إلا بعد نفي.
وهنا قد وقع النفي، لأنه والضمير في "لا يقول" شيء واحد في المعنى.
"ص":
واخصص بفعل القلب نحو "خلتني" واستندروا "عدمتني" فقدتني"
و"خاله" و"خلتك" استبح وقس وامنع "ضربتني" وشبهه تكس (٣)
"ش": مما يختص بالأفعال القلبية إعمالها في ضميري رفع
_________________
(١) من الآية رقم "٢٢٧" من سورة "الشعراء".
(٢) ك وع "وأحد".
(٣) هكذا في الأصل وجاء موضع هذين البيتين في باقي النسخ: ونحو خلك خاله وخلتني خصوا بقلبي ومع فقدتني عدمتني شذ وقل رأيتني رؤيا ورؤية بلا توهن ومعنى تكس: تغلب.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ونصب متصلين مع اتحاد المسمى نحو: "علمتني فقيرًا (١) إلى عفو الله". وكذا "علمتك" و"علمه" (٢).
ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٣).
وأشرك في هذا مع الأفعال القلبية: "رأيت" الحلمية والبصرية.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُإِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ (٤).
وقالت عائشة ﵂:
"لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وما لنا من طعام إلا الأسودان" (٥).
وهو كثير (٦) في الشعر الفصيح.
وشذ هذا الاستعمال في "عدم" و"فقد"، قال جران العود:
_________________
(١) ع "فقير".
(٢) ك ع هـ "علمته".
(٣) الآيتان "٧، ٨" من سورة "العلق".
(٤) من الآية رقم "٣٦" من سورة "يوسف".
(٥) أخرجه مالك في الموطأ باب صفة النبي ٣١ وأحمد ٢/ ٢٩٨، ٢٥٥، ٤٠٥، ٤١٦، ٤٥٨ و٤/ ١٩، ١٦/ ٧١، ٨٦.
(٦) هـ "كبير".
[ ٢ / ٥٦٤ ]
٢٩٦ - لقد كان لي عن ضرتين عدمتني وعما ألاقي منهما متزحزح
وقال آخر في "فقدتني":
٢٩٧ - ندمت على ما كان مني فقدتني كما يندم المغبون حين يبيع
ولا يجوز في "أكرم" وشبهه أن يقال: "أكرمتني" و"أكرمتك" بل الواجب إذا قصد "ذلك أن يقال: "أكرمت نفسي" و"أكرمت نفسك".
فلو كان أحد الضميرين منفصلًا جاز إسناد الفعل إلى أحدهما، وإيقاعه على الآخر دون اختصاص بأفعال القلوب نحو: "ما أكرمت إلا إياي".
_________________
(١) من الطويل من قصيدة لجران العود "لديوان ص ٤٠". قال الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٠٦: "وقد تقول العرب في "ظننت" وأخواتها من رأيت وعلمت وحسبت "أظنني قائمًا" "ووجدتني صالحًا". لنقصانهما وحاجتهما إلى خبر سوى الاسم. وربما اضطر شاعر فقال: عدمتني وفقدتني فهو جائز وإن كان قليلًا، قال الشاعر وهو جران العود: لقد كان بي عن ضرتين عدمتني ".
(٢) من الطويل قاله قيس بن ذريح "الاقتضاب ٣٦٩". قال القالي في الأمالي ١/ ١٣٦ أنشدني إبراهيم بن سهل لقيس بن ذريح، والناس ينحلونها غيره، وبعضهم يصححها له ثم ذكر قصيدة عدتها واحد وعشرون بيتًا منها الشاهد.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
فصل في إجراء القول مجرى الظن:
"ص":
بالقول تحكى (١) وفروعه الجمل وما بمعناه انصبنه كالمثل
والقول مطلقًا كظن عملا عند سليم، وعلى ذا حملا
"قالت- وكنت رجلًا فطينا- هذا لعمر الله إسرائينا"
وغيرهم يخص ذا بـ"تفعل" إذا بالاستفهام قبل يوصل
كمثل: "هل تقول: زيدًا (٢) منجدا"؟ وبعضهم فيه روى مستشهدا
"متى تقول: القلص الرواسما يحملن أم قاسم وقاسما"؟
والفصل بالمفعول أو بالظرف أو بالخافض اغتفر وراع ما رعوا
واحك لفضل بسواهن كـ"هل أنت تقول عامرًا قد ارتحل"؟
_________________
(١) في الأصل وط وس وش "يحكى" -بالياء.
(٢) ع "زيد".
[ ٢ / ٥٦٦ ]
"ش": الأصل فيما تعلق (١) من الجمل بقول أن يورد محكيًّا، سواء كان فعلًا أو مصدرًا، أو اسم فاعل.
فإن كان المتعلق به مفردًا بمعنى جملة نصب بالقول نحو قولك: "قلت مثلًا، وقلت حديثًا، وشعرًا، وخطبة، وقصة".
ونحو ذلك.
وبنو سليم يجرون القول مجرى الظن سواء كان فعلًا ماضيًا، أو مضارعًا أو أمرًا، أو اسم فاعل، أو مصدرًا فيقولون:
"قلت: زيدًا منطلقًا"، و"أعجبني قولك عمرًا مقيمًا" و"أنت قائل بشرًا كريمًا".
وعلى هذه اللغة تفتح "إن" بعد "قلت" وشبهه قال الحطيئة (٢):
(٢٩٨) - إذا قلت: أني آيب أهل بلدة وضعت بها عنه الولية بالهجر
كذا أنشده أبو علي في التذكرة.
_________________
(١) ك وع "يتعلق".
(٢) هـ "الخطية".
(٣) من الطويل قاله الحطيئة "الديوان ص ٢٢٥". آيب: آت ليلًا. الهجر: نصف النهار. الولية: البرذعة التي تحت الرحل.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وغير سليم يشترطون في جريان القول مجرى الظن أن يكون فعلًا مضارعًا، مسندًا إلى مخاطب، متصلًا باستفهام.
فإن فصل بينه وبين الاستفهام أحد المفعولين، أو ظرف أو جار ومجرور لم يضر الفصل.
فإن فصل بغير ذلك بطلت موافقة الظن، وتعينت الحكاية نحو قولك: "أأنت تقول؛ زيد راحل"؟
ومن الفضل المغتفر قول الشاعر (١):
(٢٩٩) - أجهالا تقول بني لؤي لعمر أبيك أم متجاهلينا
وتقول إذا فصلت بظرف أو جار (٢) ومجرور:
"أغدًا (٣) تقول: زيدًا راحلًا"؟
و"أفي الدار تقول عمرًا جالسًا"؟
والحكاية جائزة إذا كملت شروط إجراء القول مجرى الظن؛ لأنه الأصل.
_________________
(١) ك وع "وهو عمر بن أبي ربيعة".
(٢) في الأصل "وجار ومجرور".
(٣) هـ سقطت الهمزة من "أغدا".
(٤) من الوافر قاله الكميت بن زيد الأسدي من قصيدة يفتخر فيها على اليمن ويذكر فضل مضر عليهم. بنو لؤي: يريد بهم معشر قريش. "ينظر: سيبويه ١/ ٦٣، المقتضب ٢/ ٢٤٩، شرح المفصل ٧/ ٧٨، الخزانة ١/ ٤٢٣، ٤/ ٢٣، العيني ٢/ ٤٢٩، همع الهوامع ١/ ١٥٧، الدرر اللوامع ١/ ١٤٠".
[ ٢ / ٥٦٨ ]
فصل "أعلم" وما جرى مجراه:
"ص":
"أعلم" مفاعيل ثلاثة نصب ولـ"أرى" مرادفًا هذا وجب
وقل في "حدث" ثم "نبأ" وقيس (١) فعلا "خبر" و"أنبأ"
بهمزة النقل "رأي" و"علما" توصلا (٢) لثالث تقدما
وفاعلًا كان وتلواه هما على الذي كانا عليه فاعلما
"ش": "أعلم" و"أرى" هما "علم" و"رأى" المتعديان إلى مفعولين هما في الأصل مبتدأ وخبر.
ثم أدخلت عليهما همزة التعدية، وتسمى همزة النقل فازدادا مفعولًا ثالثًا، وهو الذي كان فاعلًا قبل النقل كقولك:
_________________
(١) س وش "وقس".
(٢) ع "تواصلا".
[ ٢ / ٥٦٩ ]
"أعلم ابني خالدا زيدا أخا"، وأصله (١) علم خالد زيدا أخا، فدخلت الهمزة، وأسند "أعلم" إلى الابن، ونصب "خالدا" مفعولا بعد أن كان فعلا، فتكمل (٢) به لـ"أعلم" ثلاثة مفاعيل.
والكلام على "أرى" كالكلام على "أعلم".
ولم يلحق سيبويه (٣) بـ"أعلم" و"أرى" إلا "نبأ"، والمشهور تعديها إلى واحد، وإلى غيره بحرف جر.
ومن تعديها إلى ثلاثة قول النابغة الذبياني:
(٣٠٠) - نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إليَّ غرائب الأشعار
_________________
(١) ع "وأصل"
(٢) ك وع "فيكمل".
(٣) قال سيبويه في الكتاب ١/ ١٩: "هذا باب الفاعل يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين، ولا يجوز أن تقتصر على مفعول منهم واحد دون الثلاثة؛ لأن المفعول ههنا كالفاعل في الباب الأول الذي قبله في المعنى. وذلك قولك: "أرى الله بشرا زيدا أباك" و"نبأت زيدا عمرا أبا فلان". و"أعلم الله زيدا عمرا خيرا منك".
(٤) قائله النابعة الذبياني "الديوان ص ٩٧" وهو من الكامل. زرعة هو ابن عمرو بن خويلد. السفاهة: الطيش وخفة الأحلام. غرائب الأشعار: ما لم يعهد مثله ورواية الديوان: "أوابد الأشعار".
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وزاد أبو علي "أنبأ".
وزاد السيرافي "حدث" و"خبر" و"أخبر" (١):
وشاهد "حدث" [قول الحارث بن حلزة:
(٣٠١) - أو منعتم ما تسألون فمن حد ثتموه له علينا العلاء] (٢)
وأنشد ابن خروف في "شرح الكتاب شاهدا على "أنبأ":
(٣٠٢) - وأنبئت (٣) قيسا ولم أبله كما زعموا خيرا أهل اليمن
وأنشد غيره على "خبر" (٤):
_________________
(١) هكذا في الأصل. وفي هـ وع وك "وأخبر وخبر".
(٢) سقط ما بين القوسين من هـ.
(٣) في الأصل "ونبئت".
(٤) سقط من الأصل ومن هـ "على خبر".
(٥) من الخفيف من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري. والخطاب لبني تغلب.
(٦) من المتقارب قاله الأعشى ميمون بن قيس من قصيدة في مدح قيس بن معد يكرب "الديوان ٢٢" ورواية الديوان هي رواية الأصل ونبئت من غير همزة ومعنى لم أبله: لم أختبره.
[ ٢ / ٥٧١ ]
(٣٠٣) - وخبرت (١) سوداء الغميم مريضة فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
وأنشدوا -أيضا- على "أخبر":
(٣٠٤) - وما عليك إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يوما أن تعوديني
"ص":
سوى "رأى" من أخواته جرى مع همزة النقل كما يجري "أرى"
بذلك الأخفش قدما حكما ومن يخالفه هنا فقد سما
_________________
(١) سقطت الواو من الأصل.
(٢) من الطويل رواه أبو تمام في حماسته ٢/ ٢٧٣ ونسبه التبريزي ٣/ ٣٤٥ إلى العوام بن عقبة بن كعب بن زهير. وللبيت روايات منها رواية المصنف هنا وهي رواية ديوان الحماسة. وروايته في شرح عمدة الحافظ ٣٥، وشرح التسهيل ١/ ٨١: . . . . . . . . . . . فأقبلت من أهلي بمصر أزورها والغميم: واد من ديار تميم. سوداء الغميم: امرأة كانت تنزل هذا الوادي فنسبت إليه واسمها ليلى.
(٣) من البسيط ينسب لرجل من بني كلاب "العيني" ٢/ ٤٤٣". ورواية البيت في ديوان الحماسة ٢/ ٢٤٣. ماذا عليك إذا اخبرتني دنفا رهن المنية يوما أن تعوديني أو تجعلي نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقيني دنفا: مشرفا على الهلاك.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
"ش": أجاز الأخفش أن يعامل غير "علم" و"رأى" من أخواتهما القلبية الثلاثية معاملتهما في النقل إلى ثلاثة بالهمزة.
فيقال على مذهبه: "أظننت زيدا عمرا فاضلا (١)، وكذلك: "أحسبته" و"أخلته" و"أزعمته".
ومذهبه في هذا ضعيف لأن المعدي بالهمزة فرع المعدي بالتجرد [وليس في الأفعال متعديا بالتجرد] (٢) إلى ثلاثة فيحمل عليه متعد (٣) بالهمزة.
فكان مقتضى هذا ألا ينقل "علم" و"رأى" إلى ثلاثة.
لكن ورد [السماع بنقلهما فقبل.
ووجب ألا يقاس عليهما، ولا يستعمل استعمالهما إلا ما سمع.
ولو ساغ القياس] (٤) على "أعلم" و"أرى" (٥) لجاز أن يقال: "أكسيت زيدا/ عمرا ثوبا". وهذا لا يجوز بإجماع.
_________________
(١) قال ابن جني في الخصائص ١/ ٢٧١: "وأجاز أبو الحسن "أظننت زيدا عمرا عاقلا" ونحو ذلك، وامتنع منه أبو عثمان وقال: استغنت العرب عن ذلك بقولهم: "جعلته يظنه عاقلا".
(٢) سقط ما بين القوسين من هـ.
(٣) ع "متعديا".
(٤) سقط ما بين القوسين من هـ.
(٥) سقط من هـ "وأرى".
[ ٢ / ٥٧٣ ]
"ص":
وأجر مجرى (١) "خلت" فعلا صيغ من ذا الباب للمفعول حيثما يعن
وإن يكن من باب "خلت" لحقا بـ"كان" (٢) نحو: "خيل زيد مشفقا"
"ش": دخول همزة النقل، وصوغ الفعل للمفعول متقابلان بالنسبة لما ينشأ عنهما.
فدخول الهمزة على الفعل يجعله متعديا إلى مفعول لم يكن (٣) متعديا إليه [بدونها.
وصوغه للمفعول يجعله قاصرا عن مفعول كان متعديا إليه قبل الصوغ] (٤). فالذي لا يتعدى إن دخلته همزة النقل تعدي إلى واحد. والمتعدي إلى واحد يتعدى بها إلى اثنين. والمتعدي إلى اثنين يتعدى بها إلى ثلاثة. والمتعدي إلى ثلاثة (٥) بصوغه للمفعول [يصير متعديا إلى اثنين.
وذو الاثنين يصير متعديا إلى واحد. وذو الواحد يصير غير
_________________
(١) ع "وأجر معنى".
(٢) هـ "بكل".
(٣) هـ "إلى مفعول كان متعديا".
(٤) سقط ما بين القوسين من هـ.
(٥) ع وك "وذو الثلاثة".
[ ٢ / ٥٧٤ ]
متعد. وإن كان المصوغ للمفعول] (١) من باب "أعلم" لحق باب "ظن".
وإن كان من باب "ظن" لحق بباب "كان".
فتقول في: "أعلم الله زيدا عمرا فاضلا": "أعلم زيد عمرا فاضلا" (٢).
فيجري مجرى: "علم زيد عمرا فاضلا" في معناه وحكمه.
وتقول في "علم زيد عمرا فاضلا": "علم عمرو فاضلا".
فيجري مجرى: "كان عمرو فاضلا" في الأحكام كلها.
والله الموفق (٣).
_________________
(١) سقط ما بين القوسين من هـ.
(٢) زادت ع بعد قوله: "أعلم زيد عمرا فاضلا"، علم عمرو فاضلا.
(٣) هكذا في الأصل وسقط "والله الموفق" من باقي النسخ.
[ ٢ / ٥٧٥ ]